بين النفي والإثبات .pdf



Nom original: بين النفي والإثبات.pdfAuteur: hp

Ce document au format PDF 1.5 a été généré par Soda PDF Server, et a été envoyé sur fichier-pdf.fr le 21/07/2014 à 13:22, depuis l'adresse IP 197.247.x.x. La présente page de téléchargement du fichier a été vue 636 fois.
Taille du document: 1.7 Mo (277 pages).
Confidentialité: fichier public


Aperçu du document


‫تذكرة العلماء في الربانية والمنهاج‬
‫الجزء الثاني‬
‫ميثاق الكتاب‬
‫اإليمان بين النفي واإلثبات‬

‫رشيد بلواد‬

‫‪2‬‬

‫محتوى الكتاب‬
‫تمهيد‬

‫‪5‬‬

‫الباب األول‪ :‬اإلطار التأصيلي العام‬

‫‪7‬‬

‫الفصل األول‪ :‬الكفاية أو السعة الخطابية للوحي الكريم‬

‫‪8‬‬

‫الفصل الثاني‪ :‬رؤية تأصيلية‬

‫‪01‬‬

‫الفصل الثالث‪ :‬سنة التمحيص وفتنة العلماء‪ :‬حرب الخليج الثانية‬

‫‪01‬‬

‫الباب الثاني‪ :‬التاريخ والوالء والبراء‬

‫‪81‬‬

‫الفصل األول‪ :‬البؤرة التاريخية والحقيقة القدرية‪ :‬الحادي عشر من سبتمبر‬

‫‪01‬‬

‫الفصل الثاني‪ :‬مبدأ الوالء والبراء والعالقة مع اآلخر‪ :‬أفغانستان أرض اإلسالم‬

‫‪12‬‬

‫الفصل الثالث‪ :‬التمايز الجوهري بين الحق والباطل‬

‫‪18‬‬

‫الباب الثالث‪< :‬كفر دون كفر> والتنزيل‬

‫‪77‬‬

‫الفصل األول‪ :‬الداللة التاريخية لمقولتي <التكفير> و<كفر دون كفر>‬
‫الفصل الثاني‪ :‬الرد األولي وداللة العرضية في <كفر دون كفر>‬
‫الفصل الثالث‪ :‬الغاية من التنزيل و<كفر دون كفر>‬
‫الفصل الرابع‪ :‬المقولة التقسيمية والحاكمية‬
‫الباب الرابع‪ :‬التحقيق التأصيلي ل<كفر دون كفر> وتبيين التلبيس‬

‫‪88‬‬
‫‪21‬‬
‫‪24‬‬
‫‪55‬‬
‫‪77‬‬

‫الفصل األول‪< :‬كفر دون كفر> وتأطير المفسر‬

‫‪58‬‬

‫الفصل الثاني‪ :‬قول الصحابي والمعيار الحقائقي‬

‫‪66‬‬

‫الفصل الثالث‪< :‬كفر دون كفر> ليس تفسيرا‬

‫‪41‬‬

‫‪3‬‬
‫الباب الخامس‪ :‬الكلمات اإلرجائية‪ :‬األنساق والغايات‬

‫‪77‬‬

‫الفصل األول‪ :‬العامل التاريخي واإلرجاء‬

‫‪46‬‬

‫الفصل الثاني‪ :‬ضالل الجدل اإلرجائي‬

‫‪80‬‬

‫الفصل الثالث‪ :‬الجدل اإلرجائي والسوفسطائية‬

‫‪81‬‬

‫الفصل الرابع‪ :‬السؤال اإلرجائي في اإليمان سؤال سوفسطائي باطل‬

‫‪12‬‬

‫الفصل الخامس‪ :‬في القاموس الشرعي أو بيان منحى اإليمان ‪ . .‬اإلسالم‬

‫‪18‬‬

‫الفصل السادس‪ :‬من تبعات المسايرة الجدلية‬
‫الفصل السابع‪ :‬فساد العقل اإلرجائي‪ :‬مدخل في تحقيق علم البرهان (المنطق)‬

‫‪011‬‬
‫‪002‬‬

‫الفصل الثامن‪ :‬مناقضة المرجئة للصبغة العملية في اإلسالم‬

‫‪008‬‬

‫الفصل التاسع‪ :‬التأطير الحق لالستدالل المرجئي الفاسد‬

‫‪010‬‬

‫الفصل العاشر‪ :‬في القراءة االستداللية الصحيحة للنصوص‬

‫‪015‬‬

‫الفصل الحادي عشر‪ :‬في حقيقة المنطق‪ :‬من علم النحو إلى علم المنطق‬

‫‪080‬‬

‫الفصل الثاني عشر‪ :‬التأصيل الحق للمنطق ونسق االستنباط‬

‫‪085‬‬

‫الفصل الثالث عشر‪ :‬ما خلق هللا السماوات واألرض إال بالحق‪ :‬البرهان على سفه اإلرجاء‬

‫‪081‬‬

‫الباب السادس‪ :‬الجذور المعاصرة للحاكمية وتجلياتها‬

‫‪841‬‬

‫الفصل األول‪ :‬الجذور المعاصرة للحاكمية‬

‫‪021‬‬

‫الفصل الثاني‪ :‬تجليات الحاكمية‬

‫‪055‬‬

‫الباب السابع‪ :‬اإلمامة‪ :‬الحكم ونظامه‬

‫‪871‬‬

‫الفصل األول‪ :‬المرجعية والقوانين (المنهاج)‬

‫‪060‬‬

‫الفصل الثاني‪ :‬المعطيات الدراسية‬

‫‪062‬‬

‫الفصل الثالث‪ :‬المفاهيم أساس الفقه السياسي‬

‫‪046‬‬

‫‪4‬‬
‫الباب الثامن‪ :‬والية العهد والضالل المبين للماوردي في التأصيل وتاريخية شرط النسب‬

‫‪811‬‬

‫الفصل األول‪ :‬تلبيس الحق بالباطل عند الماوردي أو اإلغراض في مفهوم <العهد>‬

‫‪011‬‬

‫الفصل الثاني‪ :‬دحض قاعدة العهد‬

‫‪110‬‬

‫الفصل الثالث‪ :‬دحض قاعدة النسب‬

‫‪102‬‬

‫الفصل الرابع‪ :‬نموذج في الزيف العلمي والخدمة التبريرية لالستبداد‬
‫اإلغراض في تاريخية شرط النسب‪" :‬األئمة من قريش"‬

‫‪104‬‬

‫‪ -0‬مفهوم اللبنة التاريخية في البناء الفكري والعلمي‬

‫‪108‬‬

‫‪ -1‬بين الثقافي والعلمي أو العناوين الجوفاء‬

‫‪108‬‬

‫‪ -8‬من الوظيفة التبريرية إلى التدليس‬

‫‪110‬‬

‫‪ -2‬العلمية بين الحقيقة وعدمها‬

‫‪115‬‬

‫‪ -5‬البيان أو فقه الخطاب في الحقيقة العلمية‬

‫‪116‬‬

‫الفصل الخامس‪ :‬تاريخية شرط النسب‬

‫‪180‬‬

‫‪ -0‬ال تنازع وال عصبية‬

‫‪180‬‬

‫‪ -1‬شرط النسب وابن حزم‬

‫‪181‬‬

‫‪ -8‬الربانية والتاريخية في شرط النسب‬

‫‪185‬‬

‫الفصل السادس‪ :‬منظور السلطة ووظيفتها‬

‫‪121‬‬

‫الباب التاسع‪ :‬االنفجار البوعزيزي‬

‫‪347‬‬

‫الفصل األول‪ :‬اإلمكان الفطري الثوري‬

‫‪122‬‬

‫الفصل الثاني‪ :‬الدولة الدينية والدولة المدنية‬
‫تحيين‬
‫المصادر والمراجع‬

‫‪128‬‬
‫‪161‬‬
‫‪140‬‬

‫‪5‬‬

‫تمهيد‪:‬‬
‫الحمد هلل الذي له ما في السماوات وما في األرض‪ ،‬والصالة والسالم على محمد وعلى آله وصحبه أما بعد‬
‫‪..‬‬
‫الجزء الذي نمهد له هنا هو في كمال االتصال بالجزء الذي سبق‪ ،‬والذي كان نواته واألساس فيه مقولة‬
‫التقسيم‪ .‬هذا االتصال بموضوعيته وواقعيته التي يتم بيانها والتأكيد عليها في كثير من مفاصل الحديث‪ ،‬له‬
‫داللة قد تكفي للتعبير والقول بوحدة الشأن والموضوع‪.‬‬
‫إن الفكر هو أهم معاقل االستبداد ومعتمد تبريره‪ ،‬والفكر هو الممثل لموقف األمة ولموقعها كعقل اجتماعي‬
‫تاريخي وتواجدي‪ ،‬والفكر هو كذلك الممثل لقيمة السلب واإليجاب من حيث تحقق الربانية في صحيح‬
‫منهاجها المستمد من التنزيل‪ ،‬القائم على ركني الكتاب والدراسة‪{:‬ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون‬
‫الكتاب وبما كنتم تدرسون'}(آل عمران‪.)48‬‬
‫من أجل ذلك‪ ،‬كان الجزء األول بمثابة وكذلك جعلناه تفتيتا لهذا الركام من الجهل الملبس لبوس الحقائق‬
‫التي ال يأتيها الباطل من بين يديها وال من خلفها‪ ،‬فاستقرت في اعتقاد الناس بعد أمة علما مسطورا‪ ،‬وما‬
‫هي في شيء من ذلك يقينا‪ .‬ولئن سألتنا عن مدى الحقيقة في قولنا وحكمنا هذا‪ ،‬أجبناك أن يكفي ما بيناه‬
‫فيما استقر عند الناس وشاع من تقليد البيان بلفظ (التوحيد) وقد جعلوه بدل ما اختاره هللا تعالى وما أنزل‬
‫في الكتاب من أحسن الحديث‪ ،‬واللفظ هذا إنما هو مادة دخيلة ولفظ مبتدع خاطئ ليس يحق إسناده للواحد‪،‬‬
‫وإنما هو في الحق واللسان جائز للمتعدد‪ .‬وكذلك يكفي أن تبين بالبرهان واآليات البينات إعطاء دليل‬
‫الصدق على وجوب التقويم والتصحيح لمقوالت تقعيدية في النحو العربي‪ ،‬وما كان ألمر دون قول هللا‬
‫تعالى وقول رسوله صلى هللا عليه وسلم أن تكون له العصمة من بعدهما أبدا‪.‬‬
‫هذا الجزء أساسه الفكر‪ ،‬كقراءة على معنى التأويل واإلعمال والتطبيق‪ ،‬أي أن القراءة ال تكتسب حقيقتها‬
‫إال واقعا عمليا مشهودا؛ فهذا هو االتصال في تأصيله‪ ،‬وإن الحق واحد ال ينفصم وال يختلف‪.‬‬
‫إن الزلة الكبرى والخطأ في لفظ (التوحيد) قد جمع وهم مستويين عاليين من حيث درجة الموضوع‪،‬‬
‫مستوى منهاجيا علميا صرفا‪ ،‬يرتبط بتصنيف الحقائق ومصادرها وقيمها‪ ،‬فإنه يحرم ويحظر أصال كل‬
‫استبدال أو إضافة في القاموس الشرعي األعلى‪ ،‬فهذا أصل األصول الفقهية كلها جميعا‪ ،‬وهو السابق‬
‫يلحقه ما سواه في بيان علم الكتاب‪ ،‬وفقه حقيقة الثابت الموجب للتوقف‪ .‬والثاني علمي لغوي محض‪ ،‬يهم‬
‫الجانب البياني ويخص اللغة العاقلة في وجوب اعتمادها على الميزان في صيغ البيان والتعبير‪ .‬لذلك‬
‫فالمقولة التقسيمية ال تؤول إال صورة لضالل بعيد على مستوى المنهاج ككل‪ ،‬كون المنهاج‪ ،‬أي منهاج‪،‬‬
‫إنما ينبني على العلم ويوجه بالفكر‪ ،‬ليكون واقعا وتواجدا عمليا محققا‪ ،‬وكل ذلك بشرط الصدق في التواجد‬
‫وحفظ صلة النصح بكل أبعاد وأوصال الوجود المعبر عنها في الكلمة الجامعة من حديث رسول هللا صلى‬
‫هللا عليه وآله وسلم‪[:‬الدين النصيحة]‪ .1‬ومن دون هذا الشرط وبافتقاد الصدق وجدية التواجد يفقد العقل‬

‫‪6‬‬

‫فاعليته‪ ،‬فال يصبح يبصر من بعده شيئا‪ ،‬حيث تتفاقم وتتراكم التبعات إلى أجل مسمى‪ ،‬فيحق القول على‬
‫البناء الباطل برمته فيهده هدا‪ ،‬سنة هللا التي ال تحيد وال تتخلف‪ ،‬ولن تجد لسنة هللا تبديال‪.‬‬
‫ذلكم هو الحكم المستنبط‪ ،‬وذلك هو تعبير المقولة التقسيمية؛ فهي تجمع بين كل هذه المخالفات التي ذكرنا؛‬
‫ترى وكأنها تسير بعقلها وتاليها إلى دين غير دين الحق؛ ومن أجل هذا وصلناها مباشرة بحسب‬
‫الموضوعية والواقع‪ ،‬وصلناها مباشرة بالقضية الكبرى التي يدور حولها قطب رحى الصراع الدائر بين‬
‫الكفر واإليمان‪ ،‬القضية الشرط المستمد منه مشروعية الدولة والسلطة في اإلسالم‪ ،‬قضية الشريعة والحكم‬
‫بالكتاب والسنة وما يليهما حكما واتباعا‪ .‬وال يضير الحق وال يبدله اإلغراض وال استرهاب المفاهيم ومادة‬
‫البيان‪ ،‬وال كذلك االستالب الحضاري‪ ،‬الممثل بصورة فاحشة في التبعية التكوينية والفكرية لمكون فاعل‬
‫وموجه للمشهد والواقع السياسي الرسمي والفكري األكاديمي ألمتنا وعالمنا العربي اإلسالمي‪.‬‬
‫كذلك البد من اإلشارة إلى أهم إشكال عرض لي وأنا بصدد إعادة كتابة هذا الجزء ومعالجته بعد ما ينيف‬
‫عن عقد من الزمن‪ ،‬إشكال الحفاظ على روحه األولى التي تمت بها كتابته ومنها كان انبثاقه‪ ،‬الحفاظ على‬
‫صبغة وواقعية ظرفها الوجودي والشروط التاريخية الجد مميزة واالستثنائية التي كان يمر بها العالم‬
‫أجمع‪ ،‬وخاصة شطره العربي اإلسالمي؛ وليس يميز العلم إال ارتباطه بالواقع‪ ،‬وارتباطه بالحق الذي‬
‫يكسبه خاصة الصدق التي درجنا على تسميتها بالموضوعية‪ ،‬وليكون العلم منبثق القدرة بالحق في الحكمة‬
‫العملية والفعل التواجدي والتغيير في الواقع‪.‬‬
‫هكذا ال يحق لنا أن نسقط المكون الواقعي والتاريخي الممثل أساسا وتحديدا في ما بات يسمى بالحادي‬
‫عشر من سبتمبر‪ ،‬في كلية وحقيقة التواجد والمقاربات الوجودية لمختلف األطراف والعناصر ذات الصلة‬
‫بالحدث العظيم المهول‪ ،‬حدث له صفة المفصل التاريخي الكوني بكل المعنى وبكل المقاييس‪ ،‬فقد تم إقحام‬
‫العالمين فيه طوعا وكرها‪ ،‬بإدراك على حقيقته أو موهوم مصطنع ومختلق كل االختالق؛ فإن الحفاظ على‬
‫هذا المكون من شأنه أن يتيح للقارئ وإن لم يعايش هذا الحدث التاريخي بكل تفاعالته وردود فعل شهوده‬
‫التاريخيين ووقعه النفسي التلقائي عليهم‪ ،‬أن يتيح له القرب بصورة هي أصدق تعبير من مجرد قراءة‬
‫التبعات‪ ،‬وإن كانت هذه التبعات عظيمة بلغت ما بلغ الخافقان‪ ،‬ومذهلة مهولة تشيب لها الولدان‪.‬‬

‫**‬

‫‪7‬‬

‫الباب األول‬
‫اإلطار التأصيلي العام‬

‫‪8‬‬

‫الفصل األول‬
‫الكفاية أو السعة الخطابية للوحي الكريم‬
‫يقول هللا تعالى في كتابه الحكيم‪{ :‬ق' والقرآن المجيد}(ق'‪)0‬‬
‫{قل يا أيها الناس إني رسول هللا إليكم جميعا الذي له ملك السماوات واألرض' ال إله إال هو' يحيي ويميت'‬
‫فآمنوا باهلل ورسوله النبي األمي الذي يؤمن باهلل وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون'}(األعراف‪)058‬‬
‫{وما أرسلناك إال كافة للناس بشيرا ونذيرا' ولكن أكثر الناس ال يعلمون'}(سبإ‪)18‬‬
‫{أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا ال ترجعون'}(المومنون‪)006‬‬
‫{وما كنا معذبين حتى نبعث رسوال'}(اإلسراء‪)05‬‬
‫كما أن هللا سبحانه وتعالى عزيز حكيم‪ ،‬حجته بالغة‪ ،‬فقد بين سبحانه الوسيلة التحققية والترجمية لخطاب‬
‫الوحي الكريم في مطلق الوجوه والمجاالت‪:‬‬
‫{وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه' فاحكم بينهم بما أنزل هللا وال‬
‫تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق' لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا' ولو شاء هللا لجعلكم أمة واحدة' ولكن‬
‫ليبلوكم في ما آتاكم' فاستبقوا الخيرات' إلى هللا مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون'}(المائدة‪)51‬‬
‫{ما كان لبشر أن يؤتيه هللا الكتاب والحكم والنبوءة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون هللا ولكن كونوا‬
‫ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون' وال يأمركم أن تتخذوا المالئكة والنبيئين أربابا'‬
‫أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون'}(آل عمران‪)41-48‬‬
‫{وما أرسلنا من رسول إال بلسان قومه ليبين لهم' فيضل هللا من يشاء ويهدي من يشاء' وهو العزيز‬
‫الحكيم'}(إبراهيم‪)5‬‬
‫هذه اآلية البينة من سورة إبراهيم ترى موصولة بحقيقة الربانية كبيان حجة؛ فاهلل سبحانه وتعالى‪ ،‬وهو‬
‫العليم الخبير‪ ،‬يصطفي لهذه الوظيفة العظيمة من يشاء من عباده‪ ،‬وهم الربانيون في ذاتهم التواجدية وفي‬
‫صفتهم وكينونتهم؛ فال جرم أن الذين يحصرون ويريدون أن يقصروا ما جعله هللا واسعا مجيدا‪ ،‬أنهم ليسوا‬
‫على شيء من فقه دين اإلسالم ولشأن بعثة رسول هللا صلى هللا عليه وسلم آخر النبيئين ليكون للعالمين‬
‫نذيرا‪ .‬وكذلك اآلية التي سقنا بالحق من سورة آل عمران جعلناها إطارا ومحور الكالم في تحديد المنهاج‬
‫وتعيين مسار الطريق في االستخالف‪ ،‬على كل مساحته وفضائه‪ ،‬من حيز الفرد إلى حيز ومستوى‬
‫المؤسسات‪ ،‬وليتم على هذا المنوال والتحديد االستجالء الكامل والتمييز بين السنة كاتباع للبيان النبوي‬
‫الشريف واقتفاء لسنن األصول‪ ،‬تمييزها عن النمطية المخالفة لروح هذا المنهاج‪ ،‬والمتخذة من التقليد في‬
‫غير الحق نحلة لها ومذهبا‪.‬‬
‫إن اختالف الشرعات كما هو معلوم ومبين‪ ،‬تابع تناسقا وحكمة الختالف الشروط التاريخية بالمعنى‬
‫الشامل والشمولي للتاريخي‪ ،‬أي المكافئ لمعنى الوجودي؛ وهذا بالذات هو الموصول بقوله سبحانه‬
‫وتعالى في سورة المائدة‪:‬‬
‫{وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه' فاحكم بينهم بما أنزل هللا وال‬
‫تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق' لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا' ولو شاء هللا لجعلكم أمة واحدة' ولكن‬
‫ليبلوكم في ما آتاكم' فاستبقوا الخيرات' إلى هللا مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون'}( المائدة‪)51‬‬
‫أما اآلية من سورة األنعام والتي جاء فيها قوله سبحانه‪:‬‬

‫‪9‬‬

‫{وهو الذي جعلكم خالئف األرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم في ما آتاكم' إن ربك سريع‬
‫العقاب' وإنه لغفور رحيم'}(األنعام‪ ،)064‬فهذه اآلية الداللة فيها ليست منطبقة أو متطابقة مع اآلية من‬
‫سورة آل عمران‪ ،‬إذ مع تقاطع الداللتين نجد األولى مناطها موضوع الحكم‪ ،‬والثانية موضوع فحواها‬
‫متاعية المستخلف فيه‪ ،‬أي كونه مادة ومتاعا استخالفيا‪ ،‬وليس منتهى وال غاية في حد ذاته‪ ،‬وهو المعنى‬
‫المنطبق على التسديد والتقريب بمدلول قوله تعالى‪{:‬أهم يقسمون رحمة ربك' نحن قسمنا بينهم معيشتهم‬
‫في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا' ورحمة ربك خير مما‬
‫يجمعون' ولوال أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمان لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها‬
‫يظهرون ولبيوتهم أبوابا وسررا عليها يتكئون وزخرفا' وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا' واآلخرة عند‬
‫ربك للمتقين'}(الزخرف‪)82..80‬‬
‫فهذا فيه البيان الكافي في سعة خطاب القرآن العظيم‪ ،‬وهي السعة المعبر عنها بصفة المجيد في قوله تعالى‬
‫{ق' والقرآن المجيد} من سورة ق‪ ،‬وفيه أيضا وبصفة موازية إثبات وتوضيح الشروط االستخالفية بمناط‬
‫الحكم والتشريع‪ ،‬أو بمناط الشروط االستخالفية كصيغة وإطار وجودي‪ .‬وهذا الفقه والعلم بالحق هو الذي‬
‫يضع الحياة الدنيا في حدودها الواقعية والصحيحة‪ ،‬وهو الذي يجلي قوة أثر العلم في اإليمان‪ ،‬إذ يعطي هنا‬
‫لإليمان بالقدر خيره وشره‪ ،‬وبحقيقة القضاء والكتاب‪ ،‬يعطيه قوة حقائقية أقرب إلى البداهة‪ ،‬مما يفيده هذا‬
‫من صالبة وقوة في الحياة‪ ،‬ومقاومة مرتكزة ومستمدة من الفقه والعلم بطبيعة وحدود هذه الكينونة‬
‫والوجود األرضي‪.‬‬

‫‪10‬‬

‫الفصل الثاني‬
‫رؤية تأصيلية‬
‫على سبيل منتظم شكال وطبيعة‪ ،‬وبنظر متسلسل بعضه إثر بعض‪ ،‬سنحاول بإذن هللا تعالى وبحوله‬
‫وتوفيقه أن نطرح قضية قانون وشرعة الدولة اإلسالمية‪ ،‬بما يمثله هذا التركيب من حقائق‪ ،‬وبغض النظر‬
‫أو ابتعادا عن بؤر بيانية ربما تؤثر من الجانب النسبياتي في البيان‪ .‬فالتعبير عن الحقائق والجواهر‬
‫بخصوص المؤسسات التنظيمية والقانونية في االجتماع‪ ،‬واالقتصاد والسياسة‪ ،‬ليس يضيرها اختالف‬
‫الممثالت البيانية لألطوار التاريخية‪ ،‬وال الوقائع وال األدلوجات واالنتماءات‪ .‬فإن استرهب مفهوم‬
‫الحاكمية لما يعنيه من الناحية التاريخية في مفصل تاريخي عربي إسالمي قريب ومعاصر‪ ،‬فحيزه هو‬
‫ذاته حيز نظام الدولة والدستور والشريعة والحكم بما أنزل هللا‪ ،‬وموضوعه هو الدولة اإلسالمية والدولة‬
‫غير اإلسالمية بشتى ما بدل وما تعدد من أسمائها ‪. .‬‬
‫سنحاول إذا أن نطرح قضية قانون وشرعة الدولة اإلسالمية كإطار قانوني تشريعي في اتصال‬
‫موضوعاتي بحسب متعلق اإلطار موضوع القضية والدراسة ككل‪ ،‬الذي هو الدول العربية واإلسالمية‪،‬‬
‫في اتصال بقضية <كفر دون كفر>‪.‬‬
‫ثم إنه ومما ال شك فيه أن المتتبع للحديث في كليته يرى أن هذه القضية في ذاتها وجوهرها‪ ،‬هي االختزال‬
‫والصورة الواقعية المترجمة لذات وجوهر عالقة األمة باإلسالم كدين من عند هللا تعالى نزل به الكتاب‬
‫والقرآن؛ يقول الحق سبحانه‪ {:‬وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود‬
‫على شيء وهم يتلون الكتاب' كذلك قال الذين ال يعلمون مثل قولهم' فاهلل يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا‬
‫فيه يختلفون'}( البقرة‪ .)001‬وروى اإلمام البخاري رحمه هللا في الصحيح في( باب الرجاء مع الخوف)‬
‫من كتاب الرقاق‪ <:‬وقال سفيان‪ :‬ما في القرآن آية أشد علي من‪ {:‬لستم على شيء حتى تقيموا التوراة‬
‫واإلنجيل وما أنزل إليكم من ربكم'}( المائدة‪)68‬‬
‫هذا هو أول االعتبار‪ . .‬أما ترتيب المكونات فينبغي له نظرة مفصلة وشمولية‪.‬‬
‫وإذا كنا لم نعرض هاهنا إلى اإلشكال إال في صيغة ثنائية‪ ،‬فألن طرحها في الواقع‪ ،‬والذي نعايش اليوم‬
‫مرحلة من مراحله لم يكن إال كذلك‪ ،‬بل إن آخر انشقاق وانشطار شهدته <السلفية> كان أصله‪ ،‬أو لنقل‬
‫ظاهر العوامل فيه هو هذا اإلشكال بالذات‪ ،‬والذي يرجع ويرد وصله بالموضوع المحوري‪ ،‬موضوع‬
‫التقسيم‪ ،‬أي ما يزعمونه من أقسام مبتدع التوحيد مفترين على هللا الكذب ويحسبون أنهم مهتدون‪ ،‬إن ذلك‬
‫يرجع ذلك إلى أمرين‪:‬‬
‫األول الموضوعية العلمية المتجلية بالسند الذي يجده أحد طرفي الخالف في التقسيم المحدث‪ ،‬وبالتحديد‬
‫في نواته المنطبقة بالداللة الخاطئة لمفهوم <الربوبية>‪.‬‬
‫والثاني كون هذا اإلشكال البؤرة عينة نموذجية للواقع واختزاال له‪.‬‬
‫‪. . .‬‬
‫شاء هللا سبحانه وتعالى أن يتزامن ترتيب كتابة هذه المادة وتحريرها‪ ،‬مع ما تعيشه األمة وتتعرض له من‬
‫الحملة الصليبية وعدوان الغرب في أعتى جبروته وبغيه‪ ،‬هذا التزامن سيتطلب ويفرض مزيدا من التنسيق‬
‫مع كل ما استجد من هذه المعطيات‪.‬‬

‫‪11‬‬

‫أبى هللا السميع العليم إال أن يجعل لكل شيء حقيقة‪:‬‬
‫{ يا أيها الذي آمنوا ال تكونوا كالذين كفروا وقالوا إلخوانهم إذا ضربوا في األرض أو كانوا غزى لو‬
‫كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل هللا ذلك حسرة في قلوبهم' وهللا يحيي ويميت وهللا بما تعلمون بصير'‬
‫ولئن قتلتهم في سبيل هللا أو متم لمغفرة من هللا ورحمة خير مما تجمعون' ولئن متم أو قتلتم إللى هللا‬
‫تحشرون'}( آل عمران‪)058..056‬‬

‫‪12‬‬

‫الفصل الثالث‬
‫سنة التمحيص وفتنة العلماء‪ :‬حرب الخليج الثانية‬
‫نتصدى إذا للموضوع كما هو مطروح واقعيا في كليته وشموليته‪ ،‬الطرح الذي أصله ليس وليد اآلن‪،‬‬
‫وإنما قد بلغ حدته بالمؤشر الذي جعله يصبح قضية كبرى إلطار فكري لم يكن باألمس القريب محتمال‬
‫إثارته باعتبار الموجهات التكوينية التي تحدده‪ ،‬ونعني طبعا بهذا اإلطار ما اصطلح عليه أو ما تسمى‬
‫باالتجاه السلفي أو <السلفية>‪ ،‬مع التحفظ بل واالعتراض على هذا االصطالح والتسمية‪ ،‬ذلك أنها تخص‬
‫القاموس األعلى واألصل‪ ،‬الذي ال يجوز بأية حال التصرف فيه‪ ،‬وإنما نتجاوز الحديث عن هذا إلى‬
‫موضعه؛ نقول بأن حدة فرض الموضوع يجليها هذا المجال الذي أصبح داخل حقل تأثيره‪ ،‬وليس بمحض‬
‫العبث ولكنها سنن التمحيص والتمايز‪ ،‬تمايز المكونات‪ ،‬لتدرك األمورعلى حقيقتها‪ ،‬خصوصا ما كان منها‬
‫متصال بحقيقة الدين والمنهاج‪.‬‬
‫التمحيص والتمييز يكون محوريا حين يكون في رأس االجتماع ومناط عرا الدين‪ ،‬في بنائه ومؤسساته‪،‬‬
‫نعني الحقل السياسي بما هو دال على نظمة أولي األمر‪(:‬الحكام‪ ،‬العلماء)‪.‬‬
‫فمما يجدر على كل من ينشد الحق علمه أن هذه النظمة في حد ذاتها كافية في التعبير والوصف لحال‬
‫األمة‪ .‬ولقد ذكرنا قبل قليل حقيقة ومعنى التكليف من حيث اختالف شروط تواجد العبد‪ .‬فهذا ابن غني‬
‫وذاك ابن فقير‪ ،‬هذا ابن فقيه عابد وعالم‪ ،‬وذاك ابن جاهل ال يعرف من اإلسالم إال رسمه‪ ،‬لم ينشأ ال على‬
‫صالة‪ ،‬وال على ذكر هلل تعالى‪ ،‬وليس لكل من هؤالء جميعا خيرة في هذه الشروط‪ ،‬والحياة بسنن فضائها‬
‫الوجودي األرضي ال تنفك متصلة أبدا بشروط اإليجاد األولى‪ ،‬فالحمد هلل أن الحكم له وحده‪ ،‬وهو العليم‬
‫الخبير‪ ،‬الرؤوف الرحيم‪ .‬هذا الوضع التكليفي هللا تعالى به عليم‪ ،‬وهو الموصول عندما نكون داخل نفس‬
‫الملة‪ ،‬وكذلك في الكالم عن شروط التكليف لبني آدم من المسلمين ومن غير المسلمين‪ ،‬هو موصول بالحق‬
‫مما نزل في قوله عز وجل الذي له ملك السماوات واألرض وال يشرك في حكمه أحدا‪ ،‬بقوله‬
‫سبحانه‪{:‬ليبلوكم في ما آتاكم'}(األنعام‪ ،)064‬أي ليمتحنكم فيما خلقكم ووضعكم فيه من شروط‪ .‬وهذا من‬
‫جهة العلم شرط بالتالي في الخطاب الدعوي‪ ،‬ال يفتقد فيه إال كان شينا وعوجا ال يستقيم‪ ،‬يقول هللا‬
‫تعالى‪{:‬فقوال له قوال لينا لعله يتذكر أو يخشى'}(طه‪ )28‬فهذا أمر وإرشاد بالحق ألقصى ما يكون من سلم‬
‫الخطاب من جهة مواقع طرفي الخطاب‪ ،‬فما دونه أولى‪ .‬كما يقول سبحانه وتعالى‪{:‬كذلك كنتم من قبل‬
‫فمن هللا عليكم'}(النساء‪)18‬‬
‫هذه المواضع والنقاط التكليفية والتعبدية تتكامل وتتوحد في مقاصد الدين من خالل اإليمان والعمل‬
‫الصالح‪ ،‬وهي الحقيقة المحورية ضمن أهم الحقائق المثناة في القرآن‪ ،‬كتاب هللا العزيز الحكيم الذي فصلت‬
‫آياته‪ ،‬فآنا تأتي بصيغة الجمع لغة‪{:‬الذين آمنوا وعملوا الصالحات} وآنا آخر على صيغة المفرد لغة‪ ،‬لكنها‬
‫في الداللة تفيد اإلطالق كقوله تعالى‪{:‬فمن آمن وأصلح فال خوف عليهم وال هم يحزنون'}(األنعام‪،)21‬‬
‫وكذلك قد يكون إبدال لفظ اإليمان والعمل‪ ،‬كمقصد للبيئات التكليفية ولنتاجها‪ ،‬وكأن ال اعتبار لغيره إال‬
‫اعتبار الوسيلة المعبر عنها بلسان القرآن بلفظ المتاع‪ .‬وهذا التذكر واالنتباه يجعلنا أقرب لقراءة قوله‬
‫تعالى‪{:‬ليبلوكم أيكم أحسن عمال'}(تبارك‪ )1‬والقرآن الكريم دائم التذكير بهذه الحقيقة‪.‬‬

‫‪13‬‬

‫أما النسيج االجتماعي والمتكامل في البناء والمقاصد فتبيانه أتى جامعا في الخبر الصحيح‪:‬‬
‫‪2‬‬
‫[الدين النصيحة‪ ،‬قلنا‪ :‬لمن؟ قال‪ :‬هلل ولكتابه‪ ،‬ولرسوله وألئمة المسلمين وعامتهم]‬
‫الوظيفة التواجدية بما هي تكليف ومسؤولية تحدد العالقة اتجاه اآلخر‪ .‬ومن هنا وجب االعتبار للثنائية‬
‫(الحكام‪ ،‬العلماء) ولحقيقة هذه الوظيفة وبخاصة في حق العلماء‪ ،‬كعامل موجه ورهين بها حقيقة التواجد‬
‫ذاته‪ ،‬بمعنى أن العالم ال يتحقق جوهرا إال بوظيفته وميثاقه المأخوذ عليه‪.‬‬
‫الدين النصيحة‪ ،‬ونصح الحاكم يكون باإلحسان وحفظ األمانة والعمل الحثيث على ما به قوام األمة التي‬
‫فوضته أمرها‪ ،‬والعمل بحسبان أنه أثقلها حمال لما جاء في حديث رسول هللا صلى هللا عليه وسلم المتفق‬
‫عليه‪[:‬كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته]‪ 3‬وكما هو منصوص في وصية من وصايا الفاروق عمر بن‬
‫الخطاب ألبي موسى األشعري رضي هللا عنهما‪ ،4‬وبالحرص على سالمة كل فرد من األمة‪ ،‬وأال يصيب‬
‫المسلمين سوء وضراء رجاء غنم أو مصلحة ذاتية‪ .‬كذلك فإن أساس نصح الحاكم هو إدراكه للحق‪ ،‬وفقهه‬
‫لمجال تكليفه وشروطه عمال باآلية من سورة األنعام‪{:‬ليبلوكم في ما آتاكم}‪.‬‬
‫التقييم العلمي‪ ،‬وبأي منظار وعلى أية جهة من جهات االجتماع لمؤسسة األمة‪ ،‬الوجه السياسي‪،‬‬
‫واالقتصادي واألخالقي‪ ،‬والتاريخي كتواجد شمولي تفاعلي مع الطور ومع اآلخر‪ .‬هذا التقييم‪ ،‬وبكل‬
‫موضوعية وعلى مختلف معايير النقد وباختالف أساليبه ومقارباته‪ ،‬كل ذلك ال يختلف كون الحال والواقع‬
‫قد خرج في أوصافه عن الحقيقة المعبر عنها في قاموس الحق باإلسالمي‪ ،‬بل إن هذا الواقع وهذه الحال‬
‫جعل كثيرا من مقوالت الباطل كالمقولة الجزئية القاصرة للماركسية في عالقة الدين باإلنسان وعالقته‬
‫بالسياسة وباالجتماع ‪ ،‬جعلها تصدق وهي كاذبة خاطئة‪ .‬وتوضيح هذا أمكن من زاوية أخرى بطرح‬
‫السؤال‪:‬‬
‫لماذا تنحية وإعدام البعد والمنحى التصنيعي تواطؤا واتفاقا ومساومة‪ ،‬وهذا المنحى شرط سيادي بين؟‬
‫ما محل الذود عن الدين وحماية األمة والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان من هذا الشرط‬
‫التواطئي على حساب التاريخ واألمة في دينها وأمنها وطمأنينتها؟‬
‫بل ما محل هذا الشرط الخائن في خانات المعاني إال أن يكون خيانة عظمى وعمالة لصف العدو؟‬
‫يقول الشهيد عبد القادر عودة رحمه هللا عن واقع هؤالء وعن منطقهم وعن حقيقتهم‪:‬‬
‫< منطق عجيب‪:‬‬
‫إن بعض الناس يلتمسون األعذار للحكام والزعماء فيما يلجأون إليه من استجداء الغاصب لنيل االستقالل‪،‬‬
‫ويقولون إنهم اضطروا لسلوك هذا الطريق اضطرارا بعد أن تبينوا أن الشعب في عدته واستعداده ال يقوى‬
‫على مواجهة عدوه‪ ،‬وأنهم ككل أبناء مصر يعلمون حق العلم أن لعنة االحتالل حلت بوطنهم بسبب واحد‬
‫هو الضعف‪.‬‬

‫‪ 2‬من حديث سيأتي تخريجه‬
‫‪ 4‬األربعين حديثا النووية‪ -‬رواه مسلم عن أبي رقية تميم بن أوس رضي هللا عنه‪.‬‬
‫‪4‬بي رقية تميم بن أوس رضي هللا عنه‪.‬‬
‫‪4‬ن أوس رضي هللا عنه‪.‬‬
‫‪ 4‬متفق عليه‪.‬‬

‫‪14‬‬

‫وإذا كان هذا هو منطق الزعماء والحكام فهو منطق عجيب حقا‪ ،‬فإذا صح أن سبب االحتالل هو ضعف‬
‫الشعب‪ ،‬وأن سبب استمرار االحتالل هو استمرار ضعف الشعب‪ ،‬فقد كان أول ما يجب عمله هو توفير‬
‫القوة للشعب‪ ،‬ومن السهل توفير القوة في بلد يطالب بحريته واستقالله ويعمل على نيلهما بكل وسيلة‪ ،‬بل‬
‫لعل من أسهل األمور توفير القوة في بلد كمصر يعرف أبناؤه جميعا أنه في وضع يقتضيه أن يعد ويستعد‬
‫لنيل حريته واستقالله‪ ،‬ويعرف أبناؤه جميعا أن الدين الرسمي للدولة يقتضي مصر وأبناءها اإلعداد‬
‫المستمر‪ ،‬والعدة التي ترهب األعداء وتحول بينهم وبين مجرد التفكير في االعتداء‪.‬‬
‫ولكن حكامنا وزعماءنا وهم يتداولون كراسي الحكم من حوالي ثالثين عاما لم يفعلوا شيئا في سبيل توفير‬
‫القوة للشعب المحتاج إلى القوة المتلهف عليها‪ ،‬بل لم يوفروا هذه القوة لما يعتبر من القوة الحكومية‪،‬‬
‫فالجيش ضئيل العدد ضعيف العتاد ليس لديه من المعدات الحديثة ما يجعله في عداد الجيوش التي يحسب‬
‫حساب‪ ،‬وهو يعيش على كرم المحتلين وسخائهم‪ ،‬فإن شاءوا أعطوه من عتادهم القديم وذخيرتهم الفاسدة‬
‫‪5‬‬
‫وإال فال ذخيرة وال عتاد‪>.‬‬
‫بل إن الخطير واألنكى هو أن ما ينتظم عن هذا الوضع ينتج تقسيما للعمل معينا ومحددا في خريطة اآلمر‬
‫والمأمور‪ .‬هذا التقسيم يكون نظمته المكافئة على سلم األجور وقيمة الجهد لإلنسان‪ ،‬وإال فانظر وقارن ببن‬
‫أسعار الطائرات واآلليات المستوردة قهرا وأمرا بما تمثله من قيمة جهد وعمل من جهة‪ ،‬وقيمة ومعدل‬
‫الدخل الفردي لإلنسان العربي‪.‬‬
‫ال شك أن الجواب عن هذا السؤال وتحليل هذا الجانب يعلمه ويفقهه الفقه كله ويعلمه العلم اليقين علماء‬
‫التاريخ ‪ ،‬وخاصة التاريخ الحديث‪ ،‬تاريخ التوزيع االستعماري للشطر العربي من الغنيمة العثمانية‪،‬‬
‫وكذلك بالنسبة للدول‪ ،‬واصطالح الدولة هنا مقارنة وبالمعيار العام‪ ،‬إطالق مجازي‪ .‬فالدول العربية كلها‬
‫وفي مجموعها دون الوزن والفاعلية الواقعية ألفقر دولة غربية‪ ،‬ودون الوزن لوالية واحدة من واليات‬
‫أمريكا‪ .‬فجلها ليست دوال إنما هي ورشات تقليدية وقرى ملبسة لبوس الكذب والحداثة الممسوخة‪ .‬قلنا بأن‬
‫القسمة نالت الشطر العثماني والشطر غيره والصيغ مختلفة‪ .‬والدليل هو الوضع الذي توجد على حاله هذه‬
‫األراضي من أرض هللا تعالى‪ ،‬بداوة وتخلف تاريخيان بمركب جهل ووهم العصرية والتحضر‪.‬‬
‫الذين يعلمون الشروط التأسيسية لإلمارات العربية‪ ،‬يعلمون الصيغة والشاكلة التي يصطبغ ويشكل بها‬
‫الغالب من الحكام وموظفوهم‪ ،‬وما يغني عن البيان هو أن غالبهم والكثير منهم متعددو الجنسية وينتمون‬
‫مواطنين لدول هي رسميا دول عدوة‪ .‬فبعد أدائهم للواجب الوطني هنا وإعطائهم المثال في المواطنة‬
‫يرحلون حيث األهل ومن يوادون واألقربون هناك واألحفاد‪.‬‬
‫هنا أنقل صورتين لهما شبه بالمعنى الذي نتحدث عنه‪ ،‬حقيقة وواقع الخيانة العظمى في لبوس المواطنة‬
‫المثلى والعليا‪ ،‬وحقيقة ومعنى النصيحة المكافئ للعالقة والواجب المسؤول والصادق‪ ،‬وكذلك بيان أن‬
‫حجة هللا بالغة‪ ،‬وأن أعداء التاريخ واألمة يدركون ويعلمون أنهم مجرمون وأنهم للحق كارهون‪ .‬هاتان‬
‫الصورتان ننقلهما من كلمة لسيد قطب رحمه هللا وبارك في أثره في مؤلفه القيم‪(:‬العدالة االجتماعية في‬
‫اإلسالم)‪ .‬وال بأس أو مما يجدر ذكره والتنويه به هو أن هذا المؤلف ومع اختصاصه ومعالجته للموضوع‬
‫المحوري الذي أنتج بغايته وألجله‪ ،‬فهو من خالل قراءته قراءة متفحصة ومحيطة يجلي ويدل على‬
‫الحقيقة الشمولية لهذا الدين‪ ،‬وبأن الحق تكامل وانتظام ال يختلف‪ ،‬فكل جوانب التواجد والحياة وعلى‬
‫مختلف هياكلها وأبعادها مرتبط ومؤثر بعضها في بعض‪:‬‬
‫‪ 5‬حياة الصحابة‪ -‬الجزء الثاني‪ -‬ص‪.052‬‬
‫‪ 6‬الشهيد عبد القادر عودة‪ -‬اإلسالم وأوضاعنا القانونية‪ .‬مؤسسة الرسالة‪0141 .‬م‪ -‬ص‪18‬‬

‫‪15‬‬

‫< في أيام الدولة األيوبية‪ ':‬لما والى الملك إسماعيل اإلفرنج أيام الحروب الصليبية‪ .‬وسلم لهم صيداء‬
‫وغيرها من الحصون لينجدوه على الملك نجم الدين أيوب‪ ،‬أنكر عليه عز الدين‪6‬ابن عبد السالم هذه الفعلة‪،‬‬
‫فغضب عليه وعزله واعتقله‪ ،‬ثم بعث إليه يعده ويمنيه‪ ،‬فقال له الرسول‪ :‬تعاد إليك مناصبك وزيادة‪ ،‬وما‬
‫عليك إال أن تنكسر للسلطان؛ فما كان جواب الشيخ إال أن قال‪ :‬وهللا ما أرضاه أن يقبل يدي‪ ،‬يا قوم أنتم في‬
‫واد وأنا في واد‪>.'7‬‬
‫ما أشبه اليوم بالبارحة‪ ،‬إنها السنن والنسق والمثالت‪ ،‬سنن الحق ونسق الوظيفية ومثالت األحداث تتكرر‪.‬‬
‫فليس من واق للفرد واألمة غير ميثاق الحق‪ ،‬وحياة اإليمان والقلوب‪ ،‬ومراقبة ذلك في كل شيء؛ وهذا‬
‫هو الوصل ومعنى‪ :‬الدين النصيحة‪ ،‬ومعنى‪ :‬كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته‪.‬‬
‫الصورة الثانية لها شبه باألولى وبالموضوع المعنى‪ ،‬غير أنها تزيد عليها تعبيرا وبيانا‪:‬‬
‫< وفي أيام الظاهر بيبرس كان الشيخ محيي الدين النووي بدمشق‪ ،‬وكان كثير الوعظ للظاهر‪ ،‬يكتب إليه‬
‫بما يراه إن كان بمصر‪ ،‬ويصدع بكلمة الحق أمامه إن كان الظاهر بدمشق‪.‬‬
‫وقد سجل السيوطي في حس المحاضرة طائفة كبيرة من تلك المكاتبات‪ .‬وأكثرها خاص بطلب ترك بعض‬
‫الضرائب المفروضة لضيق الحال‪ ،‬وخشية المآل‪ ،‬فيقول في إحداها‪:‬‬
‫< إن أهل الشام في هذه السنة في ضيق وضعف حال‪ ،‬بسب قلة األمطار وغالء األسعار‪ ،‬وقلة الغالت‬
‫والنبات‪ ،‬وهالك المواشي‪ ،‬وأنتم تعلمون أنه تجب الشفقة على الرعية‪ ،‬ونصيحتهم (أي ولي األمر)‪ 8‬في‬
‫مصلحته ومصلحتهم؛ فإن الدين النصيحة>‬
‫وقد رد السلطان هذه النصيحة ردا عنيفا‪ ،‬واستنكر على العلماء موقفهم منه‪ ،‬وسكوتهم يوم كانت البالد‬
‫تحت سنابك الخيل في عهد التتار عندما استولوا على الشام‪ ،‬فيرد الشيخ أيضا ردا قويا مؤكدا قوله‬
‫ونصيحته‪ ،‬ويقول‪ -‬رضي هللا عنه‪ -‬ردا عليه وعلى تهديده‪:‬‬
‫< وأما ما ذكر في الجواب من كوننا لم ننكر على الكفار كيف كانوا في البالد‪ ،‬فكيف يقاس ملوك اإلسالم‬
‫وأهل اإليمان وأهل القرآن بطغاة الكفار؟‬
‫وبأي شيء كنا نذكر طغاة الكفار‪ ،‬وهم ال يعتقدون شيئا من ديننا ‪ . . .‬وأما أنا فال يضرني التهديد وال‬
‫يمنعني ذلك من نصيحة السلطان‪ ،‬فإني أعتقد أن هذا واجب علي وعلى غيري‪ ،‬وما ترتب على الواجب‬
‫فهو خير وزيادة عند هللا ‪ . . .‬وأفوض أمري إلى هللا‪ ،‬إن هللا بصير بالعباد‪ ،‬وقد أمرنا رسول هللا صلى‬
‫عليه وسلم أن نقول الحق حيثما كان‪ ،‬وأال نخاف في هللا لومة الئم؛ ونحن نحب السلطان في كل األحوال‪،‬‬
‫وما ينفعه في آخرته ودنياه‪>.‬‬
‫وقد توالت كتب الشيخ بهذه القوة الرفيقة‪ ،‬ولكن لم ينتصح الظاهر بنصيحته واستمر في جباياته ألن‬
‫الحرب تحتاج إلى المال والعتاد؛ وقد جمع السلطان فتاوى العلماء في تأييد عمله‪ .‬فكتبوا بما أراد ماعدا‬
‫الشيخ محيي فإن ذلك زاده استمساكا برأيه وشدة فيه؛ فأحضره الظاهر ليوقع على ما وقعوا؛ فعندئذ أجابه‬
‫جوابا عنيفا‪ ،‬بعد تلك الكتب الرفيقة‪ .‬قال له‪ <:‬أنا أعرف أنك كنت في الرق لألسير بندقار‪ ،‬وليس لك مال‪،‬‬
‫ثم من هللا عليك وجعلك ملكا‪ ،‬وسمعت أن عندك ألف مملوك‪ ،‬كل مملوك له حياصة‪ 9‬من ذهب‪ ،‬وعندك‬
‫‪6‬قانونية‪ .‬مؤسسة الرسالة‪0141 .‬م‪ -‬ص‪18‬‬
‫‪ 7‬هكذا(ابن) باأللف‪ ،‬وهذا ال يصح إال باعتبار عز الدين لقبا أو (ابن) صفة‪.‬‬
‫‪7‬اعتبار عز الدين لقبا أو (ابن) صفة‪.‬‬
‫‪ 8‬عن كتاب‪ :‬أبو حنيفة‪ -‬لألستاذ الجندي‪.‬‬
‫‪8‬ن كتاب‪ :‬أبو حنيفة‪ -‬لألستاذ الجندي‪.‬‬
‫‪ 9‬لعل هذا من إضافة سيد قطب‪ ،‬وهي إضافة غير سديدة‪ ،‬ألن معنى نصيحتهم‪ :‬نصيحة اإلمام للرعية بمراعاة أحوالهم وصدق اإليمان في معاملتهم‪.‬‬
‫‪9‬أحوالهم وصدق اإليمان في معاملتهم‪.‬‬
‫‪ 10‬الحياصة‪ :‬الثياب الموشاة بالذهب في مضايقها‪.‬‬

‫‪16‬‬

‫مائة جارية‪ ،‬لكل جارية حق من الحلي‪ ،‬فإن أنفقت ذلك كله‪ ،‬وبقيت مماليك بالبنود الصوف بدال من‬
‫الحوائص‪ ،‬وبقيت الجواري بثيابهن دون الحلي أفتيتك بأخذ المال من الرعية‪>.‬‬
‫فغضب الظاهر‪ ،‬وقال‪ :‬اخرج من بلدي (أي دمشق) فقال‪ :‬السمع والطاعة‪ .‬وخرج إلى نوى بالشام‪ ،‬فقال‬
‫الفقهاء‪ :‬إن هذا من كبار علمائنا وصلحائنا‪ ،‬وممن يقتدى به‪ ،‬فأعده إلى دمشق‪ ،‬فرسم برجوعه‪ ،‬فامتنع‬
‫‪11‬‬
‫الشيخ‪ ،‬وقال ال أدخلها والظاهر بها‪ ،‬فمات الظاهر بعد شهر‪>>.10‬‬
‫إن إهمال التصنيع معناه خذالن األمة والرضا بالقسمة الكافرة التي تجعل قيمة الجهد والعمل للعربي‬
‫والمسلم المحاصر عن الصنع‪ ،‬قيمة بخسة ليس لها من قبيل مثال سوى الرق في صيغة حديثة موثقة‬
‫بنخاسين في مظهر مخادع وخائن‪.‬‬
‫قلنا بأن المؤشر التمييزي والتمحيصي للنظمة العليا‪ ،‬المؤشر البارز هو حرب الخليج الثانية‪ ،‬والتي ينظر‬
‫إليها من وجهة تاريخية‪ ،‬وعلى المدى القريب‪ ،‬في اتصال بوعد بلفور ونتائج الحرب العالمية األولى‪ ،‬من‬
‫نهاية الخالفة العثمانية وانقسام سوريا الكبرى‪ ،‬وتهافت اإلمبريالية على المجاالت‪ .‬هذا التهافت لم يعن ولم‬
‫يكن له من ترجمة سوى األقطار واإلمارات المؤسسة بهذه الخلفية االستعمارية والعدوانية‪ .‬وليس من‬
‫الصعب على أي محلل تاريخي وسياسي أن يدرك أن مواجهة العراق وسوريا وما هو من صنفهما سياسيا‬
‫وتطلعا حضاريا‪ ،‬من طرف الصليبية والصهيونية‪ ،‬لم يكن يكبحه سوى التوازن في القوى‪ ،‬الذي مثل‬
‫انهيار جدار برلين تفاقمه وزواله‪ .‬والدليل هو األسباب المباشرة التي أدت‪ ،‬وكان العراق مضطرا على‬
‫إثرها إلى الدفاع عن نفسه‪ ،‬ومحاولة كسب المزيد بعدما أصبح اجتياحه للكويت له ما يبرره‪ ،‬وسواء كان‬
‫ذلك مرادا به ومخططا له‪ ،‬وهذه الرؤية لها مرجحاتها كفرضية جد محتملة باعتبار المعطيات‬
‫وااللتماسات التي تقدم بها العراق عشية االجتياح بالحفاظ أو الحصول على تناسب في أسعار النفط‪ ،‬والتي‬
‫لم تقابل من اآلخر‪ ،‬خاصة السعودية والكويت‪ ،‬إال بالرفض المعبر عن صريح العدوان والشنآن‪.‬‬
‫سواء كان العراق مدفوعا بالتأثير المباشر والضغط المفتعل بشروطه‪ ،‬أو أن مطلبه التاريخي في الكويت‬
‫كجزء ال يتجزأ عن الوطن األم‪ ،‬والذي لم يخفت إال بعد ‪0160‬م‪ ،‬سواء كان هذا أو ذاك‪ ،‬فالمواجهة كانت‬
‫محتملة بعد فشل المؤامرة واآللية األولى الممثلة في الحرب الخليجية األولى‪.‬‬
‫التعبير عن هذا الحدث وعن هذا التمحيص‪ ،‬نجده في صورة واضحة‪ ،‬في مقال السيد محمد عبد الكريم‬
‫ذياب بجريدة القدس العربي‪ 12‬بعنوان‪ :‬ضرورة التعامل مع األمة مباشرة من أجل لحظة نصر مباشرة‪:‬‬
‫< تخلى النظام العربي المتبلد طائعا‪ ،‬عن إمكانية حل عربي‪ ،‬الحت في األفق‪ ،‬لنكبة احتالل الكويت‪ ،‬وقبل‬
‫بحل أمريكي خرجت بمقتضاه القوات العراقية‪ ،‬وأبقى على االحتالل األجنبي‪ ،‬أجهز على العراق‪ ،‬وفكك‬
‫رباطه الوطني‪ ،‬بحيث أصبح من الصعب أن يعود كما كان موحدا إال بمعجزة‪ ،‬وهي معجزة لها عالقة‬
‫وثيقة بتغير الحالة السياسية العربية الراهنة‪ ،‬لتنتقل من حالة اإلذعان غير المشروعة إلى حالة (الدفاع عن‬
‫النفس) والمقاومة المشروعة‪>.‬‬
‫نتساءل‪ ،‬أال يحق أن ننزل (اإلسالمي) موضع (العربي) في هذا النص‪ ،‬أو على األقل موصوال به لزوما؟‬
‫إذا اعتبرنا الغاية التي من أجلها تم صنع وتكوين مفهوم (التحالف الدولي) هي إخراج العراق من الكويت‪،‬‬
‫وإذا كان الطرفان الرئيسان المباشران في الظاهر‪ ،‬اللذان يمثالن الجهة المعادية‪ ،‬هما الكويت والسعودية؛‬
‫‪ 10‬الثياب الموشاة بالذهب في مضايقها‪.‬‬
‫‪ 11‬عن كتاب (ابن تيمية) لألستاذ الشيخ محمد أبو زهرة‪.‬‬
‫‪11‬يمية) لألستاذ الشيخ محمد أبو زهرة‪.‬‬
‫‪ 12‬سيد قطب‪ -‬العدالة االجتماعية في اإلسالم‪ -‬ص‪ -081‬دار الشروق‪.‬‬
‫‪12‬اعية في اإلسالم‪ -‬ص‪ -081‬دار الشروق‪.‬‬
‫‪ 13‬جريدة القدس العربي‪ -‬العدد‪-8111‬الصادر ‪18-11‬سبتمر‪8-4 :1110‬شوال‪0211‬ه‪.‬‬

‫‪17‬‬

‫فاألخيرة هي المركز الجغرافي والروحي لألمة اإلسالمية‪ ،‬أما التحالف فمعناه األقوى له مكونان يرتبطان‬
‫معا هما‪:‬‬
‫ االستعانة بالكفار والمشركين‪.‬‬‫ اتخاذ الجغرافية المركزية لألمة إرصادا لهم‪ ،‬وبالتالي منطلقا وموطئ قدم ألمد غير معلوم في حرب‬‫المسلمين وتقتيلهم‪ .‬وهذه التبعة كانت محتملة راجحة‪ ،‬وبالتالي أمكن اعتبارها معطى موضوعيا غير‬
‫مهمل‪.‬‬
‫من هنا انطلق وطفق التمحيص يميز الراسخين في العلم‪ ،‬الذين ال يخافون في هللا لومة الئم وال يبدلون‬
‫كالم هللا وال يحرفونه‪ ،‬والذين بدلوا من بعد الرسول واشتروا بآيات هللا ثمنا قليال‪.‬‬
‫لعلنا نذكر البيان البليغ‪ ،‬بيان أسامة بن الدن في أحد لقاءاته مع قناة الجزيرة‪ ،‬وكأنه قد أدرك قيمة الكلمات‬
‫التي عليه أن ينطق بها لتكون أقوى في البالغ‪ ،‬البالغ الذي سيكون حجة على كل مؤمن ال يرضى بغير‬
‫هللا تعالى ربا‪ ،‬وال يبتغي غيره سبحانه حكما ومشرعا‪ ،‬إن بالغا مؤكدا ومستهال بالقسم من رجل كأسامة‬
‫بن الدن لن يكون إال في قدر عظيم وأمر جلل‪ ،‬إنه نبأ سؤاله واستفساره العثيمين رحمه هللا وبارك في‬
‫أثره‪ ،‬استفساره عن خطب العلماء وما صدر عنهم من فتوى جواز االستعانة بالكفار والمشركين ودخولهم‬
‫مركز اإلسالم‪ ،‬وما لهذا الدخول واالستيطان من مس وتدنيس ألرض الحرمين الشريفين‪. .‬‬
‫فانظر واسمع لم كان القسم؟‬
‫إن الخطب ليس في الفتوى‪ ،‬وإن كان خطبها عظيما‪ ،‬إنه في إفصاح العثيمين‪ ،‬وهو عدل ثقة‪ ،‬وفي جوابه‬
‫الذي يكشف الحقيقة‪ ،‬حقيقة استصدار الفتوى على وجه الطلب واالستعالء‪ ،‬بما مفاده أن المكون العلمائي‬
‫ما هو إال لجنة وظيفية تصدر ما يطلب منها‪ ،‬مسوغا باسمها‪ ،‬لتكون بحق خدما للهيكل السلطوي‪ .‬وهذا‬
‫مؤشر على الخيانة الكبرى للتاريخ ولألمة‪ ،‬التاريخ الذي هو مجال االستخالف‪ ،‬وهو بيت السلف وبيت‬
‫الحاضر والمستقبل‪.‬‬

‫‪18‬‬

‫الباب الثاني‬
‫التاريخ والوالء والبراء‬

‫‪19‬‬

‫الفصل األول‬
‫البؤرة التاريخية والحقيقة القدرية‬
‫الحادي عشر من سبتمبر‬

‫‪13‬‬

‫البيان والفصل أتى بأمر هللا رب العالمين‪ ،14‬أتى بما أصبح يعرف بحدث الحادي عشر من سبتمبر‪. .‬‬
‫آنات نتوقف عندها ولحظات قلبية نتلو فيها آيات بينات من كتاب هللا والقرآن المجيد‪:‬‬
‫{يدبر األمر من السماء إلى األرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون' ذلك عالم‬
‫الغيب والشهادة العزيز الرحيم'}(السجدة‪)5-2‬‬
‫{يدبر األمر' يفصل اآليات لعلكم بلقاء ربكم توقنون'}(الرعد‪)1‬‬
‫{هللا الذي خلق سبع سماوات ومن األرض مثلهن' يتنزل األمر بينهن لتعلموا أن هللا على كل شيء قدير‬
‫وأن هللا قد أحاط بكل شيء علما'}(الطالق‪)01‬‬
‫{وما أوتيتم من العلم إال قليال'}(اإلسراء‪)85‬‬
‫{إن هللا يعلم' وأنتم ال تعلمون'}(البقرة‪)102‬‬
‫{وإن ربك لهو العزيز الحكيم'}(الشعراء‪)8‬‬
‫إن هللا سبحانه وتعالى هو أحكم الحاكمين‪ ،‬وليس حظ اإلنسان من فقه ذلك إال بقدر ما يناله المخلوق؛‬
‫فالسلم اإلدراكي خاصته من خصائص المخلوقية ال يتجاوزها‪ .‬لذا فالقراءة اإلنسانية لحقيقة كون هللا تعالى‬
‫هو أحكم الحاكمين هي قراءة تقريبية‪ ،‬بل وأثرية وإسقاطية‪ ،‬ألن مبدأ االختالف أسه األول هو اختالف‬
‫الخالق سبحانه عن المخلوق‪.‬‬
‫الحكم تبع‪ ،‬وباالعتبار الترتيبي اإلنساني‪ ،‬مؤسس على العلم‪ ،‬وكل ذلك متضمن أو قل هو الحكمة ذاتها‪،‬‬
‫ألن الحكم الحق مكافئ لحقيقة الحكمة‪ .‬وهذا بالطبع له صلة بأسمائه سبحانه وتعالى وصفاته العلى‪ .‬وإن‬
‫حكمة هللا عز وجل بالغة؛ فكلما تصورت نظاما وترتيبا محكما لألمور واألشياء إال كانت حكمته سبحانه‬
‫أبلغ مما يناله تصورك‪ ،‬وهذا هو ما قام عليه االستدالل العقلي في نفي إسناد طبيعة الظلم عنه جل جالله‪.‬‬
‫هاهنا نذكر المسألة المشهورة التي طرحت قديما لدى المتكلمين‪ ،‬المسألة الموصولة والواصلة بين قضايا‬
‫ومستويات عدة كحقائق العدل والظلم‪ ،‬والقضاء والقدر‪ ،‬والتي تفترض جدال رجال من النار يحاج ويجادل‬
‫في الحق كون هللا تعالى كان عالما بمآله وقادرا على أن يتوفاه طفال كما توفى كثيرا في عمر لم يحق فيه‬
‫التكليف وال الجزاء‪ ،‬فهو سبحانه وتعالى يعلم ما كان وما يكون‪.‬‬
‫يقول سبحانه وتعالى وقوله الحق‪:‬‬
‫{سيقول الذين أشركوا لو شاء هللا ما أشركنا وال آباؤنا وال حرمنا من شيء' كذلك كذب الذين من قبلهم‬
‫حتى ذاقوا بأسنا' قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا' إن تتبعون إال الظن' وإن أنتم إال تخرصون' قل فلله‬
‫الحجة البالغة' فلو شاء لهداكم أجمعين'}(األنعام‪)051-021‬‬
‫{وقال الذين أشركوا لو شاء هللا ما عبدنا من دونه من شيء وال آباؤنا وال حرمنا من دونه من شيء' كذلك‬
‫فعل الذين من قبلهم' فهل على الرسل إال البالغ المبين'}(النحل‪)85‬‬
‫‪13‬صادر ‪18-11‬سبتمر‪8-4 :1110‬شوال‪0211‬ه‪.‬‬
‫‪ 14‬أضفنا هذا المركب(الحقيقة القدرية) إلى عنوان الفصل بعدما أصبحت الشكوك تثار حول هذا الحدث المدوي والمهول‪.‬‬
‫‪14‬تثار حول هذا الحدث المدوي والمهول‪.‬‬
‫‪ 15‬هذا هو التعبير والبيان االنطباعي والموقف األول لجل المسلمين‪.‬‬

‫‪20‬‬

‫إنه لما كان العمل ينعدم بالعدم أصال‪ ،‬فالمسألة االفتراضية أعاله تمثل عنصرا من طرف وأقصى متضمن‬
‫اآليتين؛ ففيها تعليل فاسد بالمشيئة واحتجاج باطل بها‪ ،‬وكنا قد أوردنا قول الحافظ ابن حجر العسقالني وما‬
‫أورده وساقه فيما يرتبط بمسألة المشيئة واإلرادة‪ ،‬وذلك في موضع حديثنا عن داللة الكلمات الكونية وعن‬
‫معنى الفناء عن شهود السوى‪ ،‬أصل داللة الربوبية عند ابن تيمية‪.‬‬
‫اإلشكال أو المالحظ المعطى هنا‪ ،‬هو التقاء واجتماع القدرية والجبرية في التماس الحجة النسبية‪ ،‬القدرية‬
‫بالعدل‪ ،‬والجبرية بالمشيئة‪.‬‬
‫إن األصل األول‪ ،‬الذي ذكرنا في كون هللا عز وجل أحكم الحاكمين وأن حكمته بالغة‪ ،‬وباعتبار األسر‬
‫الخلقي‪ ،‬وبالتالي اإلدراكي والعلمي للمخلوق جميعا ولإلنسان خاصة‪ ،‬هذا هو ما يحق الرد به على هذه‬
‫االفتراضات التي تتجاوز اإلطار العلمي بمبادئه الصحيحة والعليا‪ ،‬التجاوز بمعنى اإلخالل الخلقي‬
‫واألدبي بالصفة العلمية ذاتها بهذه المبادئ‪ ،‬بالرغم من االدعاء التواجدي داخله واالتصاف بصبغته؛ يقول‬
‫هللا تعالى بشأن البعث والقيامة‪:‬‬
‫{إن الذين يجادلون في آيات هللا بغير سلطان آتاهم إن في صدورهم إال كبر ما هم ببالغيه' فاستعذ باهلل' إنه‬
‫هو السميع البصير' لخلق السماوات واألرض أكبر من خلق الناس' ولكن أكثر الناس ال‬
‫يعلمون'}(غافر‪)56-55‬‬
‫كذلك نجد البعض اآلخر يرد بحسب المقام واقتضاء الحكمة بما ال يتناسق في االقتصار عليه‪ ،‬فقولهم‬
‫وردهم عن المسألة بأن هللا يفعل في ملكه ما يشاء‪ ،‬وهو قول حق لكن ما يفعل سبحانه وتعالى‪ ،‬وهو الحق‪،‬‬
‫كله حق‪:‬‬
‫{يومئذ يوفيهم هللا دينهم الحق' ويعلمون أن هللا هو الحق المبين'}(النور‪)15‬‬
‫{شهد هللا أنه ال إله إال هو والمالئكة وأولو العلم قائما بالقسط' ال إله إال هو' العزيز الحكيم'}(آل‬
‫عمران‪)08‬‬
‫{من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها' وما ربك بظالم للعبيد'}(فصلت‪)25‬‬
‫{ذلك بما قدمت يداك وأن هللا ليس بظالم للعبيد'}(الحج‪)01‬‬
‫{ذلك بما قدمت أيديكم وأن هللا ليس بظالم للعبيد'}(آل عمران‪)081‬‬
‫{تلك آيات هللا نتلوها عليك بالحق' وما هللا يريد ظلما للعالمين'}(آل عمران‪)018‬‬
‫إذن فاهلل تعالى يفعل في ملكه ما يشاء‪ ،‬فهذا حق‪ ،‬ولكن تأويل ذلك دون التذكير وترسيخ بأنه عز وجل هو‬
‫الحق‪ ،‬وكل قضائه وما يفعل حق‪ ،‬يخشى أن ينال من إدراك الحقائق كما هي‪ ،‬وهذا بالطبع مقام يقصر عنه‬
‫المخلوق‪ ،‬فاهلل سبحانه هو خير الفاصلين‪ ،‬وال معقب لحكمه‪ ،‬له الخلق واألمر وهو تعالى شأنه‪{:‬ال يسأل‬
‫عما يفعل' وهم يسألون'}( األنبياء‪)18‬‬
‫نقول بأن المقام علي‪ ،‬ونعبر عن ذلك فقها بمفهوم التوقف المكافئ لفقه عدم المجادلة في آيات هللا تعالى‪.‬‬
‫وهنا يتضح البعد األخالقي في الممارسة العلمية‪ ،‬ألن عالقة السلب واإليجاب بحقيقتها على مستويات‬
‫وجودية مهيمنة ومصيرية‪ ،‬وكذلك أثرها في مجالها‪ ،‬لها ارتباط بالنفس وبصبغة وجودها‪ ،‬وعالقتها‬
‫بأركان هذا الوجود وبحقيقته‪ .‬في هذا المستوى ترد لغة وأوصاف السلوك العلمي ومواقف الفكر العلمي‪،‬‬
‫فتوصف بالعتو أو االستكبار وغير ذلك من أوصاف وخالل النفس‪.‬‬
‫قريب من هذا‪ ،‬أي ما اتصل بمسألة العدل والحكمة‪ ،‬والرحمة والقضاء والقدر يقول أبو حامد الغزالي‬
‫رحمه هللا‪:‬‬

‫‪21‬‬

‫< الطفل الصغير قد ترق له أمه فتمنعه عن الحجامة‪ ،‬واألب العاقل يحمله عليها قهرا‪ ،‬والجاهل يظن أن‬
‫الرحيم هي األم دون األب‪ ،‬والعاقل يعلم أن إيالم األب إياه بالحجامة من كمال رحمته وعطفه وتمام‬
‫شفقته‪ ،‬وأن األم عدوة في صورة صديق وأن األلم القليل إذا كان سببا للذة الكثيرة لم يكن شرا‪ .‬بل كان‬
‫خيرا‪ ،‬والرحيم يريد الخير للمرحوم ال محالة‪ ،‬وليس في الوجود شر وإال في ضمنه خير‪ .‬ولو رفع ذلك‬
‫الشر لبطل الخير الذي في ضمنه‪ ،‬وحصل ببطالنه شر أعظم من الشر الذي يتضمنه‪ .‬فاليد المتآكلة قطعها‬
‫شر في الظاهر‪ ،‬وفي ضمنها خير جزيل وهو سالمة البدن‪ .‬ولو ترك قطع اليد لحصل هالك البدن‪ ،‬ولكان‬
‫الشر أعظم‪ .‬فإن خطر لك نوع من الشر ال ترى تحته خيرا‪ ،‬أو خطر لك أنه كان تحصيل ذلك الخير ممكنا‬
‫ال في ضمن الشر‪ ،‬فاتهم عقلك القاصر في أحد الخاطرين‪.‬‬
‫أما في قولك‪ :‬إن هذا الشر ال خير تحته‪ ،‬فإن هذا مما تقصر العقول عن معرفته‪ ،‬ولعلك فيه مثل الصبي‬
‫الذي يرى الحجامة شرا محضا‪ ،‬أو مثل الغبي الذي يرى القتل قصاصا شرا محضا‪ ،‬ألنه ينظر إلى‬
‫خصوص المقتول‪ ،‬ألنه في حقه شر محض‪ ،‬ويذهل عن الخير العام الحاصل للناس كافة‪ ،‬وال يدري أن‬
‫التوصل بالشر الخاص إلى الخير العام خير محض‪ ،‬وال ينبغي أن يهمله‪ ،‬أو اتهم عقلك في الخاطر الثاني‪،‬‬
‫وهو قولك‪ :‬إن تحصيل ذلك (أي ذلك الخير) ال في ضمن ذلك الشر ممكن‪ ،‬فإن هذا أيضا دقيق غامض‪،‬‬
‫فليس كل محال وممكن مما يدرك إمكانه واستحالته بالبديهة وال بالنظر القريب‪ .‬بل ربما عرف ذلك بنظر‬
‫عامل دقيق يقصر عنه األكثرون ‪ . .‬فاتهم عقلك في هذين الظرفين‪ .‬وال تشكن أصال في أنه أرحم‬
‫‪15‬‬
‫الراحمين‪ ،‬وأنه سبقت رحمته غضبه>‬
‫ها هنا تعقيب وتنبيه وجيز‪ ،‬فالقول بالشر ضمنه خير ال يحق إسناده إليه سبحانه‪ ،‬وإنما هو الشر بالنسبة‬
‫لإلنسان الذي قصر عن إدراك حقيقته‪ ،‬وقد نزل في الكتاب قوله تعالى‪{:‬ما أصابك من سيئة فمن‬
‫نفسك}(النساء‪ ،)48‬فالشر ألم وكسب نسبي للمخلوق‪ ،‬والقول بأن قتل القصاص شر محض للمقتول ال‬
‫يسلم من الخطإ‪ ،‬ألنه أصال حكم إلهي‪ ،‬فهو بذلك ليس شرا‪ ،‬ثم عساه أن يكون كفارة والحكم األصل فيها‬
‫كذلك‪ ،‬فهو إذن رحمة للمقتول قصاصا ألن عذاب اآلخرة أشد وأبقى‪.16‬‬
‫هللا تعالى أرحم الراحمين وحكمته بالغة واسعة؛ نأتي بمثال ثان يقربنا من حقيقة ما نود إبرازه من حكمة‬
‫هللا تعالى من الحادي عشر من سبتمبر أو الثاني والعشرين من جمادى اآلخرة؛ لننظر إلى الشمس وإلى ما‬
‫بث فيها سبحانه وتعالى من حكيم أغراض الخلق وغاياته‪ .‬فإنك لو ذهبت تحصيها وتحددها لن تحيط بها‬
‫علما‪ ،‬وظاهره منها ليس يحد وال يحصر عددا‪.‬‬
‫فمن هذا يتجلى ويتضح معنى قولنا كون البيان أو الفصل والحكم في فتوى لجنة علماء البالط جاء به‬
‫الثاني والعشرون من جمادى أو الحادي عشر من سبتمبر‪.‬‬
‫البيان والفصل الحكم كان قويا ومتضمنا كباقي اإلرساالت التي بلغها الحدث التاريخي المزلزل‪ ،‬إرساالت‬
‫متعددة ومتباينة االتجاهات والمناحي‪ ،‬لكن اختالفها هذا كله له صبغة موحدة وواحدة‪ ،‬هي صبغة الحق‬
‫التي جاءت لتذكر بحقيقة هوان الطاغوت‪ ،‬وضالل من يستجير به من الذين يقولون‪{:‬نخشى أن تصيبنا‬
‫دائرة}‪.‬‬
‫يقول هللا تعالى‪:‬‬
‫‪15‬نطباعي والموقف األول لجل المسلمين‪.‬‬
‫‪ 16‬أبو حامد الغزالي‪ -‬المقصد األسنى‪ -‬عن مجلة الوعي اإلسالمي‪ -‬العدد‪-064‬ص‪.86‬‬
‫‪16‬جلة الوعي اإلسالمي‪ -‬العدد‪-064‬ص‪.86‬‬
‫‪ 17‬هذا الخطأ المجانب للحق وقع فيه أيضا الفالسفة المسلمون‪.‬‬

‫‪22‬‬

‫{مثل الذين اتخذوا من دون هللا أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا' وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو‬
‫كانوا يعلمون' إن هللا يعلم ما تدعون من دونه من شيء وهو العزيز الحكيم' وتلك األمثال نضربها للناس'‬
‫وما يعقلها إال العالمون'}(العنكبوت‪)28..20‬‬
‫اإلرسال حكيم‪:‬‬
‫ أمريكا رمز ومثل الحضارة واالستكبار الغربيين بكل ما تحمله في تواجدها من منظور في الحياة وفلسفة‬‫للكون والوجود‪.‬‬
‫ األنظمة العربية واإلسالمية‪ ،‬وغيرها من دون شك المستعبدة لهذا الطاغوت‪ ،‬األنظمة التي باتت ال‬‫تتجاوز صفة العمالة في وجودها والخيانة العظمى ألمتها ولتاريخ هذه األمة‪ ،‬لماضيها وللمستقبل الذي ال‬
‫ينفك متصال بالحاضر ومؤسسا عليه وعلى شرطه‪.‬‬
‫ خاليا المثقفين والمفكرين العرب‪ ،‬الذين أيقنوا ووقفوا على حقيقة وما يصح في المعنى للمثقف التاريخي‬‫وللفكر الفاعل‪ ،‬ال المثقف على الوهم واإلسم مفرغ الحقيقة‪ ،‬الذي ال يملك من ذلك إال أن يكون صدى‬
‫للغطاء اللفظ لفكر غير فكره‪ ،‬يلوك قاموسه ومفاهيمه دون أن يكون له في جذرها وخلقها قط‪ .‬وإنه إن‬
‫يكن في شيء خير فلن يكون حتما في أمة أمرها بيد غيرها‪ ،‬تردد لغته وتستهلك في وجودها لتاريخ‬
‫وحضارة وصناعة ليست لها‪ ،‬ال خير في أمة مفتقدة لسيادتها‪ ،‬وال سيادة اليوم بدون قوة الصلب وقوة الذرة‬
‫ذات البأس الشديد‪.‬‬
‫حول هذا الواقع يقول المهدي المنجرة‪:‬‬
‫<ففي حقبة االستعمار الجديد لستم في حاجة إلى قوات الجيش للسيطرة على البلدان‪ ،‬إذ بإمكانكم فقط‬
‫استخدام البنيات التحتية الموجودة بعين المكان‪ ،‬وخصوصا "المتعاونين" الراضين من بين المجموعات‬
‫الحاكمة وبعض المرتزقة من المثقفين‪ .‬فهؤالء األشخاص يعلمون علم اليقين بأنهم لن يظلوا في السلطة‬
‫بدون "المستعمر الجديد"‪ .‬وعلى أي حال‪ ،‬فإن هذا األخير واع بأن مصالحه وسلطته يمران عبر هؤالء‪،‬‬
‫وهنا يبرز هدفهم المشترك المتمثل في ضمان استقرار أولئك الذين يتواجدون على هرم السلطة‪ 17>.‬وفي‬
‫هذا الخصوص ومن الجانب البياني تحديدا‪ ،‬يصف فرحات عباس في كتابه "االستقالل المصادر أو‬
‫المحتجز"‪ 18‬إعالن الجنرال دوكول استقالل الجزائر كونه ال يعدو إال ترجيعا وصدى لصوت المارشال‬
‫دو بورمون عام ‪ 0881‬م بالوعود الكاذبة الزائفة‪.‬‬

‫‪17‬ق وقع فيه أيضا الفالسفة المسلمون‪.‬‬
‫‪ 18‬المهدي المنجرة‪ :‬عولمة العولمة‪ -‬منشورات الزمن ‪ -08‬سبتمبر ‪ -1111‬ص‪11‬‬
‫‪18‬منشورات الزمن ‪ -08‬سبتمبر ‪ -1111‬ص‪11‬‬
‫‪Ferhat Abbas L’INDEPENDANCE CONFISQUEE - Flammarion 1984- p84 19‬‬

‫‪23‬‬

‫الفصل الثاني‬
‫مبدأ الوالء والبراء والعالةقة مع اخآرر‬
‫أفغانستان أرض اإلسالم‬
‫ننقل هنا جزءا مما ورد في بيان العشرة من العلماء حول أحداث أفغانستان‪ ،‬البيان الذي جاء في آخره‬
‫اإلشارة إلى ما يلي‪:‬‬
‫< وبينما هذا البيان في صياغته األخيرة إذ جاءت األنباء بدخول قولت التحالف الشمالي الظالم تحت غطاء‬
‫أمريكا الكافرة إلى (مزار الشريف) و(كابل) وبعض المدن األخرى‪ ،‬وانسحاب حكومة (طالبان) المسلمة‬
‫إلى الجنوب لشن حرب العصابات على الكفار وحلفائهم>‬
‫إشارة هي إذا بمثابة تأطير تأريخي للبيان وللظرف التاريخي‪.‬‬
‫العلماء الموقعون هم‪:‬‬
‫الشيخ الدكتور\ عبد الرحمان بن صالح المحمود‪.‬‬
‫الشيخ\ أحمد بن صالح السناني‪.‬‬
‫الشيخ الدكتور\ سعد بن عبد هللا الحميد‪.‬‬
‫‪ \ , , ,‬عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف‪.‬‬
‫الشيخ\ حمد بن ريس الريس‪.‬‬
‫‪ \ ,‬عبد العزيز بن ناصر الجليل‪.‬‬
‫‪ \ ,‬عبد العزيز بن عبد المحسن التركي‪.‬‬
‫‪ \ ,‬فريح بن صالح البهالل‪.‬‬
‫‪ \ ,‬حمد بن عبد هللا الحميدي‪.‬‬
‫‪ \ ,‬ناصر بن حمد الفهد‪.‬‬
‫ومن أهم ما تطرق إليه وجاء في البيان‪:‬‬
‫< ‪ )1‬إن هلل سبحانه فيما جرى من األحداث حكما عظيمة هي مقتضى اسمه سبحانه (الحكيم) قد نعلمها‪،‬‬
‫وقد تخفى علينا‪ ،‬وقد نعلم بعضها‪ .‬ومما ظهر لنا من الحكم في هذه األحداث بيان حقائق اإليمان‪ ،‬وتمييز‬
‫المؤمنين من المنافقين‪ ،‬وإحياء عقيدة الوالء والبراء‪ ،‬وإيقاظ روح الجهاد في سبيل هللا‪ ،‬وتبيين عداء‬
‫الكافرين للمسلمين‪ ،‬ولفت األنظار إلى بغي أمريكا وظلمها حتى ظهر الحديث عن ذلك اآلن داخل أمريكا‬
‫نفسها‪ ،‬وإثارة االهتمام بدين اإلسالم في الدول الكافرة‪ ،‬والشعور بالعزة‪ ،‬وذهاب اليأس من إمكانية‬
‫المواجهة بين اإلسالم والغرب الكافر‪.‬‬
‫‪ )8‬ننبه األمة إلى طبيعة المعركة‪ ،‬وأنها معركة بين الكفر واإلسالم‪ ،‬خاصة وأن نعرة الحرب الصليبية من‬
‫جانبهم ظاهرة‪ .‬وما ورد من تصريحا من كبار ساستهم ومفكريهم دليل على ذلك‪ ،‬مثل تصريح (بوش)‪،‬‬
‫وكالم (برلسكوني) رئيس وزراء إيطاليا‪ ،‬فضال عن كثير من المفكرين ورؤساء تحرير الصحف‬
‫والمجالت المشهورة‪ .‬كما نجد لغة تحريضية تكرس الطبيعة الصليبية للمعركة‪ ،‬مثل (نحن وهم)‪( ،‬صراع‬
‫الحضارات)‪( ،‬قوى الخير وقوى الشر)‪ .‬والمتتبع للحرب التي تشنها (أمريكا) على كل ما يمت لإلسالم‬
‫بصلة ال يخفى عليه ذلك؛ فهي حرب على من جاهد في (أفغانستان) يوما من األيام‪ ،‬وحرب على جماعات‬
‫الجهاد‪ ،‬وحرب على البنوك اإلسالمية‪ ،‬وحرب على المؤسسات الخيرية اإلغاثية‪ ،‬وحرب على شبكات‬

‫‪24‬‬

‫اإلنترنيت اإلسالمية‪ ،‬وحرب على الشركات اإلسالمية في أوربا وأمريكا‪ ،‬وحرب على مناهج التعليم‬
‫اإلسالمية‪ ،‬وعلى آيات الجهاد في القرآن‪ ،‬وحرب على المدارس اإلسالمية؛ فلينتبه المسلمون إلى طبيعة‬
‫المعركة‪.‬‬
‫‪ )2‬وبناء على ذلك نذكر األمة بوجوب البراءة من الكفار‪ ،‬ونحذرهم من مواالتهم والركون إليهم‪ ،‬فإن هذا‬
‫من أعظم األخطار التي تهدد إيمان العبد‪ ،‬كما قال تعالى‪{:‬ال تجد قوما يؤمنون باهلل واليوم اآلخر يوادون‬
‫من حاد هللا ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم' أولئك كتب في قلوبهم اإليمان‬
‫وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها األنهار خالدين فيها' رضي هللا عنهم ورضوا عنه'‬
‫أولئك حزب هللا' أال إن حزب هللا هم المفلحون'}(المجادلة‪ )11‬وقال تعالى‪{:‬ال يتخذ المؤمنون الكافرين‬
‫أولياء من دون المؤمنين' ومن يفعل ذلك فليس من هللا في شيء}(آل عمران‪ :‬من اآلية ‪ )18‬وقال‬
‫تعالى‪{:‬يا أيها الذين آمنوا ال تتخذوا اليهود والنصارى أولياء' بعضهم أولياء بعض' ومن يتولهم منكم فإنه‬
‫منهم' إن هللا ال يهدي القوم الظالمين'}(المائدة‪)50‬‬
‫وقال تعالى‪{:‬بشر المنافقين بأن لهم من هللا عذابا أليما الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين'‬
‫أيبتغون عمدهم العزة فإن العزة هلل جميعا'}(النساء‪)081‬‬
‫ونحذر من إعانتهم ونصرتهم على المسلمين بأي نوع من أنواع اإلعانة‪ -‬ولو باللسان‪ -‬فإن هذه ردة عن‬
‫اإلسالم والعياذ باهلل‪ .‬وقد أجمع أهل العلم على ذلك كما قال الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه هللا في فتاواه‬
‫(‪:)142\0‬‬
‫(وقد أجمع علماء اإلسالم على أن من ظاهر الكفار على المسلمين وساعدهم بأي نوع من المساعدة فهو‬
‫كافر مثلهم‪ ،‬كما قال هللا سبحانه‪{:‬يا أيها الذين آمنوا ال تتخذوا اليهود والنصارى أولياء' بعضهم أولياء‬
‫بعض' ومن يتولهم منكم فإنه منهم' إن هللا ال يهدي القوم الظالمين'}(المائدة‪)50‬‬
‫والخصم الرئيس في هذه األحداث األخيرة هم اليهود والنصارى‪ ،‬فبعضهم أولياء بعض‪ ،‬فكيف إذا انضم‬
‫‪19‬‬
‫تحت رايتهم أهل الشرك واإللحاد والنفاق كما هو في هذا التحالف المشؤوم الذي تقوده أمريكا الكافرة؟‬
‫‪ )5‬وجوب مواالة جميع المؤمنين وإن بعدت بلدانهم‪ ،‬وال تعد الحدود السياسية مفرقة بينهم‪ ،‬ألن روابط‬
‫اإليمان أقوى من روابط األوطان‪ ،‬وقد قال هللا تعالى‪{:‬إنما وليكم هللا ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون‬
‫الصالة ويؤتون الزكاة وهم راكعون' ومن يتول هللا ورسوله والذين آمنوا فإن حزب هللا هم‬
‫الغالبون'}(المائدة‪)56-55‬‬
‫وقال تعالى‪{:‬والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض' يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون‬
‫الصالة ويؤتون الزكاة ويطيعون هللا ورسوله' أولئك سيرحمهم هللا' إن هللا عزيز حكيم'}(التوبة‪)40‬‬
‫وقال تعالى‪{:‬إنما المؤمنون إخوة}(الحجرات‪ :‬من اآلية‪)01‬‬
‫وقد ثبت في الصحيحين عن ابن عمر رضي هللا عنهما أن النبي صلى هللا عليه وسلم قال‪[:‬المسلم أخو‬
‫المسلم ال يظلمه وال يسلمه]‬
‫وثبت فيهما أيضا عن أبي هريرة رضي هللا عنه أن النبي صلى هللا عليه وسلم قال‪[:‬المسلم أخو المسلم ال‬
‫يظلمه وال يخذله وال يحقره]‬
‫وثبت فيهما أيضا عن النعمان بن بشير رضي هللا عنهما أن النبي صلى هللا عليه وسلم قال‪[:‬ترى المؤمنين‬
‫في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى]‬
‫‪CONFISQUEE - Flammarion 1984- p84 19‬‬
‫‪ 21‬بعض عالمات اآلي والترقيم إضافة مني‪.‬‬

‫‪25‬‬

‫وثبت فيهما عن أبي موسى األشعري رضي هللا عنه أن النبي صلى هللا عليه وسلم قال‪[:‬المؤمن للمؤمن‬
‫كالبنيان يشد بعضه بعضا‪ ،‬ثم شبك بين أصابعه]‬
‫فعلى هذا‪:‬‬
‫يجب وقوف جميع المسلمين مع إخوانهم في (أفغانستان) ومناصرتهم بكل أنواع المساعدة والمناصرة التي‬
‫يحتاجون إليها مادية كانت أو معنوية‪ ،‬سواء كانت في ميادين الجهاد أو اإلعالم أو التطبيب أو اإلغاثة أو‬
‫تخذيل األعداء‪ .‬كما نذكرهم باإللحاح على هللا عز وجل ودعائه في أماكن ومواطن االستجابة بالنصر‬
‫والتأييد لهم‪ ،‬والخذالن والهزيمة ألحزاب الكفر والنفاق‪ ،‬وبخاصة في هذا الشهر الكريم‪ ،‬الذي تفتح فيه‬
‫‪20‬‬
‫أبواب الرحمة ويستجاب فيه الدعاء‪>.‬‬
‫ما دمنا ال نستطيع تحديد وإدراك مجموع األمور واإلحاطة بحكمة هللا تعالى في هذه األحداث‪ ،‬إذ ال يعلم‬
‫من في السماوات واألرض الغيب إال هو سبحانه‪ ،‬فهناك أمران اثنان قد يفيان ويفيدان من المنظور‬
‫التحليلي لواقع أمة المسلمين‪ .‬هذان األمران‪ ،‬وإن كانا بمرجعية أولية يعتبران مختلفين و منفصلين حتى‪،‬‬
‫فهما بالمرجعية الكلية الواسعة النظر يتصالن تأثيرا وجوهرا‪:‬‬
‫‪ -0‬الوالء والبراء‪.‬‬
‫‪ -1‬العالقة باآلخر‪.‬‬
‫وإن لكل من هذين القطبين تشعبات مرتبطة بالتحقق أو مدى التحقق على كل المناحي‪ ،‬في كل المؤسسات‬
‫والمستويات‪ ،‬بدءا بالنظام السياسي الذي هو قلب األمة ككائن على واقع األرض‪ ،‬التي هي في نهاية‬
‫المطاف مناط الدين وإطار االستخالف‪ ،‬وأن ال شيء بعد هذا أمكن له تمييز الجماعة المسلمة المؤمنة من‬
‫غيرها‪ ،‬ووصوال إلى مستوى العنصر والفرد الذي جاء بخصوص قيمته كغاية وهدف للشريعة وللنظام‬
‫االجتماعي ككل أن حرمة المؤمن عند هللا تعالى أعظم من حرمة الكعبة‪ ،‬ومرورا بالفضاء المؤسساتي‬
‫للفكر‪ ،‬وما الفعل الوجودي إال فكر وإيمان بهذا الفكر‪ ،‬هذا هو القطب األول‪.‬‬
‫أما القطب الثاني فهو العالقة مع اآلخر كمجموع االعتبارات والمواقف المتبادلة‪ ،‬التي يطبعها الصراع‬
‫والمواجهة‪ ،‬كما هو الطابع المستقرأ في مسار التاريخ‪ ،‬وإن بأساليب كانت دوما هي الدثار البياني لهذا‬
‫الصراع‪ ،‬ممثلة في مفاهيم وشبه مفاهيم يعلم الراسخون في العلم من المسلمين وغير المسلمين زيفها‪ ،‬وال‬
‫تنطلي بباطلها إال على الصم البكم الذين ال يفقهون معنى السنن في البريئة وفي التاريخ والحضارات‪.‬‬
‫وإنما هي عالقة تتحدد بمرجع القوة على األرض‪ ،‬فهذا هو معامل الحوار الحقيقي والحق‪ ،‬وسوف نلقي‬
‫بعض الضوء على هذه الحقيقة‪ ،‬ولو بقدر يستبين به هذا القانون في السياسة العالمية وفي التاريخ‪.‬‬
‫ساسة ومثقفون وحضاريون مغلوبون‪ ،‬عساهم يدركون إطارهم الهامشي الذين يعيشون ويحيون‪ ،‬إن حق‬
‫لنا أن نسمي هذا التواجد الهامشي جدا على مستوى الحضارة معيشة وحياة‪ ،‬لكن الطامة الكبرى واألنكى‬
‫هو أن هؤالء يحبون أن يحمدوا ألنهم القائد والسياسي‪ ،‬والمثقف الممثل لآلخر في الداخل‪ ،‬العامل امتدادا‬
‫له سياسيا وفكريا وحضاريا‪ ،‬حتى أضحت أمريكا خاصة والغرب عموما هم الفاعل والصانع الحقيقي‬
‫لهؤالء‪.‬‬
‫مبدأ الوالء والبراء‪ ،‬وبقوته السننية القاهرة والمحكمة في الحق‪ ،‬سوف يؤدي إلى إعادة رص ما ضعف‬
‫من البناء في األمة اإلسالمية‪ ،‬وهذا الشك من القوة الذاتية للحق في الحفاظ على حقيقة الدين‪ ،‬ألنها منه‬
‫ومن أمره‪ .‬ومنذ العدوان الصليبي على العراق‪ ،‬ازداد بيان الحق لدى جموع المسلمين وبدأت تساؤالت‬
‫الوزن الحقيقي الواقعي لألمة العربية واإلسالمية‪ .‬وال ننسى حدث محمد الدرة‪ ،‬حدث مس كل عربي وكل‬
‫‪21‬عض عالمات اآلي والترقيم إضافة مني‪.‬‬

‫‪26‬‬

‫مسلم‪ ،‬وهو حدث الضربة المؤلمة الموجعة التي أيقظت الوجود وجعلته يستحيل إلى تواجد يبدأ بالسؤال‬
‫عن الذات وعن واقع هذه الذات‪.‬‬
‫الوالء والبراء سيكون له األثر الكبير بل هو المؤثر الرئيس في توجيه التشكيل والرص للبناء‪ ،‬البناء‬
‫الواضح والبناء الحق‪ ،‬يقول سبحانه وتعالى‪:‬‬
‫{قد كانت لكم إسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برءاء منكم ومما تعبدون من دون هللا'‬
‫كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا باهلل وحده إال قول إبراهيم ألبيه ألستغفرن‬
‫لك وما أملك لك من هللا من شيء' ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير'}( الممتحنة‪)2‬‬
‫المبدأ ذاته أو القطب األول من المجال التحليلي ينقلنا انطالقا وتأصيال على قوله تعالى‪{:‬يا أيها الذين آمنوا‬
‫ال تتخذوا اليهود والنصارى أولياء' بعضهم أولياء بعض' ومن يتولهم منكم فإنه منهم' إن هللا ال يهدي القوم‬
‫الظالمين'}(المائدة‪ ،)50‬ينقلنا وكما بينا ذلك فيما سلف من البيان إلى مستوى وحقيقة العالقة مع اآلخر‪،‬‬
‫وبالخصوص أمريكا وأنجلترا‪ ،‬وإسرائيل الدولة المحدثة والمصطنعة على أنقاض الضعف التاريخي‬
‫للمسلمين وذهاب قوتهم العسكرية تحديدا وانهيار الخالفة العثمانية‪.‬‬
‫العالقة هي المواجهة‪ ،‬والمواجهة اآلن هي الحرب المعلنة وجه الكيان العربي الواهن المشلول‪ ،‬ال في‬
‫حكوماته وحكامه وأنظمته‪ ،‬بل كذلك في عموم أفراده وما يعبر عنه بالشارع العربي‪ ،‬ألنه هكذا صنع‪،‬‬
‫وهكذا تم إنشاؤه‪.‬‬
‫قل سيروا في األرض ‪ . .‬هاهنا األرض التاريخ ‪. .‬‬
‫[ففي ‪ 8‬نيسان (أبريل) من هذه السنة (‪ )0112‬عقدت أنكلترا وفرنسا عددا من االتفاقيات التي وضعت‬
‫بداية للوفاق األنكلو‪-‬فرنسي‪ ،‬وكانت الحلقة الرئيسية منها تتمثل في البالغ األنكلو‪-‬فرنسي حول مصر‬
‫ومراكش (المغرب)‪ .‬وقد احتوى البالغ على بنود علنية وسرية‪ .‬ونص القسم العلني على <أن حكومة‬
‫صاحب الجاللة البريطانية تعلن بأنه ليس لديها نية في تغيير الوضع السياسي في مصر‪ .21‬وتعلن حكومة‬
‫الجمهورية الفرنسية من جانبها بأنها سوف ال تعرقل األعمال األنكليزية في هذه البالد وذلك بمطالبتها‬
‫تحديد أجل معين لالحتالل األنكليزي أو بأي أسلوب آخر>‪ .‬وهكذا منحت فرنسا إلى أنكلترا حرية العمل‬
‫‪22‬‬
‫في مصر لقاء حصولها على حرية العمل في مراكش (المغرب)‪].‬‬
‫‪. . .‬‬
‫<كان نشاط اإلرساليات الدينية طريقا آخر للتغلغل األجنبي في الشرق العربي‪ .‬وبعد أن خفت قوة نشاط‬
‫هذه اإلرساليات في مستهل القرن التاسع عشر‪ ،‬اشتد ثانية في األربعينيات‪ ،‬إذ فتح المبشرون المدارس‬
‫والمؤسسات في سوريا وفلسطين‪ ،‬ناشرين بحماس التعاليم المسيحية باإلضافة إلى بسط نفوذ الدولة التي‬
‫ينتسبون إليها‪.‬‬
‫وكانت اإلرساليات الكاثوليكية للعازاريين والجزويت في الشرق من األولين وأكثر نشاطا‪ .‬وكانت أعمال‬
‫المبشرين الكاثوليك تدار من قبل الفاتيكان وتحظى بإسناد فعال من قبل فرنسا‪ .‬وافتتحت هذه اإلرساليات‬
‫الكاثوليكية شبكة واسعة من المدارس والمعاهد الدينية‪ .‬وفي عام ‪ 0826‬بعث البابا نظام بطركية القدس‬
‫الالتينية‪ ،‬الذي كان قائما في وقت من األوقات في عهد الصليبيين‪ .‬وظهرت في بيروت عام ‪ 0811‬أول‬
‫‪21‬ضافة مني‪.‬‬
‫‪ 21‬نقال عن منتدى الفوائد‬
‫‪ 22‬أي أن مصر تبقى جزءا من االمراطورية العثمانية تحت االحتالل األنكليزي‪ -‬المؤلف‪.‬‬
‫‪22‬ية تحت االحتالل األنكليزي‪ -‬المؤلف‪.‬‬
‫‪ 24‬لوتسكي‪ :‬تاريخ األقطار العربية الحديث‪ -‬دار الفارابي‪ -‬بيروت‪ .‬مكتبة النهضة‪-‬بغداد‪– .‬ص‪.146‬‬

‫‪27‬‬

‫إرسالية أمريكية‪ -‬برزبتيرية‪ .‬وقبيل عام ‪ ،0861‬فتحوا أكثر من ‪ 81‬مدرسة ودار طباعة‪ .‬وفي ‪0866‬‬
‫فتحوا الكلية البروتستانية السورية التي أصبحت فيما بعد الجامعة األمريكية‪.‬‬
‫وفي عام ‪ 0821‬كونت روسيا في القدس إرسالية دينية روسية‪ .‬ولم يكن لروسيا أي هدف اغتصابي‬
‫بصورة مباشرة في سوريا وفلسطين‪ .‬بل إنها سعت عن طريق إنشاء اإلرسالية الدينية‪ ،‬إلى تعزيز نفوذها‬
‫بين السكان األرثودكسيين من شبه جزيرة البلقان‪.‬‬
‫ولم تتقاعس أنكلترا عن الركب‪ ،‬وهي التي كانت تسعى للحصول على أقصى الفوائد من هزيمة محمد‬
‫علي‪ .‬وأقدمت على مخاطرتين في آن واحد‪ .‬إذ ساندت البروتستانت وخطط المستعمرين األلمان في‬
‫فلسطين‪ .‬وأنشأت في القدس عام ‪ 0820‬أسقفية أنكليزية‪ -‬بروسية‪ .‬ومن جهة أخرى‪ ،‬شجعت بريطانيا‬
‫‪23‬‬
‫خطط االستعمار اليهودي وبدأت تلهم مختلف أنواع المشاريع الصهيونية‪>.‬‬
‫‪. . .‬‬
‫موت شريف مكة خارج الحجاز وهو في ملء الغيظ واألسى‪ ،‬ال من دخول آل سعود بالده بعد اجتياح‬
‫الشرق من نجد‪ ،‬هذا الدخول الذي لقي مقاومة شديدة ورفضا لم ينطفئ أواره إال بعامل الجند وعنصر‬
‫المال؛ الغيظ واألسى ‪ . .‬ألن دخول آل سعود كان بالنزول على شرط الوالء لآلخر‪ . .‬وهو الشرط الذي‬
‫رفضه ولم يحاور فيه ولم يقبل الحوار فيه‪ ،‬وهذا هو الشرط الذي ال زالت سارية تبعاته من عدم التدخل‬
‫في أمر سوريا الكبرى وفلسطين‪ ،‬هو إذا شرط التقسيم وشرط تسليم قسم من أرض العروبة واإلسالم‬
‫وتسليم اإلخوة في الدين وفي التاريخ‪ .‬ولقد مات حسين الثاني وهو يحلم بالعودة إلى األرض التي أخرج‬
‫منها‪ ،‬ولينتقم من آل سعود الذين جعلوا الملك الغاية فوق كل الغايات‪. .‬‬
‫‪. . .‬‬
‫لقد كان استقبال المجاهدين العائدين إلى مصر من حرب ‪ 28‬بعد أن فرضت الهدنة وتم وقف إطالق النار‬
‫حفاظا على الكيان المصطنع‪ ،‬وقد كاد األمر أن ينتهي لو امتد القتال والمواجهة إلى أن يجتث ويقتلع‪ ،‬لقد‬
‫كان هذا االستقبال أشبه إلى حد ما استقبل به اليوم المجاهدون من أفغانستان‪ ،‬وكأن النية استعداؤهم‬
‫ليجعلوا منهم مكون االسترهاب السياسي على المستوى الداخلي‪ ،‬وليصبح واقعا استحواذ الغرب الصليبي‬
‫ويهود على هذه الورقة الماكرة‪ ،‬ولينقلب مكر الساسة العرب والمسلمين عليهم‪.‬‬

‫‪ 24‬بيروت‪ .‬مكتبة النهضة‪-‬بغداد‪– .‬ص‪.146‬‬

‫‪28‬‬

‫الفصل الثالث‬
‫التمايز الجوهري بين الحق والباطل‬
‫إنه ال توافق بين الحق والباطل‪ ،‬هذه حقيقة ثابتة تسير عليها كل أمور الحياة البشرية‪ .‬فما يميز‪ 11‬جمادى‬
‫أو ‪ 00‬سبتمبر هو إماطة القناعات عن أساليب المواجهة‪ ،‬أو بأصح القول أساليب االبتزاز والعدوان‪.‬‬
‫الغرب الصليبي والصهيوني لم يكتف باالستحواذ على كل ثروات العرب وعلى السيادة السياسية‪ ،‬إن صح‬
‫وجازت الصفة تعيينا ألن السيادة إما أن تكون أو ال تكون‪ ،‬بل تم تسخير ذلك لضربه بها‪ ،‬وتخويفه‬
‫وإرهابه إرهابا أصبح مداه اليوم ينال المحكوم والحاكم معا‪.‬‬
‫يقول هللا تعالى‪{:‬ولن ترضى عنك اليهود وال النصارى حتى تتبع ملتهم' قل إن هدى هللا هو الهدى' ولئن‬
‫اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك معنى العلم ما لك من هللا من ولي وال نصير'}(البقرة‪ .)001‬إن الذي أفتوا‬
‫ورضوا بالحل والرؤية األمريكية والصهيونية في حرب الخليج الثانية‪ ،‬ونبذوا كتاب هللا وراء ظهورهم‪،‬‬
‫هؤالء نذكرهم باآلية التي تلي األولى‪{:‬الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تالوته‪ ،‬أولئك يؤمنون به' ومن‬
‫يكفر به فأولئك هم الخاسرون'}(البقرة‪ ،)011‬وإنهم لو تبعوا القرآن ما النت قناتهم‪ ،‬ولو عملوا مصداق أن‬
‫هدى هللا هو الهدى‪ ،‬وأن ذلك هو الهدى‪ ،‬فيه الحل وبه الرؤية‪ ،‬ما حل بهم الضالل السياسي والخسران‪ ،‬إن‬
‫المؤمن ينظر بنور الحق‪ ،‬وهؤالء ما نراهم إال وقد أذهب هللا تعالى نورهم وأعمى أبصارهم‪.‬‬
‫من جهة السياسة كواقع ومسار‪ ،‬فالحل المتخذ من طرف النظام السعودي‪ ،‬وقد كان هدفا في االستراتيجية‬
‫الغربية الصليبية والصهيونية بالذات‪ ،‬الحل كان الخطأ الذي آذن بسقوط البرقع الذي يخفي حقيقة هذا‬
‫النظام ويعمي عن فلك دورانه‪ ،‬وكذلك بين خطره التاريخي ال على حاضر أبناء الحجاز وأجيال مستقبل‬
‫الجزيرة وغدها‪ ،‬بل على األمة جميعا في دينها ووجودها‪ ،‬ويأبى هللا تعالى إال أن يتم أمر هذا الدين‪ ،‬وإن‬
‫الحجة بالغة بهذه األمة إشهادا قائما إلى يوم الدين ولكن المنافقين ال يعلمون‪.‬‬
‫لقد أدى الخوف على ضياع السلطة إلى ضياع ما به حفظها من سالمة العقل وسوي الرؤية‪ ،‬لقد أدى إلى‬
‫عطل القلوب وأصاب التفكير الشلل‪ ،‬وحاق بالذين جعلوا القرآن عضين سيئات ما مكروا‪ ،‬وأصبح الذين‬
‫جعلوا الحديث كله حديثا عن العقيدة‪ 24‬وال يذكرون الزكاة وحقوق كلمة ال إله إال هللا وال فرضية الدفاع‬
‫عن استقالل وحفظ بيضة األمة بوجوب االهتمام برباط الخيل وإعداد قوة الحديد والذرة‪ ،‬ال يذكرون ذلك‬
‫إال عرضيا واضطرارا‪ ،‬ليتم لهم االستئثار بما أنزل هللا تعالى من السماء من رزق في األرض للعباد‪،‬‬
‫وليتكلف العدو من اليهود والنصارى بحمايتهم والدفاع عن حدودهم‪ ،‬لقد أصبحوا اليوم وال ولي لهم وال‬
‫نصير‪.‬‬
‫عن ابن عباس رضي هللا عنهما‪:‬‬
‫[كنت خلف النبي صلى هللا عليه وسلم فقال‪ :‬يا غالم إني أعلمك كلمات‪ :‬احفظ هللا يحفظك‪ ،‬احفظ هللا تجده‬
‫اتجاهك‪ ،‬إذا سألت فاسأل هللا‪ ،‬وإذا استعنت فاستعن باهلل‪ ،‬واعلم أن األمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء‬
‫لم ينفعوك إال بشيء قد كتبه هللا لك‪ ،‬وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إال بشيء قد كتبه هللا‬
‫‪25‬‬
‫عليك‪ ،‬رفعت األقالم وجفت الصحف]‬
‫‪ 24‬داد‪– .‬ص‪.146‬‬
‫‪ - 24‬نفس المؤلف‪-‬ص‪.058‬‬
‫لفظ (العقيدة) في توظيفه على المستوى األعلى للقاموس الشرعي نظر‪ ،‬ألنه قاموس تشريعي محفوظ‪ ،‬وإنما شاع لفظ (العقيدة) بفعل الترجمة وفشو‬
‫‪25‬االتباع والتقليد في التعبير‪.‬‬
‫‪ 25‬وفشو االتباع والتقليد في التعبير‪.‬‬

‫‪29‬‬

‫الثاني والعشرون جمادى أو الحادي عشر سبتمبر يرى من خالل تقييم تاريخي بؤرة تجميعية للماسبق‪،‬‬
‫مبرزة ألهم شيء يهم األمة‪ ،‬الوالء والبراء‪ ،‬والعالقة مع اآلخر‪.‬‬
‫إن العالم اإلسالمي مقبل ال محالة‪ ،‬وشطره العربي بالخصوص على إعادة بناء ورص الهيكلة الداخلية‬
‫بعمومها بمحورها <أولو األمر> الحكام والعلماء‪ .‬ولعل أهم ما يومئ إلى ذلك وينبئ به االنحرافات‬
‫واألخطاء المتتالية؛ فتبعا للسنن والقوانين أوشك ذلك أن يكون إعالن بداية النهاية لالستبداد ولسحر بيانه‬
‫وخطابه الشبيه بسحر األباطرة واإلكليروس‪ .‬لكن هؤالء يغفلون أن األمر كله بيد هللا تعالى وقد كتب أمر‬
‫هذه األمة وذكرها في وصل بحفظ الدين وقيام أولي األمر بشرطه ونصيحته‪ ،‬وإنما األمور تجري بالحق‬
‫وأجل مسمى‪.‬‬
‫إن المكونات الموضوعية لفتوى الخليج جالها الصف الذي التحق به العلماء الرسميون في هذه األزمة‬
‫الرائز على كل المستويات‪ ،‬أزمة أفغانستان‪ ،‬أو ما اصطلح عليه بالحرب على اإلرهاب‪ .‬ذلك ولقد علم‬
‫على درجة اليقين العيني وعلم شهود العالمين‪ ،‬علم التقتيل والذبح المروع لألطفال والنساء والشيوخ‪،‬‬
‫هؤالء المسلمين الذين يصلون صالتهم ويصومون صيامهم‪ ،‬ولم يكن ذنبهم إال أن يقولوا ربنا هللا‪ .‬وفي هذا‬
‫أيضا وال شك رد على من كذب تقتيل الشيوخ والنساء واألطفال والمدنيين في العراق‪.‬‬
‫هؤالء العلماء هم الذين يحذرون الناس وطلبة العلم من فكر أبي حامد الغزالي رأس المدرسة والجامعة‬
‫األميرية ببغداد يوم كان لمعنى أهل الذمة واقع‪ ،‬يحذرونهم باستغفال واحتقار بينين كون غالب األحاديث‬
‫واآلثار الواردة في كتاب (إحياء علوم الدين) خاصة‪ ،‬أنها أحاديث ضعيفة وغير محققة‪ ،‬وعامة الناس ال‬
‫تفقه حقيقة هذه االصطالحات فيحكمون غباء وجهال بالنبذ والرد‪ ،‬لكن السبب الرئيس من موقف هؤالء‬
‫العلماء من الغزالي هو إعالنه بأن جل أموال الملوك والحكام هي أموال حرام وسحت‪ ،‬والعالقة بين‬
‫الحكام والعلماء هي عالقة نصح‪ ،‬ولكي تكون كذلك لزم قطع الصلة المادية بهم واالستغناء عنهم‪.‬‬
‫إن تعبيرية فتوى الخليج ظهرت في الفتاوى الصادرة عن رؤؤس الجهاز العلمي لألمة‪ ،‬وهي تعبيرية‬
‫تاريخية كاملة‪.‬‬
‫‪26‬‬
‫نسوق هنا مقاال صدر في صحيفة القدس العربي لرئيس تحريرها عبد الباري عطوان بارك هللا في‬
‫جهده‪:‬‬
‫فتاوى اإلمام بوش‬
‫<‬
‫عبد الباري عطوان‬
‫بعد يوم واحد من الفتوى التي أصدرها الشيخ سيد محمد طنطاوي شيخ األزهر بالتنديد بالعمليات‬
‫االستشهادية التي ينفذها رجال المقاومة التابعون لحركتي حماس والجهاد اإلسالمي في حيفا والقدس‬
‫الغربية والخضيرة وتل أبيب‪ ،‬ها هو إمام المسجد الحرام في مكة المكرمة الشيخ محمد بن عبد هللا السبيل‬
‫يصدر فتوى مماثلة تدعم الفتوى األولى‪ ،‬وتعتبر االعتداء على أهل الذمة (أي النصارى واليهود) محرما‬
‫شرعا وتدعو المسلمين إلى المحافظة عليهم وعلى أرواحهم وممتلكاتهم‪.‬‬
‫وتتزامن هذه الفتاوى من أكبر مؤسستين دينيتين في العالم اإلسالمي السني‪ ،‬مع تجميد وإغالق مؤسسات‬
‫خيرية إسالمية في الواليات المتحدة‪ ،‬وصدور فتوى من الرئيس األمريكي جورج بوش باعتبار حركة‬
‫حماس حركة إرهابية‪.‬‬
‫**‬
‫‪ 26‬رواه الترمذي‪ ،‬وقال حديث حسن صحيح‪(-‬رياض الصالحين للنووي‪-‬دار العلم‪-‬ص‪)21‬‬
‫‪26‬ياض الصالحين للنووي‪-‬دار العلم‪-‬ص‪)21‬‬
‫‪ 27‬القدس العربي‪ -‬العدد‪ -8118‬األربعاء ‪5‬كانون األول(ديسمبر) ‪1110‬الموافق ‪11‬رمضان ‪0211‬ه‪.‬‬

‫‪30‬‬

‫وال نعتقد أن شيخ األزهر وزميله خطيب المسجد الحرام قد تطوعا بإصدار هذه الفتاوى انطالقا من قناعة‪،‬‬
‫وإنما بتعليمات واضحة ومشددة من حكومتيهما اللتين ترتعدان خوفا من الواليات المتحدة األمريكية‪،‬‬
‫وتريدان إرضاءها بكل الطرق والوسائل ونفي تهمة التطرف وإيواء اإلرهابيين عن نفسيهما‪.‬‬
‫فالمذهب الوهابي المتبع في المملكة العربية السعودية أو (الحنبلي) كما يقول بعض الذين ال يحبذون هذه‬
‫التسمية‪ ،‬هو أكثر المذاهب تشددا في الدين اإلسالمي‪ .‬وهو الذي كان وراء انتشار التطرف في المنطقة‬
‫بأسرها‪ .‬ولكن عندما بدأت الواليات المتحدة‪ ،‬وبعض العناصر اليمينية الموالية للدولة العبرية تتحدث عن‬
‫هذه التطرف وتحمله مسؤولية العمليات االنتحارية األخيرة التي استهدفت مركز التجارة العالمي في‬
‫نيويورك‪ ،‬بدأ البعض ينتصل من المذهب‪ ،‬وبدأ بعض المسؤولين السعوديين يطالبون علماءه بالتهدئة‪،‬‬
‫وعدم إحراجهم أمام أصدقائهم األمريكان‪ ،‬والتوقف عن التحريض على نصرة القضايا اإلسالمية في‬
‫فلسطين والشيشان وأفغانستان‪ ،‬حتى أن خطيب المسجد الحرام لم يعد يجهش بالبكاء كعادته كل عام‬
‫يتضرع إلى هللا بنصرة المسلمين في فلسطين والشيشان وأفغانستان في ختام صالة التراويح‪ ،‬ألن الدعاء‬
‫لنصرة هذه القضايا بات محرما‪ ،‬وتحريضا على اإلرهاب وفق المفهوم األمريكي‪.‬‬
‫ونحن ال نستطيع أن نفند فتوى خطيب المسجد الحرام‪ ،‬ونبين نقاط قصورها الشرعية‪ ،‬فلسنا فقهاء في‬
‫الدين‪ ،‬ولكن ما يمكن أن نقوله هو أن الحفاظ على أرواح أهل الذمة وعدم االعتداء عليهم مشروط‬
‫بوجودهم تحت الحكم اإلسالمي‪ ،‬وداخل الدولة اإلسالمية‪ ،‬والذين يتحدث عنهم الخطيب ويطالب لسيادة‬
‫دولتهم‪ .‬وهي دولة اغتصبت حقوق شعب مسلم واحتلت أراضيه‪.‬‬
‫وطالما أن خطيب المسجد الحرام حريص على أرواح هؤالء وأموالهم وأعراضهم‪ ،‬ويتحدث عن رسالة‬
‫الدين اإلسالمي السمحاء في هذا الخصوص‪ ،‬فإننا نطالبه بان يهتم بأمر هؤالء داخل بالده ويحث حكومته‬
‫السعودية على السماح لهم بفتح الكنائس والمعابد في الرياض وجدة ومكة والمدينة وأبها وبريدة وجيزان‬
‫وحفر الباطن حتى يتمكنوا من العبادة وأداء واجباتهم الدينية وفق األصول المرعية وبكل حرية‪.‬‬
‫فالحكومة السعودية‪ ،‬وبسبب تطبيقها للشرعية اإلسالمية‪ ،‬تمنع بناء الكنائس والمعابد‪ ،‬وتصدر أحكاما‬
‫بالسجن‪ ،‬قد تطول وقد تقصر‪ ،‬على كل شخص يضبط في مطاراتها متلبسا بدس اإلنجيل بين طيات‬
‫مالبسه أثناء هبوطه في مطاراتها‪.‬‬
‫‪.‬‬
‫‪.‬‬
‫‪.‬‬
‫نحن لسنا مع قتل المدنيين‪ ،‬ونؤمن بالسالم العادل‪ ،‬والجوار المتكافئ البناء للوصول إليه‪ .‬ولكننا في الوقت‬
‫نفسه نتمنى على شيخ الجامع األزهر‪ ،‬وخطيب المسجد الحرام في مكة‪ ،‬أن يصدرا فتاوى باالنتصار‬
‫للمدنيين الفلسطينيين الذين يسقطون يوميا برصاص الدبابات والطائرات اإلسرائيلية‪.‬‬
‫نتمنى أن يدين اإلمامان تقاعس حكومتيهما عن نصرة المظلومين والمضطهدين والمحتلة ديارهم‪ ،‬بتحريك‬
‫الجيوش الجرارة التي جرى اقتطاع مئات المليارات من الدوالرات من قوت الشعبين السعودي والمصري‬
‫لتجهيزهما بأحدث األسلحة والمعدات‪ .‬فهذه اإلدانة أولى من نظيرتها تلك‪ ،‬وأكثر تطبيقا لتعاليم اإلسالم‬
‫السمحاء‪.‬‬
‫هذه االزدواجية‪ ،‬وهذا النفاق‪ ،‬من قبل بعض علماء السلطة هو الذي أدى باألمة إلى االنحدار إلى هذا‬
‫المستوى السحيق من المهانة واإلذالل‪ .‬فهؤالء بصمتهم على الفساد‪ ،‬ومساندتهم للقمع وانتهاك حقوق‬
‫اإلنسان‪ ،‬مقابل منافع شخصية رخيصة‪ ،‬أضاعوا هذه األمة‪ ،‬وأفرغوا الدين الحنيف من كل قيمه السمحاء‬
‫في العدالة ونصرة المظلومين ومساندة الضعفاء‪.‬‬

‫‪31‬‬

‫بضع مقاالت‪ ،‬وبرامج تلفزيونية‪ ،‬عن الفساد في المملكة العربية السعودية من قبل أجهزة اإلعالم‬
‫األمريكية أحدث كل هذا التغيير‪ .‬ترى ماذا كان سيحدث لو أن واشنطن هددت بدعم المعارضة وتسليحها‬
‫مثلما تفعل في العراق أو ليبيا أو السودان؟‬
‫نريد أن نذكر علماء السلطة‪ ،‬وأولي األمر الذين يصدرون لهم األوامر بإصدار مثل هذه الفتاوى‪ ،‬بأن‬
‫فلسطين ارض محتلة‪ ،‬والمسجد األقصى يواجه خطر الهدم‪ ،‬ومجاوروه يواجهون قصف الطائرات‬
‫والدبابات والصواريخ بصفة يومية‪ .‬وإذا كانوا ال يريدون قول كلمة حق تخفف عن هؤالء الصابرين‬
‫المحاصرين آالمهم ومعاناتهم فإن عليهم أن يصمتوا‪.‬‬
‫‪.‬‬
‫‪.‬‬
‫‪.‬‬
‫من المؤسف‪ ،‬والمؤلم‪ ،‬أننا لسنا أمام مرحلة ستشهد تغيير المناهج الدراسية فقط‪ ،‬وإنما اعتماد تفسير‬
‫الرئيس جورج بوش ومستشاريه للقرآن الكريم والحديث الشريف‪ ،‬وكيفية تطبيق الشريعة اإلسالمية‪.‬‬
‫سيأتي اليوم الذي ستوزع فيه السفارات األمريكية خطب الجمعة على إمام الحرم المكي الشريف‪ ،‬وكل‬
‫المساجد األخرى في العالمين العربي واإلسالمي‪ ،‬ولن يعترض أحد‪>.‬‬
‫كذلك‪ ،‬وبخصوص سفسطة وتلبيسات علماء الوهن التاريخي‪ ،‬يورد األستاذ حسنين كروم وهو يعرض‬
‫لمجمل األخبار والمواضيع الصادرة بالصحف المصرية‪ ،27‬يورد األستاذ الكريم مقاال صدر في صحيفة‬
‫األهرام للمفكر اإلسالمي فهمي هويدي يقول فيه‪:‬‬
‫<إن المجتمع اإلسرائيلي هو مجتمع عسكري بطبيعته‪ ،‬كل إنسان فيه حتى إذا ما بلغ سن الخامسة‬
‫والخمسين مكلف بأن يقضي شهرا كل سنة في الخدمة العسكرية‪ ،‬وهو جندي احتياطي‪>.‬‬
‫‪.‬‬
‫‪.‬‬
‫‪.‬‬
‫هكذا األحداث تتوالى‪ ،‬كلها بعضها مرتبط ببعض‪ :‬الخليج‪ ،‬أفغانستان وفلسطين‪ ،‬وسوف يتلوها وينبثق‬
‫عنها مصائب وويالت أخر‪ ،‬كمطلب أمريكا من المملكة العربية السعودية ومن صويحباتها إمارات الخليج‬
‫تمويل الحرب على اإلرهاب‪ ،‬إمارات الهوان التاريخي ومؤشر البين تفرقة وضعغا ‪. .‬‬
‫إذا كانت الحرب على اإلرهاب في قاموس اآلخر الصهيوني والغربي معناه الحرب على اإلسالم‪ ،‬بما هو‬
‫دين ونظام في الحياة ونهج للحضارة‪ < ،‬كتب كاتبهم المعروف "هانتينكتون" كتابه المسمى‪" :‬صراع‬
‫الحضارات" أو صدام الحضارات‪ ،‬وذكر أن هناك ثماني حضارات في العالم‪ ،‬وهذه الحضارات يمكن‬
‫التفاهم معها ما عدا حضارتين خطيرتين‪ :‬حضارة الصين ونسميها الحضارة الكونفوشيوسية‪ ،‬والحضارة‬
‫اإلسالمية‪ .‬وذكر أن الحضارة الكونفوشيوسية يمكن التقارب معها‪ ،‬وأن الخطر يكمن في الحضارة‬
‫اإلسالمية ‪ ..‬الكالم كله يتجه إلى الحضارة اإلسالمية ‪ ..‬كل هذا تغطية لما في األنفس‪ ،‬اإلسالم إذن هو‬
‫المقصود‪ ،‬هو الخطر الذي يجب أن تعبأ له القوى‪ ،‬هو الذي يجب أن توجه له الحرب الصليبية‪ 28>.‬فقد‬
‫بات واضحا أن الصليبية قد أخذت موقعها من جديد برفعها لشعار (إما معنا وإما ضدنا)‪ ،‬وإنها بهذا‬
‫الشعار قد أفصحت في إعالنها‪ ،‬وأنها تعني أصحاب الحكم واإلمارة‪.‬‬
‫المأساة هذه إذا أصبحت مكشوفة على الواقع مشهودة‪ ،‬مأساة المساومة على العروش‪ ،‬وبالطبع أن يدرك‬
‫الجميع أن العدو والجبهة األولى فيه هم األدنون‪ ،‬الذين يمولون هذه الحرب القذرة‪ ،‬الحرب الصليبية على‬
‫اإلسالم بأشد األسلحة فتكا ببني اإلنسان‪ ،‬وسفكا لدماء المسلمين في أي شبر من أرض اإلسالم‪ .‬ومن هذا‬
‫‪27‬ديسمبر) ‪1110‬الموافق ‪11‬رمضان ‪0211‬ه‪.‬‬
‫‪ 28‬جريدة القدس العربي‪ -‬العرض للثالثاء ‪00‬كانون األول (ديسمبر) ‪15 :1110‬رمضان ‪.0211‬‬
‫‪28‬األول (ديسمبر) ‪15 :1110‬رمضان ‪.0211‬‬
‫‪ 29‬رسالة الدكتور يوسف القرضاوي إلى األمة اإلسالمية حول‪ :‬أبعاد الحملة األمريكية على العالم اإلسالمي‪ -‬سلسلة قضايا أمة‪ -‬ص‪01‬‬

‫‪32‬‬

‫فإنه قد ظهر بالحق أن هؤالء العدو الداخلي المخلوق على فترة من التاريخ بسنة تبعات الترف واالستبداد‬
‫والفساد‪ ،‬أنهم وأنظمتهم هي ما أنزل الكتاب بالحق إال إلزاحته من األرض؛ يقول المودودي رحمه هللا‪:‬‬
‫< ‪ . . .‬ولما أصبح الحكم إلى الجاهلية جعلت عدواها تسري إلى الحياة االجتماعية وتدب فيها دبيب‬
‫السرطان في الجسم الحي‪ ،‬وال غرو فقد كانت مقاليد السلطة بيدها ال بيد اإلسالم‪ ،‬وكان اإلسالم بعد أن‬
‫فقدت قوة الحكم ال يمكن أن يمنع أثرها من النفوذ وسلطانها من االمتداد‪ .‬وآفة اآلفات أن الجاهلية لم تمثل‬
‫بين يدي القوم في حقيقتها العارية المكشوفة‪ ،‬بل واجهت الناس البسة قناع اإلسالم ملونة بلونه‪ .‬ولو كان‬
‫إزاء اإلسالم قوم من المالحدة والكفار والمشركين الصرحاء لهان الخطب وسهل الكفاح‪ ،‬ولكنهم كانوا‬
‫قوما كانت عالنيتهم اإلقرار بالتوحيد واإليمان بالرسالة والمحافظة على الفرائض‪ ،‬واالستشهاد بكتاب هللا‬
‫وسنة الرسول‪ ،‬وفي باطن أمرهم كانت الجاهلية تعمل عملها من وراء حجاب‪ .‬وإذا اجتمعت الجاهلية‬
‫واإلسالم على هذا الوجه في كائن واحد فالبد أن تحدث المشكالت والمعضالت التي تكون معالجتها‬
‫أصعب وأشق ألف مرة من مقاومة الجاهلية المحض‪ .‬فإنك إن قمت تحارب الجاهلية الصريحة‪ ،‬التف من‬
‫حولك مئات األلوف من المجاهدين المسلمين ينصرونك عليها‪ ،‬ولم يتجرأ أحد من المسلمين أن يساعدها‬
‫علنا‪ ،‬ولكنك إن خرجت تحارب هذا النوع الممزوج من الجاهلية واإلسالم لم يستعد للذب عنها المنافقون‬
‫وحدهم‪ ،‬بل انبرى لألمر كثير من المسلمين الخلص‪ ،‬اقبلوا عليك يلومونك ويتهمونك‪ .‬ومن الحق لعمر هللا‬
‫أن اعتالء (المسلم) سرير الحكم الجاهلي وتقلده زعامة السياسة الجاهلية‪ ،‬وإن شغل (المسلم) وظيفة المعلم‬
‫في معهد التعليم الجاهلي وتولية مشيخة الجاهلية‪ ،‬لخدعة خادعة قل من يسلم من الوقوع بحبائلها‪.‬‬
‫وكان أشد وأخطر ما في هذا االنقالب المركوس أن جاءت الجاهلية بأنواعها الثالثة البسة قناع اإلسالم‬
‫وجعلت تتأصل في المجتمع العربي اإلسالمي وتتمشى فيه وغدت آثارها تزداد انتشارا على مرور األيام‪.‬‬
‫فأما الجاهلية المحضة فعمدت إلى الدولة والحكومة فهيمنت عليهما وانقلبت الخالفة قيصرية جاء اإلسالم‬
‫يقطع دابرها‪ ،‬ولم يبق فيها من الخالفة إال اسمها‪ .‬ولما كان اعتقاد األلوهية للملوك لم يعد يتجاسر عليه أحد‬
‫فاحتالوا باألثر المروي‪ :‬السلطان ظل هللا‪ ،‬وتبوأ الملوك واألمراء بهذه الحيلة منزلة المطاع المطلق التي‬
‫هي خاصة لإلله‪ ،‬واسترسل األمراء والحكام والوالة ورجال الجيش والمترفون إلى الجاهلية المحضة في‬
‫‪29‬‬
‫ظل هذه الملكية ‪>. .‬‬
‫وجاء على هامش األثر‪( :‬السلطان ظل هللا) تعليقا‪:‬‬
‫<الشك أن هذه الكلمات قد وردت في األثر‪ ،‬ولكن الناس قد حملوها على المعنى المخطئ؛ السلطان في‬
‫لغة العرب معناه األصلي‪ :‬السلطة والسيطرة‪ ،‬وال يستعمل هذا اللفظ لصاحب السلطة إال مجازا‪ .‬وكذلك لم‬
‫يستعمله النبي صلى هللا عليه وسلم إال بمعناه األصلي دون المجازي‪ .‬والمراد بقوله صلى هللا عليه وسلم‪:‬‬
‫أن الحكم والسلطة في الحقيقة ظل من سلطة هللا وهيمنته‪ .‬فكل من وقع عليه هذا الظل إذا رعى حرمته‬
‫وراقب حقه‪ ،‬فحكم الناس بالحق والنصفة أعزه هللا تعالى وأكرمه‪ ،‬وإذا استهان بأمره وساس الناس بالظلم‬
‫واتباع الشهوات أهانه هللا‪ .‬ولكنهم حرفوا معاني هذا القول الحكيم وجعلوا الملك ظل هللا واتخذوه أساسا‬
‫لعبادة الملوك على غير ما أراده النبي صلى هللا عليه وسلم‪>.‬‬
‫البد هنا من إلقاء الضوء على هذه النقطة‪ ،‬حيز ومجمع لمختلف من التلبيسات والتعقيدات الذي األصل فيه‬
‫وسببه افتقاد شرط الكفاية واإلحاطة العلمية بالقدر األدنى‪ ،‬وكذلك االستغفال الماكر والسفسطة‪ .‬إن هذا‬
‫المقول‪ :‬السلطان ظل هللا‪ ،‬ليس مقوال مستجدا‪ ،‬بل عرفته أوروبا بعد القرن الرابع الميالدي حين أصبحت‬
‫‪29‬الم اإلسالمي‪ -‬سلسلة قضايا أمة‪ -‬ص‪01‬‬
‫أبو األعلى المودودي‪ :‬موجز تاريخ الدين وإحيائه‪ ،‬واقع المسلمين وسبيل النهوض بهم‪ -‬الدار السعودية للنشر والتوزيع‪-0215:0185-‬ص‪-28‬‬
‫‪30‬ترجمه محمد عاصم حداد‪.‬‬

‫‪33‬‬

‫المسيحية دين الشعوب وانتقلت أوروبا من وثنيتها ومن تقديس اإلمبراطور وعبادته‪ ،‬وعلى طول هذه‬
‫المساحة التاريخية التي نشأت وتحددت بنشوء اإلمارات واإلقطاعات الدويالتية نتيجة االكتساح البربري‬
‫من الشرق والشمال على السواء‪ ،‬أصبحت هذه المقوالت وهذه األلقاب بالذات من قبيل الحاكم بأمر هللا‬
‫والمستنصر باهلل وغيرها‪ ،‬أصبح يلقب بها حكام اإلقطاعات والملوك‪.‬‬
‫ثم إن نظرية التفويض أو الحق اإللهي للسلطة‪ ،‬النظرية الثيوقراطية في الحكم هي ضمن النظريات‬
‫المعتبرة في أساس وأصل الدولة كمؤسسة اجتماعية تاريخية‪ ،‬إلى جانب نظرية القوة ونظرية العقد‬
‫االجتماعي وما سواها من التنظيرات‪.‬‬
‫وطبعا ال ينبغي أن يؤخذ هذا االعتبار بمنزلة الثابت في الحقائق والقيم العلمية التأسيسية للمعرفة اإلنسانية‬
‫الثبوتية‪ ،‬بل هي محض افتراضات ال ترقى إلى قيمة الحقيقة التي ال تناقش‪ .‬ذلك أن معايير العقل العلمي‬
‫واضحة‪ ،‬والتسليم بأمر ما وحدث ال يمكن أن يقبل إال من خالل هذه المعايير وإال كنا غير عقالنيين‪ .‬ومن‬
‫أجل هذا ال يفتأ العلماء والمفكرون المخلصون لروح الحقيقة العلمية ينادون ويحذرون من الصورة‬
‫واإلطار التي تقدم فيه على المستوى األكاديمي جملة من مسمى العلوم اإلنسانية‪ ،‬ويدحضون ادعاء‬
‫اإلسناد الحقائقي والعلمي في مقوالت التأسيس للدراسات المهتمة بمؤسسات االجتماع اإلنساني منذ التاريخ‬
‫السحيق لوجوده وفرضيات هذا التأسيس‪ ،‬فهو إسناد يفتقد لمعايير الصدقية والحقيقة العلمية‪ ،‬هو مجرد‬
‫خرص وتخمين‪ ،‬بل أحيانا محض الهوى والخيال‪ .‬يقول الدكتور هرمان راندال في مؤلفه (تكوين العقل‬
‫الحديث)‪:‬‬
‫< كانوا دائما (أي علماء االجتماع من تطوريين وغيرهم) يبدأون من معرفة ناقصة عن المجتمع البشري‬
‫المعقد التركيب‪ ،‬معتقدين دائما بأن من الممكن استكشاف بضعة مبادئ بسيطة وإنشاء علم كامل منها‪،‬‬
‫وكانوا ينتهون دائما إلى نظرية اجتماعية قادرة على تحطيم العقائد التقليدية‪ ،‬ولكنها عاجزة عن أن تقيم‬
‫بدال عنها نظاما أكثر شموال منها‪ .‬كان كل منهم يحمل فكرة علم االجتماع العظيمة األهمية‪ ،‬ولكن أحدا‬
‫منهم لم يكن يملك ال الطريقة وال الحقائق الالزمة إلنجاز مثل هذه المهمة‪ ،‬لهذا نرى العلوم االجتماعية‬
‫التي نشأت في القرن الثامن العشر بالرغم من كونها أدوات انتقادية عظيمة قد انتهت إلى نظم شاملة‬
‫‪30‬‬
‫ومنحجرة أثبتت عجزها عن أي حل‪>.‬‬
‫فينبغي إذا إدراك التمايز بين مختلف الدالالت لمقول (السلطان ظل هللا) حسب سياقاتها التاريخية‪ ،‬فليس‬
‫هناك تطابق لهذا المعنى في تاريخ الهند أو الروم وأوروبا القرووسطية والمعنى الصحيح لها في اإلسالم‪،‬‬
‫لكنه‪ ،‬كما أكدنا وأشرنا إليه‪ ،‬المكر االبياني والمقوالت أو العناصر الوسيطية في الخطاب السفسطائي‪،‬‬
‫خصوصا إن كان شرط الحقيقة والواقع اإلسالمي غير محقق‪ ،‬فحينها ال تكون هذه المقولة إال وسيلة‬
‫للزيف وتوسل البيان لخدمة االستبداد‪.‬‬
‫هذا التشابك وااللتباس الناتج عن التعميم غير الجائز والخاطئ‪ ،‬تكمن خطورته ومدى تأثيره في ارتباطه‬
‫بمعنى الخالفة والحاكمية في اإلسالم‪.‬‬
‫< وهذه النظرية من أقدم النظريات حول تفسير أصل الدولة‪ ،‬ومؤداها أن أصل الدولة هي فكرة دينية‪.‬‬
‫فعندما تستقر الجماعة على أرض محددة وتقر لشخص ما بالزعامة‪ ،‬فإنها في نفس الوقت تقدر بالخضوع‬
‫لديانة هذا الزعيم‪ ،‬وبالتدريج تتالشى سلطات الرؤساء اآلخرين وتحل محلها السلطة الدينية للزعيم الجديد‪.‬‬
‫وبمرور الزمن يصبح الزعيم يستمد سلطته من الدين‪ .‬وقد كانت للدين عند الجماعات القديمة مكانة‬
‫مرموقة‪ ،‬ومن كان يملك أسرار الديانة ويقوم بطقوسها تخضع له الجماعة وتدين له بالوالء‪.‬‬
‫‪-215:018530‬ص‪-28‬ترجمه محمد عاصم حداد‪.‬‬
‫‪ 31‬تكوين العقل الحديث‪-‬ج‪-1‬ص‪ -268‬نقال عن (اإلسالم واالتجاهات العلمية المعاصرة) دكتور يحيى هاشم حسن‪-‬دار المعارف‪.‬‬

‫‪34‬‬

‫ونظرا لما للديانة من مكانة وتقديس لدى الجماعات القديمة‪ ،‬فإن هذه الجماعات قد ألهت ملوكها األوائل‪،‬‬
‫وكان هذا التأليه يستمر حتى بعد ممات الملك‪ .‬وحيث أن ممارسة الشعائر الدينية كانت تتم داخل المعبد فقد‬
‫تجمعت األسر والقبائل حول المعبد‪ ،‬وأصبح رجال الدين داخل المعبد بمثابة رجال الحكم‪ ،‬واألسر والقبائل‬
‫التي تدين بديانة المعبد ورجاله هم الرعية‪ .‬وكان يطلق على الدولة المكونة بهذه الطريقة اسم (دولة‬
‫المعبد)‪.‬‬
‫ويرى ديال بورت‪ -‬في بحثه حول أصل الدولة في بالد ما بين النهرين‪ -‬أن تأسيس المدينة‪( :‬عمال دينيا ال‬
‫يستطاع القيام به إال بناء على أوامر اآللهة العظام ألن المدينة هي قبل كل شيء مركز للعبادة‪ .‬وعلى هذا‬
‫كان السم المدينة أحيانا واسم اإلله الذي تنازل فرضي أن يستقر فيها مدلول واحد)‪ .‬وألن الدولة أسست‬
‫ألغراض دينية‪ ،‬فإن من يقوم على أمورها عليهم واجب القيام بالشعائر الدينية‪ ،‬فهم نواب اإلله على‬
‫األرض ويستمدون سلطتهم منه مباشرة‪ ،‬وأحيانا كانوا هم اإلله نفسه)‬
‫مرت فكرة األصل الديني للدولة بمرحلتين‪:‬‬
‫‪ -0‬نظرية تأليه الحاكم‪ :‬ومضمونها الجمع بين شخص الحاكم واإلله‪ ،‬فالحاكم هو اإلله‪ .‬وبالتالي له نفس‬
‫قدسية اإلله‪ .‬وهذا ما كان سائدا في الهند وفي مصر الفرعونية‪.‬‬
‫‪ -1‬نظرية الحق اإللهي‪ -‬أو التفويض اإللهي‪ -‬ومضمونها أن الحاكم ليس هو اإلله‪ ،‬ولكنه يستمد سلطته‬
‫مباشرة من اإلله‪ ،‬فهو يحكم باسم اإلله الذي فوض له السلطة‪ .‬وقد ظهرت هذه النظرية في القرون‬
‫الوسطى على يد ملوك أوربا اإلقطاعيين‪ ،‬وكان بعضهم يسمى أحيانا خليفة هللا في األرض أو ظل هللا في‬
‫األرض‪ .‬وبمقتضى هذه النظرية‪ ،‬كان الملك الحق في حكم رعيته حكما مطلقا استبداديا‪ ،‬دون أن يجرؤ‬
‫أحد من الشعب على معارضته‪ ،‬ألن معارضته معارضة إلرادة هللا‪ .‬وقد حدث صراع مرير بين رجال‬
‫الدين المسيحيين من جهة وأنصار الدولة من جهة أخرى‪ -‬السلطة الزمنية‪ -‬فقد تمسكت الكنيسة بأن البابا‬
‫أو رجال الدين وحدهم مصدر السلطات وأن اإلمبراطور يستمد سلطته من البابا‪ .‬أما أنصار الدولة فقد‬
‫قالوا بأن الحاكم الدنيوي يستمد سلطته مباشرة من هللا‪ .‬وأن الملوك كانوا موجودين قبل أن توجد الكنيسة‪.‬‬
‫وقد حسم الصراع بانتصار الرأي الثاني في مرحلة أولى‪ ،‬وبتقويض فكرة التفويض اإللهي بمجملها في‬
‫مرحلة ثانية حيث ظهرت العلمانية التي فصلت بين األمور السياسية واألمور الدينية‪>.‬‬
‫وجاء على الهامش قوله‪:‬‬
‫< يمكن إدماج الحركات األصولية إسالمية أو مسيحية أو يهودية ضمن توجه سياسي يسعى إلى إحياء‬
‫فكرة الحكم الثيوقراطي‪ ،‬من خالل إخضاع السلطات الدنيوية سياسية‪ ،‬قانونية واقتصادية إلى السلطة‬
‫‪31‬‬
‫الروحية أي تسبيق الديني على الدنيوي>‬
‫المالحظ التوظيف المعجمي غير الصحيح لكلمة ولفظ (النظرية)‪ ،‬وذلك في السياق والحديث عن مراحل‬
‫التحقق لألصل الديني للدولة؛ إذ ال يصح القول بأن مرحلة زمنية وحدثا تاريخيا بأنه نظرية‪ .‬وهذا واضح‬
‫في قوله ولفظه‪ <:‬وقد ظهرت هذه النظرية في القرون الوسطى على يد ملوك أوروبا اإلقطاعيين >‬
‫وقوله‪ < :‬وبمقتضى هذه النظرية كان للملك الحق في حكم رعيته حكما مطلقا استبداديا >‬
‫هذا النص والتعليق الذي على هامشه يفيان البيان والتوضيح فيما يخص المعاني المتباينة لذات المقول‬
‫(السلطان ظل هللا)‪ ،‬وبالتأكيد درجة وحقيقة االلتباس المتخذة وليجة ووسيطا استجهاليا‪ ،‬ليس لعامة الناس‬
‫ممن ليسوا بأهل العلم المطالبين بوجوب بذل الجهد في حصول قدر من العلم لتبين الحقائق‪ ،‬ولكن يا‬
‫لألسف والحسرة‪ ،‬يصبح ضحيته من هم في عداد أساتذة الجامعات وعداد المعلمين غيرهم والمثقفين‪ ،‬مما‬
‫‪ )31‬دكتور يحيى هاشم حسن‪-‬دار المعارف‪.‬‬
‫‪ 32‬تاريخ المؤسسات والوقائع االجتماعية‪ -‬ص‪:016‬د‪ .‬إبراهيم أبراش‪ -‬مؤسسة التغليف والطباعة للشمال‪ 6 .‬زنقة كربالء‪ -‬الشقة‪-8‬‬

‫‪35‬‬

‫هو جلي ومتضح من خالل هذا النص وهامش تعليقه‪ ،‬الذي أبى صاحبه إال أن يفصح به معلنا بشارته‬
‫انتماءه وموقفه‪.‬‬
‫الصبغة الالعلمية‪ ،‬بل والتبعية في األخذ للمادة التي يعرضها مفكرو الغالب على المتلقي المغلوب من غير‬
‫صفة إال صفة العلم الباهر واألستاذية‪ ،‬هذه الصبغة والحالة المزرية للعقل العربي بموقفه وموضعه في‬
‫هذه الوضعية‪ ،‬ممثال خاصة في جامعاته ومواده التعليمية وبرامجها‪ ،‬يبرزها تضمن المؤلف ذاته‪ ،‬أي‬
‫الحامل للنص‪ ،‬للمتناقض والمتضارب من الحقائق‪ ،‬فهذا إن دل على شيء فإنما يدل على صفة افتقاد العقل‬
‫المحدد للمادة وللنسق‪ ،‬ويدل على التلقي واالئتمار وبالدونية شعورا وواقعا‪ ،‬واالستقاللية في الحكم‬
‫والتفكير شرط لبقاء حقيقة العقل العلمي‪ .‬جاء في المؤلف ‪-‬وهو مرجع دراسي تعليمي‪ -‬فيما يخص نظام‬
‫الحكم في اإلسالم‪ -‬فرع الخالفة‪:-‬‬
‫يقوم نظام الحكم في اإلسالم على مبدإ الشورى‪ .‬وهذا ما يتضح مما ورد في القرآن الكريم‪ ،‬مخاطبا‬
‫الرسول صلى هللا عليه وسلم‪{:32‬وشاورهم في األمر}‪(33‬آل عمران‪ ،)051‬وكذلك‪{:‬وأمرهم شورى‬
‫بينهم}(الشورى‪ .)85‬وقد أخذ الرسول عليه الصالة والسالم بمبدإ الشورى إبان حكمه في القرن السابع‬
‫الميالدي‪ ،‬إال أن وفاة الرسول عليه الصالة والسالم طرح مشكلة حول نظام الحكم من بعده‪ .‬فالرسول لم‬
‫يتطرق إبان حياته إلى من سيخلفه وإلى طبيعة الحكم الذي سيتبع‪ ،‬كما أن القرآن الكريم لم يعالج هذه‬
‫القضية‪>.‬‬
‫ويضيف قائال‪:‬‬
‫< إن الخالفة تعني رياسة عامة في أمور الدين والدنيا نيابة عن الرسول صلى هللا عليه وسلم‪ .‬وفي ذلك‬
‫يقول ابن خلدون‪" :‬والخالفة هي حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم األخروية‬
‫والدنيوية الراجعة إليها‪ ،‬إذ أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشرع إلى اعتبارها بمصالح اآلخرة‪ ،‬فهي في‬
‫‪34‬‬
‫الحقيقة خالفة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا"‬
‫فالخالفة إذن نظام للحكم يجمع بين المسائل الدينية والمسائل الدنيوية‪ ،‬وهي خالف ما جاءت به المسيحية‬
‫من فصل بين الدين والدنيا‪ -‬ما هلل هلل وما لقيصر لقيصر‪ -‬فليس من اإلسالم ما هو ديني محض‪ ،‬وما هو‬
‫سياسي أو دنيوي محض‪>35‬‬
‫انظر إلى هذا التضارب والصراع العنيف داخل هذه النفس الحائرة للمؤلف‪ ،‬فتكاد تكون هي الصورة‬
‫لعموم اإلنسان العربي والمسلم في هذا العصر البئيس‪ ،‬حيرة وتردد بين استشعار الهوية وقوة االستيالب‪،‬‬
‫ليس فحسب بما تمليه إكراهات الواقع العلمي في حد ذاته‪ ،‬بل في أشر وأنكى من هذا كله جميعا‪ ،‬حين‬
‫يصبح ركوب تيار االنسالخ إقرارا بالهزيمة ولحوقا بالتغريبية والتبعية هو مطية القبول على المنابر‬
‫وكراسي الجامعات ومجالس الندوات‪ .‬لكن يأبى هللا تعالى إال أن يميز برائز البيان ذاته حقيقة الجوهر‬
‫‪32‬عة للشمال‪ 6 .‬زنقة كربالء‪ -‬الشقة‪-8‬‬
‫‪ 33‬في األصل كتبت الصالة على النبي صلى هللا عليه وسلم اختزاال بحرف (ص)‪.‬‬
‫‪33‬ى هللا عليه وسلم اختزاال بحرف (ص)‪.‬‬
‫في األصل كتب قوله تعالى بين قوسين‪ ،‬كما أشير إلى موضعه من القرآن وقوله سبحانه الذي يليه أسفل الصفحة‪ ،‬وهذا بالذات من المتفق والمتداول‬
‫‪34‬غير السائغ‪ ،‬ثم إن إحاالت‪:‬الشورى‪:‬اآلية‪ 18‬واألعراف اآلية‪ 081‬غير صحيحتين‪.‬‬
‫‪34‬ة‪ 18‬واألعراف اآلية‪ 081‬غير صحيحتين‪.‬‬
‫عبد الرحمان بن خلدون‪-‬مرجع سابق(أي المقدمة ج‪)0‬ص‪ . 066‬هذا وقد ميز ابن خلدون بين الخالفة والملك‪ ،‬واعتبر أنه منذ عهد األمويين تحولت‬
‫‪35‬الخالفة إلى ملك كملك العجم‪ ،‬أي التوارث في العائلة الواحدة‪ -‬عن مؤلف المؤلف صاحب النص‪.‬‬
‫‪35‬الواحدة‪ -‬عن مؤلف المؤلف صاحب النص‪.‬‬
‫هناك من الكتاب من يذهب إلى أن اإلسالم دين عقائدي فهم يفصلون بين الدين والسياسة‪ ،‬ومنهم علي عبد الرزاق في كتابه (اإلسالم وأصول الحكم)‬
‫وخالد محمد خالد في كتابه (من هنا نبدأ) ومحمد أحمد خلف في كتابه (القرآن والدولة)‪ -‬مؤلف النص‪ -‬نشير كذل إلى تغيير أعداد اإلحاالت الهامشية‬
‫‪36‬تناسقا وضرورة‪.‬‬

‫‪36‬‬

‫وحقيقة اإلنسان‪ ،‬فإن هذا الرائز ال يزال هو الصورة الحقيقية في هذه الحالة لهؤالء المتوسلين مخالفة‬
‫الحق ولو بافتقاد وإسقاط الحس األدنى من الخلق والتوقير لما له حق التوقير وحق اإلجالل‪ .‬ومهما يكن‬
‫فهذا هو الغالب اليوم وليس مفارقة‪.‬‬
‫من جهة أخرى فإن ما يخص موضوعنا‪ ،‬فإن واقع العرب والمسلمين اليوم‪ ،‬الذي جعل‪ -‬وكما أشرنا إليه‪-‬‬
‫المقوالت الخاطئة للماركسية واإللحادية وغيرها‪ ،‬جعلها صادقة وهي كاذبة خاطئة‪ ،‬هذا هو من صلب‬
‫حديثنا ومن أهم ما يتصل به من قضايا وإشكاالت‪ ،‬مما تمت اإلشارة إليه منذ البدء في عرض وطرح‬
‫قضية التقسيم وخلفياته‪ ،‬وما كان من التحديد والعلل في اصطناعه واختالقه‪.‬‬
‫لكن الخطير هو اإلغراض في هذا الواقع من كلتا الجهتين‪ ،‬وبنحو تلبيسي بجعل العارض وتقديمه لآلخر‬
‫وللمتلقي‪ ،‬سواء على مستوى العلم األكاديمي الموجه أو على مستوى الخطاب المجالي ككل‪ ،‬تقديمه علما‬
‫مسطرا وتصويره قانونا وخاصة سارية‪ .‬وإدراكا لخطر هذا وأهمية إثارته‪ ،‬يقول سيد قطب رحمه هللا‪:‬‬
‫< واإلسالم ال كهانة فيه وال وساطة بين الخلق والخالق‪ ،‬فكل مسلم في أطراف األرض‪ ،‬وفي فجاج‬
‫البحر‪ ،‬يستطيع بمفرده أن يتصل بربه‪ ،‬بال كاهن وال قسيس‪ .‬واإلمام المسلم ال يستمد واليته من "الحق‬
‫اإللهي" وال من الوساطة بين هللا والناس‪ ،‬إنما يستمد مباشرته للسلطة من الجماعة اإلسالمية‪ ،‬كما يستمد‬
‫السلطة ذاتها من تنفيذ الشريعة‪ ،‬التي يستوي الكل في فهمها وتطبيقها متى فقهوها‪ ،‬ويحتكم إليها الكل على‬
‫السواء‪.‬‬
‫فليس في اإلسالم "رجل دين" بالمعنى المفهوم في الديانات التي ال تصح مزاولة الشعائر التعبدية فيها إال‬
‫بحضور رجل الدين‪ .‬إنما في اإلسالم علماء بالدين‪ ،‬وليس للعالم بهذا الدين من حق خاص في رقاب‬
‫المسلمين‪ ،‬وليس للحاكم في رقابهم إال تنفيذ الشريعة التي ال يبتدعها هو‪ ،‬بل يفرضها هللا على الجميع‪ ،‬أما‬
‫‪36‬‬
‫في اآلخرة‪ ،‬فالكل مصيرهم إلى هللا‪{:‬وكلهم آتيه يوم القيامة فردا}(مريم‪>)15‬‬
‫ويضيف رحمه هللا موضحا‪:‬‬
‫‪37‬‬
‫< فأما وقوف "رجال الدين" في صف السلطان وأصحاب المال وتخديرهم بالدين للعاملين‬
‫والمحرومين‪ ،‬فال نكران لوقوعه في بعض عهود التاريخ اإلسالمي‪ .‬ولكن روح الدين الحقيقية تنكر على‬
‫هؤالء موقفهم؛ والدين يتوعدهم بالعذاب والنكال جزاء ما اشتروا بآيات هللا ثمنا قليال‪ .‬ولقد حفظ التاريخ‬
‫بجانب سير هؤالء سيرا لنماذج من "علماء الدين" الذين لم تأخذهم في الحق لومة الئم‪ ،‬والذين حرضوا‬
‫‪38‬‬
‫أصحاب الحقوق على حقوقهم‪ ،‬وبينوها لهم‪ ،‬وتعرضوا لظلم الحكم‪ ،‬وللنفي أحيانا واالضطهاد‪>.‬‬

‫‪36‬د اإلحاالت الهامشية تناسقا وضرورة‪.‬‬
‫‪ 37‬سيد قطب‪ :‬العدالة االجتماعية في اإلسالم‪-‬ص‪.02‬‬
‫‪37‬العدالة االجتماعية في اإلسالم‪-‬ص‪.02‬‬
‫نحن نفرق بين اصطالح رجال الدين واصطالح<علماء الدين>‪ ،‬ففي بعض العهود يحاول أصحاب السلطان أن يقيموا في اإلسالم <هيئة دينية>‬
‫يستخدمونها في تحريف الكلم عن مواضعه‪ ،‬واإلفتاء بما يرضي أصحاب السلطان‪ ،‬ويصدق أقوالهم وأفعالهم وأوضاعهم التي ال سند لها من الدين‪،‬‬
‫‪39‬وهي هيآت تشبه <إكليروس الكنيسة> ال يعرفها اإلسالم‪ -‬المؤلف صاحب النص‪.‬‬
‫‪ 39‬يعرفها اإلسالم‪ -‬المؤلف صاحب النص‪.‬‬

‫‪37‬‬

‫الباب الثالث‬
‫<كفر دون كفر> والتنزيل‬

‫‪38‬‬

‫الفصل األول‬
‫الداللة التاريخية لمقولتي< التكفير> و<كفر دون كفر>‬
‫إن مسألة <كفر دون كفر> لم تطرح بصيغتها االنتشارية والموسعة إال كنتيجة حتمية تقتضيها سنن هللا‬
‫تعالى الذي يؤكد سبحانه في كتابه المجيد‪{:‬وإن ربك لهو العزيز الرحيم'}(الشعراء‪ ،)8‬فحرب الخليج‬
‫الثانية جلت وأبانت عن اختالف المقاصد واالنتماءات لمكونات األمة المحورية الثالثة‪ ،‬مكون سواد األمة‬
‫وعيال الخالق سبحانه‪ ،‬ومكون الحكام والمكون الثالث العلماء‪.‬‬
‫مسألة <كفر دون كفر> هي مسألة <التكفير> ذاتها‪ ،‬وليس تكون الصبغة المفهوماتية هنا إال بالربط مع‬
‫الحدث التاريخي‪ ،‬الحدث المبرز للسنن والقوانين الكونية القاهرة‪.‬‬
‫فمن جهة هذه القوانين والسنن الحقيقة واحدة؛ أما من حيث التحديد‪ ،‬فالتكفير بدأ بشروطه التاريخية وبيئته‬
‫المصرية‪ ،‬بافتراق المصالح وتخالف الوجهات بين القومي واإلسالمي‪ ،‬وليبلغ الشقاق أشده ويتسع الخرق‬
‫عن الرتق مع <كامب ديفيد>‪.‬‬
‫فلنا إذا أن نفقه وننظر في حقيقة بروز التجلي الثاني مع الخليج الثانية‪ ،‬وقوته الصارخة بأفغانستان‬
‫وفلسطين‪ ،‬ذلكم وإن كانت النصوص التي نناقشها هنا قد جاءت قبل بلوغ األحوال حدتها وذروتها مما‬
‫يشهده ويتعرض له المسلمون اليوم في مشارق األرض ومغاربها من ذبح وتقتيل‪ ،‬ومجازر مهولة رهيبة‬
‫سوف تبكيها القرون اآلتية بملء الحسرة واألسى‪ ،‬والذين يشهدونها بأم أعينهم ال حول لهم وال قوة‪. .‬‬
‫لقد كان حدث التكفير بما له من داللة معبرة عن المسار العام للفكر العربي اإلسالمي في مصر‪ ،‬قد أتى‬
‫في نسق تدرجي كامل االتصال‪ .‬وال شك أن الوعي باالجتماع والتاريخ‪ ،‬والرؤية الموضوعية‪ ،‬تجعل منه‬
‫بفعل السنن أمرا حتميا رد فعل الزم تبعة‪.‬‬
‫ولئن وصفت هذه الحركات المتبنية للتكفير كحقيقة وكإطار فكري وعملي‪ ،‬بأنها ضالة ومنحرفة‪ ،‬فهذا‬
‫التعبير نسبي‪ ،‬مرجعيته ال تنطبق‪ ،‬بل تقابل على تضاد المرجعية األولى واإلطار األول ل<اإلخوان‬
‫المسلمين>‪ ،‬واألدلة في ذلك قوية قوة الشهود‪ ،‬أبرزها ما ذكرنا من ارتباط تجلياتها بالتاريخ‪ ،‬وبصلة ردة‬
‫الفعل بالفعل‪.‬‬
‫وجب علينا من باب تحديد األسس في الحديث والخطاب‪ ،‬أن نعين المراد ونحدد المعبر عنه ب<التكفير>‪،‬‬
‫ذلك ألن الفعل التضليلي لإلعالم جعله في مدارك الناس مجرد أسلوب وورقة بيانية في المواجهة‪ ،‬وكأن‬
‫ليس له من وراء ذلك من صلة بالواقع والحقيقة‪.‬‬
‫إن مفهوم <التكفير> لم يصبح مكونا إال بفعل السنن‪ ،‬وطبيعي وبديهي أن تصبح للمنظومة األولى بإضافة‬
‫هذا المكون حقيقة مسايرة ال تكافئ سابقتها‪ ،‬ولن تناقضها طبعا‪ ،‬وإنما هي استمرار لها‪ .‬ألجل ذلك‪ ،‬ولكون‬
‫التاريخ في سننه وقوانينه هو من تجليات الحق الذي تقوم عليه السماوات واألرض‪ ،‬كان هو المعرف‬
‫للرجال‪ ،‬وليسوا هم يعرفونه وال هو بهم يعرف‪.‬‬
‫الظهور والتجلي للحقيقة ذاتها في صيغة <كفر دون كفر> برهان أقوى لهذا النسق الذي ذكرنا‪ .‬بيد أن‬
‫الذي يميز هذا التجلي هو قوة االنفجار‪ ،‬وبالتالي نتائجه وآثاره على البعد التاريخي‪ ،‬وهذا كما قلنا يرى من‬
‫متضمن ما يتلى من الحق وقوله تعالى‪{:‬وإن ربك لهو العزيز الرحيم'}(الشعراء‪)8‬‬

‫‪39‬‬

‫كذلك‪ ،‬ورغم أن لمقولتي <التكفير> و<كفر دون كفر> انطباقا على مستوى األصول الشرعية‪ ،‬بما هي‬
‫دالة على أحكام توقيفية قد بينها الشرع كمرجعية عليا‪ ،‬ليس لغير الوحي المجيد دخل في نصوصها‬
‫ومحدداتها‪ ،‬فإن لكل منها خاصات مميزة‪ ،‬يهمنا نحن منها خاصتان اثنتان؛ أوالهما تاريخية‪ ،‬والثانية‬
‫جدلية‪.‬‬
‫ الخاصة المميزة لمقولة <التكفير> باعتبارها مفهوما تاريخيا هي االتصالية التامة فكرا وتاريخا‪،‬‬‫وبالتالي منهجيا‪ ،‬من خالل اإلحياء اإلسالمي في مصر والهند وغيرها من بالد اإلسالم‪ ،‬االتصالية‬
‫واالرتباط بأهم المكونات‪ .‬فلذلك كانت المبدئية والوضوح في إصدار وسلوك الحكم‪ ،‬ألن مصدره كان‬
‫محوريا من الناحية العلمية‪ ،‬المتضمنة حتما للتاريخية بكل أبعادها‪ ،‬وخاصة السياسي منها‪.‬‬
‫ الخاصة المميزة لمقولة <كفر دون كفر> هي الثورية واالنقالبية‪ ،‬وذلك النبثاقه من إطار كان أهم‬‫غايات احتضانه هو مواجهة هذا الوصل‪ ،‬الوصل الذي يكون اإلسالم بمقتضاه كال ووحدة ال تتجزأ وال‬
‫تتبعض‪ .‬وأهم االستنتاجات التي تستنبط من الحدث االنقالبي هذا هو أنه لم يكن ليحصل لوال بلوغ األمور‬
‫إلى حد ودرجة لم تستسغ لدى الجموع المؤمنة التي كانت ترى في الشيوخ موئل كل الصدق والنصح‪ ،‬فإذا‬
‫هم أشياء ووجود شيئي بيد الحكام‪ .‬وهذا ما أوردنا من أدلته تصريح العثيمين رحمه هللا بشأن استفسار ابن‬
‫الدن في أمر الفتوى المحلة لالستعانة بالكفار والمشركين في قتال طائفة من المؤمنين‪.‬‬
‫الثورية واالنقالبية كخاصة نعني به إذن ردة الفعل على محاولة تسويغ الضالل السياسي برفع سالح‬
‫ويافطة <كفر دون كفر> من جهة هيئة اإلكليروس‪ ،‬ال من عند إرادة أنفسهم‪ ،‬ولكن خدمة وائتمارا‬
‫وخضوعا‪ .‬وبذلك عرفت أولى جبهات العدو‪ ،‬عدو األمة وعدو تاريخ األمة الذي هو المسار الذي تخطه‬
‫في االستخالف‪ ،‬وبالخصوص الشطر العربي منها‪ ،‬للوصل البنيوي بين هذا الشطر واإلسالم‪ .‬فأولو األمر‬
‫من العرب نصحهم نصحان‪ ،‬وجرمهم جرمان‪ ،‬وإن كان الدين النصيحة‪ ،‬فهي النصيحة المرتبطة بكل‬
‫شيء‪ ،‬التي تنص على كل واجب وتشمل كل مسؤولية‪.‬‬

‫‪40‬‬

‫الفصل الثاني‬
‫الرد األولي وداللة العرضية في <كفر دون كفر>‬
‫للوقوف عن كثب من هذه الحقيقة‪ ،‬حقيقة وكنه الواقع الراهن‪ ،‬سنسلك في بسطنا لمقولة <كفر دون كفر>‬
‫مسلكا على ذات الصيغة التي ظهرت بها‪ ،‬وعلى ضوء واعتبارات هذا الواقع ومعطياته‪ .‬ذلك ال شك‬
‫سيجعلنا أكثر قصدا في القول‪ ،‬وعلى نهج من الموضوعية والواقعية أقرب إلى السداد من غيره‪.‬‬
‫قال محمد ناصر األلباني‪:‬‬
‫<ومن هؤالء المنحرفين‪ :‬الخوارج –قدماء ومحدثين‪ -‬فإن فتنة التكفير في هذا الزمان بل منذ أزمان‪ -‬هو‬
‫آية يدندنون دائما حولها؛ أال وهي قوله تعالى‪{:‬ومن لم يحكم بما أنزل هللا فأولئك هم الكافرون}؛ فيأخذونها‬
‫من غير فهوم عميقة ويوردونها بال معرفة دقيقة‪ ،‬ونحن نعلم أن هذه اآلية الكريمة قد تكررت‪ ،‬وجاءت‬
‫خاتمتها بألفاظ ثالثة هي‪{:‬فأولئك هم الكافرون}‪ . . .{،‬فأولئك هم الظالمون}‪{،‬فأولئك هم الفاسقون} فمن‬
‫تمام جهل الذين يحتجون من هذه اآلية باللفظ األول منها فقط –{فأولئك هم الكافرون} أنهم لم يلموا على‬
‫األقل ببعض النصوص الشرعية –قرآنا أم سنة‪ -‬التي جاء فيها ذكر لفظة (الكفر)؛ فأخذوها‪ -‬بغير نظر‪-‬‬
‫على أنها تعني الخروج من الدين‪ ،‬وأنه ال فرق بين هذا الذي وقع في الكفر‪ ،‬وبين أولئك المشركين من‬
‫اليهود والنصارى وأصحاب الملل األخرى الخارجة عن ملة اإلسالم‪ .‬بينما لفظة (الكفر) في لغة الكتاب‬
‫والسنة ال تعني‪ -‬دائما‪ -‬هذا الذي يدندنون حوله؛ ويسلطون هذا الفهم الخاطئ المغلوط عليه‪ .‬فشأن‬
‫اللفظ‪{:‬الكافرون} من حيث أنه ال يدل على معنى واحد‪ -‬هو ذاته شأن اللفظين اآلخرين‪{:‬الظالمون}‬
‫و{الفاسقون}‪ .‬فكما أن وصف بأنه ظالم أو فاسق ال يلزم بالضرورة ارتداده عن دينه‪ ،‬فكذلك من وصف‬
‫بأنه كافر‪ ،‬سواء بسواء‪ .‬وهذا التنوع في معنى اللفظ الواحد هو الذي تدل عليه اللغة‪ ،‬ثم الشرع الذي جاء‬
‫بلغة العرب‪ -‬لغة القرآن الكريم‪ -‬فمن أجل ذلك كان الواجب على كل من يتصدى إلصدار األحكام على‬
‫المسلمين سواء كانوا حكاما أو محكومين‪ ،‬أن يكون على علم واسع بالكتاب والسنة‪ ،‬وعلى ضوء منهاج‬
‫السلف الصالح‪ .‬والكتاب والسنة ال يمكن فهمهما‪ -‬وكذلك ما تفرع عنهما‪ -‬إال بطريق معرفة اللغة العربية‬
‫وآدابها معرفة خاصة دقيقة‪ .‬فإن مما يساعده في استدراك ذلك النقص الرجوع إلى فهم من قبله من األئمة‬
‫‪39‬‬
‫والعلماء‪ ،‬وبخاصة أهل القرون الثالثة المشهود لهم بالخيرية>‬
‫بالمعيار االجتماعي‪ -‬األلسني أو السوسيو‪ -‬ألسني‪ ،‬إذا تبوأ هذا النص كممثل لفكر ومستوى لهذا الفكر‪ ،‬إذا‬
‫تبوأ منزلة المرجع والموجه في اجتماع لغوي عربي‪ ،‬بل في كل اجتماع لساني باعتبار البيان صورة‬
‫للفكر وتمثيال له‪ ،‬فإن الحكم بالصفة اللغوية لهذا االجتماع يقيد بمجازية هذا الوصف‪ ،‬فلزم اعتبار ما كان‬
‫أو ما يجب أن يكون‪ ،‬ألن هذا النص في أهم بعديه التركيبي والمعجمي‪ ،‬هو أقرب لمستوى بيان الطفل‬
‫الذي لم يبلغ بعد مرحلة اإلنشاء البياني واللغوي‪ .‬وإن القبول واالعتبار بالتواجد أمام نص علمي ها هنا فيه‬
‫نظر‪ ،‬والحق أنه من الناحية العلمية‪ ،‬وفي سوي المعايير الراسخة في العلم والتي منها يستمد مصداقيته‪،‬‬
‫هذا أمر محسوم بشأنه‪ ،‬وإنما الغاية أن تستبين التباسات الضالل واإلضالل‪ ،‬وما هللا تعالى يريد ظلما‬
‫للعالمين‪ ،‬وما كان لعلم حقيق بصفته أن يسعى في رد شيء من العلم الحق‪.‬‬
‫‪39‬ف صاحب النص‪.‬‬
‫‪ 39‬المصدر السابق‪-‬ص‪.06‬‬
‫‪ 40‬نقال عن‪ :‬التحذير من فتنة التكفير‪-‬ص‪.66‬‬

‫‪41‬‬

‫النص أو الخطاب كأنموذج في األداء اللغوي هو صورة تعكس تمثل صاحبها لمتعدد من األبعاد الوجودية‪.‬‬
‫وما يخصنا ويهمنا منها هو تمثل الموضوع مادة النص‪ ،‬الذي ال يحق عزله عن الفضاء الفكري والعلمي‬
‫المرتبط بوظيفة الخطاب وبطبيعة المخاطَب‪ .‬إن مجرد النظر إلى هذه المحددات كفيل كما قلنا بالحكم على‬
‫الخطاب‪ .‬ذلك أنه يهم ويعرض ألعلى المستويات الموضوعاتية في الفكر والعلم‪ .‬وبالتالي فال يسمح وال‬
‫يمكن والمقام هذا‪ ،‬التجاوز والسكوت عن افتقاد أي شرط أولي من الشروط الالزبة كشرط الكفاءة اللغوية‪.‬‬
‫وإذا يلزمنا اعتبار البيئة الشرطية للخطاب‪ ،‬فهي التي تفسره أوضح ما يكون التفسير‪ ،‬بل إنه في جلي‬
‫األمر ومحسوم النظر ال يعتبر إال بها‪ .‬ثم إنه ال يكون منا إغفال الترابط والتتابع بين مستوى الفكر ودرجة‬
‫آلياته العقلية‪ ،‬العقل الذي يعبر عنه في القرآن العظيم بالقلب والفؤاد والنهية واللب‪ ،‬وبين مستوى ودرجة‬
‫التواجد والعمران االستخالفي لألمة في طورها التاريخي‪ ،‬فبه إذا يعلم على أي مستوى من المستويات‬
‫وفي أية درجة من الدرجات هو مستوى الفكر والعقل لألمة‪.‬‬
‫من بعد هذا‪ ،‬ال بد من اإلشارة إلى بعض من أهم مؤشرات الموضوعية في إبراز وتأطير مستوى المادة‬
‫الخطابية‪ ،‬نعني طبعا مادة النص أعاله‪ ،‬فهو ال يتجاوز من حيث المعيار المعجمي التركيبي المستوى‬
‫األولي‪ ،‬وذلك باعتبار السلم العادي والطبيعي للمتعلم موضوع وهدف العملية التعليمية‪.‬‬
‫هذا إذا من أهم ما يمهد به ويبتدأ به‪ ،‬وقد يكفي لوحده من الناحية المنهجية وقيم األدلة التأطيرية دليال‬
‫ومسلكا حاسما‪ ،‬يضع اإلشكال والقضية هاته‪ ،‬قضية <كفر دون كفر> في طرحها الحالي‪ ،‬يضعها‬
‫موضعها الصحيح‪ ،‬باعتبار األركان األساس في الخطاب والتلقي‪ ،‬ونعني بكل وضوح وتحديد‪ ،‬أنه بمعرفة‬
‫مستوى الخطاب وأركانه قد يفسر كل أمر ويحسم الحكم بشأنه‪.‬‬
‫النص‪ ،‬نص ناصر الدين األلباني‪ ،‬به من الخلل والتفاقم ما ال يجوز قبوله من تلميذ في طوره الدراسي‬
‫اإلعدادي‪ ،‬كقوله‪< :‬فإن فتنة التكفير ‪ . . .‬هو آية>‬
‫فالبنية العميقة لكالمه هذا تصبح‪ :‬فتنة التكفير آية‪.‬‬
‫كذلك من الناحية البالغية والنحوية فالكالم هنا إخباري‪ ،‬اإلخبار فيه للتحديد والمطابقة‪.‬‬
‫الخطأ الثاني‪ ،‬وهو خطأ أولي‪ ،‬قوله‪< :‬فيأخذونها من غير فهوم عميقة ويوردونها بال معرفة دقيقة>‬
‫ها هنا التركيب متفاقم بين تفاقمه‪ ،‬ويعطي صورة عن التشكل والتمثل اإلدراكي والمعارفي لصاحب المادة‬
‫اللفظية صاحب النص والقول‪ .‬وإن العالقة بالتنزيل والكتاب ليست فهما أو ما هو من قبيل معناه‪ ،‬بل هو‬
‫العلم وما جاء به البيان في ذلك من األصول‪ .‬فالتركيب ال يصح بالنسبة للسياق إال بالفحوى والمعنى‬
‫التالي‪( :‬فيأخذونها من غير علم وال فقه)‪ ،‬بداللة الفقه على اإلحاطة وكأنه عطف بيان لحقيقة العلم‪.‬‬
‫أما الخطأ الفاحش والزلة الكبرى فيما يخص اللغة وعالقتها بالخطاب كونه حقائق مسطرة ومدركات‬
‫محددة‪ ،‬فهو قوله‪< :‬هذه اآلية الكريمة قد تكررت وجاءت خاتمتها بألفاظ ثالثة> وقوله‪ < :‬يحتجون من‬
‫هذه اآلية باللفظ األول منها فقط {‪ . . .‬فأولئك هم الكافرون}>‬
‫أال إنه ال تأويل في تقييم هذا الكالم سوى فساد بناء القول وجهل صاحبه وعدم إدراكه للفظ ومعنى ما‬
‫يخرج من لسانه وما يتلفظ به؛ وإنا وهللا ال نجد مسوغا في مجادلة هذا المستوى إن أردت أن تسميه عقال‬
‫وفكرا إال االضطرار والضرورة‪ .‬فإن المجادلة تحتم حوار األبنية والنسق المنطقية للقلب‪ ،‬مما يحتم‬
‫تأثيرات متبادلة قد تكون سلبية‪ ،‬خاصة إن لم يكن الهدف األصلي من وراء ذلك تعليميا‪ ،‬أو لم يدرك هذا‬
‫القانون التأثيري وسبيل الوقاية من آثاره بعدم اإلسراف في الجدل والمخالطة وغير ذلك من الضوابط‬
‫واالحتياطات الالزمة‪ ،‬وال تحسبن هذا سلوكا من سيء القول منا في أصحاب الجنب من المؤمنين‪ ،‬ولعلهم‬
‫عند هللا تعالى الحق المبين خير مقاما وأعلى درجة‪ ،‬ولكننا في مقام الحق والخطاب العلمي‪ ،‬وانظر كتابات‬

‫‪42‬‬

‫الراسخين في العلم من المسلمين في سجاالتهم العلمية البحتة‪ ،‬بل إلى الخطاب العلمي بين الصحابة رضي‬
‫هللا عنهم‪ ،‬فذلك لم يكن لينال من حبهم بعضهم بعضا‪.‬‬
‫ونجد في القرآن الحكيم أبلغ التحذير واإلشارة إلى هذا التأثير السلبي للمجادلة خاصة الخالفية ال البناءة‬
‫والمنتجة خلفية وغايات‪ ،‬نجد هذا في قوله تعالى‪{:‬وال تأكلوا مما لم يذكر اسم عليه وإنه لفسق' وإن‬
‫الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم' وإن أطعتموهم إنكم لمشركون'}(األنعام‪)011‬‬
‫فإذا كان هذا هو حكم المجادلة في أحكام الحق ومحكم الشريعة من الحالل والحرام‪ ،‬فمسايرة ومجاراة‬
‫األقوال البعيدة كل البعد عن التفكير السليم ونسق القلب‪ ،‬بمعنى العقل في أقواله وأفكاره‪ ،‬المعبرة في كنهها‬
‫عن علمه الذي يحمله وحظه من الحكمة‪ ،‬حكمها كذلك‪.‬‬
‫وإنه في هذه النقطة بالذات ومن خاللها‪ ،‬وجب قراءة االقتران المؤكد عليه في القرآن بتعدد ذكره‬
‫ومواضعه‪ ،‬اقتران الكتاب بالحكمة‪ ،‬وأن الحافظ ال يكون فقيها إال بشرط الحكمة‪ .‬وهذا الشرط الجوهري‬
‫هو المفسر الراجح عن غيره في موضع وترتيب البخاري رحمه هللا لباب الحكمة في صحيحه موصوال‬
‫بباب العلم‪.‬‬
‫إن قول الحق سبحانه‪{:‬ومن لم يحكم بما أنزل هللا فأولئك هم الكافرون'}‪{ ،‬ومن لم يحكم بما أنزل هللا‬
‫فأولئك هم الظالمون'}‪{ ،‬ومن لم يحكم بما أنزل هللا فأولئك هم الفاسقون'} هذه أجزاء متمة آليات ثالثة؛‬
‫وهي أجزاء أمكن اعتبارها من جهة التركيب وحدة كالمية إلفادتها معنى تاما جاز اعتباره بيانا مستقال؛‬
‫ومن ثمة فال وجود هنا ألي تكرار لفظي من مثل ما جاء في سور ومواضع أخرى‪ ،‬كقوله سبحانه‬
‫تعالى‪{:‬أإله مع هللا'} في سورة النمل‪ ،‬و{ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر'} في سورة القمر‪،‬‬
‫و{فبأي آالء ربكما تكذبان'} في سورة الرحمان‪.‬‬
‫هللا سبحانه وتعالى هو الحق‪ ،‬والعلم ال يقوم إال على الحق وبالحق‪ ،‬فاألجزاء التي ذكرنا ليست آيات‪ ،‬وإنما‬
‫هي أجزاء منها‪ .‬هذا من جهة‪ .‬ومن جهة ثانية فلفظ التكرار بمعناه ال يصح هنا‪ ،‬بل كان موضع وتوظيف‬
‫التركيب الكلمي‪{:‬ومن لم يحكم بما أنزل هللا فأولئك} من البيان على مثل مواضع الحروف وألفاظ المعجم‪،‬‬
‫مما يطلق على سعته وإنتاجه باإلبداعية في اللغة‪ ،‬أي اإلنتاج المنفتح للكالم والجمل من خالل المحدود‬
‫والمنحصر من المادة المعجمية‪ ،‬بمعنى أن الوظيفة اللغوية كداللة ال تتحدد إال من خالل السياق مثلما‬
‫يكون تحديد الوظيفة الداللية للعناصر المعجمية والصوتية إال بنظمة الكالم والسياق‪ .‬كما أن الجوار‬
‫والحيز للكالم يدخل ضمن حقيقة السياق‪ .‬وهذا ما يرسخ قانون التوافق بين التعدد واالختالف‪ .‬ولو كان‬
‫بالنسبة للغة والبيان جملة أو كالما قد يستقل بالمعنى لوحده‪ ،‬ألن التكرار له وظيفته ومقصده‪ ،‬ومن ثم‬
‫فالجملة أو الكالم إذا تكرر ال يكون هو ذاته جوهرا ولو اشتركا في ظاهر المادة المعجمية لفظا‪ .‬نقول‬
‫ظاهر المادة‪ ،‬ألن كل شيء له حدثه‪ ،‬خاصة زمنه وشروطه‪ ،‬أي إطار وسياق حصوله‪ .‬يقول اإلمام محمد‬
‫بن علي الشوكاني رحمه هللا في هذا بسورة الشعراء وقوله تعالى‪{:‬إن في ذلك آلية' وما كان أكثرهم‬
‫مؤمنين' وإن ربك لهو العزيز الرحيم'} المعتبرة قرآنا سبع آيات مختلفات رغم االشتراك المعجمي‪:‬‬
‫<وفي هذا التكرير لهذه الكلمات في آخر هذه القصص من التهديد والزجر والتقرير والتأكيد ما ال يخفى‬
‫‪40‬‬
‫على من يفهم مواقع الكالم ويعرف أساليبه‪>.‬‬
‫كما إنه قد يكفي دليال على مكونية السياق أو الحيز الخطابي في المعنى الذي يؤديه الكالم أو اللفظ‪،‬‬
‫االعتبار للوقف في قوله تعالى‪{:‬إن في ذلك آلية'} بما يفيد تمام الكالم وتمام وحدته‪ ،‬بمعنى أن مضمون‬
‫ومحتوى الكالم يمثل فيه الموضع والبيئة أو الحيز عامال محددا ال يتحقق إال به‪ ،‬وهو ما يبرزه العنصر‬
‫‪ 40‬عن‪ :‬التحذير من فتنة التكفير‪-‬ص‪.66‬‬
‫‪ 41‬محمد بن علي الشوكاني‪ -‬فتح القدير‪ -‬تفسير سورة الشعراء‪.‬‬

‫‪43‬‬

‫المعجمي واللفظ (ذلك)‪ .‬فكأنما الكالم إن هو إال جزء من منظومة بيانية‪ ،‬هي التي تؤدي بمجموعها إنتاج‬
‫المعنى‪ ،‬وهو ما تدل عليه أدوات أو أسماء الوصل واإلشارة وغيرها‪ .‬ويعبر عن هذا كله بعدة مقوالت‪،‬‬
‫كالحال والمقام وقبيلهما‪.‬‬
‫وإذن فقد أخطأ األلباني خطأ فاحشا وضل ضالال بعيدا في قوله في هذا الشأن من العلم والفقه‪.‬‬
‫ولئن شئنا القول كون األخطاء السابقة مرتبطة بالبيان‪ ،‬الذي تتمثل فيه الحكمة وهو صورتها الواضحة‪،‬‬
‫وإنه ال حقيقة للتواجد العلمي من دون الشرط البياني‪ ،‬فقول األلباني‪:‬‬
‫< فمن تمام جهل الذين يحتجون من هذه اآلية باللفظ األول منها فقط‪{ -‬فأولئك هم الكافرون} ‪ . . .‬الملل‬
‫األخرى الخارجة عن ملة اإلسالم‪>.‬‬
‫ال جدال وال مرية أنه قول بعيد كل البعد عن الحق‪ ،‬وأنه ضالل وخطأ فقهي فاحش؛ ثم إنه ال شك سبيل‬
‫مضل متبع حذو من قبلنا‪ ،‬وإنه عين العمى والضالل والفهم السقيم الذي لم يسكت عليه أبو ذر الغفاري‬
‫رضي هللا عنه حين قال به معاوية بن أبي سفيان في تالوة ومعنى قوله تعالى العزيز الحكيم‪{:‬والذين‬
‫يكنزون الذهب والفضة وال ينفقونها في سبيل هللا فبشرهم بعذاب أليم}(التوبة‪)82‬‬
‫قال معاوية‪ :‬ما هذه فينا‪ ،‬ما هذه إال في أهل الكتاب‪.‬‬
‫قال أبو ذر‪ :‬فقلت‪ :‬إنها لفينا وفيهم‪>41‬‬
‫يقول هللا تعالى‪:‬‬
‫{وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء هللا وأحباؤه' قل فلم يعذبكم بذنوبكم' بل أنتم بشر ممن خلق' يغفر لمن‬
‫يشاء ويعذب من يشاء' وهلل ملك السماوات واألرض وما بينهما' وإليه المصير'}(المائدة‪)11‬‬
‫ويقول سبحانه‪:‬‬
‫{إن كل من في السماوات واألرض إال آتي الرحمان عبدا' لقد أحصاهم وعدهم عدا' وكلهم آتيه يوم القيامة‬
‫فردا'}(مريم‪)16. . 12‬‬
‫ويقول تعالى‪:‬‬
‫{وقالوا لن يدخل الجنة إال من كان هودا أو نصارى' تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين' بلى‬
‫من أسلم وجهه هلل وهو محسن فله أجره عند ربه وال خوف عليهم وال هم يحزنون' وقالت اليهود ليست‬
‫النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب' كذلك قال الذين ال‬
‫يعلمون مثل قولهم' فاهلل يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون'}(البقرة‪)001. . 001‬‬
‫القرآن مجيد‪ ،‬وفيه نزل قوله تعالى‪{:‬فاعتبروا يا أولي األبصار}(الحشر‪ ،)1‬ولنعد ولنتدبر قوله سبحانه‬
‫وهو العلي العظيم‪:‬‬
‫{كذلك قال الذين ال يعلمون مثل قولهم'}‬
‫جامع القول فيما سبق أن سابق الشروط األولية وأهمها في المعيار النقدي هو الشرط البياني‪ ،‬المحدد‬
‫للكفاءة ولقيمة السلب واإليجاب في االنتماء في الحق ألهل العلم وحقيقة الصفة العلمية‪ .‬ثم إذا نحن تجاوزنا‬
‫هذا المعطى بداللتيه النقدية والموضوعاتية‪ ،‬أي بحسب موضوع النقد المطروح‪ ،‬وهذا يكفي في الحق وفي‬
‫العلم الرصين من جهة الحسم‪ ،‬وفي الرد والحكم بعدم القبول‪ ،‬إال أن يكون هذا النص ويعتبر مادة تحليلية‬
‫ودراسية ألسنية‪ -‬اجتماعية تهم الدراسات النقدية للفكر والتاريخ من خالل العينات اللغوية والبيانية‪ ،‬إذا‬
‫تجاوزنا هذا ونظرنا إلى الغاية التي من أجلها كان النص والهدف الذي وظف لخدمته‪ ،‬فلكل خطاب‬
‫فحوى ولكل بيان غاية‪ ،‬فإن هذه الغاية وهذا المقصد من أشنع المقاصد وشر الغايات في الشريعة‪ ،‬ألنه‬
‫‪41‬ي‪ -‬فتح القدير‪ -‬تفسير سورة الشعراء‪.‬‬
‫‪ 42‬انظر صحيح البخاري‪ )2661(.‬وارجع إلى الجزء األول من سلسلة المنهاج‪ -‬تذكرة العلماء‪.‬‬

‫‪44‬‬

‫ليس فحسب مخالفا ألمر وحكم من أحكامها‪ ،‬بل ألنه يهدمها في أهم أصولها التي تقوم عليها‪ ،‬في حقيقتي‬
‫وحكمي الكفر واإليمان‪ .‬فإن الغاية التي ما فتئ هؤالء الرهط والنفر ممن تبوأوا منابر العلمية واإلفتاء على‬
‫فترة من ضمور وذهوب علماء الحق من الفعل والتأثير يسعون السعي الحثيث في خدمتها‪ ،‬وهي الغاية‬
‫الواضحة ومضمون النص أعاله‪ ،‬هي تحييد حكم التكفير مطلقا‪ ،‬كما قال الذين من قبلهم‪{:‬نحن أبناء هللا‬
‫وأحباؤه}(المائدة‪ )11‬وقول من قال امتدادا لسريان المنظار األعوج والضالل‪<:‬ما هذه فينا‪ ،‬ما هذه إال في‬
‫أهل الكتاب>‪ .‬يقول األلباني‪:‬‬
‫<ومن جملة المسائل التي توضح خطأهم وتكشف ضاللهم‪ ،‬أن يقال لهم‪:‬‬
‫متى يحكم على المسلم الذي يشهد أن ال إله إال هللا وأن محمدا رسول هللا‪ -‬وقد يكون يصلي بأنه ارتد عن‬
‫دينه؟ أيكفي مرة واحدة؟ أم يجب أن يعلن أنه مرتد عن الدين؟ إنهم لن يعرفوا جوابا‪ ،‬ولن يهتدوا صوابا؛‬
‫فنضطر إلى أن نضرب لهم المثل التالي فنقول‪:‬‬
‫قاض يحكم بالشرع؛ هكذا عادته ونظامه‪ ،‬ولكنه في حكومة واحدة زلت به القدم فحكم بخالف الشرع‪ ،‬أي‬
‫أعطى الحق للظالم وحرمه المظلوم‪ .‬فهذا قطعا‪ -‬حكم بغير ما أنزل هللا‪ .‬فهل تقولون بأنه َكفر كفر ردة؟‬
‫سيقولون‪ :‬ال‪ ،‬ألن هذا صدر منه مرة واحدة‪.‬‬
‫فنقول‪ :‬إن صدر منه نفس الحكم مرة ثانية‪ ،‬أو حكم آخر‪ ،‬وخالف الشرع أيضا‪ ،‬فهل يكفر؟‬
‫ثم نكرر عليهم‪ :‬ثالث مرات‪ ،‬عشر مرات‪ ،‬متى يقولون إنه كفر؟‬
‫لن يستطيعوا وضع حد بتعداد أحكامه التي خالف فيها الشرع‪ ،‬ثم ال يكفرونه بها؛ في حين يستطيعون‬
‫عكس ذلك تماما إذا علم منه أنه في الحكم األول استحسن الحكم بغير ما أنزل هللا‪ -‬مستحال له‪ -‬واستقبح‬
‫الحكم الشرعي‪ ،‬فساعتئذ يكون الحكم عليه بالردة صحيحا‪ ،‬ومن المرة األولى‪ .‬وعلى العكس من ذلك‪ :‬لو‬
‫رأينا منه عشرات الحكومات في قضايا متعددة خالف فيها الشرع‪ ،‬وإذا سألناه‪ :‬لماذا حكمت بغير ما أنزل‬
‫هللا عز وجل؟ فرد قائال‪ :‬خفت وخشيت على نفسي‪ ،‬أو ارتشيت مثال‪ ،‬فهذا أسوأ من األول بكثير‪ ،‬ومع ذلك‬
‫فإننا ال نستطيع أن نقول بكفره حتى يعرب عما في قلبه بأنه ال يرى الحكم بما أنزل هللا عز وجل‪ ،‬فحينئذ‬
‫نستطيع أن نقول‪ :‬إنه كافر كفر ردة‪>.‬‬
‫هنا ال شك القيمة النقدية للنص من الجانب اللغوي مما أشرنا إليه ظاهرة واضحة‪ ،‬وهي كما قلنا تكفي في‬
‫الحكم بافتقاد شرط الكفاءة النظرية والعلمية‪ ،‬ولكن الواقع ال يرتفع‪ ،‬والمشهد العلمي أو المعتبر كذلك هذا‬
‫واقعه‪.‬‬
‫أما من حيث موضع النص كقول أو أقوال يراد بها جوابا وحال لسؤال علمي محدد‪ ،‬فإنه جواب خطأ‪ ،‬بل‬
‫وإن نسق القول الذي اعتمده الجواب هو نسق سفسطائي مشهور يعرف ويطلق عليه (مثال كومة الرمل)‪،‬‬
‫وفحواه ومبناه أنك تعتبر كومة رمل معينة‪ ،‬ثم تطرح السؤال‪ :‬إن نحن خصمنا من هذه الكومة حبة رمل‬
‫هل تبقى في االعتبار كومة أم ال؟‬
‫الجواب‪ :‬نعم‪.‬‬
‫ثم نوالي العملية والسؤال ‪. .‬‬
‫وإذا علمنا أن عدد الحبات في الكومة ومهما كبر متناه‪ ،‬علم خطأ التعميم على البعد الشرطي‪ ،‬وهذا ما‬
‫يسقط به المنطق الكالسيكي وسريانه باستنزاف واختالل الشروط الشروط األولية للقضايا المنطقية‪.‬‬
‫وبالتالي يتضح حل إشكال الوصل بين الصحيح والمستحيل فيما يرى تسلسال استدالليا سويا ومنطقيا‪.‬‬
‫فاإلخالل قد يحصل في انتقال وخطوة ما من خطوات المسار بالشروط‪.‬‬
‫هذه إذن طريقة في التفكير ونسق فاسد وباطل بين فساده وبطالنه‪ .‬يقول هللا تعالى وهو العزيز الحكيم‪:‬‬

‫‪45‬‬

‫{فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا األدنى ويقولون سيغفر لنا وإن يأتهم عرض‬
‫مثله يأخذوه' ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن ال يقولوا على هللا إال الحق' ودرسوا ما فيه' والدار اآلخرة‬
‫خير للذين يتقون' أفال تعقلون' والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصالة إنا ال نضيع أجر‬
‫المصلحين'}(األعراف‪)041-061‬‬
‫{ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات واألرض ومن فيهن' بل أتيناهم بذكرهم' فهم عن ذكرهم‬
‫معرضون'}(المؤمنون‪)41‬‬
‫قال الشوكاني‪:‬‬
‫<{ولو اتبع الحق أهواءهم} مستأنفة مسبوقة لبيان أنه لو جاء الحق على ما يهوونه ويريدونه كان ذلك‬
‫مستلزما للفساد العظيم‪ ،‬وخروج نظام العالم عن الصالح بالكلية‪ ،‬وهو معنى قوله‪{:‬لفسدت السماوات‬
‫واألرض ومن فيهن}>‬
‫ويقول رحمه هللا في الجوار القبلي‪:‬‬
‫<{وأكثرهم للحق كارهون} لما جبلوا عليه من التعصب‪ ،‬واالنحراف عن الصواب‪ ،‬والبعد عن الحق‪،‬‬
‫فلذلك كرهوا هذا الحق الواضح الظاهر‪ .‬وظاهر النظم أن أقلهم كانوا يكرهون الحق‪ ،‬ولكنهم لم يظهروا‬
‫‪42‬‬
‫اإليمان خوفا من الكارهين له‪>.‬‬
‫إن فساد قول األلباني قد نتج عن اإلخالل بالحق في وجه من وجوهه‪ ،‬وهو عدم انحفاظ العناصر المكونة‬
‫للقضية أو الحكم على ذات الشروط‪ .‬فالحكم بكفر دون الكفر المخرج عن الملة في الحاكم الذي حكم بغير‬
‫ما أنزل هللا وهو يعلم‪ ،‬إما لعلة الهوى أو الخوف أو االرتشاء أو ما شابه ذلك من األعراض‪ ،‬هذا الحكم‬
‫إنما يهم ويخص قضية محصورة ونازلة واحدة معينة‪ ،‬ثم يستنزف شروطه األولية الختالف العنصر‬
‫الكمي أو العددي الذي انتقل من الواحد الدال على العرضية والطارئية إلى المتعدد الدال على اإلصرار‬
‫والحال‪.‬‬
‫وهذا بالطبع باعتبار القراءة العرضية لألثر‪ ،‬وهي قراءة ترى خالية من أي سند وال تأصيل علمي بين‬
‫ثابت‪ ،‬بل وكما سيأتي بيانه بعد قليل حين التطرق للتأطير التفسيري لألثر (كفر دون كفر)‪ ،‬والذي وجب‬
‫تحديد صلته باآلية من سورة المائدة‪ ،‬فإن الصحيح في التأطير والتحديد غير ذلك‪.‬‬
‫وجاء في الفتوى رقم (‪ )5116‬الصادرة عن الدائمة للبحوث واإلفتاء‪(43‬السعودية)‪:‬‬
‫س‪ :‬متى يجوز التكفير؟ ومتى ال يجوز؟ وما ونوع التكفير المذكور في قوله تعالى‪{:‬ومن لم يحكم بما‬
‫أنزل هللا فأولئك هم الكافرون}؟‬
‫ج‪ :‬الحمد هلل وحده‪ ،‬والصالة والسالم على رسوله وآله وصحبه‪ ،‬وبعد‪،‬‬
‫فأما قولك‪ :‬متى يجوز التكفير؟ ومتى ال يجوز؟ فنرى أن تبين لنا األمور التي أشكلت عليك حتى نبين لك‬
‫الحكم فيها‪ ،‬أما نوع التكفير في قوله تعالى‪{:‬ومن لم يحكم بما أنزل هللا فأولئك هم الكافرون} فهو كفر‬
‫أكبر‪ ،‬قال القرطبي في تفسيره‪ :44‬قال ابن عباس رضي هللا عنهما ومجاهد رحمه هللا‪ :‬ومن لم يحكم بما‬
‫أنزل هللا ردا للقرآن‪ ،‬وجحدا لقول الرسول صلى هللا عليه وسلم فهو كافر‪-‬انتهى‪.‬‬

‫‪42‬ل من سلسلة المنهاج‪ -‬تذكرة العلماء‪.‬‬
‫‪ 43‬فتح القدير‪ -‬تفسير سورة المؤمنون‪ -‬محمد بن علي الشوكاني‪.‬‬
‫‪43‬رة المؤمنون‪ -‬محمد بن علي الشوكاني‪.‬‬
‫‪ 45‬نقال عن كتاب (التحذير من فتنة التكفير)‪-‬ص‪.008-004‬‬
‫‪45‬التحذير من فتنة التكفير)‪-‬ص‪.008-004‬‬

‫‪46‬‬

‫وأما من حكم بغير ما أنزل هللا وهو يعتقد أنه عاص‪ ،‬لكنه حمله على الحكم بغير ما أنزل هللا ما يدفع إليه‬
‫من الرشوة‪ ،‬أو غير هذا‪ ،‬أو عداوته للمحكوم عليه‪ ،‬أو قرابته‪ ،‬أو صداقته للمحكوم له‪ ،‬ونحو ذلك؛ فهذا ال‬
‫يكون كفره أكبر‪ ،‬بل يكون عاصيا‪ ،‬وقد وقع في كفر دون كفر‪ ،‬وظلم دون ظلم‪ ،‬وفسق دون فسق‪.‬‬
‫وصلى هللا على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم‪.‬‬
‫وباهلل التوفيق‪.‬‬
‫اللجنة الدائمة للبحوث العلمية واإلفتاء‪.‬‬
‫عضو‪ :‬عبد هللا بن قعود‬
‫عضو‪ :‬عبد هللا بن غديان‬
‫عضو‪ :‬رئيس اللجنة عبد الرزاق عفيفي‬
‫الرئيس‪ :‬عبد العزيز بن عبد هللا بن باز‬

‫‪47‬‬

‫الفصل الثالث‬
‫الغاية من التنزيل و<كفر دون كفر>‬
‫إن القرآن المجيد والسنة النبوية الشريفة هما المرجعية الكافية الوافية‪ ،‬وبهما من بعد اإليمان يتحدد صالح‬
‫العمل‪.‬‬
‫فمن أصدق حكما وأولى بالتحكيم؟ أأناس يخطئون ومن خاصتهم الخطأ ال محالة ولو نزرا‪ ،‬والجهل فيهم‬
‫أصل والعلم فيهم عرض حادث مكتسب‪ ،‬أم هللا تعالى الذي أحاط بكل شيء علما؟ فبأي حديث بعد هللا‬
‫وآياته يؤمنون؟‬
‫إن السياق القرآني الكريم من سورة المائدة الذي جاءت فيه اآلية المجيدة المجلية ألهل الصدق من غيرهم‬
‫من المبدلين والمترخصين‪ ،‬الذين ال يعلمون أن أمر الحكم بما أنزل هللا تعالى هو األمر العظيم الذي هم‬
‫أمره السماوات واألرض والمالئكة والنبيئين‪ ،‬وهو األمر الذي نزلت به سورة األنعام جملة واحدة يشيعها‬
‫سبعون ألف ملك كما ورد في الخبر‪ ،‬هذا السياق لقوله جل وعال‪{:‬ومن لم يحكم بما أنزل هللا فأولئك هم‬
‫الكافرون'} هو السياق الذي ال ينفك التذكير فيه يثنى ويؤكد ترسيخا للغاية من التنزيل‪ ،‬والذي يخلص بيانه‬
‫الحكيم إلى قوله جل جالله‪:‬‬
‫{وأنزلنا إليك الكتاب مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه' فاحكم بينهم بما أنزل هللا وال تتبع‬
‫أهواءهم عما جاءك من الحق' لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا' ولو شاء هللا لجعلكم أمة واحدة' ولكن‬
‫ليبلوكم فيما آتاكم فاستبقوا الخيرات' إلى مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون' وأن احكم بينهم بما‬
‫أنزل هللا' وال تتبع أهواءهم' واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل هللا إليك' فإن تولوا فاعلم أنما يريد هللا‬
‫أن يصيبهم ببعض ذنوبهم' وإن كثيرا من الناس لفاسقون' أفحكم الجاهلية يبغون' ومن أحسن من هللا حكما‬
‫لقوم يوقنون'}(المائدة‪)51..51‬‬
‫يقول الحافظ ابن كثير رحمه هللا‪:‬‬
‫<وقوله تعالى‪{:‬أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من هللا حكما لقوم يوقنون'} ينكر تعالى على من خرج‬
‫عن حكم هللا المحكم المشتمل على كل خير‪ ،‬الناهي عن كل شر‪ ،‬وعدل إلى ما سواه من اآلراء واألهواء‬
‫واالصطالحات التي وضعها الرجال بال مستند من شريعة هللا كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من‬
‫الضالالت والجهاالت مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم‪ ،‬وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة‬
‫عن ملكهم جنكيز خان الذي وضع لهم الياسق‪ ،‬وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها عن‬
‫شرائع شتى من اليهودية والنصرانية والملة اإلسالمية وغيرها‪ ،‬وفيها كثير من األحكام أخذ بها من مجرد‬
‫نظره وهواه‪ ،‬فصارت في بنيه شرعا متبعا يقدمونها على الحكم بكتاب هللا وسنة رسول هللا صلى هللا عليه‬
‫‪45‬‬
‫وسلم‪ ،‬فمن فعل ذلك فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم هللا ورسوله‪ ،‬فال يحكم سواه (في قليل)‬
‫وال كثير‪.‬‬
‫قال تعالى‪{:‬أفحكم الجاهلية يبغون} أي يبتغون ويريدون وعن حكم هللا يعدلون {ومن أحسن من هللا حكما‬
‫لقوم يوقنون} أي ومن أعدل من هللا في حكمه لمن عقل عن شرع هللا شرعه وآمن به وأيقن وعلم أن هللا‬
‫‪.845‬‬
‫‪ 45‬الجامع ألحكام القرآن‪)088\6(-‬‬
‫‪ 46‬أضفناها ظنا منا أنها سقطت من األصل‪.‬‬

‫‪48‬‬

‫أحكم الحاكمين وأرحم بخلقه من الوالدة بولدها‪ ،‬فإنه تعالى هو العالم بكل شيء‪ ،‬القادر على كل شيء‪،‬‬
‫العادل في كل شيء‪>.‬‬
‫فأنى لقول األلباني من مثقال ذرة من صواب القول ومن موضع صدق في الحق‪ ،‬قوله هذا الذي ال ندري‬
‫كيف نطق به واستساغه عقله‪ ،‬قوله الدال داللة صريحة على الالإلزامية‪< :‬وقد يكون يصلي>‪ ،‬وكذلك‬
‫قول المسمى األثري تعليقا على كالم األلباني‪:47‬‬
‫<إن تصور مسألة ترك الحكم بما أنزل هللا كله وجميعه‪ -‬في بلد إسالمي‪ -‬هي إلى الخيال أقرب من كونها‬
‫حقيقة واقعية؛ فإننا ال نعلم في دنيا الناس‪ -‬من حيث الواقع‪ -‬حاكما منتسبا إلى اإلسالم‪ ،‬ويدعي الحكم‬
‫باإلسالم‪ -‬وإن خالفه في كثير أو قليل‪ -‬إال وهو يطبق من اإلسالم قدرا ما كاألركان الخمسة؛ في اإلذن بها‪،‬‬
‫واإلشادة بذكرها‪ ،‬وعدم المنع لها‪ ،‬وكأحكام النكاح‪ ،‬والطالق‪ ،‬والمواريث‪ ،‬وغير ذلك من أحكام شرعية‬
‫‪>...‬‬
‫وإن تعجب فعجب أن تنشر هذه األقوال باسم العلم؛ وإننا ال زلنا نؤكد أن هذه المواد إنما تصلح عينات في‬
‫تحليل الواقع العلمي والفقهي لألمة‪ ،‬وليس أبدا لذات موضوع العلم والفقه‪ ،‬في أدنى حدود حقيقة وصفة‬
‫العلم والفقه‪.‬‬
‫لنعد إلى قول ابن كثير وتحديده‪ . . < :‬الياسق وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها عن‬
‫شرائع شتى من اليهودية والنصرانية والملة اإلسالمية وغيرها>‬
‫فهاهنا كذلك تضمن لجزء ولبعض من الملة اإلسالمية وأحكامها‪ ،‬ولكنه في الواقع مناقض للحكم الحق‪:‬‬
‫<فال يحكم سواه في قليل وال كثير>‪.‬‬
‫وفي صحيح البخاري رحمه هللا بسنده إلى ابن عباس رضي هللا عنهما‪{:‬الذين جعلوا القرآن عضين} قال‬
‫هم أهل الكتاب‪ ،‬جزأوه أجزاء‪ ،‬فآمنوا ببعضه وكفروا ببعضه>‪.48‬‬
‫وعنه أيضا‪{:‬كما أنزلنا على المقتسمين} قال آمنوا ببعض وكفروا ببعض‪ :‬اليهود والنصارى‪.>49‬‬
‫وأيضا في كتاب التفسير من الصحيح قال مجاهد‪{:‬والذي جاء بالصدق}‪ :‬القرآن‪{ .‬وصدق به} المؤمن‬
‫‪50‬‬
‫يجيء يوم القيامة يقول‪ :‬هذا الذي أعطيتني عملت بما فيه>‬
‫هذا هو الحق‪ ،‬وما دمنا هنا في موضع لزوم النصح وصدق القول‪ ،‬فإن هذا المنبر‪ ،‬منبر قول األلباني‪،‬‬
‫ومنبر الفتوى إياها‪ ،‬وبناء على التحليل الموضوعي الحق‪ ،‬إنما هو منبر موصول بقوله تعالى‪{:‬وإذ أخذ‬
‫هللا ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس وال تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليال' فبيس‬
‫ما يشترون'}(آل عمران‪)084‬‬
‫وبئس الصنيع صنيع هؤالء الذين يبادلون وثوق ما يسمونه بالعامة بعدم النصح والخيانة واالحتقار‬
‫واالستجهال؛ وإال فما حقيقة وما ذا يؤول في الحق التلبيس العمد والتحريف المبيت؟ وهذا الصنيع وهذا‬
‫الجرم واضح ألي إنسان ينعم بنعمة الفؤاد (العقل) في السؤال المسبوك على غرار فتاواهم‪ -‬ولو صدر عن‬
‫مجالهم الخطابي لما خرج عن هذا االعتبار‪:-‬‬

‫‪46‬‬

‫‪46‬ضفناها ظنا منا أنها سقطت من األصل‪.‬‬
‫‪ 47‬تفسير ابن كثير‪ -‬المكتبة القيمة‪.0118-‬‬
‫‪47‬سير ابن كثير‪ -‬المكتبة القيمة‪.0118-‬‬
‫‪ 49‬كتاب التحذير من فتنة التكفير‪ -‬ص‪.81‬‬
‫‪49‬كتاب التحذير من فتنة التكفير‪ -‬ص‪.81‬‬
‫‪49‬تكفير‪ -‬ص‪.81‬‬
‫‪ 50‬صحيح البخاري‪)2415(-‬‬
‫‪50‬لبخاري‪)2415(-‬‬
‫‪ 51‬نفس المصدر‪)2011(-‬‬

‫‪49‬‬

‫سؤالهم‪ -:‬ما نوع التكفير المذكور في قوله تعالى‪{:‬ومن لم يحكم بما أنزل هللا فأولئك هم الكافرون'}؟‬
‫هنا نستحضر قول المهدي المنجرة كون قياد الشعوب العربية وزمامها التي تقاد به من طرف حكامها هو‬
‫قياد وإصر الجهل‪.‬‬
‫هذا المنبر في وظيفته وخطابه االستجهالي يعتمد على مواد محددة في الموضوعات وفي طرائق التحريف‬
‫وتلبيس الحق بالباطل وكتمان الحق‪ .‬ومن أبرزها كما هو واضح والسؤال هذا جالها‪:‬‬
‫‪ -0‬التحديد المسبق للوجهة وللمفكر فيه بصبغة تحكمية واستبداد في الرأي والقول مع استبعاد لآلخر‬
‫وتعطيله؛ وهذه شاكلة في ربوبية األحبار والعلماء ولو كان أصحابنا أولئك مفتقدين لحقيقتها الوصفية‪،‬‬
‫نعني حقيقة وكفاءة الصفة العلمية‪.‬‬
‫‪ -1‬اإلبهام وعدم الوضوح‪ ،‬وهذه أهم خاصات الباطل‪ ،‬ألن الحق في قوانينه وقواعده يتأسس على قواعد‬
‫ثالثة‪ :‬الوضوح واالقتصاد والتبسيط‪.‬‬
‫‪ -8‬اإلغراض في النصوص واألقوال على مختلف درجاتها الحقائقية ومصادرها‪ ،‬مع إهمال مقصود مراد‬
‫للحكمة ولمبدإ ووجوب عدم معارضة صريح القرآن بما دونه درجة حقائقية وأصولية‪.‬‬
‫‪ -2‬اإلغراض في معنى ومفهوم العرضية والطارئية‪.‬‬
‫‪ -5‬اإلغراض في معنى ومفهوم الجحود وما هو مرتبط بداللته كاالستحالل والرد وغيرهما‪.‬‬
‫وسنحاول بقدر ما نهدى إليه من السداد والتوفيق أن نعرض لهذه اإلشكاالت البيانية والفقهية غير الهينة‪،‬‬
‫التي ال شك لها أثرها وخطرها على مستوى التصور السليم والصحيح ألعظم الحقائق والمكونات في‬
‫الشريعة والمنهاج‪.‬‬
‫قال الحافظ ابن كثير بصدد اآلية المجيدة وقوله تعالى‪{:‬ومن لم يحكم بما أنزل هللا فأولئك هم الكافرون'}‪:‬‬
‫< قال البراء بن عازب وحذيفة بن اليمان وابن عباس وأبو مجلز وأبو رجاء العطاردي وعكرمة وعبيد‬
‫هللا بن عبد هللا والحسن البصري وغيرهم‪ :‬نزلت في أهل الكتاب‪ ،‬زاد الحسن البصري‪ :‬وهي علينا واجبة؛‬
‫وقال عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن منصور عن إبراهيم قال‪ :‬نزلت هذه اآليات في بني إسرائيل‬
‫ورضي هللا لهذه األمة بها‪ -‬رواه ابن جرير‪ .‬وقال ابن جرير أيضا‪ :‬حدثنا يعقوب حدثنا هشيم أخبر عبد‬
‫الملك بن أبي سليمان عن سلمة بن كهيل عن علقمة ومسروق أنهما سأال ابن مسعود عن الرشوة فقال‪ :‬من‬
‫السحت‪ ،‬قال‪ :‬فقاال‪ :‬وفي الحكم؟ قال‪ :‬ذاك الكفر‪ ،‬ثم تال‪{:‬ومن لم يحكم بما أنزل هللا فأولئك هم‬
‫الكافرون'}‪ ،‬وقال السدي‪{:‬ومن لم يحكم بما أنزل هللا فأولئك هم الكافرون'} يقول‪ :‬ومن لم يحكم بما أنزلت‬
‫فتركه عمدا أو جار وهو يعلم فهو من الكافرين‪ ،‬وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله {ومن لم‬
‫يحكم بما أنزل هللا} فقد كفر ومن أقر به فهو ظالم فاسق‪ ،‬رواه ابن جرير ثم اختار أن اآلية المراد بها أهل‬
‫الكتاب أو من جحد حكم هللا المنزل في الكتاب‪ .‬وقال عبد الرزاق عن الثوري عن زكرياء عن‬
‫الشعبي‪{:‬ومن لم يحكم بما أنزل هللا ‪ }. .‬قال للمسلمين‪>.‬‬
‫ذلك‪ ،‬وقد أجمع الراسخون في العلم وال يخرج عن غاية الحق من إنزال القرآن العظيم‪ ،‬كون المجال‬
‫الخطابي للكتاب ليس ينحصر في أسباب النزول‪ ،‬يقول اإلمام الشوكاني‪:‬‬
‫<ولو كانت اآليات القرآنية واألحاديث النبوية مقيدة بأسبابها غير متجاوزة لها الرتفعت أكثر التكاليف عن‬
‫‪51‬‬
‫األمة إن لم ترتفع كلها‪ ،‬والالزم باطل باإلجماع‪ ،‬فالملزوم مثله>‬
‫‪51‬المصدر‪)2011(-‬‬
‫‪ 51‬نفس المصدر‪-‬ص‪.0001‬‬
‫‪ 52‬محمد بن علي الشوكاني‪ -‬فتح القدير‪-‬تفسير سورة الزمر‪-‬ص‪ -565‬المجلد الثاني‪-‬دار الكتب العلمية‪-‬بيروت‪-‬ط‪.0‬‬

‫‪50‬‬

‫أما أن تكون الحسنة لنا وما فيه الوعيد والسيئة ألهل الكتاب‪ ،‬فهذه أماني ال تغني عن أصحابها‪ ،‬وقد أنكر‬
‫العقالء من السلف هذا القول الجهول‪ ،‬فإن الحق ال يحابي أحدا‪ ،‬وإن كل من في السماوات واألرض إال‬
‫آتي الرحمان عبدا‪.‬‬
‫أال يكفي هؤالء ما نزل من القرآن المجيد وفيه قوله تعالى وهو العزيز الحكيم‪:‬‬
‫{فاعتبروا يا أولي األبصار'}(الحشر‪)1‬‬
‫قال الشوكاني في تفسيره في إفادة هذه اآلية وبيانها‪:‬‬
‫< أي اتعظوا وتدبروا وانظروا في ما نزل بهم يا أهل العقول والبصائر‪ .‬قال الواحدي‪ :‬ومعنى االعتبار‬
‫النظر في األمور ليعرف بها شيء آخر من جنسها>‬
‫وإن هذه اآلية البينة هي األساس واألصل المتين والمكين الذي أصل عليه ابن رشد رحمه هللا مشروعية‬
‫القياس وصدقيته في العقل وفي الشرع واستنباط األحكام‪ .‬وهذا له سند من الحق إذ تأويله الوحدة‬
‫والواحدية القانونية الكونية‪ ،‬مما يفسر وكذلك يؤصل لوظيفة العقل ومصداقيتها‪ ،‬ترجمة ووثوقا بوحدة‬
‫السنن والناموس‪.‬‬
‫السعة المجيدة للقرآن والفقه بلزومية االعتبار هو ما رد به أبو ذر الغفاري رضي هللا عنه استجهال معاوية‬
‫بن أبي سفيان وتضليله الخطابي‪ <:‬ما هذه فينا‪ ،‬ما هذه إال في أهل الكتاب> يعني اآلية التي واجهه بها أبو‬
‫ذر‪{:‬والذين يكنزون الذهب والفضة وال ينفقونها في سبيل هللا فبشرهم بعذاب أليم'}(التوبة‪)82‬‬
‫قال أبو ذر رضي هللا عنه‪<:‬إنها لفينا وفيهم>‬
‫وروى البخاري في صحيحه‪ <:‬وقال سفيان‪ :‬ما في القرآن آية أشد علي من‪{:‬لستم على شيء حتى تقيموا‬
‫‪52‬‬
‫التوراة واإلنجيل وما أنزل إليكم من ربكم}(المائدة‪>)68‬‬
‫هذا هو المنهاج الحق وعليه الطريقة والشريعة وروح العلم والفقه في دين هللا تعالى؛ أما أن نتحكم في‬
‫منابر الخطاب ونختص بصفة السلف أو أهل السنة أو الجماعة أو ما شيء من الصفات ونصادرها‪ ،‬ثم‬
‫يكون التحريف والتبديل من بعد رسول هللا صلى هللا عليه وسلم ونرمي من يذكر بالحق وبصراط هللا‬
‫المستقيم بالضالل والمروق والخروج وغيرها‪ ،‬فإن ذلك ال يغير من الحقائق عند هللا تعالى ومالئكته وعند‬
‫الراسخين في العلم‪ ،‬ال يغير في ذلك من الحق شيئا‪.‬‬
‫وكذلك استجهالهم للخطاب المجالي‪ ،‬يعني لتابعيهم والمتلقين عنهم من الناس الظانين بهم الظن الحسن‬
‫باإلغراض والقول بالعارضية‪ ،‬فإن اآلية التي تلونا من قوله تعالى‪{:‬فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب‬
‫يأخذون عرض هذا األدنى ويقولون سيغفر لنا وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه' ألو يؤخذ عليهم ميثاق‬
‫الكتاب أن ال يقولوا على هللا إال الحق' ودرسوا ما فيه' والدار اآلخرة خير للذين اتقوا' أفال‬
‫تعقلون'}(األعراف‪ ،)061‬هذه اآلية كافية تذكيرا وزجرا لمن آمن بما أنزل على محمد صلى هللا عليه‬
‫وسلم وهو الحق من ربهم‪ .‬ثم إن القوم وكأنهم يضعون أيديهم على وجوههم حتى ال تتراءى لهم الشمس‬
‫وضياؤها‪ ،‬والجبال رواسي شامخات‪ ،‬وهذا العلم الحق من لم يعلمه ومن لم يعمل به لم يعلم ولم يفقه في‬
‫دين هللا شيئا‪ ،‬قولة أبي بكر الصديق رضي هللا عنه باقية ما بقيت الدعوة إلى الحق وإلى دين هللا الحق‬
‫المبين‪ ،‬قولته التي ال سبيل لهم إلخفائها وال تضعيف سندها وفحواها‪ ،‬قوله رضي هللا عنه‪:‬‬
‫((وهللا ألقاتلن من فرق بين الصالة والزكاة‪ ،‬وهللا لو منعوني عقاال كانوا يعطونه رسول هللا صلى هللا عليه‬
‫وسلم لقاتلتهم عليه))‬
‫‪52‬الثاني‪-‬دار الكتب العلمية‪-‬بيروت‪-‬ط‪.0‬‬
‫‪ 55‬صحيح البخاري‪ -‬باب الرجاء مع الخوف‪ -‬كتاب الرقاق‪.‬‬


Aperçu du document بين النفي والإثبات.pdf - page 1/277
 
بين النفي والإثبات.pdf - page 3/277
بين النفي والإثبات.pdf - page 4/277
بين النفي والإثبات.pdf - page 5/277
بين النفي والإثبات.pdf - page 6/277
 




Télécharger le fichier (PDF)


Télécharger
Formats alternatifs: ZIP




Documents similaires


strategie etme
mansour
pcoceedingsicraes16
liste globale mis a jour 07 11 2012
liste globale mis a jour 10 11 2012
liste globale mis a jour 22 sep

Sur le même sujet..




🚀  Page générée en 0.135s