حول عروبة البربر .pdf



Nom original: حول عروبة البربر.pdf

Ce document au format PDF 1.6 a été généré par Adobe InDesign CS3 (5.0) / Adobe PDF Library 8.0, et a été envoyé sur fichier-pdf.fr le 13/07/2014 à 22:31, depuis l'adresse IP 197.0.x.x. La présente page de téléchargement du fichier a été vue 5172 fois.
Taille du document: 27 Mo (349 pages).
Confidentialité: fichier public


Aperçu du document


‫�سعيد بن عبد اهلل الدارودي‬

‫حول عروبة الرببر‬
‫مدخل �إىل عروبة الأمازيغيني‬
‫من خالل الل�سان‬

‫‪ :‬حول عروبة الرببر‬
‫الكتاب ‬
‫مدخل �إىل عروبة الأمازيغيني ‪ -‬من خالل الل�سان‬
‫ ‬
‫ ‬
‫‪� :‬سعيد بن عبد اهلل الدارودي‬
‫ف ‬
‫امل�ؤل ‬
‫‪ :‬فكر‬
‫ت‬
‫من�شورا ‬
‫ف ‪ :‬عبارة عن حروف قدمية ُنق�شت يف ال�صخر وقد عرث عليها يف ‬
‫�صورة الغال ‬
‫ظفار املنطقة اجلنوبية من �سلطنة عمان‬
‫ ‬
‫الطبعة الأوىل ‪2012 :‬‬
‫‪ :‬حمفوظة‬
‫ق ‬
‫احلقو ‬
‫الإيداع القانوين‪2012MO0791 :‬‬

‫ ‬
‫ردمد‬

‫‪978-9954-30-834-9:‬‬

‫الإجناز الفني ‪ :‬ناداكوم‬
‫‪ :‬املعارف اجلديدة‬
‫ال�سحب ‬
‫التوزيع ‪� :‬سو�شربي�س‬
‫عنوان امل�ؤلف ‪� :‬سلطنة ُعمان ـ ظفار ـ �صاللة الرمز الربيدي ‪ 215‬ـ �ص‪ .‬ب ‪ 52‬‬
‫الربيد الألكرتوين‪sadaroodi@hotmail.com :‬‬
‫الهاتف النقال ‪)00968( 99294263 :‬‬

‫من�شورات فكر‬
‫املدير امل�س�ؤول ‪ :‬حممد الدروي�ش‬

‫�سل�سلة درا�سات و�أبحاث‬
‫‪medderouiche@gmail.com‬‬
‫رقم ‪14 :‬‬
‫من�شورات فكر‬
‫�ص‪.‬ب ‪ 9007‬حي املحيط‬
‫الرباط‬
‫اململكة املغربية‬
‫الهاتف‪212-0661-368866 :‬‬
‫الفاك�س‪212-0537-652164 :‬‬
‫العنوان‪ +‬الإلكرتوين‪revue-fikr@voila.fr :‬‬
‫املوقع الإلكرتوين‪http://fikr.site.voila.fr/v :‬‬

‫م�ضمون هذا الكتاب يعرب عن ر�أي امل�ؤلف وال يعرب بال�رضورة عن ر�أي فكر‬
‫بكل هي�آتها‬

‫الإهداء‬
‫�إىل ذكرى �أمي‬

‫فاطمة بنت حممد �سعيد‬

‫الروح الطاهرة التي �ضحت و�صربت يف �سبيل �أن جتعل من �أبنائها رجا ً‬
‫ال‬
‫�صاحلني‪.‬‬
‫رحمها اهلل وغفر لها‪ ،‬واحت�سبها �شهيدة لديه‪ ،‬و�أدخلها ف�سيح جناته مع‬
‫وال�صديقني وال�شهداء وال�صاحلني املح�سنني‪.‬‬
‫النبيني‬
‫ِّ‬

‫�شكر واجب‬
‫للأ�ستاذ‬
‫علي ب�شيء كي �أجنز هذا‬
‫عبد الهادي ِ�سيكي ال�صديق الذي مل يبخل َّ‬
‫الكتاب على �أكمل وجه فجزاه املوىل عني خري اجلزاء‪.‬‬

‫‪7‬‬

‫املقدمة‬
‫ادعت غري ذلك‪ ،‬وارتكزت على‬
‫قامت الدعوة الرببرية على الأ�سا�س العِ ْرقي‪ ،‬و�إن َّ‬
‫اللغة ب�صفتها ال�صخرة ال�صلبة الرا�سخة التي ميكن الوقوف فوقها بثبات لإي�صال‬
‫َّ‬
‫انفك‬
‫ر�سالة احلركة الأمازيغية‪ ،‬وحتقيق مطالبها‪ ،‬والو�صول �إىل �أهدافها‪ ،‬فما‬
‫املنخرطون يف هذه احلركة منذ البداية ي�شيعون ب� َّأن �أه َّم عوامل ا�ستقالل الرببر عن‬
‫ي�سمونها “اللغة الأمازيغية” ال‬
‫غريهم وتفردهم هو عامل الل�سان‪ ،‬فاللهجات التي ّ‬
‫تنتمي لأي لغة كما يقولون‪ ،‬و�إن ت�أثرت بلغات �أخرى و� َّأثرت فيها‪ ،‬خ�ضوع ًا لقوانني‬
‫اللغة التي ت�ؤكد حتمية هذا الت�رسيب اللغوي خا�صة على م�ستوى الألفاظ‪.‬‬
‫قيل الكثري عن هذه اللهجات من قبل �أ�صحابها‪ ،‬وو�ضعوا القوامي�س واملعاجم‬
‫لألفاظها‪ ،‬وانك ّبوا على تقعيدها‪ ،‬ور َّوجوا “خل�صو�صيتها” و”متيزها” و”عبقريتها”‬
‫و”انفرادها” عن غريها من اللهجات واللغات خا�صة العربية‪ ،‬بل بلغ بهم الأمر �أن‬
‫حاولوا ا�صطناع لغة ُم َو َّحدة معيارية لتكون احلل البديل ملع�ضلة اللهجات العديدة‪،‬‬
‫واملتنافرة �أحيان ًا �إىل درجة عدم مقدرة �أ�صحابها على التوا�صل بها فيما بينهم‪ ،‬مما‬
‫ي�ضطرهم �إىل اللجوء �إىل ل�سان و�سيط يتخاطبون به‪.‬‬
‫ورغم هذه اجلهود امل�ضنية التي تقوم بها احلركة‪ ،‬وكل هذه اجلمعيات واملراكز‬
‫ي�سع �أحد �إىل القيام مب�رشوع يف املقارنة‬
‫والباحثني الل�سانيني املنتمني �إليها‪ ،‬مل‬
‫َ‬
‫اللغوية ما بني الل�سانني الرببري والعربي لإظهار ما بينهما من �أوا�رص القربى‪ ،‬بل‬
‫توهم �أنه خا�ص بالرببرية وال يوجد يف‬
‫جند النقي�ض‪ ،‬حيث يتم الرتكيز على ما ُي ّ‬

‫‪8‬‬

‫العربية‪ ،‬وي�ستمر االبتعاد عن املقابلة ما بينهما حتى من طرف اللغويني املهتمني‬
‫مبقارنة اللهجات الأمازيغية بغريها‪ ،‬مما ُيفقد البحث املقارن �صفة املو�ضوعية‬
‫واحلياد‪ ،‬فيخرج ـ يف هذه احلالة ـ من باب العِ ْلم ليدخل يف باب الهوى والأدجلة‪،‬‬
‫و�سامل �شاكر خري مثال على ذلك‪ ،‬فهو ال يقرتب من لغة ال�ضاد يف مكاف�آته‪ ،‬وك�أنها‬
‫مل ُتدرج مع الرببرية يف ف�صيلة لغوية واحدة‪ ،‬ومل تتعاي�ش معها ملئات ال�سنني‪.‬‬
‫� َّإن �ضخامة ما يف الرببرية من �ألفاظ عربية �أقلقَ �أولئك القائلون بعدم عربيتها‪ ،‬مما‬
‫حدا بوا�ضعي املعاجم من احلركة الأمازيغية ـ رفع ًا للحرج ـ �أن يخرجوا ق�سم ًا كبرياً‬
‫من �ألفاظ الرببرية وجعلوه من الدخيل العربي‪ ،‬وهذه املفردات اليخفى على �أحد‬
‫عربيتها فهي �شائعة متداولة يف ال�صحافة والتعليم والإعالم‪ ،‬كذلك حينما تيقن‬
‫ه�ؤالء � َّأن ق�سم ًا بربري ًا �آخراً موجود يف العربية املهجورة �أدركوا �أنه من ال�صعب �أن‬
‫يعدوه من الدخيل‪ ،‬ولذلك ا�صطنعوا ـ رفع ًا للحرج �أي�ض ًا ـ تخريج ًا عجيب ًا �أ�سموه‬
‫ّ‬
‫“امل�شرتك”‪ ،‬فالل�سانان منف�صالن خمتلفان ـ عند ه�ؤالء ـ لكن لديهما م�شرتكات‬
‫كثرية‪ ،‬ث َّم وجدوا جمموعة ثالثة من الألفاظ م�ستغلقة‪ ،‬فجعلوها ق�سم ًا ثالث ًا‬
‫و�صفوه بالأمازيغي ال�رصف‪.‬‬
‫وهكذا نكون �أمام ثالثة �أق�سام من الكلمات الرببرية ح�سب ت�صنيفهم‪:‬‬
‫الق�سم الأول‪ :‬كلمات ُجعِ لت من الدخيل العربي الذي ت�رسب يف لهجات الرببر‬
‫بعد الفتح الإ�سالمي‪ ،‬ولذا ُعمِ َل على �إخراجها من قامو�س الرببرية‪.‬‬
‫الق�سم الثاين‪ :‬كلمات ُجعِ لت من امل�شرتك‪ ،‬حيث ُعرث عليها يف اللغة العربية‬
‫مببناها ومعناها‪.‬‬
‫ظن‬
‫الق�سم الثالث‪ :‬كلمات ُجعِ لت من الأ�صيل البحت‪ ،‬وهي تلك املفردات التي ُي ُّ‬
‫�أ ّ‬
‫ال وجود لها يف العربية‪.‬‬
‫يحددوا حتديداً قاطع ًا ما هو الدخيل وما‬
‫� َّإن �أ�صحاب الت�صنيف ال�سابق مل‬
‫ّ‬
‫هو امل�شرتك‪ ،‬وما هو الأثيل ؟ و�أي�ض ًا مل يب ّينوا ما هي الأ�س�س والقواعد التي‬
‫اعتمدوا عليها يف تق�سيماتهم ؟ وما هو املنهاج التي �ساروا عليه عند غربلة‬
‫مما يدعونا �إىل الرتدد يف قبول التق�سيم امل�شار �إليه‪،‬‬
‫الألفاظ الرببرية وت�صنيفها ؟ ّ‬
‫ويف ال�شك مب�صداقية وا�ضعي املعاجم الأمازيغية‪ ،‬وهل ي�ستطيع �أحد � َّأن ي�ضمن‬

‫‪9‬‬

‫اتفاقهم جميع ًا على ت�صنيف واحد جامع ال يختلفون فيه ؟ �ألي�س من املمكن � ّأن‬
‫جمموعة من الكلمات َع َّدها �أحدهم دخيلة �أتت من العربية‪ ،‬قد يراها �آخر ب�أنها‬
‫م�شرتكة مع الرببرية‪ ،‬وثالث يدرجها مع الأ�صيل البحت الذي ال ينتمي �إىل غريه‬
‫وال ي�شاركه فيه ل�سان �آخر؟ �ألي�س الأمر راجع ًا �إىل �أهواء و�أمزجة خمتلفة‪ ،‬ورغبة‬
‫وا�ضحة يف «ت�صفية» اللفظ العربي «الدخيل»‪ ،‬مع الإبقاء ـ يف ذات الوقت ـ على‬
‫املعجم الرببري غزيراً وغني ًا ؟ �أمل تكن الرغبة يف التوفيق ما بني هذين الأمرين‬
‫هو ال�سبب يف ظهور هذا التخبط ؟ فلن�رضب بع�ض الأمثلة التي ت�ؤيد ما نقول‪،‬‬
‫ففي املعجم العربي ‪ /‬الأمازيغي‪ ،‬ا�ستبعد حممد �شفيق �صاحب املعجم لفظة هي‬
‫(لفدعت) مبعنى انخالع العظم‪ ،‬لأنها يف نظره عربية دخلت الرببرية يف العهد‬
‫ال�س ْهلي ُيدخلها يف معجمه اخلا�ص‬
‫الإ�سالمي‪ ،‬لكن باحثا مغربيا �آخر ا�سمه علي َّ‬
‫باللهجة الرببرية ملنطقة فجيج‪ ،‬وهو يقول يف مقدمة املعجم ب�أنه قد �أخرج منه‬
‫املفردات العربية الدخيلة و�أبقى على «امل�شرتك والأ�صيل»‪.‬‬
‫�أبقى �شفيق ـ بعد �أن �أخرج لفظة (لفدعت)‪ ،‬على ثالثة �ألفاظ ُّ‬
‫تدل على انفكاك‬
‫العظم‪�( :‬أ ّنفرك‪� ،‬أمو ّلز‪� ،‬أ ّنغزم)‪� ،‬إذن يرى �شفيق � َّأن الكلمات الثالث بربرية بحتة‪،‬‬
‫واحلقيقة �أن كلمتي �أمولز و�أنفرك عربيتان‪ ،‬فلماذا و�ضعهما يف معجمه ؟ ففي‬
‫قامو�س العربية جند‪ :‬امنلز منه = �أُفلِت‪ ،‬وامتلزه= انتزعه‪ ،‬وم ّلزه متليزاً = خ ّل�صه‪،‬‬
‫َّ‬
‫َّ‬
‫انفك‪ّ � ،‬أما الثالثة وهي (�أنغزم) فنحن نعذره‬
‫فكه‪ ،‬وجند �أي�ض ًا‪ :‬انفرك املَ ْن ِكب =‬
‫عدها من الكلم الرببري‪ ،‬لأنها لي�ست يف معاجم اللغة العربية‪ ،‬ولأنه ال‬
‫عندما َّ‬
‫يعرف �شيئ ًا عن لهجات عرب ظفار‪ ،‬فاجلذر (غزم) وم�شتقاته يف اللهجات الظفارية‬
‫الغزمة هي‪ :‬انفكاك العظم‪،‬‬
‫ال يحيد يف معانيه عن (انزالق العظم)‪ ،‬ففي دارجتنا ْ‬
‫والفعل املا�ضي منها هو‪ْ :‬انغزم ْ‬
‫ال�ش ْحرية‪ ،‬غزميت‪ :‬انخالع‬
‫واغتزم‪ ،‬ويف اللهجة َّ‬
‫الع�ضو‪ ،‬والفعل املا�ضي منها‪ :‬غِ ْزم‪ ،‬ومثال �آخر هو الفعل (�إدفّ�ش) مبعنى لكز‪ ،‬دفع‬
‫دفع‬
‫بعنف‪ ،‬فهو ذاته الفعل (دف�ش) املوجود يف كثري من اللهجات امل�رشقية مبعنى َ‬
‫بق َّوة‪ ،‬لك َز‪� ،‬رضب ب�شدة‪ ،‬ونعذر �شفيق العتقاده ب�أن املفردة لفظة �أمازيغية دخلت‬
‫العامية املغربية‪ ،‬لأنه غري عامل على ما يبدو بلهجات امل�رشق العربي‪ ،‬ولكننا ال‬
‫نعذره حني ُيبقي‪ ،‬يف معجمه على لفظة (�إدفر) مبعنى دفعه بعنف‪ ،‬وال�سبب يف‬
‫ذلك �أنها ف�صيحة �أوردتها املعاجم العربية كافة يف مادة (دفر)‪.‬‬

‫‪10‬‬

‫أرجع جانب ًا من التطابق ما بني �ألفاظ العربية‬
‫�أ َّما بع�ض املعجميني من الرببر فقد � َ‬
‫والرببرية �إىل امل�صادفة كما جاء يف مقدمة قامو�س (�أوال)‪ ،‬واحلقيقة � َّأن هذا القول‬
‫قد ُيقبل عندما يتعلق الأمر بب�ضع كلمات‪ ،‬ولي�س ب�آالف الكلمات‪ ،‬وبخ�صو�ص ما‬
‫قاله �صاحب قامو�س (�أوال) ب� َّأن بع�ض هذي املفردات الكثرية املتطابقة «مقرت�ضة»‬
‫من العربية‪� ،‬أي�ض ًا قد ُيقبل هذا القول‪ ،‬عندما يكون التطابق والتقارب ينح�رص‬
‫يف مفردات ال�شعائر الدينية ونحوها من �أمور العقائد واملذاهب‪ ،‬ومعها املفردات‬
‫املتعلقة ب�أ�سماء املخرتعات من �آالت ونحوها‪ ،‬لكنه ال ُيقبل وال ُيعقل � َّأن َ‬
‫الكرثة‬
‫الكاثرة من الألفاظ ـ وهي ت�شمل جوانب احلياة جميعها ـ قد �أخذها �سكان‬
‫ال�شمال الإفريقي القدماء من العرب بعد فتح �إفريقية‪ ،‬فمن الذي ُي َ�ص ِّدق � َّأن الرببر‬
‫ـ قبل قدوم امل�سلمني من اجلزيرة العربية ـ مل يخرتعوا لهم الأ�سما َء والألفاظ التي‬
‫ُتعرب عن مفردات احلياة الدا ّلة على اخللق والتكوين‪ ،‬والنجوم والليل والنهار‪ ،‬واحلر‬
‫والربد‪ ،‬واملاء وعيونه وينابيعه وغدرانه وم�ستنقعاته و�أحوا�ضه‪ ،‬وبحاره وخلجانه‬
‫و�أمطاره و�سيوله وطوفانه وتدفقه ون�ضوبه‪.‬‬
‫كذلك املفردات الدالة على الأر�ض و�أ�شكالها‪ ،‬وتربتها وجبالها وتاللها و�أحجارها‬
‫و�صحاريها ورمالها‪ ،‬ونبتها و�شجرها‪.‬‬
‫كذلك املفردات الدالة على الدواب املُ�ست�أن�س منها والوح�شي‪ ،‬واملفردات املتعلقة‬
‫بالأ�صوات و�أنواعها‪ ،‬وتلك املتعلقة بالتحديق والر�ؤية‪ ،‬وبالكرثة والق ّلة‪ ،‬والنق�ص‬
‫والزيادة‪ ،‬وب�أحوال الإن�سان وخ�صاله‪ ،‬احلميدة منها والذميمة‪ ،‬كال�شجاعة واجلبانة‪،‬‬
‫والرزانة واحلماقة‪ ،‬والعقل واجلنون‪.‬‬
‫والكرم والل�ؤم‪ ،‬والذكاء والغباء‪َّ ،‬‬
‫كذلك املفردات املتعلقة بالأ�رسة والزواج‪ ،‬ومبراحل الإن�سان ون�ش�أته‪ ،‬ومب�شاعره‬
‫كاملحبة والبغ�ض‪ ،‬والفرح واحلزن‪ ،‬والغ�ضب‪.‬‬
‫كذلك املفردات الدالة على �صفات الإن�سان ا َ‬
‫خل ْلقية‪ ،‬من طول وق�صارة‪ ،‬و�سمن‬
‫وح�سن وب�شاعة‪.‬‬
‫ونحافة‪ ،‬وقوة و�ضعف‪ُ ،‬‬
‫�أي�ض ًا املفردات الدالة على احلركة وال�سكون‪ ،‬من م�شي وهرولة وجري‪ ،‬وقيام‬
‫وجلو�س‪ ،‬ودخول وخروج‪ ،‬وتلك الدالة على القطع والق�ص وا َ‬
‫حل ِّز‪ ،‬والق�رش‪ ،‬وال�سحق‬
‫وال�شج وا َ‬
‫جل ْرح والطعن والقتل‪.‬‬
‫والطحن‪ُ ،‬ث َّم الزجر والطرد والدفع وال�رضب‪،‬‬
‫ِّ‬

‫‪11‬‬

‫و�أي�ض ًا الألفاظ املتعلقة باللبا�س و�أزيائه‪ ،‬وبالن�سج واخلياطة‪ ،‬وبالفتل والإبرام‪،‬‬
‫والأ�رس والتقييد‪ ،‬والربط والإحكام‪ ،‬وتلك املتعلقة بالبناء والت�شييد‪ ،‬وتلك املتعلقة‬
‫�سمياتها‪.‬‬
‫بالأ�سلحة والأوعية ُ‬
‫وم ّ َّ‬
‫�أي�ضا املفردات اخلا�صة بالفنت واال�ضطرابات‪ ،‬واحلروب والدواهي‪ ،‬ثم تلك التي‬
‫ُّ‬
‫تدل على الفناء والهالك والإقبار‪.‬‬
‫ترى من ي�صدق � ّأن الغالبية العظمى من الكلمات الرببرية التي ت�شمل جميع‬
‫نواحي احلياة التي ذكرناها‪ ،‬واملتطابقة واملتقاربة لفظ ًا وداللة مع لغة ال�ضاد‪ ،‬هي‬
‫من الكلم العربي الذي ت�رسب يف الرببرية خالل الع�رص الإ�سالمي؟‬
‫هي �إذن نوازع الهوى عند ه�ؤالء‪ ،‬وعقدة نف�سية مرت�سخة يف �أعماقهم جتاه‬
‫اللغة العربية‪ ،‬التي ُيريدونها «�أبعد ما تكون» عن لهجاتهم‪ ،‬حتى تبقى �أمازيغيتهم‬
‫«متفردة» ببنيتها الل�سانية‪« ،‬ممُ تازة» مبعجمها الغزير‪�« ،‬أعجمية �صافية» لي�س بها‬
‫ُ‬
‫«�شائبة» عربية‪.‬‬
‫أردت هذا الكتاب � َّأن يكون �شاهداً ودلي ً‬
‫ال على عروبة �أقوام كانوا وما زالوا‬
‫لقد � ُ‬
‫وع َّدت �أعجمية‪ ،‬وما �أوردته بني دفتي هذا امل�ؤلف‪،‬‬
‫يتكلمون بلهجات ُ�س َّميت لغة‪ُ ،‬‬
‫يدح�ض هذه املقولة التي �أ�ضحت عند الكثري من النا�س ُم َ�س ّلمات وبديهيات ال‬
‫تقبل النقا�ش‪ ،‬لقد �رسدت هاهنا الكثري من ال�شواهد حتى �أثبت بها �أن الرببرية‬
‫لي�ست �سوى ل�سان عربي‪� ،‬شواهد لي�ست من املعجم فح�سب‪ ،‬بل من النحو وال�رصف‬
‫وال�صوت �أي�ض ًا‪ ،‬و�أحب �أن �أذكر يف هذه املقدمة عدة نقاط للقارئ الكرمي‪:‬‬
‫‪1‬ـ � َّإن يف بلدي ظفار ع�رش لهجات هي‪ :‬اللهجة الظفارية (العامية الدارجة)‪،‬‬
‫ال�س َ‬
‫ال�ش ْحرية‪ ،‬واللهجة املَ ْهرية‪ ،‬واللهجة ا َ‬
‫حل ْر ُ�س ِ‬
‫قطرية‪،‬‬
‫واللهجة َّ‬
‫و�سية‪ ،‬واللهجة َّ‬
‫ال�ض ْنية‪ ،‬واللهجة ا َ‬
‫اله ْبيوتِية‪ ،‬واللهجة ال َب ْط َحرية‪ ،‬واللهجة‬
‫واللهجة َّ‬
‫حل ّالنِية‪ ،‬واللهجة ُ‬
‫رجح‬
‫املَ ُحوتِية‪ ،‬و�أنا ا�شتغل منذ مدة طويلة على مقارنتها باللهجات الرببرية‪ ،‬ولقد َّ‬
‫ابن بطوطة �أن تكون ظفار هي موطن الرببر الذي نزحوا منه �إىل ال�شمال الأفريقي‪،‬‬
‫رحال‬
‫رحالة مغربي �شهري ينتمي �إىل قبيلة لواتة الرببرية‪ ،‬وهو �أعظم َّ‬
‫وابن بطوطة َّ‬
‫َّ‬
‫وحل بها‪ ،‬وللكاتب حممد بن م�ستهيل ال�شحري‬
‫يف تاريخ الب�رشية‪ ،‬وقد زار ظفار‬
‫قراءة مهمة يف رحلة ابن بطولة لظفار جعل عنوانها (ظفار يف حتفة ّ‬
‫النظار)‪ ،‬ذكر‬

‫‪12‬‬

‫عد من الأوائل القائلني بعروبة الرببر ا�ستناداً �إىل ما الحظه‬
‫فيها ب�أن ابن بطوطة ُي ُّ‬
‫وعرث عليه يف ظفار(‪.)1‬‬
‫‪2‬ـ كوين باحث ًا ظفاري ًا م�شتغ ً‬
‫ال بعلم اللغة املقارن‪ ،‬جعلني هذا ا�ست�شهد باللهجات‬
‫العمانية واليمنية‪ ،‬لأن بلدي ( ظفار ) يقع‬
‫الظفارية يف املقام الأول‪ ،‬ثم اللهجات ُ‬
‫بني ُعمان واليمن‪ ،‬مما جعل ح�صيلتي اللغوية من لهجات هذه البلدان الثالث �أكرث‬
‫لدي من اللهجات امل�رشقية الأخرى‪ ،‬وبخ�صو�ص اللهجات الظفارية ف� ّإن � َّ‬
‫أول‬
‫مما َّ‬
‫من در�سها هم الأجانب الغرب ُّيون‪ ،‬ويف درا�ساتهم تلك كثري من الأخطاء‪ ،‬ناهيكم‬
‫عن �سوء ن َّياتهم الذي يظهر يف طرحهم وا�ستنتاجاتهم‪ ،‬وبعد ذلك ظهرت كتابات‬
‫ودرا�سات ب�أيدي ظفاريني غ ُّيوريني �سعوا �إىل احلفاظ على �إرثهم اللغوي كل بقدراته‪،‬‬
‫من ه�ؤالء نذكر الراح َلينْ ِ الأ�ستاذ علي حم�سن �آل حفيظ وال�شيخ حممد بن طفل‬
‫امل�سهلي‪ ،‬رحمهما اهلل‪ ،‬والدكتور حممد بن ُم�س ِّلم بن دبالن املهري‪ ،‬والدكتور حممد‬
‫بن �سامل املع�شني‪ ،‬والأ�ستاذ عادل مريخ‪ ،‬والأ�ستاذ علي �أحمد ال�شحري‪ ،‬والأ�ستاذ‬
‫�أحمد طويب �سعد املهري‪ ،‬والأ�ستاذ �سامل حليمر حممد القمريي (‪ ،)2‬والأ�ستاذ‬
‫الع َمري‪ ،‬والأ�ستاذ خالد بن �أحمد الدارودي والأ�ستاذ �سامل �سهيل‬
‫ُم َّ�سلم بن �سهيل ُ‬
‫عريون ال�شحري‪.‬‬
‫‪3‬ـ مل اهتم كثرياً ب�إرجاع لفظة ما �أو ظاهرة لغوية معينة �إىل لهجة بربرية بعينها‪،‬‬
‫ذلك لأن الهدف عندي هو �إي�ضاح عروبة الكلم الرببري ب�شتى لهجاته‪.‬‬
‫‪4‬ـ هناك ظواهر �صوتية جعلتها يف ف�صول م�ستقلة‪ ،‬برغم � َّأن مكانها ال�صحيح‬
‫‪1‬ـ ذكرت هذا الأمر للدكتور عبد الهادي التازي ال�شخ�صية املغربية ال�شهرية‪ ،‬عندما التقيت به يف‬
‫العمانية م�سقط بتاريخ ‪ 2010/4/11‬ميالدي وبح�ضور حفيدته الإعالمية �أ�سمهان التازي‪،‬‬
‫العا�صمة ُ‬
‫وعثمان رحو امل�ست�شار يف ال�سفارة املغربية‪ ،‬ولقد ن َّبهته �إىل �أن ابن بطوطة زار كثري من بلدان امل�رشق‬
‫العربي ـ ومنها اليمن ـ ومل يربط �أي منها بالرببر‪ ،‬يف حني �أنه َر َّجح �أن تكون ظفار هي موطن الرببر‬
‫أكد على �أهمية �أن ي�ؤخذ ما قاله‬
‫الأ�صلي‪ ،‬ولقد كان �شيخنا اجلليل ُم ْن ِ�صت ًا ملا �أقول باهتمام بالغ‪ ،‬ثم � َّ‬
‫ابن بطوطة بهذا ال�ش�أن م�أخذ اجلد و�أن ال يبقى البحث املقارن رهني اللغة بل يجب �أن يكون �شام ً‬
‫ال‪.‬‬
‫وهذا الخالف عليه‪ ،‬ولكن العائق يكمن يف امل�س�ؤولني القادرين على املبادرة والتنفيذ �سواء كانوا �أفراداً‬
‫�أ�صحاب �سلطة وقرار �أو �أ�صحاب جاه وي�سار‪� ،‬أي�ض ًا يكمن هذا العائق يف امل�ؤ�س�سات واجلهات �سواء‬
‫كانت �أهلية �أو حكومية التي ال تعري هذا الأمر �أدنى اهتمام‪.‬‬
‫‪� -2‬أحمد طويب املهري و�سامل القمريي من املنطقة الغربية بظفار وت�سمى حاليا املهرة وتتبع للجمهورية‬
‫اليمنية‪.‬‬

‫‪13‬‬

‫يخ�ص‬
‫هو ف�صل (الأ�صوات اللغوية)‪ ،‬لأين ر�أيت �أنه من الأن�سب للقارئ‪ ،‬فيما ُ‬
‫الظواهر ال�صوتية من �إبدال وقلب و�إ�سقاط و�إ�ضافة‪ْ � ،‬أن ُتدرج له يف ف�صول‬
‫م�ستقلة‪.‬‬
‫ق�سم ًا �إ ّياه �إىل ف�صول لي�س �سوى‬
‫‪5‬ـ � َّإن ما �أدرجته من املقارنات يف هذا الكتاب ُم ِّ‬
‫مناذج و�أمثلة‪ ،‬ويف نيتي �أن �أجعل كل ف�صل منها كتاب ًا ُم�ستق ً‬
‫ال يف املُ�ستقبل‬
‫القارئ �أنني قد قطعت �شوط ًا كبرياً وفق ًا للمعجم‬
‫ب�إذن اهلل تعاىل‪ ،‬وال �أخفي‬
‫َ‬
‫التجان�سي(‪ )1‬فلقد بد�أت قبل �سنوات بالعمل على و�ضع معجم بربري مقارن‪.‬‬
‫‪6‬ـ نادراً ما �أ�شري �إىل وجود مقابل للكلمة الرببرية يف لهجات املغرب العربي‬
‫يهمه يف الأ�سا�س معرفة املقابل اللفظي‬
‫ِّ‬
‫العامية‪ ،‬لأنني �أرى ب� َّأن القارئ املغاربي ُّ‬
‫املوجود يف لهجات امل�رشق العربي‪ ،‬ناهيكم عن �أن وجود هذا املقابل يف �أي دارجة‬
‫رسب فيها من الرببرية‪.‬‬
‫مغاربية قد ُيح�سب ب�أنه ت� َّ‬
‫أ�سهب الإ�سهاب الكايف يف �رشح كثري من املفردات ومكافئتها‪ ،‬تارك ًا‬
‫‪7‬ـ مل � ْ‬
‫العرو ِب َّية‬
‫ذلك للمعجم الرببري الذي �سيكون ـ مب�شية املوىل ـ جامع ًا لألفاظ اللغات ُ‬
‫القدمية واحلديثة ما ا�ستطعت �إىل ذلك �سبي ً‬
‫ال‪.‬‬
‫جتنبت ـ يف املقارنات ـ ما ُيعتقد �أنه دخل الرببرية بعد الفتح الإ�سالمي للمغرب‬
‫‪8‬ـ‬
‫ُ‬
‫العربي �إ ّ‬
‫�صب ًا على ما ُح ِ�س َب بربري ًا بالأ�صالة‪ ،‬والذي‬
‫ال فيما ندر‪ ،‬وكان تركيزي ُم ْن َّ‬
‫�أ�ضحى من املُ�س َّلمات عدم وجوده يف العربية‪.‬‬
‫‪9‬ـ عندما ال �أذكر املكافئ امل�رشقي يف املقابلة مع الرببرية ال يعني بال�رضورة عدم‬
‫وجوده‪ ،‬كما �أن ذِ ْكره ال ينفي وجود غريه‪ ،‬فكيف يل �أن �أحيط بلهجات �أقاليم‬
‫امل�رشق العربي التي توزعت بني بلدان عديدة ذات مناطق �شا�سعة وجبال �شاهقة‬
‫وفجاج عميقة وقرى ُمتباينة ؟ وما ينطبق على هذه اللهجات ينطبق �أي�ض ًا على‬
‫لهجات املغرب العربي بربرية ودارجة‪ ،‬زد على ذلك � َّأن املراجع املكتوبة عنها الت�شفي‬
‫الغليل‪ ،‬واالهتداء �إليها ثم احل�صول عليها لي�س بذلك ال ُي�سرْ ‪.‬‬
‫‪1‬ـ ي�سمى كذلك املعجم الوظيفي واملعجم املو�ضوعاتي‪ ،‬وهو الي�أخذ بالرتتيب الأبجدي يف تق�سيمه‬
‫و�إمنا على �أ�سا�س املو�ضوع‪ ،‬فاملاء مثال يف ق�سم‪ ،‬والنبات يف ق�سم ثان واحليوان يف ق�سم ثالث‪ ،‬وهكذا‬
‫دواليك‪.‬‬

‫‪14‬‬

‫‪10‬ـ قد �أ�شري �إىل اللفظ ب�أنه موجود يف «ال�سبئية» �أو «اليمنية القدمية» التزام ًا مني‬
‫بحرفية النقل من املرجع املكتوب الذي �أخذت منه ذلك اللفظ‪ ،،‬رغم �إدراكي ب�أن‬
‫ال�سبئية هي لغة مينية قدمية �أي�ض ًا‪ ،‬ورغم �إدراكي ب�أن اللغة اليمنية القدمية قد تكون‬
‫قتبانية �أو حمريية �أو ح�رضمية �أو �سبئية �أو غريها من لهجات اليمن القدمية ولكن‬
‫امل�صدر �أوردها على �أنها «مينية قدمية» دون تو�ضيح فا�ضطررت �أن �أحذو حذوه‪،‬‬
‫كذلك اللهجة العامية امل�رشقية قد يكون بع�ض ما ذكرتها منها خا�ص بلهجة �إقليم‬
‫معني دون بقية �أقاليم البلد‪ ،‬ك�أن �أن�سب لفظا ما �إىل «الدارجة العراقية» ويكون‬
‫خا�ص ًا بلهجة املو�صل دون بقية الدارجات العراقية‪� ،‬أو خا�صا بلهجة بغداد دون‬
‫غريها‪.‬‬
‫‪11‬ـ �س ُيالحظ القارئ ا�ستبدايل م�صطلح (اللغات ال�سامية احلامية) ال�شائع‬
‫مب�صطلح (اللغات العروبية) املغمور‪ ،‬وذلك لكون امل�صطلح الأول لي�س مبني ًا على‬
‫ني على �أ�سا�س �أ�سطوري توراتي‪ ،‬وقد � َّأ�س�سه الالهوتي (بو�ستيل)‬
‫�أ�سا�س عِ ْلمي و�إمنا ُب َ‬
‫قرره اليهودي الأملاين (�شلوتزر) يف القرن الثامن ع�رش‬
‫‪1537‬م يف باري�س‪ ،‬وبعد ذلك َّ‬
‫ق�سم اللغات الب�رشية �إىل ثالث جمموعات منها جمموعة‬
‫امليالدي �سنة ‪1785‬م حني َّ‬
‫اللغات ال�سامية احلامية‪ ،‬ثم �أطلقه (�أرن�ست رينان) يف القرن التا�سع ع�رش‪.‬‬
‫ولقد انهارت نظرية «ال�سامية احلامية» بعد � ْأن ُ�س ِحبت اللغة امل�رصية القدمية من‬
‫«اللغات احلامية» و�أدرجت �ضمن اللغات «ال�سامية»‪ ،‬وجميل من الأ�ستاذ �شفيق‬
‫�أن يعرتف ب�أن �إطالق ا�سم «اللغات ال�سامية احلامية» على هذه املجموعة اللغوية‬
‫مبني على معارف دينية يهودية م�سيحية‬
‫املتجان�سة التي منها العربية والرببرية‬
‫ٌّ‬
‫ال معارف علمية مدققة(‪ ،)1‬ثم ظهرت نظرية جديدة على يد عامل الل�سانيات‬
‫الأمريكي (جرينبورج)‪ُ ،‬ع ِرفت با�سم النظرية الأفرو�آ�سيوية‪ ،‬وهو �أي�ض ًا م�صطلح غري‬
‫عِ ْلمي وغري دقيق‪ ،‬فلغات قارتي �آ�سية و�أفريقية العمالقتني متعددة متبانية‪ ،‬فمن غري‬
‫املعقول �أن ُتدرج اللغات ال�صينية واملغولية واللغات الفار�سية والهندية ولغات �إفريقيا‬
‫ال�سوداء يف ف�صيل لغوي واحد‪ ،‬ناهيكم �أن تدخل يف هذا الف�صيل العربية والرببرية‬
‫الع ُروبية‪.‬‬
‫ومعهما الأكادية وامل�رصية القدمية والقبطية و�أخواتها من اللغات ُ‬
‫‪ - 1‬اللغة الأمازيغية بنيتها الل�سانية ـ حممد �شفيق‪� .‬ص ‪.52‬‬

‫‪15‬‬

‫الدرا�سات والبحوث التي �أرادت ربط الرببرية باللغات الهند �أوروبية‪،‬‬
‫‪12‬ـ �أخفقت‬
‫ُ‬
‫و�صارت تلك النظرية التي تقول بالأ�صول الغربية للرببر من النظريات التي �أكل عليها‬
‫الدهر و�رشب‪ ،‬ف�أُلقيت يف مزبلة الفكر والعلم‪� ،‬أ َّما ما ُيقال عن وجود (�أو احتمال‬
‫وجود) تقارب بني اللهجات الرببرية وبني الأترو�سكية لغة �إيطاليا القدمية‪ ،‬و�شبه‬
‫جزيرة �أيبرييا‪ ،‬ولغة �إقليم البا�سك‪ ،‬فرند عليه باحلقائق التالية وهي � َّأن احل�ضارة‬
‫الر�سانية (الأترو�سيكة) هي ح�ضارة عربية كنعانية‪ ،‬والتاريخ الأيبريي القدمي هو‬
‫امتداد لتاريخ عربي غابر‪� ،‬أ َّما لغة البا�سك فهي ال تنتمي �إىل الالتينية وال تنتمي‬
‫�إىل اجلرمانية وال �إىل �أي ل�سان هندو�أوروبي‪ ،‬لذا و�صفها بع�ض العلماء الغربيني‬
‫باللغة املعزولة‪ ،‬وهذه اللغة املعزولة قارنوها بالرببرية فلم يعرثوا �سوى على جمموعة‬
‫من الكلمات امل�شرتكة بينهما‪ ،‬وهنا ال ي�سعنا �إال �أن ن�ستغرب من هذه التناق�ض‪،‬‬
‫وهو � َّأن اللغات العروبية خا�صة اللغة العربية بها �آالف الكلمات امل�شرتكة مع الرببرية‬
‫وال يلتفت �إليها �أحد يف حني �أن اللغة البا�سكية بها القليل من الألفاظ املتقاربة مع‬
‫�ألفاظ بربرية‪ُ ،‬ث َّم ُيثار هذا القليل و ُي�سكت عن ذاك الكثري(‪ ،)1‬بل وي�ستمر الرتويج‬
‫ملقولة كاذبة هي � َّأن « املفردات امل�شرتكة بني الرببرية واللغات ال�سامية يف �شكل كلي‬
‫ال يزيد عن ‪ 300‬لفظ»‪ ،‬وما على القارئ �سوى �أن يح�سب عدد املفردات الرببرية‬
‫امل�شرتكة مع الل�سان العربي التي �أوردتها يف الف�صل الأول من هذا الكتاب حتى‬
‫يعرف حجم الفرية التي ي�شيعها احلركيون الرببر‪.‬‬
‫عديدة هي الأدلة التي ُتخرب عن �أرومة الأمازيغ امل�رشقية‪� ،‬أدلة من املعمار واملو�سيقى‬
‫والكتابة القدمية وغريها‪ ،‬لكن ُ‬
‫احل َجج اللغوية تظل الأقوى ت�أكيداً‪ ،‬والأعظم ت�أثريا‬
‫و�إقناع ًا يف �إثبات عروبة املغاربة القدامى‪ ،‬فمعروف لدى اجلميع � َّأن الأدلة اللغوية‬
‫ُتعد من �أف�ضل الأ�ساليب و�أو�ضحها لإثبات ما بني اجلماعات ال�سكانية من عالقات‬
‫الك�شاف الأ َّول والها ُّم عن �أ�صل‬
‫ثقافية و�صالت ن�سب(‪ ،)1‬ومازالت مقولة ((اللغة هي‬
‫َّ‬
‫‪ - 1‬مل ّ‬
‫اطلع على تلك املقارنات املعجمية‪ ،‬ولكني ال ا�ستبعد �أن ما ُعثرِ عليه من �شبه بني بع�ض‬
‫املفردات الرببرية والبا�سكية له ما يمُ اثله يف العربية وبقية اللغات العروبية‪ ،‬وال �أ�ستبعد كذلك �أن تكون‬
‫وتع�سفات يف تخريجاتها‪ ،‬و�أنها يف �أغلبها �أو يف بع�ضها لي�ست‬
‫تلك املقارنات قد �شابها �أخطاء‬
‫ُّ‬
‫�صحيحة‪.‬‬

‫‪16‬‬

‫ال�شعوب)) هي امل�شعل املنري الذي ي�سري على �ضوئه علماء خ�صائ�ص الإن�سان‪.‬‬
‫ُّ‬
‫�أ َّما ال�صخرة اللغوية التي يقف عليها احلركيون الرببر‪ ،‬فهي لي�ست را�سخة ثابتة‬
‫كما كان ُيعتقد‪ ،‬فلقد بد�أت تهتز حتت �أقدامهم ومتيد بهم‪ ،‬بف�ضل بع�ض الدرا�سات‬
‫خا�صة كتاب ِ‬
‫(�سفر العرب الأمازيغ) واملعجم‬
‫اللغوية املُ َع َّمقة يف علم اللغة املقارن‪،‬‬
‫َّ‬
‫امللحق به (معجم ل�سان العرب الأمازيغ) للعالمة املو�سوعي الدكتور علي فهمي‬
‫خ�شيم‪.‬‬
‫� َّإن الأيام القادمة ـ مب�شية اهلل ـ �ستكون ُح ْبلى بالدرا�سات العِ ْلمية الر�صينة التي‬
‫�ستزيح‪ ،‬عند ظهورها‪ ،‬تلك ال�صخرة اللغوية من حتت �أقدام �أولئك الواهمني‪،‬‬
‫لي�سقطوا على �أر�ض الواقع‪ ،‬فال يبقى لهم �ساعتها ـ بعد � ْأن َ‬
‫تك َّب ِ‬
‫ال�شم�س ال�سما َء‬
‫دت‬
‫ُ‬
‫ـ �سوى �أن يعودوا �إىل �أمتهم العربية معرتفني بخطئهم‪� ،‬أو ي�شعلوا وحدهم �شمعة‬
‫املكابرة‪.‬‬
‫�سعيد بن عبد اهلل الدارودي‬
‫حمرم عام ‪ 1433‬هجرية‬
‫َّ‬
‫ ‬
‫�صاللة‬

‫‪ 1‬ـ اجلذور التاريخية ل�سكان املغرب القدمي ـ د‪ .‬حممد علي عي�سى �ص ‪.313‬‬

‫ف�صل متهيدي‬

‫فكر‬

‫مدخل �إىل عروبة الأمازيغيني من خالل الل�سان‬

‫لقد ظهرت مفاهيم مغلوطة �أ�شاعتها احلركة الأمازيغية حتى كادت �أن تغدو‬
‫ُم�س ّلمات عند الكثري من اجلماهري‪ ،‬وهناك ُ�شبهات د�أبت هذي احلركة على‬
‫�إطالقها ون�رشها على �أو�سع نطاق‪ ،‬ف�أفرخت ال�شكوك يف عقول النا�س والو�ساو�س‬
‫يف �صدورهم‪ ،‬لذا كان لزام ًا علينا ـ قبل �أن نركب �أمواج علم اللغة املقارن يف بحر‬
‫هذا امل�ؤلَف ـ �أن نبد�أ بف�صل متهيدي كي ُن�ساهم مع املخل�صني من �أبناء الوطن‬
‫يف �إزالة الغ�شاوة من العيون‪.‬‬
‫الرد على هذه ال�شبهات واملغالطات ُم َّت ِخذاً �أ�سلوب ال�س�ؤال‬
‫ولقد َّ‬
‫ف�ضلنا �أن يكون ِّ‬
‫واجلواب‪.‬‬
‫هل الرببرية لغة واحدة موح َّدة ؟‬

‫و�ضع الرببرية احلايل ي�ؤكد ب�أنها لي�ست لغة واحدة‪ ،‬و�إمنا هي لهجات عديدة‪،‬‬
‫و�أولئك الذين يقولون ب�أنها «لغة»‪� ،‬صنفان‪� :‬صنف ينطلق من نهج يرى �أن من اخلط�أ‬
‫اجل�سيم االعرتاف بواقع الرببرية اللغوي‪ ،‬لأن هذا االعرتاف من �ش�أنه �أن ي�ضعف‬
‫حجة احلركة الأمازيغية يف املطالبة برت�سيم الل�سان الرببري‪ ،‬وي�ضعف مواقفها عندما‬
‫تتحرك لتحقيق �أحالمها‪ ،‬و�صنف �آخر حذا �أ�صحابه حذو ما يقوله ال�صنف الأول‬
‫ف�صاروا يرددون ب�أن الأمازيغية لغة‪� ،‬إ َّما لعدم ا�ست�شعارهم بخطورة ذلك‪ ،‬و�إما‬
‫جلهلهم بالواقع اللغوي لل�سان الرببري‪ ،‬هذا الواقع الذي يقول ب�أن ما ي�سمى «اللغة‬
‫الأمازيغية» لي�س �سوى لهجات بربرية �أو �أمازيغية ـ َ�س ِّمها ما �شئت ـ تزيد على (‪)200‬‬
‫لهجة‪ ،‬ولتدارك هذا الو�ضع املربك حاول ذوو النزعة الرببرية توحيد بع�ض هذه‬
‫اللهجات يف لغة معيارية‪ ،‬وحدث ما كان متوقع �أن يحدث وهو الف�شل الذريع‪.‬‬

‫‪19‬‬

‫‪20‬‬

‫مدخل �إىل عروبة الأمازيغيني من خالل الل�سان‬

‫فكر‬

‫�إن امل�شكلة ال تكمن يف م�صطلحي (اللهجة) و(اللغة)‪ ،‬حيث يجوز ا�ستخدام لفظ‬
‫لغة يف مو�ضع اللهجة و�إنمَّ ا تكمن يف وجود ـ �أو عدم وجود ـ ل�سان �أمازيغي واحد‬
‫يعرفه جميع الرببر ويتخاطبون به‪ ،‬والواقع اللغوي يخربنا بوجود لهجات �أو لغات‬
‫�أمازيغية عدة ولي�س ل�سانا �أمازيغ ًا واحداً يف املغرب العربي وال�شمال الإفريقي عامة‪،‬‬
‫ولذا يعملون يف املغرب الأق�صى على توحيد اللهجات الثالثة تاريفيت وتامازيغيت‬
‫وتا�شلحيت يف«لغة �أمازيغية معيارية» ومن البديهي �أن يف�شل هذا العمل لأنه‬
‫يخالف �سنن اهلل يف الأل�سن‪ ،‬التي جتعل من تدخل الإن�سان يف �أمرها وبهذه‬
‫بتمعن �إىل الواقع اللغوي الرببري جنده �أكرث‬
‫الطريقة ال يمُ ْ ِكن‪ ،‬ونحن حني ننظر‬
‫ُّ‬
‫تعقيدا مما يبدو‪ ،‬ففي «اللغة الريفية» لهجات تختلف لتباين مناطقها وتباعدها‪،‬‬
‫ويف «ال�شلحة» �أي�ضا لهجات‪ ،‬وق�س على ذلك وفق ًا لبقية اللغات �أو اللهجات الرببرية‬
‫يف اجلزائر وليبيا وتون�س و�سائر ال�شمال الإفريقي‪ ،‬وعلى هذا الأ�سا�س �سيكون �أمام‬
‫احلركة الأمازيغية يف البداية توحيد الفروقات اللهجوية يف كل لهجة على ِحدة‪،‬‬
‫وبعد ذلك تتفرغ لتوحيد اللهجات الرببرية الثالث يف املغرب يف لغة �أمازيغية مغربية‬
‫موحدة‪ ،‬ثم‬
‫واحدة‪ ،‬ثم توحيد اللغات الرببرية باجلزائر يف لغة �أمازيغية جزائرية‬
‫َّ‬
‫توحيد ما تبقى من جيوب لغوية بربرية تون�سية يف لغة �أمازيغية تون�سية منوذجية‪،‬‬
‫ثم توحيد اللهجات الرببرية الليبية من جبالية وزوارية وغدام�سية يف لغة �أمازيغية‬
‫�شد الرحال لتوحيد اللهجات الرببرية بواحة �سيوة‪ ،‬و�أي�ضا تلك‬
‫ليبية معيارية‪ ،‬ثم ُت ُّ‬
‫املوجودة بجزر اخلالدات‪ ،‬وتلك التي يف مايل والنيجر وبوركينا فا�سو‪ ،‬ويف نهاية‬
‫كل هذا يبقى لنا توحيد هذه اللغات يف «لغة �أمازيغية منوذجية معيارية واحدة»‬
‫حتى نطلق عليها يف �آخر املطاف وباطمئنان ا�سم (اللغة الأمازيغية)‪.‬‬
‫�إن هذه اخلريطة اللغوية املعقدة‪ ،‬وهذا البحر املتالطم من اللهجات هي التي‬
‫ُّ‬
‫يكف املت�شعيون لها من ال�رصاخ يف كل‬
‫نداً للغة العربية‪ ،‬فال‬
‫يراد لها �أن تكون ّ‬
‫حني مطالبني برت�سيمها يف د�ساتري بلدان املغرب العربي‪ ،‬و�أن يتم م�ساواتها باللغة‬
‫العربية‪.‬‬
‫�إن ا�ستخدام عبارة «اللغة الأمازيغية» يف الكالم عن اللهجات الأمازيغية هو‬

‫فكر‬

‫مدخل �إىل عروبة الأمازيغيني من خالل الل�سان‬

‫تدلي�س ـ كما �أو�ضحنا ـ من قِ َبل �أ�صحاب النزعة الرببرية بق�صد �إ�ضفاء امل�رشوعية‬
‫على مطالبهم برت�سيم الل�سان الرببري ود�سرتته‪ ،‬وبق�صد �إلبا�س �أمنيتهم ـ ب�أن‬
‫لبا�س الأمر الواقع املتحقق‪ ،‬وبق�صد �إثبات وتر�سيخ‬
‫تكون لهم لغة واحدة موحدة ـ‬
‫َ‬
‫«هويتهم» لأنهم يعرفون �أن اللغة هي عماد الهوية‪ ،‬فهل بعد هذا يكون من العدل‬
‫والإن�صاف �أن ن�ستمر برتديد مقولة «اللغة الأمازيغية»‪� ،‬أم يكون با�ستبدالها بعبارة‬
‫قلت (اللغات الرببرية)‬
‫(اللغات الأمازيغية) �أو (اللهجات الأمازيغية)‪� ،‬أو �إن‬
‫�شئت َ‬
‫َ‬
‫�أو (اللهجات الرببرية) ؟ �ألي�س من حق القراء وامل�ستمعني وامل�شاهدين �أن يعرفوا‬
‫احلقيقة‪ ،‬فال ن�ساند املدلِّ�سني يف هذا التدلي�س حينما نكتب ونلقي املحا�رضات‬
‫ون�شارك يف الندوات ونذيع ونقدم احل�ص�ص يف التلفزة ؟ �ألي�س من حق املتلقي �أن‬
‫يعرف احلقيقة كما هي دون تزويق ودون جماملة ودون مهادنة �أي�ض ًا ؟‬
‫هل )الرببر( لفظة قدح و)الأمازيغ( لفظة مدح ؟‬

‫ي�ستهجن �أبناء احلركة الأمازيغية ا�ستخدام كلمة الرببر بد ً‬
‫ال من الأمازيغ‪ ،‬ويقولون‬
‫�أنهم ُيطلقون على �أنف�سهم ا�سم «�إمازيغن» وتعني الرجال الأحرار‪ّ � ،‬أما ت�سمية الرببر‬
‫فجاءت من غريهم‪ ،‬وهي ت�سمية فيها قدح‪ ،‬لأنها تعني يف الالتينية‪« :‬الهمج‬
‫املتوح�شون»‪.‬‬
‫لقد قلت �سابقا‪�« :‬إن ا�ستخدامي لكلمة الرببر �إىل جنب كلمة �أمازيغ هو �أمر‬
‫طبيعي‪ ،‬فنحن ال نعرف لعرب �شمال �أفريقيا القدامى ـ با�ستثناء امل�رصيني ـ �سوى‬
‫ا�سم الرببر‪ ،‬ولهجاتهم لهجات بربرية‪ ،‬وا�ستبدال اللفظة بلفظة �أمازيغ �رصعة جديدة‪،‬‬
‫لكننا نقبلها �إىل جنب ما �ألفناه ودرجنا عليه‪.‬‬
‫�إن القول ب�أن الرببر ت�سمية م�سيئة �أكرث منها �صفة حقيقية للعرب الأمازيغ قول‬
‫غري �صائب‪ ،‬نعرف �أن الرومان �أطلقوا هذي الت�سمية على الليبيني �سكان املغرب‬
‫الكبري مبعنى غري متح�رضين‪ ،‬همج‪ ،‬لكن ال �ضري يف هذا‪ ،‬و�إمنا ال�ضري يف اخلط�أ‬
‫امل�شني الذي يقع فيه مثقفونا عندما ينقلون الكلمة من الإجنليزية والفرن�سية‬
‫حرفي ًا كالببغاوات‪ ،‬فن�سمعهم ينددون بالعدوان الأمريكي «الرببري»‪ ،‬واالجتياح‬

‫‪21‬‬

‫‪22‬‬

‫مدخل �إىل عروبة الأمازيغيني من خالل الل�سان‬

‫فكر‬

‫ال�صهيوين «الرببري»‪ ،‬وك�أن قامو�س العربية ال يوجد به كلمة «وح�شي»‪ ،‬وكلمة‬
‫«همجي»‪ ،‬ولذا يوجه �إليهم وحدهم اللوم والن�صح‪ ،‬فيجب تنبيههم �إىل ق�رص كلمة‬
‫الرببر على هذا ال�شعب احل�ضاري‪ ،‬هذا ال�شعب العريق يف عروبته‪ ،‬وال ت�ستخدم‬
‫ب�أي حال من الأحوال مبعنى التوح�ش والهمجية‪� ،‬أما �إذا بحثنا يف اللغات العروبية‪،‬‬
‫امتد‬
‫فال جند للجذر بربر �أي معنى قدحي‪ ،‬ففي الأمازيغية ي�أتي الفعل �إبربر مبعنى‬
‫َّ‬
‫ظل النبات وات�سع‪ ،‬ويف لغة القر�آن ي�أتي الفعل بربر مبعنى تكلم كثريا‪ ،‬وي�أتي الرببار‬
‫مبعنى الأ�سد‪ ،‬وترببروا مبعنى انت�رشوا يف ال�صحاري وا�ستوطنوها‪ ،‬فالت�سمية ال‬
‫قدح فيها حتى يتح�س�س منها �أ�صحاب احلركة الأمازيغية‪� ،‬إن ا�سم فرن�سا جاء من‬
‫الالتينية ‪ ،franca‬مبعنى همجي‪ ،‬غري مهذب‪ ،‬فهل طالب ذاك ال�شعب الأوروبي‬
‫الآخرين ب�أن يطلقوا عليهم ت�سمية «الغاليني» بدال من «الفرن�سيني» كون الأخرية‬
‫ت�سمية قدحية ؟ وهناك العديد من ال�شعوب‪ ،‬والكثري من العوائل‪ ،‬وما ال يح�صى‬
‫من الب�رش الذين يحملون �أ�سماء و�ألقابا م�ستب�شعة‪ ،‬ومع ذلك ظلت مال�صقة لهم‪،‬‬
‫بها يقدمون �أنف�سهم للآخرين دون �أي عقد ودون �أي حت�س�س‪ ،‬وملاذا نذهب بعيدا‬
‫�إىل الفرن�سيني والإيطاليني والنم�ساويني وغريهم من ال�شعوب التي حتمل �أ�سما�ؤها‬
‫معان قبيحة كي ن�ست�شهد بها‪ ،‬ولدينا �أمثلة من عندنا ؟ فهاهم ال�شحوح وهم‬
‫قبائل عدة تقطن ُعمان والإمارات العربية‪ ،‬جاء ا�سمهم من حادثة غري م�رشفة‪ ،‬وهي‬
‫ارتدادهم عن الإ�سالم برف�ضهم دفع الزكاة زمن اخلليفة الرا�شد �أبوبكر ال�صديق‪،‬‬
‫�شحوا بالزكاة‪� ،‬أي بخلوا‬
‫فحاربهم وهزمهم‪ ،‬ف�سموا من يومها بال�شحوح لأنهم َّ‬
‫فامتنعوا عن دفعها‪ ،‬ال يتحرج ال�شحوح من ا�سمهم‪ ،‬ذلك لأنهم رفعوه �إىل الذرى‬
‫ـ بعد تلك احلادثة ـ بثباتهم على دينهم ون�رصته‪ ،‬وبب�سالتهم يف حماربة ومقاومة‬
‫امل�ستعمر الأجنبي‪ ،‬وب�صفاتهم احلميدة كال�شجاعة والكرم‪ ،‬فغدا الواحد منهم يفتخر‬
‫بقوله‪� :‬أنا ِ�ش ِّحي‪� ،‬أما الرببر �أنف�سهم فقد ح�سموا �أمر الت�سميات والألقاب ب�أفعالهم‬
‫العظيمة على مر الع�صور‪ ،‬فلن ت�ضريهم الأ�سماء ذات املعاين القبيحة ولن تفيدهم‬
‫الأ�سماء ذات املعاين اجلميلة‪� ،‬إن املدح والقدح ال ي�أتي �أبدا من ا�سم ال�شخ�ص‪ ،‬و�إمنا‬
‫من فعله وطبعه‪ ،‬ف�إذا كان ذا فعال ح�سنة م�ؤثرة و�سجايا حميدة �آ�رسة‪ ،‬فلن ت�ضريه‬
‫الأ�سماء والألقاب ذات املعاين الب�شعة‪ ،‬ولن يلتفت �إليها النا�س بقدر التفاتهم �إىل‬

‫فكر‬

‫مدخل �إىل عروبة الأمازيغيني من خالل الل�سان‬

‫َ‬
‫ا�سمه اجلميل‪ ،‬ولن يعلو �ش�أنه‬
‫ما يفعله وما يت�صف به‪ ،‬وباملقابل لن ينفع‬
‫اخلامل ُ‬
‫مهما ت�سمى ب�أ�سماء عظيمة‪ ،‬وتلقب ب�ألقاب رائعة‪ ،‬فهل يفر�ش النا�س الزرابي عندما‬
‫يقدم �إليهم �أحد قائال‪� :‬أنا �أمازيغي‪ ،‬ويتحا�شونه عندما يقول‪� :‬أنا بربري ؟‬
‫لقد التقيت بالكثري من �أبناء املغرب العربي الذين يقدمون �أنف�سهم على �أنهم بربر‪،‬‬
‫وال يذكرون كلمة �أمازيغ‪ ،‬فلماذا ال ي�شعرون بالقدح مثلما ي�شعر به �أبناء احلركة‬
‫الأمازيغية ؟ و�أ�ضيف ب�أن بع�ض الباحثني م�شارقة ومغاربة �أخذوا يعاتبونني على‬
‫ا�ستخدامي لفظة �أمازيغ بد ً‬
‫ال من بربر‪ ،‬لأنها بدعة غري م�ست�ساغة وغري تاريخية‬
‫من وجهة نظرهم‪ ،‬فقلت لهم ال ب�أ�س ب�إ�ضافة كلمة �أمازيغ‪ ،‬ونقول للحركيني‬
‫الأمازيغيني‪ ،‬ال ب�أ�س ب�إ�ضافة كلمة بربر‪ ،‬فال ت�صادرون حقنا يف هذا‪ ،‬كونوا‬
‫دميقراطيني واحرتموا الر�أي الأخر‪ ،‬وال بد من الإ�شارة �إىل �أن كلمة �أمازيغ غري‬
‫ثابتة لأنها م�ضطربة منطوق ًا ومدلو ً‬
‫ال‪ ،‬فهي تعني احلر النبيل‪ ،‬لكنها يف لهجات‬
‫بربرية خمتلفة تعني الأ�سود‪ ،‬وهي تنطق �أمازيغ‪ ،‬لكنها يف لهجات بربرية �أخرى‬
‫تنطق �أماهيغ‪ ،‬و�أما�شيغ‪ ،‬و�أماجيغ‪ ،‬بل �إنها تغدو مازيغ‪ ،‬ب�إ�سقاط الهمزة‪ ،‬وتغدو‬
‫(�أمازيغيون)‪ ،‬بجمعها جمع مذكر �سامل‪ ،‬لفظة الرببر الثابتة �إذا ما ُذكرت ُي�ستح�رض‬
‫معها تاريخ عريق م�رشق وم�رشف‪ ،‬يفتخر به امل�سلمون عامة والعرب خا�صة‪ ،‬ف�أين‬
‫القدح يف كلمة الرببر التي �أُ�رشبت معاين الفخر وال�رشف والعزة؟ وما جعلها كذلك‬
‫�سوى �أولئك الذين يحملونها علم ًا لهم منذ �سالف الع�صور‪ ،‬ف�إذا كانت كلمة �أمازيغ‬
‫جميلة يف مدلولها اللغوي ف�إن كلمة الرببر جميلة يف مدلولها التاريخي‪.‬‬
‫يا�سيدي �إن العظماء هم الذين ُي�شرَ ِّ فون �أ�سما َءهم‪ ،‬ولي�ست الأ�سماء هي التي‬
‫ت�رشفهم»(‪.)1‬‬
‫‪ 1‬ـ هذا الكالم الذي و�ضعته بني �أقوا�س التن�صي�ص هو جوابي على �أحد �أ�سئلة احلوار الذي �أجراه معي‬
‫ال�صحايف عزيز �أجهبلي امل�رشف على ال�صفحة الأمازيغية بجريدة “العلم” املغربية‪ ،‬وقد ُن�شرِ بالعدد ‪21230‬‬
‫ِّ‬
‫يوم اجلمعة ‪ 19‬دي�سمرب ‪2008‬م‪ ،‬وكان ن�ص �س�ؤاله‪ ):‬اطلع الكثري من املهتمني بالثقافة الأمازيغية على‬
‫مقالتك املعنونة ب”�أبجدية التيفناغ‪ ..‬ما حقيقتها؟” والتي ن�رشت يف امللحق الثقايف جلريدة “العلم”‬
‫املغربية‪ ،‬وقد �أثارتهم العديد من العبارات وامل�صطلحات التي ا�ستعملتها يف مقالتك واعتربوها متجاوزة‬
‫كقولك مث ًال “�أ�صحاب النزعة الرببرية” �أو كلمة “بربر” لأن املتداول الآن يف املغرب‪ ،‬بل يف �أقطار �أخرى هي‬
‫كلمة “�أمازيغ” معتربين كلمة “بربر” قدحية �أكرث منها �صفة حقيقية للأمازيغ‪ .‬ما ر�أيك)؟‬

‫‪23‬‬

‫‪24‬‬

‫مدخل �إىل عروبة الأمازيغيني من خالل الل�سان‬

‫فكر‬

‫ولقد قال الدكتور علي فهمي خ�شيم يف كتابه (�سفر العرب الأمازيغ) رداً على‬
‫ما قاله حممد �شفيق يف مقدمة املعجم العربي‪/‬الأمازيغي بهذا اخل�صو�ص‪... « :‬‬
‫وال�س�ؤال‪ :‬ملاذا يجد الأ�ستاذ �شفيق حرج ًا يف ت�سمية «الرببر» ؟ �أيظن �أن هذا ينق�ص‬
‫من قدر �أهله ؟ �أال نظر يف ت�سميات ال�شعوب الأخرى ليدرك �أن ت�سمياتها �أطلقت‬
‫عليها من غريها وحتمل يف طياتها معان غري حميدة‪ ،‬ثم ُين�سى الأ�صل ويبقى‬
‫اال�سم ال حرج فيه ؟‬
‫ولن�رضب ملا نقول �أمثلة‪:‬‬
‫�إيطاليا‪Atalia :‬من الالتنية =‪ Vitalia‬عجول)بالد البقر‪(.‬‬
‫النم�سا‪( :‬يف اللغة الرو�سية‪ ،‬ومنها �أخذت العربية) من ال�سالفية ‪ Nimits‬مبعنى‪:‬‬
‫�أعجم‪ ،‬حيوان ( = بالد العجم = احليوانات)‪.‬‬
‫الربتغال‪ :‬مكونة من كلمتني ‪ =(porto‬باب‪/‬بوابة ) ‪ gal +‬من الالتينية ‪ = gallus‬ديك‪.‬‬
‫(بالد الديك‪� ،‬شعار الغاليني القدماء‪� ،‬أو طوطمهم)‪.‬‬
‫فج‪ ،‬غري مهذب‪ ،‬همجي‪( .‬ومنها الإجنليزية‬
‫فرن�سا‪ :‬من الالتينية ‪ Franca‬مبعنى‪ّ :‬‬
‫‪� = Frank‬رصيح‪ ،‬وا�ضح)‪ .‬واملعنى الأبعد حربة ثالثية ال�شعب كان‬
‫“الفرن�سيون” القدماء ي�ستعملونها يف �صيد ال�سمك‪ ،‬جذرها ‪( FRC‬ومنها‬
‫الفرن�سية ‪�“ = forchette‬شوكة”‪ /‬مذراة ‪�...‬إلخ)‪.‬‬
‫�أملانيا (جرمانيا)‪ :‬من ال�سلتية‪ /‬االيرلندية ‪ mann‬ـ ‪ gar‬مبعنى‪ :‬الرجل‬
‫العدو ‪/‬‬
‫ّ‬
‫املعادي‪.‬‬
‫رو�سيا‪ :‬من ‪ Rus‬ا�سم قبيلة‪ ،‬مبعنى‪ :‬ذوي �شعر الر�أ�س الأحمر = ُ‬
‫احل ْمر‪.‬‬
‫وهذا مو�ضوع طويل‪ ،‬هذه جمرد �أمثلة فيه‪ .‬فينبغي �أال يجد الرببر غ�ضا�ضة يف‬
‫هذا اال�سم‪ ،‬كما ال يجد الإيطاليون والنم�ساويون والربتغاليون والفرن�سيون‬
‫والأملان والرو�س‪ ،‬وغريهم كثري”‪.‬‬
‫انتهى اقتبا�سنا من كالم الدكتور خ�شيم‪ ،‬ون�ضيف ب�أننا الحظنا �شيء يدعو‬
‫للحرية والعجب‪ ،‬وهو �أن بع�ض الذين �صاروا رموزاً للأمازيغية والذين يطالبون‬
‫اجلميع بتجاوز لفظ “بربر” وما ُي�شتق منه واال�ستعا�ضة عنه بلفظ “�أمازيغ” ال‬

‫فكر‬

‫مدخل �إىل عروبة الأمازيغيني من خالل الل�سان‬

‫يلتزمون بهذا الذي يدعون النا�س �إليه‪ ،‬وللتمثيل ن�شري �إىل كتاب “الدارجة املغربية‬
‫جمال توارد بني الأمازيغية والعربية” ملحمد �شفيق‪ ،‬فقد �أورد فيه ثالث كلمات‬
‫هي‪( :‬الرببرية ـ بربري ـ الرببرية)‪ ،‬جاءت كلها يف �صفحة واحدة حتمل رقم ‪ ،30‬بل‬
‫�أنه جعل �أحد عنوانني املوا�ضيع التي ذكرها يف مقدمة هذا الكتاب هو‪( :‬العامية‬
‫تن�سج على منوال الرببرية)‪ ،‬ثم �ألقى حما�رضة بعنوان “اللغة الأمازيغية بنيتها‬
‫الل�سانية” يف الدار البي�ضاء عام ‪1998‬م‪ُ ،‬طبِ َعت بعد ذلك يف ُك َت ِّيب �صغري من ‪53‬‬
‫�صفحة‪ ،‬ولقد جاءت فيه لفظتا‪ :‬بربرية وبربري خم�سة ع�رش مرة‪:‬‬
‫�صفحة‪ ...“ :11‬تخطى ربط اللغة الب�سكية بالرببرية �إىل ربطها باحلامية”‪... “ ،‬‬
‫يعر�ضون م�س�ألة انتماء الرببرية على ب�ساط الدر�س”‪.‬‬
‫�صفحة ‪...“ :12‬العني غري �أ�صيلة يف الرببرية”‪� ...“ ،‬إما عربية الأ�صل �إما بربرية‬
‫عربت ثم عادت �إىل الأمازيغية يف �صيغتها اجلديدة”‪ ...“ ،‬يف �أ�صله الرببري”‪.‬‬
‫�صفحة ‪� ...“ :13‬أ�صله الرببري”‪.‬‬
‫�صفحة ‪� ...“ :14‬أ�صيلة يف الرببرية”‪.‬‬
‫�صفحة ‪ ...“ :14‬ولهذا املعطى يف ال�صوتيات الرببرية انعكا�سات على نطق املغاربة”‪.‬‬
‫�صفحة ‪ ...“ :16‬يف بنية ال�صوتيات الرببرية”‪.‬‬
‫�صفحة ‪ ...“ :46‬يف الرببرية”‪...“ ،‬لي�ستا �أ�صيلتني يف الرببرية”‪.‬‬
‫�صفحة ‪ ...“ :49‬يف العربية والرببرية غري متجان�سة”‪�...“ ،‬إ�ضافة يف الرببرية”‪.‬‬
‫�صفحة ‪ ...“ :50‬الرببرية والب�سكية”‪.‬‬
‫�صفحة ‪ ...“ :52‬من الرببرية”‪.‬‬
‫لقد احرتنا مع ه�ؤالء “الرموز” ومتناق�ضاتهم العجيبة يف �أمور جعلوا منها‬
‫القواعد التي ُ�ش ِّيد عليها هذا البناء املتطاول‪.‬‬
‫َ‬
‫ال�شعوبيني ُ‬
‫اجلدد من ت�سمية (الرببر) وحماولتهم‬
‫� َّإن احل�سا�س َّية املفرطة لدى ه�ؤالء ُّ‬
‫امل�ستميتة لإلغائها من الذاكرة تعني لدينا �شيئ ًا واحداً‪ ،‬وهو � َّأن ارتباط هذ اال�سم‬
‫باحل�ضارة العربية الإ�سالمية ـ تلك احل�ضارة العظيمة التي ما �سلمت من غمزهم‬
‫وملزهم ـ َج َ‬
‫عل منه ا�سم ًا بغي�ض ًا ال ُبد من اخلال�ص منه‪.‬‬

‫‪25‬‬

‫‪26‬‬

‫مدخل �إىل عروبة الأمازيغيني من خالل الل�سان‬

‫فكر‬

‫َمن امل�ستفيد مِن جعل احلركة الرببرية وجماهري الرببر �شيئاً واحد ًا ؟‬

‫وج ْرم‪،‬‬
‫يجب التفريق بني احلركة الرببرية وجماهري الرببر‪ ،‬فاخللط بينهما خطئية ُ‬
‫قدمها املنخرطون فيها على �أنها مطالب الرببر كافة‪،‬‬
‫فمطالب (احلركة الأمازيغة) ُي ِّ‬
‫وذلك حتى ُيقنعون غريهم ب�أنها مطالب �شعبية‪ ،‬وعليه فهي مطالب م�رشوعة‪،‬‬
‫ولكن رف�ضهم اال�ستفتاء ال�شعبي على مطالبهم �إمنا ُّ‬
‫يدل على تخوفهم ال�شديد من‬
‫�أن ت�أتي نتائج اال�ستفتاءات عك�س رغباتهم‪.‬‬
‫ت�سمع �أحيان ًا املذيعني يف برامج الف�ضائيات حني ي�ست�ضيفون رموز احلركة‬
‫أنف�سهم‪ ،‬فبد َ‬
‫ال من توجيه‬
‫الأمازيغية يخاطبونهم على �أ�سا�س �أنهم يمُ ثلون الرببر ال � َ‬
‫ال�س�ؤال التايل للحركي الرببري‪( :‬ما هي مطالب احلركة الأمازيغية) ؟ ُي َو َّجه �إليه‬
‫ال�س�ؤال الآتي‪( :‬ما هي مطالب الأمازيغ) ؟‬
‫وما �أكرث املعا�رصين الذين ا�شتهروا من �أبناء الرببر يف وقفتهم امل�شهودة �ضد‬
‫اال�ستعمار الغربي و�ضد الت�صدع الوطني الداخلي‪ ،‬وهم مت�شبثون بعروبتهم ودينهم‬
‫ووحدة �شعوبهم‪ ،‬فهوالء امل�شاهري كانوا قادة وزعماء وفقهاء ومقاتلني جماهدين‬
‫ومفكرين و�أدباء وم�ؤرخني و�سيا�سيني ور�ؤ�ساء �أحزاب ُ‬
‫وكتاب ِ‬
‫و�صحافيني‪ ،...‬منهم‬
‫من انتقل �إىل جوار ربه مرحوم ًا ومغفوراً له ب�إذن اهلل‪ ،‬ومنهم من يزال ح َّي ًا‪� ،‬أطال‬
‫اهلل يف عمره وعافاه‪.‬‬
‫ومن ه�ؤالء امل�شاهري الذين قد رحلوا عن دنيانا بعد �أن �أفنوا حيواتهم يف خدمة‬
‫ق�ضايا �أمتهم العربية والإ�سالمية‪ ،‬وذادوا عن عروبتهم وعقيدتهم ال�سمحة بثبات‬
‫و�إ�رصار وتفان منقطع النظري‪ ،‬ومل يلتفتوا �إىل الوهم املُ�س َّمى “الهوية الأمازيغية” نذكر‪:‬‬
‫الال فاطمة ن�سومر‪ ،‬حممد عبد الكرمي اخلطابي‪ ،‬حممد املختار ال�سو�سي‪ ،‬ال�شيخ عبد‬
‫احلميد بن بادي�س‪ ،‬الب�شري الإبراهيمي‪ ،‬العربي تب�سي‪ ،‬هواري بو مدين‪ ،‬ال�شيخ املجاهد‬
‫�سليمان عبد اهلل الباروين‪ ،‬حممد الب�رصي‪� ،‬صالح اخلريف‪ ،‬مفدي زكريا‪.‬‬
‫هل �أ�صبح املواطن املغربي َم�سخ ًا ؟‬
‫يدعي �أ�صحاب النزعة الرببرية �أن “اللهجة العامية املغربية” ل�سان و�سط بني‬
‫َّ‬

‫فكر‬

‫مدخل �إىل عروبة الأمازيغيني من خالل الل�سان‬

‫العربية والرببرية‪ ،‬و�أن ما �أخذته من الرببرية �أكرث مما �أخذته من العربية وفقا للنحو‬
‫وال�رصف والرتكيب‪ ،‬و� َّأن عدداً لي�س بالقليل من الألفاظ والكلمات قد دخل هذا‬
‫املغربي‬
‫العامي‪ ،‬وبهذا �أ�ضحت الدارجة املغربية لهجة “هجينة” و�أ�ضحى بها‬
‫الل�سان‬
‫ُّ‬
‫َّ‬
‫“م ْ�سخ ًا لغوي ًا”‪ ،‬ثم ُع ِّممت املقولة على بقية اللهجات الدارجة باملغرب العربي‪.‬‬
‫َ‬
‫نحب �أو ً‬
‫ال ـ قبل �أن نرد على هذه املقولة التي ي�شوبها الهوى واجلهل ـ ب�أن ن�شري‬
‫�إىل �أن الت�رسيب اللغوي (‪ )1‬هو من املُ�س ّلمات‪ ،‬فال يتجاور �أو يت�صارع ل�سانان �إ ّ‬
‫ال‬
‫و�آثار هذا اجلوار �أو ذلك ال�رصاع تظهر عليهما الحق ًا‪ ،‬فالت�أثر والت�أثري هنا ال منا�ص‬
‫منهما‪ ،‬و�إن اختلفت الدرجة واملقدار من ل�سان لآخر‪.‬‬
‫ولكن هذا النامو�س اللغوي الذي ينطبق على جميع الأل�سن مل يجعل من امل�رصي‬
‫م�سخ ًا لغوي ًا لأن عاميته ت�أثرت باللغة امل�رصية القدمية‪ ،‬ومل يجعل من العراقي‬
‫م�سخ ًا لغوي ًا لأنه ت�أثر يف لهجته الدارجة بالأكادية‪ ،‬ومل يجعل من الظفاري م�سخ ًا‬
‫بال�ش ْحرية‪ ،‬ومل يجعل من اليمني م�سخ ًا لغوي ًا لأن‬
‫لغوي ًا لأن لهجتة العامية ت�أثرت َّ‬
‫عاميته ت�أثرت باحلِ ْميرَ ية‪ ،‬ومل يجعل من �شعوب بلدان ال�شام م�سوخ ًا لأن لهجاتهم‬
‫ِّ‬
‫العامية ت�أثرت بالآرامية والكنعانية‪ ،‬فلماذا اال�رصار على ا�ستخدام كلمة ب�شعة هي‬
‫“امل�سخ” يف و�صف املواطن املغربي ولهجته العامية ؟ �أال يعلم ه�ؤالء ب�أننا ن�ستطيع‬
‫ـ وبنف�س منطقهم ـ �أن نطلق على املغربي الذي يتكلم �إحدى اللهجات الأمازيغية‬
‫و�صف “امل�سخ”‪ ،‬فيكفي �أن ن�ستمع �إىل املتحدث بالرببرية فال نكاد يف البداية �أن‬
‫نعرف �إن كان هذا الذي يتكلم �أمامنا يلهج بالأمازيغية �أم بالعربية‪ ،‬ب�سبب ُ‬
‫اجل َمل‬
‫والأفاظ العربية العديدة التي تتخلل كالمه‪.‬‬
‫والواقع �أن هذه احل�سا�سية املفرطة جتاه اللغة العربية وحماولة النيل منها والتقليل‬
‫من ت�أثريها لي�ست بدعة مغربية‪ ،‬ففي امل�رشق العربي ما زال هناك من يدعو �إىل‬
‫‪ 1‬ـ ق�صدت بالرت�سيب اللغوي ما يعرف ا�صطالح ًا باالقرتا�ض وباال�ستعارة‪ ،‬واملق�صود بهما �أن ت�أخذ‬
‫لغة من لغة �أخرى �شيئ ًا من �ألفاظها �أو تعابريها �أو نحو ذلك من �شئون الل�سان‪ ،‬حيث �أن ما ُيقر�ض �أو ُيعار‬
‫ُيفرت�ض فيه بعد حني �أن يعود �إىل مالكه املُق ِر�ض‪ ،‬وما ت�أخذه اللغات من بع�ضها البع�ض ال ُي�سرتد‪ ،‬فما‬
‫يخرج من ل�سان ليدخل يف ل�سان �آخر �إمنا يت�رسب فيه‪ ،‬ومع مرور الزمن يغدو جزء منه‪.‬‬

‫‪27‬‬

‫‪28‬‬

‫مدخل �إىل عروبة الأمازيغيني من خالل الل�سان‬

‫فكر‬

‫�إحالل العاميات بد ً‬
‫ال من الف�صحى يف جماالت الإعالم والكتابة‪ ،‬بل وهناك من‬
‫ي�رص ـ يف ا�ستخفاف بعقول النا�س ـ على �أن اللهجة العامية الدارجة ال عالقة لها‬
‫ال ـ يكتب بالعامية امل�رصية‪ ،‬بد ً‬
‫باللغة العربية‪ ،‬فرتاه ـ مث ً‬
‫ال من الف�صحى‪ُ ،‬م َّدعي ًا‬
‫ب�أنها �آخر مراحل اللغة امل�رصية القدمية‪�( ،‬أنظر الكتابات املعا�رصة لبع�ض دعاة‬
‫الفرعونية)‪� ،‬أو هي االمتداد الطبيعي للفينيقية (�أنظر ما كان يقوله بع�ض دعاة‬
‫الكتابة بالعامية يف بالد ال�شام)‪.‬‬
‫�إن الق�ضية لي�ست يف الت�أثر والت�أثري اللغويني‪ ،‬ولكن يف املقدار الذي ت�رسب يف‬
‫ل�سان ما من خالل ل�سان �آخر‪ ،‬والذي يحاول ذوو النزعة الرببرية تر�سيخه يف �أذهان‬
‫النا�س هو �أن اللهجات العامية ل�شعوب املغرب العربي ح�صتها التي نالتها من الرببرية‬
‫�أكرب من ح�صتها التي اكت�سبتها من العربية‪ ،‬وهذا القول يجايف احلقيقة‪ ،‬فكثري‬
‫مما ُيعتقد �أنه �أمازيغي قد دخل العامية يف مرحلة من املراحل هو موجود �أي�ض ًا‬
‫يف الف�صحى ويف اللهجات العامية للم�رشق العربي‪ ،‬ومن امل�ؤلفات التي و�ضعت‬
‫للرد على هذا القول كتاب “الدارجة املغربية بني العربية والأمازيغية” للدكتور علي‬
‫فهمي خ�شيم‪ ،‬وهو يرد فيه على كتاب “الدارجة املغربية جمال توارد بني الأمازيغية‬
‫والعربية” للأ�ستاذ حممد �شفيق‪ ،‬وقد بينَّ فيه مدى جتاهل �شفيق للف�صحى‬
‫وعامياتها يف امل�رشق العربي عند حماولته �إرجاع �ألفاظ العامية املغربية وتراكيبها‬
‫�إىل �أ�صول بربرية‪.‬‬
‫نعد ما جنده من �صعوبة يف معرفتنا بلهجة عربية‬
‫ومن اخلط�أ اجل�سيم �أننا ُّ‬
‫رده �إىل انحرافها عن الف�صحى‪ ،‬و�إىل كرثة ما فيها من الدخيل الأعجمي‪،‬‬
‫معينة َم َّ‬
‫لأن ال�سبب الرئي�س يف ذلك هو �أن اللهجة العامية العربية التي جند �صعوبة بالغة‬
‫يف فهمها راجع �إىل �أنها مل تنل كفايتها من االنت�شار واحل�ضور‪ ،‬فاللهجة املغربية‬
‫مثال لو توفر لها ما توفر للهجة امل�رصية من �أ�سباب االنت�شار وال�شيوع �إعالمي ًا‬
‫وجغرافي ًا وغري ذلك من الأ�سباب‪ ،‬لكانت يف ع�رصنا هذا من �أ�سهل اللهجات‬
‫العامية على الإطالق‪ ،‬ولأ�ضحى املواطن العربي غري حمتاج لكثري من اجلهد حتى‬
‫يتوا�صل معها وبها‪ ،‬ون�سوق هذه الواقعة لت�أكيد ما نقول وهي �أن اللهجة امل�رصية‬

‫فكر‬

‫مدخل �إىل عروبة الأمازيغيني من خالل الل�سان‬

‫يف الثالثينيات من القرن الع�رشين كانت غري مفهومة لل�شعب العراقي‪ ،‬فكان يتم‬
‫تقدمي الأفالم امل�رصية م�صحوبة بالرتجمة املكتوبة على �شا�شة التلفزة العراقية‪.‬‬
‫وكثرياً ما ي�ست�صعب بع�ض املعارف واال�صدقاء فهم اللهجات العامية ل�شعوب‬
‫املغرب العربي‪ ،‬وكنت �أو�ضح لهم �أن كثرياً مما ت�سمعونه ال يخرج عن كونه ل�سانا‬
‫عربيا تركتمونه �أنتم ومت�سك به املغاربة‪ ،‬مثلما �أن لكم مفردات وتعابري عربية‬
‫مت�سكتم بها وتركها �أبناء املغرب املغربي‪ ،‬وكثرياً ما �أقر�أ ـ خا�صة يف ال�شابكة‬
‫(الإنرتنت) ـ مفردات ي�رسدها �أ�صحابها على �أنها من العامية الليبية �أو اجلزائرية �أو‬
‫املغربية ونحو ذلك من اللهجات العامية للمغرب العربي‪ ،‬وهي غري مفهومة لأبناء‬
‫امل�رشق العربي‪ ،‬لأنها ـ كما يظن الذين �أوردوها ـ من �أ�صل �أمازيغي قد ت�رسب يف‬
‫اللهجة الدارجة‪ ،‬ولو �أنهم �صربوا قلي ً‬
‫ال ورجعوا �إىل قوامي�س ال�ضاد لوجدوا معظم‬
‫هذه الألفاظ عربية‪ ،‬وال�سبب يف عدم فهم امل�شارقة لها �أنها من الألفاظ العربية‬
‫املهجورة التي تزخر بها �أمهات الكتب واملعاجم اخلا�صة بالرتاث العربي‪� ،‬أو �أنها من‬
‫الألفاظ العربية ال�شائعة املتداولة لكن طر�أ عليها تغيرُّ ما يف مبناها �أو معناها �أو‬
‫كليهما ف�صارت ُم ْب َهمة‪.‬‬
‫ويقول �شفيق يف كتابه الدارجة املغربية جمال توارد بني العربية والأمازيغية‪:‬‬
‫“يتعجب عرب امل�رشق من حر�ص املغاربيني على التف�صح يف احلديث‪ ،‬وي�ستهزئون‬
‫بهذه الظاهرة‪ .‬وك�أن غاية املتف�صحني هي �إثبات عروبتهم‪ ،‬خ�شية �أن ُيظن �أن فيها‬
‫غميزة‪ ،‬وهذا �ضعف فيهم ي�ستبينه غريهم”‪.‬‬
‫ونقول للأ�ستاذ �شفيق � َّإن الأمر ال يخرج عن كون املغربي يدرك �أن امل�رشقي يجد‬
‫�صعوبة يف فهم لهجته مما يجعله ُم�ضطراً �إىل �أن يكلمه بالف�صحى‪ ،‬وهذا ما‬
‫يفعله �أي�ض ًا عرب امل�رشق العربي مع بع�ضهم البع�ض عندما ال ت�سعفهم لهجاتهم‬
‫العامية املتباينة يف التوا�صل‪ ،‬ناهيك عن �أن الكالم بالف�صحى �أو االقرتاب منها عند‬
‫العربي عموم ًا ُي�شعره بعلو املنزلة لمِ كانة اللغة العربية لديه‪ ،‬تلك املكانة التي تقرتب‬
‫من تخوم التقدي�س‪ ،‬فدائم ًا ما نالحظ املُذيعني العرب الذين يتكلمون بالعامية يف‬
‫يد ِخرون جهداً يف التف�صح من‬
‫قدم بالدارجة‪ ،‬ال َّ‬
‫براجمهم املرئية وامل�سموعة التي ُت َّ‬

‫‪29‬‬

‫‪30‬‬

‫فكر‬

‫مدخل �إىل عروبة الأمازيغيني من خالل الل�سان‬

‫حني لآخر‪ ،‬وما � ْأن يمُ �سك العربي ـ و� ْإن كان ُا ِّمي ًا ـ َ‬
‫ناقل ال�صوت حتى يتف َّوه تلقائي ًا‬
‫بعبارات وجمل بالعربية الف�صحى‪.‬‬
‫خال�صة القول �أن اللهجات العامية باملغرب العربي ت�أثرت بالرببرية وهذا �أمر طبيعي‪،‬‬
‫ولكن ت�أثري الرببرية فيها لي�س عظيم ًا �إىل الدرجة التي تغدو فيه الدارجة “هجين ًا‬
‫لغويا”‪ ،‬ويغدو املتحدث بها “م�سخ ًا لغوي ًا”‪.‬‬

‫مب�س َّميات بربرية‬
‫ملاذا الإ�صرار على ت�سمية املواليد ُ‬

‫�أجنبية ؟‬

‫�إن دول املغرب العربي يف منعها ت�سمية املواليد ب�أ�سماء �أجنبية لي�ست ا�ستثناء‬
‫عن بقية بالد العامل ولي�ست بدعة يف زماننا‪ ،‬فمعظم الدول �س َّنت قوانينا متنع‬
‫بها ت�سمية املواليد ب�أ�سماء �أجنبية من �أجل وحدة �شعبها واحلفاظ على هويتها‬
‫من التفكك وحماية ن�سيجها الوطني من االن�شطار‪ ،‬فال�صني التي عدد مواطنيها‬
‫ربع �سكان العامل ال ُي�سمح فيها باتخاذ ا�سم غري �صيني‪ .‬ونقول للذين ي�ستقوون‬
‫مبنظمات حقوق الإن�سان على �أوطانهم يف هذا ال�ش�أن‪ ،‬ماذا فعلت هذه اجلهات‬
‫بح ْر َّية الإن�سان مع الكيان ال�صهيوين الذي يفر�ض على كل يهودي ي�أتي �إىل‬
‫املَ ْعن َّية ُ‬
‫فل�سطني من �أي مكان يف العامل تغيري ا�سمه الأول �إىل ا�سم عرباين يهودي؟‬
‫�إن �أجنبية هذه الأ�سماء الرببرية نابعة من غرابتها لعدم �شيوعها وتداولها يف‬
‫وم�صطنع ًا‪ ،‬وهي ق�ضية مفتعلة مثل معظم‬
‫املجتمع‪ ،‬ومن كونها ابتداع ًا حديث ًا ُ‬
‫الق�ضايا التي يطرحها �أ�صحاب النزعة الرببرية‪ ،‬فلم يحدث يف تاريخ املغرب العربي‬
‫منذ الفتح الإ�سالمي ل�شمال القارة الإفريقية �أن �أُ ْجبرِ �أحدٌ على �أن يكون ا�سمه‬
‫ا�سم ًا عربي ًا �أو �إ�سالمي ًا‪ ،‬و�إمنا اختار النا�س تلك الأ�سماء القادمة �إليهم من جزيرة‬
‫�ص َّح ما يقوله بع�ض املنت�سبني �إىل احلركة الأمازيغية من �أن‬
‫العرب برغبتهم‪ ،‬و�سواء َ‬
‫الدكتور علي �صدقي �أزايكو ـ رحمه اهلل ـ هو �صاحب فكرة ت�سمية املواليد ب�أ�سماء‬
‫بربرية �أو مل ي�صح‪ ،‬ف�إن الأمر ال يخرج عن كونه �أ�سلوب ًا جديداً ابتكره �أحدهم‬
‫عدة �سبقته للمحافظة على “الهوية الأمازيغية” مقابل الهوية‬
‫ل ُي�ضاف �إىل �أ�ساليب َّ‬
‫العربية‪ ،‬ونريد �أن نن ِّبه �إىل �أن من يح ِّر�ضون الآخرين ب�أقالمهم‪ ،‬ومن فوق منابرهم‬

‫فكر‬

‫مدخل �إىل عروبة الأمازيغيني من خالل الل�سان‬

‫على التم�سك بت�سمية املواليد ب�أ�سماء بربرية‪ ،‬وتعلو �أ�صواتهم ُمندِ دة مبنع ت�سجيل‬
‫هذه الأ�سماء الأجنبية يف احلالة املدنية‪ ،‬ال يفعلون هذا مع �أ�سمائهم التي �أطلقها‬
‫عليهم �آبائهم‪ ،‬فلم ن�سمع ب�أنهم بد�ؤا ب�أنف�سهم حتى يكونون قدوة للآخرين‪ ،‬فلما‬
‫ال يغيرِّ ون �أ�سماءهم العربية كمحمد‪ ،‬علي‪� ،‬أحمد‪ ،‬خالد‪� ،‬سعيد‪ ،‬ر�شيد‪� ،‬أمينة‪،‬‬
‫فاطمة‪ ،‬عائ�شة‪ ،‬مليكة‪ ،‬خديجة‪ ،‬ر�شيدة‪ ،‬لطيفة ‪ ....‬وي�ستبدلونها ب�أ�سماء من‬
‫قبيل‪� :‬أ�سافو‪� ،‬أ�ساروف‪� ،‬أنامار‪� ،‬أفوالي‪� ،‬إغو�س‪ ،‬تهيا‪ ،‬تيرتيت‪ ،‬نوميديا‪ ....‬؟ قد‬
‫يقول قائل ب�أن القانون �أي�ضا ال ي�سمح لهم بتغيري �أ�سمائهم �إىل هذه امل�سميات‬
‫الرببرية‪ ،‬وهنا نقول �إن القانون �سلطته فقط يف الأوارق الر�سمية‪ ،‬مثل �شهادات‬
‫امليالد والأجوزة‪ ،‬فبا�ستطاعة ه�ؤالء �أن يذ ِّيلوا كتاباتهم ب�أ�سماء �أمازيغية يختارونها‬
‫تكون عو�ض ًا عن الأ�سماء العربية التي �أُختريت لهم من قبل �آبائهم‪ ،‬ثم يطلبون‬
‫من �أ�صدقائهم ومعارفهم بل ومن اجلميع �أن ينادوهم ب�أ�سمائهم الرببرية اجلديدة‪،‬‬
‫ونحن �سوف نحرتم رغبتهم ولن ندعوهم �إال بها‪ ،‬وهكذا �سيكونون من�سجمني‬
‫مع هويتهم الأمازيغية‪ ،‬و�سيحوزون على امل�صداقية �أمام اجلميع فيما يخ�ص ق�ضية‬
‫ت�سمية املواليد ب�أ�سماء بربرية‪.‬‬
‫ويكرث الكالم ـ من طرف املطالبني برفع احلظر عن هذه امل�سميات الرببرية ـ ب�أن‬
‫هناك �أ�سماء �أجنبية مثل (كاميليا) ُ�سمح بها‪ ،‬فمن باب �أوىل �أن ُي�سمح ب�أ�سماء‬
‫بربرية نابعة من الرتبة املغربية ولها مدلوالت جميلة‪ ،‬ونحن ال نريد �أن نكرر ما‬
‫نقوله دائما من �أن الق�ضية ال تكمن يف كون اال�سم له معنى �أم ال ؟ �أو �أنه نابع‬
‫من �إحدى الثقافات ال�شعبية املحلية‪ ،‬بل من كونه بدعة مفتعلة جاءت خمالفة ملا‬
‫�ألفه النا�س وا�ستقر يف نفو�سهم‪ ،‬وجاءت هذه البدعة �أي�ضا خمالفة لقوانني وطنية‬
‫فر�ضتها امل�صلحة العامة‪ ،‬ولهذا كان من الواجب الوطني له�ؤالء �أن ين�ضموا �إىل‬
‫املطالبني بحظر امل�سميات الأجنبية (كاميليا وغريها)‪ ،‬وال يجعلوا خط�أ غريهم رغم‬
‫حمدوديته حجة الرتكاب خط�أ �أ�شنع و�أبلغ‪.‬‬
‫عندما تتم�سك دول املغرب العربي بقوانينها التي حتظر �إطالق الأ�سماء الأجنبية‬
‫على املواليد فهذا �أمر طبيعي‪ ،‬فهي من جانب متار�س �سيادتها الوطنية وال�سيا�سية‬

‫‪31‬‬

‫‪32‬‬

‫مدخل �إىل عروبة الأمازيغيني من خالل الل�سان‬

‫فكر‬

‫تهدد هوية‬
‫والقانونية‪ ،‬ومن جانب �آخر هي تخ�شى من خطورة ما �سينتج من فو�ضى ِّ‬
‫الوطن ووحدة �شعبه عند ال�سماح بهذه الأ�سماء قانون ًا‪ ،‬من هنا نرى �أن مطالب‬
‫احلركة الأمازيغية فيما يخ�ص ت�سمية املواليد هي كلمة باطل ُيراد بها باطل‪.‬‬
‫ملاذا اللغة العربية وامل�شرق العربي �صارا ُعقدة احلركة الرببرية ؟‬

‫وعده القدوة‬
‫العقدة جتاه �أحد ما يف االن�صياع خلفه واالنبهار به‬
‫َّ‬
‫ال تتمثل ُ‬
‫التي ت�ستحق االحتذاء بها‪ ،‬بل تكون العقدة وتتحقق كذلك بالقيام بالنقي�ض‪ ،‬ف�إذا‬
‫يدعون ب�أن غريهم من �أبناء وطنهم املناه�ضني مل�رشوع‬
‫كان �أ�صحاب النزعة الرببرية ّ‬
‫احلركة الأمازيغية يو ّلون وجوههم �شطر امل�رشق العربي ب�سبب «عقدة النق�ص»‬
‫جتاهه‪ ،‬ف�إنهم باملقابل ـ وب�سبب عقدة النق�ص جتاهه ـ يرمتون يف �أح�ضان الغرب‪،‬‬
‫ويرف�ضون يف ه�سترييا َم َر�ض َّية �أي �شيء ي�أتيهم من ذلك امل�رشق‪ ،‬فتحققت العقدة‬
‫ومتت فيهم حني حتولت لديهم حمبة ال�رشق كراهية‪ ،‬و�صداقته عداوة‪ ،‬وحني‬
‫غدا ال�شقيق العربي �أجنبي ًا «يبعد عنهم �آالف الكيلومرتات يف حني � َّأن �أوروبا ال‬
‫تبعد عنهم �سوى ب�ضع كيلومرتات»‪ ،‬و� ّأما اللغة العربية فهجومهم عليها م�ستمر‬
‫دون هوادة‪.‬‬
‫�إن احلركة الأمازيغية واهمة جداً �إذا ما ظنت �أن العداء ال�سافر للم�رشق العربي واللغة‬
‫العربية واحل�ضارة العربية الإ�سالمية �سي�ؤدي باملغربي �إىل القطيعة مع موروثه الذي‬
‫جاء مع الإ�سالم‪ ،‬وبا�ستطاعة �أ�صحاب النزعة الرببرية �أن يعادوا العروبة بكل الو�سائل‪،‬‬
‫و�أن يقطعوا كل ما ميت للعربية و�أهلها ب�صلة يف كتاباتهم وحما�رضاتهم وندواتهم‬
‫واجتماعاتهم‪ ،‬لكن لن ي�ستطيعوا �أن يقتلعوا من تراب املغرب العربي ما تع َّرقت فيه‬
‫من جذور الأخوة الواحدة ما بني العرب الفاحتني والعرب الأمازيغ‪ ،‬فمث َال ت�ستطيع‬
‫الأكادميية الرببرية يف فرن�سا‪ ،‬واملحافظة ال�سامية للأمازيغية يف اجلزائر‪ ،‬واملعهد‬
‫امللكي للثقافة الأمازيغية يف املغرب‪� ،‬أن « ُي َ�صفّ وا» الكلم الرببري من «�شوائبه» العربية‬
‫كما يحلو لهم‪ ،‬وي�ستطيعون �أن ُيلقِّنوا مذيعيهم ومذيعاتهم لهجات بربرية خمربية‬
‫م�صطنعة‪ ،‬لكنهم لن ي�ستطيعوا �أن يزيحوا ما ر�سخ يف نفو�س النا�س على مدى‬

‫فكر‬

‫مدخل �إىل عروبة الأمازيغيني من خالل الل�سان‬

‫�أكرث من ع�رشة قرون‪ ،‬نعم ي�ستطيع املذيع املُ َلقّ ن واملذيعة املُلقّ نة �أن ُيقدِّ ما للم�شاهد‬
‫وامل�ستمع كالم ًا م�صطنع ًا مفتع ًال‪ ،‬على �أنه ف�صيح الأمازيغة املُرتفع عن اللهجات‬
‫املُ�صفّ ى من الدخيل «الأجنبي»‪ ،‬لكنهما ال ي�ستطيعان �أن يجعال ابن البلد ـ الذي مل‬
‫ُي َل َّوث ـ من �أن يتحدث بل�سانه الرببري كما ن�ش�أ عليه دون افتعال ودون حتذلق‪.‬‬
‫ال�ش ُعوبية الأمازيغية‪ ،‬وال�سند الذي تعتمد‬
‫�إن الأ�سا�س التي تقوم عليه احلركة ُّ‬
‫عليه يف مطالباتها ال�سيا�سية والثقافية هو تلك البحوث والدرا�سات يف جماالت‬
‫تدعي العِ ْلمية واملو�ضوعية‪ ،‬ومبا �أن �أهم و�أخطر جمال‬
‫الرتاث والتاريخ والثقافة التي َّ‬
‫تد به‪ ،‬بل واملُقد�س فيما يخ�ص هذا الل�سان‪ ،‬هو‬
‫فيها هو (اللغة)‪ ،‬ومبا �أن املرجع املُ ْع َّ‬
‫ما يقرره ويطرحه الأ�ستاذ حممد �شفيق(‪ ،)1‬ع�ضو �أكادميية اململكة املغربية‪ ،‬والأب‬
‫الروحي للحركة الثقافية الأمازيغية و� ُّ‬
‫أول مدير للمعهد امللكي للثقافة الأمازيغية‪،‬‬
‫يتحتم علينا �أن ن�س�أل‪:‬‬
‫ما هي م�صداقية الباحث اللغوي )حممد �شفيق( ؟‬

‫من املعلوم � َّأن الباحث �صنفان‪:‬‬
‫ال�صنف الأول‪ :‬هو الباحث املو�ضوعي املحايد املُتجرد من الهوى‪ ،‬وهذا هو الباحث‬
‫احلقيقي‪ ،‬بل �إنه ال يحوز على امل�صداقية ما مل يكن كذلك‪ ،‬ومن املقبول �أن ُيجانبه‬
‫ال�صواب يف ا�ستنتاجاته ويعرتي �أبحاثه النق�ص‪ ،‬لأنه ب�رش ُي�صيب و ُي ْخطيء‪.‬‬
‫(‪� )1‬أحب �أن �أو�ضح للقاريء العزيز ب�أين ال �أحمل للأ�ستاذ �شفيق �أي �ضغينة‪ ،‬وال توجد خ�صومة بيننا‪،‬‬
‫فلي�س بيني وبينه �أدنى معرفة �شخ�صية‪ ،‬ومعرفتي له جاءت من خالل نتاجه الفكري‪ ،‬و�أنا �أقول هذا الكالم‬
‫حتى ال ُيف�سرِّ نقدي لكتاباته و�آرائه تف�سرياً ُمغْ ِر�ض ًا‪ ،‬وما �أردت �سوى ك�شف احلقيقة بعد �أن وجدتها‪،‬‬
‫حتى ال �أكون ممن تنطبق عليهم مقولة «ال�ساكت عن احلقِّ �شيطان �أخر�س»‪ ،‬و�أحب �أن �أ�ضيف ب�أين‬
‫يف عام ‪ 2001‬ميالدي �أهديت �أحد معار�ضي الت�شكيلية يف الر�سم ال�ساخر �إىل �شخ�صه الكرمي ‪ ،‬ذلك‬
‫لأن �شفيق �أ�ضاف �إىل املكتبة العربية �إ�ضافتني ُمه َّمتني هما (املعجم العربي الأمازيغي) وكتاب يف النحو‬
‫وال�رصف بعنوان (�أربعة و�أربعون در�س ًا يف اللغة الأمازيغية)‪ ،‬فهما العمالن الوحيدان اللذان ي�ستحقان‬
‫الإ�شادة ملا فيهما من الفائدة الكبرية للباحث اللغوي املهتم بالل�سان الرببري‪ ،‬و�إ�ضافة غنية للراغب يف‬
‫االطالع على اللهجات الرببرية‪ ،‬ولو �أنه �أكتفى بهما لكان خرياً له‪� ،‬أما بقية �أعماله الكتابية وحما�رضاته‬
‫حد التخريف‪.‬‬
‫وحواراته ذات الزيغ والهوى فلقد بلغت �أحيان ًا من ف�سادها الفكري َّ‬

‫‪33‬‬

‫‪34‬‬

‫مدخل �إىل عروبة الأمازيغيني من خالل الل�سان‬

‫فكر‬

‫ال�صنف الآخر‪ :‬هو الباحث �صاحب الهوى‪ ،‬الذي لديه موقف ُم�سبق ُيريد �أن‬
‫�سخر كل قدراته العلمية مع الإمكانات املادية التي �أُعطيت له من �أجل‬
‫ُيثبته فرتاه ُي ِّ‬
‫�إقناع الآخرين مبا يرغب هو فيه‪ ،‬وهذا النوع من الباحثني غري مقبول‪ ،‬وي�ؤ�سفنا‬
‫�سخر كل ما لديه لأجل �إثبات �إنفراد‬
‫كثرياً � َّأن الأ�ستاذ �شفيق واحد منهم‪ ،‬فلقد َّ‬
‫الرببر ولهجاتهم عن غريهم ـ خا�صة �إذا كان هذا “الغري” عربي ًا ـ ُم�ستغِ ً‬
‫ال جهل‬
‫املُتلقي بالق�ضية مو�ضوع البحث‪ ،‬وم�ستغ ً‬
‫ال ثقة النا�س به الن�شغاله الطويل يف هذا‬
‫الأمر منفرداً بال�سبق وخم�صو�صا باحلفاوة والتبجيل‪.‬‬
‫فلن�ستمع �إىل جمموعة من �أقواله‪ ،‬وبع�ض من َط ْرحه‪ ،‬وجانب من نهجه‪:‬‬
‫يقول حممد �شفيق‪“ :‬هل من ت�شابه بني الرببرية والعربية ظاهر بجالء يف‬
‫�س من العربية يف العهد الإ�سالمي ا�ستنتجنا‬
‫املعجم ؟ � ْإن �رصفنا النظر عما اق ُتبِ َ‬
‫�أن للأمازيغية معجمها املتميز قلما تتالقى عنا�رصه اجلذرية والعنا�رص اجلذرية‬
‫(‪)1‬‬
‫العربية”‪.‬‬
‫ـ هذا الكالم لي�س �صحيح ًا‪ ،‬فاملعجم (العربي ‪ /‬الأمازيغي) الذي و�ضعه �شفيق‬
‫بنف�سه ـ بعد � ْأن �أخرج منه الكلم العربي الذي دخل الرببرية يف العهد الإ�سالمي‬
‫جعلت عنوانه (من‬
‫كما يرى ـ �أغلبه موجود يف العربية‪ ،‬وما الف�صل الأول الذي‬
‫ُ‬
‫خالل املعجم التجان�سي) �إال دليل جازم على ما �أقول‪ ،‬حيث �أن معظم ما �أرجعته‬
‫من �ألفاظ بربرية �إىل �أ�صولها العربية �أخذته من املعجم العربي الأمازيغي‪ ،‬فمن‬
‫�أين ا�ستنتج �شفيق � َّأن للأمازيغية معجمها املميز قلما تتالقى عنا�رصه اجلذرية‬
‫والعنا�رص اجلذرية العربية ؟ هل قام باملقابلة امل�ستفي�ضة ما بني اللهجات الرببرية‬
‫واللغة العربية فتو�صل على �ضوء هذه املقارنات �إىل �أن للرببرية معجمها اخلا�ص‬
‫املتميز الذي نادر ما تتوافق �ألفاظه مع �ألفاظ العربية ؟ املعلوم �أنه مل يقم بهذا‬
‫العمل(‪ ،)2‬وهكذا ن�صل �إىل قناعة ب�أن �صاحب املعجم العربي الأمازيغي‪ّ � ،‬إما � ّأن‬
‫‪1‬ـ اللغة الأمازيغية بنيتها الل�سانية ـ حممد �شفيق �ص‪.47‬‬
‫‪2‬ـ با�ستثناء مقال بعنوان (ماهي عالقة املازيغية بالعربية يف جذورها الكربى؟) ن�رشه يف جملة “البحث‬
‫العلمي” العدد ‪ ،25‬الرباط‪ ،‬يناير ـ يونيو ‪.1976‬‬

‫فكر‬

‫مدخل �إىل عروبة الأمازيغيني من خالل الل�سان‬

‫يكون عاجزاً عن البحث والتنقيب واملقابلة املعجمية ما بني الرببرية والعربية‪ ،‬فاكتفى‬
‫مثل عا َّمة النا�س باالختالف الظاهري‪ ،‬ثم اعتمد عليه يف حكمه ال�سابق‪ ،‬و� ّإما �أن‬
‫يكون قادراً على هذا العمل لكنه ال يريد �أن يقدم عليه ب�سبب هواه الراف�ض � َّأن‬
‫عربي االنتماء‪ ،‬فيكون يف هذه احلالة ممن ينطبق عليهم‬
‫يكون الل�سان الرببري‬
‫َّ‬
‫“الر�أي نائم والهوى قائم”‪.‬‬
‫املثل العربي القدمي َّ‬
‫قامو�سه املُ�س َّمى املعجم العربي الأمازيغي كثرياً‪ ،‬حيث‬
‫�ض َّخ َم‬
‫و ُيحالظ �أن �شفيق َ‬
‫َ‬
‫ناف على ‪� 1600‬صفحة موزَّعة على �أجزاء ثالثة‪ ،‬اجلزء الأول من (�أ) �إىل (�ض)‬
‫والثاين من (ط) �إىل (ك) والثالث من (ل) �إىل(ي)‪ ،‬وما لق�صدٍ �سوى �إظهار الرببرية‬
‫ي�ستطع �أن يجعل معجمه‬
‫مبظهر الل�سان الغني بالكلمات والألفاظ‪ ،‬واملفارقة �أنه مل‬
‫ْ‬
‫بهذا احلجم �إال حني اختار له العربية مدخ ً‬
‫ال‪ ،‬فلغة ال�ضاد متتاز عن �أخواتها من‬
‫أو�سعه َّن ثروة يف �أ�صول الكلمات والألفاظ‪ ،‬بل � َّإن غزارة‬
‫اللغات العروبية يف �أنها �‬
‫ُ‬
‫مرادفاتها يف الأ�سماء والأفعال ال توجد مثلها يف �أي لغة من لغات العامل‪ ،‬ففيها‬
‫�أكرث من مليون ون�صف املليون كلمة‪ ،‬وب�سبب هذا الواقع ي�ستطيع �أن ُي ْخ ِرج �شفيق‬
‫ـ وغري �شفيق ـ قامو�س ًا لهجوي ًا يف ع�رشات وع�رشات املجلدات‪ ،‬ولي�س ثالثة فقط‪،‬‬
‫�إذ عليه �أن ي�ستمر على هذا النهج‪ ،‬وهو �أن يورد اللفظ الرببري الواحد ملجموعة‬
‫�ضخمة من املرادفات العربية‪ ،‬فمث ً‬
‫ال هو ي�ستطيع �أن ُيكرر الكلمات الرببرية التي‬
‫تعني ال�سيف وهي “تاكوبا‪ ،‬تافروت‪� ،‬أن ّبار‪� ،‬إ�سكي” مئات املرات‪ ،‬فالعالمة اللغوي‬
‫الفريوز�آبادي �صاحب القامو�س املحيط يرى �أن لل�سيف يف اللغة العربية �ألف ا�سم‪،‬‬
‫�أي�ض ًا ي�ستطيع �أن ُيكرر “�إزم” و”�إيراد” اللتان تعنيان الأ�سد خم�سمائة مرة‪ ،‬حيث‬
‫�أن له يف العربية من الأ�سماء هذا العدد‪.‬‬
‫فلم يكن املعجم العربي ‪ /‬الأمازيغي حمتاج ًا �إىل ثالثة جملدات‪ ،‬و�إىل مايزيد‬
‫على الألف و�ستمائة �صفحة‪ ،‬بل كان يكفي �أن يحتويه جملد واحد بثالثمائة �أو‬
‫�أربعمائة �صفحة‪.‬‬
‫يقول الدكتور خ�شيم عن هذا املعجم‪:‬‬
‫“ ‪� ...‬إن امل�ؤلف كان حري�ص ًا احلر�ص كله على جمع �أكرب عدد �أمكنه جمعه‬

‫‪35‬‬

‫‪36‬‬

‫مدخل �إىل عروبة الأمازيغيني من خالل الل�سان‬

‫فكر‬

‫من “املقابالت” الأمازيغة التي ي�شم منها �أدنى رائحة داللية للمدخل العربي يف‬
‫املعجم‪ ،‬يف خمتلف اللهجات ومتباين النطق والتحريف اللفظي وال�صوتي‪ ،‬وطبع ًا‬
‫الداليل‪� .‬أما يف املداخل العربية للمعجم ف�إن امل�ؤلف عمد �إىل احلو�شي من الكلم‬
‫غري امل�ستعمل يف احلياة اليومية‪ ،‬وال حتى يف الكتابة الأدبية‪ ،‬وهو من املهجور‪،‬‬
‫�أو املمات يف بع�ض الأحيان‪ .‬ففي �آخر حرف من اجلزء الأول‪ ،‬على �سبيل املثال‪،‬‬
‫وهو حرف ال�ضاد‪ ،‬جند‪� :‬ض�أد (= زكم )‪� ،‬ض�أز ( = جار )‪� ،‬ضب (= �سكت)‪� ،‬ضبث‬
‫(=قب�ض )‪� ،‬ضرب ( = جمع )‪� ،‬ضب�س (= �شك�س)‪� ،‬ضبز (= توقد اللحظ )‪� ،‬ضبع‬
‫(=الع�ضد )‪� ،‬ضنب ( = �ضاق )‪� ،‬ضبو (= جل�أ)‪� ،‬ضجم (= اع َّوج )‪� ،‬رضح (= �شق)‪،‬‬
‫�رض�ض (= الأ�سد )‪ ،‬وكذلك‪� :‬رضغ‪� ،‬رضك (= الأ�سد )‪� ،‬زضز (= طحن )‪� ،‬زضن‬
‫(= احلافظ الثقة )‪� ،‬ضعط (= ذبح )‪� ،‬ضعل (= خلقة دق بدنه )‪� ،‬ضعو (=اختب�أ)‪،‬‬
‫�ضغت (= ارتوى )‪� ،‬ضغب (= �صوت)‪� ،‬ضفا (= �صاح )‪� ،‬ضفد (= �رضب بباطن‬
‫الكف)‪� ،‬ضغز ( = وثب )‪� ،‬ضغط (= �شد)‪� ،‬ضغن (= خبط برجله)‪� ،‬ضفا ( = كرث‬
‫�شعر الر�أ�س )‪� ،‬ضك (= �ضغط )‪� ،‬ضكل ( = املاء القليل )‪� ،‬ضمج ( = دهن بالطيب‬
‫)‪� ،‬ضمز ( = �سكت )‪� ،‬ضن�أ ( = اختب�أ )‪� ،‬ضهب‪� = ( ،‬شتم )‪� ،‬ضهد ( = قهر )‪� ،‬ضهز‬
‫( = وط�أ )‪� ،‬ضهل ( = اجتمع اللنب �شيئ ًا ف�شيئ ًا )‪� ،‬ضهي ( = �ضهيت املر�أة = كانت‬
‫تفاج ) ‪ ..‬الخ‪.‬‬
‫بال ثدي )‪� ،‬ضوج ( = ا َّت�سع )‪� ،‬ضوط ( = جمع )‪� ،‬ضيك ( =‬
‫َّ‬
‫ومن الطبيعي �أن يتكرر املقابل الأمازيغي للكلمة العربية املهجورة “ �ض�أز “‪ ،‬مث ً‬
‫ال‬
‫يف قهر‪ ،‬ظلم‪ ،‬ع�سف‪ ،‬وغريها‪ ،‬بعد �أن جاء يف‪� :‬ض�أز‪ .‬وهذا � َّأدى ـ كما قلنا ـ �إىل‬
‫خلط كثري وت�شوي�ش كبري‪ ،‬وحجم للمعجم �أكرب بكثري مما هو يف حقيقته يحوي‬
‫القليل من املفردات الأمازيغية يف متباين لهجاتها”(‪.)1‬‬
‫يقول �شفيق يف مقال ما هي عالقة املازيغية بالعربية يف جذورها الكربى‪� ... “ :‬إن‬
‫بني املازيغية والعربية �صلة قريبة يف م�ستطاع كل عارف للغتني �أن يربز عنا�رصها بعد‬
‫�شيء من التنقيب‪ .‬ولكن الواقع غري ذلك‪ .‬فلقد �أ�رشت فيما �سبق �إىل �أن طرق اال�شتقاق‬
‫تختلف‪ ،‬و�إذا �أ�ضفنا �إىل ذلك �أن الإعراب مبفهومه العربي ال وجود له يف ‪:‬‬
‫‪1‬ـ ِ�سفر العرب الأمازيغ ـ علي فهمي خ�شيم �ص‪.60‬‬

‫فكر‬

‫مدخل �إىل عروبة الأمازيغيني من خالل الل�سان‬

‫املازيغية ـ اللهم �إال �إذا اعتربنا �أن تغري احلركة الأوىل يف املذكر املبتديء بالهمزة‬
‫املفتوحة بقية من بقايا �إعراب اندثر‪� ،‬أو �شاهد من �شواهد حماولة كانت ترمي‬
‫�إىل �إحداث نظام �إعرابي‪ ،‬غري �أنها توقفت يف �أول طريقها‪ ،‬فجمدت بعدها العنا�رص‬
‫املهي�أة للإعراب وبقيت الأ�سماء املعنية بالأمر بني الإعراب و”البنا” ـ و�إذا �أ�ضفنا‬
‫�أن الأدوات اللغوية التي هي مبثابة الإ�سمنت يف تركيب اللفظ‪ ،‬غري موحدة بني‬
‫املازيغية والعربية ( حروف املعاين ـ مث ً‬
‫موحدة‬
‫ال )‪ ،‬وزدنا �أن قوالب الرتكيب غري‬
‫َّ‬
‫�أي�ض ًا ت�أرجحنا بني اليقني وال�شك يف �أن املازيغية والعربية �شقيقتان “‪.‬‬
‫ظل من�شغ ً‬
‫من منطلق �أنيِّ باحث لغوي َّ‬
‫ال �سنوات عديدة باملقارنة ما بني العربية‬
‫والرببرية �أرى � َّأن مثل هذا الكالم ال ي�صدر �إال من جاهل جه ً‬
‫ال مركب ًا(‪.)1‬‬
‫موحد‪ ،‬ومعجمها‬
‫موحد‪ ،‬ولي�س لها نظام نحوي َّ‬
‫� َّإن الرببرية لي�س لها نظام �صوتي َّ‬
‫ينق�سم �إىل �ألفاظ م�شرتكة عامة يف جميع الأمازيغيات و�إىل �أخرى خا�صة بكل‬
‫لهجة على حده‪ ،‬فهل هذا يجعل الأ�ستاذ �شفيق يت�أرجح بني ال�شك واليقني يف �أن‬
‫اللهجات الأمازيغية �شقائق؟‬
‫�إن طرق اال�شتقاق يف عربية �شمال جزيرة العرب خمتلفة عن طرق اال�شتقاق‬
‫يف عربية اجلنوب‪ ،‬ومل يقل �أحد ب�أنهما لي�ستا �شقيقتني‪.‬‬
‫خا�صية اال�شتقاق ظاهرة بجالء مثل بقية اللغات‬
‫املهم � َّأن الرببرية فيها‬
‫ِّ‬
‫العروبية‪.‬‬
‫�أ َّما الإعراب‪ ،‬فال�شحرية واملهرية وغريهما من اللهجات الظفارية التي تنتمي �إىل‬
‫عربية اجلنوب (العربية القحطانية) ال �إعراب بها‪ ،‬واللهجات العامية بالوطن العربي‬
‫قد تخ َّلت عن الإعراب‪ ،‬ولقد احتفظت اللغة العربية بعالمات الإعراب بينما فقدتها‬
‫اللغات العروبية الأخرى‪.‬‬
‫ومن مزاعمه على ت�أثري الرببرية يف العامية املغربية يورد يف كتابه “الدارجة‬
‫املغربية جمال توارد بني الأمازيغية والعربية” التايل‪:‬‬
‫‪1‬ـ يف كتابه (الدارجة املغربية جمال توارد بني الأمازيغية والعربية) اتهم �شفيق خمالفيه ب�أنهم «جاهلون‬
‫جهال مركبا» وينطبق عليهم مقولة «الر�أي نائم والهوى قائم» وب�أنهم «اليدرون واليدرون �أنهم اليدرون‪،‬‬
‫ويقدمون مع ذلك على �إ�صدار الأحكام القاطعة» ونحن نرى �أن هذا الكالم ينطبق على �شفيق نف�سه‬
‫�أكرث من خمالفيه‪.‬‬

‫‪37‬‬

‫‪38‬‬

‫مدخل �إىل عروبة الأمازيغيني من خالل الل�سان‬

‫فكر‬

‫‪1‬ـ �إ�سكان احلرف الأول يف الكالم‪ ،‬على �أن العربية “ال تبتدئ ب�ساكن‪ .”...‬وقد‬
‫الحظت �شخ�صي ًا �أن املغربي املتحدر من العرب الأعراب‪ ،‬كاحليانية �أو زعري ال�شمالية‪،‬‬
‫ينطق كما يلي َ‬
‫“ك ْمح”‪ ،‬بينما ينطق الأمازيغي امل�ستعرب‪ ،‬كا َ‬
‫جل ْبلي واليازغي‪ ،‬هكذا‬
‫“ق َمح” �أو ْ‬
‫ْ‬
‫“ك َمح”‪ ،‬بت�سكني احلرف الأول‪.‬‬

‫ـ �صحيح � َّأن العربية الف�صيحة ال تبتدئ ب�ساكن‪ ،‬ولكن الدارجة املغربية لي�ست‬
‫منفردة بهذا حتى جنزم �أنها خا�ص َّية بربرية �أخذتها العام َّية منها‪ ،‬فالدارجة الظفارية‬
‫تبتدئ بال�ساكن ب�صفتها قاعدة‪ ،‬واال�ستثناء هو � ْأن تبتدئ مبتحرك‪ ،‬نقول‪“ :‬محْ َ َّم ْد‬
‫ول ْو ْنبي” بد ً‬
‫ْر ُ�س ْ‬
‫العمانية املن�سوبة‬
‫ال من “محُ مد َر�سول َونبي”‪ ،‬والحظنا �أن الدارجة ُ‬
‫لبع�ض املناطق تبتدئ بال�ساكن �أحايني كثرية‪.‬‬
‫‪2‬ـ حذف همزة القطع‪ :‬ل ِْ�س َلم > الإ�سالم‪ .‬لمِ َن > الإميان‪ .‬ل َِدم > الإدام‪ .‬لواين >‬
‫ال�صبع > الإ�صبع ‪ ...‬ولي�س من املغاربة من يقول “للبئر” غري “ ْلب”‪� ...‬أ َّما‬
‫الأواين‪ّ .‬‬
‫فعل الأمر ف�ساكن دائم ًا‪.‬‬
‫اله ْمز منعدم يف لغتنا العربية العامية‪ ،‬بحيث ُيقال‪ِ :‬بيرْ ‪ ،‬دِ ْيب‪ ،‬بد ً‬
‫ال من بئر‪،‬‬
‫�إن َ‬
‫ذئب‪ ،‬و�أن الأفعال املزيدة من وزن � ْأف َع َل ُمق�صاة عنها‪ ،‬تقوم مقامها‪ ،‬دائم ًا‪ ،‬الأفعال‬
‫التي من وزن ف َّع َل‪ ،‬وال يقال يف الدارجة � ْأخ َر َج وال � ْأد َخ َل وال � ْأح�ضرَ َ ‪ ،‬ولكن َخ َّرج‬
‫ودخَّ ل وح�ضرَّ ‪.‬‬
‫ال�صبع‪� ،‬إبراهيم =‬
‫ـ حذف همزة القطع من ظواهر اللهجة الظفارية‪ :‬الإ�صبع = ّ‬
‫ْبراهيم‪� ،‬أبوبكر = ْبوبكر‪� ،‬أحمد = ْح َمد‪� ،‬أحمر= ْحمار‪� ،‬أ�صفر = ْ�صفار‪� ،‬أ�سود = ْ�سواد‬
‫‪� ،‬أبي�ض = ْبيا�ض‪� ،‬أحد = َح ْد ‪ ...‬ولي�س من الظفاريني من يقول “للبئر” غري “ ْلبِ ري”‪،‬‬
‫فعل‪،‬‬
‫ويف دارجتنا الأفعال التي من وزن �أفعل تقوم مقامها الأفعال التي من وزن ّ‬
‫ال عن � ْأخ َرج‪ْ � ،‬أد َخل‪ ،...‬ونقول بري وذيب بد ً‬
‫نقول‪َ :‬خ َّرج‪ ،‬دخَّ ل‪ ،‬بد ً‬
‫ال عن بئر‬
‫وذئب‪ ،‬ورا�س با�س وكا�س و�سما‪ ،‬بد ً‬
‫ال عن ر�أ�س وب�أ�س وك�أ�س و�سماء‪.‬‬
‫خا�ص ّ َّية ظفارية‬
‫وت�ســهِ يلها ليـ�ست‬
‫وعلـى العـموم ظـاهرة �إ�سقـاط الهمـــزة‬
‫ِّ‬
‫ْ‬
‫دون بقية العاميات امل�رشقية‪ ،‬كما �أ َّنها لي�ست خا�صية مغربية دون بقية العاميات‬
‫املغاربية‪.‬‬

‫فكر‬

‫مدخل �إىل عروبة الأمازيغيني من خالل الل�سان‬

‫معرف بالألف والالم‪� ،‬إذ املنادى يف الرببرية معرفة‪ .‬يقول ُّ‬
‫جل املغاربة‬
‫‪3‬ـ � َّإن املُنادى َّ‬
‫آالر ْج ْل‪� ،‬آ ْل ْو ْل ْد‪ ،‬بد ً‬
‫ال من يا رجل‪ ،‬يا امر�أة‪ ،‬يا ولد‪.‬‬
‫عند النداء‪� :‬آلمْ ْ َرة‪َّ � ،‬‬
‫ـ ُي ْ�سمع �أحيان ًا من الظفاريني ُمناداة املنادى النكرة ب�إ�ضافة الألف والالم �إىل �أوله‪:‬‬
‫ْ‬
‫ِ�ش يا لمْ ْ راه = � ِ‬
‫أنت يا �إمر�أة‪.‬‬
‫أنت يا ولد‪ ،‬ي ْ‬
‫يك يا ْلولِيد = � َ‬

‫‪4‬ـ � َّإن الأمازيغي َم َّيال �إىل ترخيم �أ�سماء الأعالم واختزالها‪ .‬ذلك هو ما ُيف�رس‬
‫ع�سو ( عبد‬
‫وجود �أ�سماء من قبيل عقّ ا ( عبد القادر )‪ّ ،‬‬
‫حدو ( عبد الواحد ) ّ‬
‫حمو ( عبد احلميد ) موحا ( حممد ) ع ّبو ( عبد‬
‫ال�سالم ) ّ‬
‫َّ‬
‫رحو ( عبد الرحمن ) ّ‬
‫اهلل ) ‪ ،...‬طاما‪� ،‬أو طامو ( فاطمة ) ‪...‬‬
‫ـ يف �سورية‪� ،‬أهايل عني التينة وهي منطقة قبل معلوال جانب دم�شق يرخمون‬
‫يو�س (‪ ،)1‬ويف م�رص جند‪� :‬إبراهيم‬
‫فاطمة = َف‪ ،‬و�أهل معلوال يرخمون يو�سف = ِ‬
‫ب�سو‪ ،‬كمال = كيمو‪� ،‬إح�سان (علم م�ؤنث) =‬
‫حمو‪َ ،‬ب ْ�سيوين = ُّ‬
‫= هيما‪ ،‬حممد = ّ‬
‫�سونه‪...‬‬
‫يخفى على �شفيق �أن ترخيم �أ�سماء الأعالم ظاهرة معروفة يف اللغة‬
‫وال نعتقد �أ َّنه ْ‬
‫العربية‬
‫حار = يا حارث‪ ،‬يا‬
‫و ُت�س َّمى الرتخيم �أو القطعة‪ ،‬حيث ُيقطع جزء من اال�سم‪ :‬يا ِ‬
‫مال = يا مالك‪ ،‬يا �أبا احلكا = يا �أبا احلكم‪.‬‬
‫ِ‬
‫بني للمجهول على النمط الأمازيغي‪ ،‬فيكون �أوله تاء‬
‫‪5‬ـ كثري�أ ما ُي�صاغ الفعل املَ ّ‬
‫ني)‪،‬‬
‫ُم�ض َّعفة كما هو ظـاهر يف الأمثلة الآتية‪ّ :‬تباع ( بيع )‪ّ ،‬ت ْبدا ( ُبدئ )‪ّ ،‬ت ْبنا ( ُب َ‬
‫فد ( ُرفِ َد‪� ،‬أي ُحمِ َل ) ّت�ضرْ َ ْب ( �ضرُ ِ َب )‪ّ ،‬ت ْع َم ْل‬
‫تحّ ْ َر ْت ( ُح ِر َث )‪ّ ،‬ت ْدف َْن ( ُدفِ َن )‪ّ ،‬ت ْر ْ‬
‫( ُعمِ َل ) ّتغَ ر�س ( غُ ِ�س َل )‪ّ ،‬تغْ َ�ص ْب ( غُ ِ�ص َب )‪ّ ،‬تغْ َل ْق ( ُ �أ ْغلِق)‪ّ ،‬ت ْ‬
‫قال ( قِ َ‬
‫يل)‪ّ ،‬تقْ َتل‬
‫( قُتِ َل )‪ّ ،‬ت َك ْل ( �أُكِ َل ) ‪...‬‬
‫خ�شيم على هذا الزعم قائ ً‬
‫ال‪ « :‬هذه ال�صياغة للمبني للفعل للمجهول‬
‫رد‬
‫ـ و َي ُّ‬
‫ُ‬
‫لي�ست خا�صة بالأمازيغية ت�أثرت بها العامية املغربية �إذ هي معروفة يف الدارجة‬
‫‪1‬ـ مالمح يف فقه اللهجات‪ -‬د‪ .‬حممد بهجت قبي�سي �ص‪569‬‬

‫‪39‬‬

‫‪40‬‬

‫مدخل �إىل عروبة الأمازيغيني من خالل الل�سان‬

‫فكر‬

‫(ولد) ‪�..‬إلخ‪،‬‬
‫امل�رصية حيث ُيقال‪ :‬ا ّتاكل (�أُكل)‪ ،‬اتباع (بيع)‪ ،‬اتنظف ( ُنظف)‪ ،‬اتولد ُ‬
‫فهل ت�أثرت الدارجة امل�رصية بالأمازيغية �أي�ض ًا» ؟‬
‫‪6‬ـ ال ُمث َّنى يف الن�سق ال�صرَّ يف للأفعال‪ْ :‬خ ْر ُجو = َخ َرجا‪� ،‬أو َخ َرجوا‪َ .‬ك ْي َح ْر ُتو =‬
‫يحرثان‪� ،‬أو يحرثون‪�ْ .‬س ْك ُتو = ْا�س ُكتا‪� ،‬أو ْا�س ُك ُتوا‪...‬‬
‫ـ وهل هناك لهجة عامية عربية يف م�شارق وطننا العربي ومغاربه تختلف عن‬
‫�سمها لنا �أ�ستاذنا الفا�ضل‪.‬‬
‫اللهجة املغربية يف هذا ؟ �إن كانت توجد فل ُي ِّ‬
‫جميع اللهجات العامية ال ُمث َّنى يف الن�سق ال�صرَّ يف للأفعال التي ذكرها‪� ،‬أي �أنها‬
‫ُتخالف الف�صحى يف هذا الأمر‪ ،‬وقِ ْ�س على ذلك بقية الأفعال‪ ،‬ون�رضب �أمثلة من‬
‫(خرجا �أو َخ َرجوا) = ْخ ْرجوا‪ْ ( ،‬ا�س ُكتا‪� ،‬أو ْا�س ُك ُتوا ) = ْ�س ْكتو‪،‬‬
‫لهجتنا الظفارية‪َ :‬‬
‫(يخرجا �أو يخرجون ) = ْي َخ ْر ُجو‪ ( ،‬ي�سكتا �أو ي�سكتون ) = ْي ِ�س ْكتو‪.‬‬
‫ْ‬
‫قدم على الفعل امل�رصوف �إىل امل�ضارع حرف معــني ( كاف �أو‬
‫‪7‬ـ يف الغالب ُي َّ‬
‫كان َك ُ‬
‫ياكل ( كان ي� ُأكل )‪ْ ،‬م�شا‬
‫تاء �أو غريهما ) كما هو معمول به يف الرببرية‪ْ :‬‬
‫ــع ْ�ش‬
‫َت ْي ْجري( ذهب وهو يجـري )‪� ،‬آ�ش َك ْت ْكــ َت ْب ؟ ( ماذا تكتب ؟ )‪ ،‬ما َك ْي ْ�س َم ْ‬
‫( ال ينت�صح )‪...،‬‬
‫قدم على الفعل امل�رصوف �إىل امل�ضارع‬
‫ـ يف اللهجات العامية اليمنية غالب ًا ما ُي َّ‬
‫�ش‪ ،‬ع) التي تفيد ا�ستمرار الفعل �أثناء التكلم‪ :‬كاعمل‬
‫الأحرف التالية (ك‪ ،‬ال‪ ،‬ذي‪َ ،‬‬
‫= �أعمل ‪ /‬ال ام�شي = �أم�شي ‪ /‬ذي ا�سمع = �أ�سمع ‪� /‬شالعب = �ألعب ‪ /‬عنام = �أنام‪.‬‬
‫بل � َّإن هذا معمول به يف اللهجة العراقية‪ ،‬حيث ي�سبق الفعل امل�ضارع دا ً‬
‫ال على‬
‫النحو التايل‪َ :‬ديتكلم = يتكلم ‪َ /‬دمي�شي = مي�شي‪ ،‬ومن غري امل�ستبعد �أن هناك‬
‫لهجات م�رشقية �أخرى جنهلها تنحو هذا النحو‪.‬‬
‫‪8‬ـ ال فرق بني املُذ َّكر وامل�ؤنث ُك َّلما �أُ ْ�سنِ د الفعل املا�ضي �إيل �ضمري املُخاطب‪:‬‬
‫و�ض ِح ْك ِت ‪...‬‬
‫�ض ِح ْك َت َ‬
‫ْف َر ْح ِت = َف ِر ْح َت و َف ِر ْح ِت‪�ْ .‬ض َح ْك ِت = َ‬
‫ـ كذلك كان الأمر يف اللهجة الظفارية‪ ،‬وحالي ًا ف�إن عدم التفريق بني املُذ َّكر وامل�ؤنث‬
‫ُك َّلما �أُ ْ�سنِ د الفعل املا�ضي �إيل �ضمري املُخاطب ال ن�سمعه �إال من ال�شيوخ والعجائز‪،‬‬
‫حيث �أن الظفاريني ا ّلذين يتكلمون الدارجة يتخلون �أحيان ًا عن �ألفاظ وتراكيب‬

‫فكر‬

‫مدخل �إىل عروبة الأمازيغيني من خالل الل�سان‬

‫ُم َع َّينة �إ َّما ت�أثراً ببع�ض اللهجات العامية العربية التي �ساعد الإعالم كثرياً على‬
‫التف�صح‪� ،‬أو حت ُّرجا من النقد‪.‬‬
‫انت�شارها وتلميعها‪ ،‬و�إ َّما رغبة منهم يف‬
‫ُّ‬
‫تعدي ًا باحلرف يف الدارجة‪ ،‬كما‬
‫‪9‬ـ يكون الفِ ْعل العربي‬
‫متعدي ًا بنف�سه‪ ،‬في�صري ُم ِّ‬
‫ِّ‬
‫هو م�ألوف يف الأمازيغية‪ْ :‬ب ّلغ ُلو لخْ ْ بار ( ب َّلغَ هُ ا َ‬
‫خلبرَ ) ‪...‬‬
‫تعدي ًا‬
‫ـ ويكون الفعل العربي يف العامِ َّيات امل�رشقية‬
‫متعدي ًا بنف�سه‪ ،‬ويكون ُم ِّ‬
‫ِّ‬

‫باحلرف كما هو يف العامية املغربية والرببرية‪ :‬نقول يف دارجتنا‪ْ :‬ب ّلغُ و لخْ ْ بار‪� ،‬أو‬
‫بلغ لو خلبار ( ب َّلغَ هُ ا َ‬
‫خلبرَ )‪ ،‬ب ّلغتو ال�سالم‪� ،‬أو ب ّلغت لو ال�سالم ( ب ّلغته ال�سالم)‬
‫كلم ْلفرن�سية ما يحتاج‪،‬‬
‫�سلمتو الر�سالة‪� ،‬أو ِ�س ِّل ْم ْت لو الر�سالة‪�( ،‬س َّلمتهُ الر�سالة)‪ ،‬ي ِْت ْ‬
‫يتكلم لو لفرن�سية ما يحتاج‪ ( ،‬يتكلم الفرن�سية بطالقة)‪.‬‬
‫�أو‬
‫ْ‬
‫‪10‬ـ يف العامية «داروا ْم ْوعد» �أي �رضبوا موعداً‪ ،‬وحرفي ًا عملوا موعداً‪ُ ،‬يقال‬
‫بالرببرية «كان تاكتوت» (حرفي ًا‪ :‬عملوا موعداً)‪.‬‬
‫ـ يف �أكرث من لهجة م�رشقية‪ُ ،‬ي�ستخدم الفعل «عمل» ومرادفاته عندما يقرتن‬
‫باملوعد يف معنى «�رضب»‪ ،‬مثال من العامية امل�رصية‪ :‬عملت موعد ع�شان مقابلة‬
‫املدير؟ = هل �رضبت موعداً ملقابلة املدير؟ ومثال �آخر من العامية الظفارية‪ :‬قبل ما‬
‫�ساوي موعد = قبل �أن تذهب �إ�ضرْ ب موعد‪�« ،‬ساوي» معناه «� ْإع َم ْل»‪.‬‬
‫ت�سري ِ‬
‫منام‪ ،‬و�شى‬
‫‪11‬ـ يف العامية «هادا ب َّياع‪ ،‬باع ْ�صاحبه» �أي هذا جا�سو�س‪� ،‬أو و�شَّ اء َّ‬
‫برفاقه‪ ،‬يف الرببرية الفعل «�إزَّنز» له معنى حقيقي هو باع ( ال�سلعة وما �إليها )‪ ،‬وله‬
‫وجت�س�س‪.‬‬
‫معنى جمازي هو‪ :‬و�شى‬
‫َّ‬
‫�ص ْحبه‬
‫ـ هذا م�شرتك بني املغاربة وامل�شارقة‪ ،‬ن�سمع يف الدارجة امل�رصية «دا باع َ‬
‫« = «هذا خان �صاحبه»‪�« ،‬أنا ما �أقدر�ش �أبيع ُ�صحابي» = �أنا ال �أ�ستطيع �أن �أغدر‬
‫ب�أ�صحابي‪� ،‬أو �أنا ال �أ�ستطيع �أن �أجت�س�س على �أ�صحابي‪� ،‬أو �أنا ال �أ�ستطيع �أن �أ�شي‬
‫بخ�س ًا قيمة هذه «البيعة ‪/‬‬
‫ب�أ�صحابي‪ ،‬بل � ْإن الظفاريني �أحيان ًا ما يذكرون مبلغ ًا ْ‬
‫اخليانة»‪ ،‬وذلك للتنبيه �إىل مدى اخليانة والغدر اللذين بلغهما هذا ال�شخ�ص‬
‫املق�صود‪ ،‬فمث ً‬
‫ال يقول الظفاري ل�شخ�ص نا�صح ًا ومحُ َ ذِ راً �إ َّياه من �آخر ُيرافقه‪« :‬واهلل‬
‫ا ّنه مِ ْ�س ْتعِ ْد يبعيك ُبربع ريال»‪.‬‬

‫‪41‬‬

‫‪42‬‬

‫مدخل �إىل عروبة الأمازيغيني من خالل الل�سان‬

‫فكر‬

‫‪12‬ـ يف العامية «جا َر ْجل المْ را (جاء زوج املر�أة)‪�« .‬أركاز» يف الرببرية معنها الأ�صلي‬
‫الر ُجل‪ ،‬ومعناها املجازي الزوج‪.‬‬
‫َّ‬
‫(الر ُجل) و(املر�أة) مبعنى الزوج والزوجة‬
‫ـ عجيب �أمر الأ�ستاذ �شفيق! �إن ا�ستخدام َ‬
‫ظاهرة �شائعة يف الوطن العربي‪ ،‬يف العامية امل�رصية‪ِ :‬جهْ راجل ِ‬
‫ال�س ْت = جاء زوج‬
‫املر�أة‪ .‬يف العامية اخلليجية‪ :‬يا َري ِْل ُ‬
‫احل ْرمة = جاء زوج املر�أة‪ ،‬الياء هنا منقلبة عن‬
‫جيم‪« ،‬يا ريل» �أ�صلها «جا رجل»‪ ،‬والن�ساء الظفاريات كثرياً ما ُيك ّنني عن الزوج‬
‫ُ‬
‫ب(احل ْرمة‪ ،‬لمْ ْ راة)‪،‬‬
‫الر ُجل‪ ،‬والرجال الظفاريون ُيك ُّنون عن الزوجة‬
‫ب (ال ِّر ِّجيل)‪� ،‬أي َّ‬
‫�أي املر�أة‪.‬‬
‫وخ ْرج لو ْع ْرج»‪ ،‬ا�شرتى فر�س ًا ف�إذا هو �أعرج‪ ،‬الفعل‬
‫‪14‬ـ يف العامية «�شرْ ى َع ْو ْد ْ‬
‫«�إفّغ» يف الرببرية له معنى هو ‪ :‬خرج ومعنى جمازي هو‪� :‬إذا اتفق �أن كان ‪...‬‬
‫�أو �إذا هو‪.‬‬
‫ظفاري �أي�ض ًا‪ ،‬نقول‪ُ :‬ك ّل �إليّ ْ�شرتيته خرج يل خاي�س = ُك ُّل‬
‫عام ُّي‬
‫ُّ‬
‫ـ هذا �أ�سلوب ِّ‬
‫ما ا�شرتيته وجدته فا�سداً‪.‬‬
‫«طاحت عليه الدار بع�رشين مليون»‪ ،‬كان ثمن التكلفة يف بناء‬
‫‪15‬ـ يف العامية‬
‫ْ‬
‫داره‪� ،‬أو �رشائها ع�رشين مليون ًا‪ ،‬ترجمة حرفية للجملة الرببرية‪« :‬تتو ّتي غيف�س‬
‫تادارت �س ع�رشين مليون»‪.‬‬
‫ّ‬
‫ـ نقول يف دارجتنا‪« :‬طاحت له البيت بع�رشين �ألف»‪� ،‬أي كان ثمن �رشاء داره‬
‫�أو ثمن تكلفة بنائها ع�رشين �ألف ريا ً‬
‫ال‪ ،‬و«طاح» معناه الأ�صلي وقع‪� ،‬سقط‪ ،‬وقد‬
‫يكون ا�ستخدامه يف مو�ضع الثمن موجوداً يف لهجات م�رشقية �أخرى غري اللهجة‬
‫الظفارية‪.‬‬
‫‪16‬ـ يف العامية «عطا لو بنتو»‪ ،‬ز َّوجه ابنته‪ ،‬ترجمه حرفية للرببرية‪�« :‬أوي َت ك‬
‫يخف ّنك»‪.‬‬
‫«ادى»‪ْ ،‬ان َطى»‬
‫ـ ي�ستخدم �أبناء امل�رشق العربي الفعل «عطا» ومرادفاته مثل َّ‬
‫مبعنى َز َّو َج‪ ،‬فنحن يف دارجتنا نقول‪« :‬ما عطا لو ِب ُّتو �إ ّ‬
‫ال مِ ْن ْط َمع»‪� ،‬أي مل‬
‫ُي َز ِّوجه ابنته �إ ّ‬
‫يعطي‬
‫ال طمع ًا يف ماله‪ ،‬ونقول يف مو�ضع اال�ستهجان‪َ « :‬ح ْد‬
‫ْ‬

‫فكر‬

‫مدخل �إىل عروبة الأمازيغيني من خالل الل�سان‬

‫ِب ُّتو لهاذي؟ « �أي هل من �أحد يقبل �أن ُيز َّوج ابنته لرجل مثل هذا ؟ ويف‬
‫اخلليج ي�ستخدمون «�أنطى» مبعناها الأ�صلي وهو �أعطى ومبعناها املجازي‬
‫وهو « َز َّو َج»‪ ،‬ويف م�رص قد ي�أتي الفعل «� َّإدى» مبعنى «ز َّوج» خالف ًا ملعناه‬
‫الأ�صلي “�أعطى”‪.‬‬
‫«ات اويغ‬
‫‪17‬ـ يف العامية «ناخدوا بالدارع»‪ ،‬ن�أخذه ق َْهراً‪ ،‬ترجمه حرفية للرببرية‪ّ :‬‬
‫�س يغيل»‪.‬‬
‫واح َ�سب �أ َّننا جميع ًا �سمعناه يف الدارجة امل�رصية‪.‬‬
‫ـ هذا تعبري م�رشقي �شائع‪ْ ،‬‬
‫‪18‬ـ يف العامية «باقي ما جا» ‪ ،‬مل ي�أتي بعد‪ ،‬ترجمه حرفية للرببرية‪�« :‬إ�سول ورد‬
‫يو�س»‪.‬‬
‫ـ يف اللهجة العامية الظفارية نقول‪( :‬عادو ما جا) و�أي�ض ًا ( باقي ماجا)‪ ،‬وكالهما‬
‫مبعنى واحد هو ‪ :‬ما زال مل ي�أتي‪.‬‬
‫ٌ‬
‫نحيل ق�صري القامة‪ ،‬ترجمة حرفية ل»‬
‫‪19‬ـ يف العامية «رجل قيلول»‪ ،‬رجل‬
‫امودرو�س»‪ ،‬من الفعل «�إدرو�س» الذي يعني‪َّ :‬‬
‫قل وندر‪َ ،‬ن ُح َل وق�رصت قامته‪.‬‬
‫ـ يف الف�صحى « القليل » و « ُّ‬
‫القُل » الرجل الق�صري الدقيق اجلثة‪ ،‬ومعناهما �أي�ض ًا‬
‫النادر عك�س الكثري‪.‬‬
‫‪20‬ـ �إن عبارة «�إرار تاينيت ّن�س» التي تعني ْانتبهَ‪ ،‬وحرفي ًا تعني « َر َّد باله» نقلها‬
‫املغاربة من الأمازيغية �إىل لهجتهم العامية ف�صاروا يقولون «رد باله» مبعنى انتبهَ‪،‬‬
‫ْاحتذ َر‪.‬‬
‫ـ هل يا ترى نقلها الظفاريون �أي�ض ًا من الأمازيغية �إىل لهجتهم العامية ؟ فنحن‬
‫عرب ظفار نقول « َر ْد با ُله» مبعنى انتبهَ‪ْ ،‬احتاط‪� ،‬أخذ حذره‪ ،‬ونقول « ُر ْد بالَك»‬
‫علي بال» �أي �أنه مل‬
‫مبعنى ْانتبِ هْ ‪ُ ،‬خ ْذ حذرك‪ ،‬ون�سمع الظفاري يقول «فالن ما َر ْد ِّ‬
‫ْ‬
‫يحفل بكالمي‪.‬‬
‫يعريين اهتمام ًا‪ ،‬ومل‬
‫‪21‬ـ ومن �ألفاظ العامية املغربية التي َّادعى �شفيق �أنها م�أخوذة من الرببرية‪ ،‬رغم‬
‫�شيوعها يف امل�رشق العربي �أو رغم كونها من الف�صيح ال�شائع‪ ،‬بحيث ُي�ستبعد وجود‬
‫من يجهلها‪ ،‬خا�صة �إذا كان باحث ًا لغوي ًا �ضليع ًا باللغة العربية كالأ�ستاذ �شفيق‪.‬‬

‫‪43‬‬

‫‪44‬‬

‫مدخل �إىل عروبة الأمازيغيني من خالل الل�سان‬

‫فكر‬

‫�أ ـ بو‪� :‬صاحب ال�شيء‪ ،‬متاثل «ذو» يف الف�صحى‪.‬‬
‫ـ هي ذاتها «بو» التي جندها يف اللهجات الدارجة مبعنى �صاحب ال�شيء‪ ،‬فهي‬
‫متاثل «ذو» يف الف�صحى‪ ،‬و�أ�صلها «�أبو» ُث َّم ُحذِ فت همزة القطع منها ف�صارت (بو)‪،‬‬
‫ون�رضب هذه الأمثلة‪ .‬يف الدارجة احل�رضمية‪ :‬بو َه ْدرة = الرثثار‪ ،‬ويف دارجتنا‪ :‬بو‬
‫فتيلة = ذو الفتيلة (نوع من البنادق القدمية له فتيلة بو�ساطة �إ�شعالها يتم �إطالق‬
‫النار)‪ ،‬بو ذيل = ذو الذيل ( ُيطلق هذا اال�سم على الثوب الظفاري اخلا�ص باملر�أة‬
‫لأنه يكون طوي ً‬
‫ال من اخللف كذيل الطاوو�س)‪ ،‬بو را�س معناها ذو الر�أ�س الكبرية‬
‫بو�صفار =‬
‫و�أ�صلها �أبو الر�أ�س‪ ،‬و ُيقال هذا يف و�صف �صاحب الهامة ال�ضخمة‪ْ ،‬‬
‫العينْ (حوت ذو عينني كبريتني)‪ ،‬بومطرقة =‬
‫ذو الأ�صفر ( مر�ض )‪ ،‬بوعني = ذو َ‬
‫ذواملطرقة (نوع من حوت اللخم ر�أ�سه ي�شبه املطرقة)‪ ،‬بو طبيلة = ذو َ‬
‫الط ْبل ال�صغري‬
‫ال�س َحر ب�إيقاظ النيام‬
‫( ُيطلق يف الكويت وتون�س على ال�شخ�ص الذي يقوم وقت َّ‬
‫يف رم�ضان لينه�ضوا لتناول ال�سحور‪ ،‬وهو ي�ؤدي تلك املهمة بو�ساطة قرعه على‬
‫طبل خالل طوافه باملنازل‪ُ ،‬يعرف يف م�رص بامل�سحراتي)‪،‬‬
‫و (بو) ُيقابلها يف الرببرية ( ّم) مبعنى‪ :‬ذات‪� ،‬صاحبة ال�شيء‪ ،‬مالكة ال�شيء‪ ،‬و�إذا‬
‫كانت «بو» �أ�صلها «�أبو» ف�إن « ّم» التي تعني «ذات» �أ�صلها «�أُ ُّم»‪.‬‬
‫وجند هذا يف الدارجات امل�رشقية‪ ،‬حيث كثرياً ما ُي�ستعا�ض عن «ذات» م�ؤنث‬
‫«ذو» بكلمة «�أُ ّم»‪ ،‬فن�سمع يف الدارجة الظفارية يف و�صف جمال املر�أة‪� :‬أُ ّم العيون‬
‫ال�ش ْعر ا َ‬
‫حل َ�سن الطويل‬
‫= ذات العيون الوا�سعة ال�صافية (النجالء)‪� ،‬أم ال�شعار = ذات َّ‬
‫الفينانة )‪� ،‬أم ال ِّب ْزلة = ذات ال�ساق الغليظة احل�سناء (املمكورة)‪� ،‬أم القامة = ذات‬
‫( ْ‬
‫القد الر�شيق (املم�شوقة)‪ ،‬ويف ذكر بع�ض اخلِ �صال ال�سيئة‪� :‬أم الل�سان = ذات الكالم‬
‫ال�س ْعد‪ ،‬ومن �أ�سماء اجلنيات‬
‫ال�س ْعد = ذات ُ‬
‫الكثري (الرثثارة)‪ ،‬ومن �أ�سماء الن�ساء‪� :‬أم ُ‬
‫القُرم = �صاحبة‬
‫يف تراثنا ال�شعبي التي ُتن�سب �إىل �أماكن وموا�ضع غري م�أهولة‪� :‬أم ْ‬
‫القُرم‪� ،‬أم روري = �صاحبة منطقة روري‪� ،‬أم جنيف = �صاحبة منطقة جنيف‪،‬‬
‫منطقة ْ‬
‫�أم �شاع = �صاحبة منطقة �شاع‪ ،‬و�أ َّما «�أم ال�صرُّ ْ م» �أو �أم «ال�رصوم» = �صاحبة النخل‬
‫والعمانيني جنية ُترى دائم ًا بجنب ال َّنواة‪�،‬أي النخلة‬
‫ال�صغري ( هي عند الظفاريني ُ‬

‫فكر‬

‫مدخل �إىل عروبة الأمازيغيني من خالل الل�سان‬

‫ال�صغرية‪ ،‬التي ُت�سمى يف الدارجة بال�صرَّ ْ مة)‪� ،‬أم ال�صبيان = �صاحبة ال�صبيان (وهي‬
‫عند عرب الإمارات وظفار و�صعيد م�رص‪ ،‬جنية ُترى دائم ًا وخلفها ي�سري �أطفالها‬
‫ال�صغار)‪ ،‬ويف الدارجة العمانية‪� .‬أم خم�س = ذات اخلم�س (بندقية حتمل خم�س‬
‫طلقات ـ وهي كذلك يف الدارجة الظفارية)‪� ،‬أم ع�رش = ذات الع�رش (بندقية حتمل‬
‫ع�رش طلقات)‪ .‬ويف لهجة الإمارات �أم ال�سعف والليف = ذات ال�سعف والليف‪ ،‬هي‬
‫�ساحرة ُخرافية تختبئ يف النخيل‪ ،‬ويف اللهجة امل�رصية هناك ح�رشة ُت�س َّمى �أم �أربعة‬
‫و�أربعني = ذات الأربعة والأربعني‪ُ ،‬ت ْدعى يف اللهجة الظفارية �أم �سبعة و�سبعني =‬
‫(‪)1‬‬
‫ذات ال�سبعة وال�سبعني‪ ،‬وهي «احلري�ش» يف الف�صحى‪.‬‬
‫وعلى العموم �إن ا�ستخدام «�أم» مبعنى «ذات» هو ا�ستخدام �شائع يف اللهجات‬
‫العربية العامية ال �سيما �أ�سماء املوا�ضع واملناطق‪ ،‬ومنها �أ�سماء هذه القرى ال�شامية‪:‬‬
‫�أم التني‪� ،‬أم اجنا�صة‪� ،‬أم جوزة‪� ،‬أم الدنانري‪� ،‬أم الدوايل‪� ،‬أم الق�صب‪� ،‬أم العظام‪� ،‬أم‬
‫حارتني‪.‬‬
‫ّ‬
‫(الل)‪ ،‬الأوىل مبعنى‬
‫جند يف الرببرية ـ �إىل جانب (بو) و ( ّم) ـ لفظتي (باب) و‬
‫ذو‪� ،‬صاحب ال�شيء‪ ،‬مالكه‪ ،‬ر َّبه و�سيده‪ ،‬والأخرى مبعنى �صاحبة ال�شيء‪ ،‬ربة‬
‫ال�شيء‪ ،‬ال�سيدة‪ ،‬وهما لفظتان عربيتان �أي�ض ًا‪ ،‬ف»باب» هي نف�س لفظة «بال» يف‬
‫اللهجة املهرية التي تعني ذو‪� ،‬صاحب ال�شيء‪ ،‬مالكه‪ ،‬ربه و�سيده‪ ،‬والأ�صل فيهما‬
‫«بعل» العربية التي ال تخرج يف داللتها عن املعاين ال�سابقة‪ ،‬ولقد �أ�سقطت الرببرية‬
‫واملَ ْهرية حرف العني من «بعل»‪ ،‬ثم �أبدلت الرببرية الال َم با ًء (‪� ،)2‬أ َّما «الل» ف ُي َو ِّ�ضح‬
‫�شفيق عربيتها ب�أن ن�سبها �إىل «ال ِّإل» التي تعني يف الف�صحى الر ُبوبية‪ ،‬ومنها جاءت‬
‫لفظة « ّ‬
‫الال» املتداولة يف املغرب العربي مبعنى ال�س ِّيدة(‪.)3‬‬
‫‪1‬ـ ا َ‬
‫حلري�ش من الكائنات الالفقارية‪ ،‬وهي كثرية الأرجل لذا �أ�سماها الظفاريون �أم �سبعة و�سبعني‬
‫و�أ�سماها امل�رصيون �أم �أربعة و�أربعني‪ ،‬والأحرى بهم �أن ُيطلقوا عليها �أم اثنني و�أربعني لأن هذه احل�رشة ال‬
‫تدب بها �سوى هذا العدد‪.‬‬
‫متلك من الأطراف التي ُّ‬
‫َ‬
‫ال�س ْهل‬
‫أ�رس‪،‬‬
‫�‬
‫مبعنى‬
‫واعتقب‬
‫اعتقل‬
‫الف�صحى‪:‬‬
‫يف‬
‫أمثلته‬
‫�‬
‫ومن‬
‫وارد‪،‬‬
‫والباء‬
‫‪ 2‬ـ الإبدال بني الالم‬
‫َّ‬
‫وال�س ْهب‪ :‬املطمئن من الأر�ض‪.‬‬
‫َّ‬
‫‪ 3‬ـ �أنظر مقاله «ما هي عالقة املازيغية بالعربية يف جذورها الكربى»‪.‬‬

‫‪45‬‬

‫‪46‬‬

‫مدخل �إىل عروبة الأمازيغيني من خالل الل�سان‬

‫فكر‬

‫ب ـ ْ�ش ّتف‪ :‬غ�سل الثوب رك�ض ًا عليه‪ ...‬من الرببرية «�إ�ش ّتف» بنف�س املدلول‪.‬‬
‫ّ‬
‫«�شطف» مفردة �شائعة يف بالد ال�شام والعراق وم�رص‪ ،‬وال تخرج يف معانيها‬
‫ـ‬
‫عن الغُ ْ�سل واالغت�سال‪.‬‬
‫�س ‪ ...‬م�أخوذ من الفعل‬
‫فر َط‪َ ،‬خ َّ‬
‫�ش‪ْ ،‬ان ّد َّ‬
‫ت ـ زرك‪ :‬فِ ْعل مبعنى‪ ،‬انفلت‪ ،‬ان�سل‪َ ،‬‬
‫العامي والرببري بقاف معقودة‪.‬‬
‫الرببري «�إزرك» = فرط‪ ،‬وكال الفعلني‬
‫ِّ‬
‫ـ «زرق» فِ ْعل عربي موجود يف الف�صحى وم�شهور يف اللهجات العامية بنف�س‬
‫املعاين ال�سابقة‪ُ ،‬ينطق يف �أكرث من لهجة م�رشقية «زرك» بقاف معقودة كما هو‬
‫احلال يف الرببرية والعامية املغربية‪.‬‬
‫ا�ضطر‪� ،‬صار يف حرج‪ ،‬م�أخوذ من‬
‫�شدد على ‪،...‬‬
‫ث ـ زنك‪ :‬بزاي َّ‬
‫مفخم‪ ،‬مبعنى َّ‬
‫َّ‬
‫�ض ِّيق‪.‬‬
‫الفعل الرببري «�إز ّنك» مبعنى‬
‫ا�ضطره �إىل مكان َ‬
‫َّ‬
‫ـ «زنق» فِ ْعل عربي موجود يف الف�صحى وم�شهور يف اللهجات العامية بنف�س‬
‫املعاين ال�سابقة‪ُ ،‬ينطق يف �أكرث من لهجة م�رشقية «زنك» بقاف معقودة كما هو‬
‫احلال يف الرببرية والعامية املغربية‪.‬‬
‫هذه بع�ض الردود التي ر�أيت من ال�رضورة امللحة � ْأن �أذكرها ولو على عجالة‪،‬‬
‫وذلك حينما هالني ما وجدته من تدلي�س وجهل و�شطط يخرج من �أفواه �أنا�س‬
‫�صاروا رموزاً للحركة الأمازيغية‪ُ ،‬ي�ؤخذ ما ي�أتي منهم على �أنه القول الف�صل‪.‬‬
‫رشف بو�ضعه بني يدي القارئ الكرمي‪ ،‬لهو ُحجة دامغة‬
‫�إن هذا الكتاب الذي �أت� َّ‬
‫على �أن الأ�ستاذ حممد �شفيق «ال َيدري‪ ،‬وال يدري �أنه ال يدري»‪ ،‬و ُيقدم مع ذلك‬
‫على �إ�صدار الأحكام القاطعة‪.‬‬

‫ ‬

‫الف�صل الأول‬
‫من خالل املعجم التجان�سي‬

‫فكر‬

‫مدخل �إىل عروبة الأمازيغيني من خالل الل�سان‬

‫ق�سمتها‬
‫يف البداية من هذا الف�صل و�ضعت كلمات بربرية عديدة يف جمموعات َّ‬
‫تق�سيم ًا وظيفي ًا‪ ،‬جاع ً‬
‫ال الألفاظ الرببرية يف اجلهة اليمنى‪ ،‬والألفاظ العربية التي‬
‫تكاف�ؤها يف الي�رسى‪ ،‬ولقد �أ�رشت �إىل الكلمة العربية التي لي�ست من لغة القر�آن‬
‫الف�صحى ب�أن ن�سبتها �إىل الل�سان العربي الآخر الذي وجدتها فيه‪ ،‬ثم �أدرجتها بني‬
‫قو�سني‪:‬‬
‫املجموعة ‪1‬‬
‫قنا ا ُ‬
‫�إغنا‪ :‬خلق ا ُ‬
‫هلل ال�شي َء‪ :‬خلقهُ ‪.‬‬
‫ ‬
‫هلل ال�شي َء‪.‬‬
‫النامة‪ :‬حياة النف�س‪)1(.‬‬
‫ ‬
‫�إمان‪ :‬الروح‪ ،‬النف�س‪.‬‬
‫اخليم‪ :‬الطبع‪ ،‬ال�سجية‪.‬‬
‫ ‬
‫ال�سج َّية‪.‬‬
‫تاجما‪ :‬الطبع‪َّ ،‬‬
‫تاغرا‪ :‬الطبيعة‪ ،‬ال�سجية‪ .‬‬
‫اجلِ ر َّياء‪ :‬الطبع‪ ،‬ال�سجية‪.‬‬
‫ ‬
‫�أنيم‪ :‬الطبيعة والعادة‪.‬‬
‫ال ُن ِّمي‪ :‬الطبيعة والعادة‬
‫اللياق‪ :‬املرتع‪.‬‬
‫تو ّلوغت‪ :‬اخلري‪ .‬‬
‫ُ‬
‫ ‬
‫�أكاند‪ :‬ال�شرَّ ‪.‬‬
‫الكنود‪ُ :‬كفر النعمة وجحودها‪.‬‬
‫الوخ‪ :‬الأمل‪.‬‬
‫ ‬
‫ ‬
‫تيخوت‪ :‬ال�شرَّ ُّ ‪.‬‬
‫ ‬
‫�أزاور‪ :‬العيب‪ ،‬العار‪.‬‬
‫ال ُّزور‪ :‬الباطل‪.‬‬
‫‪1‬ـ �أخط�أ حممد �شفيق عندما قال‪ ... « :‬وقد ُع َّد ا�سم الروح « �إمان «‪ ،‬جمعا‪ ،‬باعتبار الروح �سائال‬
‫لطيف ًا ال تدركه احلوا�س‪ ،‬لأن ال�سائل ي�ستحيل امليز بني مفرده وجمعه»‪ ،‬ففي العربية القِ ْبطية‪� .‬إمن‪ :‬الروح‪،‬‬
‫فالنون من بنية اللفظ كما يت�ضح من الكلمة القبطية‪ ،‬ومن كلمة (النامة) العربية العدنانية‪ ،‬فلي�ست هذه‬
‫(النون) �أداة جمع زائدة كما ذهب الأ�ستاذ �شفيق‪.‬‬

‫‪49‬‬


Aperçu du document حول عروبة البربر.pdf - page 1/349
 
حول عروبة البربر.pdf - page 2/349
حول عروبة البربر.pdf - page 3/349
حول عروبة البربر.pdf - page 4/349
حول عروبة البربر.pdf - page 5/349
حول عروبة البربر.pdf - page 6/349
 




Télécharger le fichier (PDF)


حول عروبة البربر.pdf (PDF, 27 Mo)

Télécharger
Formats alternatifs: ZIP



Documents similaires


fichier sans nom 3
rop 2012 desplegant
decembre janvier 2016
magazine vitalia
cp vittalia eau
programme 6 juillet 2013

Sur le même sujet..