دون عتبة القرآن .pdf



Nom original: دون عتبة القرآن.pdf
Auteur: User

Ce document au format PDF 1.3 a été généré par Microsoft® Word 2010 / http://www.convertapi.com , et a été envoyé sur fichier-pdf.fr le 09/07/2014 à 14:02, depuis l'adresse IP 105.189.x.x. La présente page de téléchargement du fichier a été vue 626 fois.
Taille du document: 14.9 Mo (339 pages).
Confidentialité: fichier public


Aperçu du document


‫الجابري دون عتبة القرآن الكريم‬

‫والمرجفون في الفلسفة‬

‫رشيد بلواد‬

‫الجابري دون عتبة القرآن الكريم والمرجفون في الفلسفة‬

‫محتوى الكتاب‬
‫الصفحة‬
‫تمهيد‬

‫‪7‬‬
‫الباب األول‬
‫في المنهاجية‬

‫‪10‬‬

‫الفصل األول‪ :‬ذهول الجابري عن شرط االستيعابية المرجعية في المنهاجية‬

‫‪11‬‬

‫‪ -1‬القرآن ال يُعرّف إال بقانون المالءمة المرجعية‪ :‬الحق ال يُعرّف إال بالحق‬

‫‪11‬‬

‫‪ -2‬الغاية التشكيكية الباطنية وراء اضطراب البنية المنطقية الداخلية واالختالل اللغوي‬

‫‪11‬‬

‫الفصل الثاني‪ :‬إخالل الجابري بشرط المالءمة في اآللية المقارباتية‬
‫القرآن فوق شبه –مفهوم الكون والتكوين‬

‫‪21‬‬

‫‪ -1‬العقالنية الجابري في استنباطه التقليداني‪ :‬غياب الذات المستقلة الواعية والمستبصرة‬

‫‪21‬‬

‫‪ -2‬مفهوم النقد التكويني‬

‫‪22‬‬

‫‪ -3‬تجلي فساد منطوق الجابري بالتصوير المنطقي‬

‫‪33‬‬

‫الفصل الثالث‪ :‬القرآن فوق الحدوثية والتكوينية‬

‫‪37‬‬

‫‪ -1‬الفالسفة الحقيقون ال يقولون بتكوينية الحق‬

‫‪33‬‬

‫‪ -2‬كتاب الجابري بمثابة مكثف بياني ترددي وتحريضي تشكيكي‬

‫‪14‬‬

‫الباب الثاني‬
‫عارضا البالغة واإلدراك عند الجابري والمجادلة في أمية النبي صلى هللا عليه وسلم‬

‫‪44‬‬

‫الفصل الرابع‪ :‬الجابري يجادل بالباطل ليدحض به الحق‪،‬‬
‫الجابري يجادل في قوله تعالى‪{:‬وما كنت تتلو من قبله من كتاب وال تخطه بيمينك' إذا الرتاب‬
‫المبطلون'}'العنكبوت‪)44‬‬

‫‪45‬‬

‫‪ -1‬هدم العقل والمنطق وعارضا البالغة واإلدراك‬

‫‪14‬‬

‫‪ -2‬حاجز العارض العوالمي الوجودي‬

‫‪43‬‬
‫‪2‬‬

‫الجابري دون عتبة القرآن الكريم والمرجفون في الفلسفة‬

‫‪ -3‬سفسطة قصوى بنقل السؤال من حقيقة أمية النبي عليه السالم إلى‬
‫التصريف اللغوي للمادة المعجمية‬

‫‪41‬‬

‫‪ -1‬التباس االصطالح بالحقل الداللي المعجمي عند الجابري‪ :‬ال اصطالح في القرآن إال في اللفظ‬
‫الشرعي‬

‫‪44‬‬

‫الباب الثالث‬
‫بطالن شرط الظاهراتية في أركان اإليمان والمجال الخطابي للمؤمنين‬

‫‪70‬‬

‫الفصل الخامس‪ :‬الشرط ما قبل –معرفي للظاهراتية مصادم لخطاب مجال اإليمان المستلزم للتصديق‪:‬‬
‫‪71‬‬
‫التصديق فرع المعرفة‬
‫‪ -1‬خطاب الحكيم‪ :‬اإليمان موجب المعرفة وسبق المعرفة نقيض خطابي للظاهراتية‬

‫‪31‬‬

‫‪ -2‬موقع بُعد الظاهراتية التقطيعي المادي من الفضاء المطلق للفلسفة الحقة‬

‫‪33‬‬

‫الباب الرابع‬
‫المعيار الغائي والشرط العلمي‬
‫الخطاب الباطني والغاية التشكيكية وسؤال األهلية العلمية للتفسير والحديث‬

‫‪43‬‬

‫الفصل السادس‪ :‬التحريض التشكيكي للجابري من خالل سؤال الرواية والمصادر‪ ،‬والسعي الباطني في‬
‫‪44‬‬
‫التأطير األرضي للقرآن الكريم‬
‫الفصل السابع‪ :‬األنا العقالني واألنا النفساني يتنازعان األنا الوجودي للجابري‬
‫القرآن فوق األبعاد األرضية والحدوثية ألن الحق فوق الزمكان‬

‫‪44‬‬

‫الفصل الثامن‪ :‬لفظانية كينونة الجابري وافتقاد األهلية العلمية للتفسير والحديث‬

‫‪94‬‬

‫‪ -1‬المعاصرة والتعاصر مقوالن زمكانيان حدوثيان والقرآن الحق المطلق فوق الحادث‬

‫‪54‬‬

‫‪ -2‬الشارع هو هللا تعالى والربانية منهاج دين هللا سبحانه وشريعته‬

‫‪52‬‬

‫‪" -3‬القرآن يفسر بعضه بعضا" ليس مبدءا بل مكون ضمن مكونات معايير التفسير‬

‫‪59‬‬

‫الفصل التاسع‪ :‬حديث معاذ رضي هللا عنه في القضاء ب"الرأي"‪ :‬درء التلبيس وبيان االلتباس‬

‫‪101‬‬

‫‪ -1‬شرط الحكمة‪ :‬سقوط السند ال يعني في الحق عدم ثبوت المتن‬

‫‪141‬‬

‫‪ -2‬المعنى الصحيح ل"الرأي" في حديث معاذ بن جبل رضي هللا تعالى عنه‬

‫‪142‬‬
‫‪3‬‬

‫الجابري دون عتبة القرآن الكريم والمرجفون في الفلسفة‬

‫الفصل العاشر‪ :‬غلبة شقوة االنتماء التكويني على القراءة التاريخية الفلسفية‬

‫‪113‬‬

‫‪ -1‬الغرض التحريضي التشكيكي للجابري غيب عنده العقل والمنطق االستشهادي‬

‫‪113‬‬

‫‪ -2‬الجابري يقر جمود الصيغة االشتقاقية على الداللة المعجمية‬

‫‪113‬‬

‫‪" -3‬الحنيفية" مفهوم شرعي مابعد‪-‬اصطالحي‬

‫‪111‬‬

‫‪ -1‬الغاية الحقيقية للجابري في خروجه عن المرجعية البيانية للقرآن في لفظ "الحنيفية"‬

‫‪112‬‬

‫الباب الخامس‬
‫الحقيقة التاريخية‬

‫‪119‬‬

‫الفصل الحادي عشر‪ :‬خرافة "اآلريوسية ذهبت تبحث عن السلطان والدولة‬
‫في شبه جزيرة العرب"!‬

‫‪120‬‬

‫‪ -1‬اآلريوسية ونقد العقل األوروبي‪ :‬مكونات األنا التاريخي األوروبي‬

‫‪124‬‬

‫‪ -2‬اآلريوسية تجلي للعقل واإليمان مشكاة واحدة‬

‫‪121‬‬

‫‪ -3‬شرط التحمل للقرآن في الصدور شرط بشري باطل وخطأ ابن رشد في دليل النبوة‬

‫‪123‬‬

‫‪ -1‬تبلور التحريضية التشكيكية‪ :‬اإلرسال والغرض الحقيقي‬

‫‪129‬‬

‫‪ -4‬القصور المنهاجي والعلمي واإلرسال الترميزي‬

‫‪125‬‬

‫الباب السادس‬
‫االستبصار الوجودي وحقيقة العقل الفلسفي‬
‫التفصيل معراج نحو انعدام السلّمية والوحدة المطلقة‬

‫‪143‬‬

‫الفصل الثاني عشر‪ :‬الكندي رحمه هللا تعالى حجة للفلسفة الحقة‬
‫وتحريف الجابري للكلم عن مواضعه‬

‫‪144‬‬

‫الفصل الثالث عشر‪ :‬تقليد الجابري البن رشد في قصور نظره وتقوله على الفارابي وابن سينا رحمهما‬
‫‪152‬‬
‫هللا تعالى‬
‫‪ -1‬ابن رشد دون قانون التفصيل‬

‫‪143‬‬

‫‪ -2‬أبنية العقل وأنساق الحكمة خارج األحكام الشرعية‪" :‬الحكمة ضالة المؤمن"‬

‫‪143‬‬
‫‪4‬‬

‫الجابري دون عتبة القرآن الكريم والمرجفون في الفلسفة‬

‫‪ -3‬سؤال بعث األجساد‬

‫‪133‬‬

‫‪ -1‬الفارابي رحمه هللا مفرد هلل تعالى الواحد الصمد في القدم‬

‫‪131‬‬

‫الفصل الرابع عشر‪ :‬االفتراء على الفارابي في مفاضلة النبي والفيلسوف‬

‫‪149‬‬

‫الفصل الخامس عشر‪ :‬التأصيل الشرعي والفلسفي لالعتبار الوجودي عند الفارابي وابن سينا رحمهما‬
‫‪194‬‬
‫هللا تعالى‬
‫الفصل السادس عشر‪ :‬ابن رشد وابن طفيل دون قانون التفصيل وإشكال الالنهاية عند الكندي‬
‫انعدام السلّمية والوحدة المطلقة بعد برزخ الالنهاية‬

‫‪205‬‬

‫الباب السابع‬
‫الحاجز العوالمي بين الجابري والقرآن الكريم‬
‫الفصل السابع عشر‪ :‬القصص القرآني وعوارات قارئة الجابري‬

‫‪212‬‬
‫‪221‬‬

‫‪ -1‬جهالة الجابري بانتظام مفهومي "الكتاب و"التفصيل" بالترتيب القرآني وقصره القرآن موضوعا‬
‫‪221‬‬
‫للترنيم‬
‫‪ -2‬المختصر الوجيز في مفاتيح علم الكتاب‬

‫‪231‬‬

‫‪ -3‬اختالط المفاهيم األساس عند الجابري‪ :‬الخلط المستقر بين "أم الكتاب" و"اللوح المحفوظ"‬

‫‪211‬‬

‫‪ -1‬سؤال الكفاءة العلمية للجابري وسالمة النطق الداخلي‬

‫‪212‬‬

‫‪ -4‬اإلشكال اإلدراكي وضيق األفق الفلسفي‬

‫‪219‬‬

‫الفصل الثامن عشر‪ :‬بين اإليمان واإللحاد في آيات هللا تعالى والتكذيب بمعجزات النبي صلى هللا عليه‬
‫‪250‬‬
‫وسلم‬
‫‪ -1‬اإلشكال المستمر للحاجز البالغي والقصور اإلدراكي‪ :‬الجابري خارج الكينونة العلمية‬

‫‪244‬‬

‫‪ -2‬غرابة الجابري عن العلم الشرعي وافتقاده الفلسفة المعاييرية لعلم الرواية والحديث‬

‫‪241‬‬

‫‪ -3‬معجزات األنبياء عليهم السالم والعقل اإلنساني‪ :‬إيمان العقل المنطقي وتكذيب المادية اإللحادية ‪221‬‬
‫‪ -1‬معجزة اإلسراء والمعراج والحجر اإلدراكي والوجودي للجابري‬

‫‪231‬‬

‫الفصل التاسع عشر‪ :‬الفصل السابع "جمع القرآن ومسألة الزيادة فيه والنقصان" بيت القصيد في كتاب‬
‫‪274‬‬
‫الجابري "مدخل إلى القرآن الكريم" !!‬
‫‪5‬‬

‫الجابري دون عتبة القرآن الكريم والمرجفون في الفلسفة‬

‫‪ -1‬مجادلة الحق بالباطل‪ :‬المسعى الخصم للجابري في توصيف القرآن بمعنى مختلق للتحريف‬

‫‪231‬‬

‫‪ -2‬موقع سؤال الزيادة والنقصان في العقل والفلسفة‬

‫‪235‬‬

‫‪ -3‬اختالق الباطل لمجادلة الحق‪ :‬اختالق سؤال ترتيب النزول‪-‬‬
‫ترتيب النزول ليس جوهريا في التنزيل‬

‫‪293‬‬

‫‪ -1‬التوزيع القصصي في القرآن ومواضع الحروف المقطعة‬

‫‪251‬‬

‫‪ -4‬الحربائية الالأخالقية فلسفيا والمذمومة شرعا في خطاب الجابري وتكذيبه بالقصص القرآني‬

‫‪344‬‬

‫خاتمة‬

‫‪314‬‬

‫ملحق مكثفات ترددية تعارضية في كتاب "مدخل إلى القرآن الكريم"‬

‫‪323‬‬

‫المصادر والمراجع‬

‫‪333‬‬

‫‪6‬‬

‫الجابري دون عتبة القرآن الكريم والمرجفون في الفلسفة‬

‫تمهيد‬
‫كان البدء حين سمعت أن الجابري قد كتب كتابا يهم القرآن العظيم‪ ،‬أراده أن يكون ختام حياته الفكرية‪.‬‬
‫وإن أول ما عجبت له ورابني أمره أن المسافة بعيدة‪ ،‬وأن هناك برزخا وجوديا يمنع الوصل النوراني؛‬
‫فليس هناك توافق وصلة رنين موجاتي بين منظار "الغنيمة" تحديدا كركن تأسيسي للمقول وللمفكر فيه‬
‫في نقد العقل العربي‪ ،‬بذات الموقف الصبغي للمتحاملين على اإلسالم والمسلمين‪ ،‬وكما عبر عنه‬
‫بوضوح‪ ،‬وعلى نحو غير أخالقي البتة غير علمي وغير صالح صاحب قصة الحضارة ول ديورانت إذ‬
‫قال بشأن فتح محمود الغزنوي لبالد الهند في نهاية القرن العاشر الميالدي‪< :‬فزعم لنفسه حماسة دينية‬
‫تدفعه إلى تحطيم الوثنية الهندوسية‪ ،‬واجتاح الحدود بقوة من رجاله تشتعل حماسة بالتقوى التي تطمع في‬
‫الغنيمة>‪ ،1‬قلت ليس هناك إمكان تواصل موجاتي فكري وال وجودي (أنطلوجي) بين منظار الغنيمة‬
‫كعنصر تكويني في فكر ومف َّكر الجابري‪ ،‬وبين المنظار الذي يتقرر فيه قوله تعالى‪{ :‬إنما المؤمنون الذين‬
‫إذا ذكر هللا وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون'}(األنفال‪ )2‬وقوله‬
‫تعالى‪{:‬لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية هللا' وتلك األمثال نضربها للناس‬
‫لعلهم يتفكرون'}(الحشر‪ )21‬مما هو على داللة الشرط الحق لتلقي اإلرسال والكتاب المسطر موقعا‬
‫حكيما في أول سورة البقرة‪ ،‬تبصرة ألولي العقل والعقالنيين حقيقة ال وهما‪{:‬الم' ذلك الكتاب ال ريب' فيه‬
‫هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصالة ومما رزقناهم ينفقون' والذين يؤمنون بما أنزل إليك‬
‫وما أنزل من قبلك وباآلخرة هم يوقنون' أولئك على هدى من ربهم' وأولئك هم المفلحون'}(البقرة‪.)1..1‬‬
‫‪ .‬لكني رجعت إلى نفسي فقلت لعل الرجل كان يحمل في عمقه إيمانا وقلبا طيبا غشيته ما غشي مثله‬
‫ممن كتب أن يكون مسارهم التكويني‪ ،‬أو كما أسماه بنسالم حميش بالدعائم التكوينية‪ ،‬في كنف اآلخر‬
‫التاريخي والمناقض الهوياتي‪ ،‬وأراد هللا تعالى أن يكون آخر عمله حسنا‪ ،‬وأن يكون ممن سبقت لهم‬
‫الحسنى عنده سبحانه وتعالى‪ ،‬وإنما األعمال بخواتمها‪ .‬وقد رجوت هللا تعالى من قبل أن يكون األمر‬
‫على هذا النحو‪ ،‬خاصة وكما نوهت بذلك من قبل إلى تميز الجابري بطول النفس في الجهد كما هو‬
‫واضح بقوة في نقد العقل العربي‪ ،‬هذه القوة وهذا المدى الذي ربما ال نجد له س ّيا وال نظيرا على األقل‬
‫عند معاصرينا وفي جميع األطياف إطالقا‪.‬‬
‫لكن لألسف وبعد اطالعي على حوارات خاصة في سلسلة "مواقف" وعلى بعض من ردود الفعل للعلماء‬
‫في مصر وغيرها فقد تحتم علي قراءة الكتاب؛ من بعدها تبين لي أن الجابري في كتابه "مدخل إلى‬
‫القرآن الكريم" لم يبق في حدود الموقع األدلوجي الذي قد يقبل في الحوار الفكري‪ ،‬وإنما تعداه ليتجلى‬
‫بلورة ماثلة باعتماده األدلوجي المتحكم والالعقالني ألساس وركن "الغنيمة"‪ ،،‬ليتجلى بلورة ليس فحسب‬
‫نقيضا فكرانيا لإلسالم في تمدده التاريخي والحضاري‪ ،‬بل هاهنا فيما ظنه هو مدخال‪ ،‬ألنه بحسب‬
‫الفحص الفلسفي كما سنبينه‪ ،‬بينه وبين القرآن العظيم مجرات العوالم ال يتسع لها إدراكه‪ ،‬هاهنا اختار‬
‫ول وإيريل ديورانت‪ :‬قصة الحضارة‪ -‬الجزء الثالث من المجلد األول‪ -‬الهند وجيرانها‪ -‬ترجمة زكي نجيب محمود‪ -‬بيروت تونس‪ -‬ص‪-122‬‬
‫‪1‬‬
‫‪ pdf‬موقع المكتبة الوقفية‬

‫‪7‬‬

‫الجابري دون عتبة القرآن الكريم والمرجفون في الفلسفة‬

‫لنفسه أن يكون وقد غلبت عليه شقوته قربانا علمانيا فكرانيا نقيضا للقرآن العظيم‪ ،‬ذلك أن كتابه "مدخل‬
‫إلى القرآن الكريم" ليس في حقيقة تقييمه المعلوماتي الوظيفي سوى حقل تحريضي تشكيكي‪ ،‬وهذا‬
‫بالضبط كغاية أو قل هو الغاية الجوهرية لهذا العمل أو الكتاب‪ ،‬هو الذي أودى بالجابري وضحى من‬
‫أجله بالعقل وكأنه قد ُختم عليه‪.‬‬
‫لئن كان البيان هو المستوى األلسني الداللي للفكر‪ ،‬والهيكلة المنطقية الزمة للبنية ككل‪ ،‬فإن الجابري ال‬
‫على مستوى التعريفات المحورية كتعريف القرآن العظيم‪ ،‬وال على مستوى االستعمال الداللي للمفاهيم‬
‫وأشباه المفاهيم الموجهة ك"النبوة" و"التحريف"‪ ،‬وال حين أراد أن يسلم له القراء بجواز البناء على‬
‫المقابلة والتكافؤ بين مراده من شبه مفهوم "كون وتكوين القرآن" ومفهوم "علوم القرآن"‪ ،‬فالجابري في‬
‫هذا كله لم يحفظ للعقل حظا في البيان‪ ،‬البيان الذي يكفي لوحده إن إلزاما أو استلزاما منطقيين في فحص‬
‫األقوال على المعنى الفلسفي‪.‬‬
‫ولئن كان‪ ،‬وهلل الحمد‪ ،‬ال تزال بقية من هذه األمة ممن يحمل هذا العلم‪ ،‬ينفون عنه تحريف الغالين‬
‫وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين‪ ،‬حيث انبرى من كل جهة من بالد اإلسالم شهداء للحق وعلماء للرد‬
‫ولينذروا المسلمين لعلهم يحذرون‪ ،‬وأجمعت أو تكاد تجمع كل الردود على الحكم كون كتاب الجابري هذا‬
‫محض صدى استشراقي معادي لإلسالم‪ ،‬بدا لي أوال أن أكتفي فقط بإدماج هذا المعطى المستجد والهام‬
‫في كتاب وجزء خاص من أجزاء أربعة‪ ،‬كتاب " مفاتيح علم الكتاب‪ ،‬نظرية التفصيل في علم التفسير"‬
‫كنت فرغت من كتابته تحديدا يوم األحد رابع رجب لعام سبع وعشرين وأربعمائة وألف الموافق للثالثين‬
‫من يوليوز ست وألفين ميالدي‪ ،‬لكن خطر الموضوع وأهميته فرضا علي تخصيص الرد وإفراده على‬
‫نحو مستقل وإن يكن بضع صفحات‪ ،‬فذلك أجدر به وأقوم‪ ،‬وليكون أوفى للغاية وأشد تثبيثا‪.‬‬
‫إن غرضي في هذا الجهد المتواضع هو إبراز الفساد البنيوي لكتاب محمد عابد الجابري "مدخل إلى‬
‫القرآن الكريم"‪ ،‬أعني هنا الشرط العلمي؛ فإذا ما نحن نظرنا إلى الكتاب في غير مكونه الكثافاتي للمعرفة‬
‫المدونة‪ ،‬هذا المكون الذي غالبا ما اعتمد عليه الجابري في تميزه كما أشرنا إليه من قبل‪ ،‬فالفحص‬
‫المنطقي أوال لشرط علمية المقول الذي هنا هو الكتاب‪ ،‬وللمفاهيم وأشباه المفاهيم االرتكازية للكتاب‬
‫كالتي ذكرنا‪ ،‬ولمفاهيم "الكتاب" و"القرآن" و"الذكر"‪ ،‬سوف يبين وببرهان العقل العلمي‪ ،‬وتحديدا‬
‫بالتعريف الفلسفي الصرف للعلم‪ ،‬أنه كتاب نموذج أمثل للسفسطة الباطنية الالشعورية‪ .‬وهذا ماثل من‬
‫حيث التحليل المعجمي العميق‪ ،‬كما الحظه المؤلفان الكريمان لكتاب "الشبه االستشراقية في كتاب مدخل‬
‫إلى القرآن الكريم للدكتور محمد عابد الجابري‪ ،‬رؤية نقدية"‪ 2‬عبد السالم البكاري والصديق بوعالم‪،‬‬
‫ماثل وواضح من عينات بيان ومعجم نفسي من قبيل قوله‪<:‬من التخلص من النبي صلى هللا عليه وسلم‬
‫من خالل تصفيته بصورة أو أخرى>‪ 3‬و قوله‪:4‬‬

‫الشبه االستشراقية في كتاب مدخل إلى القرآن الكريم للدكتور محمد عابد الجابري‪ ،-‬رؤية نقدية‪ -‬عبد السالم البكاري والصديق بوعالم‪ -‬الدار‬
‫‪2‬‬
‫العربية للعلوم ناشرون‪ -‬منشورات االختالف‪ -‬دار األمان – الرباط‪ -‬الطبعة األولى‪1134 -‬ه‪2445 -‬م ‪ -‬ص ‪232‬‬
‫محمد عابد الجابري‪ :‬مدخل إلى دراسة القرآن الكريم‪ -‬الجزء األول في التعريف بالقرآن‪ -‬مركز دراسات الوحدة العربية‪ -‬الطبعة األولى‪ -‬بيروت‪-‬‬
‫‪3‬‬
‫أكتوبر ‪ -2442‬ص‪344‬‬
‫‪4‬‬
‫نفس المصدر‪ -‬ص‪243‬‬

‫‪8‬‬

‫الجابري دون عتبة القرآن الكريم والمرجفون في الفلسفة‬

‫هذه األلفاظ والمادة اإلحاالتية السيميائية‪ ،‬الغالبة والواضحة في كل الكتاب مثل‪' :‬التخلص‪ -‬التصفية‪-‬‬
‫استمالة‪ -‬وعدم التوقير بذكر النبي صلى هللا عليه وسلم من غير تصلية‪ ،‬لقد كان الجابري فيها من حيث‬
‫الخلفية باطنيا‪ ،‬وكان خارج العلمية والعقالنية كما سيظهر ذلك لمن كان حقا يؤمن بالعقل وبالمنطق‪.‬‬

‫‪9‬‬

‫الجابري دون عتبة القرآن الكريم والمرجفون في الفلسفة‬

‫الباب األول‬

‫في المنهاجية‬

‫‪10‬‬

‫الجابري دون عتبة القرآن الكريم والمرجفون في الفلسفة‬

‫الفصل األول‬
‫ذهول الجابري عن شرط االستيعابية المرجعية في المنهاجية‬

‫ّ‬
‫ّ‬
‫بالحق‬
‫عرف إال‬
‫ف إال بقانون المالءمة المرجعية‪:‬‬
‫الحق ال ُي ّ‬
‫عر ُ‬
‫‪ -1‬القرآن ال ُي ّ‬
‫إن الجابري وفي أول تحديات اآلن التفكيري‪ ،‬نراه لألسف يخفق إخفاقا مهوال بخروجه وعدم استيفائه‪،‬‬
‫بل وذهوله عن أول بديهيات العلمية ما قبل الدخول والحديث عن المنهاجية‪ .‬فهو رغم إقراره بالبعد‬
‫المطلق في القرآن العظيم ألنه وحي رب العالمين‪ ،‬يأبى وكأنما قد انطفأت شعلة وملكة العقل عنده‪ ،‬نراه‬
‫يريد قصرا فرض مرجعية‪ ،‬وبغض النظر عن صريح فرض عدم اإليمان‪ ،‬أي إحالل مكون وشرط‬
‫اإللحاد ضمنها‪ ،‬هي مرجعية ضيقة جدا‪ ،‬محجورة ومحجوزة في إطار أدلوجي ليس بالمعنى الفكري‬
‫والفلسفي‪ ،‬بل في أشد النزعات االستعدائية تطرفا‪ ،‬إذ تفرض هذا والمستهدف الخطابي معلوم‪ ،‬هو‬
‫المجال الخطابي ألمة المسلمين‪ .‬فهاهنا‪ ،‬وفي أهم مرتكزات المقول الذي هو مفهوم القرآن تعريفا‬
‫وتحديدا‪ ،‬وكما سيتجلى بوضوح في شبه مفهوم "كون وتكوين القرآن"‪ ،‬أن الجابري خارج العلمية بخطإ‬
‫قاصم ال ينجبر‪ ،‬هو من بديهيات المنطق المسائلي في عرض وحلول اإلشكاالت العلمية مطلقا‪ ،‬فأول‬
‫الشروط الموضوعية اختيار واستيفاء المرجعية لموضوع النظر‪ ،‬وكل عقالء بني آدم ما بقي للعقل حقيقة‬
‫وللفلسفة مصداقية‪ ،‬متفقون على خطإ وعدم جواز النظر للمطلق بمرجعية نسبية‪ .‬وهو خارج العلمية‪،‬‬
‫ألن العلمية ‪-‬ولشرط الموضوعية ذاته‪ -‬تتجاوز األدلوجة ليس فقط من حيث البعد الفضائي األولي‪ ،‬بل‬
‫وكذلك باالرتفاع وتحييد االنتماء التشيعي واألدلوجي‪ ،‬بله أن نحكمه ونفرضه في خطاب غايته ليست‬
‫علمية صرفة وإنما تجرؤ وبغي سافر؛ يقول الجابري وكأنما قد ختم على قلبه أي عقله‪:5‬‬

‫‪5‬‬

‫نفس المصدر‪ -‬ص‪19-13‬‬

‫‪11‬‬

‫الجابري دون عتبة القرآن الكريم والمرجفون في الفلسفة‬

‫‪12‬‬

‫الجابري دون عتبة القرآن الكريم والمرجفون في الفلسفة‬

‫‪13‬‬

‫الجابري دون عتبة القرآن الكريم والمرجفون في الفلسفة‬

‫‪.‬‬

‫‪.‬‬

‫‪.‬‬

‫‪ -2‬الغائية التشكيكية الباطنية وراء اضطراب البنية المنطقية الداخلية واالختالل اللغوي‬
‫والجدير بالتنبيه أن المعالجة الغائية الباطنية في إدخال قلب المؤمن والمتلقي عموما في حقل ترددي‬
‫وتحريضي شكوكي‪ ،‬على نسق التعارض ونسق المكثفات الكهربية على أساس اللوحتين المتقابلتين‬
‫كهربيا‪ ،‬قد بدأت عملها منذ هذا المرتكز الخطير واألساس في التعريف بالقرآن الكريم‪ ،‬حيث نراه يضع‬
‫ويحاول جادا أن يضع في عمق نفس المتلقي وفي ذات اآلن القول ونقيضه‪ ،‬وهذا أيضا مما استشعره‬
‫وعبر عنه الشيخ عبد الرحمان البراك في فتواه‪.6‬‬
‫من بعد هذا التموضع غير السليم الذي ال يجيزه ال طاليس وال فيثاغورس وال ابن سينا وال وال اسبينوزا‬
‫وال ديكارت‪ ،‬وال أي رجل علم في حله واستنطاقه لهيئة أي مسألة علمية وتصورها التصور المعقول‬
‫الكفيل بإيجاد مدخل نحو الحل‪ ،‬من بعده ال يرجى من الجابري في كتابه هذا‪ ،‬ال فلسفيا وال عقليا‪ ،‬انتظار‬
‫ولو نصف كلمة حق تشترط تميزا عن التأليف الذي هو في مستطاع كل أحد من الناس‪ ،‬التأليف بصفته‬
‫نقوال ومجموعا معرفيا منتظما أو غير منتظم بحسب حظ المؤلف من الحكمة؛ ال يرجى ذلك ألن‬
‫الجابري ببساطة ولألسف هو خارج الحقل اإلرسالي للقرآن العظيم‪ ،‬ولنتل قوله تعالى‪:‬‬
‫{أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج‬
‫منها'}(األنعام‪)123‬‬
‫{أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب' ظلمات بعضها فوق بعض' إذا‬
‫أخرج يده لم يكد يراها' ومن لم يجعل هللا له نورا فما له من نور'}(النور‪،)35‬‬
‫وهكذا باإللزام المنطقي العقالني ال يرجى له الدخول إلى مقام القرآن الكريم‪ ،‬المقام العلي الحكيم‪ .‬وسوف‬
‫يستبين ويتضح جليا أن الذي كان يكتب عليه الجابري ليس هو القرآن الكريم كما هو عند هللا تعالى‪،‬‬
‫وكما هو تصور سقراط للوحي وكما هو تصوره عند الكندي والفارابي وابن سينا رحمهم هللا جميعا‪،‬‬
‫‪6‬‬

‫الصادرة بتاريخ‪ 3‬ربيع األول ‪1134‬ه‪< :‬ملتقى أهل الحديث> منتدى شؤون الكتب والمطبوعات‬

‫‪14‬‬

‫الجابري دون عتبة القرآن الكريم والمرجفون في الفلسفة‬

‫وعند المؤمنين ثبتهم هللا على الحق حتى يموتوا وهم مسلمون‪ ،‬وإنما هو متصور مغلوط محجوز بحجر‬
‫المفكر به قبل المفكر فيه‪ .‬سوف يتبين ذلك بشكل واضح أكثر من وضوح الشمس في رابعة النهار وعلى‬
‫كل مسار الكتاب وفصوله‪ ،‬التي ال يبقى فيها صالحا من جهة التقييم العلمي الصارم سوى نقوالته‬
‫التاريخية والنصوص المجمعة؛ هذه النصوص خير لها أن تعود إلى مواضعها اآلمنة في سياقاتها‬
‫الطبيعية‪ ،‬وال تبقى في هذه الشدة والمعاناة من هذا التوظيف المغرض‪ ،‬الذي أتى بها من بين صفحات‬
‫الكتاب أو الكتب التي هي فيها بمثابة الفنن من الغصن‪.‬‬
‫وإذا كان معنى النقد في االستعمال الفكري مستمدا من معنى اإلجراء التعاملي والمالي في تمييز بهرج‬
‫الدراهم ومزيفها‪ ،‬فلندع جانبا هذه السلطة التي تفرضها الروح التقليدانية التي تأسر العالقة التراتبية في‬
‫المشهد الفكري والجامعي كما عبر عنها الدكتور المهدي المنجرة‪ ،‬التي تكون فيها القراءة تسليمية بدون‬
‫أي انتباه وال عين متفحصة إلى ما يقرأ‪ ،‬ال لشيء إال ألن الكتاب صادر عن فالن‪.‬‬
‫إن الذي يقرأ ويسمع قوله الذي بدأ أو باألدق انتقل به إلى عنوان‪ -2 :‬تعريف القرآن في القرآن‪:7‬‬

‫إن الذي يقرأ هذا‪ ،‬وخصوصا إذا كانت القراءة غير متفحصة‪ ،‬وبالرصيد المعنوي والهالة المسبقة للكاتب‬
‫المتلقاة غالبا بالتأثير التقليدي الجامعي واإلعالمي المكتبياتي‪ ،‬إلى غيره من العوامل الفكرية التاريخية‬
‫والنفسية االجتماعية‪ ،‬من يقرأ هذا سوف يقنع نفسه أن الكاتب‪ ،‬وهو هنا الجابري‪ ،‬قد قدم شيئا علميا قبل‬
‫هذا القول‪ ،‬والقول العلمي هو ما كان مضمونه وفحواه محددا وواضحا‪ ،‬وكان لبنيته منطق ونسيج عقلي‬
‫أمكن رسمه مبيانيا‪.‬‬
‫فلنعد إذا إلى هذا الذي كتبه الجابري منذ أول مادة في الفهرست‪ ،‬المقدمة‪ ،‬ثم من بعده‪ :‬أوال‪ :‬التعريف‬
‫بالقرآن (عالمة تعجب) ‪ ..‬بأي معنى؟ ‪ -1‬نماذج من التعريفات‪.‬‬
‫أما مضمون قول الجابري الذي أفصح عنه من غير تردد ومن دون أن يجد في نفسه منه غضاضة‪ ،‬فهو‬
‫التالي‪:‬‬
‫ الموضوعية عنده هي اعتبار القرآن العظيم كتابا كغيره من الكتب ومن األشياء المألوفة والمشهورة‪،‬‬‫مجرد كتاب اشتهرت قراءته عند المسلمين‪.‬‬
‫‪7‬‬

‫الدكتور محمد عابد الجابري ‪-‬مدخل إلى القرآن الكريم‪ -‬الجزء األول في التعريف بالقرآن‪-‬ص‪15‬‬

‫‪15‬‬

‫الجابري دون عتبة القرآن الكريم والمرجفون في الفلسفة‬

‫ عدم الموضوعية العلمية بالمتصور عنده للحقيقة العلمية لتعريف حق للقرآن الكريم وعدم التسليم له‪،‬‬‫ألن مرجعيته ليست مرجعية الذين يسلمون بأنه من عند هللا تعالى‪ .‬والذي يالحظ ويسطر عليه أن كالمه‬
‫في هذه الفقرة غير متجانس ينقض بعضه بعضا وال يستقيم على منحى‪ ،‬ال في البيان وال في المنطق‬
‫الداخلي‪ ،‬الذي هو القاعدة الخلفية للمنطق اللساني والكالم اآلدمي‪ .‬فالعناصر البيانية‪" :‬ال يسلم به ابتداء‬
‫إال المسلم" "حيادي" "من دون صدور عن موقف مذهبي أو إيديولوجي سواء من داخل هذا المجال أو‬
‫من خارجه" هذه أقوال ومواد بيانية متناقضة ومتضاربة‪ ،‬إن دلت على شيء فإنما تدل على اختالل‬
‫منطقي متدافع بين موقف باطني نفساني من جهة‪ ،‬وموجبات التفكير العقالني المنطقي من جهة مقابلة‪،‬‬
‫أي وجود انفصام على مستوى التحكم في العملية التفكيرية والسلوكية اللفظية بين األنا األدلوجي النفساني‬
‫وبين العقل العقالني المنطقي‪.‬‬
‫ سحب أعظم الخاصات التعريفية الحقة للقرآن‪ ،‬الخاصات الوظيفية المنطقية في البيان العلمي‪،‬‬‫باعتراضات واهية باطلة عقال ومنطقا تنم عن اندفاع نفساني مغيب للعقل‪ ،‬يدل عليه انعدام االستلزام‬
‫المنطقي وسفالة الحجة من حيث التناسب الدرجاتي للحجاج‪ ،‬وتحديدا في اعتراضه البئيس‪ ،‬الذي مرده‬
‫عضل على مستوى الربط بين الفكري والعقلي كما بيناه في الجزء الرابع من سلسلة "المنهاج"‪،‬‬
‫اعتراضه البئيس على الحق المطلق المسطور في القرآن الكريم‪{:‬ما كان محمد أبا أحد من رجالكم' ولكن‬
‫رسول هللا وخاتم النبيئين'}(األحزاب‪ )14‬باصطالح نسبي مغرض‪ ،‬واالصطالح كما هو في أبجديات‬
‫األلسنية ال اعتبار له إال داخل حقله االصطالحي‪ .‬فكيف إذن يسقط الجابري في هذا وهو مسلك‬
‫سفسطائي تنفصل فيه المعاني ويحتفظ فيه باللفظ كوسيط ووليجة لتحييد الربط المنطقي‪ .‬أوال إن النبوة في‬
‫بيان الوحي ثابت معناها في العقل اإلنساني‪ ،‬بل ومن شروط مصداقية االصطالح حتى تتحقق سالمة‬
‫الفكر العلمي والفلسفي في بيانه وعقالنيته عدم النقض والمناقضة لدالالت الحقل المعجمي؛ ومن أجل‬
‫ذلك فإن من يذهب إلى مادة بيانية محورية في القرآن الكريم فيختلق لها نظيرا اصطالحيا على غير‬
‫معناها كان سعيه واضحا‪ ،‬وكان من حقيقة اللغو في القرآن الكريم ال مرية في ذلك‪ .‬ثم إن الفاسد من‬
‫الحال والسعي ال يجانسه إال مثله من فاسد اإلغراض واللغو‪ .‬ولكن الذي يعجب له‪ ،‬والغرض هنا للشيعة‬
‫تحديدا ظاهر‪ ،‬هو السعي والجهد الجهيد وبال مناسبة موضوعاتية على حسب مقام وخطر القول‪ ،‬فهو‪،‬‬
‫أي الجابري‪ ،‬أبى إال أن يجد له موضعا‪ ،‬وكأن هذا الذي جعله تعريفا ضمن ما أسماه بنماذج من‬
‫التعريفات وبهذا التركيب العجيب‪ ،‬كأنه ليس إال توظيفا لتثبيت هذه المادة التي صبغتها ذات صبغة‬
‫الكتاب والغاية التي يهدف إليها‪ ،‬ذلك أن الصلة والمسافات بين موضوع التعريف للقرآن الكريم وداللة‬
‫عنوان العنوان الجزئي مع التصحيح بالطبع‪ ،‬ألن النموذج والنماذج متعلقها المتعدد غير المنحصر‪ ،‬تكون‬
‫إما نمطا تركيبيا أو إنشائيا صناعيا أو عينات تمثيلية تصنيفية‪ .‬فاألمر هنا والحالة بعيدة كل البعد عن هذه‬
‫الصورة‪ ،‬ألن القرآن الكريم معين‪ ،‬وتعريفاته من خالل المعرفات أو األقوال الشارحة منحصر عددها‪،‬‬
‫معدودة ومعلومة‪ ،‬فأنى لهذا التركيب من سالمة في العقل؟ ‪ . .‬قلت إن المسافة البعيدة بين موضوع‬
‫العنوان وإطاره وبين هذا القول للشيعة أبعد من أي موجب لطرحه‪ ،‬ثم إن الجابري وكأنه هنا قد ختم‬
‫على عقله‪ ،‬فامحى من نسقية قانون االختالف صنو قانون التعارض الممثلين لسكة التفكير المعقلن‬
‫السوي‪ ،‬أي المنطقي كما سطره لموجب الحق ال من عنديته وابتكاره أرسطو ومن بعده الفارابي‪ ،‬ألنه‬
‫من لدن الخالق العليم سبحانه‪ ،‬واالختالف أساس الوجود الفضائي التفكيري ألنه الشرط المنطقي للتعدد‪،‬‬
‫بمعنى أن ال فضاء بدون تعدد نقطاتي‪ ،‬وعلى هذا النسق البرهاني أمكن وضع الكوجيتو الديكارتي على‬
‫‪16‬‬

‫الجابري دون عتبة القرآن الكريم والمرجفون في الفلسفة‬

‫نحو جد واضح ‪ . .‬إن الجابري على غرار انتقاالته الالمعقلنة والالمنطقية‪ ،‬اندفاعا نفسانيا لتثبيت ووضع‬
‫مواد محددة ستكون هي وقود الحقل التحريضي الترددي للكتاب‪ ،‬لقد انتقل أو جعل وسيطا لتثبيت المادة‬
‫الشيعية‪ ،‬موهما موضوعيتها وسياقها‪ ،‬وهي عكس ذلك لمن كانت قراءتةغير تسليمية ولكن مستبصرة‬
‫عاقلة كما أمرنا هللا سبحانه وتعالى‪{:‬لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد'}(ق‪ -)33‬والعقل متضمن‬
‫في داللة القلب‪ -‬انتقل من جوهر التعريف "القرآن الكريم" إلى مستند بيان هذا التعريف "النبي صلى هللا‬
‫عليه وسلم"‪ ،‬عالوة على كون التعريف يكون بالمعرف ماهية أو إضافة‪ .‬واألضل عقال وسبيال هو أن‬
‫الجابري إنما أناط كل هذا بمناط ال يستقر وال قرار له إال عنده‪ ،‬ألن "خاتم النبيئين" هنا في التركيب‬
‫المنطقي "خاصة"‪ ،‬وليست جوهر المستند إليه التعريف‪ ،‬ألن االعتبار هو ل"خاتم" وإن كان محل الركن‬
‫اإلعرابي بصفته مجرورا بإلى ذاتا‪ ،‬والذات هنا مستند إلى ذات "النبيئين" كقولنا‪' :‬أول المتسابقين' و'آخر‬
‫الزائرين'‪ .‬وإذا اعتبرناها خاصة ُمعرفة سنكون أمام وبصدد تعريفين في نفس اآلن‪ ،‬تعريف بتعريف‪،‬‬
‫لكن هللا تعالى يشهد أن محمدا رسول هللا وخاتم النبيئين‪ .‬وإذن ف"خاتم" خاصة لمستند التعريف‪ ،‬وجعلها‬
‫حامال لمقول في موضوع التعريف للقرآن الكريم ضرب من الخلط الذي يسلب هذه الكتابة عقالنيتها‪ ،‬بله‬
‫أن تقبل في الشرع الحكيم‪ ،‬ألن هللا تعالى ال يقبل من القول إال ما كان حقا‪ ،‬وإذا غاب العقل والمنطق لم‬
‫يرج سداد‪ ،‬فالعقل مناط التكليف‪ ،‬والعقل شرط الكينونة العلمية والفلسفية األول‪.‬‬
‫وهذا الخطأ المنطقي البين‪ ،‬أو لنقل هذا المسلك نفسه‪ ،‬هو الذي توسله الجابري واصال ما ال يتصل في‬
‫التثبيت ووضع مقول المعتزلة بالتحديد‪ ،‬مقولهم في صلة القرآن العلي الحكيم بالخلق‪ .‬فعبارة "غير‬
‫مخلوق" ال دخل لها البتة في التعريف ال من قريب وال من بعيد‪ ،‬وال هي في إمكان المعرفات الشارحة‪،‬‬
‫إنما سوقها هنا على أسلوب الحكيم على اصطالح البالغيين بالنسبة للسؤال التعريفي للقرآن العظيم‪ .‬ولئن‬
‫كان للمعتزلة في جميع القضايا واإلشكاالت‪ ،‬في جميعها كانت لهم أقوال ومذاهب من القول‪ ،‬فإنه وكما‬
‫بيناه على أحسن ما يكون التبيان وأوضحه في الجزء األول من كتابنا " تفصيل الخلق واألمر"‪ ،‬يقتنع به‬
‫كل من لم يعطل عقله ولم يجعل النقول جميعها فلسفيها ومذهبيها هي قوله‪ ،‬من غير أن يحمل نفسه جهد‬
‫التحرر من التقليد النصوصي المتزمت المحجور المحتجز ولو كان يا للمفارقة باسم العقالنية والفلسفة‬
‫وما هي‪ -‬وهللا الذي هدى سقراط للدعوة إلى الحق وميز أرسطو بذكوة العقل‪ -‬ما هي بعقالنية وال فلسفة‪،‬‬
‫أو بادعاء اتباع السلف وما هو عند هللا تعالى وعند رسوله صلى هللا عليه وسلم باتباع‪ ،‬فالعقل مناط الدين‬
‫والنمطية كفر‪{:‬وال يأمركم أن تتخذوا المالئكة والنبيئين أربابا' أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون'}(آل‬
‫عمران‪ . .)35‬لئن كان للمعتزلة أقوال في كل ذلك‪ ،‬بل وأقوالهم في عدة أسئلة كانت هي الحق خاصة في‬
‫"الصفات"‪ ،‬فإن الذي كان الدليل على عدم صعودهم بقانون التفصيل هو قولهم في عالقة القرآن بالخلق‪،‬‬
‫القول الخاطئ يقينا‪ ،‬البعيد عن الصعود الجدلي والمنطقي لإلدراك‪.‬‬
‫من بعد هذا نطرح السؤال‪ :‬ما هو مضمون كالم الجابري والمحتوى المراد تثبيته في وجدان وعقل‬
‫المتلقي؟ وهل هذا المضمون والهدف مالئم ومطابق للعنوان الجزئي "نماذج من التعريفات"؟‬
‫لم يكن الفحوى موضوعه عرض التعريفات الصحيحة في اإلطار العلمي والفقهي كما يوهم بذلك‬
‫العنوان‪ ،‬وإنما كانت مادته اللفظية كلها صبغتها ‪-‬ال الجينية طبعا‪ -‬بل السيميائية صبغة نقضية سلبية‪،‬‬
‫تارة بنفي الموجب كإبعاد شرط اإليمان المرجعي في التعريف‪ ،‬وتارة أخرى بتثبيت النقض والمناقض‬
‫للمعتبر عند عموم الجمهور‪ ،‬الممثل لعموم المسلمين‪ ،‬الذي هو بالذات مرجع المخاطب والمستهدف‬
‫‪17‬‬

‫الجابري دون عتبة القرآن الكريم والمرجفون في الفلسفة‬

‫بالخطاب؛ هكذا يجعل المضمون وكأن العنوان أداة بيانية موهمة‪ ،‬يجعله طرحا وموضعا موهما وملبسا‬
‫إياه لباس المشروعية وصفة الموضوعية والعلمية إلغراض الشيعة‪ ،‬والقول الشنيع في القرآن للمعتزلة‪،‬‬
‫والتشكيك بتقليدانية ال مسحة فيها للعقلية الفلسفية العلمية القائمة على نبذ التقليد في األقوال والبناء على‬
‫البرهان‪ ،‬التشكيك في اآلية العظيمة لإلعجاز البياني للقرآن الكريم‪ ،‬التي هي باألساس آية مجيدة ليس‬
‫يحدها حيز وال زمان‪ ،‬يدركها الشعراء وذوو السليقة في البيان‪ ،‬ويفقهها حق الفقه يقينا علماء الفيزياء‬
‫والمختصون في الدراسات التحليلية للبيان من عنصر الداللة إلى المادة الصوتية‪ .‬وأيضا ما كان للجابري‬
‫أن يثبت في التعريف قضية صلة القرآن بالخلق‪ ،‬ألن المقام ليس مقامها إال أن يكون الباطني هو الموجه‬
‫للخطاب‪.‬‬
‫وأكثر ما كانت هذه الصبغة النقضية وضوحا وشدة هو حين عمد‪ ،‬وعلى ذات الوسيط التعريفي‪ ،‬وسولت‬
‫له نفسه أن يمرر ويضع صراحا بواحا‪ ،‬أن يضع القرآن موضع التشكيك‪ ،‬وذلك بتجرؤ نفساني غير‬
‫معقلن‪ ،‬بوضع تواتر القرآن موضع السؤال‪ ،‬ولم يلبث بعدها إال قليال حتى نلفيه هو نفسه يقول تحت‬
‫الروح الوظيفية لكتابه‪ ،‬في خلق تردد تحريضي في نفس المتلقي ووجدانه وعقله‪< :‬نحو اكتمال وجوده‬
‫‪8‬‬
‫بين الناس كنص نهائي مصون عن الزيادة والنقصان>‬
‫واألمر الذي ينبغي التسطير عليه هو هذه الدالة الخطابية العاملة في نفس الغاية التوترية لحقل المخاطب‪،‬‬
‫بالعمل على إفقاده السكون واالستقرار في موضع للتلقي ثابت مستقر‪ ،‬فعلى ذات هدف شحن الكتاب‬
‫باللوحات المتقابلة حيث ال تجد قوال وحكما إال ووجدت نقيضه في موضع آخر‪ ،‬على هذا الهدف جاءت‬
‫الصبغة اإلبهامية حين يكون لها فرصة وإمكان في بيانه‪< :‬فإن هناك مذهبا إسالميا> <هناك داخل دائرة‬
‫اإلسالم من يجعل التواتر واإلعجاز موضوع نظر> <وهذه المسالة موضوع كالم أيضا> فهذا كله يخدم‬
‫هدفا خطابيا واحد هو تعويم المخاطب في حقل ترردي استبهامي‪ ،‬من خالل خلق انتشارية مفرقة‬
‫لمناحي ووجهات اهتمام والعقل بكثافة استفهامية مثيرة مترددة ومضطربة‪ ،‬وهذا أيضا يؤديه العنوان‬
‫المتراكب تركيبا جابريا‪ ،‬ال يستقيم ومعنى النموذج لغويا في مطلق حقله الداللي‪ ،‬وال منطقيا بما يتفق‬
‫عليه العالمون في حقيقة التعريف للمعين‪.‬‬
‫هذه الدالة التوترية هاهي ماثلة في طرف هذا الحقل الجزئي المثار في التعريف‪ ،‬هاهو يقول بصدد كل‬
‫ما شحن به وأوقد من التساؤالت المفكر فيها والالمفكر‪ ،‬يقول بعد هذه الزوبعة المثيرة لألسئلة المشبوهة‪،‬‬
‫ألنها ال حكمة عملية وال علمية من ورائها‪ ،‬ها هو يقول من بعد الفقرة التي سقنا آنفا تحت عنوان‬
‫"تعريف القرآن بالقرآن"‪: 9‬‬

‫‪8‬‬

‫نفس المصدر‪ -‬ص‪24‬‬
‫‪9‬‬
‫نفس المصدر‪ -‬ص‪15‬‬

‫‪18‬‬

‫الجابري دون عتبة القرآن الكريم والمرجفون في الفلسفة‬

‫هاهو يقول كأنه ليس الذي قال بأنه ما طرح من األسئلة الشبهات المشبوهات أمر مبرر‪ ،‬يقول بأنه ال‬
‫يريد أن يدخل معها في سجاالت لتدافع عن نفسها‪ ،‬بهذا األسلوب المبهم في تحديد أي من هذه التعريفات‬
‫يعني‪ ،‬وضمنها التعريف الحق‪ ،‬ويقول بدون أي حرج وال استشعار ألقصى مشاهد التناقض‪ ،‬وكأنه‬
‫يقول‪ :‬إنما كنت أخوض وألغو‪ ،‬فال عليكم‪ ،‬عنكم هذه األسئلة وانسوا أمرها وال ننشغل بها‪ .10‬والبنية‬
‫العميقة لكالمه هذا تتحدد باستبدال ما أثاره وبثه من أسئلة حول النبوة والتواتر القرآني واإلعجاز القرآني‬
‫وغيرها‪ ،‬استبدالها بعنصر التعريفات في البنية السطحية‪.‬‬
‫ثم هو بحبكة باطنية يحاول أن يجعل تناقضا داخليا بين مكونات اإليمان داخل نفس المخاطب‪ ،‬ليضعها‬
‫موضع التعارض‪ ،‬حيث يضع مكان التعريفات التي هي في حقيقة الخطاب الباطني والمرسل إلى وجدان‬
‫ونفس المخاطب‪ :‬حقيقة النبوة والتواتر القرآني واإلعجاز القرآني‪ ،‬يضع مكانها أي المكافئ للنقيض‬
‫والمعارض‪' :‬تعريف القرآن بنفسه'‪.‬‬
‫وهذا التعريف هو الذي استبعده بادئ األمر كونه غير مسلم به إال في المرجعية المؤمنة‪ ،‬التي بالطبع هي‬
‫مرجعية القرآن‪ .‬أي استخفاف هذا بالمخاطب قبل االستخفاف بحقيقة العقل والمنطق ثم يزعمون أنهم هم‬
‫العقالنيون‪ ،‬كما يزعم الناقضون للفلسفة العلمية التي كان عليها سقراط والكندي أنهم العلمانيون‪،‬‬
‫مغرضين بموقف تاريخي خاص بأوروبا‪ ،‬متعارض بين العلم الذي هو من صميم معنى الربانية في‬
‫الدين الحق ورجال اإلكليروس‪ ،‬الذين يلبسون الحق بالباطل ويكتمون الحق وهم يعلمون‪.‬‬
‫وكذلك لحفظ المنطق في ميزانه‪ ،‬وهللا تعالى غني عن العالمين‪ ،‬فقوله‪< :‬من خالل هذه اآليات الثالث‬
‫التي تقدم لنا تعريفا للقرآن في القرآن> ليس يقبل هكذا في مستوى علمي المطلوب فيه الدقة في اللفظ‪،‬‬
‫فاآلية األولى تعريف حق‪ ،‬وهي تعريف أعلى بالجوهر‪ .‬أما اآليتان‪ ،‬فبالمنطق والعقل الرصين ليستا منه‪.‬‬
‫وإنما هو أسلوب قد ينفع صاحبه في حبكة السبك األدبي الروائي وقبيله‪ ،‬أما هنا فالمقام علمي أعلى‪ ،‬ال‬
‫يسمح بذلك‪ ،‬وإن وقع سرعان ما يتفاقم البناء‪ ،‬وهذا من المناعة الذاتية للحقيقة العلمية والفلسفية الحق‬
‫القائمة على بنيان الحق‪ ،‬ال على الخطابات الشعرية أو خطاب الحنق الباطني النفساني‪.‬‬

‫‪10‬‬

‫نعتذر عن تعذر وضع عالمات التعجب لكل التعابير االنفعالية واإلنشائية‬

‫‪19‬‬

‫الجابري دون عتبة القرآن الكريم والمرجفون في الفلسفة‬

‫فهذا هو المضمون لموطئ المدخل‪ ،‬مادة نقضية سلبية لحقيقة اإليمان بالقرآن كتاب هللا العزيز الحكيم‬
‫الذي ال يأتيه الباطل من بين يديه وال من خلفه‪ ،‬وبرسول هللا صلى هللا عليه وسلم خاتم النبيئين‪ ،‬ما كان‬
‫حديثا وعرضا للتعاريف الصحيحة للقرآن الكريم‪ ،‬بل عرضا لهذه المادة بغير ارتباط تأليفي وال منطقي‪،‬‬
‫ثم من بعدها يقول وكأنه يظن القارئ أو القراء جميعا مستنيمين ال رائز عندهم من ميزان البيان وال‬
‫منطقا من حكمة‪ ،‬يقول‪' :‬أعتقد أنه ال ضرورة في االسترسال بعد الذي ذكرنا ‪ . .‬إلخ'‪.‬‬
‫وليعلم أن هذا الذي عرضنا لفحصه هو المرتكز الذي سيقف عليه كمنصة وقاعدة للكتاب كبناء‪ ،‬ألنه‬
‫بمثابة فتح مجال للطرح المباشر وعلى ال ّتو لشبه مفهومي "مسار الكون والتكوين للقرآن" و"جعل القرآن‬
‫معاصرا لنا ومعاصرا لنفسه"‪ .‬بيد أنه والحال هذه قد رأينا مدى االختالل والفساد لهذا المنطلق والمرتكز‬
‫من كل مناحي ومعايير النقد العلمي والفلسفي‪ ،‬ألنه ال علم وال فلسفة من دون هيكلة عقلية منطقية‪،‬‬
‫خاصة في حفظ الحقيقة اللغوية واألنساق المنطقية‪ ،‬ككفل وميزان لحفظ سالمة القول والملفوظ‪ ،‬وإن هذا‬
‫بالضبط ما كان المقصد األساس عند ديكارت في الدعوة إلى عقلنة التفكير‪ ،‬وهذا هو المعنى الصحيح‬
‫للعقالنية‪ ،‬أي رفض وضرب الحائط بكل قول ال يستجيب للخطوات السوية للعقل والمنطق؛ فذلك وحده‬
‫الضامن والكافل للمعرفة الصحيحة والحقة‪ ،‬وال علم وال فلسفة بعده‪ .‬وال غرو فالكتابة النفسانية أبعد عن‬
‫الحقيقة العلمية أكثر من بعد السلوك الشعري عن المنطق والعقل كما يقول الحق سبحانه‬
‫وتعالى‪{:‬والشعراء يتبعهم الغاوون'}(الشعراء‪ )223‬ألنهم ال ينضبطون بالحق‪ ،‬والمنطق إنما هو إسقاط‬
‫وميزان الحق في المقول‪.‬‬

‫‪20‬‬

‫الجابري دون عتبة القرآن الكريم والمرجفون في الفلسفة‬

‫الفصل الثاني‬
‫إخالل الجابري بشرط المالءمة في اآللية المقارباتية‬
‫القرآن فوق حقل شبه مفهوم "الكون والتكوين" األرضي‬

‫‪ -1‬العقالنية الجابري في استنماطه التقليداني‪ :‬غياب الذات المستقلة الواعية والمستبصرة‬

‫هكذا‪ ،‬وبإيهام القارئ على نحو ما يسمى باألدوية أو العقاقير الوهمية‪ ،‬بأن ما تقدم كان توطئة علمية‬
‫مكسبة إياه االنتقال إلى أخطر ما في الكتاب‪ :‬شبه مفهوم "كون وتكوين القرآن"‪ ،‬ألنه بمثابة الوعاء‬
‫للكتاب ككل؛ بعد هذه الحبكة البيانية االستيهامية ‪ ،‬وبعد هذا التدليس الخفي‪ ،‬يأتي العنوان التالي‪:‬‬

‫‪21‬‬

‫الجابري دون عتبة القرآن الكريم والمرجفون في الفلسفة‬

‫‪22‬‬

‫الجابري دون عتبة القرآن الكريم والمرجفون في الفلسفة‬

‫‪23‬‬

‫الجابري دون عتبة القرآن الكريم والمرجفون في الفلسفة‬

‫‪24‬‬

‫الجابري دون عتبة القرآن الكريم والمرجفون في الفلسفة‬

‫‪.‬‬

‫‪.‬‬

‫‪.‬‬

‫نقلنا لهذا العنوان ومحموله كامال تفرضه علينا الضرورة العلمية لمعالجة الفحص بأقصى ما يكون من‬
‫درجة الوضوح والتجلي؛ أوال باعتباره عنوانا تقوم عليه أرضية الكتاب وكلية الخطاب الذي سيستقر في‬
‫وجدان المتلقي ومساحة التلقي عنده‪ ،‬العنوان الذي يثبث نول الكتاب ونياطه‪ ،‬وثانيا استجالء للمادة‬
‫النقيض –عقلية لهذا الكالم أو الفقرة‪ ،‬التي على قبيلها تم كون وتكوين كتاب الجابري هذا‪ ،‬وذلك من‬
‫خالل الرجوع إلى القاعدة العقلية أو النطق الداخلي الذي من حقيقته سمي اإلنسان حيوانا ناطقا‪ ،‬أي‬
‫عاقال‪.‬‬

‫‪25‬‬

‫الجابري دون عتبة القرآن الكريم والمرجفون في الفلسفة‬

‫لنعرض إذا إلى اإلسقاطات الجهاتية واألبعادية لهذا الفصل الذي هو مرتكز الكتاب‪ ،‬البيان والمضمون‬
‫والهيكلة المنطقية‪ ،‬وبه يمكن تحديد الفكرة الباطنية والنفسية للكتاب المراد إرسالها‪ ،‬لنخلص إلى القيمة‬
‫الحقائقية لمجموع القول والمادة التأليفية أو المقدمة كذلك‪ ،‬بل هي القاعدة للكتاب ككل‪.‬‬
‫ومن نافلة القول كون هذه المكونات أو الجهات مترابطة بنيويا‪ ،‬أكثر ما هي به كذلك أنها تكون وتركب‬
‫حقيقة وجوهرا واحدا‪ ،‬مع االعتبار لمغايرة على مستوى المناحي االستلزامية والمنطقية بينها؛ فالمنحى‬
‫أو العالقة المنطقية ليست نفسها مدى تركيبيا بين المضمون والبيان أو المضمون والمنطق كما بين البيان‬
‫والهيكلة المنطقية‪ .‬هذا في الحالة الطبيعية للسلوك األدبي واإلبداعي فلسفيا أو فنيا‪ ،‬حالة الكينونة المستقلة‬
‫للذات‪ ،‬ألن اإلبداع والقول هو حالة وجودية قبل كل شيء‪ .‬لكن عندما يتخلف هذا الشرط الوجودي‪،‬‬
‫تتفاقم هذه المناحي التركيبية‪ ،‬أو ال ُمركبة والصانعة للعمل والمنتوج الفكري‪ ،‬وتكون على شاكلة‬
‫المصنوعات والمخلوقات المهجنة‪ ،‬المركبة بنوع من التغيير والنسخ لتناسباتها الحقة والسوية التي بها‬
‫تكون سوية الخلق‪ .‬وإننا لنأسف حقيقة كون هذه الحالة هي نفسها وعينها حالة الجابري في أهم ما بنى‬
‫عليه وجعله قاعدة مؤلفه "مدخل إلى القرآن الكريم"‪ ،‬بدءا من العنوان‪ ،‬مرورا بما سماه طه عبد‬
‫الرحمان‪ 11‬بالتقليد الترجمي العيني المسكوت عنه‪ ،‬والتقليد الترجمي الذهني‪ ،‬كليهما معا‪.‬‬
‫إنه عمال بقانون ومبدأ التناسق الكوني الذي يكفي لمعقوليته مفهوم اإلسقاط الرياضي الذي هو من لبنات‬
‫الهندسة البنائية النظرية والتطبيقية‪ .‬فالمتسق العقلي لبيان الجابري‪ ،‬هو أساسا بالتحديد والتعيين بنايتان‬
‫مشيدتان وقائمتان في الفضاء الفكري األوروبي‪:‬‬
‫األولى عمارة فلسفية يزعم المقلدون المرددون لما ال يفقهون أن لها تغطية كلية واستيعابا كليا للفلسفة‪،‬‬
‫هي االتجاه الظاهراتي بالمعنى الدوغمائي المادي‪.‬‬
‫والثانية ما يسمى بنظرية أو منهج النقد التكويني ضمن نظريات النقد األدبي من خالل شبه مفهوم "الكون‬
‫والتكوين" ومفهوم "التنقيح" في الجذر التاريخي لذات المنهج النقدي في النقد العربي‪ -‬إسالمي؛ فكأن‬
‫ليس بين البيان المتقاطع بين هذين الحقلين‪ ،‬بالحمولة الواضحة برمتها من مواد المعجم ‪ ،‬كأن ليس بين‬
‫مصدرها وبين ظهورها في الكتاب مسار وال مسافة عقلية‪.‬‬

‫‪ -2‬مفهوم النقد التكويني‬
‫<‪1‬ـــفهومــلنفد الــوفد ‪ :‬ــلخام فخنــ‪:‬اونفد الــوفد بــوخلف ــمفد ــتكفهن ـ أوفاد الــوفد ‪ :‬ــلخاماف لفد ‪ :‬لخاخ ـ ف‬
‫د انــخ اف لفاد ‪:‬ة ـ ف ــمفبــة"فلمو‪:‬مــةاف هــةفخنــ‪:‬اوهلبفهنـ أوفافهــةف ــ"فد ــا‬
‫لخؤ ولبفف بففافهةف "فد ا‬

‫اف ــمفهلة ــ"فافد ــا‬

‫افف‬

‫فمفخلجوف مف يفه ـةبفاـةتافد ا ـةكفد الـويفد ـ يفخا‪:‬جـ ف ة ‪ :‬ةهـ فهـبف‬

‫د هنلودتا‪[2]12‬ففف هة دفخعالبف ك؟فهـبفد لدحـوف بف ـل منفاد ‪:‬ة ـ ف ـمفبـة"فلمو‪:‬مـةاف اـتفلحـلبةف‬
‫‪11‬‬

‫اليقظة الفلسفية المغربية ودرء آفة التقليد‪ :‬طه عبد الرحمن‪ -‬مدارات فلسفية‪ ،‬مجلة الجمعية الفلسفية المغربية‪ -‬العدد األول ‪1559‬‬

‫]‪12[2‬‬

‫ـ النقد األدبي في القرن العشرين ‪ :‬م س ‪143 :‬‬
‫‪26‬‬

‫الجابري دون عتبة القرآن الكريم والمرجفون في الفلسفة‬

‫مفد وم فهأىفبلخل فه دفد الو‪،‬فإ فخوتسفههأخـ ف‪ :‬ـلبفد ـا‬
‫حفنةتفانةف‪،‬فلهاوئ فخم‪:‬نف فالوفد ا‬

‫نةنخ‪:‬خبفهوةوههةف ب‬

‫فديو ـمف ‪ ::‬ـحفهتدبأـ فب‪:‬ـىفخ ـح‪،‬ف ـذ دف‬

‫فديو م‪،‬فلهأخ ف ذبفههقفهـ دفد هنـ أوفخ هـبف ـمف ـت‪:‬خبف‬

‫ـفافد عه"فديو مفهاوفد ‪:‬هة فد هو‪:‬تضفخظ"فبنخأ فههأخ ف‪ :‬لا ا‪[3]13‬‬

‫ك فـففاه"فهاةكفشعتخ فاةن ف ة ها ل ةتفدإل ودهخ فلشعتخ فاةن ف ة ا‬

‫ا‪ [4]14‬يفشـعتخ فخـامضف‬

‫ة ‪:‬شة مةفد الوفد ‪ :‬لخامفهبفاال"فد هنلودت‪،‬فلشـعتخ فخـامضف ة شـ فهامـةفد الـوفديو ـمف ـمفد ـا‬

‫د ه لع‪.‬‬

‫ف‬

‫لهعاــةأف بفد الــوفد ‪ :‬ــلخامفخ بــلف ــمفد عهأخ ـ فدإل ودهخ ـ ف ــمفبــة"فاشــلئمةفل‪ :‬لتهــةف ــمفهجــة"ف‬

‫دإل ودعفب‪:‬ىف‪:‬اتافإ ىفد لجلو‪،‬فهاوئ فلهاـ فافهـ أفد أبظـ ف‪:‬اـتافهـبفد هجـة"فد ‪ :‬ـلخامف هـةف ـ"فد ـا‬

‫ف‬

‫‪،‬فاـنفخا‪:‬لـ"ف خلة ـ"فهتبأـ فد ـا‬

‫ف‬

‫ل‪:‬وا"ف مف‪:‬ةتخخفد ا‬

‫ا‪[5]15‬ف ملفإ بفخهةتسف مفهتبأ فهةف "فد ا‬

‫انفخعه"فهأىف‪:‬بأخ"فد هنلودت‪،‬ف خن"فإ ىفتؤخ فامةئخ ف هةف ـ"فد ـا‬
‫هةف ـ"فد ـا‬

‫ف خوتسفهنةوتفد عه"فديو م‪،‬ف‬

‫ف خبـووفهلحـحفد شـعتخ ف ة حـ ‪،‬فلهـبفاـنفافخه أ ااـةفهـبف بفانـ‪:‬اأ‬

‫فهـبفهـ دفد ‪:‬لنـمف‬

‫عضفد هؤشتدتفد ه‪:‬عأل ف ع لتخ فل لقفد ة‪:‬كفلهأىفهزدافللنـةلسفد واـةبا‪[6]16‬فلهـ دف هـتفهشـتلعف‬

‫جودفمنخهةفهاوهةفاعت ف بفد ه وهخبفخلتلبف ـولتفاد ‪:‬الـخواف ـمفإ نـةكفد ـا‬

‫فجهة خ‪:‬ـ ‪،‬فلهأـىفنـ خ"ف‬

‫د هاة"فالتف مفد شعتفد لوخنفد لن فد و خقف م أفد بلخل ففد ‪:‬مفه تفهامـةفيخـتفلدبـوفهـبفد شـع دت ف ـمف‬

‫د جةهأخ ف هةفخ‪:‬حوفهبف ل"فهويف بفد ت ةع‬

‫ففل نخوةف وف ـتف جهحف خـامةفففففب‪:‬ىف ألنفهخأمةفلفناـةوهة‬

‫ففاظتفد هال ف مف علكفف اة‪ :‬ففففففب‪:‬ىفخلـخنفاـلـة فهاآوهة‬

‫فلهبف ل"ف عكف بفزهخت‬

‫فف هبف أللد مفشأامةفهبفخبل مةفففإ دفهةفالىف عكفل لزفجتل"‬

‫ومفه أفدي خةتفلن فو خقف أعهأخ فد الوخ فد ‪:‬مفخهةتنمةفد ه وعفهأىفههأ فد شـعتيف ـ"ف بف‬

‫خ خع ف مفد اةس‪،‬ف‪:‬بووفهأىفدي "فههأخ فد جهحفلد ‪:‬ت‪:‬خك(ف وف تف جهـحف خامـة ففلههأخـ فد ‪:‬الـخوفلد الـوف‬

‫د ـ د‪:‬م(‪:‬اا"فهامــةفهاــ"فهــةفا‪:‬ااــ" ‪،‬فل ــوفدشــ‪:‬متف م ـ أفد ههةتن ـ فد الوخ ـ فزهخــتفب‪:‬ــىفنــهختفهوتنــ‪ :‬ف‬
‫]‪13[3‬ـ مجموعة من المؤلفين ‪ :‬مدخل إلى مناهج النقد ‪25 :‬‬
‫]‪14[4‬ـ جان إيف تادييه ‪ :‬النقد األدبي في القرن العشرين‪149 :‬‬
‫]‪15[5‬ـ مدخل إلى مناهج النقد األدبي ‪ :‬م س ‪33‬‬
‫]‪16[6‬ـ جان إيف تادييه ‪ :‬م س‪351‬‬
‫‪27‬‬

‫الجابري دون عتبة القرآن الكريم والمرجفون في الفلسفة‬

‫هوتنـ فد نــاع ‪،‬فلمشــكف بفههأخـ فد ‪:‬لــلخنفلههأخـ فد جهــحف ــخبفدي خــةتفاــنفههأخ ـ فد ‪:‬ااخــ"فلد ‪:‬نــوخ ف‬

‫أل خــةتفد شــعتخ فهــمفد ‪:‬ــمف‪:‬همــوف أههةتن ـ فد الوخ ـ فد ‪:‬ــمفخا اــقفهامــةف عــوفد اح ـ فد اظتخــةتفد الوخ ـ ف‬

‫د اة ‪. :‬‬

‫]‪17[1‬ـ مجموعة من المؤلفين ‪ :‬مدخل إلى مناهج النقد األدبي ‪25،25 :‬‬
‫مايو ‪20 - 5002 -‬‬
‫كتاب(نظريات نقدية وتطبيقاتها) للدكتور رحماني‬
‫كن أول من يقيّم المبحث الثالث‪:‬نظريات النقد التكويني‬
‫ه تتدتفد الوفد ‪ :‬لخام ففخ تتفه دفد الوفلجلوأفلهامج ف لبف منفد عه"فديو مف مفبة"فد ‪:‬هة فهتهلاةف‬
‫ومنفد هتدب"فد ‪:‬مفهتف مةفب‪:‬ىفدن‪:‬لةنفهلوأ‪،‬فيب فافد عه"فديو مفهاوفد ‪:‬هة فد هو‪:‬ـتضفخظـ"فبنـخأ ف‬

‫ههأخ ف‪ :‬لا ا‪[1]18‬فليا فخب‪:‬ه"ف مفبة"فد بلفهبفنـتفد شـعتخ ف بفخ‪ :‬ـخبف بفاهاـةكفشـعتخ فاةنـ ف‬
‫ة ها ل ــةتفدإل ودهخـ فلشــعتخ فاةنـ ف ــة ا‬

‫ا‪[2]19‬ف‪،‬فل‪::‬ل ـ فد اةاخـ فهأــىففهــةفخ ـ فد ه ــوعفهــبف‬

‫‪:‬الــخوف أانــل ف ــتضف‪:‬أ خ ـ فد ه‪ :‬أ ــةتفد جهة خ ـ فلدمج‪:‬هةهخ ـ فلد اونــخ فلهأــىفن ـ خ"فد هاــة"فاجــوفاف‬

‫شة‪:‬ل تخةبفخب‬

‫فجهأ فتدئع فهبف ‪:‬ةكفه لتخ فد هنخبخ فيا فن قفلدن‪:‬اوهمةا‪[3]20‬ف‬

‫لفخبــووف بــوفد الــةوف هــود فد الــوفد ‪ :‬ــلخامففف لل ـ ف فافلالــوفد ‪ :‬ــلخبفخمــو فإ ــىف‪:‬عتخـ فد عهــ"ف‬

‫د علأمفد يفخاـتافهاـ فدياـتفديو ـمفلد عاـلتفهأـىف لداخاـ ‪،‬ف هـةفيةخـ فهـ أفد وتدنـ ف مـمف‪:‬بوخـوف‪ :‬ـلتف‬

‫دآل خ فد علأخ ف أ ‪:‬ةكفلهالبظ فاشة فد و تفل تدئقفإ وده فد بنم‪[4]21‬‬
‫ف‬

‫الهةفد الوفد ‪ :‬لخامف‬

‫]‪17[1‬ـ مجموعة من المؤلفين ‪ :‬مدخل إلى مناهج النقد ‪25 :‬‬

‫]‪19[2‬ـ جان إيف تادييه ‪ :‬النقد األدبي في القرن العشرين‪149 :‬‬
‫]‪20[3‬ـ النقد األدبي في القرن العشرين ‪142 :‬‬
‫]‪21[4‬ـ جان ايف تادييه ‪ jeane yves tadie‬نادييه ‪ :‬النقد األدبي في القرن العشرين ‪ 352 :‬ترجمة د‪ /‬قاسم المقداد ‪ /‬منشورات‬
‫وزارة الثقافةـ المعهد العالي للفنون المسرحية دمشق ‪1553‬‬
‫‪28‬‬

‫الجابري دون عتبة القرآن الكريم والمرجفون في الفلسفة‬

‫فخهخــزفيلنــ‪:‬ة فتلو ــتف ـخبفاــلهخبفهــبفد الــوفد ‪ :‬ــلخامفخاــ‪:‬‬

‫ف ــ"فهامهــةف هتبأـ فهــبفهتدبــ"ف‬

‫د عهأخ فدإل ودهخ فد تى‪،‬ففههةفد الوفد اةتجمفلد الوفد وداأم‪[5]22‬؛ففيبفديل"فخجهحفشـمةودتفد ة‪:‬ـكف‬

‫لشــمةودتف نــو ةئ فلخوــ‪:‬لف ــمفد هتدنــالت‪،‬ف هتدنــالتف عــضفد ‪:‬ــةكفهاــ"ف أــل ختف‪:‬لــونفهــوةف‪ :‬ـلدتخخف‬
‫أ ‪:‬ة ‪،‬فلخ بلفد ‪:‬نبخبةتففلد ةخةت‪،‬فله دفد الوفخم‪:‬نف خحةف هنةوتفد هةوةفدإل ودهخـ فهـبف ـ فل ـةتف‬

‫لهلد‬

‫‪،‬فلمفخاومف ههخـ فالـوفد هنـةوتف ـمفهتبأـ فهـبفهتدبـ"فههـتفد الـو‪،‬ف ـكف اـ ف ل ل اـةفهأـىفهـةف‬

‫خوعأ فد ة‪:‬كف ةيولدتفد هن‪:‬عةتةفخه ااةفف‪:‬هخخزف خع‪ :‬فففلهابوتفه لتخ‪ :‬ف ش "ف ح"‪.‬‬

‫ف هةفد الوفد وداأمف خ و ف هعت فد ها ل ةتفد ‪:‬مف‪:‬ؤهبف تةفد ا‬

‫‪،‬ف يفدما اةقفديل"فل(د تل‪:‬لل فإ دف‬

‫تواةف بفاوتزفهامةفد هعةامفد اة ‪ :‬فل‪:‬نةهواةف مفهعت فد هخل"فلد بةمتفد ال لدهخ فد ‪:‬مفخهتف مةفد واـةبف‬

‫‪،‬فلهبفاةبخ ف اتىف ذبفد هنـلودتف‪ :‬ـلبفهوخـوةف هلـودتفهـةف‪ :‬ـلبفهوخـوةفلهنبب ــف‪:‬نـةهوف ـمف‪:‬ـةتخخف‬
‫ج دز فلهجه"فد عه"‪[6]23‬‬

‫ف‬

‫‪2‬ـفد الةوفد ت خلبفد خبف اةتلدفد هش أ ف‬

‫خعلوفد ‪:‬و ختف مفد عهأخـ فدإل ودهخـ ف ـمفبـة"فلمو‪:‬مـةفهاـوفد ـتكففد بـوخلف خهـةفخ ـولفإ ـىفهامجـمفد الـوف‬

‫د اونمفلدمج‪:‬هةهمفانفد شعتخ ‪،[7]24‬فهأىف بفه دفمفخهاحفهبفد لل"ف بف ة ف تلعفد الوف‪:‬ـؤدزتفد الـوف‬

‫د ‪ :‬ــلخام‪[8]25‬ف‪،‬فإ ف بفد بــلف ــمفههأخ ـ فد اأــقفد واــمف ــة هوملنفد ـ يفخلنــوأفد الــوفد ‪ :‬ــلخامف ةاــتف‬
‫د ش "فد شةي"ف أالوفد اونمف فمنخهةفهةفخ‪:‬عأـقف ‪:‬ونـختفا ـلدتفد عهأخـ فد واخـ ‪،[9]26‬فلخ ـولف اـ فهاـ ف‬
‫ودخ فد لتبفد ‪:‬ةنحفهشتف ا تفااةئخ فد ها ل ف هعاةأفد لوخنفد يفخنـ‪:‬مو ف‪:‬بلخـقفد ـا‬

‫فهـبفاـال"ف‬

‫ها ل ة‪ :‬فلد بوخلفد ـ يفخمـو فإ ـىف بـلفهتدبـ"ف‪ :‬لاـ فهـبفاـال"فهنـلود‪ :‬ف‪:‬وـتضفاونـمةف ـمفد الـوف‬

‫د ت م‪،‬فل مفحل فد هام فد ‪:‬ةتخامف ة ح ‪،‬ف ومفه أفد و‪:‬تةف د‪:‬مةف و فد تكفخم‪:‬هلبفا ـأولدتفإ ـودهمنف‬

‫د اةن ـ ف أا ـ لدفخبوظــلبفها ل ــةتفههأمــنف‪،‬فلهلحــةفهــبفإ‪:‬ال مــةف عــوف ةه ـ فد ‪:‬ــةك‪،‬ف لن ـلدف مــةف‬
‫أه ‪ :‬ةتفد عةه ف لفد اةن ‪،‬فل وف و تفه أفد بت ف مف هةاخةفها ف لداتفد لتبفد اةهبفهشتفانف‪:‬ل وتف‬
‫مف تانةف مفد االاخاخةتفهبفد لتبفد هةحمف ‪:‬ا‪:‬شتف عوف كف مفهعظنفد ول"فديلتل خ ا‪[10]27‬‬

‫]‪22[5‬ـ جان ايف تادييه ‪ :‬م س ‪353 :‬‬
‫]‪23[6‬ـ النقد األدبي في القرن العشرين ‪ :‬م س‪ :‬ص ‪353‬‬
‫]‪24[7‬ـ النقد األدبي في القرن العشرين ‪ :‬م س ‪353‬‬
‫]‪25[8‬ـ النقد األدبي في القرن العشرين ‪359:‬‬
‫]‪26[9‬ـ ولبر سكوت ‪ :‬تعريفات بمداخل النقد األدبي الخمسة ‪ :‬ضمن ‪ :‬مقاالت في النقد إلبراهيم حمادة م س ‪42 :‬‬
‫]‪27[10‬ـ مدخل إلى مناهج النقد األدبي ‪13 :‬ـ ‪19‬‬
‫‪29‬‬

‫الجابري دون عتبة القرآن الكريم والمرجفون في الفلسفة‬

‫هأىف بفدمه‪:‬هةنف هةف "فد ‪:‬ة فل نب فد ها ـل ف ـةبفهلحـحفد ‪:‬لـوختفهاـوفد الـةوفد عـتكفمنـخهةفد ـبف‬
‫نــالنف ــمفهش ـ أ فدما‪:‬بــة"‪،‬فلفد ــبف ‪:‬خ ـ ف ــمفد بــةمتفد اونــخ فلد ــبف ة ــةف ــمف‪:‬مخئ ـ فديولدت‪،‬ف هــةف‬

‫نــخ‪ :‬خبفهــبف عــو‪،‬ف هــةف ــةبفهلحــحفده‪:‬هــةنفد الــوفد اونــمفل عــضفد الــةوفد ــت خخبفهاــ"ففف ــل"ف ــة ختيف(ف‬

‫‪1781‬ـف‪ 1591‬فد ـ يفخ ـولف اـ اففمفخ ـةوفخمـ‪:‬نففف ة عهـ"فد واـمففل ـبف عهأخـ فد اأـقفلبـوهةفلهـلفخ ـولف‬

‫هل‪:‬اعــةف ‪:‬بأخــ"فههأخ ـ فد اأــقف لج ـ فهــةنا‪[11]28‬ف هــةفاجــوف ــتةفد بــلف ــمفد اأــقفد واــمف‪ ::‬ــتتفهاــوفف‬
‫‪:‬لهةسفإ خلتف فإ ف فبافاظتخ فإ خلتفد ه‪:‬عأل ف ة شعتف‪ :‬و ف نخ ل لجخ فد اأقفد شعتيا‪[12]29‬‬

‫مايو ‪20 - 5002 -‬‬
‫كتاب(نظريات نقدية وتطبيقاتها) للدكتور رحماني‬
‫كن أول من يقيّم المبحث الثالث‪:‬نظريات النقد التكويني‪1‬‬
‫لهحف بفهبفد الةوفهبفختىف بفاههأخ فدإل ودعف‪:‬هتف أ لدتف هظهمةف لتدبف ف لتفديزه فد اونخ فل ـلتف‬

‫ديزه ـ فد انــخ ‪.‬فلمفخنــهىفد شــعتفشــعتدفامفإ دفدج‪:‬ــةزفد ه ــوعفهل ـ فديزه ـ فد انــخ فلنــج"ف اتهــةف ــمف‬

‫بنــخأ فهــبفد ــالنفد نــةهمفهــلفد ـ يفانــهخ ف نــخوةف لف عـ ف لفا‪:‬ـ ف لفانــةفشــعتخةفههلهــةف عهأخـ ف‬
‫فل‪: :‬ه"ف ة ا‬

‫ا‪>.[1]30‬‬

‫دإل ودعف ةمن‪ ::‬ةعف‪ :‬و ف "فد ا‬
‫ف‬
‫لكن المثير في هذا كله‪ ،‬هو أن الجابري لم يكن ناقال بذات كينوناتية عاقلة منطقية‪ ،‬بله أن نطرح سؤال‬
‫استقالليتها‪ ،‬لم يكن النقل بما يعبر عنه القرآن الكريم بالحكمة‪ ،‬ولكن بحذفوره أو بحذافيره بصيغة الجمع‬
‫كما شاع استعماله ‪ .‬إنه ليس من العيب أن نأخذ من اآلخر‪ ،‬وال يشين العمل الفكري والفلسفي أن تستمد‬
‫من غيرك‪ ،‬ألن الفكر فضاء يحتوي العقل البشري جميعا‪ ،‬وهذا هو المعنى اإليجابي المتضمن من زاوية‬
‫معينة عند هيجل في شبه مفهوم "المسار التكويني التاريخي للعقل" أي العقل اإلنساني‪ ،‬لكن الذي يسلب‬
‫الحقيقة اإلبداعية هو غياب الفاعلية والتفكير الذاتي في اإلنتاج فنيا كان أو أدبيا‪ ،‬ولهذا بالذات ذم القرآن‬
‫الكريم التقليد وشنع بالمقلدين بأقذع األوصاف‪ ،‬ذلك أن التقليد يعطل التفكير المستقل والرأي العقالني‬
‫كموقف وجودي‪. .‬‬
‫‪31‬‬

‫]‪28[11‬ـ رنيه ويلك ‪ :‬اتجاهات النقد الرئيسية في القرن العشرين‪ :‬مقال ‪ :‬ضمن كتاب ‪ :‬مقاالت في النقد األدبي ‪ 122 :‬ترجمة‬
‫إبراهيم حمادة ‪ /‬دار المعارف ‪ /‬مصر‬
‫]‪29[12‬ـ نفسه ‪123 :‬‬

‫‪31‬‬

‫موقع الوراق ‪:‬تعليقات صبري أبو حسين أبو عبد الرحمان على كتاب (نظريات نقدية وتطبيقاتها) للدكتور رحماني‬

‫‪30‬‬

‫الجابري دون عتبة القرآن الكريم والمرجفون في الفلسفة‬

‫إن المثير حقا هو أن يتم النقل من غير أدنى إعمال لقانون المناسبة الحاضر في كل تقعيدات فروع‬
‫المعرفة من البالغة إلى الرسم‪ .‬بل إن الجابري بدأ طرح شبه مفهوم" كون وتكوين القرآن" كمرتكزات‬
‫لفظية محددة وموجهة لزاوية التلقي على شاكلة ما يحاول فيه العب كرة المضرب فرض وقصر زاوية‬
‫التلقي للخصم‪ ،‬قد بدأها بهذه المادة‪< :‬نقرأ ‪ . . .‬وتنقيحها إلخ ‪ . .‬يصدق على أمهات الكتب أيضا‪>.‬‬
‫إن مالك بن نبي رحمه هللا حين أخذ من الظاهراتية ونظرية النقد التكويني الغربيتين ضمن محصل الفكر‬
‫اإلنساني‪ ،‬وهما المصدر عينه مما أخذ منه الجابري‪ ،‬إنما أخذ منهما اآلليات الولوجية للمجال الخطابي‬
‫الغربي‪ ،‬ومن دون أن يخرج من المرجعية اإليمانية العربية‪ -‬إسالمية إلى المرجعية الظاهراتية التي‬
‫أساسها الشرط االبتدائي غير معرفي‪ ،‬والمعرفة أساس التصديق الذي هو كنه اإليمان‪ .‬لقد أخذ مالك بن‬
‫نبي رحمه هللا مفهوم "الظاهرة" ومنظار النقد التكويني النفسي بقاموسه خاصة‪ ،‬موظفا إياهما كآليتين‬
‫ووسيلتين منهاجيتين في إبراز اإلعجاز القرآني‪ ،‬وأنه من عند هللا تعالى‪ ،‬وأن محمد صلى هللا عليه وسلم‬
‫رسول هللا حقا‪ ،‬ال التشكيك فيه أو الوقوع عن قصور أو استيالب وجودي فلسفي في إصر الموقف‬
‫النفساني الغربي اإللحادي والالعقالني يقينا‪ ،‬وكما أقر بذلك وشهد به كثير من فالسفتهم ومفكريهم‬
‫كفولتير‪.‬‬
‫وإذا كانت القيم الحقائقية تتقابل بتناقض المرجعيات‪ ،‬فإن المثال المستفيض في بيان هذه القاعدة المنهاجية‬
‫المنطقية هو هذه الحالة لكتاب الجابري‪ .‬إن الجابري لم يتذكر ‪-‬والمعرفة تذكر والجهل نسيان‪ -‬أننا عندما‬
‫نضع شخص وذات رسول هللا الشريفة موضع نظر النقد التكويني ومنظاره االستشراقي الغربي‪ ،‬نضعه‬
‫أمام منظار ال يؤمن باهلل تعالى ربا فاعال مدبرا في هذا الكون‪ ،‬ما من شيء إال بعلمه وحكمته‪ ،‬وأن النبوة‬
‫اصطفاء علي حكيم‪{:‬واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي األيدي واألبصار' إنا أخلصناهم‬
‫بخالصة ذكرى الدار' وإنهم عندنا لمن المصطفين األخيار'}(ص‪ )12..11‬فالنبوة وجود وظيفي محض‪،‬‬
‫به تميز الرسل واألنبياء عليهم الصالة والسالم عن غيرهم من سائر البشر‪ .‬ومن ثمة كان حفظ المرجعية‬
‫الحقة عند مالك بن نبي وهو يوجه خطابه إلى مجتمع الغرب‪ ،‬وبلغته‪ ،‬كان ذلك كفال ليجعله خطابا دعويا‬
‫إلى اإلسالم‪ ،‬بخالف الفسوق عن حصن هذه المرجعية عند الجابري والخطاب موجه إلى المسلمين؛ هو‬
‫دعوة إلى النقيض‪ ،‬تارة تضمينا وأخرى مصرحا به صريحا‪.‬‬
‫وإن أشد ما أخفق فيه الجابري في نقله لمناهج الطرح التفكيري من الغير‪ ،‬هو شبه مفهوم "الكون‬
‫والتكوين"‪ ،‬ومرجع ذلك علة واحدة واضحة‪ ،‬هي غياب العقل وافتقاد سمة العقالنية في الكتاب كنص أو‬
‫مجموعة نصوص الذين هما كنه التفكير‪ ،‬فال تفكير بدون مسار عقلي في فضاء الفكر‪ .‬فالجابري بدا في‬
‫هذا الكتاب وهو يسعى في إعمال شبه المفهوم هذا على القرآن الكريم‪ ،‬بدا وكأنه شخص أو عقل نزع‬
‫منه وبتر نسق من أنساق التفكير السوي الذي متجاله تحقق ما نسميه بالحكمة‪ ،‬نعني بطبيعة الحال معيار‬
‫المالءمة وما هو في صنف داللته‪ ،‬كالتناسب والتماثل والمحاكاة‪ ،‬هذا المعيار الذي جعله أرسطو أساسا‬
‫هاما في السلوك واإلبداع اإلنساني‪ ،‬كما هو متجلي في اكتساب اللغة‪ ،‬ومرسخ بداهة وتحققا في الفن‬
‫المسرحي‪ ،‬وهو المحدد لمنحى التفكير والمسار العقلي لما يسمى بالحدس عند ديكارت‪ ،‬والقصدية‬
‫اإلدراكية عند هوسرل عندما يعلم أن هذه القصدية إنما تتم باتصال منطقي آليته العقل‪ ،‬وهو النسق‬
‫األصل للقياس المنظم التقعيدي في الفقه والقانون والنحو وغيرها‪.‬‬
‫‪31‬‬

‫الجابري دون عتبة القرآن الكريم والمرجفون في الفلسفة‬

‫وال غروى‪ ،‬فإذا كانت الرياضيات أعلى وأساس التفكير اإلنساني المعقلن‪ ،‬فإن هذا المعيار لهو من أهم‬
‫معاييرها ومكوناتها النسقية‪ .‬وإذا كان أرسطو ومن بعده وقفوا عند قانوني االختالف وعدم التعارض‬
‫كأساسي سكة التفكير المنطقي‪ ،‬فإن األس الحركي ال يتم في الفضاء الفكري والوجودي إال بهذا المعيار‬
‫والنسق‪ .‬بل إن كنه الحكمة كما أشرنا إليه‪ ،‬هو المنفذ العجيب واألقرب الذي وراء كل اإلنشاءات النظرية‬
‫بدءا ثم التطبيقية‪ .‬وهذا ما يفسر موسوعية كبار العلماء والمفكرين‪ ،‬من حكماء يونان إلى علماء المسلمين‬
‫األولين‪ ،‬الذين دخلوا كل الحقول المعرفية والعلمية‪ .‬فالعقل من بعد إدراكه للوحدة األنساقية والقانونية‬
‫للكون‪ ،‬ليس يشترط لديه سوى الوجود المستقل‪ ،‬ثم من خالل التناسب والتحاكي والحدس‪ ،‬يحصل‬
‫االستبصار فيتحقق لديه ما قاله سبحانه وتعالى‪{:‬وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن‬
‫الشجر ومما يعرشون ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذلال' يخرج من بطونها شراب مختلف‬
‫ألوانه فيه شفاء للناس' إن في ذلك آلية لقوم يتفكرون'}(النحل‪ ،)25‬السلوك الوجودي المتواجد‪ ،‬أي‬
‫المستقل بدرجة تواجدية حرة غير محتجزة بمرجعية أدلوجية أو غيرها‪ ،‬فيسلك العقل سبل القانون‬
‫الوجودي الكوني مفصال لسانا رياضيا مبينا‪ ،‬فيه الحل الكافي لتسخير المجال التواجدي‪ .‬وهذا ال مرية‬
‫يدحض زعم التميز التفكيري ألي بشر من مثل ما قال هيجل في كانط كون قراءته شرطا في التفلسف أو‬
‫قول شوبنهور إن المرء ال يزال طفال في المعرفة ما لم يقرأ كانط ويفهمه‪.‬‬
‫هذه الحقيقة هي التي من أجلها ذهب كثير من الفالسفة إلى القول كون العقل اإلنساني محمال ابتداء‬
‫ومزودا بكل المعارف‪ .‬ولكن الصحيح هو كون أنساق العقل من أنساق الحق الذي هو المجال الوجودي‬
‫والقانوني للكون‪ ،‬يقول سبحانه وتعالى‪{:‬وإلهكم إله واحد' ال إله إال هو' الرحمان الرحيم' إن في خلق‬
‫السماوات واألرض واختالف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل هللا من‬
‫السماء من ماء فأحيا به األرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر‬
‫بين السماء واألرض آليات لقوم يعقلون'}(البقرة‪ )123‬فالبرهان على وحدانية هللا تعالى ليس وحدة‬
‫الوجود بمعناها المبهم اإلغراضي‪ ،‬بل وحدة القانون والمجال الوجودي القانوني؛ كل من مشكاة واحدة‪.‬‬
‫وهذا من أكبر التجليات على سامق درجة اإلدراك عند الفارابي رحمه هللا حين حدد هذا المكون عند‬
‫اإلنسان تحديدا علميا أسماه بالمعقوالت األول التي يتم بها كمال العقل المنفعل أو العقل الهيوالني‪.‬‬
‫إن هذه النظرية النقدية وشبه مفهوم "الكون والتكوين" إنما مجال سريانه السلوك اإلنساني اإلنشائي‬
‫األدبي والفني‪ ،‬وماهية هذا الفضاء ماهية حدوثية أبعادية زمكانية خاصة‪ ،‬لهذا نتحدث فيها عن ما قبل‬
‫النص مقابل النص‪ ،‬وعن المسافة الحدوثية واإلنشائية بطور ما قبل النص التكويني إلى اآلن النصي‪.‬‬
‫والفلسفة كلها في بؤرتها األولى وفورتها االنبثاقية في العقل البشري‪ ،‬نعني الفلسفة األولى‪ ،‬لم تكن‬
‫دندنتها إال حول المباينة بين األزلي والحادث‪ ،‬وبمعنى بسيط أقرب إلى فهم واستيعابية الناس جميعا‪،‬‬
‫الفيلسوف وغير الفيلسوف‪ ،‬بما بيناه في الجزء األول من كتابنا "تفصيل الخلق واألمر" لم تكن الفلسفة‬
‫األولى تدندن من أول زمانها إال حول مباينة الحق وما وراء الطبيعة للحادث مفصال بالحق‪ .‬فأبعاد‬
‫الفضاء الزمكاني الحدوثي هي بتفصيل الحق‪ .‬والقرآن الكريم بالحق أنزل وبه نزل‪ .‬وبمعنى أوجز جامع‬
‫ال مسافة للزمن في الحق‪ .‬فالحق فوق الزمن‪ ،‬والزمن بعد تفصيلي حدوثي للحق‪.‬‬

‫‪32‬‬

‫الجابري دون عتبة القرآن الكريم والمرجفون في الفلسفة‬

‫بناء على هذا يتضح مدى إخفاق الجابري في اقتناء واختيار آليته التفكيرية‪ ،‬ولربما ولعله الحق أن‬
‫مفهوم القرآن الكريم لديه لم يكن ينطبق بحقيقته‪ ،‬وأنه كان في مفكره ومتصوره على غير ما هو في‬
‫الحق؛ ذلك ما سوف يجليه اعتباره وتصوره االمترجم بلسانه على طول هذا الكتاب وفصوله كقوله‪:‬‬
‫‪32‬‬

‫<وال يشترط في القراء أن يفهموا المقروء‪ ،‬وإنما يشترط فيهم حسن أداء القراءة>‬

‫وكذلك هذا االستفهام بميسمه السذاجي (الفلسفي يا للحسرة ) الذي يبرز المسافة االستكشافية‬
‫االستفهامية‪:33‬‬

‫‪ -3‬تجلي فساد منطوق الجابري بالتصوير المنطقي‬
‫هاهنا نحاول أن نوضح ونعطي التفسير العلمي لهذه المقاربة بمفاهيمها وبيانها الذي ال يليق خلقا فلسفيا‬
‫بادئ الرأي بمقام النبوة‪ ،‬ألن الرجل أكب على وجهه ناقال‪ ،‬كحاطب ليل لكل ما وجد لم يترك لعقله‬
‫التفكير والتريث ولو لبرهة ولحظة تفكيرية واحدة‪ ،‬فينظر فيما يصلح له وما ال يصلح‪ .‬وإننا إن ذهبنا‬
‫نلتمس له عذرا ُسلميا إدراكيا كون الرجل لم يصعد به إدراكه ليرتفع تصوره إلى حقيقة علو القرآن العلي‬
‫الحكيم عن الفضاء الحدوثي‪ ،‬فإن أخذه بمقولة طوري األزمة النفسية واألزمة النصية في هذا المقام ليعد‬
‫ال مراء ضربا من السلوك االنفعالي‪ ،‬ألنه جمع بين باطل ومنكر‪ ،‬باطل منطقي منهاجي‪ ،‬ومنكر في ال‬
‫أخالقية التوظيف للمقولة بالنسبة لمرجعية المخاطب‪ ،‬وعلى أي كانت مرجعية الكاتب هنا‪ ،‬ألن هذا من‬
‫ضمن شرط حكمة وأخالقية الخطاب‪ .‬فالتلقي غير الواعي وغير الناطق لمقول نظرية النقد التكويني‪،‬‬
‫جعل الجابري ال يستشعر مدى ضالل وجرم ما أوعاه صفحات كتابه؛ ذلك أن النظرية‪ ،‬كما هو معلوم‪،‬‬
‫ممثلة بمفاهيمها وقاموسها‪ ،‬ال اعتبار لها إال بكليتها؛ فكيف لم ُيفق الجابري من غيبوبته وهو ينظر مفهوم‬
‫التنقيح ماثال بينها؛ ولكن كما قال هللا تعالى وقوله الحق‪{:‬وتراهم ينظرون إليك وهم ال‬
‫يبصرون'}(األعراف‪.)159‬‬
‫أما من جهة الفحص المنطقي كشرط الزب في حقيقة العقالنية‪ ،‬فهذا كالم الجابري كما هو بتبيان‬
‫صوري منطقي‪:‬‬

‫‪32‬‬

‫مدخل إلى القرآن الكريم‪ -‬الجزء األول‪ -‬ص‪144‬‬
‫‪33‬‬
‫نفس المصدر‪ -‬ص‪131‬‬

‫‪33‬‬

‫الجابري دون عتبة القرآن الكريم والمرجفون في الفلسفة‬

‫أوال‪ -‬الجرد التسلسلي للحقائق المقولة‪:‬‬
‫ال نعرف مسار التكوين للشعر الجاهلي‪ ،‬لكن نعرف مسار التكوين للقرآن ألن المفسرين استوفوه‪ ،‬لكن‬
‫المفسرين جاؤوا متأخرين ومرجعيتهم مرجعية عربية إسالمية‪ .‬المستشرقون بمرجعيتهم غير العربية‬
‫إسالمية وضعوا كتابهم المقدس‪ ،‬التوراة واإلنجيل‪ ،‬موضع المساءلة والنقد التاريخي ألن كتابته امتدت‬
‫عبر طور أو أطوار تاريخية‪ ،‬وأهم هذه األسئلة هو سؤال الصدقية والصحة‪ .‬والقرآن مختلف عن التوراة‬
‫واإلنجيل في هذا‪ ،‬لكن ذلك ال يعفي من طرح هذه األسئلة‪ .‬وال جواب عن هذه األسئلة‪.‬‬
‫ثانيا‪ -‬األدوات البيانية والروابط كلها إضرابية واستدراكية على دالة ترددية تحريضية‪:‬‬
‫أما بالنسبة إلى القرآن الكريم‬‫ومع أن المفسرين‬‫ وال شك أن الذي ينظر‬‫ ولكن أسئلته‬‫أما القرآن‬‫ومع ذلك‬‫أننا ال ندعي أننا سنطرح هنا‬‫أجوبة غير قطعية وال نهائية‬‫من شرنقة السؤال القديم لنعيد طرحه داخل شرنقتنا‬‫ثالثا‪ -‬حدة التحريض الترددي‪:‬‬
‫هاهنا سنعتمد القيم الحقائقية الصنفية ثم من بعدها التحديد للمثبت منها والمنفي‪ .‬وبه لدينا ما يلي‪:‬‬
‫م‪-1‬عدم معرفة مسار التكوين للشعر الجاهلي‬
‫م‪-2‬معرفة مسار تكوين القرآن‬
‫م‪-3‬استيفاء المفسرين النظر‬
‫م‪-1‬المجيء المتأخر للمفسرين‬
‫م‪-4‬مرجعية عربية‪ -‬إسالمية‬
‫م‪-2‬مرجعية استشراقية‬
‫م‪-3‬كتابة أطوارية للتوراة واإلنجيل وطرح سؤال الصحة والصدقية‬
‫‪34‬‬

‫الجابري دون عتبة القرآن الكريم والمرجفون في الفلسفة‬

‫م‪-9‬القرآن ليس كذلك‬
‫م‪-5‬ال يعفى القرآن الكريم من هذه األسئلة‬
‫م‪-14‬أجوبة غير قطعية واستمرارية شرنقاتية للسؤال‬
‫الممثالت الصنفية –بغض النظر عن عدم مصاقية شبه المفهوم‪ -‬اثنتان هما معرفة مسار تكوين القرآن‬
‫وسلبه‪ .‬هكذا يكون لدينا‪:‬‬
‫الصنف الحقائقي األول المعتبر قيمة حقائقية معرفية واحدة‪{:‬م‪ ،2‬م‪ ،3‬م‪}9‬‬
‫الصنف الثاني النقيض‪{:‬م‪ ،1‬م‪ ،4‬م‪ ،2‬م‪ ،5‬م‪}14‬‬
‫م‪ 1‬وم‪ 3‬مقولتان وسائطيتان محايدتان‪.‬‬
‫فيكون الذي كتبه الجابري كفقرات كالتالي‪:‬‬
‫م‪1‬محايدة وم‪ 2‬وم‪=3‬م‪ 2‬وم‪ =1‬نقيض م‪ 2‬وم‪=4‬م‪1‬‬
‫م‪=2‬م‪ 1‬وم‪3‬محايدة‬
‫م‪=9‬م‪ 2‬وم‪=5‬م‪1‬‬
‫م‪=14‬م‪1‬‬
‫فيكون لدينا إذن‪:‬‬
‫م‪2‬و م‪ 2‬وم‪ 1‬نقيض م‪ 2‬وم‪ 1‬نقيض م‪2‬‬
‫م‪ 1‬نقيض م‪2‬‬
‫م‪ 2‬وم‪ 1‬نقيض م‪2‬‬
‫م‪ 1‬نقيض م‪2‬‬
‫استنباط‪:‬‬
‫هكذا يستبين لنا بكل وضوح وحين ننقح تنقيحا منطقيا‪ ،‬ونمحص على أساس العقالنية في تحققها العلمي‬
‫كون المنطق ميزان المقول كما سطره بقوة الفارابي ومن قبله أرسطو‪ ،‬يستبين لنا بإزاحة المقوالت‬
‫الحيادية التي غالبا ما يتوسل إليها كوليجة ووسائط في المسالك السفسطائية‪ ،‬كثقوب ونقاط تمويهية‬
‫وجذبية لالهتمام والقوة التفكيرية‪ ،‬من خالل ذلك‪ ،‬يتضح لنا أن هذا المبدأ والمقدمة من كتابه‪ ،‬وهو العمدة‬
‫والمناط فيه‪ ،‬يتكون من أربع فقرات‪ ،‬اثنتان‪ :‬األولى والرابعة بنيتاهما متفاقمتان داخليا بل متناقضتان‬
‫‪35‬‬

‫الجابري دون عتبة القرآن الكريم والمرجفون في الفلسفة‬

‫منطقيا‪ ،‬واثنتان لهما نفس المحمول الصنفي‪ ،‬الذي هو المقول المثبت عند الجابري وهو طرح القرآن‬
‫الكريم موضع سؤال الكون والتكوين‪.‬‬

‫‪36‬‬

‫الجابري دون عتبة القرآن الكريم والمرجفون في الفلسفة‬

‫الفصل الثالث‬
‫القرآن فوق الحدوثية والتكوينية‬

‫‪ -1‬الفالسفة الحقيقون ال يقولون بتكوينية الحق‬
‫يقول الجابري أقواال ال مرجع فيها إلى العقل البتة‪ ،‬يصدق فيها نفسه ويريد منا أن نصدقه فيها‪ ،‬وكأن‬
‫غرضه تسويد الصفحات في مسار تكوين مؤلفه وكونه‪:‬‬

‫إن هذا الذي يمأل به الجابري صفحات مؤلفه حاشا منقول آيات هللا سبحانه‪ ،‬إن هذا ال يقبل وال يمرر‬
‫إال على قارئ بعقل اله‪ .‬فإذا كان للشعر من طبيعته تفسير مسوغ النسالخه عن الحق في اتزان ومعقولية‬
‫المقول‪ ،‬فإن الجابري هنا ال مسوغ له في هذا الخطل والخضم المتالطم من الخلط‪.‬‬

‫‪37‬‬

‫الجابري دون عتبة القرآن الكريم والمرجفون في الفلسفة‬

‫إن قوله تعالى‪{:‬بلسان عربي مبين} هو حقيقة التفصيل اللساني والبياني للتنزيل‪ ،‬والضمير في قوله‬
‫تعالى‪{:‬وإنه لفي زبر األولين} يبينه قوله تعالى في اآلية البينة التالية‪{:‬أو لم يكن لهم آية أن يعلمه علماء‬
‫بنو إسرائيل'} أي القرآن بمعنى العلم به‪ ،‬ال ذاته‪ ،‬وذلك كقوله تعالى‪{:‬الذين يتبعون الرسول النبيء األمي‬
‫الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة واإلنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم‬
‫الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم واألغالل التي كانت عليهم'}(األعراف‪.)143‬‬
‫واألمر العجيب هو أن يجعل ويكون في معقوله على صيغة وهيئة المفكر فيه عنده‪ ،‬أن يكون محل‬
‫التنزيل‪ ،‬محل تلقي وقراءة الزبر أزليا ال زمانيا‪ .‬فعلى أي عقل وعلى أي أساس يقبل ويمرر هذا الذي‬
‫يؤسس يجعل منه الجابري أركان البنيان لكتابه؟؟‬
‫لئن تقرر من الخطأ المرجعياتي في تعريف القرآن العظيم خروج الجابري عن الوضع العلمي في النظر‪،‬‬
‫فإن شبه مفهوم "كون وتكوين القرآن" هو دليل هذا الخروج‪ ،‬ألنه يشكل ويشاكل تصورا للقرآن ال يصح‬
‫وال يحق‪ ،‬تصورا يؤدي إلى الحكم الجازم اليقين بأن الجابري لم يبلغ‪ ،‬ولم يرتفع إدراكه وعقله المفكر به‬
‫وال المفكر فيه طبعا‪ ،‬إلى قانون التفصيل؛ وهذا ما يؤكده ويرسخه تساؤله الساذج‪ 34‬السابق‪:‬‬

‫فالجابري وقع في خلط رهيب‪ ،‬وهو المطابقة بين القرآن وتنزيل القرآن على قانون التفصيل للحق في‬
‫الخلق واألمر‪ .‬وبمعنى آخر فالتحديد والتصور الحق‪ ،‬وهو التصور الفلسفي والعقلي عند الفالسفة‬
‫الحقيقين بهذا الوصف ال أصحاب وهم الكينونة الفلسفية‪ ،‬التصور العلمي العلي للقرآن العظيم هو أنه‬
‫بالحق أنزل وبالحق نزل‪ ،‬والحق يرتفع على األبعاد الحدوثية مطلقا‪ .‬والتنجيم هنا تفصيل في تلقي‬
‫الخطاب في مجال أبعادي‪ ،‬على ذات نسق التحليل الضوئي على بعد االنكسار الضوئي؛ فال ينبغي للحق‬
‫التجزيء وال التركيب‪ ،‬وإنما قراءته في مجال تلقيه بقانون التفصيل‪{:‬وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس‬
‫على مكث' ونزلناه تنزيال'}(اإلسراء‪ .)142‬وهي الحقيقة التي يدل عليها الضمير في قوله تعالى‪{:‬بل هو‬
‫قرآن مجيد في لوح محفوظ'}(البروج‪ )22-21‬ألنه يدل على الجوهرية كما أجمع عليه علماء اللغة‬
‫والنحو الالتين والعرب؛ يقول األستاذ روبنز في كتابه "تاريخ موجز لعلوم اللغة"‪ -35‬يقول بصدد حديثه‬
‫عن عالم اإلسكندرية أبولونيوس ديسكلوس (القرن الثاني ق‪.‬م)‪:‬‬

‫‪34‬‬

‫نفس المصدر‪ -‬ص‪131‬‬
‫‪35‬‬
‫(المترجم تحت عنوان "مقتطفات من تاريخ العلم اللغوي في الغرب" ل د‪.‬أحمد عوض‪ -‬إصدار عالم المعرفة‪-‬ص ‪)33‬‬

‫‪38‬‬

‫الجابري دون عتبة القرآن الكريم والمرجفون في الفلسفة‬

‫<< ولقد عرف الضمير ليس بوصفه بديال لإلسم فحسب كما هو الشأن في (التخني)‪ ،‬بل إضافة لهذا‬
‫بوصفه ممثال لجوهر من دون خصائص‪ ،‬وهي المقولة التي رددها برشيان‪ ،‬وذات األهمية الكبيرة فيما‬
‫‪36‬‬
‫بعد في التفكير اللغوي للعصور الوسطى>>‬
‫وهذه الحقيقة العلمية هي التي كانت الوشيجة التي نسجنا وكببنا عليها الجزء الثالث من سلسلة " تذكرة‬
‫العلماء في الربانية والمنهاج" كتاب "مفاتيح علم الكتاب‪ ،‬نظرية التفصيل في علم التفسير" النظرية‬
‫العلمية المستوفية لكل شروط ومقومات البناء النظرياتي‪ ،‬والتي تبرهن للعقالء المتحررة آفاق المفكر به‬
‫لديهم من إصر الضيق المرجعياتي الذي يحجب الحقيقة الوجودية‪ ،‬تبرهن كون الترتيب هو من أعظم‬
‫اآليات المعجزات للقرآن الكريم‪ ،‬بل وببلوغ هذا اليقين العقلي العلمي يبرهن على عدم جواز النقصان‬
‫والزيادة فيه إطالقا‪ .‬وألجل هذا نرى أنه من جهة البرهان‪ ،‬يكفي للرد وبيان ضالل الجابري ومن ال‬
‫يزال أفق إدراكه الوجودي لديه‪ ،‬ودرجة حرية المفكر به محتجزة في ضيق الحجر المرجعياتي أدلوجيا‬
‫كان أم انتمائيا‪ ،‬أو تشيعا اعتقاديا غير عقالني‪ ،‬يكفي برهانا على أعلى درجات البرهان العقلي الفلسفي‬
‫باعتبار الفلسفة في نهاية األمر فحصا واستدالال‪ ،‬يكفي ما ساقه مؤلفا كتاب "الشبه االستشراقية في كتاب‬
‫مدخل القرآن الكريم" من رد العالمة عبد هللا دراز رحمه هللا على بعض دعاة الترتيب على النزول‪:‬‬
‫<وكانت اآلية الكبرى في هذا التأليف القرآني أنه كان يتم في كل نجم فور نزوله‪ ،‬فكان يوضع هذا النجم‬
‫توّ ا في سورة ما‪ ،‬وفي مكان ما من تلك السورة‪ ،‬وكذلك كان يفعل بسائر النجوم فتفرق فور نزولها على‬
‫السور‪ ،‬مما يدل على أنه كانت هناك خطة مرسومة ونظام سابق محدد‪ ،‬ال لكل سورة وحدها بل‬
‫لمجموعة السور كلها‪ .‬وهذا وحده – لو تأملناه – من أعظم األدلة البرهانية على أن القرآن ليس من‬
‫‪37‬‬
‫صنع هذا البشر ‪>. .‬‬
‫بالطبع هاهنا كلمة ولفظ (صنع) تحمل على مرادف السياق‪ ،‬أي يراد به انتفاء العامل البشري والزمني‬
‫والحدوثي إطالقا في شأن القرآن الكريم‪ .‬وقد أسمينا هذه اآلية واإلعجاز وعبرنا عنه في كتابنا "مفاتيح‬
‫علم الكتاب‪ ،‬نظرية التفصيل في علم التفسير" وفي غيره باالختراق المجالي‪ .‬والمثل البسيط الموصل‬
‫لنسقه على مستوى العقل انتظام مسحوق الحديد في الحقل المغناطيسي على تشكل الخطوط المجالية‪.‬‬
‫وهاهنا نذكر قوله تعالى‪{:‬وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى' قال أو لم تؤمن' قال بلى ولكن‬
‫ليطمئن قلبي' قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك‬
‫سعيا' واعلم أن هللا عزيز حكيم'}(البقرة‪)245‬‬
‫والعقل الفلسفي الحقيق بهذا القيمة بادئ الرأي ال يقبل بل ال يسيغ أبدا القول بتكوينية الحق‪ ،‬وكذلك العقل‬
‫اللغوي الذي أساسه المعجم داللة الحق فيه الثابت الذي ال يتغير؛ فكيف يذهل الجابري‪ ،‬أم أنه ختم على‬
‫قلبه ‪-‬أي عقله‪ -‬حين انبثق في عقله الفلسفي وعقله اللغوي هذا الشبه مفهوم "كون وتكوين القرآن"‬
‫والقرآن بالحق أنزل وبالحق نزل‪ ،‬بل األنكى أن يكون هو الركن والوشيجة الوهمية التي لف عليها‬
‫كتابه؟‬

‫‪36‬‬

‫انظر كتابنا‪ :‬تذكرة العلماء في الربانية والمنهاج الجزء األول‪-‬ص‪122‬‬
‫‪37‬‬
‫الشبه االستشراقية‪ -‬ص‪12-14‬‬

‫‪39‬‬

‫الجابري دون عتبة القرآن الكريم والمرجفون في الفلسفة‬

‫ومما يدلك يقينا أن الرجل اختل لديه ميزان البيان كمنطق خارجي مؤسس كصورة ترجمية منطقية‬
‫ونفسانية للمنطق الداخلي العقلي والتفكيري‪ ،‬أنه طابق بين شبه المفهوم لديه "كون وتكوين القرآن"‬
‫بمفهوم "علوم القرآن"‪ ،‬فطابق بين ماهيتين وجوهرين مختلفين‪ ،‬بين االصطالح البياني الذي حكمته‬
‫الترتيب والتصنيف للمحصل المعرفي والمدركات في العقل‪ ،‬وهذا هو الذي تمثله هنا علوم القرآن كما‬
‫ذكرها السيوطي في كتابه 'التحبير في علوم التفسير'‪ ،‬وسماها أنواعا إمعانا في تبيان داللتها التصنيفية‬
‫والترتيبية‪ ،‬وذكرها غيره من العلماء‪ ،‬وما هو من جهة أخرى موضوع هذه االصطالحات الذي هو عند‬
‫السيوطي وعند علماء المسلمين وذوي األلباب واإلدراك السوي والتصور الصحيح هو القرآن العظيم‪،‬‬
‫الحق الثابث العلي عن الحادث والمتغير؛ والذي هو الحقيقة وذات الكون والتكوين عند الجابري أي‬
‫نقيض ذلك‪ ،‬يقول الجابري‪:38‬‬

‫‪.‬‬

‫‪.‬‬

‫‪.‬‬

‫‪ -2‬كتاب الجابري بمثابة مكثف بياني ترددي وتحريضي تشكيكي‬
‫هكذا تتوالى االختالالت البنيوية في أمر ليس بالهين‪ ،‬بل هو عند هللا تعالى وعند كل حكيم وفيلسوف حق‬
‫أمر عظيم‪ ،‬ألن المقام علي والموضوع هو القرآن والوحي الكريم والنبوة التي دليلها دليل األقصى‪،‬‬
‫الفائق للدليل األنطلوجي كما يبناه‪:‬‬
‫<هنا في الشطر األول يبرز قهر الحجر المرجعي األدلوجي لجلوة ووضوح النسق الواضح‬
‫عند أرسطو بخصوص هذه الحقيقة الوجودية أخطر القضايا المصيرية والوجودية‪ ،‬لجلوة هذا‬
‫النسق الحجاجي العقالني عند المتكلم‪ .‬والشطر الثاني ال فصل للغائية إال عنده تكريسا للسعي‬
‫المغرض في اختالق فروق ولو بيانية بين حكماء اليونان‪ ،‬وأيضا بين الفالسفة المسلمين من‬
‫بعدهم بخصوص هذا الحقل‪ ،‬ولتحرف دالالت كلماتهم ثم إجماع األمر والحكم عليهم بهتانا‬
‫عظيما بالهرطقة‪ ،‬حقل الشأن األعلى أو الفلسفة األولى؛ فالغائية الداخلية والالواعية إنما هي‬
‫بحسب سياقها‪ ،‬سياق سريان الحق وقوانينه كما عبر عن ذلك طاليس‪.‬‬
‫‪38‬‬

‫مدخل إلى القرآن الكريم‪ -‬الجزء األول‪ -‬ص‪22-21‬‬

‫‪40‬‬

‫الجابري دون عتبة القرآن الكريم والمرجفون في الفلسفة‬

‫والذي ينبغي التسطير عليه هنا هو أن الدليل األقوى من غيره من حيث معيار المنهاجية بخصوص‬
‫وشمول ما قد سبق نسقا ومقوال هو التوافق مع بيان الوحي المصدق بدليل األقصى في هذا السؤال‬
‫المعرفي‪ ،‬وأن ال سبيل بهذا لمفاضلة حجية ومصداقية المصدرين الحقائقيين‪ ،‬التوافق مع النسق العلمي‬
‫للمنتظم المفاهيمي للقلم واللوح المحفوظ‪ ،‬وللكلمة وكن فيكون‪ ،‬المصدق ببيان النبوات بيانا معرفيا‬
‫‪39‬‬
‫مسطرا‪>.‬‬
‫فبعد الخطإ العقلي والمنطقي الذي هو من بديهيات المنهج والشرط اآلكد في سالمة الوضع للكتابة‬
‫والسؤال ككل‪ ،‬الخطإ التعريفي للقرآن باإلخالل بشرط العلمية واالستيعابية الموضوعية‪ ،‬نلفيه هنا يؤسس‬
‫ويختار لكتابه كبناء أساسا ليس فحسب واهيا‪ ،‬بل باطل في كل معايير التصنيف العقالنية واإلدراكية‪.‬‬
‫واألمر هنا عند العقالء والعقالنيين قد حسم فيه‪ ،‬ألن شبه المفهوم "كون وتكوين القرآن" هو محل‬
‫التحريض الترددي الشكوكي‪ ،‬ولوحتاه المحيطتان‪ ،‬كمكثف بياني وعاء محيط هما‪:‬‬
‫اللوحة األولى وموقعها التقديم‪:‬‬
‫< إن اعتمادنا ترتيب النزول – وليس ترتيب المصحف – في تتبع قصص القرآن قد مكننا من إبراز‬
‫وظيفة هذا القصص كوسيلة وسالح للدعوة المحمدية في مواجهة خصومها‪ ،‬األمر الذي ساعدنا على‬
‫‪40‬‬
‫إبراز التساوق بين السيرة النبوية وتطور مسار الكون والتكوين الخاص بالقرآن>‬
‫اللوحة الثانية كشحنة مقابلة لخلق حقل ترددي‪:41‬‬

‫‪39‬‬

‫انظر كتابنا 'تفصيل الخلق واألمر في سؤال حوار األديان وتفرق المذاهب الفقهية' الجزء األول‪-‬ص‪233-232‬‬
‫‪40‬‬
‫مدخل إلى القرآن الكريم‪ -‬ص‪12‬‬
‫‪41‬‬
‫نفس المصدر‪ -‬ص‪241‬‬

‫‪41‬‬

‫الجابري دون عتبة القرآن الكريم والمرجفون في الفلسفة‬

‫‪.‬‬

‫‪.‬‬

‫‪.‬‬

‫هذه الخاصة لكتاب الجابري قد رصدها مؤلفا "الشبه االستشراقية في كتاب مدخل إلى القرآن الكريم"‪،‬‬
‫فكتبا ينكران ويقوالن‪:‬‬
‫<فما الجديد الذي قدمه المؤلف؟ ثم قال‪( :‬ليس باإلمكان بناء الئحة جديدة تحل محلها)‪ .‬وهذا كله يدل‬
‫‪42‬‬
‫على أن المؤلف لم يضف شيئا ذا بال‪ ،‬سوى البلبلة وإثارة الشك‪>.‬‬
‫أقول‪ :‬بل أمكن الجزم من خالل الفحص للكتاب على البعد الوظيفي بإعمال معيار الغائية‪ ،‬أن هذا‬
‫بالضبط وليس غيره‪ ،‬هو الهدف والغاية من هذا العمل الذي جعل الجابرى نفسه فداه‪.‬‬
‫المعيار الوظيفي والغائي ينظر باعتبار أن لكل سلوك دافع أو دوافع محددة بين طرفي الشعور‬
‫والالشعور‪ ،‬ومن باطن النفس إلى ذات الشخصية االجتماعية‪ ،‬بحيث يصبح السلوك في غالبه ملزما‬
‫باالنخراط االجتماعي كنسيج تواصلي مشترك‪ ،‬خاضعا وملزما بمنطق معين‪ ،‬الذي هو هنا منطق العقل‬
‫اإلنساني‪ ،‬فيصبح ويعتبر السلوك حينها شعوريا مقترنا بدافع محدد تحديدا‪ ،‬يمثله مفهوم اإلرادة بملحقات‬
‫ومفاهيم كالهم والعزم وغيرها‪.‬‬
‫بناء على هذا‪ ،‬وباعتبار الممارسة العلمية والفكرية عموما فضاؤها ومحلها االجتماع الواعي كمجال‬
‫خطابي‪ ،‬وباعتبارها على أعلى مستويات هذا الوعي‪ ،‬استلزم أن تكون أهداف أي عمل فني وعلمي‬
‫‪42‬‬

‫الشبه االستشراقية‪ -‬ص‪245‬‬

‫‪42‬‬

‫الجابري دون عتبة القرآن الكريم والمرجفون في الفلسفة‬

‫محددة‪ ،‬وبتحديدها يدرك قيمة هذا اإلنتاج وهذا العمل‪ .‬ومن أجل ذلك ال لغيره لم يهمل الفالسفة كابن‬
‫سينا والفارابي رحمهما هللا تعالى الغاية العملية من الحكمة باعتبار الهدف األهم لالستخالف في األرض‪.‬‬
‫وهذا أيضا مما يدخل في مسمى فقه المقاصد‪.‬‬
‫فلننظر ولنعرض هذا الكتاب للجابري للفحص من حيث الحكمة العملية فيه‪.‬‬
‫بالمنظار الموضوعي الذي ال تعقيد فيه‪ ،‬وبحسب موضوع الكتاب وأيضا المجال الخطابي‪ ،‬ال يعتبر في‬
‫هذا التقييم والتحديد إال اإلضافة المعلوماتية‪ ،‬تبعا لمبدإ أن قيمة المعلومة بجدتها أو بنسبة هذه الجدة‬
‫واختزاليتها‪ .‬وكما نبهنا إليه من قبل‪ ،‬ونبه إليه مؤلفا كتاب "الشبه االستشراقية" ال جديد معرفيا‪ ،‬بل ظلم‬
‫في حق ما تم نقله وتجميعه مما جمع ونقل‪ .‬وإذن فليس يبقى إال األسئلة التي أثارها الكاتب والكتاب‪ .‬فما‬
‫هي إذا القيمة الوظيفية لهذه األسئلة وما الغاية منها؟ وما إفادة قوله الذي سقناه آنفا‪ < :‬ومع ذلك فإن هذا‬
‫الفرق سواء أخذ بعين االعتبار أم لم يؤخذ‪ ،‬ال يعفي من طرح ما يمكن من األسئلة‪ ،‬أسئلة الكون‬
‫‪43‬‬
‫والتكوين‪>.‬‬
‫لنأخذ إذا فيما يلي أهم األسئلة التي أبى الجابري إال أن يقدمها ويضعها بين أيدي وقلوب وعقول قرائه‪،‬‬
‫أو الذين سيكونون نقطة من نقاط ومستهدف مجاله الخطابي‪.‬‬

‫‪43‬‬

‫نفس المصدر‪ -‬ص‪24‬‬

‫‪43‬‬

‫الجابري دون عتبة القرآن الكريم والمرجفون في الفلسفة‬

‫الباب الثاني‬

‫عارضا البالغة واإلدراك عند الجابري والمجادلة في أمية النبي صلى‬
‫هللا عليه وسلم‬

‫‪44‬‬

‫الجابري دون عتبة القرآن الكريم والمرجفون في الفلسفة‬

‫الفصل الرابع‬
‫الجابري يجادل بالباطل ليدحض به الحق‬
‫الجابري يجادل في قوله تعالى‪{:‬وماكنت تتلو من قبله من كتاب وال تخطه يمينك' إذا الرتاب‬
‫المبطلون'}(العنكبوت‪)44‬‬

‫‪ -1‬هدم العقل والمنطق وعارضا البالغة واإلدراك‬
‫في القسم األول "قراءات في محيط القرآن الكريم" يضع الفصل الثالث تحت عنوان سؤال‪" :‬النبي األمي‪:‬‬
‫‪44‬‬
‫هل كان يقرأ ويكتب؟ األفكار المتلقاة ‪. . .‬عوائق معرفية"‬
‫فلئن كان من عجيبة تضاف إلى أصناف العجائب فهو هذا الكالم وهذا المجموع من التلفظ ‪ -‬حاشا النقول‬
‫البراء من سوء فهمه وغي إغراضه ‪ -‬الذي عده صاحبه كالما قابال للعرض في مجال خطابي مؤمن‬
‫عاقل وفيه علماء يعلمون على قدر يقينهم وعلمهم بأن عيسى عليه السالم ولد من غير أب‪ ،‬وأن موسى‬
‫عليه السالم سأل ربه عز وجل أن يرسل معه أخاه هارون عليه السالم‪{:‬وأخي هارون هو أفصح مني‬
‫لسانا فأرسله معي ردا يصدقني' إني أخاف أن يكذبون'}(القصص‪ ،)31‬يعلمون أن رسول هللا صلى هللا‬
‫عليه وسلم كان أميا ال يقرأ وال يكتب‪ .‬وإن ما رد به المؤمنون وما ورد خاصة في كتاب "الشبه‬
‫االستشراقية" يفي بالرد العلمي واألدبي‪ ،‬ومن لم يكفه قوله تعالى‪{:‬وما كنت تتلو من قبله من كتاب وال‬
‫تخطه بيمينك' إذا الرتاب المبطلون' بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم' وما يجحد بآياتنا إال‬
‫الظالمون'}(العنكبوت‪ )15-19‬فليعلم أن حكمه هو الحكم الذي فصلته هاتان اآليتان وصريح نصه اآلية‬
‫ما قبلهما‪{:‬وكذلك أنزلنا إليك الكتاب' فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به ومن هؤالء من يؤمن به' وما يجحد‬
‫بآياتنا إال الكافرون'}(العنكبوت‪.)13‬‬
‫والمفارقة العظيمة والعجيبة في ذات الوقت هو أن الجابري وفي أمر عظيم الذي هو حقيقة أمية النبي‬
‫عليه الصالة والسالم يرد أعظم الحقائق المعرفية‪ -‬ألن درجة المعارف ومجال سريان قيمها الحقائقية هي‬
‫بحسب مصادرها‪ ،‬والمصدر هنا هو الوحي الكريم‪ ،‬وقد نهل من علم النبوة الحكماء الذين حرف شياطين‬
‫الجن واإلنس من الملحدين والمسارعين في الكفر بالترجمة المسماة فلسفية وتأويلية‪ ،‬ومن خالل الوسيط‬
‫التعليمي وعلى مسار التاريخ البشري‪ ،‬حرفوا تصورهم وحكمتهم‪ ،‬فقد نهل من معين علم النبوة‬
‫أنكسمانس وأنبادقليس وفيثاغورس وغيرهم‪:‬‬
‫<وكأن طاليس الملطي تلقى مذهبه من هذه المشكاة النبوية>‬

‫‪45‬‬

‫وعن أنكسمانس الذي عاش بملطة كذلك ما بين‪499‬ق‪.‬م و‪421‬ق‪.‬م‪:‬‬
‫‪44‬‬

‫مدخل إلى القرآن الكريم‪ -‬الجزء األول‪ -‬ص‪33‬‬
‫‪45‬‬
‫‪ pdf‬الملل والنحل‪ -‬تحقيق أمين علي مهنا‪ ،‬علي حسن فاعو‪ -‬دار المعرفة‪ -‬بيروت‪ -‬لبنان‪ -‬الجزء الثاني‪ -‬ص‪333‬‬

‫‪45‬‬

‫الجابري دون عتبة القرآن الكريم والمرجفون في الفلسفة‬

‫‪46‬‬

‫<وهو أيضا من مشكاة النبوة اقتبس‪ ،‬وبعبارات القوم التبس>‬
‫ويقول عن أنبادقليس(‪134-154‬ق‪.‬م)‪:‬‬

‫<وكان في زمن داوود عليه السالم‪ ،‬مضى إليه وتلقى منه العلم‪ ،‬واختلف إلى لقمان الحكيم واقتبس منه‬
‫‪47‬‬
‫الحكمة‪ ،‬ثم عاد إلى يونان وأفاد>‬
‫وفي ذكر فيثاغورس من أهل ساميا الذي عاش في القرن السادس قبل الميالد‪:‬‬
‫<كان في زمان سليمان النبي ابن داوود عليهما السالم‪ ،‬قد أخذ الحكمة من معدن النبوة>‪-48‬‬
‫أقول‪ :‬لقد سارع الجابري في رد أعظم الحقائق وفي أمر عظيم‪ ،‬وبماذا؟ لقد رده بما يجزم أنه عانى‬
‫بأخرة من حياته من اضطراب حاد وخلل على مستوى التنسيق العصبي والنورولوجي في الدماغ‪ ،‬ألنه‬
‫ال تفسير يبقى ويصمد للتمحيص إال هذا التفسير‪:‬‬
‫< وإذا كانت حالة المصابين بالحبسة تبرز جانبا ومنحى معينا من العالقات بين اللغة أو الكالم من جهة‪،‬‬
‫والفكر والدماغ من جهة ثانية‪ ،‬فهذه الحالة يكافئها في نظمة اللغة والفكر الثنائية والزوج (عدم القدرة‬
‫على الكالم ؛ سالمة أو مع سالمة العقل)‪ .‬بيد أنه كما قلنا هذا ليس إال جانبا ومنحى واحدا‪ ،‬وهو إن‬
‫ارتبط علميا وواقعيا بعلم النفس وبالطب العضوي العصبي والدماغي‪ ،‬فالجانب أو المنحى اآلخر المنطلق‬
‫و الصادر من الفكر المكافئ اعتبارا للعقل نموذجه السديد والصحيح منطقيا هو حالة مرض الخرف‪،‬‬
‫وهو الحالة النقيض في نظمة اللغة والفكر للحبسة‪ .‬وبالطبع فالخلل على مستوى العقل مع شرط القدرة‬
‫‪49‬‬
‫على الكالم ليس الخرف وحده هو حالته‪ ،‬بل هناك أمراض وحاالت غيرها كالجنون والبله والعته‪>.‬‬
‫لقد رد أعظم الحقائق في أعظم األمور بإخالله بكلية قوانين الحجاج والمنطق التي أساسها الدليل بحسب‬
‫درجة الموضوع وقدره‪ ،‬مما يؤكد حالة اختالل النسق التفكيرية لديه‪ .‬وهذا يوضحه أن جعل الترجيح‬
‫االستداللي لدعواه الالعقالنية بأن اعتبر الباء في "ما أنا بقارئ" كالباء في "ما أنا فاعل بكم؟"؛ فمتى‬
‫احتمل عقل سوي أن يستقر فيه المساواة وذات الموضع لمادة هي مكون ألداة نفي التي ُبعدها ُبعد حقائقي‬
‫منطقي‪ ،‬ومادة كرابط ركني للتع ّدي على البعد الفعلي؟‬
‫ونظرا لخطر القضية‪ ،‬ننقل كالم المؤلف في شأنها كلية‪ ،‬لئال يبقى لمن كان له عقل حجة على الحق في‬
‫هذا االختالط الذي حصل للجابري في هذا الكتاب وفي هذا السؤال‪ ،‬الذي باعتبار مجاله الخطابي‬
‫المستهدف‪ ،‬وانتفاء أية حكمة عملية ومعرفية تتغيى الحق بمعنى الخير العلمي والعملي‪ ،‬ال تبقى غايته‬
‫سوى السؤال من أجل السؤال‪ ،‬بغاية خلق الشك كما بدأ وما سماه الشهرستاني من قبيل الشبه المحددة‬
‫والمؤثرة في الموقف الوجودي واالعتقادي اتجاه الحقيقة الكبرى والعالقة العبودية لإلنسان بخالقه جل‬
‫وعال‪ .‬ثم إنه ال يغرنك حبكة هذه العناوين للفصول والعناوين التي كتبت تحتها باأللفاظ ذات اإلثارة‬
‫واالدعاء التفكيراني الوهمي‪ ،‬وما هي وهللا سوى زخرف من القول وزيف من االدعاء؛ وهذا برهان هذه‬
‫‪46‬‬

‫نفس المصدر‪ -‬ص‪392‬‬
‫‪47‬‬
‫نفس المصدر‪ -‬نفس الصفحة‬
‫‪48‬‬
‫نفس المصدر‪ -‬ص‪399‬‬
‫‪49‬‬
‫تذكرة العلماء في الربانية والمنهاج‪ -‬ج‪ :1‬القراءات والتجويد‪ ،‬من الغلو واالستئثار إلى ضالل األنغام واأللحان‪ -‬ص‪213‬‬

‫‪46‬‬

‫الجابري دون عتبة القرآن الكريم والمرجفون في الفلسفة‬

‫الحقيقة؛ فإنك لو أبصرت جيدا بالعقل والمنطق لوجدت ما كتبه الجابري هنا‪ ،‬وفي هذا الفصل الثالث‬
‫بالذات‪ ،‬سوى منحط القول في ميزان العلم والمنطق‪.‬‬
‫كتب الجابري‪:50‬‬

‫‪50‬‬

‫مدخل إلى القرآن الكريم‪ -‬الجزء األول‪ -‬ص‪33‬‬

‫‪47‬‬

‫الجابري دون عتبة القرآن الكريم والمرجفون في الفلسفة‬

‫‪48‬‬

‫الجابري دون عتبة القرآن الكريم والمرجفون في الفلسفة‬

‫‪.‬‬

‫‪.‬‬

‫‪.‬‬

‫تأكيدنا على نفسانية هذه الكتابة كسلوك تواجدي بما بيناه ونبهنا عليه من افتقاد تلفظها الداخلي أو منطقها‬
‫الداخلي ألي هيكلة منطقية عقلية‪ ،‬مما هو من شروط القول والتفكير العلمي والفلسفي الحق‪ .‬ونكتفي‬
‫‪49‬‬

‫الجابري دون عتبة القرآن الكريم والمرجفون في الفلسفة‬

‫بالتذكير كون فساد المرجعية ال يكون بعده الحق في الحديث عن العلمية‪ ،‬ألنها بمثابة مستقر وركن‬
‫الحقيقة الوجودية لهذه األشياء التي تنبثق عن الفكر واإلبداع ككل‪ .‬والجابري كما الحظناه راكم في‬
‫الضالالت واالختالالت حين عمد إلى تحديد وتعريف المفهوم المرتكز لما أراد به كتابا‪ ،‬مفهوم القرآن‬
‫كتاب هللا العزيز الحكيم‪ ،‬عمد إلى تحديده من خالل مرجعيته الفاسدة‪ ،‬المرجعية المحتجزة في حجر‬
‫األدلوجة واالنتماء األدلوجي‪ ،‬بغض النظر عن العلل الوجودية لهذه األدلوجة بل ولهذا االنتماء بالذات‪.‬‬
‫تأكيدنا على هذه االنحصار النفساني من بعد أهم خصائصه‪ :‬عدم العقالنية‪ ،‬بعدم انضباطه للنسق العقلية‬
‫والمنطقية في التفكير والتلفظ‪ ،‬يزيد وضوحا هنا ألنه يبرز أن الغاية بما هي غير متناسقة عقليا ومنطقيا‬
‫يبقى محلها النفس‪ ،‬فال تسلك ما يسلكه العقل في تقرير األحكام كما هو في أول التعليمات ألرسطو‬
‫والفارابي وابن سينا وعقالء الفالسفة بتأصيلهم الفكر الفلسفي السليم والحق على المنطق كميزان لألحكام‬
‫واألقوال‪.‬‬
‫لقد أقر بادئ اإلرسال حكما ال يجوز ال خلقا فلسفيا وال في قواعد المناظرة‪ ،‬ألنه مصادرة لحكم متطرف‬
‫باعتبار المقام والمجال الخطابي المستهدف به‪ .‬إن البنية العميقة لسؤاله حسب اصطالح تشومسكي وهو‬
‫كذلك عند الجابري من قرارة النفس‪ ،‬تحيله إلى إخبار تقريري مكذب بالمعنى المنطقي من كون محمد بن‬
‫عبد هللا رسول هللا وخاتم النبيئين صلى هللا عليه وسلم كان أميا ال يقرأ وال يكتب‪.‬‬
‫وكذلك ما عبرنا عنه في أول هذا الرد باالختالف العوالمي الفاصل بين القرآن الكريم وعالم تواجد‬
‫الجابري بمنظاره‪ ،‬وهذا هو المحدد األساس للتصورات الوجودية والمدركات‪ ،‬وهو أيضا المحدد للنسبية‬
‫المعجمية ومدركاتها وكيف تتصور هذه المدركات‪ ،‬مما يفيد ارتباط االنتماءات الفكرية بالتصورات‬
‫للحقائق الوجودية وللمفاهيم الممثلة للمعرفة وتأثرها بعضها ببعض إن سلبا أو إيجابا‪ ،‬انفتاحا واتساعا أو‬
‫تضييقا وقصورا‪ ،‬تناسقا واتساقا أو انعواجا وتحريفا‪ .‬لئن كان هذا المنظار أو النفس القارئة عند الجابري‬
‫قد أفضى إلى إدراك لكتاب هللا تعالى العزيز الحكيم على تصور ال يطابق الحقيقة؛ فهذا المنظار وهذه‬
‫النفس القارئة هي التي نجدها هنا‪ ،‬وببيان واضح تتصور حقيقة معرفية من أخطر الحقائق الفلسفية‪ ،‬بل‬
‫هي الكفل المعيار األقصى في مرجع الحكم على أي فكر وعلى أي سلوك وعمل لإلنسان في هذا الوجود‬
‫محدوده ومطلقه‪ ،‬حقيقة محور الكتاب والنبوة‪ ،‬تتصورها على غير ما هي في الحق؛ وإنما الفلسفة هذا‬
‫كنهها‪ .‬إن قوله‪< :‬دين سماوي جديد – إلى جانب اليهودية والنصرانية‪ >-‬هو قول بدوره حاسم في الحكم‬
‫على فساد هذا المجموع من الكالم الذي جعل منه كتابا – حاشا كما نؤكد حاشا النقول‪ -‬فالدين عند هللا‬
‫اإلسالم‪ ،‬وإنما الجديد الشرعة والرسالة‪ .‬وأما قوله <إلى جانب اليهودية والنصرانية> فدليل قاطع على‬
‫أنه يجهل وليس في مدركه قانون التفصيل الذي كما بيناه في كتابنا "مفاتيح علم الكتاب‪ ،‬نظرية التفصيل‬
‫في علم التفسير"هو المفتاح األساس في التصور الصحيح على اإلمكان العلمي البشري للقرآن الكريم‪،‬‬
‫ومن دونه ال يمكن أن نحدد المفاهيم المفاتيح األخرى خاصة‪" :‬الكتاب" و"الذكر" ومنه يستنبط السطحية‬
‫الجزئية لهذا المنظار بخصوص القصص القرآني‪.‬‬
‫الذي ينبغي تسطيره أوال أن الجابري هنا في هذه القضية يمثله أو لنقل ال يمثله إال العنوان أو النقطة‬
‫الجزئية الثالثة‪-< :‬استفهام ‪ . .‬أم نفي؟>‪ .‬وبأبسط العبارة نراه فيه وقد مضى ال يلوي على منطق أرسطو‬
‫وال ُسلّمية المتن والحديث عند البخاري وال معيارية ابن سينا التي بها ولج كل العلوم من اللغة والفقه إلى‬
‫الفيزياء والطب‪ ،‬وأول المعيارية في سلم الحقائق في المنطق العقلي كميزان لمعرفة صحيح الكالم من‬
‫‪50‬‬




Télécharger le fichier (PDF)

دون عتبة القرآن.pdf (PDF, 14.9 Mo)

Télécharger
Formats alternatifs: ZIP







Documents similaires


fichier pdf sans nom 6
fichier pdf sans nom
fichier pdf sans nom 1
grille de depouillement
fichier pdf sans nom 3
lf9vn9j

Sur le même sujet..