المطرب ابن دحية .pdf



Nom original: المطرب - ابن دحية.pdfTitre: صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة Auteur: RAMZI

Ce document au format PDF 1.4 a été généré par Microsoft® Word 2013, et a été envoyé sur fichier-pdf.fr le 08/02/2016 à 13:06, depuis l'adresse IP 41.251.x.x. La présente page de téléchargement du fichier a été vue 770 fois.
Taille du document: 1.3 Mo (49 pages).
Confidentialité: fichier public


Aperçu du document


‫المطرب من أشعار أهل المغرب‬
‫ابن دحية‬
‫الفهرس‬
‫المقدمة‬
‫الرمادي‬
‫بن فرج الجياني‬
‫أمة العزيز‬
‫المعتمد بن عباد‬
‫والدة‬
‫حفصة بنت الحاج‬
‫ابنة زياد المؤدب‬
‫الحكم المستنصر‬
‫المعتضد بن عباد‬
‫السلطان المتوكل على هللا‬
‫السلطان المعتصم باهلل‬
‫الملك الراضي باهلل أبو خالد‬
‫ابن رزين‬
‫المسيلي‬
‫أبو عبد هللا ابن قاضي ميله‬
‫القالنسي‬
‫الخوالني‬
‫القلعي‬
‫ابن حمديس‬
‫ابن رشيق‬
‫الجذامي‬
‫المرواني الطليق‬
‫ابن الزقاق‬
‫الخفاجي‬
‫ابن وهبون‬
‫ابن محمد البتي‬
‫أبو القاسم األسعد بن إبراهيم‬
‫أبو حفص ابن برد‬
‫اليكّي‬
‫الغزال‬
‫ابن عبد ربه‬
‫ابن دراج القسطلي‬
‫ابن هشام‬
‫ابن شهيد‬
‫ابن زيدون‬
‫ابن عمار‬
‫ابن الحاج‬
‫ابن اللبانة‬
‫ابن عبدون‬
‫علي بن إسماعيل الفهري‬
‫بنو القبطرنه‬
‫ابن أبي الخصال‬
‫ابن الجد‬
‫ابن هانيء‬
‫ابن عبد الولي البتي‬
‫ابن حسداي‬
‫ابن الفخار‬
‫ابن بقي‬
‫العبدري‬
‫ابن حبوس‬
‫أبو بكر محمد‬
‫ابن سعيد األوسي‬
‫أبو محمد القاسم بن عبد الرحمن‬
‫ابن زرقون‬
‫الشاطبي‬
‫السهيلي‬

‫مقدمة‬
‫بسم هللا الرحمن الرحيم‪ ،‬وبه نستعين‬
‫الحمد هلل الذي شرفنا باللسان العربي‪ ،‬وجعلنا من أمة سيد ولد آدم محمد النبي األُمي‪ ،‬الداعي إلى طريق الواضح الجلي‪ .‬صلى هللا عليه‬
‫سنِّّمين من الفضل صهوة المنصب الع لي‪ ،‬ما ولي األرض بعد وسم الوسمى سلطان الولي‪ ،‬ونم بأسرار الرياض نسيم شذاها‬
‫وعلى آله ال ُمت َ َ‬
‫الذكي‪.‬‬
‫أما بعد‪ .‬فإن موالنا سلطان العرب والعجم‪ .‬عز الملوك العصرية؛ ومالك فضيلتي السيف والقلم‪ .‬وملك اليمن والشام والديار المصرية؛ أبا‬
‫المعالي أبا المظفر محمدا ً الكامل‪ ،‬الكامل األوصاف‪ ،‬ال برحت ببقائه الممالك مهتزة األعطاف‪ .‬معتزة األطراف؛ تقدم إلى أمره المطاع‪،‬‬
‫الواجب له على من الجهد غاية ما يستطاع؛ أن أجمع له ما أجتمع عندي من األناشيد‪ ،‬التي رويتها عن شعراء األندلس وسائر المغرب‬
‫بأقرب األسانيد‪ .‬فجمعت منها لخدمة مقامة العالي ما يؤكل بالضمير ويشرب‪ ،‬ويهتز عند سماعه ويطرب؛ في الغزل والنسيب‪ ،‬والوصف‬
‫والتشبيب؛ إلي غير ذلك من مستطرفات التشبيهات المستعذبة‪ ،‬ومبتكرات بدائع بدائه الخواطر المستغربة‪ .‬ولمح سير ملوك المغرب وملح‬
‫أخبار أدبائه‪ ،‬ورقيق معان كتابه وجزل ألفاظ خطبائه‪ .‬وبالجملة فقد نثلت في هذا المجموع كنانة محفوظاتي في المعارف األديبة‪ ،‬ولم أخله‬
‫من أخير ذخائر ما التقطته من أفواه مشايخي من مشكل علمي الغريب والعربية‪ .‬إال أني لم اقصد جمع ذلك على الترتيب‪ .‬وال سلكت فيه‬
‫مسلكي المعهود في التبويب والتهذيب‪ .‬بل استرسلت فيه مع الخاطر على ما يجود به ويسمح‪ ،‬ويعن له ويسنح‪ .‬فالناظر فيه يسرح في‬

‫بساتين‪ ،‬ويمرح في ميادين؛ ويخرج من فن إلى فنون‪ ،‬والحديث ذو شجون‪.‬‬
‫أبو عمر يوسف بن هارون الرمادي‬
‫ً‬
‫أنشدني غير واحد من شيوخي‪ ،‬رحمهم هللا‪ ،‬منهم الشيخ الفقيه األجل قاضي الجامعة األجزل‪ .‬أبو الحسن علي بن عبد الرحمن‪ ،‬لفضا بمنزله‬
‫بمدينة ت لمسان‪ ،‬قال‪ :‬أنشدنا الفقيه اإلمام العالم أبو عمران موسى بن عبد الرحمن " بن خلف بن موسى " ابن أبي تليد الشاطبي‪ ،‬قال‪:‬‬
‫أنشدنا اإلمام الحافظ أبو عمر بن عبد البر قال‪ :‬أنشدنا مقدم شعراء األندلس‪ :‬أبو عمر يوسف بن هارون الرمادي لنفسه‪ ،‬وتوفي سنة ثالث‬
‫وأربعمائة‪:‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ان‬
‫ن‬
‫س‬
‫و‬
‫ر‬
‫ي‬
‫غ‬
‫رقيب‬
‫على‬
‫@‬
‫هوى‬
‫ل‬
‫ا‬
‫فيها‬
‫وليلة‬
‫راقبتُ‬
‫ْ‬
‫ِّ ِّ‬
‫ِّ‬
‫ح ما ت َِّنزل عن راحَتي @ وقتا ً وعن َراح ِّة نَ ْد َماني‬
‫والرا ُ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َّ‬
‫ورب يوم قيظه ُمنِّضج @ كأنه أحشا ُء ظمآن‬
‫شحَه @ َ‬
‫أب َ‬
‫ْرز في خدَّيه لي ر ْ‬
‫سان‬
‫س ْو َ‬
‫طالًّ على َورد و َ‬
‫فكان في ت َحليل ْ‬
‫ألف شَيطان‬
‫راره @ أ ْقو َد لي من ِّ‬
‫أز ِّ‬
‫فُتِّّحت الجنّةُ من جَيبه @ فبِّتُّ في دَعوة ِّرضوان‬
‫ُمرو َءة في ال ُحب ت َ ْنهى ْ‬
‫بأن @ نُجاه َِّر هللا بعصيان‬
‫قال ذو النسبين‪« ،‬ض»‪ :‬لقد أحسن هذا الشاعر ما شاء من اإلحسان‪ ،‬ال سيما في قوله " تنهى بأن نجاهر هللا بعصيان "‪.‬‬
‫أبو عمر الجياني‬
‫أحمد بن محمد بن فرج الجياني‬
‫ومن مليح هذا الباب‪ ،‬أعني االتصاف بالعفاف‪ ،‬قول األديب اللغوي النحوي‪ ،‬أبي عمر أحمد بن محمد بن فرج الجياني‪ ،‬صاحب كتاب‬
‫الحدائق‪ ،‬ألفه للحكم المستنصر باهلل‪ ،‬وعارض به كتاب الزهرة ألبي بكر محمد بن داود بن علي األصبهاني‪ ،‬إال إن أبا بكر إنما ذكر مائة باب‬
‫في كل باب مائة بيت‪ ،‬وأبو عمر أورد مائتي باب في كل باب مائتا بيت‪ ،‬ليس منها باب تكرر أسمه ألبي بكر‪ ،‬ولم يورد فيه لغير أندلسي‬
‫شيئاً‪.‬‬
‫قال الحميدي في جذوة المقتبس له‪ :‬قال لنا أبو محمد علي بن أحمد‪ " :‬وأحسن االختيار ما شاء وأجاد فبلغ الغاية‪ ،‬فآتى الكتاب فردا ً في‬
‫معناه "‪ .‬فمن قوله‪:‬‬
‫ُكر ال َّ‬
‫الرقَا ِّد‬
‫طيف أم ُ‬
‫شك ِّْر ُّ‬
‫بأيِّّهما أنا في الشُّكر بادِّي @ بِّش ِّ‬
‫ْ‬
‫عفَ ْفتُ فلم أَنَل منه ُمرادي‬
‫فأرادَه أ َملي‬
‫ولكن @ َ‬
‫َ‬
‫سرى َ‬
‫وما في النَّوم من حَرج ولكن @ جريتُ من العفَاف على اعتيادي‬
‫لكن أخذه من قول المتنبي‪:‬‬
‫َي ُر ُّد يدا ً عن ثوبها وهو قَادر @ و َيعصى الَهوى في َ‬
‫طيفها وهو َراقد‬
‫وأنشدوني أيضا ً ألبي عمر الرمادي المذكور‪:‬‬
‫ً‬
‫َ‬
‫أحما َمة فوق األراكة بَيِّّني @ بحيَاة من أبكاكِّ ما أبكاكِّ‬
‫ت كذاك‬
‫ِّراق من أهوى أ َ أَن ِّ‬
‫أ ّما أنا فبكيتُ من ُح َرق الهوى @ وف ِّ‬
‫أمة العزيز‬
‫وأنشدني أخت جدي الشريفة الفاضلة‪ ،‬أمة العزيز‪ ،‬ابنة ا لشريف األجل العالم أبي محمد العزيز ن الحسن بن اإلمام العالم أبي البسام موسى‬
‫بن عبد هللا ابن الحسين بن جعفر الزكي بن علي الهادي بن محمد الجواد بن علي الرضي بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر‬
‫بن علي زين العابدين بن الحسين الشهيد‪ ،‬سيد شباب أهل الجنة‪ ،‬ابن أم أبيها فاطمة الزهراء البتول‪ ،‬سيدة نساء أهل الجنة‪ ،‬صلى هللا على‬
‫أبيها وعليها‪ ،‬ورضي هللا عن بعلها وبنيها‪:‬‬
‫ظكُم ت َجر ُحنا في ال َحشَى @ ولح ُ‬
‫لِّحا ُ‬
‫ظنَا يجرح ُك ْم في الخدو ْد‬
‫جر َح الصُّدو ْد‬
‫ُجرح بجرح فاجعلوا ذَا بذَا @ فما الذي أوج َ‬
‫َب ْ‬
‫المعتمد بن عباد‬
‫وأنشدونا للمعتمد على هللا أبي القاسم محمد ملك إشبيلية‪ ،‬وابن ملكها عباد‪:‬‬
‫لكِّ هللاُ كم أودعت قَلبي أسهما ً @ وكم لكِّ ما بين الجوانح من َك ْلم‬
‫لحا ُ‬
‫س ْلمِّى‬
‫ظكِّ طو َل الدّهر حرب ل ُمهجتي @ أال رحمة ت َئنيك يوما ً إلى َ‬
‫والدة‬
‫وحدثني القاضي العدل أبو القاسم خلف بن عبد الملك بن بشكوال األنصاري‪ ،‬بقراءتي عليه بقرطبة أم بالد األندلس؛ في العشر اآلخر من‬
‫صفر سنة أربع وسبعين وخمسمائة‪ ،‬قال في كتاب الصلة له‪ :‬والدة بنت المستكفي باهلل؛ أمير المؤمنين‪ ،‬محمد بن عبد الرحمن بن عبيد هللا‬
‫بت الناصر عبد الرحمن بن محمد المرواني‪ ،‬من بني أمية بأند لسي؛ أديبة شاعرة؛ جزلة القول‪ ،‬حسنة الشعر؛ وكانت تخالط الشعراء‬
‫وتساجل األدباء‪ ،‬وتفوق البرعاء‪ .‬سمعت شيخنا أبا عبد هللا جعفر بن محمد بن مكي رحمة هللا‪ ،‬يصف نباهتها وفصاحتها وحرارة نادرتها‬
‫وجزالة منطقها وقال لي‪ :‬لم يكن لها تصاون يطابق شرفها‪.‬‬
‫وذكر لي أنها أتته م عزية له في أبية إذ توفي رحمه هللا سنة أربع وسبعين وأربعمائة‪ ،‬وتوفيت رحمها هللا يوم مقتل الفتح بن محمد بن عباد‬
‫يوم األربعاء لليلتين خلتا من صفر سنة أربع وثمانين وأربعمائة‪ ،‬ولم تتزوج قط‪ ،‬وعمرت عمرا ً طويالً إلى أيام المعتمد قال ذو النسبين‬
‫«ض»‪ :‬كانت الحسيبة وال دة في زمانها واحدة أوانها‪ ،‬حسن منظر ومخبر‪ ،‬وحالوة مورد ومصدر‪ ،‬وكان مجلسها بقرطبة؛ منتدى احرار‬
‫المصر‪ ،‬وفناؤها ملعبا ً لجياد النظم والنثر‪ ،‬يعشو أهل األدب إلى ضوء غرتها‪ ،‬ويتهالك أفزاد الشعراء والكتاب على حالوة عشرتها‪ ،‬إلى‬
‫سهولة حجابها‪ ،‬وكثرة منتابها؛ تخلط ذلك بعلو نصاب‪ ،‬وسمو أحساب؛ على أنها ‪ -‬سمح هللا لي ولها‪ ،‬وتغمد زللي وزللها ‪ -‬اطرحت‬
‫التحصيل‪ ،‬وأوجدت إلى القول فيها السبيل؛ بقلة مباالتها‪ ،‬ومجاهرتها للذاتها‪ .‬كتبت ‪ -‬زعموا ‪ -‬على عاتقي ثوبها‪:‬‬
‫أَنَا وهللاِّ أصلُ ُح للمعالي ِّ @ وأمشى مِّ شيَتِّي وأتيهُ تِّيهَا‬
‫ص ْحن َخدّي @ وأُعطِّ ى قُبلتي من يَ ْ‬
‫شت َهيها‬
‫وأُمكُن عاشقي من َ‬
‫وكتبت إلى ذي الوزارتين أبي الوليد أحمد بن عبيد هللا بن أحمد بن زيدون المخزومي القرطبي‪:‬‬
‫ترقَّب إذا جنَّ ال َّ‬
‫سِّر‬
‫ظال ُم ِّزيارتي @ فإني رأيتُ الّلي َل أ َكت َم للّ ّ‬

‫س ِّر‬
‫و ِّبي مِّ نك ما لو كان بالبَدْر ما بَدا @ وبالليل ما أ ْدجَى وبالنَّجم لم يَ ْ‬
‫إلى أن يقول ابن زيدون‪ :‬وتبنا بليلة نجتني أقحوان الثغور‪ ،‬ونقطف رمان الصدور‪ ،‬فلما انفصلت عنها صباحا‪ ،‬أنشدتها ارتياحا‪:‬‬
‫سره ما استودَعكْ‬
‫ودَّع ال َّ‬
‫صبْر محٌّب و َّدعَك @ ذائِّعا ً من ّ‬
‫َ‬
‫شيَّعَك‬
‫سن على أن لَم يكُن @ زا َد في تِّلك ال ُخطا إذ َ‬
‫يقَ ُرع ا ِّلّ َّ‬
‫َ‬
‫سنًى @ َح ِّفظ هللا َزمانا ً أطلَعك‬
‫سنَا ًء و َ‬
‫يا أ َخا البدر َ‬
‫إن ي ُ‬
‫طل بَعدَك ليَلِّى فلَكَم @ ِّبتُّ أشكُو قِّص ََر الَّلي ِّل َمعَك‬
‫وله يتعزل فيها‪:‬‬
‫ْ‬
‫ً‬
‫ستْك دنياكَ عبدا ً أنت موال ُه‬
‫ن‬
‫أ‬
‫@‬
‫ه‬
‫مثوا‬
‫القلب‬
‫وضمير‬
‫ا‬
‫نازح‬
‫يا‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ألهْتك عنه فُكاهات ت َلذُّ بها @ فليس يَجري ببال منك ذِّكراه‬
‫ع َّل اللّيالي ت ُبقِّّيني إلى أمد @ ال ّدهُر يعلم واأليّام معناه‬
‫َ‬
‫وله فيها‪:‬‬
‫المغرب @ قد ضاقَ بي في ُحبِّّكَ المذهب‬
‫يا قَمرا ً مطلعُه‬
‫ُ‬
‫ست َعذب‬
‫فأنَّ من أعجب َما َم َّر ِّبي @ أنَّ عَذابي فيك ُم ْ‬
‫ألز ْمت َ ْني الذّنَب الذي جئْته @ صَدقتَ فأصفح أيُّها المذنب‬
‫وقال‪:‬‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ما با ُل خ ّدِّك ال يَزال ُمض ََّرجا @ بدم ولحظك ال يزا ُل ُم ِّريبَا‬
‫وقال فيها‪:‬‬
‫عطُ ِّل‬
‫َحلَّيْتني ب ُحلًى أصبحت زاهية @ بها على ّكِّل أنثى من ُحلًى ُ‬
‫س ِّقيَتْ @ من الفُرات فرقَّت ِّرقَّةَ الغَ َزل‬
‫هلل أخالقُكِّ الغُ ُّر التي ُ‬
‫َ‬
‫أشبهت في الشّعر من َ‬
‫ْ‬
‫َتْ‬
‫ارتْ‬
‫س ِّن ال ُمثل‬
‫أح‬
‫من‬
‫د‬
‫غ‬
‫و‬
‫َدت‬
‫ج‬
‫ن‬
‫وأ‬
‫@‬
‫بدائعه‬
‫َ‬
‫غ َ‬
‫ِّ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َّ‬
‫َ‬
‫من كانَ َوالد ُه الع ْ‬
‫سل‬
‫واأل‬
‫ض‬
‫ي‬
‫ب‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ر‬
‫ي‬
‫غ‬
‫سل‬
‫ن‬
‫ال‬
‫من‬
‫د‬
‫ل‬
‫ي‬
‫@‬
‫م‬
‫ل‬
‫د‬
‫ن‬
‫ه‬
‫الم‬
‫ب‬
‫َّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ض َ‬
‫َ ِّ ِّ‬
‫حفصة بنت الحاج‬
‫من بشرات غرناطة‪ ،‬رخيمة الشعر‪ ،‬رقيقة النظم والنثر‪ .‬أنشدني لها غير واحد من أهل غرناطة‪:‬‬
‫ق عن ُخب ِّْر‬
‫ثَنائي على الثَّنَايا ألنَّني @ أقو ُل على ِّع ْلم وأنِّط ُ‬
‫ش ْفتُ بها ريقا ً ألذ من الخمر‬
‫وأ ُ ْنصفُها ال‬
‫أكذب هللا أنَّني @ َر َ‬
‫ُ‬
‫ابنة زياد المؤدب‬
‫من أهل مدينة وادي آش‪ ،‬أنشدني األديب أبو عبد هللا محمد بن عيل الهمذاني قال‪ ،‬أنشدتني لنفسها‪:‬‬
‫أسراري بوادي @ به للحسن آثار بَوادِّي‬
‫أبا َح الدّم ُع‬
‫ِّ‬
‫ومن بين ال ِّ ّ‬
‫ظبَاء َمهاةُ ر ْمل @ تبدَّت لي وقد َملَكَتْ قِّيَادي‬
‫س َدلَت ذَ َوائِّبَها عليْها @ رأيتَ الصُّبح أشْرقَ في الدَّآدي‬
‫إذا َ‬
‫تخا ُل البدر َماتَ له َخليل @ فمن ُح ْزن ت َسربَ َل بالحِّ داد‬
‫لها لحظ ت َُرقِّّدُه ألمر @ وذاك األ ُمر يَمنَعُني ُرقَادِّي‬
‫الد آدي‪ :‬ثالث ليال من آخر الشهر‪ ،‬هكذا قال اإلثبات من الغويين‪ .‬وقال أحمد بن يحيى ثعلب‪ :‬يقال لليوم الذي يشك فيه من الشهر الحرام‪:‬‬
‫دأداء‪.‬‬
‫الحكم المستنصر‬
‫وأنشدونا الخليفة األندلسي‪ ،‬الحكم المستنصر باهلل صاحب الفتوحات العظيمة‪ ،‬والمعرفة بالعلوم الحديثة والقديمة‪ ،‬كتب به إلى مصر‪:‬‬
‫كيف تب َّدلَتْ @ بنا ال َّداُر أو دَارت علينا الدَّوائ ُر‬
‫ألسنَا بني َمروان َ‬
‫األرض وأهت َّزت إليه المنَا ِّب ُر‬
‫إذا ُولد المولو ُد منّا تهلَّلَت @ له‬
‫ُ‬
‫وتوفي يوم السبت لثالث خلون من صفر سنة ست وستين وثالثمائة‪ ،‬وقد انقرض عقبه‪.‬‬
‫المعتضد بن عباد‬
‫وأنشدونا للس لطان المعتضد باهلل أبي عمرو عباد بن محمد بن إسماعيل بن قريش ابن عباد اللخمي‪ .‬والمعتضد هذا هو قطب رحى الفتنة‪،‬‬
‫ومنتهى غاية المحنة؛ لم يثبت له قائم وال حصيد وال سلم من سيفه قريب وال بعيد‪:‬‬
‫ق‬
‫شَربنا وجفنُ الليل يَغس ُل كُحلَه @ بماء صباح والنسيْم رقي ُ‬
‫ِّجارها @ فضخم وأما جس ُمها فدقيق‬
‫معَّتقة صفرا َء أ ّما ن ُ‬
‫وقال يخاطب الملك أبا الجيش مجاهد بن عبد هللا‪ ،‬صاحب الجزائر ومدينة دانية‪ .‬ويقال إنها من أبيات لكاتبه ذي المعارف والفنون‪ ،‬أبي الوليد‬
‫ابن زيدون‪:‬‬
‫خِّ لّي ِّ أبَا الجيش هل يُ ْقضَي اللقا ُء لَنا @ فَيَ ْ‬
‫شتَفِّى منك طرف أنتَ ناظِّ ُرهُ‬
‫ش َّ‬
‫المزار بنا والدّار دانية @ يا حبّذَا الفأ ُل لو صحَّت زوا ُجره‬
‫ط‬
‫ُ‬
‫قال ذو النسبين‪« ،‬ض» ‪ :‬قوله " و الدار دانية " من مليح التورية‪ ،‬وهي ضرب من صنعة البديع‪ ،‬ودانية‪ :‬مدينة‪ :‬مدينة كبيرة بشرق‬
‫األندلس‪ ،‬وهي مشتقة من‪ :‬دنا يدنو‪ :‬إذا قرب‪.‬‬
‫وأنشدني شيخ اإلتقان‪ ،‬وواحد أسانيد الفرقان‪ ،‬أبو العباس أحمد ابن عبد الرحمن اليافعي ‪ -‬ويافع بلياء المثناة باثنتين من أسفل‪ ،‬قبيلة من‬
‫رعين ‪ -‬قال‪ :‬أنشدني األستاذ المقري‪ :‬أبو داود سليمان بن يحيى‪ ،‬قال‪ :‬أنشدنا األستاذ األعلى أبو الحسن علي بن عبد الغني الفهري‬
‫الحصري القيرواني المكفوف قال‪ :‬دخلت على السلطان المعتمد على هللا أبي القاسم محمد بن المعتضد باهلل‪ ،‬حين مات أبوه‪ ،‬فأنشدته‬
‫ارتجاالً‪:‬‬
‫ع الكري ُم‬
‫مات عبّاد ولكن @ بَقَي ِّ الفر ُ‬
‫َي @ غير أنَّ الضَّا َد مِّ يم‬
‫فكأنّ الميْتَ ح ٌّ‬
‫ونسبه‪ :‬محمد بن عباد بن محمد بن إسماعيل بن قريش بن عباد بن عمرو ابن أسلم بن عمرو بن عطاف بن نعيم‪ .‬وعطاف ونعيم هما‬

‫الداخالن باألندلس‪:‬‬
‫مِّ ن بني المنذرين وهو اِّنت َساب @ زا َد في فخره بنو عّبا ِّد‬
‫فئة لم ت َل ِّد سواها ال َمعَالي @ والمعالي قليلَةُ األوالد‬
‫وهذا النسب يطرد اطراد الشآبيب‪ ،‬ويتسق اتساق األنابيب‪ ،‬إلى مركز الدائرة من لخم‪ ،‬وإلى قنص بن معد من ابنه عجم‪ .‬ولد رحمه هللا بمدينة‬
‫باجة‪ ،‬سنة إحدى وثالثين وأربعمائة‪ .‬وولي سنة إحدى وستين‪ ،‬وخلع سنة أربع وثمانين‪ ،‬وتوفي رحمه هللا في شوال إلحدى عشرة ليلة‬
‫خلت منه سنة ثمان وثمانين وأربعمائة‪ .‬وخلع عن ثمانمائة امرأة‪ ،‬أمهات أوالد‪ ،‬جواري متعة‪ ،‬وإماء تصرف‪ .‬وملك من البالد بين مدن‬
‫وحصون مائتي مسور‪ ،‬وإحدى وثالثين مسورا‪ .‬وقد ذكرها الوزير أبو بكر محمد بن عيسى بن محمد اللخمي‪ ،‬الداني ‪ -‬يعرف بابن اللبانة ‪-‬‬
‫في كتاب نظم السلوك‪.‬‬
‫وأنشدونا للمعتمد‪ ،‬وقد ناوله بعض نسائه كأس بلور مترعا شرابا‪ ،‬ولمع البرق فارتاعت‪ ،‬فقال بديهة‪:‬‬
‫البرق وفي كفِّّها @ برق من القهوة ل َّماعُ‬
‫ِّريعت من ِّ‬
‫َمس الضّحى @ كيف من‬
‫األنوار ت َْرت َاعُ‬
‫ِّ‬
‫يا ليت شعري وهي ش ُ‬
‫وأمر األديب المصيب أبا محمد عبد لجليل بن وهبون بإجازة البيت األول‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫ولن ت َرى أعجب من أنس @ من مثل ما يُ ْمسِّكُ يَ ْرت َاعُ‬
‫وهذا من ن وادر الخواطر‪ ،‬وليس ينكر على هذا الشاعر‪ .‬فمن جودة شعره ترتيب اللفظ فيه مع جودة معانيه‪ ،‬أولها المطابقة بلفظتي األنس‬
‫واالرتياع‪ ،‬وتشبيه لمعان البرق يلمعان الخمر‪.‬‬
‫وقال المعتمد في السلطان عباد أبيه‪ ،‬من قصيدة كبير يمدحه فيه‪:‬‬
‫اآلالف‪ ،‬مبتدئا @ ويستق ُّل عطاياه ويعتذ ُر‬
‫سميدع يهب‬
‫َ‬
‫له يد ك ُّل جبّار يقبِّّلها @ لوال نَدَاها لقلنا إنَّها الحج ُر‬
‫يريد الحجر األسود الذي يجب تقبيله على جميع الطائفين بالمسجد الحرام‪ ،‬على ما ثبت عن رسول هللا «ص»‪ .‬والسميدع‪ ،‬بفتح السين في‬
‫لغة العرب‪ :‬السيد‪.‬‬
‫وفضل يده على الحجر بما خصت به من الندى‪ ،‬وكثرة الجدي‪ ،‬ففضل يد الممدوح على الحجر األسود وهذا من باب غلو الشعراء وإيغالهم‪،‬‬
‫فيما ينمقون من زخارف أقوالهم؛ فشتان بين يديه وبين الحجر األسود في الممات والمحيا‪ ،‬ألنه يشهد يوم القيامة لمن استلمه في الدنيا‪،‬‬
‫وينال بذلك عند هللا جل جالله المنزلة العليا‪.‬‬
‫وقال أيضا ً في أبيه يسترضيه‪:‬‬
‫موالي أشكو إِّليك دا ًء @ أصبح قلبي به قَريحَا‬
‫َ‬
‫الرضا َمسيحا‬
‫سخطك قد زادني َ‬
‫ُ‬
‫إلى ّ‬
‫سقَاما @ فأبعث ّ‬
‫فقوله " مسيحا ً " من القوافي التي يتحدى بها‪ ،‬لصعوبتها على من راماه وأدخلها هو في بابها‪ ،‬إذ كان المسيح بن مريم يشفي من العلل‬
‫وأصابها‪.‬‬
‫وأدخل عليه يوما ً بعض فتيانه باكورة نرجس‪ ،‬فكتب إلى ابن عمار يستدعيه‪:‬‬
‫قَد زارنا النَّ‬
‫ِّى‬
‫ُ‬
‫رجس الذَّ ُّ‬
‫كي @ وحانَ من يومنا العَش ُّ‬
‫ي‬
‫ونحنُ في مجلس أنيق @ وقد ظمِّ ئ َنا وثَّم ِّر ُّ‬
‫مى‬
‫ولي نديم غدا س ِّ ّمي @ يا ليت َه ساعد ال َّ‬
‫س ُّ‬
‫فأجابه ذو الوزارتين أبو بكر محمد بن عمار‪:‬‬
‫َّ‬
‫َّ‬
‫ِّي‬
‫الر ُ‬
‫لبّيك لبّيك من ُمناد @ له الندى ّ‬
‫حب والند ُّ‬
‫سنِّ ُّي‬
‫ها أنا بالباب عب ُد قِّن @ قِّ ْبلَت ُه وج ُهك ال َّ‬
‫شرفته أنتَ والنَّب ُّي‬
‫شرفه والداهُ باسم @ َّ‬
‫َّ‬
‫وكتب أيضا ً إلى أبي بكر بن عمار‪:‬‬
‫َ‬
‫ور َد ْدت َه لما ا ْنص ََر ْفتَ عليه‬
‫@‬
‫ناظري‬
‫عن‬
‫الكرى‬
‫نأى‬
‫أ‬
‫ن‬
‫ا‬
‫م‬
‫ل‬
‫يتَ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫لبشير بشارةً يُجزي بها @ فرهبتُ قلبي واعتذرت إليه‬
‫طلب ا‬
‫ُ‬
‫أنا استحسن قول أبي فراس لسيف الدولة‪:‬‬
‫الرسول‬
‫نفسي فداؤكَ قد بَعَ ْث @ تُ بِّعُهْدتِّي بيد ّ‬
‫شِّر بالمقبول‬
‫وجعلتُ ما ملكت يَدي @ صلَة المب ّ‬
‫وقال ابن عباد‪:‬‬
‫ً‬
‫َ‬
‫تظنّ‬
‫الرحم ُن ذَ ْنبا ً ت ُواقِّعُ ْه‬
‫ر‬
‫ف‬
‫غ‬
‫أال‬
‫@‬
‫سآمة‬
‫بيع‬
‫الر‬
‫م‬
‫أ‬
‫بنا‬
‫ّ‬
‫ُّ ّ‬
‫در تمام في ُجفوني َمطالعه‬
‫أ‬
‫أهجر ظبيا ً في فؤادي كنا ُ‬
‫سه @ و َب َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ُ‬
‫عدوا تق ِّارعه‬
‫إذا هَجرتْ كفِّى نواال ت ُفيضه @ على ُمعنفيها أو ّ‬
‫وقال‪:‬‬
‫أ ْكث َ ْرتَ هَجري غير أنّك ربّما @ عط ْفتك أحيانا علّى أمو ُر‬
‫فكأنّما زمنُ الت َّها ُجر بيننا @ ليل وساعاتُ الوصا ِّل بدُور‬
‫وقال‪:‬‬
‫َّ‬
‫سنُه @ فظ َّل ال َيع ِّد ُل في ُحكْمه‬
‫ح‬
‫هجتي‬
‫م‬
‫في‬
‫ه‬
‫م‬
‫ك‬
‫ح‬
‫ُ ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ب ال يُجْ َزي على ظُ ْلمِّه‬
‫ْأفدِّيه ما ينفعكُّ لي ظالما @ يا َر ّ‬
‫وله في جارية تسمى بوداد‪ ،‬وقد سافر عنها إلى تفقد بعض البالد‪:‬‬
‫الكأس في ِّودَا ِّد ودا ِّدكْ @ وتأنَّس بذكرها في انفِّراِّدكْ‬
‫اشرب‬
‫َ‬
‫ِّ‬
‫سواِّد فُؤادك‬
‫قَمر غاب عن ُجفونك َم ْرآ @ هُ وسُكناهُ في َ‬
‫وقال من أبيات في فتاة يوم وداعها‪ ،‬عند تفطر كبده وانصداعها‪:‬‬
‫ول ّما التقينا للودَاعِّ ُ‬
‫غ َديَّةً @ وقد َخفَقَت في ساحة القصب راياتُ‬

‫بكينَا دما ً حتى كأنّ عُيونَنَا @ لجرى الدّموع ال ُحمر منها جراحاتُ‬

‫من هذا الباب قول اآلخر‪:‬‬
‫ً‬
‫يرعف‬
‫بكيت دما حت ّى لقد قال قائل @ أهذا الفتى من جفن عينيه‬
‫ُ‬
‫ومن شعره الحسن وغرضه المستحسن‪:‬‬
‫ب ساق ُمهفهف َ‬
‫ب‬
‫ور َّ‬
‫غنِّج @ قام ليَسقى فجاء بالعَ َج ِّ‬
‫ُ‬
‫أبْدى لنا من لطيف حِّ كمته @ في جامِّ د الماء ذائ َب الذَّهب‬
‫قال ذو النسبين‪« ،‬ض»‪ :‬أكثر الشعراء من وصفها بذوب الجامد‪ ،‬ووصف كأسها بجامد الذائب‪ ،‬فمن ذلك‪:‬‬
‫صر الخصر أهيف الق ّد‬
‫الَح وفاحت روائ ُح النّ ِّد @ ُمهْت ُ‬
‫ْ‬
‫ذائب ال َو ْر ِّد‬
‫وكم سقاني واللّي ُل معتكر @ في جام ِّد الماء‬
‫َ‬
‫وقال الصنوبري‪:‬‬
‫ب‬
‫أقو ُل‬
‫والكأس على فِّيه قَد @ ص ََّوبها كالكوب الصَّائِّ ِّ‬
‫ُ‬
‫وجس ُمها من ذهب جامد @ ورو ُحها من ذهب ذائب‬
‫ذَا كوكب يغُرب في كَوكب @ ويْلي ِّ من ال َّ‬
‫طالِّع الَ الغَ ِّارب‬
‫ومما يقارب هذا الباب ما يروى من قول كسرى‪ :‬ليست أدري‪ ،‬هل التفاح خمر جامد أم الخمر تفاح ذائب؟ أخذه الخليع‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫ح تفّاح جرى ذائِّبا ً @ كذلك التُّفَّاح راح جَم ْد‬
‫الرا ُ‬
‫ّ‬
‫فأشرب على جامده ذَ ْوبَه @ وال ت َد ْع لذَّةَ يوم ِّلغدَ‬
‫وكل هذا من قول الشريف عبد هللا بن المعتز العباسي‪:‬‬
‫وخ ّمارة من بنات المجو @ ِّس ت َرى الدَّنَّ في بيتها شائالَ‬
‫سائال‬
‫وزنَّا لها ذهبا ً جامدا @ فكالت لنا ذهبا َ‬
‫وقال األستاذ أبو الحسن علي بن عبد الغني الحصري‪:‬‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫سك ريَّاُه خِّ تا ُم‬
‫ن‬
‫ها‬
‫ل‬
‫@‬
‫بكأس‬
‫ا‬
‫ي‬
‫ح‬
‫وقد‬
‫أقول لَه‬
‫مِّ مِّ ْ‬
‫َّ‬
‫الو ِّرد ال ُمدام‬
‫أمن َخدَّيك ت ُعصر قال كَّال @ متى عُصرت من َ‬
‫حدثني بهذا الشيخ اإلتقان‪ ،‬وواحد أئمة الفرقان‪ ،‬الفقيه األستاذ أبو العباس أحمد بن عبد الرحمن‪ ،‬سبط األستاذ المعزول‪ ،‬قال‪ :‬حدثني الفقيه‬
‫األستاذ أبو داود سليمان بن يحيى‪ ،‬قال‪ :‬سمعت الفقيه األستاذ أبا الحسن الحصري يقول‪.‬‬
‫قال ذو النسين «ض» ‪ :‬وسمعت الوزير الفقيه المحدث الكاتب العدل أبا عبد هللا محمد بن أبي القاسم بن عميرة‪ ،‬قال‪ :‬سمعت الوزير الكاتب‬
‫أبا نصر الفتح بن عبيد هللا القيسي ‪ -‬هو ابن خاقان ‪ -‬يقول‪ :‬أخبرني أب و بكر عيسى الداني‪ ،‬المعروف بابن اللبانة‪ ،‬أنه استدعاه المعتمد ليلة‬
‫إلى مجلس قد كساه الروض وشيه‪ ،‬وامتثل الدهر فيه أمره ونهيه؛ فسقاه الساقي وحياه‪ ،‬وسفر له األنس عن مونق محياه؛ فقام للمعتمد‬
‫مادحا‪ ،‬وعلى دوحة تلك النعماء صادحا؛ فاستجاد قوله‪ ،‬وأفاض عليه طوله؛ وصد ر وقد امتألت يداه‪ ،‬وغمره جوده ونداه‪ .‬فلما حل بمنزلة‬
‫رسوله بقطيع وكأس من بالر‪ ،‬قد أترعا بصرف العقار‪ ،‬ومعهما‪:‬‬
‫شيَات نَهار @ من نُورها وغِّاللَ ِّة البُالَّ ِّر‬
‫جاءتك ليالً في ِّ‬
‫لف من مِّ ِّ ّريخه @ إذ لَفَّه في الماء جذوةَ نَار‬
‫كال ُمشتري قد َّ‬
‫ف الجمو ُد لذا وذا فتألفَا @ لم يلق ِّض ٌّد ِّضدَّه ِّبنفار‬
‫لَ ْط َ‬
‫الرا ُءون في نَ ْعتيهما @ أصفا ُء ماء أو صفاء دراري‬
‫يتح ّير ّ‬
‫السلطان المتوكل على هللا‬
‫أبو محمد عمر‪ ،‬ابن السلطان عالم ملوك األندلس المظفر أبي بكر محمد بن عبد هللا بن مسملة‪ .‬وكان أعلمهم بالنسب وأيام العرب‪ ،‬وأجمعهم‬
‫لغرائب اللغ ات واألخبار ومحاسن األشعار‪ .‬وألف تأليفا بديعا في خمسين مجلدا‪ ،‬ينسب إليه‪ ،‬وقد طالعته‪ .‬وتوفي رحمه هللا بحضرة ملكة‬
‫مدينة بطليوس في منتصف شهر رمضان المعظم سنة ستين وأربعمائة‪ ،‬وهو ابن سبعين عاماً‪.‬‬
‫حدثني الوزير الكبير الحكيم الفقيه األديب النحرير‪ ،‬أبو بكر بن زهر قال‪ :‬حدثنا عظيم دولتهم ووزير مملكتهم العالم األوحد أبو محمد عبد‬
‫المجيد بن عبد اله بن عبدون القرشي الفهري قال‪ :‬سمعت السلطان المظفر رحمه هللا يقول‪ .‬فذكر تواليفه كلها دقها وجلها‪.‬‬
‫وأما ولده السلطان المتوكل على هللا‪ ،‬فله نثر تسري فيه رقة النسيم‪ ،‬ونظم يزري بالدر النظيم‪ ،‬مع جود وكرم وخيم؛ كما قال فيه ابن حنظلة‬
‫البطليوسي‪:‬‬
‫زعم‬
‫الناس أنّ حاتِّ َم طي @ ّ‬
‫ُ‬
‫أول في النّدَى وأنتَ الثّاني ِّ‬
‫س ْعدان‬
‫كذَب النّاس ليس ذاك صحيحا ً @ هو َم ْرعًى وليس كال َّ‬
‫وأما عدله فشاع في بالده وذاع‪ ،‬ومأل األصقاع والبقاع‪ .‬فمن قوله يستدعي الوزير أبا طالب بن غانم‪ ،‬أحد ندمائه ونجوم سمائه‪:‬‬
‫سقو َ‬
‫علَ ْينَا‬
‫ط النَّدى َ‬
‫أ ْق ِّب ْل أبَا طالب إلينا @ واسقُط ُ‬
‫س َ‬
‫ً‬
‫حاضرا لدَينا‬
‫فنحنُ عقد بغير ُو ْ‬
‫طى @ ما لم تكن ِّ‬
‫وحدثني الوزير الكاتب المحدث الفاضل أبو عبد هللا محمد بن أبي القاسم ابن عُميرة‪ ،‬قال‪ :‬سمعت الوزير الكاتب أبا نصر الفتح بن محمد بن‬
‫عبيد هللا بن خاقان يقول‪ :‬أخبرني الوزير أبو محمد بن عبدون أنه سايره إلى شنترين قاصية أرض اإلسالم‪ ،‬السامية الذُرى واألعالم؛ التي ال‬
‫يروعها صرف‪ ،‬وال يفرعها طرف؛ ألنها متوعرة المراقي‪ ،‬معثرة للراقي؛ متمكنة الرواسي والقواعد‪ ،‬على ضفة نهر استدار بها استدارة‬
‫القلب بالساعد؛ قد أطلت على خمائلها إطالل العروس من منصتها‪ ،‬واقتطعت في الجو أكثر من حصتها‪ ،‬فمروا ببلش قطر سالت به جداوله‪،‬‬
‫واختالت فيه خمائله؛ فما يجول الطرف منه إال في حديقة‪ ،‬أو بقعة أنيقة‪ .‬فتلقاهم ابن ُمقانا قاضي حضرته وأنزلهم عنده‪ ،‬وأورى لهم بالمبرة‬
‫زنده؛ وقدم طعاماً‪ ،‬واعتقد قبوله منا ً وإنعاماً‪ .‬وعندما طعموا قعد القاضي بباب المجلس رقيبا ً ال يبرح‪ ،‬وعين المتوكل حيا ًء منه ال تجول وال‬
‫تمرح‪ .‬فخرج أبو محمد وقد أبرمه القاضي بتثقيله‪ ،‬وحرمه راحة رواحه ومقيله؛ فلقى ابن جيرون منتظرا ً له‪ ،‬وقد أعد لحلوله منزله؛ فصار‬
‫إلى مجلس قد ابتسمت ثغور نواره‪ ،‬وخجلت خدود ورده من زواره؛ وأبدت صدور أباريقه أسرارها‪ ،‬وضمت عليه المحاسن أزرارها‪ .‬ولما‬
‫حضر له وقت األُنس وحينه‪ ،‬وأرجت له رياحينه؛ وجه من يرقب المتوكل حتى يقوم جليسه‪ ،‬ويزول موحشه ال أنيسه؛ فأقام رسوله وهو‬
‫بمكانه ال يريمه‪ ،‬قد الزمه كأنه غريمه؛ فما انفصل‪ ،‬حتى ظن أن عارض الليل قد نصل‪ .‬فلما علم أبو محمد بانفصاله بعث للمتوكل قطيع خمر‬
‫وطبق ورد وكتب معهما‪:‬‬

‫اقب‬
‫إليكَها فاجْ ت َ ِّلهَا ُمنيرةً @ وقد َخبا حت َّى ال ّ‬
‫ِّهاب الث ّ ُ‬
‫ش ُ‬
‫جب‬
‫الحا‬
‫ينام‬
‫ب لم يُؤْ ذن لها @ إال وقد كا َد‬
‫ُ‬
‫َواقفةً بالبا ِّ‬
‫َ‬
‫فبعضُها من ال َمخاف َجاِّمد @ وبعضُها من الحياء ذائ ُب‬

‫فقلبها‪ ،‬وكتب إليه‪:‬‬
‫ذوائب‬
‫قَد وصلت تلك الّتي َزفَ ْفت َها @ بكرا ً وقد شابَتْ لها‬
‫ُ‬
‫ذاهب‬
‫ست ُِّر َّد‬
‫ب حتى نستر َّد ذاهِّبا ً @ من أُنسِّنا إن ا ْ‬
‫فَ ُه َّ‬
‫ُ‬
‫فركب غليه‪ ،‬ونقل ما كان معه في المجالس‪ ،‬وباتا ليلتهما ال يرميان السهر‪ ،‬وال يشيمان برقا إال الكأس والزهر‪.‬‬
‫قال ذو النسبين «ض» ‪ :‬وقد أخذ اآلن هذه البالد ابن الريق اللعين‪ ،‬وحان لها يوم شر كما كان أحد يظن أنه يحين‪ ،‬فتملكت شنترين واألشبونة‬
‫لما خاف أهلهما من القتل ورأوا أن السر دونه؛ لكثرة من جاءهم في البر والبحر‪ ،‬وقعود المسلمين عن الحماية لهم والنصر؛ حتى ملك‬
‫الكفار معاقلهم الممتنعة‪ ،‬وحصونهم المرتفعة‪ .‬وأبو نصر الفتح المتقدم الذكر‪ ،‬القيت جماعة من أصحابه‪ ،‬وحدثوني عنه بتصانيفه وعجائبه‪.‬‬
‫وكان رحمان هللا وإياه‪ ،‬مخلوع العذار في دنياه؛ ولكن كالمه في تواليفه كالسحر الحالل‪ ،‬والماء الزالل‪ .‬قتل بحا ً في مسكنه بفندق لبيب من‬
‫حضرة مراكش‪ ،‬صدر سنة تسع وعشرين وخمسمائة‪ .‬أخبرني بذلك الوزير الكاتب العالم أبو عبد هللا محمد بن أبي القاسم بن عميرة‪ ،‬وأن‬
‫الذي أشار بقلته أمير المسلمين وناصر الدين أبو الحسن علي بن يوسف بن تاشفين‪ .‬وكان صاحب بطليوس أبو بكر بن عبد هللا بن مسلمة؛‬
‫ذو الملك األكبر‪ ،‬المنعوت بالسلطان المظفر؛ وبنوه ملوك األعيان‪ ،‬وأعين ملوك الزمان‪ .‬ولكبر قدرهم في الملوك‪ ،‬وكونهم فيهم كالواسطة‬
‫في السلوك؛ نزلت عليهم ملوك بالد األندلس من المسلمين‪ ،‬وهو عام الزالقة سنة تسع وسبعين‪ .‬فقام ولده وولى عهده المتوكل على هللا أبو‬
‫محمد بن الملك المظفر‪ ،‬المخدوم بسعدة في إقامتهم بجميع ما يحتاجونه‪ ،‬ووجدوا عنده فوق ما يرجونه؛ وفي جملتهم أبو يعقوب يوسف بن‬
‫تاشفين‪ ،‬المتسمى بأمير المسلمين‪ ،‬مع جماعة ال تحصى من الملثمين؛ ألنه وصل من مراكش مستدعي لقتال العدو المتحرك إلى البالد‪،‬‬
‫برغبة الملك المعتمد على هللا أبي القاسم محمد بن عباد؛ ألنه جاز البحر إليه‪ ،‬فأنعم باإلجابة عليه‪ ،‬لما أراد هللا من إخراجهم من لملك على‬
‫يديه‪ .‬ثم لما كانت المقاتلة قتل فيها من شجعان النصارى ثالثون ألف فارس ومن الرجالة ما ال يحصى‪ ،‬وبعيد أن يستقصي؛ وفر أذفونش ليالً‬
‫وهو يدعو حربا ً وويال‪ .‬وفي ذلك يقول أبو محمد عبد الجليل بن وهبون‪:‬‬
‫نضَا أدرعه واجتاب ليالً @ يو ّد لو أنَّه في ال ّ‬
‫طول عَا ُم‬
‫ستسألك النّساء وال رجال @ فحدّث " ما وراءك يا عصام "‬
‫فلما قضيت غزاتهم‪ ،‬وعادت صقورهم وبزاتهم؛ طمع الملثمون في بالد بني المظفر‪ ،‬فحولوهم من العيش األخضر‪ ،‬إلى الموت األحمر؛‬
‫وحاصروهم وصابروهم‪ .‬ودخلوا المدينة بالسيف‪ ،‬وحكموا فيهم أيدي الحيف‪ ،‬ودخلوها عليهم قهرا وقسراً‪ ،‬وقتلوا الملكين الجليلين ولدى‬
‫المتوكل صبراً‪ ،‬وقدموهما قبله لرغبته لهم في تقديمها بين يديه لينال أجرهما ويكونا في ميزانه‪ .‬فقدما عليه‪ ،‬وجعلوهما منه بمرأى العين‪،‬‬
‫وقام بعدهما كي يصلي ركعتين فطعنوه بالرماح؛ وقد اختلط كالمه في صالته‪ ،‬حتى أتوا على نفسه ووفاته؛ وكذلك غلبوا على ملوك األندلس‬
‫الباقين‪ ،‬ودخلوا إشبيلية قهرا ً ذات األنهار والبساتين؛ وأخرجوا المعتمد على هللا من قصره‪ ،‬لى كلبه وأسره‪ ،‬وفي ذلك يقول في أبيات‪:‬‬
‫َك ْلبي أما ت َعرفُني ُمسلما @ أبيت أن ت ُشفِّق أو ترحما َ‬
‫وحملوه إلى أقصى العدوة إلى المدينة أغمات‪ ،‬فبقي فقيرا عديما أسيرا إلى أن مات‪ .‬ثم سلط هللا على الملثمين جماعة الموحدين‪ ،‬فأزالوا‬
‫الملك من أيديهم‪ ،‬وتحكموا في أنفسهم وساحاتهم وناديهم‪ ،‬فصلبوا أمير المسلمين أبا محمد تاشفين بحصن العباد خارج مدينة وهران‪ ،‬وذلك‬
‫ليلة سبع وعشرين من شهر رمضان‪ .‬ثم دخلوا مدينة مراكش سنة إحدى وأربعين وخمسمائة بالحسام المسلول‪ ،‬وتركوا القصور خاوية‬
‫خالية كالطول؛ وحكموا في أعناق سالطين الملثمين طباة السيوف وأسنة الرماح‪ ،‬وضربوا عنق ولي عهد أمير المسلمين إسحاق بن علي‬
‫بن يوسف ابن تاشفين بحد الصفاح؛ وجرت أنهار الدم في سكك المدينة‪ ،‬وأزال هللا جلت قدرته عنهم مالءة السكينة‪ .‬ولما غلبهم الموحدون‬
‫ودخلوها‪ ،‬واستولوا على جميع الديار وتركوها؛ بيعت الحرة الجميلة بدجاجة‪ ،‬حتى تعلم أن ليس لهم بها من حاجة؛ وذلك بالمغرب يوم‬
‫مشهود‪ ،‬علمه الغائبون والشهود‪.‬‬
‫وقد رثى ملوك بني المظفر الوزير العالم المستبحر في جميع الفنون‪ ،‬أبو محمد عبد المجيد بن عبد هللا بن عبدون بقصيدته الفريدة المتضمنة‬
‫للتواريخ واألنساب‪ ،‬والحكم واآلداب‪ ،‬وهي مما يعتبر بها أولو األلباب‪:‬‬
‫باألثر @ فما البكا ُء على األشباح والصّور‬
‫ال َّدهُر يفجَع بعد العين‬
‫ِّ‬
‫ً‬
‫ب اللّيث وال ُّ‬
‫ظفُر‬
‫نا‬
‫بين‬
‫نومة‬
‫عن‬
‫@‬
‫موعظة‬
‫أنهاكَ أنهكَ ال آلُوك‬
‫ِّ‬
‫ً‬
‫س ُمر‬
‫فالدّهر حرب وإن أبدي مسال ّمة @‬
‫ُ‬
‫والبيض والسو ُد مث ُل البيِّض وال ُّ‬
‫الرأس تأ ُخذُه @ أيْدي ال ِّ ّ‬
‫ّار ِّم الذّكر‬
‫ضرا ِّ‬
‫وال هوادةَ بين ّ‬
‫ب وبين الص ِّ‬
‫ُ‬
‫سهر‬
‫فال يغرنّك من دنياك نومت ُها @ فما صناعة عينيها س َِّوى ال َّ‬
‫ِّير‬
‫َما للّيالي أقا َل هللا ْعثَرت َنا @ من اللَّيالي و َخانَتْها يَ ُد الغ َ‬
‫في ك ّل حين لها في ك ّل جارحة @ منّا جراح وإن َزا َ‬
‫غت عن النّظر‬
‫س ُّر بالشّيء لكن كي ت َغُ َّر به @ كاألي ِّْم ثَار إلى الجانِّي من َّ‬
‫الزهر‬
‫تّ ُ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫س ْل دنياك عن خبر‬
‫كم دوله وليَت بالنصر خدمت َها @ لم ت ُبق منها و َ‬
‫هوت بَدارا وفلَّت َ‬
‫ع ْ‬
‫ضبا ً على األمالك ذا أثُر‬
‫غرب قَاتِّلِّه @ وكان َ‬
‫واست َرجَعت من بني ساسان ما و َهبَت @ ولم تدع لبني يُونَان من أثرَ‬
‫المِّرر‬
‫سما ً وعا َد على @ عاد و ُجرهَم مِّ نها‬
‫ُ‬
‫وأتْبَعت أخت َها ط ْ‬
‫ناقض َ‬
‫أجارت ذوي الغَايات من ُمضر‬
‫وال‬
‫@‬
‫من‬
‫ي‬
‫من‬
‫الهيئات‬
‫وما أقَالت ذَوي‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫سبأ ً في ك ِّ ّل قاصية @ فما التقَى رائح منهم ب ُمبتكر‬
‫ومزقت َ‬
‫ْ‬
‫ً‬
‫وأ ْنفَذَت في كُليب حكمها ور َمت @ ُم َهلهال بين سمعِّ األرض والبَصر‬
‫عضَّت بني بدر على النَّهر‬
‫عبْسا؛ و َ‬
‫ودو َخت آ َل ذُبيان وإخوت َهم @ َ‬
‫َّ‬
‫َ‬
‫ولم ت َُر َّد على ال ّ‬
‫ضلّيل ِّص َّحت َه @ وال ثنَت أسدا ً عن َربِّّها ُح ُجر‬
‫شعَر‬
‫دي في العراق على @ يَ ِّد اب ْنه األحمر العينين وال َّ‬
‫وألحقَت بِّعَ ّ‬
‫وأهلكت أبرويزا ً بابنه ورمت @ َ‬
‫بيزدجر َد إلى َمرو فلم يُحِّ ر‬
‫صينَ ْ‬
‫ِّوى الفُرس ج َمع الت ُّرك وال َخ َزر‬
‫وبلَّغت يَ ْزد َِّجر َد ال ّ‬
‫واختزلَت @ عنه س َ‬

‫سعدا ً في ا ْبنَ ِّة الغَير‬
‫ُف مواضي ُر ْ‬
‫َاجب عنه َ‬
‫ولم تَك َّ‬
‫ستم وقَنَا @ ذِّي ح ِّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫سقَر‬
‫إلى‬
‫فيه‬
‫بمن‬
‫بدر‬
‫ليب‬
‫ق‬
‫@‬
‫عى‬
‫س‬
‫و‬
‫وا‬
‫ن‬
‫ف‬
‫بدر‬
‫و‬
‫ن‬
‫ب‬
‫ليب‬
‫ق‬
‫ال‬
‫يو َم‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َّ‬
‫َّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫َّ‬
‫بالبيض واختلست @ من غِّيله حمزة الظال َم للجَزر‬
‫ومزقت جعفرا‬
‫ِّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫الفياض بالعفرَ‬
‫َ‬
‫صقت طلحة‬
‫َ‬
‫وأشْرفت ب ُخبيب فوق فارعة @ وأل َ‬
‫عثْمان دَما ً و َخطت @ إلى ُّ‬
‫و َخ َّ‬
‫الزبَير ولم ت َستَحْ ي ِّ من عُمر‬
‫َيب ُ‬
‫ضبَتْ ش َ‬
‫صحبَت َه @ ولم ت َُز ّ ِّوده إالَّ ال َّ‬
‫ضيْح في الغُ َمر‬
‫وال َرعت ألبي اليَ ْقظان ُ‬
‫وأجْ َز َرت سيف أشْقاها أبَا حسن @ وأ ْم َكنَتْ من ُحسين را َحت َي شَمِّر‬
‫وليت َها إذ فَدَت عمرا ً ب َخ ِّارجَة @ فَدت عَل ًّيا بمن شا َءت من ال َبشر‬
‫ب وال ِّفكَر‬
‫ابن هِّند وفي ابن المصطفى َح َ‬
‫سن @ أتت ب ُم ْذهِّلة األلبا ِّ‬
‫وفي ِّ‬
‫فبعضُها قائل‪ :‬ما اغتاله أحد @ وبعضُها ساكت لم يُ ْؤت من َحصَر‬
‫سع له قد طا َح أو ظُفر‬
‫وأردْت ابنَ زياد بال ُحسين فلم @ يَبُؤْ بِّ ِّ‬
‫ش ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُّ‬
‫َى أبِّي أنس @ ولم ت َْر َّد الّردى عنه قَنا زُ فَر‬
‫د‬
‫و‬
‫ف‬
‫با‬
‫ظ‬
‫بال‬
‫مت‬
‫م‬
‫ع‬
‫و‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َّ‬
‫ْ‬
‫صعَبا ً من رأس شاهِّقة @ كانت به ُمهجة المختار في َو َزر‬
‫وأ ْنزلَت ُم ْ‬
‫ولم ت ُراقب مكان ابن ُّ‬
‫بالركن والحَجر‬
‫الزيبر وال @ َر َ‬
‫عت عياذَت َه ُّ‬
‫وأع ْملَت في لَطيم الجنّ حيلت َها @ واستوثَقت ألبي ال ِّذّبَّان ذي ال َبخر‬
‫ولم ت َدع ألبي ال ِّذّبَّان قائمةً @ ليس اللّ ُ‬
‫طيم لها عمرو ب ُمنتصر‬
‫وأحْ رقَت ش ْلو َزيد بعد ما احترقت @ عليه وجدا ً‬
‫سور‬
‫قلوب اآلي وال ّ‬
‫ُ‬
‫والوت َر‬
‫بن اليزيد ولم @ ت ُبق الخالفةَ بين‬
‫ِّ‬
‫الكأس َ‬
‫وأ ْظفَرت َ‬
‫بالوليد ِّ‬
‫حب ر ّمان أتي َح لها @ وأحمر ق َّ‬
‫طرته نفحةُ القُطر‬
‫حبَابة ُّ‬
‫سفَّاحِّ نابية @ عن َرأْس مروانَ أو أشياعه الفُ ُجر‬
‫ُب ال َّ‬
‫ولم تَعُ ْد قُض َ‬
‫َ‬
‫الروح األمين على @ دم بفَ ّخ آلل المصطفى َهدَر‬
‫دمعة‬
‫سبلت‬
‫وأ ْ‬
‫ُّ‬
‫ً‬
‫وأشْرقت جعفرا والفض ُل ينظره @ والشَيخ يحيى بكأس الصّاب والصّبر‬
‫ْ‬
‫األمين العه َد وانتدَبت @ لجعَفر بابنه واألعبُ ِّد الغُدُر‬
‫وأخفَرت في‬
‫ِّ‬
‫َ‬
‫وال َوفت بعهود المستعين وال @ بما تأكّد للمعت ّز من مِّ َرر‬
‫وأوثقت في عراها ك ّل ُمعتمد @ وأشْرقت بقذاها ك َّل ُم ْقتدر‬
‫وروعَت ك َّل مأ ُمون ومؤتمن @ وأسلَمت ك َّل منصور ومنتصر‬
‫َّ‬
‫س ُمر‬
‫وأعثرت آل ع َّباس لعًالهم ِّبذَي ِّل ر َّيا َء من بيض ومن ُ‬
‫سفَر‬
‫والورى منها على َ‬
‫بني المظفَّر واأليّا ُم ما برحت @ مراحالً َ‬
‫َ‬
‫سحقا ً ليومكم يوما ً وال حملت @ بمثله ليَلة في غابِّر العمر‬
‫ُ‬
‫سرة أو من لألعنّة أو @ من لألسنّة يهديها إلى الثُّغَر‬
‫من لأل ّ‬
‫من لل ُّ‬
‫سنها بالعِّّي والحَصر‬
‫ظبا وعوالى قد عُقدت @‬
‫أطراف أ ْل ُ‬
‫ُ‬
‫و ُ‬
‫سود بيضُهم @ أعجْ ب بذاك وما منها سوى الذِّّكر‬
‫ط ِّ ّر َزتْ بالمنايَا ال ُّ‬
‫سماحة أو للنّفع والضّرر‬
‫لل‬
‫من‬
‫@‬
‫أو‬
‫للبراعة‬
‫من‬
‫أو‬
‫راعة‬
‫ي‬
‫لل‬
‫من‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫أو دفع كارثة أو دع َرا ِّدفَة @ أو قمع حَادثة ت ُعيي على القَدر‬
‫سماحِّ وويح البأس لو سلما َ @ واحسرةَ الدّين والدّنيا على عمر‬
‫وي َح ال َّ‬
‫طر‬
‫سقَت ثَرى الفضل والعبّ ِّ‬
‫َ‬
‫اس هامية @ ت ُعزي إليهم س َماحا ً الَ إلى ال َم ِّ‬
‫حيث َرقُوا @ وك ُّل ما َ‬
‫ُ‬
‫سر ولم يَطِّ ر‬
‫ثالثة ما ارت َقى النَّسران‬
‫طار من نَ ْ‬
‫ثالثة ما رأى العصران مثل ُهم @ فضالً ولو ع ِّ ُّز َزا بالشمس والقَمر‬
‫نأوا @ عنّي مضي الدَّهر لم يربع ولم َي ُحر‬
‫ثالثة كذ ِّوات الدَّهر ُم ْنذُ ْ‬
‫كر‬
‫ومر من ك ّل شيء فيه أطيُبه @ حتى الت ُّمتع باآلصا ِّل والبُ َ‬
‫َّ‬
‫أين الجالل الذي َ‬
‫غضَّت مهابَت ُه @ قلوبَنا وعيونَ األ ْن ُج ِّم ُّ‬
‫الزهُر‬
‫عز ومن َ‬
‫س ْوا قوا ِّعدَه @ على دَعائ َم من ّ‬
‫ظفَر‬
‫أين اإلبا ُء الذي أر َ‬
‫صفَوا شرائعه @ فلم يَ ِّرد أحد منها على َكدَر‬
‫أين الوفا ُء الذي أ ْ‬
‫َطارت بمن فيه ولم تَقِّر‬
‫كانوا َرواسي أرض هللا ُمنذ نَ ْ‬
‫أوا @ عنها است َ‬
‫كانُوا مصابيحها فيها فمنذ َخبوا @ ه ََوى الخليقُة ياهللِّ في ش ََرر‬
‫ش َجى الدهر فاستهوته ُم ُخدَع @ منه بأحالم عاد في ُخطا الخطر‬
‫كانوا َ‬
‫وي ُل ا ّمه من َ‬
‫صبُر‬
‫سد سواهم في الوغى ُ‬
‫دركة @ منهم بأ ْ‬
‫طل ِّوب الثأر ُم ِّ‬
‫سحَر‬
‫َمن لي ومن ل ُهم إن أظلمت نُ َوب @ ولم يكن ليلُها يُفضي إلى َ‬
‫سنن @ ْ‬
‫سير‬
‫وأخفَيِّتْ ألسن اآلثار وال ّ‬
‫من لي ومن ل ُهم إن عطلِّّت ُ‬
‫صدَر‬
‫وردها يدعو إلى َ‬
‫من لي ومن ل ُهم إن أطبقَت محن @ ولم يكن ْ‬
‫جر ُم ْنت َظر‬
‫على الفضائل إال ال ّ‬
‫صبَر بعدَهم @ سال ُم ُمرتقب ل ِّ‬
‫أل ِّ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫شت َّى وذو ِّغيَر‬
‫عقب َ‬
‫ير ُجو عَسى‪ ،‬وله في أختها أمل @ وال ّدهُر ذو ُ‬
‫ان حصَا الياقوت وال ُّد َرر‬
‫قَّرطت آذانَ من فيها‬
‫بفاضحَة @ علَى الح َ‬
‫ِّ‬
‫س ِّ‬
‫َدرت في البَدْو وال َحضَر‬
‫سيارة في أقاصي األرض قاطعة @ َ‬
‫شقَاشِّقا ً ه َ‬
‫ُمطاعِّة األمر في األلباب قاضية @ من المسامع ما لم يُ ْقض من و َ‬
‫طر‬

‫السلطان المعتصم باهلل‬
‫أبو يحيى محمد بن أبي األحوص معن بن أبي يحيى محمد بن صمادح التجيبي‪ ،‬منسوب إلى امرأة اسمها تجيب‪ ،‬بنت ثوبان بن سليم بن‬

‫رهاء‪ ،‬بالراء‪ ،‬من مذحج‪ ،‬إليها ينسبون‪ .‬وهي أم عدي وسعد‪ ،‬ابني أشرس بن كندة‪ ،‬واسمه ثور بن عفير بن عدي بن الحارث بن مرة أدد‬
‫بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهالن بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان‪.‬‬
‫وقد اختلف الناس في ضبط هذا الحرف‪ ،‬بعد اتفاقه م أنه نسب إلى هذه المرأة‪ ،‬فقالوا‪ :‬إنه بضم التاء‪ ،‬وبه نطقت العرب‪ .‬وكثير من األدباء‬
‫ولمحدثين يفتحون التاء‪ .‬وقال أبو مروان بن سراج‪ " :‬الفتح وحده "‪ .‬وزعم أن التاء أصلية وليست للمضارعة‪ ،‬ولذلك أثبته صاحب كتاب‬
‫العين في حرف التاء‪ ،‬إال أنه قال‪ " :‬تجيب وتجوب‪ ،‬قبيلة " وقال أبو محمد بن السيد النحوي‪ " :‬أنا أذهب إلى صحة الوجهين‪ ،‬مع كون‬
‫التاء مزيدة‪ ،‬من جاب تجوب وتجيب "‪.‬‬
‫وبنو صمادح‪ ،‬بينت العلوم الفائقة‪ ،‬واآلداب الرائقة‪.‬‬
‫يروي عن أبيه أبي األحوص معن‪ ،‬عن أبيه أبي يحيى محمد بن صمادح مختصر غريب تفسير القرآن للطبري‪ .‬حدثني به الفقيه المحدث‬
‫الصالح أبو محمد عبد هللا بن محمد بن عبيد اله‪ ،‬قال‪ :‬حدثني الفقيه المحدث اإلمام أبو عبد هللا محمد بن حسين يعرف بأحد عشر ‪ -‬قال‪:‬‬
‫حدثنا الفقيه اإلمام أبو إسحاق إبراهيم بن أسود الغساني عن السلطان أبي يحيى محمد بن أبي األحوص معن‪ ،‬عن أبيه أبي يحيى محمد بن‬
‫صمادح‪ ،‬مختصره‪.‬‬
‫وقال مطر الوراق في قوله جل وعال‪ " :‬و إنه لذكر لك ولقومك "‪ :‬هو أن الرجل‪ :‬حدثني أبي عن جدي‪.‬‬
‫وقال ابن أبي الحسن البصري‪ " :‬حدثوا عن األشراف‪ ،‬فإنهم ال يرضون أن يدنسوا شرفهم بالكذب وال بالخيانة "‪ .‬واألشراف في اللغة‬
‫األعيان من أي القبائل كانوا‪.‬‬
‫وأنشدنا غير واحد بالسند المذكور آنفا عن الفقيه أبي إسحاق بن أسود وغيره‪ ،‬قالوا‪ :‬أنشدنا السلطان المعتصم لنفسه‪:‬‬
‫سقم @ ما مِّ نه غيُر ال ُّدنُ ّ ِّو يَ ِّبريني‬
‫يا َمن بجسمي لبعده َ‬
‫صغُر عنه حروب صفِّّين‬
‫بين جفوني والنَّوم ُمعَت َرك @ ت َ ُ‬
‫فطيف الخيال يُدنيني‬
‫صرف الزمان أبعدني @ ع ْنك‬
‫إن كان‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫وله رحمه هللا بركة ماء بناها في الصمادحية‪ ،‬وقد حضر في مجلسه أعيان الوزراء‪ ،‬ونبهاء الشعراء؛ وهو قاعد على موضع يتداخل الماء‬
‫فيه‪ ،‬ويتلوى في نواحيه‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫أرقَم قد ج َّد في هَر ِّب ْه‬
‫ه‬
‫ن‬
‫أ‬
‫ك‬
‫@‬
‫به‬
‫ب‬
‫ص‬
‫في‬
‫الماء‬
‫هذا‬
‫سن‬
‫ح‬
‫إلى‬
‫ر‬
‫ظ‬
‫ن‬
‫ا‬
‫ََ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫فاستبدع الكل قوله‪ ،‬فخلع عليهم ومنحهم فضله وطوله ‪ -‬واألرقم‪ :‬من أسماء الحية ‪ -‬وله أيضا ً فيها‪:‬‬
‫كأَنَّ انسياب الماء في صفحاتها @ ُحسام ثقي ُل المتن سُ َّل من ال ِّغ ْم ِّد‬
‫سهد‬
‫فوارة مستديرة @ لها ُمقلة زرقاُء موصولَةُ ال ّ‬
‫تفور َّ‬
‫ُ‬
‫سقيط ال َّ‬
‫ورق الورد‬
‫َباب َ‬
‫أد َْرنَا بها كأسا ً كأنَّ حَبابها @ ح ُ‬
‫ط ِّ ّل في َ‬
‫لها في َ‬
‫غدير الماء ألآل ُء َج ْم َرة @ حكت نَار إبراهيم في اللون والبُرد‬
‫وله‪:‬‬
‫ً‬
‫وتحتجب‬
‫تنسكب @ والشَّمس تظهر أحيانا‬
‫وض يَشرب واألنوار‬
‫الر ُ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫وللبَهار على أفنانه َزهَر @ كأنّه فضَّة من فوقها ذَهَب‬
‫قال ذو النسبين «ض»‪ :‬أهل األندلس يسمون النرجس البهار واسمه في اللغة العبهر‪.‬‬
‫ودخل األريب أبو الوليد النحلي مدينة المرية‪ ،‬يرفل في أثواب سود زرية‪ ،‬فكتب إلى السلطان‪:‬‬
‫أيا َمن ال يُضاف إليه ثان @ و َمن ورث العُالَ بابا َ فَبَابَا‬
‫سوا َد عَيني @ وأبْصر دون أبْغي حِّ جابا‬
‫أيج ُمل أن تكون َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫ويمشِّي الناس كلهم َح َماما @ وأمشِّي بينهم و ْحدِّي غرابا‬
‫فبعث إليه من المال جملة وافرة‪ ،‬ومن البياض خلعة فاخرة‪ ،‬وكتب له رقعة فيها بيتان‪:‬‬
‫وردتَ وللَّيل البهيم مطارف @ عليكَ وهَذي ِّ للصَّباح بُرو ُد‬
‫الجما َ َم بَرود‬
‫وأنتَ لدينَا ما بقيتَ ُمقَ َّرب @ وعيشُك سلسال ِّ‬
‫السلسال‪ :‬الصافي العذب‪ ،‬يقال‪ :‬ماء زالل وسلسال‪ ،‬إذا كان صافيا ً عذباً‪ .‬والجمام‪ ،‬بكسر الجيم‪ :‬جمع جم وجمة‪ ،‬وهو الماء المجتمع‪.‬‬
‫وأنشدونا البنه األمير أبي جعفر رحمهما هللا‪:‬‬
‫كتبتُ وقَلبي ذُو اشتياق ووحشة @ ولو أنَّه يستطي ُع َّمر يُسل ُمّ‬
‫جعلتُ سوا َد العين فيه مدادَه @ وأبيضَه طِّ رسا ً وأقبلت ألثُم‬
‫فخيّل لي أنِّّي أقبّل موضعا ً @ يُصافحه ذاك البنانُ‬
‫المكرم‬
‫ّ‬
‫قال ذو النسبين «ض»‪ :‬وهذا عندي من قول أبي إسحاق الصابي‪:‬‬
‫كف رس ِّولهَا‬
‫لما وضَعت صحيفتي @ في بَطن ّ‬
‫صولها‬
‫ق ّب ْلت ُها لَت َّ َّمسها @ يُمناك عند ُو ُ‬
‫َيني أنّها @ قُرنت ببعض فُصولها‬
‫وت َو ّد ع َ‬
‫حتى ت َرى من وجهك ال @ ميمون غايةَ سُولِّها‬
‫الملك الراضي باهلل أبو خالد‬
‫يزيد ابن المعتمد على هللا بن أبي القاسم عباد‪ ،‬وقد مرت عليه هوادج وقباب‪ ،‬فيها له أخدان وأحباب؛ وجهوا على وجه الهدية إلى بر‬
‫العدوة‪ ،‬وقد كان يلم بهن في صباه إلمام قريش بدار الندوة؛ فقال ارتجاال‪ ،‬وأنشد سحرا ً حالال‪:‬‬
‫أي ِّإيقَا ِّد‬
‫مروا بنا أ ُ‬
‫صالً من غير ميعا ِّد @ فأوقَدُوا نار شوقِّي َّ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ً‬
‫وأذكرونِّ َي أياما لهَوتُ بِّهم @ فيهَا ففازوا ب ِّإيثاري وإحْ مادي‬
‫ال َ‬
‫مرورهم @ فرؤيةُ الماء ت ُذكي غُلَّة الصادِّي‬
‫غرو أن َزا َد في وجْ دي‬
‫ُ‬
‫صدى يصدي‪ ،‬فهو صاد وصيد‪ ،‬إذا عطش‪ .‬ورجل صديان‪ :‬عطشان‪ .‬الغلة‪ ،‬واللواب‪ ،‬بفتح الالم؛ واللوح‪ ،‬بضم الالم؛ والجواد‪ ،‬بضم الجيم بال‬
‫همز‪ :‬كل ذلك من أسماء العطش‪ .‬وقد جمعناها في غير موضع‪.‬‬
‫الحاجب ذو الرياستين‪ :‬أبو مروان عبد الملك بن رزين‬
‫ورث الملك كابرا ً عن كابر‪ ،‬من ملوك من أسالفه‪ ،‬أرباب أسرة ومن ابر‪ .‬وذو الرياستين زاد عليهم بأدب أبهى من الروض الريض‪ ،‬ومنظوم‬

‫بديع من القريض‪ .‬فمن شعره قوله يخاطب ذا الوزارتين أبا بكر محمد بن عمار‪ ،‬وكان ضيفا ً عنده‪:‬‬
‫ضَمان على األيّام أن أبل َغ ال ُمنى @ إذا كنت في ُو ّدِّي ُمسِّرا ًّ و ُم ْعلِّنا َ‬
‫فلو تسأ ُل األيا ّ ُم من هو مفرد @ بِّ ُو ّد ابن ع َّمار لقُلتُ لها أنَا‬
‫العيش أو يحسنُ المنى‬
‫طيب‬
‫فإن حالَت األيا ُم بيني وبينه @ فكيف يَ ُ‬
‫ُ‬
‫فلم يجبه ابن عمار في يومه‪ ،‬ألنه كان يعاني قوله ويعلله‪ ،‬ويرويه وال يرتجله‪ .‬وأتى به في اليوم الثاني بأعذب األلفاظ وأرق المعاني‪ ،‬وهو‪:‬‬
‫وسو ْ‬
‫غتَ لي الحوا َل ُمقبلةَ ال ُّدنَا‬
‫َهص َْرتَ لي اآلما َل طيبةَ الجنَى @‬
‫َّ‬
‫سنَا‬
‫ستنِّي النُّع َمى‬
‫َّ‬
‫الربيع وأحْ َ‬
‫وألبَ َ‬
‫أغض من النَّدى @ وأجْ َم َل من وشْى َّ‬
‫َ‬
‫َّ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫سنا‬
‫ولل‬
‫ل‬
‫ل‬
‫ا‬
‫سمير‬
‫@‬
‫بحضورها‬
‫ِّي‬
‫ن‬
‫ت‬
‫ي‬
‫ظ‬
‫أح‬
‫ليلة‬
‫وكم‬
‫فبتُّ‬
‫ْ‬
‫سناءِّ‬
‫َّ‬
‫بالمكارم والعُالَ @ وأ ُ ْذنِّي و َكفِّّى بال ِّغنَاءِّ وبِّال ِّغنَى‬
‫ع ِّلّ ُل نَفسي‬
‫أ َ‬
‫ِّ‬
‫َ‬
‫ت األسما ُء غيركَ وال ُكنى‬
‫تعاو َر ِّ‬
‫سأ ْق ِّرن بالت َّموي ِّل ذكركَ كَّلما @ َ‬
‫سنا‬
‫ألو َ‬
‫طوق أعناقا ً ويُخرس أ ْل ُ‬
‫سعتنَي قوالً وطوالً كالهما @ يُ ّ ِّ‬
‫الروض بالت َّي @ تَنَاثر فيها ال ّ‬
‫طب ُع وردا ً وسُوسنا‬
‫وش ََّرفتني من قطع ِّة َّ‬
‫ق بجي ِّد ال ُملك ُمرصَّعا @ وت ُْزهَى على عِّطفَيه وشيا ً ُمفَنَّنا‬
‫ترو ُ‬
‫فدُم هكذا َ يا فارس الدَّست والوغى @ لت َطعن طورا ً بالكالم وبالقَنا‬
‫َب باأل ْبصَار)‪.‬‬
‫قوله " للسناء وللسنا "‪ .‬السناء‪ ،‬بالمد‪ :‬المجد والشرف‪ .‬والسنا‪ ،‬مقصور‪ :‬الضوء‪ ،‬قال هللا العظيم‪َ ( :‬يكَا ُد َ‬
‫سنَا َبرقِّه َي ْذه ُ‬
‫وقوله " و أذني وكفى بالغناء وبالغنى " الغناء‪ ،‬بالمد‪ :‬الصوت‪ .‬قاله اللغويون‪ ،‬فيما أنشدنيه اللغوي النحوي القاضي العدل أبو الحسن علي‬
‫بن أحمد األميي‪:‬‬
‫يستجلب ال ّ‬
‫رب‬
‫غِّنا ُء الصَّوت ممدود @ بما‬
‫ط ُ‬
‫ُ‬
‫العرب‬
‫وك ُّل غنى فمقصور @ كذا نطقت به‬
‫ُ‬
‫والغنى‪ :‬ضد الفقر‪ ،‬ومنه قول رسول هللا «ص»‪" :‬ليس الغنى عن كثرة العرض"‪ :‬بفتح العين والراء‪ ،‬يعني كثرة المال والمتاع‪ ،‬وسمى‬
‫عرضا‪ ،‬ألنه عارض يعرض وقتاً‪ ،‬ثم يزول ويفنى‪ .‬ومنه قوله أيضاً‪" :‬خير الصدقة ما كان عن ظهر غني"‪ .‬قيل معناه‪ :‬الصدقة بالفضل عن‬
‫قوت عيالهم وحاجتهم‪ .‬ويقويه قول هللا عز وجل‪( :‬و يسألونَك ماذا يُنفقون قل العفو)‪ .‬قيل‪ :‬الفضل عن أهلك‪.‬‬
‫وقوله‪ " :‬تناثر فيها الطبع وردا ً وسوسنا " بضم السين‪ ،‬وهو لحن‪ ،‬وليس له في العربية وزن‪ ،‬والصواب‪ :‬سوسن‪ ،‬بفتح السين‪ ،‬على وزن‬
‫فوعل بفتح الفاء‪ ،‬وكذلك روشن وأمثاله‪ ،‬نحو جوهر وجورب وكوثر وتولب؛ إذ ما سمع في أمثلة العرب فوعل‪ ،‬إال جؤذر في قول بعضهم‪.‬‬
‫والدست‪ :‬المرتبة العالية‪.‬‬
‫ومن أعيان شعراء المغرب الراسخين في األدب‪ ،‬المتمسكين منه بأمتن سبب‪:‬‬
‫أبو الطيب أحمد بن الحسين بن محمد المهدوي المسيلي‬
‫ً‬
‫له مقطعات غزل أحسن من قطع الرياض‪ ،‬وأغزل من العيون المراض‪ .‬وكان شعره مدونا بالثغر األعلى بمدينة سر قسطة‪ .‬أنفرد بروايته‬
‫عالمها وحسيبها الفقيه العالم النحوي األصولي المتكلم أبو جعفر محمد بن حكم بن باق السرقسطي ‪ -‬وجده األعلى محمد بن باق‪ ،‬ملك مدينة‬
‫سالم ‪ -‬استوطن آخرا ً مدينة فاس‪ ،‬ولى أحكام القضاء بها‪ .‬وكان محمود الحال‪ ،‬حسن الخلق‪ ،‬قوالً بالحق إلى أن توفي في العشر األواخر من‬
‫شعبان سنة ثمان وثالثين وخمسمائة‪ ،‬أجاز له الفقيه اإلمام القاضي أبو الوليد الباجي اللغوي النحوي اإلمام أبو القاسم‪ ،‬وأبو محمد عبد‬
‫الدائم بن مروان بن خير القيرواني‪ ،‬نزيل مدينة المرية‪ .‬روى بالبصرة عن أبي الحسن محمد بن الحسين‪ ،‬سنة ست وعشرين وأربعمائة‪،‬‬
‫عن هالل بن المحسن‪ .‬ولقي المعري سنة ثالث وعشرين وأربعمائة وقرأ عليه‪ ،‬وسمع باألندلس على جماعة‪ .‬وحمل اإلمام أبو جعفر بن باق‬
‫ببلده سرقسطة عن الفقيه القاضي بها أبي محمد بن فورتش‪ ،‬وأبي عمر أحمد بن مروان المالكي‪ ،‬قرأ عليه كتب أبي المعالي‪ .‬وروى عن‬
‫أبي سعيد محمد بن سعد الزعيمي البغدادي‪ ،‬طرأ على األندلس وهو مسن‪ .‬وروى عن الشريف المرتضى؛ أخي الشريف الرضي؛ القصيدة‬
‫التي أولها‪:‬‬
‫يا ظبية البان ترعى في خمائله‬
‫مع جميع ما رواه عن الشريف وعن غيره‪ .‬وروى شعر أبي العرب الصقلي‪ .‬وكان أبو العرب قد سكن سرقسطة ومدح المستعين بن هود‬
‫بشعر كثير‪ .‬وروي أيضا ً عن أبي جعفر البطروشي‪ ،‬والوزير أبي الفوارس بن عاصم‪ ،‬والوزير أبي عبيد البكري‪ ،‬وغيرهم‪.‬‬
‫أقرأ َ أبو جعفر هذا بمدينة فاس كتاب سيبويه وكتاب اإليضاح‪ ،‬وتكلم على أعيان مسائله‪ ،‬وعلى جملة أبياته وشواهده‪ ،‬وشرح كتاب اإليضاح‬
‫ألبي علي‪ .‬وكان في النحو واألصول ال يشق غباره‪ ،‬وال يخاض تياره‪ .‬وله تأليف في علم الجدل‪.‬‬
‫حدثني عنه جماعة من شيوخي رحمهم هللا فأولهم‪ ،‬وأفضلهم قاضي الجماعة‪ ،‬ومعدن البراعة؛ المتفنن في جميع العلوم‪ ،‬والمحسن إلى كل‬
‫مجهول ومعلوم‪ .‬الفقيه الزناتي الذي فاق متقدم الفقهاء األوائل‪ ،‬وأعياسحبان وائل؛ أبو موسى عيسى ابن عمران بن دانال الزناتي المكناسي‬
‫الوردميشي‪ ،‬من ولد الملك أبي عمران موسى ابن أبي العافية‪ .‬وبنو أبي العافية هم الذين كانوا ملكوا المغرب األقصى‪ ،‬وفضائله اكثر من أن‬
‫تحصى‪ ،‬فكم حلى رحمه هللا من جيد معطال‪ ،‬وعطر من متفال‪ ،‬وانهض من ثفال‪ ،‬وجدد من شرف بال‪ ،‬لم يخطر للدهر على بال‪:‬‬
‫الزمانُ بمثله @ إنَّ ّ‬
‫تاهلل ال يأتي ّ‬
‫الزمان بمثله لبخيل‬
‫لقي جماعة من العلماء‪ ،‬منهم الفقيه أبو يوسف الزناتي الملقب بالرحى‪ ،‬لحفظه‪ .‬وكان يحفظ دواوين‪ ،‬منها‪ :‬المدونة‪ ،‬وكتاب االستذكار‬
‫لمذاهب علماء األمصار‪ .‬فقرأ الفقه عليه‪ ،‬وقرأ موطأ مالك بن أنس من رواية يحيى بن يحيى على قاضي القضاة الفقيه أبي محمد عبد هللا بن‬
‫خليفة األزدي‪ ،‬يعرف بابن أبي عرجون‪ ،‬وقرأ النحو على األستاذ أبي حسن بن عبد هللا القيسي‪ ،‬ثم رحل إلى مدينة فاس‪ ،‬فلقي الفقيه النحوي‬
‫األصولي المتكلم أب جعفر محمد بن حكم بن باق المذكور آنفا‪ ،‬ولقي بأغرناطة النحوي الكبير أبا بكر محمد بن مسعود الخشني‪ ،‬يعرف بابي‬
‫ركب‪ .‬ثم رحل إلى المرية‪ ،‬فلقي إمام أهل عصره‪ ،‬ورزين جميع األمصار مع مصره‪ ،‬أبا القاسم أحمد بن محمد التميمي سبط ابن ورد‪،‬‬
‫وسمعه يقول‪ :‬لم ألق باألندلس مثل ابن ورد‪ ،‬وال أحاشي من األقوام من أحد‪.‬‬
‫وكان يفضله على ابن العربي‪ ،‬وابن عياض‪ ،‬وغيرهما‪ .‬قرأت عليه مدة مديدة‪ ،‬ولزمته أعواما ً عديدة‪ ،‬وسألته أن يجيز لي‪ ،‬وألخي الحافظ‬
‫أبي عمرو جميع ما رواه وجمعه‪ ،‬وتكلم فيه من العلم أو وضعه‪ ،‬فأجابني إلى ذلك‪ ،‬وقال لي‪ :‬لم أفعله ألحد قبلك‪ ،‬ممن سلك هذه المسالك‪،‬‬
‫وإنما اشتغلت عن كثرة الرواية بالدرس والدراية‪.‬‬
‫وسألته عن مولده‪ ،‬فقال‪ :‬ولدت في شعبان سنة اثنتي عشرة وخمسمائة‪ ،‬وتوفي «ض» شهيدا ً من داء البطن ليلة الخميس آخر الليل‪ .‬ودفن‬
‫ظهر يوم الخمسي الخامس والعشرين من شعبان سنة ثمان وسبعين وخمسمائة‪ ،‬وهو على أحكامه وإعزازه وإكرامه‪.‬‬

‫فمن شعر األديب أبي الطيب أحمد بن الحسين بسندنا المتقدم إليه‪ ،‬رحمة هللا علينا وعليه‪ ،‬فمن ذلكم في النسيب‪:‬‬
‫متى طلَعت تلك األهلَّة في ال ُخ ْمر @ ونابَتْ لنا العيونُ عن ال َخ ْم ِّر‬
‫ومن علَّم األعجاز ت َستعجزُ النّقا @ وهذى الثنايا ُّ‬
‫الز ْهر ت َسطو على الد ُّّر‬
‫َ‬
‫صبْري‬
‫شِّماس سجّييةً @‬
‫شُموس أبت إال ال ّ‬
‫وأقمار حسن في الهوى ق َمرتْ َ‬
‫ُ‬
‫الرصَافِّة والجسر‬
‫ّذكار من َم َر األسى @ ليَالينَا بين ُّ‬
‫تذكّرتُ ‪ ،‬والت ُ‬
‫سنَت َي مما ت َُر َّوع بالهجر‬
‫ليالي ال دَمعي يُبدَّد بالَّنأْي @ وال ِّ‬
‫َ‬
‫ومنها في صفة القصيدة‪:‬‬
‫غرا َء قامت لخاطري @ وإن لم تَلُ ْمه حين قَصَّر بالعُذر‬
‫َما‬
‫ك‬
‫ودون‬
‫َّ‬
‫َخفَ ْ‬
‫الجر‬
‫أحرف‬
‫ضتُ بها‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫األشعار حت َّى كأنها @ وإن رفَعتني اآلن من ُ‬
‫قال ذو النسبين‪« ،‬ض»‪ :‬وذهذ الرائية من شعره عند العلماء بنقد الشعر وسره‪ ،‬أحسن من رائية علي بن الجهم التي أولها‪:‬‬
‫ُ‬
‫حيث أدري وال أدري‬
‫الرصافة والجسر @ َجلَبْن الهوى من‬
‫عيون المها بين ُّ‬
‫ومن أسماء بقر الوحش‪ :‬األَي مثل الفتى‪ ،‬واألنثى‪ ،‬الة‪ ،‬مثل شاة‪ ،‬وتسمى المهاة أيضاً‪ ،‬والجمع‪ :‬المها‪ ،‬والعيناء؛ والجمع‪ :‬عين‪.‬‬
‫ومما يمازح برقته النسيم امتزاج الماء بالراح‪ ،‬ويدخل من أبواب خروق المسامع على القلوب بال استئذان فترتاح به األرواح‪ ،‬قول هذا‬
‫الشاعر من أبيات‪:‬‬
‫خطرتُ على وادي العُذيب بأد ُمعي @ فما ُجزته إال وأ َكث ُ ُره دُم‬
‫بأسرار الهَوى ت َتكّلم‬
‫وقد ش َِّربَتْ منه كرا ُم جيادنا @ فكادَت‬
‫ِّ‬
‫ق من نَعمانَ يُخبر أنّه @ سيَشْقى بكم من كان باألمس يَ ْنعَم‬
‫سرى البر ُ‬
‫لى سواه فيكُم إذ رحلتم‬
‫إ‬
‫@‬
‫يعد‬
‫فلم‬
‫فيكم‬
‫ل‬
‫اللي‬
‫فهذا‬
‫رحلتم‪،‬‬
‫ُ‬
‫َّ‬
‫َب النّجوم وإنّما @ ت ُ َخ ِّيّ ُل لي اآلفاق أنكُم هم‬
‫وما أنا ص ٌّ‬
‫لقد أحسن ما شاء‪ ،‬غير أن قوله‪" :‬خطرت على وادي العذيب" مأخوذ من قول الشاعر‪ ،‬وهو مهيار‪:‬‬
‫ع َب ْرت على الوادي فحَّرمت ماءه @ وكيف يح ّل الما ُء أكثره َد ُم‬
‫َ‬
‫عبرت‪ :‬أي أسلت عبرتي فيه‪ ،‬فوري‪ .‬والمحفوظ عند أهل اللغة‪ :‬استعبر الرجل‪ ،‬إذا بكى‪ ،‬والذي رويناه في شعر مهيار "بكيت" والمليح‬
‫البديع من هذه القطعة قوله‪:‬‬
‫سيشفى بكم من كان باألمس يَ ْنعَم‬
‫سرى البر ُ‬
‫ق من نَعمان يُخبر أنّه @ َ‬
‫َ‬
‫فيه من صنعة البديع المقابلة‪ ،‬وهي مقابلة " سيشفى " " بينعم "‪ .‬ومن مليحها قوله‪:‬‬
‫إلى سِّوا ُه فيكُم إذ رحلّت ُ ُم‬
‫رحلتم فذها اللّيل فيكُم فلم يعد @ ّ‬
‫وهو من أبيات المعاني التي يسأل عنها‪ ،‬ويفهم معناه من قوله‪ " :‬فلم يعد إلى سواه " ‪ ،‬ألنه ال يعود سوى الليل الماضي‪ ،‬وهو الليل‬
‫المستقبل‪ ،‬إال بعد صبح يفصل بينهما‪ ،‬وال فاصل عنده بعد فرقة أحبابه؛ ألن األيام جميعها عنده صارت مظلمة لبعد أحبابه؛ فما دامت الفرقة‬
‫مستمرة‪ ،‬كانت الظلمة مستقرة‪.‬‬
‫ومن بدائع هذا الشاعر قوله‪:‬‬
‫األقمار واألنج َما‬
‫ست َ ْنزل‬
‫مر ولي هَّمة @ ت َ ْ‬
‫َ‬
‫سلَّم إذ َّ‬
‫ت َ ْظ َما وال ت َروي ولو أنني @ ألثمتها وجْ نَت َه والفَما‬
‫سلوان خوف ال َّ‬
‫فقلت للنّفس وقد ْ‬
‫ظما‬
‫أزمعت @ أن ترد ال ُّ‬
‫َّ‬
‫هذا كثير فأشكري وأح َمدي @ فكيف لو َم َّر وما سلما‬
‫قوله في البيت األول‪" :‬سلم إذ مر" ‪ ،‬ثم قوله في آخر األبيات‪" :‬فكيف لو مر وما سلما" من الصنف المسمى في صناعة البديع بالتبديل‪ .‬إال‬
‫أنه فرق بينهما في أبيات‪ ،‬وقد جمع ذلك بعض أهل مصره‪ ،‬من شعراء عصره‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫الحب وأبكي َد َما‬
‫أصبحتُ صبا ً َدنِّفا ُمغر َما @ أشكُو جوى‬
‫ّ‬
‫سلَّما‬
‫هذا وقد سلَّم إ ْذ َم َّر بي @ فكيف لَ ْو َم َّر وما َ‬
‫ومن أفاضل شعراء المغرب المعروفين باإلجادة‪ ،‬الموصوفين باإلحسان واإلفادة‪:‬‬
‫أبو عبد هللا ابن قاضي ميله‬
‫اشعر من دب بميلة ودرج‪ ،‬ودخل بها وخرج‪ .‬فمن رقيق شعره قوله‪:‬‬
‫ع ْينِّي قد جَرى فيما جَرى‬
‫قلتُ للحسناء لما أ ْبصَرت @ دمع َ‬
‫ال ت َظنّي الدّمع ما عَايَ ْنتِّه @ أنا من يُ ِّهدي إليك ال َخبَرا‬
‫سناَه البشرا‬
‫جا َل في خدَّيك من ماء الصَّبى @ رونق يَ ْ‬
‫سبي َ‬
‫جاز الت َناهِّي قَ َ‬
‫تأخذُ األجفانُ منه ِّريهَّا @ فإذا َ‬
‫طرا‬
‫ومن قوله‪:‬‬
‫سقُ ِّيم‬
‫سري م َع ال ِّ ّ‬
‫الركُب والمشو ُ‬
‫ق مقي ُم @ كيف يَ ْ‬
‫صحاح ال َّ‬
‫ر َح َل ّ‬
‫ورقيم‬
‫ب ِّريم‬
‫وبتلك القبا ِّ‬
‫تولى @ وضُلوعي كهف له َ‬
‫َّ‬
‫أ ُّمه ا ّ‬
‫لشمس وهو أعجب شيء @ فمتى أ ْنتَجْ ته وهي عقيم‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫حوادث الدّهر عنه @ هكَذا ال ّد ْه ُر ُمقعِّد ومقيم‬
‫أقعدتْني‬
‫وله في حمامة فوق أيكة تصدح‪ ،‬في فحمة الليل والبرق يقدح‪:‬‬
‫ّ‬
‫و ُم ِّرنَّة قدحت زنَاد صبابتي @ والبر ُ‬
‫َرارهُ‬
‫ق يقدَح في الظ ِّ‬
‫الم ش ُ‬
‫س َّماره‬
‫ورقا ُء تأرق ُمقلتي لبكائها @ ليالً إذا ما ه ََّومتْ ُ‬
‫ورنده وع ََراره‬
‫إيه بعيشك يا حمامةُ َخبِّّري @ كيف‬
‫ُ‬
‫الكثيب َ‬
‫أترنَّحت بجوانحي أثَالثُه @ أم أ ْينَعت بمدامِّ عي أزهاره‬
‫وله في المعاني‪:‬‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َّ‬
‫ُ‬
‫ة‬
‫ن‬
‫با‬
‫ي‬
‫ن‬
‫ص‬
‫غ‬
‫ب‬
‫ا‬
‫ن‬
‫ع‬
‫@‬
‫َّرت‬
‫ت‬
‫َس‬
‫ت‬
‫الجناح‬
‫ضافية‬
‫ء‬
‫ورقا‬
‫ْ‬
‫وأراكِّ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ْ‬

‫فأذكرت المشوقَ ببثّها @ وتمايلت فعل الصّحيح الشّاكي‬
‫غنّت‬
‫ِّ‬
‫ْ‬
‫ُّ‬
‫َ‬
‫ساك‬
‫ن‬
‫ال‬
‫ِّبسة‬
‫ل‬
‫و‬
‫الخليع‬
‫ع‬
‫ل‬
‫خ‬
‫@‬
‫أوصافها‬
‫في‬
‫ّدين‬
‫ض‬
‫من‬
‫وعجبتُ‬
‫َّ‬

‫وله في المعنى‪:‬‬
‫و ُمرنّة والدّجنُ ينسج فوقَها @ بُردين من نَوء وط ّل باكِّ‬
‫طي ِّ الجَناح وربّما @ جَعلت أريكت َها قضَيب أراكِّ‬
‫مالت على ّ‬
‫وممن نسج في الرقة على منواله‪ ،‬وضرب في بديع المعاني واأللفاظ على مثاله‪:‬‬
‫محمد بن حبيب المهدوي القالنسي‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫بدور وجوه في ليالي ذوائب @ لَ ْ‬
‫عبن بل ّبي بين تلكَ المالعب‬
‫ُ‬
‫وف العيون وإنّما @ َ‬
‫طلَعن شموسا ً تحت ُ‬
‫سحائب‬
‫ت َبرقَ ْعنَ من َخ ِّ‬
‫غ ِّر ال ّ‬
‫سي ِّ الحواجب‬
‫وفو ْقن من تحت أسهما @ من اللحظ ترمي عن قِّ ّ‬
‫َّ‬
‫ومن الموصوفين بجزالة األلفاظ ورقة المعاني‪:‬‬
‫يعمر بن ميمون الخوالني‪ ،‬فمن قوله‪:‬‬
‫خائف هجر منك قد َحدَثا َ‬
‫نُ ِّبّئْتُ أنّك ُمول ال ت ّكلُمني @ فبتُّ‬
‫َ‬
‫ذر من آلي بمعصية @ هِّذى مقالةُ من بالحقّ قد بُ ِّعثَا‬
‫وما يفي النَّ َ‬
‫ُ‬
‫ق غايةُ تكفير لمن َحنَثا‬
‫والعت‬
‫@‬
‫ني‬
‫ق‬
‫يعت‬
‫وهو‬
‫ْلى‬
‫ص‬
‫و‬
‫فاحْ نث فِّحْ نُثك‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫تحرجتَ من إثم وخفتَ له @ فأعظ ُم اإلثم قتلى في الهوى عَبثا‬
‫وإن َّ‬
‫قوله‪" :‬نبئت أنك مول"‪:‬أخبرت أنك حالف‪ .‬يقال آلي الرجل فهو مؤل ألية‪ ،‬بتشديد الياء‪ .‬واأللية‪ :‬اليمين‪ ،‬يقال‪ :‬آليت وائتليت وتأليّت‪ ،‬أليّة‬
‫وإلوة‪ ،‬بكسرها‪ ،‬كل ذلك لغات فيها‪ .‬ولم يعرف األصمعي‪ ،‬كسر الهمزة في أوله‪ .‬وفي الصحيحين إن‬
‫وألُوةً‪ ،‬بفتح الهمزة؛ وألوةَّ‪ ،‬بضمها‪،‬‬
‫ّ‬
‫رسول هللا «ص» آلي من نسائه شهرا‪.‬‬
‫وقوله‪:‬‬
‫وما يفي النّذَر من آلَي بمعصية @ هذى مقالُة من بالحّق قد َبعثا‬
‫صدق وبر‪ ،‬ثبت عن رسول هللا «ص» أنه قال‪" :‬من نذر أن يطيع هللا فليطعه‪ ،‬ومن نذر أن يعصيه فال يعصه"‪ .‬وملح بقوله‪" :‬فأحنث فحنثك‬
‫وصلى"‪ ،‬وبالبيت الذي بعده وكأنهما ينظران إلى البيت الذي أنشده أبو الفرج األصبهاني في كتاب األغاني له‪:‬‬
‫إذا قّبل اإلنسان آخر ت ُشتهي @ ثنايَاُه لم يأث َ ْم وكان له أجْ ُر‬
‫ومن مجيد شعراء المغرب‪:‬‬
‫محمد بن زكريا القلعي‬
‫له من قصيدة يمدح بها بعض المغرب‪ ،‬وكأنما عني بمعانيها موالنا السلطان الملك الكامل‪ ،‬وأشار بأنامل بديع ألفاظها إليه‪ ،‬ال برحت محاسن‬
‫المحامد مصروفة له‪ ،‬وموقوفة عليه‪:‬‬
‫ب‬
‫ت دونَها @‬
‫وقا َد الجيا َد األعوجيّا ِّ‬
‫عوابس ت َطفُو في العَجاج وت َْرسُ ُ‬
‫ُ‬
‫عساكُر مثل ال َّ‬
‫المذوب‬
‫طرف إن خِّ ْفن ِّضلَّة @ أضا َء لها لي ُل الحدي ِّد‬
‫َّ‬
‫يَ ُمر نُهاهُ بالشُّكوكِّ فتنجلي @ ويجري نداهُ في األ ُجاج فيعذُب‬
‫وكأنما عناه أيضا ً هذا الشاعر بقوله‪:‬‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫سعه فعلى ندا ُه يُحيل‬
‫و‬
‫في‬
‫@‬
‫ما‬
‫وق‬
‫ف‬
‫ب‬
‫م‬
‫ما‬
‫غ‬
‫ال‬
‫ِّب‬
‫ل‬
‫ط‬
‫إذا‬
‫ملك‬
‫ُ ْ‬
‫َ‬
‫ُ ِّ‬
‫المساغب أن ت ُرى @ ولها بساحة ُمجتدية ُحلول‬
‫جرت مواهبُه‬
‫َ‬
‫َز َ‬
‫ومن شعراء صقلية‪:‬‬
‫وهي بفتح الصاد والقاف‪ ،‬قاله النحوي أبو بكر محمد بن علي بن الحسن بن البر التميمي‪ ،‬هكذا عربتها العرب‪ .‬واسمها بالسان الرومي "‬
‫سيكة " بكسر السين وفتح الكاف وسكون الهاء‪ ،‬و " كيليه " بكسر الكاف والالم‪ ،‬وتشديد الياء وسكون الهاء‪ ،‬وتفسيرها‪ :‬تين وزيتون‪.‬‬
‫وإلى هذا المعنى أشار األديب البارع‪ ،‬أبو علي حسن بن رشيق‪ ،‬حين مدح صقلية بقوله‪:‬‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ِّس‬
‫م‬
‫ت‬
‫فال‬
‫لدان‬
‫ب‬
‫ال‬
‫أختُ المدينة في اسم ال يشاركها @ فيه س َِّواها من ُ‬
‫ِّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َّ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫وعظم هللاُ معنى لفظها قسما @ قلِّد إذا شئتَ أهل العلم أو فقِّس‬
‫َّ‬
‫والز ْيت ُون) قال مجاهد في صحيح البخاري‪ :‬هو التين‬
‫ِّتين‬
‫قوله في هذا البيت‪" :‬وعظم هللا معنى لفظها قسما"‪ ،‬يريد قول هللا جل جالله (والّ ِّ‬
‫والزيتون الذي يأكل الناس‪ .‬وقال الحسن‪ :‬هو التين الذي يؤكل‪ ،‬والزيتون الذي يعصر‪ .‬وبه قال عكرمة‪ .‬وقال آخرون‪ :‬التين‪ :‬مسجد دمشق‪،‬‬
‫الزيتون‪ :‬بيت المقدس‪ ،‬قاله كعب وقتادة وابن زيد وعكرمة أيضاً‪.‬‬
‫وصقلية‪ :‬جزيرة كبيرة طولها مسيرة أيام‪ ،‬وعرضها مسيرة خمسة أيام‪ .‬وهذا االسم ألحد مدنها‪ .‬فنسبت الجزيرة كلها إليها‪ .‬وفيها مدن كثيرة‬
‫وقالع شهيرة‪ ،‬وهي في البحر الشامي‪ ،‬موازية لبعض بالد إفريقية‪ ،‬بينهما يوم وليلة‪ .‬افتتحت في سنة اثنتي عشرة ومائتين‪ ،‬ثم إن هللا تعالى‬
‫صرفها إلى النصارى‪ .‬فكان أول افتتاح كان فيها لهم في سنة خمس وخمسين وأربعمائة‪ ،‬إلى أن خلصت الجزيرة كاله لهم في سنة خمس‬
‫وثمانين وأربعمائة‪.‬‬
‫فمن شعرائها‪:‬‬
‫أبو محمد ابن حمديس‬
‫عبد الجبار بن أبي بكر محمد بن حمديس‬
‫شاعر جيد السبك‪ ،‬مليح االستعارة‪ ،‬حسن األخذ‪ ،‬لطيف التناول‪ ،‬رقيق حواشي المعاني‪ ،‬عذب اللفظ‪ .‬دخل األندلس وافدا ً على المعتمد على هللا‬
‫أبي القاسم محمد بن عباد بإشبيلية فمدحه بأشعاره البديعة‪ ،‬وعبر عن األدب بأنفاسه النفيسة الرفيعة‪ .‬فما يجري من قوله رقة مع الماء‪،‬‬
‫ويكاد يمتزج بالهواء‪ ،‬ويأخذ بمجامع األهواء‪ ،‬قوله من قصيدة‪:‬‬
‫بشير الصّبا ْح‬
‫ت الوشاحْ @ وقد نَعي اللي َل‬
‫كف ذا ِّ‬
‫قُم هاكها من ّ‬
‫ُ‬
‫ت المِّرا ْح‬
‫وباكِّر اللذات‬
‫واركب لها @ سوابق الَّلهو ذوا ِّ‬
‫ْ‬
‫من قبل أن ت َرشُف ش ُمس الضّحى @ ريقَ الغوادِّي من ثُغور األقا ْح‬
‫وي أولها‪:‬‬
‫انظر ما أحسن هذه االستعارة‪ ،‬وأحلى هذه العبارة‪ .‬وله قصيدة أخرى في الوزن على ّ‬
‫الر ّ‬

‫َ‬
‫ط َر َقتْ واللي ُل ممدُود الجَناحْ @ مرحبا ً بالشمس من غير صباح‬
‫أتى فيها بكل معنى مبتكر بديع‪ ،‬معدود من الطراز األول الرفيع‪.‬‬
‫ومما أخذه فملكه فاسترقه‪ ،‬واستوجبه بزيادته فيه على مبتكره واستحقه‪ ،‬قوله في وصف فرس سابق‪:‬‬
‫تمر به غدا َ‬
‫كأنّ له في األذن عينا ً بصيرةً @ ترى اليوم أشباحا ُّ‬
‫مر في آثارهنّ ُمقَيّدا‬
‫يقيّد بالسبق األوابَد فوقَه @ ولو َّ‬
‫أخذه من قول امرئ القيس بن حجر‪ ،‬وهو أول من قصد القصائد‪ ،‬وقيد األوابد‪ ،‬فقال في الميته المعلقة‪:‬‬
‫والطير في وكناتها @ بمنَجرد قيد األوابد َهيْك ِّل‬
‫وقد اغتدى‬
‫ُ‬
‫وزيادة عبد الجبار عليه قوله‪" :‬ومر في آثارهن مقيدا"‪ ،‬وتصدير هذا العجز بقوله‪ " :‬أقيد بالسبق " مليح جدا‪.‬‬
‫ومن مليح أخذه المستحسن قوله من أخرى‪.‬‬
‫لهم رياض ُحتوف فالذُّباب بها @ يَشدوهُم في الهوادي كلما اقتح ُموا‬
‫سو َد صارخةً @ وهي الذّكور التي افُتضت بها القمم‬
‫بيض يضعن المنايا ال ّ‬
‫أخذه من قول أبي نصر عبد العزيز بن نباته السعدي‪:‬‬
‫ومن العجائب أنّ‬
‫سو َد وهي ذُكو ُر‬
‫َ‬
‫بيض سيوفه @ تلد المنايا ال ّ‬
‫إال أنه زاد عليه‪ ،‬وبعد ما ساواه في المقابلة‪ ،‬بذكر البيض والسود‪ .‬وذكر الذكورية مع ذكر الوضع الذي ذكره في موضع "تلد" بقوله‪:‬‬
‫"صارخة"‪ ،‬إذ من شأن المولود أن يستهل صارخا عند الوضع‪ .‬وكذلك الواضعة تصرخ أيضا ً حالة الطلق‪ ،‬فتمم بهذه الزيادة قوله‪" :‬يضعن‬
‫المنايا السود"‪.‬‬
‫كما زاد عند ذكر الذكور‪ ،‬وتمم المعنى بقوله‪ " :‬افتضت بها القمم " ‪ ،‬فجعل سيالن دماء القمم بذكور الصوارم كسيالن دماء العذارى لدى‬
‫افتضاض ذكور الرجال لها‪ ،‬وهذا من سر الشعر المخزون‪ ،‬وعلمه المكنون‪ .‬وفي البيت الذي وطأ به نوع من أنواع البديع يسمى التورية‪،‬‬
‫وهو قوله‪:‬‬
‫رياض حتوف فالذّباب بها @ يَشُدوهم في الهوادي كلَّما ا ْقت َحموا‬
‫لهم‬
‫ُ‬
‫الذباب‪ ،‬من الحيوان معروف؛ والذباب‪ :‬ذباب السيوف‪ .‬الشدو‪ :‬الغناء‪ .‬فشبه طنين الذباب في الهوادي‪ ،‬وهي األعناق‪ ،‬بترنم الذباب‪ .‬واستعار‬
‫الرياض للحتوف توطئة لشدو الذباب؛ ألن الرياض الملتفة األشجار‪ ،‬موضع ترنم سواجع األطيار‪.‬‬
‫ومالحظة أمثال هذه المقاصد من مقاصد فحول الشعراء‪ ،‬مما يعين الشادي في األدب المحاول لنظم الشعر‪ ،‬على نظم جيده‪.‬‬
‫وأذكرني بيت نباتة قول ابن الرومي‪ ،‬وهو من أحسن ما سمعت في معناه‪:‬‬
‫يوف ذُكو ُر‬
‫سيوف لديه ُم @‬
‫ُ‬
‫تحيض دما ًء وال ّ‬
‫ومن عجب أنَّ ال ّ‬
‫س ُ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫واألكف بُحور‬
‫نارا‬
‫ج‬
‫ج‬
‫أ‬
‫ت‬
‫@‬
‫ِّهم‬
‫ف‬
‫ك‬
‫ُ‬
‫أ‬
‫في‬
‫َّا‬
‫ه‬
‫أن‬
‫وأعجب من ذا‬
‫ُ‬
‫َّ‬
‫ُّ‬
‫ُ‬
‫ومن شعراء المغرب األوسط‪ ،‬وأهل التصنيف واإلتقان والضبط‪ ،‬الشاعر الرقيق‪ ،‬العربي األزدي العريق‪:‬‬
‫أبو علي حسن بن رشيق‬
‫وكان رجال تلعابه‪ ،‬كثير الدعابة‪ ،‬غير أنه لم يذمه أحد بذلك وال عابة‪ ،‬كتب إلى بعض الرؤساء‪:‬‬
‫شقَّ ْة‬
‫إنّي لقيتُ مشقَّ ْه @ فابعث إلى ب ُ‬
‫كمثل و ْج ِّهكَ ُحسنا @ ومثل دِّينَي ِّ ِّرقَّة‬
‫فقل له الرئيس‪ :‬أما مثل دينك رقة‪ ،‬فال يوجد إال بوزن أمثال رمال الرقة؛ ثم استحسن في هذه المداعبة أدبه‪ ،‬فقضى أربه‪.‬‬
‫فمن قوله يمدح السلطان أب يحيى تميم بن المعز‪:‬‬
‫ُ‬
‫َّ‬
‫َ‬
‫قديم‬
‫ص ُّح وأ ْقوى ما رويناه في الندَى @ من‬
‫أ َ‬
‫الخبر المأثور منذ ِّ‬
‫ِّ‬
‫ُ‬
‫سيو ُل عن الحَيا @ عن البَحر عن ُجو ِّد األمير تمِّيم‬
‫أحاديث ت ُمليها ال ّ‬
‫وله أيضاً‪:‬‬
‫س ْمر القَنَا الذُّبُ ِّل‬
‫س ْم ُر قنا ً @ ْ‬
‫ألو َرقَت عنده ُ‬
‫لو أورقتْ من دَم األبطال ُ‬
‫سهل والجب ِّل‬
‫إذا توجَّه في أولى كتائبه @ لم ت ْف ِّرق العينُ بين ال ّ‬
‫ض العُقاب َجنَاحَيها من ال َبل ِّل‬
‫فالجيش َي ْنفُض حولَيه أسنَّت َه @ ن ْف َ‬
‫وهذا البيت من غرر قالئده‪ ،‬وهو مع ذلك ملتقط من قول المتنبي‪:‬‬
‫ُّ‬
‫اب‬
‫يهز الجيش حولك جانبيه @ كما نَفَضت جَناحيها العُق ُ‬
‫ومن قول أبي صخر الهذلي‪:‬‬
‫صفور بَّللهَ القطر‬
‫لذكراك ه َِّّزة @ كما انتفَض العُ‬
‫ُ‬
‫وإنّي لت َ ْع ُروني ِّ‬
‫ومعنى االلتقاط‪ ،‬ويسمى أيضا ً بالتلفيق والترتيب‪ ،‬أن ينشر الشاعر المعاني المتقاربة‪ ،‬ويستخرج منها معنى مولدا ً يكون فيه كالمخترع‪،‬‬
‫وينظر به إلى جميع تلك المعاني‪ ،‬في قوم وحده مقام جماعة من الشعراء‪ ،‬وهو مما يدل على حذق الشاعر وفطنته‪ .‬ومن أحذق من فعل ذلك‬
‫المتنبي والمعري‪.‬‬
‫والبن رشيق أيضاً‪:‬‬
‫عندي لَيلة @ من العُمر لم تَتْ ُرك أليّامنا ذَ ْنبَا‬
‫ت الدّهر‬
‫ومن حسنا ِّ‬
‫َ‬
‫خلونا بها نَنفي الكرى عن ُجفوننا @ بلُ ْؤلُؤة مملوءة ذهبا ً سكبا‬
‫ومِّ ْلنا لتقبيل الخدود ولَثمها @ َممِّ يَل جياع ال ّ‬
‫ط ِّير تلتقُط الحبَّا‬
‫وقال أبو الحسن عبد الكريم بن فضال الحلواني في ابتداء قصيدة فريدة‪:‬‬
‫سا بِّي فذَا ُمناخ كري ُم @ هذه ُج َّمة وهذا تمِّ ي ُم‬
‫ع ِّ َّر َ‬
‫هذه الجنّةُ التي وعد هللا وهذا صرا ُ‬
‫طه المستقيم‬
‫وكان المعز ملك ص نهاجه‪ ،‬لم يقصده ذو حاجة إال وقضى حاجه‪ ،‬وعجل بذلك سروره وابتهاجه‪ .‬وإنما خلع المستنصر وأزال عنه الخالفة‪،‬‬
‫وأظهر معاندته وخالفه‪ ،‬بعد أن كان يظهر له وألبيه الظاهر الطاعة‪ ،‬ويبذل لهم االستطاعة‪ ،‬أن الجرجائي الوزير‪ ،‬أساء معه التدبير‪ .‬وأحفظه‬
‫بأشياء بلغته عنه‪ ،‬وعقارب مكايد دبت إليه من مصر منه‪ .‬وقال من له اإلجادة واإلحسان‪:‬‬
‫سيْف ت ُؤلُ ِّم ثم تَبْرا @ وال برء لما جر َح اللّسا ُن‬
‫ِّج َرا ُ‬
‫ح ال َّ‬

‫وإال فملك صنهاجة قديم‪ ،‬وشرفهم صميم‪ ،‬وذلك أن إفريقيس بن أبرهة ذي المنار بن الحرث الرائش بن شداد ‪ -‬ويقال‪ :‬شدد بن الملطاط ‪-‬‬
‫ابن عمرو ذي أب ين بن ذي يقدم بن الصوار بن عبد شمس بن وائل بن الغوث بن حيدان ابن قطن بن عريب بن زهير بن الغوث بن أيمن بن‬
‫الهمسيع بن حمير‪ ،‬خرج غازيا نحو المغرب في أرض البربر‪ ،‬حتى انتهى إلى طنجة‪ ،‬ونقل البربر من أرض فلسطين ومصر والساحل إلى‬
‫مساكنهم اليوم‪ ،‬وخلف مع البربر من خل ف من حمير اليمن‪ ،‬مثل صنهاجة وكتامة‪ .‬هذا قول ابن الكلبي‪ ،‬وبه قال أبو عبيد القاسم بن سالم‬
‫وأبو محمد بن يعقوب الهمداني‪ ،‬من ولد همدان بن مالك بن زيد بن أوسلة بن ربيعة بن الخيار بن مالك بن زيد بن كهالن ابن سبأ بن يشجب‬
‫بن يعرب بن قحطان‪ .‬وقد ذكر نسبه متصالً إلى ه مدان في كتاب اإلكليل المؤلف في أنساب حمير وأيام ملوكها‪ .‬وهو كتاب عظيم الفائدة‪ .‬قال‬
‫الهمداني‪ :‬ثم تقدم في المغرب‪ ،‬حتى بني مدينة إفريقية‪ ،‬وهي مشتقة من اسمه‪ ،‬وخلف في البربر قواما من حمير‪ ،‬ليردوهم على شاكلتهم‬
‫القديمة‪ ،‬ويأخذوا إتاوتهم‪ ،‬ويدبروا أمورهم‪ ،‬فهم إلى اليوم على ذلك‪ .‬ومنهم اليوم بالمغرب كتامه‪ ،‬ولواتة‪ ،‬وصنهاجة‪ ،‬وهم الغالبون على‬
‫المغرب اليوم‪.‬‬
‫حدثني بهذا الكالم نحو من عشرين شيخا ً ‪ -‬منهم الوزير الكاتب أبو عبد هللا محمد بن أبي القاسم بن عميرة‪ ،‬والمحدث أبو محمد عبد هللا بن‬
‫محمد بن عبيد هللا الحجري بفتح الحاء وسكون الجيم‪ ،‬من حجر بن ذي رعين ‪ -‬قالوا‪ :‬حدثنا نسابة األندلس الفقيه أبو محمد عبد اله بن علي‬
‫اللخمي المعروف بالرشاطي‪ .‬ونقلته من أصله وكتابه الذي سماه ب "اقتباس األنوار‪ ،‬والتماس األزهار‪ ،‬في أنساب الصحابة ورواة اآلثار"؛‬
‫إال ما فيه من نسب همدان‪ ،‬فإني نقلته من غيره‪.‬‬
‫قال الرشاطي‪ :‬فشرف صنهاجة أصيل‪ ،‬ومجدهم أثيل ورياستهم قديمة‪ ،‬ونسبتهم إلى حمير معلومة‪.‬‬
‫قال ذو النسبين‪ ،‬رضي هلل عنه‪ :،‬ووقاء السلطان تميم مشهور‪ ،‬وعلم ذكره بذلك منشور‪ .‬حدثنا غير واحد من شيوخنا‪ ،‬رحمهم هللا‪ ،‬ومنهم‬
‫الفقيه المحدث المفيد المقريء اللغوي النحوي أبو بكر محمد بن خير‪ ،‬بمسجده بإشبيلية سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة‪ ،‬قال‪ :‬حدثنا الفقيه‬
‫القاضي المقريء الخطيب أبو الحسن شريح ابن محمد بن شريح‪ ،‬قال‪ :‬أنبأنا حافظ األندلس الفقيه العالم أبو محمد علي بن أحمد بان سعيد‬
‫بن حزم في كتابه إلينا‪ ،‬قال‪ :‬حدثنا أبو البركات محمد بن عبد الواحد الزبيدي من ولد عبد هللا بن الزبير‪ ،‬قال‪ :‬حدثنا أبو علي حسين بن‬
‫األشكري المصري‪ ،‬قال‪ :‬كنت من جالس تميم بن أبي تميم‪ ،‬وممن يخف عليه جداً‪ ،‬قال‪ :‬فأرسل إلى بغداد‪ ،‬فابتيعت له جارية رائعة فائقة‬
‫الغناء‪ ،‬فلما وصلت إليه دعا جلساءه‪ ،‬قال‪ :‬فكنت فيهم‪ ،‬ثم مدت الستارة‪ ،‬وأمرها بالغناء‪ ،‬فغنت‪:‬‬
‫وبدَا له من بعد ما ان َد َمل الهوى @ برق تألَّق َموهنا ً لمعانُه‬
‫ب الذُّرى ممتنِّّع أركانُه‬
‫الرداء ودونَه @ ص ْع ُ‬
‫ُ‬
‫يبدو كحاشية ّ‬
‫فالنّار ما اشتملت عليه ضلوعُه @ والما ُء ما سمحت أجفانُه‬
‫قال‪ :‬فأحسنت ما شاءت‪ .‬فطرب تميم وكل من حضر‪ ،‬ثم غنت‪:‬‬
‫مفضل @ أوائله محمودة وأوا ُخر ْه‬
‫ست ُسليك ع ّما فات دولُةُ ِّ‬
‫مآز ُره‬
‫ثَنَى هللا عِّطفه وألّف شخصَه @ على ال ِّب ّر ُم ْذ شُدَّتْ عليه ِّ‬
‫قال فطرب تميم ومن حضر طربا شديدا‪ ،‬قال‪ :‬ثم غنت‪:‬‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫ع هللاَ في بغدا َد لي قمرا @ بالكَرخ من فلك األزرار مطلعُهُ‬
‫أستود ُ‬
‫قال‪ :‬فاشتد طر ب تميم‪ ،‬وأفرط جدا ثم قال لها‪ :‬تمنى ما شئت فلك مناك‪ .‬فقالت‪ :‬أتمنى عافية األمير وسعادته‪ .‬فقال‪ :‬وهللا ال بد لك أن تتمنى‪.‬‬
‫فقالت‪ :‬على الوفاء أيها األمير بما أتمنى؟ فقال‪ :‬نعم‪ .‬فقال‪ :‬أتمنى أن أغني بهذه النوبة ببغداد‪ .‬قال‪ :‬فانتقع لون تميم وتغير وجهه‪ ،‬وتكدر‬
‫المجلس‪ ،‬قام وقمنا‪ .‬قال ابن األشكري‪ :‬فلحقني بعض خدمه وقال لي‪ :‬ارجع‪ ،‬فاألمير يدعوك‪ .‬أرأيت ما امتحنا به؟ فقلت‪ :‬نعم أيها األمير‪.‬‬
‫فقال‪ :‬ال بد من الوفاء لها‪ ،‬وما أثق في هذا بغيرك‪ ،‬فتأهب لتحملها إلى بغداد‪ ،‬فإذا غنت هناك‪ ،‬فاصرفها‪ .‬فقلت‪ :‬سمعا وطاعة‪ .‬ثم قمت‬
‫وتأهبت‪ ،‬وأمرها بالتأهب‪ ،‬وأصحبها جارية له سوداء تعادلها وتخدمها‪ ،‬وأمر بناقة وبجمل " عليه هودج " فأدخلت فيه‪ ،‬وجعلها معي‪،‬‬
‫وصرت إلى مكة مع القافلة‪ ،‬فقضينا حجنا‪ ،‬ثم دخلنا في قافلة العراق وسرنا‪ .‬فلما وردنا القادسية‪ ،‬أتتني السوداء عنها فقالت‪ :‬تقول لك‬
‫سيدتي‪ :‬أين نحن؟ فقلت لها‪ :‬نحن نزول بالقادسية‪ .‬فانصرفت إليها وأخبرتها‪ ،‬فلم أنسب أن سمعت صوتها وقد ارتفع بالغناء‪:‬‬
‫ُ‬
‫لما وردنا القادسيَّة‬
‫الرفاقْ‬
‫حيث مجتم ُع َّ‬
‫أنفاس العراق‬
‫وشِّم ْمتُ من أرض الحجا @ ِّز نسيم‬
‫ِّ‬
‫أحب بجمع شمل وات ّفاق‬
‫أ ْيقَ ْنتُ لي ولمن ُّ‬
‫وضحكتُ من فرحِّ اللّقا @ ء كما بكيتُ من الف َِّراق‬
‫فتصايح الناس من أقطار القافلة‪ :‬أعيدي باهلل! أعيدي باهلل! قال‪ :‬فما سمع لها كلمة‪ .‬ثم نزلنا الياسرية‪ ،‬وبينها وبين بغداد نحو خمسة أميال‬
‫في بساتين متصلة ينزل الناس بها‪ ،‬فيبيتون ليلتهم ثم يبكرون لدخول بغداد فلما كان قرب الصباح‪ ،‬إذا بالسوداء قد أتتني مذعورة‪ ،‬فقلت‪:‬‬
‫مالك؟ فقالت‪ :‬إن سيدتي ليست بحاضرة‪ .‬فقلت‪ :‬ويلك! وأين هي؟ قالت‪ :‬وهللا ما أدري! قال‪ :‬فلم أحس لها أثرا ً بعد‪ .‬ودخلت بغداد‪ ،‬وقضيت‬
‫حوائجي بها‪ ،‬وانصرفت إلي تميم فأخبرته خبرها‪ .‬فعظم ذلك عليه‪ ،‬واغتم له غما شديدا‪ ،‬ثم ما زال بعد ذلك ذاكرا ً لها‪ ،‬واجما ً عليها‪.‬‬
‫قال ذو النسبين‪« ،‬ض» ‪ .‬وقد ذكر هذه الحكاية الشيخ الجليل اإلمام العالم أبو عبد هلل محمد بن أبي نصر الحميدي في جذوة المقتبس في‬
‫تاريخ األندلس قال‪ :‬حدثني أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب الفارسي الفقيه‪ ،‬وأماله علي باألندلس‪ ،‬فذكر ما ذكرناه حرفا‬
‫بحرف‪.‬‬
‫قال ذو النسبين «ض» ‪ :‬قرأت في كتاب األغاني ألبي الفرج علي بن الحسين العبشمي األصبهاني‪ ،‬أن هذا الشعر الذي فيه الغناء للشريف‬
‫أبي عبد هللا محمد بن صالح الحسني‪ ،‬وأوله‪:‬‬
‫وعاودَتْ َ‬
‫وتفرقَت بزمانه أشجانُه‬
‫أحزانُه @‬
‫طرب الفؤا ُد‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫وبداله‪....‬‬
‫وأمر بعض الملوك ابن رشيق بركوب البحر‪ ،‬فخاطبه بهذا الشعر‪:‬‬
‫غيري فديت ُك ْ‬
‫ب البحر في َ‬
‫الراءِّ‬
‫فاخ ُ‬
‫أمرتنَي ِّ بركو ِّ‬
‫صصْه بذا َّ‬
‫عجَل ِّ‬
‫َ‬
‫ما أنتَ نوح فَت ُ ْن ِّجينِّي سفينت ُه @ وال المسي ُح أنا أمشي على الماء‬
‫ومنهم زين الزمان‪ ،‬وفخر المكان‪ ،‬العالم‪:‬‬
‫أبو عبد هللا الجذامي‬
‫بن أبي سعيد بن شرف الجذامي‬
‫من ولد جذام بن عدي بن الحارث بن مرة بن أدد بن زيد بن يشجب ابن عريب بن زيد بن كهالن بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان‪ .‬كذا‬

‫نسبه أبو المنذر هشام بن محمد بن السائب الكلبي‪.‬‬
‫والبن شرف مصنفات عديدة‪ ،‬وأوضاع مفيدة‪ ،‬منها‪ :‬أبكار األفكار‪ ،‬في سفرين‪ ،‬اختراع كله في الحكم واألمثال؛ والنظم والنثر؛ وكتابه‬
‫المسمى بأعالم الكالم‪ ،‬مخترع أيضاً‪ .‬وكتابه المسمى بلمح الملح؛ إلى غير ذلك‪.‬‬
‫حدثني بها جماعة ال أحصيهم كثرة‪ ،‬منهم‪ :‬الوزير الفقيه المقري المحدث الشاعر اللغوي النحوي‪ ،‬المهندس الطبيب‪ ،‬واحد عصره‪ ،‬وفريد‬
‫دهره‪ ،‬أبو بكر محمد ابن الطفيل القيسي‪ ،‬عن ولده العالم الرباني روضة العلم األنف أبي الفضل جعفر بن محمد بن شرف‪ ،‬صاحب األوضاع‬
‫في جميع األنواع؛ ومنها‪ :‬كتاب الزمان‪ .‬عارض به "كتاب كليلة ودمنة"؛ وكتابه "عقيل وعليم"؛ وكتابه في النحو‪ ،‬على طريق‬
‫"البرهان"؛ وكتابه في العروض‪ ،‬كشف بع عن دقائق لم يسبق إليها العروضيون‪ .‬ومن النوادر جدا جدول جعله صفحة واحدة‪ ،‬كأنه صفحة‬
‫من الزيج‪ ،‬يتضمن استخراج ما سئل عنه من أبيات األعاريض كلها‪ ،‬سهلة كانت أو صعبة ومنها‪ :‬رسالته في اللعب باللعبة التي تسمى‬
‫"فريسيا" أي ملكة اللعب‪ ،‬يلعب بها كما يلعب بالشطرنج‪ ،‬وهي من غرائب الدهر؛ إلى غير ذلك من علمه المشهور‪ ،‬عند الخاصة‬
‫والجمهور‪.‬‬
‫وبسندنا إلى أبي عبد هللا محمد بن شرف قال‪ :‬أكثر ما يكون توارد الخواطر ووقوع االتفاق وما يقاربه‪ ،‬إذا طلب الشاعران أو الناثران معنى‬
‫واحدا في قافية واحدة أو سجع واحد‪ :‬أمرني السلطان المعز بن باديس وأمر الحسن بن رشيق في وقت واحد أن نعمل شعرا في "الموز"‬
‫على قافية الغين‪ ،‬فصنعنا للوقت‪ ،‬ولم يقف أحدنا على صنعة اآلخر‪ ،‬فقلت‪:‬‬
‫يا حبَّذا الموزُ وإسعادُه @ من قبل أن يَم ُ‬
‫ضغَه الماض ُغ‬
‫َس له @ فالف ُم مآلن به فارغُ‬
‫الَنَ إلى أن ال َمج ّ‬
‫سيّا ِّن قُلنا مأكل طيّب @ فيه وإال مشرب سائغُ‬
‫وقال ابن رشيق‪:‬‬
‫ُ‬
‫الماضغ‬
‫مضغ‬
‫قبل‬
‫من‬
‫@‬
‫ه‬
‫غ‬
‫سو‬
‫سريع‬
‫موز‬
‫ِّ‬
‫ِّ‬
‫مأكَله آلكل @ ومشرب لسائغِّ‬
‫لين به @ مآلنُ مث ُل فارغ‬
‫فالفَم من ِّ‬
‫قال ابن شرف‪ :‬واستخالنا المعز يوما وقال لنا‪ :‬أحب أن تصنعا لي شعرا تمدحان فيه الشعر الرقيق الخفيف‪ ،‬ربما كان في ساقي بعض‬
‫النساء‪ ،‬فأني أ ستحسنه‪ ،‬وقد عاب بعض الضرائر بعض من هذا فيه‪ ،‬وكلهن قارئات كاتبات‪ ،‬فأحب أن أريهن هذا‪ ،‬وأدعى لهن أنه قديم‪،‬‬
‫ألحتج به على من عابه‪ ،‬وأسر به من عيب عليه‪ .‬فانفرد كل منا‪ .‬وأتممنا الشعرين في الوقت‪ .‬فكان الذي صنعته أنا‪:‬‬
‫ح‬
‫يهب الشحي ُ‬
‫وبِّلقيسة ِّزينَتْ بشعر @ يَسِّير مث ِّل ما ُ‬
‫دقيق في َخ َدلَّجة َرداح @ خفيف مث ِّل جسم فيه ُروح‬
‫زغب الخدُود وك ُّل خ ّد @ به زغب فمعشوق مليح‬
‫حكى‬
‫َ‬
‫صروح‬
‫لها‬
‫العيون‬
‫َق‬
‫د‬
‫ح‬
‫فمن‬
‫@‬
‫زُجاجا‬
‫بلقيس‬
‫ح‬
‫َر‬
‫ص‬
‫فإن يكُ ْ ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫وصنع ابن رشيق‪:‬‬
‫يعيبُون ب ْلقِّيسيّةً إذ رأوا لَها @ كما قد رأى ِّمن تلكَ من نَصب الص َّْر َحا‬
‫ب ِّم ْلحا كمثل ما @ يزيد خدو َد ال ُمرد ت َْزغيبُها م ْلحا‬
‫وقد زادَها الت َّزغيُ ِّ‬
‫فعاب السلطان على ابن رشيق قوله " يعيبون بلقيسة وقال له‪ :‬قد أوجدت لخصمها حجة بأن بعض الناس قد غاب هذا‪ .‬وهذا نقد ما كنت‬
‫فطنت له‪.‬‬
‫فهذه المقطعات التي أوردت حديثها‪ ،‬واستطردت باتفاقها‪ ،‬لو رآها من عسى أن يراها وهو ال يعلم ما جرى‪ ،‬لم يشك أن أحد قائليها سرق من‬
‫اآلخر‪ ،‬وكم من مظلوم بريء ‪ ،‬نسب باتفاق خاطره وخاطر غيره إلى التلصص واإلغارة‪ ،‬نحو ما ألفه ابن وكيع عن المتنبي في كتابه الذي‬
‫سماه المنصف‪ ،‬وهو فيه جور من قاضي سدوم‪.‬‬
‫فمن شعر ابن شرف ما أنشدنا غير واحد‪ ،‬عن ولده عنه‪ ،‬وشعره في خمس مجلدات‪:‬‬
‫شت َّان في النُّطقَين ما بيننا @ وبينَنَا في ال َم ْن َ‬
‫ظ َرين اشتِّبا ْه‬
‫َجري مياه‬
‫ت‬
‫يا عجبا ً من ُحرقات الهوى @ ت َصع ُد نيرانا و ِّ‬
‫وأنشدونا له في عود قينة‪:‬‬
‫َ‬
‫ً‬
‫س‬
‫سقي هللا أرضا أنبت َت عُودكِّ الذي @ زكّتْ منه أعراق وطابتْ َمغ ِّار ُ‬
‫تغنّي عليه ال ّ‬
‫ير والعو ُد أخضر @ وغنَّت عليه الغِّي ُد والعو ُد يابس‬
‫ط ُ‬
‫وقال في مثله‪:‬‬
‫األشجار أنت فَال @ جفَا ثراها وال أغصانَها الما ُء‬
‫يا عو ُد من أية‬
‫ِّ‬
‫َمام زمانا ً وهي َخضراء‬
‫غنَّي القيانُ عليها وهي يا ِّبسة @ بع َد الح ِّ‬
‫وقال في اجتماع البعوض والذباب والبراغيث في مجلس‪ ،‬مخاطبا لصاحبه يستهزيء به‪:‬‬
‫ُ‬
‫لكَ مجلس كملتْ‬
‫حديث‬
‫بشارت ُنا به @ للًّهو لكن تحتَ ذاك‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ويرقص البرغوث‬
‫البعوض‬
‫غنَّي الذّباب وظ ّل يز ُمر حوله @ فيه‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫وأنشدونا أيضا ً له‪:‬‬
‫إن ت ُ ْلقِّك الغُربةُ في معشر @ تطابَقُوا فيك على بُ ْغ ِّضه ْم‬
‫فدارهم ما دمتْ في دارهم @ وأرضهم ما دمت في أرضهم‬
‫ِّ‬
‫وله‪:‬‬
‫َّ‬
‫ُّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫صنم من الكافور بات ُمعانقي @ في ُحلتين تعَفف وتكّرم‬
‫َ‬
‫ق أدمعي كالعَ ْندم‬
‫فكَّرتُ ليلةَ وصله في صدَّه @ فجرتْ سواب ُ‬
‫فطفقتُ أمس ُح مقلتي في نَحرها @ إذ عادةُ الكافور إمساكُ الدَّم‬
‫وهذا شعر وطب‪.‬‬
‫وأنشدونا البنه أبي الفضل‪:‬‬
‫ّمس فيه ال َح َم ُل‬
‫الربيع ال‬
‫ان ّ‬
‫تهجر الش ُ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫وعصركَ مث ُل َز َم ِّ‬

‫وقال من أبيات‪:‬‬

‫سيَر ال َمثَل‬
‫سمو النجوم @ وسارت أياديك َ‬
‫تسا َمتْ عُالك ُ‬
‫ألَمي لفقد الدّمع بعد فراقهم @ أل ُم الجراحة بالدَّم المحصور‬

‫ومنهم‪ :‬المرواني الطليق‬
‫شاعر رائق األلفاظ‪ ،‬رقيق المعاني‪ ،‬يجاري ويباري في الخمريات الحسن بن هانئ‪ .‬فمن خمريات التي يغني بها قوله من أبيات‪:‬‬
‫ثوب نُور من سنَاها يَقَقَا‬
‫رب كأس قد كَست‬
‫َ‬
‫شخص ال ُّدجَى @ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ً‬
‫أرقَا‬
‫ِّي‬
‫ن‬
‫عي‬
‫ث‬
‫ُور‬
‫ت‬
‫ِّنة‬
‫س‬
‫@‬
‫رفه‬
‫ط‬
‫في‬
‫ا‬
‫رش‬
‫ظ ْلتُ أسقيها‬
‫َ‬
‫ِّ‬
‫بر َزت في ناصع من كفّه @ كشُعاع الشمس وافَي الفَلقَا‬
‫َ‬
‫ساقي الم ِّ ّحيي َمش ِّْرقا‬
‫مغربا ً @ وي ُد ال ّ‬
‫أصبحتْ شمسا ً وفُوه ِّ‬
‫فإذا ما َ‬
‫شفَقا‬
‫غربت في فَمِّ ه @ أطلَعت في الخ ّد منه َ‬
‫انظر ما أغرب استعارته "المغرب" لفيه‪ ،‬وما أبدع قوله‪" :‬أطلعت في الخد منه شفقا" في التشبيه‪ .‬وأما جمعه في "الفم" بين هاء الضمير‬
‫والميم‪ ،‬فال يصح في الوزن المستقيم‪ .‬قال النحويون‪ :‬والفم‪ ،‬إذا أفرد كان بالميم‪ ،‬فإن أضفته لتجمع بين الميم واإلضافة‪ .‬تقول‪ :‬هذا فوك‪ ،‬وال‬
‫يحسن‪ :‬فمك إال في الشعر‪ ،‬قال الشاعر‪:‬‬
‫ت ال يُرويه شيء يَ ْل َه ُمه @ يُصبح عطشان وفي الماء فمهُ‬
‫كالحو ِّ‬
‫اللهم‪ :‬شدة االبتالع ‪ -‬وال يجوز تشديد هذه الميم بحال في الكالم‪ ،‬وقد جاء فليال في الشعر‪ ،‬قال الراجز‪ :‬وأسطمة النسب‪ ،‬وأطمسته‪ ،‬على‬
‫القلب‪ :‬وسطه ومجتمعه فأتى في هذا البيت الهاء مع الميم المشددة‪.‬‬
‫وأنشدني سيدي أبي "ض"‪ ،‬قال‪ :‬أنشدنا الفقيه الفاضل أبو القاسم عبد الرحمن بن الوزير أبي علي كاتب مؤنس‪ ،‬قال أنشدني أبي‪:‬‬
‫تقوس بعد طو ِّل العمر ظهري @ وداستني اللّيالي أي د َْوس‬
‫ّ‬
‫فأمِّ شى والعصَا تمشي أمامي @ كأنَّ قَ ِّوامها وتر لَقِّوس‬
‫وأنشدني غير واحد من شيوخ األفارقة‪ ،‬لألديب الماهر أبي الحسن علي بن حبيب يصف بحر سفاقس في مده وجزره‪ ،‬وقد دخلتها فرأيت‬
‫معنى ما قال في شعره‪:‬‬
‫ُ‬
‫َّ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫صلى‬
‫سفاقس @ ذات ال َمصانع وال ُم َ‬
‫سقيا ألرض َ‬
‫َ‬
‫بلد يكاد يقول حين تزوره أهال وسهال‬
‫ضب تارة عنه وي ُمال‬
‫والبحر يَ ْن @‬
‫وكأَّنه‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫الرقبا َء ولَّي‬
‫ٌّ‬
‫صب يريد زيارةً @ فإذا رأى ّ‬
‫وأنشدني شيخ اإلتقان‪ ،‬وواحد أسانيد الفرقان‪ ،‬أبو العباس أحمد بن عبد الرحمن‪ ،‬سبط األستاذ أبي محمد المعزول‪ ،‬قال‪ :‬أنشدنا األستاذ‬
‫المقريء أبو داود‪ ،‬قال‪ :‬أنشدنا األستاذ المقريء اللغوي النحوي الشاعر أبو الحسن علي بن عبد الغني الحصري‪:‬‬
‫سقَ ِّم‬
‫طرفك دونِّي ص ّح بال ّ‬
‫يا ناثرا ً د َُّر عيني بل عقيقَ دمي @ ما بال ِّ‬
‫وما لتفّا َحت َْي خدَّيك أ ْينَعَت َا @ فأفطرتْ من ُه َما عيني وصا َم فمي‬
‫وقال في غالم اسمه هارون‪:‬‬
‫اس بعينيه فُت ُونَا‬
‫يا غزاالً فَتن النّ َ‬
‫أنت هاروتُ ولكن @ صحَّفوا تا َءك نُونا‬
‫وأنشدونا أيضا ً لألديب أبي الفتح عبد العزيز بن جعفر العذري‪:‬‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫الناس إلى حسن الذي أهوى و ُحزنِّي‬
‫نَظر‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫يعقوب مني‬
‫ف منه @ ورأوا‬
‫فرأوا يو َ‬
‫َ‬
‫س َ‬
‫وأنشدونا للشاعر المصيب أبي الحسن عبد الكريم بن فضال‪:‬‬
‫ق المطايا والركاب تسي ُر‬
‫للرحيل وقُ ّربت @ عِّتا ُ‬
‫ول ّما تدانوا ّ‬
‫محب للعناق يُشِّير‬
‫يدي ُمبادِّرا @ فقالوا‬
‫قلبي‬
‫وضعتُ علي‬
‫ُّ‬
‫َّ‬
‫بالعناق وإنما @ تداركتُ قَلبي حين كاد َيطير‬
‫لي‬
‫فقلت ومن‬
‫ِّ‬
‫وقال أبو زيد بن العمة في الشطرنج‪:‬‬
‫ح‬
‫هلّم إلى تدبير جيشين ُج ِّ ّمعا @ ِّرخاخ وأفيال و ُج ُرد سواب ُ‬
‫سالح إلى الو َ‬
‫ح‬
‫فأر َما ُحها ألُبَابنا والقَوائ ُ‬
‫تكبّرن عن حمل ال ّ‬
‫غى @ ْ‬
‫وأنشدني غير واحد‪ ،‬قالوا أنشدنا‪ :‬الوزير أبو بكر محمد بن محمد بن القصيرة من أبيات‪ ،‬يهنئ فيها بمولود‪:‬‬
‫ع لَفائِّفا َ‬
‫لم يسته َّل بُكا ً ولكن ُم ْنكِّرا ً @ أن لم تُعَ ُّد له الدُّرو ُ‬
‫ومن أبدع ما قيل في هذا المعنى قول األديب أبي بكر محمد بن أحمد بن محمد األنصاري اإلشبيلي المعروف باألبيض‪ ،‬وكان من فحول‬
‫شعراء المغرب المذكورين بالسبق في الشعر واألدب‪ ،‬ومات بعد خمس وعشرين وخمسمائة‪:‬‬
‫ع َ‬
‫سا‬
‫ت الخي ُل آذانا ً لصر َخته @ وأهت َّز كل ه َِّزبْر عند َما َ‬
‫أصا َخ ِّ‬
‫ط َ‬
‫ض المهد لما أبصَر الفرسا‬
‫تعشَّق الدّر َ‬
‫ع ُمذ شُدّت لفائفه @ وأبغَ َ‬
‫اض به @ فما امت َ‬
‫طى الخي َل إال و ْهو قد فَ ُرسا‬
‫الر َ‬
‫كض أيّام الم َخ ِّ‬
‫تعلَّم َّ‬
‫وأنشدونا البن فتوح‪:‬‬
‫و ُمدامة صفرا َء علّلني بها @ قمر كغصن البان في حركاتِّ ِّه‬
‫غرب إن بَدت من كفِّّه @ في فيه ثم تلُوح من وجناته‬
‫صفراء ت ُ‬
‫وأنشدني الفقيه القاضي المحدث النحوي أبو محمد عبد المنعم بن محمد ابن عيد الرحيم الخزرجي بمدينة غرناطة‪ ،‬قال‪ :‬أنشدني الوزير‬
‫الكاتب أبو عامر محمد بن أحمد بن عمر السالمي ‪ -‬صاحب كتاب الجمان‪ ،‬ونتائج الزمان‪ ،‬في ذكر الشعراء األعالم‪ ،‬في الجاهلية واإلسالم‪.‬‬
‫ومؤلف درر القالئد‪ ،‬وغرر الفوائد‪ .‬ومؤلف بستان األنفس‪ ،‬في نظم أعياد األندلس ‪ -‬ألبي الحسن بن مظفر‪ ،‬من اله مدينة ذاتية‪ ،‬في غالم‬
‫رآه في الحمام يضرب بالماء وجهه‪:‬‬
‫لقد نَعِّمتُ بح َّمام تطلَّع في @ أرجائه قمر وال ُحسنُ يُك ُملُه‬

‫األرداف تُحْ ِّجلُه‬
‫الجسم و‬
‫ِّ‬
‫أبصرت ُه كلّما َراقت محاسنُه @ ونَعمةُ ِّ‬
‫صقُله‬
‫كذا‬
‫ف لي‬
‫ت تَ ْ‬
‫أحمر الياقو ِّ‬
‫يرش بالماء َخدَّيه فقلت له @ ِّص ْ‬
‫َ‬
‫ُّ‬
‫طرفي سفّاك بصارمه @ دما َء قوم على خدّي فأغسلهً‬
‫فقال‪:‬‬
‫َ‬
‫قال وأنشدني لألديب األوحد أبي محمد بن عبد هللا بن سارة الشنتريني‪:‬‬
‫أعندَك أنّ‬
‫شفيع‬
‫بغير‬
‫ي‬
‫أوطار‬
‫َّيت‬
‫ض‬
‫فق‬
‫@‬
‫البدر بات ضجيعِّي‬
‫َ‬
‫ِّ‬
‫ِّ‬
‫جعلتُ ابنةَ العُنقود بيني وبينَه @ فكانت لنا أ ًّما وكان َرضيعي‬
‫قال ذو النسبين‪« ،‬ض» ‪ :‬أبو محمد بن سارة هذا‪ ،‬أدبه موفور‪ ،‬وشعره مشهور‪ ،‬لقيت جماعة من أصحابه‪ .‬ومات‪ ،‬رحمه هللا‪ ،‬سنة سبع‬
‫عشرة وخمسمائة‪ ،‬وانتقل من بلده شنترين إلى مدينة إشبيلية‪ ،‬وهو أوحش حاالً من الليل‪ ،‬وأكثر انفرادا ً من سهيل؛ فانتجع الوراقة على‬
‫كساد سوقها‪ ،‬وفساد طريقها‪ .‬فتركها وأنشد فيها‪:‬‬
‫وثمارها الحرما ُن‬
‫أما ال ِّو َراقة فهي أنك ُد حِّ رفة @ أغصانُها‬
‫ُ‬
‫شبهتُ صاحبها بإبرةَ خائط @ تكسو العراةَ وجس ُمها عُريان‬
‫وأنشدني الفقيه القاضي أبو محمد عبد المنعم الخزرجي قال‪ :‬أنشدني الوزير أبو عامر السالمي لنفسه ‪ -‬ونقلته من خطه ‪ -‬في خال خد‪:‬‬
‫ص ّد ِّه‬
‫ار بقلبي @ ثم هَّبتْ ري ُح َ‬
‫أوق َد النّ َ‬
‫فشرار النّ ِّار طارت @ فانطفت في ماءِّ خده‬
‫ُ‬
‫قال‪ :‬وأنشدني أيضا ً أبو عامر لنفسه في وصف النارنج‪:‬‬
‫أن ُ‬
‫ياض كأنَّه @ ديباجة بُسطت لقوم ُم َّج ِّد‬
‫الر ِّ‬
‫زهر ّ‬
‫ظر إلى ِّ‬
‫وكأنّما النّارنج في أغصانها @ زُهر الكواكب في سماءِّ زبرج َد‬
‫وأنشدني الفقيه المحدث المؤرخ الثقة القاضي أبو القاسم خلف بن عبد الملك ابن مسعود بن بشكوال األنصاري بمنزلة بمدينة قرطبة‪ ،‬قال‪:‬‬
‫حدثنا الثقة العدل أبو القاسم خلف بن محمد بن صواب اللخمي‪ ،‬قال‪ :‬أنشدنا المقريء اللغوي النحوي األديب أبو الحسن علي بن عبد الغني‬
‫الفهري الحصري لنفسه بمدينة مرسية سنة إحدى وثمانين وأربعمائة في جارية بيضاء منتقشة‪:‬‬
‫البياض َمالحةُ بل زادَا‬
‫ص‬
‫َخضَبت يَديها لون فاح ِّمها فما @ نَقُ َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫سوادا‬
‫اضبَة‬
‫البياض َ‬
‫ِّ‬
‫ما با ُل شيبي ت ُنكِّرين خِّ ضابَه @ وأراك خ ِّ‬
‫يدي وإنَّما @ بدَّلت ُه أسفا ً عليكَ حدادا ً‬
‫قالت نجيعُك في َّ‬
‫ودخلت على سلطان بلنسية ‪ -‬كان ‪ -‬العالم أبي عبد الملك مروان بن عبد هللا‪ ،‬ابن عبد العزيز في بستانه بحضرة مراكش وهو يتوضأ‬
‫للصالة‪ ،‬فنظر إلى لحيته‪ ،‬وقد اشتعلت بالشيب اشتعاالً فأنشدني لنفسه ارتجاال‪:‬‬
‫بانهدام بنائِّ ِّه‬
‫لجسمي‬
‫ّيب أيقنتُ أنّه @ نذير‬
‫ول ّما رأيت الش َ‬
‫ِّ‬
‫ابيض ُمخض َُّر النّبات فإنّه @ دليل على استحصادِّه وفنَائه‬
‫إذا‬
‫ّ‬
‫وأنشدني الوزير بليغ شرق األندلس أبو بكر بن مغاور في منزلة بمدينة شاطبة‪ ،‬قال‪ :‬سمعت القاضي الشهيد اإلمام أبا علي حسين بن محمد‬
‫الصدفي يقول‪ :‬سمعت الفقيه اإلمام األديب أبا زيد عبد الرحمن بن شاطر السرقسطي ينشدنا لنفسه‪:‬‬
‫ب‬
‫البياض‬
‫قد كنتُ ال أدري أليّ ِّة علَّة @ صار‬
‫ُ‬
‫لباس ك َّل ُمصا ِّ‬
‫َ‬
‫ّهر سحقَ ُمال َءة @ بيضا َء من شَيبي لفقد شبابي‬
‫حتى كساني الد ُ‬
‫فبذا تبيّن لي إصابةُ من رأى @ لُبْس البياض على ت ََوى األحباب‬
‫يقال‪ :‬ت َوى يتوى‪ ،‬بفتح الواو في الماضي‪ ،‬وبكسرها في المضارع‪ ،‬وهي لغة طئ‪ ،‬والمصدر‪ :‬ت ًَوى‪ ،‬مقصور؛ كل بالتاء المثناة باثنتين من‬
‫فوق‪ .‬ولغة أهل الحجاز‪ :‬ت َ ِّوى‪ ،‬بكسر الواو؛ ويَتْ َوى‪ ،‬بالفتح في المضارع‪ ،‬وهو اختيار الخليل‪ :‬كل ذلك إذ هلك‪ .‬ولبس البياض هي عادة أهل‬
‫األندلس في الحزن على موتاهم‪ ،‬استنوا ذلك من عهد بني أمية قصدا ً لمخالفة بني العباس في لباسهم السواد‪ ،‬ولذلك قال األستاذ النحوي أبو‬
‫الحسن الحصري‪:‬‬
‫إذا كانَ‬
‫لباس حزن @ بأندلس فذاك من الصَّواب‬
‫البياض‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ب‬
‫بياض شَيبي @ ألني قد ح َِّزنت عل ال َّ‬
‫ألم ت َرنِّي لبستُ‬
‫َ‬
‫شبَا ِّ‬
‫ولقيت بمدينة غرناطة الوزير األجل أبا بكر‪ ،‬محمد بن أبي العافية األزدي القتندي األصل األغرناطي المنشأ‪ ،‬وكان من بقايا األدباء وفحول‬
‫الشعراء‪ ،‬ورواة الحديث عن العلماء‪ .‬سمع كتاب الملخص وصحيح مسلم على فقيه شرق األندلس في زمانه الحافظ أبي محمد بم أبي جعفر‪.‬‬
‫وقرأ األدب على األستاذ أبي عبد هللا بن خطاب المرسى ‪ -‬عرف بالجزار‪ .‬وعلى األديب أبي عبد هللا محمد بن وضاح ‪ -‬يعرف بالبقيرة‪ .‬وقرأ‬
‫على الوزير أبي إسحاق الخفاجي نظمه ونثره في مجلدين‪ .‬وقرأ على األديب أبي الوليد يونس بن أبي عيسى الخباز‪ .‬وله شعر كثير وأدب‬
‫غزير‪.‬‬
‫مولده سنة ثالث شعرة وخمسمائة‪ ،‬وتوفي سنة أربع وثمانين وخمسمائة بأغرناطة‪ .‬سمعت منه وأجاز لي وألخي أبي عمرو وجميع ما رواه‬
‫ونثره ونظمه‪ .‬فمن شعره في الشيب‪:‬‬
‫سجعت على األيك الحَما ُم‬
‫ألمر ما أكاب ُد ك ّل شَجو @ إذا َ‬
‫ب الحِّ ما ُم‬
‫ألنَّ بياضَها كبياِّض شَيبي @ فمعنَى سجعها قَ ُر َ‬
‫وأنشدني هذا الوزير أيضا ً لنفسه في تفاحة بيد غالم وسيم يأكلها‪:‬‬
‫وال كتفّاحة حمرا َء همتُ بها @ إذ أشبهت خ ّد َمن قلبي متيَّ ُمهُ‬
‫س َمت بها كفُّه يوما ً إلى فَمِّ ه @ فخلتهُ‬
‫والمري ُخ يلثَمه‬
‫البدر‬
‫ِّ ّ‬
‫َ‬
‫اب سِّوى أن َراق َم ْبسِّمه‬
‫كأس صهباء م َعتَّقَة @ وال ح َب َ‬
‫أو شَاربا ً َ‬
‫وأنشدونا ألبي عثمان سعيد بن فتحون بن مكرم التجيبي في الشيب لنفسه‪:‬‬
‫تخ ُّ‬
‫ط ي ُد ّ‬
‫الزمان على عِّذارى @ سطورا ً من حروف الشّيب بِّيضَا‬
‫َ‬
‫صبحا بغيضَا‬
‫صبح @ ولم أر قبْلها ُ‬
‫فأبغضُها وإن كانت ك ُ‬
‫و دخلت على سلطان بلنسية المتقدم ذكره‪ ،‬بعد ذهاب ملكه‪ ،‬وانتثار سلكه‪ ،‬في داره بمدينة مراكش‪ ،‬وقد كان خطب له من حصن لقنت إلى‬
‫مدينة الردة‪ ،‬وكانت األوامر عنه فيها صادرة واردة؛ وهو يعالج سكرات الموت‪ ،‬وقد أشرف على الفوت؛ فأنشدني في ذلك الوقت الذي تذهل‬
‫فيه العقول‪ ،‬ويزول عنها المعقول‪:‬‬

‫َب لي منك عفوا ً @ تح ًّ‬
‫ط به وتغفر من ذنو ِّبي‬
‫إله ال َخ ْلق ه ْ‬
‫وسعتَ الخلق إجماالً وفضالً @ فهل لي في نوالك من ذَنوب‬
‫الذنوب‪ ،‬في اللغة‪ :‬الحظ والنصيب‪ ،‬ومنه قول علقمة بن عبدة‪:‬‬
‫وب‬
‫حي قد خبطتَ بنعمة @ فحَّق لشَأْس من نَداك ذَنُ ُ‬
‫وفي ك ّل ّ‬
‫أي نصيب‪ ،‬ومنه قول الراجز أيضاً‪:‬‬
‫القليب‬
‫لنَا ذَنوب ولكم ذَنُوب @ فإن أبيت ُم فلنا‬
‫ُ‬
‫والذنوب‪ ،‬أيضاً‪ :‬الدلو العظيمة إذا ملئت أو قاربت الملء‪ ،‬وهو السجل أيضا ً فالموت نهاية كل عيش‪ ،‬وغاية كل ملك وجيش‪.‬‬
‫ومن مليح ما أنشدنيه‪ ،‬وقد ولي مكانه من ال يساويه وال يدانيه‪:‬‬
‫وال َ‬
‫أمس‬
‫سود َمعشر @ فيُضحِّ ى لهم يوم وليس لهم‬
‫غ ْر َو بعدي أن يُ َّ‬
‫ُ‬
‫غاربهَا الشّمس‬
‫كذلك نجوم‬
‫ّ‬
‫الجو ُ‬
‫تبدو زواهرا ً @ إذا ما توارتْ في َم ِّ‬
‫وأنشدني المحدث العدل أبو القاسم بن بشكوال‪ ،‬قال‪ :‬أنشدنا أبو القاسم ابن صواب المقريء قال‪ :‬أنشدنا األستاذ أبو الحسن الحصري لنفسه‬
‫في التجنيس‪:‬‬
‫ْ‬
‫س ْل رسولَك عنّي كيف ألفَانِّي‬
‫ق‬
‫والشو‬
‫وأنا‬
‫تني‬
‫ق‬
‫فار‬
‫ُ‬
‫إلفان @ فَ َ‬
‫َّ‬
‫ِّ‬
‫ان‬
‫قّبلتَ ُكتْبكَ من فرط الهوى قُبَال @ أقلُّهن إذا عدَّدت ألفَ ِّ‬
‫وكتب إلى العالم األديب الحسيب أبي محمد غانم بن وليد المخزومي‪:‬‬
‫لقد فاق في نَثْره غانم @ بدي َع ّ‬
‫سه‬
‫الزمان وقابو َ‬
‫َ‬
‫وروى ال ّ‬
‫سه‬
‫ظما َء بماء النّع @ يم فال‬
‫عيش إال َوقى بُو َ‬
‫َّ‬
‫َ‬
‫بديع الزمان‪ ،‬هو عالمة همذان‪ ،‬وصاحب المقامات المبتكرات الحسان‪ .‬وقابوس؛ وهو الملك شمس المعالي بن وشمكير الديلمي صاحب‬
‫طبرستان وجرجان‪ .‬وله نثر بديع ومنظوم‪ ،‬وبصر بأحكام النجوم‪ ،‬ذكره مشهور معلوم‪ ،‬وهو القائل‪:‬‬
‫صر ِّوف الدّهر عيَّرنا @ هل عانَد الد ْه ُر إال من له خط ُر‬
‫قُل للذي ِّب ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫تقر بأقصى قَعره الدُّر ُر‬
‫س‬
‫ت‬
‫و‬
‫@‬
‫يف‬
‫ج‬
‫فوقه‬
‫و‬
‫ف‬
‫يط‬
‫البحر‬
‫أما ت َرى‬
‫ْ ُّ‬
‫ِّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫وإن تكن نشَبتْ أيدي الزمان بنا @ ونالنا من ت َمادي بُؤسه ضَر ُر‬
‫ّمس والقم ُر‬
‫ففي السّماءِّ نجو ُم مالها عدد @ وليس يُك َ‬
‫س ُ‬
‫ف إال الش ُ‬
‫وأ نشدني شيخنا الوزير الفقيه المحدث الكاتب السامي المراتب‪ ،‬أبو عبد هللا محمد بن أبي القاسم بن عميرة‪ ،‬قال‪ :‬أنشدنا الفقيه اإلمام‬
‫المحدث المفسر أبو الحسن علي بن عبد هللا بن موهب الجذامي‪ ،‬يعرف بابن الرقاق‪ ،‬بالراء المهملة‪:‬‬
‫سهر اللّيال @ يكي ُل دموعهَ َك ْيالَ‬
‫ُمحُّبك يَ ُ‬
‫الرضا نَيال‬
‫من‬
‫ينال‬
‫@‬
‫وال‬
‫ل‬
‫ت ُمنِّّيه الوصا َ‬
‫ِّ ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ستقتله كما فعلت @ بقيْس قبله ليْلى‬
‫وسأل شيخنا القاضي الفقيه ببلنسية أبو الحسن محمد بن واجب شيخنا اإلمام المحدث المفسر أبا الحسن بن الرقاق‪ ،‬كم تحفظ من الشعر‪:‬‬
‫فقال‪ :‬ألف قطعة مثل هذه في الحسن‪ ،‬وأنشد‪:‬‬
‫ست َ ِّبق‬
‫وشا ِّدنَين ألَ َّما بي على ِّمقَة @ تنَازعا ال ُحسن في غايات ُم ْ‬
‫ق‬
‫كأن ِّل َّمةَ ذا من نَرجس ُخلقت @ على بَهار وذا مسك على َو ِّر ِّ‬
‫َق‬
‫وحكَّما الص ّ‬
‫ّب في الت ّفضيل بينهما @ ولم َيخافا عليه ِّر َ‬
‫شوةَ ال َحد ِّ‬
‫ً‬
‫الري ُم ُحجَّته @ مبيّنا بلسان منه ُمنطلق‬
‫فقام يُدلي إليه ّ‬
‫َعري مقطوع من الغسق‬
‫فقال و ْج َ‬
‫هي بدر يُستضاء به @ ولونُ ش َ‬
‫سحر أحسن ما يُ َ‬
‫عزي إلى الحَدق‬
‫وكحل‬
‫عيني سِّحر للنُّهى وكذا @ ك ال ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫في مت ّفق‬
‫لمقال‬
‫فاستمع‬
‫كن‬
‫@‬
‫ل‬
‫ك‬
‫ف‬
‫وص‬
‫أحسنت‬
‫صاحبه‬
‫وقال‬
‫َّ‬
‫تغرب وشُقرةُ شعري شقرةُ الشّفق‬
‫أنا على أفُقي‬
‫شمس النّهار ولم @ ُ‬
‫ُ‬
‫ُعزي إلى َّ‬
‫عيني من َز َرق @ أنَّ األسنَّةَ قد ت َ‬
‫الزرق‬
‫في‬
‫عيب‬
‫وفضل ما‬
‫َ‬
‫َّ‬
‫قضيتُ للّمة الشقراء حيث حكتْ @ لونِّي كذا حبُّها يقضي على َر َمقي‬
‫فقام ذو اللّمة السّوداءِّ ترشُقُني @ سها ُم أجفانِّه من شدّة ال َحنَق‬
‫الجور منك على @ قلبِّي ولي شاهد من دمع َي الغَ ِّدق‬
‫وقال‪ :‬جُرتَ ؛ فقلت‬
‫ُ‬
‫فقلت عفَوك إذ أصبحتُ مت َّهما @ فقال دونك هذا الحب َل فاختَنِّق‬
‫وهذه القطعة للفقيه أبي أيوب سليمان بن محمد بن بطال البطليوسي‪ ،‬يعرف بالملتمس ‪ -‬والمتلمس في اللغو معناه‪ :‬الطالب ‪ -‬وهو صاحب‬
‫كتاب "األحكام مما ال يستغني عن علمه الحكام" وصل إليه فتيان‪ :‬أحدهما ذو لمة شقراء‪ ،‬واآلخر ذو لمة سوداء‪ ،‬يتحاكمان عنده أيهما‬
‫أجمل‪ .‬فقال هذه األبيات‪ .‬فتكلم بألسنة المجيدين‪ ،‬وتصرف المطبوعين؛ فجمع هللا العظيم له براعة الفقهاء‪ ،‬وبالغة الشعراء النبهاء‪.‬‬
‫وأنشديني الفقيه القاضي بمدينة دانية أبو عبد هللا محمد‪ ،‬ابن الفقيه القاضي بسبتة أبي الفضل عياض بن موسى بن عياض اليحصبي‪ ،‬قال‪:‬‬
‫أنشدني أبي لنفسه‪ ،‬في خامات زرع‪ ،‬بينها شقائق نعمان‪ ،‬هبت عليه ريح‪:‬‬
‫انظر إلى َّ‬
‫الريا ْح‬
‫الزرع و َخاماته @ ت َحكي وقد ما َ‬
‫ست أما َم َّ‬
‫ق النعمان فيها ِّج َراح‬
‫كتيبةً خضرا َء َمهزومةً @ شقائ ُ‬
‫الخامة‪ :‬القصبة الرطبة من الزرع‪ .‬وأنشدني أيضاً‪ ،‬قال‪ :‬أنشدني أبي لنفسه رحمه هللا‪:‬‬
‫غير مكترث @ لكنَّه لل ّ‬
‫قم أوصَى بِّي‬
‫ضنَى وال ُّ‬
‫س ِّ‬
‫يا من تح َّمل عنّي َ‬
‫َ‬
‫تركت َني مستها َم القلب ذا ُح َرق @ أخا ج ًَوى وتباريح وأوصاب‬
‫سهرا ً @ كَأنني راصد للنّجم أو صابي‬
‫أراقب النّج َم في ُجنح الدّجى َ‬
‫ظل في ال ّ‬
‫وما وجدتُ لذيذَ النوم بعدكُم @ إال َجنَى َح ْن َ‬
‫عم أو صاب‬
‫ط ِّ‬
‫قوله‪ :‬أوصى بي‪ ،‬من الوصية‪ .‬واألوصاب‪ :‬جمع وصب‪ ،‬وهو المرض َو ِّصب يَ ْوصَب فهو َو ِّصب‪ ،‬إذا لزمه وجع‪ .‬والصابي‪ ،‬يهمز وال يهمز؛‬
‫قرأ نافع‪ :‬الصابين والصابون حيث وقع من القرآن بال همز‪ .‬وذلك على وجهين‪ :‬أحدهما أن يكون خفت الهمزة؛ والوجه اآلخران يكون‪ :‬صبا‬

‫إلى اللهو يصبو صبواً‪ .‬والباقون يهمزون من قواهم‪ :‬صبأ في الدين صبوءا‪ ،‬فالصبأة‪ ،‬مثل‪ :‬كافر وكفرة‪ ،‬ومعناه الخارج من دين إلى دين‪،‬‬
‫ألنهم خرجوا من اليهودية والنصرانية إلى دين ثالث‪ .‬معظمهم يعبد الدراري‪ ،‬ومنهم من يعبد المالئكة؛و قبلة صالتهم من قبل مهب الجنوب‪.‬‬
‫ويزعمون أنهم على دين نوح‪ ،‬على نبينا وعليه السالم‪ ،‬وفيهم اختالف وكالم‪ .‬والصاب‪ :‬الصبر‪ ،‬وهو مر‪.‬‬
‫وأنشدني أيضا ً ألبيه‪:‬‬
‫ريش الجناحي ِّْن‬
‫هللا يعلم أنّي ُمنذ لم أركم @ كطائر خانَه‬
‫ُ‬
‫فلو قدرتُ ركبتُ البحر نحو ُك ُم @ فإنّ بُع َدكُم عنّي َجنَى َح ْينِّي‬
‫وأنشدنا أيضا ً ألبي محمد عبد هللا بن هارون من شعراء السبتيين المطبوعين في غالم رفاء‪ ،‬وكأن وجهه قمر سماء‪:‬‬
‫ب اعتقادِّي‬
‫يا رافيا ً قَ ْط َع كُ ِّ ّل ثوب @ ويا رشا ً َخ َّي َ‬
‫الهجر في فؤادي‬
‫بكف الوصال ترفُو @ ما قط َع‬
‫عسى ّ ِّ‬
‫ُ‬
‫وأنشدني أيضا ً قال‪ :‬أنشدني أبي لموسى بن عيسى السمسار البلغواطي في غالم أهدى له بنفسجا‪:‬‬
‫ما كان ألطفَه ب ُروح ُمحبِّّه @ إذ سلَّها منه بغير ت َح ُّرجِّ‬
‫س ِّجي‬
‫أهدَى إليه بَنف َ‬
‫سجا ً يَشت ُّمه @ فإذا به ِّرفقا ً دعا يا َ نَ ْف ُ‬
‫وهذه القبيلة يقال لها‪ :‬بلغواطة‪ ،‬بالم مفتوحة‪ ،‬وإسكان الغين‪ .‬والنسب إليها‪ :‬بغلواطي‪ .‬قرأته في كتاب " تثقيف اللسان‪ ،‬وتلقيح الجنان " ‪،‬‬
‫للقاضي الجليل أبي حفص بن عمر بن خلف الحميري المازري قال‪ :‬أخبرني بذلك اللغوي النحوي أبو بكر محمد بن البر التميمي‪ ،‬عن اللغوي‬
‫الكبير أبي عبد هللا القزاز‪ ،‬قال‪ :‬والعامة تقوله بالراء‪ :‬برغواطة‪ ،‬والصواب‪ :‬بلغواطة‪ ،‬كما تقدم‪.‬‬
‫وأنشدني أيضا ً قال‪ :‬أنشدني أبي الفقيه األديب أبي الحسن علي بن عمر‪ ،‬ابن اإلمام الفقيه عالم سبتة أبي محمد عبد هللا بن غالب‪:‬‬
‫ث الجفون كأنَّما @ من أرجل النَّمل است َفاد ِّعذَارا‬
‫ومهفهف َخنِّ ِّ‬
‫فتخالُه ليال إذا استقبلت َه @ وتخال ما يجري عليه نَهارا‬
‫وأنشدني أيضا ً ق ال‪ :‬أنشدني أبي‪ ،‬قال‪ :‬أنشدني الشيخ أبو علي الحسن ابن علي بن الفضل الفقيه‪ ،‬قال‪ :‬أنشدني خالك أبو بكر محمد بن علي‬
‫المعافري ‪ -‬المعروف بابن الجوزي ‪ -‬للكاتب أبي بكر عطاء‪ ،‬كاتب صاحب سبته الحاجب بهاء الدولة وكاتب أبيه قبله‪:‬‬
‫هوا‬
‫سأَمنع قَلبي أن يكونَ لكم َمثْوى @ وأستدفُع ال َب ْلوى وأستصرف اللّ َ‬
‫ضبَتْي َر ْ‬
‫الرضا إذ غد َْرت ُم @ وغدرت ُ ُم بين ال َحشَى ه ْ‬
‫ضوى‬
‫سرني بعد ّ‬
‫وما َّ‬
‫وصيّرت ُم العُتبي عِّتابا ً فكلّما @ أبّثُكُم شَجوى ت َزيدونني شَجوا‬
‫ستدنَي وإن كان ال يهوى‬
‫قضى هللا أن أ ْقصَي وأصفِّيكم الهوى @ وغيري يُ ْ‬
‫وما كان َ‬
‫ظنّي قبل ذا أنّ حاسدي @ ِّب َم ْنهَلكم يُروى وأنّي ِّ ال أ ُروي‬
‫علي وإنما @ شمات َةُ أعدائي أج ُّل من البَ ْلوى‬
‫لوى‬
‫ب‬
‫ال‬
‫وما جلَت‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫وأنشدني أيضا ً قال‪ :‬أنشدني للفقيه األجل أبي العباس أحمد بن سعيد ابن غازي السبتي يصف ناقة‪:‬‬
‫سرى جاءت كحرف النُّو ِّن‬
‫ح َْرف كمثل الصّا ِّد إال أنها @ بعد ال ُّ‬
‫كالبدر قَدَّره اإلله منازالً @ في األفق حت ّى عاد كالعُرجون‬
‫والحرف‪ :‬المسنة‪ .‬وقال أبو زيد سعيد بن أوس اللغوي‪ :‬هي النجيبة التي أنضتها األسفار‪ ،‬وأنكر على من قال‪ :‬هي المهزولة‪ .‬وقال صاحب‬
‫كتاب العين‪ .‬هي الصلبة‪ ،‬شبهت بحرف الجيل‪ ،‬ثم قال‪ :‬شبهت بحرف السيف في مضائها‪.‬‬
‫وأنشدني جماعة من شيوخي رحمهم هللا‪ ،‬منهم‪ :‬الشيخ الفقيه المقري المجود الخطيب المحدث أبو جعفر أحمد بن البلنسي‪ ،‬المعروف بابن‬
‫اليتيم‪ ،‬بجامع مدينة مالقة قال‪ :‬أنشدني العالم الزاهد المقريء األديب المتصوف أبو العباس أحمد بن محمد بن موسى بن عطاء هللا‬
‫الصنهاجي‪ ،‬المشهور بابن العريف‪:‬‬
‫سلُوا عن الشّوق من أ ْهوى فإنهْم @ أدنَى إلى النِّّفس من و ْهمي ومن نَفَسِّي‬
‫ما زلتُ مذ س َكنُوا قلبي أصونُ لهم @ لحْ ظِّ ي وسمعي ونُطقي إذ هُمو أنُسي‬
‫وفي الحشَا نَزلوا والوهُم يجرحهم @ فكيف قَ ُّروا على أذكى من القَبَ ِّس‬
‫حلُّوا الفؤادَ‪ ،‬فما أندى‪ ،‬ولو َوطِّ ئوا @ ْ‬
‫بجس‬
‫صخرا ً لجا َد بماء منهُ ُمنَ ِّ‬
‫ألنهضَنَّ إلى حشري بح ِّّبهم @ ال بارك هللا في َم ْن خانهم فَنَسِّى‬
‫وأنشدني الشيخ الفقيه األجل‪ ،‬إمام النحويين‪ ،‬قاضي قضاة المغرب‪ ،‬بقية أعالم مشيخة األندلسيين‪ ،‬أبو جعفر أحمد بن عبد الرحمن بن مضاء‬
‫اللخمي «ض» قال‪ :‬أنشد ني الفقيه اإلمام المفسر النحوي األصولي‪ ،‬القاضي بمدينة المرية أبو محمد عبد الحق بن اإلمام أبي بكر غالب بن‬
‫عبد الرحمن بن عطية المحاربي يمدح الملثمين ملوك المغرب المتقدمين‪:‬‬
‫بالريط حِّ ْلتَ وجوههم @ َ‬
‫اهر تبدو من فُتوق كَمائِّم‬
‫از َ‬
‫إذا لُثِّّموا ّ‬
‫وإن لُثِّّموا بالسابريةَّ أظهروا @ عيونَ األفاعي من جلود األراقم‬
‫وأنشدني شيخنا أيضا ً قال‪ :‬أنشدنا أستاذ المقريءين الفقيه الخطيب القاضي إشبيلية أبو الحسن شريح بن محمد بن شريح الرعيني قال‪:‬‬
‫أنبأنا اإلمام حافظ أهل زمانه أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري لنفسه في كتابه إلينا‪:‬‬
‫لئن أصبحتُ مرتحالً بشخصي @ فَ ُروحِّ ي عندكُم أبدا ً ُمقي ُم‬
‫لطيف م ْعنًى @ له سأل المعاينةَ الكليُم‬
‫ِّيان‬
‫ُ‬
‫ولكن للع ِّ‬
‫وأنشدني جماعة من شيوخي رحمهم هللا منهم األستاذ النحوي أبو القاسم السهيلي ‪ -‬واألستاذ كلمة ليست بعربية‪ ،‬وال توجد هذه الكلمة في‬
‫الشعر الجاهلي‪ .‬و أصطلحت العامة إذا عظموا المحبوب أن يخاطبوه باألستاذ‪ ،‬وإنما أخذوا ذلك من الماهر بصنعته‪ ،‬ألنه ربما كان تحت يده‬
‫غلمان يؤدبهم‪ ،‬فكأنه أستاذ في حسن األدب‪ .‬حدثني بهذا جماعة بغداد‪ ،‬منهم جمال الدين أبو الفرج ابن الجوزي رحمه هللا‪ .‬قال‪ :‬سمعته من‬
‫شيخنا اللغوي أبي منصو ر موهوب ابن أحمد الجواليقي‪ ،‬في كتاب المعرب من تأليفه وكان السهيلي فردا في زمانه‪ ،‬لبراعته في العلوم‬
‫وافتنانه‪ .‬قال‪ :‬أنشدني اإلمام العالم الزاهد أبو عبد هللا محمد بن معمر المذحجي قال‪ :‬أنشدني األديب الشاعر أبو القاسم خلف بن فرج‬
‫األلبيري ‪ -‬المعروف بالسميسير ‪ -‬لنفسه‪:‬‬
‫ْ‬
‫األغان‬
‫عنَّينني بضُروب‬
‫بعوض جَع ْلن دَمي قهوةً @ و َ‬
‫باب وهنّ القِّيان‬
‫كأنّ عُروقَي‬
‫الر ُ‬
‫وجسمِّ ي َّ‬
‫ُ‬
‫أوتارها @ ِّ‬
‫وأنشدني سيدي أبي «ض» للسميسر يصف الدهر وتقلبه بأهله‪ ،‬وذلك من فعل هللا ال من فعله‪:‬‬

‫اس مث ُل حَباب @ والدّهر لجّةُ ماءِّ‬
‫النّ ُ‬
‫فعالَم في طُفُ ّو @ وعالَم في انطفاء‬
‫وهجوه أكثر من مدحه‪ ،‬يا رب سامحه على قبحه‪ .‬له مجلدات سماها بشفاء األغراض‪ ،‬في أخذ األعراض‪.‬‬
‫وأنشدني الشيخ الفقيه األجل القاضي بجزيرة شقر أبو يوسف يعقوب ابن محمد بن طلحة بمنزلي بمدينة شاطبة‪ ،‬قال‪ :‬أنشدني الوزير األديب‬
‫الشاعر المصيب أبو إسحاق الخفاجي لنفسه‪:‬‬
‫ما ّ‬
‫ب‬
‫للزمان ي ُجوز في أبنائِّه @ ُحكْما ويرمقُهم بعين العائِّ ِّ‬
‫فيح ُّ‬
‫ع ْلوهم ويرفع سُ ْفلهم @ فكأنهم قلَم بيُ ْمني كاتب‬
‫ط ُ‬
‫وأنشدني األستاذ شيخ اإلتقان‪ ،‬وواحد أئمة الفرقان‪ ،‬أبو العباس أحمد بان عبد الرحمن‪ ،‬قال‪ :‬أنشدنا األستاذ أبو داود سليمان بن يحيى‪ ،‬قال‪:‬‬
‫أنشدنا األستاذ أبو الحسن الحصري لنفسه‪:‬‬
‫سيَّةُ بي @ وذاد عنّي ُ‬
‫موضي‬
‫ضاقتْ بَلَ ْن ِّ‬
‫غ ِّ‬
‫ث حَولِّي @ على ِّغنَاء البَعُوض‬
‫ص البراغي ِّ‬
‫َر ْق ُ‬
‫وأنشدني الوزير الكاتب الناظم الناثر العالم أبو يحيى أبو بكر بن عيد الغني‪ ،‬المعروف بابن الجنان‪ ،‬بمدينة مراكش سنة اثنتين وسبعين‬
‫وخمسمائة‪ ،‬قال‪ :‬أنشدني الوزير األديب أبو اإلصبغ بن رشيد‪ ،‬وقد هطلت بإشبيلية سحابة بقطر أحمر‪ ،‬يوم السبت الثالث عشر من صفر عام‬
‫أربعة وستين وخمسمائة‪:‬‬
‫لقد آن للنّاس أن يُقلعوا @ و َيمشُوا على ال َمنهج األَقو َم‬
‫ُ‬
‫الغيث يا غافالً @ كلَون العَقيق أبو العَ ْندم‬
‫عهد‬
‫متى ِّ‬
‫ً‬
‫للورى بالدَّم‬
‫أظنُّ الغمام في ّ‬
‫جوها @ بكَتْ رحمة َ‬
‫وفيها من غير هذا المعنى‪:‬‬
‫سرى في الثَّرى نميرا ً نَجيعَا‬
‫ال تك ُْن دائ َم الكآب ِّة م ّما @ قد َ‬
‫لَ َ‬
‫الرياض نَجيعا‬
‫ط َم البر ُ‬
‫ق صفحةَ ال ُمزن حت َّى @ سال منه على ّ‬
‫النجيع األول‪ ،‬من قولهم‪ :‬نجع الطعام ينجع نجوعا؛ كنا بقال‪ :‬نمير‪ .‬ونجع في الدابة العلف‪ ،‬إذا أثر فيها فسمت وقويت على المشي؛ وقد نجع‬
‫فيه الخطاب والوعظ والدواء‪ :‬دخل وأثر‪ .‬قال الثقة عبد هللا محمد بن أبي العباس اليزيدي‪ :‬النجيع‪ :‬ما نجع في البدن من طعام وشراب‪.‬‬
‫وأنشد لمسعود أخي ذي الرمة‪:‬‬
‫وقد عَلمتْ أسما ُء أنّ حديث َها @ نَجيع كما ما ُء السماء نجي ُع‬
‫والنجيع الثاني‪ ،‬من الدم‪ ،‬ما كان إلى السواد‪ .‬وقال األصمعي‪ :‬هو دم الجوف خاصة‪ .‬وفيها‪ ،‬وأستغفر هللا‪:‬‬
‫ْ‬
‫ليس ما قد َه َمي عذَابا ً‬
‫ب‬
‫ولكن @ هو عندي من الثُّغور ال ِّعذَا ِّ‬
‫َ‬
‫ق عن لِّثاَت عَيقق @ بين دُر من القِّطار ُمذَاب‬
‫ضَحكَ البر ُ‬
‫وأنشدني البن رشيد في دوالب‪:‬‬
‫أجش و َ‬
‫و َمجْ نَون إذا دَارت سمعتَ لها @ صوتا ً‬
‫ط ُّل الماء يَنهم ُل‬
‫َّ‬
‫سمعوا @ منها ُحدا ًء بك َْوا للبَيْن وارت َحلوا‬
‫سها َركْب إذا َ‬
‫كأنّ أقد َ‬
‫األقداس‪ :‬جمع قدس بفتح القاف والدال‪ ،‬والعامة تقول‪ ،‬قادوس‪.‬‬
‫وأنشدني له في اللغز‪ ،‬في فتى أسمه مالك‪:‬‬
‫سم عن عَقيق فوقَ د ُِّر‬
‫ب‬
‫ت‬
‫@‬
‫بدر‬
‫ق‬
‫َقي‬
‫ش‬
‫فون‬
‫ج‬
‫ال‬
‫ي‬
‫غزال‬
‫ُ‬
‫ُّ ُ‬
‫َّ َ‬
‫أي سِّحر‬
‫أي ِّ مسك @ له نفَثات سحر َّ‬
‫له نفحاتُ مسك ّ‬
‫والهونَ منه @ فقال عليك باسمِّ ي سوف تدري‬
‫شكوتُ له الهَوى‬
‫ْ‬
‫تعملّتُ القَساوةَ من س َم ّي ِّ @ وأحرقتُ القلوب بنار هجري‬
‫وأنشدني الفقيه األجل العالم الحسيب أ بو الحسن علي بن أحمد بن علي ابن فتح‪ ،‬وهو لبال بن أمية بن إسحاق القرشي األموي‪ ،‬بمنزلة‬
‫بمدينة شريش شذونة‪ ،‬وهو عين ذلك المصر‪ ،‬وفارسه في الفقه والنظم والنثر؛ ولي القضاء به فحمدت في ذات هللا مآثره وآثاره‪ ،‬وسارت‬
‫في العدل أخباره؛ يتشوق إلى الروضة المقدسة الطاهرة‪ ،‬ويسلم على محمد سيد ولد آدم في الدنيا‪ ،‬وسيد الناس في اآلخرة ذي اآليات‬
‫البينات والمعجزات الباهرة‪ ،‬صلى هللا عليه ما زهرت الكواكب ودارت األفالك الدائرة‪.‬‬
‫سالم وال أ ْق َرا سالما ً على ه ْند @ صرفتُ إذا ً‬
‫الرش ِّد‬
‫مسراي عن َم ْ‬
‫سلَكِّ ُّ‬
‫َ‬
‫سعد‬
‫قمر ال َّ‬
‫على قَمر لو أطلعتْه ي ُد الثَّرى @ لقصَّر عن ألألئه ُ‬
‫نوره @ كما يفض ُل الحُّر الكري ُم على العَبد‬
‫وأربى على نُور الغَزالة ُ‬
‫ق عن مِّ سك ندى وعن نَ ِّ ّد‬
‫ُرب الضريح بطيبه @ فيعبَ ُ‬
‫فطاب به ت ُ‬
‫َ‬
‫الورد‬
‫صفحة‬
‫من‬
‫وسان‬
‫س‬
‫ال‬
‫صفحة‬
‫به‬
‫@‬
‫َّبا‬
‫ص‬
‫ال‬
‫د‬
‫ي‬
‫ِّي‬
‫ن‬
‫ُدا‬
‫ت‬
‫و َيضحكُ عن ِّر ْوض‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َّ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫ُ‬
‫ف ُ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫يمرغ لوعة @ بت ُربه ذاك الق ِّبر خدا إلى خ ِّ ّد‬
‫طوبَى لمن أضحى ّ‬
‫ٌّ‬
‫ُ‬
‫الرعد‬
‫بني عليه من تألبؤ نوره @ تأللؤ برق أ ْ‬
‫س َرجته يَ ُد ّ‬
‫نما من قُريش في ذُؤابِّة هاشم @ فما شِّئتَ من فضل عَميم ومن َمج ْد‬
‫ذكي المسكِّ من جنةَّ ال ُخل ِّد‬
‫سالم عليه ما تغنَّت حمامة @ وفا َح ُّ‬
‫ت من نَجد‬
‫صبَا @ أال يا صبا نَجد متى هج ِّ‬
‫ق إن هبَّت ال َّ‬
‫وما أنشد المشتا ُ‬
‫وأنشدني أيضا ً لنفسه في الجلمين‪:‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َّ‬
‫واعتناق‬
‫و ُمعتنِّقين ما ات ُّهما بعشْق @ وإن ُو ِّصفا بِّض ّم‬
‫ِّ‬
‫لعَ ْمر أبيك ما اجت َمعا لمعنًى @ سِّوى َمعنى القَطيعة والفَراق‬
‫وأنشدني أيضا ً في محبرة عناب محالة بفضة‪:‬‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َّ‬
‫َّفق‬
‫ش‬
‫ال‬
‫من‬
‫ة‬
‫ل‬
‫مجدو‬
‫سر‬
‫ن‬
‫بال‬
‫@‬
‫جمة‬
‫ل‬
‫م‬
‫هالل‬
‫بال‬
‫لة‬
‫ع‬
‫ن‬
‫م‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ِّ‬
‫سق‬
‫كأنّما حِّ ب ُْرها ت َ ّميع في @ فُرضتها سائالً من الغَ َ‬
‫فأنظر إلى األفُق‬
‫فأنتَ مهما ت ُر ِّد شَبيهَتها @ في كُ ِّ ّل حال‬
‫ُ‬

‫وله في محبرة آبنوس‪:‬‬

‫و َخديمة للعِّلم في أحشائِّها @ َكلَف ب َج ْم ِّع حَرامه وحَالل ِّه‬
‫لبِّستْ ردا َء اللّيل ث ّم توشَّحت @ بن ُجومه وتَت ََّوجت بِّ ِّهالَله‬

‫وأنشدني لنفسه في اللغز‪:‬‬
‫سبِّيئتان اثنتان هذى @ ح ٌّل ُمباح وذِّي ح ََرا ُم‬
‫َ‬
‫قُل لذَ ِّوي العلم َخ ِّبّ ُروني @ ما الحِّ ُّل منها و ُما الحرا ُم‬
‫السبيئة األولى‪ :‬هي شاة المسلوخة‪ ،‬يقال سبأت الجلد‪ ،‬إذا سلخته؛ والثانية‪ :‬الخمر‪.‬‬
‫وأنشدني أيضا ً في الغز لنفسه‪:‬‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫جوز أش ُّد عندي @ وأقت ُل من ُمعانقة العَحوز‬
‫ُمعَانقة العَ ِّ‬
‫أمر عندي @ وال بألذّ من بَ ْول العَجوز‬
‫وما ريق العَجوزُ ُّ‬
‫العجوز األولى‪ :‬المرأة المسنة‪ ،‬والثانية‪ :‬السيف؛ والثالثة‪ :‬الخمر؛ والرابعة‪ :‬البقرة؛ وبولها‪ :‬لبنها‪.‬‬
‫وله‪ ،‬حجازية‪:‬‬
‫َّ‬
‫َ‬
‫ب ال ِّبي ِّد في البُكَر‬
‫س‬
‫ال‬
‫من‬
‫@‬
‫ُبنا‬
‫ئ‬
‫ركا‬
‫ت‬
‫ل‬
‫ك‬
‫وقد‬
‫ل‬
‫أقو‬
‫َى‬
‫ت‬
‫م‬
‫ُ‬
‫ُّ‬
‫رى وارتكا ِّ‬
‫َ‬
‫سحَر‬
‫يا نائمين على‬
‫طي ب ِّذكْر هللاِّ في ال َّ‬
‫ِّ‬
‫األكوار وي ُحكُم @ شُدُّوا ال َم َّ‬
‫َ‬
‫عتْ‬
‫س ُمر‬
‫وال‬
‫وق‬
‫ف‬
‫لحمائم‬
‫ق‬
‫ر‬
‫و‬
‫@‬
‫ج‬
‫س‬
‫وقد‬
‫ِّينا‬
‫د‬
‫َا‬
‫أ َما سمعت ُم بح‬
‫األيكِّ‬
‫ُ ُ‬
‫َ َ‬
‫َّ‬
‫ّ‬
‫الركْن والحَجر‬
‫هذي البِّشارةُ يا ُحجَّاج قد وجبتْ @ غدا ً ت َ ُحطون بين ُّ‬
‫ومن شعراء األندلس الذي فاخرت به شعراء العراق‪ ،‬وأجلب به المغرب على المشرق وجلبت إليه من أنفاسه نفائس األعالق‪ ،‬وسارت‬
‫أشعاره سير األمثال في اآلفاق‪ ،‬الشاعر الرقيق‪:‬‬
‫أبو الحسن ابن الزقاق‬
‫علي بن عطية بن الزقاق‬
‫وقد حدثني بديوانه‪ ،‬جماعة من أخدانه‪ .‬منهم األديب الوزير‪ ،‬أبو بكر يحيى ابن محمد األنصاري األركشي‪ ،‬أتحفه هللا برداء عرفانه‪ .،‬فمن‬
‫بديع شعره ومنظوم دره قوله‪:‬‬
‫س ْهدَا‬
‫لعمر أبيهَا ما نكثتُ لها َ‬
‫ع ْهدَا @ وال فارقتْ عَيني لفُرقتها ال ُّ‬
‫ُ‬
‫عصي على َ‬
‫سعدى‬
‫سعدى بأن‬
‫ط ْوعِّي ألجفانِّها ُ‬
‫أتأمرني ُ‬
‫أهجر الكَرى @ وأ ِّ‬
‫َ‬
‫سرى @ وال عَرفَت إبْلى ذَميال وال و ْخدا‬
‫بَرئتُ إذا من ُ‬
‫الركب وال ُّ‬
‫صحبة ّ‬
‫ب ُم ْز ِّبدا‬
‫وليل طرقتُ الخِّ د َْر فيه وللدُّجى @ ُ‬
‫عبَاب ت َرا ُه بالكوا ِّك ِّ‬
‫وأسحب من ضافي العفاف به بُردا‬
‫ف المالك ّية ت َحته @‬
‫أجاذب ِّع ْط َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫نعمتُ بها واللي ُل أسو ُد فاحم @ يغازل منها األسو َد الفاحِّ م ال َج ْعدا‬
‫أر أشهَى من لَ َماهَا ُمدامة @ ولم أر أذكى من تَنُّفسِّها نَدَّا‬
‫فلم َ‬
‫س ُم ع ّما قُلّدتْه فأجت َلى @ ب ْمبَسمِّها د ُّرا ولَبَّتها ِّع ْقدا‬
‫تب َّ‬
‫الو ْردا‬
‫ويَعب ُ‬
‫ق ريَّاها إذا هَّبت الصَّبا @ فيحم ُل عنها نشُرها العنبَر َ‬
‫الري َح عن نَجد تخ ِّبّ ْرك أنَّها @ مع َّ‬
‫طرةُ األنفاس مذ سكَنت نَجْ دا‬
‫س ِّل ّ‬
‫َ‬
‫وأنّ الغَ‬
‫البانَ‬
‫والرندا‬
‫ها‬
‫ب‬
‫أش‬
‫اها‬
‫ذ‬
‫ش‬
‫بطيب‬
‫@‬
‫رتهما‬
‫َاو‬
‫ج‬
‫ذ‬
‫م‬
‫ِّدر‬
‫س‬
‫وال‬
‫ضا‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َّ‬
‫ّ ُ‬
‫وله في غالم يكسف نور البدر إذا طلع نور طلعته‪ ،‬وقد رمي بحجر فأنشق شقيق وجنته‪:‬‬
‫ِّسي ِّ الح ََو ْر @ سِّهاما ً يفُ ّ ِّوقهنّ النَّ َ‬
‫ظ ْر‬
‫وأحْ وى ُرمِّ ي عن ق ّ‬
‫س ُم محاسنه قد دَثر‬
‫ور ْ‬
‫يقولون َوجْنته قُ ّ‬
‫سِّمت @ َ‬
‫وما شّق وجنَت َه عابث @ ولكنّها آية للبشر‬
‫القمر‬
‫ق‬
‫جالهَا لنا هللا كيما نَرى @ بها كيف كان انشقَا ُ‬
‫ِّ‬
‫وله في خود مهتصر الخصر‪ ،‬خدلجة المعصم والساق‪ ،‬تطالع من طلعتها مقاتل الفرسان ومصارع العشاق‪:‬‬
‫و َخود ض َِّّم مِّ ئ َزُ رها َكثِّيبا ً @ يُها ُل وبُردُها ُ‬
‫ح‬
‫غصنا ً يَرا ُ‬
‫لها قُلُب أبي النُّ َ‬
‫ح‬
‫طق اكتتاما ً @ وس ُّر نِّطاقِّها أبدا ً ُمبَا ُ‬
‫ح‬
‫وقد أمرتْ ُهما بال َكتْ ِّم لكن @ أطا َ‬
‫ارها وعصَى الوشا ُ‬
‫ع س ِّو ُ‬
‫وله في ساق كأنما اعتصر من خده ما بيمينه‪ ،‬وأطلع في مشرق كأسه ما أشرق من جبينه‪:‬‬
‫ُّ‬
‫يحث الكأس وهي كأنَّما @ تألأل منها مث ُل ضوءِّ جبينِّ ِّه‬
‫وساق‬
‫صرف ال ُح َّميا عش َّيةً @ وثَنَّى بأخرى من َرحيق ُجفُونه‬
‫بها‬
‫سقاني‬
‫َ‬
‫هضي ُم الحشا ذو َوجْ نة عَندميّة @ ت ُريك قِّطاف الورد في غير حِّ ينه‬
‫فأشرب من يُمناه ما فوق خدّه @ وألثَم من خدّيه ما بيمينه‬
‫وله في محبوبة له‪ ،‬ودعها واستودعها قلبه‪ ،‬فاستصحبته معها‪:‬‬
‫الري َح البليالَ‬
‫دب َر ْ‬
‫أأ ْن ُ‬
‫س َم د َِّارهُم ال َمحيالَ @ وأسأل عنهم ّ‬
‫و ِّبي هيفا ُء من َ‬
‫ف ال َم ِّهيالَ‬
‫ظبْيات نجد @ تُضَاهِّي الغُصن والحِّ ْق َ‬
‫ت ال ُحموالَ‬
‫أقول وقد ت َوارت يو َم ح َْز َوي @ ِّبكلَّتها وأشغَفَ ِّ‬
‫كرهِّت بأن يَنالكِّ لح ُ‬
‫ت أحشائي َمقبالَ‬
‫ظ عَيني @ فكيف َر ِّضي ِّ‬
‫ْ‬
‫وقال أيضا‪:‬‬
‫صهُ‬
‫بأبِّي‬
‫ف الوشاحِّ َخمي ُ‬
‫وغير أبِّي أغنُّ ُمهفهف @ َمهضو ُم ما َخ ْل َ‬
‫ِّ‬
‫لبس الفؤا َد َّ‬
‫صه‬
‫وسف حين قُ َّد قمي ُ‬
‫ومزقتْه ُجفُونه @ فَأتى كيُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫وله في اإلشارة إلى دقة الخصر‪:‬‬
‫ُ‬
‫َّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫صنَ‬
‫ارتْ‬
‫جْر‬
‫ف‬
‫ال‬
‫إلى‬
‫منها‬
‫البان‬
‫غ‬
‫@‬
‫ي‬
‫ع‬
‫ج‬
‫ض‬
‫م‬
‫يل‬
‫ل‬
‫ال‬
‫مع‬
‫ز‬
‫وآنسة‬
‫فعانقتُ‬
‫ِّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ِّ‬

‫طلَةً منه مع َّ‬
‫سرت @ ُمع َّ‬
‫طرةَ النَّشْر‬
‫أسائلُها أين ال ِّوشا ُ‬
‫ح وقد َ‬
‫سِّوار نَقَ ْلت ُه @ إلى مِّ ْعصمي لما تقَ ْلقَل في َخصْري‬
‫فقالت وأومتْ لل ّ‬
‫قال ذو النسبين «ض»‪ :‬ومن مليح ما سمعت في دقة الخصر ما أنشدنيه صاحبنا الفقيه القاضي األديب أبو حفص عمر بن عبد هللا بن عمر‬
‫السلمي لنفسه‪:‬‬
‫دف لي ولها َ‬
‫ظلُو ُم‬
‫الر ُ‬
‫لها ِّردْف تعلَّق من ضَعيف @ وذاك ّ‬
‫يُعذِّّبني إذا فكرتُ فيه @ ويُتعبُها إذا را َمتْ تَقُوم‬
‫رجعنا إلى شعر األديب أبي الحسن علي بن عطية بن الزقاق‪:‬‬
‫ح‬
‫ومرت َ ّج ِّة‬
‫األعطاف أ ّما قَوا ُمها @ فلَدْن وأ َّما ِّر ْدفُها فَ َردا ُ‬
‫ِّ‬
‫ّ‬
‫سرور جَناح‬
‫غير ال ّ‬
‫ألّمت فباتَ اللي ُل من قِّصَر بها @ يَطير وال ُ‬
‫ح"‬
‫وبِّتُّ وقد زارت بأنعَم ليلة @ ت ُعانقني حتى الصّباح " صبا ُ‬
‫ساعدي وشَاح‬
‫على عاتِّقي من ساع َديْها حَمائل @ وفي َخصْرها من‬
‫َّ‬
‫وله أيضا‪:‬‬
‫س ْك ُر‬
‫َ‬
‫س ْقتنِّي بي ُمناها وفيها فَلَ ْم يز ْل @ يُجا ِّذبُني من ذا ومن هذه ُ‬
‫سها @ فال والهوى لم أدر أيُّهما ال َخمر‬
‫ترشّفتُ فاهَا إذ ترشَّفتُ كأ َ‬
‫وله‪:‬‬
‫َ‬
‫خيم ال ّد ِّل قد لبِّس الشَّبابَا‬
‫ِّيري من ه َِّضيم ال َكشْح أ ْح َوى @ َر ِّ‬
‫عذ َ‬
‫سرابا‬
‫أع ّد الهجْر هاجرةً لقَ ْلبي @ و َ‬
‫صيّر وعدَه فيها َ‬
‫وله‪:‬‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ستْ‬
‫أنيق‬
‫دود‬
‫خ‬
‫لل‬
‫بلون‬
‫َي‬
‫ه‬
‫ُز‬
‫ت‬
‫@‬
‫َقيق‬
‫ش‬
‫ء‬
‫ردا‬
‫ب‬
‫ل‬
‫ة‬
‫ي‬
‫وعش‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ِّ‬
‫ِّ‬
‫ِّ‬
‫عشوق‬
‫بوجْ نة ال َم‬
‫َّمس ال ُمنيرةُ مث َل ما @ أبقى الحيا ُء َ‬
‫أبقتْ بها الش ُ‬
‫ِّ‬
‫لو أستطيع شربت ُها َكلِّفا ً بها @ وعدَلتُ فيهات عن كُئ ِّوس َرحيق‬
‫وله‪:‬‬
‫كتبتُ ولو أنَّني أستطي @ ع إلجالل قدرك دُون البَشْر‬
‫قَددْتُ اليراعةَ من أفُلي @ وكان ال ِّمدا ُد سوا َد البَصَر‬
‫وله‪:‬‬
‫بت‬
‫س‬
‫ال‬
‫م‬
‫يو‬
‫ب‬
‫ب‬
‫وح‬
‫عندي أنَّه @ ينادُمنِّي فيه الذي أنا أحْ بَبْتُ‬
‫َّ‬
‫َ َ ّ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ومِّ ن أعجب األشياء أنّ َي ُمسلم @ حَنيف‬
‫سبتُ‬
‫ولكن خير أيّا َمي ال ّ‬
‫وله‪:‬‬
‫ِّباس‬
‫و ُمقل ِّة شادِّن أودتُ بنَ ْفسِّي @ كأنَّ ال ُّ‬
‫س ْق َم لي ولها ل ُ‬
‫س ّل اللح ُ‬
‫عاس‬
‫يَ ُ‬
‫ظ منها َمشْرفيًّا @ لِّقتْلى ثم يُغمده النُّ ُ‬
‫وله‪:‬‬
‫لساكنهنّ‬
‫بوع‬
‫الر‬
‫إلى‬
‫ليس‬
‫@‬
‫َنين‬
‫ح‬
‫ولي‬
‫بوع‬
‫الر‬
‫على‬
‫وقفتُ‬
‫َ‬
‫ُّ‬
‫ُّ ِّ‬
‫ولو أنّي َحنَ ْنتُ إلى َمغاني @ أح َّبائي حننُت إلى ضُلوعي‬
‫وله‪:‬‬
‫يا ثاويا ً بضُل ِّوعي ما يُفارقُها @ ْ‬
‫أكناف أربُع ِّه‬
‫وإن ت َح ّمل عن‬
‫ِّ‬
‫عيني فأعجبَّن ْ‬
‫لمن @ إنسانُ ُمقلته ما بين أضلُعه‬
‫ألنتَ إنسا ُن َ‬
‫وله‪:‬‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َّ‬
‫َّ‬
‫الكأس واإلبريق بالوت َِّر‬
‫ِّبه‬
‫ن‬
‫ف‬
‫@‬
‫َر‬
‫ه‬
‫بالز‬
‫وض‬
‫الر‬
‫وراق‬
‫م‬
‫سي‬
‫ن‬
‫ال‬
‫رقَّ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ِّ‬
‫ُ‬
‫سلسا ِّل ذي أشُر‬
‫ما‬
‫العيش إال اصطبا ُ‬
‫الراحِّ من َ‬
‫الراحِّ أو شَنب @ يُغني عن ّ‬
‫ح ّ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ُّ‬
‫سهر‬
‫قل للكواكب غضّي للكَرى ُمقال @ فأعين الزهر أولى منك بال َّ‬
‫وللصَّباحِّ أال فانشُر ردا َء سنا ً @ هذا الدُّجى قد َ‬
‫سحر‬
‫طوتْه راحةُ ال َّ‬
‫وقام بالقهوة الصهباءِّ ذو َهيَف @ يكا ُد مِّ ْع َ‬
‫طفُه يَنق ّد بالنَّظر‬
‫شجَّها دُرر @ تخالُها اخت ُ ِّلستْ من ثغر ِّه ال َخ ِّصر‬
‫تطفُو عليها إذا ما َ‬
‫بالراح ُمترعة @ كهالة أحدقَت في ْ‬
‫األفق بالقَمر‬
‫والكأس في كفّه ّ‬
‫ُ‬
‫وله في صفة فرس أغر‪:‬‬
‫وأغر َمصق ِّول األديم تخالُه @ برقا ً إذا جَمع ال ِّعتَاقَ ِّرهانُ‬
‫َّ‬
‫يطأ الثّرى متبخترا ً فكأَنَّه @ من لَحْظ من في َمتْنه نَشوان‬
‫سراته @ ُحسنا ً وبين ُجفونه كِّيوان‬
‫فكأنَّ بدر ال ِّت ّ ِّ ّم فوق َ‬
‫وله‪:‬‬
‫َ‬
‫شى‬
‫و‬
‫َّيك‬
‫د‬
‫خ‬
‫فوق‬
‫أطراز‬
‫@‬
‫ش‬
‫ب‬
‫غ‬
‫ال‬
‫ت‬
‫تح‬
‫ُّبح‬
‫ص‬
‫ال‬
‫ء‬
‫ضيا‬
‫يا‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ِّ‬
‫صدْغ بها كال َحنَش‬
‫أم رياض د َّبجتها ُمزنة @ وبدا ال ُّ‬
‫ُ‬
‫لستُ أدري أسها ُم اللّحظ َما @ أتَّقِّى أم لدغ ذاك األرقش‬
‫سه ًما لم تَطِّ ِّش‬
‫ِّي لم ت ََزل @ راميات أ ْ‬
‫بأبي منك قِّس ٌّ‬
‫َي ُم ْرت َ ِّعش‬
‫ر َ‬
‫شقَتْ قلبا ً َخفوقا ً يلتِّظى @ ك ِّ‬
‫َضرام بيد ْ‬
‫أرق @ ليس إال من قَت َاد فُ ُرشي‬
‫ُر َّ‬
‫ب ليل بِّت ُّه ذا َ‬
‫غليل الع َ‬
‫ساب ًحا في لُجج الدَّمع ول @ كنَّني أشكُو َ‬
‫طش‬
‫بأكف ال َحبَش‬
‫سيوف‬
‫وبُرو ُ‬
‫ق اللّيل في أ ْ‬
‫ّ‬
‫سدافه @ ك ُ‬

‫وسما ُء هللا ت ُبدِّي قَمرا @ واض َح الغُرة كابن القُرشي‬
‫سنا بينهما @ والبَها إن طلَعا في َ‬
‫غبش‬
‫ليس فرق في ال َّ‬
‫ُ‬
‫غير أنّ ْ‬
‫األفقَ مغمور بذا @ وبذا حومة "باب الحنش"‬
‫وهو أحد أبواب بلنسية‪ ،‬وهي مطيب األندلس‪ ،‬وفيها يقول‪:‬‬
‫بلنسية إذا فكّرتَ فيها @ وفي آياتها أسنَى البال ِّد‬
‫وأعظ ُم شاهدي منها عليها @ بأنَّ َج َمالَها للعَين بادي‬
‫علَمان من بحر وواد‬
‫كساها ربُّنا ديبا َج ُحسن @ له َ‬
‫وأنشدني سلطانها ‪ -‬كان ‪ -‬أبو عبد الملك مروان بن عبد هللا بن عبد العزيز‪:‬‬
‫سندس األخض ُر‬
‫سها ال ّ‬
‫كأن بلنسيةُ كاعب @ وملب ُ‬
‫ْ‬
‫سترت نفسها @ بأكمامها فهي ال تَظهَر‬
‫إذا جئت َها َ‬
‫وهذه تورية مليحة‪ ،‬فإن األكمام ها هنا أكمام األزهار واألشجار‪.‬‬
‫وألبي الحسن بن الزقاق أيضا‪ ،‬وهو في الرقة يمتزج بالنسيم‪ ،‬ويعد في أنواع البديع من نوع مليح التقسيم‪:‬‬
‫الصفا َح بَواس ُم‬
‫تضوعن أنفاسا ً وأشر ْقن أوجها ً @ فهّن منيراتُ ِّ‬
‫أبرج @ وإن كنّ زهَرا ً فالقُلوب كمائم‬
‫لئن كُنّ زُ ْهرا ً فالجوانح ُ‬
‫وأنشدني جماعة من شيوخي‪ ،‬منهم سيدي أبي الفقيه الف ضل أبو علي حسن ابن علي‪ ،‬وشاعر المغرب األقصى ومفخرة في صناعة المحاكاة‬
‫والتخييل أبو عبد هللا محمد بن حسين بن حبوس‪ ،‬قاال‪ :‬أنشدنا الوزير أبو عامر بن الحمارة‪:‬‬
‫هلل يوم كان فيه ُمنادِّمي @ وجهُ الحبيب وزهرةُ‬
‫البستان‬
‫ِّ‬
‫صرعتنَي الّلّذاتُ فيه َمصارعا ً @ ما شئتَ من َروح ومن َريحان‬
‫شغِّل َّ‬
‫الزمان بها عن الح َدثَان‬
‫يا‬
‫صاحبي ت َمت َّعا من ساعة @ ُ‬
‫َّ‬
‫وله‪:‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫نَّ‬
‫دم‬
‫ن‬
‫من‬
‫س‬
‫ال‬
‫عليك‬
‫ق‬
‫لما‬
‫@‬
‫م‬
‫ل‬
‫ح‬
‫ال‬
‫في‬
‫ألقاك‬
‫أن‬
‫ل‬
‫آم‬
‫لو‬
‫رعتُ‬
‫كنتُ ُ‬
‫ِّ ّ‬
‫ِّ‬
‫ُ ُ‬
‫ويصرف ال َّ‬
‫يف أنِّّي بتُّ لم أنَم‬
‫يَحمي وصالكَ أعدا ُء لهم َرصَد @‬
‫ط َ‬
‫ُ‬
‫س ْه َم عينيه ليقت ُلنَي @ من ذا أبا َح لذاك اللحظِّ سفكَ دمي‬
‫يا ُمرسالً َ‬
‫وله وقد أهدت إليه امرأة موصوفة بالجمال مسكاً‪:‬‬
‫أتانا فَتِّيتُ المسك يَ ْعبَق ع َْرفُه @ ويُثنى على ذاك النَّدى والتَّك َُّر ِّم‬
‫فأش َعرني َريَّا حَبيب أعي ُره @ على ِّر ْقبة لَح َ‬
‫ظ ال َمشوق المتيَّم‬
‫فو هللا لوال أن تقول لِّي ال ُمنَى @ وراءكَ ال ت َ ْقدَم على غير َم ْقدَم‬
‫ش ُّم الذي ما بين عينيك والفم‬
‫لح َّدثْت نفسي عند ذلك أنني @ أ َ‬
‫وأهدت إِّليه أخرى تُفّاحة فقال‪:‬‬
‫ً‬
‫لى كخدّها تُفّاحة @ وك َ‬
‫س ْلسالَ‬
‫عم ريقتها َرحيقا ً َ‬
‫ط ِّ‬
‫بعثتْ إِّ ّ‬
‫ب الجَنى و ُمقبَّال‬
‫فصرفتُ وجهي عن ُهما ولقد أَرى @ ُمترشَّفا ً َ‬
‫عذْ َ‬
‫كي ال يَغَار على الحبيب حبيبهُ @ فيقو َل بات بغيرنا مت َ ِّع ِّلّالَ‬
‫وله‪:‬‬
‫لم أَعشق الشَّمس سماويّةً @ بعيدةً عن مركز العال ِّمَ‬
‫إالّ ألُضحى في َ‬
‫غرامي بها @ أُعجوبةً بَين بني آدم‬
‫أنشدني الشيخ الفقيهُ‬
‫األديب‬
‫األديب القاضي بمدينة فاس أبو محمد عب ُد هللا بنُ محمد ابن عيسى الت َّادلي رحمه هللا‪ ،‬قال‪ :‬أنشدني الوزير‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫الشاعر المصيب أبو القاسم ال َمنيشِّي لنفسه في زُرزور‪:‬‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫طيب‬
‫خ‬
‫مِّصقع‬
‫رعه‬
‫ف‬
‫ي‬
‫@‬
‫قضيب‬
‫أم‬
‫ذاك‬
‫نبر‬
‫أ‬
‫مِّ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫يختا ُل في بُردت َي شَباب @ لم يتوضَّح بها َمشيب‬
‫أخرس لكنّه فصيح @ أ ْبلَه لكنّه لَبيب‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ق من ال ُمحيَّا الوسيم‪،‬‬
‫ومن فحول شعراء األندلس؛ مالكُ أز ّمة القريض‪ ،‬وماسك راية الت َّصريح فيه والت َّعريض؛ شعرهُ أرقّ من النسيم‪ ،‬وآن ُ‬
‫الوزير‪:‬‬
‫أبو إسحاق الخفاجي‬
‫إبراهيم بن أبي الفتح بن عبد هللا الخفاجي‬
‫من أعيان مدينة شقر‪ ،‬وهي جزيرة قد أحدق النهر بها؛ كما أحدق بحدقة شفر؛ وحسبك من ماء سائح‪ ،‬وطائر صادح؛ وبطاح عرضة‪،‬‬
‫ورياض أريضة؛ فال ترى إال انسجام الغمام‪ ،‬وال تسمع إال ترنم البلبل والحمام‪ .‬فمن قوله‪:‬‬
‫و ُمهفهف طا ِّوي ال َحشَا @ َخنِّث ال َمعاطف والنَّ َ‬
‫ظر‬
‫بهر العيونَ بصورة @ تُلِّيتُ محاسنُها سُ َور‬
‫سفَر‬
‫سعى وإذا َ‬
‫وإذا َرنا وإذا شَدا @ وإذا َ‬
‫فَضَح ال ُمدامةَ والحَما @ مة والغَمامة والقَمر‬
‫قول الخفاجي‪" :‬وإذا رنا فضح المدامة" مأخوذ كم قول القائل‪:‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ان قال هللا كُونا فكانتا @ فعُوالن باأللباب ما تفعل الخم ُر‬
‫و َ‬
‫ع ْينَ ِّ‬
‫ووصفه لها بالغمامة مأخوذ من قول األعشى‪:‬‬
‫سحابة ال ريث وال عج ُل‬
‫مر ال َّ‬
‫َارتها @ ُّ‬
‫كأنَّ مِّ شيتها من بيت ج ِّ‬
‫قال الوزير أبو إسحاق‪ :‬سبب هذه القطعة أنى ذهبت يوما ً أريد باب السمارين بشاطبة‪ ،‬ابتغاء الفرجة على جرية ذلك الماء بتلك الساقية‪،‬‬
‫وذلك سنة ثمانين وأربعمائة‪ ،‬وإذا الفقيه أبو عمران بن أبي تليد رحمه هللا قد سبقني إلى ذلك‪ ،‬فألفيته جالسا على مصطبة كانت هنالك مبنية‬
‫لهذا الشأن‪ ،‬فسلمت عليه‪ ،‬وجلست إليه متأنسا به وبتلك الحال‪ ،‬فأنشد أثناء ما تناشدناه قول ابن رشيق رحمه هللا‪:‬‬

‫َمر به القُلوب من الفَ َرقْ‬
‫يا من يُّمر وال ت ُّ‬
‫ب ِّع َمامة من خدّه @ أو َخدُّه منها است ََرق‬
‫فكأَنَّه وكأَنها @ قَ َمر ت َع َّمم بالشَّفق‬
‫َ‬
‫فإذَا بدا وإذا مشى @ وإذا َرنا وإذا نَطق‬
‫والخواطر والحدَق‬
‫شغَل الجوانَح والجوا @ ر َح‬
‫َ‬
‫َ‬
‫فقال‪ ،‬وقد أعجب بها جدا‪ :‬أ حسن ما في القطعة حسن سياقة اإلعداد‪ .‬فقلت له‪ :‬هي حسنة‪ ،‬ولكنها دون موقعها منك‪ .‬وإال ألست تراه قد‬
‫استرسل فلم يقابل بين ألفاظ البيت األخير والبيت الذي قبله‪ ،‬فينزل بإزاء كل واحد منها ما يالئمها‪ .‬وهل يحسن أن ينزل بإزاء قوله‪" :‬و إذا‬
‫نطق"‪ :‬قوله‪" :‬شغل الحدق"‪ .‬وكأنه نازعني القول في هذا‪ .‬فقلت هذه القطعة المتقدمة انسج على ذلك المنوال‪ .‬قال‪ :‬فاستحسنها ابن أبي‬
‫تليد‪ .‬قلت‪ :‬هذا تعسف‪ .‬ولم يرد ابن رشيق مقابلة األعداد بعضها ببعض‪ ،‬وإنما أراد أن جملة محاسن هذا النير الزاهر‪ ،‬شغلت جملة هذا‬
‫المتأمل الناظر‪ .‬وقد عارضه الخفاجي في هذا الروي‪:‬‬
‫شفَقًا ساطعا ً على فَلَقْ @ يا ذَهبا ً سائالً على َو ِّرقْ‬
‫يا َ‬
‫ما ال ُحسن إال ُمعصفَ ُر ش َِّرق @ فاض على جسم‬
‫أبيض يَقَقْ‬
‫ِّ‬
‫قد نَصب ال ُحسنُ وجْ هَه َ‬
‫شقُه اسهم من ال َحدَقْ‬
‫غرضا ً @ ت َر ُ‬
‫واخضر ش ُ‬
‫َّ‬
‫بالو َرق‬
‫منه‬
‫ر‬
‫و‬
‫ن‬
‫ال‬
‫فاقترن‬
‫@‬
‫ضه‬
‫عار‬
‫ض‬
‫أ ْبيَ َّ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َّ‬
‫طر ِّ‬
‫أنشدني الفقيه األجل القاضي بمدينة شقر أبو يوسف يعقوب بن محمد بن خلف ابن يونس بن طلحة للخفاجي‪:‬‬
‫الهوى وأسي ُر‬
‫كتبتُ وقلبي في يديك‬
‫أسير @ يُقيم كما شَاء َ‬
‫ُ‬
‫ولي كَّل حين من هواكِّ وأدمعي @ بكل مكان روضة وغدير‬
‫وله‪:‬‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫الراح شُهْبا ُن‬
‫ولدينا‬
‫ا‬
‫ن‬
‫ب‬
‫ا‬
‫كت‬
‫البدر نَدْمانُ @ وعندنا لكُئوس َّ‬
‫ُ‬
‫والقُ ْ‬
‫والجو عُريان‬
‫ب مائسة والطير ساجعة @ واألرض كاسِّية‬
‫ُّ‬
‫ض ُ‬
‫وله‪:‬‬
‫َّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫طيف الخيَا ِّل‬
‫سرعَة َ‬
‫رب طِّ ْرف كالط ْر ِّ‬
‫سراهُ‬
‫عدْو @ ليس يَسري ُ‬
‫ف ُ‬
‫ُ‬
‫سعالي‬
‫سرى في الدُّجى‬
‫ُ‬
‫سعى في الفَال فإحدى ال َّ‬
‫فبعض الدَّراري @ أو َ‬
‫إن َ‬
‫س ِّرى @ أو ت َم َّ‬
‫طيته غداةَ قِّتال‬
‫لستُ ادري إن قِّيد ليلة أ ْ‬
‫ش َمال موضوعة في شمالي‬
‫أ َجنُوب َمقُودة من َجنِّيب @ أو َ‬
‫جَال في أ ْن ُجم من ال َح ْلي ِّ ِّبيض @ وقَم ِّيص من الصَّباح ُمذال‬
‫الجالَل‬
‫أشهب اللّون أثقلتْه ُحل ٌِّّي @ َخ َّ‬
‫ُ‬
‫ب فيهنّ وهو ُم ْلقى ِّ‬
‫ً‬
‫س َرجا بالهالل‬
‫فبدَا الصُّب ُح ُملجَما ً بالثُّريا ّ @ وجَرى البر ُ‬
‫ق ُم ْ‬
‫قال ذو النسبين‪« ،‬ض» ‪ :‬وقد اخذ هذا المعنى بعض أهل عصره‪ ،‬يقال‪ :‬هو أبو الصلت‪ ،‬فقال وزاد فيه معنى من معنى البديع‪ ،‬وهو التشكيل‪،‬‬
‫فقال‪:‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫الجالَ‬
‫هب‬
‫ذ‬
‫م‬
‫في‬
‫ول‬
‫ج‬
‫ي‬
‫@‬
‫ي‬
‫ف‬
‫وا‬
‫ب‬
‫كالشها‬
‫وأشهب‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ِّ‬
‫ُ‬
‫ِّ‬
‫سودي وقد رآه @ يُجْ نَب َخ ْلفي إلى ال ِّقت َال‬
‫قال َح ُ‬
‫س َرج البرق بالهالل‬
‫وأ‬
‫@‬
‫بالثريا‬
‫ْح‬
‫ب‬
‫ص‬
‫ال‬
‫من أ ْل َج َم ُّ‬
‫ْ‬
‫وقال الوزير أبو إسحاق بن خفاجة في قوس‪:‬‬
‫ع َْوجا ُء ت ُع َ‬
‫َنساب‬
‫سل تارةً @ فكأنما هي َحيّة ت‬
‫طف ثم ت ُر َ‬
‫ُ‬
‫انقض منه شهاب‬
‫الهالُل‬
‫َّ‬
‫وإذا أ ْن َحنَتْ وال َّ‬
‫س ْه ُم منها خارج @ فَه َ‬
‫ْي ِّ‬
‫وله‪:‬‬
‫سى الليالِّي أن ت َ ُمنَّ بنَ ْظمنا @ ِّع ْقدا ً كما كنا عليه ْ‬
‫وأفضَال‬
‫وع َ‬
‫فلرب ّما نُث َِّر ال ُج َمانُ تع ُّمدا ً @ ليُعا َد أحسنَ في النِّّظام وأجمالَ‬
‫وهذا مأخوذ من قول مهيار‪:‬‬
‫عسى هللا يجعلُها فُ ْرقَةً‬
‫مع‬
‫ج‬
‫ست‬
‫م‬
‫بأكرم‬
‫د‬
‫تعو‬
‫@‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ِّ‬
‫وله‪:‬‬
‫حيَّا ِّبها ونَسي ُمها َكنسيمِّ ه @ فش َِّر ْبت ُها من كفّه في ُودِّه‬
‫ُمنسا َ‬
‫حمرة فكأَنها من َخ ّدِّه‬
‫غةً فكأَنها من ِّريقه @ ُم َّ‬
‫وأنشدني الفقيه القاضي الفاضل أبو يوسف يعقوب بن محمد بن طلحة قال‪ :‬أنشدني الوزير أبو إسحاق الخفاجي لنفسه في النيلوفر‪:‬‬
‫حب وال َما لوعة وغرا ُم‬
‫س ُح ْرقة @ بُ ّ‬
‫ونِّيلُوفَر لم يَد ِّْر ما َم ُّ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ب مع اإلصباحِّ من سِّن ِّة الك ََرى @ ويُطبِّق ليالً جَفنه فيَنا ُم‬
‫يَ ُه ّ‬
‫وأنشدني له أيضا‪ ،‬يحمل على طلب العلم والتحلي به‪:‬‬
‫عش طالبا ً أو عَليما ً @ فالجه ُل عينُ ال َمحَّط ْه‬
‫ْ‬
‫أشرف ُخ َّ‬
‫َ‬
‫طه‬
‫ل‬
‫ي‬
‫ن‬
‫عن‬
‫@‬
‫يأس‬
‫ُّك‬
‫د‬
‫ص‬
‫ي‬
‫وال‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ِّ ِّ‬
‫س ْقط @ وأو ُل الخ ِّ ّ‬
‫ط نُقطة‬
‫فمبدأ ُ النار ِّ‬
‫ولما بلغ سن الكهولة‪ ،‬وأدرك من أقطار الشبيبة مأموله؛ نام فرأى أنه مستيقظ يفكر فيما سلف من بطالته‪ ،‬ويتحسر على ما فرط من تجريه‬
‫على معصية هللا واستطالته؛ ويتذكر ما مضى من شبابه‪ ،‬ومن انقضى منى أحبابه؛ ودمعه يباري صوب المزن في انصبابه‪ ،‬ويحكيه في‬
‫انسجامه وانسكابه؛ فانتبه وهو منتبه لرشاده‪ ،‬مقبل على التزود لمعاده‪ ،‬منشد ما تنزعج القلوب من إنشاده‪:‬‬
‫ُموعي يا َ‬
‫وطارحْ ني بشَجْ وك يا َح َما ُم‬
‫غما ُم @‬
‫أالَ سأج ْل د‬
‫ِّ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ً‬
‫ورائي هل أمام‬
‫ني‬
‫ت‬
‫وناد‬
‫@‬
‫ال‬
‫َو‬
‫ح‬
‫ّين‬
‫ت‬
‫س‬
‫ُها‬
‫ت‬
‫فقد وفّي‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ِّي ال ُمدام‬
‫ع‬
‫راض‬
‫م‬
‫ومن‬
‫هناك‬
‫@‬
‫ي‬
‫ن‬
‫ي‬
‫ب‬
‫ل‬
‫ِّي‬
‫ت‬
‫بانا‬
‫ل‬
‫ن‬
‫ْ‬
‫وكنت ومِّ‬
‫َ‬
‫َ ِّ َ‬

‫ح ببطن ُح ْزوى @ فيُنكرنا ويَعرفُنا الظالَّم‬
‫يطالعُنا الصّبا ُ‬
‫وكان به البشَا ُم مرا َح أُنسى @ فماذا بعدنا فَعل ال َبشَام‬
‫شر َ‬
‫أوام ُ‬
‫خ الشباب أالَ ِّلقَاء @ يُبَ ُّل به على بَ ْرح َ‬
‫فيا ْ‬
‫ْ‬
‫سال ُم‬
‫س ْر َحتِّك ال ّ‬
‫ب وكنتَ تَندَى @ على أفياءِّ َ‬
‫ويا ظِّ ّل الشَّبا ِّ‬
‫ومن شعراء جزيرة األندلس وفحولها‪ ،‬البريء مطروق األشعار ومنحولها‪ ،‬ذو اآلداب والفنون‪:‬‬
‫أبو محمد عبد الجليل بن وهبون‬
‫دخل على السلطان أبي القاسم محمد بن عباد يوماً‪ ،‬وهو ينشد قول المتنبي‪:‬‬
‫ور ِّاز ُم ْه‬
‫إذا ظفرت منك العيونُ بنظرة @ أثاب بها ُم ْعيي‬
‫المطي ِّ َ‬
‫ّ‬
‫وجعل يردده استحسانا ً له‪ .‬فقال عبد الجليل بديهاً‪:‬‬
‫َّ‬
‫ُّ‬
‫شعر ابن ال ُحسين فإنما @ ت ُجيد العطايا واللهي تفتح اللهَا‬
‫لئن جاد‬
‫ُ‬
‫تَنَّبأ عُجبا ً بالقريض ولو د ََرى @ بأنّك ت َرويه إذا لتألَّها‬
‫فأمر له بمائتي دينار‪ ،‬وهو مثل قديم‪.‬‬
‫قال أبو سعيد القصار في جعفر بن يحيى‪:‬‬
‫سهَا‬
‫البن يَحيى مآثر @ بلغتْ بي إلى ال ُّ‬
‫ش ْعري ب ُجوده @ واللُّهي ت َفتح اللَّها‬
‫جا َد ِّ‬
‫اللهي‪ ،‬بالضم‪ :‬العطايا؛ واحدها‪ :‬لهوة ولهية‪ .‬واصلها‪ :‬القبضة من الطعام تلقى في الرحى لتطحن‪ ،‬فجعلت الدفعة من المال المعطى لهوة‪.‬‬
‫وأما اللها‪ ،‬بالفتح فجمع لهاة‪ :‬الحلق‪.‬‬
‫ولما جاز السلطان ابن عباد البحر المسمى بالمحيط إلى مدينة سبتة‪ ،‬قاصدا ً ألمير المسلمين‪ ،‬وناصر الدين أبي يعقوب يوسف بن تاشفين‬
‫لالستنجاد به على الروم‪ ،‬وقد راموا الوثوب على األندلس‪ ،‬بعد أخذ طليطلة‪ ،‬وهجموا على بالدها أقبح هجوم قال‪:‬‬
‫أحاط جودُك بال ُّدنيا فليس له @ إال ال ُمحي ُ‬
‫ط مثال حين يُعت َب ُر‬
‫وما حسبتُ بأن الك َّل يح ُمله @ بعض وال كامالً َيحويه ُمختصَر‬
‫لم تَثْ ِّن عنك يدا ً أرجا ُء ضفَّته @ إال و َّمدت يدا ً أرجاؤُه األَخر‬
‫ش ّ‬
‫شفُر‬
‫البحر عين أنت‬
‫كأنّما‬
‫ناظرها @ وكل َ‬
‫الورى ُ‬
‫ط بأشخاص َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫تأتي البال َد فت َ ْن َدى منك أوج ُهها @ حتى يقول ثَراها هل َه َمي المطر‬
‫البدو وال َحضَر‬
‫سرتَ سار‬
‫ما القَ ْفر إال مكان ال ت َ ُح ُّل به @ وحيثُما ْ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫سفَر‬
‫ال‬
‫هو‬
‫قالوا‬
‫وإن‬
‫قام‬
‫م‬
‫ال‬
‫سلُك‬
‫األرض داركُ فا ْ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫حيث شئتَ بها @ هو ُ‬
‫وله قصيدة يمدح ابن عباد‪ ،‬ويذكر ثباته يوم الوقعة بين جيوش المسلمين والورم بالموضع المعروف بالزالقة من عمل بطليوس‪ ،‬وكانت‬
‫الزالقة يوم الجمعة الثنتي عشرة ليلة خلت من رجب سنة تسع وسبعين وأربعمائة‪ ،‬قتل فيها من شجعان النصارى ثالثون ألف فارس‪ .‬ذكره‬
‫النسابة أبو محمد الرشاطي في كتاب‪ " :‬اقتباس النور " ومن الرجالة ما ال يحصى‪ ،‬وطعن فرس ابن عباد تحته‪ ،‬فكبا به‪ ،‬فسقط عنه‪ .‬فقدم‬
‫إليه بعض من ثبت من جنده معه فرساً‪ ،‬فركبه وأبلى بالء حسنا ً وقاتل قتاال شديدا ‪ -‬منها‪:‬‬
‫سا ُم‬
‫ولم يَثْبت من األشياعِّ إال @ شقيقُك وهو صار ُمك ال ُح َ‬
‫َي ماض يَ َمان @ فال نابِّي الغ َِّر ِّار وال َكهَام‬
‫يَمان في يد ْ‬
‫ولم يح ْملك طِّ ر ْفك بل فؤاد @ تعَّود أن يُخاض به الحِّ َمام‬
‫ثَبتّ به ثَباتَ القُ ْطب ل ّما @ أدَار َرحاه َخ ْطب ال يُرام‬
‫ومنها‪:‬‬
‫َلف ال ُمدا ُم‬
‫سحَرا ً ودارتْ @ بما عَقدُوا من الح ِّ‬
‫أمرهم َ‬
‫مض َْوا في ِّ‬
‫علَى الشَّفرات بيضا ً @ وج َّد َد في تعاطيها النِّّدام‬
‫فردّوها َ‬
‫ق ال يبو ُ‬
‫خ لها ِّضرام‬
‫وما أخذته ُم األسياف لكن @ صواع ُ‬
‫باخ الحر‪ ،‬إذا سكن‪ ،‬يبوخ بالخاء المعجمة‪ .‬وباخت النار والحرب‪ ،‬إذا سكنتا‪.‬‬
‫إذا ما برقة برقَت عليهم @ فإنّ القَ ْطر أعضاد وهامُ‬
‫ومنها يصف انهزام أذفونش تحت الظالم بجيشه منهم‪ ،‬وإلقاء الدروع عنه وعنهم‪:‬‬
‫ستسألك النّسا ُء وال رجال @ فح ّدِّث ما ورا َءكَ يا عصا ُم‬
‫بأرضك طالعات @ كما ت ُهدِّي صَواعقَها الغما ُم‬
‫وراقبها ِّ‬
‫ومنها‪:‬‬
‫فإن شئتَ اللُّجينَ فَّثم " ساُم " @ وإن شئت النظار فثَّم " حاُم "‬
‫ومنها‪:‬‬
‫َاب ليالً @ يو ّد لو انه في ال ُّ‬
‫طول عاُم‬
‫نضَا أدراعَه واجْ ت َ‬
‫وله يتشوق إلى ابن عباد‪ ،‬وقد حضر بالمر ية في بعض األعياد‪ ،‬والشعراء ينشدون المعتصم باهلل أبا يحيى محمد بن معن بن صمادح سلطان‬
‫تلك البالد‪:‬‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫وركْنُ ال َمعالي من ذُؤابة يَعُرب‬
‫@‬
‫نى‬
‫م‬
‫ال‬
‫كعبة‬
‫به‬
‫ْنو‬
‫د‬
‫ت‬
‫لو‬
‫العيد‬
‫دنا‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ب‬
‫فيا ويلت َا للشعر ت ُرمي جماره @ ويا بُعد ما بيني وبين ال ُمح َّ‬
‫ص ِّ‬
‫وكان عبد الجليل منطقا ً بما يقول‪ ،‬يجري على لسانه المقول‪ .‬حدثنا غير واحد من شيوخنا رحمهم هللا‪ ،‬منهم سلطان بلنسية أبو عبد الملك بن‬
‫عبد العزيز‪ ،‬والوزير الكاتب أبو عبد هللا محمد بن أبي القاسم بن عميرة‪ ،‬والفقيه القاضي بجزيرة شقر أبو يوسف يعقوب بن طلحة‪ ،‬قالوا‪:‬‬
‫حدثنا الوزير أبو إسحاق إب راهيم بن خفاجة قال‪ :‬لقيت الشاعر أبا محمد عبد الجليل بين لورقة والمرية‪ ،‬فبتنا نتناشد األشعار‪ ،‬ونتذاكر اآلداب‬
‫واألخبار؛ فلما انفجر عمود الصباح‪ ،‬وحيعل داعي الفالح؛ وكان العدو على مقربة من البالد‪ ،‬والناس في ضروب من الخوف واألنكاد؛ سرنا‬
‫وفؤاد عبد الجليل يطير فرقاً‪ ،‬وفرائصه ترعد قلقاً؛ فأخذت أسكن روعه بأناشيد من القريض‪ ،‬وهو لما داخله من الوجل كالمدنف المريض؛ ال‬
‫يبدي وال يعيد‪ ،‬إلى أن اطلعت لنا اليد؛ مشهدين وعليهما رأسان يخاطبان‪ ،‬من الحال بأفصح لسان؛ فقلت مرتجال‪ ،‬والركب يجد السير من‬

‫الفزع عجال‪:‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ريب‬
‫ق‬
‫زار‬
‫م‬
‫وال‬
‫أخيه‬
‫وبين‬
‫@‬
‫بينه‬
‫زاور‬
‫ت‬
‫ال‬
‫رأس‬
‫ب‬
‫ر‬
‫أال‬
‫ُ َّ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ ُ‬
‫ص ْل ُد الصَّفا فهو مِّ ْنبر @ وقام على أعاله وهو َخطيب ُ‬
‫أناف به َ‬
‫َ‬
‫فثاب لعبد الجليل عقله‪ ،‬وآب إليه ذكاؤه ونبله‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫ليب‬
‫ومر َ‬
‫س ُ‬
‫يقول حِّ ذارا ً ال اغترارا ً فطالما @ أنا َخ قتيل بي َّ‬
‫ويُنشدنا‪ :‬إنَّا غريبان هَاهنا @ وك ُّل َ‬
‫نسيب‬
‫غريب للغريب‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫سر هناك وذِّيب‬
‫فإن لم يَ ْزره صاحب أو َخليلُه @ فقد زاره نَ ْ‬
‫فها هو‪ :‬أ َّما منظرا فهو ضاحك @ إليك وأما نَصْبةً ف َكئِّيب‬
‫يريد بقوله " أما منظرا فهو ضاحك " أن ذلك الرأس قد ذهبت عنه جلدته بطول باله‪ ،‬فهو بحسب مرآه كأنه ضاحك‪ ،‬وبحسب معناه كأنه‬
‫كئيب‪ .‬ولم يذكر " الفتح " منها في " قالئده " لعبد الجليل سوى بيت‪ ،‬هو قوله‪:‬‬
‫ِّيب‬
‫يقول حِّ ذَارا ً ال اغترارا ً فطالَما @ أناخ قتي ُل بي و َم ّر َ‬
‫سل ُ‬
‫وانه قتل من ساعته كما ذكرناه‪ ،‬وهللا الموفق ال رب سواه؛ فما أتم قوله إال وعجاجة قد ارتفعت‪ ،‬وكتيبة قد طلعت؛ فما انجلت إال وعبد الجليل‬
‫قتيل وأنا سليب‪ ،‬وهذا فأل عجيب‪ ،‬وافقه قدر مصيب‪.‬‬
‫قال ذو النسبين‪« ،‬ض»‪ :‬ومن شعراء األندلس الذين أنجدت بأقوالهم الحداة واتهمت‪ ،‬واعرقت بها الرواة وأشأمت‪ ،‬األديب‪:‬‬
‫أبو جعفر أحمد بن محمد البتي‬
‫إال انه كان خبيث اللسان‪ ،‬ما كف هجوه عن إنسان‪ ،‬ما برح مدة حياته منتزحا عن األوطان‪ ،‬خائفا ً مترقبا ً من السلطان؛ لما شهد به الناس‬
‫عليه‪ ،‬ونسبوه إليه؛ من الزندقة واإللحاد‪ ،‬وإنكار حشر األجساد؛ وانكبابه على االشتغال بكتب ابن سينا وانكفافه‪ ،‬وميله عن الكتاب والسنة‬
‫وانحرافه؛ وقد وجد هالكا في حفرة تتمزق فيها اللحام والجلود‪ ،‬وتنهشها الحشرات العابثة والدود‪ ،‬ويتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيتوب وال‬
‫مرجع إلى الدنيا وال مردود‪.‬‬
‫فمن مليح ما حدثنا عنه‪ ،‬وسمعه أشياخنا منه؛ أنه ساقته يوما ً سوائق األقدار‪ ،‬في بعض األسفار؛ وقد ولى شباب النهار؛ إلى خان بمغيلة من‬
‫أنظار فاس‪ ،‬تأوي إليه الغرباء من الناس؛ فتبوأ من بيوته أحرجها‪ ،‬وأهجنها وأسمجها‪ .‬وكان من معاصريه األستاذ أبو بكر اليكي وكان مثله‬
‫في أخذ األعراض والهجاء‪ ،‬والتقدم بين فرسان تلك الهيجاء؛ وكل واحد منهما على لقاء صاحبه حريص‪ ،‬بيد أن ماله عن مالزمة مركزه‬
‫محيص‪.‬‬
‫فبينما ابن البتي جالس بذلك البيت وقد انسدلت ستور الظالم‪ ،‬وهمعت دموع الغمام؛ إذ هجم عليه لتوقي المطر رجل فسلم وجلس‪ ،‬وأذكى‬
‫الخاني القبس‪ ،‬فقال أبو بكر اليكي‪:‬‬
‫كأنّ‬
‫ب إذا ت َجلَّى‬
‫من‬
‫ا‬
‫ي‬
‫ح‬
‫م‬
‫@‬
‫منه‬
‫ء‬
‫الضو‬
‫ِّنديل‬
‫ق‬
‫و‬
‫ُ َّ‬
‫َ‬
‫أحِّ ُّ‬
‫فأجابه أبو جعفر بن البتي بقوله‪:‬‬
‫وولَّى‬
‫أشار إلى الدُّجى بلسان أفعى @ ف َ‬
‫ش َّمر ذَيلَه فَ َرقا ً َ‬
‫فقال‪ :‬أنت البتي! فقال‪ :‬أنت اليكي! فتعانقا وباتا يقتطفان ثمر السمر‪ ،‬إلى أن غارت النجوم وغاب وجه القمر‪.‬‬
‫ومن شعراء المعتصم باهلل أبي يحيى محمد بن معن بن أبي يحيى محمد بن صمادح التجيبي‪ ،‬صاحب مدينة المرية وأعمالهاا السانية‪ :‬األدياب‬
‫أبو القاسم األسعد بن إبراهيم‬
‫فمن شعره‪:‬‬
‫َ‬
‫الج ْريان؟‬
‫َ‬
‫سكران ال أدري وقد وافى الكَرى @ أمِّ ن ال َمالحة أم مِّ ن ِّ‬
‫الريحان في اآلصال‬
‫س الصهباء في لَهَواته @ كتنفُّس َّ‬
‫ت َتنفّ ُ‬
‫وكأنما الخِّ يالنُ في َو َجنَاته @ ساعاتُ هَجر في َزمان وصَال‬
‫وله أيضا‪:‬‬
‫َ‬
‫َّ‬
‫َباب‬
‫ح‬
‫فيه‬
‫للبيض‬
‫طفت‬
‫ء‬
‫ما‬
‫@‬
‫ه‬
‫ج‬
‫س‬
‫ن‬
‫َف‬
‫ع‬
‫ضا‬
‫م‬
‫ال‬
‫د‬
‫ر‬
‫الز‬
‫من‬
‫لبسوا‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ً‬
‫ُ‬
‫َ ُ‬
‫َّاب‬
‫الرداء َي ُؤ ّمه @ ص ُّ‬
‫ص ٌّ‬
‫َف القَنَا فكأنه هُد ُ‬
‫َف كحاشية ِّ ّ‬
‫وهذا من قول عبد الجليل بن وهبون في ابن عباد‪ ،‬وقد تقدم‪:‬‬
‫شفُ ُر‬
‫كأنّما البحر عين أنتَ‬
‫ناظرها @ وك ُّل شط بأشخاص الورى ُ‬
‫ُ‬
‫وقال أبو إسحاق الخفاجي‪:‬‬
‫و َ‬
‫ف ب ُم ْقلة َز ْرقاءِّ‬
‫ف به الغُ ُ‬
‫صون كأنّها @ ُهدْب ت َ ُح ُّ‬
‫غدَت ت َ ُح ُّ‬
‫ومن شعراء األندلس‪ ،‬وأصحاب ممالكها الدرس‪ ،‬األديب الكاتب‪:‬‬
‫أبو حفص ابن برد‬
‫بن بُرد‬
‫بن أحمد ِّ‬
‫أحمد بنُ محم ِّد ِّ‬
‫مولى أبي عامر بن شهيد المبدع في التشبيه والتمثيل‪ ،‬والبارع في المحاكاة والتخييل‪ ،‬من أهل بيت جليل‪ .‬له رسالة في السيف والقلم‬
‫والمفاخرة بينهما‪ ،‬وهو أول من سبق إلى القول في ذلك باألندلس‪ .‬وله في النرجس‪ ،‬وأهل األندلس يسمونه البهار‪ ،‬واسمه في اللغة العبهر‪:‬‬
‫هار مغلِّّسا @ كمائ َمه عن نُوره ال َخ ِّضل النِّّدي‬
‫تنبَّه فقد شقَّ البَ ُ‬
‫َمداهنُ تِّبْر في أنامل فضّة @ على أ ْذ ُرع َم ْخروطة من َزبَ ْرجد‬
‫وهذا من مليح التشبيهات في النرجس‪ ،‬وبديعها وغريبها وصنيعها‪ .‬واكثر ما تواردت خواطر الشعراء على تشبيهه بالعيون المراض‪ ،‬كقول‬
‫أبي عبد هللا محمد بن الحسن الكاتب من شعراء جزيرة صقلية‪ ،‬أعادها هللا بعزته على اإلسالم‪:‬‬
‫بخدّك آس وتفّاحة @ وعَينك نَ ْرجسة ذابِّلَ ْه‬
‫وريقُك من طِّ يبه قَهوة @ فو ُجهك لي َدعْوة كامله‬
‫وقال آخر من أهل العصر‪:‬‬
‫َ‬
‫غزال له في كُ ّل عضو محاسن @ يقو ُم ل َخالّع العِّذار به العُذْ ُر‬
‫فوجنت ُه ورد وعيناه نرجس @ و َم ْبسِّمه كأس وريقُته خم ُر‬

‫وهو تشبيه غير أنيق‪ ،‬إذا حك بمحك التحقيق؛ الن بين نرجس الحدائق واألحداق‪ ،‬الموصوفة بالدعج وتكحيل اآلماق؛ من التباين ما بين‬
‫األضداد‪ ،‬وليس يحسن أن تحل الصفرة في موضع السواد؛ فتشبيهه بعيون الهرر أولى من تشبيهه بعيون الناس‪ ،‬في حكم القياس‪ .‬وإنما‬
‫حسن تشببهه بذلك لموضع إحاطة البياض بالصفرة‪ ،‬كإحاطة بياض العين بسوادها فقط‪ .‬وليس تشبيههم الخدود بالورد من هذا النمط؛ فإنها‬
‫تشبهها في تضرجها بالحمرة ونعومتها‪ ،‬ونداها ونضرتها‪ .‬وكذلك األقاح بالثغور‪ .‬واألقاح‪ :‬جمع األقحوان؛ الن له ورقا ابيض يشبه الثغر به‪.‬‬
‫وقد الحظنا في هذا المعنى ما لم نعلم أحدا ً ممن عنى بنقد الشعر قبلنا الحظه‪ ،‬وال كشف قناع معناه‪.‬‬
‫وألبى نواس مقاطيع في تفضيل النرجس على الورد‪ ،‬منها المقطوع الذي أوله‪:‬‬
‫ً‬
‫القياس الفاس ُد‬
‫لوال‬
‫ورياسة‬
‫سةً @‬
‫أين الخدو ُد من العيون نفا َ‬
‫ُ‬
‫اللغة‪ :‬يقال‪ :‬أخضلت الشيء‪ :‬إذا بللته‪ ،‬وخضل‪ ،‬أي رطب ‪ -‬والبن برد هذا‪:‬‬
‫لما بدا في الَّ َ‬
‫دي ِّ الحرير وقد بَهْر‬
‫الز َو ْر @ ّ‬
‫كبَّرتُ من فرط الجما @ ل وقلت ما هذا بَشَر‬
‫ثوب السماء على القمر‬
‫فأجابني ال ت ُنك َِّر ْن @ َ‬
‫وأنشدني الوزير الكاتب الناظم‪ ،‬الناثر أبو بكر عبد الرحمن بن محمد بن مغاور بمنزله بمدينة شاطبة قال‪ :‬أنشدنا الفقيه األجل‪ ،‬العالم األكمل‪،‬‬
‫الزاهد األفضل قاضي القضاة‪ ،‬وعل م الرواة‪ ،‬أبو علي محمد بن حسين الصدفي‪ ،‬يعرف بابن سكرة‪ ،‬قال‪ :‬أنشدنا الفقيه األجل أبو زيد عبد‬
‫الرحمن بن شاطر السرقسطي لنفسه‪ ،‬وكان نسيج وحده‪ ،‬وشاعر بلده‪:‬‬
‫س ْب ِّل الصبا خا ِّل َع العُ ْذ ِّر‬
‫في‬
‫ل‬
‫و‬
‫َر‬
‫ه‬
‫والئمة لي إذ رأتْني ُمش ِّ ّمرا ً @ أ ْ ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ش ْع ِّر‬
‫سق ال َّ‬
‫تقول تنبّه ويكَ من َرقدة ال ِّ ّ‬
‫َب صبُح الشَّيب في غ َ‬
‫صبا @ فقد د ّ‬
‫فقلت لها ُكفّى عن العَتْب واعلمي @ بأنّ ألذَّ النّوم إغفاءةُ الفَجْر‬
‫وتنسك هذا الرجل في آخر عمره‪ ،‬وراجع بصيرته في مستأنف أمره‪.‬‬
‫وأنشدني غير واحد من شيوخي ‪ -‬رحمهم هللا ‪ -‬لألديب العالم أبي علي إدريس ابن اليمان من أهل جزيرة يابسة‪ ،‬وقد رأيت هذه الجزيرة‪،‬‬
‫وهي ضد اسمها‪ ،‬لكثرة شجرها وخصبها‪.‬‬
‫وقد أجاز لنا الثقة أبو الفتح محمد بن عبد الباقي بن أحمد بن سلمان‪ ،‬نسيب ابن البطي‪ ،‬وابن ينيمان الهمداني‪ ،‬قاال‪ :‬أنبأنا اإلمام العالم أبو‬
‫عبد هللا محمد بن أبي نصر الحميدي‪ ،‬قال‪ :‬أنشدني عنه أبو عثمان خلف بن هرون القطيني من قصيدة طويلة يمدح بها إقبال الدولة على بن‬
‫مجاهد العامري‪:‬‬
‫ُ‬
‫َّ‬
‫ً‬
‫اح‬
‫الر‬
‫بصرف‬
‫ملئت‬
‫إذا‬
‫حتى‬
‫@‬
‫ا‬
‫غ‬
‫ر‬
‫ف‬
‫أتتنا‬
‫زجاجات‬
‫ثقلت‬
‫ّ‬
‫ِّ‬
‫خفت فكادَت تستطير بما ح ََوت @ وكذا الجسوم ت ُّ‬
‫َخف باألرواحِّ‬
‫قال الحميدي‪ :‬ومما يستحسن له في صفة الدرق‪:‬‬
‫صفَا الفُوالذ َينفط ُر‬
‫منها‬
‫يكاد‬
‫@‬
‫ق‬
‫َر‬
‫د‬
‫من‬
‫األبشار‬
‫َّجة‬
‫إلى ُموش‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫الرمح والصَّمصامة الذكر‬
‫مؤنّثات ولكن كلما قرعت @ تأنث ُّ‬
‫وأنشدنا الفقيه األستاذ المحرز لقصب السبق في كل خير‪ ،‬أبو بكر محمد بن خير‪ ،‬قال‪ :‬أنشدنا غير واحد‪ ،‬قالوا‪ :‬أنشدنا الوزير أبو الحسين‬
‫سراج بن عبد الملك ابن سراج‪ ،‬كبير دار الخالفة‪ ،‬المنفرد بالشرف واإلنافة؛ يخاطب الملك الراضي ابن المعتمد على هللا أبي القاسم محمد بن‬
‫عباد‪.‬‬
‫قال ذو النسبين «ض» ‪ :‬وقد أدركت جماعة من أصحاب أبي الحسين ابن سراج‪ ،‬ورحلت إلى قرطبة أم بالد األندلس‪ ،‬فأنشدني الشيخ الفقيه‬
‫المحدث المؤرخ القاضي بأركش أبو القاسم بن بشكوال‪ ،‬قال‪ :‬أنشدنا أبو القاسم خلف بن عمر صاحبنا‪ ،‬قال‪ :‬أنشدنا أبو الحسين بن سراج‬
‫لنفسه‪:‬‬
‫بُ َّ‬
‫شكَر اإلحسان أو كَفرا َ‬
‫ث الصّنائ َع ال ت َحفل بموقِّعها @ من آمل َ‬
‫ُ‬
‫فالغيث ليس يبالي أينما انسكَبتْ @ منه الغمائِّ ُم ت ُربا ً كان أو حَجرا َ‬
‫قيدنا "بث الصنائع" بفتح الثاء‪ ،‬إذ الفتحة أخف الحركات والعرب تؤثرها‪ .‬ويجوز كسر الثاء اللتقاء الساكنين‪ ،‬كما روى النحويون بيت‬
‫الحرير‪:‬‬
‫ض ال ّ‬
‫ُ‬
‫طرف إنّك من نُ َمير @ فال َك ْعبا ً بلغَت وال ِّكالَبَا‬
‫غ‬
‫ف‬
‫ّ‬
‫فجوزوا كسر الضاد من "غض " اللتقاء الساكنين‪ ،‬وفتحها لخفة الفتحة‪ ،‬وضمها على اتباع الضمة قبلها وهو أضعفها‪ .‬وله نظائر في النحو‬
‫كثيرة‪.‬‬
‫وأنشدونا له أيضا‪:‬‬
‫سنه @ فقلتُ ما ذاك من داء به نَزالَ‬
‫قالوا به ُ‬
‫صفرة عابت محا َ‬
‫َ‬
‫وجال‬
‫خائفا‬
‫إال‬
‫َلقاه‬
‫ت‬
‫فليس‬
‫@‬
‫تلت‬
‫ق‬
‫بما‬
‫ثأر‬
‫من‬
‫ُطلب‬
‫عَيناه ت‬
‫ِّ‬
‫وأنشدونا للفقيه األجل المؤرخ صاحب الرحلة المذكورة‪ ،‬والتصانيف المشهورة‪ ،‬أبي الوليد عبد هللا بن محمد بن يوسف بن نصر األزدي‪،‬‬
‫المعروف بابن الفرضي‪ ،‬القاضي بمدينة بلنسية‪:‬‬
‫إنّ الذي أصبحتُ َ‬
‫ع يَمينه @ ْ‬
‫إن لم يكن قمرا ً فليس بدُونِّ ِّه‬
‫ط ْو َ‬
‫سقام جفُونه‬
‫سقَام ِّج ْ‬
‫سمي من َ‬
‫سلطانه @ و َ‬
‫ب من ُ‬
‫ذُلّي له في ال ُح ّ‬
‫وممن اشتهر عندنا بالشعر واألدب‪ ،‬ونظم منه مثل‪ .‬الدرر وصاغ سبيه الذهب‪ ،‬إال أنه أفرط في اإلقذاع في الهجو فهجر لهذا السبب‪:‬‬
‫أبو بكر يحيى بن سهل اليكّي‬
‫ويكة بياء مثناة باثنتين من أسفل‪ :‬حصن في جوف مدينة مرسية‪ ،‬على خمسة وأربعين ميال منها‪ ،‬وتشتبه ببكة‪ ،‬بالباء بواحدة من أسفل‪.‬‬
‫وهي على مقربة من جزيرة طريف على ساحل البحر الملح‪ ،‬رأيتها غير مرة‪.‬‬
‫فمن قوله في الغزل مما أنشدنيه جماعة من أصحابه‪:‬‬
‫س ِّن‬
‫الو َ‬
‫نافر َ‬
‫وقائل فيم لم ت َ ْهجَع فقلت له @ كيف اله ُجوع بَ ْطرف ِّ‬
‫س ِّن‬
‫لم يَد ِّْر أنّ الكَرى الممنو َ‬
‫سِّناتُ الّتي في ُم ْقلَت َْي َح َ‬
‫ع عن بَص َِّري @ تلك ال ّ‬
‫وله‪:‬‬
‫صيَّرني ُم ْغرما ً هَواكَا‬
‫ي‬
‫وسف يا بُ ْغيَتِّي وأ ْنسِّي @ َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬

‫حواكا‬
‫ملكتَ قلبي وأنتَ فيه @ كيف ح ََويتَ الذّي َ‬
‫ومن قدماء شعراء صاحب األندلس‪ ،‬أبي المطرف عبد الرحمن بن الحكم ابن هشام بن عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن‬
‫مروان‪:‬‬
‫يَحيى بنُ َحكَم الغَ َزال‬
‫القاعد على كيوان‪ ،‬شاعر ذلك األوان؛ وقد اثبت له من قوله ما يشهد بإبداعه‪ ،‬وحسن تصرفه في المعاني واختراعه‪ ،‬وطول يده في األدب‬
‫وامتداد باعه‪ .‬فمن قوله فيما ذكره تمام بن علقمة في تاريخه‪:‬‬
‫ض ت َصابيكَ على َزينب @ ال َخيَ َر في الصَّبوة لأل ْ‬
‫شيَب‬
‫بعَ َ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫خمسينَ‬
‫ب‬
‫بر‬
‫الر‬
‫إلى‬
‫ْبو‬
‫ص‬
‫ت‬
‫وافية‬
‫@‬
‫َها‬
‫ت‬
‫َّي‬
‫ض‬
‫تق‬
‫أبعد‬
‫َّ ِّ‬
‫َّامر لم ت ُركَب‬
‫ك ّل َردَاح ِّ ّ‬
‫الردْف ُخ ْمصانة @ كال ُمهر ِّة الض ِّ‬
‫وفيه تشبيب حسن كثير اختصرناه لطوله‪ ،‬وقال في المديح منه‪:‬‬
‫َ‬
‫ب‬
‫َمن ُمبلغ عنِّّي إما َم ال ُهدى @‬
‫الوارث ال َمجد أبا ً عن أ ِّ‬
‫ب‬
‫أنّ ِّى إذا أ ْطنَ َ‬
‫ب ُمدَّا ُحه @ قصدتُ في القول فلم أ ْطنِّ ِّ‬
‫ع َم َر ال َ‬
‫طيِّّب‬
‫ال فَكَّ عنَّي هللا إن لم تكن @ أذكرتَنَا من ُ‬
‫ق من شوقه @ إليك قد حنَّ إلى المغرب‬
‫وأصبح المش ِّْر ُ‬
‫ب‬
‫ح‬
‫ر‬
‫م‬
‫وبال‬
‫هل‬
‫س‬
‫بال‬
‫إليك‬
‫@‬
‫ده‬
‫و‬
‫من‬
‫هتف‬
‫َ جْ‬
‫َّ‬
‫منبر ُه يَ ُ‬
‫َ ْ ِّ‬
‫ب‬
‫أطربَه الوقتُ الذي قد دنا @ وكان من قبلك لم يَطر ِّ‬
‫َ‬
‫َهفَا به الوج ُد فلو مِّ نبر @ َ‬
‫ار لَوافَي َخطفَةَ الكوكَب‬
‫ط َ‬
‫إلى جمي ِّل الوجه ذِّي هَيبة @ ليست لحامِّ ي الغاب ِّة ال ُمغضَب‬
‫اظر من رؤية @ إال التما َح الخائِّف ال ُمذنِّب‬
‫ال يُمكنُ النّ َ‬
‫كنا نعجب بقول البحتري ونستغربه في قوله لجعفر المتوكل‪:‬‬
‫غير َما @ في ُوسعه لس َعى إليك المنب ُر‬
‫فلو أنّ مشتاقا ت َكلّف َ‬
‫حتى إذا رأينا قول الغزال‪ ،‬وعلمنا انه سبق إليه بزمانه‪ ،‬على أن البحتري استحقه أيضا بإحسانه‪ ،‬ألنه أتى بالمعنى في بيت واحد‪ ،‬واختصره‬
‫اختصارا حسنا‪ .‬كما أن قول الغزال‪:‬‬
‫ال يُمكن النّا َ‬
‫ب‬
‫ظر من ُرؤية @ إال التما َح‬
‫ِّ‬
‫الخائف ال ُمذن ِّ‬
‫حسن جدا في معنى الهيبة‪ ،‬وقد أخذه منهم محمد بن أبي الحسن‪ ،‬فقال و و أحسن‪ ،‬وزاد في المعنى وبين‪:‬‬
‫غمامة @ نُ َ‬
‫كأنا من اإلجال ِّل تحت َ‬
‫بالرعب ك َّل األحاين‬
‫طأطي لها ُّ‬
‫كأنا ّ قُ ِّرفنا باجْ ترام ومالنا @ لسان يُقوينا ِّبعُذْر ُمباين‬
‫ولبعض أهل البالد من قصيد يمدح به أمير المسلمين علياً‪:‬‬
‫ً‬
‫َ‬
‫قان‬
‫أراكَ مألت الخافِّقَين مهابة @ لهَا َما تُلِّيح الش ُ‬
‫ّهب في ال َخف ِّ‬
‫وت ُغضى العيونُ عن سنَاك كأنّها @ ت ُقابِّ ُل منك الشّمس في اللَّمعان‬
‫ولو سقنا جميع ما ألهل قطرنا في مثل هذا لخرجنا عن غرضنا‪ .‬فلنرجع إلى شعر الغزال فإنه قال في آخره‪:‬‬
‫ب‬
‫إن ت ُرد ال َماَل فإني امرؤ @ لم اجَمع الما َل ولم ا ْك ِّ‬
‫س ِّ‬
‫الربح وال ت َر َ‬
‫غب‬
‫إذا أخذتَ الحقَّ مِّ نِّّي فال @ ت َلت َ ِّمس ّ‬
‫قَد أحسنَ هللا إلينَا معا @ إن كان رأس المال لم يذهب‬
‫والسبب في نظم هذا الشعر أن أبا المطرف عبد الرحمن المذكور كان واله قبض األعشار ببالط مروان واختزانها في األهراء‪ .‬وكان توسل‬
‫إليه بمديح مدحه به‪ ،‬فنفق الطعام في ذلك العام‪ ،‬وسما السعر بالقحط سموا كثيرا‪ ،‬فوضع يده في البيع حتى أتى على ما كان عنده في‬
‫األهراء‪ .‬ثم إنه نزل الغيث ورخص الطعام‪ ،‬فأعلم السلطان بما صنع الغزال من البيع‪ ،‬فأنكره وقال‪ :‬إنما تعد األعشار لنفقات الجند والحاجة‬
‫إليها في الجهد‪ ،‬فماذا صنع الخبيث! خذوه بأداء ما باع من أثمانها واشتروا به طعاما‪ ،‬واصرفوه في األهراء إلى وقت الحاجة إليه‪ .‬فلما طلب‬
‫منه ثمن ما باع أبى من ذلك وقال‪ :‬إنما أشتري لكم من الطعام عدد ما بعت من اإلمداد‪ ،‬وبين العددين بون كثير نحو من ثالثين ألفا‪ .‬فأعلم‬
‫السلطان بامتناعه من األداء‪ ،‬وبما ذهب إليه من شراء مثل ما باع‪ .‬فأمر بسجنه وحمله إليه في الكبل‪ ،‬فسيق منها إلى قرطبة‪ ،‬وسجن بها‬
‫فصنع هذا القصيد‪ ،‬ورفعه إليه‪ .‬فلما قرئ شعره أعجب به‪ ،‬واعجب به الحاضرون‪ ،‬وقال له بعضهم‪ :‬لقد أنصفك الغزال في قوله‪:‬‬
‫ب‬
‫قد أحسنَ هللا إلينا معا ً @ إن كان‬
‫رأس المال لم يذه ِّ‬
‫ُ‬
‫فإنه لو ذهب أيها اإلمام‪ ،‬أي ذمة كانت تفي به للغزال‪ ،‬مع ما هو عليه من االنهماك في الشهوات وقلة المال! فضحك اإلمام وأمر بإطالقه‪.‬‬
‫وكان عبد الرحمن من أهل العلم‪ ،‬متسما بالكرم والحلم‪ ،‬قديرا على النثر والنظم‪ .‬له غالم جميل كان له‪ ،‬اسمه بدر‪:‬‬
‫أن ُ‬
‫ار‬
‫ظر إلى بدر وكي @ ف بدَا بصفحته ال ِّعذَ ْ‬
‫َّ‬
‫س ِّرار‬
‫طرف ال ّ‬
‫بدر الت ّما @ م بَدا بِّه َ‬
‫فكأنه ُ‬
‫وقال ذو النسبين «ض» ‪ :‬وأنشدني الوزير الكاتب أبو عبد هللا محمد ابن أبي القاسم بن عميرة‪ ،‬قال‪ :‬أنشدني ذو الوزارتين أبو محمد قال‪:‬‬
‫أنشدني أبي ذو الوزارتين أبو الحسن جعفر بن إبراهيم بن الحاج اللورقي في ذم العذار‪:‬‬
‫س الحِّ دَا ِّد‬
‫أبَا جعفر مات فيك الجما @ ُل‬
‫فأظهر خدك لبُ َ‬
‫َ‬
‫الربي @ ع فأصب َح ينبُت شَوك القَت َاد‬
‫وقد كانَ ينُبت نَور َّ‬
‫درك بالكون أو بالفَساد‬
‫ي‬
‫ء‬
‫@‬
‫ما‬
‫س‬
‫ال‬
‫بدر َّ‬
‫ُ َ‬
‫أ ِّبن لي َمت َى كان ُ‬
‫ْ‬
‫سواد‬
‫وهل كنتَ في ال ُم ْلك من عبد شم @ س فأخشى عليك‬
‫لباس ال ّ‬
‫َ‬
‫سارة في مدحه‪:‬‬
‫وفي ضدّه قو ُل األستاذ أبي محمد بن َ‬
‫ق‬
‫سنه @ فقلوبُنَا َو ْجدا ً عليه ِّرقَا ُ‬
‫و ُمعذَّر رقَّت حواشي ُح ْ‬
‫سوا َد وإِّنّما @ نَفَضت عليه صبا َ‬
‫ق‬
‫غها األحدا ُ‬
‫ْس عارضُه ال ّ‬
‫لم يُك َ‬
‫وهذا أيضا من الغَريب العجيب‪.‬‬
‫ُ‬
‫سريَّة البَلَ ْنسى‪:‬‬
‫بن‬
‫هللا‬
‫د‬
‫ب‬
‫ع‬
‫مروان‬
‫أبي‬
‫ل‬
‫قو‬
‫سواه‪،‬‬
‫أحد‬
‫فيه‬
‫كه‬
‫ْر‬
‫ش‬
‫ي‬
‫ولم‬
‫بمعناه‪،‬‬
‫ه‬
‫ل‬
‫قائ‬
‫د‬
‫َ‬
‫انفر‬
‫ومن احسن ما رأيتُ فيه مما‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ِّ‬

‫ب‬
‫ّ‬
‫ار بخدّه ثم ا ْنثَنى @ لما دَنا من لَثم فيه األَشن ِّ‬
‫دب ال ِّعذَ ُ‬
‫ْ‬
‫ال َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫س ٌّم قاتِّل للعَقرب‬
‫يق‬
‫فالر‬
‫@‬
‫مه‬
‫ث‬
‫ل‬
‫في‬
‫دى‬
‫الر‬
‫ِّى‬
‫ش‬
‫خ‬
‫ن‬
‫إ‬
‫و‬
‫ُ‬
‫غ ْر َ ِّ‬
‫ِّ ّ‬
‫َّ‬
‫ّيء يذكر بمثله‪،‬‬
‫وما أوردناه في العِّذار من النظم‪ ،‬هو من المعاني العُقم‪ ،‬وإنما اجْ ت ُ ِّلبتْ هذه األبيات صلةً ألبيات السلطان عبد الرحمن والش ُ‬
‫تغ ّمدنا هللا بفضله‪.‬‬
‫تطلب الصلح بعد خروجهم من إشبيلية‪ ،‬وإ ِّيقاعِّهم بجبهاتها ثم هزي َمتِّهم بها‪ ،‬وقَتْل‬
‫سلطان عبد الرحمن ُرس ُل َملكِّ المجوس‬
‫ولما وفَد على ال ّ‬
‫ُ‬
‫سل ملكهم‪ ،‬لما كان الغزال عليه من حدة الخاطر‪،‬‬
‫قائد األسطول فيها‪ ،‬رأى أن يراجعهم بقبول ذلك‪ ،‬فأمر الغَ َزال أن يمشي في رسالته مع ر ُ‬
‫وبديهة الرأي‪ ،‬وحسن الجواب والنجدة واإلقدام والدخول والخروج من كل باب‪ ،‬وصحبته يحيى ابن حبيب‪ ،‬فنهض إلى مدينة شلب‪ ،‬وقد‬
‫أنشئ لهما مركب حسن كامل اآللة‪ ،‬وروجع ملك المحبوس على رسالته وكوفئ على هديته‪ ،‬ومشى رسول ملكهم في مركبهم الذي جاءوا‬
‫فيه مع مركب الغزال‪ ،‬فلما حاذوا الطرف األعظم الداخل في البحر الذي هو حد األندلس في آخر الغرب‪ ،‬وهو الجبل المعروف بألوية هاج‬
‫عليهم البحر‪ ،‬وعصفت بهم ريح شديدة وحصلوا في الحد الذي وصف الغزال في قوله‪:‬‬
‫وص ْر @ نا بَين موج كالجبا ِّل‬
‫قال لي يحيَى ِّ‬
‫وتولَّتنا رياح @ من َدبُور وشَما ِّل‬
‫شقَّت ال ِّق ْلعَين وأن @ بَت َّتْ عُرا تِّلك الحِّ بال‬
‫َ‬
‫وت َم َّ‬
‫طى ملَكُ المو @ ت إلينا عن حِّ يَال‬
‫رأى العين حاالً بعد حا ِّل‬
‫فرأينا الموت َ‬
‫رأس مال‬
‫للقوم فينا @ يا رفِّيقِّي‬
‫لم يكن‬
‫ِّ‬
‫ُ‬
‫وهذا القصيد يجول عليه رونق االنطباع‪ ،‬وهو القريب غير المستطاع؛ ورأيت له في الغزل من هذا القصيد معنى انفرد باختراعه‪ ،‬وأبدع ما‬
‫شاء في إبداعه‪ ،‬وهو قوله‪:‬‬
‫سلي َمى ذاتُ زُهد @ في َزهيد من ِّوصَا ِّل‬
‫و‬
‫ُ‬
‫سبْتنِّي بال َخيال‬
‫كلَّما قُلت ِّصلينِّي @ حَا َ‬
‫وهذا اختراع عجيب‪ ،‬ومعنى غريب‪ .‬وزاد فيه بعد ذلك‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫والكَرى قد ُمنِّعَتْهُ @ ُمقلًتِّي أ ْخرى اللَّيالي‬
‫وهي أدرى فَ ِّل َماذا @ دَافعَتْنِّي ب ُمحَال‬
‫أت ُراني أقتضيها @ بع ُد شيئا ً من نَوال‬
‫ثم أن الغزال سلم من هول تلك البحار‪ ،‬وركوب األخطار؛ ووصل أول بالد المجوس إلى جزيرة من جزائرها فأقاموا فيها أياما ً واصلحوا‬
‫مر اكبهم‪ ،‬وأجموا أنفسهم‪ .‬وتقدم مركب المجوس إلى ملكهم‪ ،‬فأعلمه بلحاق الرسل معهم‪ ،‬فسر بذلك ووجه فيهم‪ ،‬فمشوا إليه إلى مستقر‬
‫ملكه‪ ،‬وهي جزيرة عظيمة في البحر المحيط‪ ،‬فيها مياه مطردة وجنات‪ ،‬وبينها وبين البر ثالث مجار‪ ،‬وهي ثالثمائة ميل‪ ،‬وفيها من المجوس‬
‫ما ال يحصى عدده م‪ .‬وتقرب من تلك الجزيرة جزائر كثيرة‪ .‬منها صغار وكبار‪،‬أهلها كلهم مجوس‪ ،‬وما يليهم من البر أيضا لهم مسيرة أيام‪،‬‬
‫وهم مجوس‪ ،‬وهم اليوم على دين النصرانية وقد تركوا عبادة النار‪ ،‬ودينهم الذي كانوا عليه‪ ،‬ورجعوا نصارى إال أهل جزائر منقطعة لهم في‬
‫البحر هم على دينهم األ ول من عبادة النار‪ ،‬ونكاح األم واألخت وغير ذلك من أصناف الشنار‪ .‬وهؤالء يقاتلونهم ويسبونهم‪ .‬فأمر لهم الملك‬
‫بمنزل حسن من منازلهم‪ ،‬واخرج إليهم من يلقاهم‪ ،‬واحتفل المجوس لرؤيتهم‪ .‬فرأوا العجب العجيب من أشكالهم وأزيائهم‪ .‬ثم إنهم انزلوا في‬
‫كرامة‪ ،‬وأقاموا يومهم ذلك‪ ،‬واستدعاهم بعد يومين إلى رؤيته‪ ،‬فاشترط الغزال عليه أال يسجد له وال يخرجهما عن شيء من سنتهما‪،‬‬
‫فأجابهما إلى ذلك‪.‬‬
‫فلما مشيا إليه قعد لهما في أحسن هيئة‪ ،‬وأمر بالمدخل الذي يفضي إليه‪ ،‬فضيق حتى ال يدخل عليه أحد إال راكعاً‪ ،‬فلما وصل إليه جلس إلى‬
‫األرض وقدم رجليه وزحف على أليته زحفة‪ ،‬فلما جاز الباب استوى واقفاً‪ .‬والملك قد أعد له وأحفل في السالح والزينة الكاملة‪ .‬فما هاله ذلك‬
‫وال ذعره‪ ،‬بل قام ماثالً بين يديه‪ ،‬فقال‪ :‬السالم عليك أيها الملك وعلى من ضمه مشهدك‪ ،‬والتحية الكريمة لك‪ ،‬والزلت تمتع بالعز والبقاء‬
‫والكرامة الماضي ة بك إلى شرف الدنيا واآلخرة‪ ،‬المتصلة بالدوام في جوار الحي القيوم‪ ،‬الذي كل شيء هالك إال وجهه‪ ،‬له الحكم وإليه‬
‫المرجع‪.‬‬
‫ففسر له الترجمان ما قاله‪ ،‬فأعظم الكالم‪ ،‬وقال‪ :‬هذا حكيم من حكماء القوم‪ ،‬وداهية من دهاتهم‪ ،‬وعجب من جلوسه إلى األرض وتقديمه‬
‫رجليه في الدخول‪ ،‬و قال‪ :‬أردنا أن نذله‪ ،‬فقابل وجوهنا بنعليه! ولوال انه رسول ألنكرنا ذلك عليه‪ .‬ثم دفع إليه كتاب السلطان عبد الرحمن‬
‫وقريء عليه الكتاب‪ ،‬وفسر له‪ .‬فاستحسنه وأخذه في يده‪ ،‬فرفعه ثم وضعه في حجره‪ ،‬وأمر بالهدية ففتحت عيابها‪ ،‬ووقف على جميع ما‬
‫اشتملت عليه من الثياب واألواني! فأعجب بها‪ ،‬وأمر بهم فانصرفوا إلى منزلهم ووسع الجراية عليهم‪.‬‬
‫وللغزال معهم مجالس مذكورة‪ ،‬ومقاوم مشهورة؛ في بعضها جادل علماءهم فبكتهم‪ ،‬وفي بعضها ناضل شجعانهم فأثبتهم‪.‬‬
‫ولما سمعت امرأة ملك المجوس بذكر الغزال وجهت فيه لتراه‪ ،‬فلما دخل عليها سلم‪ ،‬ثم شخص فيها طويالً ينظرها نظر المتعجب‪ .‬فقالت‬
‫لترجمانها‪ :‬سله عن إدمان نظره لماذا هو؟ ألفرط استحسان أم لضد ذلك؟ فقال‪ :‬ما هو أني لم أتوهم أن في العالم منظرا ً مثل هذا‪ ،‬وقد رأيت‬
‫عند ملكنا نساء انتخبن له من جميع األمم فلم أر فيهن حسنا ً يشبه هذا‪ .‬فقالت لترجمانها‪ :‬سله أمجد هو أم هازل؟ فقال‪ :‬ال‪ ،‬بل مجد‪ .‬فقالت‬
‫له‪ :‬فليس في بلدهم إذا جمال! فقال الغزال‪ :‬فاعرضوا علي من نسائكم حتى أقيسها بها‪ .‬فوجهت الملكة في نساء معلومات بالجمال فحضرن‪،‬‬
‫فصعد فيهن وصوب ثم قال‪ :‬فيهن جمال وليس كجمال الملكة‪ ،‬ألن الحسن الذي لها والصفات المناسبة ليس يميزه كل أحد‪ ،‬وإنما يعني به‬
‫الشعراء‪ ،‬وإن أحبت الملكة أن أصف حسنها وحسبها وعقلها في شعر يروي في جميع بالدنا فعلت ذلك‪ .‬فسرت بذلك سرورا ً عظيما ً وزهيت‪،‬‬
‫وأمرت له بصلة‪ ،‬فامتنع من أخذها الغزال‪ ،‬وقال‪ :‬ال أفعل‪ .‬فقالت للترجمان‪ :‬سله‪ ،‬لم ال يقبل صلتي؟ أألنه حقرها أم ألنه حقرني؟ فسأله‪ ،‬فقال‬
‫الغزال‪ :‬إن صلتها لجزيلة‪ ،‬وإن األخذ منها لتشرف ألنها ملكة بنت ملك‪ ،‬ولكن كفاني من الصلة نظري إليها وإقبالها علي‪ ،‬فحسبي ذلك صلة‪.‬‬
‫وإنما أريد أن تصلني بالوصول إليها أبداً‪ .‬فلما فسر لها الترجمان كالمه زادت منه سرورا وعجبا‪ ،‬وقالت‪ :‬تحمل صلته إليه‪ ،‬ومتى أحب أن‬
‫يأتيني زائرا فعال يحجب‪ ،‬وله عندي من الكرامة والرحب والسعة‪ .‬فشكرها الغزال‪ ،‬ودعا لها وانصرف‪.‬‬
‫قال تمام بن علقمة‪ :‬سمعت الغزال يحدث بهذا الحديث‪ ،‬فقلت له‪ :‬وكان لها من الجمال في نفسها بعض هذه المنزلة التي صورت؟ فقال‪:‬‬
‫وأبيك‪ ،‬لقد كانت فيها حالوة‪ ،‬ولكني اجتلبت بهذا القول محبتها‪ ،‬ونلت منها فوق ما أردت‪.‬‬
‫قال تمام بن علقمة‪ :‬وأخبرني أحد أصحابه‪ ،‬قال‪ :‬أولعت زوجة ملك المجوس بالغزال فكانت ال تصبر عنه يوما حتى توجه فيه‪ ،‬ويقيم عندها‬

‫يحدثها بسير المسلمين وأخبارهم وبالدهم‪ ،‬وبمن يجاورهم وبالدهم‪ ،‬وبمن يجاورهم من األمم‪ .‬فقلما انصرف يوما قط من عندها إال اتبعته‬
‫هدية‪ ،‬تلطفه بها من ثياب أو طعام أو طيب‪ ،‬حتى شاع خبرها معه‪ ،‬وأنكره أصحابه‪ ،‬وحذر منه الغزال‪ ،‬فحذر وأغب زيارتها‪ .‬فباحثته عن‬
‫ذلك‪ ،‬فقال لها ما حذر منه‪ .‬فضحكت‪ ،‬وقالت له‪ :‬ليس في ديننا نحن هذا‪ ،‬وال عندنا غيرة‪ ،‬وال نساؤنا مع رجالنا إال باختيارهن‪ ،‬تقيم المرآة‬
‫معه ما أحبت‪ ،‬وتفارقه إذا كرهت‪ .‬وأما عادة المجوس قبل أن يصل إليهم دين رومة‪ ،‬فأال يمتنع أحد من النساء على أحد من الرجال‪ ،‬إال أن‬
‫يصحب الشريفة الوضيع‪ ،‬فتعير بذلك‪ ،‬ويحجره عليها أهلها فلما سمع ذلك الغزال من قولها أنس إليه وعاد إلى استرساله‪.‬‬
‫قال تمام‪ :‬كان الغزال في اكتهاله وسيما‪ ،‬وكان في صباه جميال‪ ،‬ولذلك سمي بالغزال‪ .‬ومشى إلى بالد المجوس وهو قد شارف الخمسين وقد‬
‫وخطه الشيب‪ ،‬ولكنه كان مجتمع األشد‪ ،‬ضرب الجسم‪ ،‬حسن الصورة‪ .‬فسألته يوما زوجة الملك ‪ -‬واسهما نود ‪ -‬عن سنة‪ ،‬فقال مداعبا لها‪:‬‬
‫عشرون سنة‪ .‬فقالت للترجمان‪ :‬ومن هو من عشرين سنة يكون بها هذا الشيب؟ فقال للترجمان‪ :‬وما تنكر من هذا؟ ألم تر قط مهرا ً ينتج‬
‫وهو أشهب؟ فضحكت نود‪ ،‬وأعجبت بقوله‪ .‬فقال في ذلك الغزال بديها‪:‬‬
‫هوى ُمتْعبا @ غالبتَ منه الضَّيغَم األ ْ‬
‫غلبَا‬
‫ُكلّفتَ يا قلبِّي‬
‫ً‬
‫ً‬
‫إنّي تعلّقتُ م ُجوسيَّة @ تأبَى لِّشمس ال ُحسن أن ت َ ْغ ُربا‬
‫ُ‬
‫حيث ال @ يَلقى إليها ذاهب مذهبا‬
‫أقصى بالد هللا لي‬
‫يا نُود يا ُرو َد الشَّباب التي @ تُطِّ ل ُع من ْ‬
‫أزرارها الكَوكبا‬
‫الشخص الذي ال أرى @ أ ْحلى على قلبي وال أ ْعذَبا‬
‫يا بابي‬
‫ُ‬
‫إن قلتُ يوما إنّ عيني رأت @ ُمشبهَه لم أ ْع ُد أن أكذبا‬
‫أرى فَ ْو َديْه قد نَ ّورا @ دُعابةً ت ُوجب أن أدْعبا‬
‫قالت َ‬
‫قلت لها يا بأبى إنَّه @ قد يُنَت ُج المهر َكذَا أ ْ‬
‫شهَبا‬
‫فاستضحكَت عُجْبا ً بقولي لها @ وإنَّما قُلت لكي ت ّ ْعجبا‬
‫قوله "يا رؤد الشباب" الرأدة والرؤدة والرؤد‪ :‬الجارية الناعمة الجسم‪ .‬وقد رؤد شبابها‪ .‬والغصن الرؤد‪ :‬الرطب‪ ،‬والشعراء يسهلون‬
‫الهمزية يستهلون الهمزة منه تخفيفا فال يكادون ينطقون بها‪ .‬وقوله‪" :‬فوديه قد نورا" ‪ ،‬فالفودان‪ :‬ما يلي األذنين من الشعر‪ .‬وقوله‪" :‬أن‬
‫أدعبا" فإنه يقال من الدعابة‪َ :‬دعِّب‪ ،‬بكسر العين في الماضي‪ ،‬يدعب‪ ،‬بفتح العين في المضارع‪ ،‬دعباً‪ ،‬بفتح الدال والعين في المصدر‪.‬‬
‫وهذا الشعر لو روى لعمر بن أبي ربيعة‪ ،‬أو لبشار بن برد‪ ،‬أو لعباس بن األحنف‪ ،‬ومن سلك هذا المسلك من الشعراء المحسنين الستغرب‬
‫له‪ .‬وإنما أوجب أن يكون ذكره منسياً‪ ،‬أن كان أندلسياً؛ وإال فما له أخمل‪ ،‬وما حق مثله أن يهمل‪ .‬وهل رأيت أحسن من قوله‪" :‬تأبى لشمس‬
‫الحسن أن تغربا " ‪ ،‬أو كالبيت األول من هذه القطعة‪ ،‬أو كصفته لما جرى من الدعابة؟ هل وصفته إال الدر لمنتظم‪ ،‬وهل إال نظلم في حقنا‬
‫ونهتضم! ياهلل ألهل المشرق! قوله غاص بها شرق‪ .‬أال نظروا إلى اإلحسان بعين االستحسان‪ ،‬وأقصروا عن استهجان الكريم الهجان عن‬
‫استهجان الكريم الهجان؛ ولم يخرجهم اإلزراء بالمكان عن حد اإلمكان؛ لئن أرهفت بصائرهم البصرة وأرقتها الرقتان؛ فقد درجنا نحن بحيث‬
‫مرج البحرين يلتقيان‪ ،‬فإن منهما مخرج اللؤلؤ والمرجان‪ .‬وينشد ما قاله بعض شعرائنا‪:‬‬
‫ح لفضل أن يكون لَديكُم @ فما لكُم تأبَون أن كان عندنا َ‬
‫نَرا ُ‬
‫ُ‬
‫فال ت َحسدونا أن تَلوح بأفقكم @ لنا طالعات مِّ ن هناكَ ومن هنا‬
‫وإن كنت ُم في الع ّد أكثَر مفخرا ً @ فال ت َظلمونا َ في القليل الذي لنا‬
‫ولنرجع إلى ذكر الغزال‪ ،‬فإنه لما أنشد "نود" الشعر وفسره الترجمان لها‪ ،‬ضحكت منه وأمرته بالخضاب‪ .‬ففعل ذلك الغزال‪ ،‬وغدا عليها‬
‫يوما ً ثانيا‪ .‬وقد اختضب؛ فمدحت خضابه وحسنته عنده‪ ،‬ففي ذلك يقول الغزال‪:‬‬
‫سوا َد خِّ ضَابي @ فكأنّ ذاك أعادني لشَبا ِّبي‬
‫سِّنُ لي َ‬
‫بكَرتَ ت ُ ًح ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫والخضاب لواصف @ إال َكشَمس ُجلِّلت بضَباب‬
‫َّيب عندِّي‬
‫ُ‬
‫ما الش ُ‬
‫ستِّرت به لذَهاب‬
‫ت َْخفَى قليالً ثم يَ ْقشَعها الصَّبا @‬
‫فيصير ما ُ‬
‫ُ‬
‫ال ت ُنكري وضَح ال َمشيب فإنّما @ هو َز ْه َرةُ اإلفهام واأللبْاب‬
‫فلدي ما ت َهويْن من شأن الصّبا @ وطالوة األخالق واآلداب‬
‫ّ‬
‫ثم انفصل الغزال عنهم‪ ،‬وصحبه الرسل إلى شنت يعقوب بكتاب ملك المجوس إلى صاحبها‪ .‬فأقام عنده مكرما شهرين‪ ،‬حتى انقضى حجهم‪،‬‬
‫فصدر إلى قشتالة مع الصادرين‪ ،‬ومنها خرج إلى طليطلة حتى لحق بحضرة السلطان عبد الرحمن بعد انقضاء عشرين شهرا ومن قوله‬
‫أيضا المتفق عليه في جميع الروايات‪:‬‬
‫يَا راجيا ً ُو َّد الغَواني ِّضلَّةً @ ففؤادُه َكلَفا ً بهنَّ ُم َو ّك ُل‬
‫المحب لَهن من ال يَعقل‬
‫ِّف‬
‫ال ت َكلَفنّ بو ْ‬
‫ّ‬
‫ص ِّلهنَّ فإنما ال @ َكل ُ‬
‫ج سر ُجك ريثما ال تنزل‬
‫سر ُ‬
‫سروجِّ حقيقةً @ فال ّ‬
‫إنّ النسا َء لكال ّ‬
‫فإذا نَزلتَ فإنّ َ‬
‫غيرك نازل @ ذاكَ المكانَ وفاعل ما ت َفع ُل‬
‫جتاز أصبح غادِّيا ً @ عنه وينز ُل بعده من ينزل‬
‫منز ِّل ال ُم ِّ‬
‫أو ِّ‬
‫ً‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫يمر فت ُؤكل‬
‫أو كالث ِّ ّم ِّار ُمباحة أغصانها @ تدنو َّ‬
‫ألول من ُّ‬
‫متحول‬
‫أعطِّ الشبيبة ال أبَالَك حقَّها @ منها فإن نعي َمها‬
‫ّ ِّ‬
‫سلبت ثِّيابَها لم ت َنتفع @ عن َد النّساء بكل ما يستبذَل‬
‫وإذا ُ‬
‫ثم إن الغزال هجا أبا الحسن علي بن نافع‪ ،‬الملقب بزرياب‪ ،‬بهجو مقذع‪ ،‬تحرجت من إيداعه في هذا الكتاب‪.‬‬
‫وزرياب هذا مولى الخليفة المهدي‪ ،‬ابن الخليفة أمير المؤمنين أبي جعفر المنصور عبد هللا بن محمد بن علي بن عبد هللا بن علي بن عبد هللا‬
‫بن العباس ابن عبد المطلب‪ .‬قدم األندلس مهاجرا ً إلى عبد الرحمن بن الحكم‪ ،‬فتلقاه بأعلى المحل‪ ،‬وفوض إليه أكثر أموره في العقد والحل؛‬
‫وذلك لهجرته إليه وحسن غنائه‪ ،‬وتناهيه في اإلطراب وغنائه‪ .‬وهو أول من سن في األندلس أكل الهليون والنقاوى وقلى الفول واستعمال‬
‫األنطاع للنوم‪ ،‬والتحلي بالحرير والخز والمروية‪ .‬وسن لباس البياض من المهرجان إلى نصف أكتوبر‪ ،‬وإن كان مطرا‪ .‬وعلمهم الغناء‬
‫واخترع النقر بالريش‪ ،‬وتوفى سنة ثالث وأربعين ومائتين فشكا للسلطان الغزال وعرض هجوه عليه‪ ،‬وما قذفه به ونسبه من الفحش إليه‪.‬‬
‫فأمر السلطان بنفيه عن األندلس‪ .‬فكلمه فيه أكابر أهل دولته فتركه‪ .‬ثم إن الغزال لم يطب نفسا ً بالمقام في األندلس فرحل إلى العراق‪ ،‬وذلك‬
‫بعد موت الحسن بن هانئ بمدة يسيرة‪ ،‬فوجدهم يلهجون بذكره وال يساوون شعر أحد بشعره‪ .‬فجلس يوما ً مع جماعة منهم فأزروا بأهل‬
‫األندلس‪ ،‬واستهجنوا أشعارهم؛ فتركهم حتى وقعوا في ذكر الحسن‪ ،‬فقال لهم‪ :‬من يحفظ منكم قوله‪:‬‬

‫عنَائِّي‬
‫ول ّما رأيتُ الشَّرب أكْدتْ سماؤْ هم @ تأبّطتُ ِّزقِّّي واحتسبْتُ َ‬
‫الروح نَ ْحو نِّدائي‬
‫فل ّما أتيتُ ال َخان ناديتُ ر َّبه @‬
‫فهب َخ َ‬
‫َّ‬
‫فيف ّ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ين‪ .‬إالّ ت َ ِّعلَّةً @ على وجَل منِّي ومن نظرائي‬
‫قلي َل هُجوعِّ العَ ِّ‬
‫فقلتُ أ ِّذ ْقنيها فل ّما أذاقني @ َ‬
‫وردائي‬
‫طرحْتُ إليه َريْطتي ِّ‬
‫وقلت أعِّر ْني بِّ ْذلَةً أستَت ِّْر بها @ بذَ ْلتُ له فيها طالقَ نِّسائي‬
‫برت يَمينِّي وال وفَتْ @ له َ‬
‫غير أنِّّي ضا ِّمن بوفائي‬
‫فو هللا ما َّ‬
‫وأبتُ إلى صَحْ بي ولم أكُ آئبا ً @ فكُ ٌّل يُفدّيني وحقّ فِّدائي‬
‫فأعجبوا بالشعر وذهبوا في مدحهم له كل مذهب‪ .‬فلما أفرطوا قال لهم‪ :‬خفضوا عليكم فإنه لي‪ .‬فأنكروا ذلك‪ .‬فأنشدهم قصيده الذي أوله‪:‬‬
‫تداركُت في شُرب النبيّذ َخطائي @ وفارقت فيه شِّميتي وحَيائِّي‬
‫فلما أتم القصيد باإلنشاد خجلوا وافترقوا عنه‪.‬‬
‫وأقام الغزال في رحلته تلك مدة يتجول في ديار المشرق‪ ،‬وما انفك في كل قطر منه من غريبة يطلعها‪ ،‬وطريقة يبدعها؛ ثم إنه رجع إلى‬
‫نفسه‪ ،‬وحن إلى مسقط رأسه؛ وانصرف إلى األندلس وهو قد ترك شرب الخمر وتزهد في الشعر وشارف الستين‪ ،‬وركب النهج المبين؛ ولم‬
‫ينسك نسكا أعجمياً‪ ،‬بل ظرف ظرفا أديبا‪ ،‬وسلك مسلكا من البر مرضيا وقال في جارية اشتراها واسمها لعوب‪ ،‬وقد أراد منها أمرا ً فعجز عنه‬
‫اليعبوب‪:‬‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ً‬
‫برزتْ‬
‫لوب‬
‫ق‬
‫م‬
‫ها‬
‫ص‬
‫قمي‬
‫وحيث‬
‫ا‬
‫ب‬
‫ر‬
‫ط‬
‫@‬
‫عوب‬
‫ل‬
‫إلى‬
‫إذ‬
‫س‬
‫ن‬
‫أ‬
‫لم‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ُ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫تعرضتْ @ َ‬
‫ظبْي ت َدلَّه بالفَال َم ْرعوب‬
‫وكأَنَّها في الدَّار حين َّ‬
‫ع ْذبة وغُ ُروب‬
‫ت َفت َُّر عن د ُّر تَناسقَ نَ ْظ ُمه @ فيه لَثَاة َ‬
‫سحابة َم ْقطوب‬
‫حاولتُ منها َرش ْفةً فكأنها @ َ‬
‫سل بماءِّ َ‬
‫ع َ‬
‫فتطربتْ @ نَفس إلى داعِّي الضَّالل َ‬
‫ط ُروب‬
‫صبا‬
‫و َدعْتك داعيةُ ال ِّ ّ‬
‫َّ‬
‫وظننتَ عهدَك عهدَها في الدَّهر إذ @ فَ ْينانُ ُ‬
‫غصنك بالشَّباب َرطيب‬
‫صبا شأوا ً وقد @ َ‬
‫وزعْتك عنه َكبْرة و َمشِّيب‬
‫سنَن ال ِّ ّ‬
‫فجريتَ في َ‬
‫َ‬
‫شئْت َه فيُجيب‬
‫وحسبتَ صاحبَك الذي هو ذاك إذ @ تدعُوه َمهما ِّ‬
‫ُ‬
‫أحداث ّ‬
‫قد كان ال يَ ْنبو إذا ج ََّربت َه @ فاآلنَ‬
‫الزمان ت َنُوب‬
‫َ‬
‫س َمحتْ فما َل على ال َكثِّيب ق ِّضيب‬
‫ل ّما رأتْ ذاك الذي ت َ ْن ُحو له @ َ‬
‫غربيب‬
‫وتأودتْ ُخمصانة بَهنانَة @ كالفَجْر يعلوه ُد ًجى ْ‬
‫َّ‬
‫سة لونُه ُح ْلبوب‬
‫ج‬
‫م‬
‫ال‬
‫ي‬
‫ب‬
‫را‬
‫@‬
‫ِّف‬
‫د‬
‫َه‬
‫ت‬
‫س‬
‫م‬
‫على‬
‫يدي‬
‫ْء‬
‫ل‬
‫م‬
‫فقبضتُ‬
‫ِّ‬
‫ْ‬
‫َ َّ‬
‫ُ‬
‫ِّ‬
‫شِّمال لطافَةً @ ليستْ ألْخرى واألدِّيب أريب‬
‫شِّمال ولل ّ‬
‫ِّب َيدي ال ّ‬
‫فَت َقاعَس ال َم ْلعونُ عنه وإنّني @ ألكا ُد من فَ ْرط الحَياء أذُوب‬
‫س ْوء إالّ َو ْقفةً @ ْ‬
‫أخ َزى بها وال ِّو ْر ُد منه قَ ِّريب‬
‫وأبَي كعَيْر ال َّ‬
‫ْ‬
‫ع ْهدُه َمثقوب‬
‫فكأنّه م ّما ت َشنَّج ِّج ْلدُه @ كِّير ت َقادم َ‬
‫هذا شعر حسن في الهزل جزل في معانيه‪ ،‬دون فحش فيه‪ .‬والبهانة‪ :‬الطيبة الريح؛ وقد قيل‪ :‬هي الرخيمة المنطق؛ وقيل فيها‪ :‬الضحوك‬
‫المداعبة‪ .‬وكل هذا مما يليق بوصفها في تلك الحالة‪ .‬وقوله "لونه حلبوب"‪ .‬يقال لألخضر إذا اشتدت خضرته فضرب إلى السواد‪ :‬حلبوب‪.‬‬
‫وقد أتينا من ذكر الغزال بفنون‪ ،‬والحديث ذو شجون‪.‬‬
‫ومن الحق أن نختم ذكره بما قال في الزهد؛ فإنه ‪ -‬عفا هللا عنا وعنه ‪ -‬عمر حتى قارب مائة عام‪ ،‬أربى عليها‪ ،‬وهو القائل‪:‬‬
‫ألستَ ت َرى أنّ الزمانَ َ‬
‫طواني @ وبَدَّل َخ ْلقي كُلَّه وبَ َرانِّي‬
‫ضوا ً فَعث ْ‬
‫ت َحيَّفَنى عُ ْ‬
‫ضوا ً فلم يَد ْع @ سِّوى اسمي صَحيحا ً وحدَه ولِّساني‬
‫ولو كانت األسما ُء يَدْخلها ال ِّبلَى @ لقد بلَ ِّى اسمي المتدا ِّد َزماني‬
‫سنَتان‬
‫س ِّبع أتتْ مِّ ن بعدها َ‬
‫وما ل َِّي ال أبلَى لِّتسعين حِّ جّةً @ و َ‬
‫إذا عنَّ لي شخص تخ َّي َل دونه @ شَبيه ضَباب أو شَبيهُ دُخان‬
‫فيا راغبا ً في العَيش إن كنتَ عاقالً @ فال َوعْظ إالّ دُون لَحْ ظِّ عِّيان‬
‫ومن قول الغزال في الزهد‪:‬‬
‫النَّاس َخلق واحد ُمتشابه @ لكنَّما ت َتخالف األعما ُل‬
‫أي امرئ إالّ وفيه َمقَال‬
‫ويقا ُل حقٌّ في الرجال وباطل @ ُّ‬
‫ولكل إنسان بما في نَفسه @ مِّ ن عَيب ِّه عن غيره أشغال‬
‫الخفيف لِّغيره @ وعليه من أمثال ذاك ِّجبال‬
‫يستثقل الَّلَ َمم‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫عيم دُنياه وذاك خيال‬
‫ويَنام عن دُنياه نومة قانع @ بن ِّ‬
‫الرجال أفاعيا ً @ َ‬
‫ط ْورا ً تَثُور وتارة ت َغتال‬
‫ورأيتُ أ ْلسنة ِّ ّ‬
‫فإذا سلمتَ من المقَالة غير ما @ ت َجنى فأنت األسع ُد المفضال‬
‫ومن مفاخر األندلس وشعرائها‪ ،‬وعلمائها المتقنين وكبرائها‪:‬‬
‫أبو عمر ابن عبد ربه‬
‫أحمد بن محمد بن عبد ربه‬
‫صاحب كتاب ال عقد الذي انجد وغار‪ ،‬ومأل بذكره اآلفاق واألقطار‪ .‬وذكر العالم المؤرخ الثقة أبو بكر الحسن بن محمد بن مفرج المعافري‬
‫القرطبي ‪ -‬يعرف بالقبشي ‪ -‬لسكناه بها‪ ،‬في كتابه الذي سماه بكتاب االحتفال في تاريخ أعالم الرجال‪ ،‬الذي حدثنا به المحدث العدل أبو‬
‫القاسم بن بشكوال‪ ،‬ع ن الحافظ الثقة أبي محمد بن يربوع عن الثقة أبي محمد بن خزرج عنه‪ ،‬قصة جرت البن عبد ربه‪ ،‬مع الكاتب أبي‬
‫حفص عمر بن قلهيل في التسمع على جاريته مصابيح‪ .‬واتفق أن اجتاز أحمد بن محمد بن عبد ربه بدار أبي حفص عشية فقرع سمعه من‬
‫طيب الغناء ما استوقفه‪ ،‬وأراد الدنو من ال باب‪ .‬وقيل‪ ،‬إنه صب عليه من العلية ماء بل ثيابه‪ ،‬فلم يردعه ذلك عن طلب االزدياد في السماع‪.‬‬
‫الرحمن‬
‫فعدل إلى مسجد بقرب الدار‪ ،‬وسأل المعلم فيه أن يأتيه بدواة وبياض يكتب فيه‪ ،‬فجاءه بهما فكتب‪ ،‬إلى قلهيل رقعة فيها‪ :‬بسم هللا ّ‬

‫الّرحيم‪ .‬طاولت َك النِّّعم وطالت بك‪ .‬إنا لَمسنا سما َء لَهوك‪( ،‬فَ َو َج ْدنَهَا ُم ِّلئ َت ح ََرسا ً شَديدا ً وشُ ُهباً‪ .‬وأنَّا ُكنَّا نَقعُ ُد منهَا َمقَ ِّع َد للَّسمع‪ ،‬فَ َمن يَست َمعِّ‬
‫اآلنَ ) ‪ ...‬إلى آخر اآلية‪ .‬وفي ذلك أقول‪:‬‬
‫َ‬
‫َّنّ‬
‫َنّ‬
‫ب هذا الض في أ َح ِّد‬
‫يا َمن يض بصوت الطائر الغ ِّرد @ ما كنتُ أح َ‬
‫س ُ‬
‫ع أه ِّل األرض قاطبةً @ أصغتْ إلى الصّوت لم ينقُص ولم يَزد‬
‫لو أنّ أسما َ‬
‫سمع من بُعُد‬
‫لوال اتقائي شِّهابا ً منك يُحْ رقني @ بنَاره الستَرقتُ ال ّ‬
‫زرياب حيا ًّ ثم أس َمعه @ لماتَ من حَسد أو ذَاب من َك َمد‬
‫لو كان‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫فال تَضَنَّ‬
‫س ِّد‬
‫ل‬
‫مجا‬
‫ول‬
‫ج‬
‫ي‬
‫ًا‬
‫ت‬
‫صو‬
‫@‬
‫طها‬
‫ر‬
‫ق‬
‫ت‬
‫ي‬
‫ن‬
‫أذ‬
‫على‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫الروح في ال َج َ‬
‫ُّ‬
‫ِّ ّ‬
‫سرتي بيدي‬
‫ك‬
‫إال‬
‫آتيك‬
‫@‬
‫به‬
‫أقر‬
‫لست‬
‫فإني‬
‫ّراب‬
‫ش‬
‫أ ّما ال‬
‫ولستُ‬
‫ِّ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫وسأل البواب فأوصل الرقعة إليه‪ ،‬فلما قرأها وعرف موضعه جاء حافيا إليه‪ ،‬وسأله الحضور ففعل‪ .‬ثم قال ممازحا‪ :‬هات الكسرة التي زعمت‬
‫أنك ترفع عنا مئونتها‪ .‬فقال‪ :‬أنصرف فآتيك بها‪ .‬فأقام أحمد عنده أياماً‪ .‬وقد ذكر هذه الحكاية الحميدي في جذوة المقتبس له مبتورة مصحفة‪.‬‬
‫وزرياب عندهم كان يجري مجرى الموصلي في الغناء‪ ،‬وله طرائق أخذت عنه‪ ،‬وأصوات استفيدت منه‪ .‬وقدمناه ذكره عند ذكر الغزال‪،‬‬
‫وسقنا خبره‪.‬‬
‫ومن شعر ابن عبد ربه‪:‬‬
‫الروح بل يا ُ‬
‫س ِّد‬
‫والرو ُ‬
‫غ ْربة ال َج َ‬
‫ح في بل ِّد @ يا َوحْ شةَ ُّ‬
‫الجس ُم في بلد ّ‬
‫ْ‬
‫سه َماك في َكبِّدي‬
‫ما‬
‫ه‬
‫ف‬
‫رحمة‬
‫ن‬
‫م‬
‫@‬
‫به‬
‫ف‬
‫َل‬
‫ك‬
‫ن‬
‫م‬
‫تُ‬
‫ِّ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫إن تَبْك عيناكَ لي َ‬
‫قال الحميدي‪ :‬ومما أنشدنيه من شعره أبو محمد علي بن أحمد‪ ،‬واخبرني أن بعض من كان يألفه أزمع على الرحيل في غداة ذكرها‪ ،‬فأتت‬
‫السماء في تلك الغداة بمطر جود حال بينه وبين الرحيل‪ ،‬فكتب إليه أبو عمر‪:‬‬
‫هالّ ادَّكرت لبَيْن أنت مبتكُر @ هيهات يأبَى عليك هللاُ والقد ُر‬
‫ما زلتُ أبكي حِّ ذَار البَيْن ُم ْرت َهنا @ حتى رثَى لَي فيك الري ُح والمط ُر‬
‫ستعر‬
‫يا بَردةً من حَيا َ ُم ْزن على كَبد @ نيرانُها ِّبغَليل الشَّوق ت َ ْ‬
‫آليتُ أالّ أرى شمسا ً وال قَمرا ً @ حتى أراك فأنت الشمس والقم ُر‬
‫وألبي عمر بن عبد ربه هذا مدائح كثيرة ومجموعات كبيرة في مدح مواليه بني أمية‪ .‬آخرها ما جمع للمستنصر باهلل الحكم بن عبد الرحمن‬
‫الناصر لدين هللا‪ ،‬ثم كفر عن جميع ما قال واحسن المقال وسماها بالممحصات‪ ،‬وهللا يقبل التوبة ويعفو عن السيئات‪ .‬فمن ذلك قطعة محص‬
‫بها القطعة المذكورة آنفا‪:‬‬
‫قتدر @ وال يُقَضَّي له من عَيشه و َ‬
‫ط ُر‬
‫يا عاجزا ً ليس يعفُو حيث يَ ُ‬
‫عَاين بقلبك إنّ العين َ‬
‫سقَر‬
‫غافلة @ عن الحقيقة واعلم أنها َ‬
‫سعرت @ لل َّ‬
‫ظالمين فال ت ُبقى وال تَذَر‬
‫إذا‬
‫سودا ُء ت َْزف ُِّر عن غيظ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ً‬
‫شقوة بنعيم سا َء ما تَجَروا‬
‫إنّ الذين اشْتروا دُنيا بآخرة @ و ِّ‬
‫أس تنتظر‬
‫يا من تلهَّى‬
‫الر ِّ‬
‫ُ‬
‫وشيب الرأس يندُبه @ ماذا الذي بعد شي ِّ‬
‫ب ّ‬
‫غير الموت موعظةً @ لكان فيه عن اللذَّات ُمز َدجَر‬
‫لو لم يكن لك ُ‬
‫أنت المقو ُل له ما قلُت مبتدئا ً @ هال ادكرت لبين أنت مبتكر‬
‫قال ذو النسبين‪« ،‬ض» ‪ :‬وحدثنا الفقيه األجل أبو الحسن على بن الحسين بلفظه بمدينة فاس سنة ثالث وسبعين وخمسمائة‪ ،‬وفيها مات‬
‫رحمه هللا‪ ،‬قال‪ :‬حدثنا الفقيه الحافظ أبو الحجاج يوسف بن عبد العزيز بن عبد الرحمن ابن عديس األنصاري بجامع القرويين بمدينة فاس‬
‫سنة خمس وخمسمائة‪ ،‬و فيها مات‪ .‬قال‪ :‬سمعت اإلمام أبا عمر بن عبد البر يقول‪ :‬سمعت اإلمام الحافظ أبا الوليد عبد هللا بن محمد بن‬
‫يوسف األزدي‪ ،‬المعروف بابن الفرضي يقول‪ :‬أنشدنا اإلمام أبو زكريا يحيى بن مالك بن عائذ‪ ،‬قال‪ :‬أنشدني أبو عمر أحمد بن محمد بن عبد‬
‫ربه شاعر األندلس لنفسه‪:‬‬
‫جانب‬
‫جف‬
‫أالّ إنّما الدُّنيا غضَارةُ أيكة @ إذا‬
‫أخضر منها جانب َّ‬
‫ُ‬
‫َّ‬
‫هي الدَّار ما اآلمال إال فجائع @ عليَها وال اللذَّاتُ إالّ َمصائب‬
‫وقرت عُيون دمعُها اليوم ساكب‬
‫وكم سَخِّ نَت باألمس عَين قَريرة @ َّ‬
‫فال ت َكتحل عيناك فيها بَ ْعبرة @ على ذاهب منها فإنك ذاهب‬
‫وآخر شعر قاله قبل موته بأحد عشر يوما‪:‬‬
‫ِّكالَنِّى ل َما بي عاذلّي كفَاني @ طويتُ َزماني بُرهةً و َ‬
‫طوانِّي‬
‫بَلِّيتُ وأبلَتْني اللّيالِّي وك َُّرها @ وص َْرفان لألّيام ُمعَت ِّوران‬
‫سنَتان‬
‫سبعين حِّ جّةً @ و َ‬
‫عشْر أتتْ من بعدها َ‬
‫وما لَي ِّ ال أبْلى ِّل َ‬
‫فال تسأالنِّي عن ت َباريح ِّعلَّتي @ ودونكُما منِّّي الذي ت َريان‬
‫َمان‬
‫وأنى بِّحمد هللا راج ِّلفَضله @ ولي من ضَمان هللا ُ‬
‫خير ض ِّ‬
‫ع ْقلي باقيا ً ولِّساني‬
‫ولستُ أبالي عن ت َباريح ِّعلَّتي @ إذا كان َ‬
‫هُما ما هُما في كُل حال ت ُل ّم بي @ فذا صارمي فيها وذاك سناني ِّ‬
‫والوزير الكاتب‪ ،‬كاتب الملك المنصور أبي عامر محمد بن أبي عامر‪:‬‬
‫ابن دراج القسطلي‬
‫أبو عمر أحمد بن محمد بن دراج المعروف بالقسطلي‬
‫نسب إلى بلد هناك تعرف بقسطلة دراج‪ ،‬معدود في األندلس في جملة العلماء‪ ،‬والمتقدمين من الشعراء‪ ،‬والمذكورين من البلغاء‪ ،‬وشعره‬
‫وترسيله في عدة أجزاء‪ .‬فمن مستحسن قوله ما قاله في ملك سرقسطة‪ ،‬المنذر بن يحيى التجيبي‪:‬‬
‫مكارم ُمنذ ِِّّر‬
‫يا عاكفينَ على ال ُمدام تَنَّبهوا @ وسلُوا ِّل َ‬
‫ساني عن ِّ‬
‫كرما ً لجا َد بها ولم يَت َعذَّر‬
‫مِّ لك لو استوهبتَ حبَّةَ قَلبْه @ َ‬
‫قال الحميدي‪" :‬سمعت أبا محمد علي بن أحمد‪ ،‬وكان عالما ً بنقد الشعر يقول‪" :‬لو لم يكن لنا من فحول الشعراء إال أحمد بن دراج لما تأخر‬
‫عن شأو حبيب والمتنبي"‪ .‬مات أبو عمر قريبا ً من العشرين وأربعمائة‪.‬‬

‫األديب الحسيب‪:‬‬
‫أبو عمر أحمد بن هشام ابن عبد العزيز بن محمد بن سعيد الخير أورد له الوزير أبو الوليد بن عامر في الورد والنرجس‪:‬‬
‫وأصفره‬
‫أحمره ضاحك‬
‫الروض في جَوانِّبه @‬
‫انظر إلى َّ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ع ْنب ُره‬
‫سكُه و َ‬
‫الريا ُ‬
‫رى @ بِّه ْف ِّوها مِّ ْ‬
‫ح َ‬
‫إذا هفَت فوقه ّ‬
‫س َ‬
‫صفرته @ حتى ْ‬
‫ْيب يهجره‬
‫سه ت َستج ُّد ُ‬
‫كأن ال َحب َ‬
‫نَرج ُ‬
‫والورد يَختا ُل في َمنابته @ ت َطوي ِّه أكما ُمه وت َنشره‬
‫والوزير الخطير‪ ،‬الفاضل النحرير‪:‬‬
‫ابن شهيد‬
‫أبو عامر أحمد بن السا دة الوزراء‪ :‬أبي مروان عبد الملك بن مروان بن ذي الوزارتين األعلى أحمد بن عبد الملك ابن عمر بن محمد بن‬
‫عيسى بن شهيد أشجعي النسب‪ ،‬من ولد الوضاح بن رزاح الذي كان مع الضحاك بن قيس الفهري يوم مرج راهط‪.‬‬
‫وأبو عامر هذا أرسخ أهل األندلس قاطبة باألدب‪ ،‬ينسل إليه من كل حدب؛ ولم ير لنفسه في البالغة أحدا ً يجاريه‪ ،‬ويساجله في جميع العلوم‬
‫ويباريه‪ ،‬وأما الكرم فال يقاربه فيه أحد من أهل بلده وال يدانيه‪.‬‬
‫ومن أخباره العظيمة‪ ،‬ومناقبه الكريمة‪ ،‬ما حدثني به الفقيه العالم المحدث النحوي القاضي بمدينة غرناطة وأعمالها‪ ،‬أبو محمد عبد المنعم‬
‫بن محمد بن عبد الرحيم الخزرجي‪ ،‬رحمه هللا‪ ،‬قال‪ :‬حدثنا الوزير أبو عامر محمد بن أحمد بن عمر السالمي‪ ،‬قال‪ :‬حدثنا الشيخ أبو عبد هللا‬
‫بن الصفار قال‪:‬‬
‫كان رجل من أهل طليطلة ذا محل شريف‪ ،‬ومكان عال منيف؛ فنبا به الوطن‪ ،‬وخانه على معهوده الزمن؛ فأتى إلى قرطبة رث الحال‪ ،‬منبت‬
‫الحبال؛ ال يملك فتيال‪ ،‬وال يدرك كثيرا وال قليال؛ فأنزل عياله في أحد الفنادق وخرج يلتمس حرا ً يستجديه‪ ،‬وفاضال يستهديه‪ .‬فأرشد إلى أبي‬
‫عامر بن شهيد‪ ،‬فكتب إليه كتابا يعرب عن فضل أدب‪ ،‬وكريم نسب‪ .‬فقال للرافع له‪ :‬ما زي هذا الرجل ولبسه؟ وكيف همته ونفسه؟‪ .‬فأعلمه‬
‫بما بدا من حاله؛ وظهر من اختالله‪ ،‬فأمر بدخوله‪ .‬فلما أدناه أبو عامر وقربه‪ ،‬ورتب له من البر واإلكرام ما رتبه؛ ثم إنه أسر إلى وكيله‬
‫بكالم لم يدره الرجل‪ ،‬إذ كان حائرا قد اكتنفه الخجل‪ .‬ثم أمر أن يدخل في الحمام‪ ،‬ويحتفل في البر به واإلكرام‪ .‬فلما خرج منه ألفى سبنية‬
‫بثياب أعدت له فلبسها‪ ،‬وأعيد إلى دار ابن شهيد‪ ،‬ووافق ذلك اليوم دعوة له لبعض القوم‪ ،‬فمكث الرجل وهو معلق البال‪ ،‬بمن تركه هنالك‬
‫من العيال؛ فلما انتظم األصحاب‪ ،‬وقدم الطعام والشراب‪ ،‬دخل الرجل مدخلهم في ذلك المأنس‪ ،‬وأخذ مكانه من المجلس؛ وأبو عامر بن شهيد‬
‫يؤثر مكانه‪ ،‬ويدعو إلى بره إخوانه‪ .‬فمكث الرجل بين فرح وترح‪ ،‬طورا ممتد األنس‪ ،‬وتارة مكدر النفس‪ .‬فلما كان عشي اليوم الثاني خرج‬
‫الرجل وقد قُدم له مركب سار عليه‪ ،‬وغالم بشمعة بين يديه؛ إلى أن أدى به إلى هذه الدار‪ ،‬وهي مشهورة بقرطبة إلى اآلن بين جميع الديار‪.‬‬
‫فقال ‪ :‬أنزل يا موالي‪ .‬قال الرجل‪ :‬ليست هذه داري‪ ،‬وإنما نزلت في الفندق الفالني‪ .‬فقال الغالم‪ :‬بل هي دارك‪ ،‬أعطاكها سيدي‪ ،‬وأنا والدابة‬
‫لك فأخرس الرجل ودخل الدار‪ ،‬فوجدها قد ملئت نعما ً كثيرة‪ ،‬وفرشا وثيرة؛ وعياله في منضد تلك المجالس‪ ،‬قد أفرغت عليهن أفخر‬
‫المالبس؛ وقد ملئت خزائنها بما يمأل العيون قرة‪ ،‬والقلوب مسرة‪.‬‬
‫ولهذا الوزير كتب كثيرة الهزل والجد‪ ،‬بعيدة عن الحصر والعد‪ .‬منها كتاب التوابع والزوابع‪ ،‬وكتاب حانوت العطار‪ ،‬وكتاب كشف الدك‬
‫وإيضاح الشك وقال حافظ أهل زمانه الفقيه أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري‪ ،‬في رسالته في فضل األندلس‪ ،‬مفتخرا ً به‪:‬‬
‫"و لنا من البلغاء أحمد ابن عبد الملك بن شهيد‪ ،‬صديقنا وصاحبنا‪ ،‬وهو حي لم يبلغ بعد سن االكتهال‪ .‬وله من التصرف في وجوه البالغة‬
‫وشعابها مقدار يكاد ينطق فيه بلسان مركب من لساني عمرو وسهل" وتوفي رحمه هللا ضحى يوم الجمعة آخر يوم من جمادى األولى سنة‬
‫ست وعشرين وأربعمائة بقرطبة؛ ودفن يوم السبت ثاني يوم وفاته في مقبرة أم سلمة؛ وصلى عليه رئيس قرطبة أبو الحزم جهور بن محمد‬
‫بن جهور الكلبي‪ .‬ومولده سنة اثنتين وثمانين وثلثمائة‪ ،‬ولم يعقب‪ .‬وانقرض عقب الوزير أبيه بموته‪ .‬وكان جوادا ً ال يليق شيئا‪ ،‬وال يأسى‬
‫على فائت‪ ،‬عزيز النفس‪ .‬ومن شعره الدال على كرمه وفخره‪:‬‬
‫ت من أل َم‬
‫ب حتى لو َدنَا أ َجلِّي @ لَ َما وجدتُ لطعم المو ِّ‬
‫أ ِّل ْمتُ بال ُح ّ‬
‫الحب أو ويْلي ِّ من الكرم‬
‫كر َمي ع َّمن و ِّلهْتُ به @ ويْلي ِّ من‬
‫ّ ِّ‬
‫وزادني ِّ‬
‫وقال‪:‬‬
‫َ‬
‫َّ‬
‫ق ال َكتْم بالناظر‬
‫ْر‬
‫ه‬
‫م‬
‫على‬
‫@‬
‫عاشق‬
‫ني‬
‫ن‬
‫أ‬
‫ها‬
‫ل‬
‫كتبتُ‬
‫ُ َ ِّ‬
‫فردّتْ‬
‫بأحور في مائه حائر‬
‫جواب الهَوى @‬
‫على‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َّ‬
‫َّ‬
‫َ‬
‫منعَّمة نطقتْ بال ُجفون @ فدلت على دقة الخاطر‬
‫كانّ‬
‫فؤادي إذ أعرضتْ @ ت َعلَّق في مِّ ْخلَبَ ْي طائر‬
‫َ‬
‫وقوله‪:‬‬
‫ع ال َّ‬
‫طير أنًّ كُمات َه @ إذا لَقيتْ ِّصي َد الكُما ِّة سِّباعُ‬
‫َدري سِّبا ُ‬
‫وت ِّ‬
‫ت َطير ِّجياعا ً فوقَه وت َ ُّردها @ ُ‬
‫األوكار وهي شِّباع‬
‫ظباهُ إلى‬
‫ِّ‬
‫قال ذو النسبين‪« ،‬ض»‪ :‬هذا المعنى قد سبقه إليه مروان بن أبي الجنوب فقال‪ :‬يمدح المعتصم‪:‬‬
‫ال ت َشبع ال ّ‬
‫مرا‬
‫ير إالّ في وقَائعه @ فأينما َ‬
‫ار سارت خلفه زُ َ‬
‫س َ‬
‫ط ُ‬
‫يف حت ّى يُكث َِّر الج ََزرا‬
‫عوارفا ً أنه في ُك ّل ُمعترك @ ال يُغمد ال َّ‬
‫س َ‬
‫الجزر‪ ،‬بفتح الجيم والزاي‪ :‬الشاء المذبح؛ والواحدة‪ :‬جزرة‪ .‬قاله أبو علي في البارع‪ :‬وأراد به الشاعر ها هنا كثرة القتلى‪ .‬وهذا مأخوذ من‬
‫قول أبي نواس‪:‬‬
‫َّ‬
‫شِّبع من ج ََزره‬
‫ط‬
‫ال‬
‫ا‬
‫ي‬
‫تتأ‬
‫ير غُدوت َه @ ثِّقةً بال ّ‬
‫َّ‬
‫ُ‬
‫وأخذه مسلم بن الوليد فقال‪:‬‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫فهنّ‬
‫نَ‬
‫يَتبَ ْعنه في كُل ُم ْرتحِّ ل‬
‫الطير عادات َوثِّق بها @‬
‫قد ع ََّود‬
‫َ‬
‫وأخذه أبو تمام فقال‪:‬‬
‫ض ًحى @ ب ِّع ْقبان َ‬
‫وقد ظُلّلت ِّع ْقبانُ أعالمه ُ‬
‫طيْر في الدّماءِّ نَواه ِّل‬
‫ت حتى كأنَّها @ من ال َجيْش إالَّ أنَّها لم تُقَاتل‬
‫الرايا ِّ‬
‫أقامتْ مع ّ‬
‫وكلهم قصر عن النابغة الذبياني في قوله‪:‬‬
‫َصائب َ‬
‫َ‬
‫َّ‬
‫َ‬
‫طيْر ت َهتدي ب َعصائب‬
‫ع‬
‫@‬
‫فوقهم‬
‫ق‬
‫ل‬
‫ح‬
‫ْش‬
‫ي‬
‫ج‬
‫بال‬
‫وا‬
‫ز‬
‫غ‬
‫ما‬
‫إذا‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬

‫جَوان َح قد أيقنَّ أنَّ قَ ِّبيلَه @ إذا ما الت َقى الجْ َمعان أو ُل غالب‬
‫ض ال َخ ُّ‬
‫ط ُّى فوق الكَواثب‬
‫لهنَّ عليه عادة قد ع ََر ْفنها @ إذا ع ِّ ُّر َ‬
‫وإنما قلنا إنهم قصروا عن النابغة ألنه زاد في المعنى واحسن التركيب‪ .‬ودل على أن الطير إنما أكلت أعداء الممدوح‪ .‬وكالمهم كلهم مشترك‬
‫محتمل ضد ما نواه الشاعر‪ .‬وإن كان أبو تمام قد زاده في المعنى على أن الطير إذا شبعت ما تسأل أي القبيلين الغالب‪ .‬وقد أحسن أبو الطيب‬
‫المتنبي في قوله‪:‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫اج ُمه‬
‫م‬
‫ج‬
‫إال‬
‫بق‬
‫ي‬
‫لم‬
‫ا‬
‫عسكر‬
‫بها‬
‫@‬
‫ى‬
‫م‬
‫ر‬
‫ا‬
‫ذ‬
‫إ‬
‫ير‬
‫ط‬
‫و‬
‫ْل‬
‫ي‬
‫خ‬
‫ا‬
‫كر‬
‫س‬
‫ع‬
‫له‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ِّ‬
‫ويتوجه عليه أن هذه الطير ألي معنى عافت الجماجم‪ ،‬دون عظام السوق واألذرع وغيرها من األعضاء‪ .‬وقد اخذ منهم بكر بن النطاح فقال‪:‬‬
‫سكرنا جَوان ْح‬
‫ع م َع‬
‫الجوا @ رحِّ فوق َ‬
‫وت َرى السبا َ‬
‫ع ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ثقةً بأنَّا ال نزا @ ُل نمِّ ير ساغبِّها الذبائح‬
‫ساغبها‪ :‬جائعها‪ ،‬والسغب‪ :‬الجوع‪.‬‬
‫ولو تتبعنا جميع ما نظمه الشعراء في هذا الباب‪ ،‬ألتى على اكثر الكتاب‪.‬‬
‫وقال أبو عامر بن شهيد‪:‬‬
‫س‬
‫سكْره @ فَنَام ونَامت عُيون العَ َ‬
‫ول ّما ت َمالَّ ِّمن ُ‬
‫س ْ‬
‫دنوتُ إليه على بُعده @ ُدنُ َّو رفيق دَرى ما الت َمس‬
‫مو النَّفس‬
‫أدب إليه‬
‫دبيب الكَرى @ وأسمو إليه ُ‬
‫َ‬
‫ُّ‬
‫س ّ‬
‫ثغر الغلس‬
‫وبتُّ به ليلتي ناعما ً @ إلى أن ت َب َّ‬
‫سم ُ‬
‫أقبّل منه بَياض ال ِّ ّ‬
‫سوا َد الَّلعَس‬
‫طال @‬
‫وأرشف منه َ‬
‫ُ‬
‫ومنهم شاعر قرطبة وزعيمها‪ ،‬ونخبة بني مخزوم وضميمها‪ ،‬ذو الوزارتين‪:‬‬
‫أبو الوليد بن زيدون المخزومي‬
‫أحمد بن عبد هللا بن أحمد فمن قصائده التي ضربت في اإلبداع بسهم‪ ،‬وطلعت في كل خاطر ووهم‪ ،‬ونزعت منزعا ً قصر عنه حبيب وابن‬
‫الجهم‪:‬‬
‫أضحى التنائي بَديالً من ت َدانينا @ وناب عن طِّ يب لُ ْقيانا ت َجافيناَ‬
‫بِّتْ ُم وبِّنِّّا فما ابتلَّت جوان ُحنا @ ش َْوقا ُ إليكم وال َجفَّت مآقينا‬
‫سِّينا‬
‫سى لوال تأ ّ‬
‫تكاد حين ت ُناجيكم ضمائ ُرنا @ يَ ْقضي علينا األ َ‬
‫سودا ً وكانتْ بكُم بيضا ً لَيالينا‬
‫حالتْ لفقد ُك ُم أيّا ُمنا فغَدتْ @ ُ‬
‫ْش َ‬
‫ط ْلق من تألِّّفنا @ و َم ْورد اللَّهو صاف من ت َصافِّينا‬
‫إذ‬
‫جانب ال َعي ِّ‬
‫ُ‬
‫وإذ َهصَرنا ُ‬
‫غصون األنس دانيةً @ قُطوفُها فجنينَا منه ماشِّينَا‬
‫ِّليُسق عه ُدكُم عه ُد السرور فما @ كُنتم ألرواحِّ نا إالّ رياحِّ ينا‬
‫ّهر ال يَبلى ويُبْلينا‬
‫َمن ُمبْل ُغ ال ُملبِّثينَ بانتزاحِّ ه ُم @ ُحزنا ً مع الد ِّ‬
‫أنّ ّ‬
‫الزمان الذي ما زال يُضحكنا @ أنسا ً بقُربه ُم قد عا َد يُبكينا‬
‫غي َ‬
‫الهوى فدع َْوا @ ْ‬
‫الدهر آمينا‬
‫ص فقا َل‬
‫بأن نَغَ َّ‬
‫ظ ال ِّعدَا من ت َساقينا َ‬
‫ُ‬
‫وبات ليلة بإحدى جنات إشبيلية فقال‪:‬‬
‫ُرب ُمدامة @ إلى ْ‬
‫أن بدَا ل ِّلصُّبح في اللَّيل تأشي ُر‬
‫ش‬
‫فيه‬
‫نا‬
‫م‬
‫أد‬
‫وليل‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َضرب في الدُّجى @ فولّت نُجو ُم اللّي ِّل واللّي ُل َم ْقهور‬
‫وجا َءت نُجو ُم اللَّيل ت‬
‫ُ‬
‫ْعرنَا هَم وال عاق تَكْدير‬
‫فَ ُح ْزنَا من اللَّذات أ ْط َ‬
‫يب طِّ يبها @ ولم ي ُ‬
‫ْ‬
‫ولكن ليالي ال ّدهِّر فيهنَّ تقصير‬
‫سرتي @‬
‫َخال أنّه لو طا َل دامتْ َم َّ‬
‫ومن قوله‪:‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ذع‬
‫ي‬
‫لم‬
‫األسرار‬
‫اعت‬
‫ذ‬
‫ا‬
‫ذ‬
‫إ‬
‫ِّر‬
‫س‬
‫@‬
‫ع‬
‫ض‬
‫ي‬
‫لم‬
‫لو‬
‫ما‬
‫ك‬
‫ن‬
‫وبي‬
‫بيني‬
‫شئتَ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ٌّ‬
‫ِّ‬
‫ِّ ِّ‬
‫يا بائعا ح َّ‬
‫ظه منّي ولو بُذلت @ ل َِّي الحياةُ بحظي منك لم أبعِّ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫لوب الناس يَستطِّ ع‬
‫سبي بأنّك إن َح َّملت‬
‫َح ْ‬
‫قلبي ما @ ال ت َستطيع ق ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ْبر‪ ،‬وع َِّّز أه ُْن @ َو َو ِّل أقبِّلْ‪ ،‬وقل أس َم ْع‪ ،‬و ُم ْر أطع‬
‫تِّ ْه أحتمِّ لْ‪ ،‬واست َطل أص ْ‬
‫هذا أحسن ما قيل في هذا الباب‪ ،‬لما فيه من ذكر الجواب لكل حرف من حروف األمر‪ ،‬وخلو بيت أبي الطيب المتنبي‪:‬‬
‫ش ت َف َّ‬
‫ض ْل ادْنُ سُ َّر ِّصل‬
‫أقِّل أنِّل ا ْقطع احْ ِّمل َ‬
‫ع ِّ ّل َ‬
‫َش بَ َّ‬
‫س ِّ ّل أ ِّع ْد @ ِّز ْد ه َّ‬
‫ولبعض أهل ذلك العصر‪ ،‬وهو أقل تكلفا وأيسر تعسفا‪:‬‬
‫ً‬
‫ْ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫َّ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫س ُم‬
‫وا‬
‫رفعة‬
‫د‬
‫واستز‬
‫م‬
‫ن‬
‫غ‬
‫وا‬
‫وار‬
‫د‬
‫س‬
‫و‬
‫@‬
‫ل‬
‫وص‬
‫ة‬
‫عز‬
‫ل‬
‫واستط‬
‫فَدُم وابقَ واسلَم‬
‫ْ‬
‫قَ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ِّ‬
‫ِّ ِّ‬
‫َ‬
‫اثنان رأيُك والنُّهي @ ولن يت َالقى اثنان فعلُك والذ ُمَّ‬
‫فلن يَتنافى‬
‫ِّ‬
‫وألبي الفرج األصبهاني مؤلف كتاب األغاني‪:‬‬
‫الروع والو َه َل‬
‫يا فرحةَ ال ِّّهم بعد‬
‫ِّ‬
‫اليأس من فرج @ يا فرحةَ األمن بعد َّ‬
‫ص ِّل‬
‫وصل َو ُ‬
‫وزد @ وأ ْعطِّ وا ْمنَع وضُر وا ْنفَع ِّ‬
‫اسلَم و ُد ْم وابقَ واملك وان ُم واس ُم ِّ‬
‫وكان األصل في ذلك قول أبي العميثل في عبد هللا بن طاهر‪ ،‬ذي اليمينين‪:‬‬
‫يا من يُحاول أن تكونَ ِّصفات ُه @ كخِّ صال عبد هللا أ ْن ِّصتْ واسمعِّ‬
‫ْ‬
‫وكاف ود َِّار واحلُم واش ُجع‬
‫وأنصف وا ْحتَمِّ ل @ واصفَح‬
‫ِّف َو ُجد‬
‫ِّ‬
‫ْ‬
‫أصدُق وع َّ‬
‫وكان مجلس ذي الوزارتين أبي الوليد بن زيدون منحطا ً عن مجلس السلطان المعتمد على هللا أبي القاسم محمد‪ ،‬ابن السلطان أبي عمرو‬
‫عباد‪ ،‬في القعود إلنقاذ أوامر أبيه‪ ،‬إذ كان لما هاجر إليه من قرطبة تلقاه بأعلى المحل‪ ،‬وعول عليه في العقد والحل‪ ،‬فكتب إليه المعتمد‪:‬‬
‫لس‬
‫فس أعلى َم ْج ِّ‬
‫أيُّها المنحُّط عني مجلسا ً @ ولَه في النَّ ِّ‬
‫ُس‬
‫ِّبفؤداي لك حب يقتضي @ أن ت ُرى ت ُحم ُل فوق األرؤ ِّ‬
‫فراجعه ابن زيدون‪:‬‬

‫أسقي ُ‬
‫دس‬
‫الج ْن ِّ‬
‫رجس @ أم نَسي ُم َّ‬
‫الروض تحت ِّ‬
‫ط الط ِّ ّل فوق النَّ ِّ‬
‫أم قريض جاءني عن ملك @ مالك بالبِّّر ِّرقَّ األنفس‬
‫المجلس‬
‫سار فيه يا بها َء‬
‫ِّ‬
‫يا جما َل الموكب الغادِّي إذا @ َ‬
‫بسرور ال َم ْغرس‬
‫شرفَتْ بِّك ُْر المعالي خِّ طبةً @ بكَ فا ْنعم ُ‬
‫ُ‬
‫وارتشف َم ْعسُول ثغر أشتنب @ ت َجتنيه من ُمجَاج اللُّعس‬
‫ْ‬
‫ُس‬
‫سعد في َد ْ‬
‫ست ال ُمنَى @ يصب ُح الصّنعِّ دهاق األكؤ ِّ‬
‫واغتبق بال َّ‬
‫فاعتراض الدّهر فيما شِّئت َه @ مرتَقًى في صَدره لم يَهْجس‬
‫ُ‬
‫وكان ابن زيدون زعيم الوزراء القرطبية‪ ،‬ونشأة دولتها السنية؛ حتى صار ملهج لسانها‪ ،‬وحل من عينها مكان إنسانها‪ .‬وكان بينه وبين‬
‫رئيسها الحسيب أبي الحزم ابن جهور ائتالف الفرقدين‪ ،‬واتصال األذن بالعين؛ فلما صار تدبير ملك قرطبة إليه‪ ،‬ومدار أمرها عليه؛ طلب ابن‬
‫زيدون طلبا ً أصاره إلى االعتقال؛ وقصره عن الوخد واإلرقال؛ وكان له فيه أمداح بهرت بنظامها‪ ،‬وظهرت كالبدور عند تمامها‪ .‬فكتب إليه‪:‬‬
‫بَني جَهور انت ُ ْم سما ُء رياسة @ َمنَاقبكم في ْأفقها انجم زُ ْه ُر‬
‫طريقتكُم ُمثْلَى وهديُكُم ِّرضا ً @ و َمذهبُكم قَصْد ونالمكم َ‬
‫غ ْمر‬
‫ّ‬
‫وعز وال ك ْب ُر‬
‫َوى @ وحِّ ْلم وال عَجز‬
‫عطاء وال َمن و ُحكْم وال ه ً‬
‫وقال في أبي الحزم بن جهور حين حبسه‪:‬‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ق‬
‫ب‬
‫ع‬
‫ت‬
‫دائح‬
‫م‬
‫ال‬
‫ل‬
‫با‬
‫فما‬
‫ضمِّيري‬
‫@‬
‫بجفائكم‬
‫م‬
‫ت‬
‫ق‬
‫أحر‬
‫َهور‬
‫ج‬
‫بني‬
‫َْ ُ‬
‫ُ َ‬
‫سه حين يُحْ َرق‬
‫الو ْرد إنما @ ت َطيب لكم أنفا ُ‬
‫تعدّونني كالعَ ْنبِّر َ‬
‫ثم كتب إليه‪:‬‬
‫سِّجن منه ثَوابي‬
‫قُل للوزير وقد قَطعتُ ب َمدْحه @ عُمري فكان ال ّ‬
‫ب‬
‫لم ت َ ْع ُد في أمري الص َ‬
‫ّواب ُموفَّقا ً @ هذا جزاء الشَّاعِّر الكذَّا ِّ‬
‫ثم إنه أعمل لنفسه في الخالص من سجنه حيال‪ ،‬واتخذ الليل للهرب جمال‪ .‬فقطع في ليلة واحدة ما بين قرطبة وإشبيلية من المفاوز‬
‫والمراحل‪ ،‬ومسافتها ثالثة أيام لو أخذت الرواحل‪ .‬ولما اتصل خبر وصوله بأبي عمرو عباد‪ ،‬وهو يومئذ سلطان تلك البالد؛ تلقاه في جماعة‬
‫من جماهير الكماة‪ ،‬ومشاهير العلماء والقضاة؛ فألقى مقاليد وزارته وجميع أمور دولته إليه‪ ،‬وأفاض الحلع والسوابغ عليه‪.‬‬
‫ذو الوزارتين أبو بكر محمد بن عمار‬
‫هو وابن زيدون فرسا رهان‪ ،‬ورضيعا لبان‪ ،‬في التصرف في فنون البيان؛ وهما كانا شاعري ذلك الزمان‪ .‬وكانت ملوك األندلس تخافه لبذاءة‬
‫لسانه‪ ،‬وبراعة إحسانه؛ ال سيما حين اشتمل عليه السلطان المعتمد على هللا وأنهضه جليسا ً وسميراً؛ وقدمه وزيرا ً ومشيراً‪ ،‬ثم خلع عليه‬
‫خاتم الملك ووجهه أميراً‪ ،‬وقد كان أتى عليه حين من الدهر لم يكن شيئا ً مذكوراً؛ فتبعته المواكب والمضارب‪ ،‬والنجائب والجنائب؛ وانقادت‬
‫له العساكر والكتائب والجنود‪ ،‬وضربت خلفه الطبول ونشرت على رأسه الرايات والبنود؛ فملك مدينة تدمير‪ ،‬وأصبح راقي منبر وسرير؛ مع‬
‫ما كان فيه من عدم السياسة وسوء التدبير‪ .‬ثم انتزى على مالك رقه‪ ،‬ومستوجب شكره ومستحقه‪ .‬فبادر إلى عقوقه وبخس حقه؛ فتحيل‬
‫المعتمد عليه‪ ،‬وسدد سهام المكايد إليه؛ حتى حصل في قبضته قنيصا‪ ،‬وأصبح ال يجد له محيصا‪ ،‬إلى أن قتله المعتمد في قصره ليالً بيده‪،‬‬
‫وأمر من أنزله في ملحده؛ وذلك سنة سبع وسبعين وأربعمائة‪.‬‬
‫فمن قوله الرائق‪ ،‬ولفظه الفائق‪ ،‬يمدح السلطان المعتضد باهلل أبا عمرو عباد بن محمد‪:‬‬
‫أد ِِّّر ُّ‬
‫س َرى‬
‫انبرى @ والنج ُم قد صَرف العنَان عن ال ُّ‬
‫الزجاجَةَ فالنّسيم قد َ‬
‫نبرا‬
‫ع‬
‫ال‬
‫منا‬
‫ل‬
‫اللي‬
‫د‬
‫َّ‬
‫استر‬
‫لما‬
‫@‬
‫ه‬
‫كافور‬
‫لنا‬
‫َى‬
‫د‬
‫أه‬
‫قد‬
‫ح‬
‫والصب‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َ َ‬
‫َ‬
‫سنَا كَساهُ َز ْه ُره @ َوشيا ً وقلّده نَداهُ جَوهَرا‬
‫ض كال َح ْ‬
‫والر ْو ُ‬
‫َّ‬
‫بآسهن ُمعذَّرا‬
‫رياضه @ َخ َجالَ وتا َه‬
‫بو ْرد‬
‫أو كالغَ ِّ‬
‫الم َزها َ‬
‫ِّ‬
‫ِّ‬
‫روض كأنّ النَّهر فيه مِّ عصم @ صَاف أط َّل على ِّردَاءِّ أخضَرا‬
‫صلع ِّهضَا ِّبه @ حتى حَسبْنا كُ ّل َه ْ‬
‫وتكلَّلت َّ‬
‫ضب قَيْصرا‬
‫بالزهر ُ‬
‫ُ‬
‫وت ُّ‬
‫سكرا‬
‫ي‬
‫اد‬
‫ب‬
‫ع‬
‫ابن‬
‫سيف‬
‫@‬
‫ه‬
‫ل‬
‫فتخا‬
‫َّبا‬
‫ص‬
‫ال‬
‫ريح‬
‫َهزه‬
‫فرق َ‬
‫ع ْ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫الردا َء األغ َبرا‬
‫س‬
‫ب‬
‫ل‬
‫قد‬
‫والجو‬
‫@‬
‫ِّه‬
‫ف‬
‫ك‬
‫ل‬
‫نائ‬
‫َر‬
‫ض‬
‫خ‬
‫م‬
‫ال‬
‫اد‬
‫ع َّب‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُّ‬
‫ّ‬
‫ُّ‬
‫ُ‬
‫ِّ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َّ‬
‫َ‬
‫الزمانُ‬
‫فيس األخطرا‬
‫علِّق‬
‫َ‬
‫األخطر ال ُمهْدى لنا @ مِّ ن ماله العلقَ الن َ‬
‫َ‬
‫صدُرا‬
‫ملك إذا ازدح َم ال ُملوك ب َم ْور ِّد @ ونَحاهُ ال يَ ِّردُون حتى يَ ْ‬
‫سنَ ِّة الكَرى‬
‫أندى على األكبا ِّد من قَ ْطر النَّدى @ وألذُّ في‬
‫األجفان من ِّ‬
‫ِّ‬
‫الو َ‬
‫ِّرى‬
‫نار َ‬
‫غى إال إلى ِّ‬
‫قَدّاح َزنِّ ْد ال َمجْ د ال يَ ْنفَكّ عن @ ِّ‬
‫نار الق َ‬
‫أن يَهَب ال َخريدةَ كاعِّبا ً @ وال َّ‬
‫يختار ْ‬
‫ف اجر َد وال ُحسا َم ُمجوهَرا‬
‫ط ْر َ‬
‫ُ‬
‫َّ‬
‫ّ‬
‫سقَاني من نَدا ُه الكوثرا‬
‫ا‬
‫م‬
‫ل‬
‫@‬
‫ة‬
‫ن‬
‫ج‬
‫ب‬
‫راه‬
‫ذ‬
‫من‬
‫ى‬
‫ن‬
‫أ‬
‫أيقنتُ‬
‫َ‬
‫ّ َ‬
‫طرا‬
‫وعلمتُ حقًّا أن َر ْبعَي ُم ْخ ِّصب @ ل ّما سألتُ به الغَما َم ال ُم ْم َ‬
‫ح إذا جَرى‬
‫الريا ُ‬
‫ُوازنُه الجبا ُل إذا احتبَى @ َمن ال ت ُسابِّقُه ّ‬
‫من ال ت ِّ‬
‫ب فوقَها @ ِّمن المه مِّث ُل السحاب َكنَه َْورا‬
‫قَاد‬
‫َ‬
‫المواكب كالكواك ِّ‬
‫ضب ا ً‬
‫ع ْ‬
‫سمرا‬
‫من ّك ِّل‬
‫أبيض قد ت َقل ّد أبيضا ً @ َ‬
‫َ‬
‫واسمر قد تقل ّد أ ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫كالروض يُحْ سن َم ْنظرا ً أو َم ْخبرا‬
‫@‬
‫قه‬
‫ل‬
‫خ‬
‫أو‬
‫ه‬
‫ق‬
‫ل‬
‫خ‬
‫ك‬
‫ق‬
‫يرو‬
‫َملِّك‬
‫َّ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫صورا‬
‫م‬
‫ْه‬
‫ي‬
‫ت‬
‫د‬
‫َ‬
‫ر‬
‫ب‬
‫في‬
‫ُه‬
‫ت‬
‫فرأي‬
‫@‬
‫ه‬
‫ت‬
‫م‬
‫ش‬
‫حتى‬
‫ر‬
‫ط‬
‫ق‬
‫ال‬
‫باسم‬
‫س‬
‫معتُ‬
‫ِّ‬
‫و َ‬
‫ْ‬
‫ُْ‬
‫َّ‬
‫ُ‬
‫ِّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫سرا‬
‫وجهلتُ َمعنى ال ُجود حتى ز ُْرته @ فقرأت ُه في را َحتيْه ُمف َّ‬
‫ِّ‬
‫ع ْنبرا‬
‫سبْنا ك َّل ت ُْرب َ‬
‫فا َح النّدَى ُمتعِّّطرا بثَنائه @ حت ّى َح ِّ‬
‫شكْر أو أموتَ فأ ْ‬
‫عذَرا‬
‫سعَى ب ُ‬
‫حَسبي على الصُّنع الذي أوالهُ أن @ أ ْ‬
‫ِّي ْ‬
‫أزهرا‬
‫د‬
‫م‬
‫ح‬
‫ل‬
‫مث‬
‫ه‬
‫ب‬
‫عبّا ُد ال َملك الذي َوصَل ال ُمنَى @ منه‬
‫َ‬
‫َوجْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ِّ‬
‫َ‬
‫الرمح يَ ْكهَم وال ُّ‬
‫ظبا @ ت َ ْنبُو وأيدي ال َخيل ت َ ْعثُر في البَ َرى‬
‫ْر‬
‫د‬
‫وص‬
‫ماض‬
‫ُ ُّ‬
‫س ُ‬
‫َ‬
‫سامه @ ْ‬
‫طرا‬
‫ح‬
‫ار‬
‫ف‬
‫ش‬
‫من‬
‫أقرأ‬
‫َيء‬
‫ش‬
‫ال‬
‫إن كنتَ َ‬
‫ِّ‬
‫شبَّهتَ المواكب أ ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬

‫السيف أفص ُح من زياد ُخطبةً @ في الح َْرب إن كانت يَمينُك مِّ ْنبرا‬
‫ُ‬
‫ضالً وت ُ ْفنِّى َمن َ‬
‫عنَا لك راجيا ً @ فَ ْ‬
‫طغَى وت َج َّبرا‬
‫ما ِّز ْلتَ ت ُ ْغنِّى من َ‬
‫ض َّمت منك َ‬
‫الرياسة َمحْجرا @ َرحْ با ً و َ‬
‫ط ْرفا ً أحورا‬
‫حت ّى َح ْللتَ من ّ‬
‫ش ِّقيَتْ بسيفك أ ّمة لم ت َ ْعتمد @ إال اليهود وإن ت َس ّمت بَ ْربَ َرا‬
‫َ‬
‫ق مثُمِّ را‬
‫صنَ يُ ْع َ‬
‫أثمرتَ ُر ْمحك من رؤس كُماتِّهم @ ل ّما رأيتَ الغُ ْ‬
‫ش ُ‬
‫ْ‬
‫س أحمرا‬
‫وصَبغتَ د ِّْرعك من دماء ُكلُومهم @ لما رأيتَ ال ُحسن يُ ْلبَ ُ‬
‫كالروض زارت ْه الصَّبا @ وحَنا عليه ال َّ‬
‫ط ُّل حت ّى نَ َّورا‬
‫وإليكَها َّ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫َ‬
‫سكا ُ ب َح ْمدك أ ْذفَرا‬
‫ُها‬
‫ت‬
‫ق‬
‫ت‬
‫ف‬
‫و‬
‫@‬
‫ا‬
‫َب‬
‫ه‬
‫ذ‬
‫م‬
‫ْرك‬
‫ك‬
‫ذ‬
‫ب‬
‫ا‬
‫ْي‬
‫ش‬
‫ن ّمقت ُها َو‬
‫ِّ‬
‫مِّ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ْري مِّ جْ مرا‬
‫َمن ذا يُتافحني و ِّذكُرك َمندل @ َ‬
‫أوردت ُه مِّ ن نار فِّك َ‬
‫دي عاطرا ً @ فلقد وجدتُ نسِّي َم بِّ ِّركّ أ ْع َ‬
‫طرا‬
‫فلئن وجدتَ نسيم َح ْم َ‬
‫قال ذو النسبين «ض»‪ :‬وهذه القصيدة من غرر القصائد‪ ،‬ودرر القالئد؛ وكل بيت منها بيت قصيد‪ ،‬وواسطة سلك فريد‪.‬‬
‫وله يتغزل في مملوك رومي للمؤتمن‪ ،‬قد لبس درعا‪:‬‬
‫وم عاط @ ِّبسالِّفتَيْه من َد ْمعي فري ُد‬
‫الر ِّ‬
‫وأغي َد مِّ ن ظِّ باء ُّ‬
‫فظاهره وباطنُه حديد‬
‫سا ق ْلبا ً وشَنّ عليه دِّرعا ً @‬
‫قَ َ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ب الجَليد‬
‫ر‬
‫ط‬
‫ال‬
‫من‬
‫ْكي‬
‫ب‬
‫ي‬
‫وقد‬
‫@‬
‫ضاه‬
‫ر‬
‫ونأى‬
‫ا‬
‫ن‬
‫د‬
‫َ‬
‫وقد‬
‫بكيتُ‬
‫َ‬
‫ِّ‬
‫ِّ‬
‫َ‬
‫سعِّيد‬
‫وإنّ فَت ًى ت َملَّكه بنَ ْقد @‬
‫فتى َ‬
‫وأحْرز ِّرقَّهُ لَ ً‬
‫سننت الماء بالسيّن‪ ،‬المهملة‪ ،‬وشَننته‪ ،‬بالشين المعجمة‪ ،‬فالسنّ والشّنّ‬
‫‪:‬الصب‪ .‬وقال ابن األنباري‪ :‬سن الدرع عليه‪ ،‬بالسين غير‬
‫يقال‪َ :‬‬
‫ّ‬
‫معجمة‪ :‬صبها‪.‬‬
‫وأهدى الناس في يوم عيد إلى السلطان المعتمد على هللا أبي القاسم محمد بن عباد‪ ،‬مما يهدى للملوك في األعياد‪ ،‬فاقتصر على ثوب صوف‬
‫بحري أصفر‪ ،‬وكتب معه‪:‬‬
‫ّ‬
‫اس يْحتفلون في @ إهداءِّ يومك ِّجئت ُه من با ِّب ِّه‬
‫ن‬
‫ال‬
‫لما‬
‫رأيتُ‬
‫َ‬
‫نحو الشّمس شِّب ْه إهابها @ وكسوتُ َمتْن البحر بعضَ ثيابه‬
‫فبعثتُ َ‬
‫وله يعتذر من وداعه للسلطان أبي يحيى محمد بن معن بن صمادح‪.‬‬
‫والحرب ترت َمي @ بأبطالها والخي ُل بالخيل ت َ ْلت َقي‬
‫أ ُمعتصما ً باهلل‬
‫ُ‬
‫طايا للترحيل وإنّني @ ْ‬
‫دَعتْني الم َ‬
‫ّفرق‬
‫ألف َرقَ من ذكر النَّوى والت ُّ‬
‫غربتُ عنك فإنما @ جَبينُك شَمسِّي وال َم ِّريّةُ َمشْرقي‬
‫وإنّي إذا َّ‬
‫وكتب إليه المعتصم باهلل ثالثة أبيات في العتاب‪:‬‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ً‬
‫اختباري صاحبا بعد صاحب‬
‫وزهَّدنِّي في الناس َم ْعرفتِّي بهم @ وطو ُل‬
‫ِّ‬
‫سرني @ بواديه إال ساءني في العَواقب‬
‫فلم ت ُِّرني األيام خِّ الً ت َ ُّ‬
‫وال ِّص ْرتُ أرجوهُ لد َْفع ُمل َّمة @ من الدّهر إال كان إحدى النّوائب‬
‫فأجابه ابن عمار‪:‬‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ب‬
‫التجار‬
‫ع‬
‫ق‬
‫و‬
‫عند‬
‫فيها‬
‫غب‬
‫َر‬
‫ت‬
‫س‬
‫@‬
‫بقية‬
‫م‬
‫ث‬
‫ف‬
‫د‬
‫ه‬
‫َز‬
‫ت‬
‫ال‬
‫ُك‬
‫ت‬
‫فدي‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ِّ‬
‫َّ‬
‫وأبق على ال ُخ ْلصَان إنّ لديه ُم @ على ال َب ْدءِّ ك ََّرات ب ُحسن ال َعواقب‬
‫ِّ‬
‫على القَو َل من ك ّل جانب‬
‫تكنَّ ْفت َني بالنّظم والنثّر جاهدا ً @ وسُقتَ‬
‫ّ‬
‫وقد كان ليلو شئتُ ر ٌّد وإنَّ‬
‫بعض تلك المواهب‬
‫ماأجر لِّساني‬
‫ُ‬
‫َّ‬
‫حر ال َحشَا والت ّرائب‬
‫والب ّد من َ‬
‫شك َْوى ولو بتنفُّس @ يُخفّف من ّ‬
‫كتبتَ على َرس ْمي وبعد نَسيئة @ قرأتُ جوابي من سطور المواكب‬
‫َ‬
‫ثالث كتائب‬
‫ثالثة أبيات وهيهاتَ إنَّما @ بعثتَ إلى حَربي‬
‫ْ‬
‫عتْب س ِّّيد @ وما لذَّ لي يوما ً‬
‫ب‬
‫صاح‬
‫ب‬
‫ت‬
‫ع‬
‫على‬
‫َ‬
‫وكيف يَلذُّ العيش في َ‬
‫ِّ‬
‫ِّ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫وقب ُل ج ََرتْ عن بعض ُكتبَي جَفوة @ ألحتَّ على وجهْي بغ ْمز الحواجب‬
‫وما كنتُ ُمرتادا ً ولكن لنُ ْفحة @ تعَّودتُ من َريحان تلك الضَّرائب‬
‫سبِّيلي ّ‬
‫الركائب‬
‫للزيارة إثرها @ فقابلتُ د َْفعا ً في ُ‬
‫سلكتُ َ‬
‫صدور ّ‬
‫سحائِّب‬
‫ولو لمعتْ لي من سمائك‬
‫بضرقة @ ركبتُ إلى َم ْغناكَ هُو َ‬
‫ج ال ّ‬
‫ْ‬
‫أعذب َمش َْرع @ وق َّ‬
‫ضيتُ من ُرؤياك ْأوكد واجب‬
‫فقبَّلتُ من يُمناك‬
‫َ‬
‫خفيف ال َّ‬
‫ظهر إال من النَّدى @ وخلفَّتَ لل َعافي ثِّقَا َل الحَقائب‬
‫وأبْتث‬
‫َ‬
‫ُّ‬
‫ْ‬
‫وغيرك يَقضي بالظنون الكَواذب‬
‫الوشاة من العدَا @‬
‫ِّ‬
‫سواكَ يَعِّي قو َل ُ‬
‫ُ‬
‫واجتاز على أكرم أهل زمانه‪ ،‬واعلم وقته وأوانه؛ الوزير الكاتب السمي المراتب‪ ،‬أبي محمد بن القاسم الفهري؛ فما عرج عليه‪ ،‬فعاتبه‬
‫الوزير أبو محمد على إساءته في ذلك غليه‪ ،‬فكتب إليه أبياتا أمر بعض خواصه أن ينثرها بين يديه‪:‬‬
‫لوة َخ َ‬
‫س ْمعي وال بَص ِّْري‬
‫طرت @ على فُؤادي وال َ‬
‫س ْ‬
‫لم يَثْ ِّن عنك ِّعنَاني َ‬
‫ص ُرك البيتُ لو أنّي قَضيتُ به @ َح ِّ ّجي وكفُّك منهُ موض ُع الحجر‬
‫وقَ ْ‬
‫ْ‬
‫لكن عدتْنَي عنكُم َخجلة سلَفَت @ كَفان َِّي القو ُل فيها قو ُل ُمعتذِّر‪:‬‬
‫ب يُهجر ْ‬
‫لألفراط في ال َخصَر "‬
‫" لو اختصرت ُم من اإلحسانُ زُ ْرتكُم @ والع ْذ ُ‬
‫وشعره مدون كثير‪ ،‬وقد ذكرنا منه ما اقتضاه التخيير‪.‬‬
‫ذو الوزارتين ابن الحاج‬
‫أبو الحسن جعفر بن إبراهيم بن الحاج‬
‫عين مدينة لورقة وإنسانها‪ ،‬ومدرهها ولسانها؛ وكان أكرم من غمام‪ ،‬وأرسى حلما ً من شمام؛ وله شعر أعذب من الجريال في صحن الخد‪،‬‬
‫وأطيب من الوصال بعد الصد‪.‬‬

‫أنشدني الوزير الفقيه المحدث الكاتب‪ ،‬أبو عبد هللا محمد بن أبي القاسم بن عميرة‪ ،‬قراءة مني عليه سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة‪ ،‬رحمه‬
‫هللا‪ ،‬قال‪ :‬أنشدنا ذو الوزارتين أبو محمد قال‪ :‬أنشدني أبي ذو الوزارتين أبو الحسن المذكور‪:‬‬
‫أزورك ُمشتاقا ً وأرجع ُمغرما ً @ وأفتح بابا ً للصَّبابَة ُم ْبهَما‬
‫َ‬
‫سقما‬
‫سقم الذي آد َح ْملُه @ عَزيز علينا أن نَص ّح وت َ ْ‬
‫ِّي ال ُّ‬
‫أ م َّدع َ‬
‫غلي َل الشَّوق أو ت َنقُع ال َّ‬
‫أيسر لَحظة @ ت َ ْب ُّل َ‬
‫ظما‬
‫َمنَ ْعت ُمحِّ با ً منك‬
‫َ‬
‫سهما ً من هواك ُمص ِّ ّمما‬
‫ِّجف حين رميت َه @ من القَلب َ‬
‫وما َر َّد ذاك ال ّ‬
‫س ُ‬
‫س ْمعةً وت َوهُّما‬
‫ه ًَوى لم ت ُ ِّم ْن عين عليه بنَظرة @ ولم يكُ إال َ‬
‫س ْلكَ ال ُجمان المن َّ‬
‫و ُملتق َ‬
‫ظما‬
‫طات من حديث كأنما @ نَثرتَ به ِّ‬
‫ُ‬
‫َلوما‬
‫دعوتُ إليك القلب بعد نزوعه @ فأسرع ل َّما لم يجد مت َّ‬
‫وله‪:‬‬
‫وبيضا َء ينَبو ال َّحظُ عند التقائها @ وهل ت َستطيع العينُ‬
‫ّمس‬
‫تنظر في الش ِّ‬
‫ُ‬
‫ع ِّلمتْ أنَّ ال َّ‬
‫ضنَانة بالنَّفس‬
‫على كريمة @ وقد َ‬
‫َو َهبْتُ لها نفسا ً َّ‬
‫سخ َ‬
‫الرضى @ وال أعدَم اإليحاش في ساعة األنس‬
‫أعال ُج منها ال ُّ‬
‫ط في حال ِّة ّ‬
‫وله وقد أهدى تفاحا‪:‬‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫ْ‬
‫ق‬
‫ال‬
‫ت‬
‫ع‬
‫وا‬
‫اصطناع‬
‫ِّي‬
‫ذ‬
‫هدية‬
‫@‬
‫ا‬
‫د‬
‫م‬
‫ح‬
‫وك‬
‫ل‬
‫آ‬
‫وال‬
‫بها‬
‫بعثتُ‬
‫َ ْ‬
‫ِّ ِّ‬
‫واحتراق‬
‫صبًّا @ وعُدْنَ على ارتماض‬
‫خدو َد أحبْة وافَ ْينَ َ‬
‫ِّ‬
‫صفَّر بعضَها َو َج ُل الف َِّراق‬
‫فح َّمر بعضَها َخ َج ُل الت َّالقِّي @ و َ‬
‫وله في زرزور‪:‬‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َّ‬
‫َ‬
‫ق‬
‫ن‬
‫ح‬
‫أفص‬
‫َار‬
‫ص‬
‫ف‬
‫ث‬
‫الحدي‬
‫ف‬
‫ر‬
‫ط‬
‫@‬
‫ُه‬
‫ت‬
‫ن‬
‫ق‬
‫ل‬
‫صامت‬
‫َم‬
‫ج‬
‫أع‬
‫ب‬
‫ر‬
‫يا‬
‫َ‬
‫ِّ‬
‫اطِّ‬
‫َ‬
‫َّ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ِّ‬
‫ص ْفرةً @ كاللَّيل َ‬
‫ميض البارق‬
‫ط َّرزه َو‬
‫ُ‬
‫ِّير فُوه ُ‬
‫ج َْو ِّن اإلها ِّ‬
‫ب أع َ‬
‫َ‬
‫ق لُ ْطف الخالق‬
‫حِّ كَم من الت َّدبير‬
‫أعجز ِّ‬
‫ورأى بها ال َمخلو ُ‬
‫ت َ‬
‫الورى @ َ‬
‫وكان الوزير ذو الوزارتين أبو الحسن المذكور ذا بضائع من العلوم واآلداب كلها جواهر‪ ،‬وجميعها إذا أدجت األيام زواهر؛ وكان ذكر بني‬
‫عباد بالكرم بالمغرب‪ .‬وقد طار وطبق األقطار‪ ،‬فقصدهم بتلك البضائع التي ال يروج إال لديهم نفاقها‪ ،‬وال تقام إال عندهم أسواقها؛ فأخفق‬
‫الشتغالهم عنه ‪ -‬ال لتقلص ظالل كرمهم ‪ -‬مسعاه‪ ،‬وتكدر مورده وصوح مرعاه؛ فأم غير مورد نداهم موردا‪ ،‬وارتحل عنهم منشدا‪:‬‬
‫ت َّ‬
‫عروف في آ ِّل عبْا ِّد‬
‫َعز عن الدُّنيا و َمعر ِّوف أهلها @ إذا عُدم ال َم‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫قري ثم انصرفتُ بال زاد‬
‫ير‬
‫غ‬
‫ب‬
‫@‬
‫أشهر‬
‫ة‬
‫ث‬
‫ثال‬
‫ا‬
‫ْف‬
‫ي‬
‫ض‬
‫بهم‬
‫أقمتُ‬
‫ْ ِّ‬
‫فندموا على تفريطهم فيه وما فرط من إهمالهم‪ ،‬وقد ألبسهم من العار ما عراهم من حلل األيادي السابقة من نوالهم‪.‬‬
‫وله إلى الفقيه العالم األديب األحسب‪ ،‬قاضي القضاة بشرق األندلس ونخبة األمالك من كلب‪ ،‬أبي أمية إبراهيم بن عصام الكلبي‪:‬‬
‫ع ِّميَتْ‬
‫سكُونُه‬
‫لي‬
‫صاحب َ‬
‫على شُئ ُونُه @ حركات ُه َم ْجهولة و ُ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫عتْهُ ُ‬
‫يرتاب باألمر ال َج ِّلّي ِّ ت َوهُّما ً @ وإذا ت َيقَّن نَ َ‬
‫ظنُونه‬
‫از َ‬
‫ُ‬
‫صونه‬
‫تكرهُه وأنتَ ت َ ُ‬
‫ما زلتُ أحفظه على ش ََرقِّي به @ فالش ُ‬
‫َّيب َ‬
‫والوزير أبو بكر محمد بن عيسى الداني المعروف‪:‬‬
‫ابن اللبانة‬
‫من شعراء السلطان ابن عباد‪ ،‬وممن وفى له فقصده وهو محبوس بأغمات آخر تلك البالد‪ .‬فمن قوله في المدح في المعتمد على هللا‪:‬‬
‫للو َ‬
‫ِّيجان‬
‫َملك إذا َ‬
‫عقَ َد المغَاف َِّر َ‬
‫غى @ َح َّل الملوكُ َمعاقِّ َد الت ّ ِّ‬
‫وإذا َ‬
‫غدت رايات ُه َمنشورةً @ فالخافِّقان ل ُهنَّ في َخفَقان‬
‫وله في ناصر الدولة صاحب جزيرة ميورقة‪.‬‬
‫يورقَة @ وبَنيتَ فيها ما بنَى اإلسكن َد ُر‬
‫م‬
‫أفق‬
‫باإلحسان‬
‫ع ْم‬
‫رتَ‬
‫و َ‬
‫َ ْ‬
‫فكأنَّها َبغدا ُد أنتَ َرشي ُدها @ ووزي ُرها ولهَ السالمةُ جَعفر‬
‫قوله‪" :‬وله السالمة" في باب الحشو أملح وأوضح من قول المتنبي لكافور‪:‬‬
‫احتقار ُم ِّ ّجرب @ ترى ك َّل ما فيها وحاشاكَ فَانِّيَا‬
‫وت َحتق ُر الدّنيا‬
‫َ‬

‫وله‪:‬‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫كأنّ‬
‫ُالكَ‬
‫@‬
‫ك‬
‫ل‬
‫ف‬
‫و‬
‫أفالك‬
‫ع‬
‫بأرزاق البريَّة جارياتُ‬
‫ِّ‬
‫كأنَّ هِّباتِّها من غير َو ْ‬
‫عد @ نَتائ ُج مالهنَّ ُمقَ ِّ ّد َمات‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َّ‬
‫اهتز جيشُك نحو جيش @ فأنتَ سِّنانه وهو القناة‬
‫ومهما‬
‫النتيجة عند أهل المنطق ال تكون إال عن مقدمات‪ ،‬أقلهن اثنتان‪ .‬والشاعر ال يطالب بحقيقة‪ ،‬وال يغالب بغير طريقته من طريقه‪.‬‬
‫وله في غالم جميل‪:‬‬
‫إن تك ُْن ت َبتغي القِّتا َل ف َد ْعنِّي @ عنكَ في ح َْوم ِّة القِّتال أحَامِّي‬
‫سام‬
‫ُخذ جَنانِّي عن ُجنّة ولِّساني @ عن سِّنان و َخاطري عن ُح َ‬
‫وقال يهنيء بمولود ولد في شهر رجب‪:‬‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫س ْب‬
‫س ْب @ لل ّ‬
‫شهْب في إبّانه ُمنت َ‬
‫نجم ت َرا َءى في سماءِّ ال َح َ‬
‫َب‬
‫وأع َْربت ليلُة ميالده @ بلَيل ِّة القَدْر أت َتْ في َرج ْ‬
‫والوزير الفقيه اللغوي النحوي العالم‪ ،‬ومن له المناقب واألحساب الشهيرة والمكارم؛ بحر العلم الزاخر‪ ،‬وفخر األوائل واألواخر‪ ،‬الذي يهتدي‬
‫بنجم فضله المهتدون‪ ،‬أبو محمد عبد المجيد بن عبد هللا‪:‬‬
‫ابن عبدون‬
‫وقد ذكرنا قبل قصيدته المحتوية على جميع الفنون‪ ،‬التي أنشدنيها عنه القاضي أبو عبد هللا محمد بن سعيد بن زرقون‪ .‬وأنشدني له أيضا‪:‬‬

‫وله‪:‬‬

‫س بين ال َقصْر وال ّن ِِّّهر َو ْق َف ًة @ َنشدتُ بها ما َ‬
‫ب‬
‫شار ِّد ال ُح ّ ِّ‬
‫وما أ ْن َ‬
‫ض َّل من ِّ‬
‫ً‬
‫س َمحت بها @ فلم أثْنِّها إال و َمجرو ُحها قَ ْلبي‬
‫ية‬
‫م‬
‫ر‬
‫ْني‬
‫ي‬
‫بع‬
‫َر‬
‫ميتُ‬
‫َ‬
‫َ ْ‬
‫ب‬
‫ص ِّعّ ُد فيها ت َارة‬
‫َمررتُ على األيّاِّم من كل جَانب @ ا َ‬
‫وأصو ُ‬
‫ّ ِّ‬
‫غران‪ :‬صبح وصارم @ ويكت ُمني القلبان‪ :‬لَيل َو َ‬
‫غيْهب‬
‫يُنِّير ل َِّي الث َ ِّ‬
‫ُ‬
‫لقَد لَف َ‬
‫األرض إالّ تَنُوفَة @ يُحدثني عنها ال ِّعيانُ فيَكذب‬
‫ظتْني‬
‫ُ‬

‫ومما قاله‪ ،‬وجمع فيه حروف الزيادة‪:‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫سهي ُل‬
‫ت‬
‫و‬
‫أمان‬
‫ِّب‬
‫ذ‬
‫ك‬
‫ت‬
‫ولم‬
‫فقالت‬
‫@‬
‫اسمها‬
‫عن‬
‫ت‬
‫الرائدا‬
‫روف‬
‫ح‬
‫ال‬
‫ِّ‬
‫سألتُ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫قال أبو الفتح بن جني في كتاب "التصريف الملوكي" له ما هذا نصه‪" :‬القول على حروف الزيادة‪ ،‬وهي عشرة أحرف‪ :‬األلف والياء والواو‬
‫والهمزة والميم والتاء والنون والهاء والسين والالم‪ ،‬ويجمعها قولك‪ :‬اليوم تنساه؛ ويقال أيضا‪ :‬سألتمونيها‪ .‬ويحكى أن أبا العباس سأل أبا‬
‫عثمان عن حروف الزيادة‪ ،‬فأنشده أبو عثمان‪:‬‬
‫سِّمانا َ‬
‫سمانَ ف َ‬
‫شيّبنني @ وما كنتُ قِّدْما ً َه ِّويتُ ال ّ‬
‫َه ِّويتُ ال ّ‬
‫فقال له أبو العباس‪ :‬الجواب؟ فقال‪ :‬قد أجبتك دفعتين‪ .‬يعني قوله‪ :‬هويت السمان"‪.‬‬
‫وأبو العباس‪ ،‬الذي ذكره‪ ،‬هو محمد بن يزيد المبرد‪ .‬وأبو عثمان هو المازني‪ .‬وإنما ذكرنا هذا بسب بيت الوزير ابن عبدون الذي ذكر فيه‬
‫حروف الزوائد‪ ،‬وهي قوله‪ " :‬أمان وتسهيل "‪ .‬وهي احسن من جميع األلفاظ التي جمعوا فيها حروف الزوائد‪ ،‬لما فيها من عذوبة اللفظ‬
‫وسهولة النطق بها وحسن التفاؤل‪ .‬فحروف الزيادة هي حروف " هويت السمان " وهي الهاء والواو والياء والتاء والهمزة‪ ،‬في أول‬
‫السمان دون أن تصلها‪ ،‬والالم والسين واأللف الساكنة والنون‪.‬‬
‫وقرأت بمدينة شريش شذونة على فارس الفقه والنحو والشعر‪ ،‬القاضي العدل أبي الحسن علي بن أحمد بن لبال األمتي في كتاب " المحكم‬
‫في حروف المعجم " ‪ ،‬وذكر حروف الزيادة وذكر ما تقدم من قولهم‪ " :‬اليوم تنساه " التي هجاؤها‪ :‬الهمزة‪ ،‬في األلف األولى والالم‪ ،‬والياء‬
‫والواو والميم والتاء والنون والسين واأللف الساكنة والهاء‪.‬‬
‫"وسألتمونيها" عشرة أيضا‪ :‬السين والهمزة والالم والتاء والميم والواو والنون والياء والهاء واأللف‪ .‬وزاد في كتابه "أسلمنى وتاه"‬
‫وهي أيضا من األلفاظ المستعذبة إال أنها ال تدخل في الوزن‪ .‬وتفسيرها‪ :‬الهمزة األولى والسين والالم والميم والنون والياء والواو والتاء‬
‫واأللف والهاء‪.‬‬
‫ولشيخنا فيها جمعان ذكرهما في كتاب المحكم له‪.‬‬
‫وله وقد أنزله المتوكل على هللا بدار وكفت عليه‪ ،‬فكتب إليه‪:‬‬
‫مو حَباب الماء حاالً على حال "‬
‫أيا ساميا ً من جانبيه إلى العُال @ " ُ‬
‫س َّ‬
‫س ْلمى عافيات بذي ال َخال "‬
‫ل‬
‫ديار‬
‫دار ح َّل فيها كأنَّها @ "‬
‫َ‬
‫لِّعبدك ُ‬
‫ُ‬
‫َّ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫يقو ُل لها لَّما رأى من ُدثورها @ " أال ِّع ْم صَباحا أيها الطل ُل البالي "‬
‫صر الخالي "‬
‫فقالت ولم ت َ ْعبَأ بر ّد جوابه @ " و هل يَ ِّع َمنَ من كان بالعُ ُ‬
‫اضل @ " فإنَّ الفتى يَهذي وليس بفَعّال "‬
‫فَ ُم ْر صَاحِّ َ‬
‫ب األنزا ِّل فيها بفَ ِّ‬
‫قال اللغويون‪ :‬الخال يأتي على اثني عشر معنى‪ :‬الخال‪ :‬أخو األم‪ .‬والخال‪ :‬موضع‪ .‬والخال‪ :‬من الزمان الماضي‪ .‬والخال‪ :‬اللواء‪ .‬والخال‪:‬‬
‫الخيالء‪ .‬والخال‪ :‬الشامة‪ .‬والخال‪ :‬العزب؛ ويقال‪ :‬المتفرد‪ .‬والخال‪ :‬قاطع الخال‪ .‬والخال‪ :‬الجبان‪ .‬والخال‪ :‬ضرب من البرود‪ .‬والخال‪:‬‬
‫السحاب‪ .‬وسيف خال‪ :‬أي قاطع‪ .‬وقد نظم ذلك الفقيه األستاذ النحوي الكبير‪ ،‬المتقن الخطير‪ ،‬أبو عبد هللا محمد بن أحمد بن هشام اللخمي‬
‫السبتي‪ ،‬وقد لقيته ولقيت أباه‪ ،‬فإنه مات بعده رحمه هللا‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫ح ويغدو في بُرود من ال َخال‬
‫أقو ُل لخالي وهو يوما ً بذي خا ِّل @ يرو ُ‬
‫أما َ‬
‫ظف َِّرتْ كفّاك في العُصر الخالي @ بربّة خال ال يُزنّ بها الخالي ِّ‬
‫كمر الخا ِّل يرت َج ِّر ْدفُها @ إلى منزل بالخا ِّل خِّ ْلو من ال َخال‬
‫تمر ّ‬
‫ُّ‬
‫أقامتْ ألهل ال َخا ِّل خاالً فكلّهم @ يؤ ُّم ِّإليها من صحِّ يح ومن َخا ِّل‬
‫قال ذو النسبين‪« ،‬ض»‪ :‬وأغفل شيخنا القاضي المؤرخ المحدث الثقة العدل أبو القاسم بن بشكوال في كتاب الصلة له‪ ،‬ذكر أبي الحسن‪:‬‬
‫علي بن إسماعيل الفهري‬
‫من أهل مدينة أشبونة‪ .‬وكان من الشعراء العلماء‪ ،‬والزهاد الفضالء‪ .‬ويلقب بالطيطل وبالقط‪ .‬وقد ذكره الحميدي في جذوة المقتبس‪ .‬فمن‬
‫شعره‪:‬‬
‫َدب على َو ْرد َخ ّد نَدي‬
‫وتحتَ البَراقع مقلوبُها @ ت ُّ‬
‫قلب الش َِّّجي األبعد‬
‫ت ُسا ِّل ُم َمن َوطِّ ئتْ َخدَّه @ وت َل َ‬
‫سع َ‬
‫وقد اخذه ابن جاخ الصباغ وادعاه‪.‬‬
‫ولبعض أهل العصر في قصيد فريد‪ ،‬يمدح فيها موالنا السلطان الملك الكامل ملك ملوك العصر‪ ،‬أيده هللا بالنصر‪:‬‬
‫ب غيُر َ‬
‫البدر في لَ ْي ِّل الذّوائب طا ِّل ُع‬
‫غ ِّريرة @ هي‬
‫وما مِّ حنتي في ال ُح ّ ِّ‬
‫ُ‬
‫يَقُ ّد فُؤادي قَدُّها وهو ذَابل @ على أنهَّ ُ‬
‫غصن من البان يانِّع‬
‫سيف والح ُّد قَاطع‬
‫وت َجرح أحشائِّي بعين َمريضة @ كَما الن َمتْنُ ال ّ‬
‫ب من بعد َّ‬
‫حب لألحبّة َخاضع‬
‫عزتي @ وك ُّل ُم ّ‬
‫َخضعتُ لها في ال ُح ّ‬
‫وماذا أجنَّت من أزاهر َجنّة @ كَمائ ُم من َريْط وهُنَّ ال َب َراقع‬
‫ظ عكسها @ لودِّا ُ‬
‫الو ْرد يُلح ُ‬
‫غ في قلبي لها ولواذغ‬
‫وفوقَ شَبي ِّه َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُّعور حَنادِّس @ وهنّ شُموس في الغصون طوالع‬
‫وقالُوا بُدور والش ُ‬
‫سامع‬
‫الهوى @ ولِّي ِّل ْل َهوى قَ ْلب ُمطِّ يع و َ‬
‫دَعتْ وادَّعت م ْلكي لَدَى حاكِّم َ‬
‫أرضاهُ يبَ ْني وبَيْنها @ س َِّوى َملِّك دَهري له اليو َم طائِّع‬
‫والحاكم ْ‬
‫سيْفه @ إذا ع ََّز من لل َّ‬
‫يُدافُع عنِّّي ال ِّ ّ‬
‫ضيْم عنِّّي يُدافع‬
‫ض ْي َم قائ ُم َ‬
‫األوصاف وال َم ِّلكُ الذي @ تُشِّير إليه بالكَمال األصابع‬
‫هُو الكام ُل‬
‫ِّ‬

‫الورى @ قَالئ ُد في األعْناق هُنّ الصَّنائع‬
‫ِّل ِّب ِّ‬
‫يض أياديه ال َكريمِّ ة في َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ب الملوكِّ ال َمجامع‬
‫ل‬
‫غ‬
‫َمعت‬
‫ج‬
‫إذا‬
‫@‬
‫ُما‬
‫ه‬
‫ُما‬
‫ه‬
‫اللذان‬
‫ماه‬
‫يو‬
‫ماه‬
‫ويو‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ى تحت اللواءِّ ُمواقع‬
‫ى فوق ال َّ‬
‫سرير موقع @ ويو ُم رد ً‬
‫فيوم ند ً‬
‫سيف حين يُماصع‬
‫الوغى @ وأع َْربهم بال ّ‬
‫وأنحى مل ِّوك األرض في لُغة َ‬
‫وافض للها َمات فيه َروافع‬
‫ومِّ ن نَ ْحوه يوم الجال ِّد عوامل @ َخ‬
‫ُ‬
‫وازع‬
‫ْلى‬
‫ع‬
‫األ‬
‫أل‬
‫م‬
‫كتائبهُ َم ْنصورة بكتائب @ مِّ ن ال‬
‫َ‬
‫وجبْري ُل ِّ‬
‫ِّ‬
‫ت َِّهيم ِّب َم ْغ َزاه خِّ الل أبِّيَّة @ وت َ ْغنَى بَ ْمغناه نُفوس نَ َو ِّازع‬
‫فال َي ْط َم َع ْن فيه ال ِّعدَا فُ َّل حَدهم @ ففي غير أ ْمن هللا َي ْطمع طامع‬

‫والقصيد طويل‪.‬‬
‫الوزراء األجالء الشعراء‬
‫أبو محمد وأبو بكر وأبو الحسن بنو القبطرنه‬
‫بيت الفضل واإلحسان‪ ،‬والمعاني الحسان‪ .‬فمن أحسن أخبارهم‪ ،‬ورقيق أشعارهم أنهم باتوا ليلة في زمن الربيع بالمنية التي أنشأها السلطان‬
‫المتوكل على هللا؛ وسماها بالبديع‪ ،‬يتعاطون كئوس الراح‪ ،‬ويدور عليهم منها أقداح األفراح؛ إلى أن غلبهم النوم‪ ،‬وربط على آذانهم فارتفع‬
‫عنهم اللوم؛ فلما تبلج وجه الصباح‪ ،‬وألبست الشمس معصفر خلعها فجاج البطاح؛ هب كل واحد منهم من نومه منشدا رافعا ً عقيرته باإلنشاد‬
‫مغردا؛ فقال الوزير األوحد أبو محمد‪:‬‬
‫يا َ‬
‫شقِّيقِّي أت َى الصّبا ُ‬
‫ست َر اللي َل ض َْوؤُه وبَها ُؤهُ‬
‫بوجْ ه @ َ‬
‫ح َ‬
‫ص َ‬
‫س َّرة يَ ْوم @ لستَ تَد ِّْري بما يَجئ َمساؤُه‬
‫فا ْ‬
‫طبِّ ُح وا ْغتَنِّ ْم َم َ‬
‫ثم استيقظ الوزير الخطير أبو بكر فقال‪:‬‬
‫ُ‬
‫َّ‬
‫ش ُموالَ‬
‫@‬
‫ِّيال‬
‫ل‬
‫ع‬
‫سيم‬
‫ن‬
‫ال‬
‫َر‬
‫ت‬
‫م‬
‫ق‬
‫أخي‬
‫يا‬
‫ض والمدُا َم َ‬
‫َ‬
‫باكر الر َّو َ‬
‫َ‬
‫ِّ‬
‫ْ‬
‫س َّرة يَ ْوم @ إنّ ت َحت الت ُّراب نَ ْوما ً َ‬
‫ط ِّويال‬
‫ال تَنَ ْم وا ْغتَنِّ ْم َم َ‬
‫ثم استيقظ أخوهما الوزير الحسن أبو الحسن فقال‪:‬‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َاحبي ذَ َرا ل ْومي و َمعت َبتِّي @ ق ْم َنصَطِّ بح خ ْم ًرة من خير ما ذخ ُروا‬
‫يا ص ّ‬
‫غ ْفلَة األياِّم واغت َن ِّما @ فاليو َم خمر ويبدُو في َ‬
‫وبَاد َِّرا َ‬
‫غد َخبَ ُر‬
‫وذو الوزارتين الناظم الناثر الكثير المعالي والمآثر أكتب أهل زمانه على اإلطالق‪ ،‬وآدب أهل األندلس باإلجماع واالتفاق؛ مع التقييد للحديث‪،‬‬
‫واالشتغال بعلومه في القديم والحديث‪:‬‬
‫ابن أبي الخصال‬
‫أبو عبد هللا محمد بن مسعود حدثني عنه خمسون شيخاً‪ ،‬منهم قاضي القضاة إمام النحويين‪ ،‬بقية أعالم مشيخة األندلسيين‪ ،‬أبو جعفر أبو‬
‫العباس أحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن سعد بن مضاء اللخمي «ض»‪ .‬فمما أنشدونا له في مطرب‪:‬‬
‫على ذُنُوبُه @ في َ‬
‫ع ُ‬
‫ظمتْ‬
‫وافَي وقد َ‬
‫غيبة قَبُحت بها آثا ُرهُ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫أوتاره‬
‫فَ َمحَا إسا َءته بها إحسانُه @ واستغفرتْ لذنوبه‬
‫ُ‬
‫وله يعتذر من استبطاء المكاتبة‪:‬‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫مره بَعدِّي‬
‫ض‬
‫م‬
‫ب‬
‫ِّي‬
‫ن‬
‫ع‬
‫ركم‬
‫ب‬
‫خ‬
‫ي‬
‫@‬
‫ديكم‬
‫ل‬
‫ن‬
‫ه‬
‫ر‬
‫ب‬
‫ل‬
‫والق‬
‫لموا‬
‫ع‬
‫ت‬
‫ألم‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ُ َ‬
‫ُ ِّ‬
‫ِّ‬
‫ولو قَبِّلتْنِّي الحادثاتُ مكانَكم @ أل ْنهبتها َو ْفري وأوطأتها خدّي‬
‫أرضَى بت َ ْقدِّمتي وحدي‬
‫ألم تعلموا أنّي وأ ْهلي وواحِّ دي @ فِّدا ُء وال ْ‬
‫والبن أبي الخصال تصانيف كثيرة‪ ،‬مستحسنة أثيرة؛ منها‪ :‬كتاب ظل الغمامة وطوق الحمامة‪ ،‬في مناقب من خصه رسول هللا «ص» من‬
‫صحابته «ض» بالكرامة‪ ،‬وأحلهم بشهادته الصادقة دار المقامة‪ .‬والقصيدة الموسومة بمعراج المناقب‪ ،‬ومنهاج الحسب الثاقب؛ في نسب‬
‫رسول هللا «ص»‪ .‬وما انتظم به من مناقب صحابته األبرار‪ .‬إلى غير ذلك من ترسله الفائق‪ ،‬وشعره الرائق‪ ،‬وذلك في خمس مجلدات‪.‬‬
‫وأنشدني الوزير الفقيه المحدث الفاضل الكاتب أبو عبد هللا محمد ين أبي القاسم ابن عميرة المروي؛ المنسوب إلى مدينة المرية‪ ،‬على ما‬
‫تقتضيه صناعة العربية؛ قال‪ :‬حدثني بجميع تصانيفه الوزير أبو نصر الفتح بن خاقان‪ ،‬سامحه هللا بما سلف منه وكان‪ ،‬وكان طبعه في‬
‫االنقياد له في ميدان البالغة سلس العنان؛ وقد قدمنا أنه قتل ذبحا‪ ،‬ورأوا له في تشحطه بدمائه سبحا‪.‬‬
‫فمن شعره يخاطب أبا يحيى محمد بن الحاج‪ ،‬وقد كان وقع بينه وبينه في بعض األيام تنازع أدى إلى االنفصال‪ ،‬وتعطيل تلك البكر واآلصال؛‬
‫ثم انقشعت تلك المخيلة‪ ،‬وتحركت فيه المودة الدخيلة؛ وأكدت تجديد ذلك العهد الرائق‪ ،‬وكف أيدي العوائق‪ ،‬فكتب إليه‪:‬‬
‫أكعبةَ عليَاء و َه ْ‬
‫ور ْوضةَ َمجْ د بالمفَاخر تُمْطِّ ُر‬
‫ضبة سُؤدَد @ َ‬
‫س َ‬
‫طر‬
‫هَنيئا ً ل ُم ْلك زانَ نُو ُرك ْأفقَه @ وفي َ‬
‫ص ْفحَتيه من َمضائك أ ْ‬
‫س َرى لك ذكر أو نَسيم ُم َع َّ‬
‫طر‬
‫وإني لخفَّاق الجنَاحَين كل ّما @ َ‬
‫وقد كان واش هاجَنا لتنافُر @ فَبِّتُّ وأحشائي ج ًَوى ت َتفطرّ‬
‫صفَا ًء ويَ ْق ُ‬
‫طر‬
‫فهل لك في ُو ّد ذَ َوي لك ظاهرا ً @ وباطِّ نُه يَ ْندَى َ‬
‫ْالق الزمان وأ ْنضَر‬
‫ولستُ بِّ ِّع ْلق بِّي َع بَ ْخسا ً وإنّني @ ْ‬
‫ألرفَ ُع أع ِّ‬
‫األعالق‪ :‬جمع علق‪ ،‬وهو الشيء النفيس‪ ،‬فأمر األمير ذو الوزارتين أبا عبد هللا ابن أبي الخصال بمراجعته‪ ،‬فكتب عنه بقطعة منها‪:‬‬
‫س ُ‬
‫طر‬
‫ثَنيتَ أبا نَصْر ِّعنَاني وربَّما @ ثنَتْ ع َْزمةَ ال َّ‬
‫سهم ال ُمصمم أ ُ‬
‫سيوف مواض أو قَنًا ت َتأ ّ‬
‫طر‬
‫هوى ما لم تكن لَتنالَه @ ُ‬
‫ونالت ً‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫وما أنَا إال َمن عرفتَ وإنما @ بَطِّ ْرتَ ودادي والمو ّدة تبْطِّ ر‬
‫سطر‬
‫نظرتَ بعين لو نظرتَ بغيرها @ أ َ‬
‫سنَانَ يَ ْ‬
‫الرأي و ْ‬
‫صبْتَ وج ْفنُ ّ‬
‫الوزير الحسيب العالم األوحد‪:‬‬
‫ابن الجد‬
‫أبو القاسم محمد بن عب د هللا الفهري النسب‪ ،‬المستبحر في الحديث والفقه والمتقدم في األدب وعلم النسب؛ كاتب الحضرة العليا‪ ،‬المرجو‬
‫للدين والدنيا‪ .‬توفي رحمه هللا سنة خمس عشرة وخمسمائة حدثني عنه ابن عمه حافظ أهل زمانه‪ ،‬المقدم على أهل عصره بحفظ مذهب إمام‬

‫دار الهجرة‪ ،‬أبي عبد هللا مالك ب ن أنس وأصحابه‪ ،‬ونصوص أقوالهم‪ ،‬واتفاقهم واختالفهم‪ ،‬مع المعرفة بلسان العرب‪ ،‬والنهاية في الفضل‬
‫والدين وسمو النسب‪ ،‬والجاه وأعلى الرتب‪ ،‬أبو بكر محمد بن عبد هللا بن يحيى بن الجد‪ .‬توفي «ض» ليلة الخميس الرابع عشر من شوال‬
‫سنة ست وثمانين وخمسمائة‪ ،‬ودفن ظهر يوم الخميس بداره بمدينة إشبيلية؛ ولم يتخلف عن شهود جنازته كبير إنسان‪ ،‬ومشى فيها الملوك‬
‫والعلماء وجميع األعيان‪ ،‬حتى أودعوه بطن ضريحه وتركوه في ذمة من هللا وضمان‪ .‬وكان مولده في شهر ربيع األول سنة ست وتسعين‬
‫وأربعمائة‪ .‬فكان له من العمر يوم وفاته تسعون سنة وسبعة أشهر‪.‬‬
‫فمن شعر الوزير أبي لقاسم بن الجد ما أنشدنيه له ابن عمه رحمهم هللا‪:‬‬
‫الغرا ُء أبْهى وأمت ُع‬
‫لئن َراق مرأى للحسان و َمسم ُع @ فحسناؤُك ّ‬
‫عَروس َجالَها َم ْطل ُع الشَّمس فا ْنثنتْ @ إليها النّجو ُم ّ‬
‫الزاهراتُ ت َطلَّع‬
‫َزففت بها بِّكرا ً‬
‫ضوعُ‬
‫تضوع طيبُها @ وما طِّ يُبها إال الث ّناء ال ُم ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫راز ال ُحسن وشْي ُم َهلل @ ومن ِّصيغة اإلحسان تاج ُمرصَّع‬
‫لها من طِّ ِّ‬
‫وأنشدني له‪:‬‬
‫وض َ‬
‫وهب له من كُ ّل زاهرة نَ ْ‬
‫ش ُر‬
‫نشر @‬
‫الر ِّ‬
‫َّ‬
‫أما ونسيِّ ُم ّ‬
‫طاب له ُ‬
‫س َّر في َ‬
‫طيّه نَشْر‬
‫الربى @ ولم يَدر أن ال ّ‬
‫يُحامِّ ي له عن ّ‬
‫سره َزه َُر ُّ‬
‫ففي ُك ّل س ِّّر من أحاد ِّيث طِّ يبه @ ت َمائ ُم لم يَ ْعلَق بحامِّلها ِّو ْزر‬
‫ب أنفاسِّها ال ِّع ْطر‬
‫لقد فَغَمتْني من ثَنائك نَ ْفحة @ يُنافِّسني في طِّ ي ِّ‬
‫ع منها العَ ْنبر النّ ُّد فا ْنثنت @ وقد أوهَمتْني أنّ منزلها الشّحْر‬
‫تَضَو َ‬
‫الكبر في نفسي لهَا ولرب َّما @ تجانف عن َمسرى صَرامت َي الكبُر‬
‫سِّرى‬
‫ُ‬
‫سكر‬
‫وشيَب بها معنًى من الراّح مطرب @ فخيّل لي أنّ ارتياحي بها ُ‬
‫أبا عامر أ ْنصف أخاك فإنّه @ وإيّاكَ في َمحْ ض الهوى الما ُء وال َخ ْمر‬
‫ِّمس ال ُمنيرةُ والبد ُر‬
‫ائي كوكبا @ وفي ج َّوك ال ّ‬
‫أمثلكُ يَبْغي في َ‬
‫ش ُ‬
‫س َم َ‬
‫ويلتمس ال َحصْباء في ث َ ْعب ال َحصَى @ ومن َبحرك الف ّياض يُستخرج الد ُّّر‬
‫ُ‬
‫عجبتُ لمن يَهوى من الصُّفر ت ُو َمةً @ وقد سا َل في أرجاء َم ْعدِّنه التِّّبر‬
‫قوله‪ " :‬لقد فغمتني " الفغم‪ ،‬بالغين المعجمة يستعمل في ملء الرائحة‪ ،‬أنفا ً أو مكانا ً قال الراجز‪:‬‬
‫نفحة مسك تفغم المزكوما‬
‫ومن المتقدمين من شعراء األندلس والمغرب‪:‬‬
‫أبو القاسم محمد بن هانيء‬
‫األندلسي الدار‪ ،‬وإن كان قبيح الغلو‪ ،‬شهير االستهتار‪ ،‬فربما صدرت عنه درر تلحقه بالشعراء الكبار‪:‬‬
‫سف ِِّّر‬
‫الجالَد بَ ْعنبَ ِّر @ وأمدُّكم فَلَق الصَّباحِّ ال ُم ْ‬
‫فُتِّقًتْ لكم ري ُح ِّ‬
‫ْ‬
‫و َجنَ ْيت ُ ُم يَ َم َر الوقائع يانِّعا ً @ بالنَّصْر من َو َرق الحَديد األخضَر‬
‫قال ذو النسبين‪« ،‬ض»‪ ،‬هذا بيت بديع زاد فيه على قول البحتري‪:‬‬
‫عهْد عاد َ‬
‫غضّة لم ت َ ْذبل‬
‫َحملتْ خمائلُه القديمة ثِّ ْقلَهُ @ من َ‬
‫ُ‬
‫دور بكُ ِّ ّل لَيْث ُمخد ِِّّر‬
‫خ‬
‫ال‬
‫يض‬
‫ورعت ُم @ ِّب َ‬
‫ِّ‬
‫وضربت ُ ُم ها َم الكُما ِّة ُ‬
‫سمهر ِّيةّ‬
‫ف ال ّمشْرفي ِّة والعَدي ِّد األكثر‬
‫@‬
‫يو‬
‫س‬
‫وال‬
‫ِّ‬
‫ّ‬
‫أبنَي ِّ العَوالِّي ال َّ‬
‫سوابغ تُبَّع في حِّ ْميَر‬
‫َمن منكُم الملكُ ال ُمطا ُ‬
‫ع كأنه @ تحت ال ّ‬
‫سِّنان األ ْخ َزر‬
‫القائد الخي ِّل‬
‫العتاق شَوازبا ً @ ُخ ْزرا ً إلى لحظ ال ّ‬
‫ِّ‬
‫ومنها يصف الممدوح‪:‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫كندر‬
‫ع‬
‫م‬
‫ج‬
‫@‬
‫في‬
‫وسار‬
‫ور‬
‫ب‬
‫د‬
‫َّ‬
‫ال‬
‫من‬
‫ل‬
‫و‬
‫ب‬
‫ق‬
‫ال‬
‫َر‬
‫ح‬
‫ن‬
‫َ‬
‫َ‬
‫اله َر ْق ِّل وع َْزم ِّة اإل ْ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫س ِّ‬
‫ِّ‬
‫جيع األحْ مِّر‬
‫َبيرهُم @ و َخلوقُهم عَل ُ‬
‫في فتْية َ‬
‫صدَأ الدّروعِّ ع ُ‬
‫ق النَّ ِّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫رحانُ‬
‫سر‬
‫المتك‬
‫ا‬
‫ن‬
‫ق‬
‫ال‬
‫من‬
‫عليه‬
‫مما‬
‫@‬
‫َقيرهم‬
‫ع‬
‫ِّلو‬
‫ش‬
‫س‬
‫ّ‬
‫ال يأك ُل ال ّ‬
‫َ‬
‫قوله‪" :‬ال يأكل السرحان شلو عقيرههم‪ ...‬البيت"‪ .‬أي لو يمت لشجاعته حتى تحطم عليه من الرماح ما ال يصل معه الذئب إليه‪ ،‬ولو كان‬
‫العقير هو الذي عقروه هم لكان البيت هجوا‪ ،‬ألنه كان يصفهم بالتكاثر على واحد‪.‬‬
‫ومن قوله أيضا يمدح األمير أبا الفضل جعفر بن علي األندلسي‪:‬‬
‫َ‬
‫ش ْنفَا‬
‫سلَتْ واردا ً َوحْ فَا @ وبتْنا نَرى‬
‫الجوزاء في أذنها َ‬
‫ألَيلتَنَا إذ أر َ‬
‫صبح ال تُقَ ُّ‬
‫ط وال ت ُ ْطفَا‬
‫عة‬
‫م‬
‫ش‬
‫ب‬
‫@‬
‫َى‬
‫ج‬
‫د‬
‫ُّ‬
‫ال‬
‫على‬
‫ول‬
‫ص‬
‫ي‬
‫ساق‬
‫وباتَ لنا‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ ُ‬
‫ْ‬
‫ومن مليحها قوله‪:‬‬
‫يقولون ح ْقف فوقه َخ ْيزُ رانة @ أ َما يَ ْعرفون ال َخيزرانَة والح ْقفَا‬
‫ِّياب ُمدامِّنا @ وقَدَّت لنا الظلما ُء من ِّج ْلدها لُحْفا‬
‫جَعلنا َحشَاياَنا ث َ‬
‫شفَة َرشْفا‬
‫ه‬
‫كبد‬
‫فَمن َكبِّد ت ُدنِّى إلى‬
‫شفَة تُوحِّ ي إلى َ‬
‫َوى @ ومن َ‬
‫ً‬
‫وقوله منها يشبه نجوم الليل‪:‬‬
‫فولّت نُجوم للثّريّا كأنهّا @ َخواتي ُم ت َ ْبدُو في َبنان يد ت َْخفَى‬
‫ومر على آثارها َدبَرانُها @ كصاحب ِّردْء ُك ِّ ّمنَتْ َخيلهُ َخ ْلفا‬
‫ّ‬
‫ب تجنُبه طِّ رفا ْ‬
‫ش ْعرى العَبُ ُور ُمكبَّةً @ بِّ ْم َ‬
‫وأقبلت ال ِّ ّ‬
‫رزمها اليعبو ِّ‬
‫جرتِّها سِّجْفا‬
‫وقد بادرتْها أخت ُها مِّ ن ورائها @ ِّلت َْخرق من ثِّ ْنيَ ْي َم َّ‬
‫بر في ال َّ‬
‫سفا‬
‫اف‬
‫زئير اللي ِّ‬
‫ظلماء ينِّسفُها نَ ْ‬
‫ت َخ ُ‬
‫ث يَ ْقدُم نَثْ ًره @ وبَ ْر َ‬
‫َ‬
‫سماكَين اللذين تظاهرا @ على ِّل ْبدَتيه ضامِّ نان له َحتْفا‬
‫كأنّ ال ّ‬
‫َض أن ُملهَ لَهفا‬
‫سنِّانَه @ وذا أعزل قد ع َّ‬
‫فذا رامح يُهْوى إليه ِّ‬

‫كأنَّ‬
‫طرفَا‬
‫َ‬
‫ِّب تحت اللّي ِّل في ريشه ْ‬
‫رقيب الليل أ َجدُل َم ْرقَب @ يُقَلّ ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫بوجرة قد أضلَ ْلن في َم ْه َمه َخشْفا‬
‫@‬
‫طافل‬
‫م‬
‫شا‬
‫ع‬
‫ن‬
‫و‬
‫ش‬
‫ع‬
‫ن‬
‫بني‬
‫كأن‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ َ‬
‫ْ‬
‫ق إلف لم يَ ِّجد بعدَه إلفاْ‬
‫ً‬
‫كأنّ‬
‫سُهيَال في َمطالع أفقه @ ُمفار ُ‬
‫كأن سُهاهَا عاشِّق بين ع َُّود @ فآونةُ يَبْدو وآونةُ يَ ْخفى‬
‫فارس له @ لِّواءان مركُوزان قد كَره ّ‬
‫الزحْفا‬
‫كأنّ ُمعلَّى قُ ْطبها‬
‫ُ‬
‫س ُم ال َخوافِّي به ُ‬
‫ض ْعفا‬
‫س ُر واقع @ قُص ْ‬
‫صنَ فلم ت َ ْ‬
‫سر والنَّ ْ‬
‫كأنّ قُدا َمي النَّ ْ‬
‫ً‬
‫البدر فاختطف النِّّصفا‬
‫ْف‬
‫ص‬
‫ن‬
‫دون‬
‫َى‬
‫ت‬
‫أ‬
‫@‬
‫ا‬
‫طائر‬
‫م‬
‫دو‬
‫كأنّ أخاهُ حِّ ين‬
‫ِّ‬
‫َّ‬
‫ِّ‬
‫َ‬
‫َّ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫سروانّي ُملتفّا‬
‫خ‬
‫ال‬
‫سيج‬
‫ن‬
‫بال‬
‫ى‬
‫ر‬
‫س‬
‫@‬
‫ه‬
‫ن‬
‫و‬
‫ل‬
‫وسي‬
‫ن‬
‫اآلب‬
‫كأنّ اله َِّزي َع‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ََ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫كأنّ ظال َم الليل إذ مال َم ْيلة @ صَري ُع ُمدَام بات يَشْربها ِّص ْرفا‬
‫ست َخفى‬
‫ع ُمو َد الفَجْ ر خاقا ُن َم ْعشر @ من الت ُّرك‬
‫كأنّ َ‬
‫نادى بالنجاشي فا ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫كأنّ لِّواء الشّمس غُ ّرةُ جَعفر @ رأى الق ِّْرن فازدادَت طالقت ُه ِّض ْعفا‬
‫وبقية شعر هذا الرجل قعاقع وجعاجع‪ ،‬وثالثة األثافي والرسوم البالقع‪.‬‬
‫والخسرواني‪ :‬الحرير الرقيق الحسن في الصنعة‪ ،‬منسوب إلى خسرو‪ ،‬أحد ملوك األكاسرة‪.‬‬
‫ومنهم األديب‪ ،‬الشاعر األريب‪:‬‬
‫أبو جعفر أحمد بن عبد الولي البتي‬
‫وبتة‪ :‬قرية من قرى مدينة بلنسية‪ .‬وكان كثير التصرف‪ ،‬مليح التظرف‪ .‬أنشدني له غير واحد من أهل مدينة بلنسية‪:‬‬
‫َ‬
‫صبْت الثُّريّا في البِّعا ِّد مكانَها @ وأودعت في عينَّي صَادِّقَ نَ ْوئِّها‬
‫غ َ‬
‫ً‬
‫ّمس ُحلَّة ضوئِّها‬
‫وفي كُل حال لم تزالي بَخيلة @‬
‫فكيف أعر ِّ‬
‫َ‬
‫ت الش َ‬
‫أحرقه القنبيطور ‪ -‬لعنه هللا ‪ -‬في حين تغلبه على بلنسية وذلك في سنة ثمان وثمانين وأربعمائة‪.‬‬
‫والوزير الكاتب‪:‬‬
‫أبو الفضل بن حسداي‬
‫من بيت شرف اليهود باألندلس‪ ،‬ذكر القاضي بطليطلة الفقيه المؤرخ المتقن أبو القاسم صاعد بن أحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن صاعد‬
‫في كتاب الطبقات له‪ ،‬أن ابن حسداى هذا من ولد موسى "ع س"‪ .‬جرى في ميدان البالغة إلى أبعد أمد‪ ،‬وبنى عراصها بالصفاح والعمد؛‬
‫وكانت الذمة تقعده عن مراتب أكفائه‪ ،‬وتجد في طموس رسمه وعفائه‪ ،‬حتى ألحقه هللا بأقرانه‪ ،‬وأقاله من متعثر خسرانه؛ فتطهر وأسلم‪،‬‬
‫وآمن بمحمد «ص»‪.‬‬
‫فمن شعره القطعة التي أطلعها نيرة‪ ،‬وترك األلباب منها متحيرة؛ ذكرها أبو نصر الفتح بن خاقان‪ ،‬في كتاب قالئد العقيان‪:‬‬
‫ت َْوري ُد خدّك لألحداق لذّاتُ @ عليه من َ‬
‫صدَاغ ال َماتُ‬
‫ع ْنبر األ ْ‬
‫نار ل ً‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ظى @ لَكْن وصالك إن واصلتَ جنات‬
‫َّاق ُ‬
‫نِّيرانُ َهجْرك للعُش ِّ‬
‫دور تِّ ِّ ّم وأيدي الشًّرب هاالت‬
‫الرا ُ‬
‫ح ّ‬
‫كأنّما ّ‬
‫والراحاتُ ت َحملُها @ بُ ُ‬
‫ُحشاشة ما ت َركنا الما َء يَ ْقت ُلها @ إالّ لتَحْ يا بها منّا ُحشَاشات‬
‫فخف إذ ُم ِّلئتْ منها ّ‬
‫الزجاجات‬
‫قد كان في كأسِّها من قبلها ثِّقَل @‬
‫َّ‬
‫قال ذو النسبين «ض» ‪ :‬أخذ هذا المعنى من قول الشاعر أبي علي إدريس بن اليمان‪ ،‬من أهل جزيرة يابسة‪ ،‬من قصيدة طويلة يمدح بها‬
‫إقبال الدولة أبا الحسن علي بن أبي الجيش مجاهد بن عبد هللا مولى أبي عامر‪:‬‬
‫ثَقُلتْ زُ جاجات أتَتْنا فُ َّرغا ً @ حت ّى إذا ُملئت بِّ ْ‬
‫صرف َّ‬
‫الراحِّ‬
‫ف باألرواح‬
‫خفَّت فكادتْ ت َستطي ُر بما َحوتْ @ وكذا َ الجسوم تَخِّ ُّ‬
‫ومنهم الفقيه األديب الزكي الحسيب‪:‬‬
‫أبو عبد هللا محمد بن الفخار‬
‫بيت الفخار‪ ،‬ومنبت الفضل المشرق إشراق النهار؛ يعرف بابن نصف الربض‪ ،‬الراسخ في علم الجوهر والعرض‪ .‬أنشدني له جماعة من أهل‬
‫مدينة مالقة‪ ،‬منهم ولده الوزير األديب‪ ،‬الفقيه الحكيم األريب‪ :‬أبو الحسين؛ والخطيب في مجالس الملوك‪ ،‬الناثر من فيه درر السلوك‪ ،‬صديقنا‬
‫أصبغ بن أبي العباس‪:‬‬
‫صبا @ وهل يُ ْنكَر النَّ ْو ُر ال ُمفت َّح في ُ‬
‫غص ِّْن‬
‫فارق في ال ِّ ّ‬
‫أ ُمستنكَر ش ُ‬
‫َيب ال َم ِّ‬
‫أ ُ‬
‫شيَّب َمفرقِّي @ وإن كنتُ في إحدى وعشرين من سنّي‬
‫الب ال َمجد َ‬
‫ظنّ طِّ َ‬
‫ومن شعراء الجزيرة صاحب الموشحات الشهيرة‪:‬‬
‫أبو بكر بن بقي‬
‫فمن شعره‪:‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ِّق‬
‫حب ذ ْيله @ َ‬
‫صهْبا َء كالم ْ‬
‫عاطيته واللي ُل يَ ْ‬
‫س ُ‬
‫سك الفتِّيِّق لناش ِّ‬
‫وضَممت ُه َ‬
‫سيْفه @ وذُؤَابَتاه حمائل في عاتِّقي‬
‫ض َّم ال َكمِّ ّي ِّ ل َ‬
‫سنَةُ الك ََرى @ َزحْ زحت ُه ِّر ْفقا ً وكان ُمعانِّقي‬
‫حتى إذا مالَت به ِّ‬
‫باعَدت ُه عن أ ْ‬
‫ضلُع ت َ ْ‬
‫ساد َخافق‬
‫شت َاقه @ كي ال يَنام على ِّو َ‬
‫ومنهم الفقيه األصولي اللغوي النحوي‪:‬‬
‫العبدري‬
‫أبو بكر محمد بن عبد هللا بن ميمون بن إدريس بن محمد بن عبد هللا‪ ،‬سكن عدوة المغرب‪ ،‬وتصدر بمراكش إلقراء النحو واألدب‪ .‬لقيته بها‬
‫سنة خمس وستين‪ ،‬وقد شرح كتاب " الجمل " ‪ ،‬وانفرد من الفضل بمفصله والجمل‪ .‬وتوفي رحمه هللا بحضرة مراكش يوم الثالثاء الثامن‬
‫عشر من جمادى اآلخرة‪ ،‬ودفن ضحى يوم األربعاء‪ ،‬سنة سبع ستين وخمسمائة‪ .‬فمن شعره‪:‬‬
‫س ِّها لم أفقْ‬
‫أبا قاسِّم والهوى ِّجنَّة @ وها أنا من َم ّ‬
‫تَقَ َّح ْمتُ جَاحِّ َم نَار الضُّلوع @ كما ُخضت بَحر دُموع الحَدق‬
‫ق‬
‫أ كنتُ الخلي َل أ كنتُ الكلي َم @ أمنتُ الحريقَ أمنت الغَر َ‬

‫ومنهم ش اعر المغرب األقصى‪ ،‬ومفخره في صناعة المحاكاة والتخييل؛ وإن كان له غلو في األمداح‪ ،‬وإفراط في االختراع واألقتداح؛ فربما‬
‫ثنى عنانه إلى مدح اللطيف الخبير‪ ،‬وروى ظمأه ذلك العذب النمير‪ ،‬وهو‪:‬‬
‫ابن حبوس‬
‫أبو عبد هللا محمد بن حسين بن عبد هللا بن حبوس‬
‫بالباء بنقطة واحدة من أسفل‪ ،‬مولى بني أبي العافية‪ ،‬الذين ملكوا المغرب األقصى‪ ،‬في أيام بني أمية األندلسيين‪ .‬وأصلهم من تازا‪ ،‬من أهل‬
‫تسول‪ ،‬من بني مجدول‪ ،‬منهم‪ .‬وتسول‪ :‬كانت حاضرة ملكهم‪ ،‬ومنتظم سلكهم؛ فذهبت أيامهم‪ ،‬وتقلص إنعامهم‪ ،‬وتلك عادة هللا‪ ،‬وسنته في‬
‫الذين خلوا من قبل‪ ،‬ولن تجد لسنة هللا تبديال‪.‬‬
‫وقد رفعت ديوان شعره للمقام المولوي السلطاني الملكي الكاملي الناصري‪ ،‬أدام هللا إنعامه‪ ،‬ووالي له حسن الصنع وأدامه‪.‬‬
‫لقيته بحضرة مراكش‪ ،‬سنة أربع وستين وخمسمائة‪ .‬ثم دخلت عنده في داره بمدينة فاس‪ ،‬بدرب السراجين منها‪ ،‬فأخذت عنه وسمعت منه‪.‬‬
‫وأنشدن ي شيخي الفقيه األستاذ اللغوي النحوي أبو العباس أحمد بن علي بن محمد الكناني ‪ -‬يعرف بابن سيد ‪ -‬من أهل إشبيلية؛ تصدر‬
‫لإلقراء بها‪ ،‬فطلع شمسا ً من جانبها؛ وكان من أهل البالغة والشعر‪ ،‬والتقدم في النظم والنثر‪ .‬ختم كتاب سيبويه مرتين على األستاذ النحوي‬
‫أبي القاسم بن الرماك بعد قراءته القرآن العظيم على القاضي أبي الحسن شريح بن محمد‪ ،‬والمجود الكبير أبي العباس أحمد بن عيشون‪،‬‬
‫وأجاز له‪ .‬وكذلك أجاز له جماعة من علماء قرطبة‪ ،‬منهم الفقيه أبو محمد بن عتاب‪ ،‬والعالم أبو بحر سفيان بن العاصي‪ ،‬والوزير أبو الوليد‬
‫بن طريف وغيرهم‪ ،‬ولزم الوزير األديب البليغ األوحد أبا محمد ابن عبد الغفور‪ .‬فقرأ عليه كثيراً‪ .‬وأنشدنا له في صاحب إشبيلية وقد خرج‬
‫إلى غزاة‪:‬‬
‫ُّ‬
‫ُّ‬
‫َ‬
‫س ِّْر َح َّل حيث تحله الن ّوار @ وأراد فيك ُمرادَك األقدا ُر‬
‫شيّعتْك َ‬
‫غمامة @ أنّي َحلَلتْ ودِّيمة ِّمد َْرار‬
‫وإذَا ارتحلتَ ف َ‬
‫ت َ ْنفِّي ال َه ِّجير ب ّ‬
‫شئْت ت ُدار‬
‫ش القَتا َم وكيف ِّ‬
‫بالر @ ِّ ّ‬
‫ظلِّها وتُنِّي ُم َّ‬
‫وقَضَى اإللُه ْ‬
‫سيْفك نَحْ بَها الكُفّا ُر‬
‫بأن ت َعود ُمظفَّرا @ وقَضَيت ب َ‬
‫وقد أبدع في هذه األبيات غاية اإلبداع‪ ،‬وهي من ابلغ ما قيل في الوداع‪.‬‬
‫وأنشدني رحمه هللا قال‪ :‬أنشدني الوزير الشريف الحسيب النسي ب أبو محمد عبد العزيز بن الحسن بن أبي البسام الحسيني‪ ،‬فريد عصره‬
‫ووحيد دهره‪.‬‬
‫قال‪ :‬نزلت بفندق بمدينة دانية ليالً‪ ،‬فرأتني امرأة كانت تعرفني في أيام السلطان أبي الطاهر تميم‪ ،‬وهي الحرة الفاضلة مريم بنت إبراهيم؛‬
‫والدنيا قد سحبت علي من جاهها ووزارتها ذيال‪ ،‬فقلت مرتجال‪:‬‬
‫َجين‬
‫ه‬
‫نزل‬
‫م‬
‫في‬
‫ر‬
‫ص‬
‫أن‬
‫@‬
‫ِّي‬
‫عَا ِّذلَتي ال ت ُفنّدِّين‬
‫تُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ِّ‬
‫ِّ‬
‫ح في َم ْن ِّصبي ودِّيني‬
‫فليس قُبْح ال َمكان م ّما @ يَ ْق َد ُ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ب في َح ْمأ َ ِّة وطِّ ين‬
‫ع ْل ِّو ّية‬
‫الشمس ُ‬
‫ولكن @ ت َ ْغ ُر ُ‬
‫ُ‬
‫وكان شيخا هذا رحمه هللا يلقب باللص لدياثته وسكونه‪ ،‬وتردده خفية في جميع شؤونه؛ وكان ال ينكر هذا اللقب مع جاهه عند سلطان‬
‫زمانه‪ ،‬وقد أنشدني بيتين قالهما في الوزير أبي الحسين بن فندله في إبان شبابه وعنفوانه‪:‬‬
‫َخلَسْتَ قَ ْلبي ب َ‬
‫ب‬
‫ط ْرف @ أبَا ال ُحسين َخلُو ِّ‬
‫ب‬
‫فكيف أُدعى بلّص @ وانت ُّ‬
‫َ‬
‫لص القلو ِّ‬
‫ولما وصلت المحالت العظيمة‪ ،‬والعساكر العميمة‪ ،‬بجبل الفتح والنصر والهدى‪ ،‬قام منشدا‪:‬‬
‫واستقص ْر َمدى زُ َح ِّل @ وان ُ‬
‫َ‬
‫الراسي على جَب ِّل‬
‫َّمس‬
‫غ ِّ ّم ْ‬
‫ض عن الش ِّ‬
‫ِّ‬
‫ظ ْر إلى الجَب ِّل َّ‬
‫َ‬
‫َّ‬
‫َّ‬
‫َّ‬
‫أني استق َّل به أني استق ّر به @ أني رأى شخصه العالِّي فلم يَزُل‬
‫توفي شيخنا «ض» ببلدة إشبيلية سنة ست وسبعين وخمسمائة‪ .‬وأخبرني أن مولده سنة سبع وخمسمائة‪ .‬سمعت منه كثيرا‪ ،‬وأجاز لي‬
‫جميع رواياته وألخي‪ ،‬نفعنا هللا‪.‬‬
‫الوزير الكبير وزير إشبيلية وعظيمها‪ ،‬وشاعرها المشهور وكريمها‪:‬‬
‫أبو بكر محمد‬
‫ابن الوزير الكبير‪ ،‬الطبيب النحير‪ ،‬أبي مروان عبد الملك؛ ابن وزير ذلك الدهر وعظيمه‪ ،‬فيلسوف ذلك العصر وحكيمه؛ أبي العالء زهر‪ ،‬ابن‬
‫الوزير الكبير أبي مروان عبد الملك‪ ،‬الراحل إلى المشرق‪ ،‬وبه تطبب زمانا ً طويال وتولى رياسة الطب ببغداد‪ ،‬ثم بمصر ثم بالقيروان‪ ،‬ثم‬
‫استوطن مدينة دانية‪ ،‬وطار ذكره منها إلى أقطار األندلس والمغرب‪ ،‬واشتهر بالتقدم في علم الطب حتى بذ أهل زمانه‪ .‬ومات بدانية‪ .‬وأبوه‬
‫الوزير الفقيه العالم أبو بكر محمد بن مروان بن زهر اإليادي النسب العالم بالرأي والحافظ لألدب‪ .‬وكان حاذقا ً في الفتوى‪ ،‬مقدما في‬
‫الشورى‪ ،‬متفننا في العلوم‪ ،‬وسيما ً فاضال‪ ،‬جمع الرواية والدراية‪ .‬توفي بطليرة سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة‪ ،‬وهو ابن ست وثمانين‬
‫سنة‪ .‬حدث عنه جماعة من علماء األندلس‪ ،‬ووصفوه بالدين والفضل‪ ،‬والجود والبذل‪.‬‬
‫حدثني شيخنا المبدأ بذكره‪ ،‬وهو الوزير أبو بكر‪ ،‬عن جده الوزير أبي العالء بجميع تواليفه وشعره‪ .‬وتوفي الوزير أبو العالء بمدينة قرطبة‪،‬‬
‫ممتحنا ً من نغلة‪ .‬بين كتفيه سنة خمس وعشرين وخمسمائة‪.‬‬
‫والذي انفرد شيخنا به وانقادت لتخيله طباعه‪ ،‬وأصارت النبهاء خوله وأتباعه‪ :‬الموشحات‪ ،‬وهي زبدة الشعر وخالصة جوهره وصفوته‪.‬‬
‫وهي من الفنون التي أغربت بها أهل المغرب على أهل المشرق‪ .‬وظهروا فيها كالشمس الطالعة والضياء المشرق‪ ،‬فمن ذلك قوله‪:‬‬
‫سد ْلنَ َ‬
‫دور‬
‫َ‬
‫ُّعور @ على أ َ ْوجه كالبُ ْ‬
‫ظال َم الش ْ‬
‫سفَ َرن فالح الصبا ْح‬
‫َ‬
‫الرما ْح‬
‫ه ََززن قُدو ُد ِّ ّ‬
‫ِّضحِّ كن ابِّت َسا َم األقا ْح‬
‫غور‬
‫كأّنَّ الذي في النُّحور @ ت َّخيرنَ منه الث ُّ ْ‬
‫ساحر‬
‫سلُوا ُمقلَت َْي‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫سحر والسّاحِّ ر‬
‫عن ال ّ‬
‫وعن نَظر حائر‬
‫َ‬
‫ُّدور‬
‫ص‬
‫ال‬
‫ا‬
‫ي‬
‫با‬
‫خ‬
‫رمي‬
‫َ‬
‫تور @ ويَ‬
‫ْ‬
‫ريش سها َم الفُ ْ‬
‫يَ ُ‬

‫لقد ِّه ْمتَ ويَحِّ ي بِّهَا‬
‫وذُلّل قَ ْلبي لها‬
‫والهوى إنَّها‬
‫أ َما‬
‫َ‬
‫لَ َ‬
‫دور‬
‫َغار عليه ال ُخ ْ‬
‫ظب ُْي كِّناس نَفُ ْ‬
‫ور @ ت ُ‬
‫َ‬
‫ُح ِّرمتُ لذيذ الك ََرى‬
‫الورى‬
‫َ‬
‫س ِّه ْرتُ ونام َ‬
‫ش ْعري ت َُرى‬
‫ت َُرى ليت ِّ‬
‫ُور‬
‫ُهور @ ِّأم اللّي ُل حولي َيد ْ‬
‫أساعاتُ لَيْلي ش ْ‬
‫َ‬
‫َب َكئِّيب‬
‫ظفرتْ بص ّ‬
‫ّ‬
‫ور‬
‫فنكّد وعذ ْ‬
‫ِّب و ُج ْ‬
‫أسرف ُ‬
‫ور‬
‫غالمك َ‬
‫ْ‬
‫صبُ ْ‬

‫وقوله‪:‬‬
‫س َمع‬
‫ساقي إليك ال ُمشتكَى @ قد دعونَاك وإن لم ت َ ْ‬
‫أيّها ال ّ‬
‫ونَديم هِّمتُ في ُ‬
‫غ َّرتِّ ِّه‬
‫الراح من راحتِّه‬
‫و َ‬
‫سقَاني ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫سكْرته‬
‫كلما استيقظ من َ‬
‫الزقّ إليه واتّكَا @ وسقَ‬
‫ً‬
‫جذب ِّ ّ‬
‫أربع‬
‫في‬
‫ا‬
‫أربع‬
‫اني‬
‫ِّ‬
‫ليس لي صبر وال لي َجلَ ُد‬
‫ما لِّقومي عذَلُوا واجتهدوا‬
‫شكْواي م ّما أجد‬
‫أنكروا َ‬
‫مث ُل حالي حقُّها أن ت ُشتكَي @ َك َم ُد اليأس وذ ُّل ال َّ‬
‫ط َمع‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫حيث استوى‬
‫غصنُ بان مال من‬
‫بات من يهواهُ من فرط الجوى‬
‫خافقَ األحشاء موهُون القُوى‬
‫كلما فكَّر في البين بكَى @ ما له يبكي لما لم يَقع‬
‫شغِّفت بالنَّظر‬
‫ما لعيني ُ‬
‫أنكرتْ بعدك ضو َء القَمر‬
‫سمع َخبَري‬
‫فإذا ما ِّ‬
‫شئْتَ فا ْ‬
‫عضي َمعِّي‬
‫َ‬
‫عشِّيتْ عَيناي من طُول البُكَا @ وبكَى بَ ْعضي على بَ ِّ‬
‫الشغاف‪:‬حجاب القلب؛ وقيل‪ :‬سويداؤه؛ وهو الشغف أيضا‪ ،‬بالعين المهملة‪.‬‬
‫قال هللا العظيم‪( :‬قد شغفها حباً)‪ .‬وشغفة القلب‪ :‬أعاله‪ ،‬وهو معلق النياط‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬المشغوف‪ :‬الذي بلغ حبه شغاف قلبه؛ وبالعين‬
‫المهملة‪ :‬الذي خلص الحب إلى قلبه فأحرقه‪.‬‬
‫وكان شيخنا الوزير أبو بكر ‪ -‬رحمه هللا ‪ -‬بمكان من اللغة مكين‪ ،‬ومورد من الطلب عذب معين‪ .‬كان يحفظ شعر ذي الرمة‪ ،‬وهو ثلث لغة‬
‫العرب‪ ،‬مع اإلشراف على جميع أقوال أهل الطب‪ ،‬والمنزلة العليا عند أصحاب المغرب مع سمو النسب‪ ،‬وكثرة األموال والنشب صحبته زمانا‬
‫طويال‪ ،‬واستفدت منه أدبا جليال‪ .‬واستجزته في جميع تصانيف أسالفه وتصانيفه‪ ،‬وجميع شعره ونثره وتواليفه‪.‬‬
‫ومن شعره‪:‬‬
‫األكف ُخدودَهم @ قد غالَهم نو ُم الصَّباح و َ‬
‫غالَنِّي‬
‫وموسدين على‬
‫ّ‬
‫وأشرب فَ ْ‬
‫ضلَهم @ حتى سكرتُ ونالَهم ما نالني‬
‫ما ِّزلُت أسقيه ْم‬
‫ُ‬
‫ثأرها @ إني أم ْلتُ إناءها فأ َمالنَي‬
‫َطلب‬
‫ت‬
‫كيف‬
‫وال َخمر تعلم‬
‫ُ َ‬
‫ومن شعره‪:‬‬
‫سِّماك فَأقصدتْ @ أالَ بأبي َرام يُصيب وال يُخطي‬
‫رمتْ كبدي أختُ ال ّ‬
‫قريبةُ ما بين ال َخالخِّ ل إن َمشَتْ @ بعيدةُ ما بين القِّالدة والقُ ْرط‬
‫نعمت بها حتى أتيحت لنا النوى @ كذا شيم األيام تأخذ ما تعطي‬
‫سألته رحمه هللا عن مولده فقال‪ :‬ولدت سنة سبع وخمسمائة‪ .‬وبلغتني وفاته آخر سنة خمس وتسعين وخمسمائة وأنشدني الوزير الكاتب أبو‬
‫الحكم علي‪ ،‬ابن الوزير األعلى أبي بكر محمد بن عبد الملك بن عبد العزيز بن محمد بن الحسين بن كميل بن عبد العزيز بن هارون اللخمي‬
‫قال‪ :‬أنشدني أبي لنفسه‪:‬‬
‫قد هَززناك في المكَارم ُ‬
‫صنَا @ واستَلَمنَاك في النَّوائب ُركنَا‬
‫غ ْ‬
‫وتأتى فِّعالً وأش َْرق ُحسنا‬
‫ووجدنا الز َّمان قد الَنَ ِّع ْطفا ً @‬
‫َّ‬
‫س ْمحا ً @ وإذا ما هززت َه كان لَدْنا‬
‫فإنها ما سألت َه كان َ‬
‫ِّق ال يع @ رف ضَنا ًّ وال يُكذِّّب َ‬
‫ظنّا‬
‫م ِّؤثرا ً أحسنَ الخالئ ِّ‬
‫َب َواد @ يه ورفَّت رياضُه فا ْنت َجعنا‬
‫أنتَ ما ُء السماء اخص َ‬
‫َّ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫استمتعتْ‬
‫بذي الفض ِّل خِّ دْنا‬
‫نَ َزعتْ بي إلى ودادِّك نَ ْفس @ قلما‬
‫وأنشدني له وقد ودع‪......‬‬
‫ْ‬
‫موضعَهُ‬
‫َ‬
‫ْر‬
‫ب‬
‫ص‬
‫@‬
‫ل‬
‫ت‬
‫ر‬
‫م‬
‫ل‬
‫ع‬
‫وال‬
‫د‬
‫ج‬
‫م‬
‫ال‬
‫ة‬
‫م‬
‫ذ‬
‫في‬
‫ي مذ فارقتُ‬
‫فارقتُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫حِّ‬
‫ياءِّ‬
‫َ‬
‫ِّ‬
‫َ‬
‫َّ‬
‫ُ‬
‫ِّ‬
‫َ‬
‫س َّر البَ ْي ُن َم ْطلَعه‬
‫ضاءتْ به برهةً أرجا ُء قُ ْرطبة @ ثم استق َّل فَ َ‬
‫والوزير أبو الحكم هذا يعرف أبوه بابن المرخي‪ .‬وصوابه عند أهل النحو‪ :‬المرخي‪ ،‬بفتح الخاء‪ .‬وهو من أهل قرطبة‪ ،‬وأصلهم من شرانة‪،‬‬
‫قرية من قرى شريش شذونة‪ .‬وكان أبوه بذ أهل وقته في الكتابة واألدب‪ ،‬واللغة وأنساب العرب؛ وكان وزيرا جليالً بوزارة السالطين‬

‫بقرطبة‪ ،‬وكان ينتفع به الناس لحسن وساطته‪ ،‬ومبادرته إلى قضاء حوائج الناس ومشاركته‪.‬‬
‫أخذت عن ولده الوزير‪ :‬أبي الحكم جميع ما رواه عن أبيه وعن غيره من أشياخ قرطبة‪ ،‬منهم ابن عمه الوزير الكبير أبو جعفر بن عبد‬
‫العزيز‪ .‬وأخذت عنه استدراكه على الوزير أبي عبيد البكري في معجم ما استعجم‪ ،‬وذلك نحو من أربعمائة موضع‪ .‬وسمعت من لفظه أوهام‬
‫ابن قتيبة في المعارف‪ .‬وصحبته كثيرا‪ ،‬وأخذت عنه فضالً غزيرا‪ ،‬واستجزته في جميع ما رواه‪ ،‬وألفه‪ ،‬فأجاز لي وألخي الحافظ أبي عمرو‪.‬‬
‫وسألته عن مولده‪ ،‬فقال‪ :‬ولدت آخر سنة تسع عشرة وخمسمائة‪ .‬وتوفي رحمه هللا بحضرة مراكش سنة أربع وثمانين وخمسمائة‪ ،‬وشهدت‬
‫جنازته‪.‬‬
‫وصاحب أحكام القضاء بمدينة مالقة‪ ،‬الفقيه العالم‪ :‬أبو الحسن صالح بن عبد الملك‪.‬‬
‫ابن سعيد األوسي‬
‫يعرف ب القنترال‪ ،‬بالقاف‪ ،‬والنون والتاء المثناة باثنتين من فوقها والراء المهملة‪.‬‬
‫وكان شيخا ً جليال‪ ،‬محدثا‪ ،‬فقيها‪ ،‬فاضالً‪ ،‬أصيالً‪ .‬لقي قاضي الجماعة‪ ،‬أبا الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن رشد المالكي مؤلف‬
‫كتاب المقدمات ألوائل كتب المدونة‪ ،‬وكتاب البيان والتحصيل لما في المستخرجة من التوجيه والتعليل‪ ،‬واختصار المبسوطة‪ ،‬واختصار‬
‫مشكل اآلثار للطحاوى ‪ -‬و اإلمام العالم قاضي الجماعة أبا عبد هللا‪ ،‬محمد بن الحاج الشهيد‪ ،‬فسمع عليه صحيح مسلم‪ .‬ولقي اإلمام العالم أبا‬
‫بكر غالب بن عطية المحاربي‪ ،‬والفقيه المشاور القاضي أبا الحسن علي بن أضحى الهمداني‪ ،‬والمحدث الجليل أبا جعفر أحمد بن محمد بن‬
‫عبد العزيز اللخمي‪ ،‬ولقي بلوشة الفقيه اإلمام أبا الوليد هشام ابن أحمد بن هشام الهاللي‪ ،‬قرأ عليه‪ ،‬وعلق عنه جميع كالمه‪ ،‬على صحيح‬
‫البخاري‪ ،‬وكان عالما ً به واقفا على معانيه‪ .‬ولقي بإشبيلية القاضي اإلمام أبا بكر محمد بن عبد هللا العربي المعافري‪ ،‬وكان مختصا به‪.‬‬
‫والفقيه المشاور القاضي أبا مروان الباجي‪ ،‬والمقريء النحوي القاضي بإشبيلية أبا الحسن شريح بن محمد الرعيني‪ ،‬والفقيه القاضي اإلمام‬
‫أبا القاسم أحمد بن محمد بن أحمد بن عيسى ابن منظور‪ ،‬والوزير أبا بكر محمد بن فندله‪ .‬والوزير الحسيب أبا عبد هللا جعفر بن مكي‪ ،‬وقرأ‬
‫القرآن العظيم بقرطبة علي ابن ذروة‪ ،‬وعلى األستاذ عياش بن عبد الملك األزدي اليابري‪ .‬ولقي الفقيه المشاور األستاذ أبا عبد هللا محمد بن‬
‫عيسى المشتهر بالشرقي‪ ،‬ولقي بالمرية اإلمام العالم األوحد أبا القاسم اب ن ورد‪ ،‬وقرأ عليه الحديث تفقها‪ ،‬والفقيه اإلمام الزاهد الشهيد أبا‬
‫عبد هللا محمد بن يحيى‪ ،‬يعرف بابن الفراء‪ ،‬وسمع عليه‪ .‬ولقي ببلده مالقة الفقيه المشاور الفاضل أبا عبد هللا محمد بن عبد الرحمن بن‬
‫معمر‪ ،‬والفقيه األستاذ المقريء أبا علي بن تمال‪ ،‬يعرف باألحدب‪ ،‬واألستاذ النحوي أبا الحسين بن الطراوة‪ ،‬والفقيه األستاذ اللغوي أبا عبد‬
‫هللا محمد بن سليمان هو ابن أخت غانم‪ .‬ولقي من أهل مرباطر بلنسية اإلمام العالم أبا بحر سفيان بن العاصي‪ ،‬ولقي األستاذ المقريء أبا‬
‫المطرف عبد الرحمن بن سعيد الفهمي‪ ،‬حدثه عن الفقيه عبد الحق الصقلي إجازة‪ ،‬وعن القاضي اإلمام أبي الوليد الباجي سماعا ً عليه‪ ،‬وعن‬
‫غيرهم‪.‬‬
‫وعن‬
‫إجازة‪،‬‬
‫البر‬
‫عبد‬
‫بن‬
‫عمر‬
‫أبي‬
‫اإلمام‬
‫ولقي في علم األصول الفقيه المتكلم أبا العباس أحمد بن محمد الجذامي‪ ،‬يعرف بابن الزنقي‪ ،‬إلى غير ذلك من شيوخه‪ .‬وقد سمعت عليه‬
‫وصحبته‪ ،‬وأجاز لي جميع رواياته‪ ،‬وألخي الحافظ أبي عمرو‪.‬‬
‫ومن أعظم ما شاهد أهل األندلس منه أن يده اليمنى بطلت فأطلق هللا يده اليسرى‪ ،‬فكتب بها دواوين ال تحصى كثرة‪ ،‬كمسند البزار وغيره‪،‬‬
‫كما كان يكتب بيده اليمنى وأحسن‪ .‬توفي «ض» بمالقة وهو يتولى األحكام‪ ،‬ويدرس العلوم سنة خمس وسبعين وخمسمائة‪.‬‬
‫وأنشدني قال‪ :‬أنشدني اإلمام العالم أبو بكر غالب بن عبد الرحمن بن غالب بن عطية المحاربي لنفسه‪ ،‬يعاتب بعض إخوانه‪:‬‬
‫وكنتُ أظنُّ أنَّ جبا َل َر ْ‬
‫ض َوي @ ت َزول وأنَّ ُودَّك ال يَزو ُل‬
‫ولكنَّ‬
‫ابن آدم ت َستحيل‬
‫وأحوال‬
‫@‬
‫انقالب‬
‫القلوب لها‬
‫َ‬
‫ِّ‬
‫فإن يَكُ بيننا َوصْل جَميل @ وإال فليكُن هَجر جميل‬
‫وقد سمعت هذه األبيات من الفقيه أبي محمد عبد الحق‪ ،‬ابن قاضي مالقة أبي مروان عبد الملك بن بونة العبدري‪ ،‬قال‪ :‬أنشدنا اإلمام أبو بكر‬
‫غالب لنفسه أيضا يحذر من خلطة الناس‪:‬‬
‫آلف وصلَهم @ وما بالجفَا عند الضرور ِّة من با َ ِّس‬
‫جفوتُ أناسا ً كُنتُ ُ‬
‫بلوتُ فلم أحم َد فأصبحتُ يائسا ً @ وال شَي َء أ ْ‬
‫شفَى للنُّفوس من الياس‬
‫فال ت َ ْعذلوني في انق ِّباضي فاِّنني @ رأيتُ جمي َع الش ِّ َّّر في خِّ ْلطة الناس‬
‫وأنشدني القاضي الفقيه أبو الحسن صالح المذكور‪ ،‬قال‪ :‬أنشدنا الفقيه القاضي أبو الحسن بن أضحى‪:‬‬
‫ق وفي الفؤاد ُكلُ ُوم @ ودنا الت َّرحُّل والحِّ ما ُم َيحو ُم‬
‫ف الفِّرا ُ‬
‫ِّأز َ‬
‫كيف أنعُم بعدَكم @ وأنا ال ُمسافر والفؤا ُد ُمقيم‬
‫قُل لألحِّ بَّة َ‬
‫ً‬
‫ِّير ما هو في الهَوى َمكْتوم‬
‫قالوا الودَا ُ‬
‫ع يَهي ُج منكَ صبابة @ ويُث ُ‬
‫َ‬
‫قلتُ اسمحوا لي ْ‬
‫أفوز بنَ ْظرة @ و َدعُوا القيامة بعد ذاكَ ت َقوم‬
‫أن‬
‫وحدثني شيخنا الم ذكور آنفا قال‪ :‬أخبرنا القاضي أبو بكر بن العربي وأماله علي‪ ،‬قال‪ :‬حدثنا محمد بن عبد الملك التنيسي الصوفي قال‪:‬‬
‫خرجنا مع شيخنا أبي الفضل بن الجوهري بخبب عميرة لتشييع الحاج ووداعه على العادة‪ ،‬فبتنا معهم‪ .‬وحين أصبحنا وأثيرت الجمال‬
‫وقوض الناس للرحيل إذا بفتى شاب حسن الوجه عليه شحوب واصفرار‪ ،‬وهو يشيع الهوادج هودجا ً هودجا‪ ،‬حتى فنيت الهوادج ومشى‬
‫الحاج‪ ،‬وهو يقول أثناء تردده عليها‪ ،‬ونظره إليها‪:‬‬
‫أي هودج @ وفي أي خِّ در من ُخدوركُم قَلبِّي‬
‫أ ُحجّا َج بيت هللا في ّ‬
‫أبقى رهينَ الجسم في أرض ُ‬
‫غربة @ وحاديكُم يحدُو بقَ ْلبي مع ال َّركب‬
‫أ َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫بالجوار وبِّالقُرب‬
‫َّع‬
‫ت‬
‫أتم‬
‫ولم‬
‫@‬
‫انتي‬
‫ب‬
‫ل‬
‫منكم‬
‫ض‬
‫ق‬
‫أ‬
‫لم‬
‫ا‬
‫ف‬
‫أس‬
‫وا‬
‫ف‬
‫َ‬
‫ِّ‬
‫الرحيل وبَينكم @ فهأنذا أ ْقضي على إثركم نحبي‬
‫وفُ ِّ ّرقَ بيني في ّ‬
‫فلما أكمل الحاج السير ويئس‪ ،‬ضرب بنفسه إلى األرض وجعل يقول‪:‬‬
‫َخ ِّ ّل َد ْمع العين يَنهم ُل @ بانَ من تهواهُ وارتحلُوا‬
‫أي َد ْمع صانَه َكلِّف @ فهو يو َم البَيْن ُمبتذَل‬
‫ُّ‬
‫ثم مال إلى األرض‪ ،‬فجئنا إليه فوجدناه ميتا‪.‬‬
‫أبو الفضل بن الجوهري‪ ،‬هذا مصري؛ كان يسكن القرافة‪ ،‬واسمه عبد هللا ابن حسين؛ أسماه اإلمام أبو بكر بن عطية‪ .‬وهو واعظ جليل‪،‬‬
‫وفقيه نبيه ونبيل‪ .‬روى عنه من العلماء‪ :‬أبو مروان عبد الملك بن زيادة هللا الطيني‪ ،‬وأبو عبد هللا محمد بن أبي نصر الحميدي‪ ،‬وغيرهما‪.‬‬
‫وذكره األمير أبو نصر بن ماكوال في كتاب اإلكمال له وأثنى عليه وقال‪" :‬روى عنه الحميدي"‪.‬‬

‫وصاحب لواء العربية‪ ،‬وذو النساب السرية‪:‬‬
‫أبو محمد القاسم بن عبد الرحمن‬
‫ابن القاسم بن مسعدة بن عبد الرحمن بن القاسم بن عثمان بن إسماعيل بن عثمان بن مطرف بن دحمان بن الغمر بن مرغم بن ذبيان بن‬
‫فتوح بن نصر األوسي‪ ،‬من أهل مدينة مالقة‪ ،‬وأصله من وادي الحجارة‪ ،‬وجده ملكها؛ والدحم‪ ،‬في اللغة‪ :‬الدفع؛ وبه سمي الرجل دحمان‪.‬‬
‫قاله كراع وغيره‪.‬‬
‫لقيته بمدينة مالقة فسم عت عليه وأجاز لي وألخي الحافظ أبي عمرو بخطه‪.‬و اخبرني أن مولده سنة خمس وثمانين وأربعمائة ببلنسية‪ ،‬عام‬
‫حصار القنبيطور لها‪ .‬وتوفي «ض» بمالقة وله اثنتان وتسعون سنة‪ ،‬يوم االثنين بعد صالة العصر‪ ،‬وهو الثاني من ذي القعدة‪ ،‬وآخر يوم‬
‫من آذار‪ ،‬سنة خمس وسبعين وخمسمائة‪ .‬ودفن يوم الثالثاء بعد صالة العصر بمقربة من الشريعة بخارج مالقة‪ .‬وصلى عليه على شفير‬
‫قبره أخوه الفقيه أبو عبد هللا محمد‪ ،‬وكان رحمه هللا إمام أهل زمانه في الحرف والفعل واالسم‪ ،‬والحد والرسم‪ ،‬والتنكير والتعريف‪،‬‬
‫والصرف والتصريف‪ .‬ويذهب كل مذهب في التعليل‪ .‬ويفضل رأي عمر وأبي بشر‪ ،‬والخليل‪ .‬وإذا وقع في وادي الشعر والقريض‪ ،‬فذو لسان‬
‫طويل وباع عريض‪ .‬ثم رأى أن الحديث والفقه ثمرة المعارف‪ ،‬وعارفة العوارف؛ فأكثر منهما وأفرط‪ ،‬واستقصر نفسه عن اشتغاله بغيرهما‬
‫وفرط؛ مع أنه لم تعرف له قط في شبيبته صبوة‪ ،‬وال اتخذ أهالً وال سمعت عنه هفوة‪ .‬وانفرد في آخر عمره إلقراء القرآن والقيام به‪ ،‬واجتهد‬
‫في العبادة‪ ،‬ليله راكعا وساجدا‪ .‬وسأل هللا الكريم في جنح الظالم متهجدا ال هاجدا؛ إلى أن مات على أحسن أحواله‪ ،‬مقدما لصالح أعماله‪.‬‬
‫وهو شيخ شيخنا األستاذ النحوي‪ ،‬أبي القاسم السهيلي؛ قرأ كتاب سيبويه قراءة تفقه وإتقان‪ ،‬وبحث وبيان؛ على نحوي أهل زمانه‪ ،‬أبي‬
‫الحسين بن الطراوة‪ ،‬واختص به‪ .‬ولقي الخطيب المصقع أبا الفتح سعدون بن مسعود المرادي‪ ،‬فروى عنه جميع رواياته وتواليفه؛ واألستاذ‬
‫اللغوي النحوي أبا عبد هللا محمد بن سليمان‪ ،‬المشتهر بابن أخت غانم؛ وقرأ القرآن العظيم على األستاذ أبي علي المغراوي المتصدر بجامع‬
‫مالقة‪ .‬روى بها عن أبى معشر الطبري؛ ولقي الفقيه أبا عبد هللا أبي األديب‪ ،‬والقاضي المتقن أبا محمد التوحيدي‪ .‬وأجاز له األئمة العلماء‪:‬‬
‫أبو بحر سفيان بن العاصي‪ ،‬والقاضي الشهيد أبو عبد هللا بن الحاج‪ ،‬والفقيه أبو الحسن بن مغيث‪ ،‬واإلمام العالم أبو القاسم بن ورد‪ ،‬والعالم‬
‫أبو جعفر بن باق السرقسطي‪ ،‬نزيل مدينة فاس‪ ،‬واألديب أبو عبد هللا جعفر محمد بن مكي‪ ،‬والقاضي األديب الكاتب الخطيب أبو الفضل جعفر‬
‫بن محمد بن يوسف حفيد األعلم النحوي‪ ،‬أبي الحجاج الشنتمري‪ .‬وأنشدنا قال‪ :‬أنشدنا األستاذ اللغوي النحوي‪ ،‬أبو عبد هللا محمد بن سليمان‬
‫النفري‪ ،‬قال‪ :‬أنشدني خالي اللغوي النحوي العالم الفقيه أبو غانم بن وليد القرشي المخزومي لنفسه‪:‬‬
‫ْبين‬
‫َ‬
‫صيِّّر فؤادك لل َمحبوب َمنزلةً @ َ‬
‫س ُّم الخِّ يَاطِّ َمجال للحبَي ِّ‬
‫ّ‬
‫وال ت ُسام ُح بغَيضا ً في ُمعاشرة @ فقلما ت َس ُع الدُّنيا بَغِّيضَين‬
‫السم‪ :‬ثقب اإلبرة‪.‬‬
‫والفقيه أبو عبد هللا محمد ن سعيد بن أحمد بن سعيد يعرف‪:‬‬
‫ابن زرقون‬
‫بتقديم الزاي المعجمة على الراء المهملة؛ من أهل إشبيلية؛ وقد تكلمنا على نسبه ولقبه في كتابنا المسمى بوهج الجمر في تحريم الخمر‪.‬‬
‫أجاز له الشيخ الفقيه أبو عبد هللا أحمد بن محمد الخوالني برغبة أبيه سنة اثنتين وخمسمائة‪ ،‬وهو العام الذي ولد فيه أبو عبد هللا‪ ،‬واستجاز‬
‫أيضا له والبنه أبي عبد هللا القاضي بإشبيلية العالم أبا عبد هللا محمد بن شبرين‪ ،‬والفقيه المفتي أبا محمد بن عتاب‪ .‬ونقله أبوه إلى حضرة‬
‫مراكش فلقي بها الفقيه اإلمام أبا عمران موسى بن أبي تليد الشاطبي ‪ -‬إذ كان حمل إلى مراكش‪ ،‬وأخرج عن وطنه ‪ -‬فسمع عليه كتاب‬
‫التقصي‪ ،‬فأكثر كتاب السنن ألبي داود‪ ،‬وأجاز له جميع ما رواه‪ .‬ثم تجول باألندلس ولزم الوزير الفقيه الكاتب أبا محمد بن عبدون وقرأ عليه‬
‫كثيرا من روايته وتصاني فه ومنظومه ومنثوره‪ ،‬وكان أشعر أهل األندلس واكتبهم‪ .‬ولزم الوزير أبا محمد بن القبرطرنه وإخوته‪ .‬ثم رجع من‬
‫بطليوس إلى إشبيلية‪ .‬فقرأ على القاضي الخطيب بجامعها‪ ،‬أستاذ المقريءين أبي الحسن شريح بن محمد الرعيني‪ ،‬وعلى الفقيه القاضي‬
‫العالم اللغوي النحوي أبي محمد عبد هللا ابن الوحيدي‪ .‬ثم لزم القاضي أبا الفضل عياض بن موسى مدة مديدة‪ ،‬وأعواما ً عديدة‪ ،‬وكان فقيه‬
‫الدرس والنفس‪ ،‬وإن كان حكى عنه ابن خاقان في قالئده أنه كان يحضر مجالس األنس‪ .‬فالتوبة بإجماع محاءة للذنوب‪ ،‬مذهبة للمجون‬
‫والعيوب‪ .‬وقد استصلح في كبرته للقضاء وقضى‪ ،‬ولم يقض إال وهو عدل رضى‪.‬‬
‫فمما أنشدنيه لنفسه‪ ،‬وكتبته من خطه‪:‬‬
‫َ‬
‫َّ‬
‫حيب‬
‫ن‬
‫ال‬
‫ج‬
‫ول‬
‫ه‬
‫ع‬
‫دم‬
‫ى‬
‫فجر‬
‫@‬
‫غريب‬
‫ّيار‬
‫د‬
‫وال‬
‫د‬
‫َ‬
‫العه‬
‫كر‬
‫ذ‬
‫َّ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫إذ صفا ُء ال ِّوداد غي ُر َمشُوب @ بت َجنّ ‪ ،‬وودُّنا َمشْبوب‬
‫الرقيب‬
‫وإ ِّذ الدهر ّد ْه ُرنا وإذا الدا @ ُر قريب وإذ يقول َّ‬
‫وقِّيَان األوتار ت ُسدها األ ْط @ يار والروض زاهر َمه ْ‬
‫ض ُوب‬
‫و ِّوشَاحِّ ي َمعاصم ل ِّوت الشَّو @ ق علينا وظا َهرتْها القلوب‬
‫صدْر ونَهْد @ وعليها مِّ نِّّي َرفيق طبيب‬
‫وفِّراشي بَ ْطن و َ‬
‫َ‬
‫الكأس حبَّذا ال َمشْروب‬
‫ذا‬
‫ب‬
‫ح‬
‫@‬
‫ري‬
‫م‬
‫خ‬
‫و‬
‫كأسي‬
‫ضاب‬
‫والر‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫واللَّمى ُّ‬
‫ُ‬
‫وحِّ َمى ْ‬
‫األزر لِّي ُم َباح و ُح ْكمِّ ي @ نافِّذ فيه والفعا ُل ضُروب‬
‫ق ال َّ‬
‫وب‬
‫وإذا ما الحِّ َمى‬
‫أغار عليه @ حاذ ُ‬
‫طعن فالحِّ َمى من ُه ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َعف الغيوب‬
‫أسأ ُل هللا َ‬
‫ع ْف َوهُ فلئن سا @ َء مقالي لقد ت ُّ‬
‫قد ينال الفَتى الصغائر طرفا @ ال سواها وللذُّنُوب ذَنُوب‬
‫صدُوقه والكَذوب‬
‫وأخو ال ّ‬
‫سوا ُء َ‬
‫شِّعر ال ُجناح عليه @ و َ‬
‫وأنشدني‪ ،‬وكتبته من خطه‪ ،‬يخاطب امرأة‪:‬‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫وم ِّصدق ظاهِّري الك َِّرم‬
‫ق‬
‫من‬
‫ت‬
‫وأن‬
‫@‬
‫فترض‬
‫م‬
‫َّيف‬
‫ض‬
‫ال‬
‫ِّي‬
‫س‬
‫ف‬
‫ِّ‬
‫حقُّ‬
‫ِّ‬
‫ُ‬
‫يا نُ َ‬
‫ور نَ َ‬
‫سقمَ‬
‫أفضتْ‬
‫تْ‬
‫مر ليال علينا في ِّجواركُم @ ونحن في جَفوة‬
‫إلى َ‬
‫ّ‬
‫إن قلت تُبتُ ‪ ،‬فما كانتْ ُمفاحشة @ وأين منك َمقا ُل هللا في اللَّ َم ِّم‬
‫س ْفكَ دَمي‬
‫سعة @ أن يَ ْ‬
‫ستح َّل وقاكِّ هللاُ َ‬
‫أو كان نُسك فما ذو النُّسك في َ‬
‫وقد تكلمنا على هذه األشعار‪ ،‬ومن انتقدها عليه من العلماء الكبار‪ ،‬واعتذرنا عنها أبلغ االعتذار‪ ،‬وذلك في كتاب 'وهج الجمر في تحريم‬
‫الخمر'‪.‬‬
‫وشاهدناه في آخر عمره قد اتخذ المسجد الجامع داراً‪ ،‬والتفت إلى رواياته وتواليفه فروى صغارا ً وكبارا‪ .‬قرأت عليه كثيرا وسمعت‪ ،‬وأجاز‬

‫لي وألخي الحافظ أبي عمرو جميع رواياته ومجموعاته‪ .‬وتوفي رحمه هللا على أحسن حاالته ببلدة إشبيلية سنة ست وثمانين وخمسمائة‪،‬‬
‫وله أربع وثمانون سنة‪ .‬وخلف أمواال عظيمة‪ ،‬وكتبا ً في كل فن كريمة؛ وكان له ولد يكنى أبا الحسين‪ ،‬وكان سخنة عين؛ فأساء ذكره‪ ،‬ولم‬
‫يتبع حسنه‪ ،‬فأمر صاحب المغرب أن يصفد في الحديد‪ ،‬وأن يلقى في عنقه ما يتصل بحبل الوريد؛ وحمل إلى السجن الذي بباب حميدة‪ ،‬على‬
‫حالة مذمومة بكل لسان غير حميدة؛ ثم احضر في موطن جرت العادة فيه بضرب رقاب أهل الظلم والعدوان‪ ،‬وهو يحجل في قيوده ويضطرب‬
‫اضطراب الخيزران؛ ثم أمر بإطالقه بعد هوان‪ ،‬وخوف غلب على أمان‪ .‬ثم أمر بإحضار كتبه وهي التي ورثها من أبيه‪ ،‬وكانت تقاوم ماالً‬
‫جسيما وتساويه‪ ،‬في كل صنف تشتمل عليه من الرأي وفيه؛ فأوردت النار وبئس الورد المورود‪ ،‬فأحرقت فسمع للنار تسعسع ورئي لهما‬
‫وقود‪ ،‬واحترق الكاغد وانزوت الجلود‪ ،‬وذلك يوم يؤرخ به مشهود‪.‬‬
‫أنشدني الفقيه أبو عبد هللا محمد بن سعيد بن زرقون‪ ،‬قال‪ :‬أنشدنا الفقيه المفتي أبو عمران موسى بن عبد الرحمن بن أبي تليد شيخنا‬
‫لنفسه‪:‬‬
‫حَالِّي مع الدَّهر في ت َقلُّبه @ كطائر َ‬
‫ض َّم رجلهَ ش ََركُ‬
‫فه ُّمه في فَكاك ُمه ِّْجته @ يَ ُروم تَحْ ليصَها فتَشْتبكُ‬
‫وأصل "اللمم" في اللغة‪ :‬الهم بالخطيئة من جهة مقاربتها‪ ،‬وحديث النفس بها من غير مواقعتها‪.‬‬
‫ثبت في الصحيحين عن عبد هللا بن عباس قال‪ :‬ما رأيت شيئا ً أشبه باللمم مما قال أبو هريرة‪ :‬إن النبي «ص» قال‪ :‬كتب على ابن آدم حظه‬
‫من الزنا‪ ،‬أدرك ذلك ال محالة‪ ،‬فزنا العين النظر‪ ،‬وزنا اللسان النطق‪ ،‬والنفس تمني وتشتهي‪ ،‬والفرج يصدق ذلك أو يكذبه‪.‬‬
‫ولها طرق في الصحيحين‪ ،‬منها‪ :‬كتب هللا على ابن آدم حظه من الزنا‪ ،‬فأخبر «ص» أن العين نظرها زنا إذا نظرت إلى من ال يحل لها النظر‬
‫إليه من النساء‪ ،‬وأنها توصل ذلك إلى النفس‪ ،‬فتتمنى النفس وتشتهي ما رأت العين‪ ،‬فيكون داعيا ً إلى الفرج الذي هو يكذب الفعل أو يصدقه‪.‬‬
‫وقد تكلمنا عليه في المجلدة الخامسة من كتاب العلم المشهور‪ ،‬في فوائد فضل األيام والشهور"‪.‬‬
‫أنشدني الفقيه المحدث المتقن أبو القاسم أحمد بن يوسف بن عبد العزيز ابن محمد بن رشد القيسي‪ ،‬قال‪ :‬أنشدنا أبو بحر سفيان بن العاصي‬
‫األسدي قال‪ :‬أنشدنا اإلمام العالم األوحد القاضي أبو الوليد هشام بن أحمد بن هشام بن خالد بن سعيد الكناني يعرف بالوقشي‪ :‬ووقش‪ :‬قرية‬
‫بخارج طليطلة‪ ،‬بينها وبينها اثنا عشر ميال‪ .‬و أبو الوليد الوقشي أحد رجال الكمال في وقته‪ ،‬باحتوائه على فنون المعارف‪ ،‬وجمعه لكليات‬
‫العلوم‪ ،‬وهو من أعلم الناس بالنحو واللغة‪ ،‬ومعاني األشعار وعلم العروض وصناعة البالغة‪ .‬وهو بليغ مجيد شاعر‪ ،‬متقدم حافظ للسنن‬
‫وأسماء نقلة األخبار‪ ،‬بصير بأصول االعتقادات‪ ،‬وأصول الفقه‪ ،‬واقف على كثير من فتاوى األمصار‪ ،‬نافذ في علم الشروط والفرائض‪ ،‬محقق‬
‫لعلم الحساب والهندسة‪ ،‬مشرف على جميع آراء الحكماء‪ ،‬حسن النقد للمذاهب‪ ،‬ثاقب الذهن في تمييز الصواب‪ ،‬ويجمع إلى ذلك آداب‬
‫األخالق مع حسن المعاشرة‪ ،‬ولين الكنف وصدق اللهجة‪ .‬وتوفي «ض» في دار خال أبي اإلمام العالم الحسيب أبي بكر عتيق بن محمد بن‬
‫عبد الحميد بدانية‪ ،‬يوم االثنين‪ ،‬ودفن يوم الثالثاء لليلة بقيت لجمادى اآلخرة من سنة تسع وثمانين وأربعمائة‪.‬‬
‫قال اإلمام أبو بحر‪ ،‬وكان مختصا به‪ ،‬ويقدمه على جميع من لقي من شيوخه‪ ،‬أنشدنا لنفسه‪:‬‬
‫ماهر ْة‬
‫قد َب َّينتْ فيه الطبيعةُ أنها @ ببدَيع أفعال ال ُمهيمن‬
‫َ‬
‫سك َخطا ًّ من ُمحيط الدَّائرةْ‬
‫عنِّيت بمبسَمِّ ه فح َّ‬
‫ُ‬
‫طت فَوقه @ بال ِّم ْ‬
‫وهذا شعر وهندسة‪.‬‬
‫وأنشدنا الفقيه اإلمام المحدث األصولي النحوي اللغوي أبو إسحاق إبراهيم بن يوسف بن إبراهيم بن عبد هللا بن باديس بن القائد الحمزي ‪-‬‬
‫ي نسب إلى حمزة الشرق‪ ،‬على مقربة من أشير‪ ،‬سميت بحمزة بن الحسن بن سليمان بن الحسين بن علي ابن الحسن بن علي بن أبي طالب‬
‫عليهم السالم‪ ،‬وهو الذي أسسها وبناها‪ .‬وكان للحسن بن سليمان‪ ،‬وهو الذي دخل المغرب‪ ،‬من البنين‪ :‬حمزة هذا‪ ،‬وعبد هللا‪ ،‬وإبراهيم‪،‬‬
‫وأحمد‪ ،‬ومحمد‪ ،‬والقاسم‪ ،‬وكلهم أعقب ‪ -‬مولد شيخنا بمدينة المرية سنة خمس وخمسمائة وتوفي رحمه هللا بمدينة فاس‪ ،‬يوم الجمعة بعد‬
‫الصالة‪ ،‬في أول وقت العصر السادس من شوال سنة تسع وستين وخمسمائة‪ ،‬وهو يتلو سورة اإلخالص‪ ،‬يكررها بسرعة‪ .‬ثم تشهد ثالث‬
‫مرات وسقط على وجهه ساجدا‪ ،‬فرفع ميتا‪ ،‬وذلك بعد خروجه من الحمام وحلق رأسه‪ ،‬واستحداده واستعداده للقاء ربه‪ ،‬جلت قدرته‪.‬‬
‫قرأ حديث رسول هللا «ص» وأتقنه على أبي جعفر بن عزلون صاحب القاضي أبي الوليد الباجي‪ ،‬وعلى القاضي اإلمام أبي القاسم ابن ورد‪،‬‬
‫وروى صحيح مسلم عن أبي عبد هللا بن زغيبة الكالبي يرويه‪ ،‬عن العذري‪ .‬ورحل إلى شرق األندلس للقاء األستاذ العالم إمام النحو‬
‫واآلداب‪ ،‬والشارح للحديث والفقيه واألصول واألنساب‪ ،‬أبي محمد عبد هللا بن محمد بن السيد البطليوسى‪ ،‬فقرأ عليه كتاب التنبيه على‬
‫األسباب الموجبة الختالف األمة‪ ،‬وهو كتاب حسن‪.‬‬
‫وأنشدنا شيخنا هذا الفقيه أبو إسحاق إبراهيم بن يوسف الحمزي‪ ،‬يعرف بابن قرقول في سفرة صحبته فيها سنة أربع وستين وخمسمائة‪،‬‬
‫وأجاز لي جميع رواياته قال‪ :‬أنشدنا األستاذ النحوي أبو محمد بن السيد لنفسه‪:‬‬
‫ب رمِّ ي ُم‬
‫أ ُخو ال ِّع ْلم حي خالد بعد َم ْوته @ وأوصالُه تحتَ الت ُّرا ِّ‬
‫وذُو الجهل َميْت وهو ماش على الثَّرى @ يُظنُّ من األحْ ياء وهو عَدي ُم‬
‫وشيوخ شيخنا جملة عديدة‪ ،‬وتصانيفه متقنة مفيدة‪.‬‬
‫وممن لقيت بحضرة مراكش الوزير الكاتب‪:‬‬
‫أبو عبد هللا الشاطبي‬
‫وكان فردا ً في الكتابة والشعر والخطابة‪ ،‬فمن شعره‪:‬‬
‫متى وع ْدت ُك في ت َْرك الصَّبا ِّع َدةً @ فاشْه ْد على ِّعدَتي ُّ‬
‫ب‬
‫بالزور وال َك ِّذ ِّ‬
‫أ َما ت َرى اللّي َل قد ولَّتْ عساكُره @ وأقب َل الصُّب ُح في َجيْش له لَ ِّجب‬
‫ْض هالل دائِّم ال َّ‬
‫طلب‬
‫وج َّد في أثَر الج َْوزاءِّ يَ ْطلُبها @ في الجو َرك َ‬
‫دي َملِّك @ أدنا ُه من كُرة ِّصيغت من الذّهب‬
‫كص َْو ِّ‬
‫لجان لُجين في َي ْ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َّ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫صفرا َء صافية @ كالنار لكنها نار بال لهب‬
‫فقُم بنا نصطبح َ‬
‫وله‪:‬‬
‫ا ْنظر إلى البَدر الذي ال َح لكْ @ في وسَطِّ الُّلجَّة تحت ال َحلَكْ‬
‫البحر سما ًء له @ واتخذ الفُلكَ مكانَ الفَلكْ‬
‫قد جَع َل‬
‫َ‬
‫وله أيضا وقد لسبت بعض سادات المغرب عقيرب‪ ،‬فقال وأجاد المقال‪:‬‬
‫ب @ وجَفاها بال َمكان األقرب‬
‫َهجَر الشَّولَةَ ُ‬
‫قلب العقر ِّ‬

‫ثم قالَت أنُج ُم ْ‬
‫ِّير األجرب‬
‫األفق لها @ أن ِّ‬
‫ت منَّا كالبَع ِّ‬
‫َ‬
‫س َبت @ سيّدا ً من َخير أهل المغرب‬
‫ل‬
‫قد‬
‫لك أخت في الثَّرى‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫مر بي‬
‫فأجابتَهْا وقالت إنما @ غِّرت من أخ َمصه إذ َّ‬
‫ب المشرب‬
‫يَبتغي عند النُّعا َمي َموردا ً @ قَد دعاهُ منه َ‬
‫عذْ َ‬
‫فتغيّظتُ عليه َ‬
‫غيْرةً @ قلتُ لألخت بها ويكِّ ا ْ‬
‫ضربي‬
‫سريِّّا قد شكا ْ‬
‫ستْ‬
‫نفوس العَرب‬
‫أخمصَه @ ُح َمةً م َّ‬
‫يا َ‬
‫َ‬
‫سبَتْ إبرةُ تلك العقرب‬
‫ليتها في ُم ْقلتي أو كَبدِّي @ لَ َ‬
‫تتمنّى النَّ ْع ُل لو سِّيقت لها @ من قُ َرى ال ّ‬
‫طائف أو من َي ِّثرب‬
‫قال علماء اللغة‪ :‬لسبته العقرب ولسعته ‪ ،‬واالختيار أن يقال لكل ما يضرب بفيه‪ :‬لدغ؛ ولكل ضارب بمؤخره‪ :‬لسع‪ ،‬ولكل قابض بأسنانه‪:‬‬
‫نهش‪ .‬يقال‪ :‬نهشته الحية‪ ،‬بالشين؛ ونهسته‪ ،‬بالسين‪ ،‬ونكزته‪ ،‬ونشطته‪ ،‬ولسعته‪ .‬فالنكز‪ :‬بأنفها؛ والنشط‪ :‬بأنيابها‪ .‬والرياح أربع من أربع‬
‫نواحي العالم‪ :‬الشمال بفتح الشين‪ ،‬وفيها ست لغات‪ .‬ذكرها اإلمام أبو بكر األنباري في شرح المعلقات له‪ :‬شمال‪ ،‬بإثبات األلف من غير‬
‫همزة؛ وشمأل‪ ،‬بإثبات همزة بعد الميم؛ وشأمل‪ ،‬بإثبات همزة قبل الميم؛ وشمل‪ ،‬بفتح الشين والميم من غير إثبات ألف وال همزة؛ وشمل‪،‬‬
‫بفتح الشين وإسكان الميم‪ ،‬وشمول‪ ،‬بإثبات الواو‪ .‬وقد احتج ابن األنباري لها بشواهد كثيرة‪ .‬وهي التي تجري على يمينك إذا استقبلت قبلة‬
‫العراق‪ ،‬وهي في الصيف حارة‪ ،‬واسمها البارح‪ ،‬والجمع البوارح؛ والجنوب تقابلها‪ .‬والصبا من مطلع الشمس‪ ،‬وهي القبول؛ والدبور‬
‫تقابلها‪ ،‬وهي التي تهب من دبر الكعبة‪ ،‬وفيها خشونة وشدة‪ ،‬وهي تمحو السحاب وتثير العجاج‪ .‬ويقال للصبا‪ :‬أَيْر‪ ،‬و َهيْر‪ ،‬وأ َ ِّّير‪ ،‬و َه ِّّير‪ ،‬على‬
‫مثال فيعل‪ .‬ويقال للشمال‪َ :‬م ْحوة‪ ،‬غير مصروفة؛ وللجنوب‪ :‬النُّعَامي واألزيب‪ .‬شملت الريح‪ ،‬إذا صارت شماال؛ ودبرت‪ ،‬إذا صادت دبورا؛‬
‫وجنبت‪ ،‬إذا صارت جنوبا؛ وصبت‪ ،‬إذا صارت صبا؛ كل ذلك بغير ألف‪ .‬ويقال‪ :‬أشمل القوم‪ ،‬وأجنبوا‪ .‬وأصبوا‪ ،‬إذا دخلوا في الشمال والجنوب‬
‫والصبا‪ .‬فالشمال‪ ،‬هي الريح الشامية‪ .‬والجنوب‪ ،‬هي الريح اليمانية‪ ،‬وتسمى النعامي واألزيب‪ ،‬كما قدمناه‪ .‬وهي تهب من ناحية سهيل‪.‬‬
‫والصبا‪ :‬هي الريح الشرقية‪ .‬ويقال لها‪ :‬القبول‪ ،‬تهب من مطلع الشمس‪ .‬والدبور‪ :‬هي الريح الغربية‪ ،‬يابسة جافية‪ ،‬ليس فيها ندوة‪ .‬وأفضل‬
‫هذه الرياح في جميع األزمان ريح الصبا‪ ،‬لها نسيم وروح‪ ،‬وتشويق إلى األحباب واألوطان‪ ،‬وجالء للهموم واألحزان‪ ،‬وبها نصر هللا العظيم‬
‫سيد أهل اإليمان‪ .‬ثبت باتفاق أن رسول هللا «ص» قال‪" :‬نصرت بالصبا‪ ،‬وأهلكت عاد بالدبور"‪ .‬وقال امرؤ القيس‪:‬‬
‫إذا قَامت َا تَض ََّوع المسكُ منهما @ نَسِّي َم الصَّبا جا َءتْ بريَّا القَر ْنفُ ِّل‬
‫تضوع‪ ،‬أي فاح متفرقا‪ .‬ونسيم الصبا‪ :‬تنسمها وهبوبها بضعف‪ .‬وريا القرنفل‪ :‬رائحته‪ .‬ونصب " نسيم الصبا " ألنه قام مقام نعت لمصدر‬
‫محذوف‪ ،‬والتقدير‪ :‬إذا قامتا تضوع المسك منهما تضوعا ً مثل تَض ٌَّوعِّ نسيم الصبا‪ .‬و " منهما " يعود على أم الحويرث‪ ،‬وقال الشاعر‪:‬‬
‫صبَا نَ ْجد متى ِّه ْجت من نَجد @ فقد َزا َدنِّي َمسراك وجدا ً على وجْ د‬
‫أال يا َ‬
‫وقال اآلخر‪ ،‬وهو المجنون‪:‬‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫إلى نسي ُمها‬
‫ص‬
‫ل‬
‫ي‬
‫َّبا‬
‫ص‬
‫ال‬
‫بيل‬
‫س‬
‫@‬
‫ا‬
‫ي‬
‫ل‬
‫خ‬
‫باهلل‬
‫عمان‬
‫ن‬
‫َبلي‬
‫ج‬
‫أيا‬
‫َحْ‬
‫ِّ َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫سمت @ على نفِّس َمحز ِّون تجلَّت هُمومها‬
‫فإن الصّبا ريح إذا ما تن َّ‬
‫أج ْد بَ ْردَها أو تَشْف مني حرارةً @ على َكبِّد لم يَبْق إال صَمِّ يمها‬
‫ِّ‬
‫األستاذ المحدث الفقيه النحوي األصولي‪:‬‬
‫أبو القاسم السهيلي‬
‫أبو زيد عبد الرحمن بن عبد هللا بن احمد بن أبي الحسن‪ ،‬واسمه‪ :‬أصبغ بن حسين بن سعدون بن رضوان بن فتوح‪ ،‬وهو الداخل لألندلس‪.‬‬
‫هكذا أملي على نسبه‪ ،‬وقال‪ :‬إنه من ولد أبي رويحة الخثعمي الذي عقد له رسول هللا «ص» لواء عام الفتح‪ ،‬ذكره أهل السير‪ .‬نشأ بمالقة‪،‬‬
‫وبها تعرف‪ ،‬وفي أكنافها تصرف؛ حتى بزغت في البالغة شمسه‪ ،‬ونزعت به إلى مطامح الهمم نفسه‪ .‬أخبرني انه قرأ القرآن العظيم جمعا ً‬
‫وإفرادا ً على المقريء الشهير أبي علي الحسين بن منصور بن األحدب‪ ،‬رحمه هللا‪ ،‬ثم قراه أيضا بالمقرأين‪ :‬مقرأ نافع‪ ،‬وابن كثير‪ ،‬على‬
‫األستاذ المقريء أبي الحسن علي بن عيسى المروي‪ ،‬نزيل مالقة‪ .‬وقرأ الكتاب العزيز أيضا بالمقارئ األربعة‪ ،‬وشيئا من العربية على‬
‫المقريء النحوي الزاهد الضرير أبي مروان عبد الملك بن مجير‪ ،‬وسمع على اإلمام أبي عبد هللا محمد بن معمر‪ .‬وسمع كتاب الهداية ألبي‬
‫العباس المهدوي على الشيخ الفقيه األستاذ النحوي أبي عبد هللا محمد بن سليمان‪ ،‬يعرف بابن أخت غانم‪ .‬وقرأ الموطأ تفقها وعرضا‪،‬‬
‫ومنتخب األحكام البن أبي زمنين على الفقيه المحدث أبي محمد عبد الرشيد المالقي‪ .‬وسمع الموطأ على خال أبيه الفقيه المحدث الخطيب‬
‫الظاهري أبي الحسن علي بن عياش‪ .‬توفي بصحراء قديد راجعا ً من زيارة قبر المصطفى «ص»‪ .‬وقرأ النحو على األستاذ أبي الحسين‬
‫سليمان بن الطراوة الشيباني‪ ،‬فلما مات قرأ على األستاذ النحوي الفقيه أبي محمد القاسم بن دحمان‪ .‬ورحل إلى قرطبة‪ ،‬فقرأ القرآن العظيم‬
‫بالمقارئ السبعة‪ .‬على المقريء أبي داود سليمان بن يحيى بمسجده بباب الجوز‪ ،‬وقال لي عنه‪ :‬كان يحمل أبي رحمهما هللا‪ .‬ثم قرأ الكتاب‬
‫العزيز بالمقارئ الثالثة بجامع قرطبة على المقريء بها‪ ،‬الخطيب بجامعها؛ أبي القاسم عبد الرحمن ابن رضا‪ ،‬وسمع على الفقيه الحافظ أبي‬
‫عبد هللا محمد بن نجاح الذهبي القرطبي‪ ،‬وعلى الوزير األديب أبي عبد هللا جعفر بن محمد بن مكي‪ .‬ثم رحل إلى إشبيلية‪ ،‬فلزم القاضي اإلمام‬
‫أبا بكر بن العربي فأخذ عنه كثيرا من الحديث واألصول والتفسير‪ ،‬ثم سمع على المحدث الجليل أبي بكر محمد بن طاهر القيسي اإلشبيلي‬
‫جملة من الحديث‪ ،‬وسمع على القاضي أبي الحسن شريح بن محمد‪ ،‬ولزم األستاذ الماهر النحوي أبا القاسم بن الرماك فلقن عنه فوائد في‬
‫ا لنحو‪ .‬وكان لقي قبله األستاذ اإلمام النحوي الزاهد‪ ،‬أبا القاسم بن األبرش‪ ،‬فلقن عنه فوائد في النحو‪ .‬وأجاز له المحدث الراحل إلى مدينة‬
‫السالم أبو الحسن عباد بن سرحان والقاضي اإلمام العالم األوحد أبو القاسم بن ورد‪ ،‬إلى جماعة من العلماء والنحاة واألدباء رحمهم هللا‬
‫جميعهم‪ ،‬وجعل الرحم خدينهم وكميعهم؛ وكان رحمه هللا أقام للتصريف وعلل النحو برهانا‪ ،‬وتيم ألبابا وأذهانا؛ فترشف من ماء العربية أتى‬
‫مزنه‪ ،‬وتوطأ من أكنافها كل سهله وحزنه؛ وأفاض على الطلبة من سجله‪ ،‬وجلب على النحاة بخيله ورجله؛ وتلقى الراية باليمين‪ ،‬وحوى‬
‫الغاية بالهزيل والسمين؛ وكان ببلده يتسوغ بالعفاف‪ ،‬ويتبلغ بالكفاف؛ إلى أن وصلت إليه‪ ،‬وصحح " الروض األنف " بين يديه فطلعت به‬
‫إلى حضرة مراكش فأوقفت الحضرة عليه؛ فأمروا بوصوله إلى حضرتهم‪ ،‬وبذلوا له من مراكبهم وخيلهم ونعمتهم؛ وقوبل بمكارم األخالق‪،‬‬
‫وأزال هللا عنه عالم اإلمالق؛ واستقبل بالجاه الجسيم‪ ،‬والوجه الوسيم؛ وفي كل يوم يجنيهم من حديثه أزهارا‪ ،‬ويقطفهم من ملحه آسا‬
‫وبهارا؛ حتى حسده الطلبة وجردوا لمالمه حساما‪ ،‬وحددوا للكالم فصوال وأقساما؛ وكان وصوله إلى الحضرة والعمر قد عسا وذبل عوده‪.‬‬
‫وذهب العيش وأفل سعوده؛ فعندما عا ش مات‪ ،‬وهيهات من االنقطاع لغير هللا هيهات؛ فتفرد في لحده ومهاده‪ ،‬وتوحد في نجده ووهاده؛‬
‫وتوسد التراب والصفيح‪ ،‬وتوهد اليباب والفيح‪ ،‬ولسان حاله ينشد ما أنشدنيه غير واحد‪ ،‬منهم شيخنا اإلمام المقريء النحوي الزاهد‪ :‬أبو‬
‫القاسم عبد الرحمن ابن غالب بن الشراط‪ ،‬قالوا‪ :‬أنشدنا األستاذ اللغوي النحوي أديب أهل زمانه‪ ،‬أبو طاهر محمد بن يوسف التميمي‪:‬‬

‫هأنذا في الت ّراب َو ّحدِّي @ فال َ‬
‫ظ ِّهير وال نَ ِّصي ُر‬
‫ِّي القَصي ُر‬
‫ع‬
‫با‬
‫به‬
‫س ُمو‬
‫باهلل ه َْب لي دُعا َء ِّصدْق @ َي ْ‬
‫َ‬
‫ب في خ َ‬
‫طايَا @ أنتَ بها عالم بَصير‬
‫أسرفتُ يا َر ّ‬
‫برحْ َمي @ إليكَ يا ربّ َي ال َم ِّصير‬
‫فامنُ ْن بع ْفو و ُجد ُ‬
‫وكان مقامه بالحضرة نحوا ً من ثالثة أعوام‪ ،‬كلها أضغاث أحالم‪ ،‬سألته عن مولده‪ ،‬فأخبرني انه ولد سنة ثمان وخمسمائة‪ ،‬وتوفي رحمه هللا‬
‫بحضرة مراكش يوم الخميس‪ ،‬ودفن ظهره‪ ،‬وهو اليوم السادس والعشرون من شعبان عام أحد وثمانين وخمسمائة‪ .‬قرأت عليه وسمعت‬
‫كثيرا من أماليه التي أمالها في معاني الكتاب العزيز وأنواره‪ ،‬ودقائق النحو وأسراره‪ ،‬وغوامض علم األصول وأغواره‪ .‬وأنشدني رحمه هللا‪،‬‬
‫وذكر لي انه ما سأل هللا بها حاجة إال أعطاه إياها‪ ،‬وكذلك من استعمل إنشادها‪:‬‬
‫يا من يَرى ما في الضمير ويس َم ُع @ أنت ال ُمعّ ُّد لكل ما يت ُوق ُعَّ‬
‫يا من يُرجَّى للشدائِّد كلَّها @ يا َمن إليه ال ُمشتكَى وال َم َ‬
‫فزعُ‬
‫الخير عندك اجمع‬
‫يا من خزائنُ ِّر ْزقه في قو ِّل كُن @ امنُ ْن فإن‬
‫َ‬
‫فباالفتقار إليك فَ ْق ِّري أدفع‬
‫فقري إليك وسيلة @‬
‫ِّ‬
‫ما لي س َِّوى ِّ‬
‫ْ‬
‫فأي باب أقرع‬
‫د‬
‫د‬
‫َ‬
‫ر‬
‫فلئن‬
‫@‬
‫يلة‬
‫ك‬
‫ب‬
‫لبا‬
‫ِّي‬
‫ع‬
‫ما لي سوى قَ ْر‬
‫ْتَ‬
‫حِّ‬
‫َ‬
‫ِّ‬
‫َّ‬
‫و َمن الذي أدعُو وأ ْهتِّف باسمه @ إن كان فَ ْ‬
‫ضلُكَ عن فقير يُمنع‬
‫لمجدك أن ت ُقنَّط عاصيا ً @ الفَ ْ‬
‫واهب أوسع‬
‫ض ُل أجز ُل وال َم‬
‫ُ‬
‫حاشا ِّ‬
‫أما رفع "أجمع" في هذا البيت‪ ،‬فيجوز أن يكون توكيدا لمكان "إنّ " االبتدائية‪ ،‬إذ موضعها االبتداء‪ ،‬وهي مؤكدة للجملة‪ ،‬لم تغير معناها‬
‫وإن غيرت لفظها‪ .‬أال تراهم قد عطفو على اسمها بالرفع‪ ،‬وهو إذا استوفت خبراها‪ ،‬نحو‪ :‬إن زيدا ً قائم وعمرو‪ ،‬وإذا لم تستوف خبرها فال‬
‫يجيز البصريون ذلك‪ .‬وذلك انك إذا قلت‪ :‬إنك وزيد قائمان‪ ،‬وجب أن يكون "زيد" مرفوعا باالبتداء‪ ،‬ويكون عامال في خبر زيد‪ ،‬وإنّ عاملة‬
‫في خبر الكاف‪ .‬وال يجوز اجتماع عاملين على معمول واحد‪ .‬وأما الكوفيون فاختلفوا‪ ،‬فذهب الكسائي إلى جواز ذلك مطلقا‪ ،‬سواء تبين عمل‬
‫"إنَّ " أو لم يتبين‪ ،‬نحو‪ :‬إن زيدا ً وعمرو قائمان‪ ،‬وإنه وبكر منطلقان‪ .‬واستدل بقوله جل وعال‪( :‬إِّنَّ الَّذِّين آ َمنُوا والَّ ِّذينَ هَادُوا والصَّا ِّبئ ُون)‬
‫فعطف ورفع‪ .‬وذهب الفراء إلى انه ال يجوز العطف إال على ما ال يبين فيه العمل‪ ،‬نحو‪ :‬إنك وزيد ذاهبان‪ ،‬ألنه بعدم التأثير ضعفت‪ ،‬فجاز‬
‫العطف كما لو كان على المبتدأ‪ .‬وإذا كان كذلك جاز أيضا توكيد الموضع بالرفع‪ ،‬وهللا اعلم‪.‬‬
‫وأنشدني أيضا يخاطب شيخنا المحدث الفقيه اللغوي النحوي األصولي أبا إسحاق إبراهيم بن يوسف‪ ،‬يعرف بابن قرقول‪ ،‬أيام كونه بمدينة‬
‫سبتة‪ ،‬فلما رحل منها إلى سال‪ ،‬قال مرتجال‪:‬‬
‫سالَ‬
‫لوعة َ‬
‫أالَ ف َ‬
‫سالَ عَّمن ع َِّهدْتُ ت َحفّيا ً @ وهل نافِّعي إن قُلت من َ‬
‫سالَ‬
‫ب و َمأ َ‬
‫سال عن َ‬
‫َ‬
‫الربا ِّ‬
‫سال إن ال َمعارف والنُّهي @ بها فَدعا أ َّم َّ‬
‫ُ‬
‫أزمانَ‬
‫سال‬
‫ه‬
‫ل‬
‫منز‬
‫حين‬
‫ِّي‬
‫س‬
‫َأ‬
‫ت‬
‫ال‬
‫فكيف‬
‫@‬
‫بتة‬
‫س‬
‫ب‬
‫كان‬
‫ى‬
‫س‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َبكَيتُ أ ً‬
‫لب ماسال‬
‫وقال أناس إنّ في البُعد َ‬
‫س ْلوةً @ وقد طال هذا البُع ُد والقَ ُ‬
‫سنى مع الريح أرسال‬
‫فليتَ أبا إسحاق إذ شَّط ِّ‬
‫ت النَّوى @ ت َحيّت َه ال ُح ْ‬
‫سال‬
‫فعادت َدبُور ال ِّ ّريح‬
‫عندي كالصَّبا @ لَدَى ُ‬
‫أمر َزيْد تَبَ َّ‬
‫ع َمر إذ ُ‬
‫َ‬
‫هذا البيت حكاية ألمير المؤمنين عمر بن الخطاب «ض» مع أخيه الشهيد المهاجر‪ ،‬وكان أسن من أخيه وأسلم قبله‪ ،‬وشهد بدرا ً والمشاهد‬
‫كلها مع رسول هللا «ص»‪ ،‬ثم قتل يوم اليمامة شهيدا‪.‬‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫سال‬
‫ر‬
‫م‬
‫األحاديث‬
‫ل‬
‫صو‬
‫و‬
‫م‬
‫فأصبح‬
‫@‬
‫َّال‬
‫ص‬
‫و‬
‫م‬
‫الحديث‬
‫فقد كان يُهديني‬
‫ُ‬
‫ُْ َ‬
‫َْ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫سال‬
‫وقد كان يَ ْحيَا ال ِّعلم إذ كان عندنا @ أوانَ دنا فاآلن بالنأي َك َّ‬
‫فلله أم بالمريَّة أنجبَتْ @ به وأب ماذا من ال َخير أ ْنسال‬
‫وارد عاطِّ ش @ وإن ألبنَ‬
‫ق وأ ْ‬
‫سال‬
‫القلب المشَو ُ‬
‫ع َ‬
‫ُ‬
‫وإني إلى تلك ال َم ِّ‬
‫أقمتُ بَشْرق واألمانِّي ب َمغِّرب @ فأصبحتُ في كف الصَّبابة ُم ْنسِّال‬
‫ع ْنسال‬
‫ش َددْتُ له كُورا ً وأ ْنضيتُ َ‬
‫فلو كنتُ من قَيْد الحوادِّث ُم ْطلَقا @ َ‬
‫ْ‬
‫َّ‬
‫أكُ‬
‫سال‬
‫َر‬
‫ت‬
‫من‬
‫م‬
‫الب‬
‫ط‬
‫ت‬
‫ال‬
‫في‬
‫ولم‬
‫وأرقَلتُ نحو المجد فالم ُجد عنده @‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫العنسل‪ :‬الناقة السريعة‪.‬‬
‫وتصانيفه كثيرة‪ ،‬فمذهبتها كتاب الروض األنف‪ ،‬والمشرع الروي‪ ،‬في تفسير ما اشتمل عليه حديث سيرة رسول هللا «ص» واحتوى‪ ،‬سمعته‬
‫عليه‪ .‬وأنشدني القصيد الذي صنعه فيه‪ ،‬الذي أوله‪:‬‬
‫طرف من شَرف @ في َر ْوضة جّمة األزهار وال ُّ‬
‫شيَم ال ّ‬
‫ط ِّرف‬
‫سره أن يُ ِّ‬
‫من َّ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫الروضة األنُف‬
‫وسط‬
‫عارف‬
‫م‬
‫ال‬
‫من‬
‫@‬
‫هه‬
‫نز‬
‫ي‬
‫أن‬
‫أولى‬
‫ب‬
‫ل‬
‫ق‬
‫ال‬
‫ر‬
‫ظ‬
‫فنا‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َتْ‬
‫تْ‬
‫َف ُم ْقتطف‬
‫ك‬
‫اها‬
‫ن‬
‫ج‬
‫ل‬
‫ع‬
‫د‬
‫وقد‬
‫@‬
‫ُا‬
‫ه‬
‫أزاهر‬
‫ب‬
‫ل‬
‫لذي‬
‫ح‬
‫أال‬
‫فقد‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َّ‬
‫ّ‬
‫األبيات إلى آخرها‪.‬‬
‫وأنشدنا رحمه هللا وقد حضر بين يديه طعام يسمى بالمغرب "ال ُمجبَّنات"‬
‫ّب وهي حِّ را ُر‬
‫ف الفُؤَا َد نَواعم‬
‫َ‬
‫شغَ َ‬
‫أبكار @ بَ َردتْ فؤا َد الص ّ ِّ‬
‫ُ‬
‫صهْبا َء حين ت ُدار‬
‫سك الفَتِّيق لناشق @ وألذُّ من َ‬
‫أ ْذكى من المِّ ْ‬
‫ت البواطنُ وال َّ‬
‫واهر مثلُها @ ْ‬
‫لكن حكَت ألوانَها األزهار‬
‫صفَ ِّ‬
‫َ‬
‫ظ ُ‬
‫فكأنما صافِّي اللًّجين قُلوبها @ وكأنما ألوانُهنّ نُضَار‬
‫عَجب لَها وهي النَّعيم ت َصو ُ‬
‫غها @ نار‪ ،‬وأين من النَّعيم النار‬
‫علي " كتاب التعريف واإلعالم‪ ،‬فيما أبهم في القرآن من األسماء األعالم " وسمعت عليه مسألة رؤية هللا تعالى في المنام‪ ،‬ورؤية‬
‫وأملى‬
‫ّ‬
‫النبي «ص» ‪ ،‬وكالمه في حديث األمة السوداء‪ ،‬وأين هللا؟ قالت‪ :‬في السماء؛ كيف سألها عن األينية‪ ،‬ولم يسألها عن إثبات إله‪ ،‬فيقول لها‪:‬‬
‫علي السر في األعور الدجال‪ ،‬وتفسير قول النبي «ص» في‪( :‬قل هو هللا أحد)‪ ،‬أنها تعدل ثلث القرآن‪ .‬وكالمه على قول هللا‬
‫من الرب؟ وأملى‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫تعالى‪( :‬و ما َ‬
‫ْ‬
‫طير ِّبجنَا َح ْيهِّ)‪ ،‬وكالمه على هللا جل وعال (يَتفيَّ ُؤ ظِّ للُهُ ع َِّن الي َميِّن والشَّمائِّ ِّل)‪ ،‬وكالمه على‬
‫ي‬
‫ائر‬
‫ط‬
‫ال‬
‫و‬
‫‪،‬‬
‫ض‬
‫األر‬
‫في‬
‫ة‬
‫ب‬
‫دا‬
‫من‬
‫َ‬
‫َّ‬
‫ِّ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫(سبحان هللا) بإعرابها وشرحها‪ .‬وأملى عل ّي رحمه هللا "كتاب نتائج الفكر" وهو من عجائب الدهر‪ .‬إلى غير ذلك من مسائله في فنون العلم‬

‫والنثر والنظم‪.‬‬
‫وقد أجاز لي وألخي الحافظ أبي عمرو جميع مروياته‪ ،‬ومسموعاته ومجموعاته‪ ،‬وقال لي يوما‪ :‬يا عجبا للحريري حيث يقول في بيتيه‪ :‬قد‬
‫أمنا أن يعززا بثالث‪ .‬فقد جاء من عززهما بثالث ورابع وخامس وسادس وسابع وثامن وتاسع وعاشر وحادي عشر وثاني عشر‪ ،‬وأنشد‬
‫بيتيه‪:‬‬
‫واشكر لمن أع َ‬
‫س َم ْه‬
‫آثارها @‬
‫س ْم ِّ‬
‫طى ولو ِّ‬
‫ِّ‬
‫س ْم سِّمةً ت َح ْ‬
‫ُ‬
‫سنُ ُ‬
‫س ْطعتَ ال ت َأتِّه @ ِّلت َ ْقتَنِّي السؤد َد وال َمك ُْر َم ْه‬
‫والمكَر مهما ا َ‬
‫والزيادة على البيتين‪:‬‬
‫هر َمه َْر العُرس ال ت ُ ْغله @ فإنّه مهما َ‬
‫غال َمهْر َم ْه‬
‫م‬
‫وال‬
‫َ َ‬
‫َمن َد َمه صان لحِّ ْر ِّز الت ُّقي @ لم يَ ْخش من لَ ْوم وال َم ْندمه‬
‫سي وال َم ْنعمه‬
‫َم ْن َ‬
‫ع َمهُ القَ ْلب له شِّيمة @ لم يَدْر ما بُؤ َ‬
‫شئْت كاألبْلمه‬
‫الرضا واقتسم @ مالِّي معي إنّ ِّ‬
‫أب لُمتى إلى ِّ ّ‬
‫أب‪ :‬ارجع‪ .‬ولمة الرجل من على قدر سنه‪ ،‬واألبلمة‪ :‬الخوصة‪.‬‬
‫ما ال َك َمة الم ُج ُّ‬
‫تث أعْراقُها @ إال كأصل ال ُمرتِّضى ْم ْلك َم ْه‬
‫الملكمة‪ :‬مفعلة من الضرب‪ ،‬يقول‪ :‬ال يرتضيها إال من ال أصل له‪ ،‬كالكماة‪ .‬والكمة‪ :‬الكمأة‪ ،‬سهل همزتها‪ ،‬فنقل حركتها إلى ما قبلها‪.‬‬
‫ترى بينه ُم َم ْلحمه‬
‫ما ال َح َمة ال ّ‬
‫سوداء إال َ‬
‫الو َرى @ ف ِّل ْم َ‬
‫الحمة هي الحمأة‪ ،‬مسهل الهمزة‪.‬‬
‫فاله ْ‬
‫َين َمهالً ال تلُم هيّنا @ في َخ ْلقه واحذر من الهينَ َم ْه‬
‫الهيمنة‪ :‬الكالم الخفي‪.‬‬
‫والهذْ َر َم ْه دعه وكُن نَاطقا ً @ بالقَصد إن العَاب في ال َهذْر َم ْه‬
‫هذرم في كالمه‪ :‬إذا خلط؛ ويقال للتخليط‪ :‬الهذرمة‪ .‬والهذرمة‪ ،‬أيضا‪ :‬السرعة في الكالم والشيء‪ .‬والعاب‪ :‬العيب‬
‫ت ال ُخ ْمر وال َك ْمكمه‬
‫ب ذوا ِّ‬
‫كْم َك َمه وكم ع ًمى ج ََّره @ ُح ُّ‬
‫الكمه‪ :‬هو الذي يولد أعمى‪ ،‬وقيل‪ :‬هو الذي ال يبصر في الليل‪ ،‬قاله البخاري في التاريخ‪ ،‬وخالفه الناس‪ ،‬فقالوا‪ :‬األعشى‪ ،‬هو الذي ال يبصر‬
‫بالليل؛ وقيل‪ :‬الكمه‪ :‬هو أالّ يرى شيئا‪ .‬وذوات الخمر‪ :‬النساء‪ .‬والكمكمة‪ :‬من زي الحرائر ومن ال يمتهن من النساء‪ .‬ورأى عمر بن الخطاب‬
‫«ض» أَمة مكمكمة فضربها بالدرة‪ .‬وقال‪ :‬ال ت َشبَّهينَ بالحرائر‪.‬‬
‫وقد وجب أن أجعل لهذا الكتاب نهاية ينتهي إليها‪ ،‬وغاية يقف عندها وال يزيد عليها؛ فإن شعر من عاصرته من شعراء ذلك العصر‪ ،‬يكاد‬
‫يخرج عن حد الحصر؛ كالفقيه األديب الشاعر المصيب‪ ،‬أبي محمد عبد هللا ابن الفقيه األستاذ األديب؛ أبي عبد هللا محمد بن الفقيه األستاذ‬
‫اللغوي النحوي‪ ،‬أبي محمد قاسم بن شقريق الرعيني؛ أنشدني كثيرا من شعره‪ ،‬واقتصر آخرا على تقريظ سيدنا أبي عبد هللا الحسين عليه‬
‫السالم ووصف مآثره‪ ،‬ونظم جواهر مفاخره؛ راغبا في شفاعة جده‪ ،‬سيد ولد آدم صلى هللا وعلى آله من بعده‪ ،‬سمعت الشيخ الفقيه‪ ،‬رأس‬
‫العدول بسبته‪ ،‬أبا عبد هللا‪ ،‬محمد بن الحسن ابن عان‪ ،‬رأيت رسول هللا «ص»‪ ،‬فقال لي‪ :‬بشر عبد هللا ابن شقريق بالجنة‪ ،‬وأشار بإصبعه‬
‫المقدسة‪ ،‬إلى وجهه الكريم‪ ،‬فبعد أيام قالئل ظهرت بوجهه بثرة صغيرة جدا‪ ،‬فلم تزل تعظم حتى أتت على جميع وجهه‪ .‬وتوفي رحمه هللا‬
‫منها سنة إحدى وسبعين وخمسمائة‪ ،‬وهو في عشر الثمانين سنة‪ ،‬وشهدت جنازته‪.‬‬
‫ولقيت الوزير األعلى أحمد بن هردوس‪ ،‬موشى حلل الموشحات‪ ،‬وموشع حبر القصائد المستملحات‪ ،‬وهو القائل في السيد أبي سعيد‪:‬‬
‫سعود @ باهلل عُودِّي‬
‫الوصْل وال ُّ‬
‫يا ليلَة َ‬
‫وكأبي عبد هللا الرصافي‪ ،‬الصافية من األكدار في نظم األشعار موارده‪ ،‬وكابن السكن البديعة في الفنون الشعرية مقاصده‪ ،‬وكأبي الوليد‬
‫يونس القسطلي الفائقة بقالئد الوالئد أراجيوه وقصائده‪ .‬ومن جرى مجراهم من المجيدين في الجد والهزل‪ ،‬ورقيق النظم الجزل؛ كصاحبنا‬
‫الوزير أبي القاسم بن البراق‪ ،‬المعدود في الشعراء السباق؛ مررت على بلده ومقره‪ ،‬فخرج إلى متلقيا ً مع أهل مصره؛ وقد داسته حوادث‬
‫األيام دوسا‪ ،‬وغادرت صعدة قوامه قوسا وهو يسلك مسالك أهل الصبا‪ ،‬ويميل به األدب طورا ً إلى الجنوب وآونة مع الصبا؛ فعاتبته على بذل‬
‫نفسه في طاعة الهوى جهد االستطاعة‪ ،‬مع ما أعطاه هللا من المعرفة واآلداب ونفائس البضاعة؛ فقال لي‪ :‬إنه كان وبرد شبابه قشيب‪،‬‬
‫وغضن اعتداله رطيب؛ بقميص النُّسك متقمص‪ ،‬وبعلم الحديث متخصص؛ واجتاز يوما ً وبيده مجلد من " صحيح مسلم‪ ،‬بقصر بعض الملوك‬
‫األكابر‪ ،‬وهو من بعض مناظره ناظر‪ ،‬لكل من هو بمدرجة القصر خاطر؛ وحسن المثاني والمثالث لديه عال‪ ،‬ومجلس انسه بخواص ندمائه‬
‫حال؛ فقال‪ :‬اطلعوا لنا بهذا الفقيه فلعل نا نضحك منه ونمازحه‪ ،‬ونجاريه في ميدان األدب إن كان من أهله ونطارحه؛ فلما مثل بين يديه وحيا‪،‬‬
‫أمر الساقي بمناولته كأس ال ُحميّا؛ فتقبض متأففا‪ ،‬وأبدى تمعرا ً وتقشفاً؛ والسلطان يستغرب ضحكا ً من مستغرب حركاته لما هجم الرجل‬
‫عليه‪ ،‬ويد الساقي ممدودة إليه؛ واتفق في خال ل ذلك أن انشقت من ذاتها صراحية من صافي الزجاج‪ ،‬فسال منها كالسائل من نجيع الذبيح‬
‫من األوداج؛ فأظهر السلطان التطير بذلك وجال‪ ،‬فصرف ذلك عن خاطره بإنشاده على البديهية مرتجال‪:‬‬
‫سرور ُمشتمل @ لم َي ْخ ُل فيه ّ‬
‫ب‬
‫الزجَا ُ‬
‫وم َج ْلس بال ّ‬
‫أر ِّ‬
‫ج عن َ‬
‫َّ‬
‫ُّ‬
‫ُ‬
‫س َرى بأعْطافه ت َرنحنا @ فشقَّ أثوابه من الطرب‬
‫َ‬
‫فسر السلطان وسرى عنه‪ ،‬واستحسن سماحة خاطره بهذين البيتين البديعين منه؛ وأمر له بجائزة سنية‪ ،‬وخلعة رائعة بهية‪.‬‬
‫وقد انتهى ما أملي ته من كالم مرتجل‪ ،‬وبديه على عجل؛ ولوال االستنامة إلى اإلغضاء‪ ،‬وأن المبادرة إلى امتثال أمر السلطان أقرب إلى‬
‫اإلرضاء؛ لما أرعفت لليراع أنفا‪ ،‬وال حملت الروية على الكاتب عنفا؛ لبعد المملوك عن بالده‪ ،‬وكلب العدو في البحر على كتبه وطارفه‬
‫وتالده‪.‬‬
‫فإن وافق اجتهادي أمله‪ ،‬ووقفت على الغرض الذي سأله‪ ،‬فذلك نكتة من فضله عرضت عليه‪ ،‬وبضاعته ردت إليه؛ ضاعف هللا له وعنده‬
‫موا د اإلسعاد‪ ،‬وأخدمه النصر في كل مبدأ‪ ،‬وختم له بالظفر في كل معاد‪ ،‬واهلك أعاديه وأبعدهم إبعاد ثمود وعاد‪ .‬وصلى هللا على سيد ولد آدم‬
‫وأمينه على وحيه الذي بعثه في أشرف زمان‪ ،‬وجعله من عصمته في ذمة وأمان؛ فجد في علو كلمة هللا غير مقصر وال وان‪ ،‬وعلى آله‬
‫وأصحابه الذين جاهدوا أهل الزيغ والعدوان‪:‬‬
‫فهاكَ ما شئتَ من نَ ْظم له نَسق @ كالدر فُصّل فامتازت فرائدهُ‬
‫سنَ إال الذي حازت جواهُره @ من البصيص وما ضمت قالئده‬
‫ال ُح ْ‬
‫أهديت ُه لك َر ْطبا ً ال ُجمو َد به @ وأين من َر ْطبه في الحسن جامده‬

‫[نسخ في تسع وأربعين وستمائة]‬

‫ع النَّيْل كاسِّده‬
‫ونَفَّقته العُال في سُوق َمجْ دك إذ @ رأته وهو ُمضا ُ‬
‫ُ‬
‫وحيث أنت فثَّم الفض ُل أجمعه @ عليك ميس ُمه باد وشاهده‬
‫ُ‬
‫األرض دعوة من @ ِّصيغتْ من الشرف السامي قواعده‬
‫خير ُملوك‬
‫ِّ‬
‫فيا ْبنَ ِّ‬
‫َ‬
‫في قبْضة العُد ِّْم ال ِّج ٌّد يج ّد له @ فيما يروم وال س ْعد يساعده‬
‫ش ْجو يُر ّدِّده @ بين الجوانح أو ه ّم يكابده‬
‫وال حَميم س َِّوى َ‬
‫لوالك يا كام َل األوصاف ال ْنفصمتْ @ عرى أمانيه وانسدت مقاصده‬
‫وأوس ْيتَهُ إذ قل فائده‬
‫ل ّما اشتغلتَ به فِّكْرا ً وكنت له @ سترا ْ‬
‫فاهلل َيجْزيك وال ُمختا ُر من ُمضَر @ ثم الخليفة ذو السبطين والده‬

‫إبرهيم رمزي‪ :‬الجنس والتراث‬
‫‪https://brahimramzi.wordpress.com/about/‬‬


Aperçu du document المطرب - ابن دحية.pdf - page 1/49
 
المطرب - ابن دحية.pdf - page 2/49
المطرب - ابن دحية.pdf - page 3/49
المطرب - ابن دحية.pdf - page 4/49
المطرب - ابن دحية.pdf - page 5/49
المطرب - ابن دحية.pdf - page 6/49
 




Télécharger le fichier (PDF)


المطرب - ابن دحية.pdf (PDF, 1.3 Mo)

Télécharger
Formats alternatifs: ZIP



Documents similaires


trail des balcons d azur 2014 renseignements jsd course sur route
mix match week 31
crimethink 2012 accounting for ourselves
feb 2017 newsletter final
adsense income booster
pointed yoke a line