في معنى ثورة الكرامة .pdf



Nom original: في معنى ثورة الكرامة.pdf
Auteur: mouldi

Ce document au format PDF 1.5 a été généré par Conv2pdf.com, et a été envoyé sur fichier-pdf.fr le 23/02/2014 à 12:40, depuis l'adresse IP 41.225.x.x. La présente page de téléchargement du fichier a été vue 847 fois.
Taille du document: 574 Ko (15 pages).
Confidentialité: fichier public


Aperçu du document


‫في معنى ''ثورة الكرامة''‬

‫‪1‬‬

‫الموضوع الذي طُلب مني أن أتكلم فيه يتعلق بأسباب‬
‫الثورات العربية و بأهدافها و بدورها في التأسيس للديمقراطية‪.‬‬
‫وكأكاديمي أقول إن هذا يفوق طاقتي و يمكن أن يكون موضوع‬
‫كتاب ضخم يدلي فيه كل مختص في العلوم اإلنسانية بقوله‪ .‬لكنني‬
‫قبلت الدعوة على كل الحال‪ ،‬و ما سأقوم به هنا هو محاولة اختزال‬
‫قاسية جدا لما أعتقد أنه يدخل في باب اإلجابة على هذا السؤال‪.‬‬
‫سأتحدث في األسباب التي جعلت الثوار يعتبرون أن ثورتهم قامت‬
‫من أجل الكرامة‬
‫في البداية أحب أن أالحظ أنه من الناحية األكاديمية سيكون‬
‫من قبيل التهور و الجهل االدعاء بأنه باإلمكان اإلحاطة بجميع‬
‫األسباب التي أدت إلى ما حدث في البلدان العربية من ثورات‬
‫سياسية خالل األشهر الماضية‪ .‬و مقولة األسباب هذه مقولة وضعية‪،‬‬
‫تفترض أنه يمكن في شروط مخبرية معينة حصر جميع العناصر‬
‫التي تدخل في تركيبة شيء ما‪ ،‬والتعريف بالكيفية التي تؤثر بها‬
‫هذه العناصر بعضها في البعض اآلخر ضمن شروط محددة ‪ ،‬ثم‬
‫تحديد مسار التسلسل السببي المعقد الذي تخضع له هذه العملية بما‬
‫يمكن في النهاية من إعادة تركيب الكل‪ ،‬و إثبات أننا متى حيدنا‬
‫عنصرا من تلك العناصر أو غيرنا من تركيبته بطلت العملية‬
‫برمتها‪ ،‬أو على األقل أعطى تفاعل تلك العناصر نتائج مختلفة‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫قدمت هذه الورقة خالل الندوة الفكرية التي نظمها االتحاد العام التونسي للشغل حول "‬

‫دور النقابات في مرحلة التحوّل الديمقراطي واالجتماعي" الحمامات ‪ 00-02‬سبتمبر ‪0222‬‬

‫من سوء الحظ‪ ،‬و ربما من حسنه‪ ،‬ال يمكن فعل هذا مع‬
‫الثورات‪ ،‬فهي ليست كائنات بيولوجية يمكن تشريحها‪ ،‬و ليست مواد‬
‫كيمياوية يمكن ردها إلى مكوناتها األولية البسيطة‪ .‬و مما يجعل هذه‬
‫العملية غير ممكنة –حتى لو أحصينا كل شيء عددا‪ -‬هو أن األسباب‬
‫المادية التي يمكن تحديد البعض منها ثم إعطاؤها –كما نفعل عادة‪-‬‬
‫قيمة أكبر من باقي األسباب‪ ،‬لنقول مثال أنها محددة أو أساسية ‪..‬إلخ‪،‬‬
‫ال تكتسب أية قيمة إال إذا تكلم عنها الفاعلون المعنيون بالثورة‬
‫بوصفها حقائق معيارية‪ ،‬أي إال إذا تبلورت في أذهانهم‪ ،‬و هم‬
‫يخوضون نشاطهم اليومي‪ ،‬في شكل معاني و قيم ذات شحنات‬
‫تصارعية يعبرون عنها عند اللزوم بشكل احتجاجي‪ .‬فمثال يمكن‬
‫للبطالة أن تكون عنصرا هاما نفسر به الثورات‪ ،‬لكن البطالة و الفقر‬
‫و التهميش وجدت في كثير من الحاالت في نفس المكان و الزمان و‬
‫بمعدالت مرتفعة دون أن يؤدي ذلك إلى ثورات‪ .‬و االستبداد استمر‬
‫أحيانا أحقابا طويلة يجثم على نفوس بعض الشعوب التي لم تخض‬
‫ثورات من أجل التخلص من ذلك االستبداد‪.‬‬
‫و لكن قبل أن أتقدم في التحليل علي أن أشرح المسألة التالية‪:‬‬
‫ليس هناك مفهوم واحد للثورة بل عدة مفاهيم‪ ،‬و هي تختلف بحسب‬
‫طبيعة الظاهرة و سياقها و أهدافها و إطارها الزمني و محيطها‬
‫الثقافي و بحسب المعنى الذي يعطيه لها أصحابها أو حتى من يتكلم‬
‫عنها‪ .‬فالثورة بمعناها االجتماعي تتجاوز بكثير األحداث المؤطرة‬
‫في زمان و مكان محددين ( مثال سقوط نظام بن علي أو حسني‬
‫مبارك في تونس و مصر سنة ‪ ،)0222‬و من ثم فهي تشمل كل‬
‫المسار االجتماعي البطيء والمتذبذب الذي يفكك على سبيل المثال‬
‫األراضي القبلية و القروية الجماعية و الروابط الحرفية التقليدية‪ ،‬و‬
‫يعطي فرصة لألفراد و العائالت كي يمتلكوا بشكل خاص أدوات‬
‫عملهم و يفسح المجال للدولة‪ ،‬التي تستحدث بهذه المناسبة إدارة‬
‫عقارية تعطيها اسم دفتر خانة‪ ،‬و تسن قوانين و تبني محاكم مستقلة‬
‫عن الجماعة المحلية تفصل عن طريقها في النزاعات المتعلقة بملكية‬
‫هذه األراضي و استغاللها‪ ،‬ما يسمح لها بتعويض القبيلة أو القرية‬

‫في حماية هذه العائالت و هؤالء األفراد‪ .‬و من هذا المنظور يمكننا‬
‫أن نقول إننا في الحقيقة نعيش في تونس مسارا ثوريا اجتماعيا‬
‫انطلق منذ أكثر من قرن‪ ،‬و ربما يصدق علينا من هذه الناحية ما قاله‬
‫أالكسيس دو توكفيل ساخرا من مؤرخي الثورة الفرنسية‬
‫الكالسيكيين‪ :‬الثورة الفرنسية التي تقولون أنها حدثت سنة ‪2871‬‬
‫أنجزت قبل ذلك بوقت طويل‪.‬‬
‫أما من الناحية السياسية فإننا نستطيع أن نعتبر ثورة تلك‬
‫األعمال االحتجاجية السلمية أو العنيفة التؤدي إلى إسقاط نظام‬
‫سياسي معين واستحداث آليات حكم جديدة مكانه تحقق أهداف الثوار‬
‫مهما كانت ثقافتهم( و لذلك توجد عبارة الثورة المضادة)‪ ،‬وهذا حتى‬
‫لو كان قسم من النساء المشاركات في هذه العملية يؤمن‪ ،‬في السياق‬
‫الثقافي العالمي الذي نعيش فيه اليوم‪ ،‬بحق الرجل في أربع زوجات‬
‫مثلما يحدث اآلن في اليمن‪ .‬و لهذا السبب فإن الكثير من الباحثين و‬
‫المالحظين السياسيين يتفادون خالل النقاشات األكاديمية استعمال‬
‫كلمة ثورة ويعوضونها بمسار ثوري قد يحقق في آخر المطاف نقلة‬
‫فارقة في الشأن السياسي لبلد ما أو ال يحققه‪.‬‬
‫لنعد اآلن إلى موضوع تفسير الثورات‪ .‬في تاريخ الفكر‬
‫السياسي و السوسيولوجي جرى تقديم عدة فرضيات كبرى لتفسير‬
‫الثورات االجتماعية العظيمة التي عرفها العصر الحديث‪ .‬فنحن‬
‫نعرف مثال أن الماركسيين يعتقدون أن الثورات الكبرى‪ ،‬سواء‬
‫كانت عنيفة أو سلمية‪ ،‬تحدث عندما تعجز العالقات االجتماعية‬
‫السائدة (سواء كانت عبودية أم إقطاعية أم رأسمالية‪..‬إلخ) عن‬
‫استيعاب التطورات الجارية على مستوى قوى اإلنتاج (أي قوى‬
‫العمل ووسائله و منظومة التوزيع واالستهالك‪..‬إلخ)‪ ،‬و هذا تفسير‬
‫عام و هيكلي يترك مسألة الفعل السياسي و احتماالت تأثيراته‬
‫الالمتناهية في غير متناول الفهم‪ ،‬أو هو على األقل يضطرنا إلى‬
‫محاولة البحث في الروابط الفكرية و السيكولوجية التي‬
‫ينبغي أن توجد‪ ،‬عبر عمل الفاعلين االجتماعيين‪ ،‬بين الحدث و‬

‫البنية‪ ،‬و هذه عملية غالبا ما تؤدي إلى االبتعاد عن الفرضية األم‬
‫فتضعف من قيمتها و جدواها رغم أهميتها‪.‬‬
‫لكن هناك فرضيات كبرى أخرى تحاول أن تفسر الثورات‬
‫الحديثة من خالل البحث في خصائص موضوع هذه الثورات في حد‬
‫ذاته‪ .‬و هذا هو مثال حال بارنغتون مور الذي مازال كتابه "الجذور‬
‫االجتماعية للدكتاتورية و الديمقراطية" يطبع باستمرار رغم أن‬
‫صاحبه قد كتبه منذ أزيد من أربعين سنة‪ .‬و فرضية هذا الباحث‬
‫األنجليزي هي التالية‪ :‬العصر الحديث هو عصر الصناعة و العلوم‬
‫عالقات اإلنتاج الرأسمالية بقيمها و نخبها السياسية و الثقافية‬
‫المميزة‪ .‬و لذلك فإن موضوع الثورات الرئيسي كان إعادة ترتيب‬
‫العالقات بين هذه النخب الحديثة و البنى الفالحية التقليدية بقيمها‬
‫المتداعية و نخبها الريفية المحافظة‪ ،‬و من ثم صهرها في المجتمع‬
‫الرأسمالي الصناعي الصاعد الذي تطلب تطوره ونجاحه إعادة‬
‫صياغة الدولية فكريا و مؤسساتيا‪.‬‬
‫و هناك أيضا فرضيات أخرى ال تقل تعقيدا عما استعرضته‬
‫حتى اآلن‪ .‬منها أن محرك الثورات الحديثة ليست سوى الثورات‬
‫الثقافية والتقنية العظمى التي أنتجتها النخب الحضرية في إطار‬
‫المجتمع الصناعي الناشئ‪ ،‬سواء كانت هذه النخب تحمل فكرا دينيا‬
‫(مثل األفكار البروتستانتينية في فجر الثورات الحديثة) أم وضعيا‬
‫(مثل أفكار هوبس و في ما بعد منتاسكيو و روسو وسان سيمون قبل‬
‫و بعد الثورة الفرنسية)‪ ،‬و أن الثورات هي قبل كل شيء ثورات‬
‫فكرية‪ ،‬يتبناها الفاعلون السياسيون و يستخدمونها في تفكيك البنى‬
‫التقليدية‪ ،‬كما ظهر ذلك سياسيا في الثورات الليبيرالية التي جرت‪،‬‬
‫على سبيل المثال‪ ،‬في أوربا الشرقية قبل دخولها في فلك المعسكر‬
‫الشرقي‪ ،‬أو في تونس من خالل مشروع النخب التحررية ‪-‬التحديثية‬
‫خالل مقاومة االستعمار‪.‬‬

‫هل يمكن أن نفسر ما يجري حاليا في البلدان العربية‪ ،‬حيث‬
‫أسقطت الحركات الشعبية االحتجاجية النظم السياسية القائمة‪ ،‬على‬
‫أساس إحدى هذه الفرضيات الكبرى؟ بتعبير أدق هل ما يجري حاليا‬
‫يعبر عن حالة تصادم طبقي يبحث عن تجاوز ذاته؟ هل هو مثال‬
‫صراع بين العمال و الفالحين و الطبقات التي تستغلهم بقطع النظر‬
‫عما إذا كان هؤالء األخيرين رأسماليين وطنيين أو كمبرادور بال‬
‫طعم و ال رائحة كما يُنعتون عادة؟ هل نحن بصدد ثورات عميقة‬
‫يقوم بها المجتمع الصناعي الحضري الصاعد و قواه الحية ضد‬
‫المجتمع الفالحي بعالقاته و أفكاره و نخبه المحافظة؟ هل نحن أمام‬
‫ثورة ثقافية واضحة المعالم‪ ،‬سواء كانت دينية نقدية أو وضعية‬
‫تحديثية‪ ،‬لها نخبها و طروحاتها و قيمها و أهدافها ؟ بعبارة واحدة ما‬
‫هو عنوان الثورات العربية التي نحن شاهدون عليها و فاعلون فيها‬
‫؟‬
‫سياق تاريخي جديد‬
‫لنبدأ بهذه النكتة األنثروبولوجية ذات المغزى العميق‪ .‬في‬
‫كتابه "حروب الفالحين في القرن العشرين" يذكر إيريك وولف أنه‬
‫خالل الثورة البلشفية سنة ‪ 2128‬اعتقد العديد من فالحي أعماق‬
‫روسيا اآلسيوية لفترة أن لينين‪ ،‬قائد الثورة البروليتارية البلشفية‪،‬‬
‫هو المسيح العائد لتخليص اإلنسان من كل خطاياه و من وزر الحياة‬
‫الدنيا الفانية‪ .‬بعد قرن من ذلك الحدث أصبحت الثورات تُصنع على‬
‫الفايسبوك و تشاهد مباشرة على شاشات التلفزيون من قبل فالحي‬
‫الدنيا‪ .‬و أحب أن أستغل هنا هذه الفرصة ألعطيكم مثاال تطبيقيا من‬
‫تونس عما تعنيه ظاهرة انتشار وسائل االتصال الحديثة في‬
‫األرياف‪ ،‬و ما يمكن أن تغيره من وقائع مادية و ذهنية على األرض‬
‫يمكن أن تدخل في بنية الثورات الجارية حاليا‪ ،‬و ذلك حتى قبل‬
‫انتشار الهاتف الجوال والفايسبوك‪ :‬في سنة ‪ 2171‬كنت أقوم ببحث‬
‫ميداني في والية الكاف‪ ،‬و كان علي أن أقابل حوالي ستين عمدة في‬
‫مختلف مناطق الجهة‪ .‬فاستغللت الفرصة و سألت هؤالء العمد واحدا‬

‫واحدا عن أهم شيء تغير في عالقتهم بمنظوريهم‪ ،‬فأجابني‬
‫بشكل يكاد يكون متطابقا‪ :‬العمدة لم يعد مصدر المعلومات‪،‬‬
‫الشبان المتعلمون هم الذين يأتون إليه باألخبار الجديدة‬
‫المشاريع التي تعتزم الحكومة إنجازها في منطقته‪ ،‬و هم‬
‫يرشدونه عن الجمعيات التي تنشط في الجهة‪.‬‬

‫جلهم‬
‫اليوم‬
‫حول‬
‫الذين‬

‫و لكن ليس هذا هو العنصر الوحيد الذي أعطى للسياق‬
‫التاريخي الذي نعيشه حاليا أهم مالمحه‪ ،‬فمعظم الذين خرجوا في‬
‫احتجاجات مصر و تونس و قاتلوا كتائب القذافي في ليبيا ليسوا‬
‫فالحين فقراء‪ ،‬وليسوا عماال فالحيين أو صناعيين يقولون إنهم‬
‫يرزحون تحت االستغالل‪ .‬و لذلك فإننا لم نر طوال أيام الثورات‬
‫العربية أي تنديد بالمستغلين الرأسماليين "مصاصي الدماء" كما‬
‫يقول زعماء الثورات العمالية عادة‪ .‬لقد كان الثوار شبانا متعلمين‬
‫عاطلين عن العمل أو ضعاف الدخل‪ ،‬يسكنون مناطق أو مدنا أو‬
‫أحياء مهمشة‪ ،‬و األهم من الكل أنهم كانوا يشعرون بأنهم‬
‫محرومون سياسيا و فكريا من وسائل التأثير على القرارات التي‬
‫تُتخذ بشأن تنظيم حياتهم المدنية‪ .‬و هؤالء الثوار –و هذا يصدق‬
‫خاصة على تونس– لم ينشطوا في أطر سياسية منظمة‪ ،‬بل كانوا‬
‫يتحركون ضمن زمر تتجمع و تتفكك حسب تطور األحداث‪ ،‬يحكمها‬
‫االنتماء إلى الحي أو الزمالة المهنية أو الصداقة‪ ،‬ويقربها من بعضها‬
‫اتحادها ضد عدو واحد هو النظام االستبدادي القائم‪ .‬صحيح أن‬
‫هياكل االتحاد العام التونسي للشغل في تونس‪ ،‬على سبيل المثال‪،‬‬
‫كانت بمثابة المظلة التي احتمى بها جزء من المتظاهرين‪ ،‬و صحيح‬
‫أيضا أن بعض األحزاب كان لها وجود ما في المناطق التي اندلعت‬
‫منها الثورة و شجعت الشباب على التظاهر‪ ،‬و صحيح كذلك أن‬
‫المتظاهرين ما كانوا ربما يتشجعون و يواصلون احتجاجاتهم‪،‬‬
‫خاصة في تونس ومصر‪ ،‬لو ال الدعم السياسي و األخالقي الرمزي‬
‫الذي مدتهم به جمعيات حقوق اإلنسان و المنظمات الوطنية لسلك‬
‫المحاماة و القضاة و النقابات‪ ،‬و لكن الخاصية العامة للذين واجهوا‬
‫الرصاص بصدورهم العارية في تونس هي أنهم كانوا شبانا‬

‫متعلمين‪ ،‬منفتحين على كل ما يجري في العالم‪ ،‬و يقفون أفرادا‬
‫خارج كل أطر التنظيم السياسي التي تحمي عادة الناشطين‬
‫السياسيين‪ .‬و من المهم هنا أن نالحظ أنه في حين لم تلعب األطر‬
‫القروية و اإلثنية و القرابية و الدينية الطرقية في تونس و مصر‬
‫دورا مؤثرا في حماية المتظاهرين و تأطير تحركاتهم‪ ،‬كانت هذه‬
‫هي األطر التي اشتغلت في ليبيا و اليمن بمجرد أن ظهر اإلفالس‬
‫السياسي للمجموعة السياسية الحاكمة و كذلك المعارضة‪.‬‬
‫و هناك أيضا خاصية أخرى جديدة تميز بها السياق‬
‫االجتماعي الذي ظهرت فيه الثورات العربية‪ ،‬و هي ذات طابع‬
‫أنثروبولوجي سياسي إن صح التعبير‪ .‬و تتمثل هذه الخاصية في‬
‫ظاهرة فراغ الساحة السياسية العربية‪ ،‬خالل العقود األخيرة‪ ،‬من أي‬
‫صنف من الزعماء‪ ،‬غير أولئك الذين نصبوا أنفسهم في هذا الموقع‬
‫من خالل استغالل أجهزة الدولة و ليس من خالل اكتساب حظوة‬
‫قيادية لدى الجماهير‪ .‬و قد وصفت هذه الظاهرة في كتابي "الجذور‬
‫االجتماعية للدولة الحديثة في ليبيا" من خالل عبارة سيادة مبدإ‬
‫"احتكار انتاج الزعامة "‪ .‬و ما أعنيه بهذه العبارة هو أن االستبداد‬
‫السياسي الذي جثم على صدور الشعوب العربية خالل عشرات‬
‫السنين الطويلة التي مضت قد قام أساسا على تدمير كل ما من شأنه‬
‫أن يساعد على ظهور فاعلين سياسيين مستقلين‪ ،‬قادرين على تعبئة‬
‫الجماهير حول قضايا محددة‪ ،‬و على ترجمة مطالبها إلى مشاريع‬
‫سياسية منافسة للتوجهات التي يسير عليها الحكام‪ ،‬سواء كان ذلك‬
‫على المستوى المحلي أو الوطني‪ .‬و ما نتج عن ذلك هو أن ثقافة‬
‫الرموز السياسية التي شيدتها حركات التحرير و اإلصالح قد‬
‫دمرت‪.‬‬
‫نستنتج مما تقدم أن من خصائص السياق االجتماعي العام‬
‫الجديد‪ ،‬الذي اندلعت في إطاره الثورات العربية‪ ،‬أن التحوالت‬
‫االجتماعية العميقة التي عرفتها هذه البلدان قد أضعفت‪ ،‬بشكل‬
‫متفاوت‪ ،‬الروابط األولية التي اعتاد الناس على توظيفها في حماية‬

‫أنفسهم و في االندماج االجتماعي بصفة عامة‪ ،‬مثلما يظهر ذلك من‬
‫خالل مقارنة الحاالت الشاخصة أمامنا هنا و هناك‪ .‬لكن هذه‬
‫التحوالت أدت جميعها إلى بروز فئة شبابية تخطت هذه الروابط‪،‬‬
‫على اختالف قوتها‪ ،‬من خالل نسج عالقات جديدة افتراضية (عبر‬
‫الهاتف و الفايس بوك وغير ذلك)‪ ،‬استخدمتها في حشد الطاقات و‬
‫توجيه الفعل السياسي‪ ،‬و ذلك رغم أنها لم تجد خالل ثورتها‪ -‬كما هو‬
‫حاصل في اليمن و ليبيا‪ -‬ما تحتمي به أثناء الثورة سوى البنى‬
‫التقليدية‪ .‬و هذا يُعد من مفارقات دولة االستقالل التي فككت أو‬
‫همشت أغلب المؤسسات األهلية التي بنتها شعوبها خالل حركات‬
‫التحرير‪ ،‬تحديدا من أجل تشييد الدولة الديمقراطية الحديثة‪.‬‬
‫هذا من المنظور المحلي الداخلي‪ .‬أما على المستوى العالمي‬
‫فإن ما يميز العصر الذي نعيش فيه هو ما أصبح يعرف بالعولمة‪ .‬و‬
‫ما أعنيه بالعولمة هنا هو تلك اإلمكانية القانونية و الثقافية غير‬
‫المسبوقة في التاريخ‪ ،‬التي أعطتها المؤسسات الدولية الحديثة للدول‬
‫القوية في العالم‪ ،‬كي تتدخل بصفة شرعية في ما يجري في البلدان‬
‫الضعيفة حينما تحدث داخلها مستجدات ترى أنها تهدد مصالحها‬
‫اإلستراتيجية‪ .‬ال يعني هذا أن الشأن الداخلي للبلدان الضعيفة كان في‬
‫الماضي في منأى عن التدخل الخارجي‪ ،‬إنما أعني أن هذا التدخل‬
‫أصبح يحضى بالشرعية الدولية‪ ،‬سواء كانت عادلة أو ظالمة‪.‬‬
‫و الذي يهم في هذه المسألة هو ما ترتب عنها على مستوى‬
‫إدارة مجريات الثورات و تحديد توجهاتها في الدول العربية‪ .‬و من‬
‫هذه الناحية بين المثال الليبي كيف أن الثورات التي تعرفها شعوبنا‬
‫اآلن‪ ،‬أي في سياق العولمة‪ ،‬لم تعد شأنا داخليا‪ ،‬و هذا ربما حتى‬
‫على مستوى تفاصيلها الدقيقة‪ .‬فالكل يعرف على سبيل المثال أن من‬
‫جملة المواقف التي حسمت في اللحظات األخيرة مصير زين‬
‫العابدين بن علي و حسني مبارك و معمر القذافي و في األيام المقبلة‬
‫بشار األسد هو سحب القوى الدولية العظمى‪ ،‬و بالتحديد أمريكا‪،‬‬
‫الثقة من هؤالء‪ .‬و يمكننا أن نالحظ في سياق نفس الفكرة أن ما‬

‫يطيل بقاء علي عبد هللا صالح في السلطة هو أن هذا البساط الدولي‬
‫لم يسحب بعد من تحت قدميه‪ ،‬و ربما أن سبب ذلك يعود إلى موقف‬
‫السعودية التي ترى أنه ال سبيل إلى التقدم على طريق حل المشكلة‬
‫اليمنية إال إذا تحققت من ضمان مصالحها اإلستراتيجية السياسية في‬
‫المستقبل‪.‬‬
‫على ماذا ثارت الشعوب العربية؟‬
‫لقد ذكرت في مقدمة هذه الورقة أن اإلحصائيات حول‬
‫البطالة و التهميش و االستغالل تساعدنا على مشاهدة تفاصيل‬
‫التحوالت الكمية التي تطرأ على هذه الظواهر‪ ،‬و على بناء‬
‫فرضيات بشأن العالقة بينها وبين الظاهرة الثورية ‪ ،‬و لكنها ال‬
‫تمكننا من النفاذ إلى المعاني التي تأخذها تفاصيل هذه التحوالت عند‬
‫الفاعلين االجتماعين‪ ،‬و إلى األبعاد المعيارية التي يمنحونها إياها‬
‫فيحولون من خالل فعلهم المفعم بالشعور األرقام األكاديمية إلى‬
‫معان و مطالب سياسية‪.‬‬
‫لفهم هذه المسألة نحتاج إلى االقتراب أكثر من المجريات‬
‫العملية للظاهرة الثورية كما انطلقت في البلدان العربية‪ .‬وسواء كنا‬
‫في تونس أو في مصر أو في ليبيا أو في اليمن أو في سوريا تبدو‬
‫الكلمة السحرية التي شحنها المتظاهرون أكثر من غيرها بما يعتمل‬
‫في أبدانهم و أذهانهم وذاكراتهم من شعور بالحرمان و القهر و الذل‬
‫هي كلمة "الكرامة"‪ .‬وقد رفض معظم التونسيين عبارة "ثورة‬
‫الياسمين" التي استخدمت في وصف ثورتهم‪ ،‬بالضبط ألنها ال‬
‫تتضمن أنطولوجيا العالقة التي يقيمونها بين تجربتهم االجتماعية‬
‫المريرة التي ولدت الثورة وبين كلمة الكرامة التي تحتوي على‬
‫مشروع االنعتاق من محددات تلك التجربة‪.‬‬

‫و فكرة الثورة من أجل الكرامة ‪-‬و هي الفكرة نفسها التي‬
‫عبر عنها الجزائريون منذ تسعينيات القرن الماضي و لكن بطريقة‬
‫سلبية عبر مقولة الثورة ضد "الحقرة"‪ -‬تحيل إلى معادلة لها جذور‬
‫أنثروبولوجية عميقة جدا و منغرسة بقوة في التراث األدبي و‬
‫األخالقي العربي‪ .‬فكلمة "الكرامة" تحيل إلى مفردات أخرى مثل‬
‫الكرم و الكريم‪ .‬والكرم من الناحية األنثروبولوجية‪-‬السوسيولوجية‬
‫هو وصف لحالة من الفعل اإلنساني مرتبطة بظاهرة اقتصادية‪-‬‬
‫ثقافية معقدة‪ ،‬هي ظاهرة التبادل التي تجري بين البشر‪ ،‬أفراد و‬
‫جماعات‪ .‬و هذا التبادل ال يجري فقط من أجل توفير الحاجات و‬
‫إعادة توزيع الثروات‪ ،‬إنما أيضا من أجل إقامة عالقات إنسانية غير‬
‫مادية تدخل ضمن حاجة هذا اإلنسان إلى التواصل‪ ،‬بوصفه مخلوقا‬
‫اجتماعيا له ثقافة و رموز‪ .‬و بما أن جزء مهما من هذا التبادل و‬
‫التواصل كان في فجر اإلنسانية يقع في إطار الهدية‪ ،‬إذ ال وجود‬
‫للسوق و للعملة كما نعرفهما اليوم‪ ،‬فإن الكرم بالمعنى الذي ذكرناه‬
‫كان إحدى أهم اآلليات التي يقوم عليها التبادل‪ ،‬فبدون كرم ليس‬
‫هناك هدايا أي ليس هناك ضيوف و ال مبادالت سلمية و ال النموذج‬
‫اإلنساني لحاتم الطائي و ال شعره الرائع في الكرم‪.‬‬
‫و التبادل عن طريق آلية الكرم يعني أن هناك دورة كاملة من‬
‫التبادل البد و أن تحدث‪ :‬يتكرم الكريم بشيء من عنده لغيره ("يبداها‬
‫كريم وال زعيم")‪ ،‬فيقبله اآلخر و يعتبره دينا في عنقه و عقدا البد‬
‫من التقيد به –إن أنت أكرمت الكريم ملكته‪ -‬إلى أن يحين موعد رد‬
‫الهدية –أي موعد تنفيذ شروط العقد‪ -‬فيرده بمثله أو بأحسن منه‪ .2‬و‬
‫من ثم فإنه بقدر ما يكون الشخص مستعدا للرد على الكرم بالكرم‬
‫فإنه يبقى دائما شخصا موضوع ثقة‪ ،‬و هو ما يحفظ له شرفه و‬
‫كرامته و يجعل منه شخصا حرا جديرا بأن تعقد معه العقود‪ .‬أما في‬
‫‪2‬‬

‫للتعمق في العالقة بين الكرم و التبادل أنظر‪ :‬مارسيل موس‪ ،‬دراسة في الهبة‪ ،‬ترجمة المولدي األحمر‪،‬‬
‫بيروت‪ ،‬المنظمة العربية للترجمة‪1122 ،‬‬

‫الحالة التي ال يرد فيها من أخذ الهدية بمثلها أو بأحسن منها فإن ذلك‬
‫يعني أن دورة التبادل السلمية تواجه خطر التوقف‪ ،‬و أن متلقي‬
‫الهدية يتصرف تصرف اللئيم الذي خان األمانة‪-‬إن أنت أكرمت‬
‫اللئيم تمرد‪.‬‬
‫في الشأن السياسي الحديث تجري األمور في الوضعيات‬
‫الديمقراطية كما لو أنه يقع صهر جميع عقود التبادل السارية بين‬
‫مختلف األفراد و المجموعات –عمال و رأسماليون‪ ،‬مزارعون و‬
‫مالكون عقاريون‪ ،‬موظفون و مؤسسات عامة‪ ،‬بنوك و عمالء‬
‫مدينون‪ ،‬نساء و رجال‪ ،‬طلبة وأساتذة‪ ،‬أولياء و أبناء‪...‬إلخ‪ -‬في عقد‬
‫واحد هو عقد التبادل الذي يقيمه المواطنون مع من يكلفونهم بالحكم‬
‫(بعد أن يطلبه هؤالء عن طريق الترشح لالنتخابات)‪ ،‬و هو عقد ثقة‬
‫مشروط يمنحون بموجبه الحكام شرعية أخالقية و مؤسساتية‬
‫تعطيهم الحق في إدارة شؤونهم العامة –بما يترتب عن ذلك من‬
‫حصول هؤالء على مزايا مادية و معنوية يصفها ابن خلدون بأنها‬
‫لذيذة‪ -‬مقابل الخضوع للقانون والطاعة النقدية‪ .‬و بما أنه يمكن في‬
‫مثل هذه الوضعيات أن نغير الحكام دون أن تتعرض مجمل عقود‬
‫الثقة التي تقوم عليها عالقات التبادل األخرى إلى اإلهتزاز بشكل‬
‫كبير‪ ،‬فإن عقد التبادل السياسي بين الطرفين يحافظ غالبا على‬
‫وظيفته وشرعيته مولدا الثقة في العمل السياسي و الشعور بالكرامة‬
‫لدى المواطنين‪.‬‬
‫خالل ثورات الربيع العربي كانت الشعوب تطالب باسترداد‬
‫كرامتها‪ .‬و يمكننا أن نالحظ هنا أن ما عناه هذا الشعار في سياق هذه‬
‫الثورات ليس هو ما عناه أيام الحركة الوطنية و االحتالل‪ ،‬حيث‬
‫فرض المستعمر بالقوة على هذه الشعوب بشكل جماعي عالقة تبادل‬
‫غير متكافئة‪ ،‬يقدم بموجبها المستعمر خيراته قسرا إلى المحتل دون‬
‫أن يحصل من هذا األخير على غير الفتات‪ .‬و لذلك يُنعت‬
‫المستعمرون عادة باللصوص وقطاع الطرق‪ ،‬و يصفهم الشعراء‬
‫بالظالمين طغاة الزمن‪ ،‬ويتحدث السياسيون عن الكرامة الوطنية‪ .‬أما‬

‫خالل الثورات الحالية فإن الشعور بالكرامة المهدورة أخذ بعدا‬
‫اجتماعيا داخليا عميقا‪ ،‬حمله األفراد قبل المجموعات خالل‬
‫ممارستهم لحياتهم اليومية‪ ،‬و عانى منه كل واحد منهم بشكل مستقل‬
‫عن اآلخر‪.‬‬
‫ما هو المحتوى االجتماعي لهذه الكرامة‪ ،‬و كيف أصابتها‬
‫عالقة التبادل السياسية السائدة بالهدر و التلف؟‬
‫لنالحظ أوال أن جميع الثورات العربية قد رفعت شعارات‬
‫تلتقي عند فكرة واحدة أطلقها المصريون منذ عدة سنوات‪ ،‬و عبروا‬
‫عنها بشعار "كفاية"‪ .‬و "كفاية" هذه تعني أن العقد السياسي الساري‬
‫بين الحاكمين و المحكومين قد تجاوز أمده بدون وجه حق‪ ،‬و أن بقاء‬
‫الحاكم في مكانه كشريك في هذا العقد لم يعد خاضعا لمبدأ االختيار‪،‬‬
‫و أن مؤسسة الدولة التي من المفترض أن تكون هي اآللية المنظمة‬
‫لعملية التبادل الضخمة التي تجري بين مختلف أطراف المجتمع‪،‬‬
‫أصبحت أداة خاصة يستعملها الحكام من أجل اإلخالل بشروط هذه‬
‫العملية‪ ،‬فيترشحون بدون حساب إلى االنتخابات‪ ،‬و يزورون‬
‫الحقائق و يستعملون العنف و القهر من أجل المحافظة على موقع‬
‫من يأخذ و ال يعطي (اللئيم)‪.‬‬
‫كيف وجد مثل هذا الخلل الفادح في سير العملية التبادلية‬
‫السياسية تعبيره المواتي في تجربة الحياة اليومية للعاطلين عن العمل‬
‫والمهمشين و المحرومين من كل وسائل الحماية االجتماعية؟ لقد بدأ‬
‫الشعور بفقدان الكرامة يظهر عند هؤالء عندما أصبحوا يذهبون إلى‬
‫المستشفى فيالقون التهاون في التعامل مع صحتهم بينما أصحاب‬
‫الطرف اآلخر في العقد ينعمون بكل وسائل الرعاية‪ ،‬و عندما‬
‫صاروا يفتشون عن العمل فال يجدونه أو يضطرون إلى التنافس‬
‫على دفع الرشوة للوسيط‪ ،‬حليف الطرف اآلخر أو زبونه‪ ،‬كي‬
‫يفوزوا به على حساب غيرهم‪ ،‬و عندما أصبحوا يعجزون عن فتح‬
‫أبواب و نوافذ بيوتهم في الصيف بسبب الروائح الكريهة لمجاري‬

‫مياه الصرف الصحي و الناموس في الوقت الذي تُستغل أموال‬
‫بلدياتهم في ترصيف شوارع مدن الحكام‪ ،‬و عندما صاروا يذهبون‬
‫لحضور اجتماع سياسي فال يجدون إال الكذب والزيف و التالعب‬
‫برغبتهم في إعادة التوازن لعالقتهم المختلة بمن احتل بالقوة موقع‬
‫الطرف اآلخر في عقد التبادل السياسي الذي تقوم عليه الدولة‪ ،‬و‬
‫أخيرا عندما صاروا يخرجون في الصباح‪ ،‬متوكلين على هللا‪ ،‬لبيع‬
‫الخضر و الفواكه في األزقة و األنهج‪ ،‬فيسبهم موظفو قسم الضرائب‬
‫الخاضعين لسلطة من يمسك بدواليب اإلدارة العامة أي الدولة‪ ،‬و‬
‫يجبرونهم على دفع الرشوة ما يفقدهم أحيانا الشعور بحب الحياة و‬
‫الرغبة في االنتحار‪.‬‬
‫و في مثل هذا السياق من الالتوازن في عملية التبادل‬
‫السياسي‪ ،‬لم يكن الفقراء و المسحوقون و العاطلون عن العمل و‬
‫المستغلون بكل أنواعهم وحدهم من يبلغ عندهم الشعور بالمهانة و‬
‫فقدان الكرامة أعلى الدرجات‪ .‬ذلك أنه من شروط بناء عقد التبادل‬
‫السياسي السليم‪ ،‬أن تضطلع بمهمة مراقبة تنفيذ بنود ذلك العقد على‬
‫مستوى مجريات الحياة اليومية‪ ،‬أصناف من الفئات االجتماعية‬
‫منتظمة في مؤسسات مدنية مخصوصة‪ ،‬ترتبط بفكرة العدل و‬
‫القضاء و الدفاع عن حقوق اإلنسان العامة و الخاصة‪ .‬و في الوضع‬
‫العربي الذي نتحدث عنه‪ ،‬حيث فقد العقد السياسي أهم أركانه الذي‬
‫هو التبادل الشرعي و المتكافئ‪ ،‬أصبحت هذه األصناف االجتماعية‪-‬‬
‫المهنية تشعر بأنها تحولت إلى شاهد زور على هذا العقد المغشوش‪،‬‬
‫و بما أن جزء كبيرا من هذه األخيرة مرتبط بعالقات شتى بضحايا‬
‫هذا الغش الذي ال سند له إال االستبداد و البطش‪ ،‬فإن أعضاءها من‬
‫المحامين و القضاة و مختلف المدافعين عن حقوق األفراد و‬
‫الجماعات صاروا هم أيضا يشعرون بفقدان الكرامة‪ .‬وليس هؤالء‬
‫فحسب‪ ،‬إذ أن االستبداد و التنكر لبنود عقد التبادل السياسي السليم‬
‫يعني أن المشتغلين بالفن و األدب‪ ،‬و حتى أولئك األفراد و الفئات‬
‫األقل معاناة اقتصاديا و اجتماعيا من االستبداد‪ ،‬أصبحوا هم أيضا‬

‫يشعرون باإلقصاء و بفقدانهم لحقهم في المشاركة في بناء عقد‬
‫السلطة السياسية‪ ،‬أي فقدانهم لكرامتهم التي تعني حريتهم وشرفهم‪.‬‬
‫دور الثورات العربية التأسيسي في مجال إرساء‬
‫الديمقراطية‬
‫ذلك في رأيي ما تعنيه ثورات الكرامة في البالد العربية‪ .‬إنها‬
‫حركات من أجل استرداد صفة المواطنة التي تعني الحق في إرساء‬
‫عالقات تبادل سياسية تضمن بنودها لكل طرف الحق في الحصول‬
‫على المنافع التي تنتج عن كل عملية تبادل متكافئة و متساوقة‪.‬‬
‫فالثورة ضد البطالة والتهميش ومنع حرية الفكر و االتصال و‬
‫التواصل‪ ،‬و ضد احتكار إنتاج الزعامة السياسية و المنافذ المؤدية‬
‫إلى الموارد و غير ذلك‪ ،‬هي ثورة على التلف القانوني و المعياري‬
‫الذي أصاب العقد السياسي الذي تقوم عليه الدولة‪ ،‬و هو تلف سرت‬
‫آثاره في كل مناحي الحياة‪ ،‬و ترجمته مقتضيات التبادل اليومي‬
‫الجاري بين الناس عبر لغة الرشوة و المحسوبية و "الحقرة" و هتك‬
‫الحرمات الجسدية و العائلية‪ ،‬و سد منافذ المستقبل أمام الشباب‪ ،‬و‬
‫آفاق الحراك السياسي أمام الغالبية العظمى للناشطين السياسيين‪.‬‬
‫و من ثم فهي ثورة مؤسسة للديمقراطية‪ :‬ألم يكن أول مطلب‬
‫نادى به المتظاهرون في تونس و مصر و ليبيا (و المغرب ولكن‬
‫عبر أسلوب آخر) مباشرة بعد سقوط أنظمة االستبداد و الدجل‬
‫السياسي هو وضع دساتير جديدة تعيد بناء قواعد العقد السياسي بين‬
‫المواطنين بما يضمن لهم كرامتهم؟‬
‫بيد أن التأسيس للديمقراطية ليس مسألة هينة‪ ،‬إذ أنه ال يكفي‬
‫لتحقيق ذلك أن نحرر قانونيا الحياة السياسية من كل القيود‪ ،‬و أن‬

‫نبني مؤسسات دستورية تضمن عدم تداخل السلط‪ ،‬و أن نفتح الباب‬
‫لألحزاب كي تتداول سلميا و ديمقراطيا على السلطة‪ .‬ذلك أن من‬
‫شروط التحقيق الفعلي (و ليس المطلق) للديمقراطية أن تجري‬
‫عملية مراجعة ثقافية معيارية للمعاني و الوظائف التي نعطيها‬
‫الرتباطاتنا الخاصة‪ .‬فالوفاء السياسي لمتغيرات القرابة و العرق و‬
‫االنتماء الديني و للمعايير التي تضع النساء و الشبان في المرتبة‬
‫الثانية بعد الكهول ال يساعد على بناء مجتمع ديمقراطي حديث‪ .‬و‬
‫مثال ليبيا و اليمن الشاخص أمامنا هذه األيام ال يوحي بأن هذين‬
‫البلد ين سيدخالن الحياة الديمقراطية بسالسة مثلما قد يكون عليه‬
‫الحال في تونس و مصر‪ .‬و لذلك فإن من أوكد ما ينبغي أن‬
‫تنصرف إليه المجتمعات العربية التي أطاحت بنظمها االستبدادية هو‬
‫تدريب المواطنين على السلوك الديمقراطي و تثقيفهم في هذا المجال‬
‫و تدريس الفكر الديمقراطي للنشإ و الشباب على حد سواء‪.‬‬




Télécharger le fichier (PDF)

في معنى ثورة الكرامة.pdf (PDF, 574 Ko)

Télécharger
Formats alternatifs: ZIP







Documents similaires


fichier sans nom 1
fichier sans nom 2
3
fichier pdf sans nom 8
fichier sans nom
revolution permanante 1

Sur le même sujet..