الثورة الدائمة .pdf



Nom original: الثورة الدائمة.pdf

Ce document au format PDF 1.4 a été généré par Adobe InDesign CS3 (5.0.4) / Adobe PDF Library 8.0, et a été envoyé sur fichier-pdf.fr le 07/06/2012 à 19:43, depuis l'adresse IP 41.251.x.x. La présente page de téléchargement du fichier a été vue 1250 fois.
Taille du document: 1.7 Mo (150 pages).
Confidentialité: fichier public


Aperçu du document


‫‪2‬‬

‫‪1‬‬

‫الثورة الدائمة‬

‫حزيران‬
‫‪2012‬‬
‫جريدة ماركسية ثورية‪ ،‬فصلية‪ ،‬عربية‬

‫امل�شكلة الطائفية يف م�صر والبديل العلماين الثوري؛ ال�صراع الطبقي والثورة امل�صرية؛‬
‫االنتخابات الرئا�سية امل�صرية‬
‫«ما ينبغي قوله»‪ ،‬بعد ع�شرين �سنة على اتفاق �أو�سلو؛ غزة حتت احل�صار‬
‫مالحظات نقدية حول املعار�ضة ال�سورية‬
‫العراق وخما�ض ت�شكيل دولة تقدمية حديثة‬
‫االبعاد الطبقية والتاريخية ل�صعود احلركات اال�سالمية يف لبنان‬
‫ال حترر للمغرب‪ ،‬من دون االنعتاق من التبعية لالمربيالية‬
‫املديونية اخلارجية والثورة التون�سية‬

‫الثورة الدائمة‬

‫صورة الغالف بعدسة محمد جمال الدين‪ 30 ،‬اذار‪/‬مارس ‪2012‬‬
‫«ناشطون‪/‬ات يحاولون اسقاط حائط وضعته السلطات في القاهرة‪ ،‬مصر»‬

‫‪2‬‬

‫الثورة الدائمة‬

‫‪2‬‬

‫حزيران‬
‫‪2012‬‬

‫جريدة ماركسية ثورية‪ ،‬فصلية‪ ،‬عربية‬

‫‪3‬‬

‫الثورة الدائمة‬

‫جريدة ماركسية ثورية‪ ،‬فصلية‪ ،‬عربية‬
‫الناشرون‪ :‬المنتدى االشتراكي (لبنان)‪ ،‬منظمة االشتراكيين الثوريين (مصر)‪،‬‬
‫تيار المناضل‪-‬ة (المغرب)‪ ،‬رابطة اليسار العمالي (تونس)‬
‫لالتصال‪prj@socialist-forum.org :‬‬

‫‪www.prjournal.socialist-forum.org‬‬

‫«الثورة الدائمة» العدد ‪ ،2‬ربيع ‪2012‬‬
‫بيروت‪ 4 ،‬حزيران ‪2012‬‬

‫المقاالت الموقعة باسماء كتابها ال تعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير‬

‫‪4‬‬

‫‪5‬‬

‫الثورة الدائمة‬

‫المحتويات‬
‫افتتاحية العدد‪« :‬الثورة الدائمة»‪ ،‬يف عددها الثاين‪ :‬هل ربحنا التحدي؟ �ص‪7 -‬‬
‫‪ (1‬م�صر والثورة‬
‫ امل�شكلة الطائفية يف م�صر والبديل العلماين الثوري‬‫ ال�صراع الطبقي والثورة امل�صرية‬‫‪ -‬االنتخابات الرئا�سية امل�صرية‪ :‬ما هو املوقف اال�سلم؟‬

‫�ص‪9 -‬‬

‫‪ (2‬فل�سطني‪ :‬املقاومة وال�سلطة‬
‫ «ما ينبغي قوله»‪ ،‬بعد ع�شرين �سنة على اتفاق �أو�سلو‬‫‪ -‬غزة حتت احل�صار‬

‫�ص‪39 -‬‬

‫‪� (3‬سوريا‪ :‬الثورة واملعار�ضة‬
‫‪ -‬مالحظات نقدية حول املعار�ضة ال�سورية‬

‫�ص‪65 -‬‬

‫‪ (4‬العراق وخما�ض ت�شكيل دولة تقدمية حديثة‬

‫�ص‪85 -‬‬

‫‪ (5‬االبعاد الطبقية والتاريخية ل�صعود احلركات اال�سالمية يف لبنان‬

‫�ص‪105 -‬‬

‫‪ (6‬ال حترر للمغرب‪ ،‬من دون االنعتاق من التبعية لالمربيالية‬

‫�ص‪123 -‬‬

‫‪ (7‬املديونية اخلارجية والثورة التون�سية‬

‫�ص‪141 -‬‬

‫الثورة الدائمة‬

‫‪6‬‬

‫الثورة الدائمة‬

‫‪7‬‬

‫افتتاحية العدد‬

‫«الثورة الدائمة»‪ ،‬في عددها الثاني‪ :‬هل ربحنا‬
‫التحدي؟‬
‫هيئة التحرير‬

‫العدد الثاين من «الثورة الدائمة»‪ ،‬يف متناول القراء‪ ،‬بني امل�شرق واملغرب‪ ،‬ومن بريوت �إلى‬
‫الدار البي�ضاء‪ ،‬مروراً بالقاهرة‪ .‬فهل ربحنا التحدي؟‬
‫ال�س�ؤال‪ ،‬هنا‪ ،‬يتطلب‪ ،‬بال�ضرورة‪ ،‬جواباً‪ ،‬وجواباً على درجة معقولة من اليقني‪ ،‬يف حال جرى‬
‫تقدميه‪ .‬وهو ما لي�س با�ستطاعتنا اجلزم ب�صدده‪ ،‬منذ الآن‪ .‬كل ما ن�ستطيعه �إمنا هو �إعالن‬
‫�ضي يف‬
‫نوايا‪ ،‬و�إن نكن متكنّا‪� ،‬إلى هذه اللحظة‪ ،‬من ت�سجيل نقطة يف املرمى‪ .‬بَيْ َد �أنها تتطلَّب امل ُ َّ‬
‫ذل و‪ ...‬ت�ضحيات!‬
‫الت�سجيل‪ .‬وهو ما نتطلَّع �إليه‪ ،‬ونبدي ا�ستعدادنا لبذل ما ي�ستدعيه من بَ ٍ‬
‫ذاك �أن «منفاخ احلدادة»‪ ،‬الذي حتدث عنه لينني‪ ،‬يف كتابه‪« ،‬ما العمل؟»‪ ،‬قبل مئة وع�شرة‬
‫�أعوام‪ ،‬ال بد من �أن يلعب دوره يف �إذكاء نار ثورةٍ ت�شتعل يف �أماكن �شتى من منطقتنا‪ ،‬وال بد‬
‫من �أن يندفع‪� ،‬صاخباً‪ ،‬من رمادها‪ ،‬طائر الفينيق‪ ،‬تعبرياً عن والدة عامل جديد طاملا حلم به‬
‫معذبو الأر�ض‪ ،‬بح�سب عبارة فرانز فانون‪ ،‬الذين �سيبقون يرفعون راي ًة دامية‪ ،‬ت�ضيء ك�شم�س‪،‬‬
‫ميتزج‪ ،‬يف حمرتها القانية‪ ،‬ال�شقاءُ والأمل بالوعد الرائع مبجتمع خمتلف‪ ،‬هو جمتمع ال�سعادة‬
‫الإن�سانية‪ ،‬واحلرية‪ ،‬والتوازن‪ ،‬واالن�سجام‪ ،‬والعقالنية‪ ،‬والعدل‪ .‬وذلك �إلى اليوم الذي يتحقق‬
‫فيه‪ ،‬كام ً‬
‫ال‪ ،‬هذا الوعد‪.‬‬
‫ومن الآن حتى يكون ذلك‪� ،‬سوف يتمكن كثريون من �أن ي�شعروا‪ ،‬وهم يقر�أون «الثورة الدائمة»‪،‬‬
‫وانعدام للمنطق‪ ،‬ووح�شية‪ ،‬وب�شاعة‪ ،‬وي�سمعوا‪ ،‬يف الوقت‬
‫بكل ما يف العامل الراهن من ظلم‪،‬‬
‫ٍ‬
‫عينه‪ ،‬الن�شيج العميق لكل املظلومني‪ ،‬وبينهم �أطفال احلولة‪ ،‬املذبوحون بخناجر �آل الأ�سد‪،‬‬

‫الثورة الدائمة‬

‫‪8‬‬

‫ُ‬
‫وبع�ضهم‪ ،‬وهم كُثرُ ‪ ،‬مل تفطمهم �أمهاتهم بعد! �أكرث من ذلك‪� ،‬سريون ب� ِ ّأم‬
‫و�شالي�ش‪ ،‬وخملوف‪،‬‬
‫�أعينهم ده�شة ه�ؤالء الأطفال‪ ،‬وهم يغادرون احلياة‪ ،‬ب� ٍأمل هائل‪ ،‬ويف �أنف�سهم �س�ؤا ٌل ذاه ٌل‪،‬‬
‫ومريع‪« :‬ملاذا؟ وب� ِ ّأي ذنب؟!»‬
‫م�سعى حقيقي – يف هذه املجلة التي �أردناها ل�سان حال الثوريني‪ ،‬يف‬
‫كما �أنهم �سيعرثون على‬
‫ً‬
‫الوطن العربي الكبري‪ ،‬من �شتى القوميات والأجنا�س واملعتقدات‪ ،‬ومن كل امل�شارب الفكرية‬
‫والثقافية – ال�ستك�شاف تناق�ضات ال�سريورة الثورية املع َّقدة‪ ،‬والعظيمة‪ ،‬يف � ٍآن‪ ،‬التي تندفع‪،‬‬
‫هنا وهناك‪ ،‬ول�شد �أزر الأمواج الب�شرية‪ ،‬املتدفقة �إلى ال�ساحات وامليادين‪� ،‬أو الواقفة �أمام‬
‫مراكز االقرتاع‪� ،‬أو املعت�صمة‪ ،‬يف الور�ش واملعامل واملزارع‪ ،‬واملدار�س واجلامعات‪ ،‬ناهيكم‬
‫عن الإدالء بدلوها‪ ،‬بخ�صو�ص �آراء الن�شطاء‪ ،‬واملنا�ضلني احلزبيني‪ ،‬املربكني‪� ،‬أواملرتددين‪� ،‬أو‬
‫املتورطني يف �أخطاء تتفاوت خطورة‪� ،‬إزاء مالب�سات ال�سريورة الثورية الراهنة‪ ،‬وما تطرحه‬
‫عليهم من مهام‪.‬‬
‫بعون حقيقي من لَ ُدن كل املهتمني بانت�صار‬
‫�إنه العدد الثاين من «الثورة الدائمة»‪ .‬وع�سى نحظى ٍ‬
‫�شيء كنا وال نزال ن�سميه الثورة العربية‪َ ،‬مدخ ً‬
‫ال للثورة العاملية‪ .‬وع�سى نتمكن بذلك من ك�سب‬
‫التحدي‪ ،‬عرب موا�صلة حتريك منفاخ احلدادة املتوا�ضع هذا‪ ،‬بحيث ينجح‪ ،‬الحقاً‪ ،‬يف �أن يفعل‬
‫فعله‪« ،‬يف كل �شرارات الن�ضال الطبقي‪ ،‬وال�سخط ال�شعبي‪ ،‬ويجعل منها حريقاً عاماً»‪.‬‬

‫الثورة الدائمة‬

‫‪1‬‬

‫‪9‬‬

‫مصر والثورة‬

‫الثورة الدائمة‬

‫‪10‬‬

‫‪11‬‬

‫الثورة الدائمة‬

‫المشكلة الطائفية في مصر والبديل‬
‫العلماني الثوري‬
‫عاطف شحات سعيد ‪ -‬اشتراكي ثوري مصري‬

‫منذ فرباير‪�/‬شباط عام ‪ ،2011‬وبعد الثورة امل�صرية‪ ،‬ت�شري بع�ض االح�صاءات الى انه مت‬
‫حرق وهدم حوالى ‪ 12‬كني�سة يف م�صر‪ .‬وهذه فقط بع�ض الأمثلة‪ :‬منها كني�سة ب�أطفيح على‬
‫حدود القاهرة يف مار�س‪�/‬آذار ‪ ،2011‬وب�أمبابة مبحافظة اجليزة‪ ،‬يف �شهر مايو‪�/‬أيار ‪،2011‬‬
‫وكني�سة مار مينا ب�سوهاج‪ ،‬يف مايو ‪� 2011‬أي�ضاً‪ ،‬وكني�سة مار جرج�س‪ ،‬باملريناب ب�أ�سوان‪ ،‬يف‬
‫�سبتمرب‪�/‬أيلول ‪ ،2011‬و�أي�ضاً كني�سة العذراء بال�شرقية‪ ،‬يف فرباير‪�/‬شباط ‪ .2012‬ويف �أكتوبر‪/‬‬
‫ت�شرين الأول ‪ ،2011‬قامت قوات الأمن واجلي�ش امل�صريني‪ ،‬مب�ساعدة بلطجية‪ ،‬باالعتداء‬
‫على متظاهرين كانوا يتظاهرون �سلمياً امام مبنيي ما�سبريو ـ االذاعة والتليفزيون ـ يف و�سط‬
‫القاهرة‪ ،‬وو�صل الأمر الى ده�س املتظاهرين مبدرعات اجلي�ش‪.‬‬
‫كان املتظاهرون مبعظمهم من االقباط‪ ،‬وكان هناك عدد كبري من امل�صريني امل�سلمني املت�ضامنني‬
‫معهم‪ .‬وكان �سبب تظاهرهم االعرتا�ض على حرق كني�سة �أ�سوان‪ .‬قام التليفزيون امل�صري‬
‫بالكذب وبالتحري�ض ال�صريح وال�سافر �ضد املتظاهرين‪ ،‬وقال انهم يحملون ا�سلحة لالعتداء‬
‫على اجلي�ش‪ ،‬ودعا امل�صريني لأن يهبوا لنجدة اجلي�ش امل�صري �ضد املتظاهرين االقباط‬
‫امل�سلحني‪ .‬ويف فرباير‪�/‬شباط ‪ ،2012‬قررت جل�سة عرفية بقيادة �شيوخ �سلفيني‪ ،‬وبح�ضور‬
‫قيادات �أمنية‪ ،‬تهجري ‪� 8‬أ�سر م�سيحية من قرية �شربات‪ ،‬التابعة ملركز العامرية‪ ،‬مبحافظة‬
‫اال�سكندرية‪ ،‬بعدما �أ�شيع �أن هناك �شاباً م�سيحياً ين�شر �صوراً له جتمعه ب�سيدة م�سلمة من‬
‫القرية ذاتها‪ .‬وكان رد فعل العديد من الأهايل حرق بع�ض املنازل واملحالت القبطية‪ ،‬ونهبها‪.‬‬
‫وانتهى الأمر بقرار املجل�س العريف )الديني – الأمني( ب�أن من م�صلحة الأ�سر القبطية �أن تبيع‬
‫منازلها وتهجر القرية‪ ،‬درءاً للفتنة‪ ،‬وقال الأهايل �إنه ال ميكن �ضمان �سالمة هذه الأ�سر‪ ،‬اذا‬

‫الثورة الدائمة‬

‫‪12‬‬

‫بقيت يف القرية‪ .‬بعد ذلك بفرتة‪� ،‬سمعنا ان بع�ض هذه الأ�سر عادت الى القرية‪ ،‬بعد تدخل‬
‫جلنة برملانية‪ .‬لكن مل يتدخل �أحد لتعوي�ض الأهايل من اخل�سائر املالية التي حلقت بها‪ .‬ويف‬
‫ظل الت�صاعد غري امل�سبوق للإعالم ال�سلفي‪� ،‬شهد االعالم امل�صري �أ�صواتاً تدعو �صراحة لعدم‬
‫تهنئة االقباط ب�أعيادهم‪ .‬وبعد الثورة اي�ضاً تباط�أت احلكومة واملجل�س الع�سكري‪ ،‬يف �إ�صدار‬
‫قانون بناء دور العبادة املوحد‪ ،‬بعد كل هذه احلوادث التي ارتبطت بتعطيل بناء كنائ�س جديدة‪،‬‬
‫�أو ترميم كنائ�س قائمة! واقرتح م�ست�شارو املجل�س الع�سكري واحلكومة �إ�صدار قانون م�ؤقت‬
‫لتنظيم بناء الكنائ�س املخالفة‪ ،‬وترميمها‪ ،‬بدالً من ا�صدار قانون العبادة املوحد! وي�ضاف ايل‬
‫ذلك العديد من الأمور الأخرى‪ ،‬التي ا�ستمرت من فرتة ما قبل الثورة‪ ،‬والتي ت�شري الى وجود‬
‫متييز فا�ضح‪� ،‬ضد االقباط‪ ،‬مثل ا�ستبعادهم من تويل الكثري من الوظائف الهامة‪.‬‬
‫ٍ‬
‫املفارقة �أن هذه الأمور حدثت بعد الثورة‪ .‬واملفارقة �أن الـ‪ 18‬يوماً للثورة‪ ،‬التي انتهت بخلع‬
‫الديكتاتور مبارك‪ ،‬مل ت�شهد �أي اعتداء على �أي كني�سة‪ .‬واملفارقة اي�ضاً انه بالرغم من اتفاق‬
‫القيادات الكن�سية وقيادات الأزهر ودار االفتاء على ادانة املظاهرات يف بداية الثورة‪ ،‬وحتذير‬
‫�شبابهم من االن�ضمام للثورة‪ ،‬ف�إن ذلك مل مينع �شباب الأقباط من امل�شاركة فيها‪ .‬و�شاهدنا‬
‫�صوراً‪ ،‬ا�صبحت مملة من كرثة ما ن�شرت‪ ،‬فيها �شباب �أقباط يحمون رفاقهم امل�سلمني‬
‫ب�أج�سادهم‪� ،‬أثناء �صالة الأخريين‪ ،‬خوفاً من اعتداء بلطجية مبارك ورجال �أمنه‪.‬‬
‫هل انتهت هذه الثورة‪ ،‬هذا احللم الرائع‪ ،‬حيث تعانق امل�صريون‪ ،‬وقدموا حياتهم معاً �ضد‬
‫الطغيان‪ ،‬بال متييز‪ ،‬كما قتلتهم قوات الغدر بال متييز؟ وهل �أ�صبحت الثورة نقمة يف ما‬
‫بعد‪ ،‬بت�صاعد الطائفية يف م�صر؟ وما هو دور الثوريني جتاه هذا الأمر‪ :‬هل ين�ضمون الى‬
‫جوقة علمانيني ليرباليني ال ه َّم لهم �سوى �شتيمة الإ�سالميني‪ ،‬ويطالبون معهم ب�إقامة دولة‬
‫«مدنية» علمانية؟ وهل هذا �أف�ضل طريق لن�ضال الثوريني �ضد الطائفية‪� :‬أن ين�ضموا للعلمانيني‬
‫التقليديني ـ الذين ال هم لهم �سوى ق�ضية هوية الدولة ـ ويتخلوا عن الغاية الأ�سا�سية لدى‬
‫الثوريني‪� ،‬أال وهي �إقامة دولة العدالة االجتماعية‪ ،‬بال طبقات‪ ،‬تقوم على احلرية‪ ،‬وتكاف�ؤ‬
‫الفر�ص‪ ،‬والت�ضامن الإن�ساين‪ ،‬وامل�ساواة؟ والآن‪ ،‬وبعد �أن ا�صبح اال�سالميون يتحكمون بالأغلبية‬
‫الربملانية يف م�صر )كما انهم يديرون احلكومة يف تون�س(‪ ،‬كيف يتعامل معهم الثوريون؟ وهل‬
‫املعب احلقيقي‬
‫يكون الثوريون من �ضيق الأفق‪ ،‬بحيث يرتكون جمل�س مبارك الع�سكري‪ -‬وهو ِ رّ‬
‫عن امل�صالح الر�أ�سمالية‪ ،‬واملمعن يف قتل امل�صريني وا�ستهداف الثورة‪ ،‬ويف الدفاع عن امل�صالح‬
‫االمربيالية يف م�صر‪ -‬ويركزون على املعركة مع اال�سالميني؟ وهل تختزل الثورة يف هذه‬
‫املعركة؟ هذه ال�سطور هي اجتهاد �شخ�صي‪ ،‬وهي جمرد حماولة للتفكري ب�صوت عال يف بع�ض‬
‫هذه الأ�سئلة‪ ،‬وت�صب معظمها ب�صفة عامة يف امل�س�ألة الطائفية اليوم‪ .‬امتنى فقط ان تكون‬

‫الثورة الدائمة‬

‫‪13‬‬

‫بداية حلوار مع الرفاق يف م�صر والعامل العربي حول هذه امل�س�ألة‪ .‬و�س�أبد�أ هذا املقال ببع�ض‬
‫اخللفيات ال�ضرورية‪.‬‬
‫ثالث خلفيات �ضروية‪:‬‬
‫قبل البدء يف مناق�شة ما�آلت الأمور اليه بعد الثورة من املفيد تناول �أمور ثالثة هامة‪� :‬أولها نظري‬
‫والثاين تاريخي والثالث يتعلق ببع�ض التعقيدات العملية احلالية حول الطائفية والعلمانية‪ ،‬يف‬
‫منطقتنا‪ ،‬يف القرن احلادي والع�شرين‪ .‬تتعلق اخللفية الأولى بعالقة املارك�سية بق�ضية الدين‬
‫والعلمانية‪ .‬وتنطلق معظم الكتابات حول هذا الأمر من الن�ص ال�شهري الذي ورد يف �سياق كتاب‬
‫مارك�س يف نقد فل�سفة احلق لهيجل‪ ،‬وهو الن�ص اخلا�ص ب�أن الدين افيون ال�شعوب‪ .‬ويف هذا‬
‫الكتاب ورد الن�ص الوارد �أدناه‪ ،‬وتعريبه‪:‬‬
‫«ال�شقاء الديني هو تعبري عن ال�شقاء الواقعي‪ ،‬وهو احتجاج عليه‪ ،‬من جهة اخرى‪.‬‬
‫قلب عامل ال قلب له‪ ،‬ورو ُح �شروط )اجتماعية( ال روح‬
‫الدين تن ّ ُهدة الكائن امل�ضطهد‪ُ ،‬‬
‫لها‪� .‬إنه �أفيون ال�شعب»‪.‬‬
‫‪«Religious suffering is, at one and the same time, the expression of real suffering‬‬
‫‪and a protest against real suffering. Religion is the sigh of the oppressed creature,‬‬
‫‪the heart of a heartless world, and the soul of soulless conditions. It is the opium‬‬
‫»‪of the people.‬‬

‫وهذا الن�ص قد �أُ�شبع قراءات‪ .‬ولي�س هنا حمل البحث التف�صيلي فيه‪ .‬ورمبا ال ميكن اختزال‬
‫املارك�سية يف عالقتها بالدين يف هذا الن�ص‪ .‬ولك َّن هناك مالحظتني ا�سا�سيتني حوله‪ .‬املالحظة‬
‫الأولى انه ال ميكن ان ننزع فهم الن�ص من ال�سياق التاريخي (‪ )historical context‬املكتوب‬
‫فيه‪ .‬و�أعتقد ان اهم �شىء يف هذا ال�سياق لي�س فقط و�ضعه يف اطار ماعرف بكتابات مارك�س‬
‫ال�شاب ولكن اي�ضاً جوهر كتاباته التي وجه فيها نقداً �شديداً ملا ي�س َّمى باجلدلية املثالية‪ ،‬او‬
‫املثاليني االملان‪ ،‬ومنهم هيجل وفويرباخ‪ .‬ويعد �أهم �أ�س�س نقد مارك�س لهيجل ‪ -‬رغم اعجابه‬
‫ال�شديد به‪ ،‬وبرغم ان مارك�س نف�سه كان من �ضمن جمموعة الهيجليني ال�شباب‪ ،‬الذين كان‬
‫عملهم قراءة هيجل ‪� -‬أن اجلدلية عند هيجل هي مثالية وحتدث يف العقل ال يف الواقع‪ .‬لكن‬
‫اجلدلية احلقيقية التي يجب ان ينتبه اليها النا�س هي اجلدلية املادية‪ .‬ف�أهم �شيء يغري الواقع‬
‫هو تناق�ضات الواقع نف�سه‪ .‬وهذا ملخ�ص مب�سط‪ ،‬ورمبا مبتذل لهذا الكتاب‪ ،‬ولنقد مارك�س‬
‫لهيجل‪ .‬ولكن جوهر الفكرة هنا هو �أن �أي نقد يوجهه مارك�س للدين �أو املثالية يجب ان يفهم‬
‫على �أ�سا�س انه يقول ان كل هذه االفكار ال �أهمية لها �إال يف �ضوء و�ضعها يف الواقع املادي‪،‬‬
‫�أوالً‪.‬‬

‫الثورة الدائمة‬

‫‪14‬‬

‫اما املالحظة الثانية فهي اننا يجب ان ن�ضع الن�ص يف �سياقه الن�صي نف�سه )‪.(textual context‬‬
‫ويف هذا ال�سياق ف�إنه ميكن القول ان هناك قراءتني للن�ص‪ ،‬بالأخذ يف االعتبار �سياق العبارات‬
‫الأخرى املكملة للعبارة‪ .‬املعني الأول هو ان الدين افيون‪ ،‬واملعاناة الدينية هي معاناة �شكلية‪،‬‬
‫لكنها ت�شوه املعاناة احلقيقية‪ ،‬يف العامل‪ ،‬وتختزلها‪ .‬ولذلك فانه يجب التخل�ص من الدين كلية‪،‬‬
‫باعتباره عائقاً يحول بني النا�س و�أن يروا ا�سباب معاناتهم احلقيقية‪ .‬اما القراءة الثانية فهي‬
‫ترى ان مكمن امل�شكلة يف الدين هو انه ميثل عائقاً بني النا�س ور�ؤية معاناتهم احلقيقية‪ .‬الدين‬
‫ميثل قلباً يف عامل ال قلب له وروحاً يف عامل بال روح‪ .‬والدين هنا باخت�صار هو َع َر�ض املر�ض‬
‫ولي�س املر�ض نف�سه‪ .‬وهو كما يقول البع�ض العالج اخلط�أ للم�شكلة «ال�صح»‪� ،‬أال وهي قهر‬
‫االن�سان لالن�سان‪ .‬نعم مارك�س يقول ان االن�سان خلق الدين ولي�س العك�س‪ .‬ونعم رمبا ميكن ان‬
‫نقر�أ هذا الن�ص على �أ�سا�س �ضرورة التخل�ص من الوهم‪ ،‬بداية‪ ،‬لك�شف املر�ض احلقيقي‪ .‬لكن‬
‫اختزال الن�ص يف ان مارك�س كان كل همه االحلاد والعداء للدين‪ ،‬بدون االنتباه الى ان �أ�صل‬
‫امل�شكلة لديه هو تناق�ضات الواقع املادي‪ ،‬ومعاناة الب�شرية‪ ،‬ب�سبب الر�أ�سمالية‪ ،‬ميثل اختزاالً‬
‫مبتذالً‪ .‬وبالطبع ل�ست يف حاجة هنا لرتديد بع�ض العبارات التي رمبا يراها البع�ض عبارات‬
‫طنانة‪� ،‬أال وهي �أن ق�ضية املارك�سية الأ�سا�سية هي التحرر االن�ساين‪ ،‬ولي�س حتقيق العلمانية‬
‫واالحلاد‪ ،‬يف حد ذاتهما‪ ،‬ب�شكل جمرد‪.‬‬
‫وهناك بع�ض الكتاب الي�ساريني الذين نبهوا الى ان الفهم الدوغمائي ملارك�س‪ ،‬وخ�صو�صاً يف‬
‫كتاباته املتعلقة باملادية التاريخية‪ ،‬ي�ؤدي الى افرتا�ض ان الر�أ�سمالية هي دائماً قوة تدفع الى‬
‫العلمانية‪ .‬و�أن طريق الر�أ�سمالية يف �أوروبا الى العلمانية هو طريق حتمي يقود الى العلمانية‬
‫)اي ف�صل الدين عن الدولة(‪ .‬ومن هذا كتابات ا�ستاذ االنرثوبولوجيا ال�شهري‪ ،‬طالل �أ�سد‪ .‬كما‬
‫تقول‪ ،‬مث ً‬
‫ال‪ ،‬ا�ستاذة الفل�سفة الي�سارية‪ ،‬ويندي براون‪ ،‬يف ورقة مقدمة منها بعنوان «نقد للدين‬
‫ونقد للر�أ�سمالية»‪ ،‬يف م�ؤمتر املادية التاريخية ال�ساد�س بلندن‪ ،‬عام ‪ ،2009‬الآتي‪:‬‬
‫‪ capital itself will be seen to entail and generate a certain religiosity, and even‬‏«‬
‫‪to require a religious supplement, a formulation which may shed light on the‬‬
‫»‪convergence of global neoliberalization and a global resurgence of religion.‬‬

‫اي �أنه «�سوف تتم ر�ؤية ر�أ�س املال‪ ،‬بحد ذاته‪ ،‬ي�ستتبع نوعاً من التدين‪ ،‬وي َو ِ ّلده‪ ،‬ال بل‬
‫يتطلب ملحقاً دينياً‪� ،‬صياغة ميكن �أن تلقي ال�ضوء على تالقي نيوليربالية �شاملة مع‬
‫�صعود �شامل للدين‪».‬‬
‫ويقول ا�ستاذ مارك�سي �أخر هو الربتو تو�سكانو ان كتابات مارك�س حول الدين ميكن فهمها‬
‫على �أ�سا�س انها تقوم بعدة ا�شياء يف وقت واحد‪ .‬الأول هو انها موجهة بالأ�سا�س لنقد حركات‬

‫الثورة الدائمة‬

‫‪15‬‬

‫التنوير‪ ،‬وحركات العلمانية‪ ،‬التي تفهم الدين فهماً جمرداً و�سطحياً‪ .‬فهذه احلركات تقوم على‬
‫نقد روحانية الدين ب�شكل جمرد‪ ،‬بعيداً عن فهم طبيعة العالقات االكلرييكية والكن�سية بالواقع‬
‫املادي الطبقي‪ .‬ومنها �أي�ضاً �ضرورة ان ينطلق نقد الدين ب�شكل �أ�سا�سي من الواقع املادي‪.‬‬
‫واجلدير بالذكر ان هناك بع�ض الكتاب الذين ي�صفون العلمانية ب�أنها طريقة حياة ولي�س جمرد‬
‫افكار جمردة )مثل ا�ستاذ الفل�سفة الأمريكي ت�شارلز تيلور‪ ،‬يف كتابه ع�صر العلمانية(‪ .‬ولكن يف‬
‫واقع الأمر ال يقدم ه�ؤالء �أي دليل على وجود مفهوم مادي وملمو�س للعلمانية‪ ،‬غري انها فكرة‬
‫جمردة ترتبط بالعقل‪ ،‬ولي�س بالواقع االجتماعي والطبقي‪ .‬وباخت�صار �شديد‪ ،‬ف�إنه يجب فهم‬
‫نقد املارك�سية للدين‪ ،‬على �أ�سا�س انه نقد للعلمانية‪ ،‬اي�ضاً‪ .‬املارك�سية تريد حترير االن�سان من‬
‫كل الدوغمات املجردة‪ ،‬ولي�س الدين فقط‪.‬‬
‫وهذه القراءة ت�ستقيم مع قراءة ن�صو�ص اخرى ملارك�س‪ ،‬منها مث ً‬
‫ال كتابه يف امل�س�ألة اليهودية‪.‬‬
‫ويف هذا الكتاب ينتقد مارك�س الفهم االحادي ال�ضيق مل�س�ألة حترر اليهود‪ ،‬ويقول ان فكرة‬
‫االنعتاق ال�سيا�سي لليهود وغريهم‪ ،‬بالف�صل املجرد بني الدين والدولة‪ ،‬هي فكرة �شكلية ال‬
‫حتقق االنعتاق احلقيقي‪ ،‬بالق�ضاء على الدولة الظاملة نف�سها‪ .‬فالف�صل بني الدين والدولة‬
‫وحقوق املواطن كلها مفردات طنانة ال تغني وال ت�سمن من جوع‪ .‬وهي تُخت َزل يف نهاية الأمر‬
‫بحقوق د�ستورية ال ت�ضمن �أي �شيء‪ .‬وهناك �أمور اخرى تتعلق مب�س�ألة العلمانية واملارك�سية‪،‬‬
‫منها مث ً‬
‫ال ق�ضية فر�ض االحلاد بالقوة يف االحتاد ال�سوفييتي‪ ،‬بعد الثورة‪ .‬وهناك كتابات‬
‫تاريخية كثرية ت�شرح ان حقوق االقليات‪ ،‬ومنها امل�سلمة‪ ،‬كانت م�صونة بعد الثورة مبا�شرة‪.‬‬
‫ولكن كان املوقف احلاد والعنيف يف مواجهة الكني�سة االرثوذوك�سية رد فعل على موقف قيادات‬
‫الكني�سة يف دعمها للقي�صر‪ .‬وهذا يف اعتقادي ال�شخ�صي ال يربر �أن يتم حتقيق العلمانية �أو‬
‫االحلاد‪ ،‬عن طريق القمع‪ ،‬وخا�صة يف �سياق م�شروع ثوري يقوم على التحرر‪.‬‬
‫والعلمانية نف�سها هي منتج تاريخي )مثلها مثل الدين(‪ .‬وال يعقل ان ن�سبتدل ديناً بدين‪ .‬فهناك‬
‫من العلمانيني املتطرفني َمن يدافعون عن الر�أ�سمالية والقمع ب�ضراوة‪ ،‬وه�ؤالء ال يقلون‪ ،‬ان مل‬
‫يكونوا �أكرث‪� ،‬سوءاً من رجال الدين‪ ،‬اتباع اجلالدين‪ .‬ويف م�صر يف ما بعد الثورة‪ ،‬كما �س�أتناول‬
‫ذلك يف ما يلي‪ ،‬نرى ه�ؤالء الذين ال يبالون ب�أن يقوم اجلي�ش بانقالب �صريح على الثورة‪،‬‬
‫وباالنق�ضا�ض على اال�سالميني‪ .‬هل هذه علمانية؟ وهل هكذا تنتهي الطائفية؟ واملطلوب هنا‬
‫ان نفهم العلمانية كو�سيلة‪ ،‬ولي�س كغاية‪ ،‬بو�صفها روحاً للتحرر من �سطوة الدين‪ ،‬ولي�س كدوغما‬
‫جديدة جمردة‪ .‬وهذا ما اق�صده ب�ضرورة حتقيق علمانية ثورية‪� ،‬سوف �أحاول �أن �أتناول‬
‫مالحمها يف نهاية هذا املقال‪.‬‬

‫الثورة الدائمة‬

‫‪16‬‬

‫�أما اخللفية الثانية فتتعلق بتاريخ ق�ضية االقباط والطائفية يف م�صر‪ .‬ومن امل�ستحيل هنا عمل‬
‫بحث تف�صيلي لهذا الأمر‪ .‬وميكن القول باخت�صار �إن كثرياً من الكتابات التاريخية حول ق�ضايا‬
‫الطائفية وامل�س�ألة القبطية مل تتناول هذه امل�س�ألة يف �سياقها االجتماعي والطبقي‪ ،‬وامنا ركزت‬
‫على م�س�ألة ن�ش�أة الوطنية امل�صرية احلديثة‪ ،‬وق�صة ثورة ‪« ،1919‬وعا�ش الهالل مع ال�صليب‪».‬‬
‫ومن اال�ستثناءات القليلة لهذا ـ على حد علمي املتوا�ضع ـ مقال كتبته الرفيقة غادة طنطاوي‪،‬‬
‫يف جملة اوراق ا�شرتاكية‪ ،‬ن�شر يف نوفمرب‪/‬ت�شرين الثاين‪ ،‬عام ‪ .2009‬و�أي�ضاً بع�ض الكتابات‬
‫للباحث وامل�ؤرخ اجلامعي‪ ،‬بول �سدرة‪ ،‬ومنها مقال هام ن�شر عام ‪ ،1999‬ويركز على تاريخ‬
‫امل�س�ألة القبطية يف �سياقها الطبقي يف م�صر‪.‬‬
‫وباخت�صار �شديد ف�إن تناق�ضات الدولة امل�صرية ـ بو�صفها دولة ر�أ�سمالية متخلفة ـ تطلبت‬
‫االبقاء على الطائفية‪ .‬ارتفعت حقوق االقباط فقط عندما �صعدوا طبقيا‪ ً،‬و�ضغطوا يف‬
‫�سبيل حقوقهم‪ .‬فدولة حممد علي «احلديثة» مل تر�سل االقباط للخارج للتعليم‪ ،‬كما مل جتند‬
‫االقباط‪ .‬وكان �أول جتنيد للأقباط عام‪ 1880 ،‬يف عهد ا�سماعيل‪ .‬ومن جهة اولى كانت الدولة‬
‫متنح االقباط حقوقاً د�ستورية‪ ،‬وكانت حقوق االقباط الواقعية تتغري متيزاً وتدهوراً‪ ،‬بح�سب‬
‫ظروف الواقع‪ .‬وعلى �سبيل املثال �شهد القرن ‪ 19‬ـ على حد تعبري الرفيقة غادة يف مقالها‬
‫املذكور ـ تطوراً كبرياً يف ح�صول االقباط على حقوقهم الد�ستورية‪ ،‬ويف التعليم وغريه‪ ،‬ب�سبب‬
‫نفوذ االقباط من االعيان وكبار التجار‪ .‬وتقول مث ً‬
‫ال‪:‬‬
‫«وت�شري �إح�صاءات العقد الأول من القرن الع�شرين‪� ،‬إلى �أن‪ ‬الأقباط كانوا ميثلون ‪%7‬‬
‫من امل�صريني‪ ،‬وي�سيطرون على ‪ %20‬من الرثوة‪ ،‬و‪ %45‬من الوظائف‪ ‬احلكومية‪ ،‬و‪%40‬‬
‫من الرواتب احلكومية»‪.‬‬
‫ولي�س كالمي ال�سابق على احلركة الوطنية معناه انكار اهميتها‪ .‬لكن فقط كان مكمن انتقادي‬
‫الختزال تاريخ الطائفية وامل�س�ألة القبطية مب�س�ألة احلركة الوطنية‪ .‬وواقع الأمر يقول ان‬
‫ت�صاعد هذه احلركة �شهد تقل�صاً للتمييز �ضد االقباط‪ .‬وهذا بالطبع ال ينكر ان االقباط‬
‫الفقراء كانوا يعانون كغريهم من امل�صريني‪ .‬وعندما انقلب �أعيان الوفد واحتكروا الوطنية‬
‫لأنف�سهم‪ ،‬وعادوا العمال‪ ،‬ف�إن ذلك كان �ضد االقباط وامل�سلمني من العمال‪ ،‬يف � ٍآن معاً‪ .‬ويف‬
‫يوليو‪/‬متوز ‪ 1952‬مل يكن هنالك �سوى لواء قبطي واحد يف اجلي�ش امل�صري‪ .‬ويف عهد عبد‬
‫النا�صر كانت هناك �صيغة علمانية مرنة‪ ،‬ولكنها مفرو�ضة بالقوة‪ .‬لكن كانت اغلبية االقباط‬
‫يف الربملان من املعينني‪ ،‬وهو �أمر توا�صل حتى اليوم‪ ،‬وبعد ثورة يناير ‪ .2011‬وقد ا�ستمر‬
‫الأمر‪ ،‬ليتدهور ايام ال�سادات ومبارك وحتى ثورة يناير‪ .‬ويقدم الباحث بول �سدرة �شرحاً‬

‫الثورة الدائمة‬

‫‪17‬‬

‫ال دور املجل�س امللي‪ ،‬الذي كان دائماً‬
‫مفيداً للتطور الطبقي لالقباط وجتمعاتهم‪ ،‬وخا�صة مث ً‬
‫من االغنياء و�أ�صحاب النفوذ‪ ،‬و�أي�ضاً �شبكات العمل االجتماعي واخلريي التي تطورت حول‬
‫الكني�سة منذ ال�سبعينيات‪ ،‬وهذا تف�سري هام �صاحب انعزال الكني�سة والكثري من ابنائها عن‬
‫ال�سيا�سة‪.‬‬
‫ولي�س هدف هذه ال�سطور على االطالق االدعاء ب�أن هناك جتان�ساً طبقياً يف ما بني االقباط‪.‬‬
‫فاالقباط‪ ،‬كما امل�سلمون‪ ،‬خمتلفون طبقياً‪ .‬على العك�س‪ ،‬فالهدف فقط من ذلك هو �أن تُفهم‬
‫تطورات الأمر‪ ،‬يف �سياقها االجتماعي‪ ،‬و�أن نفهم ملاذا ا�ستمرت الطائفية يف م�صر‪ ،‬طوال‬
‫هذه ال�سنوات‪ .‬وهناك تف�سريات عديدة لهذا‪ ،‬من اهمها ف�شل م�شروع احلداثة‪ ،‬ومنها اي�ضاً‬
‫ف�شل الدولة الوطنية يف حتقيق الوحدة‪ .‬فالدولة الوطنية احلديثة لي�ست منوذجاً واحداً‪،‬‬
‫فقد جنحت �شكلياً يف الغرب يف «�إنهاء» الطائفية يف ع�صور التنوير واحلداثة‪ ،‬بينما الدولة‬
‫الر�أ�سمالية املتخلفة يف عاملنا مل تنجح يف ذلك‪ .‬لكن باال�ضافة الى ذلك ميكن القول ب�أن‬
‫الر�أ�سمالية‪ ،‬طوال الوقت‪ ،‬ا�ستدعت الطائفية وحافظت عليها‪ .‬وعالقتها بالعلمانية عالقة‬
‫ملتب�سة‪ ،‬ومل تكن يوماً �سوية ومبدئية‪ .‬وبالرغم من الرتكيز يف هذه ال�سطور على امل�س�ألة‬
‫القبطية فقط‪ ،‬لكن هذا الكالم ي�سري على الكثري من االقليات الدينية‪ ،‬مثل اليهود وال�شيعة‬
‫والبهائيني )و�أي�ضاً االقليات اجلن�سية‪ ،‬وهم �أكرث عر�ضة لال�ضطهاد يف اعتقادي ال�شخ�صي(‪.‬‬
‫ويف م�صر ما قبل الثورة‪ ،‬كانت هناك ثالثة �آراء �سائدة‪ ،‬حول وجود التوتر الطائفي يف م�صر‪.‬‬
‫�أولها هو الر�أي القبطي املتطرف‪ ،‬الذي يقول �إن م�صر هي بلد قبطي‪ ،‬وامل�سلمني غزاة‪ ،‬وال حل‬
‫للم�س�ألة القبطية اال باالعرتاف بذلك‪ .‬وهناك ر�أي معتدل يقول يجب على االقل االعرتاف‬
‫بعلمانية الدولة‪ ،‬وحق املواطنة امل�صرية للجميع‪ ،‬بناء على ذلك‪ .‬وهناك ر�أي بع�ض امل�سلمني‬
‫املتطرفني الذين يقولون �إن م�صر دولة ا�سالمية‪ ،‬وان االقباط يعاملون معاملة متميزة‪ ،‬والدليل‬
‫اننا ال ن�أخذ منهم اجلزية‪ ،‬كما انهم احرار يف كل �شيء يف م�صر‪ .‬وهناك ر�أي الدولة الر�سمي‬
‫والنخبة احلكومية‪ ،‬التي تردد ب�شكل �أعمى الكالم على الن�سيج الواحد‪ ،‬وانه ال توجد م�شاكل‬
‫طائفية‪ ،‬وامنا حوادث فردية‪ .‬هذا الر�أي الأخري ال ي�أخذ يف االعتبار تاريخ العنف الطويل‬
‫الطائفي‪ ،‬الذي ال ميكن تناوله بالتف�صيل يف هذه ال�سطور؛ ذلك العنف الذي مل يتوقف منذ‬
‫احداث اخلانكة عام ‪.1972‬‬
‫ويف مقالة بعنوان التحول من ال�صراع الى الوفاق املجتمعي )من�شورة يف كتاب «عبقرية الثورة‬
‫امل�صرية»‪� ،2011 ،‬ص ‪ ،(463‬يقول ا�ستاذ الطب النف�سي حممد املهدي ان احلالة الطائفية متر‬
‫بعدة مراحل وهي‪ :‬الأفكار الطائفية‪ ،‬ومن ثم املزاج الطائفي )امل�شاعر الطائفية(‪ ،‬ثم املناخ‬

‫الثورة الدائمة‬

‫‪18‬‬

‫الطائفي‪ ،‬ثم ال�صراع الطائفي‪ ،‬ثم املواجهات الطائفية‪ ،‬و�أخرياً احلرب الأهلية الطائفية‪ .‬ويقول‬
‫الكاتب انه للأ�سف ال�شديد‪ ،‬فالو�ضع يف م�صر قد و�صل الى مرحلة املواجهات الطائفية‪ .‬وكتب‬
‫الكاتب هذا املقال‪ ،‬بعد بع�ض احلوادث الطائفية التي وقعت بعد الثورة‪.‬‬
‫�أما اخللفية الثالثة فتتعلق ببع�ض التعقيدات العملية احلالية حول الطائفية والعلمانية‪ ،‬يف‬
‫منطقتنا‪ ،‬يف القرن احلادي والع�شرين‪ .‬والفهم ال�سليم للنقطتني ال�سابقتني يقودنا للقول ب�أن‬
‫فهم املارك�سيني الثوريني مل�سائل الطائفية والعلمانية ينبغي ان يكون مبنياً على فهم تعقيدات‬
‫الواقع والتاريخ‪ .‬فبع�ض املارك�سيني الدوغمائيني رمبا ينتظر حتقيق الدولة العلمانية يف واقعنا‬
‫العربي املعا�صر‪ ،‬بنف�س ال�صورة التي حدثت يف �أوروبا‪ ،‬بغ�ض النظر عن فارق ال�سياق التاريخي‪،‬‬
‫وفارق التطور الر�أ�سمايل يف دولنا‪ .‬وبع�ض الدوغمائيني رمبا يعادون الدين ب�صورة جمردة‪،‬‬
‫وهذا بغ�ض النظر عن �أن بع�ض املتدينني يف عاملنا املعا�صر يقعون يف �صفوف املُ�ضطهِ دين‬
‫وبع�ضهم يقع يف �صفوف املُ�ضط َهدين‪ .‬هذا ناهيك عن ان مارك�س نف�سه انتقد العلمانية‬
‫والتنويريني �أ�صحاب الفكر املجرد‪.‬‬
‫وهذه جمرد امثلة ب�سيطة لبع�ض التعقيدات الواقعية التي ينبغي على الثوريني فهمهما‬
‫ومراعاتها‪ ،‬عند تبني ا�سرتاتيجيات ومواقف �ضد الطائفية‪� .‬أول هذه التعقيدات ان منطقتنا‬
‫بالذات ت�شهد ا�ستخداماً مكثفاً للدين‪ ،‬بحيث �أ�صبحنا نرى بع�ض م�ستخدمي الدين يف مواقع‬
‫القائمني باال�ضطهاد‪ ،‬و�آخرين متدينني �ضحية لذلك‪ .‬ويف منطقتنا مث ً‬
‫ال نرى حركات ذات‬
‫�صبغة دينية تقاوم اال�ستعمار ـ بغ�ض النظر اذا اتفقنا او اختلفنا معها‪ ،‬مث ً‬
‫ال‪ ،‬يف �أداءاتها‬
‫الداخلية �أو الطائفية‪ ،‬مثل حركتي حما�س وحزب اهلل‪ .‬ويف ذات املنطقة جند الكيان ال�صهيوين‬
‫نف�سه يت�سم ب�صبغة دينية‪ .‬وم�ؤخراً وبعد الثورات العربية‪ ،‬جند ان حزب النه�ضة يقود احلكومة‬
‫يف تون�س‪ ،‬وحزب احلرية والعدالة‪ ،‬التابع جلماعة الأخوان امل�سلمني يف م�صر‪ ،‬ي�سيطر على‬
‫الربملان حتى الآن‪.‬‬
‫فهل ي�ستقيم مع كل هذا التعقيد ان يقول بع�ض الثوريني ان احلل هو العلمانية ب�شكل جمرد؟‬
‫ويف عاملنا اليوم‪ ،‬وخا�صة بعد احداث احلادي ع�شر من �سبتمرب‪�/‬أيلول‪ ،‬التي ال زالت لها‬
‫تبعات‪ ،‬بالرغم من توقف ادارة اوباما ر�سمياً عن ا�ستخدام م�صطلح احلرب على الإرهاب‪ ،‬فان‬
‫اوروبا ت�شهد ت�صاعداً غري م�سبوق للإ�سالموفوبيا )رهاب اال�سالم(‪ .‬وي�ستهدف �ساركوزي‪،‬‬
‫«العلماين»‪ ،‬اال�سالم وامل�سلمني‪ ،‬ال ل�سبب �سوى لكونهم م�سلمني‪ ،‬ويتعر�ض امل�سلمون يف الواليات‬
‫املتحدة ال�ضطهاد ومتييز منظ َمينْ ‪ .‬ولذلك يجب ان يتبنى الثوريون ا�سرتاتيجة تفرق بني القائم‬
‫باال�ضطهاد واملتعر�ضني لال�ضطهاد‪ ،‬ب�سبب ا�ستخدام الدين‪� ،‬أو حتى ب�سبب العلمانية‪ ،‬كما هي‬

‫الثورة الدائمة‬

‫‪19‬‬

‫مط َّبقة بالفعل‪ ،‬وكل هذه الأمور تخفي وح�شية ر�أ�س املال‪.‬‬
‫�أما التعقيد الثاين فهو االنق�سام الطبقي بني بع�ض املنتمني لذات الفكر الديني‪� ،‬أو نف�س‬
‫املجموعة التي تقوم باال�ضطهاد‪� ،‬أو التي تتعر�ض له‪ .‬فهناك من بني االقباط يف م�صر من‬
‫هم اقرب للطبقة احلاكمة من فقراء االقباط‪ ،‬الذين يتعر�ضون لال�ضطهاد والتمييز‪ ،‬ال ل�شيء‬
‫�سوى ب�سبب متتعهم مبيزات موقعهم الطبقي‪ .‬ويختلف ال�سلفيون يف م�صر‪ ،‬طبقياً‪ ،‬لي�س فقط‬
‫ب�سبب تنوع انتماءاتهم جلماعات �سلفية خمتلفة‪ .‬ويروي لنا كثري من رفاقنا يف م�صر ق�ص�صاً‬
‫كثرية عن عمال �سلفيني كان لهم دور بارز يف ا�ضرابات العمال‪ ،‬يف ال�سنوات االخرية‪ ،‬قبل‬
‫ا�سقاط مبارك‪ ،‬وحتى الآن‪ .‬ه�ؤالء لهم افكار رجعية ك�سلفيني‪ ،‬وهم متقدمون‪ ،‬ن�سبياً‪ ،‬كعمال‪.‬‬
‫وذات الكالم يقال على التعميم �أن كل االقباط يف م�صر جماعة واحدة متجان�سة‪ ،‬مث ً‬
‫ال‪ ،‬بدون‬
‫فهم االو�ضاع والتحالفات الطبقية للكثريين منهم‪ ،‬فهذا �أي�ضاً خط�أ كبري‪.‬‬
‫�أما التعقيد الثالث فهو التنوع الكبري لتيارات اال�سالم ال�سيا�سي‪ ،‬كما �سلفت اال�شارة‪ .‬وحتى‬
‫لو ات�سمت كلها بالرجعية‪ ،‬لكنها لي�ست كلها وهابية مث ً‬
‫ال‪ ،‬وهناك منها من ولد يف رحم مقاومة‬
‫اال�ستعمار‪ ،‬وهناك من له �أكرث من ن�صف قرن من خربة العمل ال�سري واملناورات واملفاو�ضات‬
‫مع االنظمة املختلفة‪� .‬أما التعقيد الأخري‪ ،‬كما �سلفت اال�شارة اي�ضاً‪ ،‬فهو و�صول تيار اال�سالم‬
‫ال�سيا�سي للحكم يف بع�ض الدول يف املنطقة‪ ،‬وهذه م�س�ألة تغري الظروف ب�شكل كبري يف‬
‫حتد جديد ال يقت�صر على ك�شف‬
‫التعامل مع هذا التيار‪ .‬وهذا ي�ضع الي�سار الثوري �أمام ٍ ّ‬
‫الر�أ�سمالية القدمية‪ ،‬التي اعتاد عليها‪ ،‬ولكن تلك املت�شحة بعباءة الدين‪ .‬وبالطبع ال يجب �أن‬
‫يخ�ضع الثوار البتزاز هذا التيار‪ ،‬بعد الو�صول للحكم‪ ،‬وخا�صة عندما ي�ستخدم الأخري �سالح‬
‫التكفري‪ .‬لكن لي�س النقي�ض من ذلك هو االن�صراف �إلى ال�شتيمة وال�سب املجردين‪ ،‬بدون‬
‫الن�ضال امام وح�شية ر�أ�س املال «الذي مي�سك �سبحة» )على حد تعبري الرفيق �سامح جنيب‬
‫يف م�صر‪ ،‬والذي ال يختلف عن الر�أ�سمايل الذي مي�سك �سيجاراً(‪ .‬وعلى الي�سار ان يخو�ض‬
‫الن�ضال �ضد ه�ؤالء‪ ،‬لي�س بو�صفهم م�سلمني‪ ،‬ولكن بو�صفهم ر�أ�سماليني ورجال �أعمال وجتار‬
‫دين‪ .‬فهناك فارق جوهري كبري بني وجود اال�سالم ال�سيا�سي يف �صفوف احلكم‪ ،‬ووجوده يف‬
‫�صفوف املعار�ضة‪ .‬فالأول مل يعد ايديولوجية غيبية فقط‪ ،‬بل بات يحتمي بالأجهزة ال�سيا�سية‬
‫للدولة‪ .‬بينما الآخر قد يكون عر�ضة لال�ضطهاد‪.‬‬
‫لي�س من اي مبدئية ثورية التخلي عن �أي ُم َ‬
‫�ضطهد‪ ،‬فمعارك امل�ضطهدين تت�شابك‪ .‬فحتى لو‬
‫اختلفنا ونا�ضلنا من �أجل ف�ضح التيار اال�سالمي يف مواقع احلكم يجب ان ننا�ضل بكل مبدئية‪،‬‬
‫وحتى املنتهى‪ ،‬اذا كان هناك ُم�ضط َهدون من التيار اال�سالمي‪ .‬وهذه الأمور من بديهيات ما‬

‫الثورة الدائمة‬

‫‪20‬‬

‫فلن�سمه‬
‫ميكن ت�سميته بالعلمانية الثورية‪ .‬وباملنا�سبة انا ال ادافع عن هذا امل�سمى على اطالقه‪.‬‬
‫ِّ‬
‫ما �شئنا‪ .‬ولكن الهدف هو حتقيق التحرر واملواطنة احلقيقية‪ ،‬من خالل ن�ضال ا�شرتاكي‪،‬‬
‫ولي�س ن�ضال عقالين جمرد‪ ،‬بدون انتظار تطبيق العلمانية املجردة يف مفهومها التاريخي‬
‫الأوروبي‪ ،‬يف عاملنا‪ ،‬بذات الطريقة التي حدثت يف �أوروبا‪ .‬وبعد هذه اخللفية املطولة‪ ،‬فلنقم‬
‫الآن ب�إلقاء نظرة �سريعة على ما حدث بعد الثورة يف امل�س�ألة الطائفية؟‬
‫نعمة الثورة �أم «نقمتها»‪:‬‬
‫�إحدى �أهم النتائج التي ي�أملها املجل�س الع�سكري يف م�صر‪ ،‬وحلفا�ؤه املتمثلون يف الأنظمة‬
‫الرجعية يف املنطقة‪ ،‬ويف االمربيالية العاملية‪ ،‬هي ان يكره ال�شعب امل�صري‪ ،‬والأقباط من‬
‫�ضمنه‪ ،‬الثورة؛ �أن ي�صل النا�س للرتحم على �أيام مبارك‪ .‬فهل فع ً‬
‫ال كانت الثورة نقمة على‬
‫امل�س�ألة القبطية؟ رمبا يكون هذا الت�سا�ؤل �صادماً للكثري من الثوريني‪ ،‬ف�أي ثورة ال ميكن ان‬
‫تكون نقمة‪ .‬لكن بعيداً عن ال�صدمات‪ ،‬رمبا يجب ان نبحث يف املو�ضوع‪ ،‬بهدوء‪ .‬وللإجابة‬
‫عن هذا الت�سا�ؤل‪ ،‬يجب ان نبحث يف ثالث نقاط‪ .‬الأولى هي الثورة نف�سها‪ ،‬لي�س فقط‬
‫باعتبارها فع ً‬
‫ال جماهريياً عظيماً يثبت قدرتهم على التغيري‪ ،‬ولكن �أي�ضاً باعتبارها متثل‬
‫رمزاً وخلقاً لإمكانيات وفر�ص ن�ضالية عظيمة‪ .‬اما النقطة الثانية فهي مقارنة منهج املجل�س‬
‫الع�سكري مبنهج مبارك‪ ،‬يف ما يتعلق بامل�س�ألة الطائفية‪� .‬أما النقطة الثالثة فهي ق�ضية �صعود‬
‫اال�سالميني‪ ،‬يف ال�سيا�سة ويف احلكم‪ ،‬بكل ما يحمله ذلك من معنى‪� .‬س�أناق�ش هذه النقاط‬
‫ببع�ض االخت�صار‪ ،‬يف ما يلي‪.‬‬
‫�أما عن النقطة الأولى فهي الفعل الثوري ذاته‪ ،‬الذي �شارك فيه ماليني امل�صريني‪ ،‬م�سلمني‬
‫و�أقباطاً‪ :‬كثري من االغنياء وابناء الطبقة الو�سطى‪ ،‬ولكن اي�ضاً كثري من العمال‪ ،‬الذين كان‬
‫لهم دور حا�سم يف الثورة‪ .‬بع�ض اجلهالء ينظرون الى الثورة باعتبارها فقط هذا احلدث‬
‫الرائع الذي ا�ستمر ملدة ‪ 18‬يوماً‪ ،‬وانتهي ب�إ�سقاط الديكتاتور مبارك‪ .‬وباملنا�سبة ف�إن كثرياً من‬
‫حمللي العلوم االجتماعية ال يقومون بذلك اخلط�أ وح�سب‪ ،‬ولكن معظمهم يدر�سون ويقومون‬
‫بالبحث يف م�س�ألة الثورات ال�سيا�سية واالجتماعية‪ ،‬مع جتاهل دور �صناعها الأ�سا�سيني‪� ،‬أي‬
‫اجلماهري نف�سها‪� .‬صحيح �أن هناك �أهمية لأحداث الثمانية ع�شر يوما‪ ً،‬يف عام ‪ ،2011‬ولكن‬
‫الثورة اي�ضاً ال تتمثل يف مطالبها التي ال متوت طاملا مل يتم حتقيقها‪ ،‬ولكنها اي�ضاً متثل ذاكرة‬
‫ورمزاً يعي�ش عليهما من �شاركوا فيها‪ ،‬ويقوم ال�شباب وامل�ست�ضعفون با�ستدعائهما با�ستمرار‪.‬‬
‫وببع�ض التب�سيط املخل ميكن القول �إن نتائج الثورة تتمثل يف الكثري من الأمور‪� ،‬أهمها‪(1 :‬‬
‫نزع حالة اخلوف بني كثري من املواطنيني وتولد �شعور قوي بالثقة بالفعل اجلماعي‪ ،‬الذي‬
‫جنح من قبل يف �إ�سقاط ديكتاتور؛ ‪ (2‬خلق امكانية ن�ضالية م�ستمرة طاملا مل تتحقق �أهداف‬

‫الثورة الدائمة‬

‫‪21‬‬

‫الثورة؛ ‪ (3‬فتح كل اح�شاء املجتمع‪ ،‬حيث ت�صبح مطالب كل الفئات واملجموعات امل�ضطهدة‬
‫معلنة‪ ،‬وي�صبح ه�ؤالء �أكرث جر�أة يف طرحها‪ .‬وهذا ما ي�صفه البع�ض بخلق م�س�ألة ثورة التوقعات‬
‫يف التغيري للأف�ضل‪ ،‬بعد الثورة‪ .‬ولكن االمكانية الن�ضالية تختلف عن م�س�ألة ثورة التوقعات‪،‬‬
‫بالرغم من التقاطع بني الإثنتني‪ .‬واملق�صود باالمكانية الن�ضالية هو وجود مظامل حقيقية‪ ،‬يف‬
‫كل وقت‪ ،‬حتتاج ملن يت�شابك معها‪ .‬وبينما كان يتندر الثوريون قبل الثورة ب�أنه ال يوجد كوادر‬
‫ثورية لال�شتباك والت�ضامن مع مظامل العمال والكادحني‪ ،‬فانهم ي�شتكون الآن من كرثة املظامل‬
‫التي ظهرت فج�أة على ال�سطح‪ .‬ا�صحاب املظامل �أ�صبحوا يف كل مكان يف م�صر‪ ،‬مع مظاملهم‪،‬‬
‫وال ينتظرون ثوريني القناعهم ب�ضرورة االحتجاج‪ .‬وباملنا�سبة ف�إن فتح اح�شاء املجتمع يعني‬
‫اي�ضاً كل ما يف هذا املجتمع من جهل وتطرف وطائفية‪ .‬فلي�س معنى قويل �إن املجتمع مليء‬
‫باالمكانيات الن�ضالية �أن هذا اجلهل يذهب‪ ،‬بطريقة �سحرية وبال رجعة‪ .‬ولكن هذا اجلهل‬
‫والتطرف ال ميكن التعامل معه بطريقة اخلطب العقالنية املجردة الع�صماء‪ ،‬ولكن بالتعامل‬
‫الن�ضايل‪ ،‬والت�ضامن �ضد املظامل‪ .‬ويف هذا ال�سياق مث ً‬
‫ال خرج الكثري من ال�شباب القبطي‬
‫من القمقم‪ ،‬يف الثورة‪ .‬وبعد الثورة ت�أ�س�س مث ً‬
‫ال احتاد �شباب ما�سبريو‪ ،‬الذي تبلور بقوة بعد‬
‫مذبحة ما�سبريو‪ .‬ومن هذا اي�ضاً خرجت حركتان با�سم �شهيدين من �شهداء ما�سبريو‪ ،‬هما‬
‫مينا دانيال ومايكل م�سعد‪ .‬ولذلك فمن الغباء ال�شديد �إنكار اهمية فعل الثورة و�آثار الثورة يف‬
‫نف�سية كل امل�صريني‪ ،‬وخا�صة كل امل�ست�ضعفني‪ .‬اما بع�ض «الثوريني» الذين ال ه َّم لهم �سوى‬
‫اال�ست�سالم لنار االحباط‪ ،‬والتح�سر على «�سرقة» الع�سكر للثورة‪ ،‬فه�ؤالء ال ي�ستحقون هذا‬
‫اال�سم‪ ،‬وال �سيما اذا انكروا االمكانيات الن�ضالية والآثار النف�سية للثورة يف كل املظلومني‪.‬‬
‫�أما عن النقطة الثانية فهي املقارنة بني مبارك واملجل�س الع�سكري‪ ،‬يف ما يتعلق بامل�س�ألة‬
‫الطائفية‪ .‬ال ينبع هذا ال�س�ؤال من خط�أ �ساذج مبني على افرتا�ض �أن فرتة حكم املجل�س‬
‫الع�سكري‪ ،‬وما ي�سمى باملرحلة االنتقالية يف م�صر‪ ،‬هي مقطوعة ال�صلة بنظام مبارك‪ .‬ولكن‬
‫املقارنة هنا مفيدة‪ ،‬وخا�صة انها ت�أتي يف �أعقاب ثورة‪ .‬ميكن القول باخت�صار �إن نظام مبارك‬
‫كان يقوم على لعب دور مزدوج‪ ،‬يف ما يتعلق بالطائفية‪ ،‬فمن ناحية هو الراعي الأول لها‪،‬‬
‫عن طريق عدم وجود �سيادة قانون حقيقية‪ ،‬وعن طريق رعايته للتمييز الطائفي‪ ،‬ومن ناحية‬
‫ثانية‪ ،‬فالنظام كان يدعي اي�ضاً انه حامي االقباط واالقليات‪ ،‬عن طريق ادعائه احلياد بني‬
‫اجلميع‪ .‬وبالطبع يعد من ال�سذاجة املفرطة القول �إن نظام مبارك كان نظاماً علمانياً‪ .‬فقد‬
‫ورث مبارك دولة ال�سادات بكل عبثها الد�ستوري ولعبها بالورقة الطائفية‪ .‬ال ميكن و�صف‬
‫نظام مبارك ب�أقل من انه نظام منافق وجمرم‪ ،‬فهو ديني وم�سلم وقت احلاجة‪ ،‬وهو راعي‬
‫�سيادة القانون والأقليات وقت احلاجة‪ .‬وكما كان للأقباط ق�سم بجهاز مباحث امن الدولة‬
‫ملتابعتهم‪ ،‬وكان ملبارك عالقة خا�صة بالبابا الراحل �شنودة‪ ،‬فقد �شهد ع�صر مبارك ع�شرات‬

‫الثورة الدائمة‬

‫‪22‬‬

‫من احلوادث الطائفية‪ .‬ويعد من الكذب ال�صريح �إل�صاق هذه احلوادث فقط باجلماعات‬
‫اال�سالمية واملتطرفني الدينيني‪ ،‬ولكن الدولة كانت ترعى ر�سمياً‪ ،‬بطريقة �صريحة �أو �ضمنية‪،‬‬
‫هذه امللفات‪ ،‬وملفات تغيري الديانة او بناء او ترميم الكنائ�س كان يديرها‪ ،‬بطريقة مبا�شرة‪،‬‬
‫جهاز مباحث �أمن الدولة‪ .‬كانت كل هذه الأمور تدار بطريقة عرفية و�أمنية‪ .‬اي انها كانت‬
‫بعيدة كل البعد عن احللول القانونية‪ ،‬التي لي�س بها متييز‪ .‬وو�صل الأمر مل�ستوى غري م�سبوق‬
‫من االجرام‪ ،‬يف نهاية ع�صر مبارك‪ ،‬مبذبحة جنع حمادي‪ ،‬يف عيد امليالد ‪ ،2010‬وتفجري‬
‫كني�سة القدي�سني‪ ،‬باال�سكندرية‪ ،‬ع�شية قدا�س نهاية العام يف د�سيمرب‪/‬كانون الأول ‪.2010‬‬
‫فباال�ضافة الى انتهازية الدولة ورعايتها الطائفية‪ ،‬ا�شارت بع�ض الدالئل الى تورط رموز‬
‫احلزب الوطني واالجهزة الأمنية نف�سها يف هذه املذابح‪ .‬الدولة نف�سها هنا �أ�صبحت قاتلة‬
‫لالقباط‪ ،‬وال ميكن بعد ذلك ت�صديق انها راعية للأقليات ول�سيادة القانون‪.‬‬
‫فهل حتول املجل�س الع�سكري عن هذه املمار�سات؟ ميكن القول باخت�صار انه اذا كان مبارك‬
‫هو نظام منافق وجمرم‪ ،‬ف�إن املجل�س الع�سكري كان دموياً بامتياز‪� .‬أي �أن الطائفية ا�ستمرت‪،‬‬
‫ولكن ب�صورة �إجرامية دموية‪ .‬وميكن القول ان هناك مالمح ا�سا�سية‪ ،‬يف ما يتعلق بفرتة‬
‫املجل�س الع�سكري‪ .‬الأول منها هو ا�ستخدام الت�سامح مع الطائفيني‪ ،‬بل وا�ستخدامهم �سيا�سياً‪،‬‬
‫لي�س �ضد االقباط فقط‪ ،‬ولكن خللق نعرة طائفية‪ ،‬وجرائم تربر ا�ستمرار املجل�س الع�سكري‪،‬‬
‫بحجة �أنه هو الذي �سيجلب الأمان لل�شعب‪ .‬ور�أينا املجل�س الع�سكري يتواط�أ‪ ،‬يف م�س�ألة دخول‬
‫ماليني بل باليني الدوالرات‪ ،‬التي جاءت لتمويل ال�سلفيني‪ ،‬من قطر ومن ال�سعودية‪ .‬ور�أينا‬
‫ت�سامح املجل�س الع�سكري مع اخلطاب املنهجي املليء بالكراهية‪ ،‬يف الإعالم الر�سمي واالعالم‬
‫ال�سلفي‪ ،‬املوجه للأقباط وال�شيعة والعلمانيني‪ ،‬على حد �سواء‪ .‬اما امللمح الثاين فهو تزايد‬
‫عمل االجهزة اال�ستخباراتية وا�ستخدام املجرمني‪ ،‬الذين ي�سميهم االعالم امل�صري بالبلطجية‪،‬‬
‫يف الفرتة االنتقالية‪ .‬واذا كانت ملبارك ـ بكل ما كان يت�صف به من غباء واحتقار للجماهريـ‬
‫حنكة �سيا�سي ٌة ما‪ ،‬فهي تفوق مبراحل حنكة خلفائه الع�سكر‪ .‬ه�ؤالء كان همهم الأ�سا�سي ف�ض‬
‫الثورة واالنق�ضا�ض عليها‪ .‬وكان امللف الطائفي �أحد �أهم و�سائلهم‪ .‬فبلغ عدد الكنائ�س التي‬
‫�أُحرقت ن�سبة غري م�سبوقة مل ت�صل �إليها �أيام مبارك نف�سه‪ .‬وا�ستمرت اجلل�سات العرفية بدالً‬
‫من القانون‪ .‬وو�صل الأمر حد اقرتاف جمزرة ما�سبريو‪ .‬وذهب قادة املجل�س الع�سكري‪ ،‬بكل‬
‫بجاحة و�صفاقة‪ ،‬لتهنئة الأقباط بعيدهم‪ ،‬بعد �أن قتلوا �أبناءهم يف ما�سبريو‪.‬‬
‫لهذا ميكن القول �إن نزعتهم الدموية‪ ،‬واحتقارهم لكل ما هو مدين‪ ،‬يُعتربان فرقاً �أ�سا�سياً يف ما‬
‫بينهم وبني مبارك‪ .‬ولهذا �أي�ضاً ميكن القول �إن امللمح الثالث الأ�سا�سي لفرتة املجل�س الع�سكري‬
‫هو �أن الطائفية ا�صبحت ملفاً هاماً وحيوياً‪ ،‬و�ضرورة ا�سا�سية للق�ضاء على الثورة‪ .‬والغريب يف‬

‫الثورة الدائمة‬

‫‪23‬‬

‫الأمر �أن ه�ؤالء القتلة مل يعد لديهم �أي قدرة على املناورة‪ ،‬فهم قتلة‪ ،‬وهذا �أمر ال لب�س فيه‪،‬‬
‫ومن ثم مل تعد لديهم م�ساحة كبرية للمخادعة‪ ،‬بادعاء �أنهم حماة االقليات و�سيادة القانون‪ .‬اذا‬
‫كانت الدولة ايام مبارك قات ً‬
‫ال مبتدئاً‪ ،‬فهي حتولت ايام الع�سكري لقاتل اكرث احرتافاً‪ ،‬وال�سبب‬
‫تزايد عمل االجهزة اال�ستخباراتية‪ ،‬يف ظل املجل�س الع�سكري‪ ،‬وخا�صة لتعوي�ض هزمية جهاز‬
‫ال�شرطة‪ ،‬ورمبا لعدم ثقة الع�سكريني ب�أي �أحد �سوى ب�أنف�سهم وب�أجهزتهم اال�ستخباراتية‪.‬‬
‫وبينما مينع االعالن الد�ستوري ت�أ�سي�س احزاب دينية‪ ،‬وجدنا املجل�س الع�سكري يت�سامح‪،‬‬
‫ويرتك املجال لعمل ه�ؤالء‪ .‬واملجل�س الع�سكري‪ ،‬بالت�ضافر مع اال�سالميني‪ ،‬غذوا اال�ستقطاب‬
‫الديني العلماين‪ ،‬بطريقة ال ميكن ان ن�صفها ب�أي �شىء �سوى انها مق�صودة ـ �سواء بتن�سيق‬
‫�أو بغري تن�سيق ـ وخا�صة منذ ا�ستفتاء مار�س‪�/‬آذار ‪ .2011‬وهكذا كانت الطائفية والتكفري‬
‫مق�صودين لتق�سيم قوى الثورة‪ ،‬وبدالً من ان يكون التق�سيم احلقيقي هو بني القوى الثورية‬
‫وتلك املنتمية للثورة امل�ضادة‪ ،‬كان التق�سيم هو ذلك ال�ضبابي‪ ،‬بني القوى املدنية العلمانية‬
‫وتلك امل�ؤمنة بال�شريعة والدين‪ .‬كانت الطائفية احد �أهم ا�سلحة املجل�س الع�سكري‪ .‬هو جمل�س‬
‫طائفي بامتياز‪ .‬وو�صل ب�أع�ضائه االجرام الى حد �أنهم ال ميانعون فع ً‬
‫ال يف ن�ش�أة حرب اهلية‬
‫طائفية يف م�صر‪ ،‬وما القتل املنظم‪ ،‬وما الت�سامح مع احلرق والقتل‪� ،‬سوى دليل على ذلك‪.‬‬
‫�أما النقطة الثالثة فهي ت�صاعد دور اال�سالميني يف م�صر ما بعد الثورة‪ ،‬الذي و�صل الى‬
‫حتكمهم يف ن�سبة ال تقل عن ‪ % 65‬من مقاعد الربملان امل�صري‪ .‬ت�صاعد �صوت اال�سالميني‬
‫يف ال�سيا�سة �أمر ال لب�س فيه‪ .‬وهناك خط�آن �أ�سا�سيان يرتكبهما �أي قارىء مل�شهد ت�صاعد دور‬
‫اال�سالميني‪ ،‬يف ال�سيا�سة يف م�صر‪ .‬اخلط�أ الأول هو و�ضع كل اال�سالميني يف �سلة واحدة‪.‬‬
‫فبالطبع هناك فارق كبري بني جماعة الأخوان امل�سلمني واجلماعات ال�سلفية‪ ،‬وتلك التي كانت‬
‫لها خلفية جهادية‪ ،‬مثل اجلهاد‪� ،‬أو اجلماعة اال�سالمية‪ .‬وكل جماعة من ه�ؤالء‪ ،‬يف نقطة‬
‫تاريخية من عمرها التنظيمي وخربتها ال�سيا�سية‪ ،‬تختلف عن الأخرى‪ .‬رمبا يجتمع اجلميع يف‬
‫انهم يناورون با�سم الدين‪ ،‬ويدغدغدون م�شاعر اجلماهري الفقرية‪ ،‬با�سم الدين‪ .‬ولكن الفارق‬
‫الكبري بينهم هو ان اكربهم‪� ،‬أي جماعة الإخوان امل�سلمني‪ ،‬لديها حنكة �سيا�سية كبرية‪ ،‬وقدرة‬
‫كبرية على املناورة ال�سيا�سية‪ ،‬ب�سبب طول عمرها ال�سيا�سي‪ ،‬وتاريخها مع املناورات مع الأنظمة‬
‫املختلفة‪� .‬أي�ضاً هناك فوارق طبقية وعمرية بني قيادات هذه اجلماعات و�شبابها‪ .‬وهذا �أمر‬
‫هام ال ميكن جتاهله‪ .‬كما ان الفريق الواحد كثرياً ما توجد فيه اجتاهات عديدة‪ ،‬ومنهم من‬
‫كان اقرب للثورة‪ ،‬ومنهم من هو �أقرب للرجعية و�شيوخ وفتاوى الوهابية‪ .‬ويكفي ان نعلم ان‬
‫هناك حوالى ‪ 5‬احزاب خرجت من رحم جماعة الأخوان امل�سلمني‪ ،‬مع الفارق‪ ،‬بالطبع‪ ،‬يف ما‬
‫بينها‪ ،‬فهي‪ (1 :‬حزب احلرية والعدالة‪ ،‬وهو اهم الأحزاب‪ ،‬وهو املرتبط تنظيمياً باجلماعة؛‬
‫‪ (2‬حزب الو�سط‪ ،‬وهو حزب قدمي حاول الت�أ�سي�س ايام مبارك‪ ،‬ولكنه يختلف مع اجلماعة يف‬

‫الثورة الدائمة‬

‫‪24‬‬

‫الكثري من الأمور‪ (3 ،‬حزب النه�ضة‪ ،‬وهو حزب يقوده القياديان ال�سابقان يف الأخوان حممد‬
‫حبيب وابراهيم الزعفراين‪ (4 ،‬حزب التيار امل�صري‪ ،‬وميثل تيار �شباب الأخوان الذين �شاركوا‬
‫يف الثورة واختلفوا مع قياداتها‪ (5 ،‬حزب الريادة‪ ،‬وهو حزب من�شق من حزب النه�ضة‪ .‬وهناك‬
‫‪ 6‬احزاب �سلفية يف م�صر ت�أ�س�ست بعد الثورة‪ .‬وهناك اربعة احزاب خرجت من جماعات‬
‫جهادية‪ .‬وهناك ‪ 3‬احزاب تنتمي الى جماعات �صوفية‪ .‬وقد تناولت هذه النقطة يف ما �سبق‪،‬‬
‫وال داعي للتكرار‪ .‬لكن باخت�صار ال ميكن على االطالق و�ضع كل هذه االحزاب يف �سلة واحدة‪.‬‬
‫فمث ً‬
‫ال بينما ميثل حزب النور اقرب االحزاب ال�سلفية للوهابية‪ ،‬هو وحزب اال�صالة التابع له‬
‫حممد ح�سان‪ ،‬فان هناك جمموعات �سلفية رف�ضت ان�شاء احزاب‪ ،‬منها مث ً‬
‫ال اجلبهة ال�سلفية‬
‫لدعم ثورة يناير‪ ،‬وهم من �أكرث ال�سلفيني انتقاداً للع�سكر والإخوان معاً‪ .‬وهناك اي�ضاً جمموعة‬
‫�سلفيي كو�ستا‪ ،‬ن�سبة الى املقهى املعروف‪ ،‬بالقرب من ميدان التحرير‪ .‬وهي جمموعة اكرث‬
‫ا�ستنارة‪ ،‬وهم اي�ضاً متم�سكون بعدم ان�شاء احزاب‪ ،‬ويرون ان االحزاب ال�سلفية والإخوان من‬
‫�أكرب املُ�سيئني لال�سالم‪.‬‬
‫اما اخلط�أ الثاين‪ ،‬الذي يرتبكه بع�ض الثوريني‪ ،‬فهو النظر للإ�سالميني بدمياغوجية ال ترى‬
‫حتوالتهم وانك�شافهم امام اجلماهري‪ .‬فهذا اخلط�أ بب�ساطة معناه النظر لال�سالميني كج�سم‬
‫جامد غري تاريخي ثابت على ميينيته )وهي باملنا�سبة غري مبدئية( وجتاهل كيف ينظر النا�س‬
‫لهذا اجل�سم ومواقفه وحتوالته‪ .‬ومن نتائج هذا اخلط�أ الوقوع يف فخ الت�شا�ؤم وال�سذاجة‬
‫املفرطة‪ ،‬يف القول �إن اال�سالميني �سرقوا الثورة‪� ،‬أو حتالفوا مع الع�سكر‪ ،‬بدون ر�ؤية تطورات‬
‫ال�صراع بني الفريقني مث ً‬
‫ال‪ .‬فال اال�سالميون‪ ،‬وال الع�سكر‪ ،‬يف حالة اتفاق دائم‪ ،‬وال اال�سالميون‬
‫وال الع�سكر نزهاء من ازماتهم الداخلية و�صراعاتهم مع اجلميع‪ ،‬مبا يف ذلك ابنا�ؤهم يف‬
‫الداخل )نعم الع�سكر نف�سه يف حالة رعب دائم من غ�ضب اجلنود والرتب ال�صغرية داخل‬
‫اجلي�ش‪ ،‬ب�سبب جرائم املجل�س امل�ستمرة(‪ .‬واذا كان �صعود اال�سالميني حتدياً للثورة امل�صرية‬
‫)ورمبا الثورات العربية(‪ ،‬فهو �أي�ضاً فر�صتها العظيمة لك�شف زيفهم امام اجلماهري‪ .‬وهل‬
‫يعتقد �أي عاقل �أن اجلماهري تنظر لتقارب الإخوان مع وا�شنطن بعني غافلة؟ �إن انك�شاف‬
‫الإخوان‪ ،‬يف امل�ستقبل‪ ،‬يف االقت�صاد‪ ،‬وانك�شافهم يف عالقتهم بوا�شنطن‪� ،‬سيكونان عاملني‬
‫�أ�سا�سيني لف�ضحهم �أمام النا�س؛ هذا ناهيك عن مناوراتهم وغمو�ضهم‪ ،‬ب�ش�أن املواطنة‪ ،‬وق�ضايا‬
‫الأقليات‪.‬‬
‫اخلال�صة ان الثورة فجرت �أح�شاء املجتمع‪ ،‬وفجرت امكانياته الن�ضالية اكرث‪ .‬وال ميكن ان‬
‫تكون نقمة‪ .‬لقد جاءت بكل ما جاءت به‪ ،‬اي بفر�ص ن�ضالية غري م�سبوقة‪ ،‬وت�صل �أهمها الى‬
‫ا�ستمرار الثورة نف�سها‪ ،‬و�أي�ضاً بتفجري خطاب اجلهل والتطرف‪ .‬وعلى الثوريني التعامل مع‬

‫الثورة الدائمة‬

‫‪25‬‬

‫كل هذه الأمور‪ ،‬اذا كانوا ثوريني حقاً‪ .‬كل ما يف الأمر انهم يجب ان يكونوا على دراية وفهم‬
‫للتحوالت الكبرية التي حدثت بعد الثورة‪ ،‬مبا يف ذلك �صعود اال�سالميني‪ ،‬ووح�شية النظام‬
‫احلاكم الذي ال يخت�صر جهداً لإجها�ض الثورة وقتل ابنائها‪ ،‬فع ً‬
‫ال ال قوالً‪� .‬أكتب هذه ال�سطور‬
‫والميكنني توقع خريطة القوى بعد انتهاء ما ي�سمى باملرحلة االنتقالية يف م�صر‪ .‬ولكن واقع‬
‫الأمر ي�شري الى ان القادة الع�سكريني �سوف ي�ستمرون يف امل�سك ب�أمور البالد‪ ،‬لفرتة ما‪،‬‬
‫وخا�صة لتحكمهم يف �أجهزة القمع واال�ستخبارات‪ ،‬ومتتعهم بغطاء دويل‪ ،‬حتى ولو كان هناك‬
‫رئي�س مدين منتخب وبرملان‪ .‬وال ميكن ان نعلم طول هذه الفرتة‪� .‬أي ان جرائم الع�سكر رمبا لن‬
‫تنتهي‪ ،‬مبا يف ذلك اجلرائم الطائفية‪ .‬وال ميكن على وجه االطالق ان تو�صف الثورة بالنقمة‪،‬‬
‫اال اذا مت اجها�ضها‪ ،‬وجنح الع�سكر يف الق�ضاء على الثورة متاماً‪ ،‬وهذا افرتا�ض نظري‪ ،‬لأن‬
‫الروح الثورية ال متوت‪ .‬ولكن ماذا يفعل الثوريون يف مواجهة كل هذه التعقيدات؟ هذا ما‬
‫�س�أحاول مناق�شته‪ ،‬باخت�صار‪ ،‬يف ما يلي‪.‬‬
‫ماذا يفعل الثوريون بني العلمانيني والإ�سالميني (وهمجية الع�سكر ور�أ�س املال)؟‬
‫كما �سلفت اال�شارة ف�إن جمل�س مبارك‪ ،‬وبتوافق مع اال�سالميني‪ ،‬قد جنح يف خلق حالة‬
‫ا�ستقطاب ديني علماين‪ ،‬و�ساعد يف احتقان الطائفية‪ ،‬التي و�صلت الى م�ستوى املواجهات‬
‫العنيفة‪ ،‬والقتل‪ ،‬وحرق دور العبادة‪ .‬وكان رد بع�ض العلمانيني التقليديني هو عدم ممانعتهم يف‬
‫انقالب �صريح ع�سكري‪ ،‬للتنكيل باال�سالميني‪ ،‬بحيث يحل ذلك م�شكلة الطائفية‪ ،‬من وجهة‬
‫نظرهم‪ .‬و�أعتقد ان اي ا�سرتاتيجية �سليمة للثوريني يجب ان تنطلق من فهم تعقيدات الأو�ضاع‬
‫احلالية‪ ،‬واال�ستقطابات املوجودة‪ ،‬لي�س فقط اال�ستقطاب العنيف‪ ،‬وال�شكلي معاً‪ ،‬بني الديني‬
‫والعلماين‪ ،‬ولكن اي�ضاً حالة املناف�سة على ال�سلطة بني الع�سكر والأخوان‪ .‬وكما يجب على‬
‫الثوريني فهم فر�ص الثورة الن�ضالية‪ ،‬وامكانية ا�ستمرارها‪ ،‬واي�ضاً فهم تغري االو�ضاع الذي‬
‫جلب اال�سالميني لل�سيطرة على الربملان‪ ،‬فان الفهم العميق ال يعني ابداً امل�ساواة بني الع�سكر‬
‫والأخوان‪ .‬فمن ي�سيطرون على اجلهاز الأمني واال�ستخباراتي ال يت�ساوون مع من يتحكمون‬
‫يف جهاز هام لل�سلطة‪ ،‬لي�س لديه القدرة على ممار�سة العنف‪ ،‬وهو الربملان‪ .‬وميكن االتفاق‬
‫مبدئياً على ان ا�ساليب مواجهة الطائفية‪ ،‬التي اتبعها الثوريون‪ ،‬قبل الثورة‪ ،‬ال ت�صلح الآن‪.‬‬
‫فنحن امام م�ستجدات كثرية‪ ،‬لي�س فقط �أننا امام جمرمني دمويني ال يبالون بعمل حرب‬
‫طائفية‪ ،‬وهم الع�سكر‪ ،‬ولكن �أي�ضاً مع وجود اال�سالميني يف الربملان‪ .‬كما �أن االكتفاء بنقد‬
‫العلمانيني التقليديني‪ ،‬وبك�شف جترد خطابهم من امل�ساواة‪ ،‬وف�ضح انتهازيتهم‪ ،‬ال يكفي‪ .‬ويجب‬
‫ان نعرتف اي�ضاً ان تطورات الأو�ضاع يف ما يتعلق بال�سلطة ـ كما �سلفت اال�شارة ـ غري معروفة‪.‬‬
‫وال نعرف اي �صيغة �ستنتهي اليها الأو�ضاع يف م�صر‪ ،‬يف امل�ستقبل القريب‪ .‬لكن يبدو ان هناك‬
‫�صراعاً �سوف يطول بني مثلث الع�سكر واال�سالميني والقوى الثورية‪ ،‬هذه القوى التي مل يت�صل‬

‫الثورة الدائمة‬

‫‪26‬‬

‫معظمها‪ ،‬بقوة‪ ،‬بالعمال والفقراء وجموع امل�ضطهدين‪.‬‬
‫ويبدو يل ان هناك ثالث نقاط �أ�سا�سية يجب اثارتها يف مو�ضوع مواجهة الطائفية‪ .‬الأولى‬
‫هي كيفية تعامل الثوريني مع ق�ضايا االقليات امل�ضطهدة‪ ،‬ومنها الأقباط‪� .‬أما الثانية فهي‬
‫�ضرورة عمل ا�سرتاتيجية مرنة ومبنية على فهم �سليم للتعامل مع اال�سالميني يف احلكم‪ ،‬اما‬
‫الأمر الثالث فهو ق�ضية هوية الدولة‪ .‬وهي ق�ضية‪ ،‬بالرغم من انها مفتعلة‪ ،‬لكن على الثوريني‬
‫التعامل معها وعدم جتاهلها‪ ،‬باالكتفاء بالقول انها مفتعلة‪� .‬أما النقطة الأولى ف�أعتقد ان‬
‫الثوريني كانوا ناجحني فيها الى حد كبري‪ .‬فيجب على الثوريني اال�ستمرار يف كل ما يقومون‬
‫به من الت�ضامن مع كل االقليات امل�ضطهدة‪ ،‬بال هوادة‪ ،‬وبال ا�ستثناء‪ ،‬وبح�سا�سية مفرطة‪،‬‬
‫وخا�صة لتفجر االو�ضاع الطائفية �أكرث مما يف �أي وقت م�ضى‪ .‬و�أقول بح�سا�سية مفرطة‪ ،‬لأن‬
‫اال�ضطهاد �سوف ي�أخذ �أ�شكاالً اكرث تعقيد�أً‪ ،‬ورمبا بطريقة غري مبا�شرة �أكرث‪ .‬واملربرات دائماً‬
‫جاهزة‪ .‬ورمبا �سيكون �أكرث �سفوراً‪.‬على �أنه ال ميكن ان ن�صادر على الواقع‪ .‬ويجب ان تكون‬
‫هناك قرون ا�ست�شعار قوية للثوريني‪ ،‬ملتابعة ذلك‪ .‬ويذكر ان ثمانية من رفاق تيار التجديد‬
‫اال�شرتاكي مث ً‬
‫ال يتعر�ضون للحب�س ملدة عامني‪ ،‬يف «جرمية» ال متثل �سوى رمز لقبح الع�سكر‪،‬‬
‫و�إجرامهم‪ ،‬وهي الت�ضامن مع االقباط‪ ،‬يف مظاهرة قامت يف ظل مبارك‪ ،‬بعد تفجري كني�سة‬
‫القدي�سني‪ .‬لكن يف ذات الوقت يجب علينا ان ننتبه ان الثوريني رمبا كان �صوتهم خافتاً يف‬
‫ق�ضايا البهائيني وال�شيعة امل�ضطهدين‪ ،‬على عك�س بع�ض املنظمات احلقوقية‪ .‬و�أنا هنا ال‬
‫اختلف مع ت�ص ّ ُور تيار اال�شرتاكيني الثوريني ملواجهة الطائفية‪ ،‬املت�ضمن يف برناجمهم‪ ،‬ال�صادر‬
‫م�ؤخراً‪ ،‬ال�ستمرار الثورة‪ .‬ولكنني اعتقد ان مثل هذه الق�ضايا امل�سكوت عنها يجب ان ننتبه‬
‫اليه اي�ضاً‪.‬‬
‫�أما النقطة الثانية فهي م�س�ألة تطوير برنامج وفهم عميق للتعامل مع اال�سالميني يف ال�سلطة‪،‬‬
‫بحيث يكون مرناً ومتفهماً الختالف دورهم عن دور الع�سكر‪ ،‬برنامج ال يجب ان يقع يف م�أزق‬
‫االبتزاز من اال�سالميني‪ ،‬وال يقع يف فخ نقد العلمانيني التقليديني‪ ،‬و�شماتتهم‪ ،‬و�شتيمتهم‬
‫املجردة والفارغة بحق اال�سالميني‪ .‬وعلى حد تعبري تامر وجيه‪ ،‬يف احد و�سائط االعالم‬
‫االجتماعي‪ ،‬م�ؤخراً‪ ،‬ف�إنه «كما �أن كثرياً من الإ�سالميني م�صابون مبر�ض ا�سمه العلمانوفوبيا‪،‬‬
‫ف�إن هناك علمانيني م�صابني مبر�ض ا�سمه اال�سالموفوبيا»‪ .‬الكثري �ضمن الطرفني لي�ست لديهم‬
‫ق�ضية �سوى كراهية الطرف الآخر‪ ،‬ولي�ست لديهم ق�ضية حقيقية‪ .‬الثوريون ال يجب وال ميكن‬
‫�أن حتركهم الكراهية‪ .‬الثورة هي م�شروع للتحرر‪ .‬والثوريون ال يريدون مواجهة الر�أ�سماليني‪� ،‬أو‬
‫اال�سالم ال�سيا�سي‪ ،‬الغارق يف الر�أ�سمالية‪ ،‬بو�صفه م�شروعاً غيبياً‪� ،‬ضد العقالنية‪ ،‬يف املجرد‪،‬‬
‫ولكن املواجهة احلقيقية تكون يف املعارك والن�ضاالت‪ ،‬لك�شف زيف ه�ؤالء وال�سيما قياداتهم‪.‬‬

‫الثورة الدائمة‬

‫‪27‬‬

‫فاذا كان احد مالمح �أي م�شروع ثوري ملواجهة اال�ضطهاد هو ف�ضح ومواجهة القائمني على‬
‫اال�ضطهاد‪ ،‬ف�إن هذا ينبغي ان يكون مبنياً على فهم تناق�ضات �أو�ضاع ه�ؤالء‪ ،‬واي�ضاً ينبغي ان‬
‫يكون مبنياً على فهم ان هناك الكثريين من اال�سالميني ال�شباب وال�سلفيني‪ ،‬الذين �ضجروا من‬
‫قياداتهم‪ ،‬وان هناك الكثري من العمال بني ه�ؤالء‪.‬‬
‫اما النقطة الثالثة والأخرية فهي م�س�ألة هوية الدولة‪ ،‬وموقع ال�شريعة اال�سالمية يف د�ستور‬
‫الدولة‪ .‬و�أنا هنا �أنطلق من فكرة �أن هوية الدولة هي فكرة جمردة‪ .‬فال يهتم جمهور الفقراء‬
‫بها‪ ،‬وال الد�ستور يزيد عن ورقة تتالعب بها الطبقات احلاكمة وقتما ارادت‪ .‬والأهم بالطبع‬
‫هو االهتمام بامل�ضمون االقت�صادي واالجتماعي لدولة الثورة‪ .‬لكن يف ذات الوقت‪ ،‬ولأننا يف‬
‫زمن ثورة‪ ،‬ولأن هذه الق�ضية تهم كثريين‪ ،‬ولي�س فقط االقباط‪ ،‬ومع الأخذ يف االعتبار �أن‬
‫هذه امل�سالة رمبا تكون فقط رمزية‪ ،‬لكن لها ا�ستتباعات م�ستقبلية‪ ،‬فال ميكن جتاهلها‪ .‬ويف‬
‫هذا يجب ان نعرتف ان كثرياً من الثوريني يبدو انهم ا�ست�سلموا لوجود اال�سالميني يف احلكم‪،‬‬
‫وقبلوا مب�س�ألة بقاء املادة الثانية من الد�ستور‪ ،‬على عالتها‪ ،‬يف الد�ستور القادم‪ .‬ومع اعرتايف‬
‫ب�أن هذا املوقف كان يبدو �سليماً‪ ،‬يف وقت من الأوقات‪ ،‬للرد على م�س�ألة اال�ستقطاب العلماين‬
‫الديني‪ ،‬املبالغ فيه‪ ،‬ف�إنه يبدو يل ان على الثوريني �أن يكونوا‪ ،‬الآن‪� ،‬أكرث و�ضوحاً يف مطالبتهم‬
‫بدولة تقوم على املواطنة احلقيقية‪ ،‬وان يقولوا �صراحة �إنهم �ضد الإبقاء على هذه املادة‪.‬‬
‫ومناداتي مبا ي�سمى بـ «العلمانية الثورية» لي�س معناها ابداً �أن نكون علمانيني على طريقة‬
‫العلمانيني الليرباليني‪ .‬وهذا لي�س مب�شروع جديد بديل من التحرر اال�شرتاكي‪ ،‬وا�ستكمال‬
‫فلن�سمها ب�أي ا�سم‪ ،‬كما اقرتحت من قبل‪ .‬و�أنا �أعي هنا �أن الثورة‬
‫الثورة‪ ،‬و�ضمان ا�ستمرارها‪.‬‬
‫ِّ‬
‫ال من العلمانية‪ .‬وكان هذا التعبري ناجحاً‬
‫امل�صرية قد اخرتعت تعبري الدولة املدنية‪ ،‬بدي ً‬
‫من وجهة نظري يف جتميع القوى الثورية‪ ،‬ايام ثورة يناير‪/‬كانون الثاين ‪ .2011‬ومع تقديري‬
‫ال�شخ�صي لهذا التعبري وجناحه‪ ،‬يف وقت من الأوقات‪ ،‬ولكونه حمل اتفاق كثريين‪ ،‬الآن ـ فيما‬
‫�أُدرك ان كثرياً من ال�سلفيني �أعلنوا ان جمرد ذكر كلمة مدنية يف الد�ستور يعني بالن�سبة لهم‬
‫م�س�ألة حياة �أو موت ـ �أخ�شى �أن يكون هذا امل�صطلح ملتب�ساً وقائماً على التوافق �أكرث من كونه‬
‫مت�ضمناً م�ضموناً ملمو�ساً عن قيم احلرية‪ ،‬التي ت�ضمنتها الثورة‪ .‬ومكمن خ�شيتي هو ارتباط‬
‫املفهوم الآن مبا يقول به الإخوان امل�سلمون من فكرة «الدولة املدنية ذات املرجعية اال�سالمية‪».‬‬
‫و�أنا هنا فقط �أقرتح ـ وكبداية للنقا�ش مع الرفاق والثوريني ‪ -‬فكرة العلمانية الثورية‪،‬‬
‫كم�صطلح بديل‪ ،‬وارتباطه بالثورية �إمنا هو لتمييزه من كالم العلمانيني الليرباليني املجرد‪.‬‬
‫وهذه «العلمانية» الثورية تختلف عن علمانية الليرباليني‪ ،‬يف الآتي‪ (1 :‬هي �ضد الر�أ�سمالية‪،‬‬
‫�أي �أن هدفها هو امل�ساواة االجتماعية‪ ،‬ولي�س امل�ساواة القانونية والد�ستورية‪ ،‬وح�سب؛ ‪ (2‬وهي‬

‫الثورة الدائمة‬

‫‪28‬‬

‫�ضد االمربيالية‪ ،‬وال تقبل بتدخالت االمربيالية‪ ،‬حتت دعوى حماية الأقليات؛ ‪ (3‬وهي تقوم‬
‫على الن�ضال‪ ،‬ولي�س الدعاية‪ ،‬واخلطاب النظري والعقالين فقط؛ وهي ال ت�أتي مبنحة من �أحد‬
‫بال�ضرورة‪ ،‬كما �أنها تقوم على تفهم مطالب الأقليات الدينية‪ ،‬مع ربطها بالعدالة االجتماعية‬
‫واملفهوم الطبقي؛ ‪ (4‬ان تعمل على ربط ق�ضايا امل�ضطهدين واالقليات معاً‪ ،‬و�أن ال ت�ستثني‬
‫�أحداً؛ ‪� (5‬أن تواجه‪ ،‬ب�شجاعة‪ ،‬تقلبات القائمني على اال�ضطهاد‪ ،‬وتوازناتهم‪ ،‬و�أن تنتقدهم‪،‬‬
‫يف �إطار ن�ضال ملمو�س‪ ،‬ولي�س دعاية جمردة؛ ‪ (6‬و�أخرياً هي اي�ضاً حتارب‪ ،‬با�ستماتة‪ ،‬ون�ضال‬
‫مبدئي‪ ،‬دفاعاً عن كل ابناء تيار اال�سالم ال�سيا�سي‪� ،‬إذا تعر�ضوا لظلم الع�سكر ور�أ�س املال‪� .‬إن‬
‫�أحد �أهم مالمح العلمانية الثورية �أنها �ضد عبادة �أي �أفكار جمردة‪ ،‬لأنها قائمة على الن�ضال‪،‬‬
‫من �أجل التحرر من الطائفية والر�أ�سمالية معاً‪ .‬ولذلك فالعلمانية الثورية ميكن �أن تكون �ضد‬
‫العلمانية نف�سها‪� ،‬إذا كانت هذه الأخرية تقوم على الكراهية )�ساركوزي وا�ضطهاد املتحجبات(‪،‬‬
‫او على الفكر املجرد‪ ،‬القائم على احتقار املتدينني )مثل حالة بع�ض الليرباليني امل�صريني(‪.‬‬
‫العلمانية الثورية ال تقوم على �أي رطان د�ستوري وليربايل عن املواطنة‪ .‬فاملواطنة احلقيقية‬
‫تنتزع يف الن�ضال‪ ،‬ولن متنحها �أبداً النخب املري�ضة‪ .‬والعلمانية الثورية جوهرها هو فهم‬
‫املارك�سية بعمق‪ ،‬كم�شروع للتحرر االن�ساين‪ ،‬ولي�س لتحقيق العلمانية و«الإحلاد»‪ ،‬يف املجرد‬
‫املطلق‪ .‬هدف املارك�سية الثورية الأول والأ�سا�سي هو التحرر من كل انواع الظلم‪ ،‬عن طريق‬
‫ن�ضال العمال والفقراء والكادحني‪ ،‬فيما تقع همجية الر�أ�سمالية يف قلب الظلم االن�ساين‪.‬‬
‫�صنّاع الطائفية‪ ،‬واملنتفعني بها‪.‬‬
‫والر�أ�سمالية هي العدو الأ�سا�سي‪ ،‬وهي �أهم ُ‬
‫عا�شت ثورة م�صر والثورات العربية‬

‫‪29‬‬

‫الثورة الدائمة‬

‫الطبقة العاملة والثورة المصرية‬
‫االشتراكيون الثوريون (مصر)‬

‫يف الطريق �إلى الثورة‬
‫كانت نهاية عام ‪ 2006‬بداية حراك عمايل امتد حتى قيام ثورة يناير‪ .‬وقد بد�أ يف املحلّة ثم‬
‫انتقل ب�سرعة من موقع �إلى موقع‪ ،‬ومن قطاع �إلى �آخر‪ .‬وكانت �أغلب االحتجاجات يف القطاع‬
‫العام‪� ،‬سواء ال�صناعي �أو اخلدماتي‪ ،‬ب�صورة �أكرب بكثري مما يف القطاع اخلا�ص‪ ،‬وهو ما ر ّكز‬
‫املواجهة بني العمال والنظام ال�سيا�سي‪ ،‬ولي�س النظام الطبقي‪ .‬كانت مطالب العمال تتلخ�ص‬
‫يف حت�سني الأجر املتغري و�شروط العمل‪ ،‬وهي مطالب تختلف من موقع �إلى �آخر‪ ،‬ما �أفقد‬
‫احلركة الوحدة والتما�سك‪ ،‬خا�صة يف ظل وجود تنظيم نقابي �أ�صفر وافتقاد الدعم ال�سيا�سي‪.‬‬
‫لذلك �أخذت احلركة العمالية �شكل موجات متتابعة‪ ،‬ولكن متباعدة‪ ،‬تنتابها حاالت مد وجزر‪.‬‬
‫وهو ما جعل الدولة تتعامل مع هذه االحتجاجات ب�شكل وقتي وموقعي‪ ،‬ما ت�سبب بالتايل‬
‫بت�صاعد وترية االحتجاجات بدالً من احتوائها‪ ،‬حيث �أ�صبحت املكا�سب التي يحققها موقع �أو‬
‫قطاع تدفع الآخرين �إلى املطالبة باملعاملة باملثل‪ ،‬كما كانت الوعود الكاذبة تزيد من احتقان‬
‫العمال وتدفعهم �إلى الت�صعيد‪.‬‬
‫وميكن القول �إن موجة االحتجاج العمايل �أثرت بقوة يف املجتمع امل�صري‪ ،‬فلقد �أ�سهمت‬
‫�أخبار االعت�صامات والإ�ضرابات والوقفات العمالية يف تفجري موجة من االحتجاج االجتماعي‬
‫تطالب بتح�سني اخلدمات املرتدية‪ .‬وقد متثلت يف التظاهر واالعت�صام وقطع الطريق من‬
‫�أجل احل�صول على خدمات �أف�ضل‪ ،‬مثل مياه ال�شرب ومياه الري والكهرباء وال�سكن‪ ،‬كما‬
‫هددت احلرك ُة العمالية الربجوازي َة امل�صرية‪ ،‬حيث ظهرت كم�ؤ�شر لعجز النظام‪ ،‬و�أعطت‬
‫دلي ً‬
‫ال خل�صومه ال�سيا�سيني على مدى ف�ساده وفقدانه للقدرة على حل الأزمات املتوالية‪ ،‬كما‬

‫الثورة الدائمة‬

‫‪30‬‬

‫�أ�صبحت �أن�شودة اال�ستقرار التي تغنى بها مبارك‪ ،‬طوي ً‬
‫ال‪ ،‬بال معنى‪ ،‬يف ظل االحتجاج اليومي‬
‫الذي يرتاكم وينذر باخلطر‪.‬‬
‫لكن الن�ضاالت العمالية املت�صاعدة مل ت�ستطع جذب انتباه القوى ال�سيا�سية‪ ،‬واقت�صر الدعم‬
‫ال�سيا�سي املقدم للعمال على قوى الي�سار الثوري‪ ،‬التي حاولت ب�إمكاناتها املحدودة بلورة مطلب‬
‫موحد حول الأجر‪ :‬احلد الأدنى للأجور‪ ،‬كما حاولت تنظيم احلركة من خالل دعم ت�أ�سي�س‬
‫النقابات امل�ستقلة‪ ،‬بالإ�ضافة �إلى حماولة بناء ج�سر بني املعركة ال�سيا�سية واملعركة االجتماعية‪.‬‬
‫ولكن معظم القوى ال�سيا�سية كانت تدين االحتجاجات العمالية وتتهمها باالنتهازية والفئوية‪،‬‬
‫و�أنها ال تعمل يف �صالح الوطن‪ .‬وهي نغمة مل تتغري بعد الثورة‪ .‬فالربجوازية‪ ،‬ب�أحزابها كاف ًة‪،‬‬
‫تريد �أ�صوات اجلماهري يف �صناديق االنتخاب‪ ،‬لتتمكن من ممار�سة مناوراتها ال�سيا�سية‪،‬‬
‫ولكنها ترف�ض حركة اجلماهري نف�سها‪ .‬ما �أدى �إلى فجوة كبرية بني ال�سيا�سيني وبني العمال‪.‬‬
‫كان رف�ض احلركة ال�سيا�سية مد يد العون للطبقة العاملة دلي ً‬
‫ال على عجزها عن �إدارة‬
‫معركة التغيري‪ ،‬وانف�صالها احلركي والفكري عن عموم ال�شعب امل�صري‪ ،‬وا�ست�سالمها للنظام‬
‫‪ :‬فالإخوان يطلبون م�شاركة النظام ال مغالبته‪ ،‬والأحزاب كرتونية فع ً‬
‫ال‪ ،‬كما �أُطلق عليها‪،‬‬
‫وت�ستمد �شرعية وجودها من دعمها للنظام ودعمه لها‪ ،‬وحركات التغيري نخبوية ال تتبنى‬
‫مطالب القوى االجتماعية‪ ،‬و�أق�صى �أحالمها �إ�صالح النظام ال الثورة عليه‪ .‬مل تدرك هذه‬
‫القوى ال�سيا�سية �أن حلظة ثورية قد ظهرت يف الأفق‪ ،‬منذ انتخابات الرئا�سة عام ‪ ،2005‬حني‬
‫بدا النظام مرتبكاً حول ترتيبات امل�ستقبل‪ ،‬و�أثريت ت�سا�ؤالت حول �صحة مبارك وملف التوريث‬
‫وقدرة النظام على �إدارة الأزمات‪ .‬لقد كان العمال �أكرث �إدراكاً لهذه اللحظة الثورية من النخب‬
‫ال�سيا�سية‪ ،‬و�أدركوا قدرتهم على حت�سني �أو�ضاعهم‪ ،‬من خالل ال�ضغط على النظام‪ ،‬وهو يف‬
‫�أ�ضعف حاالته‪� .‬صحيح �أن العمال مل يفكروا يف ثورة‪ ،‬بل مل يفكروا يف �أبعد من م�صاحلهم‬
‫املبا�شرة‪� ،‬إال �أن م�صاحلهم ت�ضغط على النظام وتك�شف مدى ارتباكه‪ ،‬وعدم قدرة �أجهزته‬
‫الأمنية على حل الأزمات‪ ،‬ما ا�ضطره للرتاجع مرات عديدة �أمام �ضغط العمال‪.‬‬
‫هذا ويدعي بع�ض ال�سيا�سني �أنهم مهدوا للثورة‪ ،‬وهي ادعاءات كاذبة‪ ،‬فتاريخ انتهازيتهم �أو‬
‫حمدودية ر�ؤيتهم‪  ‬وا�ضح‪ .‬و�أدوارهم يف دفع ال�شعب امل�صري نحو الثورة حمدودة‪� ،‬إذا ما قورنت‬
‫بن�ضال العمال الذي مهد الأر�ض بقوة يف الطريق �إلى الثورة‪.‬‬
‫�أثناء الثورة‬
‫كانت الدعوة �إلى االحتجاج �ضد عنف ال�شرطة حدثاً بالغ الأهمية‪ ،‬بعد انت�صار الثورة التون�سية‬
‫وهروب بن علي‪ .‬لكن �أحداً مل يت�صور �أنه �سوف ي�صبح مفجراً لثورة �شعبية‪ ،‬لذلك ترددت‬

‫الثورة الدائمة‬

‫‪31‬‬

‫القوى ال�سيا�سية‪ ،‬بل حاول بع�ض �أقطاب املعار�ضة ت�شويه الدعوة �إلى التظاهر‪ ،‬وترددت‬
‫مقولة‪ :‬م�صر م�ش تون�س! لكن اجلماهري خرجت ب�أعداد غري م�سبوقة‪.‬‬
‫لقد دفع الرتاكم الن�ضايل للعمال‪ ،‬على مدار �سنوات‪� ،‬أعداداً �ضخمة منهم �إلى امليادين‪ ،‬لأن‬
‫ع�شرات الأالف منهم خا�ضوا ن�ضاالت �ضد النظام‪ ،‬يف م�صانعهم‪ ،‬ومواقع عملهم‪ ،‬من قبل‪،‬‬
‫و�أدركوا الف�ساد والظلم ب�شكل جم�سد ومبا�شر‪ ،‬وعرفوا باخلربة �أن اال�صطفاف ي�شكل �ضغطاً‬
‫قد يحقق املطالب‪ .‬هذه خربات اكت�سبوها يف م�صانعهم ومواقع عملهم‪ .‬وكان عمال م�صنع‬
‫احلديد وال�صلب بال�سوي�س �أول من �أعلن مبكراً الإ�ضراب حلني �سقوط النظام‪ ،‬كما كان بيان‬
‫العاملني بوزارة ال�صحة �أول وثيقة تطلق لفظ ثورة على ما يحدث بعد موقعة اجلمل‪ .‬ومل يتم‬
‫الرتكيز على هاتني املبادرتني‪ ،‬ب�سبب الأحداث الدرامية املتالحقة‪ ،‬التي �شهدتها الثورة‪.‬‬
‫وبعد �أن رف�ض النظام تقدمي تنازالت وا�ضحة‪ ،‬و�سخر رئي�س الوزراء حينها �أحمد �شفيق من‬
‫االعت�صام‪ ،‬كان التوجه �إلى الطبقة العاملة حل�سم املوقف‪ ،‬وبد�أت الإ�ضرابات تتوالى‪ ،‬والدعوة‬
‫لإ�ضراب عام تتج�سد يف الواقع‪ .‬وهو ما �أرعب النظام ودفعه للتخلي عن مبارك حتى ال تتحول‬
‫الثورة ال�سيا�سية �إلى ثورة اجتماعية‪ ،‬وال ينتقل ال�صراع‪�  ‬إلى مواجهة طبقية مبا�شرة‪ .‬وفور‬
‫الإعالن عن جناح الثورة‪ ،‬بد�أت ترتيبات �سيا�سية كثرية‪ ،‬بع�ضها يف العلن و�أغلبها يف ال�سر‪،‬‬
‫لرتتيب الأو�ضاع‪ ،‬ومل يح�ضر العمال هذه الرتتيبات لأنهم مل ين�ضموا �إلى امليادين ب�شكل منظم‬
‫وم�ؤ�س�سي‪ ،‬ولأن النظام الطبقي ظل متما�سكاً‪ ،‬وم�صراً على عدم �إجراء تغيريات جذرية‪ ،‬على‬
‫امل�ستوى االجتماعي‪.‬‬
‫موجة ثورية جديدة‬
‫حاول املجل�س الع�سكري وبع�ض القوى ال�سيا�سية خداع اجلماهري‪ ،‬ور ّوج ه�ؤالء لفكرة جناح‬
‫الثورة‪ ،‬بعد خلع مبارك‪ ،‬لكن العمال ا�ست�شعروا هذه اخلديعة‪ ،‬وبد�أت موجة احتجاجات‬
‫عمالية قوية تطالب بتح�سني الأجر‪ ،‬وتثبيت املتعاقدين و�إطاحة الإدارات الفا�سدة للم�صانع‬
‫يجرم الإ�ضراب‪  ،‬بالتوازي مع حملة �إعالمية‬
‫وال�شركات‪ .‬وكان رد فعل النظام هو �إ�صدار قانون ِ ّ‬
‫�شر�سة �ضد احتجاجات العمال‪ ،‬للأ�سف �شاركت فيها بع�ض القوى الثورية‪ .‬كما ظهرت �أ�صوات‬
‫تطالب العمال بال�صرب حتى يت�شكل الربملان‪ ،‬وينتخب الرئي�س‪ ،‬وتبنى الدولة اجلديدة‪  .‬ولقد‬
‫تراجعت الكثري من القوى الثورية عن موقفها من احلركة العمالية‪ ،‬بعد فوات الأوان‪ .‬وا�ستمر‬
‫الن�ضال العمايل معزوالً عن الن�ضال ال�سيا�سي‪ ،‬بعد الثورة‪ .‬و�أ�صبح النموذج املتكرر �أن تنفجر‬
‫املوجة العمالية‪ ،‬فور هدوء موجة االحتجاج ال�سيا�سي‪.‬‬

‫الثورة الدائمة‬

‫‪32‬‬

‫‪ ‬وكان العمال يحققون انت�صارات جزئية هامة على امل�ستوى التنظيمي‪ :‬ما يقرب من ثالثمائة‬
‫نقابة م�ستقلة‪ ،‬واحتاد عام للنقابات امل�ستقلة‪ ،‬واحتادات �إقليمية‪ ،‬بالإ�ضافة �إلى ع�شرات‬
‫النقابات حتت الت�أ�سي�س‪ ،‬والروابط التي تت�شكل يف املواقع لإطاحة النقابات احلكومية‪ .‬وبد�أت‬
‫خطوات فعلية يف تثبيت املتعاقدين‪ ،‬وحت�سني �شروط التعاقد اجلديد‪ .‬كما جنح العمال يف‬
‫�إطاحة جمال�س الإدارة الفا�سدة‪ ،‬يف مواقع عديدة‪ ،‬ولكن البديل كان �أكرث ف�سادا‪ ً،‬يف �أغلب‬
‫احلاالت‪ .‬كما حتقق جناح جزئي هام يف معركة الأجر‪ ،‬حيث زادت احلوافز ملعظم العاملني‬
‫يف الدولة‪ ،‬وفر�ض حد �أدنى للأجور �أقل من املتوقع‪ ،‬لكن املعركة كانت م�ستمرة وفر�ص تنظيم‬
‫الطبقة العاملة �أ�صبحت كبرية‪ ،‬كما الحظنا درجة من التن�سيق يف االحتجاجات‪ ،‬خا�صة‬
‫القطاعية منها‪ ،‬كما حدث يف �إ�ضراب النقل العام‪ ،‬والعاملني يف النيابات واملحاكم والربيد‬
‫واالت�صاالت وال�ضرائب‪.‬‬
‫ويف املقابل كانت احلركة ال�سيا�سية تتعر�ض لهزائم متوالية‪ ،‬وتفقد الزخم ال�شعبي والقدرة على‬
‫احل�شد‪ .‬لقد دفعت احلركات الثورية ثمناً فادحاً‪ ،‬ب�سبب ثقتها يف املجل�س الع�سكري والإخوان‬
‫امل�سلمني‪ .‬ويف �أحداث �شارع حممد حممود‪ ،‬و�أحداث اعت�صام جمل�س الوزراء‪� ،‬أدركت القوى‬
‫الثورية �أهمية العمال‪ ،‬كقوة عددية يف مواجهة الع�سكر‪ ،‬بعد تخاذل الإخوان‪ .‬وهو ما تبلور بعد‬
‫ذلك يف تبني عدد من القوى ال�سيا�سية والثورية دعو ًة للإ�ضراب العام‪ ،‬يف ذكرى رحيل مبارك‪.‬‬
‫ومل حتاول هذه القوى ال�سعي �إلى العمال‪  ،‬ون�شر الفكرة ومناق�شتها مع العمال‪ ،‬ومل ت�ضع حتى‬
‫مطالب العمال ن�صب �أعينها‪ ،‬وال حتى �ضمن �أهداف الإ�ضراب العام‪ .‬وبالطبع مل يُقبِل العمال‬
‫على الفكرة التي اقت�صرت على القطاع الطالبي‪ ،‬لكن ما �أثري من قبول ورف�ض جمتمعي حول‬
‫الإ�ضراب العام‪ ،‬وما �أ�صيب به النظام من ذعر‪ ،‬ب�سبب الدعوة‪ ،‬كان رافعة قوية ملوجة كبرية‬
‫من االحتجاجات العمالية‪� ،‬أغلبها �إ�ضرابات يف قطاعات متتد على م�ستوى اجلمهورية‪� ،‬أو‬
‫اعت�صامات طويلة ال تنف�ض �إال بتحقيق مكا�سب ملمو�سة‪ ،‬و�أ�صبحت �أ�شكال التن�سيق والت�ضامن‬
‫بني العمال �أو�ضح‪ ،‬كما �أ�صبحت النقابات امل�ستقلة �أكرث جتذر�أ يف الواقع‪ .‬وهو ما يجعلنا نتوقع‬
‫�أن الإ�ضراب العام �سينطرح على �أجندة العمال‪ ،‬يف وقت قريب‪ ،‬كم�ستوى �أعلى من الت�صعيد‪،‬‬
‫يف وجه نظام �سيا�سي جديد‪ ،‬مل تتغري فيه �سوى الأ�سماء والوجوه‪ .‬وعند هذه اللحظة‪،‬‬
‫�سيتحول العمال �إلى طبقة عاملة حقيقية‪ ،‬متجذرة يف الواقع‪ ،‬وقادرة على تغيريه‪.‬‬

‫الثورة الدائمة‬

‫ما األسلم‪ :‬الدخول في لعبة السيىء‬
‫واألسوأ أم المقاطعة؟‬

‫البيانان الواردان يف هذا الق�سم‪ ،‬بخ�صو�ص الدورة الثانية من االنتخابات الرئا�سية‬
‫امل�صرية‪� ،‬أ�صدرتهما منظمتان ثوريتان‪ ،‬يف م�صر‪ ،‬ت�شارك �إحداهما يف �إ�صدار‬
‫«الثورة الدائمة»‪ ،‬هما تيار اال�شرتاكيني الثوريني‪ ،‬وحزب العمال والفالحني‪.‬‬
‫ونحن يف هيئة حترير جملة الثورة الدائمة‪ ،‬املن َّوه بها‪ ،‬نعترب �أن ن�شرنا لهما‪،‬‬
‫معاً‪ ،‬على ما فيهما من تباين يف املوقف‪� ،‬إمنا يعك�س رغبة منا يف دفع ثوريي‬
‫املنطقة العربية‪ ،‬والعامل‪� ،‬إلى االنخراط اجلدي يف نقا�ش املوقفني‪� ،‬إ�سهاماً يف‬
‫بلورة املوقف الأ�سلم من انتخابات قد يقف البع�ض �إزاءها‪ ،‬مع قدر من الرتدد‬
‫واحلرية‪ ،‬وبالتايل يف م�ساعدة الرفاق امل�صريني على ح�سم امل�س�ألة‪ ،‬بال�شكل الذي‬
‫يخدم‪ ،‬حقاً‪ ،‬م�صري الي�سار الثوري‪ ،‬يف بلد ب�أهمية م�صر‪ ،‬ومن ث َّم م�صري الثورة‬
‫امل�صرية‪.‬‬

‫‪33‬‬

‫‪34‬‬

‫الثورة الدائمة‬

‫‪ 28‬مايو‪/‬ايار ‪2012‬‬

‫يسقط شفيق‪ ..‬يسقط مبارك الجديد‬
‫االشتراكيون الثوريون (مصر)‬

‫ت�ؤكد حركة اال�شرتاكيني الثوريني على موقفها املبدئي املعادي ملر�شح املجل�س الع�سكري واحلزب‬
‫الوطني املنحل وقوى الثورة امل�ضادة �أحمد �شفيق‪ ،‬الذى متكن من الو�صول �إيل جولة الإعادة‬
‫يف االنتخابات الرئا�سية �أمام مر�شح االخوان امل�سلمني الدكتور حممد مر�سي بف�ضل احت�شاد‬
‫مع�سكر الثورة امل�ضادة بكامل قوته وتنظيمه و�أجهزته القمعية واالعالمية ورجال �أعماله وراء‬
‫�شفيق‪ ،‬وب�سبب الت�شويه والقمع املمنهج والتخويف امل�ستمر للقوى االجتماعية وال�شعبية الأمر‬
‫الذي بلغ ذروته قبيل االنتخابات وعرب عن نف�سه بتجر�ؤ ر�ؤو�س الفلول على الرت�شح خلو�ض‬
‫املعركة‪ ،‬مع عجز القوى الثورية والإ�صالحية عن ت�شكيل جبهة �سيا�سية متنع هذا الرت�شح‪،‬‬
‫و�أخريا ب�سبب ف�شل املر�شحني املح�سوبني على الثورة يف التوحد حول مر�شح واحد يتبنى‬
‫برنامج الثورة بو�ضوح ‪ -‬وهو ما نادينا به منذ وقت مبكر‪.‬‬
‫من ناحية �أخرى‪ ،‬تعلن احلركة عن �سعادتها بالإجناز الذي حققه ماليني الناخبني من الفقراء و‬
‫العمال والفالحني واملوظفني والأقباط والعاطلني وال�شباب الثوري برت�شيح )حمدين �صباحي(‪،‬‬
‫الذي ناف�س �شفيق بقوة على املركز الثاين حمرزا ‪ %21.2‬من اجمايل الأ�صوات ليحتل املركز‬
‫الثالث بفارق �ضئيل‪ ،‬ما يعك�س وزنا كبريا للقوى ال�شعبية والداعمة مل�شروع الثورة واملنحازة‬
‫ي�سارا‪ ،‬جتاه برنامج له �أبعاد اجتماعية ودميقراطية مدنية‪ ،‬وهو ما يتيح البناء عليه لت�شكيل‬
‫جبهة ي�سار منا�ضل لها �شعبية وا�سعة يف ال�شارع امل�صري‪ .‬وت�شدد على دعمها لكل التحركات‬
‫التي ت�ستهدف التحقق من وقائع التزوير التي متت �ضد �صباحي‪ ،‬وكذلك مل�ساعي تطبيق قانون‬
‫العزل ال�سيا�سي على املجرم �أحمد �شفيق‪.‬‬

‫الثورة الدائمة‬

‫‪35‬‬

‫ومن هنا‪ ،‬ولإمياننا العميق بدور اجلماهري كالطرف الأكرث فاعلية وت�أثريا و�ضمانة يف كل‬
‫املعارك الدميوقراطية‪ ،‬والتي اكت�سبت حق امل�شاركة فيها بن�ضالها الثوري العظيم ومبا قدمته‬
‫من �شهداء و م�صابني منذ اندالع الثورة حتى الآن‪ ،‬واقتناعا منا ب�أن فوز �شفيق يف اجلولة‬
‫الثانية يعني خ�سارة فادحة للثورة‪ ،‬و�ضربة قوية ملكت�سباتها الدميقراطية والإجتماعية‪ ،‬وا�ستعادة‬
‫نظام مبارك لكافة �أركانه‪ ،‬بل وفر�صة ذهبية ال�ستعداد الثورة امل�ضادة لهجوم انتقامي �أكرث‬
‫وح�شية وات�ساعا‪ ،‬وهو ما يقوله �شفيق �صراحة يف حملته )الفا�شية( املبنية على الوعد بالقمع‬
‫االنتقامي الوا�سع حتت عنوان «ا�ستعادة الأمن لل�شارع يف �أيام»‪ ،‬ولذا ف�إننا ندعو كل القوى‬
‫الإ�صالحية والثورية وباقي املر�شحني املح�سوبني علي الثورة لت�شكيل جبهة وطنية تقف �ضد‬
‫مر�شح الثورة امل�ضادة على ان تعلن جماعة الإخوان امل�سلمني التزامها بالتايل‪:‬‬
‫‪ -1‬ت�شكيل حتالف رئا�سي ي�ضم حمدين �صباحي وعبد املنعم �أبو الفتوح كنائبني للرئي�س‪.‬‬
‫‪ -2‬اختيار رئي�س احلكومة من خارج اجلماعة وحزب احلرية و العدالة‪ ،‬وحكومة ت�ضم �ألوان‬
‫الطيف ال�سيا�سي وميثل فيها الأقباط‪.‬‬
‫‪ -3‬املوافقة على قانون احلريات النقابية املنحاز بو�ضوح للتعددية واال�ستقاللية للحركة‬
‫العمالية‪ ،‬وذلك على عك�س امل�شروع املقدم من اجلماعة يف جمل�س ال�شعب‪.‬‬
‫‪ -4‬التوافق مع القوى ال�سيا�سية الأخرى على د�ستور مدين‪ ،‬ي�ضمن العدالة االجتماعية مع‬
‫احلق يف جمانية وج��ودة ال�صحة والتعليم وحق اال�ضراب والتظاهر واالعت�صام ال�سلمي‪،‬‬
‫واحلريات العامة واخلا�صة لكل املواطنني ومتثيل حقيقي للمر�أة والأقباط والكادحني وال�شباب‬
‫يف اجلمعية الـت�أ�سي�سية‪ .‬وال يفوتنا هنا ان ندعو االخوان امل�سلمني وكافة القوى �إيل تغليب‬
‫م�صلحة الثورة على امل�صالح احلزبية والتوحد �ضد �شفيق‪ ،‬و�إال نكون �سلمنا الثورة لأعدائها‬
‫�صيدا �سهال‪.‬‬
‫وبالطبع ال يعنى موقفنا هذا عدم مت�سكنا بنقدنا للتوجه االجتماعي واالقت�صادي لربنامج‬
‫حزب احلرية و العدالة و م�شروع النه�ضة املنحاز يف جوهره القت�صاد ال�سوق ولطبقة رجال‬
‫املال والأعمال‪ ،‬ونقدنا للأداء ال�سيا�سي املتخاذل لقيادات اجلماعة وحزب احلرية و العدالة‬
‫ووثوق هذه القيادات يف املجل�س الع�سكري‪ ،‬وهجومها )�أدبيا( على الثوار يف معارك حممد‬
‫حممود و جمل�س الوزراء وغريها‪.‬‬
‫هذا الهجوم الذي و�صل �إلى حد تخوين اال�شرتاكيني الثوريني – وغريهم من القوى الثورية ‪-‬‬
‫والتقدم ببالغ �ضدنا للنائب العام‪.‬‬

‫الثورة الدائمة‬

‫‪36‬‬

‫غري �أن ما يعنينا يف املقام الأول هو م�صلحة الثورة وم�ستقبلها كما �أننا ندافع عن حق اجلماهري‬
‫يف االختيار واالختبار ك�شرط لتطور وعيها وتطور موقفها من خمتلف القوى ال�سيا�سية‪.‬‬
‫و�أي�ضا نعرف فداحة خط�أ عدم التفرقة بني )�إ�صالحية( جماعة الإخوان التي دعمها ويدعمها‬
‫يف االنتخابات املاليني الذين يطمحون �إلى اعادة توزيع الثورة و دميقراطية حقيقية‪ ،‬والتي‬
‫تعتمد علي قواعدها يف النقابات وغريها من التنظيمات االجتماعية والدميقراطية و على‬
‫جمهورها من فقراء الفالحني والعمال والعاطلني وغريهم‪ ،‬وبني )فا�شية( �شفيق الع�سكري‬
‫وبلطجية حملته املتجان�سة واملوحدة على �إنهاء الثورة وغلق الباب �أمام �أي ن�ضال دميقراطي‬
‫�أو اقت�صادي‪.‬‬
‫ونتعهد اليوم �أن نخو�ض او�سع ن�ضال ممكن مع جماهري �شعبنا �ضد مر�شح الفلول فانتخاب‬
‫�شفيق‪ ..‬خط �أحمر‪ ..‬مثله مثل ع��ودة مبارك �أو براءته‪ ..‬وبال�ضبط مثل التفريط يف دم‬
‫ال�شهداء‪ ..‬ومثل قبول هزمية الثورة‪ ..‬ف�شروط الن�ضال وال�ضغط ال�شعبي واحلياة الكرمية و‬
‫بكلمة ا�ستمرار الثورة ال�سيا�سية واالجتماعية �ست�صبح بالغة ال�صعوبة يف ظل وجود �شفيق على‬
‫كر�سي الرئا�سة‪.‬‬
‫فلتكن معركة الإعادة معركة ثورية ل�ضرب الفلول‬
‫لتكن معركة لتنظيم الفئات ال�شعبية �ضد مترد مالك العبيد‬

‫‪37‬‬

‫الثورة الدائمة‬

‫‪ 29‬مايو‪/‬ايار ‪2012‬‬

‫من ينتخب شفيق ينتحر‪ ...‬ومن ينتخب مرسي‬
‫ينتحر‬
‫حزب العمال والفالحين (مصر)‬

‫من ينتخب �شفيق ينتحر‪ ...‬ومن ينتخب مر�سي ينتحر‬
‫ولي�س قدرنا ان ننتحر‪ ...‬علينا ان ن�صنع قدرنا اخلا�ص‪...‬‬
‫الثورة م�ستمرة‬
‫كانت انتخابات رئي�س اجلمهورية االخرية واملزورة دليال جديدا على �صعوبة اجتثاث القوتني‬
‫املنظمتني فى م�صر واملعاديتني لثورة ال�شعب �أال وهما‪:‬‬
‫ماتبقى من نظام مبارك مبجل�سه الع�سكرى ثم الفا�شية الدينية التى ا�ستولت على جمل�سى‬
‫ال�شعب وال�شورى وحاولت اال�ستيالء على جلنة و�ضع الد�ستور وحتاول اال�ستيالء على رئا�سة‬
‫اجلمهورية وجمل�س الوزراء‪.‬‬
‫لكن نف�س النتائج ت�شري بو�ضوح الى دخول قوى الثورة التى ال متلك تنظيماتها بعد الى حلبة‬
‫ال�صراع االنتخابى‪ ،‬ففوز حمدين �صباحى واقرتابه من املناف�سة فى االعادة بعد ان التف حوله‬
‫الكثري من الثوار كخيار وحيد ممكن على خريطة املر�شحني يدل على فاعلية قوى الثورة‬
‫حينما جتتمع على خيار واحد‪ ،‬وبغ�ض النظر عن ان �صباحى ال ميثل جموع قوى الثورة لكنه‬
‫بال �شك ميثل ف�صيال قوميا يح�سب للثورة‪.‬‬
‫والثورة التى واجهت بو�ضوح �سلطة املجل�س الع�سكرى املمثل ل�ستني �سنة من احلكم الع�سكر‬
‫مل�صر‪ ،‬ب��د�أت تنتبه الى حقيقة انها تواجه عدوين ولي�س عدوا واح��دا فاالخوان امل�سلمون‬

‫الثورة الدائمة‬

‫‪38‬‬

‫الهادفون الى جعل م�صر والية و�إعادة اخلالفة والرجوع باملجتمع امل�صرى الى الوراء �آالف‬
‫ال�سنني‪ ،‬و�شق �صفوف امل�صريني �إما الى اتباع للمر�شد او كفار‪ ،‬خطفوا الثورة ل�صالح جماعة‬
‫االخوان ومار�سوا دورا كبريا فى ت�شويه الثورة وحماولة ت�صفيتها‪ ،‬وكما يتاجرون بالدين هاهم‬
‫الآن يتاجرون بالثورة‪ ،‬وكان البد لثورة امل�صريني ان تواجه الهجمة االخوانية على كل مفا�صل‬
‫ال�سلطة‪.‬‬
‫ولقد افقدت توابع زلزال ‪ 25‬يناير كثرياً من الثوريني وعيهم‪ :‬فالبع�ض يهرول لإجناح ممثل‬
‫االخوان �ضد بقايا نظام مبارك‪ ،‬و�آخ��رون يف�ضلون اجناح �شفيق للتخل�ص من االخ��وان‪ ،‬بل‬
‫و�صلت البالهة بالبع�ض ان يت�صوروا �إمكان تنازل مر�سي حلمدين او امكان م�ساومة االخوان‬
‫لإنتزاع بع�ض احلقوق الدميقراطية منهم فى هذه املنا�سبة!!! بينما املوقف ال�صحيح هو‬
‫ا�ستمرار املوقف الثورى النقى من كل من بقايا نظام مبارك وحكم الع�سكر و�سلطة املتاجرين‬
‫بالدين معا فى نف�س الوقت‪ ،‬مبقاطعة االنتخابات وامل�سرحية الهزلية واال�صطفاف مع جماهري‬
‫ال�شعب من اجل ا�ستكمال الثورة وابراز املوقف الثورى دون خلط االوراق‪ ...‬يجب ان يكون‬
‫وا�ضحا ان الثورة امل�صرية مل ت�ستول على ال�سلطة بعد‪ ،‬ولذلك يظل ال�صراع بينها وبني نظام‬
‫مبارك واملتاجرين بالدين حتى ت�ستولى على ال�سلطة‪ ،‬ولذلك يجب ان ي�ضاف الى �شعار‬
‫)ال�شعب يريد ا�سقاط النظام( �شعار )جمهورية دميقراطية �شعبية الي�سيطر عليها حكم‬
‫الع�سكر وال جتار الدين(‪.‬‬
‫خلط االوراق الآن فى �صالح جتار الدين والع�سكر وكالهما يدعى حماية الثورة وهويطعنها‬
‫�أمال ان تلقى حتفها لكنها �ستظل حية رغم ماتلقته حتى الآن من طعنات‪ ...‬ثورة دائمة‬
‫م�ستمرة حتى الن�صر‪.‬‬

‫الثورة الدائمة‬

‫‪2‬‬

‫‪39‬‬

‫فلسطين‪ ...‬المقاومة والسلطة‬

‫الثورة الدائمة‬

‫‪40‬‬

‫‪41‬‬

‫الثورة الدائمة‬

‫«ما ينبغي قوله»‪ ،‬بعد عشرين سنة على‬
‫اتفاق أوسلو‬
‫المنتدى االشتراكي (لبنان)‬

‫يف اخلام�س من ني�سان‪�/‬أبريل املا�ضي‪ ،2012‬دعا كبري مهند�سي اتفاقية �أو�سلو‪ ،‬يو�سي بيلني‪،‬‬
‫َ‬
‫رئي�س ال�سلطة‪،‬‬
‫الرئي�سي‪ ،‬من اجلانب الفل�سطيني‪ ،‬يف فرتة انعقاد االتفاق املذكور‪،‬‬
‫املفاو�ض‬
‫َ‬
‫َّ‬
‫حالياً‪ ،‬ومنذ وفاة يا�سر عرفات‪ ،‬ال�سيد حممود عبا�س‪� ،‬إلى حل ال�سلطة الفل�سطينية‪ ،‬وت�سليم‬
‫مفاتيحها لإ�سرائيل‪ ،‬قائ ً‬
‫ال له‪ ،‬باحلرف‪:‬‬
‫«ال تق َب ْل طلب الرئي�س �أوباما‪ ،‬الذي يريد فقط عدم �إزعاجه‪ ،‬قبل يوم االنتخابات‪،‬‬
‫وال ت َد ْع رئي�س الوزراء نتنياهو َ‬
‫يتخ َّفى وراء ورقة التني لل�سلطة الفل�سطينية‪ .‬وافر�ض‬
‫عليه‪ ،‬مرة �أخرى‪ ،‬م�س�ؤولية م�صري �أربعة ماليني فل�سطيني‪ ،‬ومن �أجل �شعبك‪ ،‬ومن �أجل‬
‫ال�سالم‪ ،‬ال ميكن ان تدع هذه املهزلة ت�ستمر»‪.‬‬
‫و�أ�ضاف‪« :‬خ�صوم �أو�سلو حولوا االتفاق امل�ؤقت‪ ،‬الذي كان من املفرت�ض �أال يدوم �أكرث‬
‫من �ست �سنوات‪ ،‬ويخدم فقط كممر حلل نهائي‪� ،‬إلى �ساحة ي�ستطيعون فيها موا�صلة‬
‫بناء امل�ستوطنات‪.»...‬‬
‫وختم بيلني ب�أن اتفاق �أو�سلو غدا «جمرد �ستار لفئة من الفل�سطينيني ترتزق من وجود‬
‫ال�سلطة‪ ،‬وللحكومة الإ�سرائيلية‪ ،‬التي تتن�صل من م�س�ؤوليتها عن او�ضاع الفل�سطينيني‪،‬‬
‫وال حتقق ال�سالم معهم»‪.‬‬
‫وبالطبع‪ ،‬فنحن ال ن�ست�شهد ب�أحد امل�س�ؤولني الأ�سا�سيني عن �إخراج االتفاق امل�شار �إليه‪ ،‬يف‬
‫�أوائ��ل الت�سعينيات من القرن املا�ضي‪ ،‬من مواقع الأ�سف على م�صري هذا االتفاق‪ ،‬وال من‬
‫اخللفية اال�سا�سية‪ ،‬التي ينطلق منها ال�سيا�سي ال�صهيوين‪ ،‬يف نقده لذلك امل�صري‪� .‬إننا نفعل‬

‫الثورة الدائمة‬

‫‪42‬‬

‫ذلك‪ ،‬فقط‪ ،‬لأجل �إب��راز مدى ب�ؤ�س‪ ،‬ال بل كارثية النتائج التي �أو�صل �إليها اتفاق �أو�سلو‪،‬‬
‫علماً ب�أننا مل نكن لنتوهم يوماً ب�أنه قد ين�سجم‪ ،‬ولو من بعيد‪ ،‬مع املنظور التحرري للكفاح‬
‫الفل�سطيني‪ ،‬ال بل اعتربناه‪ ،‬دائماً‪ ،‬يتناق�ض جذرياً مع م�صالح ال�شعب الفل�سطيني‪� ،‬سواء‬
‫منها الآنية‪ ،‬او امل�ستقبلية‪ ،‬وي�شكل واحد ًة خطري ًة من كبوات ذلك الكفاح‪ ،‬ال بل خيان ًة فعلية‬
‫للت�ضحيات التاريخية لل�شعب املذكور‪ ،‬ولتطلعاته امل�شروعة ال�ستعادة �أب�سط حقوقه التاريخية‪،‬‬
‫يف �أر�ضه ووطنه‪.‬‬
‫هذا ومن ال�ضروري الت�شديد على �أنه �إذا كان جزءٌ واز ٌن من املنظمات الفل�سطينية‪ ،‬ذات‬
‫احل�ضور الفعلي يف الداخل الفل�سطيني‪ ،‬قد رف�ض هذا االتفاق‪ ،‬يف فرتة انعقاده‪ ،‬وال �سيما‬
‫اجلبهة ال�شعبية لتحرير فل�سطني‪ ،‬وحركة حما�س‪ ،‬ومنظمة اجلهاد الإ�سالمي‪ ،‬فلقد جنحت‬
‫حركة فتح‪ ،‬امل�س�ؤولة اال�سا�سية عن توقيعه مع الكيان ال�صهيوين‪ ،‬يف فر�ضه‪ ،‬عملياً‪ ،‬ك�أمر‬
‫واقع‪ ،‬ومن ذلك �إحدى نتائجه الأهم‪ ،‬املتمثلة بقيام ما بات معروفاً بال�سلطة الفل�سطينية‪.‬‬
‫وهي ال�سلطة التي ت�شارك فيها‪ ،‬منذ �سنوات عديدة‪� ،‬إحدى املنظمات اال�سا�سية‪ ،‬التي �سبق �أن‬
‫رف�ضت اتفاقية �أو�سلو‪ ،‬ونحن نق�صد بذلك حركة حما�س‪ .‬حتى �أنها باتت ت�شارك يف �شتى �أنواع‬
‫االنتخابات‪ ،‬التي ت�شكل نقطة العبور �إلى مواقع امل�س�ؤولية يف ال�سلطة امل�شار �إليها‪ ،‬وتتناف�س‬
‫مع حركة فتح‪ ،‬بوجه �أخ�ص‪ ،‬على تلك املواقع‪ .‬وهي املناف�سة التي و�صلت‪ ،‬يف �إحدى مراحلها‪،‬‬
‫�إلى حدود م�أ�سوية حقاً‪ ،‬بحيث اتخذت الطابع الدموي املعروف‪ ،‬لأجل ال�سيطرة الأحادية على‬
‫غزة‪ ،‬بعد االن�سحاب الإ�سرائيلي منها‪ ،‬قبل �سنوات‪.‬‬
‫مع ما و ّلَ��ده ذلك من قطيعة عملية بني املنظمتني الأه��م‪ ،‬يف ال�ساحة الفل�سطينية‪ ،‬وتبادل‬
‫لال�ضطهاد والقمع‪ ،‬ك ّل يف «الإقطاعة» التي باتت تنفرد يف الهيمنة عليها‪ :‬ال�ضفة الغربية‪،‬‬
‫حتت �سيطرة فتح‪ ،‬وغزة‪ ،‬حتت �سيطرة حما�س! علماً ب�أن هذه ال�سيطرة ال�سلطوية ترتافق‪،‬‬
‫يف احلالتني‪ ،‬مع ّ‬
‫تف�شي درجة عالية جداً من الف�ساد‪ ،‬يف اجلهازين اللذين متار�س احلركتان‬
‫بوا�سطتهما �سلطتيهما )وهو ما مت �إي�ضاحه بخ�صو�ص حركة حما�س‪ ،‬بوجه خا�ص‪ ،‬يف املقال‬
‫ال��وارد يف مكان �آخر )�ص‪ (51 .‬من هذا العدد من «الثورة الدائمة»(‪ .‬وهو الف�ساد‪ ،‬الذي‬
‫يتالزم مع ظهور م�صالح مادية هامة جداً‪ ،‬بالت�أكيد‪ ،‬تف�سر حر�ص احلركتني‪ ،‬يف � ٍآن‪ ،‬على عدم‬
‫�إعادة النظر‪ ،‬عملياً‪ ،‬يف ا�ستمرار هذه النتيجة الأ�سا�سية التفاق �أو�سلو‪ ،‬املتمثلة بـ «ال�سلطة‬
‫الفل�سطينية»‪ ،‬وبالتايل‪ ،‬وعملياً �أي�ضاً‪ ،‬يف ا�ستمرار اتفاقية �أو�سلو بالذات‪ .‬ومن هذا املنطلق‪،‬‬
‫بالت�أكيد‪ ،‬ميكن �أن نفهم‪ ،‬و�إ ْن فهماً متناق�ضاً‪ ،‬انخراط احلركتني‪ ،‬منذ بدء احتدام ال�صراع‬
‫بينهما‪ ،‬يف امل�ساعي العربية )امل�صرية‪ ،‬كما اخلليجية( لر�أب ال�صدع بينهما‪ ،‬ومن ذلك قبولهما‬
‫باتفاق الدوحة لل�صيف املا�ضي‪ ،‬ثم باتفاق القاهرة اجلديد‪ ،‬يف �شهر �أيار احلايل‪ ،‬اللذين‬

‫الثورة الدائمة‬

‫‪43‬‬

‫ينظمان �آلية عودة املياه �إلى جماريها‪ ،‬يف ما بينهما‪ ،‬مبا فيه م�س�ألة االنتخابات املخطط‬
‫لإجرائها‪ ،‬الحقاً‪ ،‬كما م�س�ألة قيام حكومة وحدة وطنية ذات طابع انتقايل‪ ،‬يف القريب العاجل‪،‬‬
‫و�إعادة �إعمار قطاع غزة‪ .‬وهو الأمر الذي يبدو �أقرب �إلى الت�صور‪ ،‬و�إن ب�صورة ن�سبية‪ ،‬ولكن‬
‫غري م�ضمونة‪� ،‬أ ّياً يكن‪ ،‬بعد �أن خرجت قيادة حما�س من حتت الو�صاية ال�سورية‪ ،‬بخروجها‬
‫املادي من البلد املذكور‪� ،‬إثْ َر بدء احلراك الثوري يف �سوريا‪ ،‬يف ربيع العام ‪ ،2011‬ورف�ضها‬
‫االنحياز �إلى النظام القائم يف دم�شق‪ ،‬مبواجهة احلراك امل�شار �إليه‪.‬‬
‫هل ميكن «ر�أب ال�صدع»‪ ،‬وعلى �أي �أ�سا�س؟‬
‫عب �أبناء ال�شعب الفل�سطيني عن تعلقهم به‪،‬‬
‫من الوا�ضح �أن املطلب احليوي جداً‪ ،‬الذي طاملا رَّ‬
‫وحر�صهم ال�شديد عليه‪ ،‬كان دائماً الوحدة الوطنية‪� ،‬أي بوجه خا�ص احليلولة دون االقتتال‪.‬‬
‫احتالل حاقد وخطري‪ .‬غري‬
‫وبهذا املعنى‪ ،‬فنحن نعترب �أنه �ضرورة ق�صوى‪ ،‬وال �سيما مبواجهة‬
‫ٍ‬
‫�أننا نعتقد‪ ،‬يف الوقت عينه‪ ،‬ان مفهوم الوحدة الوطنية‪ ،‬م�أخوذاً على �إطالقه‪ ،‬ي�صبح �سلبياً‬
‫للغاية‪ ،‬حني يعني التالقي العملي‪ ،‬بني �أ�صحاب الربنامج الوطني التحرري ال�سليم‪ ،‬من جهة‪،‬‬
‫يف حال وجودهم‪ ،‬واملتعاونني مع االحتالل‪ ،‬واملتواطئني معه‪ ،‬من جهة �أخرى‪ ،‬وال �سيما حني‬
‫يكون ه�ؤالء يدخلون يف تن�سيق �أمني وثيق مع �أجهزته الأمنية‪ ،‬وخمابراته‪.‬‬
‫وعلى هذا الأ�سا�س‪ ،‬ننظر �إلى �أي م�شروع م�صاحلة‪ ،‬وبخا�صة حني يكون مدخ ً‬
‫ال �إلى التخلي‬
‫عن ثوابت تتعلق باملوقف من الدولة ال�صهيونية‪ ،‬وق�ضية ا�ستمرارها مبا هي �أداة احتالل‪،‬‬
‫واغت�صاب‪ ،‬وا�ضطهاد‪ ،‬وقمع‪ ،‬وحرمان من �أب�سط احلقوق الوطنية‪.‬‬
‫يف كل حال‪ ،‬ما الذي ميكن �أن يَنْتُ َج من اتفاقات م�صاحلة تتم برعاية �أنظمة عربية‪ ،‬بالغة‬
‫الرجعية‪� ،‬إما هي داخلة يف عالقات عادية مع الدولة ال�صهيونية‪ ،‬قائمة على االعرتاف‬
‫املتبادل‪ ،‬والتمثيل الدبلوما�سي‪ ،‬وغري ذلك من �أ�شكال التطبيع مع �إ�سرائيل )كالنظام امل�صري(‪،‬‬
‫�أو هي تقيم �أ�شكاالً �أخرى من التطبيع معه‪ ،‬وترتبط ب�صالت التبعية �شبه املطلقة للإمربيالية‬
‫الأمريكية‪ ،‬احلامية لهذا الكيان الغا�صب ولعدوانه الدائم على ال�شعوب العربية )كدويلة قطر‪،‬‬
‫و�إلى حد �أقل قلي ً‬
‫ال‪ ،‬اململكة ال�سعودية(! علماً ب�أن �إ�سرائيل تف�ضل‪ ،‬يف �شتى االحوال‪ ،‬منع �أي‬
‫تالق جدي بني كل من حما�س وفتح‪� ،‬إال �إذا عنى ذلك اجنرار الأولى �إلى تبني موقف الثانية‪،‬‬
‫ٍ‬
‫جمل ًة وتف�صي ً‬
‫ال‪.‬‬
‫من هذا املنظار‪ ،‬نرى �إلى اتفاق الدوحة‪ ،‬الذي بقي من دون تطبيق )وكان يلحظ ت�شكيل‬
‫حكومة وحدة وطنية‪ ،‬برئا�سة حممود عبا�س‪ ،‬يف مهلة ال تتعدى �شهر �شباط‪/‬فرباير املا�ضي‪،‬‬
‫و�إجراء انتخابات‪ ،‬يف �أيار احلايل(‪ ،‬فاتفاق القاهرة الأخري‪ ،‬وهو ين�ص على �أن تبد�أ جلنة‬

‫الثورة الدائمة‬

‫‪44‬‬

‫االنتخابات املركزية عملها يف قطاع غزة‪ ،‬اعتباراً من ‪� 27‬أيار احلايل‪ ،‬بالتالزم مع بدء وفدي‬
‫احلركتني م�شاورات لت�أليف احلكومة اجلديدة‪ ،‬وتنهيها يف ع�شرة �أيام‪ .‬ويتم حتديد موعد‬
‫االنتخابات‪ ،‬بالتوافق مع كل الف�صائل والقوى الفل�سطينية‪ .‬وتتحدد مدة عمل احلكومة بفرتة‬
‫ال تزيد على �ستة �أ�شهر‪ ،‬لتنفيذ املهام املوكلة �إليها‪ ،‬ومنها �إجراء االنتخابات‪ ،‬وبدء �إعمار‬
‫القطاع‪ ،‬الذي �أ�صيب بدمار وا�سع‪ ،‬خالل احلرب الإ�سرائيلية الأخ�يرة عليه‪� .‬أما يف حال‬
‫تعذر �إجراء االنتخابات يف املوعد الذي يتم االتفاق عليه‪ ،‬فيلتقي الطرفان )�أي فتح وحما�س(‬
‫لبحث ت�شكيل حكومة وحدة وطنية جديدة برئا�سة �شخ�صية م�ستقلة يتم التوافق عليها‪ .‬وتقوم‬
‫احلكومة امل�صرية باملراقبة والإ�شراف على تق ّيُد كل طرف بالتزاماته‪.‬‬
‫لقد �أعطى االن�سداد الذي تعر�ض له اتفاق الدوحة‪ ،‬يف كل حال‪ ،‬انطباعاً ب�أن �أي اتفاق م�شابه‬
‫الحق قد يتعر�ض للم�شكلة عينها‪ .‬والأ�سابيع القليلة القادمة �ستك�شف مدى �صحة هذا التوقع‪،‬‬
‫�أو َ‬
‫ترجح الف�شل يف �إحداث التقارب اجلاري ال�سعي‬
‫خطئه‪ .‬علماً ب�أن �صعوبات جمة ال تزال ِ ّ‬
‫لإجنازه‪ .‬وهي �صعوبات ال تقت�صر على مواقف كل من فتح وحما�س‪ ،‬وامل�صالح التي ن�ش�أت‬
‫بنتيجة تفردهما بال�سلطة‪ّ ٍ ،‬‬
‫كل يف املنطقة التي ت�سيطر عليها‪ ،‬بل ترتبط �أي�ضاً مبواقف كل من‬
‫�إ�سرائيل‪ ،‬من جهة‪ ،‬والإمربياليات الغربية‪ ،‬من جهة �أخرى‪ ،‬وال �سيما الإدارة االمريكية‪ ،‬وهي‬
‫عب ذلك عن تغريات جذرية يف‬
‫مواقف �سلبية‪� ،‬إلى الآن‪ ،‬حيال تقارب من هذا النوع‪� ،‬إال �إذا رَّ‬
‫مواقف حما�س‪ ،‬حيال الت�سوية مع الدولة ال�صهيونية‪ ،‬ول�صالح هذه الأخرية‪ .‬وهو �أمر لي�س‬
‫م�ستبعداً‪ ،‬بالكامل‪� ،‬إذا اخذنا باالعتبار ت�صريحات �سابقة‪ ،‬يف ال�سنتني االخريتني‪ ،‬لبع�ض قادة‬
‫احلركة‪ ،‬تبدو اكرث ت�ساه ً‬
‫ال حيال ت�سوية ال تطرح‪� ،‬صراح ًة‪ ،‬زوال الدولة ال�صهيونية‪ ،‬و�إن كانت‬
‫دونه‪� ،‬إلى هذه اللحظة‪ ،‬عوائق جمة‪� ،‬سواء من داخل احلركة‪ ،‬بالذات‪ ،‬او بنتيجة حتالفها مع‬
‫�إيران‪� ،‬أو ب�سبب وجود مواقف �صارمة‪ ،‬على هذا ال�صعيد‪ ،‬تقفها منظمات هامة‪ ،‬على ي�سار‬
‫احلركة‪ ،‬حيال الكيان الغا�صب‪ ،‬كاجلبهة ال�شعبية‪ ،‬ومنظمة اجلهاد الإ�سالمي‪ ،‬بوجه اخ�ص‪.‬‬
‫بَيْ َد �أن ثمة عام ً‬
‫ال �آخر رمبا ِ ّ‬
‫ي�شكل العائق الأكرث جدية دون هذا املنظور‪� ،‬أال وهو موقف �أق�صى‬
‫اليمني ال�صهيوين‪ ،‬امل�سيطر‪ ،‬حتى الوقت الراهن‪ ،‬على احلياة ال�سيا�سية‪ ،‬يف �إ�سرائيل‪ ،‬حيال‬
‫الت�سوية مع الفل�سطينيني‪.‬‬
‫موقف �أق�صى اليمني احلاكم يف �إ�سرائيل‬
‫لقد كانت �سيا�سة احلكومات الإ�سرائيلية‪ ،‬على امتداد املرحلة التي تلت �أو�سلو‪ ،‬تقوم على مبد�أ‬
‫اليد الغليظة‪ ،‬والقمع الدائم‪ ،‬واالعتداءات‪ ،‬واالعتقاالت‪ .‬وقد �شهدت ال�سنوات الأخرية‪� ،‬إلى‬
‫ذلك‪ ،‬خو�ض حربني عدوانيتني كربيني‪� ،‬إحداهما خارج االرا�ضي الفل�سطينية )احلرب على‬
‫لبنان‪� ،‬صيف العام‪ ،(2006‬ولكن الثانية داخلها‪ ،‬وبالتحديد احلرب على غزة‪ ،‬يف �أواخر العام‬

‫الثورة الدائمة‬

‫‪45‬‬

‫‪ .2008‬ت�ضاف �إلى ذلك �أعمال الق�صف املمار�سة �ضد القطاع املحا�صر‪ ،‬منذ االن�سحاب منه‪،‬‬
‫والذي يتعر�ض‪ ،‬بني احلني والآخر‪ ،‬للغارات اجلوية‪ ،‬والق�صف املدفعي‪ ،‬والرمايات بالر�شا�شات‬
‫الثقيلة‪ ،‬مع ح�صيلة ذلك من ال�شهداء واجلرحى واملعوقني‪ .‬هذا من دون �أن نن�سى الأعمال‬
‫العدوانية التي تطول �أي�ضاً �سكان ال�ضفة الغربية‪ ،‬والقد�س ال�شرقية‪ ،‬ومن �ضمنها‪ ،‬ويف �إطارها‪،‬‬
‫االقتطاعات املتوالية للأرا�ضي‪ ،‬وهدم البيوت‪ ،‬وجتريف الأر�ض‪ ،‬ف�ض ً‬
‫ال عن اجلدار احلاجز‪،‬‬
‫الذي يقام‪،‬على امتداد مئات الكيلومرتات‪ ،‬داخل �أرا�ضي ال�ضفة‪ ،‬ويف�صل بني القرى واملدن‬
‫الفل�سطينية والأرا�ضي التي ميتلكونها بينه وبني اخلط الأخ�ضر‪ ،‬مع نتائج ذلك الوخيمة على‬
‫حياتهم وم�ستوى معي�شتهم‪ ،‬وظروفها‪ ،‬وما يعنيه ذلك من اقتطاع �أجزاء �أ�سا�سية من امل�ساحة‬
‫الإجمالية لل�ضفة الغربية‪ ،‬و�ضمها عملياً �إلى امل�ستوطنات اجلاري بنا�ؤها‪ ،‬على قدم و�ساق‪،‬‬
‫ب�صورة مت�سارعة‪ ،‬مبا يتناق�ض مع �أب�سط القوانني الدولية‪.‬‬
‫�إن �سيا�سة اال�ستيطان التي تلج�أ �إليها �إ�سرائيل‪ ،‬والتي باتت تت�سارع‪ ،‬ب�صورة جنونية‪ ،‬يف‬
‫ال�سنوات الأخرية‪ ،‬يف ظل احلكومات املتعاقبة لأق�صى اليمني ال�صهيوين‪ ،‬بقيادة نتانياهو‪،‬‬
‫تظهر �إلى �أي حد كان �أن�صار الت�سوية مع �إ�سرائيل‪ ،‬يف الو�سط الفل�سطيني‪ ،‬م�صابني بق�صر‬
‫النظر‪ ،‬يف رهانهم على �إقامة دولة فل�سطينية‪ ،‬على الأرا�ضي املحتلة يف العام ‪ .1967‬وهي‬
‫�سيا�سة ت�ستهدف‪ ،‬بوجه �أخ�ص‪ ،‬مدينة القد�س ال�شرقية‪ ،‬والبلدات والقرى املجاورة لها )بات‬
‫‪ %50,6‬من امل�ستوطنني ي�سكنون يف حمافظة القد�س(‪ ،‬و�إن كانت ت�ستهدف �أي�ضاً مناطق �أخرى‬
‫على امتداد ال�ضفة‪ ،‬ومن �ضمن ذلك يف اخلليل‪ ،‬وغريها من املدن والبلدات‪ ،‬و�صوالً �إلى‬
‫منطقة الأغوار‪ ،‬على طول نهر االردن‪ .‬ومن العام ‪ 2000‬حتى العام ‪ ،2011‬مت هدم ‪ 1059‬مبنى‬
‫يف القد�س ال�شرقية‪ ،‬وت�شريد ‪� 4856‬شخ�صاً‪ ،‬علماً بان املئات منهم �أجربوا على هدم بيوتهم‬
‫ب�أنف�سهم‪ ،‬حتت طائلة هدم البلدية لها‪ ،‬وتدفيعهم مبالغ طائلة لقاء ذلك‪� .‬أما عدد امل�ساكن‬
‫التي هدمت‪ ،‬على امتداد املدن والقرى الفل�سطينية‪ ،‬منذ العام ‪ ،1967‬فبلغت ‪� 25‬ألفاً‪ ،‬وبات‬
‫عدد امل�ستوطنني الإ�سرائيليني‪ ،‬يف ال�ضفة الغربية‪ 518،974 ،‬م�ستوطناً‪ ،‬يف نهاية العام ‪،2010‬‬
‫واحلبل على اجل َّرار‪.‬‬
‫هذا وقد ردت احلكومة الإ�سرائيلية على �إعالن املجل�س الدويل حلقوق الإن�سان‪ ،‬التابع للأمم‬
‫املتحدة‪ ،‬ت�شكيل جلنة حتقيق دولية ب�ش�أن امل�ستوطنات‪ ،‬لأجل التحقيق يف �آثار البناء فيها على‬
‫احلقوق املدنية‪ ،‬وال�سيا�سية‪ ،‬واالقت�صادية‪ ،‬واالجتماعية‪ ،‬والثقافية‪ ،‬للفل�سطينيني‪ ،‬يف الأر�ض‬
‫املحتلة‪ ،‬بقطع العالقة باملجل�س‪ ،‬يف �أواخر �آذار‪/‬مار�س املا�ضي‪.‬‬
‫�أكرث من ذلك‪ ،‬ف�إن حكومة نتنياهو درجت‪� ،‬أي�ضاً‪ ،‬على قمع كل �أ�شكال الت�ضامن االممي مع‬
‫ال�شعب الفل�سطيني‪ ،‬ونا�شطي ال�سالم من �شتى البلدان‪ ،‬عرب العامل‪ ،‬كما ظهر خالل حماولة‬

‫الثورة الدائمة‬

‫‪46‬‬

‫املئات من ه�ؤالء الدخول �إلى فل�سطني املحتلة‪ ،‬قبل ا�سابيع‪ ،‬للم�شاركة يف حملة «�أه ً‬
‫ال بكم يف‬
‫فل�سطني»‪ .‬وكلنا نذكر اغتيال ال�سلطات ال�صهيونية‪ ،‬قبل �سنوات‪ ،‬النا�شطة الأمريكية‪ ،‬را�شيل‬
‫كوري‪ ،‬التي كانت حتاول منع جرافة �إ�سرائيلية من جتريف االر�ض يف قطاع غزة‪ ،‬و�صوالً �إلى‬
‫الهجوم على ال�سفينة الرتكية مايف مرمرة‪ ،‬يف ‪� 31‬أيار‪/‬مايو ‪ ،2010‬خالل حماولتها ك�سر‬
‫احل�صار املفرو�ض على غزة‪ ،‬ومقتل ت�سعة �أتراك‪ ،‬وجرح �آخرين‪ ،‬وما �أف�ضى �إليه ذلك من‬
‫توترات يف العالقة بني الدولة الرتكية والكيان ال�صهيوين‪.‬‬
‫كما �أن حماوالت ال�سلطة الفل�سطينية‪ ،‬يف �أيلول ‪�/‬سبتمرب‪ 2011‬املا�ضي‪ ،‬احل�صول على اعرتاف‬
‫الأمم املتحدة بدولة فل�سطني‪ ،‬باءت بالف�شل‪ ،‬ب�سبب التواط�ؤ الدويل‪ ،‬يف جمل�س الأمن‪� ،‬ضد‬
‫هذا امل�سعى‪ ،‬وال �سيما بنتيجة الدور االمريكي احلا�سم لإحباطه‪ ،‬وا�ستجابة من وا�شنطن‬
‫لل�ضغوط الإ�سرائيلية‪ .‬علماً ب�أنه كان يف ا�ستطاعة حكومة عبا�س اللجوء �إلى اجلمعية العامة‪،‬‬
‫لتحقيق هذا املطلب‪ ،‬على �أ�سا�س �صيغة «االحتاد من اجل ال�سالم»‪ .‬ولكنها امتنعت عن ذلك‪،‬‬
‫من �ضمن حر�صها على عدم �إغ�ضاب الإدارة الأمريكية‪ .‬هذا و�إن حالة الي�أ�س التي و�صل‬
‫�إليها الرئي�س الفل�سطيني جعلته «يهدد»‪ ،‬مراراً‪ ،‬بحل ال�سلطة‪ ،‬ا�ستنكاراً لبلوغ املفاو�ضات مع‬
‫احلكومة الإ�سرائيلية اجلدار امل�سدود‪ ،‬وا�ضطراره لوقفها‪ ،‬وال �سيما بعد �أن رف�ض نتانياهو‬
‫رف�ضاً قاطعاً وقف اال�ستيطان‪ ،‬و�شتى مطالب عبا�س الأخرى‪ ،‬التي اعتربها �شروطاً ال�ستئناف‬
‫املفاو�ضات‪.‬‬
‫ٍ‬
‫ا�ستئناف‬
‫يف كل حال‪ ،‬لقد كان رئي�س احلكومة الإ�سرائيلية حا�سماً يف بيان مواقفه‪� ،‬ضد‬
‫ٍ‬
‫م�شروط للمفاو�ضات‪ ،‬و�أعلن‪ ،‬يف �أوائل ني�سان‪�/‬أبريل املا�ضي‪� ،‬أن ر�ؤيته لل�سالم وا�ضحة‪ ،‬وقد‬
‫�أف�صح عنها‪ ،‬يف خطابيه‪� ،‬أمام الكني�ست‪ ،‬و�أمام الكونغر�س الأمريكي‪ ،‬قائ ً‬
‫ال‪:‬‬
‫«نريد �أوالً املحافظة على الكتل اال�ستيطانية الكبرية‪ .‬وف�ض ً‬
‫ال عن ذلك‪ ،‬لدينا م�صلحة‬
‫وا�ضحة يف �أماكن ذات معنى ديني قومي ل�شعبنا‪ ،‬و�أي�ضاً اماكن ذات م�صلحة �أمنية‪.‬‬
‫وهذا �أمر يفهمه اجلميع‪ .‬والعودة �إلى حدود‪ 1967‬تعني �أن حائط الرباق يعترب �أر�ضاً‬
‫حمتلة‪ ،‬و�أننا �سن�ضطر لتفكيك ‪ %40‬من �سكان القد�س‪ .‬هل ثمة من ي�ؤمن بهذا؟ هذا‬
‫املبد�أ لن يتحقق‪ ».‬و�أ�ضاف‪:‬‬
‫«ميكن القول �إننا من �أجل �أن ي�س ِلّم العرب ب�إ�سرائيل‪ ،‬ينبغي �أن تكون �إ�سرائيل قوية مبا‬
‫فيه الكفاية‪ ،‬حلرمانهم من كل وهم )‪ (...‬وكلما كنا �ضعفاء‪ ،‬ف�إن ق�سماً منهم‪ ،‬على الأقل‪،‬‬
‫�سيتم�سك بالوهم‪ .‬على �أي حال‪ ،‬نحن نقف �أمام و�ضع مثري جداً للتحدي»‪.‬‬

‫الثورة الدائمة‬

‫‪47‬‬

‫وعلى رغم هذه ال�صفاقة يف الإعالن عن موقف يتنافى مع �أب�سط القوانني الدولية‪ ،‬يقوم‬
‫على حتدي كل ما هنالك من مبادىء يتعارف عليها النا�س‪ ،‬والأمم‪ ،‬وهذا اال�ستهزاء باملفاو�ض‬
‫الفل�سطيني‪ ،‬الذي ال يزال م�صر�أً على التفاو�ض لتنفيذ اتفاق كان يجب االنتهاء منه‪ ،‬يف مهلة‬
‫ال تتعدى ال�ست �سنوات‪ ،‬فيما عمره الآن ‪ 20‬عاماً‪ ،‬بح�سب من بات يُعرف بكبري مهند�سي‬
‫�أو�سلو‪ ،‬يو�سي بيلني‪ ،‬بدا ال�سيد عبا�س م�صراً‪ ،‬هو و�إدارت��ه‪ ،‬على ابتداع �أ�شكال جديدة من‬
‫�سم َي بدبلوما�سية الر�سائل‪ .‬ويف الر�سالة‪ ،‬التي‬
‫التوا�صل مع احلكومة ال�صهيونية‪ ،‬من مثل ما ِ ّ‬
‫بعث بها �إلى ر�أ�س احلكومة الإ�سرائيلية‪ ،‬نتانياهو‪ ،‬يف ال�سابع ع�شر من ني�سان املا�ضي‪ ،‬يقول‪،‬‬
‫كما لو كان ي�ستعطف حماوره‪:‬‬
‫«�آمل تفهمك ب�أن ا�ستمرار اال�ستيطان ينزع ثقة الفل�سطينيني بالتزامك بتحقيق حل‬
‫الدولتني»‪ .‬وهو يعود �إلى معزوفته الدائمة‪ ،‬منذ بدء م�سرية اتفاقية �أو�سلو‪ ،‬القا�ضية‬
‫بالتن�صل من العنف‪ ،‬حيث يقول‪« :‬ندرك �أن العنف‪ ،‬والإرهاب‪� ،‬سواء ارتكبه الفل�سطينيون‪،‬‬
‫�أوالإ�سرائيليون‪ ،‬ال ي�شكل الطريق )لتحقيق ال�سالم(‪ .‬لذلك �أعود و�أ�ؤكد التزامنا ب�سيا�سة‬
‫عدم الت�سامح مع العنف»‪.‬‬
‫مبعنى �آخر‪ ،‬هو كما لو كان َ‬
‫يط ْمئن الرئي�س ال�صهيوين �إلى �أنه لن يت�سامح مع �أي تفكري يف‬
‫ممار�سة العنف �ضد �إ�سرائيل‪ ،‬وبالتايل لن ي�شجع بتاتاً على انتفا�ضة ثالثة‪...‬‬
‫هذا ومل يجد موفدو الرئي�س الفل�سطيني � َّأي غ�ضا�ضة يف اخلروج مع الإ�سرائيلي ببيان‬
‫م�شرتك ورد فيه �أن الطرفني «ال يزاالن ملتزمني عملية ال�سالم‪ ،‬وي�أمالن �أن ي�ساعد‬
‫تبادل الر�سائل يف تعبيد الطرق �أمام املفاو�ضات‪ ».‬كل ذلك‪ ،‬يف حني تتغريالظروف‬
‫بعمق‪ ،‬ل�صالح اخل��روج من دوام��ة ال ي�ستفيد منها‪ ،‬بح�سب يو�سي بيلني‪ ،‬غري «فئة‬
‫)�ضئيلة( من الفل�سطينيني ترتزق من وجود ال�سلطة‪ ،‬واحلكومة الإ�سرائيلية‪ ،‬التي تتن�صل‬
‫من م�س�ؤوليتها عن �أو�ضاع الفل�سطينيني‪ ،‬وال حتقق ال�سالم معهم»‪.‬‬
‫عامل يتغري‪ ،‬وظروف تتعدل‪ ،‬وثمة خيار!‬
‫هذا املوقف الهزيل والبائ�س‪ ،‬الذي تُلزم ال�سلطة نف�سها به‪ ،‬يجيء يف ظروف م�ستجدة بالغة‬
‫الأهمية‪ ،‬وقد ال تتكرر‪ ،‬يف �أوقات متقاربة‪ ،‬ويف مدَيات منظورة‪ ،‬و�إن كانت هنالك م�ؤ�شرات �إلى‬
‫�أن التغيري يف موازين القوى وارد‪ ،‬ال حمالة‪ ،‬وذلك لأ�سباب عدة‪ ،‬بينها‪:‬‬
‫ الدعم الدويل ال�شعبي‪ ،‬وقد ر�أينا �أعاله بع�ض جتلياته‪...‬‬‫‪ -‬احلملة العاملية ملقاطعة �إ�سرائيل‪ ،‬ونزع اال�ستثمارات فيها‪ ،‬و�إنزال العقوبات بها‪ ،‬املعروفة‬

‫الثورة الدائمة‬

‫‪48‬‬

‫ب�أحرفها الأولى‪،BDS ،‬‬
‫ الثورات العربية‪ ،‬التي قد تقلب‪ ،‬يف مدى زمني غري بعيد‪ ،‬موازين القوى‪ ،‬لغري �صالح‬‫وحماتها الدوليني‪،‬‬
‫�إ�سرائيل‪ُ ،‬‬
‫ الرتاجع يف وزن الدولة ال�صهيونية‪ ،‬والأوه��ام الأخالقية التي كانت معلقة عليها لدى‬‫كثريين‪) ،‬يف الأو�ساط ال�شعبية‪ ،‬كما على �صعيد الإنتليجن�سيا(‪ ،‬يف �أوروبا و�أمريكا‪ ،‬وبلدان‬
‫�شتى‪ ،‬عرب العامل‪ ،‬بحيث بات كثريون يعتربونها ت�شكل تهديداً جدياً لل�سالم العاملي‪ ،‬ومن‬
‫�ضمن ه�ؤالء الكاتب االملاين‪ ،‬ذو ال�شهرة العاملية‪ ،‬واحلائز جائزة نوبل للآداب‪ ،‬غونرتغرا�س‪،‬‬
‫يف ق�صيدته‪« :‬ما ينبغي �أن يقال»‪.‬‬
‫وبالطبع‪ ،‬لي�س لدى جماعة �أو�سلو من بديل من املفاو�ضات �إال املفاو�ضات‪ ،‬فيما تنتج �إ�سرائيل‪،‬‬
‫يوماً بعد يوم‪� ،‬أم��راً واقعاً جديداً يتناق�ض بالكامل مع هذا املنظور‪ ،‬ويحبط كل رهانات‬
‫الأو�سلويني على دولة فل�سطينية‪ ،‬قابلة للحياة‪ ،‬بجانب �إ�سرائيل‪.‬‬
‫ولكن ثمة بدي ً‬
‫ال �شعبياً‪ ،‬بال�ضرورة‪ ،‬يُ�ستح�سن ك�سب ال�شعب الفل�سطيني ل�صاحله‪ ،‬يف الأرا�ضي‬
‫املحتلة‪ ،‬كما يف بلدان ال�شتات‪ ،‬يتمثل مبا يلي‪:‬‬
‫�أ( التخلي النهائي عن منظور الدويلة الفل�سطينية منزوعة ال�سالح‪ ،‬والفاقدة ال�سيادة‬
‫َّ‬
‫واملقطعة بالطرقات االعرتا�ضية‪،‬‬
‫على نف�سها‪ ،‬وعلى مواردها الطبيعية‪ ،‬ومياهها اجلوفية‪،‬‬
‫وامل�ستوطنات الإ�سرائيلية‪ ،‬واملحرومة من ال�سيطرة على عا�صمتها التاريخية‪ ،‬القد�س‪ ،‬والتي‬
‫ت�شكل‪ ،‬يف � ٍآن‪ ،‬مدخ ً‬
‫ال للتخلي النهائي عن حق العودة‪ .‬على �أن يكون ذلك ل�صالح منظور‬
‫دولة لكل �سكانها‪ ،‬على كامل فل�سطني التاريخية‪ ،‬يعود �إليها كل الفل�سطينيني املوجودين يف‬
‫املنايف‪ ،‬الذين يريدون ذلك‪ ،‬ويتاح لهم �أن ي�شاركوا‪ ،‬على قدم امل�ساواة الفعلية مع �سكانها‬
‫احلاليني‪ ،‬يف كل مناحي احلياة االقت�صادية‪ ،‬واالجتماعية‪ ،‬وال�سيا�سية‪ ،‬ويف ممار�سة كل‬
‫احلقوق الدميقراطية‪ ،‬وذلك �ضمن منظور دولة فل�سطينية دميقراطية �شعبية‪ ،‬مندجمة‬
‫يف حميطها العربي‪ ،‬ومندفعة معه يف منظور وح��دوي‪ ،‬على طريق التحول الثوري نحو‬
‫ا�شرتاكية حقيقية‪ ،‬قائمة على الت�سيري الذاتي‪ ،‬والتطور احلر للإن�سان واملجتمع‪ ،‬بعيداً من‬
‫�أي قهر‪� ،‬أو ا�ستغالل‪� ،‬أو ا�ستالب‪.‬‬
‫ب( �سحب االعرتاف‪ ،‬بالتايل‪ ،‬بالدولة ال�صهيونية‪ ،‬وباتفاقية �أو�سلو‪ ،‬وحل ال�سلطة الناجتة‬
‫منها‪ ،‬ووقف كل �أ�شكال التعاون الأمني‪ ،‬مع العدو ال�صهيوين‪ ،‬و�شتى �أ�شكال التطبيع معه‪.‬‬
‫ج( ا�ستعادة م�شروع املقاومة ال�شعبية واالنخراط احلثيث‪ ،‬واملكثف‪ ،‬يف انتفا�ضة ثالثة تقدم‬
‫الثوراتُ العربية خلفي ًة �آمنة لها‪ ،‬ويقدم الت�ضامن العاملي رافعة م�ؤثرة جداً لإمكانات تطورها‬
‫ومنوها‪ ،‬على �أن تخلق هذه االنتفا�ضة �أ�شكال الت�سيري الذاتي حلياة املنخرطني فيها‪ ،‬اي‬
‫الغالبية العظمى من ال�شعب الكادح‪ ،‬واملظلوم‪ ،‬واملع َّر�ض للحرمان والإق�صاء والعزل‪ ،‬ول�شتى‬

‫الثورة الدائمة‬

‫‪49‬‬

‫�ضروب النفي‪� ،‬سواء داخل الوطن‪� ،‬أو خارجه‪ ،‬وذلك على الطريق لتحقيق املنظور املن َّوه به‪،‬‬
‫يف النقطة �أ‪ ،‬الواردة �آنفاً‪.‬‬
‫«هذا ما ينبغي �أن يقال»‪� .‬إنه عنوان ق�صيدة غونرتغرا�س‪ ،‬املن َّوه بها‪ ،‬يف منت هذه املقالة‪.‬‬
‫وهي الق�صيدة نف�سها‪ ،‬التي يقول فيها‪« :‬لن �أ�صمت بعد اليوم‪/‬لأين �سئمت نفاق الغرب»‪.‬‬
‫وعلى غراره‪ ،‬ميكن‪ ،‬بعد ‪� 20‬سنة على بدء مهزلة �أو�سلو الكارثية‪� ،‬أن نقول‪ ،‬نحن �أي�ضاً‪� ،‬إننا‬
‫لن ن�صمت بعد اليوم‪ ،‬لي�س فقط لأننا �سئمنا نفاق هذا الغرب عينه‪ ،‬الذي �ساهم يف �إنتاج‬
‫هذه املهزلة‪ ،‬ويف تقدمي الغطاء لها‪ ،‬ومع هذا الغرب كل الأنظمة العربية‪ ،‬التي ارتاحت‬
‫لإزاحة امل�س�ؤولية عن الق�ضية الفل�سطينية عن كاهلها‪ ،‬للتفرغ للمزيد من خياناتها‪ ،‬وخمازيها‪،‬‬
‫والربجوازية الفل�سطينية الرثة ال�صاعدة‪ ،‬على �أر�ضية ما قدمه لها اتفاق �أو�سلو من جمال‬
‫للإثراء وممار�سة �أق�صى الف�ساد‪ ،‬بل لأن م�صري ال�شعب الفل�سطيني‪ ،‬وباقي ال�شعوب العربية‬
‫ ورمبا العامل ب�أ�سره – قد يكون يتوقف‪� ،‬أي�ضاً‪ ،‬على جتاوز احللول الكاذبة من �أمثال ذلك‬‫املت�ض َّمن يف اتفاق �أو�سلو‪ ،‬يف اجتاه �ضمان �إجناز حل ثوري حقاً للم�شكلة الفل�سطينية‪ ،‬هو ذلك‬
‫الذي �أ�شرنا �إلى جوهره‪ ،‬يف النقاط الثالث الواردة �أعاله‪.‬‬

‫الثورة الدائمة‬

‫‪50‬‬


Aperçu du document الثورة الدائمة.pdf - page 1/150
 
الثورة الدائمة.pdf - page 3/150
الثورة الدائمة.pdf - page 4/150
الثورة الدائمة.pdf - page 5/150
الثورة الدائمة.pdf - page 6/150
 




Télécharger le fichier (PDF)


الثورة الدائمة.pdf (PDF, 1.7 Mo)

Télécharger
Formats alternatifs: ZIP



Documents similaires


the harsh truth about islam our end is near
how islamic are islamic countries 2
ticktin where ethics and politics
satanic values
analysisofdavinci
famous scientists who believed in god

Sur le même sujet..