الخلق والأمر .pdf



Nom original: الخلق والأمر.pdfAuteur: abdallah

Ce document au format PDF 1.5 a été généré par Soda PDF Server, et a été envoyé sur fichier-pdf.fr le 24/07/2014 à 01:39, depuis l'adresse IP 197.247.x.x. La présente page de téléchargement du fichier a été vue 1382 fois.
Taille du document: 3.1 Mo (363 pages).
Confidentialité: fichier public

Aperçu du document


‫تفصيل الخلق واألمر‬
‫في سؤال حوار األديان وتفرق المذاهب الفقهية‬

‫ابن سينا‬
‫بين‬
‫قصور المتفلسفة وافتراء المتقولة‬

‫الجزء األول‬

‫رشيد بلواد‬

‫فهرست الكتاب‬

‫مقدمة‬
‫الباب األول‪ :‬بدء الكون ونموذج االنفجار الكبير‬
‫الفصل األول‪ :‬بدء الخلق‬

‫‪7‬‬
‫‪9‬‬
‫‪11‬‬

‫الفصل الثاني‪ :‬بدء الكون ونموذج االنفجار الكبير‬
‫‪ -1‬نموذج االنفجار الكبير‪ :‬األسس واإلشكاالت‬
‫‪ -2‬النموذج الديراكي النظير والبديل األقوم لنموذج االنفجار الكبير‬
‫‪ -3‬من بذرة االختالل الكثافاتي إلى ميالد المجرات‬
‫‪ -4‬الفرضيات التكوينية لألنظمة الشمسية‪ :‬خصائص تكوين نظامنا الشمسي‬

‫‪11‬‬
‫‪11‬‬
‫‪22‬‬
‫‪32‬‬
‫‪34‬‬

‫‪ -5‬التأطير الفلسفي من خالل األفق العلمي المطلق‬

‫‪31‬‬

‫الباب الثاني‪ :‬خلق اإلنسان واألساس التركيبي للنفس اإلنسانية‬

‫‪54‬‬

‫الفصل األول‪ :‬سؤال خلق اإلنسان واألفق اإلدراكي للعقل‬

‫‪44‬‬

‫الفصل الثاني‪ :‬الداروينية امتداد طبيعي للعلم اإلنساني وللتطورية خاصة‬

‫‪55‬‬

‫الفصل الثالث‪ :‬العناصر األساسية لنظرية التطور عند داروين‬

‫‪43‬‬

‫الفصل الرابع‪ :‬نقد الداروينية‬

‫‪44‬‬

‫الفصل الخامس‪ :‬فرضية أوبارين وبدء الحياة على األرض‬

‫‪42‬‬

‫الفصل السادس‪ :‬حل إشكال الداروينية في الصعود القوانيني وتوحيد األبعاد الفيزيائية والوجودية‬

‫‪72‬‬

‫الفصل السابع‪ :‬نموذج في اإلغراض أو األدلجة العلمية لإللحاد‬

‫‪71‬‬

‫‪2‬‬

‫الفصل الثامن‪ :‬الوحي والقرآن العظيم والداروينية‪ :‬معيار األقصى‬

‫‪15‬‬

‫الفصل التاسع‪ :‬النفس البشرية‪ :‬أساسها التركيبي‬

‫‪22‬‬

‫الباب الثالث‪ :‬قانون خط الكتاب والنبوة وباطل مقولة حوار األديان‬

‫‪99‬‬

‫الفصل األول‪ :‬المحورية التاريخية للكتاب والنبوة‬
‫التشكالت الفكرية والعقائدية‬

‫‪102‬‬

‫‪ -1‬الصابئة‬

‫‪102‬‬

‫‪ -2‬المجوسية والثنوية‬

‫‪104‬‬

‫‪ -3‬الفالسفة‬

‫‪110‬‬

‫الفصل الثاني‪ :‬دين هللا تعالى واحد برهانه القانوني التصديق والتفصيل‬

‫‪112‬‬

‫الباب الرابع‪ :‬التأصيل التاريخي والبنيوي للتفرق‬
‫الخوارج والشيعة انشطار أحدثه البغي‬

‫‪031‬‬

‫الفصل األول‪ :‬التأصيل التاريخي والبنيوي للتفرق‬

‫‪131‬‬

‫‪ -1‬التفرق من جهة الخبر والتفرق من جهة األمر‬

‫‪131‬‬

‫‪ -2‬الوظيفة الوسيطية لبني إسرائيل‬

‫‪132‬‬

‫‪ -3‬التزامن التفرقي والعامل السياسي‬

‫‪143‬‬

‫الفصل الثاني‪ :‬الشيعة والخوارج انشطار أحدثه البغي‬

‫‪157‬‬

‫‪ -1‬الخوارج والمغالطة التاريخية‪ :‬التفكيك التاريخي‬

‫‪157‬‬

‫‪ -2‬العقد الثالثة في الحقيقة الشيعية‬

‫‪141‬‬

‫‪3‬‬

‫الباب الخامس‪ :‬التفرق الخبري وحل إشكال الصفات‬

‫‪110‬‬

‫الفصل األول‪ :‬التفرق الخبري‬

‫‪202‬‬

‫الفصل الثاني‪ :‬قانون التفصيل مفتاح إشكال الصفات‬

‫‪202‬‬

‫‪ -1‬قانون التفصيل والبيان الخلقاتي لإلنسان‪ :‬قول الحسن البصري األصح في الصفات‬
‫‪ -2‬ضيق مجال قول أبي الحسن األشعري في الصفات‬

‫‪202‬‬
‫‪212‬‬

‫‪ -3‬التضليل في لفظ "التعطيل"‪ :‬الغزالي والفارابي وابن حزم في الرد القويم‬

‫‪213‬‬

‫‪ -4‬التضليل بالخلط بين حقيقة مخلوقية األعمال واالبتالء في اإلرادة‬

‫‪211‬‬

‫‪ -5‬القرآن كالم هللا غير مخلوق واإلشكال اإلدراكي‬

‫‪220‬‬

‫‪ -4‬قانون التفصيل حل إشكال الصفات والمشروعية التفرق الخبري‬

‫‪223‬‬

‫‪ -7‬فساد التصور األشعري والمعتزلي في الرؤية على السواء‪ :‬ضالل قولتهم‪ :‬نتعبد هللا بمعتقد‬
‫فالن والعقيدة الفالنية‬

‫‪223‬‬

‫‪ -1‬فقدان الجاحظ لبوصلة العقل في سؤال "الرؤية"‬

‫‪224‬‬

‫‪ -2‬غلو األشعري في ابن حنبل وبيان ضالله الحق في معنى {األبصار} من قوله تعالى {ال تدركه‬
‫‪222‬‬
‫األبصار'}‬
‫‪-10‬الخالصة‬

‫‪232‬‬

‫الباب السادس‪ :‬تصحيح االتصال بين الحكمة وعلم الكتاب‬

‫‪132‬‬

‫الفصل األول‪ :‬اتصال حكماء اليونان بعلم النبوة والكتاب وضالل التقليد في األحكام‬

‫‪231‬‬

‫‪ -1‬االفتراء العظيم في وصف فالسفة يونان بالكفر‬

‫‪231‬‬

‫‪ -2‬التقليد في األحكام والتناقضات المثيرة للشهرستاني بشأن ابن سينا‬

‫‪243‬‬

‫‪4‬‬

‫الفصل الثاني‪ :‬النجم الثاقب في نسف االفتراء على الحسين بن سينا في العلم والصفات‬

‫‪241‬‬

‫‪ -1‬هللا تعالى عند ابن سينا رحمه هللا أج ّل من أن يكون علمه تجزيئيا وتركيبيا كعلم المخلوق‬

‫‪241‬‬

‫‪ -2‬الخطأ الشنيع الثابت للغزالي وابن تيمية وابن القيم في حق ابن سينا والفارابي والقصور اإلدراكي‬
‫‪252‬‬
‫عند المتفلسفة والمقلدة‬
‫‪ -3‬قول أرسطو والفارابي وابن سينا في علم هللا تعالى كنهه كمال التنزيه لجالله سبحانه‪،‬‬
‫ولكن أكثر الناس ال يفقهون‬
‫‪ -4‬خطر التفلسف التقليداني على الفلسفة وعلى الدرس الفلسفي‬

‫‪243‬‬
‫‪244‬‬

‫‪ -5‬العدم غير المحض عند أرسطو حجر الزاوية في الضبط المفهوماتي للقوة والفعل ولمادة‬
‫‪275‬‬
‫الخلق أو الهيولى أو الالمتعين وموضوع األزلي‬
‫‪274‬‬
‫‪ -4‬خطأ ابن رشد في التأويل في مسألة القدم وفي التأويل‬
‫‪ -7‬خالصة وذكرى للمتقين‬

‫‪212‬‬

‫الفصل الثالث‪ :‬كلمة ابن سينا الحق تأويل الوجود ولكن أكثرهم ال يفقهون‬
‫سقف التفكر الحق في التأويل‬

‫‪217‬‬

‫‪ -1‬مفهوما "العقل" و"العلم" في السؤال الفلسفي وعناء الفلسفة اإللحادية‬

‫‪217‬‬

‫‪ -2‬ابن سينا على ذروة القول الفلسفي الحديث في حقيقتي "العقل" و"النفس"‬

‫‪221‬‬

‫‪ -3‬مع الصعود بقانون التفصيل القدرة والخلق يؤوالن إلى العلم‬

‫‪225‬‬

‫‪ -4‬الوصل المجالي لشعلتي العقل والحياة بقيومية السماوات واألرض‬
‫‪ -5‬الخطأ الفاحش للشهرستاني وابن القيم في حق ابن سينا بخصوص مسألة القدم‬

‫‪307‬‬
‫‪315‬‬

‫‪ -4‬فاصل الخالقية وسبق العلة‬

‫‪322‬‬

‫‪ -7‬فقه حقيقة التفصيل شرط مصداقية التأويل‪ :‬إثبات ابن سينا رحمه هللا للبعث والمعاد‬

‫‪324‬‬

‫‪5‬‬

‫‪ -1‬التأويل الرد إلى الحقيقة الجذرية للوجود‬

‫‪333‬‬

‫‪ -2‬ابن سينا إعجاز علمي للحضارة اإلسالمية المسار الحضاري األقوم للبشرية‬

‫‪334‬‬

‫‪ -10‬اإلبداعية الخالقة للرياضيات والقوة التأثيرية الكامنة في الدعاء‪ :‬حل إشكال الجبر واالختيار ‪340‬‬
‫المصادر والمراجع‬

‫‪6‬‬

‫‪342‬‬

‫مقدمة‪:‬‬
‫الحمد هلل الذي ليس كمثله شيء وهو السميع البصير‪ ،‬والصالة والسالم على محمد وعلى آله وصحبه‬
‫وسلم تسليما‪ ،‬أما بعد‪:‬‬
‫فإنه مما ساد القول به وتقرر عند القوم فرضه‪ ،‬فتم التسليم به طوعا وكرها‪ ،‬يقول به خاصة الناس من‬
‫أهل العلم قبل عامتهم‪ ،‬قولتهم المخالفة ألكبر حقيقة يسير عليها الوجود والتاريخ‪ ،‬قولتهم الكافرة بقانون‬
‫الوحي المنزل من السماء‪ ،‬قولتهم الملبسة في بيانها لبوس الدعوة إلى الكفر بادعاء سلوك حوار ليس‬
‫يحق أصال وما له في الشرعية من قرار‪ ،‬قولة الكفار ابتداء ثم المنهزمين‪ :‬إنها مقولة حوار األديان‪.‬‬
‫هذه المقولة ال تعدو في حقيقتها سوى نتيجة مباشرة لواقع الهزيمة المر والمرير الذي يتجرع المسلمون‬
‫اليوم مرارة كأسها في مشارق األرض ومغاربها‪.‬‬
‫إن دين هللا واحد‪ ،‬دين اإلسالم الذي بعث به الحق سبحانه األنبياء والرسل من آدم عليه السالم إلى محمد‬
‫صلى هللا عليه وسلم‪ .‬و ُك ٌّل أخذ هللا ميثاقه لما آتاه من كتاب وحكمة ثم جاءه رسول مصدق لما معه‬
‫ليؤمنن به ولينصرنه‪ .‬وهذه حقيقة وميثاق من علم الكتاب األول المسطر عليه في جميع الكتب المنزلة‪،‬‬
‫ومبدأ محوري لتاريخ اإلنسانية على األرض‪ ،‬يعلمه علماء بني إسرائيل قبل غيرهم علما يقينا ال مرية‬
‫فيه وال شك‪.‬‬
‫إن هذه المقولة الكافرة باعتبار مضمونها وخلفيتها‪ ،‬وكونها ال عالقة لها البتة بصحيح معنى المجادلة‬
‫الشرعية ألهل الكتاب‪ ،‬إنما هي من موقع خط في الصراع بين الحق والباطل‪ ،‬وأهل اإلسالم وملة الكفر‪،‬‬
‫على جبهة متقدمة‪ ،‬جاءت على سنن الحروب من بعد أفغانستان والعراق وغزة؛ شروط تملى‬
‫ومهزومون مذعنون‪ ،‬أشربوا حب الدنيا فذلت رقابهم للكفار من بني إسرائيل‪ ،‬يفعلون بهم وبرعاياهم‬
‫وشعوبهم ما يشاءون؛ كل المؤسسات سياسيها واقتصاديها واجتماعيها نواصيها بأيديهم‪ ،‬يبدلون في‬

‫‪7‬‬

‫تشريعاتها ويسنون لها من القوانين ما يريدون‪ .‬يقول هللا تعالى ومن أصدق من هللا قيال وبأبلغ ما يكون‬
‫النذير والوعيد‪:‬‬
‫{وال يزالون يقاتلونكم حتى ير ُّدوكم عن دينكم إن استطاعوا' ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر‬
‫فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا واآلخرة' وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون'}(البقرة‪.)215‬‬
‫هذا الموضوع الخطب هو النواة والدافع لهذه الكلمات ولهذا المؤلف الذي يجمعها‪ .‬ولما كان األساس في‬
‫كل ذلك أساسا علميا محضا محددا في الحقيقة الكبرى‪ ،‬حقيقة أحادية الدين وأحادية قانون الكون‪ ،‬كان من‬
‫المحتم أن يبنى القول على بيان هذه الحقيقة وإزاحة الغشاوة لتتم الجلوة لنورها المشع في اآلفاق‪،‬‬
‫المهيمن على كل أبعاد الخلق واألمر‪،‬آفاق الكون واإلنسان‪ ،‬وتاريخ محور النبوة والكتاب‪ ،‬أن يقوم بناء‬
‫القول كله على برهان هيمنة أحادية قانونية كونية وجودية‪.‬‬
‫وكان علينا من واجب الصدع بالحق وإلزام الحجة أولي النهى وأولي األلباب أن نعلم لحوق أمر المذاهب‬
‫الفقهية‪ ،‬التي هي في الحق والواقع محض تحزبات‪ ،‬أن نلحقها بأمر وانحراف مقول حوار األديان؛‬
‫فكالهما باطل ليس ينطلي لبسه وضالله إال على من كتب عليه الضالل‪{:‬وما كان لنفس أن تؤمن إال‬
‫بإذن هللا' ويجعل الرجس على الذين ال يعقلون'}(يونس‪.)100‬‬

‫‪8‬‬

‫الباب األول‬

‫بدء الكون ونموذج االنفجار الكبير‬

‫‪9‬‬

‫<وهكذا فإن األخالق إنما تقود على نحو البد منه إلى الدين‪ ،‬وعبر ذلك هي تتوسع إلى حد فكرة مشرع‬
‫خلقي واسع القدرة‪ ،‬خارج عن اإلنسان‪ ،‬في إرادته تكمن تلك الغاية النهائبة (لخلق العالم)‪ ،‬التي يمكن‬
‫ويجب أن تكون الغاية النهائية لإلنسان‪.‬‬
‫‪...‬‬
‫وال يسمح لنا مفهوم إرادة إلهية متعينة انطالقا من مجرد القوانين الخلقية المحضة‪ ،‬ألن نفكر إال في إله‬
‫واحد‪ ،‬وبالتالي أيضا‪ ،‬إال في دين واحد‪ ،‬هو يكون خلقيا محضا‪>.‬‬
‫‪ VI/6- VI/104‬إيمانويل كانط ‪ :‬الدين في مجرد العقل‬

‫‪10‬‬

‫الفصل األول‬
‫بدء الخلق‬

‫"عن عمران بن حصين قال‪ :‬إني كنت عند رسول هللا صلى هللا عليه وسلم إذ جاءه قوم من بني تميم‬
‫فقال‪ <:‬اقبلوا البشرى يا بني تميم‪ ،‬قالوا‪ :‬بشرتنا فأعطنا؛ فدخل ناس من أهل اليمن فقال‪ :‬اقبلوا البشرى يا‬
‫أهل اليمن إذ لم يقبلها بنو تميم‪ ،‬قالوا‪ :‬قبلنا‪ ،‬جئناك لنتفقه في الدين ولنسألك عن أول هذا األمر ما كان؟‬
‫قال‪ :‬كان هللا ولم يكن شيء قبله‪ ،‬وكان عرشه على الماء‪ ،‬ثم خلق السماوات واألرض‪ ،‬وكتب في الذكر‬
‫كل شيء> ثم أتاني رجل فقال‪ :‬يا عمران أدرك ناقتك فقد ذهبت‪ ،‬فانطلقت أطلبها‪ ،‬وأيم هللا لوددت أنها قد‬
‫‪1‬‬
‫ذهبت ولم أقم"‬
‫وعن أبي رزين قال‪ ":‬قلت يا رسول هللا‪ ،‬أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه؟ قال‪ :‬كان في عماء‪ ،‬ما تحته‬
‫هواء وما فوقه هواء‪ ،‬وخلق عرشه على الماء" رواه الترمذي وقال‪ :‬قال يزيد بن هارون‪ :‬العماء أي ليس‬
‫‪2‬‬
‫معه شيء‪.‬‬
‫هذان الخبران والحديثان يتسقان تفسيرا وبيانا مع قوله عز وجل العليم الحكيم‪{:‬وهو الذي خلق السماوات‬
‫واألرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عمال' ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد‬
‫الموت ليقولن الذين كفروا إن هذا إال سحر مبين'}(هود‪.)7‬‬
‫على مستوى األصول فإن ما ذكره وساقه ابن كثير رحمه هللا يعتبر جامعا مستوفيا؛ لكن ما يستدعي‬
‫التوقف عنده واإلشارة إليه هو الترتيب بخصوص مجيء وورود قوله <ثم خلق السماوات واألرض>‬
‫بعد قوله <وكتب في الذكر كل شيء>؛ فالتحقيق في هذا يستدعي ويستحضر ذكر الخبرين‪ ،‬أولهما الذي‬
‫رواه مسلم رحمه هللا عن عبد هللا بن عمرو رضي هللا عنهما‪ ،‬قال‪ :‬قال رسول هللا صلى هللا عليه وسلم‪:‬‬
‫"كتب هللا مقادير الخالئق قبل أن يخلق السماوات واألرض بخمسين ألف سنة" قال‪ ":‬وكان عرشه على‬
‫‪ 1‬رواه البخاري في كتاب بدء الخلق‪.‬‬
‫‪ 2‬من األبواب المنتخبة من مشكاة المصابيح‪ .‬باب بدء الخلق وذكر األنبياء عليهم السالم‪.‬‬

‫‪11‬‬

‫الماء"‪ .‬والحديث الثاني ما رواه الترمذي رحمه هللا عن عبادة بن الصامت رضي هللا عنه قال‪ :‬قال‬
‫رسول هللا صلى هللا عليه وسلم‪ ":‬إن أول ما خلق هللا القلم‪ ،‬فقال له ‪ :‬اكتب فقال‪ :‬ما أكتب؟ قال‪ :‬اكتب‬
‫القدر‪ .‬فكتب ما كان وما هو كائن إلى األبد" وقال الترمذي‪ :‬هذا حديث غريب إسنادا‪ .‬لكن وكما بينه‬
‫محمد إلياس الباربنكوي جزاه هللا عن المسلمين واإلسالم خير الجزاء وحققه من كون الحكم والقول‬
‫السديد فيه الصحة لتعدد طرقه وورود الخبر بمعناه وتوافقه مع الحق‪.‬‬
‫وفي بدء كتاب‪ 3‬األوائل ألبي بكر أحمد بن أبي عاصم النبيل المتوفى سنة ‪217‬ه‪:‬‬
‫<‬

‫بسم هللا الرحمان الرحيم‬
‫وال حول وال قوة إال باهلل‬

‫‪ – 1‬أخبرنا الشيخ اإلمام العالم الحافظ‪ ،‬شمس الدين أبو الحجاج يوسف بن خليل بن عبد هللا‪ ،‬الدمشقي‪،‬‬
‫قراءة عليه‪ ،‬وأنا أسمع في الجمعة عشرين ربيع األول‪ ،‬سنة ثمان وثالثين وستمائة بحلب‪ ،‬قال‪:‬‬
‫أخبرنا الشيخ أبو عبد هللا محمد بن أبي زيد بن حمد بن أبي نصر الخبّاز الكراني‪ ،‬أنا أبو منصور محمود‬
‫صيْرفي قراءة عليه‪ ،‬وأنا أسمع‪ ،‬أنا أبو بكر محمد بن عبد هللا بن شاذان األعرج‪،‬‬
‫بن إسماعيل بن محمد ال ّ‬
‫أنا أبو بكر عبد هللا بن محمد بن محمد بن فُورك القبّاب‪ ،‬أنا أبو بكر أحمد بن عمرو ابن أبي عاصم‬
‫ال ّنبيل‪ ،‬رحمه هللا‪.‬‬
‫ثنا محمود بن خالد‪ ،‬ثنا مروان بن محمد‪ ،‬ثنا ابن لهيعة‪ ،‬عن يزيد ابن أبي حبيب‪ ،‬عن الوليد بن عبادة‪،‬‬
‫ُ‬
‫سمعت رسو َل هللا صلى هللا عليه وسلم يقول‪:‬‬
‫عن أبيه قال‪:‬‬
‫" َّأو ُل ما َخلق هللا ُ القلم">‬
‫الذي تم التمهيد بهذا من أجله هو وجوب االعتبار المسبق والدائم ألحادية هللا سبحانه أوال وأخيرا وعلى‬
‫مسار الخلق واألمر‪ ،‬كما نتلوه بقوي الداللة وأحسن الحديث من الكتاب والقرآن المجيد‪:‬‬
‫{إن ربكم هللا الذي خلق السماوات واألرض في ستة أيام ثم استوى على العرش' يغشي الليل النهار يطلبه‬
‫حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره' أال له الخلق واألمر' تبارك هللا رب‬
‫العالمين'}(األعراف‪)53‬؛‬
‫تحقيق خادم السيرة المطهرة أبو هاجر محمد السعيد بن بسيوني زغلول صاحب موسوعة أطراف األحاديث النبوية‪ -‬توزيع دار الباز للنشر‬
‫‪3‬والتوزيع‪ -‬دار أحمد الباز‪ -‬مكة المكرمة‪ -‬دار الكتب العلمية‪ -‬بيروت‪ -‬لبنان‪ -‬ط‪1041-1‬ه‪1891 -‬م‬

‫‪12‬‬

‫فهذه األحادية هي التي نجعلها المحور والمرتكز في البيان واالحتجاج ومناط الدليل والبرهان‪ ،‬على‬
‫باطل وإفك مقولة حوار األديان‪ ،‬وعلى زيغ وضالل التحزبات والمذاهب الفقهية‪ ،‬التي هي على نقيض‬
‫ما جاء به الدين وشرعه‪ ،‬وما قام عليه من توحيد األمة ووحدتها‪ ،‬وعدم التفرق فيه شرعة ومنهاجا؛ يقول‬
‫هللا تعالى وقوله الحق‪:‬‬
‫{كان الناس أمة واحدة فبعث هللا النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس‬
‫فيما اختلفوا فيه' وما اختلف فيه إال الذين أوتوه' من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم' فهدى هللا الذين‬
‫آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه' وهللا يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم'}(البقرة‪.)211‬‬
‫فإن نحن نظرنا إلى حديث عمران بن حصين رضي هللا عنه‪ ،‬وذهبنا في هذا النظر مذهب الدارس‬
‫الحصيف‪ ،‬بقصد التحديد ألهم ما جاء فيه وللخطوط العريضة لمضمونه وفحواه‪ ،‬كان أهم ما هو مثار‬
‫االنتباه القيمة المثيرة والعظيمة للعلم‪ ،‬حتى حق اعتبارها من جهة التحليل المقصد والحكمة من الخطاب‪،‬‬
‫الخطاب هنا في معناه الواسع الدال على مطلق الحدث البياني‪ ،‬كما هو شأن السنة النبوية في كل صيغها‬
‫البيانية القولية والعملية غير اللفظية والتقريرية‪ .‬وإنه لشأن أي شأن هذا التطلع لهذه النفس وهذا العقل‪،‬‬
‫تطلع همه المعرفة؛ وهلل دره من عقل‪ ،‬وما دراه أن ال بشرى حقيق أن تكون كذلك إن لم يكن شأنها‬
‫وبشراها التفقه في الدين وسؤال العلم بتاريخ التكوين‪:‬‬
‫" اقبلوا البشرى يا أهل اليمن إذ لم يقبلها بنو تميم؛ قالوا‪ :‬قبلنا‪ ،‬جئناك لنتفقه في الدين ونسألك عن أول‬
‫هذا األمر ما كان؟ "‬
‫إن هذا السؤال حقا ال يمكن أن يكون إال سؤاال لنفس حرة متحررة من ثقالة األرض ومن أفقها الضيق‬
‫ومن إسارها‪ .‬وإنه لتواجد متطلع وذروة في استشراف العلم ما تجاوزها العقل اإلنساني إلى اليوم‪ ،‬وما‬
‫نظنه في يوم من أيام الدنيا ببالغها بتلك الشروط السليمة‪ ،‬المعزولة عن شوائب الخلفيات‪ ،‬واألسس‬
‫المرجعية ومقدماتها المسبقة‪.‬‬

‫‪13‬‬

‫الجانب الفقهي لهذا الحديث‪ ،‬وباعتبار كل معايير النقد العلمي للمدونات القانونية والنصوص العلمية‪،‬‬
‫نعبر عنه بأبلغ ما يكون التوضيح واإليجاز بالربط بأحوال الواقع الذي يغشى األمة في حاضرها‪ ،‬وبهذه‬
‫الحادثة التي شهدتها الجامعة العربية واجتماعها الذي تزامن مع إعالن إيران دخولها الطور التاريخي‬
‫الفضائي بعد نجاح إطالقها الصاروخي؛ لقد كان يكفي عمرو موسى األمين العام للجامعة وبدل أن يرد‬
‫األسباب‪ ،‬أسباب تخلف الدول العربية الطائفية عن غيرها من دول المعمور وعن إيران فارس‬
‫بالخصوص‪ ،‬إلى إشكال مادي بيّن ظاهر كذبه‪ ،‬من قبيل الميزانيات المخصصة للبحث العلمي وطبيعة‬
‫المقررات والبرامج الدراسية‪ ،‬وكأنه يخبر القوم بما لم يحيطوا به علما من األسباب والعوائق‬
‫واإلشكاالت المدلهمات ‪ ،‬وبأسلوب وكأنه في فصل من فصول تدريس اللغة العربية وتلقين دروس‬
‫اإلنشاء‪ . .‬لقد كان يكفيه أن يتلو ويذكر بهذا الحديث‪ ،‬حتى يفقه القوم ويحصل العلم بأن خير ما في‬
‫الوجود هذا من بشر وبشرى‪ ،‬ليس يحصل أبدا بهذا اإلصر والجمود المفروض على العقل‪ ،‬حرصا على‬
‫ملك وسلطة بشروط ليس معها إال التخلف الذي يعقبه ال محالة سلب هذه السلطة بذهاب السيادة الحقيقية‬
‫على هذا الملك‪ .‬وهل ملك وسيد ولو على نفسه من ال يخطو خطوة وال يأتي أمرا حتى يأذن أولو القوة‬
‫واألمر من الواليات المتحدة األمريكية ومن األعضاء الدائمة العضوية في األمم المتحدة حتى؟‬
‫إن الواقع يقول ويشهد بأن مذهب هؤالء مناقض تمام المناقضة للحق؛ ثم إن قانون السياسة وقانون العلم‬
‫أمر واحد وقانون واحد؛ هو ترجمة على وجوه مختلفة للحق قانون هللا في الكون الذي ال يتعدد‪ .‬ومن ثمة‬
‫إذا كانوا هم على نقيض الحق في السير بشعوبهم‪ ،‬فال يرجى لهذه الشعوب أن تسير على أي شعب من‬
‫شعب العلم والتطور المساير ألطوار الحق في التاريخ‪ .4‬فمسألة التصنيع على كل مستوياته في صلب‬
‫حقيقتها هي إشكال سياسي وإشكال نظام‪ ،‬وما األسئلة المتعلقة بالبرامج والميزانية إال على مستوى‬
‫ومرحلة تالية‪ ،‬وكل طرح على غير هذا الترتيب إنما هو دجل له موظفوه وتلبيس‪ .‬وما من شك أن أي‬
‫سياسي ومثقف مستوعب‪ ،‬فقيه بأمور وأبعاد المؤسسات التاريخية يقف على حقيقة هذا اإلشكال‪.‬‬
‫وإن المسافة الزمنية والتاريخية التي تفصلنا عن حين طرح هذا السؤال‪ ،‬سؤال الوفد من أهل اليمن في‬
‫خبر ابن حصين رضي هللا عنه‪ ،‬والشروط المؤطر بها ليوضح بكل قوة وليعلم أبرز ما يكون اإلعالم أن‬
‫خلال عظيما قد أصاب عالقة المسلمين بالمنهاج المنزل من السماء مما اعتدنا تسميته من غير استحضار‬
‫حقيقته بالمنهاج اإلسالمي‪ ،‬حيث النص في المنزلة الحقيقية والشرعية للعلم مطلقا ولعلم الطبيعة وعلم‬
‫التكوين هاهنا جلي صريح؛ وما يجحد بمنصوص الحقائق والحق إال مغرض في الدين‪ ،‬راد لما أمر به‬
‫هللا تعالى‪ ،‬الذي ال ملك سواه العزيز الجبار‪ .‬منهاج في السياسة والسير بالناس واألمة بسبيل من عند هللا‬
‫انظر الفصلين الثالث واألول من البابين األو ل والخامس بالتبع في كتابنا "ميثاق الكتاب‪ ،‬اإليمان بين النفي واإلثبات "‪ :‬الجزء الثاني من "تذكرة‬
‫‪4‬العلماء في الربانية والمنهاج"‬

‫‪15‬‬

‫قويم‪ .‬وإنه ال شك‪ ،‬وهل في هللا شك فاطر السماوات واألرض؟ من كون هذا السبيل كفيل لردم هذه‬
‫الفجوة وتجاوز عقدة التخلف واكتساب رهان التصنيع‪ ،‬ورد األصل في شأن هذه األمة من العزة‬
‫والسيادة‪ ،‬وإنه ليسير‪ ،‬وما ذلك على هللا بعزيز‪ .‬وإذا كان العائق في ذلك نظام ما في السياسة ولو أقسم‬
‫أصحابه باأليمان الغليظة أنهم منكم‪ ،‬فأولئك هم أعداء التاريخ وأولئك هم الرهط المفسدون‪ ،‬فليس العدو‬
‫األول الذي دهم بيوت المسلمين وروع صبيتهم بين حجور أمهاتهم‪ ،‬ولكنهم هؤالء النفر الذين سلبوا األمة‬
‫عدتها المأمور بها شرعا‪ ،‬التي تنطبق بالواجب الشرعي في الصناعة الثقيلة‪ ،‬حرصا على السلطة‬
‫والعرش‪ ،‬فانقلبوا في الحساب السياسي والخوارزم التاريخي عمالء‪ ،‬ال شك في خيانتهم هلل ولرسوله‬
‫وألماناتهم؛ فال شك في عمالتهم وخيانتهم التاريخية ألمتهم‪.‬‬
‫كان هذا من حيث الجانب الفقهي للحديث الذي جعلناه منطلقا ومبدءا لحديثنا وتحليلنا‪ .‬وإذا كان مما أثر‬
‫عن اإلمام أحمد رحمه هللا قوله بشأن سورة العصر بأن لو لم ينزل هللا تعالى غيرها لكفتهم‪ ،‬مع التحفظ‬
‫ووجوب اعتبار كثير من التجوز في هذا القول‪ ،‬فإننا لو لم نعلم غير هذا الحديث لكفانا معرفة لخطر‬
‫العلوم الطبيعية وعلم التكوين في أمر هللا وشرعه الحكيم‪ ،‬ولكفى في الرد على كل من ينال من هذه القيمة‬
‫أي كان من العالمين‪ .‬وليعلم أن تقسيم العلوم إلى شرعية وغير شرعية إنما هو تقسيم بياني‪ .‬ولقصور‬
‫التصور ومحدودية النظر‪ ،‬مما هو للبشر خاصة الزمة‪ ،‬تم إسقاط وإتباع هذا التقسيم على بعد ومستوى‬
‫الحكم الشرعي‪ ،‬األمر الجلي فساده والبين بطالنه‪ .‬فالمؤمن العاقل يكفيه تذكر واستحضار القولة‬
‫الفقهية‪':‬ما ال يتم الواجب إال به فهو واجب' وهذه آيات هللا القوي العزيز من سورة براءة وسورة الحديد‬
‫وغيرها من سور القرآن المجيد‪ ،‬وأمر هللا واحد {وما كان لمؤمن وال مؤمنة إذا قضى هللا ورسوله أمرا‬
‫أن تكون لهم الخيرة من أمرهم' ومن يعص هللا ورسوله فقد ضل ضالال مبينا'}(األحزاب‪)34‬‬
‫ثم إذا كان ال ينبغي للمؤمن أن يلدغ من جحر مرتين كما ورد في الخبر الشريف‪ ،‬فهذا التاريخ القريب‬
‫تاريخ االستعمار‪ ،‬وهذه أفغانستان والعراق وغزة؛ وإن حرمة المؤمن الواحد والمؤمنة عند هللا أعظم من‬
‫حرمة الكعبة لو كانوا يعلمون؛ فهذا من صلب فقه التنزيل وعلم المنهاج الصحيح‪ ،‬ومن يضلل هللا فما له‬
‫من سبيل‪.‬‬
‫في اتصال محوري بهذا الخبر واألصل الثابت الصحيح‪ ،‬وبغاية البناء على أحسن وأقوى ما يكون به‬
‫الدليل‪ ،‬دليل دحوض وباطل مقول (حوار األديان) وضالل المذاهب الفقهية المفرقة للدين والمتخذة‬
‫القرآن عضين‪ .‬هذا الدليل الذي خير وأنجع مناط لبرهانه هو سؤال الواحدية والتعددية في مصدر‬
‫التشريع؛ من أجل هذا المقصد والسبيل في البرهان نستهل بعرض وجيز وخالصة لما آل إليه العلم‬

‫‪16‬‬

‫المعاصر بخصوص تاريخ الكون وبدء الخلق مما أصبح يعرف في األوساط العلمية ويشار إليه بنموذج‬
‫االنفجار الكبير‪.‬‬

‫‪17‬‬

‫الفصل الثاني‬
‫بدء الكون ونموذج االنفجار الكبير‬

‫‪5‬‬

‫‪ -0‬نموذج االنفجار الكبير‪ :‬األسس واإلشكاالت‬
‫إن إطار دراسة بدء الكون من العلم الحديث حيزه علم الفضاء أو ما يصطلح عليه بالكوسمولوجيا‪ .‬وهو‬
‫حقل علمي متصل بالعلوم الفيزيائية وتفرع ممتد لها‪ ،‬موضوعه المختص به الفضاء‪ .‬هذا اإلطار‬
‫والمجال هو الذي يحتضن ما يسمى ويطلق عليه كنموذج وشبه نظرية نموذج االنفجار الكبير‪ .‬هذا‬
‫النموذج الذي يقدم أو يتوخى منه إعطاء تفسير للخلق المادي في مبدئه‪ ،‬وتحديد ورسم مسار نشوئه‬
‫وتكوينه‪ .‬النموذج التفسيري والعلمي هذا إنما هو ضمن نماذج أخرى‪ ،‬لكنه أصبح أكثرها شيوعا وقبوال‬
‫في األوساط العلمية حتى بات وكأنه أمر مقرر وحقيقة علمية مسلم بها‪ .‬ومضمونه وفحواه أن الكون في‬
‫أول أمره انبثق عن انفجار عظيم من نقطة اعتبارية عالية درجة الحرارة شديدة الكثافة‪ ،‬وذلك قبل حوالي‬
‫بضعة عشر مليارا من السنين‪ ،‬ليتسع بعد ذلك‪ ،‬وتتشكل عبر حقب من الزمن مديدة وطويلة‪ ،‬وبفعل‬
‫خصائصه ومميز من نقط تحوالته‪ ،‬لتتشكل مجراته وأجرامه ونجومه وهاالته‪ ،‬حتى حدود تكوين مجرتنا‬
‫األم‪ ،‬درب التبانة‪ ،‬التي تحوي النظام والمجموعة الشمسية‪ ،‬التي يمثل فيها كوكب األرض والفلك الذي‬
‫يحملنا أحد كواكبها‪.‬‬
‫من ناحية التأسيس العلمي‪ ،‬يرتكز ويقوم هذا النموذج على مرتكزين وأساسين اثنين‪ :‬األساس األول هو‬
‫نظرية النسبية العامة أللبير أينشتاين‪ ،‬والمرتكز واألساس الثاني ما يعرف بقانون هوبل‪ ،‬نسبة للعالم‬
‫الفلكي إدوين هوبل‪ ،‬القانون المجلي للعالقة بين المسافة الفاصلة عن المجرات وسرعتها‪.‬‬
‫بيد أنه من الضروري التأكيد على كون الصفة العلمية هنا عندما نتحدث عن نموذج تفسيري للتكوين‬
‫وللخلق المادي أساسا‪ ،‬فإن هذا ال يعني الحديث وامتالك حقيقة وبناء علمي خالص بالمعنى التام‬
‫والصرف للعلمية؛ فحقيقة النموذج هنا على الحكم الصحيح‪ ،‬ال ترقى إلى درجة وحقيقة النظرية‪ ،‬بل إنه‬
‫من جهة المعايير النقدية للتفكير العلمي‪ ،‬ال مجال أكثر إبرازا لقصور طاقة اإلنسان ومحدودية أفقه‬
‫اإلدراكي وحدود إمكانه العلمي والمعرفي من هذا المجال‪ ،‬مجال علم الفضاء‪ ،‬وعلم الكون ونشأته‬
‫ومسار تكوينه‪.‬‬
‫‪LA RECHERCHE : HORS -SERIE N 1 AVRIL19985‬‬

‫‪18‬‬

‫إن مفهوم الكون في علم الفضاء والفيزياء المعاصرة مفهوم نسبي غير مستقل عن الذات المدركة‪ ،‬ذات‬
‫وإدراك العقل اإلنساني‪ ،‬وغير سابق لها؛ فهو بقول مبسط ومعنى أوضح حقيقة قائمة على التعريف‬
‫النظري والعقلي قبل كل شيء‪.‬‬
‫الكون ها هنا هو فضاء زمكاني رباعي األبعاد مقوس‪ ،‬تقوسه ناتج عن عدم تجانس وعدم مساواة‬
‫التوزيع الكثافاتي للمادة‪ ،‬العامل المولد لفعل وظاهرة الجاذبية‪ .‬فالمكون التعريفي الذي يربط التقوس أو‬
‫االنعواج الفضائي بفعل وعامل الجاذبية وبدالة انتشار المادة‪ ،‬هو الذي يصل هذا التعريف والتحديد‬
‫بحلول المعادالت األساسية للنسبية العامة‪.‬‬
‫وبقصد الحصول على الممكن من التبسيط‪ ،‬اعتمد ألبير أينشتاين على فرضية تماثلية الفضاء وتجانسه‪،‬‬
‫أي افتراض الوحدة التطابقية لجميع الخاصيات الفضائية والفيزيائية لكل نقطة من فضاء الكون في كل‬
‫آن زمني‪ .‬وكان أمرا طبيعيا أن تلقى هذه الفرضية توافقا مع طبيعة الكون بكثافته المادية‪ ،‬التي أمكن‬
‫اعتبارها بحسبان المقاييس المختبراتية العلمية الحالية فراغا مثاليا‪ .‬كما أن أعماال الحقة ونتائج علمية‬
‫ونظرية‪ ،‬جاءت لتؤكد أو لتعطي قيمة ومصداقية لهذا االتجاه الذي نحاه وسلكه أينشتاين في تفكيره‬
‫وبحثه‪ .‬لكن يبقى أهم شيء داعم لهذا اإلمكان الفرضياتي وأعظمه تأثيرا هو االكتشاف الصدفة ألشعة‬
‫العمق الكوني‪ ،‬األشعة اإليزوتروبية‪ ،‬المتماثلة االتجاه والشدة‪ ،‬التي تنتشر في مجموع فضاء الكون؛ هذه‬
‫األشعة اآلتية من أول عمر الكون‪ ،‬هي التي ستكون البوصلة العلمية العجيبة والمركبة الكونية إلى أولى‬
‫مراحل الكون وأول ميالده‪.‬‬
‫ولقد كانت الحلول التي جاء بها العالم البلجيكي جورج لوميتر والعالم الروسي ألكسندر فريدمان‬
‫لمعادالت أينشتاين‪ ،‬قد أعطت نماذج فضائية مبسطة من الناحية الهندسية‪ ،‬تماثلية البنية‪ ،‬بحيث يكون‬
‫لجميع نقاط الفضاء وفي كل آن نفس التقوس‪ ،‬لكن مع تغيره على البعد الزمني‪ .‬هذه الحركية سوف تأخذ‬
‫تزكيتها وإثباتها باكتشاف ظاهرة اإلزاحة نحو الحمراء لألشعة المرسلة من المجموعات المجراتية‬
‫الفضائية‪ ،‬مما سيستدل به ويعتبر توسعا للكون‪.‬‬
‫في شروط وإطار هذا االعتبار الفرضياتي‪ ،‬فإن األشكال التي يمكن للكون أن يتخذها في آن معين‪ ،‬هي‬
‫تبعا وحسب منحى تقوسه اإلمكانات واألشكال التالية‪:‬‬
‫‪ -1‬شكل كروي منغلق ذو حجم منتهي‪ ،‬ويمثل مستوياتيا بسطح كرة‪ ،‬وهو الشكل الذي يسند لتقوس‬
‫موجب ثابت‪.‬‬

‫‪19‬‬

‫‪ -2‬شكل زائد‪ -‬مقطعي منفتح بامتداد ال منتهي‪ ،‬ويمثل مستوياتيا بسطح سرج حصان‪ ،‬وهذا يسند لتقوس‬
‫سالب ثابت‪.‬‬
‫‪ -3‬فضاء أوقليدي منفتح‪ ،‬ويمثل بسطح مستوي ال منتهي‪ ،‬وهذا تقوسه منعدم‪.‬‬
‫طبيعة هذا التعريف للكون بارتباطه بالنسبية العامة وبالجاذبية‪ ،‬العامل ومصدر تقوس الفضاء‪ ،‬تجعل من‬
‫كثافة المادة مميزا خاصا ومحددا أساسا‪ ،‬له اتصال مباشر وارتباط بكل نواحي وجهات البناء ومستويات‬
‫بنيته‪ ،‬وبتفسير هذه المستويات‪ .‬وبطبيعة الحال فاألمر بداهي ألن الحركية ال تقوم إال بتأثير وفعل‬
‫مجالي‪ ،‬والمجال هنا مولده المادة‪ ،‬ومن ثمة فال محدد ألبعاد هذه الحركية ولمنحاها إال خصائص المادة‬
‫بالنسبة للفضاء‪ ،‬والتي أهمها التوزيع والكثافة‪ .‬هذا العامل النظري والمحدد البنيوي يمثل بما اصطلح‬
‫عليه بالثابت الكوسمولوجي(الفضائي)‪ ،‬الذي سيؤدي نفس العامل التشكيلي لهندسة الكون الذي سبق‬
‫للتقوس‪ .‬لكن اإلشكال يكمن هنا في اعتماد وتبعية هذا الثابت للقيمة المحددة لكثافة المادة الكونية؛ وهذا ما‬
‫له ارتباط أساس بالقاعدة التأسيسية األولى للكون‪ ،‬وباللحظات األولى لتكوينه‪ ،‬أو ما يسمى بالتركيب‬
‫النيكليوني‪ ،‬الذي تم في األجزاء األولى للثانية التي تلت االنفجار الكبير المفترض‪.‬‬
‫ويقدم تعريف الثابت الكوسمولوجي بكونه نسبة الكثافة المادية للكون إلى قيمة الكثافة الفاصلة بين‬
‫األشكال الهندسية للكون‪ ،‬التي تقدر بحوالي ذرة واحدة من الهيدروجين في المتر المكعب الواحد‪.‬‬
‫ولكي نصعد أو نعود إلى المرحلة األولى للكون‪ ،‬مرحلة التركيب النيكليوني‪ ،‬ولنفهم كذلك آلية هذا‬
‫الصعود‪ ،‬علينا أن ننطلق من حيث انطلق اإلدراك العلمي‪ .‬ونبدأ أوال بإعطاء تحديد وتصور ألهم‬
‫العناصر التي تم عليها بناء النموذج‪ ،‬ونعني هنا بالضبط ثابت هوبل واألشعة الخلفية للعمق الكوني‪.‬‬
‫إن حجر الزاوية والمصدر الحقيقي لثابت هوبل هو العمل أو باألحرى الظاهرة والحكم العلمي الذي‬
‫اهتدى إليه العالم األلماني جون كريستيان دوبلير عام ‪1142‬م بمدينة براغ واكتشافه لما أصبح يسمى‬
‫بأثر دوبلير؛ فقد الحظ أن حركية مصدر الضوء بالنسبة للمراقب ولمستقبله تحدث تغيرا في لونه‪ ،‬حيث‬
‫يغدو أكثر حمرة مع التنائي‪ ،‬وينحو إلى الزرقة حال االقتراب‪ ،‬وذلك بمعامل تناسبي مع السرعة‪ ،‬أي‬
‫سرعة حركة مصدر الضوء‪ .‬وهكذا حين الحظ إدوين هوبل إزاحة نحو الحمراء لألشعة الملتقطة في‬
‫رصده لألشعة الفضائية‪ ،‬وانتباها للمعطى العلمي ألثر دوبلير‪ ،‬أعلن مستنتجا الحركة التوسعية للكون‪،‬‬
‫لينشر سنة ‪1222‬م أول نتاج بياني يربط سرعة المجرات بمسافاتها‪ ،‬هذا الرسم البياني الخطي الذي‬
‫سيكون ميله هو ثابت هوبل‪.‬‬

‫‪20‬‬

‫وهكذا بما أن اإلزاحة نحو الحمراء دليل على توسع الكون‪ ،‬فهذا يعني تناسبها مع المسافة ومع زمن هذه‬
‫المسافة الذي أدى إلى هذه اإلزاحة‪ ،‬ومن ثمة ينبغي أن يكون مقلوب ثابت هوبل هو القيمة المجاورة‬
‫لعمر الكون‪.‬‬
‫ولكن لماذا المجاورة والتقريب وليس التساوي؟‬
‫فذلك يرد لكون سرعة توسع الكون وحركيته ليست على إيقاع واحد رتيب‪.‬‬
‫من أجل هذا إذن نالحظ أن ثابت هوبل يلعب دور عامل تحديدي بنفس األهمية التي يمثلها ويكتسبها‬
‫الثابت الكوسمولوجي كما رأينا‪ ،‬الذي يمثل حضور عامل الكثافة المادية للكون كأحد أهم المرتكزات‬
‫المرجعية‪ ،‬ليس بالنسبة لشكله الهندسي فحسب‪ ،‬بل وللتصورات العلمية والنظرية لمصيره‪.‬‬
‫إن أهم ما يميز ثابت هوبل هو اعتماده باألساس على المالحظة وعلى األبحاث المرصدية‪ ،‬وكذلك على‬
‫توجيه شروط المالءمة‪ ،‬بمعنى توجيه المسالك واالختيارات الحسابية والنظرية بعدم السماح لوجود‬
‫اختالفات أو تناقضات‪ ،‬كأن يكون مثال عمر عنصر من الكون مجرة ما مثال أكبر من عمره‪ ،‬أو ما‬
‫شاكل ذلك من عدم التوافق وضروب التناقض‪ .‬وهكذا وخالل عقد من الزمن كان شريط األرقام واألعداد‬
‫واسعا جدا ومتضاربا بين ‪ 500‬و‪ 50‬إلى أن استقر و تم االتفاق العلمي على قيمة ‪ 73‬وحدة مع عشرة‬
‫تقريب زيادة ونقصانا‪.‬‬
‫والوحدات التي تدخل في تحديد ثابت هوبل هي‪:‬‬
‫ الكيلومتر‪ ،‬والثانية‪ ،‬والفرسخ الفلكي الذي يساوي واحدا وثالثين ألف مليار كلم‪ ،‬أي عشرة على أس‬‫واحد وثالثين كلم‪.‬‬
‫وهكذا يقدر عمر الكون اليوم بخمسة عشر مليار سنة‪.‬‬
‫كذلك يعتبر اكتشاف اإلزاحة نحو الحمراء العامل الحاسم في إزاحة وإبعاد النموذج السكوني للكون‪ ،‬الذي‬
‫كان يطلق عليه نموذج سيتر‪ ،‬نسبة إلى العالم الهولندي ويليام دوسيتر‪ ،‬الذي كان هو المعتبر والمأخوذ به‬
‫إلى حدود الستينات‪.‬‬

‫‪21‬‬

‫أما العنصر الثاني الذي سوف يكون له كما أشرنا من قبل في تحديد المنحى الذي أوجب وألزم على‬
‫العقل البحث في وجهته‪ ،‬سيكون له إلى جانب اإلزاحة نحو الحمراء التحديد شبه الحاسم في رسم وتعيين‬
‫نموذج االنفجار الكبير‪ ،‬فهو االكتشاف كما سبقت اإلشارة إليه الذي حصل صدفة خالل بعض األعمال‬
‫العادية للرصد‪ ،‬وذلك بمالحظة ما يشبه بالتشويشات‪ ،‬لكنها إلى جانب مالزمتها المصاحبة والثابتة‪ ،‬مثيرة‬
‫ببعض خاصاتها المستقرة والثابتة في قياسها‪ ،‬مما سيتضح معه أننا مع أشعة كونية مستقلة‪ ،‬تمأل الكون‬
‫بكامله وبنفس االتجاه والشدة‪ ،‬أشعة تماثلية (إيزوتروبية)‪ ،‬وليتم على ذات النسق الذي تم به الوصل‬
‫بأعمال وأثر دوبلير‪ ،‬التفكير والوصل بما يعرف في الفيزياء بالدالة الطيفية للجسم األسود‪< :‬فمن‬
‫المعروف منذ القدم أنه عند تسحين الفلزات ومواد أخرى إلى درجات حرارة عالية جدا فإنها ُتشعُّ ضوءا‬
‫مرئيا‪ ،‬وكلما كانت درجة الحرارة أعلى صار الضوء أكثر زرقة‪ .‬واتضحت أسباب ذلك‪ ،‬من حيث‬
‫الكيفية على األقل‪ ،‬في منتصف القرن التاسع عشر مع تطور فهم واستيعاب كل من الديناميكا الحرارية‬
‫والنظرية الكهرو‪-‬مغناطيسية‪ .‬فالضوء ما هو إال اضطراب كهرومغناطيسي يولده اهتزاز شحنات‬
‫وينتشر في الفضاء‪ .‬وتؤدي الحرارة العليا إلى زيادة االهتزاز‪ ،‬وبالتالي إلى تعاظم شدة اإلشعاع؛ كما‬
‫تحدث إزاحة نحو ترددات أعلى‪.‬‬
‫وفي خمسينات القرن التاسع عشر استطاع جوستاف كيرشوف المتخصص في العلمين المذكورين أعاله‬
‫أن يتوصل إلى اكتشاف بالغ األهمية‪ :‬اعتبر وعاء أجوف جدرانه محفوظة عند درجة حرارة ما‪ .‬من‬
‫المتوقع لهذه الجدران أن تكون قادرة على ابتعاث وامتصاص إشعاع كهرومغناطيسي‪ .‬وبالرغم من أن‬
‫التركيب الذري لم يكن معروفا تماما آنذاك إال أنه كان معلوما أن المادة تحتوي على شحنة كهربية‬
‫بصورة ما‪ ،‬وأن اهتزاز شحنة كهربية يؤدي بالضرورة إلى ابتعاث إشعاع‪ .‬وبالعكس يسبب اإلشعاع‬
‫الساقط اهتزازا يؤدي إلى امتصاص طاقة اإلشعاع‪ ،‬وبالتوازن بين االبتعاث واالمتصاص سوف يمتلئ‬
‫الوعاء األجوف بإشعاع كهرومغناطيسي تتحرك موجاته في كل اتجاه ممكن وتشمل كل ترددات الطيف‪.‬‬
‫أوضح كيرشوف باستخدام برهان ثرموديناميكي بسيط ولكنه بارع‪ ،‬أن شدة اإلشعاع يجب أن تكون‬
‫إيزوتروبية (متماثلة االتجاه أي تكون األشعة متحركة بالتساوي في جميع االتجاهات) ومنتظمة على كل‬
‫اإلناء (أي نفس الشدة عند كل نقطة من الجدران) واألكثر دهشة أنه أوضح أيضا أن طيف اإلشعاع‪ ،‬أي‬
‫شدة طاقته كدالة في التردد يجب أال تعتمد مطلقا على المادة المصنوع منها الجدران‪.‬‬
‫‪ .‬وحيث ‪w‬هي كثافة الطاقة اإلشعاعية (أي الطاقة لكل وحدة حجم) في وحدة ترددية عند تردد ‪ u‬ليكن‬
‫أن ال تعتمد على طبيعة الجدران‪ ،‬فالبد أن تكون دالة كونية‪:‬‬
‫)‪ U=u (w, T‬في التردد ودرجة الحرارة فقط ‪.‬‬

‫‪22‬‬

‫ونظرا ألن هذه الدالة الطيفية <<لجسم أسود>> دالة كونية‪ ،‬فإنها تنطوي بال شك على قدر من األهمية‬
‫األساسية‪ ،‬ال يتعلق فقط ببحثها تجريبيا‪ ،‬ولكن أيضا بفهمها نظريا بدقة‪ .‬لقد استغرق هذا الفهم الدقيق‬
‫‪6‬‬
‫حوالي أربعين سنة لكي يظهر إلى النور‪ ،‬أو باألحرى لكي يبدأ في الظهور>‬
‫هذه الدالة الطيفية الكونية ألشعة العمق الكوني تدل إذا على حصول شروط توازن في مرحلة سابقة بين‬
‫المادة والطاقة‪ ،‬وفي درجة حرارة وكثافة جد عاليتين‪ .‬وكان من هذا األمر أيضا اإلبعاد أو تأكيد هذا‬
‫اإلبعاد لكل النماذج الثبوتية والسكونية التي كانت تقتسم إمكانها االحتمالي مع النماذج الالمستقرة‪.‬‬
‫وهكذا يعتبر اكتشاف أشعة العمق الكوني وتاريخ هذا االكتشاف عام ‪1245‬م‪ ،‬مبدأ مرحلة جديدة في علم‬
‫الفضاء‪ ،‬كما سيمنح مختبر الفيزياء الدقيقة قيمة علمية وعملية لم تكن له من قبل‪.‬‬
‫إن شروط هذا التوازن الطاقي‪ -‬المادي مناسبة عمليا ونظريا لتفاعالت نووية يكون فيها قسم من‬
‫البروتونات والنوترونات قابل للتحول إلى عناصر خفيفة كالهليوم والدوتيريوم‪ ،‬النظير الثقيل‬
‫تكون هذه العناصر واستقرارها لن يتم باعتبار الشروط األولية للكون تبعا لهذا النموذج‬
‫للهدروجين‪ .‬لكن ُّ‬
‫إال مع االنخفاض النسبي للحرارة‪ ،‬التي كانت في أولى اللحظات في أقصى الدرجات التي ال يبقى‬
‫للحرارة معنى فوقها‪ ،‬حوالي ‪10‬أس‪ 32‬كلفين بحيث ال يمكن حصول أي استقرار تركيبي بفعل الحركية‬
‫الحرارية‪ ،‬التي لن تضمحل ويتغير أمرها إال مع التوسع الكوني وتمدده‪.‬‬
‫فقبل الثانية األولى من عمر الكون نلفيه يتكون من الفوتونات والنوترينوات وضد النوترينوات وأزواج‬
‫اإللكترونات والبوزيتونات والنيكلينوات أي البروتونات والنوترونات؛ كل ذلك في توازن حراري بحيث‬
‫تكون التفاعالت في كال االتجاهين‪ .‬وحينها كانت الفوتونات والنوترينوات هي الحاملة لجل الطاقة‬
‫المتواجدة؛ وهذه األخيرة‪ ،‬النوترينوات تلعب دور المحافظ على التوازن بين البروتونات والنوترونات‬
‫على صيغة‪:‬‬
‫نوترون ‪ +‬نوترينو‬

‫بروتون‪ +‬إلكترون‬

‫هكذا يبقى عدد البروتونات والنوترونات شبه متساو‪.‬‬

‫‪ 6‬من الذرة إلى الكوارك‪ -‬تأليف سام تريمان‪ -‬ترجمة د‪ .‬أحمد فؤاد باشا‪ -‬عالم المعرفة‪ .‬ص ‪141‬‬

‫‪23‬‬

‫ولكن مع نهاية الثانية األولى تهبط الحرارة إلى ‪10‬أس‪( 10‬عشرة ماليير كلفين) ويحدث الالتوازن‪.‬‬
‫وبما أن كتلة النوترون أكبر من كتلة البروتون فسيتم تعويض النقص بارتباط واتصال البروتون مع‬
‫اإللكترون دون الذهاب إلى حدود وإحداث أو إنتاج النوترون‪ ،‬ومن ثم فمع االنتقال من الثانية األولى‬
‫يتوقف تدخل النوترينو في التفاعل مع المادة‪ ،‬ذلك أن زمن هذا التفاعل أكبر من زمن التوسع الكوني‪،‬‬
‫وبهذا يحصل تقلص عدد النوترونات بالنسبة للبروتونات ألنها تتحول إليها بعمر يقدر بحوالي ‪117‬‬
‫ثانية‪.‬‬
‫وإذن فبعد الثانية األولى من االنفجار الكبير ال يمكن ألية نواة مركبة أن تتكون‪ ،‬ألن أول العناصر‬
‫التكوينية الدوتيريوم‪ ،‬وهو من نظائر الهيدروجين الذي تتألف نواته من بروتون ونوترون‪ ،‬الزال يبحث‬
‫عن استقراره‪ ،‬فالصلة والرابطة التي تجمع بين لبنتي نواته الزالت ضعيفة وهشة‪ ،‬ال تصمد مع وجود‬
‫الفوتونات الذين يملكون القوة لتدميرها ونسفها‪ ،‬ولن يتوقف هذا الفعل التدميري للفوتونات إال مع ضعف‬
‫وانهيار طاقتها النسبي بفعل انخفاض درجة الحرارة بعد أكثر من مائة ثانية من عمر الكون‪ ،‬ومعه يبدأ‬
‫عصر التكوين‪ ،‬تكوين نوايا أولى الذرات الخفيفة‪:‬‬
‫الهيدروجين ونظيريه الدوتيريوم والتريتيوم‪ ،‬أي نفس عدد البروتونات‪ ،‬وهو بروتون واحد واختالف‬‫عدد النوترونات التي عددها‪ 0‬و‪1‬و‪. 2‬‬
‫الهيليوم ببروتونين ونوترون أو نوترونين‪.‬‬‫الليثيوم بثالثة بروتونات وأربع نوترونات‪.‬‬‫البيريوم بأربعة بروتونات وثالثة نوترونات‪.‬‬‫وبسبب عدم استقرار التفاعالت مع الهيليوم‪ ،4‬وبسبب تفككها السريع فسوف يتأخر تكوين العناصر‬
‫الثقيلة (الفلزات)‪ ،‬التي هي المادة األساس في تكوين النجوم والمجرات‪ ،‬إلى ماليير أخرى أو بضعة‬
‫ماليير من السنين‪ ،‬التكوين الذي يعطى فيه للجاذبية الناتجة عن انعواج الفضاء بتغير التوزيع الكثافاتي‬
‫للمادة في نقاط معينة من الفضاء‪ ،‬لتتجمع محيطات وهاالت هوائية‪ ،‬فتصبح كثافتها وضغطها أكبر مع‬
‫الزمن لتعطي اتحاد ذرات الهيدروجين ولتتكون الجزيئات؛ والنعدام أي مصدر حراري فإن الغاز يتكثل‬
‫أكثر فأكثر ليعطي ميالد النجوم‪ ،‬فيعطى للجاذبية من أجل هذا كله حقيقة الركن األساس في تفسير هذا‬
‫التكوين‪.‬‬

‫‪24‬‬

‫لننظر إذا إلى هذه البوثقة االنفطارية‪ ،‬إلى هذه اللحظات األولى للكون التي تلت مباشرة االنفجار الكبير‪،‬‬
‫والتي كانت مسرحا لما يسمى بالتركيب النيكليوني للكون‪ ،‬والذي يعتبر إلى جانب األشعة المتحررة مع‬
‫نهاية حدثه أهم ما يعتمد وعليه يؤسس تشكيل الكون وتفسير هذا التشكيل؛ هذه األشعة التي لن تكون‬
‫سوى األشعة المكتشفة حديثا وصدفة (سنة‪1245‬م) المنظور إليها عند أهل العلم بمثابة رسالة منطلقة من‬
‫نهاية الطور األول للكون‪ ،‬ومن سطحه وغشائه بعد انخفاض الحرارة وانقالب الغلبة لجاذبية المادة‬
‫لل بروتون‪ ،‬التي كانت من قبل مع العلو الكبير لدرجة الحرارة لصالح الضغط الحائل دون هذا االرتباط‪.‬‬
‫وإنما كان هناك‪ ،‬حتى ال نعني هنا أو يذهب المعنى إلى رجحان قوة الضغط‪ ،‬كان هناك توازن طاقي‪-‬‬
‫مادي‪.‬‬
‫والذي يستفاد و يؤخذ به في ظاهر المعطيات والنظر من هذا الطور التركيبي التوازني األول‪ ،‬هو أن‬
‫عدد ذرات الدوتيريوم تتناسب وتتبع عدد النيكليونات‪ ،‬التي يطلق عليه إسم الباريونات‪ ،‬أي البروتونات‬
‫والنوترونات المتواجدة حينها‪ .‬وبالتحديد والتعبير األصح كثافتها في هذا الحين‪ ،‬أي وقت التركيب‬
‫النيكليوني‪ .‬وبالطبع فهذا يفهم ببساطة من خالل الجمع بين المعطيين‪ ،‬معطى التوازن الحراري األول‪،‬‬
‫ومعطى بنية الدوتيريوم من بروتون ونوترون‪.‬‬
‫كما أن أهم ما يستخلص ويستمد من هذا التناسب التركيبي‪ ،‬هو نسبة عدد الباريونات على عدد الفوتونات‬
‫الذي سيبقى ثابتا مع اتساع الكون‪ ،‬وذلك لكون عمر البروتون أكبر من عمر الكون‪ ،‬وألن المعتبر عمليا‬
‫وحسابيا في عدد الفوتونات هو المحمل باألشعة الخلفية للعمق الكوني‪ ،‬أي بإهمال النسبة المتواجدة في‬
‫الفضاء‪.‬‬
‫لكن ومن خالل البيانات المحصل عليها فيما يخص النسبة الباريونية‪ ،‬وبالخصوص في مقارنتها مع‬
‫المادة المرئية‪ ،‬تحتم طرح ما اصطلح على تسميته بالمادة المعتمة أو الالمرئية‪ ،‬التي تضاربت التحاليل‬
‫واختلفت أقوال العلماء والباحثين بشأنها‪ ،‬مما تجلى واتضحت به حقيقة محدودية اإلنسان وقصور كفاءته‬
‫العلمية‪ ،‬حيث تبين أن ماهية الموضوع ومكوناته ليس مما هو مذلل ويسير التناول والمطاوعة لآللية‬
‫اإلدراكية لإلنسان‪ ،‬وألقصى مبادئه التفكيرية والعلمية‪ .‬من ثمة لم يكن من مدخل علمي سوى المقاربة‬
‫الوسائطية باعتماد آليات ووسائط غير مباشرة‪ ،‬بقصد إيجاد تفسير وإزاحة االختالفات الحاصلة بين‬
‫االستنتاجات الحسابية والبيانات المبنية على المالحظة‪ .‬ومن أهم هذه الوسائط ظاهرة العدسات الفلكية‬
‫التي تلعب دورها وتمثلها المجموعات المجراتية بفعل أثرها الجاذبي‪ ،‬وخاصة األهم هنا أثر هذه الجاذبية‬
‫على األشعة المنبعثة من مصادر خلفية لها‪ ،‬أي استنباطا على صور هذه المصادر‪ .‬ومنه نستطيع‬

‫‪25‬‬

‫التوصل إلى معلومات ولو نسبية ومحدودة‪ ،‬حول التوزيع الكثافاتي للمادة وغيرها من المحددات‬
‫والثوابت‪ ،‬كالكثافة الضوئية المرئية‪.‬‬
‫وهكذا تم من خالل ظاهرة العدسات الفلكية هذه‪ ،‬ومن خالل النتائج المستخلصة الحصول أو التواجد أمام‬
‫حقيقة ونتيجة غير منتظرة‪ ،‬أو على األقل غير مريحة بالنسبة لمحصول وأفق العلم اإلنساني‪ ،‬وهي أن‬
‫المادة المرئية أقل بكثير من المادة غير المرئية‪ ،‬وأن هذه األخيرة غير باريونية‪ ،‬أي ال يمثل البروتون‬
‫والنوترون لبنات بنائية فيها‪ .‬والمثير أكثر في هذا هو أن نسبتها من المادة الكلية للكون هي ‪ 20‬بالمائة‪.‬‬
‫إذا وقفنا مليا وأردنا أن ننظر بتأن إلى مرحلة وتفسير طور التكوين لألجرام السماوية (الفضائية)‬
‫والنجوم والمجرات والهاالت الفضائية بمختلف ماهية تكوينها‪ ،‬فهذا النظر ينبغي له أن يتموضع مسايرا‬
‫لتاريخ األبحاث والمعطيات الحاصلة بخصوص هذا الحقل العلمي‪ ،‬والتي تعتبر في حقيقة األمر هي‬
‫المنظور به أو المنظار الذي على أساسه يتم إصدار األحكام والمقوالت العلمية وكأنها بيان لها ولسان‪.‬‬
‫وهذا طبعا هو روح الحقيقة االبستمولوجية التي مرجعها الحق الذي يقوم عليه أمر السماء واألرض وما‬
‫بينهما‪.‬‬
‫إن التفسير األولي لإلنسان‪ ،‬ونعني هنا طبعا العلماء‪ ،‬حين يطرح أو طرح ألول وهلة سؤال تكون‬
‫التكتالت الكبرى للكون من المجرات والنجوم وغيرها‪ ،‬كان تفسيرا مجمعا عليه‪ ،‬وهذا اإلجماع إنما هو‬
‫من قبيل المجاز اللغوي بعالقة تحصيل الحاصل‪ ،‬ألن النسبية العامة التي هي بحق اإلطار العملي لنموذج‬
‫االنفجار الكبير‪ ،‬والمؤطر لمجمل التفكير العلمي باعتبارها نظرية مجمعا ومتفقا على األخذ بها‪ .‬فأهم‬
‫مرتكزاتها هو اعتبار الفضاء رباعي األبعاد‪ ،‬عامل التقوس فيه الفعل الجاذبي‪ .‬وبناء عليه كان التفسير‬
‫األول‪ ،‬هو أن طور التكوين التكتالتي بدأ بحدوث تغير في التوزيع الكثافاتي للمادة في الكون المعبر عنه‬
‫بلفظ التموج‪ ،‬مما نتج عنه توليد نقاط تجمُّعية يزداد ويتراكم حجمها وكتلتها بفعل الجاذبية المستمر‪.‬‬
‫وعليه وتبعا للعوامل والتفاعالت البينية المصاحبة‪ ،‬وبقوانين محصلة رياضية‪ ،‬يتم بناء تفسير الحركات‬
‫النسبية لهذه األجرام‪ ،‬سواء في حركتها حول بعضها البعض أو حول نفسها‪.‬‬
‫لكن البد من اإلشارة إلى ما يشبه المفارقة بشأن المسلك اإلجرائي الذي أقدم عليه أو عمد ولجأ إليه ألبير‬
‫أينشتاين بهدف الحصول على أدنى مسافة نحو الحلول‪ ،‬وذلك باعتباره وافتراضه تماثل الكثافة الكونية‪،‬‬
‫أي تطابقها في كل الفضاء الكوني‪ .‬وهذا وإن نظر إليه أوال كنقض وإخالل بالمرتكزات البنيوية للتحليل‪،‬‬
‫فإنه ينم عن ثقة علمية يبرزها هنا االنتقال الكلياني للعقل من حيز وبعد للسؤال إلى حيز وبعد آخر بسؤال‬

‫‪26‬‬

‫مستقل عن األول‪ .‬وهذا ال شك له عالقة بكون االهتمام باألبعاد كثيرا ما أعطى حقائق ونتائج مستجدة‬
‫على اإلدراك اإلنساني وعقله والمفكر فيه لديه‪.‬‬
‫اإلشكال الذي سوف يعترض أو سينبثق عما أمكن تسميته بالتفسير الجاذبي‪ ،‬هو ما كان نتاجه وتبعاته‬
‫النظرية ما أشرنا إليه من الخلوص إلى القول بوجود مادة غير مرئية‪ ،‬حيث ظهر من خالل صورة أشعة‬
‫العمق الكوني التي انطلقت بعد انفصال المادة والطاقة بعد حوالي ثالثمائة ألف سنة من االنفجار الكبير‬
‫فقط‪ ،‬وباعتبار أن المكونات المادية التي كانت مشكلة ومرتبطة بها من إلكترونات وبروتونات‬
‫ونوترونات هي نفسها التي ستكون لبنات بناء الكون ومادته‪ ،‬وبالتالي فهي من جهة مساهمتها ونسبها‬
‫العامل المحدد للتوزيع الكمي لمادة الكون؛ لقد ظهر من خالل اإلمكانات المرصدية األولى المخصصة‬
‫لدراسة هذا الشأن‪ ،‬كالقمر االصطناعي األمريكي‪ -‬كوبي‪ -‬لقد ظهر عدم التناسب بين المعطيات العددية‬
‫لمكونات المادة هاته المؤسسة والمشكلة للتركيب األولي واالختالل الكثافاتي التغيري‪ ،‬مما دفع إلى القول‬
‫بوجود عنصر أو عناصر أخرى قد ساهمت في هذا التغير واالختالل للكثافة‪ ،‬عنصر ليس من المادة‬
‫الباريونية‪ .‬وبالنظر إلى كون هذه المادة غير مرسلة ألي إشعاع فقد اصطلح عليها بالمادة المعتمة أو‬
‫المادة السوداء‪ ،‬وكما أشرنا إليه‪ ،‬فإن كونها تمثل نسبة تسعين بالمائة‪ ،‬يعني أن جل كتلة ومادة الكون هي‬
‫مادة ال مرئية‪.‬‬
‫وبحسبان الشروط والمعطيات‪ ،‬وعلى أساس المرتكز البنائي والنظري‪ ،‬المتمثل في البروتون وفي كتلته‬
‫تحديدا‪ ،‬وباعتبار ما رأيناه من أن الثابت الفضائي(الثابت الكوسمولوجي) المنطبق بالثابت الممثل لعامل‬
‫الكثافة المادية للكون‪ ،‬يكاد يكون الثابت المركزي الذي عليه مدار كل شيء وكل خصائص ومكونات‬
‫النموذج‪ ،‬وأحكامه واستنتاجاته النظرية والرقمية المرتبطة بعمر الكون وبتاريخه‪ ،‬وبهيئة مسار هذا‬
‫التاريخ التكويني؛ فتبعا لهذا التأطير األولي ولطبيعة ومنحى التفكير اإلنساني العلمي إن ذهبنا في تأصيل‬
‫معنى وجوهر العلم والتفكير العلمي هاهنا‪ ،‬تبعا لهذا التوجه وهذه المنهجية التفكيرية والتحليلية‪ ،‬سنكون‬
‫أمام احتمالين بخصوص هذه المادة غير الباريونية المعتمة‪:‬‬
‫االحتمال األول كمادة يكون عنصرها أخف كتلة من البروتون مع عدد وكم كبير على أساس مقياس‬
‫الموازنة الطبيعي؛‬
‫واالحتمال الثاني بمادة عنصرها أثقل مع كم أقل‪.‬‬
‫فأطلق على األولى إسم المادة السوداء الساخنة‪ ،‬وعلى الثانية إسم المادة السوداء الباردة‪.‬‬

‫‪27‬‬

‫بيد أن المضي والمسار قدما مع هذه التفرعات‪ ،‬التي تبقى في أصلها وحقيقة أمرها تابعة ومفروضة‬
‫بطريقة التفكير اإلنساني‪ ،‬ولو أطبق عليه ما شيء من الصفات والمسميات‪ ،‬لم يخلص إال إلى مناحي‬
‫أكثر تعقيدا‪ ،‬وأبعد عن الغاية التي هي الهدف والمقصد األولي‪ .‬وهكذا نجد الباحث والعالم الروسي‬
‫ياكوف زيلدوفيتش الذي تبنى احتمال المادة السوداء الساخنة‪ ،‬رأى أن كتلة عنصرها يعطي للكون كثافة‬
‫مساوية قيمة الكثافة الحرجة‪ ،‬وقطرا تغييريا ينتهي للقول بالسبق التكوني للمجموعات المجراتية األكبر‪،‬‬
‫وهذا ما ظهر نقضه بمالحظات مرصدية ونتائج تثبت تواجد أو تكون مسبق لمجرات أو قسم منها ذات‬
‫الشكل النقطاتي وفي مرحلة متقدمة من التاريخ وقدم سحيق من عمر الكون التليد‪ ،‬خاصة أو كما هو‬
‫بالنسبة للكوازارات المتميزة بنشاطها وشدة لمعان أنويتها‪ ،‬وذلك ما يرمز ويدل عليه إسمها المركب من‬
‫كلمتي الشبيه والنجم (ترجمة الكوازارات‪ :‬الشبيهة بالنجوم)‪.‬‬
‫االحتمال الثاني سيعرف نفس المصير لعدم توافقه مع المالحظات المرصدية‪ ،‬مما ألزم العقل العلمي‬
‫مكرها التفكير والبحث عن مخرج أو مخارج لهذا المسلك أو المسالك المسدودة‪ ،‬ليعطى لها طبعا بقصد‬
‫حفظ وإبقاء الصفة العلمية على هذه الممارسة المعرفية والتفكيرية‪ ،‬التي بالرغم من اعتمادها على‬
‫القانون الرياضي والمسلمات الفيزيائية المتمتعة بنسبة من المصداقية‪ ،‬تبقى أشبه بلعبة المتاهة‪ ،‬ليعطى‬
‫لها سهم السماح بالتداول العلمي ومتاعه االصطالحي وغيره‪ ،‬تحتم اللجوء وتفتق هذا العقل على مفهوم‬
‫الفيض ومفهوم أو شبه مفهوم االختالالت الهندسية وقبيلها‪ ،‬مما اختص وتميز باالزدواج المعاييري‪،‬‬
‫والجمع بين إمكان أو احتمال للمشروعية واالعتبار من جهة‪ ،‬ووجود عدم التحديد واإلبهام الحاصل‬
‫والمسيطر من جهة ثانية‪ .‬ويكفي في هذا الوصف والحكم أن يتم البناء على مرتكزات مفاهيم هي بدورها‬
‫أكثر إبهاما وضبابية‪ ،‬وأضيق زاوية على معيار التحديد الذي هو األساس الصلب ألي بناء علمي‪ ،‬بل‬
‫ولمعنى وحقيقة التعريف ومصداقيته حتى‪ .‬وهذا هو شأن وحال ما يعرف بمسألة وإشكال األفق‪ ،‬التي‬
‫مفادها أنه باعتبار سرعة الضوء السرعة القصوى‪ ،‬وباعتبار سرعة تمدد الكون كذلك‪ ،‬فإن المواقع‬
‫الفضائية المنفصلة سببيا‪ ،‬أي بتأثير سببي‪ ،‬ال يمكن لها أن تتبادل اإلشارات منذ االنفجار الكبير‪ .‬كما أنه‬
‫من خالل الحسابات‪ ،‬تبين أن قياس هذه المواقع المنفصلة عند االفتراق المادي‪ -‬الطاقي تقل بكثير عن‬
‫الطول والقياس الالزم لحصول اختالالت كثافية من شأنها أن تؤدي إلى عملية التكوين المجراتي‪ ،‬كما‬
‫هو في احتمال المادة السوداء الباردة الذي سلفت اإلشارة إليه‪ .‬ومن ثم خلص االستنتاج واستقر القول بأن‬
‫مصدر التغير الكثافاتي ليس على البعد السببي‪ ،‬فتم اللجوء القصري إلى القول بمفهوم الفيض‪ ،‬رغم أنف‬
‫التعريف اإللحادي للعلم عندهم‪ ،‬ومن بعده مفهوم النفق الطاقي‪ ،‬القريب من مفهوم الطفرة‪ ،‬يتم به قبول‬
‫التسليم (اإليمان بحصول انتقال غير معهود في الظواهر والقوانين الفيزيائية كلية يحصل بموجبه‪ ،‬وفي‬
‫لحظة معينة تمدد تقلبات أو اختالالت كمية (كوانتية) لتتجمد وتستقر في شكل وصيغة اختالالت على‬

‫‪28‬‬

‫مستوى الطاقة‪ ،‬ذلك أن طريق تغيير كثافتها بسبب االختالالت الطوبولوجية (الهندسية الالكمّية) أو‬
‫الهندسية إنما يتم باالنتقال من طور إلى طور في أحوال المادة‪ ،‬بتغيير خاصة من خاصاتها كالتماثل‬
‫الجزيئي وغيره‪.‬‬

‫‪ -1‬النموذج الديراكي النظير والبديل األقوم لنموذج االنفجار الكبير‬
‫رغم هذا الثقل الذي حاول نموذج االنفجار الكبير أو الذي أعطاه إياه الباحثون والعلماء‪ ،‬فإن فريقا منهم‬
‫وقفوا موقف المعترض‪ ،‬وأبوا أن ينهجوا نهج اإلمّعة السائر حيث سار الركب‪ ،‬من دون اقتناع وال‬
‫فحص علمي بين‪ .‬هؤالء المعترضون أو هذا الفريق من العلماء أمكن تسميتهم بالديراكيين‪ ،‬نسبة للعالم‬
‫الرياضي البريطاني بول ديراك الحائز على نوبل عام ‪1233‬م‪ ،‬صاحب التحليل المنتج للعناصر ذات‬
‫الطاقة السالبة‪ ،‬والتي تم استبعادها من طرف الجمهور من العلماء‪ ،‬ومن غير علة وال أساس علمي وال‬
‫نظري‪ ،‬ولكن فقط للحفاظ على نموذج االنفجار الكبير‪ .‬والحق أننا نلفي في اعتبار الطاقة السالبة حال‬
‫لحزمة من القضايا واالختالالت الحاصلة في نموذج االنفجار الكبير‪ ،‬القضايا واألسئلة العالقة التي لم يرد‬
‫بشأنها شيء وال أعطي بصددها تفسير‪ ،‬وإنما تم إهمالها وتجاوزها في نقض متوافق عليه بين أنصار‬
‫النموذج‪ ،‬نقض للعلمية ولمعاييرها‪ ،‬التي وحدها تكسب البناء حقيقته وصبغته العلمية‪ ،‬من مثل قولهم‬
‫باالنتقال الطفروي أو الطفرة وقولهم بمفهوم التضخم‪ ،‬وليس بأية نقطة ومرحلة‪ ،‬وإنما في االنطالقة‬
‫واالندفاعة االنبثاقية التكوينية األولى‪ ،‬كحل للمأزق وخروج من المسد اإلشكال‪ ،‬وهذا ال يليق بمجال‬
‫وبباحثين في هذا المستوى والحقل العلمي‪ ،‬وما هو أيضا من حقيقة وصبغة الممارسة العلمية في شيء‪.‬‬
‫وكذلك من جملة القضايا وأهم ما يطرحه المعارضون لنموذج االنفجار الكبير من جهة مصداقية حيثياته‬
‫ومكوناته النظرية‪ ،‬هو أنه إذا ما اعتبر المنحى الصعودي للحرارة مع الصعود عبر الزمن إلى أولى‬
‫المراحل ومبدئها‪ ،‬فإن أشعة العمق الكوني التي هي اآلن حرارته‪ 73،2‬كلفين لزمها أن تتصاعد‪ ،‬لتنتقل‬
‫إلى ما فوق البنفسجي ثم نحو األشعة السينية ثم األشعة الكمية (جاما)‪ ،‬بما يعني أنها ستصبح قادرة على‬
‫نسف وتدمير كل الذرات المتكونة والمستقرة مما سيحرر باريوناتها (البروتونات والنوترونات) ثم لتشقق‬
‫هذه األخيرة وتنسف بدورها‪ ،‬ليكون بزوغ ومشهد ميالد الكواركات‪ .‬وهنا نصبح خارج مجال حدود‬
‫وكفاءة المختبرات العلمية‪.‬‬
‫إن نموذج االنفجار الكبير ال يعتبر الطاقة إال موجبة وال يعتبر من العناصر إال ما كانت طاقته موجبة‪.‬‬
‫ولكن قوة االعتبار العلمي للطاقة السالبة أنه ال يزيح وال يعدم وجود الطاقة الموجبة‪ ،‬ووجودهما يكون‬

‫‪29‬‬

‫دوما باعتبار حصول توازنهما‪ .‬أما من جانب العامل التأثيري هنا فهو رد التمدد واالتساع الكوني إلى‬
‫الضغط الناتج بفعل الطاقة السالبة والجزيئات التي تحملها‪ ،‬أي إلى هذا الضغط السالب‪ ،‬وليس األمر‬
‫محتاجا لحدوث أي انفجار‪.‬‬
‫هذا االتجاه المغاير في تفسير بناء الكون والمؤسس على الحقيقة المبدئية للضغط السالب يتوافق مع اتجاه‬
‫القول بالخلق المستمر والمتجدد للكون ونموذج حالة شبه‪-‬السكونية للكون‪ .‬هذا القول الذي ال مرية يتفق‬
‫مع ذروة ومنتهى ما بلغته الفلسفة اإلنسانية في سؤال الوجود ككل‪ ،‬بدءا من هيئة عالم المثل عند‬
‫أفالطون إلى ما بعد ابن سينا‪ ،‬وتحديدا إلى حقيقة ويقين الحق أنه سبحانه وتعالى الحي القيوم‪ .‬وبالفعل‬
‫هناك وقائع ومالحظات مرصدية فضائية وفلكية تدعم هذا المنحى والنموذج البديل‪ ،‬النموذج الديراكي إن‬
‫جاز تسميته كذلك‪ ،‬وتبطل بالتالي تعميم القول باالنصهار واالنجذاب المادي التكتلي في أصل وتكوين‬
‫أجرام الفضاء والمجرات بفعل عامل الجاذبية الناتجة عن تغير الكثافة المادية للكون‪ ،‬حيث تم رصد‬
‫حاالت فضائية وحقائق تثبت وحتى يومنا هذا حدوث وانبثاق مجرات عن دفع نفثي من نواة مجرة أم‪،‬‬
‫كمثال المجرة م‪ 14‬التي انبثقت حديثا من المجرة م‪ 17‬في مجموعة العذراء‪ .‬إال أن أنصار نموذج‬
‫االنفجار الكبير‪ ،‬ورغم هذه الحقائق أبوا إال غض الطرف‪ ،‬إهماال غير مبرر علميا‪ ،‬حفاظا على ما‬
‫شيدوه وما راكموه في هذا البناء والنموذج المشيد‪.‬‬
‫إن الجزيئات ذات الطاقة السالبة بنزعتها االنبثاقية من المجموع التوازني مع موجة الطاقة‪ ،‬تترك فائضا‬
‫من هذه األخيرة مما يخلق مجاال جاذبيا‪ .‬وفي درجة عالية للكثافة يصبح المجال على مثل وحقيقة الثقب‬
‫السوداء‪ ،‬فعندما يكبر هذا المجال يمنع الجزيئات سالبة الطاقة من االنفالت واالنفصال‪ ،‬ليحصل كرد فعل‬
‫معاكس ضغط قوي هو ما يرى األصل المفسر والمحدث للدفع النفثي كما رأينا في حالة ومثال المجرتين‬
‫م‪ 17‬وم‪ 14‬في مجموعة العذراء‪.‬‬
‫وهكذا نخلص إلى كون القول واعتماد الجزيئات ذات الطاقة السالبة‪ ،‬أي القول بالضغط السالب‪ ،‬يقدم لنا‬
‫ويعطينا تفسيرا تكوينيا لألجرام الفضائية وللمجرات ومجموعاتها‪ ،‬وهو من بعد ذلك ال يترك إشكاال أو‬
‫غموضا في جانب من الجوانب المثارة والمطلوب تفسيرها التفسير العلمي الواضح والمقنع‪ ،‬كسؤال‬
‫االندفاعة اإليجادية والخلقية األولى‪ ،‬وكذا إعطاء تفسير لظاهرة الثقب السوداء‪.‬‬
‫ومن أهم اعتراضات الديراكيين لنموذج االنفجار الكبير اإلفراط في المعتمد النظري التأسيسي للنموذج‪،‬‬
‫خاصة في األبعاد القياسية جد‪-‬الصغرى في القياس الزمني المتعلق بالوهلة والمرحلة التي تلت مباشرة‬
‫االنفجار المفترض‪ .‬وأيضا تمت مالحظة إزاحة نحو الحمراء قوية جدا لمصادر لألشعة السينية منبثقة‬

‫‪30‬‬

‫عن دفع نفثي لمجرات قريبة كمجرة ن ج س‪( 4251‬ترجمة صوتية مقابلة للحروف الالتينية)‪ ،‬ولكن تم‬
‫اإلسقاط العمد في االعتبار لهذه المالحظة دون تفسير‪.‬‬
‫كان بول ديراك أول من أبصر وانبثق لديه حقيقة وجوهر ضد أو نقيض المادة‪ ،‬وذلك فيما انبثق لديه من‬
‫حلول للمعادالت التعبيرية عن الميكانيكا الكمية النسبية‪ ،‬حيث برزت بالنسبة لنفس الكتلة والعمر حلول‬
‫ثنائية وتقابلية في الشحنة‪ .‬وقد تم بالفعل التحقق من هذه الحقيقة الوجودية‪ ،‬ولو بصعوبة وبصفة تدريجية‬
‫وبطيئة‪ ،‬سواء من خالل تأكيدات الجهود واألعمال المرصدية لألشعة الفضائية‪ ،‬أو من خالل البحث‬
‫والتحليل المختبراتي المباشر‪ ،‬الذي الزال يقوم أمامه عائقان بارزان ومهمان‪ :‬أولهما عدم استقرار‬
‫مكوناتها أو العمر المحدود جدا لالستقرار المكوناتي‪ ،‬والثاني وهو العائق األهم صعوبة استيفاء شرط‬
‫الطاقة المرتفعة جدا‪ ،‬التي تبقى بعيدة عن طاقة وكفاءة المختبرات المتوفرة حاليا‪.‬‬
‫من بعد هذه البحوث واالجتهادات أصبح محصال اليوم في الفيزياء الجزيئية الدقيقة وتقرر أن للمادة اثنتي‬
‫عشرة (‪ )12‬جزيئة بنائية أطلق عليها إسم الفرميونات؛ منها ست (‪ )4‬هي أساس بناء البروتون‬
‫والنوترون وهذه تسمى الكواركات‪ ،‬وست (‪ )4‬في األساس البنائي لإللكترون ولكل النوترينوات وتسمى‬
‫باللبتونات‪ .‬كذلك هناك جزيئات تابعة في اعتبارها وتصورها ألنواع القوى الفيزيائية‪ ،‬كممثلة للفعل‬
‫الوجودي لهذه القوى وسائط وحاملة ألثرها‪ ،‬وتسمى هذه الجزيئات بالبوزونات‪ ،‬الفوتونات الجزيئات‬
‫الضوئية الحاملة لفعل القوى الكهرومغناطيسية‪ ،‬والجزيئات الجذبية الجذبيات (الكرافيتونات) الحاملة‬
‫والمجسدة لفعل قوى الجاذبية‪ ،‬والجزيئات العاملة في إلصاق الكواركات ببعضها لبناء البروتون‬
‫والنوترون وتسمى الكليونات‪.‬‬
‫وهذه الجزيئات التي تسهم كلبنات بنائية للمادة‪ ،‬مقابالتها أو ضدها هي اللبنات البنائية في ضد‪-‬المادة‪ .‬كما‬
‫أنه جدير بالعلم كون القيمة البنائية ترتبط بمدى ثبات وأمد عمر هذه الجزيئات واستقرارها؛ ومن ثم‬
‫فأربع منها فقط هي التي يعتمد عليها الكون في بنائه وفي شرط استقرار هذا البناء؛ وهما كواركان اثنان‬
‫واإللكترون والنوترينو؛ فالكواركان هما األساس البنائي للبروتون بصيغة لبنتين من لون أو كوارك واحد‬
‫ولبنة واحدة من اللون والكوارك اآلخر‪ .‬فإذا رمزنا للونين والكواركين على التوالي بحرفي‪:‬ي‪ -‬د‪ ،‬فإن‬
‫بنية البروتون هي‪:‬ي ي د‪.‬‬
‫بالطبع مع التحقق في وجود ضد‪-‬المادة يطرح السؤال الموضوعي والمهم‪ ،‬وهو كيف انزاحت ضد‪-‬‬
‫المادة وبقيت الهيمنة في الكون وفي بنائه للمادة فقط؟‬

‫‪31‬‬

‫هذا السؤال نجده متصال أيضا بإشكال وسؤال آخر له أهمية كبرى‪ ،‬بقي عالقا رغم ما شهدته الجوانب‬
‫األخرى في هذا االهتمام العلمي من نتائج وتقدم نسبي‪ ،‬وهو إشكال وسؤال العلة األولى لمبدإ اإلخالالت‬
‫الكونية التي يقوم عليها ويتأسس التفسير الجاذبي للتكوين التكتالتي المادي للكون‪ ،‬والتي لها اعتبارها‬
‫العلمي والفرضياتي إلى جانب فرضية الفيض‪ ،‬مع تحفظ إلى حين بخصوص اإلشكال البياني لهذا‬
‫المفهوم‪ ،‬اإلشكال المتصل تحديدا بحقيقة الخلق‪ ،‬والذي أغرض فيه المغرضون‪.‬‬
‫بالنسبة لهذا السؤال‪ ،‬فإن أهم ما يطرح أو ما ُ‬
‫طرح هو الشروط الثالثة التي اعتبرها العالم الفيزيائي‬
‫الروسي الشهير أندري ساخروف وجعلها إطارا شرطيا لحصول وحدوث الالتماثل في الكون‪ ،‬وهي‬
‫الشروط الثالثة التالية‪:‬‬
‫‪ -1‬وجود تفاعالت قادرة لتغيير العدد الباريوني الذي يساوي‪ 1+‬بالنسبة للبروتون والنوترون‪ ،‬أي ‪1:3+‬‬
‫للكوارك و‪ 1-‬لضدها أو مقابالتها‪ ،‬ويساوي‪ 0‬بالنسبة للبتونات‪ ،‬التي بالعكس عددها اللبتوني هو‪ ،1+‬و‪1-‬‬
‫بالنسبة لمقابالتها‪.‬‬
‫‪-2‬وجود سلوك وتعامل مختلف للتفاعالت مع المادة وضد‪-‬المادة‪.‬‬
‫‪-3‬مخالفة التماثل المرافق‪.‬‬
‫ويمكن اختزال أو االقتراب من فهم حدوث االختالالت التماثلية‪ ،‬بحصول تغيرات على مستوى مادة‬
‫الكون‪ ،‬بحدوث تفاعالت في اتجاه أو باألصح في منحى معين من غير ثبات الشروط لحصول التفاعل‬
‫العكسي الموازن‪ ،‬بسبب ونتيجة للتغير واالنتقال عبر نقطة حرارية مميزة معينة؛ والصور المثالت‬
‫القريبة والموضحة في ذلك التحوالت التي نراها في طبيعة الهليوم في الدرجات الحرارية الدنيا‪ ،‬وأيضا‬
‫في حالة أو تغير أحوال وجود الماء‪.‬‬

‫‪ -3‬من بذرة االختالل الكثافاتي إلى ميالد المجرات‬
‫مهما يكن من اختالف العلماء والفرضيات في شأن وسؤال العلة األولى لالختالل الكثافاتي للمادة‪ ،‬التي‬
‫يكفي أن تكون نسبتها جزءا مئويا‪ ،‬أي واحد بالمائة‪ ،‬ليحصل ويحدث المبدأ أو النواة الفعلية والبذرة‬
‫األولى للتكتل المادي؛ وهذا االختالل مجسد وله أثره في أشعة العمق الكوني‪ .‬وطبعا تبعا للفرق بين‬
‫معدل الكثافة الكونية وكثافة الفضاء الصغير مصدر ومولد االختالل‪ ،‬سيكون اتساع هذا األخير أبطأ مما‬

‫‪32‬‬

‫سيؤدي إلى مزيد من التراكم والتكتل المادي؛ وعند بلوغ كثافة مادية قصوى سيزداد التراكم والتكتل حدة‬
‫وسرعة‪ ،‬األمر الذي سيؤثر بدوره على الكثافة والكتلة حتى درجة غلبة قوة االنجذاب الداخلي على قوة‬
‫التوسع‪ .‬وتبعا ألقوال العلماء واستنتاجاتهم فإن تسعة أعشار كتلة الهالة ليست باريونية‪ ،‬ومتميزة بحفاظها‬
‫على طاقتها الحركية‪ ،‬والعشر المكمل الذي تمثله المادة الباريونية هو الذي يفقد حرارته ويتجه تكتليا نحو‬
‫الداخل والمركز‪.‬‬
‫وبفعل التجاذب بين الهاالت المتجاورة والقوة االنجذابية للمادة الباريونية لكل واحدة منها يحدث نسق المد‬
‫والجزر بين هذه الهاالت‪ ،‬ليحصل لها دوران في اتجاه معاكس‪ ،‬كما أن الميل للحفاظ على العزم الحركي‬
‫يجعل طيف المادة الباريونية يدور بسرعة أكبر؛ وكذلك بفعل هذا الدوران سوف تتموقع الهالة على شكل‬
‫قرص مستوي‪ .‬هكذا يتحصل لدينا قرص باريوني بارد ورقيق‪ ،‬محافظ على تواجده بالدوران‪ ،‬ومحاط‬
‫بهالة من مادة غير باريونية‪.‬‬
‫هذا القرص ولعدم استقراره ستتمخض عنه هاالت ستنتج بدورها نجوما سيأخذ انتظامها الكثيف شكل‬
‫قضيب ممتد‪ ،‬محتضن لسلسلة من التجاذبات البينية‪ ،‬المنتظمة بحركية أكبر في المركز‪ ،‬وممثلة كذلك‬
‫لمنجذب تراكمي لمادة وغاز الفضاء المجاور‪ .‬وهكذا يتم ميالد المجرات اللولبية أو الحلزونية‪ ،‬التي‬
‫سينشأ عن انصهارها المجرات اإلهليليجية‪.‬‬
‫وتتكون النجوم بصفة عامة من خليط من الهيليوم بكلتي حالتيه الغازية والسائلة بنسبة تسعين في المائة‬
‫ومن الهيدروجين بنسبة عشرة في المائة‪ .‬وبفعل التصادم الذري‪ ،‬ومع الشروط الفيزيائية‪ ،‬تتحلل وتنفك‬
‫رباطات اإللكترونات بذراتها‪ ،‬فيستحيل هذا الخليط مجموعا مكثفا من أيونات الهيليوم ثنائي اإليجاب‬
‫وأيونات الهيدروجين واإللكترونات المتحررة‪.‬‬
‫ونتيجة لالنجذاب الداخلي بفعل الثقالة الذاتية ترتفع درجة الحرارة ارتفاعا قويا حتى تبلغ درجة مميزة‬
‫وهي ثالثة ماليين درجة لتصبح بروتونات الهيدروجين فيما فوق هذه الدرجة قادرة على رجحان وغلب‬
‫قوة التدافع الكهربي الحاصلة والرابطة تدافعيا فيما بينها لتلصق وتربط بها كلية باتحادها وانصهارها‪،‬‬
‫ولتتكون على إثر هذه االنصهار ذرات الهيليوم؛ هذا االنصهار النووي الذي ستتولد عنه طاقة هائلة‬
‫وعظيمة تحول دون االنجذاب المركزي للغاز بإعطائه قوة ضغط معاكسة موازنة‪ .‬ويستغرق هذا المسار‬
‫والنسق التكويني بالنسبة للنجوم وللشمس طبعا عددا وبضعا من ماليين السنين‪.‬‬

‫‪33‬‬

‫هذا بالطبع يهم النجم في إطاره التوازني المميز بالعامل األساس في هذا التوازن‪ ،‬عامل االنصهار وقوة‬
‫الطاقة المصاحبة له‪ .‬أما اإلطار السابق والمحتضن لوالدة النجم كالشمس مثال‪ ،‬فنموذج نشأة المجموعة‬
‫الشمسية أو النظام الشمسي يعطي صورة عنه ويوضحه‪.‬‬

‫‪ -5‬الفرضيات التكوينية لألنظمة الشمسية‪ :‬خصائص تكوين نظامنا الشمسي‬
‫لقد كانت تتقاسم تفسير األنظمة الشمسية‪ ،‬ومن ضمنها نظامنا الشمسي‪ ،‬كانت تتقاسمها عدة فرضيات‪،‬‬
‫من أهمها فرضية االنشطار الكارثي عن الشمس جراء حدوث اصطدام بأجرام سماوية‪ ،‬وفرضية‬
‫التكوين الكواكبي نتاجا وبقايا لغازات محترقة داخل الشمس والنجم‪ ،‬يتم نفثها وإلقاؤها بقوة رياح‬
‫ومجاالت ذاتية‪ ،‬والفرضية المسماة بنظرية أو فرضية السديم األولي‪ ،‬التي تقول بأن منشأ النظام الشمسي‬
‫سديم ممتد يدور حول نفسه بفعل ثقالته الذاتية؛ وتزداد سرعة هذا الدوران كلما ازداد التكتل‪ ،‬وتأخذ في‬
‫االستقرار والتجمع على ذات النسق الذي رأيناه في تشكيل القرص المجراتي‪ ،‬لكن بالطبع بالتصاقات‬
‫وتجمعات للمادة في أبعادها الصغرى والدقيقة؛ ثم مع بلوغ سرعة الدوران قيمة عليا محددة‪ ،‬يفقد السديم‬
‫استقراره فتنفصل عنه وتنشطر بعض من مادته وكتلته لتكون هي الجواهر األولى للكواكب‪ .‬هذا هو‬
‫االحتمال أو القول األول؛ أما القول الثاني فال نعبر عنه باالنفصال التباعدي‪ ،‬وإنما مع برود القرص‬
‫السديمي تتكامل التجمعات الصغيرة وتتقاسم المادة والغاز المتبقي بينها وبين مركز السديم الذي سيكون‬
‫هو الشمس‪.‬‬
‫وهكذا سيتم تفسير تواجد نفس المادة في أنوية كل كواكب النظام الشمسي‪ ،‬وإن بنسبة متفاوتة ورغم‬
‫اختالفها الكبير في خصائصها المحددة كالمسافة والحجم والكتلة‪ ،‬سيفسر هذا بكونها متزامنة الوالدة‬
‫وبكون المواد األثقل كانت هي السباقة للتموضع على سطح القرص‪ ،‬نعني الجزيئات الدقيقة لهذه المادة‪،‬‬
‫التي ستبدأ نواتها وبذرتها التكوينية من بُعد وقياس المكرومتر(الجزء المليوني للمتر)‪ ،‬حتى تصير‬
‫باالنصهار المتوالي والتكتل والتراكم االنجذابي في قياس وأبعاد الكواكب‪ .‬وعلى هذا المنوال العلمي‬
‫والمنحى التفسيري سوف يعلل ويفسر العالم هارولد إيري قلة وضآلة الغازات الخامدة الثقيلة على كوكب‬
‫األرض بالنسبة لدرجة وقدر وجودها على الشمس‪ ،‬وذلك لضعف جاذبية وثقالة التكتالت الكواكبية‬
‫األولى بالنسبة لجاذبية الشمس‪.‬‬
‫وعلى البعد الزمني ومن جهة المدة الزمنية التي تستغرقها عملية النشأة والتكوين هاهنا‪ ،‬فبالنسبة لنيزك‬
‫بحجم من بعض مئات األمتار إلى بعض عشرات الكيلومترات‪ ،‬يستغرق هذا التكتل أمد مائة ألف سنة‪،‬‬

‫‪34‬‬

‫أما بالنسبة لألرض التي ال تشكل مع مجموع الكواكب للنظام الشمسي ما هو دون الجزء المئوي من‬
‫الكتلة الكلية للنظام‪ ،‬فإنها لم تبلغ نصف كتلتها إال خالل مليون سنة‪ ،‬وتطلب اكتمال كتلتها ما بين عشرين‬
‫‪7‬‬
‫وخمسين مليون سنة‪.‬‬
‫واعتمادا على المعارف العلمية الفيزيائية والكيميائية وبخاصة على قياس النشاط اإلشعاعي للمادة‪ ،‬تم‬
‫تحديد عمر الصخور األرضية والقمرية ونيازك فضاء المجموعة الشمسية وتقديرها بحوالي أربعة‬
‫ماليير وخمسمائة وستين مليون سنة (‪ 54،4‬مليار سنة)‪ .‬كما أنه من خالل النتائج العلمية المؤسسة على‬
‫معايير علمية ذات مصداقية‪ ،‬قائمة على عالئق وأنساق في كنهها وجوهرها تجليات للحق في بنية الكون‬
‫والخلق معبر عنها بألفاظ وتعابير شتى كالتماثل والمحاكاة والمقارنة والقياس‪ ،‬كلها عالئق وأنساق‬
‫مجلية النتظام الحق بما هو معبر عنه في العقل واإلدراك باإلتباع واالستنباط‪ .‬ولعل أهم معيار للقياس‬
‫في هذا الحقل العملي وأنجعه‪ ،‬هو اآللية النسبة أو العامل النسبي‪:‬الهيليوم‪/‬الهيدروجين؛ وذلك باعتبار‬
‫ثابت أو ثبوت قيمته على قيمته األولى‪ ،‬ومنذ التكوين السديمي األولي‪ ،‬هذه النسبة المحددة في عشرة‬
‫بالمائة (‪10‬بالمائة)‪ .‬وسوف يتم االعتماد على هذا العامل مما سيكسبه نجاعته في تفسير ما هو مقرر‬
‫ومحصل عليه بالمالحظة‪ ،‬التي يدخل ضمنها النتائج المتوصل إليها بالمعايير القريبة والمذللة عمليا‪،‬‬
‫كعامل الجاذبية البينية لألجرام وغيرها من الخصائص الظاهرة والقريبة المنال‪ ،‬كما سيعتمد عليه من‬
‫زاوية ما في ترتيب األقوال واالفتراضات من حيث درجة اإلمكان واالحتمال‪ ،‬كما كان الشأن في‬
‫استبعاد فرضية التكوين النفثي للكواكب‪ ،‬أي من خالل نفث الشمس لغازات محترقة من داخلها‪ ،‬وذلك‬
‫بعد مالحظة وجود مواد خفيفة لهذه الكواكب الليثيوم والدوتيريوم الذي يتواجد في محيطات األرض‪.‬‬
‫وهكذا إذا كان النظام الشمسي تنقسم كواكبه وتتصنف إلى صنفين متباينيين ومختلفين تمام االختالف‪،‬‬
‫وبالخصوص من حيث الكتلة والحجم والمواد التكوينية‪ ،‬فنجد الصنف األول والذي يطلق عليه ويسمى‬
‫بالصنف األرضي‪ ،‬ويتضمن عطارد وفينوس واألرض والمريخ‪ ،‬وهي أقرب مسافة إلى األرض بكتلة‬
‫أقل لكن بكثافة أكبر؛ والصنف الثاني للكواكب الضخمة‪ :‬المشتري وزحل وأورانوس ونبتون المتميزة‬
‫ببعدها عن الشمس وكتلتها الكبيرة ولكن أقل كثافة‪..‬‬
‫فلكي يفسر هذا االختالف والتمايز نضيف إلى ما أشرنا إليه فيما سبق بشأن التكوين الكواكبي‪ ،‬من كون‬
‫انخفاض الحرارة على المسافات المتجاوزة لمدار المريخ‪ ،‬نظرا لالبتعاد عن الشمس‪ ،‬من شأنه إحداث‬
‫تراكمات وتكتالت للماء واألمونياك والميتان المتواجدة هنا على نحو أكثر من جوار المركز‪ ،‬لتتشكل‬
‫منها مادة صلبة سيجعل منها التراكم المتسارع كواكب مؤهلة للتضخم والكبر بنحو سريع‪ ،‬فتصبح بذلك‬
‫‪LA RECHERCHE N 290- Septembre- 1996 7‬‬

‫‪35‬‬

‫أكثر جذبا من الكواكب األرضية المتواضعة الكتلة والثقالة‪ ،‬أكثر جذبا للهيليوم والهيدروجين المدفوعين‬
‫والمنقذفين من جراء حركية ونشاط القوة التكوينية والنامية للشمس‪ ،‬وبالطبع تبعا لموضع المشتري ومن‬
‫بعده زحل‪ ،‬فهما على الترتيب أكثر جمعا للغازات المتواجدة ولمادة الفضاء‪ ،‬مما يجعلهما ويفسر كبر‬
‫حجمهما وكتلتهما‪ ،‬وكذلك تأخر كوكبي أورانوس ونبتون التكويني وحجمهما‪ ،‬وأيضا رقة ونحافة سمك‬
‫قرصيهما‪.‬‬
‫كذلك على أساس معيار نسبة الهيليوم‪/‬الهيدروجين في أجواء الكواكب حال دونية قيمتها عن العشر‬
‫يستنتج مباشرة وتبعا لإلطار العلمي البشري طبعا‪ ،‬أن جزءا من الهيليوم انتقل بتحول ما إلى داخل‬
‫الكوكب كما هو الشأن بالنسبة لكوكب زحل‪ ،‬الذي يمثل الهيليوم والهيدروجين بالنسبة له وللمشتري أهم‬
‫العناصر التكوينية‪ ،‬بينما نجد أهم هذه المكونات بالنسبة ألورانوس ونبتون هي الجليد (الماء) والميتان‬
‫واألمونياك‪ ،‬ومن الصخور‪ :‬السيليكات والحديد وغيرهما‪ ،‬ونسبة أقل من الهيليوم والهيدروجين‪.‬‬
‫هنا ونحن نحاول أن نعطي تصورا وتمثال له حظ من االكتمال الممكن‪ ،‬ولو بصيغة الوصف المختصر‪،‬‬
‫ال بد من ذكر ما يمكن أن يسمى اختصارا باألجرام الداكنة مقابال السمها باللغة الفرنسية الذي يتضمن‬
‫لفظ ومعنى القزمية الدال على صغر الحجم؛ وهي تكتالت كانت على مسار التكون النجمي‪ ،‬لكنها لم‬
‫تتجاوز ولم تبلغ درجة الثالثة ماليين درجة المبلغة إلى شروط التفاعالت النووية الواصلة بين‬
‫الهيدروجين والهليوم‪ ،‬ونعني هنا شرط التوازن التفاعلي‪ ،‬مما سيؤدي إلى الخمود والهبوط السريع‬
‫للحرارة؛ فبحسب واعتبار قانون ثرموديناميكي واصل بين الحرارة الداخلية للنجم وكتلته‪ ،‬الذي بموجبه‬
‫تتنامى الكتلة وتزداد مع صعود وازدياد درجة الحرارة‪ ،‬فدرجة حرارة الشرط التوازني للتفاعل النووي‬
‫يناسبها كتلة سبعة أجزاء من المائة لكتلة الشمس(‪)0،07‬؛ فهذه إذن هي الكتلة القصوى لألجرام الداكنة‪.‬‬
‫كذلك تم التوصل واعتبار أدنى قيمتها التي تبقيها وتجعلها مباينة للكواكب الضخمة هي اثنا عشر جزءا‬
‫من األلف (‪ )01012‬لكتلة الشمس‪ ،‬أي اثنا عشر ضعف كتلة كوكب المشتري أضخم كواكب المجموعة‬
‫الشمسية‪ ،‬بشعاع يقارب شعاعه الذي يساوي على التقريب واحدا وسبعين ألف كيلومتر‪ .‬ومن أجل اإللمام‬
‫وكسب تصور مقاييسي مجمل ونسبي للنظام الشمسي نورد الجدول التالي‪:‬‬

‫‪36‬‬

‫الكوكب‬

‫المدار‬

‫الكتلة‬

‫الشعاع‬

‫الكثافة‬

‫(و‪.‬ف)‬

‫(ك‪.‬أرض)‬

‫(كلم)‬

‫(غ‪/‬سم مكعب)‬

‫‪8‬‬

‫‪055،0‬‬

‫‪2400‬‬

‫‪4،5‬‬

‫عطارد‬

‫‪32،0‬‬

‫‪4100‬‬

‫‪2،5‬‬

‫فينوس‬

‫‪72،0‬‬

‫‪115،0‬‬

‫‪4400‬‬

‫‪5،5‬‬

‫األرض‬

‫‪1‬‬

‫‪1‬‬

‫المريخ‬

‫‪52،1‬‬

‫‪101،0‬‬

‫‪3400‬‬

‫‪4‬‬

‫المشتري‬

‫‪2،5‬‬

‫‪311‬‬

‫‪71500‬‬

‫‪3،1‬‬

‫زحل‬

‫‪5،2‬‬

‫‪1،25‬‬

‫‪40300‬‬

‫‪7،0‬‬

‫أورانوس‬

‫‪2،12‬‬

‫‪5،14‬‬

‫‪25400‬‬

‫‪4،1‬‬

‫‪30‬‬

‫‪1،17‬‬

‫‪24100‬‬

‫‪3،2‬‬

‫نبتون‬

‫و‪.‬ف‪ :‬وحدة المسافة الفلكية = مسافة األرض إلى الشمس = مائة وخمسين مليون كلم‪.‬‬
‫ك‪.‬أرض‪ :‬كتلة األرض‪.‬‬
‫هذا وتقدر المسافة بين الشمس عن مركز المجرة التي نتواجد فيها‪ ،‬مجرة سكة اللبان‪ ،‬بحوالي سبعة‬
‫وعشرين ألف سنة ضوئية‪ ،‬أي حوالي مائتي وسبعين مليون مليار كلم‪ ،‬مجرتنا هاته التي يبلغ قطرها‬
‫نحو مائة وسبعة عشر ألف سنة ضوئية‪ ،‬أي ما حوالي ألف ومائة وسبعين مليون مليار كلم‪ ،‬وكتلتها تقدر‬
‫بست مائة مليار كتلة الشمس‪.‬‬
‫‪ 8‬قراءة األعداد العشرية غير الصحيحة في الجدول من اليمين‬

‫‪37‬‬

‫ونعود مرة أخرى للحديث عن مفهوم الفراغ للقول بأن الفراغ الحقيقي هو الفراغ المستقر الذي يمأل‬
‫الكون الحالي‪ ،‬بمعنى أنه غير منعدم الكثافة‪ .‬هذه األخيرة وإن لم يتم تحديدها تحديدا تاما وعمليا‪ ،‬فهي ال‬
‫تفوق كثيرا كثافة المادة العادية للكون‪ ،‬وإال لكانت الجاذبية الدافعة نحو الخارج هي الغالبة‪.‬‬
‫والتصور الكلي وإجمال هذا السرد القصصي لحدث الكون في هذه األبعاد والقوانين الفيزيائية‪ ،‬يرى فيها‬
‫الكون كما جاء التعبير عنه توصيفا علميا‪ ،‬يرى وكأنه جرار عظيم تدور حوله كل المجرات بشعاع قدره‬
‫حوالي مائة مليون سنة ضوئية أي ألف مليار مليار كلم‪.‬‬
‫وإن هذا التصور العلمي له كامل اإلمكان؛ أوال ألنه ذات النسق البنيوي لكل األنظمة الكونية‪ ،‬ثم على‬
‫مرجع العلم المطلق‪ ،‬علم الكتاب المصدق ذاتيا وحيا بعد وحي وكتابا بعد كتاب‪ ،‬فهذا هو نفسه أيضا نسق‬
‫الكعبة البيت الحرام بالشهود الكوني المتحقق والمنطبق بعبادة الحج دينا قانونا للمكون البشري؛ وكذلك‬
‫فهو في السماء نسق البيت المعمور‪.‬‬
‫وإن هذا التحاكي البنيوي هو على مثل ما جاء عند أفالطون في مقالة المثل مما توصل علميا إليه‪ ،‬وإلى‬
‫صحة نسقيته بالتوصل ومالحظة كون المدارات اإلهليليجية للكواكب حول الشمس ما هي إال ظل‬
‫لمسارات دائرية تامة الدائرية‪ .‬وما يدريك لعل هذا التحول والتغير المعبر عنه‪ ،‬والحاصل بمسافة وحدث‬
‫الظل إنما هو ترجمة وصورة لالنكسار اإلشعاعي‪ ،‬وليفقه تمايز النور والقانون عن األصل األول‬
‫والمصدر‪ .‬ودون وتحت درجة هذا التمايز‪ ،‬ولكن على توازي له وعلى سلمه تنجلي داللة وحقيقة ما‬
‫نتلوه من علم الحق وكتاب هللا العلي الحكيم‪:‬‬
‫{إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط' به نبات األرض مما يأكل الناس واألنعام' حتى إذا‬
‫أخذت األرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليال أو نهارا فجعلناها حصيدا‬
‫كأن لم تغن باألمس' كذلك نفصل اآليات لقوم يتفكرون'} (يونس‪.)24‬‬

‫‪ -4‬التأطير الفلسفي من خالل األفق العلمي المطلق‬
‫إن العلم كله يبدأ من النقطة حيث كان هللا سبحانه وتعالى ولم يكن معه شيء‪ .‬وفي تتبعنا نحن مسلسل‬
‫الكون في نشأته األولى ومسار تكوينه إلى ما هو عليه اآلن‪ ،‬فإنما نحن على مستوى أو خط وجودي‬
‫واحد فقط من ضمن مجموع وعدد ال نحصيه من الخطوط والمستويات للحقيقة التي يعبر عنها في‬
‫الكتاب والوحي بالسماوات واألرض‪ .‬ذلك وأنه ال يشكل على المتفكر اللبيب‪ ،‬المميز المحلل للموجود‬

‫‪38‬‬

‫ولفضائه مما يشار إليه في األدبيات المستوردة ألنماط التفكير ولالصطالح حتى بالسؤال األنطولوجي‪،‬‬
‫أن أفق إدراك اإلنسان تابع حتما وقهرا ألفق وجوده‪ ،‬ونعني هنا األرضي الذي خاصته عدم المطلقية‪.‬‬
‫وهذا المعنى الذي ينبغي أن يوضع فيه المفهوم العلمي للظاهراتية إذا ما أريد لها التقويم الفلسفي الحق‪.‬‬
‫هكذا إذن يتحتم االعتبار لمعيار النسبية الداللية في الوصل والقراءة المتزامنة للبيان العلمي األرضي‪،‬‬
‫المعتبر من حيث التأصيل اللساني تبعا لمحدوديته وانحصار مجاله بيانا اصطالحيا وقاموسا‪ ،‬مع بيان‬
‫القرآن المجيد‪ ،‬البيان المطلق والمحيط‪ .‬وقد سبق أن ذكرنا هذا المعيار وعرضنا له في مواضع موجبة‬
‫العتباره وللعمل به‪ .‬فدالالت السماء واألرض ومفاهيم الزمن واأليام‪ ،‬ليس ذلك في االعتبار الخطابي‬
‫أمرا واحدا‪ ،‬وليس على كل الخطاب كذلك بين الوحي والبيان اإلنساني‪ ،‬ألن اإلدراك وهلل المثل األعلى‬
‫والعلم ليس فيهما إدراكا وعلما واحدا‪.‬‬
‫فبهذا المعيار الذي ال يبصر به إال قليل ممن كتب لهم العزيز الوهاب الرسوخ في العلم وسمو اإلدراك‪،‬‬
‫يتم االنتقال من زاوية علم الفضاء ولسانه الرياضي والفيزيائي وقاموس جوامع المفاهيم خاصة كاألرض‬
‫والسماء‪ ،‬يتم االنتقال إلى قراءة ما نزل من الكتاب والقرآن المبين وقوله تعالى‪:‬‬
‫{قل أئئنكم لتكفرون بالذي خلق األرض في يومين وتجعلون له أندادا' ذلك رب العالمين' وجعل فيها‬
‫رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين' ثم استوى إلى السماء وهي‬
‫دخان فقال لها ولألرض إيتيا طوعا أو كرها' قالتا أتينا طائعين' فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى‬
‫في كل سماء أمرها' وزينا السماء الدنيا بمصابيح' وحفظا' ذلك تقدير العزيز العليم'}(فصلت‪.)11..1‬‬
‫يقول سيد قطب رحمه هللا إعماال لهذا المعيار البياني في تفسيره لهذه اآليات البينات‪:‬‬
‫< ‪ ..‬وما هذه األيام؟‪ :‬االثنان اللذان خلق فيهما األرض‪ ،‬واإلثنان اللذان جعل فيهما الرواسي وقدر فيهما‬
‫األقوات‪ ،‬وأحل فيهما البركة‪ ،‬فتمت بهما األيام األربعة؟‬
‫إنها بال شك أيام من أيام هللا التي يعلم هو مداها‪ ،‬وليست من أيام هذه األرض‪ .‬فأيام هذه األرض إنما هي‬
‫مقياس زمني مستحدث بعد ميالد األرض‪ .‬وكما لألرض أيام هي مواعيد دورتها حول نفسها أمام‬
‫الشمس‪ ،‬فللكواكب األخرى أيام‪ ،‬وللنجوم أيام‪ ،‬وهي غير أيام األرض‪ ،‬بعضها أقصر من أيام األرض‬
‫وبعضها أطول‪.‬‬

‫‪39‬‬

‫واأليام التي خلقت فيها األرض أوال‪ ،‬ثم تكونت فيها الجبال‪ ،‬وقدرت فيها األقوات‪ ،‬هي أيام أخرى مقيسة‬
‫‪9‬‬
‫بمقياس آخر ال نعلمه‪ ،‬ولكننا نعرف أنه أطول بكثير من أيام األرض المعروفة>‬
‫المعيار الثاني والمستمد اعتباره ولزومه من األساس األول لصحة الحقيقة المعرفية وقيامها‪ ،‬وبالتالي فهو‬
‫سابق بالحق ألي كالم وألية قيمة لعلم المناهج أو الميتودولوجيا‪ ،‬هو النسبية الحقائقية وعدم مطلقية األفق‬
‫اإلدراكي‪ ،‬وبالتالي نسبية األبنية التفكيرية والعقلية اإلنسانية‪ ،‬والرياضية والمنطقية‪ ،‬ولكل ما يقوم عليها‬
‫من علم وما يبنى عليها من نظريات ونماذج‪.‬‬
‫وهذان المعياران العلميان‪ ،‬من لم يكن قد سار به العلم وسما به الحق حتى نال وحصل له فقهما‪ ،‬والذين‬
‫يزعمون االهتمام بما اصطلح عليه باإلعجاز العلمي للقرآن خاصة‪ ،‬هؤالء ممن أسرف بعضهم فيه أيما‬
‫إسراف‪ ،‬فإنما هو من المعتدين يزعم نفسه على مذهب من العلم داعية إلى هللا وإلى اإلسالم‪ ،‬وهو في‬
‫الحق ضال جهول بجهله‪ ،‬يقول في كتاب هللا القوي العزيز ما ليس بحق‪ ،‬وما كان للحق أن يرضى‬
‫الدعوة إليه بما هو للجهالة العلمية وللدجل أقرب منه إلى العلم‪.‬‬
‫ومما له صلة بموضوع علم الفضاء وبفرضية ونموذج االنفجار الكبير‪ ،‬وغيره من الفرضيات‪ ،‬في‬
‫تفسير تاريخ الكون ونشأته ووجوده وحركيته‪ ،‬لزم التحرز أبدا من االنسياق في إتباع تفسير الوحي‬
‫بالمستجد من هذه النظريات والفرضيات‪ ،‬ولو بلغت من مجال سريان مصداقيتها ما بلغت‪ ،‬ألن المطلق‬
‫لن يُستوعب من المحدود وال ينبغي له ذلك أبدا‪ .‬ومثل ما خالف الحق من هذا االنسياق المسارعة في‬
‫الوصل والربط الكامل بفرضية االنفجار الكبير لقوله سبحانه‪{:‬أو لم ير الذين كفروا أن السماوات‬
‫واألرض كانتا رتقا ففتقناهما' وجعلنا من الماء كل شيء حي' أفال يؤمنون'}(األنبياء‪ ،)30‬وقوله تعالى‪:‬‬
‫{والسماء بنيناها بأييد وإنا لموسعون'}(الذاريات‪.)47‬‬
‫فاألفق اإلدراكي للمخلوق محدود‪ ،‬كما أن التوافق المعجمي ال يعني وال يحتم التوافق البياني‪ ،‬وهللا تعالى‬
‫واسع عليم‪.‬‬
‫في بيان هذه النقطة وهذا الضابط الحق في فصل الخطاب من هذا الجانب يقول سيد قطب رحمه هللا‪:‬‬
‫< ‪ . .‬ونحن في دراسة القرآن ال نلجأ إلى تلك التقديرات على أنها حقائق نهائية‪ ،‬فهي في أصلها ليست‬
‫كذلك‪ ،‬وإن هي إال نظريات قابلة للتعديل‪ ،‬فنحن ال نحمل القرآن عليها‪ ،‬إنما نجد أنها قد تكون صحيحة‬

‫‪ 9‬في ظالل القرآن‪ -‬سيد قطب‪.‬‬

‫‪40‬‬

‫إذا رأينا بينها وبين النص القرآني تقاربا‪ ،‬ووجدنا أنها تصلح تفسيرا للنص القرآني بغير تمحل‪ ،‬فنأخذ من‬
‫‪10‬‬
‫هذا أن هذه النظرية أو تلك أقرب إلى الصحة ألنها أقرب إلى مدلول النص القرآني>‬
‫هكذا‪ ،‬وإنه ال يسعنا إال أن نعود فنقول إن هذه المكونات المعرفية واإلدراكية في ماهيتها‪ ،‬التي يبنى‬
‫ويؤسس عليها هذا الذي نسميه علما‪ ،‬والتي يصبح تصورها وتسميتها وأعلى درجاتها التمثيل الرياضي‪،‬‬
‫الظل غير الموثوق به على مطلق الوثوق وال ينبغي له ذلك‪ ،‬يصبح تصورا‪ ،‬ثم حقيقة علمية مقررة‪ .‬هذه‬
‫المكونات وظاللها وأسماؤها ومعادالتها‪ ،‬من مادتها المختلف في أمرها وأمر تحديد طبيعتها وفي احتمال‬
‫ونسبة وجودها‪ ،‬والطاقة العامل المؤثر فيها‪ ،‬وفضائها وتوزيعها كأهم وأبرز المحددات وكأنه المفتاح‬
‫الحقيقي لسر وعلم الفضاء‪ .‬وهنا ال نخرج عن اإلطار الضيق الختزال السؤال من جهة الغاية منه‪ ،‬أي‬
‫بعدم التساؤل عن قيمة هذا التصور وحدود نجاعته‪ ،‬وحظ هذا التمثيل وهذا الظل من الحق والحقيقة‬
‫الوجودية‪ ،‬وهو ليس سوى إسقاط خاصته الجزئية الصورية‪ ،‬تابع ومقيد بمخلوقية اإلدراك اإلنساني‬
‫ومخلوقية عقله‪.‬‬
‫هذا البناء المعرفي الذي تم تقريره والعمل به بكبرياء زائفة‪ ،‬وأحيانا بشاكلة إلحادية‪ ،‬وهي في حقيقتها‬
‫المعلوماتية إنما تعبر عن كفر وجحود وحتى جهل إنساني مقيت‪ ،‬ألن الظل الرياضي رغم جزئيته‬
‫التمثيلية صورة وقيمة‪ ،‬فابستمولوجيته ومردوديته الفقهية آية ودليل على درجة كبر السماء ووضوحها‪،‬‬
‫والشمس والقمر‪ ،‬والليل والنهار‪ ،‬آية للحق الذي عليه يقوم الوجود‪.‬‬
‫كذلك‪ ،‬وبالرغم من لجوئهم القاهر لفرضية الفيض على نحو من األنحاء‪ ،‬وعليها يعلقون وينيطون شأن‬
‫وكل هذا األمر من علمهم‪ ،‬وتحت شبه ظلها الوارف أناخوا راحلة شرودهم وتيههم في فالة وصحراء‬
‫البحث المضني‪ ،‬فهذا البحث المغتر بجهله وبما عندهم من العلم‪ ،‬وهو بمعاييره الذاتية بالنسبة لمطلق‬
‫العلم كأنه ال شيء‪ ،‬إال فريقا وفئة من العلماء أبوا إال الثبات على الخلق العلمي وربأوا بأنفسهم االنجراف‬
‫مع سيول وموجات اإللحاد والكفر المقيت‪ ،‬وأبوا إال الصدع بما يرونه الحق من القول في شأن الخلق‬
‫واألمر‪.‬‬
‫وحقا وبالذات‪ ،‬فإن تعبير الفيض‪ ،‬ورغم ما احتكنه والتبس به من غموض وتحريف لكونه لم يتمثل‬
‫كمفهوم إال من خالل وسياق الفلسفة العربية اإلسالمية كامتداد موصول في خطها بالفلسفة اليونانية‬
‫وباألفلوطينية الجديدة‪ ،‬وهو سياق كما سوف نوضح ذلك بقوة إنشاء هللا تعالى في ما يأتي من الفصول‬
‫مبتور‪ ،‬والمفاهيم المولدة عنه مفاهيم غير سليمة التصور‪ ،‬وليست منطبقة بالمعنى الصحيح الموافق‬
‫‪ 10‬في ظالل القرآن‪ -‬تفسير سورة فصلت‪ -‬اآليات ‪11 . . 9‬‬

‫‪41‬‬

‫والمطابق للحق؛ وهو نفسه االلتباس المكتنف على غاية وخلفية لمفاهيم الطبيعة والتطورية‪ ،‬وغيرها‬
‫منظورا إليها بمنظار ضيق الرؤية‪ ،‬قاصر عن تحديد وتشكيل الرؤية السليمة والصورة السوية‬
‫الصحيحة‪ .‬فاإلشكال ليس في ذات اللفظ بإطار شروطه الخطابية التي رآها الفارابي خاصة ومن بعده ابن‬
‫سينا في موضعها البياني‪ ،‬وإنما في إلحاقها بمصدرها وإطارها األول ما قبل أو خارج اإلسالمي‪ ،‬ثم‬
‫التقليد المستشري جبلة لأللسن ‪-‬عالمها وغير عالمها‪ -‬في إصدار األحكام‪.‬‬
‫إن حقيقة الفيض‪ ،‬أو على األصح ما ينبغي له أن يمثل الحق‪ ،‬هو هذه الحقيقة التي جاء بشأنها البيان‬
‫والعلم الحق في قول هللا تعالى رب العرش العظيم‪:‬‬
‫{الحمد هلل فاطر السماوات واألرض جاعل المالئكة رسال أولي أجنحة مثنى وثالث ورباع' يزيد في‬
‫الخلق ما يشاء' أن هللا على كل شيء قدير'}(فاطر‪)1‬‬
‫فالمالئكة عليهم السالم وسيط انبثاق الخلق واألمر من حيث ال طاقة وال مادة وال شيء‪ ،‬وال زمان وال‬
‫فضاء‪ .‬واآلية الجليلة هذه‪ ،‬جاءت مكونات اللسان والبيان فيها وكأنها حزمة نور كثيف مشع نحو نقطة‬
‫مكافئها المعلوماتي هو حقيقة الخلق من ال شيء‪ .‬والتمثيل لهذا األمر من الحق والبيان نوجزه ونختزله‬
‫كما يلي‪:‬‬
‫هللا سبحانه وتعالى األول‬

‫الحمد هلل‬

‫المعنى اإلجمالي‬

‫فاطر‬

‫جاعل‬

‫الوسيط‬

‫المالئكة‬

‫المباينة والتسبيح‬

‫وعلى نور الحق في هذه اآليات العلمية يرى قصور وخطأ قصر معنى قوله سبحانه{رسال} في هذه اآلية‬
‫على إنزال الوحي‪ ،‬فالرسالة هنا هي إرسال األمر والخلق{رسال أولي أجنحة مثنى وثالث ورباع' يزيد‬
‫في الخلق ما يشاء' إن هللا على كل شيء قدير'} هي إرسال لألمر والخلق قانونا وتحققا‪ ،‬وإن هذه البؤرة‬
‫المتصلة والمشكاة الواحدة‪ ،‬هي التي ننسج ونبني عليها دليلنا الغاية المأمولة والمقصد من بعد الجامع‬
‫والمؤلف بين هذه الفصول والحقائق من علم الكون والحياة والفكر‪ .‬والوثاق المالئكي التكويني والتحققي‬
‫لألمر والخلق قد حاولنا إعطاء تقريب لتصوره في الجزء الثالث‪ ،‬في ارتباط وتواز تحليلي لترتيب‬

‫‪42‬‬

‫القرآن‪ ،‬ثم كذلك في موضع فقه المسبحات‪ ،‬وفي تحديد وفهم حقيقة التسبيح ذاتها‪ ،‬كما هو مبين في مواقع‬
‫من القرآن وفي اآليات من سورتي فاطر والصافات‪.‬‬
‫أما لفظة الفيض‪ ،‬فالتعبير إنما يلزم ائتمان المعرفة الحقة والحقيقة بعينها ال غيرها مما قرب أو بعد؛ ذلك‬
‫أن هذه اللفظة ال تحمل حقيقة التعدي‪ ،‬وإنما تدل على اللزوم‪ ،‬فالفعل أصل عينه ياء مضمومة دالة على‬
‫حركة ذاتية اتساعية وانتشارية‪ .‬فمن الناحية الفقهية وهي أس الشرط العلمي كله والفلسفي‪ ،‬ال ينبغي‬
‫التصرف وتبديل ألفاظ الوحي الكريم المنزل من لدن عليم حكيم التي يعبر بها عن المعاني والحقائق‬
‫المكونة لإليمان والتصور االعتقادي‪ ،‬أي المكونات البيانية للعقيدة ولتصور الحق‪ ،‬على غرار ألفاظ‬
‫وقاموس ألفاظ العبادات كالصالة والزكاة وغيرهما‪ .‬لكن مما ال شك فيه أن البيان هنا من وراء لفظة‬
‫الفيض لفظ جدلي خطابي في إطار شروط خطابية معينة‪ ،‬ومتسارع مستعجل بالتقول من يكفر من توسله‬
‫في خطابه وتعبيره‪ ،‬أو من رماهم بالتخرص والهوس‪ ،‬ألن هذا اللفظ أتى على درجة المجادلين‪ ،‬ليس‬
‫فحسب عن إثبات الخلق من عدمه‪ ،‬بل في فهم هذا الخلق وكيف كان؟ فنجد ابن سينا رحمه هللا تعالى‬
‫سعيا منه للتقريب يقول‪< :‬فعل فاعل دائم الفعل‪ ،‬وال يكون فعله بسبب دعاه إلى ذلك وال غرض إال نفس‬
‫‪11‬‬
‫الفاعل‪ ،‬والفيض إنما يستعمل في الباري والعقول ال غير>‬
‫وكذلك ينبغي على هذا الشرط وضع مقولة الواجب والممكن كما فعل الفارابي وتبعه ابن سينا‪ .‬لكن‬
‫أوضح الدليل وأصحه هو ما جاء في الوحي القرآن المبين بداللة الفعل والخلق على الفاعل والخالق؛‬
‫وهذا هو كنه دليل أرسطو في المحرك األول‪ .‬وإن يكن الفارابي وابن سينا قد يسمان هذا االستدالل‬
‫بالبسيط‪ ،‬المخاطب به بسطاء الناس دون فالسفتهم وذوي العقول منهم‪ ،‬فإنه أوال هو أصح الدليل عما‬
‫سواه ألنه األقرب طريقا للمطلوب إثباته وتقريره‪ .‬ثم لئن أريد كما قال الفارابي تجاوز المظاهر والسطح‬
‫إلى حقيقة الوجود ذاته‪ ،‬فإنه لم يأت من خالل قولهم جميعا ما تطمئن له الروح العلمية‪ ،‬التي هي أساس‬
‫التفكير الفلسفي‪ ،‬أو ينبغي أن يكون كذلك‪ ،‬لم يأت بتعريف للوجود وال إثبات علمي له‪ ،‬ذلك أنهم سلموا‬
‫بحقيقة الوجود ذاتها ولم يثبتوها من جهة التعريف‪ ,‬ومن يدري؟ لعلهم ونحن معهم جميعا في حلم أو في‬
‫حالة من السحر عظيم كما هو التعبير في قوله تعالى‪{:‬أفسحر هذا أم أنتم ال تبصرون'}(الطور‪ )13‬وفي‬
‫قوله تعالى‪{:‬ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم‬
‫مسحورون'}(الحجر‪ )15‬وكما قال أبو حامد الغزالي‪ < :‬فبم تأمن أن يكون جميع ما تعتقده في يقظتك‬
‫بحس أو عقل هو حق باإلضافة إلى حالتك التي أنت فيها‪ .‬لكن يمكن أن تطرأ عليك حالة تكون نسبتها‬
‫ابن سينا‪ :‬التعليقات ص‪ -144‬عن مؤلف مفهوم الخير والشر في الفلسفة اإلسالمية‪ .‬دراسة مقارنة في فكر ابن سينا‪ -‬ط‪ -1‬المؤسسة الجامعية‬
‫‪11‬للدراسات والنشر والتوزيع‪ -‬بيروت‪ -‬د‪ .‬منى أحمد محمد أبو زيد‪ -‬ص‪40‬‬

‫‪43‬‬

‫إلى يقظتك كنسبة يقظتك إلى منامك‪ ،‬وتكون يقظتك نوما باإلضافة إليها؟ فإذا وردت تلك الحالة تيقنت أن‬
‫‪12‬‬
‫جميع ما توهمت بعقلك خياالت ال حاصل لها‪>.‬‬
‫فهذا ال يتم إال من خالل إثبات وجود حقيقي ال متخيل‪ ،‬وهذا اإلثبات أقواه الذي يحصل بنظرية‬
‫المجاالت‪ ،‬وهي نظرية حق لها الحق والصدق بسريانها التفسيري المتوافق لمختلف ظاهر الوجود‬
‫المادي والعقلي‪ ،‬فعلى أساسها وعلى اعتبار الحالتين معا‪ ،‬الحقيقة والمتخيل الوهمي‪ ،‬يحكم بوجود مجالي‬
‫من خالل وجود األشياء‪ ،‬فواهب هذا الوجود هو هللا سبحانه وتعالى‪ .‬وهذا هو المعبر عنه تعبيرا بليغا في‬
‫قوله تعالى‪{:‬سنريهم آياتنا في اآلفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق' أولم يكف بربك أنه على كل‬
‫شيء شهيد' أال إنهم في مرية من لقاء ربهم' أال إنه بكل شيء محيط'}(فصلت‪ .)53-52‬فالقرآن أحسن‬
‫مثال وأحسن تفسيرا‪ .‬والتفسير بالمجالية الوجودية بالنسبة لمقولة الواجب والممكن أحسن وأقوم قيال‪.‬‬
‫‪.‬‬

‫‪.‬‬

‫‪.‬‬

‫على نور وهدي هذا العلم من الحق البين والكتاب المنير نتلو قول الحق سبحانه وتعالى‪:‬‬
‫{ولقد خلقنا اإلنسان من ساللة من طين'}(المؤمنون‪)12‬‬
‫{وإذ قلنا للمالئكة اسجدوا آلدم فسجدوا إال إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين'} (البقرة‪.)23‬‬

‫‪ 12‬أبو حامد الغزالي‪ :‬المنقذ من الضالل ومعه كيمياء السعادة والقواعد العشرة واألدب في الدين‪ -‬ص‪ -14‬المكتبة الشعبية‪ .‬بيروت‪ .‬لبنان‬

‫‪44‬‬

‫الباب الثاني‬

‫خلق اإلنسان واألساس التركيبي للنفس البشرية‬

‫‪45‬‬

‫الفصل األول‬
‫سؤال خلق اإلنسان واألفق اإلدراكي للعقل‬
‫التركيب النويوي لإلنسان ونسبية المفاهيم المؤطرة للعلم اإلنساني المادي‬

‫موضوع خلق اإلنسان يتصل على محور حديثنا واستداللنا‪ ،‬استدالل األحادية في الخلق واألمر‪ ،‬يتصل‬
‫بنشأة الكون وعلم الفضاء على وجه االتصال الذي نتلوه في قول الخالق سبحانه وتعالى‪:‬‬
‫{إن ربكم هللا الذي خلق السماوات واألرض في ستة أيام ثم استوى على العرش' يغشي الليل النهار يطلبه‬
‫حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره' أال له الخلق واألمر' تبارك هللا رب‬
‫العالمين'}(األعراف‪.)53‬‬
‫فها هنا مصدر القانون والشريعة للكون ولإلنسان واحد‪ ،‬والتفصيل والتناسب التاريخي والبيآتي هو من‬
‫ذات القانون ومن وجه ومكون الحكمة فيه‪.‬‬
‫قال هللا تعالى‪:‬‬
‫{ولقد خلقنا اإلنسان من ساللة من طين'}(المؤمنون‪)12‬‬
‫{وإذ قلنا للمالئكة اسجدوا آلدم فسجدوا' إال إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين'} (البقرة‪)23‬؛‬
‫فالمكونات البنيوية لإلنسان محددة واضحة على نسق التركيب النويوي (النيكليوني) المعتمد في نموذج‬
‫التفسير التكويني للفضاء وللكون بمجراته وكواكبه ونجومه‪ ،‬إال أن نسق تكوين اإلنسان أتى هنا من لدن‬
‫الحق بدليل الصدق المطلق؛ والجوهر الدليلي هنا كما في قوله سبحانه‪:‬‬
‫{ما كان حديثا يفترى' ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم‬
‫يؤمنون'}(يونس‪)111‬؛‬
‫فالدليل هنا أكبر من البعد اإلنساني ألنه يجمع لخاصتين ما فوق نسبيتين ال تنبغيان للمحدود والمخلوق‪:‬‬

‫‪46‬‬

‫أوالهما اإلدماج التصديقي التاريخي؛ فعلى تاريخ البشرية خاصة تصديق الكتاب ما قبله‪.‬‬‫والثانية التفصيل الذي شرطاه‪ :‬أوال العلم المطلق ببيئة التنزيل‪ ،‬والثاني الحكمة‪.‬‬‫وهذا األمر والحقيقة ذات القيمة العلمية الكبرى كان أبرز وأهم موضوعات الجزء الثالث من المنهاج‪:‬‬
‫مفاتيح علم الكتاب‪ .‬كما أن معنى التفصيل هنا هو التناسق‪ ،‬أي جعل التنزيل والكتاب بما هو قانون‬
‫وتشريع‪ ،‬كونه على منتهى وكمال التناسب والمالءمة مع مجال تحقيقه وسريانه‪.‬‬
‫لكن وباعتبار حقيقة الموضوع ودرجة اإلشكاالت التي يطرحها‪ ،‬ليس من حل أمثل من توسيع إطار‬
‫النظر حتى يكون قادرا في نظمته على رفع وإزاحة بعض االعتبارات الخاطئة والتناقضات‪ ،‬والتي ليست‬
‫في حقيقتها سوى نتاجات لنظمة معارفية قاصرة دون طاقة األهلية للحكم وإنتاج القضايا واألحكام على‬
‫مستويات معينة‪ ،‬كمثل هاته التي تظهر فيها التباسات وشبهات‪ ،‬يبقى أبرزها في موضوع خلق اإلنسان‬
‫إشكال وشبهة الداروينية‪.‬‬
‫إن هذا اإلطار الذي سيمكننا ويعطينا هذه الخاصات المحددة وهذه النظمة‪ ،‬لن نستمده من االفتراض‬
‫النظرياتي‪ ،‬وال من مطلق المرجعيات القانونية والعلمية أيا كانت‪ ،‬بل ال بد أن يكون للمرجع قوة الواقعية‬
‫إلى جانب شرط الهيمنة النظماتية والعقلية؛ ولذا كان هو اإلطار المجاوز لنهايات اإلدراك العلمي‬
‫اإلنساني‪ ،‬أو ما يعبر عنه باألفق اإلدراكي‪ ،‬الذي تجلى وكان المنتهى في نظمة تفكير وبناء نموذج أو‬
‫نماذج التفسير اإلنساني العلمي لنشأة وانبثاق الكون‪ .‬وكان علينا أن نعتبر ونفسر حقيقة وواقع هذا األفق‬
‫وهذا األسر التواجدي كلية بلسان اإلنسان‪ ،‬وإدراكه ومنطقه بجزئية هذا التواجد‪ ،‬وبجزئية عالمه بالنسبة‬
‫للوجود المطلق‪ .‬ومن ثم كان حتما التزام المباينة البيانية‪ ،‬التي في واقع األمر هي ذاتها المباينة الحقائقية‬
‫للعلم وللوجود كما هي في المطلق‪ ،‬وفي الحق الواسع المهيمن المجيد عن حدودها‪ ،‬وصيغتها عند‬
‫اإلنسان بالزمته المخلوقاتية المكافئة بالوجود الحق ألفق إدراكي‪ .‬ونختزل هذا ونجمله في ذكر قوله‬
‫سبحانه وهو أعلم بما خلق‪:‬‬
‫{نحن خلقناهم وشددنا أسرهم وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديال'}(اإلنسان‪.)21‬‬
‫إننا نعتبر بهذا ونعني كوننا نسلم بالحق في مصداقية التفكير وببنائه العلمي‪ ،‬وباجتهاده على مختلف‬
‫دروب العلم ودراسة الطبيعة والتاريخ واإلنسان‪ ،‬ومعرفة قوانين الكون ومكنونات الخلق‪ ،‬واستكشاف‬
‫أسرار وبديع صنعه‪ ،‬لكن بإدماج نظمته هاته بقوانينها وبيانها المعبر عنها ضمن المطلق بعلم الكتاب‪،‬‬
‫المصدق بأعلى درجات التصديق المنطقي والمناهجي‪ ،‬وما يجحد بها إال الكافرون‪.‬‬

‫‪47‬‬

‫وإن الصورة القريبة والترجمة الفصحى لهذا المعيار‪ ،‬والتي أشرنا إليها كذلك من قبل في أجزاء المنهاج‪،‬‬
‫في الجزء الثالث منه خاصة‪ ،‬نلفيها في البيان ممثلة وفي المفاهيم‪ ،‬وتحديدا في المفهومين الكتابيين‪:‬‬
‫مفهوم األرض ومفهوم السماء‪.‬‬
‫فنسبية المفاهيم تبرز هاهنا بقوة‪ ،‬ألن األبعاد التي سيأخذها العلم اإلنساني الطبيعي بأفقه ومعاييره‪،‬‬
‫وبتعريفاته لمعنى العلم ولمعنى الحقائق‪ ،‬لن تكون إال جانبا من الحق في هذه المفاهيم وحقيقتها‪ ،‬الجانب‬
‫المسقط والمتقاطع مع األبعاد والمكونات المادية والفيزيائية‪ ،‬التي تبقى هي المؤطر للتفكير اإلنساني‬
‫ولمفهوم وحقيقة العلم عنده‪ .‬وهذا القصور في تمثيل الحق في الوجود بالنسبة للعلم والمعرفة اإلنسانية‬
‫بغض الطرف عنه بشكل بين‪ ،‬لكنه يبرز ويأخذ تعبيرات أخرى من مواضع أخرى كذلك‪ ،‬وغالبا ما‬
‫يكون هذا الموضع أو مجاله هو الفلسفة واألسئلة الفلسفية‪ .‬وهذا اإلشكال القوي الذي يجلي أسر اإلنسان‬
‫اإلدراكي والخلقي ويجلي تكبره الزائف‪ ،‬يبرز خاصة في الصيغة الفلسفية في سؤال اإلدراك والصيغة‬
‫المعرفية للعقل اإلنساني‪ .‬وسوف نرى هذا بعد حين بصورة جيدة وإن كنا قد أوضحنا حقيقتها من قبل‬
‫أيضا‪.‬‬
‫كذلك نجد تعبيرا عن هذا المعيار في صورته البيانية في الجانب التفسيري عند علماء المسلمين‬
‫ومفسريهم‪ .‬وأبرز مثال في هذا القراءة المجازية نجدها عند أبي حامد الغزالي رحمه هللا في جعله‬
‫اإلنسان وكأنه صورة عوالمية اختزالية للسماوات واألرض بسمائه وأرضه وشمسه وقمره‪ ،‬فيماثل‬
‫أحوال حضور منية اإلنسان وذهاب مداركه وحواسه على أحوال فناء الكون وقيام الساعة وانفطار‬
‫السماء وانتثار الكواكب‪ ،‬وتكوير الشمس وانكدار النجوم؛ كل ذلك على منحى من قوله صلى هللا عليه‬
‫وسلم‪":‬من مات قامت قيامته"‪.‬‬
‫وكذلك فإن االستعارة والمجاز من أهم آليات القراءة لدى علماء بني إسرائيل‪ ،‬وال زالت إلى اليوم‬
‫المرتكز والوسيط المعتمد عليه للتقريب بين التلمود كإطار دراسي للكتاب والعلم الطبيعي ببنائه‬
‫ومفاهيمه‪ ،‬وذلك عن طريق التأويل‪.‬‬
‫إذن فحقيقة هذا المعيار لها من المصداقية المرافقة لمصداقية التسليم بمشروعية وبقبول الفكر اإلنساني‬
‫في اجتهاده وبنائه ونتائجه‪ .‬وال يمكن إعطاء أية قيمة صدق لهذا الفكر من دون التسليم بها ومن غير‬
‫اعتبارها‪.‬‬
‫هكذا‪ ،‬فداخل هذا اإلطار‪ ،‬تصبح الرؤية ويصبح االعتبار للعلم اإلنساني وللداروينية بالخصوص من جهة‬
‫موضوعنا أمرا موزونا وفي موضع صحيح‪ ،‬ألن هذا المعيار كبعد مناهجي وتفكيري سيمنحها كامل‬

‫‪48‬‬

‫واقعيتها‪ ،‬وطبعا من غير تجاوز حدود سريانها ومشروعيتها في ميزان المرجعية‪ ،‬وفيما هو معلوم جلي‬
‫علمه في علم المناهج‪ ،‬ومن حيث تبعية الحقيقة لمصدرها‪ .‬فليس يقصر فارق عامل النسبية في التجلي‬
‫المفاهيمي المحدود‪ ،‬بل في درجة وكفاءة العقل‪ ،‬وفي قدرة تصوره وتمثله في حقيقة هذه المفاهيم‪ ،‬نعني‬
‫تصورها وتمثلها‪ ،‬وهذا بالذات هو الذي له عالقة إدراكية بعوالم الوجود ومفهوم السماوات واألرضين‪،‬‬
‫وهو الذي في منتهى األمر يقف على علم بيان الكتاب والوحي ومعجمه الواسع المجيد‪ ،‬ألنه هو الحق في‬
‫لسانه‪ .‬ولهذا كان اإليمان بالغيب بالنسبة لهذا الفضاء العلمي المؤثر هو معراج البيان وشرطه‬
‫الضروري‪ ،‬الذي من دونه ال حقيقة وال إمكان مطلقا للرسوخ العلمي وللكينونة الوجودية التي يعبر عنها‬
‫قاموسا خاصا بالكينونة الفلسفية‪ ،‬مما سوف يأتي بيانه وتفسيره على أوضح صورة‪.‬‬
‫ثم ال بد أن نسطر هنا على أن موقف المعاداة الصريحة للحقيقة التي جاء بها أنبياء هللا تعالى ورسله‬
‫عليهم الصالة والسالم‪ ،‬وهذا النكوص واإلدبار للعقل الغربي عن الحق وعن الحقيقة الكبرى في الوجود‪،‬‬
‫الغرب الذي تقاسم أهله على الجحد بآيات هللا رب العالمين‪ ،‬وجعل هذا الجحود والكفر صبغة للتفكير‬
‫العلمي‪ ،‬حتى أن هذا العذاب الوجودي ال يجد له متنفسا سوى في التفكير المنبت عن أي مؤتمن من الحق‬
‫أساس بمسمى الفلسفة‪ ،‬الذي ليس في حقيقة أمره وحاله غير حال المأساة وواقع العنت والعذاب؛ وأي‬
‫عقل هذا الذي يحمل مدركا ما يحمل من تعبير المفارقة بادعاء العلمية والعقالنية وهو يجحد بمطلق‬
‫الحقيقة ما ال من دونها عقل وال علم؟ ولك أن تعلم أن أكبر األسئلة الفلسفية التي يدور اليوم حولها‬
‫السجال هما سؤال اللغة وسؤال اإلدراك‪ ،‬كما سنتطرق إليه ونبينه فيما يلي من الفصول‪ .‬وال يمكن أن‬
‫يفسر هذا العضل التواجدي وال أن يرد في بنيته ومكوناته‪ ،‬وعلى تأصيل علمي واضح على نحو‬
‫التأصيل البنيوي للمادة والطاقة وظواهر الكون إلى األساس التركيبي النويوي (النيكليوني)‪ ،‬ال يمكن ذلك‬
‫وال يتم إال على معيار المرجعية القصوى والبناء على األساس التركيبي والتكويني لنفس ابن آدم‪ ،‬إال‬
‫على الوحي المجيد البين مطلق الصحة وقوله سبحانه الحق المبين‪:‬‬
‫{وإذ قلنا للمالئكة اسجدوا آلدم فسجدوا' إال إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين'} (البقرة‪.)23‬‬
‫هذا ذكر وتأطير علوي سابق وأعلى من أفق وجود اإلنسان وحدود علمه وفكره‪ ،‬والداروينية على اللزوم‬
‫المستتبع على الحتم به مؤطرة‪ .‬ويقفوه التأطير الثاني القوي الذي سيفقدها وما سواها من محدود مصدر‬
‫المعرفة والعلم ما ال ينبغي لها من أثر على البعد الحقائقي المشهود والواقع في الكون وفي التاريخ‪ ،‬ذلك‬
‫أن الوجود البشري ومحوره القائم على الوحي والنبوة متصل على أكمل االتصال باألساس التركيبي‬
‫لنفس وخلق آدم عليه السالم‪ ،‬الذي جاء علمه في الوحي وعلم الكتاب المطلق‪ .‬وها هنا تحديدا جواب‬
‫ومحط ترحال أسئلة الرجل الشهم والفيلسوف الحق‪ -‬وهللا أعلم بشروط تكليف العبد‪ -‬إيمانويل كانط‪،‬‬

‫‪49‬‬

‫أسئلته أو سؤاله الذي لم يجد له مآال‪ ،‬وذلك ما يدل عليه بقوة عودته إليه في القطعة األولى "في أن مبدأ‬
‫الشر ساكن بجوار مبدإ الخير‪ ،‬أو حول الشر الجذري في الطبيعة اإلنسانية" رجوعه إليه بإضافة على‬
‫هامشه‪ ،‬مبرزا قوة اهتمامه به‪ ،‬ولكن ليس ليعطي جوابا‪ ،‬بل ليؤكد جدية هذا اإلشكال بسلسلة تساؤلية ال‬
‫قرار وال نهاية لها‪:13‬‬

‫والذي يدلك في المجال أو الخط المنطقي من خالل كمال التناسق على أن هذا هو المنتهى في تاصيل‬
‫ا ألساس للنفس والذات الخلقية اإلنسانية‪ ،‬هو مقوله في هذا الموضوع المحدد اإلطار‪ ،‬إن الذنب في مكون‬
‫الشر ليس الطبيعة‪ ،‬وإنما اإلنسان نفسه‪ ،‬يعني بذلك درجة حريته الوجودية المتحولة أو المنتقلة إلى‬
‫الدرجة التواجدية بعاملي المشيئة واإلرادة؛ إذ يقول‪:14‬‬

‫إيمانويل كانط‪ :‬الدين في حدود مجرد العقل‪ -‬نقله إلى العربية فتحي المسكيني‪ -‬علي موال جداول الكويت‪ -‬الطبعة األولى ‪ -2412‬طبع في لبنان‪-‬‬
‫‪13‬ص‪89‬‬
‫‪ 14‬نفس المصدر‪ -‬ص‪88-89‬‬

‫‪50‬‬


الخلق والأمر.pdf - page 1/363
 
الخلق والأمر.pdf - page 2/363
الخلق والأمر.pdf - page 3/363
الخلق والأمر.pdf - page 4/363
الخلق والأمر.pdf - page 5/363
الخلق والأمر.pdf - page 6/363
 




Télécharger le fichier (PDF)

الخلق والأمر.pdf (PDF, 3.1 Mo)

Télécharger
Formats alternatifs: ZIP



Documents similaires


bergerac concours obe issance 2016
concours obe 2016 invitation
liste associations
ateliers art 12 13b
concours obe 2016 engt csau
concours obe 2016 engagement

Sur le même sujet..