Fichier PDF

Partage, hébergement, conversion et archivage facile de documents au format PDF

Partager un fichier Mes fichiers Convertir un fichier Boite à outils PDF Recherche PDF Aide Contact



الذَّهَبيَّة .pdf



Nom original: الذَّهَبيَّة.pdf
Auteur: dell

Ce document au format PDF 1.5 a été généré par Microsoft® Office Word 2007, et a été envoyé sur fichier-pdf.fr le 21/11/2013 à 10:01, depuis l'adresse IP 41.224.x.x. La présente page de téléchargement du fichier a été vue 7145 fois.
Taille du document: 761 Ko (21 pages).
Confidentialité: fichier public




Télécharger le fichier (PDF)









Aperçu du document


‫النسبة َّ‬
‫بية‬
‫الذ َه َّ‬
‫ِّ َ‬
‫ياضيات والطَّبيعة‬
‫الر َّ‬
‫الج َّ‬
‫َّ‬
‫ماليات بين ِّ‬
‫موسى ديب الخوري‬

‫ال َّ‬
‫فن من دون رياضيات‪.‬‬
‫األخ لوكا باتشيولي‬

‫إن الحواس لتُ َسُّر من األشياء المتناسبة‪.‬‬
‫توما األكويني‬

‫بهذه‬

‫العبارة البسيطة عبَّر توما األكويني عن إحساس اإلنسان بالعالقة القائمة بين الرياضيات والطبيعة‬

‫والجمال‪ .‬وقبله قال الفيثاغوريون إن " َّ‬
‫كل شيء مرتَّب وفق العدد"‪ .‬ومفهوم التناسب في الفيثاغورية مشتق‬

‫من مفهوم النظام في تعريفه الرقمي‪ .‬وهكذا فإن جوهر الحقيقة الفيزيائية مرتبط بالعدد‪ ،‬والجمال قائم على‬

‫ركائز حسابية‪.‬‬

‫فيثاغوراس‬

‫أي وقت مضى‪ ،‬أن َّ‬
‫كل شيء في الطبيعة خاضع لقوانين التناسق‪ .‬كذا‬
‫ويدرك العلماء اليوم‪ ،‬أكثر من ِّ‬

‫التناسب‪ ،‬ويحدس أن الطبيعة المتناسبة إنما تفصح‬
‫فإن اإلنسان يشعر أن الجمال يرتكز على قوانين‬
‫ُ‬
‫بتشكيالتها عن جمال أعمق من الجمال الظاهري‪ ،‬أي عن جمال الحقيقة المكنونة في تنوعاتها كلِّها‪ .‬وال‬
‫َّ‬
‫شك أن شعور اإلنسان بالجمال يعكس بنية اإلنسان نفسها القائمة على قوانين التناسق الطبيعية؛ وبالتالي‪،‬‬
‫فإن وعي اإلنسان هو‪ ،‬في جوهره‪ ،‬فعل تناغم مع الطبيعة‪.‬‬

‫أربعة نماذج لبلورات ثلجية سداسية‪.‬‬

‫تنحو الطبيعة باستمرار إلى خلق المزيد من النماذج المعقدة؛ لكنها تحافظ‪ ،‬في الوقت نفسه‪ ،‬على نسق‬
‫بعضها إلى بعض لتشكل ندفة ثلجية لها من التعقيد‬
‫أساسي‪ .‬فبلورات الثلج السداسية َّ‬
‫المنمقة يتجمع مثالً ُ‬
‫بتضاعف القصيمات‪ .‬فأعقد‬
‫اسما! وهذا ما يدعى في الرياضيات‬
‫ما ال يجرؤ ُّ‬
‫ُ‬
‫أي رياضي أن يطلق عليه ً‬
‫ص ْيمات‬
‫ُ‬
‫البنى الطبيعية يمكن إرجاعها إلى تضاعف وتراكب قُ َ‬
‫ناظما من قوانين التناسب‪ .‬ولعل هذه الثنائية بين ظاهر‬
‫خضم الفوضى التي تجنح الطبيعة إليها‬
‫ِّ‬
‫ً‬
‫إشعاعا ً‬
‫أبدا باألشكال‬
‫لتقنع ً‬
‫الفوضى وباطن النظام هي التي َّأدت إلى تفتح الوعي‪ .‬والطبيعة‪ ،‬وان لم تكن َ‬
‫‪fractals‬‬

‫أساسية‪ .‬وهكذا‪ ،‬فإننا نجد في‬

‫البسيطة‪ ،‬إال أنها لم ِّ‬
‫أبدا قوانينها األساسية البسيطة التي تقوم على مفهومي الوحدة واالتساق‪.‬‬
‫تعدل ً‬

‫قصيمية حلزونية الشكل‪.‬‬

‫جميعا عن عالقات رياضية‬
‫إن التنوعات الهائلة للتصاميم الرياضية المعقدة التي أبدعتْها الطبيعة تفصح‬
‫ً‬
‫بسيطة‪ .‬ونضرب مثاالً عليها الحلزونات المتنوعة‪ .‬ففي قوقعة الحلزون ذي الحجيرات ‪ – nautilus‬وهو‬
‫حلزون ذو زوايا متساوية‪ ،‬أي أنه حلزون لوغاريتمي – نجد أن منحني الحلزون يقطع األشعة المتجهة‬

‫أيضا في انحناء أنياب الفيل وفي‬
‫نحو الخارج بزاوية معينة ثابتة‪ .‬وتظهر هذه الحلزونات اللوغاريتمية ً‬
‫قرون الكبش البري وفي مخالب عصفور الكناري‪ .‬كما ِّ‬
‫تشكل الزهيرات الدقيقة التي تؤلِّف َّ‬
‫لب زهرة‬

‫حلزونا‪ .‬وتوجد مماثِالت لهذه‬
‫األقحوان حلزونات على هيئة مجموعتين متعاكستين من ‪ 12‬و‪43‬‬
‫ً‬
‫الحلزونات في أنواع كثيرة من النباتات‪ ،‬مثل األناناس والصنوبريات وأوراق األشجار وغيرها‪ .‬وترتبط هذه‬

‫عرف بمتتالية عمر الخيام أو فيبوناتشي‪.Fibonacci‬‬
‫الحلزونات ارتباطًا وثيقًا بمتتالية رياضية تُ َ‬

‫يقوم هذا التنوع الهائل‪ ،‬إذن‪ ،‬على نموذج رياضي بسيط‪ .‬وسنخصِّص الجزء األكبر من هذا البحث لدراسة‬

‫تأثير غر ًيبا على الفن والعمارة‪،‬‬
‫بعض جوانب هذا النموذج‪ ،‬ممثالً بمتتالية فيبوناتشي التي يبدو أن لها ًا‬
‫إضافة إلى عالقتها بالفيزياء والبيولوجيا والتطور وعلم الحيوان والنبات‪.‬‬

‫قوقعة الحلزون ذي الحجيرات‪.‬‬

‫الحلزونات في الطبيعة‬
‫إن تعدد الحلزونات الرياضية ال يقل عن تعدد األشكال الحلزونية الطبيعية‪ .‬ويمكن لحلقات الحلزون أن‬

‫تتباعد عن المركز بشكل حسابي (مثل حلزون أرخميدس) أو لوغاريتمي‪ .‬وينتج الحلزون األول عن‬
‫متتالية عددية‪ ،‬بينما ينتج الحلزون الثاني عن متتالية هندسية‪ .‬ويمكن للخطِّ الحلزوني أن يمثل تضاعفًا أو‬

‫ونكرره مرات متتالية‪ ،‬فإن‬
‫نموا أو ًا‬
‫تغير في حركة أو بنية طبيعية ما‪ .‬وعندما نختار شكالً ال على التعيين‪ِّ ،‬‬
‫ًّ‬
‫المكرر‬
‫مختلف نقاط الشكل الناتج ستمثل حلزونات لوغاريتمية‪ .‬وتكون الظاهرة أوضح عندما يكون الشكل‬
‫َّ‬

‫ناجما ببساطة عن تقسيم الشكل األصلي وفق صورته األصلية‪ .‬وهذا هو مثال المستطيل الذهبي أو‬
‫ً‬
‫المثلث الذهبي (سنعود إليهما الحقًا)‪.‬‬

‫ينطبق ذلك على أنواع القواقع التي تُبنى وفق مسافات منتظمة‪ ،‬كما وعلى األوراق النباتية الملتفة‪ .‬كذلك‬
‫لألوجه الشكلية‪ .‬وهذا ما‬
‫تظهر األشكال الحلزونية المستعرضة عندما تُبنى متعضِّيات من تراكب دائري‬
‫ُ‬
‫يحصل في قلب زهر اللؤلؤ أو البليس أو دوار الشمس والصنوبريات واألناناس وغيرها‪.‬‬

‫زهرة زنبق‪ :‬مؤلَّفة من جملتين من ‪ 3‬بتالت‪.‬‬

‫زهرة المخملية‪ :‬مؤلَّفة من ‪ 5‬بتالت‪.‬‬

‫زهرات أقحوان أو زهر اللؤلؤ‪ :‬مؤلَّفة من ‪ 33‬بتلة‪.‬‬

‫مخطَّط لقلب زهرة عبَّاد الشمس‪.‬‬

‫ويمكن لنا مثالً مالحظة أن اإلبر الصغيرة في فرع جديد من شجرة صنوبر ِّ‬
‫يسار‬
‫تشكل حلزونين يلتفان ًا‬
‫ويمينا وفق متتالية أعداد فيبوناتشي التي تتجلَّى في هذا النطاق بأجلى مظاهرها‪ .‬فكما في األشكال‬
‫ً‬

‫اللوغاريتمية الناجمة عن التماثُالت المتتالية (كما في المستطيل الذهبي)‪ ،‬كذلك نجدها في ِّ‬
‫كل شبكة‬
‫مزدوجة متداخلة من الحلزونات‪ .‬ولدينا في األناناس ‪ 5‬حلزونات مباشرة و‪ 8‬معاكسة‪ ،‬وفي الصنوبريات‬
‫‪ ،4128‬وفي زهرة اللؤلؤ والبابونج وأنواع الفصيلة األخرى ‪ ،43112‬وفي عبَّاد الشمس ‪ ،55143‬ويمكن أن‬

‫تصل فيها إلى ‪.85155‬‬

‫البنية اللولبية للـ‪.DNA‬‬

‫قاما متتالية في متتالية فيبوناتشي‪ ،‬ونسبتها الثابتة تتكرر في الطبيعة بشكل ال‬
‫تمثل هذه الثنائيات أر ً‬
‫يوصف‪ .‬فمن ِم َعديات األرجل إلى قرون الماموث‪ ،‬ومن حوالق الكرمة (األوراق المتحولة إلى خيوط) إلى‬

‫الحلزونات الورقية ِّ‬
‫الموزعة لألوراق على الكأس‪ ،‬ومن الحبل السُّري عند اإلنسان إلى أذنه الداخلية‪ ،‬ومن‬

‫الفيروسات إلى الـ‪ ،DNA‬ومن اإلعصار إلى المجرة الحلزونية‪ ،‬يبدو أن العالم الحي مبني من هذه‬
‫الحلزونات اللوغاريتمية‪.‬‬

‫دوامية‬
‫مجرة َّ‬

‫مجرة حلزونية‬

‫‪M 51‬‬

‫‪M 100‬‬

‫مجرة حلزونية‬

‫‪M 63‬‬

‫مجرتان معزولتان متفاعلتان‬

‫‪NGC 5426-5427‬‬

‫النمو الحلزوني؟ تنمو الخلية أو البنية الحية بإحدى طريقتين‪ :‬إما بمضاعفة حجمها أو‬
‫ترى ما سبب هذا ِّ‬

‫بتكاثرها‪ .‬والنمو الحجمي محدود بسبب تناسب الحجم مع السطح المسؤول عن التبادالت بين المتعضِّية‬
‫والبيئة‪ .‬وعندما يصل النمو إلى هذا ِّ‬
‫الحد تبدأ طريقة االنقسام الخلوي‪ .‬لكن هذا االنقسام الذي يتم وفق‬

‫متتالية هندسية ال يمكن له أن يستمر إال لعدد معين من األجيال في المستعمرة العضوية الواحدة‪ .‬ويتوقف‬

‫حدودا معينة إلمكانات سطح المستعمرة الخلوية‬
‫النمو الحجمي العشوائي الذي يتعدى‬
‫األمر على مسألة ِّ‬
‫ً‬
‫نوعا يتطلب‬
‫نوعا خاصًّا من النمو‪ً ،‬‬
‫على إحداث التبادالت مع البيئة‪ .‬إن هذه المحدودية هي التي تفرض ً‬

‫النمو أن يتم ضمن ُبعدين أو ُبعد واحد‪.‬‬
‫المثلى‪ .‬ويمكن لهذا ِّ‬
‫أقل تكلفة وجهد بالنسبة إلمكانات النمو ُ‬
‫لنمو المتعضِّية‪ .‬أما النمو الوحيد االتجاه‬
‫ويتطلَّب النمو ثنائي البعد حامالً يصبح هو نفسه ُم ْش ِرطًا ِّ‬

‫ناظما كامالً لالنحرافات البسيطة عن النقطة‬
‫فترض فيه نظريًّا أن يكون خطيًّا‬
‫ُ‬
‫في َ‬
‫مستقيما؛ وهذا يفترض ً‬
‫ً‬
‫االبتدائية‪ ،‬أي لبداية النمو‪ .‬غير أن الميل الطبيعي نحو العشوائية في الطبيعة يعكس الميل إلى االلتفاف‬
‫النمو وحيد االتجاه في شكل مستقيم‬
‫في اتجاه ما‪ ،‬األمر الذي يؤدي إلى وجود دائري‪ .‬ويصير احتمال ِّ‬
‫ضئيالً ًّ‬
‫النمو الحلزوني‪ ،‬بل‬
‫جدا في الفراغ‪ ،‬ويتحول النمو الدائري الناجم عن انحراف الشروط البدئية إلى ِّ‬
‫والى النمو الحلزوني المتراكب‪ .‬إنه قانون طبيعي‪ ،‬إذن‪ ،‬ينشأ أصالً عن قانون الميل إلى الفوضى في‬

‫الطبيعة‪ ،‬وعدم القدرة على الحفاظ على الشروط االبتدائية في ناظم صارم‪ .‬لكن قانون الفوضى نفسه‪ ،‬كما‬

‫وجدنا‪ ،‬يؤدي إلى أشكال ناظمة غاية في اإلشراق‪ .‬ترى هل يمثل الصراع بين الميل إلى الفوضى والبحث‬

‫عن ٍّ‬
‫جوهر الجمال الذي نشعر به؟‬
‫حل أمثل للحركة باتجاه االنتظام والوعي‬
‫َ‬

‫يمينا وشماالً موجودة‬
‫إن التناظر البنية الحلزونية يقودنا إلى التساؤل حول إذا ما كانت األشكال المتناظرة ً‬
‫أصالً في الطبيعة‪ .‬واإلجابة ليست بهذه السهولة‪ .‬فقد رأينا أن انكسار التناظر بين الحلزونات المباشرة‬
‫قانونا في عالم النبات‪ .‬إن مجرد وجود بنية حلزونية في‬
‫والمعاكسة وفق متتالية فيبوناتشي يكاد أن يكون ً‬
‫عموما أنها غير متناظرة‪ .‬وتلكم هي الحال بالنسبة للفيروسات والبكتريا‪ ،‬وصوالً إلى‬
‫متعضِّية ما يعني‬
‫ً‬

‫العناصر العضوية في الثدييات العليا‪ .‬ولعل أكثر األمثلة إدها ًشا على ذلك نجدها في الرخويات‪ .‬ومع‬
‫ذلك توجد بعض االستثناءات‪ .‬فللقوقعة تناظر بالنسبة إلى مستوي متوسط يقطعها‪.‬‬

‫مقطع في قوقعة‪ :‬لولب في حلزون‪.‬‬

‫ناظما في ِّ‬
‫حد ذاته‬
‫البنى الطبيعية ُي َع ُّد ً‬
‫ويمكن لنا القول في شكل عام إن انكسار التوازن في ُ‬
‫قانونا ً‬
‫للصيرورة الطبيعية‪ .‬فنمو الكائنات‪ ،‬كما وتطورها عبر األجيال‪ ،‬يخضع باستمرار إلى إنشاء تشكيالت‬
‫جديدة هي‪ ،‬في معظم األحيان‪ ،‬بعيدة عن التناظر‪ ،‬إنما خاضعة في النهاية لقانون أساسي هو قانون‬

‫الطبيعة البسيط‪ :‬قانون الجهد األقل‪.‬‬

‫أختتم هذه الفقرة قبل االنتقال إلى متتالية فيبوناتشي بتجربة فيزيائية أ ِ‬
‫ت حديثًا‪ ،‬وتسمح بفهم أفضل‬
‫ُجرَي ْ‬
‫البنى الحلزونية التي نصادفها في العالمين النباتي والحيواني‪ .‬وتشتمل هذه التجربة على‬
‫لكيفية تشكل ُ‬
‫مشاهدة كيفية انتظام قطرات سائل ممغنط تتساقط بإيقاع منتظم قرب مركز إناء مملوء بطبقة رقيقة من‬
‫زيت السيليكون‪ .‬وعندما تسقط القطرات تتدافع فيما بينها بسبب مغنطتها‪ ،‬متباعدة نحو حافة اإلناء بفضل‬
‫الحقل المغناطيسي الموافق‪ .‬وخالل التجربة تتوضع القطرات في حلزونات تتطابق صفاتها مع خصائص‬

‫تم‬
‫الحلزونات المالحظة عند النباتات‪ .‬فاألعداد ‪ I‬و‪ J‬الممثلة للحلزونات تنتمي إلى متتالية فيبوناتشي‪ .‬وقد َّ‬
‫ُّ‬
‫وبعدها عن المركز‪.‬‬
‫إثبات أن عدد هذه الحلزونات‬
‫وتشكلها يرتبط فقط بإيقاع سقوط القطرات وسرعتها ُ‬
‫وبتحديد أكبر‪ ،‬فإن ارتباط هذه الم ِ‬
‫عامالت الثالثة هو الذي يتدخل فقط في تعيين هذه الحلزونات‪ .‬وقد‬
‫ُ‬

‫مماثالت رقمية عديدة لهذه الظاهرة‪ ،‬مع خيارات مختلفة لقانون تدافُع الجسيمات‪ ،‬نتائج مماثلة‪.‬‬
‫أعطيت‬
‫ٌ‬

‫وهكذا ثبت أن هذا االنتظام اآلني في حلزونات النسبة الذهبية ال يتعلق بتفاصيل التدافُع بين الجسيمات‪.‬‬
‫وهذا يعني في بساطة أن االنتظام الحلزوني هو أساس طبيعي للتوزع اإليقاعي‪ .‬وباختصار‪ ،‬فإن الشكل‬

‫جهدا في الطبيعة‪.‬‬
‫الحلزوني هو تعبير بديهي عن الحركة األقل ً‬
‫متتالية فيبوناتشي والنسبة الذهبية‬

‫األخ لوكا باتشيولي‪ :‬لوحة منسوبة إلى جاكوبو برباري‪.‬‬

‫ب بالراهب الثمل بالجمال‪،‬‬
‫في العام ‪ 2555‬نشر األخ لوكا باتشيولي ‪ Fra Luca Pacioli‬اإليطالي‪ ،‬الذي لُقِّ َ‬
‫مؤلفًا بعنوان النسبة اإللهية‪ .‬وقد رسم صور هذا الكتاب ليوناردو دافنشي الذي لم يكن أقل من المؤلِّف‬
‫أيضا‪ ،‬وما عالقتها بمتتالية‬
‫ًا‬
‫سكر بالجمال وعشقًا للنسبة اإللهية‪ .‬فما النسبة اإللهية‪ ،‬التي تُدعى بالذهبية ً‬
‫فيبوناتشي؟‬

‫النسبة الذهبية ‪ ،Golden Section‬في شكل مبسَّط‪ ،‬هي الطريقة األكثر منطقية للقسمة قسمة غير متناظرة‪،‬‬
‫أي للقسمة إلى غير النصفين‪ .‬فإذا كان لدينا طول قابل للقياس ‪ ،AC‬فالنسبة الذهبية تمثل قسمته إلى‬

‫طولين غير متساويين ‪ AB‬و‪ ،BC‬بحيث تكون نسبة الجزء األكبر إلى الجزء األصغر تساوي النسبة بين‬
‫القطعة كلِّها ‪ AC‬وبين الجزء األكبر‪ ،‬أي ‪.a/b = a + b/a‬‬

‫طريقة رسم المستطيل الذهبي انطالقًا من مربع‪.‬‬

‫حلزون ذهبي تقريبي مرسوم في متتالية مربعات‪،‬‬
‫برسم ربع دائرة في ِّ‬
‫كل مربع‪.‬‬

‫لكن لماذا هذا التناسب بالذات دون غيره؟ في الحقيقة ليس لدينا في أبسط حاالت التناسب سواه‪ .‬ويمكن‬

‫األوكامي ‪William of‬‬

‫تناسب يمكن تشكيله‪ ،‬وفق مبدأ االقتصاد الذي وضعه وليم‬
‫الحصول عليه من أبسط ُ‬
‫‪ Occam‬في القرن الرابع عشر بالشكل ‪( a/b = b/c‬حيث ‪ .)a + b = c‬وبشكل أوضح‪ ،‬إذا حاولنا تشكيل كافة‬
‫التناسبات الممكنة بين األطوال ‪ a‬و‪ b‬و‪ ،c‬أي بين النِ َسب ‪ ،a/b, a/c, b/a, b/c, c/a, c/b‬ألمكن اختزالها كلها‬
‫في النهاية إما إلى ‪( a = b‬وهي قسمة متناظرة) أو إلى التناسب غير المتناظر ‪ .a/b = c/a‬ويعطي هذا‬
‫‪ ،‬وهو العدد الذهبي ‪،φ‬‬

‫التناسب معادلة من الشكل ‪(a/b) 2 – a/b – 1 = 0‬؛ وحلها هو‬
‫ويساوي ‪.21628‬‬

‫عددا من المرات بعد تعويض قيمة‬
‫واذا أخذنا جداء المعادلة بـ‪ً φ‬‬
‫كل متتالية هندسية أساسها ‪ φ‬يكون ُّ‬
‫؛ األمر الذي يعني أن َّ‬
‫كل ٍّ‬
‫مساويا لمجموع الحدين السابقين‬
‫حد فيها‬
‫ً‬
‫؛ وسرعان ما يتبيَّن لنا أن‬
‫– وهو تعريف متتالية فيبوناتشي‪ .‬ويمكن لنا أن نكتب‬
‫‪φ‬‬

‫الم ِ‬
‫عاملين‬
‫ُ‬

‫و‬

‫في المعادلة نجد‪:‬‬

‫ينتميان إلى متتالية فيبوناتشي المؤلَّفة من األرقام التالية‪،8 ،5 ،4 ،1 ،2 ،2 :‬‬

‫ونعرف متتالية فيبوناتشي‪ ،‬في شكل مبسَّط‪ ،‬بأنها متتالية األرقام التي ينتج ُّ‬
‫كل‬
‫‪ِّ ... ،55 ،43 ،12 ،24‬‬
‫رقم فيها عن مجموع الرقمين السابقين له والتي حداها األوالن يساويان الواحد‪.‬‬

‫شجرة عائلة األرانب‪.‬‬

‫يقال إن دراسة توالد األرانب وفق هذه المتتالية هو الذي أدى إلى اكتشافها‪ .‬لكن األمر ال يعدو كونه‬
‫أيضا بلورنزو البيزاني‬
‫عرضا مبسطًا لها‪ .‬كان فيبوناتشي‪ ،‬الرياضي الالمع‪ ،‬الذي يدعى ً‬
‫ً‬
‫‪ ،Pisa‬قد سافر إلى البالد العربية وتعلَّم الرياضيات من كبار معلِّميها‪ .‬وربما كان قد اطَّلع على متتالية‬
‫أبدا أنه كان أول من َدرس هذه المتتالية في شكل و ٍ‬
‫اف في مؤلَّفه ‪Liber‬‬
‫عمر الخيام‪ .‬لكن هذا ال يمنع ً‬
‫َ‬
‫مطول وو ٍ‬
‫اف لخصائص‬
‫‪ Abacci‬الذي وضعه في العام ‪ .2151‬وان كان المجال ال يتسع هاهنا لعرض َّ‬
‫‪Lorenzo da‬‬

‫متتالية فيبوناتشي والنسبة الذهبية في مجال الرياضيات – وهي خصائص ممتعة إلى أقصى حد – فإننا‬
‫نكتفي بالتعريج على الهندسة القائمة على النسبة الذهبية لعرض بعض خصائصها الرياضية والجمالية‪.‬‬

‫النسبة الذهبية في األشكال الهندسية‬
‫المخمس المنتظم وفي المضلَّع ذي العشرة أضالع المنتظم‪.‬‬
‫توجد النسبة الذهبية في شكل خاص في‬
‫َّ‬

‫مخمس المعرفة‪ ،‬وهو النجمة الخماسية العزيزة على الفيثاغوريين؛ وكانت في نظرهم‬
‫المخمس المنتظم هو َّ‬
‫و َّ‬

‫رمز العلم الصغير‬

‫‪Microcosm‬‬

‫(اإلنسان – الكون الصغير)‪ .‬وقد حافظ على هذا الرمز فالسفة العصور‬

‫مخمس‪ ،‬كما‬
‫ًا‬
‫شهير لإلنسان – الكون الصغير – ضمن َّ‬
‫الوسطى وعصر النهضة‪ .‬ورسم دافنتشي شكالً‬
‫رمز للصحة والحب‪ .‬ويعلِّمنا لوقيانوس أنه كان‬
‫نادى به أغريبا نتشايم ‪ .A. Nettesheim‬وكان هذا الشكل ًا‬
‫رمز االرتباط بالفيثاغوريين‪.‬‬

‫س ليوناردو دافنتشي‪ ،‬مثله كمثل فيثاغوراس‪ ،‬الجسم البشري دراسة متأنية‪،‬‬
‫َد َر َ‬
‫مبي ًنا أن أجزائه المختلفة مرتبطة بالنسبة الذهبية‪.‬‬
‫ِّ‬

‫ويمكن أن تتحقق النسبة الذهبية في شكل خاص في المثلث الذهبي (أطوال أضالعه ‪،1‬‬

‫‪،‬‬

‫)‪،‬‬

‫عنصر أساسيًّا‬
‫ًا‬
‫وي َع ُّد هذا المثلث‬
‫الذي يحقق قاعدة فيثاغوراس‪ :‬أي أن وتره هو قطر الدائرة المارة برؤوسه‪ُ .‬‬
‫في هرم خوفو‪ .‬وكذلك تشتهر هذه النسبة في المستطيل الذهبي الكالسيكي (طول ضلعيه ‪ 2‬و )‪.‬‬
‫الحس الجمالي عند اإلنسان‪ .‬وهو ُي َع ُّد‬
‫ويتصف هذا المستطيل بخواص مدهشة لما له من تأثير على‬
‫ِّ‬
‫قاعدة العمارة األولى بحق عند القدماء‪ .‬وقد ُو ِج َد في أبنية كثيرة عند حضارات المتوسط القديمة‪.‬‬

‫هيكل البارثينون‪ ،‬أكروبوليس أثينا‪ :‬من خيرة األمثلة على المقترب الرياضي إلى الفن‪.‬‬
‫فبعد ترميم مثلث الهيكل‪ ،‬يتبيَّن أنه يكاد أن يكون مثلثًا ذهبيًّا‪.‬‬
‫تماما على العناصر المعمارية الرئيسية‪.‬‬
‫كما أن المزيد من التقسيمات التحتية الكالسيكية للمستطيل ينطبق ً‬

‫واذا الحظنا أن مساحته تساوي‬

‫ومحيطه‬

‫أي‬

‫‪3/5π‬‬

‫ألدركنا عالقة النسبة الذهبية بالعدد ‪ .π‬وهي‬

‫ستخدم في العمارة‪ .‬وقد بينت التجارب اإلحصائية أن عرض مجموعة مختلفة من‬
‫غالبا ما تُ َ‬
‫عالقة ً‬
‫المستطيالت‪ ،‬من بينها المستطيل الذهبي‪ ،‬على أناس مختلفين يؤدي‪ ،‬في غالب األحيان‪ ،‬إلى اختيارهم له‬

‫كأجمل المستطيالت وأكثرها تناسقًا‪ .‬ولو َّ‬
‫أمعنا النظر في حياتنا اليومية للحظنا أننا نختار شكالً قر ًيبا من‬
‫المستطيل الذهبي في معظم المواد االستهالكية المستطيلة الشكل التي نتعامل معها‪ .‬فكتُبنا ودفاترنا‪،‬‬
‫وحتى قطع السكر أو الطوابع البريدية أو تقسيم حجرات أو نوافذ المنازل‪ ،‬كلها قريبة من النسبة الذهبية‪.‬‬

‫وقد أولى دافنتشي هذا المستطيل أهمية خاصة واعتمد عليه في رسم الكثير من لوحاته‪.‬‬

‫هذا البورتريه الذاتي لرمبرانت (‪ )3111-3161‬مثال على تشكيل موضوع ضمن مثلث يعتمد النسبة الذهبية‪:‬‬
‫فالعمود النازل من قمة المثلث على قاعدته يقسم هذه القاعدة قسمة ذهبية‪.‬‬

‫ومحوره‬

‫طع الذي ُبعد محرقه يساوي‬
‫طع الناقص الذهبي – وهو القَ ْ‬
‫أيضا تعريف القَ ْ‬
‫يمكن لنا ً‬
‫الحظ أهميتُه في‬
‫الصغير يساوي الواحد؛ أي أنه في بساطة القَ ْ‬
‫المقام على المثلث الذهبي‪ .‬وتُ َ‬
‫طع الناقص ُ‬
‫تعبير عن متتالية‬
‫أخير فإن الحلزون الذهبي هو أحد أكثر األشكال ًا‬
‫الهرم وفي الوجه اإلنساني‪ .‬و ًا‬
‫فيبوناتشي أو العدد الذهبي‪ ،‬وهو رمز التطور الالمحدود‪.‬‬

‫هرم خوفو‬
‫كما أن النسبة الذهبية موجودة في األشكال الهندسية المستوية‪ ،‬كذلك نجدها في األشكال الفراغية؛ وأهمها‬

‫عرف‬
‫رباعي الوجوه المنتظم‪ ،‬والمكعب‪ ،‬وثُماني الوجوه‪ ،‬وذو الـ‪ 21‬وجهًا‪ ،‬وذو الـ‪ 15‬وجهًا (وهي ما ُي َ‬
‫بالمجسَّمات األفالطونية)‪.‬‬

‫المجسمات األفالطونية‪ :‬أحجار منحوتة من العصر النيوليثي ُو ِج َد ْت في بريطانيا‪،‬‬
‫َّ‬
‫المجسمات قبل أفالطون بألف عام‪.‬‬
‫وتدل على معرفة شعوب تلك الفترة بتلك‬
‫َّ‬

‫ففي ذي العشرين وجهًا مثالً‪ ،‬إذا وصلنا بين الحرفين المتقابلين تكون المسافة‬
‫يساوي ‪ .2‬واذا لم يكن المجال يسمح لنا بدراسة هذه المجسَّمات التي كان أفالطون قد َّ‬
‫صنفها‪ ،‬فإننا‬
‫‪φ‬‬

‫إذا كان طول الحرف‬

‫سنكتفي بإلقاء الضوء على أحد أشكال رباعي الوجوه‪ ،‬ولعله أشهرها على اإلطالق‪ ،‬هرم خوفو‪.‬‬

‫أه ارم الجيزة‪.‬‬

‫هرم خوفو‪.‬‬

‫طا شاقوليًّا يمر من منتصف ضلعي المربع القاعدة‪ ،‬فإننا نجد مثلثًا متساوي الساقين‪ ،‬طول‬
‫إذا أخذنا مسق ً‬
‫ٍّ‬
‫‪ ،‬هذا إذا اعتبرنا أن قاعدة المثلث تساوي‬
‫كل منهما ‪ ،φ‬وارتفاع المثلث هو ارتفاع الهرم‪ ،‬ويساوي‬

‫‪1‬؛ أي أن هذا المثلث مؤلَّف من مثلثين ذهبيين‪ .‬ويشير هيرودوت إلى التناسبات القائمة في الهرم بقوله‪:‬‬
‫المقامة في الهرم األكبر بين جانب القاعدة واالرتفاع كانت‬
‫"لقد أعلمني الكهنة المصريون أن التناسبات ُ‬
‫بحيث تسمح بأن يكون المربع المنشأ على االرتفاع يساوي بالضبط مساحة ٍّ‬
‫كل من وجوه الهرم المثلثة‪".‬‬
‫ُ‬

‫قصد منه اإلشارة إلى العالقة بين‬
‫ترى هل إنشاء مثل هذا المربع كان ُي َ‬
‫الهرم من خالل نسبة االرتفاع إلى نصف محيط القاعدة؟ على أية حال‪ ،‬يجب أن نالحظ أن خصائص‬
‫هذا الهرم توافق َّ‬
‫كل هرم ميله ‪ ( 22/23‬الموافق لزاوية ميل ‪ 52‬درجة و‪ 55‬دقيقة و‪ 45‬ثانية)‪ ،‬وهي‬
‫‪π‬‬

‫و‪ ،φ‬حيث إن العدد‬

‫‪π‬‬

‫قائم في‬

‫بالتالي ال تخص هرم خوفو فقط‪ .‬فقبل حكم هذا الملك كانت هذه النسبة موجودة في هرم ميدوم عندما‬

‫موجودا‪ .‬ويثبت ذلك أن هذه ِّ‬
‫الن َسب كانت موجودة في َم َيالن واجهات األهرامات في‬
‫كان غطاؤه ال يزال‬
‫ً‬
‫الساللة الثالثة‪ .‬والسؤال المطروح هو‪ :‬هل كان المصريون القدماء يعرفون هذه ِّ‬
‫الن َسب منذ ذلك الزمن‬
‫السحيق‪ ،‬أم أن اختيارهم لهذا النموذج كان من قبيل المصادفة؟ إن الحفاظ على هذا النموذج بهذه‬

‫القياسات الدقيقة ال يحمل سوى معنى واحد باعتقادي‪ ،‬وهو أن المصريين عرفوا هذه ِّ‬
‫الن َسب‪ ،‬وحافظوا‬
‫عليها في سرية فائقة منذ أزمنة موغلة في القدم!‬
‫ناقصا محوره الصغير هو ضلع المربع في قاعدة الهرم‪ ،‬فإن نصف‬
‫قطعا‬
‫ً‬
‫من جهة أخرى‪ ،‬إذا رسمنا ً‬
‫محوره الكبير سيساوي ‪ ،φ‬وسيقع محرقُه عند ذروة الهرم‪ .‬ترى هل كان المصريون يعرفون ذلك؟ نحن ال‬
‫شيئا عن معلوماتهم حول القطع الناقص؛ لكنهم كانوا فعالً ينسبون ذروة الهرم إلى الشمس‪ .‬يقول‬
‫نعرف ً‬

‫موريه ‪ ،A. Moret‬أحد كبار علماء المصريات‪" :‬لقد وجدنا صدفة الذروة الهرمية‬

‫‪pyramidion‬‬

‫التي كانت‬

‫تعلو هرم أحد الملوك من الساللة الثانية عشرة‪ ،‬وهو ألمنحوتب الثالث‪ ،‬في دهشور‪ .‬وكان هذا الحجر‬

‫مجنحا‪."...‬‬
‫قرصا‬
‫ً‬
‫الجميل من الغرانيت منحوتًا ومصقوالً كالمرآة‪ ،‬ويحمل على جهته الموجهة نحو الشرق ً‬
‫كانت هذه الذروة تعكس أشعة الشمس من الشروق حتى الظهر‪ ،‬فتبدو كأنها شعلة في ذروة الهرم‪ .‬ونعلم‬
‫أن كلمة هرم‬

‫‪pyramid‬‬

‫مشتقة من الجذر اليوناني‬

‫‪πύρ‬‬

‫الذي يعني "نار"‪ .‬فإذا أبحرنا في الخيال وقرنَّا‬

‫ع عند المصريين القدماء – لكان من‬
‫الشمس إلى الذهب – والذهب كان رمز النار والشمس واإلله َر ْ‬
‫يسمي المصريون العدد الذهبي "عدد الشمس"‪ ،‬الشمس مولِّدة الحياة على األرض!‬
‫الممكن أن ِّ‬

‫الكالم على الهرم ال ينتهي‪ .‬لكننا نشير في النهاية إشارة سريعة إلى نوع آخر من المجسَّمات الذهبية‪ ،‬هو‬
‫متوازي المستطيالت الذهبي‪ ،‬وأضالعه هي ‪ 2‬و‪ φ‬و‪ ،2φ‬وحجمه يساوي ‪3φ‬؛ أي أنه يساوي حجم مكعب‬

‫ذهبي‪ .‬ويحقق هذا الشكل متتاليتين‪ :‬عددية‬

‫)‪(1, φ, φ + 1 = 2φ‬‬

‫وهندسية )‪ .(1, φ, 2φ‬وهذا أمر خاص‬

‫معا متتالية هندسية وعددية‬
‫بالنسبة الذهبية؛ ذلك أننا لو طرحنا مسألة إيجاد عددين بحيث يشكالن ً‬
‫لتوصَّلنا إلى المعادلة األساسية ‪x2 = x + 1‬؛ وحلها هو ببساطة العدد الذهبي‪ .‬ويمكن لنا بالطبع تعريف‬

‫عدة أشكال من المستطيالت الذهبية؛ لكننا نكتفي باإلشارة إلى أن غرفة الملك في هرم خوفو تحقق‬
‫‪.‬‬

‫تناسبات ذهبية‪ ،‬وأضالعها هي ‪،3 ،1‬‬
‫العدد الذهبي في الحياة‬

‫تحمل التفاحة – ثمرة شجرة معرفة الخير والشر – رمزية فائقة‪ .‬وقد اعتاد دارسو األساطير الكشف عن‬

‫أحد وجهي رمزيتها من خالل تجزئتها إلى قسمين طوليًّا‪ ،‬بحيث تظهر رمزية المرأة‪ ،‬القطب السالب‪،‬‬
‫الجاذبة لإلنسان إلى ثنائية الخير والشر‪ .‬لكن قلَّة من الدارسين قطعوا التفاحة عرضيًّا وشاهدوا المضلَّعات‬

‫الذهبية – الوجه اآلخر اإليجابي‪ .‬واذا َّ‬
‫مخم ًسا يحوي البذور‪ ،‬ثم‬
‫تمعنا في المضلَّع المرتسم أمامنا سنلحظ َّ‬
‫يسود مع جفاف التفاحة‪ِّ ،‬‬
‫ُّ‬
‫مضلعا من عشرة‬
‫ليشكل مع األول‬
‫مخمسا آخر غير واضح كاألول‪ ،‬سرعان ما‬
‫ً‬
‫ً‬
‫َّ‬
‫وجوه‪ .‬وفي ٍّ‬
‫جديدا لألسطورة القديمة!‬
‫كل من هذه المضلعات الذهبية نستطيع أن نستشف معنى‬
‫ً‬

‫يبين المضلَّعات الذهبية‪.‬‬
‫مقطع عرضي في تفاحة ِّ‬

‫والتفاحة ليست استثناء‪ .‬فكافة األزهار الخماسية األجزاء تحقق هذه النسبة‪ .‬قد يعترض بعضهم قائالً إن‬

‫هار أخرى رباعية أو سداسية أو سباعية األجزاء إلخ ال تمثل النسبة الذهبية‪ .‬لكن اإلجابة على هذا‬
‫أز ًا‬

‫السؤال جاءت في العام ‪ 2885‬على يد فينر ‪ ،Wiener‬الذي وجد أن الزاوية ‪ 248‬درجة و‪ 45‬دقيقة و‪18‬‬

‫نمو األوراق في أثناء التباعد الحلزوني الثابت لفروع التيجان – وهي زاوية تنتج‬
‫غالبا في ِّ‬
‫ثانية التي تظهر ً‬

‫‪ ،‬وتوافق َّ‬
‫عن ِّ‬
‫الحل الرياضي لمسألة التوزع األمثل (يكون‬
‫حل معادلة النسبة الذهبية‪ ،‬وتساوي‬
‫ت هذه‬
‫األقصى في المناخ المعتدل) لألوراق‪ ،‬بحيث يكون الضوء الواصل محوريًّا أو عموديًّا‪ .‬وقد ُد ِع َي ْ‬
‫الزاوية بالزاوية المثلى‪ ،‬وتساوي‬

‫‪.‬‬

‫نمو النبات‪ :‬منظر جانبي‪.‬‬
‫ال ازوية المثلى في ِّ‬

‫نمو النبات‪ :‬منظر علوي‪.‬‬
‫الزاوية المثلى في ِّ‬

‫أيضا‪ .‬لكن حرية حركة الحيوان وتعقيد‬
‫إن وجود هذه النسبة في النبات يجعلنا نبحث عنها في الحيوان ً‬
‫بنيته يجعلنا نتساءل عما إذا كان َك ْسر التناظر قد بلغ ًّ‬
‫حدا أخفى معه هذا التناسب الطبيعي البسيط‪ .‬لكن‬

‫مهالً‪ ...‬عندما تكون هذه الحرية محدودة‪ ،‬كما عند بعض الحيوانات شبه الثابتة‪ ،‬مثل نجمة البحر ذات‬
‫النمو يتم عبر حلزونات‬
‫األطراف الخمسة‪ ،‬وكافة الرخويات التي تثقل القواقع على حركتها‪ ،‬نجد أن َّ‬

‫مخروطية تتبع المتتالية اللوغاريتمية أو الحلزون الذهبي‪ .‬أما عندما تكون الحرية أكبر‪ ،‬فإنه يصعب إيجاد‬
‫هذه النسبة؛ غير أن هذا ال يعني عدم إمكانية التوصل إليها‪ .‬لقد َّ‬
‫كثير عن‬
‫حدثتنا العصور الوسطى ًا‬

‫مخمس‪ .‬ويبدو أن اإلنسان ينمو حقًّا وفق النسبة الذهبية‪ .‬فوجه اإلنسان‬
‫اإلنسان الكوني المرسوم في َّ‬

‫يرتسم في مستطيل ذهبي؛ وهذا المستطيل يحمل تقسيمات ذهبية ألعلى الجبهة وألسفل األنف ولمستوى‬

‫الفم وألسفل الذقن‪ .‬إضافة إلى ذلك‪ ،‬إذا رسمنا مسقط الهرم الشاقولي ضمن هذا القطع لوقعت ذروةُ الهرم‬
‫في مستوى الغدة الصنوبرية عند اإلنسان‪ .‬كما وتمثل هذه النقطة ذروة الجبين‪ ،‬حيث كان الكهنة‬

‫َّ‬
‫رمزي مصر الدينيين التقليديين‪:‬‬
‫المصريون يقرنون ذروة الهرم إلى الشمس‬
‫المجنحة وذروة الجبين إلى َ‬
‫النسر والثعبان‪ .‬ترى‪ ،‬أي مكان أروع للرمز إلى العين الثالثة – عين البصيرة في اإلنسان؟‬
‫ولكن ماذا عن الجسم اإلنساني وعن حركته؟ يقول رودلف البان ‪ ،M. Rudolf Laban‬مدير إحدى أشهر‬
‫مدارس الرقص اإليقاعي في ألمانيا‪" :‬إن َّ‬
‫كل حركات الجسم اإلنساني في األبعاد الثالثة َّ‬
‫تؤدى في شكل‬

‫أمثل بانتقاالت زاوية تقدر بـ‪ 81‬درجة‪ ،‬وان مختلف االتجاهات في الفضاء الموافقة لهذه االنتقاالت تمثَّل‬
‫بأقطار مجسَّم منتظم من عشرين وجها‪ ،‬حيث ِّ‬
‫تشكل الزاوية ‪ 81‬الزاوية المركزية في أحد وجوهه‬
‫ً‬
‫المخمسة‪ ".‬ويقول معلِّم الرقص‪" :‬إن الحركات المتناغمة هي التي تقود الخطوات وحركات الذراعين‬
‫َّ‬
‫واليدين والنظرات باتجاه قمة المجسَّم‪".‬‬

‫وجها‪.‬‬
‫رقص الدراويش المولوية‪ :‬نموذج للحركة المرتسمة ضمن ا‬
‫َّ‬
‫لمجسم ذي العشرين ً‬

‫بعد‬
‫وتلكم كانت طريقة دافنتشي التشكيلية‪ ،‬حيث كان يقسم اللوحة أوالً إلى تناسبات ذهبية‪ ،‬ويبني من ُ‬
‫الظالل واألنوار وفقها‪ ،‬ويوجِّه الحركات والنظرات مع تناسباتها!‬

‫التناسب الطولي لإلنسان‪.‬‬

‫التناسبات‬
‫يبين وجود‬
‫مخطَّط لـ"فينوس" بوتيتشيلي ِّ‬
‫ُ‬
‫الذهبية في قامتها‪.‬‬

‫ولعل النسبة الذهبية تبرز أكثر ما تبرز في التناسب الطولي لإلنسان‪ .‬فنسبة طول اإلنسان إلى ارتفاع‬

‫ت الدراسات اإلحصائية صحة هذه النسبة‬
‫سرته عن األرض تساوي أو تقارب ًا‬
‫كثير النسبة الذهبية‪ .‬وقد بي ََّن ْ‬
‫في معظم التماثيل اليونانية القديمة‪ .‬ومن خالل دراسة إحصائية لألجناس البشرية تبيَّن أن بعضها يمثل‬
‫هذه النسبة تماما‪ ،‬في حين أن األجناس األخرى تقترب منها‪ .‬وفي ِّ‬
‫كل حاالت عدم تحقق النسبة‪ ،‬لم يقع‬
‫ً‬
‫خط النسبة الذهبية فوق السرة‪ ،‬بل تحتها‪ .‬فإذا أخذنا بعين االعتبار أن الطفل الوليد ال ينمو بتناسب ثابت‬

‫النمو اإلنساني يقترب في ِّ‬
‫سن‬
‫في كافة أعضائه بسبب قصر طرفيه السفليين‪ ،‬نستطيع االستنتاج أن َّ‬
‫النضج من تحقيق النسبة الذهبية‪.‬‬

‫إن الحديث عن النسبة الذهبية يكاد أن يكون بال نهاية‪ .‬ويسعى باحثون كثيرون اليوم إلى اكتشاف أسرارها‬
‫في الطبيعة‪ ،‬أو البحث عنها في اإلنجازات اإلنسانية القديمة‪ ،‬أو إلى استلهامها في حياتنا اليومية‪ .‬ونشير‬
‫َّ‬
‫أسسه النهائية باخ يكاد أن يطابق‬
‫هاهنا‪ ،‬مثالً‪ ،‬إلى أنه قد تبيَّن أن السلم الموسيقي الذي وضعه وأرسى ُ‬
‫السلَّم الموسيقي المبني على النسبة الذهبية‪ .‬كما أن جمال آلة الكمان الذي ي ِ‬
‫معظم الموسيقيين‬
‫جمع عليه‬
‫ُ‬
‫ُ‬

‫والناس ُيخفي حقيقة جوهرية كما بيَّنت آخر الدراسات‪ :‬فالكمان مبني وفق تناسبات ذهبية دقيقة‪ .‬ويبدو أن‬
‫انتصار عصر النهضة لهذه النسبة أدى إلى اكتمال شكل الكمان وفقها‪ .‬أما في العمارة الحديثة‪ ،‬فعلى‬
‫الرغم من أن نموذج لوكوربوزييه‬

‫‪Le Corbusier‬‬

‫هو محاولة فيها بعض اإلقحام‪ ،‬لكنه نموذج فريد يربط بين‬

‫أخير‬
‫الس َكني مستنتَجة من أوضاع وحركات اإلنسان في داخله‪ .‬ونشير ًا‬
‫سلسلتين لفيبوناتشي بأبعاد المنزل َّ‬
‫إلى أن متتالية فيبوناتشي تدخل اليوم في مجال نظرية البحث وفي العديد من األبحاث العلمية والرياضية‪.‬‬
‫الجمال والمعرفة‬
‫توج‬
‫لطالما‬
‫تساءلت‪ ،‬وأنا أتأمل تنوع الجمال الطبيعي‪ ،‬عما إذا كان للمعرفة اإلنسانية أن تكتمل ما لم تُ َّ‬
‫ُ‬
‫جاذب خفي يشدنا إلى سحر غامض‬
‫بقدرة فائقة على اكتناه أسرار الجمال‪ .‬ولتساؤلي هذا ما يبرره‪ ،‬مادام‬
‫ٌ‬
‫في ألوان الطبيعة وأشكالها الالنهائية التنوع‪ .‬ومما ال َّ‬
‫موجودا لوال‬
‫شك فيه أن هذا الجاذب ما كان ليكون‬
‫ً‬

‫أن اإلنسان نفسه كائن طبيعي‪ .‬وعلى تخوم هذه الوحدة يتسنَّم تساؤلي ذروته‪ :‬لعل المعرفة ليست في‬
‫جوهرها سوى تجلِّي الجمال في أبهى مظهر له‪ ،‬أال وهو التواحد مع الطبيعة؟! بل لعل دافعي الحقيقي إلى‬

‫في – هذا الجمال الذي يسعى إلى التألق بجمال ِّ‬
‫الكل والى وعي ذاته في‬
‫المعرفة هو الجمال المكنون َّ‬
‫جمال الوجود؟‬

‫كذا فإن القانون الطبيعي هو قانون الجمال في نهاية األمر؛ وادراك قوانين الطبيعة هو كشف لقوانين‬

‫مفهومنا للجمال‪ ،‬كما ومفهومنا للقانون الطبيعي‪ .‬فالجمال النسبي‬
‫الجمال‪ .‬وضمن هذا المنظور‪ ،‬يختلف‬
‫ُ‬
‫الذي قد نختلف على مقاييسه ودرجاته َّ‬
‫يتبدد في ضوء الجمال الطبيعي الذي نستلهمه من وعينا للطبيعة؛‬

‫ذلك أن هذا الجمال هو قانون الطبيعة بذاته‪ .‬وفهمنا لهذا القانون ال يمكن له أن يكتمل ما لم نكتمل نحن‬

‫جرنا‬
‫بعيدا عن روح هذا القانون َّ‬
‫به‪ .‬فحياتنا مظهر له‪ ،‬والوجود مظهر له‪ .‬وكلما أغرقنا في فهم الطبيعة ً‬
‫فهمنا هذا إلى متاهة ال مخرج منها‪.‬‬
‫ُ‬

‫بلورة الثلج‪ ،‬مرة أخرى!‬

‫كذا َّ‬
‫تتسنم الطبيعةُ ذروةَ جمالها عندما تصبح قادرة على فهمه ووعيه والتعبير عنه‪ .‬وذلك ال يعني أن‬
‫موجودا قبل وجود اإلنسان‪ .‬غير أن بزوغ الفكر‪ ،‬وظهور ثنائية العارف والموضوع‬
‫الجمال لم يكن‬
‫ً‬
‫المعروف‪ ،‬التي نجمت عن انكسار داخلي في الطبيعة المتطورة‪ ،‬أدى إلى انكسار ظاهري في مرآة‬

‫الفكر نفسه عن الطبيعة وحاول إدراك قوانينها في معزل عن طبيعته‪ .‬ولنقل إن صيرورة‬
‫الجمال‪ .‬فقد ميَّز ُ‬
‫ت إلى هذا االنكسار في تناظرها التطوري‪ ،‬ألنها كانت تريد رؤية نفسها في‬
‫الطبيعة نفسها هي التي َّأد ْ‬
‫مرآتها الخاصة‪ .‬لكن ذلك لم ِّ‬
‫شرخا حقيقيًّا ألن اإلنسان في النهاية كائن طبيعي تفعل فيه قواعد‬
‫يشكل ً‬
‫الجمال الطبيعي‪.‬‬

‫يمكن لنا القول‪ ،‬إذن‪ ،‬إن المعرفة اإلنسانية ال ِّ‬
‫تشكل سوى طور من أطوار الصيرورة الطبيعية‪ .‬وقد يؤدي‬

‫ي آخر في هذه المسيرة إلى ظهور قدرة معرفية أوسع وأشمل من قدرتنا‪ .‬إال أن تتالي مثل‬
‫نكسار ظاهر ٌّ‬
‫ا ٌ‬
‫هذه االنكسارات ال َّ‬
‫بد أن يؤدي إلى تعميق القانون الطبيعي األصيل‪ .‬ونالحظ في استمرار أن تميُّز‬

‫ِ‬
‫المدرك‪ .‬وهذه العالقة بين الظاهر والباطن‪ ،‬بين الشكل والقانون‪ ،‬هي‬
‫اإلدراك وتجليه ينعكس على الشكل‬

‫وجودنا‪.‬‬
‫التعبير األعمق – دون شك – عن القانون الحقيقي الذي يرتكز عليه‬
‫ُ‬

‫التكوين الحلزوني في مخروط الصنوبر‪.‬‬

‫كيف نستطيع‪ ،‬مثالً‪ ،‬إدراك تاريخنا المعرفي إذا لم نلحظ هذا التوازي بين التغير الشكلي واالنكسار‬
‫الداخلي؟ ال َّ‬
‫تناغمه‬
‫شك أن اإلنسان القديم كان قر ًيبا من الطبيعة في شكل مختلف عن قُربنا منها؛ وكان‬
‫ُ‬

‫معها يرتكز على مقدرته على إدراك وجوده فيها كجزء منها‪ .‬ومن هنا فإن مسؤوليته كانت موجَّهة‪،‬‬
‫بالدرجة األولى‪ ،‬إلى َبْل َوَرة هذا اإلدراك‪ .‬وما األساطير القديمة إال الشكل الجمالي لهذه المرحلة‪ .‬أما اليوم‪،‬‬
‫فإننا ال نستطيع االكتفاء بهذا التوجه‪ .‬فمع إدراكنا لموقعنا في الطبيعة‪ ،‬ال َّ‬
‫بد لنا من تركيز جهودنا على‬
‫إدراك موقعنا المعرفي‪ .‬تلكم هي مسؤوليتنا األولى‪ .‬ومن هنا يمكن لنا أن نبدأ ببناء األساس المعرفي‬

‫أي انكسار في الصيرورة الطبيعية ال يؤدي فقط إلى ظهور تعقيد‬
‫لإلنسان المقبل‪ .‬وعلينا أن ندرك أن َّ‬

‫تطور على‬
‫ًا‬
‫أكبر في الشكل الفسيولوجي وفي المقدرات النفسية والعقلية‪ ،‬بل والى ظهور مقدرة فائقة وأكثر‬

‫التبسيط وعلى إبراز المعنى األكثر نقاء للتجريد المعرفي‪.‬‬

‫هكذا يمكن لنا‪ ،‬منذ اآلن‪ ،‬التنبؤ بالشكل العام لتطور الصيرورة المعرفية‪ .‬واذا تتبَّعنا مسيرة التطور النفسي‬

‫أي تصور مستقبلي للمعرفة البشرية يجب أن‬
‫ت لنا أن َّ‬
‫والعقلي لإلنسان‪ ،‬كما ومسيرة إنجازاته الشكلية‪ ،‬لثََب َ‬
‫يرتكز على تطور لوغاريتمي‪ .‬لكن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هنا هو‪ :‬أليس من ضابط لهذا التطور‬

‫المتسارع؟‬

‫لربما كان األمر يتعلق باإلنسان نفسه‪ ،‬وباختياره‪ ،‬منذ اآلن‪ ،‬لمتتالية تناغمية تحكم مسيرته المعرفية وتحيد‬

‫به عن درَبي اإلفراط أو التفريط على ٍّ‬
‫إنسان اليوم مقدرةً هائلة على التجريد‪ ،‬مما يوفر‬
‫حد سواء! لقد بلغ‬
‫ُ‬
‫فهما أشمل‪ .‬غير أننا ال نستطيع قياس رياضيات القرن العشرين‬
‫له الفرصة لفهم صيرورته المعرفية ً‬
‫بتجريدها فقط‪ ،‬بل وبذاتيتها التي تمثل باطن تطورها‪ .‬فمع تشعب العلوم الرياضية ثمة ميل مقابل إلى‬

‫الشمولية والفهم الذاتي‪ ،‬لعله َب َرَز ألول مرة‪ ،‬وفي أوضح أشكاله‪ ،‬مع أعمال غودل‬
‫هنا يمكن لنا أن نرى إلى مسيرة الرياضيات المستقبلية‪.‬‬

‫‪Gödel‬‬

‫العظيمة‪ .‬ومن‬

‫ويتطلع العلماء‪ ،‬منذ اليوم‪ ،‬إلى قمة بعيدة وشامخة تتناسب مع القاعدة التي أسَّسوا لها‪ .‬ولعل هذه القمة‬
‫جونا الصاخب‪ .‬إنها قمة للجمال الصافي وللبساطة الصافية‬
‫تخترق سماء إدراكنا الحالية‪ ،‬وتتجاوز طبقات ِّ‬
‫وللكلِّية الصافية‪.‬‬

‫قواقع‪...‬‬

‫حتما إلى بناء هيكل‬
‫ومن هنا‪ ،‬فإن التوجه الذاتي للرياضيات‪ ،‬ربما نحو تجريد متزايد ظاهرًيا‪ ،‬سيؤدي ً‬
‫بعد‪ ،‬لكننا ندرك في وضوح أنه يستمد مواده من منطق أعظم تناسقًا‬
‫معرفي‪ ،‬ال نعرف شكله أو حدوده ُ‬
‫يقارن بالجهود‬
‫وجماالً من منطقنا‪ ،‬وبالتالي أبسط منه‪ .‬إن محاولة بناء خوارزمية للمعرفة‪ ،‬مثالً‪ ،‬ال َ‬

‫المبذولة اليوم لبناء حواسب عمالقة أكثر فأكثر مقدرة‪ .‬ومن المرجَّح أن ما من أحد من العاملين في هذا‬

‫المجال انتبه إلى أن اإلمكانات الذاتية تحتاج إلى وقت لتنضج‪ ،‬أي ليصبح في اإلمكان توجيه مقدراتنا‬
‫المعرفية‪ .‬وال َّ‬
‫شك أن إنسان الغد سيحمل عبء التخلص من أخطائنا‪ .‬إن الشكل المعرفي ليس بأقل أهمية‬
‫من المعرفة ذاتها؛ وعدم ضبطنا اليوم لتوجهاتنا المعرفية ال يتوافق والقواعد الجمالية المنحوتة في أعماقنا‪.‬‬
‫وسبر عشوائيًّا للظاهرات؛ بل إن المعرفة ليست‬
‫اكما للمعلومات ًا‬
‫فالمعرفة ليست ً‬
‫جهدا فوضويًّا‪ ،‬وليست تر ً‬
‫بناء نظريات فيها الكثير من خصوصيات ُبناتها والقليل من روح الجمال الطبيعي‪.‬‬

‫مئذنة مسجد سامراء اللولبية‪.‬‬

‫لقد تجاوزت الرياضيات اليوم مجرد كونها حقالً للقياس أو للتطبيق الفيزيائي‪ ،‬وباتت طريقًا إلى المعرفة‬
‫وموئالً لمريديها‪ .‬والمعرفة‪ ،‬من هذا المنظور‪ ،‬تتجاوز المنهج الذي يقوم على النظرية والبرهان‪ :‬فهي‬
‫تتأسَّس في بساطة على التناسق الكامل في البناء الشكلي البحت‪ .‬واذا كان هذا التناسق كليًّا‪ ،‬فهو لن‬

‫يؤدي إلى نظريات مختلفة‪ ،‬بل إلى صيرورة معرفية موازية للصيرورة التطورية الطبيعية‪ .‬وعلى هذا‪ ،‬فإن‬
‫الشكل المعرفي ليس نهائيًّا‪ ،‬بل هو شكل متفتح باستمرار عن جمال َّ‬
‫أخاذ ال ينفك يتفلَّت من إسار‬
‫الفرضيات ويغوص أكثر فأكثر في وحدة الشكل والجوهر‪.‬‬
‫كذا يكون ِّ‬
‫لكل عصر معرفته الكلِّية‪ .‬لكن هذه المعرفة ليست نظرياته ومعلوماته‪ ،‬بل الشكل ِّ‬
‫الفني لهذه‬
‫النظريات والشكل الذاتي لهذه المعلومات‪ .‬إن معرفتنا الحقيقية هي الشكل الجمالي لقدرتنا التعبيرية في‬

‫نظرياتنا وأفكارنا‪ .‬ومقياس حضارتنا هو إدراكنا لهذه الحقيقة وعدم االنغماس في ظاهر إنجازات علومنا‪.‬‬
‫***‬

‫إنما الجمال انعكاس للحقيقة في الوجود‪ .‬تلكم هي ركيزة ِّ‬
‫َّ‬
‫كل معرفة‪ .‬فالجمال والمعرفة صنوان‪ .‬وكالهما‬

‫ال يفترقان عن الحقيقة‪ ،‬ألن "الحقيقة جمال – إنها حقيقة الجمال"‪ ،‬وألن المعرفة جمال‪ ،‬إنها تحقيق‬
‫الجمال‪ .‬ويمثل هذا الثالوث الوجود في كلِّيته وفي وحدته وفي صيرورته‪ .‬فالحقيقة هي الكل‪ ،‬والجمال هو‬
‫الوحدة‪ ،‬والمعرفة هي الصيرورة‪ .‬إن المعرفة والجمال وجهان للحقيقة‪ :‬فالجمال باطن المعرفة‪ ،‬والمعرفة‬

‫ظاهر الجمال‪ .‬والظاهر ال يتحقق إال بكمال الباطن؛ كما أن الباطن ال يتحقق إال بكمال الظاهر‪ .‬وكمال‬
‫المعرفة المحبة‪ ،‬وكمال الجمال المحبة‪.‬‬
‫*** *** ***‬

‫المراجع‬
‫‪« Les Spirales et les Hélices », Encyclopaedia Universalis, Plurisciences,‬‬

‫‪1978.‬‬

‫‪Encyclopaedia Universalis, vol. 15, 234 b., vol. 15, 265 b., vol. 18, 923‬‬

‫‪b., Paris, 1985.‬‬

‫‪-‬‬

‫‪-‬‬

‫‪GHYKA, M., Philosophie et mystique du nombre, Payot, Paris, 1952.‬‬

‫‪-‬‬

‫‪GOBERT, M.-H., Les nombres sacrés et l’origine des religions,‬‬

‫‪-‬‬

‫‪Stock+Plus, 1982.‬‬

‫‪La Recherche (revue), N° 244, juin 1992, p. 686.‬‬

‫‪-‬‬

‫‪NEROMAN, D., Le nombre d’Or, clé du monde vivant, « Architecture et‬‬

‫‪-‬‬

‫‪symboles sacrés », Dérvy-livres, Paris, 1981-1984.‬‬

‫‪VOROBIEV, N., Caractères de divisibilité, suite de Fibonacci, « Initiations‬‬

‫‪aux mathématiques », Éd. de Moscou, 1973.‬‬

‫‪-‬‬

‫‪-‬‬

‫ديفيد برغاميني‪ ،‬الرياضيات‪ ،‬بترجمة نجاح شمعة قدورة‪ ،‬سلسلة تبسيط العلوم ‪ ،5‬و ازرة الثقافة‪،‬‬

‫دمشق‪.2565 ،‬‬


Documents similaires


Fichier PDF z6dts7x
Fichier PDF definition du nombre d 1
Fichier PDF couverture bechir ben aissa0
Fichier PDF tpefractalesavril2003b
Fichier PDF contextualisation et argumenter
Fichier PDF proposition01


Sur le même sujet..