581.pdf


Aperçu du fichier PDF 581.pdf

Page 1 23424




Aperçu texte


‫وطنية‬

‫‪2‬‬

‫صوتكم‬

‫العدد ‪ 581‬الجمعة ‪ 1‬جمادى األولى ‪1436‬هـ‬

‫الموافق لـ ‪ 20‬فيفري ‪2015‬‬

‫ضد التيار‬
‫محمد الحمروني‬

‫نخبنا ورقصة الحبارى‪..‬‬
‫ال ت��زال بالدن��ا تؤت��ى بني الفين��ة واألخرى ف��ي بع��ض أبنائها من في أكثر من موقع‪ ،‬وتش ّردت فيها شعوب بأكملها‪..‬‬
‫عناص��ر األم��ن واحل��رس أو اجلي��ش الوطن��ي‪ ،‬يس��قطون مض ّرجني‬
‫بدمائهم دفاعا عن هذا الوطن‪..‬‬
‫عندما أتأ ّمل الوضع الذي يعيش��ه املش�� ّردون الس��ور ّيون هربا من‬
‫املتفجرة‪ ،‬وه��م ف��ي املخيمات وحت��ت الثلوج‪،‬‬
‫ميك��ن أن نقول الكثي��ر‪ ،‬وميكن للبع��ض أن يزايد كم��ا تفعل بعض برامي��ل بش��ار األس��د‬
‫ّ‬
‫الوج��وه الت��ي ال نراه��ا إالّ ف��ي حض��رة الطق��وس اجلنائز ّي��ة‪ ،‬وه��م وعندما أرى تلك الطفولة البائس��ة‪ ،‬استشعر النعمة التي منّ الله بها‬
‫كالنائحات ال تراهن إال في املآمت‪ ..‬وميكن أن نتحدث عن قلّة اإلمكانات علينا‪..‬‬
‫وقلّة التجهيزات وغياب الرؤى واالستراتيج ّية واخلطط التكتيك ّية‪.‬‬
‫على نخبنا أن تستش��عر‪ ،‬وهي تالعب أبناءها كل مساء وقبل النوم‬
‫ميك��ن أن نقول هذا وأكثر‪ ،‬ولكن كل ه��ذا الكالم وغيره لن يغني ع ّنا أو تأخذه��م إلى امل��دارس ورياض األطفال أوعندما تتج��ول بالليل أو‬
‫ش��يئا‪ ،‬ألن بالدنا باتت تفقد بشكل شبه دوري عددا من أبنائها‪ ..‬وألن بالنه��ار دون أن يصيبه��ا خ��وف أو رعب‪ ،‬هذه النعم��ة وتقدّرها ّ‬
‫حق‬
‫عددا من العائالت واألمهات ثكلت في فلذات أكبادها‪..‬‬
‫قدرها وتعمل على احملافظة عليها‪.‬‬
‫كل الكالم الذي سبق لن يعيد إلى األم ابنها‪ ،‬ولن يخفف من لوعتها‪،‬‬
‫ول��ن يطفئ النار الت��ي حرقت كبدته��ا‪ ..‬في الوقت ال��ذي تواصل فيه‬
‫بعض القنوات اإلعالمية وبعض اإلعالم ّيني والسياس ّيني و"ال ّنخب"‬
‫بصفة عامة‪ ،‬اس��تهتارها مبآس��ي ه��ذه العائالت وبأوج��اع الوطن‪..‬‬
‫وتواص��ل لعبة الرقص على الدماء‪ ،‬فتخرج علينا في كل نائبة وجوه‬
‫لتزبد وترعد‪ ،‬وت ّتهم وتخ ّون‪ ،‬وتعود إلى بيتها فرحة مسرورة‪.‬‬
‫لألس��ف ال يوج��د إل��ى ح�� ّد اآلن مؤش��ر على أي ق��در م��ن التعاطي‬
‫املس��ؤول والواعي الذي ميك��ن أن يرتقي إلى مس��توى اللحظة‪ ،‬وإلى‬
‫مستوى الوجع الذي أصاب كبد الوطن‪.‬‬
‫كل ما تس��معه هو مزايدة سياس ّية‪ ،‬ومحاولة الستثمار الدماء التي‬
‫تس��يل في مهات��رات ال تغني وال تس��من من جوع‪ ،‬دون أي إحس��اس‬
‫بحجم األلم الذي تعانيه عائالت الش��هداء وال ِعظم املُصاب الذي يكاد‬
‫يقصم خاصرة هذا الوطن‪.‬‬
‫أش��عر بكثير من األل��م واحلزن‪ ،‬وأن��ا أراقب املناب��ر االعالمية التي‬
‫"الس��وق ودالّل" واجلميع يزاي��د على أرواح‬
‫حت ّول��ت إلى ما يش��به‬
‫ّ‬
‫الش��هداء‪ ..‬وال��كل ال يف�� ّوت فرص��ة إال ويح��اول اس��تثمارها لتوجيه‬
‫صفعة أو طعنة إلى بعض الفرقاء‪.‬‬
‫ال أح��د يستش��عر حجم املخاط��ر‪ ،‬واجلميع أش��به مبجموعة أطفال‬
‫تتص��ارع من أجل بع��ض اللُعب‪ ،‬وهي غي��ر مبالية بقاذف��ات القنابل‬
‫حتوم فوق رؤوس��ها وتن��ذر بالويل والثبور‪ ..‬الوط��ن يواجه أخطار‬
‫محدق��ة‪ ،‬عملي��ات إرهاب ّية ال أح��د يعلم م��ن مي ّولها وال م��ن يحركها‪،‬‬
‫ووض��ع إقليمي على مش��ارف احلرب الش��املة‪ ،‬ومكر اللي��ل والنهار‬
‫يد ّبر األسوأ للمنطقة‪ ،‬ويريد حتويلها إلى محرقة مثلما ما يجري في‬
‫العراق وسوريا وليبيا واليمن ومصر‪.‬‬
‫ال جند في بالدنا من يستشعر أهمية ما نعيشه من وضع استثنائي‬
‫في منطقة حتترق على أكثر من صعيد‪ ،‬وترتكب فيها املذابح واملجازر‬

‫وعليها أن ال تتالعب بقضاي��ا حارقة مثل االرهاب وحت ّوله إلى أداة‬
‫للصراع السياسي ومحاولة حشر اخلصوم في ال ّزاوية‪ ،‬هذه العمل ّية‬
‫ّ‬
‫أش��به بلعبة امل��وت أو رقصة احلب��ارى‪ ،‬ألنها تضع كل م��ا حت ّقق في‬
‫بالدنا من انتقال س��لمي وتعايش بني مختل��ف مك ّونات املجتمع‪ ،‬وما‬
‫راف��ق ذلك م��ن تضحيات جس��ام ُقدّمت في س��بيل أن تتج ّن��ب بالدنا‬
‫مصائر مشابهة ملا يعيشه بعض جيراننا‪ ،‬موضع التهديد‪.‬‬
‫ق��د يرى البعض ف��ي هذا الكالم ش��يء من العاطف��ة‪ ،‬وهذا صحيح‪،‬‬
‫وال ميك��ن أن نتج�� ّرد م��ن ه��ذه العواط��ف كل ّي��ا‪ ،‬ونحن ن��رى تونس‬
‫اجلريح��ة واملخال��ب ُتنش��ب ف��ي جس��دها الضعي��ف املنهك ببس��بب‬
‫األوضاع السياس ّية واالقتصاد ّية الصعبة التي مررنا بها‪ ،‬ورغم ذلك‬
‫بالصراعات‬
‫يجد بعض أبنائها من الس��عة ما يس��مح لهم باالنشغال‬
‫ّ‬
‫السياس�� ّية ب��دل االنصه��ار في وح��دة وطني��ة ص ّماء حلماي��ة بالدنا‬
‫ومستقبلها ومستقبل أبنائها‪.‬‬
‫أتوجه إلى هذه النخب ألطلب منها وعيا بدقة وخطورة املرحلة‪..‬‬
‫لن‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫الكف عن الرقص على‬
‫أتوجه إلى أشباه االعالميني ألطلب منهم‬
‫ولن‬
‫ّ‬
‫الدماء واألشالء‪..‬‬
‫أي طلب‪..‬‬
‫ولن أطلب من شخص أو جهة أو ت ّيار ّ‬
‫فقط س��أتوجه إلى الشعب التونس��ي العظيم ألع ّزيه في من ُفقد من‬
‫أبنائ��ه‪ ،‬وألقول له إ ّنك أنت احلصن احلص�ين وأنت املالذ األخيرإذا ما‬
‫داهمتن��ا النوائب‪ ..‬فقد أثبتّ أ ّنك أوعى م��ن نخبك وأحرص منهم على‬
‫بلدك وأ ّنك بفطرتك وحدس��ك املباش��ر ووعيك اجلمعي الذي ال يخطئ‬
‫ مصداقا لقوله صلى الله عليه وسلم "ال جُتمع أمتي على ضالل" ‪-‬‬‫عرفت كيف تف ّوت الفرصة على كل املتر ّبصني بنا ملّا رفضت اإلنخراط‬
‫ف��ي مخططات اإلنق�لاب القائمة على اإلرباك والفوض��ى‪ ،‬وأنت اليوم‬
‫ مبع ّي��ة أجهزت��ك األمن ّية ووحداتك العس��كر ّية – قادر على إفش��ال‬‫ّ‬
‫املخططات التي تس��تهدف أمننا واستقرارنا ومستقبلنا ومستقبل‬
‫كل‬
‫أبنائنا‪ ،‬وتريد جرنا إلى الفوضى التي حترق املنطقة‪..‬‬