النظر في سؤال القضاء والقدر .pdf



Nom original: النظر في سؤال القضاء والقدر.pdf
Auteur: User

Ce document au format PDF 1.5 a été généré par Conv2pdf.com, et a été envoyé sur fichier-pdf.fr le 06/07/2014 à 02:53, depuis l'adresse IP 105.189.x.x. La présente page de téléchargement du fichier a été vue 355 fois.
Taille du document: 503 Ko (19 pages).
Confidentialité: fichier public




Télécharger le fichier (PDF)










Aperçu du document


‫منتهى النظر في سؤال "القضاء والقدر"‬

‫الرد المختصر‬
‫على ضالل البوطي في "اإلنسان مسير أم مخير؟"‬

‫رشيد بلواد‬

‫‪1‬‬

‫منتهى النظر في سؤال "القضاء والقدر "‬

‫يقول محمد سعيد رمضان البوطي في كتابه "اإلنسان مسير أم مخير؟"‪:‬‬
‫(أما القضاء‪ ،‬فهو علم هللا عز وجل في األزل باألشياء كلها على ما ستكون عليه في المستقبل‪ .‬ومن‬
‫ذلك تصرفات اإلنسان االختيارية والقسرية‪.‬‬
‫وأما القدر فهو ظهور تلك األشياء بالفعل طبقا لعلمه األزلي المتعلق بها‪ .‬وقد عكس بعضهم‪ ،‬فجعل‬
‫تعريف القضاء للقدر والعكس‪ .‬واألمر محتمل والخطب فيه يسير‪.‬‬
‫يقول اإلمام النووي في شرحه على صحيح مسلم‪ ،‬بعد أن عرف القضاء والقدر بما ذكرناه‪:‬‬
‫<<قال الخطابي‪ :‬وقد يحسب كثير من الناس أن معنى القضاء والقدر إجبار هللا سبحانه وتعالى العبد‬
‫وقهره على ما قدره وقضاه‪ .‬وليس األمر كما يتوهمون‪ .‬وإنما معناه اإلخبار عن تقدم علم هللا سبحانه‬
‫وتعالى بما يكون من أكساب العبد وصدورها عن تقدير منه>>‪-‬النووي على صحيح‬
‫مسلم‪151\1:‬و‪.155‬‬
‫وذكر ابن حجر الهيثمي في شرحه على حديث عمر بن الخطاب رضي هللا عنه عن اإليمان تعريف‬
‫القضاء فقال‪ <<:‬والقضاء علم هللا أوال باألشياء على ما هي عليه‪ ،‬والقدر إيجاده إياها على ما يطابق‬
‫العلم>>‪-‬فتح المبين بشرح األربعين النووية‪:‬ص ‪.41‬‬
‫وعرف اإلمام البركوي قضاء هللا المتعلق بأفعال العباد بكون هذه األفعال صادرة بعلم أزلي سابق من‬
‫هللا‪ .‬وأطال في بيان أن ذلك ال يستلزم أن يكون اإلنسان مجبورا على أفعاله‪-.‬الطريقة المحمدية‬
‫للبركوي مع شرحه ألبي سعيد الخادمي‪.111\2 :‬‬
‫ومن هنا ندرك أن وجوب اإليمان بقضاء هللا عز وجل‪ ،‬ليس إال من مستلزمات وجوب اإليمان بعلم هللا‬
‫األزلي المتعلق بكل ما يجري في الكون‪ .‬ومن ذلك ما يصدر عن اإلنسان من تصرفات وأفعال‪.‬‬
‫ويتبين من ذلك أن القضاء ال يستوجب الجبر واإللزام‪ ،‬كما هو ثابت وهما في أذهان كثير من الناس‪ .‬إذ‬
‫القضاء ليس أكثر من علم هللا بما يجري أو سيجري في الكون‪ ،‬والعلم تابع دائما للمعلوم‪ ،‬وليس‬
‫العكس‪ ،‬فإن كان الشيء المعلوم هلل مما يخلقه هللا ابتداء؛ كحوادث الكون‪ ،‬واختالف األنواء‪ ،‬ووقوع‬
‫الزالزل‪ ،‬وظهور النبات‪ ،‬ووالدة الحيوانات وموتها‪ ،‬فهو مما يخضع إلرادته وحكمه‪ ،‬ومن ثم لخلقه‬
‫وإبداعه‪ ،‬ومن ثم فهو ثابت ومسجل في علم هللا األزلي‪ .‬وإن كان مما يدخل في األفعال والتصرفات‬
‫اإلرادية لإلنسان‪ ،‬فإن علم هللا تعالى تابع إلرادة اإلنسان التي بها يصدر الفعل‪ ،‬والتي بموجبها يخلق‬
‫هللا ذلك الفعل له‪.‬‬
‫أي إن هللا عز وجل منح اإلنسان إرادة كلية‪ ،‬أي ملكة وطاقة بها يختار األشياء ويريدها ويصطفي ما‬
‫يشاء منها‪ ،‬فيمارسها باختيار ما تتجه إليه نفسه من جزئيات التصرفات واألفعال‪ ،‬وعندئذ يخلق هللا‬
‫أفعاله وتصرفاته تلك مطابقة الختياراته التي اتجه إليها؛ ومما ال شك فيه أن ذلك كله ثابت ومسجل في‬
‫علم هللا األزلي‪ .‬فنقول بناء على ذلك‪ :‬إن هللا علم وأراد ما يصدر عن اإلنسان بإرادته واختياره من‬
‫خير وشر‪-‬المرجع المذكور‪ -‬وهذا هو معنى القضاء‪.‬‬

‫‪2‬‬

‫منتهى النظر في سؤال "القضاء والقدر "‬

‫وبوسعنا أن نعبر عن هذا كله بكلمة وجيزة جامعة‪ ،‬وهي أن القضاء علم هللا بكل ما يقع في الكون وكل‬
‫ما يصدر عن اإلنسان‪ .‬والعلم صفة كاشفة وليست صفة مؤثرة‪ .‬فمن أين يأتي اإلجبار والقهر من خالل‬
‫‪1‬‬
‫صفة العلم هذه إلى اإلنسان؟ وال تنس ما قلناه من أن العلم هو التابع دائما للمعلوم وليس العكس‪).‬‬
‫في الحقيقة هذا الذي نقلناه من قول ومن كتاب محمد سعيد رمضان البوطي ليكفي للحكم بأنه هو ذاته‬
‫ليس له من األمر شيء في العلم الحق باإلشكال الذي يزعم أنه بصدد إفهام الناس والقراء ما أشكل‬
‫عليهم فيه‪ ،‬وكل ما صحب ذلك من عبارات المظاهرة واالنتماء ألهل السنة والجماعة ونهج السلف‪،‬‬
‫فذلك كما هو معلوم وإن يكن منه شيء في الواقع والحقيقة والنيات‪ ،‬فغالبه ليس هو المراد وإنما يوظف‬
‫مصاحبة لألقوال سحرا بيانا واستلطافا لروح القارئ‪ ،‬الذي يتابع ويستمع ويقرأ وهمه األساس هو‬
‫العلم‪ ،‬فذلك ال يغني عن العلم وصدقيته وعن الحق شيئا‪.‬‬
‫إنه ليكفي القصور عن هيئة التصور للكون وحدوثه وأحداثه بأن يحكم على قصور هذا العقل وهذا‬
‫التصور لصاحب الكتاب بأن يحسم في قصوره وعدم كفاءته مطلقا للخوض في هذا اإلشكال الكبير‪.‬‬
‫والعجب كل العجب أن يسقط ويتلبس وهو كثير غيره في ما يرمون به غيرهم من وصوف القدرية‬
‫والمعطلة وإشراك اإلنسان هلل في خلقه وفي كثير مما هم متلبسون به وهم ال يشعرون‪.‬‬
‫ثم إنه ليكفي وكما قال هذا الرجل نفسه أن يكون لهذا اإلشكال خطره وشأنه ما ليس للقضايا األخرى‬
‫دونه‪ ،‬ال لعموم المسلمين بل لعلمائهم تحديدا ولكبار مفكريهم وعارفيهم وحكمائهم‪ ،‬ثم ال تجد عندهم‪،‬‬
‫وذلك ما يبقي عليه في كتابه وحديثه وسعيه في إفهام الناس ودلهم على الحل والقول الصحيح‪ ،‬ال تجد‬
‫عندهم تعريفا لما هم عنه يتحدثون‪ ،‬وهذا أعظم الرزية في طريق إيجاد أي حل ممكن‪ ،‬ثم من بعده‬
‫يقول‪" :‬واألمر محتمل والخطب يسير" ناهيك عن التناقضات التي يتصدع منها النص وتكاد كلماته‬
‫تنفجر ضيقا من شدتها‪ .‬وإال فكيف يسكن شيء ما نص مثال ما كهذا النص ويستقر فيه عن قرب أوال‬
‫قوله‪:‬‬
‫ (فإن كان الشيء المعلوم هلل مما يخلقه ابتداء ‪ . . .‬فهو ثابت ومسجل في علم هللا األزلي‪ .‬وإن كان مما‬‫يدخل في األفعال والتصرفات اإلرادية لإلنسان ‪. . .‬ذلك الفعل له)‬
‫وثانيا قوله‪( -:‬وعندئذ يخلق هللا أفعاله وتصرفاته تلك مطابقة الختياراته التي اتجه إليها؛ ومما ال شك‬
‫فيه أن ذلك كله ثابت ومسجل في علم هللا األزلي)‬
‫والغريب أيضا أن البوطي وغيره لم يجدوا لهم شيئا يعيبون به المعتزلة وقد وجدوها مظنة لتشويه‬
‫صورتهم عند الناس‪ ،‬خاصة وأنهم أصحاب المنبر وإمكان الحديث إلى الناس وتوجيه أحكامهم‬
‫وتلقينهم‪ ،‬وقد حذر رسول هللا صلى هللا عليه وسلم من ذلك ومن أن يكون أحد المتخاصمين ألحن‬
‫بحجته من اآلخر‪ ،‬بله أن ال يسمع إال ألحدهما من غير أن يسمع لآلخر؛ لقد ركز وجمع هؤالء أمرهم‬
‫في قولهم وافترائهم البين كون المعتزلة جعلوا اإلنسان شريكا هلل في الخلق‪ ،‬وما كان دعواهم ذلك إال‬
‫أنهم أغرضوا في قول المعتزلة بأن اإلنسان يخلق أفعاله‪.‬‬

‫محمد سعيد رمضان البوطي‪ :‬اإلنسان مسيّر أم مخيّر؟‪ -‬دار الفكر المعاصر‪ .‬بيروت‪ .‬لبنان‪ -‬دار الفكر‪ .‬دمشق سورية‪-‬‬
‫‪1‬ص‪73..73‬‬

‫‪3‬‬

‫منتهى النظر في سؤال "القضاء والقدر "‬

‫سبحان هللا‪ ،‬هل لهذا الحكم وطريقة استنباطه سلطان من الحق؟‬
‫تبنون قوال أنتم تعدونه عقيدة للمسلمين على تعريف غير منضبط للقضاء والقدر‪ ،‬وتقولون األمر‬
‫محتمل والخطب فيه يسير‪ ،‬ويقول أناس مسلمون يصلون ويحافظون على الصلوات والصالة الوسطى‬
‫ويصومون ويزكون ويحجون ويؤمنون باهلل واليوم اآلخر أن اإلنسان يخلق أفعاله‪ ،‬فترمونهم بما هو‬
‫عند هللا تعالى ال يحق وال هو في الشريعة وأحكام الفقه بجائز‪ .‬يقول الحق جلت قدرته وهو العزيز‬
‫الحكيم‪:‬‬
‫{وال يجرمنكم شنآن قوم على أال تعدلوا' اعدلوا هو أقرب للتقوى' واتقوا هللا' إن هللا خبير بما‬
‫تعملون'}(المائدة‪)1‬‬
‫ال شك أن مسافة البعد عن الحق‪ ،‬إن حق القول بها بالنسبة لتعبير المعتزلة هذا‪ ،‬ونسب لفظ الخلق‬
‫وجعلها بدل مراد أبي الحسن األشعري رحمه هللا بلفظ (الكسب)‪ ،‬إن يكن لهذا التعبير للمعتزلة بعد‬
‫ومسافة عن الحق‪ ،‬فإنه ال يمتري أحد وال يماري اثنان وال يختلفان كون فساد الشرط البياني في أساس‬
‫القول كله عندهم وفي بنائهم كله الذي هو تعريف القضاء والقدر‪ ،‬وهو إخالل وتخلف شرطي بياني‬
‫لغوي‪ ،‬وكذلك تعريفهم لعلم هللا تعالى أنه صفة كاشفة غير مؤثرة‪ ،‬وبهذا اللفظ والتعبير عندهم‪ .‬ال شك‬
‫أن هذا قد ذهب في البعد عن الحق أبعد ما يكون‪ .‬وإنما المعتزلة أرادوا بها نفس معنى االكتساب الوارد‬
‫في القرآن المبين‪ ،‬وهم ال يجعلون علم هللا الواحد القهار رب السماوات واألرض والذي ال يكون شيء‬
‫في األرض حتى يقضى في السماء‪ ،‬المعتزلة يجعلون علم هللا تعالى هو المؤثر ال مؤثر سواه‪{ ،‬قل كل‬
‫من عند هللا' فما لهؤالء القوم ال يكادون يفقهون حديثا'}(النساء‪)77‬‬
‫وما يدلك على قصور تصور البوطي للقضية والموضوع في هيئته قوله وهو يرد على المعتزلة كما‬
‫يتوهم ويزعم‪:‬‬
‫<وقد علمت أن التلبس بالفعل يتوقف على أمرين‪ :‬وجود عناصر الفعل‪ ،‬والقصد المتجه إلى استعمال‬
‫هذه العناصر وتوظيفها‪ .‬أما العناصر فموجودة بخلق هللا‪ ،‬فهو إذن خالق للفعل أي موجد لعناصره‪.‬‬
‫وأما القصد المتجه إلى استعمالها فبملكة كلية وهبها هللا لإلنسان‪ .‬ومن ثم فهو المتلبس بالفعل بحيث‬
‫‪2‬‬
‫يقال عنه‪ :‬إنه الفاعل>‬
‫إن بيان التقسيم الدال عليه أ ّما وأ ّما‪ ،‬وقوله‪( :‬فهو إذن خالق للفعل أي موجد لعناصره) يكفي ويجلي‬
‫بصورة أكثر الخبط الذي فيه البوطي ومن يقول بقوله أخذا بعزة التشيع ‪-‬بالمعنى اللغوي طبعا‪-‬‬
‫والمناوءة ليس إال‪ ،‬ولو أنهم أقبلوا بقلوب سليمة لها صدق سماع القول ونقده بالصدق كما كان شأن‬
‫أسيد بن خضير مع مصعب عمير رضي هللا عنهما‪ ،‬لو فعلوا ذلك النجلت الغشاوة وهدوا إلى‬
‫الصواب‪ ،‬وكان ذلك خلقا علميا ولكان خيرا لهم‪.‬‬
‫إن هذا المعنى الذي عبر به البوطي بالقصد هو ما أراده المعتزلة بالخلق‪ ،‬ولهم من ذلك مسوغ من‬
‫البيان ليس لمن يقدح ويغرض فيه لهم كيدا‪ ،‬ليس له من سبيل إال التحامل المذموم والتربص المفرط‬
‫الذي يذهب بعقل صاحبه فيجعله ينظر وال يبصر شيئا؛ يقول هللا تعالى فيما نتلوه من القرآن العظيم‪:‬‬
‫‪ 2‬نفس المصدر‪ -‬ص‪15‬‬

‫‪4‬‬

‫منتهى النظر في سؤال "القضاء والقدر "‬

‫{إنما تعبدون من دون هللا أوثانا وتخلقون إفكا'}(العنكبوت‪)21‬‬
‫{وانطلق المأل منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد ما سمعنا بهذا في الملة اآلخرة‬
‫إن هذا إال اختالق}(ص‪)4‬‬
‫وهم في ذلك كله‪ ،‬أي المعتزلة‪ ،‬لم يخرجوا اإلنسان وقلبه وقصده عن قهر هللا تعالى‪ ،‬فإن هذا ال يقوله‬
‫إال الذين قصرت بهم عقولهم وزادها أن شغلهم التربص بغيرهم‪ ،‬فأصابهم عمه البصائر‪ ،‬فأنى‬
‫يصرفون؟‬
‫وهذا الخلط وعسر التصور الذي أشكل على البوطي لم يستطع عنه خروجا‪ .‬ولما كان هو من أهم‬
‫مكامن اإلشكال وااللتباس الحاصل ليس عند البوطي وحده‪ ،‬بل عند عموم العقل اإلنساني وما اعتاد‬
‫عليه من أبعاد مدركاته‪ ،‬فإنه لم ينفك محاوال أن يجد له مخرجا بالرجوع إليه طوعا وكرها على طول‬
‫فصول كتابه الذي أراده كتابا لحل هذا اإلشكال في عقيدة المسلمين‪ ،‬وإزاحة ما يعتريه من سوء الفهم‬
‫واالستعصاء‪ ،‬وفي كل ذلك نلحظ ويشهد الرجل على المفارقة الكبرى‪ ،‬هي أن ما يعزى للمعتزلة من‬
‫قول في هذا أصح قيال وأهدى سبيال‪ ،‬ألن التركيب البياني الذي كرره البوطي وقوله أو تعبيره‪:‬‬
‫(االختيارات الجزئية) ينم عن تصور ساذج بينة سذاجته‪ ،‬لو خرج قيد أنملة عن ضيقه المرجعي اآلسر‬
‫لفكره ألبصر مناقضة هذا القول لكل حال وواقع الناس والعالمين‪ ،‬وإن أدنى ذلك أن كسب العباد‬
‫واكتسابهم إنما يحصل ويكون وبعضهم يموج ويحتك ببعض‪ .‬واللسان والزعم والقول شيء‪ ،‬فالبوطي‬
‫يكرر في ذلك ما هو متلبس به ويرمي به المعتزلة‪ ،‬ويصرح في كل آن أنه من مشايعي أهل السنة‬
‫والجماعة وجماعة المسلمين؛ وأينا‪ ،‬وأي مسلم ال يحب المسلمين وال يناصرهم؟ لكن الحق هو ما شهد‬
‫به الحق‪ ،‬وليس األماني واالفتراء على أناس مؤمنين يصلون ويصومون‪ ،‬بل وإن عرض على الحق‬
‫قولهم كان هو القول هنا‪ ،‬وهو في الصفات خاصة أصح األقوال وأعالها تأصيال‪ ،3‬وليس العصمة إال‬
‫للوحي الكريم‪.‬‬
‫إن قول البوطي‪:‬‬
‫< إذن فالقرار العلمي والمنطقي في هذه المسألة‪ ،‬هو القول بأن ملكة القصد في اإلنسان بمعناها الكلي‬
‫مجردا عن التعلقات الجزئية مخلوقة من هللا منحة وهبة لإلنسان‪ ،‬أما ما تعلق القصد بالمقصودات‬
‫الجزئية فهو حال اعتبارية لتلك الملكة ال يصح أن يقال‪ :‬إن هللا قد خلقها خلقا مستقال عن الملكة الكلية‪،‬‬
‫وهذه الحال المتمثلة في التعلقات الجزئية ليست إال ترسيخا وتأكيدا لالختيار الذي يتمتع به اإلنسان‪،‬‬
‫‪4‬‬
‫ويتجه به إلى مقصوداته التي يتخيرها‪>.‬‬
‫هذا خطأ فادح شنيع في الحقيقة وفي العقيدة‪ ،‬صاحبه أو أصحابه ليس لهم من دعوى وورقة يركنون‬
‫إليها إال دعوى حب جماعة المسلمين‪ ،‬لكن هللا تعالى ورسوله صلى هللا عليه وسلم والراسخون في‬
‫العلم يحبون من كان للحق نصيرا ولو على أنفسهم أو الوالدين واألقربين‪ ،‬وفي وصية عمر بن‬
‫الخطاب رضي هللا عنه لمعاذ بن جبل رضي هللا عنه أن العود للحق واألوبة إليه أحمد‪ ،‬وهذا من‬
‫صفات الرسوخ في العلم؛ فهو نهج السلف الصالح وهدي الحق في جماعة المسلمين‪ .‬إذا نحن أمام خطإ‬
‫‪ 3‬انظر كتابنا "تفصيل الخلق واألمر‪ .‬الجزء األول"‬
‫‪ 4‬البوطي‪ :‬اإلنسان مسيّر أم مخيّر؟‪ -‬ص‪15‬‬

‫‪5‬‬

‫منتهى النظر في سؤال "القضاء والقدر "‬

‫في جناب الحق عظيم‪ ،‬والقول المعزى للمعتزلة أسلم من ذلك‪ ،‬وللتعبير عنه وترجمته أن جنحوا‬
‫لتوظيف لفظ الخلق للفعل بمعنى اكتسابه واجتراحه‪ .‬وهب أنهم أخطؤوا في هذا التعبير‪ ،‬فالفرق بين‬
‫خطئهم هذا في البيان وخطإ أدعياء إرث العصمة وإن أولى الناس بالحق للذين اتبعوه‪ ،‬خطئهم في‬
‫تعجيز علم هللا تعالى وقدرته سبحانه‪ ،‬فرق بين حيزين‪ ،‬حيز موقعه الحق وحيز موقعه الباطل‪ .‬وإن‬
‫تعجب فعجب استثناؤهم لما عبروا عنه بالجزئيات وهم الذين زعموا فيما سطروه للناس بهتانا وكذبا‬
‫بينا على الحسين بن سينا رحمه هللا بأنه يقول إن هللا ال يعلم الجزئيات‪ ،‬وإنك لو عدت إلى كالم ابن‬
‫سينا في كليته وفيما أراده تجده نقيض وعكس ما يقولونه وينسبونه إليه كيدا وبهتانا مبينا‪ ،‬ولقد بينا هذا‬
‫ونبهنا إليه في كتابنا‪(:‬تفصيل الخلق واألمر)‪.‬‬
‫وليعلم أن البوطي ليس على صحيح قول األشعري رحمه هللا‪ ،‬ألن األشعري ال يستثني من وعاء‬
‫وموضوع الفعل اإلنساني أمرا من علم هللا تعالى وإرادته‪ ،‬ولعل اختالفه مع قول المعتزلة بتجاوز ما‬
‫أشرنا إليه في الجانب البياني‪ ،‬هو في الحق يخص الصفات وعلم هللا تعالى خاصة‪ ،‬والمعتزلة قولهم‬
‫في ذلك هو الصحيح ال مرية فيه‪ ،‬كما بيناه على الذي أحسن في الكتاب المشار إليه آنفا‪ ،‬كتاب (تفصيل‬
‫الخلق واألمر)‪.‬‬
‫إن الحسن والقبح وشكر المنعم هي بالحق والميزان‪ ،‬فالحسن والقبح حكمان ذاتيان وإسناد حكم الحسن‬
‫لشكر المنعم على ذات الميزان‪ ،‬والدليل الذي ساقه البوطي في رده لهذا الحكم والقول‪ ،‬وهو حكم وقول‬
‫المعتزلة كذلك‪ ،‬دليله نقال عن أبي حامد الغزالي رحمه هللا‪:‬‬
‫<أن من تصدق عليه السلطان بكسرة خبز في مخمصة (أي مجاعة) فأخذ يدور في البالد‪ ،‬وينادي‬
‫على رؤوس األشهاد بشكره‪ ،‬كان ذلك بالنسبة إلى الملك قبيحا وافتضاحا‪ ،‬وجملة نعم هللا على عباده‬
‫بالنسبة إلى مقدوراته‪ ،‬دون ذلك بالنسبة إلى خزائن الملك‪ ،‬ألن خزانة الملك تفنى بأمثال تلك الكسرة‬
‫‪5‬‬
‫لتناهيها‪ ،‬ومقدورات هللا ال تتناهى بأضعاف ما أفاضه على عباده>‪-‬المستصفى للغزالي‪-42\1:‬‬
‫هذا نقد واستدالل ليس بالسديد‪ ،‬ألن شكر المنعم متوافق والحق‪ ،‬وكل شيء في الحق إنما هو مقدر‬
‫وموزون‪ ،‬وهذا بالطبع ال يناسبه وال ينبغي له االستشهاد بآيات القرآن العظيم الدالة على غنى هللا‬
‫تعالى الغني الحميد‪ ،‬فإن ال وجه لهذا االستشهاد والمثال من قبله بحقيقة المستشهد والمستدل له‪ ،‬ألن‬
‫كل صفات هللا تعالى وأسمائه الحسنى هي ضمن حقيقة الحق‪ ،‬واإلنسان ال يتصور من معنى الميزان‬
‫إال وجها وجهة واحدة‪ ،‬ولم يدرج عندهم التصور الذي يجب كون الشكر والرحمة مثال هي من‬
‫خاصات العدل والحق‪ .‬ولهذا نجد البوطي يقول‪:‬‬
‫<فأين هو الدليل على حسن شكر العبد ربه‪ ،‬عقال‪ ،‬دون االعتماد على أمر صادر من هللا بذلك؟ وما هو‬
‫‪6‬‬
‫مصدر هذا الحسن وسببه؟‪>..‬‬
‫فهذا يدل بوضوح على قصور البوطي في إدراكه للتواجد العقلي لدرجة وإدراك المعتزلة‪ ،‬وكلهم‪ ،‬ال‬
‫هو وال المعتزلة بمعصوم عن الخطإ‪ ،‬وخاصة في التعبير واإلبانة عن الحقائق المراد التعبير عنها‪.‬‬

‫‪ 5‬نفس المصدر‪ -‬ص‪531‬‬
‫‪ 6‬نفس المصدر‪ -‬ص‪513‬‬

‫‪6‬‬

‫منتهى النظر في سؤال "القضاء والقدر "‬

‫ومما يدلك على هذا العسر في اإلدراك‪ ،‬ويعرب عنه أبلغ ما يكون‪ ،‬هو بدؤه في موضوع وسؤال‬
‫المشيئة بوضع عنوان معبر هو‪( :‬هل المشيئة اإلنسانية متوقفة على مشيئة هللا؟) هكذا‪ ،‬وبهذا اللفظ‬
‫وبهذا السؤال‪. .‬‬
‫وعلى غرار أقواله التي كلما تلفظ بقول منها نقض الذي من قبله‪ ،‬يستهل كالمه قائال‪:‬‬
‫<أساس هذه المسألة ومصدرها‪:‬‬
‫اعلم أن أساس هذه المسألة ومصدر طرحها‪ ،‬قول هللا عز وجل‪{:‬إن هذه تذكره فمن شاء اتخذ إلى ربه‬
‫سبيال' وما تشاؤون إال أن يشاء هللا' إن هللا كان عليما حكيما}((الدهر‪)03-21\74:‬‬
‫وقرار اآلية واضح‪ ،‬ال يضع مجاال الستفهام‪ ،‬فال مشيئة لإلنسان إال بمشيئة هللا عز وجل‪ ،‬أي فمشيئة‬
‫اإلنسان متوقفة فعال على مشيئة هللا تعالى‪.‬‬
‫ولكن ما معنى هذا القرار الرباني؟ هذا هو مصدر السؤال والبحث‪.‬‬
‫هل معنى اآلية‪ :‬وما تشاؤون فعل شيء إال أن يشاء هللا تعالى توجيه مشيئتكم إليه؟ وتكون حصيلة‬
‫المعنى عندئذ‪ -‬كما قال األلوسي في تفسيره‪ -‬ال توجد مشيئتكم إال بعد أن ينفيها هللا بإجباركم على ما‬
‫يشاؤه هللا لكم‪ ..‬وهذا تفسير باطل بالبداهة‪ ،‬إذ لن تجد تهافتا أو تناقضا أجلى من قول القائل‪ :‬لن تكون‬
‫لك مشيئة إال إن انتفت مشيئتك‪.‬‬
‫إذن‪ ،‬فهذا التفسير لآلية باطل ومتهافت يلفظه العقل والمنطق‪.‬‬
‫وإنما المعنى السليم لها هو‪ :‬وما كنتم لتتمتعوا بالمشيئة في اختيار ما ترغبون‪ ،‬لو لم أشأ أن أمتعكم بهذه‬
‫المشيئة‪ .‬فهي تأكيد لنعمة االختيار التي متع هللا بها اإلنسان وأقدره بها على التوجه إلى كسب مراداته‪،‬‬
‫‪7‬‬
‫وتذكير له بفضل هللا في ذلك عليه‪>.‬‬
‫إذا كان البوطي قد جار جورا عظيما في تحميله المعتزلة بلفظ خلق اإلنسان لفعله على معنى االجتراح‬
‫واالكتساب والمسؤولية عليه في الحق‪ ،‬ولهم من ذلك مخرج عند الراسخين في العلم الذين يخشون ظلم‬
‫أنفسهم بظلم العباد‪ ،‬ألن لفظ الخلق لإلنسان ولفظ االختالق ورد في الكتاب ونزل به القرآن المبين‬
‫أصدق وأحسن الحديث‪ ،‬إن يكن األمر على هذه الحقيقة فإنه –البوطي‪ -‬لم يستقم له في هذه الكلمة لفظ‬
‫وال معنى‪ ،‬فالعنوان يعبر في البيان والبالغة على غير ما يريد وما يعني‪ ،‬هذا إن وافق لسانه فؤاده‪ ،‬ثم‬
‫إن لفظه وتعبيره (القرار الرباني) هاهنا ال يصح وال يستقيم‪ ،‬فإن هذا األمر ليس من عوارض األمور‬
‫وإنما الحق الذي يقوم عليه الخلق واألمر كله‪ .‬ذلك وإن أخطأ األلوسي بعدم اإلمعان واألناة في تدبر‬
‫الحق المفسر للحكم الحق الذي عبر عنه تبعا لعدم كمال وإسباغ النظر والتحليل في عالقة الهيمنة‬
‫واالستيعابية من غير فطور وال تضاد للمشيئتين‪ ،‬عبر عنه بمادتين معجميتين دالين على ذلك أي عدم‬
‫حصول اإلبصار بهذه العالقة‪ ،‬فإن البوطي قد أبعد النعجة وضل القضية وذهل عن الموضوع برمته‪،‬‬
‫ففسر اآلية منواال وفق عمه الحقائق واألبعاد اإلدراكية والمفكر فيه على مثل عمى األلوان‪ ،‬فسرها‬

‫‪ 7‬نفس المصدر‪ -‬ص‪39‬‬

‫‪7‬‬

‫منتهى النظر في سؤال "القضاء والقدر "‬

‫بحمل مرتكزها على نعمة المشيئة خلقا وملكة‪ ،‬ولكن المرتكز والموضوع فيها يدل عليه قوله جل‬
‫ذكره‪{:‬أن يتخذ إلى ربه سبيال} ويدل عليه قوله سبحانه المفسر‪{:‬إن هللا كان عليما حكيما}‪.‬‬
‫ثم لننظر إلى قول البوطي‪:‬‬
‫<فهذا التفسير لآلية باطل ومتهافت يلفظه العقل والمنطق>‬
‫إذا كان هذا الحكم لم ينزل به وحي‪ ،‬وإنما هو بميزان العقل والمنطق بداهة وفطرة وفاق الناموس‬
‫والميزان الذي تقوم عليه السماء واألرض‪ ،‬فهذا هو ما يريد به المعتزلة والقائلون باالحسن والقبح‬
‫العقليين‪ ،‬وإنما اإلنسان حمل األمانة واستخلف وكرم بالعقل مناط التكليف وتلقي الشرعة من لدن‬
‫الحكيم العليم سبحانه وتعالى اعتبارا لمحدوديته ومحدودية سريان حكمه بالخطإ والصواب على‬
‫األشياء ومتعلقات األحكام أحكام الحق الذي يمأل السماوات واألرض وبه قوامهما‪ ،‬والتي الشريعة‬
‫والوحي مهيمنة عليه‪.‬‬
‫كذلك ولنبين ما مدى مصداقية وحظ السداد في كالم البوطي وبناء قوله وإن شئنا تفكيره‪ ،‬وباإلضافة‬
‫إلى إصراره دون التفات إلى ضابط وال وجل من هللا تعالى في قصره وجعله داللة الكسب في القرآن‬
‫العظيم وبتمحل وتكلف في القول‪ ،‬ثم هو يزعم ويبين سحرا للمخاطب بأنه على أساس من علم اللغة‬
‫وأصل ألقوال أهل العلم مبني كالمه‪ ،‬وما ذلك بحق يقينا‪ ،‬لقد جعل وقصر لفظ الكسب على القصد دون‬
‫العمل والفعل وتكلف في ذلك تكلفا ظاهرا؛ لقد أضاف إلى هذا التجرؤ الذي ما كان السلف من العلماء‬
‫وغير العلماء أن يجسروا عليه‪ ،‬أضاف إلى ذلك أن قال في قوله جل وجالله من سورة المائدة‪{:‬قد‬
‫جاءكم من هللا نور وكتاب مبين يهدي به هللا من اتبع رضوانه سبل السالم ويخرجهم من الظلمات إلى‬
‫النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم'}(المائدة‪:)14\5:‬‬
‫<وليس معنى قوله‪ :‬من اتبع رضوانه‪ ،‬سلك مسلك الهداية وااللتزام بأوامر هللا‪ ،‬إذ إن هذا المعنى لو‬
‫كان هو المراد‪ ،‬لكان من قبيل الدور الذي هو توقف الشيء على ذاته‪ ،‬ولكان مؤدى اآلية عندئذ‪ :‬يهدي‬
‫به هللا من اهتدوا به سبل السالم‪ .‬وإنما المعنى‪ :‬يهدي به هللا من علم هللا أنه يريد اتباع رضا هللا‪ ،‬أي من‬
‫‪8‬‬
‫علم هللا منهم سالمة القصد والطوية‪>.‬‬
‫إن االتباع إنما يعني السلوك والعمل كقوله تعالى‪{:‬قل إن كنتم تحبون هللا فاتبعوني يحببكم هللا ويغفر‬
‫لكم ذنوبكم' وهللا غفور رحيم' قل أطيعوا هللا والرسول' فإن تولوا فإن هللا ال يحب الكافرين'}(آل‬
‫عمران‪)02-01‬‬
‫كما ال يحق لنا أن نهمل التذكير بأنه ال إيجاب على هللا تعالى وليس قول البوطي‪:‬‬
‫<ولكن لكل من اإلضالل والهداية دستورا ألزم هللا ذاته العلية به‪ .‬وقد رأيت أنه يتفق تمام االتفاق مع‬
‫‪9‬‬
‫حرية اإلنسان واختياره‪>.‬‬

‫‪ 8‬نفس المصدر‪ -‬ص‪591‬‬
‫‪ 9‬نفس المصدر‪ -‬ص‪551‬‬

‫‪8‬‬

‫منتهى النظر في سؤال "القضاء والقدر "‬

‫ذلك أن ما جاء في الخبر والحديث من تعبير "حق على هللا ‪ "..‬فإنه يؤخذ على فقه صدق الوعد‬
‫والوعيد‪ ،‬ومن أصدق من هللا قيال؟ ثم إن لفظة ومادة البيان (الدستور) ال يصح إلزاما لرب العالمين‪،‬‬
‫ألن الدستور شريعة وهللا تعالى هو المشرع‪ ،‬وله الحكم ال معقب لحكمه وهو تعالى العلي الحكيم‪،‬‬
‫فسبحان هللا عن هذه التعابير التي ال يلقي لها كثير من الناس من أمرها باال‪.‬‬
‫وفي فصل عنوان‪( :‬وأحاديث من كالم رسول هللا قد توهم الجبر) يكتب البوطي ويقول‪:‬‬
‫<في الصحيح من أحاديث المصطفى صلى هللا عليه وعلى آله وسلم‪ ،‬أحاديث كان وال يزال بعض‬
‫الناس يتوهمون فيها على أن اإلنسان مجبور‪ ،‬بل يفهمون منها أن القيد الذي يقيد اإلنسان للسير فيما قد‬
‫خلق من أجله‪ ،‬فإن كان قضاء هللا أنه من أهل الشقوة والنار فال بد أن يسلك مسالك أهل الشقوة‬
‫والعذاب‪ ،‬وإن كان قضاء هللا أنه من أهل السعادة والنعيم‪ ،‬فال بد أن يسلك مسالك أهل السعادة والنعيم‪،‬‬
‫أي بدافع من ذلك القضاء‪.‬‬
‫فهم يفهمون من هذه األحاديث التي سنوردها‪ ،‬أن سلوك اإلنسان تابع لقضاء هللا في حقه‪ ،‬وليس قضاء‬
‫‪10‬‬
‫هللا في حقه تابعا لما علمه هللا من واقع سلوكه واختياراته‪>.‬‬
‫وبعد أن ساق حديث "إن أحدكم يجمع خلقه ‪..‬الحديث" وحديث "ما منكم من نفس إال وقد علم منزلها‬
‫من الجنة والنار ‪..‬الحديث" وحديث محاجة آدم موسى عليهما السالم‪ ،‬واألحاديث الثالثة رواها‬
‫البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وأبو ماجة‪ ،‬أو بعد سوقه الحديثين األولين ومراوحة لم يكد يخرج‬
‫منها أبدا‪ ،‬وما كان له أن يخرج منها إلى يوم الدين وهو يتصور علم هللا تعالى وبالتالي قضاءه عز‬
‫وجل على غير ما هو في الحق‪ ،‬بعدها نجده ولم يدر أنه إنما يحكي ويتكلم المعتزلية واللسان المعتزلي‬
‫وهو اللسان الحق وهو ال يشعر‪ ،‬إذ يقول بالحرف‪:‬‬
‫<ونعود إذن إلى ما كنا بصدد تقريره فنقول‪:‬‬
‫علم هللا في سابق غيبه المكنون أن فالنا من الناس سيتجه بعد خلقه وبلوغه الرشد إلى اختيار الهداية‬
‫والخضوع لسلطان هللا‪ ،‬فأعد له في قراره الغيبي أيضا المصير الذي يعده ألمثاله من الذين يختارون‬
‫سبيل الرشد‪ ،‬وهو مصير اإلكرام الذي ال حد وال انقضاء له‪ .‬ثم لما تم خلق هللا لهذا اإلنسان الذي علم‬
‫سلفا من واقع أمره ما علم‪ ،‬فأعد له بموجب ذلك ما يناسب واقعه الذي علمه هللا عز وجل‪ ،‬كان منطقيا‬
‫ودقيقا جدا أن يقال‪ :‬إن هللا خلقه – بناء على ما قد علم منه‪ -‬مهيئا لإلكرام والسعادة‪ .‬وال شك أن هذا‬
‫اإلعداد اإللهي سيكون عامال كبيرا في توفيقه لسلوك مسالك الخير واالبتعاد عن سبيل الغواية والردى‪.‬‬
‫فهذا هو معنى قول رسول هللا صلى هللا عليه وسلم‪":‬أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة‪ ،‬وأما‬
‫‪11‬‬
‫أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة"‪>.‬‬
‫بالطبع نعني قول المعتزلة وما تكلم به البوطي على لسانهم‪ ،‬وهو القول الذي قال به ابن سينا رحمه هللا‬
‫وحكماء اليونان الذين أخذوا العلم عن أنبياء بني إسرائيل داوود وسليمان عليه السالم‪ ،‬واختلفوا إلى‬
‫لقمان الحكيم لينهلوا ويأخذوا منه مما آتاه هللا من الحكمة‪ ،‬هذا القول هو أن الخلق والقدرة كل ذلك في‬
‫‪ 10‬نفس المصدر‪ -‬ص‪553‬‬
‫‪ 11‬نفس المصدر‪ -‬ص‪523‬‬

‫‪9‬‬

‫منتهى النظر في سؤال "القضاء والقدر "‬

‫العلم‪ ،‬وليس كما هو في قرارة البوطي وقول من قال بقوله‪ ،‬فالحق الذي أبى هللا تعالى إال أن ينطق به‬
‫لسان البوطي‪ ،‬فأصاب الصواب لسانه وضل عقله‪ ،‬ذاك هو قوله‪( :‬ثم لما تم خلق هللا لهذا اإلنسان ‪. .‬‬
‫مهيئا لإلكرام والسعادة)‬
‫وإن إصرار البوطي ومن نحى نحوه في االعتزاز بما انتهى إليه تصورهم لهذه القضايا ذات الشأن‬
‫والخطر الجلل‪ ،‬وإن يكن تصورا قاصرا عن الحق ليس بالتصور الصحيح والسليم‪ ،‬وخصوصا في‬
‫خطئهم البين الذي ال يبغون عنه حوال‪ ،‬خطئهم باعتبار العلم كما سموه بالصفة الكاشفة غير المؤثرة‪،‬‬
‫بل تابعا للمعلوم الحادث‪ ،‬وهذا ما استمات في بيانه أرسطو وابن سينا ولكن أكثر الناس ال يعلمون‪ ،‬لقد‬
‫أدى هذا العناد الذي ال يليق بأهل العلم وما كان له أن يكون خلقا علميا أبدا‪ ،‬أدى بهم وخاصة البوطي‬
‫في كتابه هذا بشاهد نصه وكلماته‪ ،‬إلى سعي وإصرار في تبديل ألفاظ محورية عما نزلت به من الداللة‬
‫في الوحي والقرآن العظيم‪ ،‬من هذه األلفاظ مادة (الكسب) كما سبقت اإلشارة إليه‪ ،‬بل وإنه تجشم‬
‫وتحمل عنتا كان في غنى عنه لو أصاخ و ألقى سمعه إلى كالم الحق وهوشهيد‪ .‬يقول البوطي‪:‬‬
‫<ومن المعلوم أن كلمة (الكسب) التي تأتي في القرآن تعبيرا عن مناط الثواب والعقاب ليست مرادفة‬
‫لكلمة (الفعل) مثال‪ ،‬كما قد يخيل للبعض‪ .‬بل بينهما فارق كبير ودقيق‪ .‬ولعل من أبرز ما يظهر الفرق‬
‫بين هاتين الكلمتين قول هللا تعالى‪. . . {:‬ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم} فقد نسب الكسب إلى‬
‫‪12‬‬
‫القلوب‪ ،‬وإنما تقف وظيفة القلب عند القصد والعزم>‬
‫<فإن قلت ولكن هللا عز وجل قال‪{:‬ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي‬
‫الناس}(الروم‪ )11\03:‬وقال‪{:‬وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم}(الشورى‪ ،)03\12‬فقد‬
‫نسب الكسب في هاتين اآليتين إلى األيدي ال إلى القلوب‪ ،‬والذي يتأتى من األيدي إنما هو الفعل‪ ،‬فكأنه‬
‫قال‪ :‬فبما عملت أيديكم‪.‬‬
‫قلت‪ :‬لما ظهر أن الكسب هو التحري والقصد كما استبان من نسبة الكسب إلى القلوب‪ ،‬وكما نص عليه‬
‫أئمة اللغة‪ ،‬فال بد من صرف نسبة الكسب إلى األيدي في هاتين اآليتين إلى المجاز العقلي‪ ،‬وهو نسبة‬
‫الفعل إلى غير الفاعل لعالقة‪ ،‬كقولهم‪ :‬أنبت الربيع البقل‪ ،‬وقد عرفنا جميعا أن الربيع بحد ذاته ال يفعل‬
‫‪13‬‬
‫شيئا وليس من شأنه أن يفعل‪ ،‬وكقولهم سال الوادي وطاف النهر‪>.‬‬
‫هاهنا كل ما يعرف من وجوه اختالل القول في االستدالل حاصل‪ ،‬فإنه استدل لصحة دعواه بها نفسها‪،‬‬
‫وجعلها كذلك مقدمة لبلوغ إثبات مقولها مما يسميه المناطقة بالدور‪ .‬ثم إن زعمه وقوله (كما نص عليه‬
‫أئمة اللغة) زعم ال يصح ودعوى كاذبة‪ ،‬فإن ما ساقه من تفسير لرجال وعلماء في اآلية ليس له ذرة‬
‫من كفل الصدق بدءا‪ ،‬وقد رأينا كيف كان ضالل النووي والخطابي وغيرهم من كبار العلماء األجالء‬
‫في تعريف القضاء والقدر‪ ،‬والذي نراه والحق أنه من جراء عمى التقليد في األقوال على غير بصيرة‬
‫واالنتصار لقول على آخر انتماء كما يظنون ومظاهرة وانتصارا للقول الممثل لسواد جماعة المسلمين‬
‫كما هو المثال الصارخ في حق الحسين بن سينا رحمه هللا بخصوص علم هللا تعالى‪ ،‬وهذا معيار في‬
‫هذا المقام ال يرضاه الحق‪ ،‬إنما المعيار والضابط قوله تعالى‪{:‬قل هاتوا برهانكم إن كنتم‬
‫صادقين}(البقرة‪ ،)113‬فهذا هو المعيار الذي أراده سبحانه وتعالى برهان حق ودليله لينتشر نور‬
‫‪ 12‬نفس المصدر‪ -‬ص‪13‬‬
‫‪ 13‬نفس المصدر‪ -‬ص‪19‬‬

‫‪10‬‬

‫منتهى النظر في سؤال "القضاء والقدر "‬

‫الحق يحمله أولو األلباب والعقالء‪ ،‬وما كان الحق ليعضد فحسب باألماني ودعوى المظاهرة‬
‫واالنتصار‪ ،‬فإن الحق ينهى عن العدول عن العدل والرغبة عنه شنآنا لقوم مؤمنين يصلون‬
‫ويصومون‪ ،‬وظلم المؤمن فسوق‪.‬‬
‫ودعوى وزعمه هذا يدل على بطالنه ودحوض زعمه أن القرآن العظيم وحديث رسول هللا صلى هللا‬
‫عليه وسلم يستشهد به ال العكس‪ ،‬وهذا ركن صدق أساس في كتاب سيبويه رحمه هللا‪ ،‬ثم إن السوي في‬
‫الحق والميزان أن يكون استعمال اللفظ على الحقيقة هو الشائع واألصل ال العكس‪ ،‬واألشد غرابة أن‬
‫يكون ذلك في آيات هللا تعالى الحكيم الحميد‪ ،‬وعلته إنما هو السعي الذي ال يلوي على شيء في حفظ‬
‫التوافق مع تعريفات يعلم هللا تعالى والراسخون في العلم أنها خاطئة‪ ،‬ثم هم يزعمون أنهم على نهج‬
‫السلف وخلقهم في العلم والعمل‪ .‬وماذا يقول هؤالء في قوله تعالى‪:‬‬
‫{اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد عليهم أرجلهم بما كانوا يكسبون'}(يس‪)41‬‬
‫{ولتجزى كل نفس بما كسبت وهم ال يظلمون'}(الجاثية‪)22‬‬
‫والمعلوم من ثابت خبر رسول هللا صلى هللا عليه وسلم أن من ه ّم بسيئة فلم يعملها فله حسنة‪ .‬وال يسعنا‬
‫أن نقول هنا إال ما قاله الرسول عليه الصالة والسالم‪" :‬إذا لم تستح فاصنع ما شئت"‪.‬‬
‫هذا وإن االضطراب واختالل الفكر والعقل عند هؤالء ليجليه ظهور التضارب في األقوال‪ ،‬وإن الحق‬
‫أبى إال أن يكون له في كل أمر رائز وقوة تصحح وتومئ إلى ما حصل في حقه من الخلط والعوج‬
‫واالختالل‪ ،‬فإن البوطي وقد رأينا كيف حصر معنى الكسب في القصد حصرا ال وجود له إال في‬
‫تصوره المأسور بعمه التشيع الفكري‪ ،‬التشيع والتعصب الذي يعمي ويصم‪ ،‬ويؤدي بصاحبه على أال‬
‫يعدل كما نزل التحذير من ذلك في كتاب هللا تعالى العزيز الحكيم‪ ،‬وله يوم القيامة الحجة البالغة‬
‫سبحانه‪ ،‬نجد البوطي يقول ويكتب‪:‬‬
‫<الكسب أخص من القصد والعزم‪ ،‬إذ الكسب قصد إلى الشيء مع اإلنجاز‪ ،‬أما القصد فقد يكون مع‬
‫اإلنجاز وقد يكون بدونه ‪ ..‬فلو قيل إن مناط الثواب والعقاب هو قصد فعل الشيء‪ ،‬لكان من معنى هذا‬
‫الكالم أن اإلنسان إن قصد فعل المعصية ثم لم يفعلها تعرض للعقاب من هللا‪ ،‬ألن القصد إليها قد وجد‪،‬‬
‫وهو مخالف لنص الحديث النبوي الصحيح‪":‬من هم بمعصية فلم يفعلها كتبت له حسنة"‪-‬متفق عليه‪،-‬‬
‫والحديث اآلخر‪":‬إن هللا تجاوز ألمتي عما حدثت به نفسها‪ ،‬ما لم تقل أو تفعل"‪-‬رواه مسلم من حديث‬
‫‪14‬‬
‫أبي هريرة‪>-‬‬
‫ونجده كذلك على غير هدى‪ ،‬على األقل في حفظ الميزان ألقواله وتعريفاته التي لألسف تهم أخطر‬
‫المعرفات والتصورات في إيمان العبد ومعرفته بالحق‪ ،‬يقول‪:‬‬

‫‪ 14‬نفس المصدر‪ -‬ص‪12‬‬

‫‪11‬‬

‫منتهى النظر في سؤال "القضاء والقدر "‬

‫< ‪ ..‬إن القدر الذي ساق آدم إلى األكل من الشجرة ليس بمعنى العلم المتفرع عن اختيار اإلنسان‬
‫وكسبه على نحو ما تم بيانه من قبل‪ ،‬وإنما القدر هنا بمعنى علم هللا وإرادته وخلقه‪ ،‬إذ ليس آلدم في‬
‫‪15‬‬
‫ذلك األمر المقدر عليه أي خيار>‬
‫هذا الخروج المباغث ولكن المفسر‪ ،‬خروجهم عن تعريفهم وتصورهم الخاطئ والقول بالقول الصحيح‬
‫لمعنى القضاء والقدر ولمعنى حقيقة علم هللا تعالى‪ ،‬وهو قول ابن سينا رحمه هللا تعالى الذي ذهبوا في‬
‫الكيد له ورميه بالزندقة وما إلى ذلك مما هو محفوظ في كتاب إلى يوم الدين‪ ،‬هذا االضطراب الواضح‬
‫والبئيس وال يحق المكر والسوء إال بأهله‪ ،‬لم يلبث أن تفاقم وعاد إلى سيرته األولى وضالله حين مثل‬
‫أمامهم مرة أخرى ما أشكل عليهم واستعصى من هيئة وتصور يوفق هذه القضايا الحقائقية بالبعد‬
‫الزمني‪ ،‬وهذا هو المفسر المشار إليه‪ ،‬فإن البوطي لم يلبث إال يسيرا حتى تجاسر فيما ال يحق له من‬
‫القول في أمر عظيم ما ليس ال ينبغي له وما هو من مواضع اإلحجام والورع‪ .‬لقد ابتدع البوطي ما ال‬
‫يستقيم في أي وجه من وجوه الحق وال ظل من ظالله قيال‪ ،‬لقد ولد وابتدع حقيقة عبر عنها‬
‫ب(المعصية اللغوية) مقابل (المعصية الشرعية)‪ ،‬وقال قوال عظيما عندما لم يمنعه رصيد من الورع‬
‫وال بقية من الوجل في أن يتلفظ ويقول‪:‬‬
‫<والنتيجة هي أننا لما علمنا أن حياة آدم وذريته على األرض‪ ،‬هي قرار هللا النافذ‪ ،‬وحكمه المرضي‪،‬‬
‫فقد علمنا بالضرورة أن ما كان سبيال إلى ذلك أو شرطا له – وهو أيضا في الواقع الحقيقي قرار هللا‬
‫‪16‬‬
‫النافذ وحكمه المرضي>‬
‫يقول البوطي‪:‬‬
‫<وقد علمنا أن أمر هللا آدم بعدم األكل من الشجرة‪ ،‬أمر إرشادي وليس تكليفيا إذ ال تكليف في الجنة‪،‬‬
‫فمخالفة آدم لذلك األمر إنما هي مخالفة ألمر إرشادي ال تكليفي‪ ،‬ومن ثم فهي معصية ولكنها معصية‬
‫‪17‬‬
‫لغوية‪ .‬إذ العصيان في اللغة مخالفة اآلمر في الشيء المأمور به‪>.‬‬
‫إن هذا الكالم والتجرؤ ليخرج من سبيل الغي والزيغ مما خرج منه قول من صرف واستبدل مغالطة‬
‫فاحشة معنى التصديق لإليمان‪ ،‬المعنى اللغوي بالمعنى الشرعي‪ ،‬بل إنه وهللا لقول أضل سبيال‬
‫وصاحبه ال يعقل مما يقول شيئا‪.‬‬
‫وإن أكثر ما يبرز اختالل نظام القول عند البوطي والذين تحيزوا لقول متعصبين له ال للحق وبرهانه‬
‫المبين‪ ،‬أكثر ما يجلي هذا الفساد لنظام القول هو ما اصطلح عليه في أدبيات وقاموس هذا الحيز الذي‬
‫أرادوا له أن يكون جدال ال علما يعتمد على براهين العلم وحجة الحق‪ ،‬ولو أرادوا له صبغة العلمية‬
‫ألصغوا وسلموا بالحق مطمئنين‪ ،‬هو سؤال الحسن والقبح العقليين‪ .‬وتحرير موطن العجب بل المفارقة‬
‫العظيمة في ما يلفظون به وهم ال يشعرون‪ ،‬إال إصرارا على قول أجمعوا وتقاسموا عليه نبذا ألمر‬
‫اتباع الحق وإقامة العدل والقول به ولو على أنفسهم أو الوالدين واألقربين‪ .‬ومغبة هذا اإلصرار المنافي‬
‫لدعواهم وزعمهم أنهم على نهج السلف الصالح‪ ،‬قد تلبسوا بما يرمون به المعتزلة خاصة في هذا‬
‫‪ 15‬نفس المصدر‪ -‬ص‪575‬‬
‫‪ 16‬نفس المصدر‪ -‬ص‪571‬‬
‫‪ 17‬نفس المصدر‪ -‬ص‪571‬‬

‫‪12‬‬

‫منتهى النظر في سؤال "القضاء والقدر "‬

‫المسألة كونهم يجعلون أمر هللا وحكمه تابعة للعقل‪ ،‬وما قال ذلك المعتزلة يقينا وما أرادوه ولكن التشيع‬
‫يحمل األنفس سوءا من القول انتصارا‪ .‬تسفر هذه الحقيقة بجوار قريب للفصل محل السؤال وحله كما‬
‫يقدمه البوطي لقراء األمة تحت عنوان‪(:‬هل األحكام اإللهية خاضعة لقيم سابقة؟) مع ما يدل عليه من‬
‫مصادرة هي هنا تخل بالخلق العلمي والنصح والصدق في سؤال كهذا السؤال‪ ،‬ولكنه المنبر والشنآن‬
‫الذي حذرنا هللا تعالى مما قد ينتج عنه من إخالل بالحق وسلوك مسلكه السوي المحمود؛ لقد قال في‬
‫الفصل ما بعد الموالي‪( :‬القضاء ورد القضاء) ما يلي‪:‬‬
‫<إذن‪ ،‬فالمتواكل الذي يحلم بالنتائج ويعرض عن األسباب‪ ،‬بحجة أن النتائج إن كانت مقدرة فسوف‬
‫تتحقق وإن كانت غير مقدرة فلن تخلق‪ ،‬مخاصم لقضاء هللا وإن خيل إليك من خالل كالمه أنه مستسلم‬
‫له‪ ،‬ألنه متعام عما يجب أن يجزم به من أن النتائج التي يحلم بها مقدرة في علم هللا عز وجل‪ ،‬ولكن‬
‫عن طريق أسبابها‪ .‬وتلك هي سنة رب العالمين وعادته‪ 18‬في إدراة الكون ورعاية أحداثه‪ ،‬يخلق‬
‫األمور ويخضعها ألسبابها فالنتائج مقدرة وأسبابها مقدرة‪ ،‬ثم ما كان منها عائدا إلى األحداث الكونية‬
‫التي ال دور الختيار اإلنسان فيها‪ ،‬فقضاء هللا فيها يعني علمه بما سيحدثه ويخلقه من تلك األمور‬
‫والشؤون ‪ ...‬وما كان منها عائدا إلى اختيارات اإلنسان‪ ،‬فمعنى قضاء هللا فيه علمه بما سيختاره‬
‫‪19‬‬
‫اإلنسان ويعزم عليه‪ ،‬وبما سيخلقه استجابة الختياره وانسجاما مع عزمه‪>.‬‬
‫وإن تعجب فعجب أن يقول قائل هذا الكالم والمخلوق الذي يقوله هو الذي يقول‪:‬‬
‫<فإذا قلنا‪ :‬إن الماتريدية يتفقون مع المعتزلة في سمة الحسن والقبح في األفعال ذاتية‪ ،‬فمعنى ذلك أننا‬
‫نسبنا إليهم النتيجة المنطقية التي ال مفر منها‪ ،‬وهي القول بأن أحكام هللا ال بد أن تكون متفرعة عن هذه‬
‫الصفة الذاتية‪ ،‬ودائرة على محورها‪ ،‬وتابعة لها‪ ،‬إذ ال يعقل أن ينفك الشيء عن جوهره أو عن جزء‬
‫‪20‬‬
‫من جوهره‪>.‬‬
‫هذا االستنباط إنما هو شاهد ثابت دليل على قصور العقل المستنبط وقصور شرطه العلمي‪ ،‬الذي هو‬
‫دليل هللا تعالى في رد دعوى وزعم أهلية اآلباء في إصدار األحكام‪:‬‬
‫{قل أو لو كان آباؤهم ال يعقلون شيئا وال يهتدون'}(البقرة‪)141‬‬
‫{أو لو كان آباؤهم ال يعلمون شيئا وال يهتدون'}(المائدة‪)134‬‬
‫{قل أأنتم أعلم أم هللا'}(البقرة‪)101‬‬
‫إن أبا منصور الماتريدي رحمه هللا تعالى والمعتزلة لم يقولوا بهذا المنكر والخطإ الفاحش العظيم‪ ،‬ألنه‬
‫قول يؤول إلى فصل األمر عن الخلق أوال‪ ،‬وأخرى وهي أشد إنكارا وأعظم سفها وجهال‪ ،‬وهي إخراج‬
‫خلق مما في السماوات واألرض عن خلق هللا تعالى‪ ،‬ومن قال هذا فقد كفر باهلل تعالى وبكونه جل‬
‫وعال خالق كل شيء رب العالمين‪ .‬فكيف نق ّول هذا القول عبادا مؤمنين يشهدون أنه ال إله إال هللا رب‬

‫‪ 18‬لفظ وتعبير ال يليق بجالل هللا تعالى‪ ،‬ويكفي معيارا مناهجيا في التأطير اإلدراكي والعقلي‬
‫‪ 19‬البوطي‪ :‬اإلنسان مسير أم مخير‪ -‬ص‪259‬‬
‫‪ 20‬نفس المصدر‪ -‬ص‪519‬‬

‫‪13‬‬

‫منتهى النظر في سؤال "القضاء والقدر "‬

‫العالمين‪ ،‬ويعبدونه‪ ،‬ويصلون ويصومون‪ ،‬إن هذا وهللا لخلق ليس بخلق وال من مكارم األخالق التي‬
‫بعث بها رسول هللا صلى هللا عليه وسلم ليتمها‪.‬‬
‫إنه نزل في القرآن العظيم قوله تعالى‪{ :‬أال له الخلق واألمر' تبارك هللا رب العالمين'}(األعراف‪)50‬‬
‫إن السمع والبصر والفؤاد كل ذلك خلقه هللا تعالى بحكمة بالغة وهو الخالق العليم‪ ،‬وهذه من النشأة‬
‫األولى‪ ،‬وإن هلل ما في السماوات وما في األرض ال فطور في خلقه سبحانه وال تفاوت‪ ،‬وإن السمع‬
‫والبصر ملكتان تناسقيتان مع الكون فكذلك العقل‪ .‬وخلقة اإلنسان على نشأته فطرة هللا التي فطر الناس‬
‫عليها‪ ،‬هي نظمة خلق هللا تعالى اإلنس والكون عليها جميعا قائمة ما دامت السماوات واألرض‪ ،‬ال‬
‫ترى في ذلك عوجا وال اختالال‪ ،‬وكذلك وتبعا ألقرب األبحاث العلمية وبرهان الصدق‪ 21‬والحق لشهود‬
‫اآليات والدراسة تبين أن السمع والبصر تابعان أبدا ارتباطا خلقيا بما يصطلح عليه عند علماء الدماغ‬
‫واألعصاب بالمساحة التجميعة المعالجاتية ومصدر الحكم اإلدراكي الذي هو العقل‪ ،‬وهذا بالضبط ما‬
‫يرجح قول أبي منصور الماتريدي بحصره حكم الحسن والقبح على العقل‪.‬‬
‫بناء على هذا يصبح استشهاد الغزالي في رده لقيمة الحسن الذاتي في مثل إنقاذ الغريق‪ ،‬بتبعه لنظمة‬
‫العادة في كسب الحمد وحسن الذكر وبما يسمى في علم النفس والسلوك برد الفعل الشرطي على عالت‬
‫هذا الوصل‪ ،‬وكذلك استشهاد البوطي بمثل القيمة العالية والغالية بتعبيره للقطعة الصغيرة بأدائها‬
‫لوظيفتها ضمن عمل تكاملي لقطع عديدة لجهاز معين‪ ،‬وإذا ما عزلت عنه فقدت كل قيمتها‪ ،‬وذلك أن‬
‫البوطي يجعل حقيقة العدل متفرعة عن وجود مجموع وجنس متساو من العناصر شرطا لسريانه؛ هذه‬
‫االستشهادات كلها يتبين من خالل الخاصة القائمة للخلق واألمر مما تجلى أنها استشهادات فاسدة‬
‫باطلة‪.‬‬
‫هذا يحسم حسما في دعوى تبعية ذلك لألنظمة االجتماعية والعرفية وغيرها على مستوى القيمة‬
‫المطلقة الصادقة‪ ،‬وإال فقد قال كما يحكيه الوحي الكريم على لسان المإل من فرعون‪{:‬أتذر موسى‬
‫وقومه ليفسدوا في األرض}(األعراف‪.)124‬‬
‫ومن يقول بهذا الذي يقوله المعتزلة ويقوله أبو منصور الماتريدي رحمه هللا‪ ،‬وهو الحق‪ ،‬ال يفيد ما‬
‫استنبطه البوطي وغيره إما جهال أو تقوال‪ ،‬بل هو الموافق على منوال الحق والميزان وباعتبار‬
‫مخلوقية اإلنسان ومحدودية عقله وإدراكه وعلمه بالنسبة للمستخلف فيه أن ال يكون التشريع واألمر إال‬
‫من لمن له العلم الحكيم الخبير‪ .‬فليتق هللا هؤالء وليقولوا قوال سديدا‪.‬‬
‫هذه أقوالهم وهذا فصل خطابها وفحواها‪ ،‬فأي الفريقين إذا يتبع بلسانه خلق هللا تعالى وأمره الختيار‬
‫اإلنسان وسلوكه؟؟‬
‫وليعلم إن كان لهؤالء أبصار وأفئدة‪ ،‬أن شرط هذا االستقرار والقيام الثابت لبنية الخلق وقوانينه‬
‫وناموسه‪ ،‬هو كفل صدقية وقيام هذا البناء العمراني واالستخالفي لإلنسانية‪ ،‬ولو لم يكن ذلك لنقض كل‬
‫طور الطور الذي يسبقه ولما صدقه قانونا ومعايير‪ ،‬ولهذا كانت أهم وأعظم آية للوحي الكريم‬
‫وتشريعاته على مدى أطوار التاريخ التصديق لما بين يديه من الكتاب‪ ،‬ومناط التكليف العقل؛ يقول هللا‬
‫‪ 21‬انظر كتابنا "تذكرة العلماء في الربانية والمنهاج‪ .‬الجزء الرابع"‬

‫‪14‬‬

‫منتهى النظر في سؤال "القضاء والقدر "‬

‫تعالى‪{:‬وما كان لنفس أن تؤمن إال بإذن هللا' ويجعل الرجس على الذين ال يعقلون'}(يونس‪ .)133‬يقول‬
‫ابن قيم الجوزية رحمه هللا في تفسيره لآلية من سورة النحل‪{:‬ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة‬
‫الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن'}(النحل‪:)125‬‬
‫<جعل هللا سبحانه مراتب الدعوة بحسب مراتب الخلق‪ :‬فالمستجيب القابل الذكي الذي ال يعاند الحق‬
‫وال يأباه‪ ،‬يدعى بطريق الحكمة‪.‬‬
‫والقابل الذي عنده غفلة وتأخر‪ :‬يدعى بالموعظة الحسنة‪ ،‬وهي األمر والنهي المقرون بالترغيب‬
‫والترهيب‪.‬‬
‫والمعاند الجاحد‪ :‬يجادل بالتي هي أحسن‪>.‬‬

‫‪22‬‬

‫وهنا نذكر بقوله سبحانه وتعالى ابتغاء تدبره واالهتداء بنوره وحصول اليقين بالحق الذي تطمئن‬
‫القلوب به‪:‬‬
‫{ولقد ك ّرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا‬
‫تفضيال'}(النحل‪)45‬‬
‫{إنا عرضنا األمانة على السماوات واألرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها' وحملها اإلنسان‬
‫إنه كان ظلوما جهوال ليعذب هللا المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب هللا على المؤمنين‬
‫والمؤمنات' وكان هللا غفورا رحيما'}(األحزاب‪)70‬‬
‫{وإذ أخذ ربك من بني آدم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى' شهدنا أن تقولوا يوم‬
‫القيامة إنا كنا عن هذا غافلين أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم' أفتهلكنا بما فعل‬
‫المبطلون' وكذلك نف ّ‬
‫صل اآليا ت ولعلهم يرجعون'}(األعراف‪)170-172‬‬
‫{إن هللا ال يستحيي أن يضرب مثال ما بعوضة فما فوقها فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم'‬
‫وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد هللا بهذا مثال' كذلك يضل هللا به من يشاء ويهدي من يشاء' وما‬
‫يضل به إال الفاسقين الذين ينقضون عهد هللا من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر هللا به أن يوصل ويفسدون‬
‫في األرض' أولئك هم الخاسرون'}(البقرة‪)24-25‬‬
‫{وإلهكم إله واحد' ال إله إال هو' الرحمان الرحيم' إن في خلق السماوات واألرض واختالف الليل‬
‫والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل هللا من السماء من ماء فأحيا به األرض‬
‫بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء واألرض آليات لقوم‬
‫يعقلون' ومن الناس من يتخذ من دون هللا أندادا يحبونهم كحب هللا' والذين آمنوا أشد حبّا‬
‫هلل'}(البقرة‪)140..141‬‬
‫فارتباط العقل باألساس المعاييري للخلق واألمر والسماوات واألرض هو ارتباط بالفطرة والبناء‪،‬‬
‫ولكنه يبقى دوما مفتقرا للوحي وتلقي الذكر والهدى ألنه محدود‪.‬‬
‫‪ 22‬التفسير القيم لإلمام ابن القيم‪ -‬حققه محمد حامد الفقي‪ -‬دار الكتب العلمية‪ -‬بيروت‪ -‬لبنان‪5331 -‬‬

‫‪15‬‬

‫منتهى النظر في سؤال "القضاء والقدر "‬

‫وهذه اآليات البينات والنور المبين مما سقناه وذكرناه هنا من اآلية من سورة األحزاب إلى هاته اآليات‬
‫الدالة والمبرهنة على أحادية اإلله لتناسق األمر والخلق كله؛ يجعل أو هو مما يرجح مناط األمانة‬
‫االستخالف امتدادا للحق بمكرمة العقل‪ ،‬فهو شاهد بالحق في قرارة النفس‪ ،‬ولما كان الحق كما بيناه في‬
‫اإلشكاالت القانونية لشبهة الداروينية (تفصيل األمر والخلق)‪ ،‬وأيضا هنا يكمن به حل استعصاء هيئة‬
‫وتصور القضاء والقدر‪ ،‬لما كان الحق يختزل الزمن والخلق كله‪ ،‬ويرد كل أمر وخلق إلى جوهر‬
‫العلم‪ ،‬فيمحي الزمن والمادة‪ ،‬يصبح كل اإلنسان وفي كل آن من آنات يقظة العقل بوصل وجودي‬
‫بالميثاق والعهد األول‪ .‬ومن ثمة إذا أنارت شعلة اإليمان هذا العقل كان أشد حبا هلل سبحانه وتعالى‪.‬‬
‫ها هنا يأتي موضع طرح سؤال وإشكال فعل القبيح ونبدأ فيه بالعودة مرة أخرى إلى فصل بعنوان‪:‬‬
‫(وأفعال اإلنسان من الذي يخلقها؟)‪ ،‬وأمكن لنا أن نشخص ونعين تصور الكاتب وما يعقله هو ومن‬
‫يقولون بقوله ويصرون عليه إصرارا‪ ،‬يقول البوطي باللفظ والحرف‪:‬‬
‫<<إذا أدركت هذه الحقيقة التي بسطت لك التعبير عنها إلى أقصى ما أستطيع‪ ،‬فاعلم أنها هي المعنية‬
‫بقول المحقق الكلبنوي في حاشيته على شرح جالل الدين الدواني للعقائد العضدية التالي نصه‪:‬‬
‫< ‪ ..‬إن اإلرادة الجزئية التي هي عبارة عن تعلق اإلرادة الكلية بجانب معين من الفعل والترك‪،‬‬
‫صادرة من العبد اختيارا‪ .‬وليست مخلوقة هلل تعالى‪ ،‬ألنها ليست من الموجودات الخارجية بل من‬
‫األمور االعتبارية‪ ،‬ككون الفعل طاعة أو معصية‪ ،‬أو من قبيل الحال المتوسطة بين الوجود‬
‫‪23‬‬
‫والعدم>‪>>.‬‬
‫إن ها هنا جاء القول وتقريره ظاهرين صريحين‪(:‬ليست مخلوقة هلل) هكذا لفظا وإقرارا ‪،.‬‬
‫وهو المأزق التصوري الذي ظل يراوحه البوطي من بدء كتابه إلى آخره ولم يجد عنه مصرفا‪ ،‬فهو‬
‫قائم ماثل أبدا ألنه صلب اإلشكال‪ .‬لكن ليس لوحده وإن كان هو األشد استعصاء وعضال‪ ،‬ألنه يرتبط‬
‫أساسا بعلو القلوب بمعنى العقول في مستويات إدراكها وسعة تصوراتها من حيث الهيئة‪ .‬أما األمر‬
‫الثاني الذي يليه في األهمية وإليه يرد ويفسر هذا الخضم من المجادلة التي ليس لها منتهى وال قرار‪،‬‬
‫هو الجانب اللغوي والبياني‪ ،‬فإن اللغة فيها قانون التفصيل للحق‪ ،‬بمعنى أنها لغة فضاؤها ومجالها‬
‫البشري بالتخصيص واألصل‪ ،‬فيجوز لنا أن نقول إن هللا تعالى خلق القبح والقبيح وال يجوز أن نقول‬
‫فعل هللا القبح والقبيح‪ ،‬ألن الفعل هنا في إطار التكليف ومجاله وعالمه‪ ،‬وهللا تعالى رب العالمين خالق‬
‫كل شيء‪ ،‬العباد وما يعملون‪ .‬ودليل القطع هو أن الخلق كله بالحق‪ ،‬والحق كله خير بل هو الخير ذاته‪،‬‬
‫فهذا يتصل تناسقا حكيما وبليغا ألولي البصائر واأللباب إلى حقيقة وأمر التصور وهيئته‪ ،‬وإن بشكل‬
‫ثبوتي ‪ ،‬لكنه لن يتم من حيث الحل التام والخروج من مأزق وانسداد األفق إال بالصعود في تمثل الحق‬
‫وصلته التكافئية بالعلم‪ ،‬وذلك من خالل اإلبصار بكون العلم والحكمة بتحققها في الفضاء الوجود‬
‫المتصل نقطه بعضها ببعض يجعل العامل الزمني ي ّمحي ليصبح في الحق‪ ،‬وفي هذا المستوى من‬
‫الصعود ليس وعاء للخلق بل هو منه ومن مادته‪ ،‬ومن تم يرتفع اإلشكال باعتبار المجال الكوني‬
‫للسماوات واألرض مجاال قانونه أو بتعبير رباني معادلته الحق‪ ،‬ولذلك كان هللا تعالى بكل شيء عليم؛‬
‫فاآلن الوجودي لكل نسمة من بني آدم ولكل واحد منا يتصل في مجال الحق وقد ا ّمحى الزمن باألمر‬
‫‪ 23‬البوطي‪ :‬اإلنسان مسير أم مخير‪ -‬ص‪15‬‬

‫‪16‬‬

‫منتهى النظر في سؤال "القضاء والقدر "‬

‫النسق األول لخلق آدم وأمر السجود وطاعة المالئكة أجمعين‪ ،‬إال إبليس الذي أبى أن يكون مع‬
‫الساجدين؛ وبهذا يتلى الذكر والقرآن الحكيم أمرا من عند هللا تعالى العلي الحكيم‪ ،‬مرتفعا عن الزمن؛‬
‫وبه ير ّد الدعاء القضاء وينسئ في العمر ويزيد في الرزق‪ ،‬ويفهم حق الفهم؛ ويتجلى الحق األبلج‬
‫ويحصل االستيعاب بإدراك عالم مطمئن قوله صلى هللا عليه وسلم‪" :‬اعملوا فكل مي ّسر لما خلق له"‪.‬‬
‫وإن أحسن البيان وأبلغ التصوير لمجال الحق من حيث المسافات الالمتناهية‪ ،‬والخلق الواسع مهما‬
‫كبرت أقطاره وأجرامه وأكوانه‪ ،‬كل ذلك يكافئه وأمكن حوالته على المنحيين علما‪ ،‬فال يبقى قبل وال‬
‫بعد وال يمين وال شمال في المجال الكينوناتي والخلقي‪ ،‬أحسن البيان لذلك وأبلغه تصويرا هو قوله‬
‫تعالى في سورة النور‪:‬‬
‫{هللا نور السماوات واألرض' مثله نوره كمشكاة فيها مصباح' المصباح في زجاجة' الزجاجة كأنها‬
‫كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة ال شرقية وال غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار'‬
‫نور على نور' يهدي هللا لنوره من يشاء' ويضرب هللا األمثال للناس' وهللا بكل شيء عليم'}(النور‪)05‬‬
‫إذن فأمكن القول‪ :‬إن قانون التفصيل الذي كان المحور الحق لكتابنا‪( :‬تفصيل الخلق واألمر) هو‬
‫المعراج إلى الحل في إشكال وإعضال القضاء والقدر وما مت في صلة من األسئلة والقضايا‪ ،‬أو بدقيق‬
‫القول‪ :‬إنه معراج الصعود بالتصور اإلنساني وبإدراكه في هذا السؤال اإلدراكي البحث‪ ،‬وكونه‬
‫إدراكيا نعني به تحديدا ارتباطه الجوهري بالخلقة‪ ،‬فيبقى في جوهره مخلوقا مأسورا‪ .‬فالمسافة هنا على‬
‫بعد مسافة سؤل الرؤية لموسى عليه السالم‪ ،‬ويقول هللا تعالى‪:‬‬
‫{ليس كمثله شيء وهو السميع البصير'}(الشورى‪)1‬‬
‫{يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم وال يحيطون به علما'}(طه‪)137‬‬
‫وهنا نسوق على سبيل المراجعة والتمثل لهذا المنظار الحل‪ ،‬نسوق قول ابن القيم رحمه هللا تعالى‪:‬‬
‫<ونحن ال ننكر أن الشر يكون في مفعوالته المنفصلة فإنه خالق الخير والشر‪.‬‬
‫ولكن هما أمران ينبغي أن يكونا منك على بال‪.‬‬
‫أحدهما‪ :‬أن ما هو شر أو متضمن للشر‪ ،‬فإنه ال يكون إال مفعوال منفصال ال يكون وصفا له‪ ،‬و ال فعال‬
‫من أفعاله‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬أن كونه شرا هو أمر نسبي إضافي‪ ،‬فهو خير من جهة تعلق فعل الرب وتكوينه به‪ ،‬وشر من‬
‫جهة نسبته إلى من هو شر في حقه‪ .‬فله وجهان‪ ،‬هو من أحدهما خير‪ ،‬وهو الوجه الذي نسب منه إلى‬
‫الخالق سبحانه وتعالى خلقا وتكوينا ومشيئة‪ ،‬لما فيه من الحكمة البالغة التي استأثر بعلمها‪ ،‬وأطلع من‬
‫شاء من خلقه على ما شاء منها‪ ،‬وأكثر الناس تضيق عقولهم عن مبادئ معرفتها‪ ،‬فضال عن حقيقتها‪،‬‬
‫فيكفيهم اإليمان المجمل بأن هللا سبحانه هو الغني الحميد‪ ،‬وفاعل الشر ال بفعله إال لحاجته المنافية‬

‫‪17‬‬

‫منتهى النظر في سؤال "القضاء والقدر "‬

‫لغناه‪ ،‬أو لنقصه وعيبه المنافي لحمده‪ .‬فيستحيل صدور الشر من الغني الحميد فعال‪ ،‬وإن كان هو‬
‫‪24‬‬
‫الخالق للخير والشر‪>.‬‬

‫‪ 24‬التفسير القيم البن القيم‪ -‬ص‪115‬‬

‫‪18‬‬

‫منتهى النظر في سؤال "القضاء والقدر "‬

‫المصادر والمراجع‬
‫ القرآن الكريم‬‫ محمد سعيد رمضان البوطي‪ :‬اإلنسان مسيّر أم مخيّر؟‪ -‬دار الفكر المعاصر‪ .‬بيروت‪ .‬لبنان‪ -‬دار الفكر‪ .‬دمشق‬‫سورية‬
‫‪ -‬التفسير القيم لإلمام ابن القيم‪ -‬حققه محمد حامد الفقي‪ -‬دار الكتب العلمية‪ -‬بيروت‪ -‬لبنان‪5331 -‬‬

‫ تذكرة العلماء في الربانية والمنهاج‪ ،‬الجزء الرابع‪ :‬رشيد بلواد‬‫‪ -‬تفصيل الخلق واألمر في سؤال حوار األديان وتفرق المذاهب الفقهية‪ ،‬الجزء األول‪ :‬رشيد بلواد‬

‫‪19‬‬



Documents similaires


fichier pdf sans nom 8
fichier pdf sans nom
fichier pdf sans nom
tribunejuridique blogspot com alhak fi
tribunejuridique blogspot com hak lmaraa
table des matieres


Sur le même sujet..