سجود الشمس .pdf



Nom original: سجود الشمس.pdfAuteur: abdallah

Ce document au format PDF 1.5 a été généré par Conv2pdf.com, et a été envoyé sur fichier-pdf.fr le 07/03/2016 à 11:58, depuis l'adresse IP 41.140.x.x. La présente page de téléchargement du fichier a été vue 863 fois.
Taille du document: 657 Ko (23 pages).
Confidentialité: fichier public


Aperçu du document


‫مدّ البصيرة في حديث سجود الشمس تحت العرش‬

‫رشيد بلواد‬

‫‪1‬‬

2

‫إشكال وليس شبهة‬
‫الحمد هلل رب العالمين‪ ،‬والصالة والسالم على محمد النبي األمين وعلى آله وصحبه أجمعين‪،‬‬
‫ورضي هللا تعالى عمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين! أما بعد‪:‬‬
‫في شأن حديث سجود الشمس تحت العرش حين غروبها‪ ،‬وهي في ذلك كما يتساءلون ال تخرج عن‬
‫مدارها حول الشمس‪ ،‬وما غروبها وال الليل والنهار إال أحواال مشكلة ومنشأة بفعل دورانها حول نفسها‪،‬‬
‫ال يمكن بدءا أن نستعمل لفظة 'شبهة' بالمعيار العلمي‪ .‬وإنما يكون شبهة بالنسبة لقصور عن حقيقة هذا‬
‫المعيار أو لمن في قلوبهم مرض‪.‬‬
‫لنبدأ أوال بتقرير هذه الحقيقة وبيانها‪ .‬وبيانها وإن كان قريبا‪ ،‬فإنه واحد في خمسة مرتكزات يقوم‬
‫عليها توضيح وحل اإلشكال؛ وكذلك هو من أهم ما جاء في مقاالت وردود اإلخوة‪ ،‬الذين أفدنا منهم في‬
‫هذا الحديث والتحليل‪ .‬منهم من سوف يأتي ذكره ومنهم من لن نذكره‪ .‬وليس ذلك بمؤشر على قيمة وال‬
‫على أهمية ما كتبوه وأدلوا به‪ .‬بل لعله يكون ما هو أهم فلم يكتب لنا االضطالع عليه؛ فجزاهم هللا تعالى‬
‫جميعا عن جهدهم هذا وعملهم الصالح خير الجزاء!‬
‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫المرتكز األول هو حقيقة النبوة المقررة بأبلغ الدالئل والمعجزات‪ .‬وال يمكن لذي عقل إطالقا إذا ما‬
‫ألقى السمع وهو شهيد‪ ،‬أي إذا ما كان عاقال حقيقة وتحققا بقبول إعطاء عقله وقلبه فسحة لتلقي خطاب‬
‫الدليل‪ ،‬كما كان شأن أسيد بن خضير رضي هللا عنه قبل إسالمه حين قابله مصعب بن عمير رضي هللا‬
‫عنه بهذا المطلب‪ ،‬فكان العقل والحوار العقلي والمنطقي هو مدخل ووليجة العقالء الحقيقيين إلى‬
‫اإليمان‪:‬‬
‫'إن من أول الضوابط ومسلم القواعد أن كل ما يخالف الميزان والحق يرد‪ ،‬ال جدال وال مرية‬
‫في بطالنه‪ .‬ولو نقضنا هذه المسلمة المكافئة في سريانها وقيمتها لقيمة وسريان الحق الذي تقوم عليه‬
‫السماء واألرض لما أضحى للصدق خاصة تميزه‪ ،‬ولما كان لكلمة مصعب بن عمير رضي هللا عنه‬
‫التي واجه بها اندفاع أسيد بن خضير قبل إسالمه وقد بلغه أن رجال غريبا جاء من مكة يمشي بين‬
‫الناس يفسد عليهم عقولهم ويدعوهم لفكر جديد وإلى أمر مريب‪ .‬ولنفسح المجال هنا لألستاذ خالد‬
‫محمد خالد وهو ينقل لنا هذا الحدث المبارك العظيم بتصويره البياني وجمالية بالغته الباهرة‪:‬‬
‫<< وفاجأهم أسيد بغضبه وثورته‪،‬‬
‫وقال له مصعب‪<< :‬هل لك أن تجلس فتسمع‪..‬فإن رضيت أمرا قبلته‪ ،‬وإن كرهته كففنا عنك ما‬
‫تكره‪..‬؟‪،‬‬

‫‪3‬‬

‫كان أسيد رجال‪..‬وكان مستنير العقل ذكي القلب حتى لقبه أهل المدينة ب< الكامل >‪..‬وهو لقب‬
‫كان يحمله أبوه من قبله‪.‬‬
‫فلما رأى مصعبا يحتكم به إلى المنطق والعقل‪ ،‬غرس حربته في األرض وقال لمصعب‪ :‬لقد‬
‫أنصفت‪ ،‬هات ما عندك‪، ..‬‬
‫وراح مصعب يقرأ عليه من القرآن ويفسر له دعوة الدين الجديد‪..‬الدين الحق الذي أمر محمد‬
‫عليه الصالة والسالم بتبليغه ونشر رايته‪. .‬‬
‫يقول الذين حضروا هذا المجلس‪ << :‬وهللا لقد عرفنا في وجه أسيد اإلسالم قبل أن‬
‫يتكلم‪...‬عرفناه في إشراقه وتسهّله ‪..>>،‬‬
‫لم يكد مصعب ينتهي من حديثه حتى صاح أسيد مبهورا‪:‬‬
‫<< ما أحسن هذا الكالم وأجمله‪، ..‬كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين؟ >>‬
‫‪1‬‬

‫قال له مصعب‪ << :‬تطهر بدنك‪ ،‬وثوبك‪ ،‬وتشهد شهادة الحق‪ ،‬ثم تصلي >>‬

‫هذا الميزان الذي على أساسه أقام هللا تعالى قيمة حقيقة المعجزات وللصدق وزنا وللعقل‬
‫‪2‬‬

‫والحكمة سلطانا‪ ،‬عليه وعلى أساسه نبني بحول هللا هذا النقد والتحليل ‪'. .‬‬

‫قلت‪ :‬ال يمكن لعاقل يحكم عقله وال يعطله أمام دليل أو دليلي التصديق والتفصيل أن يكفر بحقيقة‬
‫‪3‬‬
‫النبوة إال أن يكون جحودا من بعد اليقين ظلما وعلوا‪:‬‬

‫< التصديق والتفصيل‬
‫أما من جهة أدلة وصدق هذه المنظومة المفاتيحية‪ ،4‬وكذلك النقد الموجه إلى المعتبر الغالب في جزء‬
‫غير يسير من القرآن العظيم‪ ،‬فإن دليله هو قوله عز وجل ومن أصدق من هللا قيال‪{:‬وما كان هذا القرآن‬
‫أن يفترى من دون هللا' ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب ال ريب فيه من رب‬
‫العالمين'}(يونس‪ ،) 37‬حيث برهان اآلية في عدم افترائية القرآن من دون هللا تعالى قائم ببيان الحق على‬
‫معطيين مسلمين على درجة التسليم بالكينونة والوجود واإلدراك ذاته‪:‬‬
‫األول تصديق القرآن لما قبله‪ ،‬وهذا المعطى له وصل بآيات من كتاب هللا تعالى ونصوص من‬
‫حديث رسول هللا صلى هللا عليه وسلم تفيد نفس الحقيقة وتذكر بها وترسخها؛ فمن القرآن قوله تعالى‪:‬‬

‫‪1‬‬

‫رجال حول الرسول‪ :‬خالد محمد خالد‬
‫‪2‬‬

‫انظر كتابنا 'القول الفصل في القراءات والتجويد' ص‪65..64‬‬
‫‪3‬‬
‫انظر كتابنا‪' :‬مفاتيح علم الكتاب' ص‪( – 99..97‬الكتاب على الفيسبوك)‬
‫‪4‬‬
‫أي النظمة التي أهم عناصرها مفاهيم (الكتاب‪ ،‬الذكر‪ ،‬التفصيل) التي بنيت عليها النظرية التفسيرية المفصلة في المؤلف‪.‬‬

‫‪4‬‬

‫{ذلك من أنباء الغيب' وما كنت لديهم إذ يلقون أقالمهم أيهم يكفل مريم' وما كنت لديهم إذ يختصمون}(آل‬
‫عمران‪)44‬‬
‫{تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك' ما كنت تعلمها أنت وال قومك من قبل هذا' فاصبر إن العاقبة‬
‫للمتقين'}(هود‪)49‬‬
‫{ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك'وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون' وما أكثر الناس ولو‬
‫حرصت بمؤمنين' وما تسألهم عليه من أجر' إن هو إال ذكر للعالمين'} (يوسف‪.)104..102‬‬
‫ومن السيرة قول عداس غالم ابني ربيعة في شأنه عليه الصالة والسالم حين أخبره صلى هللا عليه وسلم‬
‫بأمر نبي هللا يونس بن متى عليه السالم‪:‬‬
‫‪5‬‬

‫((لقد خبرني بأمر ال يعلمه إال نبي))‬

‫المعطى الثاني هو حقيقة التفصيل الذي له نفس الصبغة العلمية من حيث بعد االستدالل؛ فالتصديق‬
‫إفادته علم ما قبل‪ ،‬والتفصيل هو دليل سعة الخبرة والعلم المحيط المقتضي لكمال التناسق والمالءمة‪،‬‬
‫وهكذا كان االقتران بلفظ {فصلت} في أول سورة هود ب {حكيم خبير}‪ ،‬وكما في اآلية من سورة‬
‫األنعام‪{:‬عالم الغيب والشهادة' وهو الحكيم الخبير'} (األنعام‪.)74‬‬
‫فالتصديق والتفصيل دليل مثل حجته على الناس أقوى مما يناله منهم نور الشمس وجالء النهار‪ ،‬وليس‬
‫بمعجز عن حجته إنس وال جان‪ ،‬ألن كل من يعقل يعلم أنه ال يعلم من في السماوات واألرض الغيب إال‬
‫هللا‪ ،‬وأنه ال يحيط بالخلق ما مضى منه وما هو كائن وما سيأتي إال البارئ الخالق‪ .‬فالتفصيل ال يحق إال‬
‫لمن له العلم كله سبحانه‪:‬‬
‫{ ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يومنون'}(األعراف‪)51‬‬
‫{قل أريتم إن كان من عند هللا ثم كفرتم به من أضل ممن هو في شقاق بعيد' سنريهم آياتنا في اآلفاق وفي‬
‫أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق' أو لم يكف بربك أنه كل شيء شهيد' أال إنهم في مرية من لقاء ربهم' أال‬
‫إنه بكل شيء محيط'}(فصلت‪)53..51‬‬
‫فهذه آيات بينات على وصل بما أوردنا بشأنه من عالقة الداللة بين اإلحاطة بالعلم والتصديق لما قبل‬
‫والتفصيل‪،‬أي اآلية من سورة يونس‪:‬‬
‫{ وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون هللا' ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب ال ريب فيه‬
‫من رب العالمين'}(يونس‪.)33‬‬
‫ونجد في حديث النبي صلى هللا عليه وسلم وسنته التي جعلت تبيانا لما أنزل من الكتاب كلمة وحديثا‬
‫جامعا داال على ما كل ما سبق ومهيمنا عليه؛ روى إمام أهل الحديث اإلمام البخاري رحمه هللا وجزاه هللا‬
‫عن هذه األمة خير ما جزى به عالما عن أمته في صحيحه قال‪:‬‬

‫‪5‬‬

‫مؤلف 'محمد رسول هللا صلى هللا عليه وسلم' محمد رضا‪ -‬دار الكتب العلمية‪ -‬بيروت‪ -‬ص‪141‬‬

‫‪5‬‬

‫<< حدثنا عبد العزيز بن عبد هللا‪ :‬حدثنا الليث عن سعيد‪ ،‬عن أبيه‪ ،‬عن أبي هريرة‪ ،‬عن النبي صلى هللا‬
‫عليه وسلم قال‪:‬‬
‫((ما من األنبياء نبي إال أعطي من اآليات ما مثله أومن أو آمن عليه البشر‪ ،‬وإنما كان الذي أوتيته وحيا‬
‫أوحاه هللا إلي‪ ،‬فأرجو أني أكثرهم تابعا يوم القيامة))>>‪>6‬‬
‫التصديق‪ :‬تصديق الحق ونبإ الغيب المنزل في الكتب السابقة مهيمنا عليه‪ ،‬والتفصيل‪ :‬كمال التناسب‬
‫التنزيل مع طوره بما ال ينحصر من الشروط التاريخية والحدوثية‪ ،‬المستوجب لكمال الخبرة والعلم بهذه‬
‫الشر وط ومجال الطور التنزيلي؛ ذانك برهانان على األقصى المتجاوز حتى لدليل العقل على ذاته‬
‫والوجود‪.‬‬
‫ومنه إذا صح وثبت الحديث وأشكل على القراءة‪ ،‬أي على االستيعاب‪ ،‬فليس هو بشبهة في الحديث‬
‫وال في النبوة‪ ،‬وإنما في كفاءة العقل وسعة اإلدراك الذي أشكلت عليه القراءة وقصر على االستيعاب‪.‬‬
‫وهذه تمثل المرتكز الثاني‪ ،‬والذي كان بدوره من أبرز وأعلى ما جاء في الردود‪ ،‬كما في مقال األخ عبد‬
‫الدائم الكحيل أشار بها إليه بعض اإلخوة كما نوه به‪ .‬وكان أقوى ما جاء في ذلك هو في الشطر األول‬
‫مما كتبه األخ عبد هللا الشهري‪ ،7‬وحقيقته هي قوله‪:‬‬
‫<عدم العلم ليس بدليل على العدم>‬
‫<صحة النتيجة هو ملزوم صحة المقدمات وصحة المقدمات هو ملزوم صحة إدراك المقدمات>‬
‫وإذا كان القول األول من البديهيات‪ ،‬فهو الحسم وبه اإلجهاز‪ ،‬ذلك أن المقدمات هنا هي التصورات‬
‫للعناصر البيانية الداخلة في تكوين وإنتاج المعنى والداللة للتركيب المنطبق بالخبر والحديث النبوي‬
‫الشريف‪ .‬واإلشكال كله كما سوف يستبين‪ ،‬هو في هذا التصور كمكون مقدماتي يبنى عليه تكوين وإنتاج‬
‫الداللة للكالم والحديث‪ ،‬عنصر التصور أو عناصر التصور ل'العرش' و'السجود'‪.‬‬
‫وكذلك عند أ‪ .‬د‪ .‬حاتم بن عارف الشريف‪ ،8‬بذات القوة االستداللية العلمية‪ ،‬حيث جعله المرتكز في‬
‫استدالله بقوله‪:‬‬
‫<وبداية نقول‪:‬‬
‫إنه إذا صح الخبر عن رسول هللا صلى هللا عليه وسلم‪ ،‬فال يمكن أبدا أن يكون معارضا لما هو كائن في‬
‫الواقع‪ ،‬بل إن فهمنا للواقع غير صحيح‪ ،‬ألن النبي صلى هللا عليه وسلم ال يخبر إال بالحق‪ ،‬وأخبار‬
‫الوحي – كتابا وسنة – ال يمكن أن يدخلها الخطأ‪.‬‬
‫فيبقى األمر – في حقنا – هو‪ :‬وجوب النظر فيما يزيل هذا اإلشكال الذي وقع في نفوسنا‪>.‬‬
‫فالحديث أخرجه البخاري رحمه هللا في كتاب تفسير القرآن ( رقم ‪:)4802‬‬

‫‪6‬‬

‫صحيح البخاري‪ :‬باب قول النبي صلى هللا عليه وسلم‪" :‬بعثت بجوامع الكلم" من كتاب االعتصام بالكتاب والسنة‬

‫‪7‬‬

‫عبد هللا الشهري‪ :‬موضوع رفع اللبس عن سجود الشمس – موقع األلوكة‪ ،‬المجلس العلمي‬
‫‪8‬‬
‫أ‪ .‬د‪ .‬حاتم بن عارف الشريف ‪ – 2012/9/26‬موقع مركز نماء للبحوث والدراسات‪ :‬مع حديث 'سجود الشمس'‬

‫‪6‬‬

‫ حدثنا أبو نعيم حدثا األعمش عن إبراهيم ال َّتيْمي عن أبيه عن أبي ذر رضي هللا عنه قال‪ :‬كنت مع‬‫النبي صلى هللا عليه وسلم في المسجد عند غروب الشمس فقال صلى هللا عليه وسلم‪" :‬يا أبا ذر أتدري‬
‫أين تغرب الشمس؟" قلت هللا ورسوله أعلم؛ قال صلى هللا عليه وسلم‪" :‬فإنها تذهب حتى تسجد تحت‬
‫العرش فذلك قوله تعالى‪{ :‬والشمس تجري لمستقر لها'ذلك تقدير العزيز العليم'}‪".‬‬
‫وفي كتاب بدء الخلق (رقم ‪:)3199‬‬
‫وقال سفيان الثوري عن األعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذر رضي هللا عنه قال‪ :‬قال‬
‫رسول هللا صلى هللا عليه وسلم ألبي ذر حين غربت الشمس‪" :‬أتدري أين تذهب؟ قلت‪ :‬هللا ورسوله أعلم؛‬
‫قال صلى هللا عليه وسلم‪" :‬فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش فتستأذن فيؤذن لها‪ ،‬ويوشك أن تسجد فال‬
‫يقبل منها وتستأذن فال يؤذن لها‪ ،‬ويقال لها‪ :‬ارجعي من حيث جئت‪ ،‬فتطلع من مغربها‪ ،‬فذلك قوله تعالى‪:‬‬
‫{والشمس تجري لمستقر لها' ذلك تقدير العزيز العليم'}‪".‬‬
‫'وأخرجه مسلم رحمه هللا في كتاب اإليمان (رقم ‪ )397‬عن أبي ذر رضي هللا عنه‪" :‬أن النبي صلى‬
‫هللا عليه وسلم قال يوما‪ :‬أتدرون أين تذهب هذه الشمس؟ قالوا‪ :‬هللا ورسوله أعلم‪ .‬قال‪ :‬إن هذه تجري‬
‫حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش فتخر ساجدة؛ فال تزال كذلك حتى يقال لها‪ :‬ارتفعي‪ ،‬ارجعي من‬
‫حيث جئت! فترجع فتصبح طالعة من مطلعها‪ ،‬ثم تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش فتخر‬
‫ساجدة‪ ،‬وال تزال كذلك حتى يقال لها‪ :‬ارتفعي‪ ،‬ارجعي من حيث جئت! فترجع فتصبح طالعة من‬
‫مطلعها‪ ،‬ثم تجري ال يستنكر الناس منها شيئا حتى تنتهي إلى مستقرها ذاك تحت العرش‪ ،‬فيقال لها‪:‬‬
‫ارتفعي‪ ،‬أصبحي طالعة من مغربك! فتصبح طالعة من مغربها‪ .‬فقال رسول هللا صلى هللا عليه وسلم‪:‬‬
‫أتدرون متى ذاكم؟ ذاك حين ال ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمن من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا‪".‬‬
‫وكذا أخرجه أبو داود في كتاب الحروف والقراءات (رقم ‪ )4002‬والترمذي في كتاب الفتن (رقم‬
‫‪ )2186‬وأحمد في مسنده والبغوي في تفسيره وغيرهم بألفاظ متقاربة‪'.‬‬
‫ويضيف األخ عبد هللا الشهري‪ ،‬وهو في واقع الحال‪ ،‬يثبت مرتكزين هامين في حل اإلشكال‪،‬‬
‫يضيف قائال‪:‬‬
‫<واعلم أن الغرض من هذا البحث ليس إثبات صحة الحديث فهو صحيح بال ريب‪ ،‬إال أن البعض‬
‫ممن لم يرزقهم هللا طول النفس وزينة الصبر في جمع طرق األحاديث والتدبر في معاني ألفاظها قد‬
‫سارع إلى رمي إبراهيم بن يزيد التيمي بالتدليس اعتمادا على جرح الكرابيسي‪ .‬ثم إن مما عزز االجتراء‬
‫ما وقر في قلبه من النفور من ظاهر المتن‪ ،‬وتلك عادة من يجعل العقل البشري القاصر حكمًا متقدما بين‬
‫يدي النصوص الثابتة المقطوع بصحتها‪ .‬أما من يرمي جاهدا إلى التشكيك في صحة الحديث بالتشمير‬
‫في إثبات امتناع سجود الشمس فيلزمه – قبل أن يمشي خطوة واحدة – اإلحاطة بحقيقة ثالثة أمور عليها‬
‫يدور معنى الحديث؛ فإذا أحاط بحقائقها وتيقن من ذلك حق اليقين‪ ،‬فليأتنا بالدليل القاطع والبرهان الساطع‬
‫على ما وجد من العلم‪ .‬وهذه الحقائق هي‪:‬‬
‫*حقيقة العرش‬
‫*حقيقة حركة الشمس‬

‫‪7‬‬

‫*حقيقة سجود الشمس>‬
‫وكذلك لزم التسطير على أننا ال نحصر معنى الصحة على القاموس االصطالحي فحسب‪ ،‬وال‬
‫ينبغي حصرها في موضوعنا هذا عليه‪ ،‬إنما هي الصحة الثبوتية للخبر‪.‬‬
‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫من بعد هذين المرتكزين الضروريين في بناء االستدالل أو مسار الحل‪ ،‬غلب على الردود منحى‬
‫النظر الذي نفسه جاء عند عبد هللا الشهري‪ ،‬أي اعتبار الحل في البعد القياسي وكفاءة القياس‬
‫اإلنساني‪ ،‬المجرد والعلمي‪ ،‬وفي مدى فهمه لحقيقة النماذج العلمية المفسرة للظواهر المادية‬
‫والفيزيائية لألرض والشمس وللنظام الشمسي والمجراتي ككل‪ ،‬فذكر العلماء أصحاب النموذج‬
‫األرضي القائلين بثبات األرض ودوران الشمس‪ ،‬وعرض للبعد الزمني الدقيق واعتبار إمكان إهماله‬
‫بالنسبة لألبعاد التواجدية لإلنسان‪:‬‬
‫<فيكون سجودها حاصل في وقت قصير للغاية>‬
‫وهذا كله في الحقيقة‪ ،‬وقد مثل شطرا هاما من الردود إن لم يكن غالبه ومعظمه‪ ،‬ليس يغني شيئا‬
‫في الحل‪ ،‬إال ما كان موضعه تفسير التسلسل التنزلي والتسخيري للخلق كم سوف يأتي‪ ،‬ألنه بدءا‬
‫وكما جاء في كثير من الردود أن حركة الشمس واردة مثبتة في القرآن المبين مما ذكره وساقه أيضا‬
‫هنا‪ ،‬كقوله تعالى‪:‬‬
‫{وترى الشمس إذا طلعت ّ‬
‫تزاور عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال وهم‬
‫في فجوة منه}(الكهف‪)17‬‬
‫{فاتبع سببا حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة}(الكهف‪)84‬‬
‫{ثم اتبع سببا حتى إذا بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها‬
‫سترا}(الكهف‪)87‬‬
‫وكذلك بالنسبة للسجود؛ يقول عز وجل‪:‬‬
‫{ألم تر أن هللا يسجد له من في السماوات ومن في األرض والشمس والقمر والنجوم والجبال‬
‫والشجر والدواب وكثير من الناس'}(الحج‪)18‬‬
‫وإنَّ حقيقة النسبية ثابتة وبها بيان هذه الحركية النسبية للشمس ولألرض‪.‬‬
‫وليس أدل على عدم غناء ما سبق على اإلطالق هو حصول انعواج في نظمة القول بمصادرة‬
‫المعنى الصحيح للفظ الغروب‪ .‬كان ذلك ضرورة الزبة لتعيين وإيجاد حل ما‪ ،‬فكان هذا المنحى هو‬
‫المرشح‪ ،‬بل ربما األوحد حسب المتواجد في أفق النظر وإمكانه‪ .‬وتم بناء كثير من القول على هذه‬
‫المصادرة الجلية؛ قال عبد هللا الشهري كما جاء نحوه عند غيره‪:‬‬
‫<‬

‫ما المراد بلفظ الغروب الوارد في الحديث؟‬

‫‪8‬‬

‫الذي يظهر أن معنى "الغروب" قد التبس على قوم فظنوا أن المراد بقوله صلى هللا عليه وسلم‪:‬‬
‫(أتدري أين تغرب؟) هو التواري التام عن نظر جميع أهل األرض‪ ،‬وأن هذا من لوازم السجود‬
‫المذكور؛ ولفظ الحديث ال يومئ إلى هذا وال يدل عليه‪ ،‬فضال عن أن يكون من لوازم لفظ الغروب‪.‬‬
‫والحق أن المراد بالغروب الذهاب ال الغياب التام كما فسرته لفظة الرواية األخرى وهو قوله‬
‫صلى هللا عليه سلم‪( :‬أتدري أين تذهب؟)‪ .‬وهذا معنى صحيح من حيث اللغة‪ ،‬وهو مستعمل عند‬
‫العرب‪ ،‬قال ابن منظور‪" :‬غرب القوم غربا (أي) ذهبوا"‪>.‬‬
‫والخلط والخطأ هنا متراكب‪:‬‬
‫أوله‪ :‬أن عناصر الحقل الداللي المعجمي حين تعددها كالحالة عندنا؛ هذا التعدد مقيد بتناسقها‬
‫مع سياقات اللغة واستعماالت أهلها؛ فنقول غرب الرجل‪ :‬بعد؛ وغرب النجم‪ :‬غاب‪ .‬وال يجوز على‬
‫الحقيقة غيره‪.‬‬
‫والثاني‪ :‬كون البيان وقاموسه هنا هو بمرجع موقع الخطاب والمخاطب تحديدا؛ بمعنى أن هذا‬
‫اإلشكال على الحصر المادي محلول أصال‪ ،‬وذلك بوجود لفظي 'الليل' و'النهار' في كل األلسن وعند‬
‫كل األجناس‪ .‬فهما موجودان بوجود الدالين اللغويين عليهما‪ ،‬رغم كونهما مجرد نتاج حركي لألرض‬
‫حول نفسهما‪.‬‬
‫والثالث‪ :‬هو أن الذهاب مسندا للنجم ليس أصال‪ ،‬وتفسيره إنما هو الغروب والغياب؛ فالذهاب هو‬
‫المفسَّر في الحديث بالرواية التي في غيره على المنحى المعكوس‪ .‬وقوله هذا بخصوص لفظ 'أين‬
‫تغرب' واه وساقط‪ .‬ويكفي في رده لفظا 'عند غروب الشمس' في رواية أبي نعيم و'حين غربت‬
‫الشمس' في رواية سفيان الثوري وغيرهما‪.‬‬
‫والرابع‪ :‬هو أن اإلشكال ليس في غروب الشمس وغيابها عن بعض األرض أو كلها‪ ،‬فهذا ح َّل‬
‫أمره من قبل؛ وتجده عند كل المفسرين منذ قرون خلت؛ وإنما السؤال واإلشكال هو في السجود‬
‫المقترن بالذهاب والغروب‪.‬‬
‫هذا السؤال هو الذي بقي ترواحه كل األقوال ولم تجد فيه للحل سبيال؛ ذلك أن مجال القول‬
‫والنظر بقي هو المجال المادي‪ ،‬كقول العالمة المعلمي ناقال لنظر غيره بأن نقطة السجود هي النقطة‬
‫التي ينتهي إليها آخر غروب لتطلع منه الشمس من مغربها حين يشاء هللا ربنا سبحانه وتعالى‪ .‬وأنها‬
‫بالطبع نقطة مجهولة لكنها معينة‪ ،‬وليس يستوجب للشمس السكون واالستقرار عند سجودها‪ ،‬ومثله‬
‫جاء ابن عاشور وغيره كما سوف يأتي‪.‬‬
‫وهكذا نجد بعد المصادرة البيانية للفظ 'الغروب' في معناه الصحيح‪ ،‬وهو مرتكز خاطئ ال‬
‫مماراة‪ ،‬نجد بناء القول عند عبد هللا الشهري‪ ،‬باعتبار رده أبرز الردود وأهمها ويمثلها هو التالي‬
‫(بتصرف)‪:‬‬
‫[إذا علم هذا فإن الشمس إنما تسجد مرة واحدة وذلك عند محاذاتها لباطن العرش‪ ،‬كما أشار إلى‬
‫ذلك الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (‪ ،)71-70/1‬قال ‪ -‬رحمه هللا ‪" :-‬إذا علم هذا فإنه حديث ال‬
‫يعارض ما ذكرناه من استدارة األفالك التي هي السماوات على أشهر القولين‪ ،‬وال يدل على كرية‬
‫العرش كما زعمه زاعمون قد أبطلنا قولهم فيما سلف‪ ،‬وال يدل على أنها تصعد إلى فوق السماوات‬
‫‪9‬‬

‫من جهتنا حتى تسجد تحت العرش‪ ،‬بل هي تغرب عن أعيننا‪ ،‬وهي مستمرة في فلكها الذي هي فيه‪،‬‬
‫وهو الرابع فيما قاله غير واحد من علماء التسيير‪ .‬وليس في الشرع ما ينفيه بل في الحس – وهو‬
‫الكسوفات – ما يدل عليه ويقتضيه‪ ،‬فإذا ذهبت فيه حتى تتوسطه‪ ،‬وهو وقت نصف الليل مثال في‬
‫اعتدال الزمان‪ ،‬بحيث يكون بين القطبين الجنوبي والشمالي‪ ،‬فإنها تكون أبعد ما يكون من العرش‬
‫ألنه مقبب من جهة وجه العالم‪ ،‬وهذا محل سجودها كما يناسبها"‪ .‬ا ‪.‬ه‪.‬‬
‫ويؤيد هذا قول الحافظ ابن حجر في الفتح (‪ ،689/8‬ط‪ .‬دار السالم)‪ ،‬قال – رحمه هللا ‪:-‬‬
‫"وظاهر الحديث أن المراد باالستقرار وقوعه في كل يوم وليلة عند سجودها‪ ،‬ومقابل االستقرار‬
‫المسير الدائم المعبر عنه بالجري‪ .‬وهللا أعلم" ا‪ .‬ه‪.‬‬
‫قلت‪ :‬وقول الحافظ (كل يوم وليلة) أي كل أربع وعشرين ساعة‪ ،‬وهي فترة دوران الشمس حول‬
‫األرض دورة كاملة (أو على قول من يؤول األدلة ويرى ثبات الشمس‪ :‬فترة دوران األرض حول‬
‫نفسها دورة كاملة)‪ .‬فمعنى ذلك أنها تسجد حال انقضاء دورة واحدة‪ ،‬ومكان أو حد االنقضاء هذا هو‬
‫السمت األرضي الذي تحاذيه الشمس‪ .‬فعند محاذاتها لباطن العرش فإنها تكون عندئذ مقابل سمت من‬
‫األرض يحدث عند مقابلته السجود المذكور‪ .‬ولكن هذا السمت أو المنتهى – كما قال اإلمام ابن‬
‫عاشور – ال قبل للناس بمعرفة مكانه‪ .‬قال ‪ -‬رحمه هللا – في "التحرير والتنوير" (‪)21-20/23/9‬‬
‫في تفسير قوله تعالى "والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم"‪( :‬وقد جعل الموضع‬
‫الذي ينتهي إليه سيرها هو المعبر عنه بتحت العرش وهو سمت معين ال قبل للناس بمعرفته‪ ،‬وهو‬
‫منتهى مسافة سيرها اليومي‪ ،‬وعنده ينقطع سيرها في إبان انقطاعه وذلك حين تطلع من مغربها ‪. .‬‬
‫‪...‬‬
‫إال أنه قد صرح بخروجها عن مجراها اإلمام ابن العربي‪ ،‬نقل كالمه الحافظ في الفتح (‪)688/8‬‬
‫ثم تعقبه في موضعه وقال‪" :‬إن أراد بالخروج الوقوف فواضح‪ ،‬وإال فال دليل على الخروج‪ ،‬ويحتمل‬
‫أن يكون المراد بالسجود سجود من هو موكل بها من المالئكة‪ ،‬أو تسجد بصورة الحال‪ ،‬فيكون‬
‫عبارة عن الزيادة في االنقياد والخضوع في ذلك الحين" ا‪ .‬ه‪. .‬‬
‫‪...‬‬
‫فالغروب في حقيقته ليس إال جريان الشمس وليس للشمس مغرب حقيقي ثابت يتفق عليه أهل‬
‫األرض‪ .‬قال اإلمام ابن عاشور – رحمه هللا ‪ :-‬والمراد ب{مغرب الشمس} مكان مغرب الشمس من‬
‫حيث يلوح الغروب من جهات المعمورة ‪ . . .‬إذ ليس للشمس مغرب حقيقي إال فيما يلوح للتخيل‪.‬‬
‫‪...‬‬
‫قال الحافظ – رحمه هللا – في الفتح (‪ ،688/8‬ط‪ .‬دار السالم) في شأن المحاذاة التحتية‪ :‬وأما‬
‫قوله "تحت العرش" فقيل هو حين محاذاتها‪ .‬وال يخالف هذا قوله‪{ :‬وجدها تغرب في عين حمئة} فإن‬
‫المراد بها نهاية مدرك البصر غليها حال الغروب‪ .‬ا‪ .‬ه‪ - ].‬بتصرف‪-‬‬

‫‪10‬‬

‫هذا بالطبع قول عبد هللا الشهري‪ ،‬وهذا هو منتهى كل األقوال والردود‪ .‬وهو عالوة على ما‬
‫فيه من التحكم ومن البناء على محض الخرص وليس على مقدمات يقينية مقررة؛ فإنه لم يحل‬
‫اإلشكال؛ فالسجود واالستقرار هو في كل آن‪ ،‬باعتبار أنه في كل آن الشمس غاربة عن نقطة ولو‬
‫واحدة من األرض‪ .‬مما يدل على مدى التكلف في مقولة السجودين‪ ،‬وكذلك عدم الجدوى في اعتبار‬
‫مسار الشمس وحركتها نحو مركز هذا المسار كمستقر باالصطالح العلمي الفيزيائي ذاته‪ ،‬ألن األمر‬
‫هنا هو في كل غروب‪ .‬وهنا يالحظ المدى أو الملكة الحدسية المميزة التي أوتيها ابن حجر‬
‫العسقالني رحمه هللا تعالى‪ ،‬وهي أعلى ما كان من النقاط والمواقع في النظر والحق اإلدراكي‬
‫للمسألة واإلشكال‪ ،‬نعني في تجاوزه الظاهر المادي للشمس في قوله‪ ' :‬ويحتمل أن يكون المراد‬
‫بالسجود سجود من هو موكل بها من المالئكة'‪.‬‬
‫وإذا أردنا بهدي من ربنا عز وجل الذي له الحمد والمنة سبحانه‪ ،‬إذا أردنا حل اإلشكال فهو‬
‫قريب يسير‪ ،‬وليس علينا إال أن نعود إلى المرتكزين السابقين‪ ،‬ولنكن منطقيين وعلميين كما يرضاه‬
‫لنا سبحانه الذي وهبنا السمع واألبصار واألفئدة؛ فال نقوّ ض معايير علم الحديث والرواية‪ ،‬وال‬
‫نصادر معنى وضع للفظ في اللسان‪ ،‬ال نسلك ذلك من أجل أن نختلق ونخرّ ق أقواال حلوال وما هي‬
‫بحلول‪ ،‬وال هي رفعت اإلشكال أو ما أريد له عند البعض جهال بمعاني الكلم وخطر البيان أو‬
‫إغراضا محضا‪ ،‬أريد له أن يكون شبهة‪ ،‬وما هو بشبهة يقينا‪.‬‬
‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫المرتكز الثالث‪:‬‬
‫األسر الخلقي والنسبية اإلدراكية والتواجدية للمخلوقات‬
‫إننا ال ندرك من الحقيقية الوجودية إال ما هو في حقل ومدى وقدرة آليتنا اإلدراكية المصنوعة‬
‫والمخلوقة‪{ :‬نحن خلقناهم وشددنا أسرهم وإذا شئنا بدّلنا أمثالهم تبديال'}(اإلنسان‪ .)28‬والسعة‬
‫اإلدراكية ال تُتجاوز إال بالعلم الخبري والنبوئي‪ ،‬الذي مصدره آلية وسعة إدراكية أعلى‪ ،‬وهنا بالنسبة‬
‫لإلنسان المصدر هو الوحي الكريم والنبوة‪ ،‬فاإلنسان ال يعلم وجود الجن والمالئكة إال بالوحي؛ أو بالعلم‬
‫الصناعي‪ ،‬مثاله تغير حالة العدم إلى الوجود للبكتيريا وعالم البكتيريا بالنسبة إلى اإلنسان بعامل التطور‬
‫العلمي وتطور عالقة اإلنسان بمجاله الوجودي‪ ،‬ومثاله أيضا النظمات الذرية اإللكترونية والنووية‬
‫المتشاكلة والنظمات الشمسية والمجراتية والمماثلة لها‪.‬‬
‫ووضوح هذه المحدودية والنسبية في الصيغة اإلدراكية يكون قريبا باستحضار اختالف الشريط‬
‫أو الطيف الموجاتي والذبذباتي لحاستي السمع والبصر عند اإلنسان والحيوان والدواب والهوام؛‬
‫فليست هي على سلم وال على شريط واحد كما هو معلوم؛ منهم من هو أقوى حدة وسعة من اإلنسان‬
‫في بعض حواسه أو أضعف‪ .‬بل من الحيوانات والهوام من ال يشاكل اإلنسان وال غيره من الحيوان‬
‫في حاسة البصر مثال‪ ،‬إذ ليس ذلك من متوافق نظمته الخلقية‪ .‬فلكل ّ من الكائنات معدِّله‪ 9‬التواجدي‬
‫واإلدراكي‪ .‬وهذا األمر هو الذي يحيلنا إلى الصيغة اإلدراكية للوجود وللكائنات في المجال‬
‫الوجودي‪ ،‬مما هو متصل على نحو قريب بما أمكن ترجمته بعلم‪ 10‬األنظمة الحياتية واإلدراكية‬
‫‪9‬‬

‫‪Modulateur‬‬
‫‪10‬‬
‫‪La Bionique‬‬

‫‪11‬‬

‫للكائنات‪ ،‬والذي فتح ويفتح آفاق اإلبداع العلمي و الصناعي‪ ،‬في كل حقوله من العسكري والطبي إلى‬
‫غيرهما من المجاالت‪ ،‬على أساس من األنظمة والنماذج العلمية الجاهزة والبديعة جد المتطورة‪،‬‬
‫بالنسبة لحدود الطاقة العقلية اإلنسانية بمعزل عن هذا المعطى الممكن في التسخير واإلفادة‪ .‬وفي‬
‫حقل كنه هذا العلم يكون التساؤل عن اختالف سجود الشمس وتسبيحها عن سجودنا وتسبيحنا مجرد‬
‫إشارة على تخلف العقل من حيث تحصيل الحقائق واألنساق العلمية والعقلية؛ وسبحان هللا تعالى‬
‫القائل في كتابه العزيز‪{ :‬يسبح له السماوات السبع واألرض ومن فيهن' وإن من شيء إال يسبح‬
‫بحمده' ولكن ال تفقهون تسبيحهم' إنه كان حليما غفورا'}(اإلسراء‪!)44‬‬
‫إنه ليس يعلم أنه جاهل أو أنه في حقل قوله تعالى‪{ :‬وما أوتيتم من العلم إال قليال'}(اإلسراء‪)85‬‬
‫وقوله تعالى‪{ :‬إنا عرضنا األمانة على السماوات واألرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها'‬
‫وحملها اإلنسان إنه كان ظلوما جهوال}(األحزاب‪ )72‬وقوله عز وجل‪{ :‬وهللا يعلم' وأنتم ال‬
‫تعلمون'}(البقرة‪ ،214‬آل عمران‪ ،65‬النحل‪ ،74‬النور‪ ،)19‬ال يعْ لم ذلك من يحسب أن اعتباره‬
‫للشمس وهي تلوح إليه طالعة َّأول الصباح‪ ،‬أو هو يبحث عن ظل يكنه من لهيبها في رابعة النهار‬
‫فصل الصيف‪ ،‬أو يستمتع بنورها المنعكس على األفق آفلة وقت غروبها‪ ،‬هو اعتبار غيره من‬
‫المخلوقات والكائنات الحية لها‪ .‬فأبعاده الحواسية ليست هي أبعادها‪ ،‬بل ونظمة حواسه الخلقية ليست‬
‫كنظمتها‪.‬‬
‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫المرتكز الرابع‬
‫استجالء حقيقة التسخير الخلقي‬
‫فالورود الجميلة التي تجذبنا إليها بروعة منظرها‪ ،‬واألزهار اليانعة الخالبة التي تسحرنا فال‬
‫نقوى على التحرر من سحر جمالها؛ ليس اختالف ألوانها‪ ،‬بل وال هذا البديع من فاتن جمالها‪ ،‬ليس‬
‫إال تناسقا بنظمة اإلنسان‪ ،‬الذي لجهله قد يستمتع بجمالها وال يدرك حقيقة من سخرها‪ ،‬لتكون جميلة‬
‫في عينه‪ ،‬وتفصيال على حواسه ونظمة حواسه الخلقية‪.‬‬
‫إن هذه األلوان واختالفها ما هو إال بفعل وجود تراكمات خضاب أو خضوب في الخاليا قادرة‬
‫انتقائيا على امتصاص جزء من الضوء المرئي‪ ،‬لييقى الجزء غير الممتص هو الذي ينعكس على‬
‫العين‪ ،‬وليكون هذا التأثير أو األثر الناتج هو حقيقة اللون‪.‬‬
‫صة للموجات المتوسطة الطول (األصفر‪ ،‬األخضر) والقصيرة (األزرق‪،‬‬
‫وهكذا إذا فمادة ممت ّ‬
‫البنفسجي) من شريط أو طيف الضوء المرئي‪ ،‬سوف تعكس الموجات الطويلة‪ ،‬وستظهر بذلك للعين‬
‫‪11‬‬
‫بلون أحمر‪.‬‬
‫ومنه عالوة على إلقاء الضوء لتمثل حقيقة التسخير الذي سيكون له شأنه في حل اإلشكال‬
‫بالصعود بهيئة التصور واإلدراك لمفهوم الخلق التسلسلي والمتنزل كما سيتبين؛ عالوة عليه‪ ،‬يستنبط‬
‫أنه على األقل يوجد بعد إدراكي ها ّم للوجود‪ ،‬وللموجودات والكائنات التي هي بمجالنا الحيوي‬
‫‪PASCAL GANTET ET MICHEL DRON: LES COULEURS DES FLEURS - LA RECHERCHE N 256 – JUILLET-AOUT‬‬
‫‪11‬‬
‫انظر ‪1993 :‬‬

‫‪12‬‬

‫والوجودي‪ ،‬ليس واحدا عند عناصر هذه البيئة والمجال‪ .‬فاالعتبار الوجودي لآلخر هو نسبيّ ‪ .‬لكل‬
‫نظمة خلقية آليتها ومستوياتها ال َّتماس ّية مع الوجود ومع الكون في مجالها‪.‬‬
‫من هذه النسبية على مستوى األنواع يستنبط اختالف االعتبار الوجودي بالنسبة لألشخاص‬
‫كعناصر نفسية وشعورية‪ ،‬فاإلنسان الفرح المسرور يرى الوجود كله يبتسم له‪ ،‬والنكد الحزين يراه‬
‫مظلما في عينيه‪ ،‬عالم النكد والحزن‪ ،‬إال المصلين الذين هم على صالتهم دائمون‪ ،‬فهم ينظرون إليه‬
‫من موقع عالم الروح الحق‪ ،‬ال من حجزه وضيق زاويته طبقة دنيا من كل الوجود إسقاطا‪ .‬فهم بهذا‬
‫الفقه للوجود‪ ،‬أعلى ما يمكن للفكر اإلنساني والفلسفي أن يبلغه‪ ،‬تتحصل لهم حقيقة حديثه صلى هللا‬
‫عليه وسلم‪":‬لو كانت الدنيا تعدل عند هللا جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء"‪ ،12‬ذلك أن هذا‬
‫اإلسقاط الذي يمثله العالم األسفل واألدنى إنما هو تفصيل للحق‪ ،‬فهو دونه ودون فضائه‪ ،‬أو هو دون‬
‫أن يكون مجرد نقطة من فضاء الحق‪.‬‬
‫وهنا يلزمنا تحصيل أمرين هامين من خالل مثال اللون هما‪:‬‬
‫‪ -1‬التسلسل والتنزل ألمر الخلق من خالل تسلسل خلقي متنزل غايته إنشاء خلقي كمثال اللون‪.‬‬
‫‪ -2‬نسبية العالقة واالعتبار الوجودي‪.‬‬

‫وعلى صلة بهذا اإلشكال أو هذه الحقيقة في أبعاد هيئات التصور والتمثيل 'كذلك نجد قريبا من‬
‫هذا القول في تفسير أول سورة القلم‪{:‬ن}‪ ،‬لتعني معنى الحوت أو ما يحمل عليه األرض ويكبس‬
‫وقبيل ذلك؛ فهذه األقوال تتصل وتدخل في إطار البيان المجازي الذي نظمته االستعارة‪ ،‬وتعليله‬
‫البون الشاسع بين اإلدراك اإلنساني في طاقته وحدوده وحدود صيغه وإمكان إدراكاته‪ ،‬وما هو مراد‬
‫إدراكه وموصول بصلة البيان‪ .‬لذلك فال ينبغي ردها إلى غير المعقول من القول وما ال يقبل من‬
‫الحقائق‪ .‬وبمعنى مختزل نقول بأن كل نقطة قرب أنفنا أمكنها أن تحتوي السماوات السبع‬
‫واألرضين‪ ،‬ولكن خلق هللا العلي الحكيم ال نعلم منه إال ظاهرا من الحياة الدنيا‪ ،‬وبحسب ما شاء هللا‬
‫تعالى أن نعلمه وندركه‪ ،‬وخاصة في الهيئة والتصور؛ وهذا هو صلب اإلشكال؛ ومن كان يجهل هذا‬
‫األصل فهو يجهل نفسه وجاهل لحقيقة ما يدركه ويعلمه؛ ولقد يسر هللا تعالى القرآن للذكر وفيه قوله‬
‫سبحانه‪:‬‬
‫{وما أوتيتم من العلم إال قليال'}(اإلسراء‪)85‬‬
‫{قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع واألبصار واألفئدة' قليال ما تشكرون'}(الملك‪)23‬‬
‫{نحن خلقناهم وشددنا أسرهم وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديال'}(اإلنسان‪)28‬‬
‫فعلم اإلنسان مخلوق وصيغه‪ ،‬ألن أداته وآليته مخلوقة‪.‬‬

‫‪12‬‬

‫عن سهل بن سعد الساعدي رضي هللا عنه‪ ،‬رواه الترمذي وقال‪ :‬حديث حسن صحيح‪ :‬موقع الشيخ الدكتور خالد بن عثمان السبت‬

‫‪13‬‬

‫‪13‬‬

‫ارتأينا أن نذكر هذا حتى يكون لكالمنا وحديثنا أثره العملي ووضوحه بقدر اإلمكان‪'.‬‬

‫ولقد عرضنا لنفس اإلشكال في ردنا على محمد عابد الجابري بخصوص الفارابي وابن سينا‬
‫رحمهما هللا تعالى‪:‬‬
‫'فهؤالء أكثرهم سواء من المسلمين أو من غيرهم ال يتصورون هذا التنزل والتسلسل التنزلي للخلق‬
‫واألمر إال في صورته األجرامية بهذه المسافات للسنين الضوئية المجراتية‪ .‬وهذه إنما هي الطرف‬
‫القصي الظاهر؛ وليست إال صورة أولية ابتدائية كما هو اللحد والقبر بالنسبة إلى ماوراء هذا الظاهر من‬
‫العالم والوجود‪ .‬ومن هذا تحديدا يتبين لك مدى سذاجة وكيد واستجهال الذين يخاطبون الناس ويثيرون‬
‫لهم بالنسبة لفكر الفارابي وابن سينا‪ ،‬يثيرون لهم سؤال بعث األجساد من غيره‪ .‬ففي البخاري عن علي‬
‫موقوفا "حدثوا الناس بما يعرفون‪ ،‬أتحبون أنْ يكذب هللا ورسوله؟ وفي مسلم عن ابن مسعود قال‪" :‬ما‬
‫أنت بمحدث قوما حديثا ال تبلغه عقولهم إال كان لبعضهم فتنة‪ 14".‬فما بالك في كالم الفارابي وابن سينا‪،‬‬
‫والجهل سائد وإدراك العقول ليس بذاك‪ ،‬والكيد والمكر لإلسالم والمسلمين وألشرف رجاالتهم وعلمائهم‪،‬‬
‫ظاهران غير خفيين‪.‬‬
‫إن في كل نقطة من هذا الوجود حقل لهذا التنزل كما هو التنزل بالحق في الدائرة إلى حين رسمها‬
‫كائنا هندسيا؛ فتنزل األمر كذلك سواء في الذرة أو في األنظمة النجومية‪ .‬فكما أن العقل أيسر له أن يفقه‬
‫التكافؤ الوجودي بين الطاقة الكمونية والطاقة الحركية وبين الكتلة والطاقة‪ ،‬فكذلك التجلي للخلق واألمر‬
‫بين القوانيني والمادي؛ وكالهما تفصيل للحق وبالحق‪ .‬ففي كل نقطة من الوجود تنزل األمر بين‬
‫السماوات واألرضين كما في الوجود كله؛ كل نقطة من المجال الوجودي مجال وجودي على نسق أن‬
‫كل قطعة من حقل مغناطيسي حقل مغناطيسي‪.‬‬
‫ومن جهة التصور الهيئاتي للمكونات الكونية الوجودية وسؤال الهيئة الجوهرية لهذه المكونات‪ ،‬أو‬
‫ما أسميناه في الجزء الثالث وغيره باللوحات التركيبية على مشاكلة اسمية للوحات الجيولوجية‪ ،‬فإن‬
‫هيئتها وكونها غير حيزاتية وغير اتصالية بالتصور الفضائي الهندسي األرضي المادي‪ ،‬ال تنضبط إال‬
‫بالضبط األول كون اإلسقاط الهندسي ليس واحدا في زاويته وال في بعد فضاء صورته‪ ،‬وليس هو‬
‫منحصرا على الهندسة المستوية أو األوقليدية‪ .‬وبمعنى أو قول أوضح‪ ،‬فالجواهر واللوحات التركيبة‬
‫للخلق واألمر ليست محكومة بالعالقات التركيبية الهندسية كما هي في اإلدراك األولي للعقل‪ ،‬أي أن هذه‬
‫الجواهر واللوحات فوق قانون التحدب لهذا الفضاء األرضي‪ .‬وأجلى ما يوضح هذا هو أن الركوع يكون‬
‫فيه االنطباق بمكون مالئكي حاله الركوع أبدا وكذلك السجود‪ ،‬ذلك من قوله تعالى‪{:‬وما منا إال له مقام‬
‫معلوم' وإنا لنحن الصافون وإنا لنحن المسبحون'}(الصافات‪)166..164‬‬
‫فتدبر الكلم والمعاني‪ ،‬فالتحديد هنا والثبوتية الجوهرية محددة أيما تحديد بكال اللفظين 'مقام'‬
‫و'معلوم'‪ ،‬ثم اإلخبار التوكيدي اإلنكاري‪ ،‬الذي ليس يأتي وبحسب هذا السياق إال تبيانا وإعالما لخطر‬
‫المعلومة والشأن المعرفي لما يفيده الخبر‪ .‬وكم هو عظيم وأحق بأولي النظر واأللباب أن يفقهوا فال‬
‫يتخرصوا على الفارابي وابن سينا‪ ،‬أن يفقهوا كون الخلق واألمر كله أحوال تركيبية‪ ،‬فتبارك هللا أحسن‬
‫الخالقين‪ .‬فكما هو طرف البيان الكريم المبارك لآلية إفادته أن حقيقة وجوهر الذي يصف الصفوف‬
‫ويسبح هم الجوهر الوجودي والكوني للمالئكة‪ .‬فقد كان هللا تعالى ولم يكن معه شيء‪ ،‬وخلق سبحانه‬
‫‪13‬‬

‫انظر كتابنا 'مفاتيح علم الكتاب' ص‪( 183..182‬على الفيسبوك)‬
‫‪14‬‬
‫ملتقى أهل الحديث < منتدى التخريج ودراسة األسانيد‬

‫‪14‬‬

‫وتعالى كل شيء من ال شيء‪ ،‬هذا ما يتلى آيات بينات في قوله عز وجل‪{:‬الحمد هلل فاطر السماوات‬
‫واألرض جاعل المالئكة رسال أولي أجنحة مثنى وثالث ورباع' يزيد في الخلق ما يشاء' إن هللا على كل‬
‫شيء قدير'}(فاطر‪)1‬‬
‫ولهذا بالذات كان المكون البرهاني األقوى الذي اعتمدناه في كتابنا 'تفصيل الخلق واألمر' هو‬
‫تأصيل وإعادة الصورة التكوينية للكون كله من نقطة البدء للخلق المادي من خالل نموذج االنفجار‬
‫الكبير من خالل ارتكازه على التغير الكثافاتي للفضاء كمبدإ لالنجذاب التكتلي‪ .‬يقول هللا تعالى‪{:‬أو لم ير‬
‫الذين كفروا أن السماوات واألرض كانتا رتقا ففتقناهما' وجعلنا من الماء كل شيء حي' أفال يؤمنون'‬
‫وجعلنا في األرض رواسي أن تميد بهم' وجعلنا فيها فجاجا سبال لعلهم يهتدون' وجعلنا السماء سقفا‬
‫محفوظا' وهم عن آياتها معرضون' وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر' كل في فلك‬
‫يسبحون'}(األنبياء‪ )33..30‬ويقول سبحانه وهو الخالق العليم‪{:‬وجعل لكم السمع واألبصار واألفئدة قليال‬
‫ما تشكرون'}(السجدة‪)8‬‬
‫فإفادة العنصر البياني ل'جعل' الكون بخلق أحوال تركيبية لهذا الكون؛ فالسمع والبصر كمثل بسيط‬
‫وواضح كما الليل والنهار‪ ،‬ليسا إال حاالت تركيبية لعالقات تفاعلية ووجودية ألشياء وعناصر خلقية‬
‫أخرى‪ ،‬وهكذا حتى نصل إلى كنه قوله تعالى‪{:‬إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون'}(يس‪)82‬‬
‫وقوله عز وجل خالق كل شيء‪{:‬وسخر لكم ما في السماوات وما في األرض جميعا منه' إن في ذلك‬
‫‪15‬‬
‫آليات لقوم يتفكرون'}(الجاثية‪')12‬‬

‫هذا التنزل للخلق واألمر هو الذي يجب أن نصل إلى استيعابه وضبطه حق االستيعاب والضبط‪.‬‬
‫وإن هذا في الحقيقة ال يتم إال باالتساع والصعود لمماثلة ومقابلة المركوب والملبوس والمأكول‪،‬‬
‫والمشروب والمرئي والمسموع‪ ،‬واإلحساس والشعور‪ ،‬على كونها كلها أشياء خلقية‪ ،‬وكلها مخلوقة رزقا‬
‫ومتاعا وأحواال من تنزل وتسخير متسلسل‪ .‬فالخبز عطاء‪ ،‬والعلم عطاء ورزق يتفاوت فيه الناس كما‬
‫يتفاوتون في المال‪ ،‬وكذلك حسن الخلق‪ ،‬والسرور عطاء‪ .‬والحزن كما الفقر حال شيء متنزل مخلوق‪.‬‬
‫الفرق بين هذه األشياء المخلوقة هو باعتبار الهيئة التصورية الغالبة لإلنسان‪ ،‬الذي لم يعرف‬
‫للشيء والمتاع معنى إال ما كان له كتلة وحيز‪ ،‬ولكنه ال يعرفه إال على حال كونه وال ير ما قبله في‬
‫تكوينه وتنزل خلقه المتسلسل‪ .‬ولو اتسع عقله ليدرك التكوين التنزلي والتسلسلي لألجرام واألجسام‬
‫لتحصل له أوال‪ :‬أن سنخها وأصلها األول ليس ماديا‪ ،‬وثانيا‪ :‬أن ليس وحدها األجرام واألجسام هي التي‬
‫لها حقيقة المخلوقات واألشياء؛ فالليل والنهار مخلوقان‪ ،‬وما الشمس والقمر‪ ،‬إال من طرف الحلقات‬
‫التسلسلية في هذا الخلق؛ يقول عز من قائل‪:‬‬
‫{هللا الذي خلق سبع سماوات ومن األرض مثلهن' ي َّ‬
‫تنزل األمر بينهن لتعلموا أنَّ هللا على كل شيء‬
‫قدير وأنَّ هللا قد أحاط بكل شيء علما'}(الطالق‪)12‬‬
‫ونجد تفسيرا وتفصيال في قوله سبحانه‪:‬‬

‫‪15‬‬

‫الجابري دون عتبة القرآن الكريم – ص‪172..171‬‬

‫‪15‬‬

‫{هللا الذي رفع السماوات بغير عمد' ترونها' ثم استوى على العرش' وسخر الشمس والقمر' كل‬
‫يجري ألجل مسمى' يدبر األمر' يفصل اآليات لعلكم بلقاء ربكم توقنون' وهو الذي م َّد األرض وجعل‬
‫فيها رواسي وأنهارا' ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين' يغشي الليل النهار' إنَّ في ذلك آليات‬
‫لقوم يتفكرون' وفي األرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان‬
‫تسقى بماء واحد' ونفضل بعضها على بعض في األكل' إنَّ في ذلك آليات لقوم يعقلون'}(الرعد‪)4..2‬‬
‫فالخلق هو تنزل متسلسل ألمر هللا تعالى‪ ،‬ولهذا جاء قوله تعالى في االية األولى‪{ :‬لتعلموا أنَّ هللا‬
‫على كل شيء قدير وأنَّ هللا قد أحاط بكل شيء علما'} فالخلق جميعا في قبضته عز وجل وبأمره‪ ،‬وال‬
‫يكون شيء في األرض وال في السماء إال وكونه بأمره سبحانه وعلمه‪ ،‬ولهذا جاء االقتران في القرآن‬
‫الكريم بين العلم والقدرة‪:‬‬
‫{وما كان هللا ليعجزه منْ شيء في السماوات وال في األرض' إ َّنه كان عليما قديرا'}(فاطر‪)45‬‬
‫{إ َّنه عليم قدير'}(الشورى‪)47‬‬
‫وبداهة العلم على البداهة أرفع درجة اإلخبار من االستفهام اإلنكاري في قوله تعالى‪:‬‬
‫{أال يعلم منْ خلق وهو اللطيف الخبير'}(الملك‪)14‬‬
‫وهذا الوصل الذي أثبتناه هنا يرسخه ويؤكده‪ ،‬وأعلى أوجه التفسير تفسير القرآن ببعضه‪ ،‬أقول ما‬
‫يرسخه ويؤكده آيات القرآن الحكيم‪:‬‬
‫{ألم أن هللا يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري إلى‬
‫أجل مس َّمى وأنَّ هللا بما تعملون خبير'}(لقمان‪)28‬‬
‫{يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل' وسخر الشمس والقمر' ك ّل يجري ألجل مس ّمى'‬
‫ذلكم هللا ر ّبكم له الملك' والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير'}(فاطر‪)13‬‬
‫فقوله تعالى‪{ :‬وأنَّ هللا بما تعملون خبير'} و{ذلكم ر ّبكم له الملك'} متوافقان صنف ّيا مع داللة قوله‬
‫تعالى‪{ :‬أنَّ هللا قد أحاط بكل شيء علما'} و{أنَّ هللا قد أحاط بكل شيء علما'}‬
‫وهذه البداهة اللزومية هي التي تكشف االفتراء العظيم على الحسين بن سينا رحمه هللا‪ ،‬سواء‬
‫من أهل الدين الذين يحسبون في أنفسهم أنهم هم الجماعة والطائفة وغيرهم ليس على شيء كما قال‬
‫الذين من قبلهم‪ ،‬أو من غيرهم م َّمنْ يا حسرة يحسبون على أهل الفلسفة‪ ،‬افتراءهم جميعا بأنه رحمه‬
‫كان يقول بأن هللا تعالى عما يقولون علوّ ا كبيرا ال يعلم الجزئيات‪ ،‬والحسين رحمه هللا تعالى على‬
‫كمال التنزيه في صفة العلم كونها هي أصل القدرة والخلق‪ ،‬وذكر في خالله قوله جل وعال‪{ :‬ال‬
‫يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات وال في األرض' وال أصغر من ذلك وال أكبر إال في كتاب‬
‫مبين}(سبإ‪:)3‬‬
‫' ولتستبين سبيل المفترين الذين يمتهنون تحريف الحقائق وال يلوون على وازع من اإليمان وخوف‬
‫من مغبة وسوء عاقبة ظلم العباد‪ ،‬فهذا كالم الرجل ولفظ كلماته وعبارات فكره‪ ،‬فانظر هل ترى فيه مما‬
‫قالوا أم هي خيانة منهم لواجب األمانة والنصح في حق أتباعهم ومريديهم‪ ،‬الذين أنزلوهم على غير ما‬
‫‪16‬‬

‫يرضي الحق الذي خلق فسوى وأنعم بالسمع والبصر والفؤاد فكرّ م‪ ،‬أنزلوهم منزلة العقل الذي به يعقلون‬
‫والبصر الذي به يبصرون؟ هذا كالم ابن سينا رحمه هللا‪ ،‬ومن الغريب أنه ذاته الذي ساقه الشهرستاني‬
‫في فصل الحديث عنه‪:‬‬
‫<بل كما أنه مبدأ كل وجود فيعقل من ذاته ما هو مبدأ له‪ .‬وهو مبدأ للموجودات التامة بأعيانها‬
‫والموجودات الفاسدة بأنواعها أوال وبتوسط ذلك بأشخاصها‪ .‬وال يجوز أن يكون عاقال لهذه المتغيرات‬
‫مع تغيرها حتى يكون تارة يعقل منها أنها موجودة غير معدومة وتارة يعقل منها أنها معدومة غير‬
‫موجودة‪ .‬ولكل واحد من األمرين صورة عقلية على حدة‪ ،‬وال واحد من الصورتين يبقى مع الثانية فيكون‬
‫واجب الوجود متغير الذات‪ ،‬بل واجب الوجود إنما يعقل كل شيء على نحو فعلي كلي‪ ،‬ومع ذلك فال‬
‫يعزب عنه شيء شخصي‪ ،‬ف{ال يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات وال في األرض}‪ ،‬وأما كيفية ذلك‪،‬‬
‫فألنه إذا عقل ذاته وعقل أنه مبدأ كل موجود عقل أوائل الموجودات وما يتولد عنها‪ .‬وال شيء من‬
‫األشياء يوجد إال وقد صار من جهة ما واجبا بسببه‪ ،‬فتكون األسباب بمصادماتها تتأدى إلى أن يوجد‬
‫عنها األمور الجزئية‪ .‬فاألول يعلم األسباب ومطابقاتها‪ ،‬فيعلم ضرورة ما تتأدى إليه وما بينها من األزمنة‬
‫وما لها من العودات‪ .‬فيكون مدركا لألمور الجزئية من حيث هي كلية‪ ،‬أعني من حيث لها صفات‪ ،‬وإن‬
‫‪16‬‬
‫تخصصت بها شخصا فباإلضافة إلى زمن متشخص أو حال متشخصة>‬
‫فيظهر إذا أن من يجرد قوله‪< :‬وال يجوز أن يكون عاقال لهذه المتغيرات مع تغيرها> عن سياقها‬
‫إنما يعمد خيانة القول وخداع الناس ليلبسوا عليهم تصوراتهم ومواقفهم‪ .‬وليت األمر يقصر على السياق‬
‫األولي للتركيب‪ ،‬فإن هاهنا ركنه فصل الخطاب الذي مربطه نظمة قراءة الخطاب المحددة لسياقات‬
‫المعاني وفضاءاتها ال سياقات التركيب‪ ،‬بمعنى أن األمر هنا ليس مقتصرا في التحريف على مثل من‬
‫يقف في قراءته لآلية الكريمة من سورة الماعون{ويل للمصلين الذين هم عن صالتهم ساهون‪ }..‬فيقف‬
‫عند قوله{للمصلين}‪ ،‬وهنا يحاكيه ويماثله بتر الكالم بعضه عن بعض وهو في كليته جوهر وحقيقة‬
‫واحدة‪ ،‬عمدتها وسبيكتها التي تقوم عليها هي التعليل‪ ،‬بل يرتبط أساسا بالمرجع اإلطار للخطاب الذي‬
‫دونه العمى والضالل ومظنات الدجل واإليهام والتدليس‪ ،‬وهو اإلطار المتصل بسبيل من التوضيح بذات‬
‫التعليل‪ ،‬ذلك أن المعلم البياني‪ ،‬معلم وبيان ابن سينا رحمه هللا ينطلق من متغيرات ومحددات اإلدراك‬
‫اإلنساني وكفاءته‪ ،‬وطاقته التصورية واالستيعابية للحقائق وللخلق واألمر‪.‬‬
‫فابن سينا رحمه هللا أراد بقوله خالف ما سعوا في تلبيسه إياه؛ وما كان لرجل مثله قد آتاه هللا من‬
‫نور الحكمة والعقل أن يأتي منكر القول وأبعد ما يكون عن سوي السبيل معنى وقيال‪ .‬لقد أراد بما أيسره‬
‫من الكلم ومن ضروب قريبة من التعليل والتبيان معتمدا تارة على رصيد مخاطبه المعجمي‪ ،‬وتارة‬
‫مخاطبا فؤاده بما أيسر من أدنى نسق التفكير والبرهان‪ ،‬وهذا ما يتجلى ويفيده عين كالمه‪ ،‬وما النصح‬
‫في هذه الحال إال البالغ واإلشهاد‪ .‬لقد سعى وأراد أن ينزه ذا الجالل واإلكرام جل وعال بسلب كل معاني‬
‫التركيبية والجهاتية عن ذاته عز وجل وعلمه‪ ،‬إذ التركيبية والتجزيئية ينتج عنه التغير وعدم الوحدة‬
‫وعدم الثبات؛ فهو رحمه هللا تعالى ينفي هذا التصور التجزيئي التغيري في علم هللا تعالى ولم ينف علمه‬
‫سبحانه بالجزئيات وهو سبحانه بكل شيء عليم‪ .‬ولعله أو من أجل ذلك نجده على ال ّتوّ يرد على‬
‫المستجهل مما يبرهن ويدل على القوة االستحضارية التحليلية اآلنية التي من هللا عليه بها‪ ،‬بالتذكير بقوله‬
‫سبحانه‪:‬‬
‫‪16‬‬

‫‪ pdf‬الملل والنحل‪ -‬تحقيق أمين علي مهنا‪ ،‬علي حسن فاعو‪ -‬الجزء الثاني‪ -‬ص‪526‬‬

‫‪17‬‬

‫{ال يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات وال في األرض}(سبأ‪)3‬‬
‫فيتبين إذا لمن له قلب يعقل به ولم يئد عقله ليجعل اآلخرين يعقلون له‪ ،‬ومن حصل له فقه معنى‬
‫االتباع في الدين وكيف كانت الربوبية في بني إسرائيل‪ ،‬أن الذي أراده ابن سينا رحمه هللا موجه للتصور‬
‫المخلوق اتي الذي يتمسك به من يدعون ويحتكرون تمثيل السلف؛ وإنما مذهب السلف حقيقة وعند هللا‬
‫الغني الحميد هو الحق حيثما كان وحيثما كانت وجهته‪ ،‬إال الذين ظلموا فال يخشى سواه‪ ،‬وهو تعالى‬
‫يهدي إلى الحق‪ ،‬وإلى عبادته وحده من غير اتخاذ أولياء يصدون عن السبيل ويفسدون في األرض وال‬
‫‪17‬‬
‫يصلحون‪ ،‬ويحسبون ويخالهم من جهل أمرهم ناصحين مرشدين‪'.‬‬

‫فالشمس والقمر مسخران ضمن تسخير ما في السماوات وما في األرض‪{ :‬ألم تروا أنَّ هللا س َّخر لكم‬
‫ما في السماوات وما في األرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة' ومن الناس من يجادل في هللا بغير‬
‫علم وال هدى وال كتاب منير'}(لقمان‪)19‬‬
‫{هللا الذي س َّخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون' وس َّخر لكم ما‬
‫في السماوات وما في األرض جميعا منه' إنَّ في ذلك آليات لقوم يتفكرون'}(الجاثية‪)12-11‬‬
‫{هللا الذي خلق السماوات واألرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم' وس َّخر‬
‫لكم الفلك لتجري في البحر بأمره' وس َّخر لكم األنهار' وس َّخر لكم الشمس والقمر دائبين' وس َّخر لكم الليل‬
‫والنهار' وآتاكم من كل ما سألتموه' وإن تعدوا نعمة هللا ال تحصوها' إنَّ اإلنسان لظلوم‬
‫كفار'}(إبراهيم‪)36..34‬‬
‫وإن شئت الجامع لكل ذلك جميعا‪ ،‬فا ْتل قوله تعالى وهو العليّ الحكيم‪:‬‬
‫{ذلك بأنَّ هللا يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وأنَّ هللا سميع بصير' ذلك بأنَّ هللا هو‬
‫الحق وأنَّ ما تدعون من دونه هو الباطل وأنَّ هو العلي الكبير' ألم تر أنَّ هللا أنزل من السماء ماء فتصبح‬
‫األرض مخضرة' إنَّ هللا لطيف خبير' له ما في السماوات وما في األرض' وأنَّ هللا هو الغني الحميد' ألم‬
‫تر أنَّ هللا س َّخر لكم ما في األرض والفلك تجري في البحر بأمره' ويمسك السماء أن تقع على األرض إال‬
‫بإذنه' إنَّ هللا بالناس لرؤوف رحيم'}(الحج‪)63..58‬‬
‫وهنا مثال على الذي أحسن في تفسير وإيضاح حقيقة تنزل األمر اإلنشائي للخلق‪ ،‬مثال األرض‬
‫المخضرة‪ ،‬فالعالقة اإلنشائية على الطرف األخير الظاهر لكل العقول مهما كانت منحطة عن تمثل‬
‫الهيئات الهندسية الفضائية‪ ،‬أو السببية غير البسيطة وغير البدائية‪ ،‬الممثلة في الحيز والكتلة والمؤثر‬
‫الميكانيكي المباشر‪ ،‬العالقة اإلنشائية البسيطة بين إنزال المطر واخضرار األرض أو بتحديد أدق‬
‫'األرض المخضرة' معبر عنها بحرف الفاء في قوله تعالى {فتصبح} وفعل 'أصبح' الدال على التحول‬
‫واالنتقال األحوالي الذي هو في حقيقته انتقال خلقي‪.‬‬

‫‪17‬‬

‫تفصيل الخلق واألمر في سؤال حوار األديان وتفرق المذاهب الفقهية – ص‪250..248‬‬

‫‪18‬‬

‫وإن إنزال المطر كذلك له حلقة إنشاء مسخر فيها فلك األرض المشحون بجاذبيته والبحار والرياح‬
‫المرسلة والشمس والقمر‪ ،‬وهذه كلها مسخر فيها بنية الكون المادية والمجرات‪ ،‬بدءا بخصائص‬
‫األرض التكوينية‪ ،‬وميل محورها القطبي يميناعن العمودي على مستوى دورانها من المغرب إلى‬
‫المشرق على الشمس ب‪ 23.5‬درجة مع ثبات هذا الميل؛ دوران أو التفاف ينتج عنه الليل والنهار‬
‫واختالف متدرج لطولهما بفعل هذا الميل‪ ،‬الذي بفعل تأثير القمر ودوران األرض حول الشمس تنتج‬
‫أحوال متغيرة للمناخ على مسار المدار وتنشأ الفصول‪ .‬وهذه جميعا متصلة إنشائيا وتأثيريا بالعالقة‬
‫اإلنشائية للشمس بين النجوم في مجرتنا‪ ،‬مجرة درب التبانة‪ ،‬هكذا دواليك حتى نصل إلى األمر األول‬
‫الذي في قوله عز وجل‪{ :‬إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن' فيكون'}(البقرة‪.)116‬‬
‫ولو ذهبنا على أوسع التأصيل لوجدنا أن الحياة في خلقها وظواهرها تنزل لألمر على الذي رأينا‪:‬‬
‫{وفي األرض آيات للموقنين' وفي أنفسكم' أفال تبصرون'}(الذاريات‪)21-20‬‬
‫هنا إذا نخلص إلى كمال التوافق للمحصل العلمي اإلنساني من هذه الحقيقة المنصوص عليها في‬
‫القرآن الكريم‪ ،‬حقيقة تنزل أمر الخلق التسخيري اإلنشائي‪.‬‬
‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫المرتكز الخامس نحو حل اإلشكال وليطمئن القلب‬
‫الفضاء المادي ليس إال ظاهرا من الفضاء الحق‪ ،‬فضاء العرش والسجود‬
‫لكن الذي ينبغي اعتباره اآلن هو األسّ الوجودي المهيمن على هذا التنزل في أبعاده نزال أو‬
‫صعدا‪ .‬والحمد هلل ذي الحجة البالغة أن المجمع عليه من أهل العلم والتفكر والفالسفة والحكماء متفقون‬
‫ومسلمون تسليما علميا أن المهيمن الذي يرجع إليه كل بعد هو الحق‪ .‬وذلك ما يرى ألهل النهى‬
‫والبصائر في صدر سورة الرعد كما تلونا آنفا‪:‬‬
‫{هللا الذي رفع السماوات بغير عند' ترونها' ثم استوى على العرش' وسخر الشمس والقمر' كل‬
‫يجري ألجل مسمى' يدبر األمر' يفصل اآليات لعلكم بلقاء ربكم توقنون' وهو الذي م َّد األرض وجعل‬
‫فيها رواسي وأنهارا' ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين' يغشي الليل النهار' إنَّ في ذلك آليات‬
‫لقوم يتفكرون' وفي األرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان‬
‫تسقى بماء واحد' ونفضل بعضها على بعض في األكل' إنَّ في ذلك آليات لقوم يعقلون'}(الرعد‪)4..2‬‬
‫كما في قوله عز وجل‪:‬‬
‫{إنَّ ربكم هللا الذي خلق السماوات واألرض في ستة أيام ثم استوى على العرش' يدبر‬
‫األمر'}(يونس‪)3‬‬

‫‪19‬‬

‫واستنباطا فالكون في تأصيله ليس إال أحواال تركيبية وتفاعلية تسخيرية وتنزلية تفصيال للحق‪.‬‬
‫هكذا واعتبارا لنسبية النظمات اإلدراكية والتواجدية للمخلوقات‪ ،‬ومنها اإلنسان؛ فإن الفضاء المادي‬
‫ليس إال جزءا إسقاطا تنزليا تفصيليا حسب نظمة اإلنسان الخلقية ومعدلها الوجودي واإلدراكي‪ ،‬نهاية‬
‫دنيا لما هو كائن في الحق؛ الفضاء المادي إن هو إال ظاهر من إسقاط أدنى أو دنيوي أسفل‪ ،‬كما هو‬
‫واضح في هيئة معكوسة حين ال تكون النقطة في السطح إال إسقاطا عليه ونهاية لعمقها حسب اعتبار‬
‫دالة اإلسقاط‪.‬‬
‫ومنه‪ :‬فالفضاء الذي يجب اعتباره في حديث السجود هو فضاء العرش وهو فضاء الحق‪،‬‬
‫هيئته ليست هي الهيئة الهندسية للفضاء المادي وال قوانينه هي قوانينه‪ ،‬بل الفضاء المادي ليس إال‬
‫تنزال وتفصيال للخلق واألمر من الحق‪' .‬فالكون باعتبار أبعاده المادية الفيزيائية ال متناهية لكن‬
‫باعتبار تفصيل على الحق إدماجا لألبعاد كلها فإنما هو كالنقطة وهللا تعالى بكل شيء محيط وهو‬
‫معكم أينما كنتم‪ ،‬وإن بين األرض والسماء الدنيا وبين كل سماء والتي فوقها ما ليس من أبعاد‬
‫‪18‬‬
‫مسافات البشر وقدرته‪'.‬‬
‫ً‬
‫إسقاطا‪ ،‬فضاء 'الدنيا'‪ ،‬هذه القوانين‬
‫إنَّ القوانين المادية للفضاء النهاية الذي يعتبر أيضا فضا ًء‬
‫المرتبطة مسلماتيا بمنطق العقل واإلدراك اإلنساني المأسور بالتجزيئية المستلزمة للمخلوقية‪ ،‬وهي‬
‫ليست مهيمنة على الحق‪ ،‬بل من تفصيله على خلقته وبيئته وفضائه المادي التواجدي‪ ،‬ال تسري إال‬
‫على المنحصر وجودا فيه؛ هي قوانين محيَّدة في الفضاء الحق وفي بيانه‪ ،‬بيان الخبرين النبويين‬
‫الشريفين‪ -‬وما ينطق صلى هللا عليه وسلم عن الهوى‪: -‬‬
‫في خبر نزول رب العزة سبحانه إلى السماء الدنيا‪ :‬عن أبي هريرة رضي هللا عنه أن رسول هللا‬
‫صلى هللا عليه وسلم قال‪:‬‬
‫"ينزل ربُّنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل اآلخر يقول‪ :‬من يدعوني‬
‫‪19‬‬
‫فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟"‬
‫وفي خبر سجود الشمس تحت العرش حين غروبها‪.‬‬
‫فالفضاء الحق هو بموقع روح العبد‪ ،‬وما الفضاء المادي فيه برمته كلية في كل آن إال الجزء‬
‫الظاهر لنظمتنا الخلقية إسقاطا نهاية‪ ،‬أي نهاية الحقيقة وطرفها الذي سيكون هو إسقاطها على هذا‬
‫الفضاء بما يعلمه هللا تعالى من دالة‪ ،‬كما هي وجوه المكعب بالنسبة إليه بإسقاط عمودي عليها‬
‫بالطبع‪ .‬فالشمس هي التي في آنه الوجودي الحق‪ ،‬وليست التي هي المادية المدركة‪ ،‬المحددة بالطبع‬
‫حسب مجالها ومرجعها وفضائها المادي‪ .‬وهي فيه منحجزة كما هو (الفضاء المادي)‪ ،‬ليست إال‬
‫جزءا ظاهرا من حقيقتها ومن مجالها وفضاء حركتها الحق‪.‬‬
‫هكذا إذن يتبين لنا أن المنحى الصحيح على مستوى مقدمة المرتكزين هو الذي برز بقوة عند أ‪.‬‬
‫د‪ .‬حاتم بن عارف الشريف‪ ،‬مما سبق ذكره؛ ونعني به تجلي إيمانه بقوة اليقين العلمي – وهللا تعالى‬

‫‪18‬‬

‫انظر كتابنا 'تفصيل الخلق واألمر‪ ،‬ج‪ '1‬ص‪346‬‬
‫‪19‬‬
‫البخاري (‪ ) 1145‬باب الدعاء والصالة من آخر الليل‪ :‬عن األحاديث المنتخبة في الصفات الست للدعوة إلى هللا تعالى للكاندهلوي‬

‫‪20‬‬

‫حسيبه‪ -‬كانت ثمرته هداية السبيل؛ فصحة الحديث وثبوته يجعل اإلشكال لزوما بالحق والميزان في‬
‫التصور واإلدراك ال في الخبر‪ ،‬وأن المنفذ إلى الحل هو في السؤال‪ :‬ما هي حقيقة العرش؟‬
‫هذا السؤال أو النقطة كانت المعة والحت لعبد هللا الشهري كما هو مالحظ‪ ،‬وكذلك عند غيره‪،‬‬
‫لكنها لم تبد في حقيقة كونها النقطة التي تخفي وراءها حقل الحل‪.‬‬
‫وهذا السؤال يصاغ بتحديد أدق‪ :‬ما هي ماهية العرش؟‬
‫وبترجمة متناسقة واإلشكال‪ :‬ما هو الفضاء الوجودي للعرش؟‬
‫ومن ثمة فغروب الشمس في الفضاء المادي‪ ،‬أي في مجال رؤية النظمة الخلقية لإلنسان‪ ،‬هو‬
‫الطرف والنهاية الظاهرة من حقيقة كلية محجوبة بحاجز األسر النظماتي الخلقي واإلدراكي‬
‫اإلنساني األرضي‪ ،‬لذهاب وسجود حقيقي تحت العرش في فضاء الحق المهيمن‪ .‬وهنا يتجلى‬
‫‪20‬‬
‫بوضوح أن عدم اإلبصار أو اإلدراك ال تعني عدم الوجود‪:‬‬
‫'أين الظاهراتية في وجودها وبعد إدراكها الذي هو ذاته بعد وجود وإدراك الجابري المحتجز في‬
‫جحر المادية والوجود األرضي من هذا البعد الوجودي للحديث وبيانه‪" :‬يجلسون منه مد البصر" –‬
‫"يسمعه كل شيء إال الثقلين"‪ ،‬البعد الذي لم تنزل عنه الفلسفة الحقة التي مات من أجلها سقراط‪،‬‬
‫الفلسفة التي كان معينها الحكمة وعلم النبوة؟ فإذا كان معلوما – والمعرفة تذكر وجهل نسيان‪ -‬أن‬
‫اإلدراك الحواسي السمعي البصري كأبسط مثال لتوضيح واستيعاب شرط االتصال اإلدراكي حيزه‬
‫الشريط الذبذباتي للذوات المجسات خلقية أو صناعية‪ ،‬فهذا إن نحن صعدنا درجة واحدة‪ ،‬وبنسق‬
‫عقلي هيئاتي بتصور الوجود كعوالم متراكبة ومتداخلة يموج بعضها في بعض‪ ،‬تم ضبط واستيعاب‬
‫الهيئة العوالمية المتوازية إلسناد كل اتصال إدراكي إلى عالم وجودي؛ ومن ثم فال سبيل وال مفتاح‬
‫للتواصل مع القرآن العلي الحكيم إال بالتواجد على البعد الوجودي واإلدراكي للحق الذي نتلوه في‬
‫أول سورة البقرة‪{:‬الم' ذلك الكتاب ال ريب فيه' هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب}(البقرة‪ ،)2-1‬ومنه‬
‫يتبين مدى سفه وجهل من يريد أن يعرض لرسول هللا صلى هللا عليه وسلم وللوحي الكريم بقاموس‬
‫منظار محجور محتجز في حجر أرضية‪ ،‬إذا ما عرض للتصنيف المنطقي في حقيقة العالقات‬
‫اإلدراكية وعلى داللة الظاهرية ذاتها اعتبرت عدما وظلمة ومواتا‪{:‬أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا‬
‫له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها'}(األنعام )‪{ ،‬والذين ال يؤمنون‬
‫في آذانهم وقر وهو عليهم عمى' أولئك ينادون من مكان بعيد'}(فصلت‪'.)43‬‬
‫كما أنَّ هذا المرجع‪ ،‬مرجع الروح المتصل بها المخاطب‪ ،‬المرجع الحق‪ ،‬هو ذاته مرجع بيان‬
‫المسنون من األذكار النبوية‪ ،‬وبه يتحصل نافلة من البيان‪:‬‬
‫‪21‬‬

‫"أصبحنا وأصبح الملك هلل رب العالمين ‪". .‬‬
‫'أمسينا وأمسى الملك هلل"‬

‫‪20‬‬

‫الجابري دون عتبة القرآن الكريم – ص‪ 82..81‬في الرد على كناب د‪ .‬الجابري 'مدخل إلى القرآن'‬
‫‪21‬‬
‫أبو داود (‪ )322/4‬عن موقع الباحث اإلسالمي‬

‫‪21‬‬

‫فاإلصباح والصبح واإلمساء والمساء من األحوال التركيبية للروح والنفس‪ ،‬وبمرجعها أتى البيان‬
‫المؤطر للملك‪ .‬فالتنزيل للخلق واألمر هو بالنسبة لوعي اإلنسان وروحه ونفسه‪ .‬ويزيده وضوحا‬
‫وبيانا‪:‬‬
‫"ال إله إال هللا العظيم الحليم‪ ،‬ال إله إال هللا رب العرش العظيم‪ ،‬ال إله إال هللا رب السماوات‪،‬‬
‫‪22‬‬
‫ورب األرض‪ ،‬ورب العرش الكريم"‬
‫‪23‬‬

‫"الحمد هلل الذي عافاني في جسدي‪ ،‬ورد علي روحي وأذن لي بذكره"‬
‫‪24‬‬

‫"الحمد هلل الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور"‬

‫‪25‬‬

‫"اللهم بك أصبحنا‪ ،‬وبك أمسينا‪ ،‬وإليك النشور"‬
‫"اللهم بك أمسينا وبك أصبحنا وإليك المصير"‬

‫‪26‬‬

‫"حسبي هللا ال إله إال هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم" (حين يصبح وحين يمسي)‬

‫وبهذا التصور وصعود العقل بإدراكه وامتالك سعته‪ ،‬يزداد العبد إيمانا ويقينا؛ وذلك لحصول‬
‫سعة االستيعاب لخطاب الوحي الكريم‪ ،‬خطاب القرآن الكريم والسنة النبوية؛ ف'عوالم الحياة الدنيا‬
‫وعالم البرزخ وعالم اآلخرة كل في حيزه العوالمي باعتبار مرجعية ونظر الزمان والمكان‬
‫األرضيين‪ .‬لكن المطلق والمهيمن الحق هو ما نتلوه في قوله تعالى من سورة الروم‪{:‬فسبحان هللا‬
‫حين تمسون وحين تصبحون وله الحمد في السماوات واألرض وعشيا وحين تظهرون' يخرج الحي‬
‫من الميت ويخرج الميت من الحي ويحيي األرض بعد موتها' وكذلك تخرجون'}(الروم‪ )18..16‬وفي‬
‫قوله تعالى‪{:‬وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا' حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها وقال لهم‬
‫خزنتها سالم عليكم طبتم فادخلوها خالدين' وقالوا الحمد هلل الذي صدقنا وعده وأورثنا األرض نتبوأ‬
‫من الجنة حيث نشاء فنعم أجر العاملين' وترى المالئكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم'‬
‫‪27‬‬
‫وقضي بينهم بالحق' وقيل الحمد هلل رب العالمين'}(الزمر‪')72..70‬‬
‫وبه يحصل التمثل واالستيعاب لقوله عليه الصالة والسالم‪:‬‬
‫‪28‬‬

‫"من قال سبحان هللا العظيم وبحمده غرست له نخلة في الجنة"‬
‫عن ثوبان رضي هللا عنه عن النبي صلى هللا عليه وسلم قال‪:‬‬

‫‪29‬‬

‫"إن المسلم إذا عاد أخاه المسلم لم يزل في خرفة الجنة حتى يرجع"‬
‫‪22‬‬

‫البخاري‪ :‬باب الدعاء عند الكرب (‪ )6345‬ومسلم‪ :‬باب دعاء الكرب (‪ )2730‬عن موقع الكلم الطيب‬
‫‪23‬‬
‫جامع الترمذي (‪ ) 3401‬زيادة ليس في الصحيح‪ ،‬انفرد بها ابن عجالن عن المقبري‪ :‬منتديات أهل الحديث السلفية‬
‫‪24‬‬
‫البخاري عن حذيفة رضي هللا عنه‬
‫‪25‬‬
‫الترمذي (‪ )466/5‬عن موقع الباحث اإلسالمي‬
‫‪26‬‬
‫ألو داود موقوفا (‪ )324/4‬عن نفس الموقع‬
‫‪27‬‬
‫الجابري دوت عتبة القرآن الكريم – ص‪201‬‬
‫‪28‬‬
‫الترمذي (‪ )3465‬عن جابر رضي هللا عنه‪ :‬األحاديث المنتخبة – فضل ذكر هللا تعالى‬

‫‪22‬‬

‫وبه يحصل اليقين العلمي إشهادا للعقل على النفس لقوله صلى هللا عليه وسلم‪:‬‬
‫‪30‬‬

‫"مثل الذي يذكر ربه والذي ال يذكر ربه مثل الحي والميت"‬
‫وبه يفقه قوله تعالى‪ ،‬وهو األول واآلخر والظاهر الباطن‪:‬‬

‫{أومن كان م ّيتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج‬
‫منها'}(األنعام‪)123‬‬
‫هكذا نخلص إلى كون حديث سجود الشمس تحت العرش ليس في الحقيقة إال تعيينا وتالوة من‬
‫المشهود آلية عظيمة ال يبصر بها إال العالمون مما جاء في قوله تعالى وهو العزيز الحكيم‪:‬‬
‫{سنريهم آياتنا في اآلفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق' أولم يكف بربك أنه على كل‬
‫شيء شهيد' أال إنهم في مرية من لقاء ربهم' أال إنه بكل شيء محيط'}(فصلت‪)53-52‬‬
‫ومنه يستنبط أنه إشكال وليس شبهة‪ ،‬إشكال على مستوى العلم بحقيقة النظمات اإلدراكية‬
‫الخلقية‪ .‬ومن لم يجعل هللا له نورا فما له من نور‪.‬‬
‫كان هذا جهد اإلمكان‪ ،‬نسأل هللا تعالى أن ينفع به! والحمد هلل رب العالمين!‬

‫‪29‬‬

‫صحيح مسلم‪ :‬منتدى بني كبير الرسمي‬
‫‪30‬‬
‫البخاري (‪ )6407‬عن أبي موسى رضي هللا عنه‪ ،‬باب فضل ذكر هللا عز وجل‪ :‬نفس المصدر‬

‫‪23‬‬


Aperçu du document سجود الشمس.pdf - page 1/23
 
سجود الشمس.pdf - page 3/23
سجود الشمس.pdf - page 4/23
سجود الشمس.pdf - page 5/23
سجود الشمس.pdf - page 6/23
 




Télécharger le fichier (PDF)


Télécharger
Formats alternatifs: ZIP




Documents similaires


listing septembre
2019juillet 1
2014stagessalon
140320
fiche technique juillet 2011
uds asbl programme 2017

Sur le même sujet..




🚀  Page générée en 0.169s