الخلق والأمر2 .pdf



Nom original: الخلق والأمر2.pdf
Titre:
Auteur: hp

Ce document au format PDF 1.5 a été généré par Soda PDF Server, et a été envoyé sur fichier-pdf.fr le 06/07/2014 à 04:21, depuis l'adresse IP 105.189.x.x. La présente page de téléchargement du fichier a été vue 779 fois.
Taille du document: 608 Ko (123 pages).
Confidentialité: fichier public




Télécharger le fichier (PDF)










Aperçu du document


‫تفصيل الخلق واألمر‬
‫في سؤال حوار األديان وتفرق المذاهب الفقهية‬

‫ابن سينا‬
‫بين‬
‫قصور المتفلسفة وافتراء المتقولة‬

‫الجزء الثاني‬
‫رشيد بلواد‬

‫المحتوى‬
‫الباب األول المذاهب الفقهية بررية منفصلة نن السماء‬
‫الفصل األول‪ :‬اتخذوا مذاهبهم وأئمتهم أربابا من دون هللا تعالى‬
‫‪ -1‬التشريع من قانون هللا تعالى في الخلق واألمر‬
‫‪ - 2‬المذهبية وأد للعقل الفقهي وحد لسريان قانون الحق‬
‫الفصل الثاني‪ :‬ال تاريخية المذاهب الفقهية أو الموات التاريخي‬
‫العقل الفقهي والعقل الحضاري‬
‫الباب الثاني المذاهب الفقهية ليست من نند هللا تعالى‬
‫الفصل األول‪ :‬حقيقة المذهبية جعل الدين عضين‬
‫الفصل الثاني‪ :‬ضالالت االختالفات المذهبية‬
‫التفاقم المعاييرى الصارخ‬
‫االختالف في تعريف الطهارة‬
‫في مبحث حكم الماء الطهور‬
‫في شروط الوضوء‬
‫فرائض الوضوء‬
‫تكبيرة اإلحرام‪ :‬الفرض الثاني في الصالة‬
‫الفرض الثالث في الصالة‪ :‬القيام‬
‫الفرض الرابع‪ :‬قراءة الفاتحة‬
‫الفرض الخامس من فرائض الصالة‪ :‬الركوع‬
‫فرائض‪ :‬السجود وشروطه‪ -‬الرفع من الركوع‪ -‬االعتدا ‪ -‬الطمأنينة‬
‫الفرض الحادي عشر‪ :‬القعود األخير‬
‫الفرض الثاني عشر‪ :‬التشهد األخير‬
‫الفرض الثالث عشر‪ :‬السالم‬
‫الفرض الرابع عشر‪ :‬ترتيب األركان‬
‫الفرض الخامس عشر‪ :‬الجلوس بين السجدتين‬
‫واجبات الصالة‬
‫سنن الصالة‬

‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪5‬‬
‫‪11‬‬
‫‪55‬‬
‫‪42‬‬
‫‪45‬‬
‫‪44‬‬
‫‪44‬‬
‫‪51‬‬
‫‪54‬‬
‫‪55‬‬
‫‪55‬‬
‫‪42‬‬
‫‪44‬‬
‫‪41‬‬
‫‪15‬‬
‫‪14‬‬
‫‪14‬‬
‫‪15‬‬
‫‪15‬‬
‫‪14‬‬
‫‪15‬‬
‫‪52‬‬

‫‪2‬‬

‫شرح بعض سنن الصالة‬
‫ خصوص المبلغ عن اإلمام (المسمع)‬‫ خصوص القراءة في الصالة‬‫ السترة‬‫ العارض في الصالة‬‫الفصل الثالث وراء المذاهب شيطان يدعو إلى االختالف والتفرق‬
‫‪ -1‬دعوة التفرق المذهبي نقيض دعوة اإلسالم‪ :‬مثا الشروط التعجيزية لالجتماع‬
‫على صالة الجمعة‬
‫‪ -2‬قصور العقو المذهبية البشرية عن التشريع في دين هللا تعالى‬
‫‪ -5‬عدم اإلحاطة والتجزيئية النمطية التقليدية المحجورة للمذاهب الفقهية‬
‫‪ -4‬السعة التشريعية المجيدة ال تنبغي إال هلل العليم الحكيم‬
‫المصادر والمراجع‬

‫‪55‬‬
‫‪55‬‬
‫‪55‬‬
‫‪54‬‬
‫‪55‬‬
‫‪102‬‬
‫‪102‬‬
‫‪104‬‬
‫‪105‬‬
‫‪112‬‬
‫‪111‬‬

‫‪3‬‬

‫الباب األول‬
‫المذاهب الفقهية بررية منفصلة نن السماء‬

‫‪4‬‬

‫الفصل األول‬
‫اتخذوا مذاهبهم وأئمتهم أربابا من دون هللا تعالى‬
‫‪ -1‬الترريع من قانون هللا تعالى في الخلق واألمر‬
‫الحمد هلل الذي به الحو والقوة‪ ،‬الهادي إلى الحق وإلى صراط مستقيم‪ ،‬والصالة والسالم على‬
‫محمد رسو هللا وخاتم النبيئين‪ ،‬أنز إليه القرآن مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه‪،‬‬
‫أما بعد؛‬
‫إذا تم لنا بحمد هللا تعالى واستوفى الوضوح للبيان حقه في كشف زيف مقولة حوار األديان‪،‬‬
‫المقولة التي ليست في حكم الشرع لمن يبصر إال سبيال عليه شيطان يدعو للكفر وإلى عذاب‬
‫السعير؛ ذلك أنهم يكذبون ويكفرون بالحقيقة الكبرى لتاريخ الكون والبشرية وقانون محور‬
‫الكتاب والنبوة‪ ،‬الذي يحيل إليه الحق سبحانه بصائر وتذكرة في قوله العلي الحكيم‪:‬‬
‫{إن ربكم هللا الذي خلق السماوات واألرض في ستة أيام ثم استوى على العرش'‬
‫يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره' أال له الخلق‬
‫واألمر' تبارك هللا رب العالمين' ادعوا ربكم تضرعا وخفية' إنه ال يحب المعتدين' وال‬
‫تفسدوا في األرض بعد إصالحها' وادعوه خوفا وطمعا' إن رحمة هللا قريب من‬
‫المحسنين' وهو الذي يرسل الرياح نشرا بين يدي رحمته' حتى إذا أقلت سحابا ثقاال‬
‫سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات' كذلك نخرج الموتى لعلكم‬
‫تذكرون' والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه' والذي خبث ال يخرج إال نكدا' كذلك‬
‫نصرف اآليات لقوم يشكرون' لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقا يا قوم اعبدوا هللا ما لكم‬
‫من إله غيره' إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم'} (األعراف‪)51..55‬‬
‫وكل ما سطرناه في هذا الكتاب وعرضنا له بشأن أو الكون وبدء الخلق‪ ،‬مجراته‬
‫ونجومه وكواكبه‪ ،‬وخلق بني آدم وعرض تاريخه‪ ،‬ومحور الرساالت والنبوة‪ ،‬كل ذلك‬
‫من نور وتالوة بالحق لهاته اآليات المحكمات‪ .‬وال شك أن القارئ اللبيب قد استشف‬

‫‪5‬‬

‫الوجه الذي أردناه من هذه المرافعة التاريخية والمعارفية‪ ،‬المرافعة والصدع بكلمة الحق‬
‫التي يدرك حجاجها وحجيتها كل إنسان ينعم بنعمة العقل والفؤاد‪ ،‬سواء كان فردا من‬
‫عامة الناس في حظه من العلم أو خاصتهم‪ ،‬مقال بنزر من التفكر أو فيلسوفا سار في‬
‫التفكر سيرا مؤصال للمشهود في العين والعقل من األشياء والحقائق إلى معين الصدور‬
‫ومشاربها األولى؛ فالمحور والقضية أساسها قانوني‪ ،‬هو المحور القانوني التي تحيل‬
‫إليه هذه اآليات لئال يبقى حجة بعد القرآن المجيد‪ .‬فقانون التفسير للتكوين المادي للكون‪،‬‬
‫وعلى افتراض أية نظرية‪ ،‬سواء نظرية االنفجار الكبير أو ما يكون من نظرية سواها‪،‬‬
‫وقانون الخلق البيولوجي إلى خلق اإلنسان‪ ،‬وقانون محور الكتاب والنبوة‪ ،‬وقانون‬
‫النفس البشرية إلى هذه اللحظة التي نقرأ فيها هذه الكلمة وكأنها دارة داللية يخترقها‬
‫وجودنا‪ ،‬واآلن الذي نحيا به ويعيشه حدثا وجوديا كل واحد منا بحو وقوته وقيوميته‬
‫عز وجل‪ ،‬كله قانون مفصل لقانون واحد‪ ،‬كما يفصل مسار الشعاع الضوئي حسب‬
‫الوسط الذي يخترقه‪ ،‬مثاال أبسط مثا على األبعاد والفضاءات الوجودية‪.‬‬
‫هذا هو الحق‪ ،‬وهو أعلى مستويات علم الكتاب‪ ،‬ومن ثمة ال تستغرب إذا قلنا وأكدنا على قولنا‬
‫بأن علماء بني إسرائيل اليوم يعلمون علم اليقين أن مقولة حوار األديان باطلة‪ ،‬ليس لها مثقا‬
‫ذرة من صدق إال الكفر‪ ،‬وإنهم ليكتمون الحق وهم يعلمون‪ .‬وما حقيقة علمائنا أو ممن لهم‬
‫ألقاب العالمية كثير منهم‪ ،‬إال الجهل المركب الفظيع‪ ،‬ركبوا تقليد تحريف آيات هللا تفسيرا‬
‫كالوسطية‪ ،‬فأصبح هذا الشعار عندهم ميسما للفقه ولالعتدا ‪ -‬وإنما الوسطية العدالة والشهود‬
‫ووسيط اإلبالغ واإلرسا ‪ -‬وال يعلمون أن بني إسرئيل أمسوا بعلم الكتاب والقرآن العظيم أعلم‬
‫منهم؛ ذلك أنهم بحقيقة التصديق والهيمنة للقرآن لما بين يديه من الكتاب أعلم‪ ،‬يعرفون أنه‬
‫الحق كما يعرفون أبناءهم‪ ،‬ويدركون حق اإلدراك بطالن مقولة حوار األديان بهذه الصيغة‪،‬‬
‫ألن قانون الوجود واحد ودين هللا واحد‪ .‬كما أن مجادلة أهل الكتاب منافية حقيقة وتركيبا لتعدد‬
‫األديان‪ ،‬ألن محورية الكتاب وجوهريته القانونية واحدة‪ ،‬وهذا هو المعنى الصحيح ال غيره‬
‫لشبه المفهوم (أهل الكتاب)؛ يقو هللا سبحانه وتعالى ومن أصدق من هللا قيال‪:‬‬
‫{يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير'‬
‫قد جاءكم من هللا نور وكتاب مبين يهدي به هللا من اتبع رضوانه سبل السالم' ويخرجهم من‬
‫الظلمات إلى النور بإذنه' ويهديهم إلى صراط مستقيم'}(المائدة‪.)11..11‬‬
‫وكذلك إذا تم لنا‪ ،‬بقدر ما وفقنا إليه‪ ،‬إذا تم التحليل التاريخي للظاهرة التفرقية الكالمية‬
‫واستجالء نشوئها وبنيتها من خال أنجع المعايير النقدية العلمية‪..‬‬

‫‪6‬‬

‫فاآلن نحن على عزم بحو هللا وقوته‪ ،‬مستبصر صوب التحمل بواجب الحق في التنبيه وتعيين‬
‫أخطر وأشر ما بد في منهاج األمة وشريعتها‪ ،‬من حدثان ومما بد من بعد رسو هللا عليه‬
‫الصالة والسالم‪ ،‬وما تقرر من ضال وباطل المذاهب الفقهية التي شاقت الحق على ما جاء‬
‫ونز من المعنى في أساس القرآن وأم الكتاب‪{:‬غير المغضوب عليهم وال‬
‫الضالين'}(الفاتحة‪.)4‬‬
‫‪.‬‬
‫‪.‬‬
‫‪.‬‬
‫نبدأ من حيث انتهى التأصيل الحقائقي‪ ،‬نبدأ من الحقيقة الوجودية الكبرى بالمعنى اإلدراكي‬
‫والعلمي‪ ،‬الحقيقة التي تلكأت الفلسفة الغربية في شقها المادي أن تقر بها‪ ،‬وتعلنها حقيقة وجب‬
‫على العقل إن أراد لنفسه العلمية التسليم بها قانونا مبدئيا‪ ،‬حقيقة الصلة بين الوجود الواعي وما‬
‫يعبر عنه بالتواجد‪ ،‬صلته بالحق‪ ،‬وسبحان هللا رب العرش الكريم‪.‬‬
‫روينا عن حذيفة بن اليمان وعن أبي ذر رضي هللا عنهما قاال‪ :‬كان رسو هللا صلى هللا عليه‬
‫وسلم إذا استيقظ قا ‪:‬‬
‫‪1‬‬
‫((الحمد هلل الذي أحيانا بعد ما أماتنا‪ ،‬وإليه النشور))‬
‫وعن أبي هريرة رضي هللا عنه عن النبي صلى هللا عليه وسلم قا ‪:‬‬
‫‪2‬‬
‫((إذا استيقظ أحدكم فليقل الحمد هلل الذي رد علي روحي وعافاني في جسدي وأذن لي بذكره))‬
‫وإن الذكر ال يكون إال بالوعي‪ ،‬أي بالعقل المفكر؛ وهذا بالذات يتجاوز حدود التأصيل‬
‫الديكارتي للوجود حيث ليس يقف غاية في إثبات الوجود‪ ،‬بل يذهب تأصيال ليصل هذا الوجود‬
‫بصفته الحدثية والكينوناتية بالعرش الكريم‪ ،‬مرجعا وسلما بالبيان لما نتلوه من الحق في قوله‬
‫تعالى العلي العظيم‪{:‬الحي القيوم}‪.‬‬
‫هذا الخط العالئقي واالرتباطي‪ ،‬وهذا الشعاع على مثل حقيقة شعاع العمق الكوني الذي مثل‬
‫سلم الصعود‪ ،‬ومطية مفتاح البناء التكويني للكون المادي‪ ،‬مجراته وهاالته‪ ،‬ونجومه وكواكبه‪،‬‬
‫والذي يوجب من المسلمات ما يوجب شرطا ال مندوحة عنه‪ ،‬محتما مسلمة الوحدة االنتظامية‬
‫القانونية‪ ،‬بمعنى التوافق الكامل لجميع القوانين الجزئية المتخذة التكوينية؛ وبلفظ أكثر سدادا‬
‫من جهة المالءمة البيانية للحق تأصيال‪ :‬وحدة الروح القانونية‪ ،‬مصدرا قانونيا ومشكاة قانونية‬
‫واحدة‪.‬‬

‫‪ 1‬رواه البخاري‬
‫‪ 2‬رواه ابن السني‬

‫‪7‬‬

‫كما أنه على نظام هذا القانون سلما للقو في بناء اإلنسان خلقة وبيئة وجودية‪ ،‬مستغرقة‬
‫الوجود كله‪ ،‬حتى آخر نقطة من نقاطه وآخر لحظة من لحظات وأنفاس وجود كل واحد منا‪،‬‬
‫كما تم تأصيله على نور العلم الحق والقرآن العظيم في السياق واآليات من سورة األعراف‪،‬‬
‫ابتداءا من حقيقة قوله تعالى‪{:‬إن ربكم الذي خلق السماوات واألرض} إلى مسار القصص‬
‫واالختراق القصصي للتاريخ الوجودي البشري‪ ،‬الممثل في قصص األنبياء عليهم السالم مع‬
‫أقوامهم‪ ،‬إلى مجا نبوة ورسالة نبينا محمد صلى هللا عليه وسلم‪ ،‬مجا طورنا وتواجدنا‪ ،‬إلى‬
‫هذه اللحظة التي نعيش ونحيا بمرتكز وجودها وكينونتها الموصولة في قيوميتها بالعرش؛ فاهلل‬
‫تعالى ذو العزة والجبروت هو الصمد الذي تصمد إليه الكائنات والخالئق جميعا‪ ،‬وهو الحي‬
‫القيوم يمسك السماوات واألرض أن تزوال‪ ،‬ال حو وال قوة إال به‪ ،‬سبحانه وتعالى ذي الجال‬
‫واإلكرام‪ ،‬رب العرش العظيم‪ .‬وهو هللا سبحانه نور السماوات واألرض؛ فأشعة الخلق واألمر‬
‫ال واسط فيها بين المخلوقات وربها الكريم‪ ،‬فاطرها ومجبلها ومشرع وجودها ودينها‪ ،‬ال ملك‬
‫مقرب وال نبي وال حبر وال عالم‪ ،‬وال اإلمام مالك وال أبو حنيفة وال غيرهما‪ .‬ومن لم يبصر‬
‫بهذا الحكم والحق المبين فيما تلونا من الهدى والقرآن العظيم‪ ،‬بأن التشريع ومذهب القانون هو‬
‫هلل الواحد الصمد‪ ،‬ال شريك له في الملك وال يشرك في حكمه أحدا‪ ،‬فإن للسياق كما للسورة‬
‫بمجملها‪ ،‬وقد أشرنا إليه من قبل‪ ،‬إن جاز أن تحدد له آية تكاد تختز المعاني كلها فهي قوله‬
‫عز وجل‪:‬‬
‫{أال له الخلق واألمر' تبارك هللا رب العالمين'}‬
‫إن هذا الحكم العلي الحكيم‪ ،‬حكم الحق ممن خلق األرض والسماوات العلى‪ ،‬رب العرش‬
‫العظيم‪ ،‬ليكفي لمن كان له قلب يعقل به‪ ،‬وكان حفيا بأن يسمع قو الحق فيتبعه‪ ،‬أن ال يشكن‬
‫في بطالن المذهبية وفساد المذهبية الفقهية المقيتة؛ وما هي لو يعلمون بفقهية‪ ،‬ولكنها تفرقة‬
‫خاطئة ضالة مضلة‪ ،‬وكيف يكون للفقه أن يدعو إلى نقيض حقيقته وإلى خالف الحق في‬
‫أخص خصائصه‪ ،‬وميزة انتظامه والوحدة القانونية ألحكامه؟ أال إنه قد أنز بالحق قوله‬
‫تعالى‪:‬‬
‫{أفال يتدبرون القرآن' ولو كان من عند غير هللا لوجدوا فيه اختالفا كثيرا'}(النساء‪)11‬‬
‫{أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون'}(آ عمران‪)45‬‬
‫فالتشريع والفقه كأصل وامتداد استنباطي لزمه عدم االختالف ضرورة وشرطا الزبا محتما‪،‬‬
‫وال يتم من بعد ذلك القو وقبو الحكم به إال بشرط الكفاية كما سيأتي بعد الحديث عنه فيما‬
‫يلي‪.‬‬

‫‪8‬‬

‫إن خاصة عدم اختالف الحق في قوانينه‪ ،‬والوحدة القانونية المنتظمة ألحكامه‪ ،‬تطرح بشكل‬
‫جدي وملفت سؤا المصداقية والمشروعية بالنسبة ألقوا عدة‪ ،‬وأحكام كثيرة منسوبة‬
‫للمذاهب هاته المسماة فقهية؛ لكن ما يلبث العجب أن يزو حين نولي وجوهنا ونتفحص الجهة‬
‫المقابلة لمسار األمة في االستخالف التاريخي‪ .‬فلئن كان المسلمون في قرون خلت قد بلغوا في‬
‫عمارة األرض شأوا عظيما‪ ،‬وسبقوا غيرهم من األمم في مضمار العلوم البحتة والطبيعية على‬
‫أعلى إمكان مستويات التوافق التاريخي للعقل والتفكير اإلنساني‪ ،‬فإنهم اليوم يا للحسرة معطل‬
‫تواجدهم موءودة عقولهم‪ ،‬عالة على غيرهم‪ ،‬يلبسون ما ال يصنعون ويركبون‪ ،‬رضوا بأن‬
‫يكونوا مع التابعين لعدوهم مستذلين‪ ،‬حقيقة دويالتهم الطوائفية أهل ذمة يتكفل األمريكيون‬
‫واليهود والنصارى بأمنهم‪ ،‬ويحجرون على ركازهم وأموالهم؛ فاهلل المستعان والواقع ال‬
‫يرتفع؛ وهو الحق شاخص إال من أعماه الدجل واتبع أعداء األمة في خيانتهم الكبرى وغيهم‬
‫وضاللهم؛ يحسبون األمر للقوة األرضية وقد خلت من قبلهم األمم‪ ،‬ولينصرن هللا من ينصره؛‬
‫إذا جاء أمره ال يؤخر‪ ،‬و إن هللا بالغ أمره‪ ،‬إنه قوي عزيز؛ يقو سبحانه وتعالى‪:‬‬
‫{يا أيها الذين آمنوا ال تتخذوا اليهود والنصارى أولياء' بعضهم أولياء بعض' ومن يتولهم منكم‬
‫فإنه منهم' إن هللا ال يهدي القوم الظالمين' فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون‬
‫نخشى أن تصيبنا دائرة' فعسى هللا أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في‬
‫أنفسهم نادمين'}(المائدة‪.)54-55‬‬
‫إن هذا التخلف لشرط المالءمة التاريخية‪ ،‬لهو حاسم حكما عند الراسخين في العلم بالنظر للبعد‬
‫المقاصدي للشريعة‪ ،‬على زيف ادعاء الكفاء والتمثيلية التشريعية لما يدعى بالمذاهب الفقهية‪،‬‬
‫وأنها ليست في حقيقة أمرها إال واقع التبديل لما أنز من الكتاب من بعد ما جاءتهم البينات من‬
‫ربهم؛ يقو هللا تعالى محذرا هذه األمة من أن تحذو حذو المشركين وتضل ضال األمم من‬
‫قبلها‪:‬‬
‫{وال تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا' كل حزب بما لديهم‬
‫فرحون'}(الروم‪)51-50‬‬
‫{إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء' إنما أمرهم إلى هللا' ثم ينبئهم بما كانوا‬
‫يفعلون'}(األنعام‪)110‬‬
‫يقو اإلمام محمد بن علي الشوكاني رحمه هللا‪:‬‬

‫‪9‬‬

‫< ‪ ..‬فهل تزعمون أن رسو هللا صلى هللا عليه وآله وسلم قا عليكم بسنة أبي حنيفة ومالك‬
‫‪3‬‬
‫والشافعي وابن حنبل حتى يتم لكم ما تريدون؟ ‪>..‬‬
‫والنتيجة الثانية من بعد أمر تفرق الدين بتلبيس المذاهب واستدراج الشيطان ومكره هي‬
‫المخالفة لسعة وامتداد سريان الحق وكتاب هللا سبحانه وأمره المجيد‪ .‬وهي مخالفة تؤو إلى‬
‫خطب جلل وأمر عظيم‪ ،‬هو التوقيف الفعلي لشريعة الكتاب المنز أمرا من عند هللا العزيز‬
‫الحكيم‪ ،‬يسع العالمين إلى يوم الدين‪ ،‬بالرغم مما يدعونه ويزعمونه ويحسبون أنهم على شيء؛‬
‫فالمذهبية بالمنطق الصارم والحق الذي تقوم عليه السماء واألرض إنما تعني سلب عامل‬
‫السريان المطلق المجيد‪ ،‬أي وجود حد حتمي قريب إلمكان وشرط االجتهاد‪ .‬يقو األستاذ‬
‫محمد محجوبي‪:‬‬
‫<ومن نتائج التعصب المذهبي أن انتشرت ظاهرة االلتزام الكامل بمذهب معين دون الخروج‬
‫عنه إلى مذهب آخر‪ ،‬وباألحرى استنباط األحكام الشرعية من األدلة التفصيلية مباشرة‪ ،‬وإال‬
‫‪4‬‬
‫اعتبر ذلك من أنواع االنحراف والخروج عن الجماعة>‬
‫واألنكى من ذلك كله مما يحق القو به بسنة هللا تعالى التي ال تتبد وال تتحو كنتيجة حتمية‬
‫لحصر امتداد سريان الحق هو تعطيل العقل الحضاري واالستخالفي‪ ،‬مما يعني الخروج للفرد‬
‫والمؤسسات االجتماعية والعمرانية من المسار القانوني للكون وللتاريخ‪ .‬وههنا نرى موضعا‬
‫مسددا للقو العلمي ومقا د‪ .‬ريتا فرج الكاتبة والباحثة اللبنانية بعنوان (اإلسالم والحداثة‬
‫والواقع المأزوم)‪ 5‬الذي ننقل منه شطره األو وجاء فيه‪:‬‬
‫<هل اإلسالم في أزمة؟هل النصوصية تتجاوز أسئلة الواقع؟ ما معنى أن يتحو اإلسالم‬
‫التاريخي إلى نص مقدس؟ ما هي حدود الشراكة العلمية بين الدين والعلم؟ ولماذا ينظر إلى‬
‫اإلسالم من قبل بعض الدوائر الغربية كونه غير قابل إلحداث التحوالت الكبرى كما جرى مع‬
‫المسيحية الغربية؟ وما معنى هذا الحضور الكثيف للتيارات اإلسالموية في األزمنة الراهنة؟‬
‫أال يمكن المواءمة بين الحداثة واإلسالم المصدري؟‬
‫إشكاليات متشابكة يمكن طرحها والبناء عليها‪ .‬ولعل المعطى األبرز الجامع لها يتجلى في‬
‫الشراكة بين اإلسالم والحداثة‪ .‬وإذا ما قاربنا إرهاصات التحديث في العالم العربي سياسيا‬
‫وثقافيا ومجتمعيا لوجدنا حراكا بطيئا لم يصل حتى اللحظة إلى درجة الثورة على التقليد‬
‫‪ 3‬انظر مفهوم الحكمة والمنهاج في الجزء األو من تذكرة العلماء في الربانية والمنهاج‬
‫‪ 4‬محمد محجوبي‪ :‬مدخل لدراسة الفقه اإلسالمي‪ -‬طبع ونشر وزارة األوقاف والشؤون اإلسالمية بالمملكة المغربية ‪ -1552‬ص‪245‬‬
‫‪ 5‬القدس العربي‪ -‬العدد ‪2010\1\14 -1551‬‬

‫‪10‬‬

‫والتنصيص‪ ،‬كالذي وقع في أوروبا إبان الثورة الفرنسية وبعدها‪ ،‬ولكنه يخفي في بنيته‬
‫مؤشرات مرتقبة سيطا أمدها لإلجابة عن واقع مأزوم وصل إلى طريق مسدود بفعل عوامل‬
‫تاريخية مختلفة لم يقدم الجواب الديني حلوال لها‪ .‬واالنسداد الالهوتي الراهن‪ ،‬إذا جاز التعبير‪،‬‬
‫ال يرتبط بالنص اإلسالمي فقط؛ فالمجتمعات حين تدخل في حالة من االستالب المعرفي‬
‫والعلمي والسياسي‪ ،‬تعكس مأزقها على الدين وبالعكس‪ ،‬وإال كيف يمكن تفسير ما توصلت إليه‬
‫الحضارة اإلسالمية عشية ألقها زمن العباسيين؟ وكيف يمكن قراءة حركة االجتهاد ما قبل هذه‬
‫المرحلة وخاللها؟‬
‫واليوم حين نسأ عن المواءمة بين اإلسالم والحداثة‪ ،‬بعد أن خلص عميد المستشرقين برناند‬
‫لويس في أطروحته الشهيرة(اإلسالم في أزمة)‪ ،‬ال ينطلق تساؤلنا من أسس واهية‪ ،‬فالمجا‬
‫العربي اإلسالمي يشهد حاالت من التذرير والتفكيك ال تقل خطورة عن عجز النصوص‬
‫الفقهية في محاكاة التغيير>‬
‫هذا ال شك ما يمثل شرط العقل االجتهادي‪ ،‬وأمكن أن نسميه للتدليل على حقيقته الجوهرية‬
‫الخطيرة والعظمى بالعقل التاريخي؛ ثم ليكون الربط على واقع ما هو في الحا بالمكون‬
‫السياسي هذا مما جاء في النصف الثاني من المقا السديد الثاقب‪:‬‬
‫<التجربة التركية‪ ،‬مع حزب العدالة والتنمية تمثل الفيصل؛ فهي تجربة راشدة تبرهن على أن‬
‫العجز ال يتعلق بالنص القرآني‪ ،‬وإنما يرتبط مباشرة بالواقع المأزوم‪ ،‬خصوصا في العالم‬
‫العربي؛ وإال كيف نشرح فشل الحركات اإلسالمية وعلى رأسها اإلخوانية المصرية في‬
‫صياغة طروحات حداثوية؟‬
‫األزمة عندنا أزمة بنيوية يطا تأثيرها االجتماع والسياسة واالقتصاد والثقافة‪ ،‬وال يمكننا في‬
‫هذا المجا أن نغفل قدرة األنظمة العربية السلطانية على عرقلة مطالب التحديث‪ ،‬التي‬
‫أصبحت في األزمنة المعاصرة حاجة ضرورية يفرضها القلق النهضوي في محيط عربي غير‬
‫قادر على استنهاض معاركه التنموية والعلمية>‬
‫بالطبع البد أن نتوقف هنا بقصد تحديد أمرين‪ ،‬أولهما أن معنى الحداثة مواءمة وانتظاما مع‬
‫مادة المقا ومنحاه التفكيري هو بمعنى التحديث‪ ،‬أي الحداثة المقابل للقدامة‪ .‬أما األمر الثاني‬
‫فلعله أكبر من أن يقرر ولو إشارة بهذه السطحية‪ ،‬نريد بالطبع سؤا بل وحقيقة فشل أو عدم‬
‫الفشل حقيقة للجهد اإلخواني‪ .‬هذا من جهة تحديد مستويات وأبعاد التأثير التي قد ال تتجلى إال‬
‫بمقاربات أكثر علمية وتحليال‪ ،‬كذلك من حيث تداخل العوامل المعاكسة للسير التاريخي‬
‫الطبيعي التي يبقى فيها عامل األنظمة الداخلية الحاكمة دون القوة الوهمية التي تعطى لها‪،‬‬

‫‪11‬‬

‫والتي من المؤكد أنها دون قوة العامل التاريخي االجتماعي‪ ،‬الذي من المفترض أن ينجلي في‬
‫مفكريه الحقيقيين التاريخيين‪.‬‬
‫هكذا أوهنا بالذات تكمن عالقة اإلشكا الفقهي بالسياسي‪ .‬وبه نلفي تفسيرا واضحا ونافلة من‬
‫القو لما ذهبنا إليه في بناء وتحليل ظاهرة التفرق بمختلف مشاربه وصبغاته‪ ،‬وفي ارتباطه‬
‫وكذا تعليله بالتكتالت العصبية وسواها من التكتالت‪ .‬يقو األستاذ محجوبي‪:‬‬
‫<أما في عصر التعصب المذهبي فإن الوالة والحكام أنفسهم لم يكونوا يختارون لتولي القضاء‬
‫إال من تمذهب بمذهبهم الفقهي الذي يرتاحون إليه ويعتقدون أنه المذهب المفضل على غيره‬
‫من سائر المذاهب األخرى‪ ،‬مما شجع على اهتمام الفقهاء بمذهب واحد بحسب البلد الذي هم‬
‫‪6‬‬
‫فيه>‬
‫فيكفي إذا دخو هذه النسبية العاملية في كينونة وقيام المذهبية‪ ،‬نسبية ليست من الحق في‬
‫شيء‪ ،‬للحسم في حكم ردها ونبذها‪ ،‬وذلك بالقوة االعتبارية والتقديرية للموضوع وخطره‬
‫وشأنه‪.‬‬
‫وكما أشرنا إليه‪ ،‬يعلل الفقيه القرطبي المشهور‪ ،‬فقيه المسلمين الكبير رحمه هللا‪ ،‬يعلل ابن حزم‬
‫انتشار كل مذهب من المذاهب الفقهية بتقريب األمراء لفقهاء هذا المذهب ويقو ‪:‬‬
‫< مذهبان انتشرا في بدء أمرهما بالرياسة والسلطان مذهب أبي حنيفة في المشرق‪ ،‬فإنه لما‬
‫ولي قضاء القضاة أبو يوسف كان القضاة من قبله‪ ،‬فكان ال يولي قضاء البالد من أقصى‬
‫المشرق إلى أقصى أعما إفريقيا إال أصحابه والمنتمين إلى مذهبه‪ .‬ومذهب مالك بن أنس‬
‫عندنا‪ ،‬فإن يحيى بن يحيى كان مكينا من السلطان مقبو القو في القضاة‪ ،‬فكان ال يلي قاض‬
‫من أقطارنا إال بمشورته واختياره‪ ،‬وال يشير إال بأصحابه ومن كان على مذهبه‪ ،‬والناس‬
‫سراع إلى الدنيا والرياسة فأقبلوا على ما يرجون بلوغ أغراضهم به>‪-‬الحميدي‪-‬جذوة‬
‫‪7‬‬
‫المقتبس‪-‬ص‪>-511‬‬
‫وطبعا فقد تم البيان واستوفى بخصوص هذه العالقة التكوينية للتفرق الموهن أهله‪ ،‬عالقته‬
‫بالعوامل التكتلية التي ال أساس لها من الحق تقوم عليه‪ ،‬وذلك في تفسيرنا وتطرقنا للتفرقين أو‬
‫النوعين األولين من التفرق‪.‬‬
‫كما أن الجدلية في العالقة بين الشيع السياسية وفتاوى معينة لها قيمة مؤشراتية وبيانية لهذه‬
‫العالقة في كينونتها وطبيعتها المقاصدية التي تبقى مرجوحة ألن تعتبر مقاصد شرعية‪ .‬وعلى‬
‫‪ 6‬محمد محجوبي‪ :‬مدخل لدراسة الفقه اإلسالمي‪ -‬ص‪245‬‬
‫‪ 7‬دراسات في تاريخ األندلس وحضارتها من الفتح حتى الخالفة‪ -‬أحمد بدر‪ -‬ط‪ -2‬ص‪141‬‬

‫‪12‬‬

‫أي فإن التأثير البيني المنعكس بين الوظيفة الحقة والتكتالت األرضية‪ ،‬أي التأثير ما بين الديني‬
‫والسياسي‪ ،‬على معنى القاموس المتداو المبتسر‪ ،‬إذ الوجود مطلقه ديني‪ ،‬هذا التأثير متضمن‬
‫بيانيا في ما تلونا قبل حين من آيات القرآن المجيد المسطرة على عالقة تفرق الدين بالتشيع‪،‬‬
‫أي التفرق التكتالتي‪ .‬وليس يعدم المتفحص على اختالف درجات الدراسة ومستويات النظر‬
‫من كم هائل واف من الوضوح واإلثبات لهذا االرتباط العضوي السياسي االجتماعي‪ ،‬الذي‬
‫غالبا ما تأتي مقولة (الشعوب على دين ملوكها) لإلعراب والتعبير عنه‪ .‬غير أن األمر الواجب‬
‫ذكره واستحضاره حيثما لزم محاجة دعاة ربوبية البشر وعبوديتهم‪ ،‬وهم يزعمون ملبسين‬
‫االقتداء بالعلماء أئمة ورثة األنبياء‪ ،‬هو معنى الربانية وشرطها المتمثل في الجمع بين الحكمة‬
‫واألصو بما نز من الحق والعلم المبين في قوله عز وجل‪{:‬ولكن كونوا ربانيين بما كنتم‬
‫تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون'}(آ عمران‪ )41‬مما تناولنا إطاره الفقهي في الجزء األو‬
‫من المنهاج‪ ،‬ضمن النظمة المفاهيمية للسنة واالتباع والنمطية والربانية‪.‬‬
‫ولو ذهبنا في مطلق البيان وحكم العلم بغية تسوير الموضوع في جوانب تحديده وحقيقته‪ ،‬لقلنا‬
‫بأن كل ما يناقض ويخالف خاصة المجد في الحق من حيث مجا سريانه‪ ،‬والقرآن مجيد‬
‫ومبارك كما مجا رسالته صلى هللا عليه وسلم إلى يوم الدين‪ ،‬فكل ما يخالفها ويناقض أحادية‬
‫المشكاة القانونية والتشريعية‪ ،‬ووحدة األمة وتكتلها الموحد على صبغة الحق‪ ،‬ال على ما دونها‬
‫وما سواها‪ ،‬من عصبية أو قومية أو قطرية جاهلية معتبرة غاية ومستقرا لذاتها‪ ،‬كل ذلك‬
‫باطل‪ ،‬وإنها ال تعمى األبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور‪ .‬وإن أيا وكال من يدعو‬
‫إلى ذلك بأي حا كان وادعاء‪ ،‬فحقيقته شيئية يسخرها الباطل كيف يشاء‪ .‬وكذلك كان فيمن‬
‫قبلنا من اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون هللا‪ ،‬ضلوا وأضلوا كثيرا وضلوا جميعا عن‬
‫سواء السبيل‪ ،‬ملبسين أمرهم على الناس يدعون الحق واالقتداء بالعلماء ورثة األنبياء‪ ،‬وهم‬
‫يعلمون تلبيسهم الحق بالباطل وكذب دعواهم وكذب ما يزعمون‪.‬‬
‫هذا الشرط الرباني‪ ،‬وهو ضمن آية المنهاج من سورة آ عمران‪ ،‬هو شرط الكفاية؛ والشرط‬
‫الضروري الذي يسبقه الذي اعتبرناه في عدم االختالف التوافقي مع األصو ومع الحق‪ ،‬لن‬
‫يكون منتجا عنه حتما التحديد الحل للسؤا أو النازلة الفقهية‪ .‬فكل حقائق المجا والحق ال‬
‫تناقض بينهما‪ ،‬وال تختلف مع المجا ككل؛ لكنها ال تبقى كذلك في متعلقها ومناطات مقوالتها‬
‫وقيمها‪ .‬وبناء عليه يتنز شرط الحكمة للتوافق الكامل مع الحق على تبع مناطاته بإمكاناتها‬
‫الالمعدودة والالمحدودة‪ ،‬حيث مجالها هو مجا التواجد واالستخالف‪ ،‬مجا العبادة الكلي‪.‬‬
‫فكما سلف في الجزء األو من المنهاج‪ ،‬وتم تأكيده في غيره من المواضع فها هنا بؤرة‬

‫‪13‬‬

‫اإلشكا ‪ .‬فبالنسبة لهذا الوصف الحقائقي وموافقته للحق وتطابقه مع الواقع‪ ،‬فالحكم فيه موحد‬
‫على الخط العلمي البين البارز‪ :‬ابن عباس والبخاري والعسقالني‪ ،‬خط ذي مرجع قوي‬
‫موصو بواثق العلم وعروته الوثقى‪ ،‬اآلية من سورة آ عمران التي أمكن إن أمكن وجاز‬
‫تسميتها بآية المنهاج‪.‬‬
‫وإذا تقرر هذا‪ ،‬وأبصرنا بهذه الحقيقة المحورية الكبرى في منهاج االستخالف‪ ،‬فال يبقى شأن‬
‫التحقيق وتفعيله إال في تعيين مكونات هذين الشرطين معا‪ ،‬شرطي ومكوني الربانية‪ ،‬اآللية‬
‫المنهاجية للفقه والتشريع وإنزا أمر هللا تعالى بالحق؛ وبتعبير واضح مبسط يكون السؤا ‪ :‬ما‬
‫هو اإلطار الضوابطي لعملية استنباط قو الحق وحكمه في مجا االستخالف‪ ،‬مجا االمتداد‬
‫التواجدي؟‬
‫إن البيان األولي لتحقيق االمتداد وعملية التنزيل واالستنباط نجعله أو نراه ممثال في األثرين‬
‫المحفوظين‪ ،‬األو المقترن ببعثه صلى هللا عليه وسلم معاذا بن جبل رضي هللا عنه إلى اليمن؛‬
‫هذا األثر يد على مكونية االجتهاد وعلى إطاره العملي‪ .‬والثاني رسالة أمير المؤمنين وخليفة‬
‫رسو هللا صلى هللا عليه وسلم عمر بن الخطاب رضي هللا عنه إلى قاضيه أبي موسى‬
‫األشعري رضي هللا عنه التي نصها‪:‬‬
‫<بسم هللا الرحمان الرحيم‪ ،‬من عبد هللا عمر بن الخطاب إلى عبد هللا بن قيس‪ ،‬سالم عليك‪.‬‬
‫أما بعد؛ فإن القضاء فريضة محكمة‪ ،‬وسنة متبعة‪ ،‬فافهم إذا أدلي إليك‪ ،‬ال ينفع تكلم بحق ال نفاذ‬
‫له‪ ،‬وآس بين الناس في وجهك ومجلسك وعدلك حتى ال ييأس الضعيف من عدلك وال يطمع‬
‫الشريف في حيفك‪.‬‬
‫البينة على من ادعى واليمين على من أنكر‪ ،‬والصلح جائز بين المسلمين إال صلحا أحل حراما‬
‫أو حرم حالال‪ .‬ال يمنعك قضاء قضيته باألمس راجعت فيه نفسك وهديت فيه لرشدك أن تراجع‬
‫الحق؛ فإن الحق قديم‪ ،‬وإن الحق ال يبطله شيء‪ ،‬ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل‪.‬‬
‫الفهم الفهم فيما يختلج في صدرك مما لم يبلغك في الكتاب أو السنة‪ .‬اعرف األمثا واألشباه ثم‬
‫قس األمور عند ذلك؛ فاعمد إلى أحبها عند هللا وأشبهها بالحق فيما ترى‪ .‬واجعل للمدعي أمدا‬
‫ينتهي إليه؛ فإن أحضر بينة أخذ بحقه‪ ،‬وإال وجهت القضاء عليه؛ فإن ذلك أجلى للعمى وأبلغ‬
‫في العذر‪.‬‬
‫المسلمون عدو بعضهم على بعض إال مجلودا في حد أو مجربا في شهادة زور‪ ،‬أو ظنينا في‬
‫والء أو قرابة‪.‬‬

‫‪14‬‬

‫إن هللا تولى منكم السرائر وأدرأ عليكم بالبينات‪ ،‬وإياك والقلق والضجر والتأذي بالناس‬
‫والتنكر للخصوم في مواطن الحق التي يوجب هللا بها األجر ويحسن بها الذخر؛ فإنه من يصلح‬
‫نيته فيما بينه وبين هللا ولو على نفسه يكفه هللا ما بينه وبين الناس‪ ،‬ومن تزين للناس بما يعلم هللا‬
‫منه غير ذلك يشنه هللا؛ فما ظنك بثواب عند هللا في عاجل رزقه وخزائن رحمته‪ ،‬والسالم‬
‫‪8‬‬
‫عليك>‬
‫هذه الرسالة هي بمثابة نص قانوني إطار‪ ،‬إطار جامع مانع في ضوابط االستنباط والمعايير‬
‫المنجزة المتداد الحق‪ .‬والمكونات الداللية للنص تمثيلها بين جلي كالتالي‪:‬‬
‫شرط عدم االختالف يمثله‪(:‬إال صلحا أحل حراما أو حرم حالال)‬
‫والتوافق مع النازلة يمثله‪(:‬الفهم الفهم‪...‬إلى قوله‪ :‬وأشبهها بالحق فيما ترى)‬
‫والمعايير التأطيرية كأحكام مرتبطة بإطار اإلعما والحكم من اعتبار للبيئة االجتماعية‬
‫وأحكامها الشرعية واألخالقية العامة‪ ،‬كل ذلك ضمن الواصل الجامع بين الحكمة والدراسة‬
‫الممثل في شرط الربانية‪ .‬لكن التأصيل للموضوع في كليته وصلب حقيقته وماهيته‪ ،‬وبصفة‬
‫أساس وأخص نسبة درجته في الحق‪ ،‬تأصيل امتداد الحق المنوط تكليفا بالعبد علما مستنبطا‬
‫وتعيينا عمليا هو ما لزم إبرازه هنا مما يمثله ويد عليه قوله‪(:‬ال يمنعك قضاء قضيته‪ ...‬إلى‬
‫قوله خير من التمادي في الباطل)‬
‫فهذا هو المؤطر لقدر الحكم ونسبة القو اإلنساني مهما كان هذا اإلنسان في نفسه أو عند‬
‫الناس‪ .‬إن الحق قديم وبه تم الخلق وقامت السماوات واألرض‪ ،‬وإن مشكاته هي ذات مشكاة‬
‫رساالت الحق وكتبه سبحانه وتعالى إلى خلقه من بني آدم على مسار التاريخ ومساحة وجود‬
‫البشر على األرض كما هو في سياق سورة األعراف في قوله عز وجل‪{:‬ولقد جئناهم بكتاب‬
‫فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون'}(األعراف‪ )51‬حيث الضمير في (جئناهم) يعود‬
‫على بني آدم في األرض ومسار التاريخ جميعا‪.‬‬
‫وهذا اإلنسان كيفما اعتبر وجب عليه العمل بإمكان الرجوع في قضاء قضاه باألمس‪ ،‬وهو أمر‬
‫يوجبه الحق ويلزمه‪ .‬فانظر وقاني هللا وإياك إلى ما يؤو إليه استبدا أحكام وأقوا صرف‬
‫مذهبية منسوبة إلى رجا من الناس‪ ،‬وهي أحكام ال تخرج عن أسر شروطها التعيينية‬
‫والتحيينية محددة بها كأحكام قانونية‪ ،‬استبدالها بما هو من المشكاة المجيدة في قانون وتشريع‬
‫الخليقة إلى يوم الدين‪ ،‬بما نز من السماء في الكتاب وتم تبيانه بنبوته صلى هللا عليه وسلم‪،‬‬
‫توثيق وتحقيق ودراسة ألحمد سحنون‪ -‬ص‪ -515‬طبع ونشر وزارة األوقاف والشؤون اإلسالمية‪ -1552 -‬محمد محجوبي‪-‬‬
‫‪8‬ص‪245‬‬

‫‪15‬‬

‫مشكاة قانونا ونورا مجيدا منفتحا‪ ،‬من لدن حكيم خبير يعلم ما كان وما هو كائن وما سيكون‬
‫إلى يوم الدين؛ فماذا بعد الحق إال الضال ‪..‬‬
‫إن الحق قديم‪ ،‬وهذا هو المبدأ الثابت والقانون العروة؛ كل قوانين األمر والخلق في الكون مما‬
‫موضوعه العلوم تجليات له وتفصيل؛ هو الذي حملنا عليه هذا البناء من علم الحق في هذا‬
‫الكتاب‪ ،‬قانون الكون المشهود وقانون الكتاب قرآنا منزال وتشريعا قانون واحد‪ ،‬وهذا هو دليل‬
‫الحسم في بطالن وباطل األرباب المذاهبية‪ ،‬المنسوبة والموسومة بأسماء علماء ورجا‬
‫صالحين برءاء من هذه المذاهب‪ ،‬التي لم تنشأ إال من بعدهم كدأب قوم نوح في صالحيهم‪ ،‬ود‬
‫وسواع ويغوث ويعوق ونسر‪ ،‬وزيغهم عن الحق وضاللهم‪.‬‬
‫<وقد فارق ابن القاسم الذي رويت عنه المدونة مالكا في حياته وتوطن مصر كما هو مبسوط‬
‫في كتب التاريخ‪ ،‬ويد على ذلك قو سحنون راويها‪ :‬كنت عند ابن القاسم وأجوبة مالك ترد‬
‫عليه‪ ،‬فقا لي ما يمنعك من السماع منه؟ قلت‪ :‬قلة الدراهم‪ .‬وروي عنه أنه قا ‪ :‬قبح هللا الفقر‪،‬‬
‫أدركنا مالكا وقرأنا على ابن القاسم‪ .‬وسحنون وصل إلى ابن القاسم سنة ثمان وسبعين ومائة‬
‫وهو ابن ثمان عشرة سنة‪ ،‬وتوفي مالك رضي هللا عنه في ربيع األو سنة تسع وتسعين‬
‫‪9‬‬
‫مائة‪>.‬‬
‫وكذلك باطل ترسيخ المذهبية تقليدا‪ ،‬فإنها حجة واهية كما نتلوه في حجة هللا البالغة والقرآن‬
‫المجيد‪{:‬ولقد آتينا إبراهيم رشده وكنا به عالمين' إذ قا ألبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم‬
‫لها عاكفون' قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين'}(األنبياء‪)55..51‬‬
‫يقو عفيف عبد الفتاح طبارة بخصوص هذا التعليل الباطل‪:‬‬
‫<كان تعليل هؤالء القوم لعبادتهم األصنام هو أنهم وجدوا آباءهم عابدين لها فاقتدوا بهم‪.‬‬
‫هذه هي الحجة الواهية التي يبرزها المفسدون في وجوه المصلحين في كل زمان‪ ،‬وما أوهاها‬
‫‪10‬‬
‫من حجة يعطلون بها عقولهم ويصبحون منقادين لسلفهم كالبهائم‪>.‬‬
‫وإنه يكفي استدالال بما نز من الحق لمن ابتغى الهدى وتحرى الحق في أحادية ناموس الخلق‬
‫واألمر‪ ،‬حجة داحضة لمن قا وجدنا آباءنا على مذهب فنحن على آثارهم مقتدون‪ ،‬كما كان‬
‫حجة داحضة لمن قا بحوار األديان‪ ،‬أن نتلو قوله تعالى مؤمنين به‪:‬‬
‫{أال له الخلق واألمر'}(األعراف‪)55‬‬
‫محمد بن أبي مدين الشنقيطي‪ :‬الصوارم واألسنة في الذب عن السنة‪-‬ص‪-52‬ط‪1555-2‬ه‪1545-‬م‪-‬وزارة األوقاف والشؤون‬
‫‪9‬اإلسالمية بالمغرب‬
‫‪ 10‬مع األنبياء في القرآن الكريم‪ -‬عفيف عبد الفتاح طبارة‪-‬فصل 'إبراهيم وعبادة األصنام'‪-‬ص‪-101‬ط‪-14‬دار العلم للماليين‪ -‬بيروت‬

‫‪16‬‬

‫{شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى‬
‫وعيسى أن أقيموا الدين وال تتفرقوا فيه'}(الشورى‪)11‬‬
‫وهذا قوله سبحانه وتعالى أتى على الذي أحسن بيانا في وحدة ناموس الطبيعة والشريعة‪:‬‬
‫{إن ربكم هللا الذي خلق السماوات واألرض في ستة أيام ثم استوى على العرش' يدبر األمر'‬
‫ما من شفيع إال من بعد إذنه' ذلكم هللا ربكم' فاعبدوه' أفال تذكرون'}(يونس‪)5‬‬
‫وقوله سبحانه‪:‬‬
‫{ألمر' تلك آيات الكتاب' والذي أنز إليك من ربك الحق' ولكن أكثر الناس ال يؤمنون' هللا الذي‬
‫رفع السماوات بغير عمد' ترونها' ثم استوى على العرش' وسخر الشمس والقمر' كل يجري‬
‫ألجل مسمى' يدبر األمر' يفصل اآليات لعلكم بلقاء ربكم توقنون'}(الرعد‪.)2-1‬‬
‫وكذلك على هذه الحقيقة السابقة للحقائق أمرا مسلما بها واآلية العلمية معلم الحق في العلوم‬
‫كلها تم على بصيرة وبرهان من الحق دحض المعنى الخاطئ للربوبية في مقولة التقسيم‬
‫الجائرة الفاصلة بغير الحق فصال غير جائز للربوبية عن األلوهية‪.11‬‬
‫وإيجاز التذكرة بهذه الحقيقة المنتظمة ألمر الخلق والتشريع‪ ،‬قانونا واحدا نصا وإحالة‪ ،‬نذارة‬
‫بالغة‪ ،‬هذا قو هللا تعالى فيه لمن ألقى السمع وهو شهيد‪:‬‬
‫{حم' تنزيل الكتاب من هللا العزيز الحكيم' ما خلقنا السماوات واألرض وما بينهما إال بالحق‬
‫وأجل مسمى' والذين كفروا عما أنذروا معرضون'}(األحقاف‪)2-1‬‬
‫{وبالحق أنزلناه' وبالحق نز '}(اإلسراء‪)105‬‬
‫بناء عليه لو سعينا في تمثيل ووضع قضية المذاهب الفقهية المضلة أهلها على حذو من قبلهم‪،‬‬
‫فرقوا دينهم وكانوا شيعا‪ ،‬موضعها على نسبة الحق والصراط المستقيم‪ ،‬فأمره جلي ساطع‬
‫برهانه وحاسم دليله من خال العالقة التأصيلية لهذا االرتباط واألحادية القانونية الممثلة كما‬
‫يلي‪:‬‬

‫‪ 11‬انظر الجزء األو من تذكرة العلماء في الربانية والمنهاج‬

‫‪17‬‬

‫قانون الوجود‬
‫الحق‪-‬‬‫قانون الخلق‬

‫قانون الشرع‬

‫من هنا يتبين لنا أن عمل الفقيه هو الدراسة وبذ الجهد في تحديد تقاطع القانون مع المجا‬
‫التواجدي‪ .‬وجلي أن الطبيعة مجا عمل العالم الطبيعي والتواجد الحياتي ونوازله إذا لم يكن‬
‫فيها حكم أصل‪ ،‬فهذا من عمل ووظيفة الفقيه والعالم الرباني‪ ،‬العالم باألصو والمستنبط‬
‫المحقق بالحكمة‪ .‬وهذا التعريف أدق تحديدا وانطباقا لغيره من التعاريف التي ال تخرج عن‬
‫تعريف الفارابي رحمه هللا تعالى كون <صناعة الفقه – هي التي بها يقتدر اإلنسان على أن‬
‫يستنبط تقدير شيء مما لم يصرح واضع الشريعة بتحديده على األشياء التي صرح فيها‬
‫بالتحديد والتقدير‪ ،‬وأن يتحرى حسب غرض واضع الشريعة بالعلة التي شرعها في األمة لها‬
‫شرع>‪ 12‬وكما قا ابن خلدون رحمه هللا تعالى‪< :‬الفقه معرفة أحكام هللا تعالى في أفعا‬
‫المكلفين بالوجوب والجذر والندب والكراهة واإلباحة‪ .‬وهي متلقاة من الكتاب والسنة وما نصه‬
‫‪13‬‬
‫الشارع لمعرفتها من األدلة‪ ،‬فإذا استخرجت األحكام من تلك األدلة قيل لها فقه>‬
‫‪ - 2‬المذهبية وأد للعقل الفقهي وحد لسريان قانون الحق‬
‫هذا وإذا كان للعالم وللعلم فضل عظيم ومزية تفضل كل المزايا مما جاء تقريره وعلمه في‬
‫حديث رسو هللا صلى هللا عليه وسلم‪:‬‬
‫((من سلك طريقا يطلب فيه علما سلك هللا به طريقا من طرق الجنة‪ .‬وإن المالئكة لتضع‬
‫أجنحتها رضى لطالب العلم‪ .‬وإن العالم يستغفر له من في السماوات ومن في األرض والحيتان‬
‫‪ 12‬أبو نصر الفارابي‪ :‬إحصاء العلوم‪ -‬ص‪ -15‬قدم له وشرحه وبوبه الدكتور علي بوم لحم‪ -‬دار ومكتبة الهال ‪-‬ط‪1551-1‬‬
‫‪ 13‬نفس المصدر‪ -‬أسفل نفس ص‪.‬‬

‫‪18‬‬

‫في جوف الماء‪ ،‬وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب‪ .‬وإن‬
‫العلماء ورثة األنبياء‪ ،‬وإن األنبياء لم يورثوا دينارا وال درهما‪ ،‬وإنما ورثوا العلم‪ ،‬فمن أخذه‬
‫‪14‬‬
‫أخذ بحظ وافر))‬
‫وعن أبي أمامة الباهلي رضي هللا عنه قا ‪:‬‬
‫((ذكر لرسو هللا صلى هللا عليه وسلم رجالن أحدهما عابد واآلخر عالم‪ ،‬فقا رسو هللا‬
‫صلى هللا عليه وسلم‪:‬‬
‫فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم‪ .‬ثم قا رسو هللا صلى هللا عليه وسلم‪:‬‬
‫إن هللا ومالئكته وأهل السماوات واألرض حتى النملة في جحرها‪ ،‬وحتى الحوت‪ ،‬ليصلون‬
‫‪15‬‬
‫على معلم الناس الخير))‬
‫فلئن كان هذا الفضل العظيم والدرجة العليا ما صح به الخبر فضال للعالم عما سواه‪ ،‬موثوقا‬
‫بأصدق تقييم وأحق معيار‪ ،‬فشأن الفقيه والرباني أعظم‪ ،‬ألنه واسطة الوصل بين التنزيل‬
‫المجيد والنواز المحدثة المستجدة المنفتحة اإلمكان؛ هو المترجم‪ ،‬وهو القارئ القانوني لقانون‬
‫الكون وظواهر الطبيعة‪ ،‬ومعادالته المتجلية وكتاباتها‪ ،‬وفقهها العلمي والتصوري؛ القارئ لهذا‬
‫القانون في مجا حياة واجتماع اإلنسان‪ ،‬وسياسته ومؤسساته اإلدارية واالجتماعية وغيرها‪.‬‬
‫وإن هذا التحديد والتمييز الفقهي العلمي مستلزم وموجب التسطير عليه تذكرة علمية مقررة‪،‬‬
‫حقيقة وقوال مبدئيا‪ ،‬مؤصال ومبنيا عليه ما يليه وما بعده من األقوا واألحكام‪ ،‬ونسج الحقائق‬
‫والفكر والمقو ‪ ،‬في التقرير المثبت البن حجر العسقالني والبخاري وابن عباس في الفصل‬
‫بين العالم والفقيه أو بين الحافظ والرباني بيانا نتلوه في قوله تعالى‪{:‬ولكن كونوا ربانيين بما‬
‫كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون'}(آ عمران‪.)41‬‬
‫فيستنبط إذا بكفل استيفاء البصيرة والبينة في العلم أن القوة القارئية‪ ،‬بله التشريعية‪ ،‬المالئمة‬
‫والالزمة لمجا تعاصري وباألحرى لقرن أو قرنين أو ما يزيد‪ ،‬ال يسطيعها إنسان وال أي‬
‫مخلوق كان‪ ،‬ألن شرط مجد السريان ال يكفله إال مطلق العلم‪ ،‬مما ليس يختص به غير هللا‬
‫سبحانه وتعالى وسع علمه السماوات واألرض‪ ،‬وهو الحكيم الخبير‪ .‬وبناء عليه فحقيقة وشأن‬
‫هؤالء الرجا والصالحين من األئمة والعلماء‪ ،‬اإلمام مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وأبي‬
‫حنيفة وغيرهم‪ ،‬ال يعدو وال ينبغي له أن يجاوز سقف الوظيفة وشرف الفضل الذي كتبه هللا‬

‫‪ 14‬عن أبي الدرداء رضي هللا عنه‪ :‬أحمد والترمذي وأبو داود وابن ماجة والدارمي‪ -‬باب العلم من األبواب المنتخبة‬
‫‪ 15‬رواه الترمذي‬

‫‪19‬‬

‫تعالى العزيز الحكيم لذرى ورثة األنبياء وأعلم أهل األرض المثبت في حديث رسو هللا صلى‬
‫‪16‬‬
‫هللا عليه وسلم‪((:‬إن هللا يبعث لهذه األمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها))‬
‫هذه الحقيقة والقانون الحق ال ريب فيه‪ ،‬هو الذي يفسر ذلكم المسار والصعود العلمي والفقهي‬
‫البن تيمية في معراج قانون الكتاب والشريعة كما يقو الدكتور محمد يوسف موسى في مؤلفه‬
‫(ابن تيمية) من سلسلة (أعالم العرب)‪:‬‬
‫<‪ ..‬وكان من الطبيعي أن يكون ترتيب آرائه وفتاويه على هذا النحو‪ ،‬فقد كان أو أمره حنبليا‬
‫كما عرفنا‪ ،‬ومن تم كان يتقيد غالبا بمذهب إمامه بعد بحث واقتناع بأدلته‪ .‬ثم انتقل به الزمن‬
‫والبحث خطوة أخرى‪ ،‬فطوف في محيط المذاهب المعروفة‪ ،‬وحلق في سماواتها‪ ،‬فكان يفتي‬
‫بما يراه الحق غير متقيد بمذهب واحد منها‪ ،‬وإن كانت فتاواه في هذه الحقبة ال تخرج عن‬
‫دائرتها جميعا‪.‬‬
‫وحين صارت دراساته عميقة كل العمق‪ ،‬واستحصد عقله تفكيره‪ ،‬كانت له اجتهادات بعقله في‬
‫‪17‬‬
‫دائرة النصوص ومقاصد الشريعة العامة‪ ،‬خالف فيها المذاهب جميعا‪>. .‬‬
‫بل وإننا هنا نهيب بأولي البصائر والراسخين في العلم الذين ال يخافون في هللا لومة الئم‬
‫وما كان لهم أن تأخذهم العزة بما وجدوا عليه قومهم من هذه المذاهب‪ ،‬نهيب بهم ونستنهضهم‬
‫إن هم رأوا شيئا مما أخذ هللا عليهم الميثاق بتبيانه للناس وعدم كتمانه‪ ،‬من كون أو صيحة‬
‫بالحق صادعة بأمره كانت هي كلمة ما أمسى بعد حين من اختالط الحق بباطل البيان‪ ،‬يسمى‬
‫ويوصد عليه بهذا الحصر والوصف بالمذهب الظاهري‪ ،‬الذي < أو من نشر مبادئه في‬
‫األندلس وعرف به أهله هو عبد هللا بن محمد بن قاسم بن هال المتوفى سنة ‪242‬ه‪115 -‬م‪،‬‬
‫وكان من أوائل الظاهريين عامة؛ كان في بدايته مالكيا‪ ،‬لكنه رحل إلى المشرق وتتلمذ على‬
‫صاحب المذهب داود الظاهري‪ ،‬ونسخ كتبه بخطه‪ ،‬وأقبل إلى األندلس‪ ،‬وكان يجمع بين‬
‫المذهبين الشافعي والظاهري‪ ،‬غير أنه في نهاية المطاف انقطع إلى المذهب الظاهري فاجتهد‬
‫في نشره‪.‬‬
‫وإذا كان عبد هللا لم يؤثر بشكل واضح في نشر المذهب الظاهري‪ -‬ألن هذا المذهب لم يظهر‬
‫بوضوح إال في القرن الثالث الهجري‪ -‬فإن الفقيه الشهير القاضي منذر بن سعيد البلوطي يعتبر‬
‫‪18‬‬
‫المدافع الحقيقي عن المذهب الظاهري في األندلس)‬
‫‪ 16‬أبو داود عن أبي هريرة رضي هللا عنه‬
‫‪ 17‬الدكتور محمد يوسف موسى‪ :‬سلسلة أعالم العرب‪ -‬ابن تيمية‪-‬ص ‪221‬‬
‫‪(18‬ابن حزم الظاهري‪ -‬حياته وعصره‪ -‬محمد محجوبي‪ -‬ص‪)104‬‬

‫‪20‬‬

‫وجاء على حاشية النص والقو ما هو أجدر بالتنصيص عليه أكثر من غيره حكمة للبيان‬
‫والمقصد والغاية في استجالء الصورة‪:‬‬
‫<هو منذر بن سعيد بن عبد هللا بن عبد الرحمان البلوطي(‪ ...)511 -111( )555-242‬رحل‬
‫إلى المشرق ودرس على شيوخه‪ :‬فقد سمع بمكة من محمد بن المنذر النيسابوري‪ ،‬وروى‬
‫بمصر عن أبي العباس بن والد‪ ،‬كما روى عن أبي جعفر النحاس(راجع‪ :‬المقري في‬
‫النفح‪ .)221\2:‬وعندما عاد إلى بلده أنكر تقليد المالكيين‪ ،‬واجتهد في إذاعة مبدإ دراسة‬
‫األصو بحرية (وهو الذي قا به داود‪)..‬‬
‫يقو سعيد بن منذر البلوطي رحمه هللا (معيبا على المالكية تقليدهم األعمى لإلمام مالك‬
‫وتابعيه ما يلي‪:‬‬
‫طلبت دليال‪ -‬هكذا قا مالك‬
‫عذيري من قوم يقولون‪ -‬كلما‬
‫وقد ال تخفى عليه المسالك‬
‫فإن عدت قالوا‪ :‬هكذا قا أشهب‬
‫فإن زدت قالوا‪ :‬قا سحنون ومثله ومن لم يقل ما قاله فهو آفك‬
‫فإن قلت‪ :‬قا هللا‪ ،‬ضجوا وأكثروا وقالوا جميعا‪ :‬أنت قرن ماحك‬
‫‪19‬‬
‫)‬
‫أتت مالك في ترك ذاك المسالك‬
‫وإن قلت‪ :‬قا الرسو ‪ ،‬فقولهم‬
‫وإذا تبين أن األمر هاهنا مرده السعة العلمية‪ ،‬وجاء ذلك يؤكده القرآن العظيم بقوة حتى ال تز‬
‫األهواء بأصحابها‪ ،‬وفيمن قبلنا العبرة والمثالت‪ ،‬جاء حكما ثابتا وأصال للمعرفة والعلم كال‬
‫ومطلقا‪ ،‬حيث أتى دليال في اختصاص هللا تعالى الذي يعلم والناس ال يعلمون‪ ،‬اختصاصه‬
‫سبحانه بالتشريع‪:‬‬
‫{وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنز هللا قالوا نتبع ما ألفينا عليه آباءنا' أو لو كان آباؤهم ال يعقلون شيئا‬
‫وال يهتدون'}(البقرة ‪)115‬‬
‫{وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنز هللا وإلى الرسو قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا' أو لو كان‬
‫آباؤهم ال يعلمون شيئا وال يهتدون'}(المائدة ‪)105‬‬
‫{كتب عليكم القتا وهو كره لكم' وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم' وعسى أن تحبوا شيئا‬
‫وهو شر لكم' وهللا يعلم' وأنتم ال تعلمون'}(البقرة ‪)214‬‬
‫إذا تبين هذا حكما صريحا بنصه‪ ،‬فإن ما يستنبط فقها من آيات القرآن الحكيم من سورة الكهف‬
‫في شأن قصة موسى عليه السالم مع الرجل الصالح‪ ،‬ينطبق به دليل األقصى واألحرى لمن‬
‫رضي باهلل ربا وبمحمد رسوال‪ ،‬ولم يغش قلبه وتعم بصيرته المذهبية المفرقة للدين‪ ،‬التي هي‬
‫‪( 19‬نفس المصدر‪-‬ص‪)101‬‬

‫‪21‬‬

‫في حقيقتها حذو ما حذا من قبلنا من اتخاذ العلماء واألحبار أربابا من دون هللا وإن اختلفت‬
‫أسماء مكونات هذه الحقيقة وصيغتها‪.‬‬
‫فدعوة داود (الظاهري) إذا هي دعوة للحق في فقه الشريعة اإلسالمية ودين هللا الحق‪ ،‬ليس‬
‫يصح أن تعتبر هذا االعتبار المغرض كونها مذهبا على غرار ومعنى ما يسمى بالمذاهب‬
‫الفقهية‪ ،‬مع تقرير الحكم ببطالن وضال ابن حزم المجزوم به في رده للقياس‪ < :‬نجده ينطلق‬
‫في (كتابه األحكام) في الرد على القائلين بالقياس من قو <ال إله إال هللا> أي أن هللا واحد وال‬
‫معبود غيره‪ ،‬بعث رسوله صلى هللا عليه وسلم إلى الجن واإلنس من أجل التوحيد الذي ينبني‬
‫عليه اإلسالم‪ .‬وقبل نزو الشرائع كان كل شيء مباحا‪ ،‬وبعدها أتى تعالى باألوامر والنواهي‪،‬‬
‫فما أمر به فهو واجب‪ ،‬وما نهى عنه فهو حرام‪ ،‬وما لم يأمر به وال نهى عنه فهو مباح مطلق‬
‫حال كما كان‪ .‬هذا أمر معروف بفطرة العقو من كل أحد‪ ،‬ففي ماذا يحتاج إلى القياس أو إلى‬
‫الرأي؟>‬
‫ثم يضيف‪:‬‬
‫<أليس من أقر بما ذكرنا‪ ،‬ثم أوجب ما ال نص بإيجابه‪ ،‬أو حرم ما ال نص بالنهي عنه‪ ،‬قد‬
‫‪20‬‬
‫شرع في الدين ما لم يأذن به هللا تعالى؟ وقا ما ال يحل القو به؟>‬
‫ال جدا في تعصب ابن حزم هنا لحكم خاطئ جلي خطؤه يرده صريح القرآن وما ال يقوم‬
‫التشريع به للبيئة التكليفية المنفتحة والمتسعة إال به‪ ،‬فالخطاب القرآني مجيد واالعتبار‬
‫واالستنباط من الكتاب والسنة شريعة ذلك وطريقه‪ ،‬ومنواله وسبيله الذي به يحصل تنزيله‬
‫وتحقيقه‪ .‬وال جدا كذلك أن رد أبي الوليد سليمان بن خلف الباجي على ابن حزم كان فيه‬
‫البيان األوفى واألبلج‪.‬‬
‫ولنعد إلى ما قاله الشوكاني رحمه وإلى إنكاره‪ ،‬ولنتدبر كالمه جيدا‪ ،‬وإنه الحق ال ريب لمن‬
‫أراد أن يذكر وأسلم وجهه هلل رب العالمين‪ ،‬ال لوالءات ضيقة محدودة وإن تلبست كما هو دأب‬
‫الباطل وتلبيس إبليس‪ ،‬ولو تلبست بالحق وبمسمى المذهب الفقهي‪:‬‬
‫<‪ ...‬فهل تزعمون أن رسو هللا صلى هللا عليه وآله وسلم قا عليكم بسنة أبي حنيفة ومالك‬
‫والشافعي وابن حنبل حتى يتم لكم ما تريدون؟‪>..‬‬
‫عن مالك بن أنس رحمه هللا أنه قا ‪:‬‬
‫<إنما أنا بشر أخطئ وأصيب‪ ،‬فانظروا في رأيي‪ ،‬فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه‪ ،‬وكل ما‬
‫‪21‬‬
‫لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه>‬
‫‪( 20‬نفس المصدر‪-‬ص‪)124‬‬

‫‪22‬‬

‫وعن الشافعي رحمه هللا قوله‪:‬‬
‫<كل مسألة يصح فيها الخبر عن رسو هللا صلى هللا عليه وسلم عند أهل النقل بخالف ما قلت‬
‫‪22‬‬
‫فأنا راجع عنها في حياتي ومماتي>‬
‫يقو القاضي محمد سويد جزاه هللا تعالى عن المسلمين خير الجزاء في كتابه (المذاهب‬
‫اإلسالمية الخمسة والمذهب الموحد)‪:‬‬
‫<ولست أنكر أو أتنكر لسادتنا األئمة‪ ،‬ولكنهم هم الذين سينكرونني وينكرونك لو قدر لهم أن‬
‫يعودوا أحياء إلينا‪ ،‬وهم الذين سيقولون لك ولي‪ :‬أردنا لكم الهداية وأردتم الضال ‪ .‬فتحنا لكم‬
‫‪23‬‬
‫األبواب فأقفلتموها‪ .‬لم نقل لكم بالمذهبية ولم نقل لكم اجعلوها دينكم‪>.‬‬
‫والحق إنهم جعلوها دينا‪ ،‬كل مذهب هو في الواقع والحقيقة دين مهما سموا الحقائق وواقع بغير‬
‫صفته وحقيقته‪ ،‬فهم بدلوا من بعد رسو هللا صلى هللا عليه وسلم‪ ،‬وفرقوا دينهم وكانوا شيعا‪،‬‬
‫أي فرقا ومذاهب‪ ،‬وهذا صنيع وسبيل ما أضل به الشيطان من قبلهم من األمم‪ .‬يقو محمد بن‬
‫أبي مدين الشنقيطي في كتابه القيم 'الصوارم واألسنة في الذب عن السنة'‪:‬‬
‫<وفي الرد على من أخلد إلى األرض وجهل أن االجتهاد في كل عصر فرض للسيوطي ما‬
‫نصه‪ :‬قا ابن حزم‪ :‬ويكفي في إبطا التقليد أن القائلين به مقرون على أنفسهم بالباطل ألن كل‬
‫طائفة من الحنفية والمالكية والشافعية مقرة بأن التقليد ال يحل‪ ،‬وأئمتهم الثالثة قد نهوا عن‬
‫تقليدهم ثم مع ذلك خالفوهم وقلدوهم وهذا عجب ما مثله عجب حيث أقروا ببطالن التقليد ثم‬
‫‪24‬‬
‫دانوا هللا به‪ .‬ا ه المراد منه بلفظه>‬
‫وهذا والعياذ باهلل السميع العليم‪ ،‬هذا ما يرى بواحا في هذه المذاهب التي فرق أصحابها الدين‬
‫الذي بعث به محمد صلى هللا عليه وسلم دينا قيما وجعلوه شيعا‪ ،‬فينشئون األطفا والنشء وهم‬
‫برءاء ال يعلمون ما يفعل بهم هؤالء الرهط‪ ،‬ينشئونهم على دين مذهب اإلمام الذي للحوزة‬
‫وللقطر‪ ،‬وما هو بدين هللا الحق يقينا‪.‬‬
‫<وفي الجزء الثاني من زاد المعاد البن قيم الجوزية في فصل ألفاظ كان صلى هللا عليه وسلم‬
‫يكره أن تقا ‪ ،‬ما نصه‪ :‬ومنها الدعاء بدعوى الجاهلية والتعزي بعزائهم كالدعاء إلى القبائل‬
‫‪ 21‬الرسائل السلفية‪ ،‬انظر مفهوم الحكمة والمنهاج في الجزء األو من تذكرة العلماء في الربانية والمنهاج‬
‫‪ 22‬نفس المرجع‬
‫المذاهب اإلسالمية الخمسة والمذهب الموحد‪ :‬القاضي محمد سويد‪ -‬العبادات والمعامالت في أدق تفاصيلها عند المذاهب الخمسة‪-‬‬
‫‪23‬دار التقريب بين المذاهب اإلسالمية‪ -‬بيروت‪ -‬لبنان‪ -‬ط‪ -1554 -2‬ص‪504‬‬
‫الصوارم واألسنة في الذب عن السنة‪ :‬محمد بن أبي مدين الشنقيطي‪ -‬ص‪-115‬ط‪-2‬طبع وزارة األوقاف والشؤون اإلسالمية‬
‫‪24‬بالمغرب‬

‫‪23‬‬

‫والعصبية لها ولألنساب‪ ،‬ومثله التعصب للمذاهب والطرائق والمشايخ وتفضيل بعضها على‬
‫بعض بالهوى والعصبية وكونه منتسبا إليه فيدعو إلى ذلك ويوالي ويعادي عليه ويزن الناس به‬
‫‪25‬‬
‫كل هذا من دعوى الجاهلية‪.‬ا ه المراد منه بلفظه>‬
‫إن الحق قديم وإن هللا سبحانه نور السماوات واألرض‪ ،‬ال إله إال هو الحي القيوم‪ .‬فالفقه‬
‫موصو أبدا بالحق‪ ،‬وبالحق تكون الحياة‪ ،‬وبه يكون ويتحقق قوام الكينونة والسيرورة الحقة‬
‫والقوية في الوجود وفي التاريخ‪ .‬بل إن هؤالء ينقضون القرآن كونه مباركا‪ ،‬والمبارك والمجيد‬
‫خاصتان متسايرتان في الحق‪ .‬هكذا يأتي تفسير اقتران الموات التاريخي بكبت الفقه وحصره‬
‫أن ينطلق ويسير كما هو الحق منفتحا مجيدا ال يحده من أمر الوجود شيء‪ .‬وإنما يحصر الفقه‬
‫ويضيق على الحق من أجل المذاهب وركودها الفقهي‪ ،‬قربانا للعالقة العضوية بالعصبة‬
‫السياسية والحزبية‪ ،‬ومصلحة الذات الحاكمة والمستبدة‪.‬‬
‫وإن من أهم مقوالت محمد الغزالي رحمه هللا كون االستبداد السياسي منتجا للشلل الفكري‬
‫والعقلي‪ .‬ها هنا موقع ومعنى المقولتين الجامعتين في قاموس التاريخ الفكري والسياسي‪ ،‬مقولة‬
‫(روح القوانين) ومقولة (عدو الشعب)؛ ذلك أنه من جهة وجانب مكون المسؤولية وعنصره‬
‫الجوهري في قيام وكينونة االجتماعي كبناء‪ ،‬وكذا من جهة وجوب ولزوم درء أي علة قد‬
‫تسبب االختال لهذا النظام والبناء‪ ،‬وقد تأتي عليه من قواعده وتؤدي بتراكم متوالي إلى تخلفه‬
‫وانحطاطه؛ من أجل هذا كله فإن الوصل البياني والبنيوي بحديث السفينة حق وثابت؛ فإنه لو‬
‫ترك هذا الرهط من المفسدين في األرض والتاريخ‪ ،‬لو تركوا وشأنهم لوقع المحذور‪ ،‬ولحل‬
‫الهالك والتخلف والهوان باألمة جميعا‪ ،‬وإن يكاد الحا والواقع يا للحسرة يكون هو حا األمة‬
‫اليوم‪ .‬اليوم األمة مستباحة طوال وعرضا من شرقها إلى مغربها‪ ،‬يقتل وينكل برجالها‪،‬‬
‫ويستحيى مغتصبات نساؤها على هو مريع أشد من رعب القاصفات والزالز ‪ ،‬ينوء كالكل‬
‫رعبها شيوخا ونساء وأطفاال رضعا؛ والراسخون في العلم أولو التأويل للحقائق ال يقصرون‬
‫الفاعل الحقيقي لذا الدمار والهالك حزب الشيطان أعداء هللا ورسوله اليهود والصليبيين‪ ،‬الذين‬
‫يعلمهم كل مؤمن ال زا له من نور الحق قبس يبصر به؛ ولكن السبب كل السبب فيمن أغرى‬
‫باألمة أعداءها وغدا بعد أمة من الدهر طابورا خامسا عدوا للشعب وإن ادعى ما ادعى هو‬
‫وسدنته‪ ،‬مفكرو الوظيفية األرضية البحتة والنفعية‪ ،‬الذين ال يعرفون منطقا للوجود وال يفقهون‬
‫له وجودا؛ ولكنها أكبر المفارقات حين يرون حقيقة أنفسهم امتدادا للوجود المطلق‪ ،‬ويعلمون‬
‫أنهم كانوا أجهل الكائنات بالكون وأبعدها عن المعرفة والعلم الحق‪ .‬إن روح االستبداد هي‬
‫‪ 25‬نفس المصدر‪-‬ص‪151‬‬

‫‪24‬‬

‫العدو‪ ،‬آثر ويؤثر الحفاظ على نفسه ولو على حساب السير التاريخي ألمة بأكملها‪ ،‬يختز‬
‫عقلها في عقله وروح نظامه‪ ،‬فتعطل روح اإلبداع والخلق‪ ،‬الذي ال مندوحة عنه في السير قدما‬
‫على قوة التاريخ واألمم ودار الحرب في الحرب والسالم؛ فإن عدوك الحقيقي هو من جردك‬
‫من سالحك فجعلك مؤخرة األمم في الصناعة وفي طاقة وقدرة الذود عن حياض وبيضة‬
‫اإلسالم‪ ،‬فترك الما والعرض والدين والعقل والمسلمين جميعا شيئا مكشوفا مستباحا للكفار؛‬
‫فبربك أي صفة شرعية باقية لهؤالء؟ وال يدافع عنهم إال عدو للحق أو جاهل أراه غباؤه قوال‬
‫ما يقو ومداهنته لعين الباطل حكمة ودعوة بمقصدها بالتي هي أحسن؛ وإن أو ما يسري‬
‫وينطلي عليه الدجل هؤالء المسمون علماء ذوو األلقاب‪ ،‬المفتقدون لنور القلب وشعلة العقل‬
‫المعبر عنه في القرآن بالفؤاد‪.‬‬
‫في هذه العالقة وارتباط االقتطاع السيادي ووأد وحصر العقل الفقهي باالستبداد السياسي يقو‬
‫األستاذ محمد محجوبي‪:‬‬
‫<ويمكن إجما األسباب الداعية إلى ظاهرة التقليد فيما يلي‪:‬‬
‫أوال ضعف السلطان السياسي للخلفاء العباسيين‪ ،‬فلم تعد دولتهم في وحدتها ومجدها كما كانت‬
‫من قبل‪ ،‬وإنما انقطعت أجزاؤها وقامت في أنحائها دويالت‪ ،‬مما أثر في حياة الفقه والفقهاء‪.‬‬
‫ففي هذا العصر انقطعت الروابط السياسية بين أقاليم االمبراطورية اإلسالمية‪ .‬ففي األندلس‬
‫استقلت الدولة األموية عن الخالفة اإلسالمية‪ ،‬فأطلق عبد الرحمان الناصر على نفسه لقب‬
‫''أمير المؤمنين'' بعدما أحس بضعف الدولة العباسية؛ وفي تونس أسس الشيعة اإلسماعيلية‬
‫دولتهم ''الفاطمية'' بزعامة عبيد هللا المهدي الفاطمي‪ ،‬الذي لقب هو اآلخر بأمير المؤمنين؛‬
‫وفي مصر ظهر محمد اإلخشيد؛ وبالموصل وحلب ظهر بنو حمدان؛ وباليمن ازدهر المذهب‬
‫الشيعي الزيدي؛ أما في بغداد فإن دولة الديلم‪ ،‬المعروفة بدولة بني بويه‪ ،‬فكانت هي صاحبة‬
‫األمر والنهي‪ ،‬أما بنو العباس فلم يبق لهم من الدولة إال مجرد اإلسم؛ وفي شرق العراق وجدت‬
‫الدولة الساسانية؛ وهكذا في باقي األقاليم‪ .‬ومع ذلك‪ ،‬فلم يأفل نجم العلماء كما أفل نجم‬
‫السياسيين‪ ،‬إال أن ضعف حرية التعبير كان له األثر الواضح على كبت قرائح العلماء عامة‬
‫‪26‬‬
‫والفقهاء خاصة؛ فأجبروا على تقليد المذهب السائد في إقليمهم>‬
‫وهاهنا يبرز ويظهر بشكل واضح واقع اختال التوازن‪ ،‬التوازن واالنتظام الحق لالجتماع‬
‫التاريخي سيرورة تواجدية واستخالفا‪ ،‬بعلة وعامل غلبة التكتل األرضي الذي غدا بسنن‬
‫االجتماع الفاعل والمؤثر والموجه‪ ،‬وأصبحت الحقيقة الشرعية والفقهية تابعة محض تابعة؛‬
‫‪ 26‬محمد محجوبي‪ :‬مدخل لدراسة الفقه اإلسالمي‪ -‬ص‪240‬‬

‫‪25‬‬

‫فكيف والحا هاته أن يكون المكون الشرعي والفقهي متوافقا مع طبيعة ووجوب سريانه‬
‫وانفتاحه انفتاح هيمنة الحق الذي به قيومية الكون ونور السماوات واألرض وما فيهن‪،‬‬
‫والتاريخ الكوني‪ ،‬واالجتماع اإلنساني على وجه التخصيص؟‬
‫لقد أولى المسلمون وببداهة الحق اهتماما عظيما بالجانب المعرفي والعلمي توافقا مع كونه‬
‫قوام كل شيء في بيئتهم الكونية‪ ،‬تحقيقا حثيثا لشروط االستخالف على هدي الناموس والميزان‬
‫الذي به الخلق واألمر؛ فقد تم منذ أو عصر التصنيف والتدوين القيام بأعما التدبر‬
‫واالستقراء والتقعيد وغيرها من وسائل وآليات النهج المعرفي؛ فتم على هذا المنوا حصو‬
‫كم كاف وغزير من التعريفات والتقعيدات المؤسسة لنشأة صرح عظيم في مسار المعرفة‬
‫والعلم اإلنساني‪ ،‬وعلى صلة أقرب وثوقا بالمصادر العليا لمعايير العقل والعلم اإلنسانيين‪،‬‬
‫نظام متكامل مما موضوعه الفقه في أصوله وأحكامه وضوابط اجتهاده وربانيته على مطلق‬
‫الشروط اإلنسانية‪ ،‬له امتداد حق في تجديد المنهاج اإلنساني العلمي‪ ،‬ونقله بأمر ربه من‬
‫التفكير المجرد إلى المنهاج التجريبي‪ ،‬بارزة آياته في تاريخ العلم وأعالمه الكبار األجالء‬
‫جزاهم هللا خير الجزاء وتجاوز عن سيآتهم‪ ،‬إنه سبحانه ولي ذلك وقادر عليه‪ ،‬فله الحمد في‬
‫األولى واآلخرة‪ ،‬وهو الغفور الرحيم‪.‬‬
‫وليس عجبا أن يقترن هذا اإلبداع التحديدي والقواعدي‪ ،‬واإلنشاء التعييني لألحكام والحقائق‬
‫المميزة في الحقل الفقهي والتشريعي باإلنشاء واإلبداع العلمي في شتى حقو الخلق الطبيعي‪،‬‬
‫في الطب والفلك والفيزياء وفي علوم الطبيعة‪ ،‬بكل ما ينجلي من مستوياتها ويظهر من هيآتها؛‬
‫فكل اإلنراء واإلبداع أمر واحد وحقيقة واحدة‪ ،‬حقيقة الصعود في مدارج الناموس وسلم‬
‫الحق‪ .‬فالفقيه أو اإلبدانية والتحري واالجتهاد الفقهي الحق والموزون‪ ،‬واإلبدانية‬
‫الرياضية كما نظرنا في ذلك وبيناه من خالل النظريات المعيارية في إنرائها الخلقي نلى‬
‫سلم الصعود في القوانين التي ترد إليه الظواهر الطبيعية الفيزيائية‪ ،‬هما من جهة البعد‬
‫القانوني أمر واحد وحقيقة واحدة‪.‬‬
‫ولن نكون أبعد عن التأطير لقيمة هذا اإلنتاج الفقهي والعلمي لإلنسانية بالعقل اإلسالمي‬
‫والديني المحض‪ ،‬الذي بحق كان اإلضافة الالزمة للتمهيد للتفكير والنهج التطبيقي أساس‬
‫الطفرة الحديثة والمعاصرة في تكنولوجيا الحضارة‪ ،‬لن نكون أبعد عن التأطير من جانب‬
‫المعيار التقييمي إذا ما أولينا االعتبار حقيقته‪ ،‬اعتبار جوار وحقل الرسالة والذكر المنز من‬
‫السماء ووهجها نورها المحرر للتفكير اإلنساني من إصر وتبعية التكتالت األرضية‪ ،‬عصبية‬
‫كانت أو سياسية أو استبدادية؛ بهذا الشرط وقوة االجتماع وتحرر العقل اإلنساني‪ ،‬فطرة هللا‬

‫‪26‬‬

‫التي فطر الخلق والتفكير عليها‪ ،‬بلغت اإلنسانية في هذا الطور اإلسالمي شأوا عظيما‪ .‬وإنها‬
‫لحقيقة أعظم وأكبر من أن يعتم عليها‪ .‬ومؤخرا أحدث كتاب المؤرخ سيلفان غوغنهايم الذي‬
‫أنكر إسهام التاريخ والفكر اإلسالمي في مسار العقل والعلم اإلنسانيين‪ ،‬أحدث ضجة مدوية‪،‬‬
‫وردة فعل ثائرة مستنكرة‪ ،‬ال من مفكرينا وكتابنا الذين بات عندهم صهوة الشهرة عين اإلنكار‬
‫واالنسالخ من الحقيقة والهوية‪ ،‬ولكن من متحرري وحقيقي العلمية من مؤرخي وأساتذة‬
‫جامعات وجمعيات من مختلف بلدان أوروبا ومعاهدها‪ ،‬فكل أوالء النفر من أحرار اإلنسانية‬
‫يشهدون بمرور نسق العلم اإلنساني وعقله إلى الطور الحضاري الغربي وهجا بعديا للطور‬
‫اإلسالمي‪ ،‬والعطاء الكبير لعلمائه ومفكريه وفالسفته‪ ،‬حامال للنتاج اليوناني باقتدار عقلي‬
‫جدير بالتقدير والتنويه‪.‬‬
‫شاهدنا من هذا كله هو التأطير‪ ،‬وتحديد حركة العقل الفقهي وتواجده بدرجته الصحيحة وقدره‬
‫الحق والصحيح؛ فالشريعة والتنزيل وتعيين األحكام الفقهية وقيمها‪ ،‬ذلك يعلو درجة األشخاص‬
‫واألزمنة العمرية لهذا الجيل‪ ،‬وهذا العالم وذاك‪ .‬إنما درجة الفقه والتشريع هي درجة وقوة‬
‫هيمنة الحق قانونا ليس لإلنسان فحسب ولطور محصور من األطوار‪ ،‬بل للكون كله جميعا‪،‬‬
‫ليس يخرج من هيمنته حين أو حا من أحيان وأحوا الخلق‪ ،‬كل في كتاب‪ .‬فالفقه والحدس‬
‫العلمي الطبيعي أبدا موصو بفقه قوله تعالى‪:‬‬
‫{أال له الخلق واألمر' تبارك هللا رب العالمين'}(األعراف‪)55‬‬
‫وإن لمسنا استحسان قو بالحق مبين‪ ،‬فنقو بأن هذه اآلية العظيمة من حيث الضبط الظاهر‬
‫المحدد لبيانها‪ ،‬جامعة ألمور عظيمة وحقائق ثالثة‪ ،‬نورا ومبادئ ألي تفكر (فلسفة) يربأ بنفسه‬
‫عن االنحصار في كبرياء الزيف وفي هذه الضآلة واألفق المحدود للتفكر اإلنساني مصدرا‬
‫للحقائق المبدئية‪:‬‬
‫أولها االختصاص في الخلق واألمر المستنبط منه الوحدة القانونية‪.‬‬
‫ثانيها مكون الربوبية لكل الكون والخلق داللة وفاقا بالحق لشأن المبدإ األو ‪.‬‬
‫ثالثها المجد لشأنه تعالى الخالق العليم‪.‬‬
‫هكذا إذن يتبين لنا أن أي عطل أو إخال بالتوازن سيحو دون السريان ويحصر إعما الحق‬
‫في المجا التواجدي ويحو دون االمتداد الطبيعي لنور الحق والتشريع المساير؛ ويبدأ عصر‬
‫الموات القانوني في االجتماع والعمران‪ ،‬ويحل التقليد والجمود؛ وبهذا الصدد يقو محمد‬
‫محجوبي‪:‬‬

‫‪27‬‬

‫<يبدأ هذا العصر من حوالي منتصف القرن الرابع الهجري إلى بداية القرن العشرين‪ .‬ولم يبق‬
‫الفقه على حالته وإنما اعتراه الضعف والركود شيئا فشيئا‪ .‬فأفتى العلماء بسد باب االجتهاد‬
‫‪27‬‬
‫ودعوا إلى تقليد فقهاء المذاهب وعدم التحو عنها>‬
‫هذا الجمود التقليداني وإبدا المجا الفقهي المطلق للحق بالمذهبية التي مهما كانت فمجالها‬
‫محدود الستنادها لمرجع وعقل بشري محدود‪ ،‬هو في الحقيقة تجلي واضح لموات الحركة‬
‫الفقهية الصحيحة‪ ،‬ألن الفقه هو مطابقة الحق‪ ،‬والحق ال انحسار له‪ .‬ولألسف تم تحييد المعنى‬
‫الصحيح للفقه وللفقيه‪ ،‬وعلى أثره السيئ ومقتضاه اختفت الحقيقة العلمية وحاق بوارها وتم‬
‫إعدام األثر العلمي‪ ،‬ذلك أن األصو وعلمها إنما هو بغاية توظيفها الفقهي كأطراف أولى‬
‫وأولية‪ ،‬كأصو تحديدية لمسالك وخطوط الحق ومنحاه على غرار تحديد مناحي وخطوط‬
‫المجاالت الفيزيائية‪.‬‬
‫لقد أمسى الفقه ممثال باألشخاص‪ ،‬ومساره الذي يستوجب أن يكون حقال اتساعيا مستمرا‬
‫ومتصال من الحقائق والقيم والتحديدات العلمية‪ ،‬مختزال في طبقات العلماء المذهبية؛ كل‬
‫مذهب بطبقاته‪ ،‬مما هو على أشد الصور مخالفة ألخص ما به الحق عما سواه من الباطل‬
‫واألرباب المتعددين يتحدد‪ ،‬خاصة عدم االختالف‪ .‬والحق واحد‪ ،‬والحق ال يحده شيء‪.‬‬
‫وسبحان هللا رب العالمين‪.‬‬
‫إن هللا بالغ أمره و هو العزيز الحكيم‪ ،‬مهما كانت المقاومة السلبية ألهل الكفر وكوابح المذاهب‬
‫المتخذة أربابا آلهة من دون هللا بصبغتها التقليدانية التي ال تنبغي للحق‪ ،‬فاهلل واسع عليم متم‬
‫نوره‪ ،‬وبالغ الدين إنما تحققه المجلي لحقيقته هو من ذات بالغه وبيانه‪ .‬فهاهنا موقع الخبر‬
‫ونبإ العلم الحق الذي تلونا آنفا الذي مفاده أن هللا سبحانه وتعالى يبعث لهذه األمة على رأس كل‬
‫مائة سنة من يجدد لها دينها‪.28‬‬
‫بعث لنور الفقه والعلم الرباني الحصيف‪ ،‬واستمرارية لظهور علماء مجددين‪ ،‬عرى وحججا‬
‫للحق ظاهرة‪ ،‬تذكرة يجليها هؤالء الشهود من أجلة العلماء الربانيين من شعلة الرعيل األو‬
‫من أمثا الشافعي ومالك وأبي حنيفة وابن حنبل‪ ،‬أوالء الذين اتخذهم الجهلة والمضلون بزعم‬
‫االقتداء أربابا‪ ،‬وما الدين في الحق إال التشريع‪ ،‬وهذه السلسلة من نور الربانية المجيد امتدت‬
‫على مسار القرون جميعا لكل طور علماؤه وأعالمه مثل أبي حامد الغزالي وابن حزم وابن‬
‫العربي وابن تيمية وصوال إلى محمد بن علي الشوكاني والكثيرين من زمرة خير البرية من‬
‫‪ 27‬نفس المصدر‪ -‬ص‪251‬‬
‫‪ 28‬رواه أبو داود‪ -‬كتاب العلم‪ -‬األبواب المنتخبة‬

‫‪28‬‬

‫الفقهاء المجددين والعلماء‪ ،‬إلى طور العاملين في هذا المنوا الحق المنير‪ ،‬الممثل بحق‬
‫بيوسف القرضاوي والسالكين صراط الحق المستقيم من العلماء والدعاة‪ ،‬وهللا عز وجل على‬
‫كل شيء وكيل‪ ،‬وعنده تعالى خير الجزاء وأحسن الثواب‪ ،‬وهو سبحانه وتعالى أعلم بالمهتدين‪.‬‬
‫وفي صلة بهذا التنازع في العقل اإلسالمي‪ ،‬التنازع األصل والمنهاج الحق وبين ما جبلت عليه‬
‫النفوس من التقليد بغض النظر عن الخلفيات بريئة كانت أو غير بريئة لها مصالح معينة‬
‫مسطورة‪ ،‬نسوق هنا نصا تأريخيا قيما‪:‬‬
‫<علي بن سليمان البجمعاوي نسبة إلى قرية آيت بوجمعة من ربع آيت واودانوست‪ ،‬قد كان‬
‫ناصري الطريقة‪ .‬كان البجمعاوي المذكور أكبر فقهاء إينولتان في القرن الماضي‪ ،‬فقد رحل‬
‫إلى الشرق وأخذ عن عدد من علمائه‪ ،‬وكتب عددا من الشروح على مصنفات فقهية‬
‫و‪29‬حديثية‪ .‬ووضع سنة‪1212‬ه رسالة غريبة في مضمونها‪ ،‬ووجهها إلى علماء اآلفاق‬
‫ومشايخهم وملوكهم ليؤلفوا في عدم تفضيل مذهب (فقهي) أو طريق (صوفية)‪ .‬وعلل ذلك‬
‫بكون كل أهل طريق أو مذهب يزعمون أنهم األهل باألفضلية واألولى بالتقديم على من خالفهم‬
‫وباينهم‪ ،‬فكثرت بذلك دعاويهم‪ ،‬فلم يدر من كان محقا أو عابثا‪ ،‬فتفرقت بذلك األقوا وتمزقت‬
‫هنالك األحوا حتى أنه وقع من سفهاء تلك المذاهب والطرق السباب بعضهم لبعض‪ .‬وقد‬
‫اقترح على ملوك المسلمين أن يأمروا العلماء بوضع تصانيف غير مطولة في الموضوع‪ .‬فإن‬
‫اتفق أعالم كل مذهب على النهج الذي ينبغي سلوكه‪ ،‬لكي ال تتعارض المذاهب‪ ،‬بعثوا بما‬
‫كتبوه إلى حضرة من الحضرات كأحد الحرمين الشريفين أو مصر‪ ،‬حيث يجتمع أولئك األعالم‬
‫لتصفح المصنفات قصد اعتماد واحد منها يكون مرجع المسلمين‪ .‬وقد اقترح البجمعاوي أن يتم‬
‫‪30‬‬
‫ذلك االجتماع بعد مضي أربع سنين على ألف ومائتين واثنين وثمانين‪>>.‬‬
‫الشاهد لدينا هو دعوة هذا الرجل رحمه هللا تعالى وغفر له‪ ،‬وإبصاره بباطل التفرق المذهبي‪،‬‬
‫وإن لم يقف على الحق في بطالن التصوف والصوفية‪ ،‬وكذلك استغراب الكاتب المؤرخ لهذه‬
‫الدعوة‪ ،‬الدعوة التي لم تكن األولى في موطن هذا الرجل وبيئته العلمية‪ ،‬وإن اتخذت أشكاال‬
‫مختلفة وعلى درجات متباينة ال يستشفها إال التحليل العلمي للفكر التاريخي‪ ،‬التحليل‬
‫الموضوعي والمجرد عن خلفيات المواقف وإصر اإلكراهات االنتمائية واألفكار والدعائم‬
‫التكوينية‪.‬‬
‫‪ 29‬كتبت (أو حديثية)‬
‫المجتمع المغربي في القرن التاسع عشر‪( :‬إنولتان ‪ -)1512-1150‬ص‪-451‬أحمد التوفيق‪ -‬جامعة محمد الخامس أكدا ‪ -‬منشورات‬
‫‪30‬كلية اآلداب والعلوم اإلنسانية بالرباط‪ -‬سلسلة‪ :‬رسائل وأطروحات‪.‬‬

‫‪29‬‬

‫إن المجا العلمي بصبغته النقدية الفاحصة للنهج الفقهي وآللياته التي تتحكم فيه‪ ،‬كان ابن حزم‬
‫رحمه هللا هو مشكاته وشعلته ومركزه‪ ،‬وهنا نعني بالضبط الحقل التاريخي والجوار المباشر‪.‬‬
‫هذا بالذات هو ما جعل التساؤ له أسبابه في مدى تأثير ابن حزم على المهدي بن تومرت الذي‬
‫ال مرية قد أبصر بالضال الفقهي المذهبي الملبس لبوس المالكية‪ ،‬المخالف لصحيح العلم‬
‫والفقه‪ ،‬والذي ليس له كما هو شأن غيره وقبيله بالكتاب والسنة من صلة إال االدعاء والحكم‬
‫على المخالف بالضال والزندقة‪ .‬فابن تومرت أثار قضية المكون البياني األعلى ممثال بقوة‬
‫في الصفات‪ ،‬وخرق المجا المذهبي بتقليديته وجليديته المتكلسة‪ ،‬وهذا ما يوجب النظر فيمن‬
‫يقو بأن ابن تومرت عاش مالكيا‪ ،‬ذلك أن الحقل والروح التجددية في فقه الدين التي نشأ فيها‬
‫هي التي‪ ،‬بعد جدلية تاريخية‪ ،‬أنتجت وتمخض عنها شعلة التجديد الفقهي في عهد يعقوب‬
‫المنصور الموحدي حفيد عبد المؤمن بن علي الكومي خليفة المهدي بن تومرت‪ ،‬الذي يقو‬
‫بشأنه أحد الذين كتبوا عن الدعوة الموحدية بالمغرب‪ ،‬األستاذ عبد هللا علي عالم‪:‬‬
‫< يعقوب المنصور يأخذ بالمذهب الموحدي‪:‬‬
‫لم يظهر إعجاب الموحدين بالحزمية في عهد المهدي بن تومرت‪ ،‬الذي عاش مالكيا ومات‬
‫مالكيا‪ ،‬كما لم يظهر هذا اإلعجاب في عهد عبد المؤمن بن علي خليفة المهدي‪ ،‬إذ كان ابن‬
‫حزم أشد علماء المسلمين كراهية للمهدوية والعصمة واإلمامة‪ ،‬ألنه اعتبر هذه المبادئ‬
‫متسربة إلى المسلمين من عقائد اليهود والنصارى كما قلنا‪.‬‬
‫فلما كان عهد الخليفة الثالث يعقوب المنصور‪ ،‬ذلك الخليفة المتحرر؛ الذي كان أو خليفة‬
‫موحدي سخر بالمهدوية ومبادئها على نحو ما سخر منها ابن حزم تماما‪ ،‬وجدت الحزمية‬
‫طريقها إلى المغرب الموحدي‪ ،‬إذ اشتدت محاربة يعقوب المنصور لمذهب مالك‪ 31‬ال كراهية‬
‫آلثار المرابطين‪ ،‬بل رغبة صادقة في نشر المذهب الحزمي الظاهري‪.‬‬
‫ويذكر المراكشي أن المنصور اشتد في حملته على العلماء المالكية‪ ،‬وأمر بإحراق كتب‬
‫المذهب بعد أن يؤخذ ما فيها من حديث رسو هللا صلى هللا عليه وسلم‪ ،‬ومن آيات القرآن‬
‫الكريم‪ .‬وقد أحرق من كتب المالكية أعظمها في أنحاء البالد كمدونة سحنون‪ ،‬وكتاب ابن‬
‫‪32‬‬
‫يونس‪ ،‬ونوادر ابن أبي زيد ومختصره‪ ،‬وكتاب التهذيب للبرادعي‪ ،‬وواضحة ابن حبيب ‪.‬‬

‫‪ 31‬المراكشي‪ :‬المعجب‪ :‬ص‪.252-251‬‬
‫‪ 32‬المعجب ص‪.245‬‬

‫‪30‬‬

‫ويقو المراكشي‪ :‬لقد شهدت منها وأنا يومئذ بمدينة فاس‪ ،‬يؤتى منها (أي من هذه الكتب)‬
‫باألحما ‪ ،‬فتوضع ويطلق فيها النار‪.33‬‬
‫ويزيد المراكشي قائال‪ :‬وتقدم المنصور إلى الناس في ترك االشتغا بعلم الرأي والخوض في‬
‫شيء منه‪ ،‬وتوعد في ذلك بالعقوبة الشديدة‪ ،‬وأمر جماعة ممن عنده من العلماء المحدثين بجمع‬
‫األحاديث من المصنفات العشرة في الصالة وما يتعلق بها على نحو األحاديث التي جمعها‬
‫‪35 34‬‬
‫محمد بن تومرت في الطهارة ‪>.‬‬
‫إن بالغ ابن حزم التاريخي سيبقى صوتا مدويا حجة للحق على المقلدين الذين ال يلوون على‬
‫شيء‪ ،‬يقولون وجدنا آباءنا على مذهب وأحكام رجل صالح من أئمة المسلمين وعلمائهم فنحن‬
‫على مذهبهم عابدون‪ . .‬وإنما الحق في كل ذلك األصو والدراسة والفقه منفتح إلى كل اآلفاق‬
‫إلى يوم الدين‪ ،‬ومن غير ركون إلى الرأي وال إلى األهواء‪.‬‬
‫إن هذا الفقه السوي الحكيم‪ ،‬وهو الشأن العظيم الذي بدوره لم يسلم من كيد اللعين وأعوانه‬
‫وأشيائه ولسانه‪ ،‬هذا الفقه والضبط الصحيح للدين واالتباع والشريعة‪ ،‬بدوره تعرض ويتعرض‬
‫إلى اليوم لمحاولة الحجب والكفر والستر‪ ،‬بتسميته وجعله مذهبا قسيما للمذاهب أو قل األديان‬
‫التي تفرق إليها الدين الحق شيعا‪ ،‬فسمي بالمذهب الظاهري‪ .‬وإنما هو الدعوة إلى العودة‬
‫والتشريع بالكتاب والسنة المعين الذي ال ينضب والنور المجيد الذي يسع العالمين في اآلفاق‬
‫وأطوار االستخالف والعمران إلى يوم الدين‪ ،‬وهاتان الخاصتان المجد والمباركة ال تنبغيان إال‬
‫لنور هللا تعالى‪.‬‬
‫وإن هذا ليكفل توحيد األمة بنسف المذاهب المفرقة أهلها شيعا‪ .‬وبمعنى واضح فالحق والحل‬
‫لهذا اإلشكا التفرقي هو عين الحل الذي تبناه يعقوب المنصور الموحدي‪ ،‬ويكون الحل الذي‬
‫خلص إليه صاحب كتاب المذاهب اإلسالمية الخمسة والمذهب الموحد‪ ،‬وهو الحل الظاهر‬
‫الذي ينادي به أمناء هذه األمة الناصحين لدينها‪ ،‬وهو ما دعا إليه كما أشرنا آنفا الفقيه‬
‫البوجمعاوي‪ ،‬يكون هذا الحل متضمنا ومرحلة أولى الزمة‪ .‬يقو القاضي محمد سويد‪:‬‬
‫<ال أريد أن أهدم يا أخي بل أريد من المؤتمرات اإلسالمية التي تقام هنا وهناك أن تختار‬
‫األفضل من أقوا أئمتنا واألكثر التصاقا بالشريعة‪ ،‬واألكثر مالءمة للعقل ومقتضيات العصر‬
‫‪ 33‬المصدر السابق ص‪.245‬‬
‫هذه المصنفات العشرة هي‪ :‬الصحيحان‪ ،‬الترمذي‪ ،‬الموطأ‪ ،‬سنن أبي داود‪ ،‬سنن النسائي‪ ،‬سنن البزار‪ ،‬مسند بن أبي شيبة‪ ،‬سنن‬
‫‪34‬الدار القطني‪ ،‬سنن البيهقي‪ ،‬أحاديث ابن تومرت في الطهارة‪.‬‬
‫الدعوة الموحدية في المغرب‪ -‬عبد هللا علي عالم‪-‬ص ‪ -504‬دار المعرفة‪ 15-‬شارع صبري أبو علم‪ -‬القاهرة‪-‬الطبعة األولى‪-‬‬
‫‪.151435‬‬

‫‪31‬‬

‫ثم تقدم مذهبا واحدا جامعا ال مفرقا‪ ،‬شامخا ال يعلوه شموخ‪ ،‬ومتينا ال تنا منه ثغرة‪ ،‬الصقا‬
‫باإلسالم ال بالسياسة‪ ،‬ذلك هو مذهب اإلسالم‪ .‬ومتى أصبح ذلك حقيقة اطمأنت قلوبنا وهدأت‬
‫نفوسنا ورددنا قوله تعالى‪:‬‬
‫‪36‬‬
‫{وأن هذه أمتكم أمة واحدة' وأما ربكم فاتقون'}(المؤمنون‪>)52‬‬
‫ويقو ‪:‬‬
‫<إن الحث على توحيد األمة ذات الرسالة الواحدة واللغة الواحدة واألرض الواحدة والتاريخ‬
‫الواحد واآلما واألهداف الواحدة واجب على كل من يهتم بها ويفكر بتطورها إلى األفضل‬
‫لتعود كما كانت خير أمة أخرجت للناس‪ .‬ومن هنا ننطلق القتراح الحلو التي تساهم في توحيد‬
‫األمة فنقو ‪:‬‬
‫إن األمر ينحصر في نظرنا في توحيد المحاكم الشرعية وتوحيد دور اإلفتاء بالدرجة األولى‬
‫وفي المجالس الشرعية العليا وفي دوائر األوقاف اإلسالمية ما دامت أركانها قائمة على الخير‬
‫‪37‬‬
‫واإلعمار‪>.‬‬
‫ومن بديهي الحكم وجلي االستنباط أنه لما كان الحق واسعا مجيدا ال يحق فيه الوقف وال ينبغي‬
‫له االنحسار‪ ،‬فاإلشكا الحقيقي أو لنقل من أهمها وأخطرها على وجه الفرض واللزوم بقصد‬
‫مسار االستخالف القوي العزيز‪ ،‬هو إزاحة ونسف كل الحواجز وشتى المقاومات السلبية‪ ،‬أنى‬
‫كان أصلها ومصدرها‪ ،‬من صرف نظام األمة في خدمة االستبداد أو غيرها من العوامل‬
‫المهلكات‪ ،‬ولو كان وضعها الرسمي أضفي عليه ما يضفى على المقدسات‪ ،‬ومن جعل الفقه‬
‫تابعا للقطرية والتكتالت واألغراض محض أرضية والسياسية في صيغة مذهبية يعلم هللا تعالى‬
‫باطلها وزيفها‪ ،‬ويعلمونه هم كذلك‪ ،‬ويتخذونها وليجة وشعارات وظيفية لمآرب الطاغوت الذي‬
‫هم تمثيالته وتجلياته البشرية‪ ،‬ولكن أكثر الناس ال يعلمون‪.‬‬
‫إذا علم هذا ثبت الحكم من غير مرية من أن ما يزعمونه فقها إنما هو محض الوهم‪ ،‬ألن الفقه‬
‫إنما هو حركة المسايرة للحق‪ ،‬وإذ علم إعدام هذا المجا علم يقينا عدمية أية حركية فيه‪.‬‬
‫وبقو مبين فالفقه كتحقق للحق تابع أبدا إيجابا وسلبا للسير الطبيعي في التاريخ واالستخالف‪.‬‬
‫حقيقة معبرة ومكون قد يكفي بسبيل المثل في توضيح الصورة وحقيقة هذا الواقع‪ ،‬تطالعك‬
‫وأنت تقف على أبواب المساجد ملصقات تعلن تأطير مسابقات ودورات مباريات لألطفا ‪،‬‬
‫‪ 36‬المذاهب اإلسالمية الخمسة والمذهب الموحد‪ -‬ص‪504‬‬
‫‪ 37‬نفس المصدر‪ -‬ص‪505‬‬

‫‪32‬‬

‫مخصوصة في فقه اإلمام مالك قصرا دون غيره‪ ،‬أال إن هذا تلبيس عظيم ‪ ..‬ودعوة باسم الدين‬
‫للجاهلية التي نهى عنها اإلسالم وعلى روح مخالفة لما جاء به محمد رسو هللا صلى هللا عليه‬
‫وسلم؛ هي دعوة بالمعايير الواضحة للحق هدفها ترسيخ التفرقة خدمة للقطرية السياسية‬
‫والتكتالت محض أرضية ودنيوية‪ .‬ثم إن هذا كما هو الصحيح أن كل مذهب إذا أخذ لوحده‬
‫ليس هو اإلسالم قطعا‪ ،‬وإنما اإلسالم هو كل ما جاء به الشرع جميعا‪ ،‬وهو من عند هللا العليم‬
‫الخبير‪ ،‬أصله محدد مكمل بالقرآن وسنة محمد األمين رسو هللا صلى هللا عليه وسلم خاتم‬
‫النبيئين والرسل‪ ،‬منفتح إلى يوم الدين بعلم الكتاب والدراسة والربانيين‪ ،‬ليس منحصرا في قو‬
‫رجل من الناس وال رجا من الناس علمهم ال يجاوز أرنبة أنفه؛ وهللا واسع عليم‪< .‬قا أبو‬
‫العباس تقي الدين بن تيمية في فتاويه ما نصه‪ :‬جاءني بعض فقهاء الحنفية فقا لي‪ :‬أستشيرك‬
‫في أمر‪ ،‬فقلت‪ :‬ما هو؟ قا ‪ :‬أريد أن أنتقل عن مذهبي‪ .‬قلت له‪ :‬لم؟ قا ‪ :‬ألني أرى األحاديث‬
‫الصحيحة كثيرا تخالفه ‪ 38>...‬وقصة مالك مع الخليفة العباسي بشأن الموطإ مشهورة‪.‬‬
‫ولئن ثبت أن ليس كل ما يصح يستد به وليس كل ما تصدره الخصوم كاذبا فال يؤخذ به‪ ،‬فإنه‬
‫بخصوص هذه النقاط الثالثة‪ ،‬دالئل الضال البعيد للمذهبية‪ ،‬التي أوالها االختالف‪ ،‬ألن الفقه‬
‫والتشريع لنفس األمة الواحدة هو امتداد لسريان الحق الذي ال ينبغي له االختالف‪ .‬والثانية‬
‫إحال دين مبتدع وشريعة ابتدعوها محل الدين الحق والشريعة الواحدة التي جاء بها رسو‬
‫هللا صلى هللا عليها وسلم واضحة نقية ال يزيغ عنها إال هالك‪ ،‬وهي شريعة األمة جميعا‪،‬‬
‫ووحدة األمة التي سطرها القرآن العظيم الذي ال يأتيه الباطل من بين يديه وال من خلفه‪،‬‬
‫سطرها حقيقة ال يماري فيها وال يجاد فيها بأية حا وصيغ االستدراك إال من أعماه هللا من‬
‫بعد ما جاءه العلم أو سعى بالضال في دين هللا العزيز الحكيم؛ يقو سبحانه وتعالى في مثل‬
‫هؤالء منكرا ومحذرا‪{:‬أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون'}(آ عمران‪)45‬؛ فإن اتخاذ شرائع‬
‫مبتدنة باسم مذاهب فقهية محض تلبيس‪ ،‬ويكفي أن التشريع نظمة متجانسة متوافقة‪ ،‬نظمة‬
‫لها روحها التشريعي‪ ،‬يكفي للحكم في شأنها‪ ،‬وال يلتفت على الملبس عليهم المقتفين أثر‬
‫الضالين ممن زين لهم سوء عملهم ويحسبون أن هذه المذاهب هي داخل إطار اإلسالم‪ ،‬ولكنها‬
‫في الحق شرائع شتى واإلسالم برئ منها‪ ،‬فاإلسالم نظام تشريعي من عند هللا تعالى‪ ،‬وهذه‬
‫المذاهب نظمات وتشريعات مغلقة‪ ،‬روحها مختلفة عن دين هللا تعالى العليم الحكيم‪ .‬والنقطة‬

‫الصوارم واألسنة في الذب عن السنة‪ -‬محمد بن أبي مدين‪ -‬ص‪-154‬ط‪1555-2‬ه‪1545-‬م‪-‬طبع وزارة األوقاف والشؤون اإلسالمية‬
‫‪38‬بالمغرب‬

‫‪33‬‬

‫الثالثة هي تبعية هذه المذاهب التي أحلها أصحابها محل الدين‪ ،‬تبعيتها للتكتالت األرضية‬
‫ودونيتها‪ ،‬وهذه أقصى حدود ودركات األمر بالمنكر والنهي عن المعروف‪.‬‬
‫لنسمع إلى بيانات من حق ظاهر‪ ،‬والمقو أدنى في درجات الحقائق من الحكمة التي أجاز‬
‫الشرع الحنيف األخذ بها استقالال عن مصدرها‪:‬‬
‫يقو شيخ الشيعة د‪ .‬محمد التيجاني في مؤلفه (الشيعة هم أهل السنة‪-‬ص‪:)14‬‬
‫<كيف ال نعجب من الذين يزعمون بأنهم أهل السنة والجماعة وهم جماعات متعددة مالكية‬
‫‪39‬‬
‫وحنفية وشافعية وحنبلية‪ ،‬يخالفون بعضهم في األحكام الفقهية>‬
‫ويقو نعمة هللا الجزائري في مؤلفه (قصص األنبياء)‪:‬‬
‫‪40‬‬
‫<‪ ..‬وقد جعلوا المذاهب األربعة وسائط وأبوابا بينهم وبين ربهم‪>..‬‬
‫ويقو محمد التيجاني في المؤلف نفسه المذكور أعاله كما نقلناه عن ذات المصدر‪:‬‬
‫<‪ ..‬وبهذا نفهم كيف انتشرت المذاهب التي ابتدعتها السلطات الحاكمة وسمتها بمذاهب أهل‬
‫السنة والجماعة>‬
‫وقا مبينا ومؤكدا‪:‬‬
‫< والذي يهمنا في هذا البحث أن نبين باألدلة الواضحة بأن المذاهب األربعة ألهل السنة‬
‫والجماعة هي مذاهب ابتدعتها السياسة‪>..‬‬

‫‪ 39‬نقال عن‪ :‬ال ننخدع ‪ ،‬عبد هللا الموصلي‬
‫‪ 40‬نفس المصدر‪ -‬ص‪101‬‬

‫‪34‬‬

‫الفصل الثاني‬
‫ال تاريخية المذاهب الفقهية أو الموات التاريخي‬
‫العقل الفقهي والعقل الحضاري‬
‫إذا كان الحكم بالرد إلى البعد القانوني وحيثياثه ومعاييره على اعتبار وحكم الماهية القانونية‬
‫للفقه والتشريع حكما حاسما وظاهرا‪ ،‬إال لمن طمس عقله وضمرت بفعل التهجين والتقليد ما‬
‫أنعم الخالق الكريم عليه من نعمة الفؤاد وملكة التمييز‪ ،‬التي لو يعلم بها قوة الحياة الكريمة‬
‫حقا‪ ،‬تحمله في فضاءات الكون الواسع‪ ،‬على قدر تحرره من قيود العبودية لغير هللا والتقليد‬
‫المخالف لشريعة الحق التي بعث بها هللا تعالى رسوله محمدا صلى هللا عليه وسلم‪ ،‬شريعة‬
‫واحدة موحدة‪ ،‬ال مذاهب شذر مدر تدعو للتفرقة‪ ،‬وتنقض بواحا صراحا صريح الوحي وقد‬
‫نز فيه قوله تعالى لسانا عربيا مبينا‪:‬‬
‫{وأن هذه أمتكم أمة واحدة' وأنا ربكم فاتقون' فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا' كل حزب بما لديهم‬
‫فرحون'}(المؤمنون‪)54-55‬‬
‫{وال تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعدهم جاءهم البينات' وأولئك لهم عذاب عظيم}(آ‬
‫عمران‪)105‬‬
‫وهنا ال مندوحة للصدع بأمر من الحق مبين من القو جزما من غير تلكؤ وال نظر خرص من‬
‫بعيد‪ ،‬كون أي من قائل في حيز الخالف واالختالف ما يناقض التنزيل‪ ،‬كما هو شأن من يأخذ‬
‫بسبق االختالف على المذاهبية أصال في اعتباره لشريعة اإلسالم ودين هللا تعالى العزيز‬
‫الحكيم؛ فهذا قد تبين أنه ليس أهال لدرجة هذا األمر ولو نودي في قوم أبطأ بهم نور عقل‬
‫االستخالف والتاريخ بأعلى األلقاب‪ .‬فالدين الذي جاء به الرسو صلى عليه وسلم دين واحد‬
‫شريعته واحدة‪ ،‬األصل في فقهها الوحدة‪ ،‬ومن قدم عليها مكون االختالف أصال فهو إن اعتقد‬
‫في نفسه اإليمان والصالح وكان أمر سريرته وقلبه اإلسالم‪ ،‬إنما هو جاهل استعصى عليه‬

‫‪35‬‬

‫نسق في اإلدراك وتمثل الحقائق‪ ،‬فليمسك وليحجم‪ ،‬فذاك أمر وقدر أواله الحق سبحانه خلقا من‬
‫عباده‪ ،‬فضال واصطفاء وابتالء‪..‬‬
‫إذا كان هذا الحكم حاسما واضحا وضوح اختالف الليل والنهار‪ ،‬ومثبتا إثبات عدم تساوي‬
‫المتعدد للواحد‪ ،‬وبينا على قدر مباينة الحق للباطل‪ ،‬فإن ما أفضت إليه المذاهبية‪ ،‬وهي وإن‬
‫ادعت ما ادعت بشرية في حقيقتها‪ ،‬إنما هو العطل والتوقف عن مسايرة التاريخ‪ .‬فدين هللا‬
‫تعالى وشريعته هي من عنده سبحانه‪ ،‬وأحوا الخلق والكون كل يوم في تجدد وفي كل آن‪ ،‬فال‬
‫ينبغي بالحق حكما لها وتقنينا وتشريعا إال هللا سبحانه‪ ،‬وهللا واسع عليم‪ .‬فانظر إلى أي‬
‫الضال ‪ ،‬هذا الذي حل باألمة بهذا التلبيس والتضليل كما حاق بالذين من قبلنا من تفرقهم‬
‫ومذاهبهم المختلقة على فترة من نزو الكتاب‪.‬‬
‫ما كان للمذهبية أن تتحمل أكثر من طاقتها‪ ،‬وما كان لها أن تسير أكثر من حدود وسعة‬
‫نظرها‪ ،‬فمرجع نظرها بشري‪ ،‬وكل ما هو بشري محدود‪ ،‬وأفقه له منتهى قريب محتوم‪ .‬فترى‬
‫ما قد يكون وراء هذه االستمرارية واإلقرار بذينك التخلف والجمود بالفقه‪ ،‬وهو الدين‬
‫والشريعة‪ ،‬وهو الحقيقة واإلسالم عن الربانية شرط االستخالف؟‬
‫أما ذات اإلشكا الفقهي هذا الذي كنهه االستيعابية والمسايرة القانونية والتشريعية‪ ،‬فهو ذو‬
‫طبيعة متصلة حقيقة وجوهرا بالنظمة التشريعية التي عنصر ماهيتها العلم‪ .‬فلو كانت علة‬
‫العطل التاريخي وعرقلة أن يعود الناس إلى شريعة هللا الواسعة التي ال شريعة تقبل عند هللا‬
‫سواها‪ ،‬لو كانت العلة في هذا اإلطار لكان األمر هينا‪ ،‬ألن إشكاالت الفكر موضعها الفكر‬
‫وخطبها مهما عسر حله استجالء األفكار‪ .‬إذن فليس من تفسير إال أن التفرق المبقي على‬
‫العطل والجمود مشدود وأسير وظيفي لبنية روحها تفرقية‪ ،‬ليس منادح لها عنه‪ ،‬التفرق‬
‫والقطرية والمذهبية إكسير حياتها والشرط اللئيم البقائها واستمراريتها‪ ،‬وحدة األمة الذي أمر‬
‫به هللا تعالى نقيض لمنظارها‪ ،‬ال تحفل بمحاربة أمر قدر احتفالها بمحاربتها إياه ولو كانت‬
‫كلمة وشعار سلطانها اإلسالم‪ ،‬وليس لإلسالم في هذه األمة حقيقة مسارية في التاريخ‬
‫واالستخالف‪ ،‬والصدقية والعزة والمنعة‪ ،‬إال بقدر ما تحققه لنفسها من الوحدة والشريعة‬
‫اإلسالمية الحقة‪ .‬ثم إن اإلسالم نظاما وشريعة هو نقيض االستبداد ونقيض الكسروية في أية‬
‫صورة كانت‪ ،‬وأحكام الكتاب واإلسالم التي أرسل بها هللا تعالى محمدا صلى هللا عليه وسلم ال‬
‫تتوافق البتة وال ينبغي لها ذلك‪ ،‬فالنقيضان ال يجتمعان‪ ،‬ولو اتبع الحق أهواءهم لفسد أمر الدين‬
‫والتبس الحق بالباطل في واقع األمة‪ ،‬تحسب نفسها على دين هللا وما هي عليه‪ ،‬وترى‬

‫‪36‬‬

‫المغضوب عليه والضالين هم اليهود والنصارى وقد حل بها وحذت حذوهم‪ ،‬وهو الحق‪ ،‬ولن‬
‫تجد لسنة هللا تحويال ولن تجد لسنة هللا تبديال‪.‬‬
‫وهب جدال‪ ،‬وذلك ما يدعيه القوم أنهم على المحجة البيضاء‪ ،‬وأنهم على آثار السلف والجماعة‬
‫سائرون وبهم مقتدون‪ ،‬وإنما ما يقا عنهم من تعطيل حقيقة الدين قربانا للحفاظ على نظام‬
‫الملوكية وتوريث األمر والسلطان‪ ،‬وكونهم آثروا ملك الدنيا ال يبغون عنها غيرها‪ ،‬إنما ذلك‬
‫فسوق عن إهاب الحق وباطل من القو ‪ ،‬بغيا وحسدا‪ ،‬وإرجافا غرضه بث الفتنة في دار‬
‫السالم واألمن‪ ،‬والرخاء والرفاه‪ ،‬نعما مترعة أبوابها فضال لسياسة أولي األمر المصطفين‬
‫ملوكا أبد الدهر ذرية ليس على األرض وتحت السماء أهل وال بشر من األمة كفؤا لها عنصرا‬
‫ونبوغا‪ :‬رضع أمراء على المهد دون الفصا ‪ ،‬شيوخ تسلب هيبة الوقار‪ ،‬علماء يدعون على‬
‫المنابر بالفردوس األعلى‪ ،‬والوالء للرضع األمراء‪..‬‬
‫هذا واقع وحقيقة ملء الفضاء ليس ينكرها حتى جدران بيوت هللا والليل والنهار؛ ولكن إن نحن‬
‫سلمنا بقولهم وذهبنا جدال في تصديق دعواهم‪ ،‬أنخنا بكاهل القضية على مقتضى هذا االدعاء‬
‫والقو قد أقررنا به وسلمنا به‪ ،‬فلزم بمقتضاه حقيقته‪ ،‬وإن لكل شيء حقيقة‪ ،‬وحقيقة اإلسالم‬
‫وشريعته قد نالت وأجمع المجتهدون والربانيون من علماء اإلسالم تحققها على ضوء المقاصد‬
‫في الكليات الخمس‪ .‬فأين هي الكليات‪ ،‬وما هو حالها‪ ،‬وما البقية فيها؟؟‬
‫كل بالد المسلمين والعُرْ ب خاصة استبيحت‪ ،‬استحر القتل بأهلها وانتهكت أعراضهم‪ ،‬وهل‬
‫بقي من دين لحكومات تبرم على األشهاد بعث نساء أمة اإلسالم سبايا االرتزاق ألهل الكفر‪،‬‬
‫إماء وكواعب أترابا من غير خيل وال ركاب‪ ،‬سياسة لمن يدعون السنية والجماعة‪ ،‬غيدا يجني‬
‫التوت في حقو البين‪ ،‬ليس مسافة يوم وليلة‪ ،‬نزيالت نزال بأراضي منخفضات؛ هذا بيان‪..‬‬
‫أما الما فكله ظاهره وباطنه‪ ،‬ركازه ومتداوله‪ ،‬جامده وسائله جميعه تحت تصرف عدو‬
‫اإلسالم‪ ،‬عنوة تارة وأخرى في صفقات خيالية يغني علم العالمين بها أن نذكر منها‪ ،‬سواء في‬
‫صيغ العبث العمراني الذي انقلب آية عبثا‪ ،‬أضحوكة تاريخية حين يتفاقم ويكون التفاقم كبيرا‬
‫جدا بين اإلنسان في بعد مدنيته الذي ال تخطئه معايير اللسان واالجتماع‪ ،‬وما يدعيه لنفسه‬
‫ويراد له من نمط تواجدي‪ ،‬بهلوانا تاريخيا ومسخا ال منتسخا حضاريا‪ ،‬أو فيما ظاهره‬
‫تعامالت تجارية في مختلف المناحي الممكنة والمالئمة لهذا الحجر واالستعمار كصفقات‬
‫األسلحة والمهمات األمنية والعسكرية‪.‬‬
‫وذكرى فقهية فالكليات الخمس هي مناط حقيقة الدين والغاية المقصد في تحقق الشريعة على‬
‫داللة القانون والكتاب والتنزيل‪ ،‬المعبر عنه عموما ومطلقا باألحكام‪ .‬فهي بحق شاهد الحقيقة‬

‫‪37‬‬

‫ومرآة صدق لئال يكون للناس على هللا حجة بعدها؛ وكيف يصرف قوم عن شاهد بين ودليل‬
‫ظاهر حين يكون هذا الدليل والشاهد هو عين الحا وذات الواقع الذي يعيشونه ويشهدونه‪.‬‬
‫في هذا الليل الذي آذن أن يعقب غلسه إسفار‪ ،‬وتذهب إلى األبد العبودية السياسية لغير هللا الذي‬
‫خلق وله اختصاص الحكم حكما بالحق قائما بعلم مطلق حكيما خبيرا‪ ،‬يسع علمه سبحانه‬
‫وتعالى أبعاد الوجود كلها واألحوا ‪ ،‬يهيمن على التاريخ وعلى كل آن وحدث وجودي بالحق‪،‬‬
‫هو األو سبحانه رب العرش العظيم رب العالمين‪ ،‬ال يكون أمر في التاريخ والوجود في‬
‫األرض حتى يفصل ويدبر شأنه في السماء‪ ،‬فأنى توفك العقو النيرة وتصرف األفئدة المدعية‬
‫للتفكر األعلى عن حل سؤا ما العمل؟ وما الصبغة األسمى في االجتماع البشري ومنحاه‬
‫األمثل في الحضارة والتاريخ‪..‬‬
‫في هذا الحيز من الوجود التاريخي‪ ،‬واإلنسان مسؤو عن عمله فذاك حقيقة االستخالف‪ ،‬وكل‬
‫من عند هللا‪ ،‬ليس ينقض الحق الحق‪ ،‬سالت دماء االنعتاق في الباستيل فأعتقت أرواحا بشرية‬
‫من عبودية الملوك‪ ،‬والناس بعضهم لبعض وكانوا يدعون الكذب أنهم أهل دين وعدالة‪ ،‬ولكنها‬
‫عدالة كل الشعب فيها موؤود‪ ،‬والدين سلطان‪ .‬حررت الثورة الفرنسية نحو السواسية في‬
‫االحتكام للقانون‪ ،‬ولو كان قانونا ليس يستمد روحه إال من قوة الوضع واإلجماع‪ .‬وعلى هذه‬
‫السنة المحمودة عند هللا القوي العزيز بوجوب عدم الركون للظالمين واالستكانة التاريخية‬
‫المهينة والرضا بها للنفس والذرية واألحفاد‪ ،‬والسعي في تحقق الحق قانونا وجوديا على قدر‬
‫التحري والجهد واإلمكان كان من شأن الثورة البلشفية ما غير تاريخ البشرية برمته‪ ،‬فأرعبت‬
‫قوة الحق ولو في حدود إسقاطها المدرك عند البالشفة ورجا الثورة برغم المثالب التي ال‬
‫يخلو عنها ومنها أي مسار تاريخي‪ ،‬وما يجهله األعداء أو يتجاهلونه هو أنه بقدر قوة المسار‬
‫وعظمته تكون مقاومة أمشاج أزمات وعراقيل‪ ،‬أرعب الحق في صورة بناء ثوري محض‬
‫بشري صروح االستعمار الرهيب واالمبريالية المتوحشة بمختلف ألوانها الفاشية وديمقراطيتها‬
‫الكاذبة وإنسانيتها التمساحية‪ .‬وهل ثمة اليوم خير من أمن األوطان وحفظ الما والولد‪ ،‬وأي‬
‫شيء في الدين يبقى؟ وإنما الدين أحكاما مقامها اإلعالم‪ ،‬أمة لها سيادة على وطنها وطن ودار‬
‫اإلسالم‪..‬‬
‫وعلى هذه السنة التاريخية المجيدة التي ستبقى ما بقي رجا في بقعة أية بقعة من بقاع‬
‫األرض‪ ،‬زهق باطل البشر الذين يريدون استعباد الناس‪ ،‬وتبين للعالمين‪ ،‬وقد مكر كبراء العالم‬
‫على مشارف انتهاء الحرب العالمية الثانية مكرا وجهلوا جهال مستخفا بكرامة الشعوب‬
‫فشيأوها وأوطانها ومصيرها‪ ،‬مقايضة ال يولون على شيء من مبادئ ثوراتهم وديمقراطياتهم‪،‬‬

‫‪38‬‬

‫تبين أن إرادة الشعب إذا ما أراد الحياة قاهرة‪ ،‬تخسف على حين غرة بالملوك ويخر السقف من‬
‫فوقهم؛ قد برهن الحق من خال الثورة اإليرانية لمن شاء أن يذكر و يهتدي أن اإلسالم ال‬
‫يرضى أهله بغير ما جاء به رسو هللا صلى هللا عليه وسلم نظاما وسياسة لمجتمع المسلمين‪،‬‬
‫فما جاء اإلسالم إال ليقلع الكسروية والعبودية للبشر واالستئثار بخيرات األرض من دونهم‬
‫وأكل أموالهم‪ ،‬فهذه وإن ادعى أهلها الكذب أنهم يعبدون هللا ويخدمون دينه شاكلة الملوك‬
‫والكهنوت ال تنبغي في دين هللا تعالى الذي له الكبرياء ذي العزة والجبروت‪ ..‬وإنها لثورة‬
‫وقومة لتحرير البالد والعباد من العبادة المكرهة للشاه والسقف الحمائي إلى القانون المطلق‬
‫طريق الحياة الفاضلة في التاريخ‪..‬سننه ونسقه‪ ،‬من أدق خاطرة تخالج اآلن التواجدي ألية خلية‬
‫في وجود اإلنسان‪ ،‬إلى أكبر عامل توجيهي وجودي من مدرك ومفترض من مؤسسات الفكر‬
‫واالجتماع اإلنساني‪..‬‬
‫يقو الكاتب والسياسي السوري ميشيل كيلو في مقا له وبعنوان يفي بداللة الواقع (رجا‬
‫السلطة يقامرون بالوطن؟) وإن كان االستفهام يسلب تمام تقرير الحا ‪ ،‬وهو واقع حقيقة على‬
‫أم األشهاد‪ ،‬فإذا ما شهد باألعيان فصل األمر في األقوا ؛ يقو الشاهد بالحق على هذه العالقة‬
‫التي ما هي بحقيقة عالقة الحاكم بالمواطن وال بالرعية‪ ،‬ولكن بصاحب المتاع بمتاعه يتصرف‬
‫فيه كيفما شاء‪ ،‬وهي ال شك عالقة تغييب تاريخي ألمة استحالت من بعد عدالة العمرين‪ ،‬ومن‬
‫بعد زمن كان كل مولود ذكر فيها يمكن أن يصبح خليفة رئيسا للدولة اإلسالمية‪ ،‬استحالت‬
‫بعده بشقاء فروق الدماء والقبلية الجاهلية األولى غثاء كغثاء السيل‪ ،‬يقو الكاتب‪:41‬‬
‫< ثمة اقتناع رسخته التجارب‪ ،‬جعل مواطنين عربا كثيرين يعتقدون أن القوى الحاكمة في‬
‫عديد من بلدانهم تعطي سلطتها األولوية على وطنها‪ ،‬بل وتضعها في مواجهته‪ .‬وثمة تطبيقات‬
‫فاقعة لهذه الظاهرة برزت مؤخرا بصورة سافرة‪ ،‬لمس المواطن وجودها في مناطق عديدة‬
‫أهمها السودان والعراق‪ ،‬وبدرجة أقل في اليمن ولبنان‪.‬‬
‫هناك‪ ،‬بخصوص ترجيح كفة السلطة على كفة الوطن‪ ،‬رواية قديمة عن آخر خلفاء بني‬
‫‪42‬‬
‫العباس‪ ،‬الذي قا ردا على تحذيره من غزو مغولي كان يكتسح العراق‪ (:‬بغداد تكفيني) ‪.‬‬
‫فكشف بقوله هذا وجود نوع من الحكام ال يرى من وطنه غير سلطته وكرسيه‪ .‬وصار هذا‬
‫الخليفة بعد ذلك التاريخ نموذجا يشهد على خيانة أمانة الحكم‪ ،‬جعلته العرب مضرب األمثا‬
‫وتخوفت من تكراره واعتبره وصمة عار في جبين كل من يفعل شيئا مشابها في أي حين وأية‬
‫‪ 41‬القدس العربي‪ -‬العدد الصادر ليوم ‪2010\1\14‬‬
‫‪ 42‬هذا ما سيكرره ويعيده إلى التاريخ بشار األسد بعد فترة قصيرة أمام ثورة الحق في األرض ليكتفي بضاحية من ضواحي دمشق‬

‫‪39‬‬

‫أرض‪ ،‬باعتبار أن تفضيل السلطة على الوطن‪ ،‬إن تعارضت مصالحهما أو تناقض وضعهما‪،‬‬
‫يعد جريمة ال تغتفر ألي حاكم‪ ،‬بما أن للسلطة مهاما محددة تتصل حصرا بإدارة شؤون وطنها‬
‫بأكثر الصور فاعلية‪ ،‬وحمايته من أي عدو داخلي أو خارجي‪ .‬فليس من حقها إذن وضع نفسها‬
‫فوق وطنها أو في مواجهته‪ .‬وإال انقلبت من جهة تحميه إلى خطر يهدد وجوده‪ ،‬وصار‬
‫التخلص منها مصلحة وطنية عليا>‬
‫هذا على دليل الفقه باعتباره تحري الحق في إقامة الدين وتحقيق األحكام مما يعبر عنه‬
‫بالكليات الخمس‪ .‬فهذه حقائق ثالث دليل الصدق بعضها لبعض؛ الدين إنما هو واقع وحقيقة‬
‫ونظام‪ ،‬يعاش على مستوى الفرد والمجتمع والمؤسسات جميعها‪ ،‬السياسي منها والمالي‪ ،‬ومن‬
‫سعى للتفرقة بينهما فإنما هو عدو هلل ولرسوله ولروح النظام االجتماعي ألمة اإلسالم‪ .‬ثم إنه ال‬
‫يمكن البتة الحديث عن حياة فقهية دونما وجود لبيئة هذه الحياة التي جعل هللا تعالى أهم سننها‬
‫الالنمطية والسيرورة قدما في التاريخ فقها ودينا قيما مجيدا في فضاء الوجود مطلقا ليس يحده‬
‫من البريئة إال كافرا أو جهوال‪.‬‬
‫كذلك مما يعلمه رجا الفكر التاريخي االجتماعي والسياسي أن الفقه باعتباره هو عين تحقق‬
‫الدين اإلسالمي‪ ،‬ال يمكن له أن يجد شروطه إال في بنيات محددة وداخل أنظمة سياسية‬
‫واقتصادية؛ أما مقوالت المستبد العاد فإنما هي دليل تهافت وال علمية كلمات ونتاجات‬
‫أصحابها‪ ،‬ولو حشر بعضهم في ثلة مقاالت األنوار والموسوعيين‪ ،‬فإنه بالحتم الحق تتوافق‬
‫طباقا أنظمة االجتماع بعالقات اإلنتاج؛ وإننا نتلو من محكم الحق واآليات قو هللا تعالى العليم‬
‫الحكيم‪{:‬ما أفاء هللا على رسوله من أهل القرى فلله وللرسو ولذي القربى واليتامى‬
‫والمساكين وابن السبيل كي ال يكون دولة بين األغنياء منكم'}(الحشر‪ )4‬وكما قا أبو بكر‬
‫الصديق رضي هللا عنه بصرامة الموقن في الحق والعلم اليقين‪<:‬وهللا ألقاتلن من فرق بين‬
‫الصالة والزكاة>؛ وأن هذين الشرطين كفيالن على بعد المالءمة البنيوية لضمان وكفل‬
‫عالقات إنتاجية متزنة متطورة غير نمطية‪ ،‬وعادلة غير استغاللية واستعبادية‪ ،‬ال ينبغي فيها‬
‫الملوكية وال االستبداد‪ ،‬ال السياسي وال المالي‪ ،‬بله أن تصبح الشعوب قطعانا تورث واألرض‬
‫وما فيها وما أنز هللا الرزاق فيه من رزق ليكون أصال لكل الناس سواء‪.‬‬
‫هناك ارتباط تواجدي للفقه كحقيقة بالوضعية التاريخية التي هي حا وواقع االستخالف‬
‫األرضي‪ ،‬فالعقل الفقهي والعقل الحضاري كالهما نلى ذات السلم‪ ،‬وال حركة لألول دون‬
‫الثاني أبدا‪ ،‬ومن ادنى غير ذلك فقد افترى افتراء بينا‪ ،‬ألنه ببساطة ال حركة في غير وسيط؛‬
‫وما يذكر إال البصائر واأللباب‪ .‬فحفظ أقوال السلف من الفقهاء شيء والكينونة أو الحقيقة‬

‫‪40‬‬

‫الفقهية شيء آخر‪ .‬فال انفتاح وال انطالق للعقل الفقهي من غير شرط انفتاح الرباني‬
‫لالستخالف في العصر والتاريخ؛ وأي إخالل ببنية الحق فيهما معا قد تؤدي إلى توقفهما‬
‫جميعا‪.‬‬
‫وبناء عليه‪ ،‬فدعوى أن هناك حياة وتواجدا فقهيا مسايرا دعوى باطلة‪ ،‬وهذه حالة األمة بين‬
‫تخلفها‪ ،‬ظاهر توقف عقلها في مسايرة العالمين في التقانة والصناعة‪ ،‬حتي مكبرات الصوت‬
‫في المساجد ومكيفات الهواء في القر والحر تثير في قرارة النفس وفي قلب كل مسلم حي أيما‬
‫اشمئزاز وأيما استفزاز بالحروف الالتينية الدالة على األمم المصنعة لها‪ ،‬وكأن لهم عقوال غير‬
‫عقولنا وأعينا غير عيوننا‪ ،‬وكأن ابن سينا رحمه هللا لم يكن من أمتنا‪ .‬فاللهم ربنا رب العالمين‪،‬‬
‫فرج كربة هذه األمة وحل عطلها الفقهي والحضاري‪ ،‬وأهلك اللهم أعداءها من بني جلدتها‬
‫المستبدين وسدنتهم الضالين المضلين‪..‬‬
‫الواقع شاهد على نفسه‪ ،‬وإنما ما بقي هو خيط رفيع بقية من العلماء الربانيين الصالحين شهودا‬
‫وحجة للناس وتذكرة لعلهم يرجعون من بعد هذا الموات المسجى بباطل المذاهب الفقهية‪ ،‬التي‬
‫ركن إليها ووجد فيها المستند المفرقون أمتهم عددا؛ كل رهط من دهاة الغصب بمصر وقطر‬
‫من أقطار أمة الشهود هو السيد والرب‪ ،‬دينه المذهب حتى ال يقو ديني غير دين أولئك‪ ،‬وهذا‬
‫مكمن التلبيس العظيم للحق بالباطل‪ ،‬الدين المذهب والمذهب غير المذهب‪.‬‬

‫‪41‬‬

‫الباب الثاني‬
‫المذاهب الفقهية ليست من نند هللا تعالى‬

‫‪42‬‬

‫الفصل األول‬
‫حقيقة المذهبية جعل الدين نضين‬
‫تجزئة األحكام التي في كليتها هي اإلسالم دين هللا الذي بعث به نبيه محمدا صلى هللا عليه‬
‫وسلم‪ ،‬تجزئتها أو باألصح تعبيرا وبيانا تجزئة الدين وجعله مذاهب وأجزاء عضين لن يبقي‬
‫حقيقته؛ إنما هي وإن سميت على أسماء أحبار من هذه األمة وعباد صالحين‪ ،‬فهي بشرية‬
‫محضة وال يماري فيها إال من ذهب نوره واتبع هواه وأضله هللا على علم من بعد ما جاءتهم‬
‫البينات‪ .‬هذا االنفصا وهذا الفسوق عن إهاب وحقيقة الدين كما أنزله هللا العليم الحكيم‪،‬‬
‫سيجعل ال ريب هذه المذاهب المزعومة دينا أنظمة محدودة السعة‪ ،‬ال ينبغي لها االمتداد ال في‬
‫األحوا وال اآلماد؛ هي منفصلة منقطعة عن الروح الموحى‪ ،‬الذي هو القوة والسعة المجيدة‬
‫لإلسالم‪ ،‬دينا قيما مسايرا‪ ،‬يسع الوجود ومجا التاريخ واالستخالف إلى يوم الدين؛ فال جرم‬
‫أن يصيب هذه المذاهب التي يدعي أصحابها أنها من عند هللا وما هي من عند هللا‪ ،‬ألن تجزيء‬
‫الشيء أو اعتباره التجزيئي ال يبقي على حقيقته أبدا‪ ،‬ال جرم أن يصيبها العطل ويبلس الذين‬
‫فرقوا دينهم وأمتهم شيعا بغيا على بني جلدتهم ومن أجل أنظمة تاريخية سياسية باطلة‪ ،‬ومكر‬
‫أولئك هو يبور‪ ،‬وليتبين أنها ليست من عند هللا الحكيم الخبير‪ ،‬وأن هللا تعالى يسمع من يشاء‬
‫وما أنت بمسمع من القبور‪.‬‬
‫أما وقد وقفنا على هذه الحقيقة واألمر الجلي عساه أن يجلي عن األبصار غشاوة ما جبلت عليه‬
‫النفوس من الركون إلى التقليد‪ ،‬فإننا نهيب بأمر حري بنا أن ننتبه إليه‪ ،‬واخلولق وأشدد بقوة‬
‫البرهان المستمد منه‪ ،‬ذلكم اتباع النور وتالوة الحق واآلية من قوله تعالى‪ ،‬وهو هللا ال إله إال‬
‫هو رب العرش العظيم‪ ،‬وسع كل شيء علما‪ ،‬وهللا يعلم وأنتم ال تعلمون‪ ،‬قوله سبحانه وتعالى‪:‬‬
‫{أفال يتدبرون القرآن' ولو كان من عند غير هللا لوجدوا فيه اختالفا كثيرا'}(النساء‪)11‬‬
‫وإن تعجب فعجب من يدعي أن هذه المذاهب‪ ،‬كل مذهب منها هو من عند هللا‪ ،‬وأنظمة بشرية‬
‫في العلم والفكر أقل منها خطال واختالفا‪ ،‬فهي تعج باالختالف والتناقض‪ ،‬فما أعظمها فرية أن‬
‫يدعى أنها الدين والشريعة؛ وإنما دين اإلسالم وشريعة مصدره الحق ومرجعه علي حكيم‪.‬‬
‫وأما البشري وما اختلط به مما في األرض فسرعان ما تعتريه عوارض الحدثان‪ ،‬فيقصر‬

‫‪43‬‬

‫وينحسر عن السير واالمتداد في مطلق األرض وواسع اآلفاق‪ ،‬فالجوهرية المباركة والمجيدة‬
‫هي لنور هللا تعالى؛ يقو هللا تعالى‪{:‬ق' والقرآن المجيد'}(ق‪{)1‬وهذا ذكر مبارك أنزلناه أفأنتم‬
‫له منكرون'}(األنبياء‪ ،)50‬ومن يقو بالمذهبية سواء في األصو أو في الفروع كما يلبس‬
‫إبليس على بعضهم ألن الفروع إن هي إال قراءة وتنزيل لألصو على االمتداد واألحوا التي‬
‫ال تنحصر‪ ،‬من يقو بالمذهبية فقد زعم‪ ،‬أدرك ذلك أم لم يشعر به ولم يلق له با ‪ ،‬أن لهؤالء‬
‫األئمة البشر ميزات ليست لغيرهم وال لألنبياء عليهم السالم حتى‪.‬‬
‫ثم ال بد لنا من التحديد بدءا لما نعني به هنا من معنى التناقض واالختالف‪ ،‬وقد رأينا كثيرا مما‬
‫كتب حصرا حو هذا الموضوع‪ ،‬موضوع الخالف واالختالف؛ وإنه من غير التوجه رأسا‬
‫إلى جذر اإلشكا والسؤا لن يتوخى أكثر مما كان‪ ،‬إال قولين وإن كان حيز سريانهما‬
‫محدودا‪ ،‬أولهما‪ :‬االختالف بمعنى الالمطابقة مما هو متوافق مع التفسير التأصيلي للمذاهب‬
‫الفقهية‪ ،‬أي بحسب البيآت االستخالفية بأبعادها التاريخية االجتماعية والجغرافية‪ .‬والثاني‬
‫يذهب بمسافة أكثر نحو جذر اإلشكا وذلك بالرد لالعتبار السائد لألثر‪(:‬اختالف أمتى رحمة)‬
‫كما ذهب إليه علماء كبار وأئمة فقهاء؛ وبرهانهم في قولهم فاقع وحجتهم في ذلك ظاهرة‪ ،‬وهو‬
‫أن هذا االعتبار مناقض ألساس ظاهر من أسس الدين ولشرط قائم لقيام األمة‪ ،‬شرط الوحدة‬
‫والتوحد ال التفرق والتشرذم عضين‪ ،‬كما أفضى الحا بها اليوم بشعار المذاهب المبتدعة اآليلة‬
‫باألمة إلى مزيد من الضعف والوهن والضال ؛ فمن يرجح أثرا أو قراءة أو تأويال على القرآن‬
‫المحكم المبين فإنما يعني ذهوب نوره فال يكونن من الممترين‪.‬‬
‫إذا فشطر من اإلشكا وكثير مما كتب كان أمره مقضيا بالفصل المدرك لما بين االختالفين من‬
‫اختالف كبير‪ ،‬وبين بينهما شاسع كما يبين المشرق عن المغرب والشيء عن غيره ومما سواه‪.‬‬
‫فاالختالف التعددي بادئ الحكم ال ينبغي أن يختلط أمره في القلوب واألذهان باالختالف‬
‫البنيوي الذي نز اللفظ على معناه في اآلية الكريمة المحكم بيانها من القرآن العظيم؛ وإنه‬
‫يكفي درءا لهذا الخلط استحضار عامل التعدي واللزوم‪ ،‬فبه يبرز البون ويظهر أن شتان ما‬
‫بين المعنيين‪.‬‬
‫ال شك أن الصورة قد اتضحت‪ ،‬وأن رد العلماء لألثر اآلنف ذكرا هو في كنهه وإن احتمل‬
‫على ضعف ثبوته‪ ،‬رد ودرء للقراءة وحمل اللفظة على الداللة البنيوية التي هي داللة اآلية‬
‫البينة؛ ثم إن االختالف التعددي له كل اإلمكان في االعتبار حكما تشريعيا واحدا؛ فهذا من‬
‫أبجديات ما يعلم ويفقه في علم المنطق بما هو‪ ،‬ال كما يتصوره من يفتري على هللا الكذب‬
‫ويضل الناس عن علم الحق‪ ،‬ولكن بما هو علم أساس الحساب واألهلة‪ ،‬وميزان علم صناعة‬

‫‪44‬‬

‫والقيام بفريضة وأمر هللا ذي العزة والجبروت‪{:‬وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط‬
‫الخيل ترهبون به عدو هللا وعدوكم وآخرين من دونهم ال تعلمونهم' هللا يعلمهم' وما تنفقوا من‬
‫شيء في سبيل هللا يوف إليكم وأنتم ال تظلمون'}(األنفا ‪ )11‬وقوله عز وجل‪{:‬لقد أرسلنا‬
‫رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط' وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد‬
‫ومنافع للناس' وليعلم هللا من ينصره ورسله بالغيب' إن هللا قوي عزيز'}(الحديد‪ .)24‬ذلك‪ ،‬وقد‬
‫أمكن كذلك بالحق على بعد الحكمة في غير النقطة التشريعية الواحدة اعتبار التعددية‪ ،‬إال أن‬
‫تصغى وتنحو إلى حقيقة االختالف البنيوي‪ ،‬الذي يتحو االعتبار به والنظر إلى اإلطار‬
‫الواحد والكلية الواحدة‪ ،‬كنظمة ومرجعية قانونية وتشريعية واحدة‪ ،‬ال ينبغي لها التناقض‬
‫البنيوي والمعاييري؛ وذلكم بالضبط والتحديد ما سنقدم على رجاء التوفيق والسداد من هللا‬
‫العلي الحكيم‪ ،‬الهادي إلى الحق وإلى طريق مستقيم‪ ،‬أن نبينه ونجلي ما تعج به المذاهب من‬
‫االختالف البنيوي‪ ،‬سواء باعتبارها مذهبا ونظمة دينية مستقلة لوحدها‪ ،‬أو بعدم إهما أنها في‬
‫الحقيقة تدعي كونها مذاهب دين واحد؛ واإلسالم وأحكام القرآن وبيان رسو هللا صلى هللا‬
‫عليه وسلم الذي ترك أمته على المحجة البيضاء براء من هذا التفرق واالختالف‪.‬‬
‫وموازاة مع ذلكم‪ ،‬والحا أن الدين كله قد تم بيانه واستكمل‪ ،‬وشأن الصالة خاصة قد استوفى‬
‫بالصحبة الشريفة والسنة المستفيض نقلها عمال وخبرا على نور وهدي أمره عليه الصالة‬
‫والسالم‪((:‬صلوا كما رأيتموني أصلي))‪ ،‬من أجل ذلك فكل ما تبين أنه الحكم الصحيح دللنا‬
‫عليه‪ .‬وإنه لمن دواعي لزوم النظر في مسمى المذاهب الفقهية وأحرى أن تسمى المذاهب‬
‫الدينية‪ ،‬أن يتفرق فيها الدين وأحكامه الشرعية البينة‪ ،‬وكل منها أقسم على أن يخالف قسيمه‪.‬‬
‫وهذا المنوا يأتي على توافق يفرضه إطار الدراسة والنقد الموجه أساسا في هذا القسم والحيز‬
‫منه استنادا على القراءة النقدية لمرجع فقهي على المذاهب األربعة وتحديدا‪(:‬كتاب الفقه على‬
‫المذاهب األربعة‪ -‬تأليف عبد الرحمان الجزيري‪ -‬إشراف مكتب البحوث والدراسات‪ -‬دار‬
‫الفكر للطباعة والنشر والتوزيع‪ -‬الطبعة األولى‪)1551‬؛ سيكون إذا نظرنا وبحسب ما يرى‬
‫مستوفيا الغرض وكفاية البرهان على ترتيب مباحث المصنف أوال بأو ‪ ،‬على أوضح صورة‬
‫وأبسط عرض لحقيقة المذاهب‪ ،‬التي تعالى هللا الحق أن تكون هي اإلسالم وشرعته‪ ،‬الشرعة‬
‫الواحدة الكاملة المنزهة عن كل نقيصة وعن كل اختالف‪ ،‬من سعى في تفرقتها كان سعيه‬
‫باطال مدحورا وكان من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا؛ فدين هللا ال يتجزأ؛ هي الحق من علي‬
‫حكيم؛ والحق محيط ال يتجزأ وال يختلف؛ ومن يستنكف ويتبع غير دين هللا الواحد األحد فليس‬
‫له في الدنيا وال في اآلخرة من ولي من بعده؛ وإن الدين عند هللا اإلسالم‪ ،‬والمذاهب هاته ليست‬

‫‪45‬‬

‫هي إياه يقينا؛ وال يغرنكم باهلل الغرور فإنما كان ضال اليهود والنصارى من بعد ما جاءهم‬
‫العلم بغيا بينهم؛ وهللا غني عن العالمين‪.‬‬
‫‪.‬‬
‫‪.‬‬
‫‪.‬‬
‫لنشرع إذا في نقد القو المذهبي من غير إكسابه درجة العقل والنظمة التوليفية والفكرية ألنه‬
‫دونها وبعيد عنها كل البعد؛ وسنعتمد على مفهوم المعيار الدا في خصوصه على الفردانية‬
‫والتضارب والتغيير للموازين من غير استقرار على حا وميزان واحدة‪ ،‬مما يد بالطبع‬
‫والبديهة على افتقاد أي مرجع للحق والميزان‪.‬‬

‫‪46‬‬

‫الفصل الثاني‬
‫ضالالت االختالفات المذهبية‬
‫التفاقم المعاييري الصارخ‬
‫ االختالف في تعريف الطهارة‬‫هو عند الحنفية النظافة عن حدث أو خبث؛ وهو تعريف فاسد ظاهر وبين فساده‪ ،‬ألنها حكم‬
‫شرعي وصفة وحالة شرعية‪ ،‬ووجودها مستقل عنهما‪ ،‬نعني عن الحدث والخبث؛ كما أنها في‬
‫جوهر المعنى ومن جهة البيان والداللة ليست فعل نظافة؛ هي حالة تحصل به وليس هو إياها‪.‬‬
‫فساد هذا التعريف البنائي والتقعيدي لما بعده قد ولد وأنتج ضروبا من االختال والخطإ في‬
‫القو بعضها من بعض‪ ،‬وأودى باالبتعاد عن حقيقة الفقه وروحه‪ ،‬والتكلف والتمحل والسؤا‬
‫عن أشياء ليست منه‪ ،‬كالغاية وتكلف البحث والخرص في معرفة وتحديد مقاصد وحكمة‬
‫الشارع من أحكامه‪ ،‬فذلك ليس موضوعه الفقه كعلم مختص بأحكام الشريعة‪.‬‬
‫وتعريف الحنابلة والشافعية ال يبعد عن تعريف الحنفية وإن قا الحنابلة كونها ارتفاع الحدث‬
‫وقا الشارح أن معناه‪< :‬زوا الوصف المانع من الصالة ونحوها> فقد عرفت بما هي مستقلة‬
‫عنه وجودا؛ كما أن العالقة الشرطية ال تنتج أبدا وال تكفي في التعريف‪ ،‬وهذا معلوم في ميزان‬
‫الحق والمنطق‪.‬‬
‫هاهنا قو المالكية أصح األقوا وأقربها للحق بكون الطهارة صفة حكمية وإن كان التعريف‬
‫أو النقل الذي جاء عند المؤلف في شرحه غير صحيح‪ ،‬وذلك في قوله‪:‬‬
‫<المالكية‪ -‬قالوا‪ :‬الطهارة صفة حكمية توجب لموصوفها استباحة الصالة‪>..‬‬
‫فالصحيح والسليم هو‪ :‬تجيز ويصح معها‪.‬‬
‫وقد لمسنا نفس الخطإ في نوعه‪ ،‬ولعله اختال وقع عند المصنف في قوله وهو يعرض‬
‫لتعريف الشافعية بأنها (فعل شيء تستباح به الصالة من وضوء وغسل وتيمم وإزالة نجاسة أو‬
‫فعل ما في معناهما‪ ،‬وعلى صورتهما‪ ،‬كالتيمم واألغسا المسنونة والوضوء على الوضوء)‬
‫قا ‪ <:‬وقوله ‪ :‬أو ما في معناهما‪ ،‬كالوضوء على الوضوء‪ ،‬واألغسا المسنونة‪ ،‬معناه أنها‬

‫‪47‬‬

‫طهارة شرعية‪ ،‬ومع ذلك لم يترتب عليها استباحة الصالة‪ ،‬ألن الصالة مستباحة بالوضوء‬
‫األو وبدون غسل مسنون‪ ،‬ألن الذي يمنع من الصالة الجنابة‪ ،‬واالغتسا منها واجب ال‬
‫مسنون‪ ،‬فال بد من إدخالها في التعريف حتى ال يخرج عنه ما هو منه>‬
‫أقو بأن لفظ‪ ،‬ولعله من قو المؤلف‪ ،‬لفظ‪( :‬يترتب) ينسف ويهدم صحة الكالم‪ .‬وكذلك‬
‫فالجنابة‪ ،‬أي الغسل منها‪ ،‬داخل في التعريف الوارد في مادة (غسل)‪.‬‬
‫وخالصة القو ‪ :‬إن كل هذا االختالف والخلط مرده البناء على تعريف للطهارة كونها فعال‪،‬‬
‫وهو تعريف فاسد بين فساده‪ ،‬غير صحيح‪.‬‬
‫أما قو المؤلف‪ <:‬وبهذا تعلم أن النجاسة تقابل الطهارة> على داللة اللفظ الشرعي والفقهي‬
‫فهو قو غير صحيح البتة وغير سليم تصورا‪ ،‬ألن الطهارة حكم شرعي‪ ،‬أما النجاسة وذلك‬
‫هو عموم ما تد عليه لغة وفقها‪ ،‬إنما هي محسوس من الذوات وشيء ماهيته نجسة‪ ،‬فكيف يا‬
‫ترى يسلم تصور من تساوت عنده الصفة والذات‪ ،‬وهما جوهران يتباينان تمايز الوجود‬
‫والعدم؟ فالحا ال تقابلها إال الحا ‪ .‬فهي كما جاء في 'مبحث النجاسة' عند عبد القادر الرحباوي‬
‫في كتابه 'الصالة على المذاهب األربعة مع أدلة أحكامها‪ :‬النجاسة هي القذارة التي يجب على‬
‫‪43‬‬
‫المسلم أن يتنزه عنها ويغسل ما أصابه منه‪>.‬‬
‫وبالطبع‪ ،‬وإن كان المعنى المعجمي لمادة (نجس) أصله الماهية والمحسوس‪ ،‬فقد يجوز‬
‫تصريفه على المجاز‪ ،‬وهذا ما نلفيه ونقرره إثباتا من قو المؤلف في اآلية من كتاب هللا تعالى‬
‫العزيز الحكيم‪{:‬إنما المشركون نجس}(التوبة‪< :)21‬فالمراد به النجاسة المعنوية التي حكم بها‬
‫الشارع‪ ،‬وليس المراد أن ذات المشرك نجسة كنجاسة الخنزير> وإن كان حكمه وقوله هذا‬
‫ليس مطلق االتفاق‪.‬‬
‫أما بخصوص الكالم في طهارة ونجاسة األعيان وميتتها ودمها‪ ،‬فاألصل الحديث وقوله عليه‬
‫الصالة والسالم‪ (( :‬أحلت لنا ميتتان ودمان‪ :‬السمك والجراد‪ ،‬والكبد والطحا )) أخرجه ابن‬
‫ماجة وأحمد‪ .‬كما أن اإلجماع في خصوص هذا الحيز والمسائل ليس بمتعسر بالدليل الفقهي‬
‫والمرجحات المختبرية الطبية والصيدلية ونحوها‪ ،‬وال عبرة لمن أراد الخالف للخالف‪.‬‬
‫أما سؤا تخليل الخمر فيجلي ويبرز الميز بين المسكر والمنجس؛ وكالهما في واقع الحا‬
‫مادة طبيعية إحداهما تؤثر في العقل لخاصات حيوية كيميائية‪ ،‬واألخرى خاصاتها كذلك‪ ،‬وبه‬
‫يظهر أو اختالف على مستوى العلم واإلدراك‪ .‬وإذا ما نظرنا إلى السؤا بغض النظر عن‬
‫كتاب الصالة على المذاهب األربعة مع أدلة أحكامها‪-‬عبد القادر الرحباوي‪-‬ص‪-55‬دار السالم للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة‪-‬‬
‫‪-43‬القاهرة‬

‫‪48‬‬

‫وجود أو عدم وجود ألصو علمية من الكتاب والسنة قد تفصل في الحكم من أوله‪ ،‬فلئن كان‬
‫شيء في الشرع يتغير حكمه بتدخل اإلنسان فيلزم إبعاد شرط (بنفسه) في التخليل‪ ،‬ومن ثم‬
‫يكون قو المالكية والحنفية أصح‪.‬‬
‫ها هنا تناقض الشافعية ظاهر و مثا جلي مبرز ألولي األلباب في خروج المذهبية المجزئة‬
‫للدين عن روح الشريعة‪ ،‬فالعقل البشري وهو قصارى ما تبلغه المذهبية أمره كمن ال يهدي إال‬
‫أن يهدى‪ ،‬إنما اإلسالم شريعة مباركة تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها‪ ،‬واسعة لما في السماوات‬
‫واألرض‪ ،‬ال تتجزأ أمرا من لدن حكيم عليم‪:‬‬
‫يقو الشافعية في تخليل الخمر‪<:‬ولو نزعت النجاسة في الحا >‪ .‬فهذا معياره المباينة القطعية؛‬
‫أما حكمهم في الصوف والشعر والريش والوبر بالنجاسة إال إذا انفصلت بنتف وكانت في‬
‫أصولها رطوبة أو دم أو قطعة لحم لم تقصد‪ ،‬أي ال قيمة لها في العرق‪ ،‬يعني أنها طاهرة‪ ،‬فهذا‬
‫ميزانه ومعياره التقدير‪ ،‬الذي هو معيار الحنفية في حكم تخليل الخمر‪.‬‬
‫فانظر إلى هذا التضارب المذهبي العجيب‪ ،‬وكل منها يدعي بحاله أنه نظمة ودين قائم بذاته؛‬
‫فالعبرة بالواقع ال بتلبيس الحق بالباطل وتسمية الحقائق والوقائع بغير أسمائها؛ فكل ما ليس‬
‫ينتظم ويعج باالختالف ليس من عند هللا تعالى العليم الحكيم‪.‬‬
‫كذلك نرصد هاهنا خروج الحنابلة عن ميزانهم ومعيارهم األو بأخذهم واعتبارهم للتقدير‪،‬‬
‫معيار الشافعية في الحكم في نجاسة الميتة بقولهم‪ <:‬ولكن يعفى عنها إذا وقع شيء منها بنفسه‬
‫في الماء أو المائع فإنه ال ينجسه إال إذا تغير>‬
‫هذا القو يؤكد ما قلناه من االختالف الكثير؛ ففي مسافة قد ال يختلف فيها عقل طفل لم يبلغ‬
‫الحلم نلفي هذا التفاقم المعاييري عند مذهب الشافعية الذي يدعي كما سواه من المذاهب وتزعم‬
‫لنفسها أنها الدين وأنها اإلسالم‪ ،‬في االنتقا من معيار المباينة القطعية ثنائي قيمة الحكم إلى‬
‫معيار غيره مضافا إليه قيم الشرط واالستثناء‪.‬‬
‫نعود للحنابلة‪ ،‬فاستشهادهم باآلية الكريمة‪{:‬ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى‬
‫حين'}(النحل‪ )10‬ال يتم إال باستحضار قوله صلى هللا عليه وسلم في شاة ميمونة رضي هللا‬
‫عنها‪ ((:‬إنما حرم أكلها)) وفي رواية ((لحمها))‪ ،‬فد على أن غير اللحم جائز كما جاء ذكره‬
‫عند المؤلف‪.‬‬
‫كذلك فاإلجماع هاهنا ميسر بالتحري الفقهي والفحص المختبراتي‪.‬‬
‫وأخذ الحنابلة بالتقدير في فضالت ما يؤكل لحمه هو خالف معيارهم وميزانهم في مسألة‬
‫تخليل الخمر‪.‬‬

‫‪49‬‬



Documents similaires


fichier pdf sans nom
fichier pdf sans nom 5
fichier sans nom
2
fichier pdf sans nom
fichier sans nom 1


Sur le même sujet..