الإسلام الحق .pdf



Nom original: الإسلام الحق -.pdf

Aperçu du document


‫اإلسالم‬

‫[السنة]‬
‫الحق‬

‫أبو عبد هللا الحسنً الهاشمً‬

‫بسم هللا الرحمان الرحٌم‬
‫المقدمة‬
‫إن الحمد هلل تعالى نحمده و نستعٌنه ونستؽفره ونتوب إلٌه‪ ,‬ونعوذ باهلل من شرور أنفسنا ومن سٌبات‬
‫أعمالنا‪ ،‬من ٌهده هللا فهو المهتد‪ ،‬ومن ٌضلل فال هادى له‪ ,‬وأشهد أن ال إلَه إال هللا وحده ال شرٌك له‪ ,‬وأشهد‬
‫أن محمدا عبده ورسوله صلى هللا علٌه و آله وصحبه وسلم تسلٌما كثٌرا‪.‬‬
‫أما بعد‪:‬‬
‫عن أمٌر المإمنٌن عمر بن الخطاب رضً هللا عنه قال‪ :‬سمعت رسول هللا صلى هللا علٌه وسلم ٌقول‪ :‬إِ َّن َما‬
‫ت َوإِ َّن َما لِك ِّل امْ ِرئ َما َن َوى‪َ ،‬ف َمنْ َكا َن ْ‬
‫هللا َو َرسولِهِ‪ ،‬و َمنْ‬
‫األَعْ َمال ِبال ِّنٌَّا ِ‬
‫هللا َو َرسولِ ِه َف ِهجْ َرته إِلَى َّ ِ‬
‫ت هِجْ َرته إلَى َّ ِ‬
‫َكا َن ْ‬
‫اج َر إِلَ ٌْ ِه‪ .‬متفق علٌه‬
‫ت هِجْ َرته إِلَى د ْن ٌَا ٌصِ ٌب َها أَ ْو إِلَى امْ َرأَة ٌَ ْنكِح َها َف ِهجْ َرته إِلَى َما َه َ‬

‫فإنً بإذن هللا تعالى ومن خالل هذا العمل البسٌط أسعى لتبٌان معتقد الحنفاء المسلمٌن‪ ,‬الذٌن ٌرجون رحمة‬
‫رب العالمٌن و ٌخافون عذابه األلٌم وٌتقون ؼضبه ٌوم الدٌن‪ ,‬فاتبعوا هدٌه المبٌن و أخلصوا له الدٌن‪ ,‬حتى‬
‫ٌكونوا ٌوم القٌامة من الفابزٌن‪.‬‬
‫وهذه العقٌدة إنما هً عقٌدة الحنٌفٌة "ملة ابراهٌم"‪ ,‬التً أمرنا ربنا عز وجل باتباعها والثبات علٌها إلى ٌوم‬
‫لقاءه‪ ,‬سابال المولى عز وجل أن ٌجعل هذا العمل خالصا لوجهه الكرٌم و أن ٌنفع به كل من ابتؽى الحق و‬
‫سعى الٌه‪.‬‬
‫و هذا العمل ٌستند إلى مصادر الهدي المبٌن من كالم رب العالمٌن جل وعال‪ ,‬و الصحٌح من حدٌث‬
‫الصادق األمٌن و خاتم األنبٌاء و المرسلٌن صلى هللا علٌه و آله وصحبه أجمعٌن عامة و سلم تسلٌما كثٌرا‬
‫إلى ٌوم الدٌن‪ ,‬وكما ثبت من عقٌدة الصحابة المٌامٌن و تابعٌهم وتابعً التابعٌن‪ ,‬اللذٌن زكاهم رسول هللا‬
‫علٌه أفضل الصالة وأزكى التسلٌم‪.‬‬

‫فالواحد منا لما فتح عٌنٌه وجد نفسه بٌن أناس ٌدعون اإلسالم و اتباع كتاب هللا و سنة رسوله صلى هللا‬
‫علٌه و سلم‪ ,‬لكنهم مع ذلك فرق و جماعات و عقابد و ملل شتى‪ ,‬فمنهم من ٌعبد القبور و األضرحة و منهم‬
‫من ٌعبد المشاٌخ‪ ,‬و منهم من ٌعبد الجن و منهم الملحد و منهم العلمانً و منهم اإلخوانً و منهم من ٌدعً‬
‫‪1‬‬

‫السلفٌة و الجهاد و ؼٌر ذلك‪ ,‬و كلهم ٌدعً اإلسالم و أنه على حق‪ .‬لكن و بمجرد تصفح كتاب هللا و من‬
‫معناه الظاهر ا لبسٌط فإنه ٌتضح أنه ال عالقة لهم جمٌعا بدٌن هللا‪ .‬و أنهم ال ٌزٌدون عن االدعاء الكاذب‬
‫بؤنهم على هذا الدٌن‪ ,‬خصوصا أن آٌة واحدة من كتاب هللا تكفً إلبطال دٌنهم جمٌعا و هً قوله تعالى‪:‬‬
‫نز َل َّ‬
‫‪.........‬و َمنْ لَ ْم ٌَحْ ك ْم ِب َما أَ َ‬
‫ون(‪ )44‬المابدة‬
‫ك هم ْال َكا ِفر َ‬
‫هللا َفؤ ْولَ ِب َ‬
‫َ‬
‫ألنهم جمٌعا و فً كل أمور حٌاتهم محكومون و ٌحكمون بشرابع البشر‪ ,‬و حتى عباداتهم هً من اختراع‬
‫البشر و ابتداعهم‪ ,‬كالذٌن ٌدعون ذكر هللا باستحضار الجن الشٌاطٌن حتى فً صعٌد عرفات والعٌاذ باهلل‪,‬‬
‫هذا عند العامة‪.‬‬
‫و لدٌهم كذلك الكثٌر ممن ٌسمونهم "علماء" و هم موظفون لدى حكامهم‪ ,‬و ٌدعون الناس لطاعتهم و اإلسالم‬
‫لهم و االنقٌاد لشرابعهم‪ ,‬و ٌجٌزون للناس و ٌبررون لهم ما هم علٌه من الشرك و الكفر‪ .‬و ٌفصلون الدٌن‬
‫لسٌدهم على مقاسه فٌصدرون له الفتاوي التً ٌحتاجها لتبرٌر كل سٌاساته‪ ,‬حتى و لو كانت كفرا بواحا و‬
‫منازعة هلل فً سلطانه و عظمته و تحلٌل محرماته‪ .‬ثم ٌدعون الناس لالستجابة واالنقٌاد فٌستجٌبون و‬
‫ٌنقادون‪.‬‬
‫كما أن علماءهم ٌسوقون لهم كل أنواع الشبهات و التدلٌسات و التلبٌسات لٌضفوا المصداقٌة على باطلهم‬
‫وٌزٌنوه لهم و ٌدعون أنهم فً ذلك إنما ٌقلدون "السلؾ"‪ ,‬و ٌذكرون بفخر أن ذاك العالم من القرون السابقة‬
‫قال كذا و اآلخر قال كذا‪ .‬و ٌرفضون تكفٌر أٌا كان حتى و لو سب هللا أو رسوله صلى هللا علٌه و سلم‪ ,‬أو‬
‫عبد ؼٌر هللا مع أنه ٌناقض أبسط مفاهٌم اإلسالم‪ .‬و الطاؼوت ٌحارب دٌن هللا بكل ما أوتً من قوة‪ ,‬و ٌمنع‬
‫الناس من تعلم دٌن هللا و ٌنزل أشد العقاب بمن علمه أو دعا إلٌه‪ ,‬بتحرٌض و مباركة من سدنته‪ .‬فاألمر قد‬
‫أصبح بالػ الصعوبة لمن كان ٌبحث عن الحق و تعلم دٌن هللا‪ .‬لكن رب العزة جل و عال قال‪:‬‬
‫اي َف َال ٌَضِ ل َو َال ٌَ ْش َقى(‪)321‬طه‬
‫‪َ .......‬ف َم ِن ا َّت َب َع هدَ َ‬

‫فمن ابتؽى الحق حقا ما علٌه سوى بالبحث عنه فً كتاب هللا عز و جل و سنة رسوله صلى هللا علٌه وسلم‬
‫التً ٌفسر فٌها كالم هللا و ٌبٌنه‪:‬‬
‫ْك ِّ‬
‫َوأَ َ‬
‫ون(‪ )44‬النحل‬
‫اس َما ن ِّز َل إِلٌَ ِْه ْم َولَ َعلَّه ْم ٌَ َت َف َّكر َ‬
‫نز ْل َنا إِلٌَ َ‬
‫الذ ْك َر لِت َبٌ َِّن لِل َّن ِ‬

‫و قد فرض هللا تعالى اتباعه فً كل شًء لمن كان ٌرجوا الهداٌة‪:‬‬
‫ون(‪)358‬األعراؾ‬
‫‪َ ..........‬وا َّت ِبعوه لَ َعلَّك ْم َت ْه َتد َ‬
‫هللا َو ْال ٌَ ْو َم ْاآلخ َِر َو َذ َك َر َّ‬
‫هللاَ َكثٌِرا(‪ )23‬األحزاب‬
‫هللا أسْ َوة َح َس َنة لِّ َمن َك َ‬
‫ول َّ ِ‬
‫لَّ َق ْد َك َ‬
‫ان لَك ْم فًِ َرس ِ‬
‫ان ٌَرْ جو َّ َ‬

‫‪2‬‬

‫هللا إِنَّ َّ‬
‫ب(‪ )77‬الحشر‬
‫هللاَ َشدٌِد ْال ِع َقا ِ‬
‫َ‬
‫‪................‬و َما آ َتاكم الرَّ سول َفخذوه َو َما َن َهاك ْم َع ْنه َفا ْن َتهوا َوا َّتقوا َّ َ‬

‫و شدد رسول هللا صلى هللا علٌه و سلم على ضرورة اتباع سنته و اجتناب البدع و الضالالت‪:‬‬
‫صلَّى هللا َعلَ ٌْ ِه َو َسلَّ َم َم ْوعِ َظة‬
‫عن أبً نجٌح العرباض بن سارٌة رضً هللا تعالى عنه قال‪َ :‬و َع َظنا َرسول هللاِ َ‬
‫ت ِم ْنها القلوب‪َ ،‬و َذ َر َف ْ‬
‫َو ِجلَ ْ‬
‫هللا‪َ ،‬كؤ َّنها َم ْوعِ َظة مو ِّدع َفؤ َ ْوصِ نا‪ .‬قا َل‪ :‬أوصِ ٌك ْم‬
‫ت ِم ْنها العٌون‪َ ,‬فق ْلنا‪ٌ :‬ا رسو َل ِ‬
‫هللا َع َّز َو َجلَّ‪َ ،‬والسَّمْع َو َّ‬
‫اعةِ‪َ ،‬وإِنْ َتؤَم ََّر َعلٌَْك ْم َعبْد َحبَشِ ًٌّ ‪َ ،‬فإِ َّنه َمنْ ٌَعِشْ ِم ْنك ْم َف َس ٌَ َرى ْ‬
‫اخ ِتالَفا‬
‫الط َ‬
‫ِب َت ْق َوى ِ‬
‫ِ‬
‫ت‬
‫ٌِّن‪َ ,‬ت َمسَّكوا ِب َها‪َ ,‬و َعضوا َعلَ ٌْ َها ِبال َّن َوا ِجذِ‪َ ،‬وإٌَِّاك ْم َومحْ دَ َثا ِ‬
‫ٌِن ْال َم ْه ِدٌ َ‬
‫َكثٌِرا‪َ ,‬ف َعلٌَْك ْم ِبس َّنتًِ َوس َّن ِة ْالخلَ َفا ِء الرَّ اشِ د َ‬
‫ضالَلَة‪ .‬رواه أبو داود والترمذي‬
‫ور؛ َفإِنَّ ك َّل محْ دَ َثة ِب ْد َعة‪َ ,‬وك َّل ِب ْد َعة َ‬
‫األم ِ‬
‫و كذلك قال كبٌر علماء المسلمٌن و إمام أهل السنة و الجماعة أحمد ابن حنبل رحمه هللا‪ :‬ال تقلدنً‪ ،‬وال‬
‫تقلد مالكا‪ ،‬وال الشافعً‪ ،‬وال األوزاعً‪ ،‬وال الثوري وخذ من حٌث أخذوا‪.‬‬

‫و كذلك قال اإلمام مالك رحمه هللا‪ :‬إنما أنا بشر مثلكم أخطا وأصٌب‪ ،‬فانظروا فً رأًٌ‪ ،‬فكل ما وافق‬
‫الكتاب والسنة فخذوه‪ ،‬وكل ما لم ٌوافق الكتاب والسنة فاتركوه‪.‬‬

‫ْس أَ َحد إال ٌإخذ‬
‫و كذلك أورد اإلمام الطبرانًٌ رحمه هللا عن ابن عباس رضً هللا عنهما مرفوعا قال‪ :‬لٌَ َ‬
‫من قوله وٌدع ؼٌر النبً صلى هللا علٌه و سلم‪ .‬المعجم الكبٌر‬

‫فال شك فً أنه ال سبٌل لبلوغ الحق و معرفته إال بتحرٌه و البحث عنه فً مصادره الحقة‪ ,‬و اجتناب كل‬
‫البدع و المحدثات و األهواء و التحرٌفات و التلفٌقات التً أحدثها الناس‪ .‬و أخذ العقٌدة و استقاءها من نبعها‬
‫الصافً الذي استقى منه الجٌل األول من المسلمٌن جٌل الصحابة رضوان هللا علٌهم‪ .‬ذلك الجٌل الفرٌد الذي‬
‫لم ٌتكرر فً تارٌخ البشرٌة‬
‫و لتحقٌق ذلك فإنه ال بد من اتباع منهجٌة بحث تحاكً الطرٌقة التً كان الصحابة رضوان هللا علٌهم ٌتلقون‬
‫بها دٌنهم‪.‬‬

‫‪3‬‬

‫المنهجٌة‬
‫نستعرض فً هذه الفقرة األسس التً ٌستند علٌها هذا البحث والمستوحاة من طرٌقة التلقً عند جٌل‬
‫المسلمٌن األول ومنهج االستدالل عند أهل السنة و الجماعة‪.‬‬

‫منهج التلقً عند الصحابة رضوان هللا علٌهم‬
‫هناك ثالثة عوامل ربٌسٌة مٌزت منهج التلقً عند الصحابة رضوان هللا علٌهم لدٌن هللا‪:‬‬

‫‪ )3‬كان النبع الذي استقى منه ذلك الجٌل هو نبع القرآن‪ ،‬القرآن وحده‪ ،‬فما كان حدٌث رسول هللا صلى هللا‬‫علٌه وسلم وهدٌه إال أثرا من آثار ذلك النبع‪ ،‬فعندما سبلت عابشة رضً هللا عنها عن خلق رسول هللا صلى‬
‫هللا علٌه وسلم قالت‪ :‬كان خلقه القرآن‪ .‬رواه مسلم‬
‫كان القرآن وحده إذن هو النبع الذي ٌستقون منه‪ ،‬وٌتكٌفون به‪ ،‬وٌتخرجون علٌه‪ ،‬ولم ٌكن ذلك ألنه لم ٌكن‬
‫للبشرٌة ٌومها حضارة‪ ،‬وال ثقافة‪ ،‬وال علم‪ ،‬وال مإلفات‪ ،‬وال دراسات‪ ...‬كال! فقد كانت هناك حضارة‬
‫الرومان وثقافتها وكتبها وقانونها الذي ما تزال أوروبا تعٌش علٌه‪ ،‬أو على امتداده‪ ،‬وكانت هناك مخلفات‬
‫الحضارة اإلؼرٌقٌة ومنطقها وفلسفتها وفنها‪ ،‬وهو ما ٌزال ٌنبوع التفكٌر الؽربً حتى الٌوم‪ ،‬وكانت هناك‬
‫حضارة الفرس وفنها وشعرها وأساطٌرها وعقابدها ونظم حكمها كذلك‪ ،‬وحضارات أخرى قاصٌة ودانٌة‪:‬‬
‫حضارة الهند وحضارة الصٌن‪ ...‬الخ‪ ،‬وكانت الحضارتان الرومانٌة والفارسٌة تحفان بالجزٌرة العربٌة من‬
‫شمالها ومن جنوبها‪ ،‬كما كانت الٌهودٌة والنصرانٌة تعٌشان فً قلب الجزٌرة‪ ...‬فلم ٌكن إذن عن فقر فً‬
‫الحضارات العالمٌة والثقافات العالمٌة ٌقصر ذلك الجٌل على كتاب هللا وحده‪ ...‬فً فترة تكونه‪ ...‬وإنما كان‬
‫ذلك عن "تصمٌم" مرسوم‪ ،‬ونهج مقصود‪ٌ ،‬دل على هذا القصد ؼضب رسول هللا صلى هللا علٌه وسلم وقد‬
‫رأى فً ٌد عمر بن الخطاب ‪ -‬رضً هللا عنه ‪ -‬صحٌفة من التوراة‪ ،‬وقوله‪ :‬إنه وهللا لو كان موسى حٌا بٌن‬
‫أظهركم ما حل له إال أن ٌتبعنً(رواه اإلمام أحمد عن جابر ابن عبد هللا رضً هللا عنه)‪.‬‬
‫إذن فقد كان هناك قصد من رسول هللا صلى هللا علٌه وسلم أن ٌقصر النبع الذي ٌستقً منه ذلك الجٌل‪ ...‬فً‬
‫فترة التكون األولى‪ ...‬على كتاب هللا وحده‪ ،‬لتخلص نفوسهم له وحده‪ ،‬وٌستقٌم عودهم على منهجه وحده‪،‬‬
‫ومن ثم ؼضب أن رأى عمر بن الخطاب رضً هللا عنه ٌستقً من نبع آخر‪ .‬كان رسول هللا صلى هللا علٌه‬
‫وسلم ٌرٌد صنع جٌل خالص القلب‪ ،‬خالص العقل‪ ،‬خالص التصور‪ ،‬خالص الشعور‪ ،‬خالص التكوٌن من أي‬
‫مإثر آخر ؼٌر المنهج اإللهً‪ ،‬الذي ٌتضمنه القرآن الكرٌم‪.‬‬
‫‪4‬‬

‫ذلك الجٌل استقى إذن من ذلك النبع وحده‪ ،‬فكان له فً التارٌخ ذلك الشؤن الفرٌد‪ ...‬ثم ما الذي حدث‪،‬‬
‫اختلطت الٌنابٌع! صبت فً النبع الذي استقت منه األجٌال التالٌة فلسفة اإلؼرٌق ومنطقهم‪ ،‬وأساطٌر الفرس‬
‫وتصوراتهم‪ ،‬وإسرابٌلٌات الٌهود والهوت النصارى‪ ،‬وؼٌر ذلك من رواسب الحضارات والثقافات‪ ،‬واختلط‬
‫هذا كله بتفسٌر القرآن الكرٌم‪ ،‬وعلم الكالم‪ ،‬كما اختلط بالفقه واألصول أٌضا‪ ،‬وتخرج على ذلك النبع‬
‫المشوب سابر األجٌال بعد ذلك الجٌل‪ ،‬فلم ٌتكرر ذلك الجٌل أبدا‪.‬‬
‫وما من شك أن اختالط النبع األول كان عامال أساسٌا من عوامل ذلك االختالؾ البٌن بٌن األجٌال كلها‬
‫وذلك الجٌل الممٌز الفرٌد‪.‬‬
‫‪ )2‬إنهم ‪ -‬فً الجٌل األول ‪ -‬لم ٌكونوا ٌقرءون القرآن بقصد الثقافة واالطالع‪ ،‬وال بقصد التذوق والمتاع‪،‬‬‫لم ٌكن أحدهم ٌتلقى القرآن لٌستكثر به من زاد الثقافة لمجرد الثقافة‪ ،‬وال لٌضٌؾ إلى حصٌلته من القضاٌا‬
‫العلمٌة والفقهٌة محصوال ٌمأل به جعبته‪ ،‬أنما كان ٌتلقى القرآن لٌتلقى أمر هللا فً خاصة شؤنه وشؤن‬
‫الجماعة التً ٌعٌش فٌها‪ ،‬وشؤن الحٌاة التً ٌحٌاها هو وجماعته‪ٌ ،‬تلقى ذلك األمر لٌعمل به فور سماعه‪ ،‬كما‬
‫ٌتلقى الجندي فً المٌدان " األمر الٌومً " لٌعمل به فور تلقٌه! ومن ثم لم ٌكن أحدهم لٌستكثر منه فً‬
‫الجلسة الواحدة‪ ،‬ألنه كان ٌحس أنه إنما ٌستكثر من واجبات وتكالٌؾ ٌجعلها على عاتقه‪ ،‬فكان ٌكتفً بعشر‬
‫آٌات حتى ٌحفظها وٌعمل بها كما جاء فً حدٌث ابن مسعود رضً هللا عنه‪.‬‬
‫هذا الشعور‪ ...‬شعور التلقً للتنفٌذ‪ ...‬كان ٌفتح لهم من القرآن آفاقا من المتاع وآفاقا من المعرفة‪ ،‬لم تكن‬
‫لتفتح علٌهم لو أنهم قصدوا إلٌه بشعور البحث والدراسة واالطالع‪ ،‬وكان ٌٌسر لهم العمل‪ ،‬وٌخفؾ عنهم ثقل‬
‫التكالٌؾ‪ ،‬وٌخلط القرآن بذواتهم‪ ،‬وٌحوله فً نفوسهم وفً حٌاتهم إلى منهج واقعً‪ ،‬وإلى ثقافة متحركة ال‬
‫تبقى داخل األذهان وال فً بطون الصحابؾ‪ ،‬إنما تتحول آثارا وأحداثا تحول خط سٌر الحٌاة‪.‬‬
‫إن هذا القرآن ال ٌمنح كنوزه إال لمن ٌقبل علٌه بهذه الروح‪ :‬روح المعرفة المنشبة للعمل‪ ،‬أنه لم ٌجًء‬
‫لٌكون كتاب متاع عقلً‪ ،‬وال كتاب أدب وفن‪ ،‬وال كتاب قصة وتارٌخ ‪ -‬وإن كان هذا كله من محتوٌاته ‪-‬‬
‫إنما جاء لٌكون منهاج حٌاة‪ ،‬منهاجا إلهٌا خالصا‪ ،‬وكان هللا سبحانه ٌؤخذهم بهذا المنهج مفرقا‪ٌ ،‬تلو(متتابعا)‬
‫نزٌال(‪ )376‬اإلسراء‬
‫بعضه بعضا‪َ :‬وقرْ آنا َف َر ْق َناه لِ َت ْق َرأَه َعلَى ال َّن ِ‬
‫اس َعلَى م ْكث َو َن َّز ْل َناه َت ِ‬

‫لم ٌنزل هذا القرآن جملة‪ ،‬إنما نزل وفق الحاجات المتجددة‪ ،‬ووفق النمو المطرد فً األفكار والتصورات‪،‬‬
‫والنمو المطرد فً المجتمع والحٌاة‪ ،‬ووفق المشكالت العملٌة التً تواجهها الجماعة المسلمة فً حٌاتها‬
‫الواقعٌة‪ ،‬وكانت اآلٌة أو اآلٌات تنزل فً الحالة الخاصة والحادثة المعٌنة تحدث الناس عما فً نفوسهم‪،‬‬
‫وتصور لهم ما هم فٌه من األمر‪ ،‬وترسم لهم منهج العمل فً الموقؾ‪ ،‬وتصحح لهم أخطاء الشعور‬
‫والسلوك‪ ،‬وتربطهم فً هذا كله باهلل ربهم‪ ،‬وتعرفه لهم بصفاته المإثرة فً الكون‪ ،‬فٌحسون حٌنبذ أنهم‬
‫ٌعٌشون مع المأل األعلى‪ ،‬تحت عٌن هللا‪ ،‬فً رحاب القدرة‪ ،‬ومن ثم ٌتكٌفون فً واقع حٌاتهم‪ ،‬وفق ذلك‬
‫المنهج اإللهً القوٌم‪.‬‬

‫‪5‬‬

‫إن منهج التلقً للتنفٌذ والعمل هو الذي صنع الجٌل األول‪ ،‬ومنهج التلقً للدراسة والمتاع هو الذي خرج‬
‫األجٌال التً تلٌه‪ .‬وما من شك أن هذا العامل الثانً كان عامال أساسٌا كذلك فً اختالؾ األجٌال كلها عن‬
‫ذلك الجٌل الممٌز الفرٌد‪.‬‬

‫‪ )1‬لقد كان الرجل حٌن ٌدخل فً اإلسالم ٌخلع على عتبته كل ماضٌه فً الجاهلٌة‪ ،‬كان ٌشعر فً اللحظة‬‫التً ٌجًء فٌها إلى اإلسالم أنه ٌبدأ عهدا جدٌدا‪ ،‬منفصال كل االنفصال عن حٌاته التً عاشها فً الجاهلٌة‪،‬‬
‫وكان ٌقؾ من كل ما عهده فً جاهلٌته موقؾ المسترٌب الشاك الحذر المتخوؾ‪ ،‬الذي ٌحس أن كل هذا‬
‫رجس ال ٌصلح لإلسالم! وبهذا اإلحساس كان ٌتلقى هدي اإلسالم الجدٌد‪ ،‬فإذا ؼلبته نفسه مرة‪ ،‬وإذا اجتذبته‬
‫عاداته مرة‪ ،‬وإذا ضعؾ عن تكالٌؾ اإلسالم مرة‪ ...‬شعر فً الحال باإلثم والخطٌبة‪ ،‬وأدرك فً قرارة نفسه‬
‫أنه فً حاجة إلى التطهر مما وقع فٌه‪ ،‬وعاد ٌحاول من جدٌد أن ٌكون على وفق الهدي القرآنً‪.‬‬
‫كانت هناك عزلة شعورٌة كاملة بٌن ماضً المسلم فً جاهلٌته وحاضره فً إسالمه‪ ،‬تنشؤ عنها عزلة كاملة‬
‫فً صالته بالمجتمع الجاهلً من حوله وروابطه االجتماعٌة‪ ،‬فهو قد انفصل نهابٌا من بٌبته الجاهلٌة واتصل‬
‫نهابٌا ببٌبته اإلسالمٌة‪ ،‬حتى ولو كان ٌؤخذ من بعض المشركٌن وٌعطً فً عالم التجارة والتعامل الٌومً‪،‬‬
‫فالعزلة الشعورٌة شًء والتعامل الٌومً شًء آخر‪.‬‬
‫وكان هناك انخالع من البٌبة الجاهلٌة‪ ،‬وعرفها وتصورها‪ ،‬وعاداتها وروابطها‪ٌ ،‬نشؤ عن االنخالع من‬
‫عقٌدة الشرك إلى عقٌدة التوحٌد‪ ،‬ومن تصور الجاهلٌة إلى تصور اإلسالم عن الحٌاة والوجود‪ ،‬وٌنشؤ من‬
‫االنضمام إلى التجمع اإلسالمً الجدٌد‪ ،‬بقٌادته الجدٌدة‪ ،‬ومنح هذا المجتمع وهذه القٌادة كل والبه وكل‬
‫طاعته وكل تبعٌته‪.‬‬
‫وكان هذا مفرق الطرٌق‪ ،‬وكان بدء السٌر فً الطرٌق الجدٌد‪ ،‬السٌر الطلٌق مع التخفؾ من كل ضؽط‬
‫للتقالٌد التً ٌتواضع علٌها المجتمع الجاهلً‪ ،‬ومن كل التصورات والقٌم السابدة فٌه‪ ،‬ولم ٌكن هناك إال ما‬
‫ٌلقاه المسلم من أذى وفتنة‪ ،‬ولكنه هو فً ذات نفسه قد عزم وانتهى‪ ،‬ولم ٌعد لضؽط التصور الجاهلً‪ ،‬وال‬
‫لتقالٌد المجتمع الجاهلً علٌه من سبٌل‪.‬‬
‫و نحن الٌوم فً جاهلٌة كالجاهلٌة التً عاصرها اإلسالم أو أظلم‪ ،‬كل ما حولنا جاهلٌة‪ ...‬تصورات الناس‬
‫وعقابدهم‪ ،‬عاداتهم وتقالٌدهم‪ ،‬موارد ثقافتهم‪ ،‬فنونهم وآدابهم‪ ،‬شرابعهم وقوانٌنهم‪ ،‬حتى الكثٌر مما نحسبه‬
‫ثقافة إسالمٌة‪ ،‬ومراجع إسالمٌة‪ ،‬وفلسفة إسالمٌة‪ ،‬وتفكٌرا إسالمٌا‪ ...‬هو كذلك من صنع هذه الجاهلٌة‪ .‬لذلك‬
‫ال تستقٌم قٌم اإلسالم فً نفوسنا‪ ،‬وال ٌتضح تصور اإلسالم فً عقولنا‪ ،‬وال ٌنشؤ فٌنا جٌل ضخم من الناس‬
‫من ذلك الطراز الذي أنشؤه اإلسالم أول مرة‪.‬‬

‫فإذا تتبعنا هاته الخصابص التً اختص بها الصحابة الكرام رضوان هللا علٌهم فً تلقً دٌن هللا فال بد إذن‬
‫ فً منهج الجماعة المسلمة ‪ -‬أن نتجرد فً فترة الحضانة والتكوٌن من كل مإثرات الجاهلٌة التً نعٌش‬‫‪6‬‬

‫فٌها ونستمد منها‪ ،‬ال بد أن نرجع ابتداء إلى النبع الخالص الذي استمد منه أولبك الرجال‪ ،‬النبع المضمون‬
‫أنه لم ٌختلط ولم تشبه شاببة‪ ،‬نرجع إلٌه نستمد منه تصورنا لحقٌقة الوجود كله ولحقٌقة الوجود اإلنسانً‬
‫ولكافة االرتباطات بٌن هذٌن الوجودٌن وبٌن الوجود الكامل الحق‪ ،‬وجود هللا سبحانه‪ ...‬ومن ثم نستمد‬
‫تصوراتنا للحٌاة‪ ،‬وقٌمنا وأخالقنا‪ ،‬ومناهجنا للحكم والسٌاسة واالقتصاد وكل مقومات الحٌاة‪.‬‬
‫وال بد أن نرجع إلٌه ‪ -‬حٌن نرجع ‪ -‬بشعور التلقً للتنفٌذ والعمل‪ ،‬ال بشعور الدراسة والمتاع‪ ،‬نرجع إلٌه‬
‫لنعرؾ ماذا ٌطلب منا أن نكون‪ ،‬لنكون‪ ،‬وفً الطرٌق سنلتقً بالجمال الفنً فً القرآن وبالقصص الرابع فً‬
‫القرآن‪ ،‬وبمشاهد القٌامة فً القرآن‪ ...‬وبالمنطق الوجدانً فً القرآن‪ ...‬وبسابر ما ٌطلبه أصحاب الدراسة‬
‫والمتاع‪ ،‬ولكننا سنلتقً بهذا كله دون أن ٌكون هو هدفنا األول‪ ،‬أن هدفنا األول أن نعرؾ‪ :‬ماذا ٌرٌد منا‬
‫القرآن أن نعمل؟ ما هو التصور الكلً الذي ٌرٌد منا أن نتصور؟ كٌؾ ٌرٌد القرآن أن ٌكون شعورنا باهلل؟‬
‫كٌؾ ٌرٌد أن تكون أخالقنا وأوضاعنا ونظامنا الواقعً فً الحٌاة؟‪.‬‬
‫ثم ال بد لنا من التخلص من ضؽط المجتمع الجاهلً والتصورات الجاهلٌة والتقالٌد الجاهلٌة والقٌادة‬
‫الجاهلٌة‪ ...‬فً خاصة نفوسنا‪ ...‬لٌست مهمتنا أن نصطلح مع واقع هذا المجتمع الجاهلً وال أن ندٌن بالوالء‬
‫له‪ ،‬فهو بهذه الصفة‪ ...‬صفة الجاهلٌة‪ ...‬ؼٌر قابل ألن نصطلح معه‪ ،‬أن مهمتنا أن نؽٌر من أنفسنا أوال لنؽٌر‬
‫هذا المجتمع أخٌرا‪..‬‬
‫و ال شك فً أن هذا هو السبٌل الوحٌد الذي ال بد أن نسلكه للخروج من الجاهلٌة كما خرج ذلك الجٌل‬
‫الممٌز الفرٌد‪( .‬مقتبس من كتاب معالم على الطرٌق لسٌد قطب وال نزكٌه على هللا)‬
‫ونفس الخصابص كذلك ثابتة فً منهج أهل السنة و الجماعة فً االستدالل فً أمور العقٌدة و الشرٌعة‪:‬‬

‫منهج االستدالل عند أهل السنة والجماعة‬
‫منهج االستدالل عند أهل السنة و الجماعة ٌقوم على األسس التالٌة‪:‬‬

‫‪ )3‬حصر االستدالل فً الدلٌل الشرعً (الكتاب والسنة) فً أمور العقٌدة والشرٌعة‪.‬‬‫‪ )2‬مراعاة قواعد االستدالل‪ ،‬فال ٌضربون األدلة الشرعٌة بعضها ببعض‪ ،‬بل ٌردون المتشابه إلى المحكم‪،‬‬‫والمجمل إلى المبٌن‪ ،‬وٌجمعون بٌن نصوص الوعد والوعٌد والنفً واإلثبات‪ ،‬والعموم والخصوص‪،‬‬
‫وٌقولون بالنسخ فً األحكام ونحو ذلك‪.‬‬

‫‪7‬‬

‫‪ٌ )1‬عتمدون تفسٌر القرآن بالقرآن‪ ،‬والقرآن بالسنة والعكس‪ ،‬وٌعتمدون معانً لؽة العرب ولسانهم؛ ألنها‬‫لؽة القرآن والسنة‪ ،‬وٌردون ما ٌخالؾ ذلك‪.‬‬
‫‪ٌ )4‬عتمدون تفسٌر الصحابة‪ ،‬وفهمهم للنصوص وأقوالهم وأعمالهم وآثارهم؛ أل َّنهم أصحاب رسول هللا‬‫وهم أفضل األمة وأزكاها‪ ،‬وعاشوا وقت تنزل الوحً وأعلم باللؽة ومقاصد الشرع‪.‬‬
‫‪ )5‬ما بلؽهم وعلموه من الدٌن عملوا به‪ ،‬وما اشتبه علٌهم علمه‪ ،‬أو علم كٌفٌته‪( ،‬كبعض نصوص‬‫الؽٌبٌات والقدر) ٌسلمون به وٌردون علمه إلى هللا سبحانه وتعالى وال ٌخوضون فٌه‪.‬‬
‫‪ٌ )6‬تجنبون األلفاظ البدعٌة فً العقٌدة (كالجوهر والعرض والجسم) الحتمالها للخطؤ والصواب؛ وألن فً‬‫ألفاظ الشرع ؼنى وكماال‪.‬‬
‫‪ٌ )7‬نفون التعارض بٌن العقل السلٌم والفطرة وبٌن نصوص الشرع‪ ،‬وبٌن الحقٌقة والشرٌعة وبٌن القدر‬‫والشرع‪ ،‬وما ٌتوهمه أهل األهواء من التعارض بٌن العقل والنقل فهو من عجز عقولهم وقصورها‪.‬‬
‫‪ٌ )8-‬عنون باإلسناد وثقة الرواة وعدالتهم لحفظ الدٌن ‪.‬‬

‫مالحظات‬
‫‪ )3‬نسعى بإذن هللا تعالى للبحث عن هدٌه المبٌن فً مصادره الحقة‪ ,‬و إن وجدنا فٌها شٌبا فإننا نتمسك به‬‫و نلتزم به بشكل مطلق فً انقٌاد تام و دون نقاش‪ ,‬كما أمر سبحانه و تعالى‪:‬‬
‫َ‬
‫ضى َّ‬
‫ص‬
‫هللا َو َرسوله أَمْ را أَنْ ٌَك َ‬
‫ان لِم ْإمِن َو َال م ْإ ِم َنة إِ َذا َق َ‬
‫َو َما َك َ‬
‫مْر ِه ْم َو َمنْ ٌَعْ ِ‬
‫ون لَهم ْال ِخ ٌَ َرة مِنْ أ ِ‬
‫ض َالال م ِبٌنا(‪)16‬األحزاب‬
‫ض َّل َ‬
‫هللا َو َرسولَه َف َق ْد َ‬
‫َّ َ‬
‫و حتى لو أنكر علٌنا اآلخرون ذلك أو خالفونا فٌه فإنه ال ٌضٌرنا فً شًء و ال ٌصدنا عن االلتزام‬
‫هدي هللا تعالى و سنة رسوله صلى هللا علٌه و سلم‪ ,‬و لنا فً إمام أهل السنة و الجماعة أحمد ابن‬
‫حنبل رحمه هللا و جازاه خٌرا خٌر مثال على االلتزام بالحق و الثبات علٌه و لو كان أحدنا لوحده‪,‬‬
‫فهو الذي وقؾ لوحده فً وجه أعتى جبابرة عصره ال سالح له سوى ٌقٌنه بالحق و وقى دٌن هللا‬
‫من تحرٌفهم و كفرهم‪ .‬فعقٌدتنا مبنٌة على اإلتباع الحرفً لكالم هللا عز وجل و الصحٌح من سنة‬
‫رسوله صلى هللا علٌه و سلم‪ .‬و الثابت من عقٌدة الصحابة الكرام و فهمهم للنصوص رضوان هللا‬
‫علهم‪.‬‬
‫‪ )2‬إننا نلتزم بالقواعد الثابتة فً فهم كالم هللا عز و جل و أحكامه‪ ,‬فالنص الصحٌح الصرٌح عندنا ال‬‫ٌنسخ أو ٌخصص إال بنص صحٌح صرٌح آخر نزل بعده و ٌؽاٌره فً المعنى و ٌفٌد بالنسخ أو التخصٌص‪,‬‬

‫‪8‬‬

‫و إن كان للنص الصحٌح الصرٌح معنا عاما مطلقا فإنه ال ٌقٌد إال بدلٌل صحٌح صرٌح آخر نزل بعده و‬
‫ٌفٌد بالتقٌٌد‪ .‬و كذلك إن كان له معنا مقٌد ال ٌعمم إال بدلٌل صحٌح صرٌح نزل بعده و ٌفٌد بالتعمٌم‪.‬‬
‫‪ )1‬نلتزم كذلك فً أحكامنا بما هو معروؾ فً شرع هللا من أن الحكم ٌتبع العلة‪ ,‬و ال ٌثبت الحكم إال إذا‬‫ثبتت علته‪ ,‬مثلما ٌدل علٌه قوله صلى هللا علٌه وسلم‪:‬‬
‫عن أم المإمنٌن عابشة رضً هللا عنها أن رسول هللا صلى هللا علٌه و سلم قال‪ :‬كل َش َراب أَسْ َك َر َفه َو َح َرام‪.‬‬
‫رواه احمد‬
‫فكل شراب تثبت فٌه علة "اإلسكار" ٌلحقه حكم "الحرمة"‪ .‬فثبوت الحكم مرهون بثبوت علته‪.‬‬
‫و كذلك فً أمور العقٌدة كل شًء ثبتت فٌه علة هً شرك أو كفر ٌكون فعله شركا أو كفرا و بالتالً فاعله‬
‫مشركا او كافرا تبعا لذلك‪ .‬هذا حتى نكون على بٌنة من أمرنا وال نتهم بإطالق األحكام جزافا‪.‬‬

‫إن الدٌن عند هللا اإلسالم‬
‫أمر رب العزة فً كتابه الكرٌم باتباع ملة سٌدنا إبراهٌم علٌه السالم الذي سمى أمته "المسلمٌن"‬
‫قال تعالى‪:‬‬
‫ٌِن(‪ )315‬البقرة‬
‫ان م َِن ْالم ْش ِرك َ‬
‫ارى َت ْه َتدوا ق ْل َب ْل ِملَّ َة إِب َْراهٌِ َم َحنٌِفا َو َما َك َ‬
‫ص َ‬
‫َو َقالوا كونوا هودا أَ ْو َن َ‬
‫صدَ َق َّ‬
‫ٌِن(‪ )95‬آل عمران‬
‫ان م َِن ْالم ْش ِرك َ‬
‫هللا َفا َّت ِبعوا ِملَّ َة إِب َْراهٌِ َم َحنٌِفا َو َما َك َ‬
‫ق ْل َ‬
‫َو َمنْ أَحْ َسن دٌِنا ِّممَّنْ أَسْ لَ َم َوجْ َهه هلل َوه َو محْ سِ ن وا َّت َب َع ِملَّ َة إِب َْراهٌِ َم َحنٌِفا َوا َّت َخ َذ هللا إِب َْراهٌِ َم َخلٌِال(‪)325‬‬
‫النساء‬
‫ٌِن(‪ )363‬األنعام‬
‫ان م َِن ْالم ْش ِرك َ‬
‫ق ْل إِ َّننًِ َهدَ انًِ َربًِّ إِلَى صِ َراط مسْ َتقٌِم دٌِنا ِق ٌَما ِملَّ َة إِب َْراهٌِ َم َحنٌِفا َو َما َك َ‬
‫ان م َِن ْالم ْش ِركٌِن(‪ )321‬النحل‬
‫ك أَ ِن ا َّت ِبعْ ِملَّ َة إِب َْراهٌِ َم َحنٌِفا َو َما َك َ‬
‫ث َّم أَ ْو َح ٌْ َنا إِلَ ٌْ َ‬
‫ٌِن(‪ٌ )378‬وسؾ‬
‫هللا َو َما أَ َناْ م َِن ْالم ْش ِرك َ‬
‫ان ِ‬
‫ٌرة أَ َناْ َو َم ِن ا َّت َب َعنًِ َوسب َْح َ‬
‫ق ْل َهـ ِذ ِه َس ِبٌلًِ أَ ْدعو إِلَى هللاِ َعلَى بَصِ َ‬
‫هللا َولَـكِنْ أَعْ بد هللاَ الَّذِي ٌَ َت َو َّفاك ْم‬
‫ون ِ‬
‫ٌِن َتعْ بد َ‬
‫ق ْل ٌَا أٌَ َها ال َّناس إِن كنت ْم فًِ َشك مِّن دٌِنًِ َفالَ أَعْ بد الَّذ َ‬
‫ون مِن د ِ‬
‫ٌِن(‪ٌ )375-374‬ونس‬
‫ٌن َحنٌِفا َوالَ َتكو َننَّ م َِن ْالم ْش ِرك َ‬
‫ٌِن َوأَنْ أَ ِق ْم َوجْ َه َ‬
‫ون م َِن ْالم ْإ ِمن َ‬
‫َوأمِرْ ت أَنْ أَك َ‬
‫ك لِل ِّد ِ‬
‫‪9‬‬

‫فهذا ٌدل على أن رب العزة جل وعال قد اختار ملة سٌدنا إبراهٌم علٌه السالم دٌنا لعباده‪ ,‬و هو الدٌن الذي‬
‫تكون العبادة فٌه خالصة هلل رب العالمٌن وحده ال شرٌك له‪ .‬وهذا الدٌن إنما هو دٌن "اإلسالم"‪.‬‬
‫قال تعالى‪:‬‬
‫ٌن عِ ندَ هللاِ اإلِسْ الَم‪ )39(....‬آل عمران‬
‫‪......‬إِنَّ ال ِّد َ‬
‫ٌن(‪ )85‬آل عمران‬
‫اإلسْ الَ ِم دٌِنا َفلَن ٌ ْق َب َل ِم ْنه َوه َو فًِ اآلخ َِر ِة م َِن ْال َخاسِ ِر َ‬
‫َو َمن ٌَ ْب َت ِػ َؼٌ َْر ِ‬
‫َو َمنْ أَحْ َسن دٌِنا ِّممَّنْ أَسْ لَ َم َوجْ َهه هلل َوه َو محْ سِ ن وا َّت َب َع ِملَّ َة إِب َْراهٌِ َم َحنٌِفا َوا َّت َخ َذ هللا إِب َْراهٌِ َم َخلٌِال(‪)325‬‬
‫النساء‬
‫هللا َعاقِ َبة األمور(‪ )22‬لقمان‬
‫ْس َك ِب ْالعرْ َو ِة ْالو ْث َقى َوإِلَى َّ ِ‬
‫هللا َوه َو محْ سِ ن َف َق ِد اسْ َتم َ‬
‫َو َمنْ ٌسْ لِ ْم َوجْ َهه إِلَى َّ ِ‬

‫فمن عبد هللا وحده بما شرعه على لسان رسوله صلى هللا علٌه وسلم فدٌنه حق وعمله مقبول‪ ،‬ومن امتزج‬
‫دٌنه بالشرك و شابته البدع فعمله حابط مردود‪ ،‬ودٌنه باطل مرفوض‪.‬‬
‫قال تعالى‪:‬‬
‫ٌن(‪ )85‬آل عمران‬
‫اإلسْ الَ ِم دٌِنا َفلَن ٌ ْق َب َل ِم ْنه َوه َو فًِ اآلخ َِر ِة م َِن ْال َخاسِ ِر َ‬
‫َو َمن ٌَ ْب َت ِػ َؼٌ َْر ِ‬
‫ٌِن مِن َق ْبل َِك لَبِنْ أَ ْش َر ْك َ‬
‫ٌن(‪ )65‬الزمر‬
‫ت لَ ٌَحْ َب َطنَّ َع َمل َك َولَ َتكو َننَّ م َِن ْال َخاسِ ِر َ‬
‫ْك َوإِلَى الَّذ َ‬
‫َولَ َق ْد أوح ًَِ إِلٌَ َ‬
‫َمن ٌ ْشركْ ِباهللِ َف َق ْد َحرَّ َم هللا َعلٌَ ِه ْال َج َّن َة َو َمؤْ َواه ال َّنار َو َما ل َّ‬
‫نصار(‪ )72‬المابدة‬
‫ٌِن مِنْ أَ َ‬
‫ِلظالِم َ‬
‫ِ‬

‫معنى اإلسالم‬

‫دٌن هللا سبحانه و تعالى هو "اإلسالم" و عباده هم "المسلمون"‪ ,‬فاإلسالم ٌختلؾ عن بقٌة األدٌان فً أن‬
‫تسمٌته لٌست تبعا السم النبً الذي أرسل به أو القوم اللذٌن ٌعتنقونه‪ ,‬مثل المسٌحٌة نسبة للمسٌح و الٌهودٌة‬
‫نسبة لٌهوذا و الزرادشتٌة نسبة لزرادشت‪ ,‬بل هً خاصٌة و صفة تمٌز الشخص الذي ٌعتنق هذا الدٌن‪,‬‬
‫واإلسالم ٌهدؾ إلى إكساب هذه الخاصٌة ألكبر عدد ممكن من البشر بما أنه لٌس دٌنا خاصا بشخص او‬
‫بقوم معٌنٌن‪ ,‬بل هو رسالة لكل اإلنس و الجن‪.‬‬

‫‪10‬‬

‫فكل شخص كانت عنده هذه الخاصٌة أو اتصؾ بهذه الصفة منذ أقدم العصور إلى اآلن أو فً المستقبل‬
‫ٌكون مسلما‪ .‬فما هً هذه الخاصٌة؟‬

‫المعنى اللغوي‬
‫ألمر‬
‫ورد فً لسان العرب البن منظور‪ :‬اإلسالم لؽة هو االستسالم واالنقٌاد‪ٌ ،‬قال فالن مسلم أي ‪ :‬مس َتسلم‬
‫ِ‬
‫هللا‪.‬‬
‫فاإلسالم هو اإلستسالم و اإلنقٌاد ألمر هللا جل وعال‪.‬‬

‫المعنى اإلصطالحً‬
‫من التعارٌؾ اإلصطالحٌة المعروفة لإلسالم‪:‬‬

‫‪ )3‬فً حدٌث جبرٌل علٌه السالم‪ ،‬حٌث جاء بهٌبة اعرابً‪ٌ ،‬سؤل رسول هللا صلى هللا علٌه وسلم لٌسمع‬‫الحاضرون وٌتعلموا أمور دٌنهم‪ ،‬جاء فً هذا الحدٌث‪" :‬فؤخبرنً عن اإلسالم" فقال صلى هللا علٌه وسلم‪:‬‬
‫"اإلسالم أن تشهد أن ال إله إال هللا وأن محمدا رسول هللا وتقٌم الصالة وتإتً الزكاة وتصوم رمضان وتحج‬
‫البٌت إن استطعت إلٌه سبٌال"‪ .‬فاإلسالم هو ما جاء فً هذا الحدٌث‪.‬‬

‫‪ )2‬اإلسالم هو الخضوع واالستسالم واالنقٌاد هلل رب العالمٌن‪ ،‬وٌشترط فٌه أن ٌكون اختٌارٌا ال قسرٌا‪،‬‬‫ألن الخضوع القسري هلل رب العالمٌن أي لسننه الكونٌة أمر عام بالنسبة لجمٌع المخلوقات‪ ،‬و ٌسمى‬
‫باإلسالم العام وال ثواب فٌه وال عقاب قال تعالى‪:‬‬
‫أفؽٌر دٌن هللا ٌبؽون وله أسلم من فً السموات واألرض طوعا وكرها وإلٌه ٌرجعون(‪ )81‬آل عمران‬
‫فكل مخلوق خاضع هلل ولسنته فً وجوده وبقابه وفنابه‪ ،‬واالنسان كؽٌره من المخلوقات فً هذا الخضوع‬
‫القسري‪ .‬اما الخضوع االختٌاري هلل رب العالمٌن فهذا هو جوهر االسالم المطالب به االنسان و ٌسمى‬
‫اإلسالم الخاص وعلٌه ٌكون الثواب والعقاب‪ ،‬ومظهره االنقٌاد التام لشرع هللا بتمام الرضى والقبول‪ ،‬وبال‬
‫قٌد وال شرط وال تعقٌب‪.‬‬
‫‪ )1‬عرفه العز ابن عبد السالم فً كتابه "الفرق بٌن اإلسالم و اإلٌمان"‪ :‬اإلسالم هو االنقٌاد لمعنى‬‫الشهادتٌن‪.‬‬

‫‪11‬‬

‫فاإلسالم هو تمام االستسالم و الخضوع و االنقٌاد الطوعً اإلرادي هلل تعالى فً كل ما أمر به و أنزله‬‫على رسوله صلى هللا علٌه و سلم‪.‬‬
‫و رب العزة إنما خلق اإلنس و الجن فقط لعبادته‪:‬‬
‫ون(‪)56‬‬
‫جنَّ َو ْاإلِ َ‬
‫َو َما َخلَ ْقت ْال ِ‬
‫نس إِ َّال لِ ٌَعْ بد ِ‬
‫فٌكون بذلك اإلسالم هو‪ :‬االنقٌاد و الخضوع الطوعً ألمر هللا تعالى بعبادته و حده ال شرٌك له و ذلك وفقا‬
‫لما أنزله على رسوله صلى هللا علٌه و سلم‪.‬‬

‫وأصل دٌن اإلسالم الذي ٌتمٌز به أهل اإلٌمان عن أهل الكفر هو اإلٌمان بالوحدانٌة و تمثله شهادة أن "ال‬
‫إله إال هللا" والرسالة و تمثله شهادة أن "محمدا رسول هللا" صلى هللا علٌه وسلم‪.‬‬

‫ومضمون شهادة أن ال إله إال هللا‪ :‬أال ٌعبد إال هللا وحده ال شرٌك له‪ ،‬وبهذا بعث هللا جمٌع األنبٌاء و‬
‫المرسلٌن‪:‬‬
‫ون(‪ )25‬األنبٌاء‬
‫َو َما أَرْ َس ْل َنا مِن َق ْبل َِك مِن رَّ سول إِالَّ نوحًِ إِلَ ٌْ ِه أَ َّنه ال إِلَ َه إِالَّ أَ َنا َفاعْ بد ِ‬

‫فمن عبد هللا تعالى وحده ووفقا لما جاء به رسوله صل هللا علٌه و سلم فدٌنه صحٌح و عمله مقبول‪ ,‬و أما‬
‫من امتزج دٌنه بالشرك و شابته البدع فدٌنه باطل و عمله مرفوض مردود‪.‬‬
‫ٌِن مِنْ َق ْبل َِك لَبِنْ أَ ْش َر ْك َ‬
‫ٌن(‪ )65‬الزمر‬
‫ت لَ ٌَحْ َب َطنَّ َع َمل َك َولَ َتكو َننَّ م َِن ْال َخاسِ ِر َ‬
‫ْك َوإِلَى الَّذ َ‬
‫َولَ َق ْد أوح ًَِ إِلٌَ َ‬

‫ولٌس المراد من بعثة الرسل أن ٌدعوا الناس لمجرد التلفظ بحروؾ "ال إله إال هللا"‪ ،‬فإن هذا ال ٌتصوره‬
‫عاقل‪ ،‬وال ٌؽٌِّر من الباطل شٌبا‪ ،‬بل المراد من ذلك دعوة الناس لعبادة هللا وحده‪ ،‬وترك عبادة ما سواه‪،‬‬
‫وخلع األنداد وكل ما ٌعبد من دونه‪:‬‬
‫قال تعالى‪َ :‬ولَ َق ْد َب َع ْث َنا فًِ ك ِّل أمَّة رَّ سوال أَ ِن اعْ بدو ْا هللاَ َواجْ َتنِبو ْا َّ‬
‫الطاؼ َ‬
‫وت‪ )16(.....‬النحل‬
‫و هذا هو معنى "ال إله إال هللا" وال ٌتحقق إال باالعتقاد والقول و العمل‪.‬‬

‫‪12‬‬

‫فتوحٌد هللا تعالى هو حقه على كل خلقه والرسالة التً أرسل بها كل األنبٌاء و الرسل علٌهم الصالة و‬
‫السالم‪ ,‬و هً الؽاٌة التً من أجلها خلق هللا الخلق و الكون‪ ,‬و من أجلها تنصب الموازٌن ٌوم القٌامة‪ ,‬و‬
‫تكتب أعمال الناس فً الصحابؾ‪ ,‬و ضرب موعد ٌوم القٌامة‪ ,‬و قسم الناس لمإمنٌن و كافرٌن‪ ,‬و أقٌم دٌن‬
‫اإلسالم و شرع الجهاد‪.‬‬
‫فؤما شهادة التوحٌد "ال إله إال هللا"‪ ،‬فمعناها الذي نعتقده وندٌن به‪ :‬أنها تعنً نفً األلوهٌة عما سوى هللا‪,‬‬
‫وإثباتها له وحده سبحانه وتعالى‪.‬‬
‫واأللوهٌة هً العبادة‪ ،‬ومعنى كلمة إله هو‪ :‬المعبود المطاع‪ ,‬هذا هو تفسٌر هذه الكلمة بإجماع أهل العلم‪،‬‬
‫فمن عبد شٌبا فقد اتخذه إلها‪ ،‬وجمٌع اآللهة والمعبودات باطلة‪ ،‬إال إله واحد‪ ،‬هو هللا تبارك وتعالى‪.‬‬
‫إذا معنى "ال إله إال هللا" ال معبود بحق إال هللا؛ فؤي شًء ع ِبد من دون هللا فعبادته باطلة‪.‬‬
‫والعبادة هً كل ما شرعه هللا من األعمال واألقوال الظاهرة والباطنة التً أمر هللا عباده أن ٌقصدوه بها‬
‫وٌتقربوا بؤدابها إلٌه‪.‬‬
‫وأنواعها كثٌرة منها‪ :‬الدعاء‪ ،‬والذبح‪ ،‬والركوع والسجود‪ ،‬والطواؾ‪ ،‬والصٌام‪ ،‬والصدقة‪ ،‬والنذر‪ ،‬والمحبة‬
‫واإلجالل والتعظٌم‪ ،‬والخوؾ والتوكل والرجاء‪ ،‬واالستعانة واالستؽاثة‪ ،‬و الحب فً هللا و المواالت فٌه و‬
‫البؽض فً هللا و المعادات فٌه‪ ,‬وتحلٌل ما أحل هللا‪ ،‬وتحرٌم ما حرمه‪ ،‬والحكم بكتابه وسنة رسوله و التحاكم‬
‫إلٌهما؛ وؼٌر ذلك مما شرعه هللا لعباده وأمرهم به‪.‬‬
‫ونعتقد أن التوحٌد ال ٌتحقق بمجرد قول "ال إله إال هللا‪ ",‬بل البد من االعتقاد والقول والعمل‪ ،‬ومن أخ َّل‬
‫ت من التوحٌد بما ٌعصم ماله ودمه‪ ،‬وٌدخله الجنة وٌنجٌه‬
‫بواحد منها فلٌس من هللا ورسوله فً شًء‪ ،‬ولم ٌؤ ِ‬
‫من عذاب هللا‪ .‬فمن قال هذه الكلمة عالما بمعناها‪ ،‬عامال بمقتضاها من نفً الشرك وإثبات الوحدانٌة‪ ،‬مع‬
‫االعتقاد الجازم لما تضمنته والعمل به فهو المسلم حقا‪ ،‬ومن عمل بها من ؼٌر اعتقاد فهو المنافق‪ ،‬ومن‬
‫عمل بخالفها من الشرك فهو المشرك الكافر وإن قالها بلسانه‪.‬‬
‫فالمراد من شهادة أن "ال إله إال هللا" هو اإلقرار بها علما ونطقا وعمالَ‪ ،‬خالفا لما ٌظنه بعض الجهال أن‬
‫المراد من هذه الكلمة هو مجرد النطق بها‪ ،‬أو اإلقرار بوجود هللا‪ ،‬أو ملكه لكل شًء من ؼٌر شرٌك‪ ،‬فإن‬
‫هذا القدر قد عرفه عبَّاد األوثان على أٌام رسول هللا صلى هللا علٌه و سلم و قبله وأقروا به‪ ،‬فضال عن أهل‬
‫الكتاب‪ ،‬ولو كان كذلك لما احتاجوا إلى دعوتهم إلٌه‪.‬‬
‫وقد هدانا هللا عز وجل لمعرفة معنى هذه الكلمة العظٌمة التً علٌها مدار الدٌن كله‪ ،‬ووفقنا للعمل وااللتزام‬
‫بها‪ ،‬فآمنا باهلل وحده وأخلصنا له العبادة‪ ،‬وكفرنا بما ٌعبد من دونه‪ ،‬وتبرأنا من المشركٌن و شركهم‪.‬‬
‫و كما سبق و قلنا فإن شهادة التوحٌد (أصل الدٌن) هو اإلٌمان بوحدانٌة هللا تعالى "ال إله إال هللا" و اإلٌمان‬
‫بالرسالة "محمد رسول هللا" صلى هللا علٌه و سلم‪ .‬و علٌه سنقسم هذا العمل إلى بابٌن على بركة هللا‪.‬‬

‫‪13‬‬

‫الباب األول ‪ :‬ال إله إال هللا‬‫هذه الشهادة تنقسم الى شقٌن‪ :‬شق النفً "ال إله" و شق اإلثبات "إال هللا" عز وجل‬

‫وقد قسمها هللا تعالى فً كتابه إلى‪ :‬الكفر بالطاؼوت و هو شق النفً "ال إله"‪ ,‬و اإلٌمان باهلل و هو شق‬
‫اإلثبات "إال هللا"‪.‬‬

‫الفصل األول‪ :‬الكفر بالطاغوت‬
‫الكفر بالطاؼوت هو شق النفً "ال إله" كما قال عز وجل‪:‬‬
‫ومن ٌكفر بالطاؼوت وٌإمن باهلل فقد استمسك بالعروة الوثقى ال انفصام لها و هللا سمٌع علٌم(‪ )256‬البقرة‬

‫و النفً هنا هو نفً الشرك‪ ,‬و إنكار وجود أي إله آخر ؼٌر هللا عز و جل‪ ,‬ونفً و إنكار وجود أي شرٌك‬
‫هلل سبحانه و تعالى فً كل ما ٌتعلق به سوآءا فً ذاته أو أسمابه و صفاته أو أفعاله أو حقوقه أو أي شًء‬
‫ٌخصه عز و جل‪.‬‬
‫و ذلك ألن الشرك باهلل تعالى هو أسوأ و أعظم الذنوب قاطبة‪ ,‬و أكبر ذنب ٌمكن أن ٌرتكبه اإلنسان‪ ,‬أسوأ‬
‫من القتل و الزنى و السرقة و اإلبادة الجماعٌة و ؼٌرها من الجرابم التً ٌقرؾ منها الناس و ٌتقززون‬
‫منها‪ ,‬لكن الجرم الذي ٌفوق كل هذه الجرابم مجتمعة هو الشرك باهلل‪ ,‬كما قال صلى هللا علٌه و سلم‪:‬‬
‫ب أَعْ َظم؟‪َ .‬قا َل‪:‬‬
‫هللا صلى هللا علٌه وسلم‪ :‬أَي اَ َّلذ ْن ِ‬
‫عن عبد هللا ابن مسعود رضً هللا عنه قال‪َ :‬سؤ َ ْلت َرسو َل َ َّ ِ‬
‫هلل نِدا‪َ ,‬وه َو َخلَ َق َك‪ ....‬رواه البخاري و مسلم‬
‫أَنْ َتجْ َع َل ِ َّ ِ‬

‫كما أنه الذنب الوحٌد الذي ال ٌؽفره رب العزة كما قال و بصرٌح العبارة‪:‬‬

‫‪14‬‬

‫اهلل َف َق ِد ا ْف َت َرى إِ ْثما عَظِ ٌما(‪ )48‬النساء‬
‫ون َذل َِك لِ َمنْ ٌَ َشاء َو َمنْ ٌ ْش ِركْ ِب َّ ِ‬
‫هللا َال ٌَ ْؽفِر أَنْ ٌ ْش َر َك ِب ِه َو ٌَ ْؽفِر َما د َ‬
‫إِنَّ َّ َ‬
‫إِنَّ َّ‬
‫ض َالال َبعٌِدا(‪)336‬‬
‫ض َّل َ‬
‫اهلل َف َق ْد َ‬
‫ون َذل َِك لِ َمنْ ٌَ َشاء َو َمنْ ٌ ْش ِركْ ِب َّ ِ‬
‫ك ِب ِه َو ٌَ ْؽفِر َما د َ‬
‫هللاَ َال ٌَ ْؽفِر أَنْ ٌ ْش َر َ‬
‫النساء‬
‫هللا َعلَ ٌْ ِه ْال َج َّن َة َو َمؤْ َواه ال َّنار َو َما ل َّ‬
‫اهلل َف َق ْد َحرَّ َم َّ‬
‫صار( ‪ )72‬المابدة‬
‫ٌِن مِنْ أَ ْن َ‬
‫ِلظالِم َ‬
‫‪…………..‬إ َّنه َمنْ ٌ ْش ِركْ ِب َّ ِ‬

‫و كل شًء عبد من دون هللا‪ ,‬أو أضفٌت علٌه صفة الربوبٌة أو األلوهٌة أو بعضا من اسماء هللا أو صفاته‬
‫او خصابصه أو أعطٌت له بعضا من حقوقه ٌسمى طاؼوتا‪.‬‬

‫تعرٌف الطاغوت‬

‫لغة ‪ :‬من طؽى ٌطؽى طؽٌا‪ ،‬وٌطؽو طؽٌانا أي‪ :‬جاوز القدر‪ ،‬وارتفع‪ ،‬وؼال فً الكفر‪ ،‬وكل مجاوز حده فً‬
‫العصٌان طاغ‪.‬‬

‫شرعا ‪:‬‬

‫ ٌقول اإلمام الطبري رحمه هللا فً تفسٌره ‪ :‬والصواب من القول عندي فً الطاؼوت أنه كل ذي طؽٌان‬‫على هللا‪ ،‬فعبد من دونه‪ ،‬إما بقهر منه لمن عبده‪ ،‬وإما بطاعة ممن عبده له‪ ،‬إنسانا كان ذلك المعبود أو‬
‫شٌطانا‪ ،‬أو وثنا‪ ،‬أو صنما‪ ،‬أو كابنا ما كان من شًء‪.‬‬
‫ ٌقول اإلمام مالك رحمه هللا‪ :‬هو كل شًء أو إنسان عبد من دون هللا تعالى‪ .‬تفسٌر القرطبً‬‫ فمن خالل ما سبق ٌمكن تعرٌؾ الطاؼوت بؤنه كل شًء أو إنسان ٌتعدى حدوده و ٌدعً لنفسه أو ٌدعً‬‫له ؼٌره برضاه أي حق من حقوق هللا أو أٌة صفة من صفاته‪ ,‬و جعل نفسه ندا أو شرٌكا هلل تعالى بؤي شكل‬
‫من األشكال‪.‬‬

‫و هذا تعرٌؾ عام ٌدخل فٌه كل ما عبده الناس من دون هللا‪ ,‬سوآءا كان صنما أو حجرا أو شجرا أو شٌطانا‬
‫أو قبرا أو شٌخا أو ساحرا أو كاهنا او عرافا‪ ,‬أو كل من رضً بؤن ٌتوجه الناس إلٌه و ٌقصدونه بعباداتهم‬
‫و مناسكهم‪ ,‬أو حاكما أو قاضٌا أو من ٌشرع للناس الشرابع و ٌحل لهم الحرام و ٌحرم لهم الحالل‪ ,‬و كذلك‬
‫كل من أحبه الناس لذاته و اتخذوه كمصدر لمواالة الناس و البراءة منهم مثل الفنانٌن و الرٌاضٌٌن و الكتاب‬

‫‪15‬‬

‫و الفالسفة و المشاهٌر و السٌاسٌٌن و الحكام‪ .‬كل هإالء طواؼٌت ٌجب على المسلم الكفر بهم و اجتنابهم و‬
‫تكفٌر أتباعهم و اعتزالهم‪.‬‬

‫و الكفر بالطاؼوت ٌكون باالعتقاد الجازم ببطالن عبادته واجتنابها و بؽضها بالقلب و اللسان عند‬
‫االستطاعة‪ ,‬و تكفٌره و بؽضه و عداوته إن كان إنسانا‪ ,‬و تكفٌر عابدٌه وعداوتهم فً هللا‪.‬‬

‫وعلٌه فإن الكفر بالطاؼوت عندنا ٌكون حسب التفصٌل التالً‪:‬‬

‫‪ )1‬الكفر بالطاغوت فً الربوبٌة‬‫قال تعالى‪:‬‬
‫َ‬
‫اك فًِ أمَّة َق ْد َخلَ ْ‬
‫ان ق ْل ه َو َربًِّ‬
‫ك َوه ْم ٌَ ْكفر َ‬
‫ِي أَ ْو َح ٌْ َنا إِلَ ٌْ َ‬
‫ت مِن َق ْبلِ َها أ َمم لِّ َت ْتل َو َعلٌَ ِْهم الَّذ َ‬
‫كذل َِك أَرْ َس ْل َن َ‬
‫ون ِبالرَّ حْ َم ِ‬
‫ب(‪ )17‬الرعد‬
‫ال إِلَـ َه إِالَّ ه َو َعلَ ٌْ ِه َت َو َّك ْلت َوإِلَ ٌْ ِه َم َتا ِ‬
‫ق ْل أَ َؼٌ َْر َّ ِ َ‬
‫از َرة ِو ْز َر أخرى ث َّم إلى‬
‫هللا أ ْبؽًِ َربا َوه َو َرب ك ِّل َشًْ ء َو َال َت ْكسِ ب كل َن ْفس إِ َّال َعلَ ٌْ َها َو َال َت ِزر َو ِ‬
‫ون(‪ )364‬االنعام‬
‫َربِّك ْم َمرْ ِجعك ْم َفٌ َنبِّبك ْم ِب َما ك ْنت ْم فٌِ ِه َت ْخ َتلِف َ‬

‫توحٌد الربوبٌة هو اإلٌمان الجازم بؤن هللا وحده هو الرب و أن ال أحد ٌشاركه أحد فً ملكوته‪ ,‬و ال ٌشاركه‬
‫أحد فً تدبٌر شإون الكون‪ ,‬و هو الوحٌد الذي ٌملك القدرة على النفع أو الضر و تقدٌر المقادٌر‪ ,‬و هو‬
‫وحده "الصمد" الذي ال ٌحتاج لؽٌره فً شًء و كل شًء فً حاجة مطلقة له‪ .‬و ال أحد ٌستطٌع تخطً‬
‫النوامٌس الكونٌة التً جعل الكون كله ٌسٌر وفقها‪ .‬و أنه وحده من ٌمكنه تدبٌر الرزق أو اإلحٌاء أو اإلماتة‬
‫أو علم الؽٌب أو تقرٌب النصٌب أو جلب الحظ وكل من ادعى شٌبا من ذلك فهو طاؼوت ٌنازع هللا فً‬
‫ربوبٌته و الكفر به واجب‪ ,‬و كذلك كل من ادعى معرفة ما فً قلوب الناس أو ما ٌفكرون فٌه‪ ,‬أو من ادعى‬
‫النفع أو الضر من دون هللا‪ ,‬أو ادعى اإلتٌان بالخوارق و المعجزات‪.‬‬
‫و هناك الكثٌر من األمثلة على اتخاذ الناس ألرباب من دون هللا‪ ,‬و صرفهم لبعض خصابص الربوبٌة لؽٌر‬
‫هللا‪ ,‬مثل الروافض األنجاس الذٌن ٌعتقدون أن أبمتهم ٌشاركون فً تسٌٌر شإون الكون‪ ,‬أو الذٌن ٌعتقدون أن‬
‫العراؾ أو الساحر ٌمكنه تقرٌب النصٌب أو جلب الحظ أو ٌنببهم بالمستقبل و الؽٌب أو ما شابه‪ ,‬فهإالء‬
‫طواؼٌت ٌنازعون هللا فً ربوبٌته و الكفر بهم واجب دون شك‪.‬‬
‫‪16‬‬

‫كذلك هناك من الناس من ٌعتقد أن قطا أسودا ٌمكنه أن ٌجلب له سوء الحظ أو أن تمٌمة تجلب له الحظ و‬
‫حسن الطالع و كذلك الكثٌرون ٌطالعون أخبار األبراج و ٌتوقعون حصول ما تقوله و كله شرك باهلل‬
‫تعالى‪.‬‬
‫فنكفر بكل طاؼوت ادعى الربوبٌة أو أٌا من خصابصها أو ادعاها له ؼٌره برضاه‪ ,‬و نكفر كل من اعتقد‬
‫الربوبٌة أو أٌة خاصٌة من خصابصها فً ؼٌر هللا تعالى و من ال ٌكفره‪.‬‬

‫‪ )2‬الكفر بالطاغوت فً األلوهٌة‬‫توحٌد األلوهٌة هو توحٌد هللا فً القصد و الطلب أو توحٌد هللا فً العبادة‪.‬‬
‫و كما قال ابن عباس رضً هللا عنهما‪ :‬هللا ذو األلوهٌة والعبودٌة على خلقه أجمعٌن‪ .‬رواه ابن جرٌر‬
‫الطبري وابن أبً حاتم‬

‫تعرٌف العبادة‬
‫قال شٌخ المفسرٌن اإلمام الطبري رحمه هللا‪ :‬معنى العبادة الخضوع هلل بالطاعة والتذلل له باإلستكانة‪.‬‬
‫وقال أٌضا‪ :‬العبودٌة عند جمٌع العرب أصلها الذلة‪ ،‬وأنها تسمً الطرٌق المذلل الذي قد وطبته األقدام وذللته‬
‫السابلة معبَّدا ومن ذلك قٌل للبعٌر المذلَّل بالركوب فً الحوابج معبَّد‪ ،‬ومنه سمً العبد عبدا ل ِذلَّتِه لمواله‪.‬‬
‫َّاك َنعْ بد‪ :‬أي نوحدك ونطٌعك خاضعٌن‪ ،‬والعبادة الطاعة مع‬
‫وقال البؽوي أٌضا فً تفسٌر قوله تعالى إٌِ َ‬
‫التذلل والخضوع‪.‬‬

‫فالعبادة هً الطاعة مع التذلل و اإلنقٌاد و الخضوع هلل تعالى‪ ,‬وهً أعلى درجات المحبة‪.‬‬

‫و العبادة عندنا تشمل الوالء و الحكم و النسك التعبدٌة‪ ,‬كما دلت علٌه اآلٌات القرآنٌة الكرٌمة فً سورة‬
‫التوحٌد (األنعام)‪ ,‬فنكفر بعبادة الطاؼوت على النحو التالً‪:‬‬

‫‪17‬‬

‫أ) الكفر بالطاغوت فً الوالء‬‫قال تعالى‪:‬‬
‫ٌِن َظلَموا إِ ْذ‬
‫هلل َولَ ْو ٌَ َرى الَّذ َ‬
‫ٌِن آ َمنوا أَ َشد حبا ِ َّ ِ‬
‫هللا َوالَّذ َ‬
‫هللا أَندَ ادا ٌحِبو َنه ْم َكحبِّ َّ ِ‬
‫ون َّ ِ‬
‫اس َمنْ ٌَ َّتخِذ مِنْ د ِ‬
‫َوم َِن ال َّن ِ‬
‫ب (‪ )365‬البقرة‬
‫هللا َشدٌِد ْال َع َذا ِ‬
‫اب أَنَّ ْالق َّو َة ِ َّ ِ‬
‫ٌَ َر ْو َن ْال َع َذ َ‬
‫هلل َجمٌِعا َوأَنَّ َّ َ‬
‫َ‬
‫َّ‬
‫َّ‬
‫ور‬
‫ٌِن آ َمنوا ٌ ْخ ِرجه ْم م َِن الظل َما ِ‬
‫ور َوالَّذ َ‬
‫هللا َولًِ الَّذ َ‬
‫ٌِن َك َفروا أ ْو ِل ٌَاإهم الطاؼوت ٌ ْخ ِرجو َنه ْم م َِن الن ِ‬
‫ت إِلَى الن ِ‬
‫ت أولَب َ َ‬
‫ون(‪ )257‬البقرة‬
‫إِلَى الظل َما ِ‬
‫ار ه ْم فٌِ َها َخالِد َ‬
‫ِك أصْ َحاب ال َّن ِ‬
‫ون أَ َّو َل َمنْ أَسْ لَ َم‬
‫ق ْل أَ َؼٌ َْر هللاِ أَ َّتخِذ َولٌِا َفاطِ ِر ال َّس َم َاوا ِ‬
‫ض َوه َو ٌ ْطعِم َوالَ ٌ ْط َعم ق ْل إِ ِّن ًَ أمِرْ ت أَنْ أَك َ‬
‫ت َواألَرْ ِ‬
‫َوالَ َتكو َننَّ م َِن ْالم ْش ِر َكٌن(‪ )34‬االنعام‬
‫أم ا َّت َخذوا مِنْ دو ِن ِه أَ ْولِ ٌَا َء َف َّ‬
‫اهلل ه َو ْال َولًِ َوه َو ٌحْ ًٌِ ْال َم ْو َتى َوه َو على ك ِّل َشًْ ء َقدٌِر(‪ )79‬الشورى‬
‫ِ‬

‫و الشرك هنا كما ٌظهر من اآلٌات هو شرك فً الحب و المحبة‪ ,‬و هذا النوع من الشرك ٌخفى على كثٌر‬
‫من الناس‪ ,‬و الولً هنا المقصود به هو المحبوب لذاته الذي ٌنقاد له الناس و ٌطٌعونه لذاته تبعا لحبهم له‪.‬‬
‫و العبادة فً الحقٌقة ما هً إال أعلى درجات المحبة‪ ,‬و ٌنتج عن المحبة الطاعة و اإلنقٌاد للمحبوب و جعل‬
‫اإلنسان نفسه تحت تصرؾ من ٌحبه‪ ,‬و قد بٌن تعالى أن حب ؼٌره لذاته شرك‪:‬‬
‫هللا ‪ )365(...........‬البقرة‬
‫هللا أَ ْندَ ادا ٌحِبو َنه ْم َكحبِّ َّ ِ‬
‫ون َّ ِ‬
‫اس َمنْ ٌَ َّتخِذ مِنْ د ِ‬
‫َوم َِن ال َّن ِ‬
‫فمن أحب ؼٌر هللا لذاته فقد أشرك باهلل تعالى فٌما هو حق خالص له‪ .‬فالبشر و إن كانوا ٌحبون بعضهم‬
‫البعض سوآءا بسبب روابط الدم أو بسبب الشهوة و المصلحة‪ ,‬فهم ال ٌملكون لبعضهم البعض ال نفعا و ال‬
‫ضرا‪ .‬بٌنما هللا تعالى هو الذي أنعم علٌهم بكل النعم التً ٌتقلبون فٌها ظاهرة و باطنة‪ ,‬و هو وحده من ٌملك‬
‫الضر و النفع و هو وحده من ٌملك أسباب سعادتهم أو شقاءهم فً هذه الدنٌا و فً اآلخرة‪ .‬فال شك أنه هو‬
‫وحده من ٌستحق الحب لذاته دون ؼٌره و الوحٌد الذي ٌستحق الحمد و الثناء و العبادة‪.‬‬
‫فالحب عبادة ٌجب أن تكون خالصة هلل سبحانه و تعالى و كل قول أو عمل مبنً على الحب و اإلنقٌاد‬
‫الطوعً ٌجب أن ٌكون خالصا هلل عز وجل‪ٌ .‬ستثنى منه ما كان حبا فطرٌا مثل حب الوالدٌن أو الزوجة و‬
‫األوالد بشرط أن ال ٌقدم على حب هللا تعالى كما قال‪:‬‬
‫ارة َت ْخ َش ْو َن َك َسادَ َها‬
‫ٌرتك ْم َوأَم َْوال ا ْق َت َر ْفتمو َها َوت َِج َ‬
‫ان آ َباإك ْم َوأَ ْب َناإك ْم َوإِ ْخ َوانك ْم َوأَ ْز َواجك ْم َوعَشِ َ‬
‫ق ْل إِنْ َك َ‬
‫هللا ِبؤَمْ ِر ِه َو َّ‬
‫هللا َو َرسولِ ِه َو ِج َهاد فًِ َس ِبٌلِ ِه َف َت َربَّصوا َح َّتى ٌَؤْت ًَِ َّ‬
‫هللا َال ٌَ ْهدِي‬
‫ض ْو َن َها أَ َحبَّ إِلٌَْك ْم م َِن َّ ِ‬
‫َو َم َساكِن َترْ َ‬
‫ٌِن(‪ )24‬التوبة‬
‫ْال َق ْو َم ْال َفاسِ ق َ‬
‫‪18‬‬

‫كما أن حب هللا تعالى و إخالص الحب له ٌفرض حب من ٌحبه و بؽض من ٌبؽضه و ٌحب ؼٌره‪ ,‬و الحب‬
‫فً هللا تعالى و البؽض فٌه هً مسؤلة عظٌمة ألنها أوثق عرى اإلٌمان كما أخبر صلى هللا علٌه و سلم‪:‬‬
‫ان‪ :‬أَنْ‬
‫عن البراء بن عازب رضً هللا عنه‪ ,‬أن رسول هللا صلى هللا علٌه وسلم قال‪ :‬إِنَّ أَ ْو َث َق ع َرى ْاإلٌِ َم ِ‬
‫هللا‪ .‬رواه أحمد‬
‫ِض فًِ ِ‬
‫هللا‪َ ،‬وت ْبؽ َ‬
‫تحِبَّ فًِ ِ‬
‫و لكن بدال من ذلك فإن الناس ٌتخذون من دون هللا أندادا ٌحبونهم لذاتهم و ٌنقادون لهم و ٌخلصون لهم و‬
‫ٌطٌعونهم و ٌنقادون لهم طواعٌة فً كل شًء‪ .‬و ٌتخذونهم أساسا لمواالة ؼٌرهم من الناس و البراءة منهم‪.‬‬
‫و ٌظهر ذلك بشكل جلً فً حب الناس للفرق الرٌاضٌة مثل فرق كرة القدم التً كثٌرا ما نسمع أنصار‬
‫الفرق ٌقولون صراحة أن حب فرقهم مقدم عندهم على هللا تعالى و ٌحبون من ٌحب فرٌقهم و ٌوالونه و‬
‫ٌعادون من ٌعادي فرٌقهم و ٌتبرإون منه‪ .‬و نفس الشًء نراه فً حب الناس للرٌاضٌٌن و الفنانٌن و الكتاب‬
‫و الممثلٌن و الفالسفة و المشاٌخ والكهنة و الرهبان و الدجالٌن و السٌاسٌٌن و الحكام الذٌن ٌنقادون إلٌهم و‬
‫ٌطٌعونهم فً ما ٌؤمرونهم به حتى و إن كان فً ذلك خروج عن شرع هللا تعالى و تعد على حقوقه‪ ,‬و‬
‫ٌخلصون لهم و ٌدافعون عنهم حتى بؤرواحهم فً الحروب التً ٌخوضونها‪ ,‬و كل هإالء طواؼٌت ال بد من‬
‫الكفر بهم‪.‬‬
‫البعض كذلك ٌتخذ الوطن أو العرق أو اللون أو ما شابه ذلك كؤساس للوالء و البراء‪ ,‬و كله مبنً على‬
‫أساس حب ؼٌر هللا لذاته و هو شرك أكبر دون شك‪.‬‬
‫و الكفر بالطاؼوت فً الوالء ٌكون بالكفر بكل ما اتخذه الناس ولٌا من دون هللا و احبوه لذاته و تحابوا‬
‫وتوالوا فٌه‪ ,‬كابنا ما أو من كان‪ .‬و بؽضه و اعتزاله و تكفٌر أتباعه و محبٌه و بؽضهم و اعتزالهم‪ ,‬و‬
‫باجتناب كل فعل أو قول ٌنم عن الحب أو الرضى أو القبول بالطاؼوت أو الود ألتباعه‪.‬‬
‫و معروؾ أن نظام الحٌاة فً عالمنا الٌوم مبنً على اساس اإلسالم و الخضوع و اإلنقٌاد للدولة المدنٌة‬
‫التً تقوم بتشرٌع الشرابع للناس من دون هللا‪ ,‬و على الوالء لها و البراء من ؼٌرها‪ .‬أي أن نظام الحٌاة‬
‫مبنً على ألوهٌة الدولة المدنٌة‪ .‬و هذه الدول هً أشد أنواع الطواؼٌت فً عالمنا الٌوم و الكفر بها أوجب‬
‫الواجبات‪ ,‬و قد ألؾ الناس عبادتها لدرجة أنهم أصبحوا ٌعتبرون الكثٌر من األمور الشركٌة عادٌة بل و‬
‫حتى حقوقا مشروعة بموجب حق المواطنة و التبعٌة لدولة الطاؼوت‪ ,‬و لذلك ٌجدر بنا التفصٌل فً الكفر‬
‫بها كما ٌلً‪:‬‬
‫ عدم استخرج وثابق الطاؼوت و هوٌاته‪ ,‬ألن كل طاؼوت ٌمٌز عبٌده و أتباعه من أتباع ؼٌره باألوراق‬‫التً ٌعطٌهم إٌاها‪ ,‬سوآءا كانت هوٌات تعرٌؾ أو جواز سفر أو جنسٌة أو إقامة وهً بمثابة دخول طوعً‬
‫فً والٌته‪ .‬و من ٌستخرجها طواعٌة فهو دون ادنى شك محب له و راض به أو على األقل قابل به و كله‬
‫من الحب و الوالء‪ ,‬و كله ٌناقض الكفر بالطاؼوت الذي هو شرط مسبق لدخول اإلسالم و من فعله ال ٌكون‬
‫إال كافرا مشركا‪.‬‬
‫مع التنبٌه إلى أن هناك فرقا بٌن االستخراج الطوعً الذي ٌثبت فٌه الوالء للطاؼوت و بٌن مجرد حمل‬
‫الوثابق و استخدامها لمن سبق و استخرجها قبل إسالمه أو استخدم وثابق مزورة او ما شابه‪ ,‬فهو جابز من‬
‫‪19‬‬

‫باب التقٌة إن كان هناك خوؾ أو ضرورة ملحة‪ ,‬و ذلك ألنه فً هذه الحالة ال ٌوجد رضا و قبول و بالتالً‬
‫ال ٌثبت الحب و الوالء و علٌه ال ٌوجد شرك والء‪ .‬و كذلك ألنه فً هذه الحالة ال ٌوجد شرط القبول بشرع‬
‫الطاؼوت مثلما هو األمر دابما عند االستخراج‪.‬‬
‫عدم الدخول فً خدمته بؤٌة طرٌقة كانت‪ ,‬ألن كل من عمل موظفا عند الطاؼوت فً ما ٌسمى بالقطاع‬‫العام أو فً أٌة وظٌفة كانت من كناس الشوارع إلى الطبٌب فً المشفى العام‪ ,‬إنما ٌجعل نفسه أداة للطاؼوت‬
‫ٌمارس من خاللها طؽٌانه و سلطته و والٌته على عبٌده‪ ,‬و ذلك بالقٌام على خدمتهم و توفٌر مستلزمات‬
‫الحٌاة لهم مقابل والٌتهم و تبعٌتهم له‪ .‬كما أن فٌه تبعٌة و انقٌاد للطاؼوت بالضرورة‪ .‬زٌادة على أن العمل‬
‫عنده ٌكون بعقد عمل فٌه الموافقة على شرعه و القبول بالتحاكم إلٌه‪.‬‬
‫و من ٌدخل فً خدمته ال شك أنه ٌحبه أو ٌرضى به أو على األقل ٌقبل به‪ ,‬و هو من الوالء الذي ال شك فٌه‬
‫و ٌناقض الكفر به واعتزاله ومن ٌفعل ذلك ال ٌكون إال كافرا مشركا‪.‬‬
‫كذلك فً حالة ما إذا كان اإلنسان مرؼما على العمل عند الطاؼوت كؤن ٌكون سجٌنا عنده أو عبدا رقٌقا و‬
‫لم ٌكن فٌه موافقة على شرعه و لم ٌكن العمل ملتبسا بشرك أو كفر فإنه ممكن من باب التقٌة‪ ,‬و ذلك ألنه‬
‫فً هذه الحالة ٌزول عامل القبول و الرضى و بالتالً ال ٌوجد والء و ال شرك والء‪ .‬كما كان الحال مع‬
‫سٌدنا ٌوسؾ علٌه السالم الذي كان رقٌقا عند الملك و كذلك مع سٌدنا سلمان رضً هللا عنه الذي منعه الرق‬
‫عند الٌهودي من أن ٌشهد ؼزوتً بدر و أحد‪.‬‬
‫عدم ارسال األوالد إلى مدرسته‪ ,‬و ذلك ألن األوالد هم أؼلى و أعز شًء ٌملكه اإلنسان‪ ,‬و ال شك أنه لن‬‫ٌرسلهم إلى مدرسة الطاؼوت و ٌستؤمنه علٌهم إال إذا كان ٌحترم الطاؼوت و ٌثق به‪ .‬و ال ٌمكن ان ٌرسل‬
‫اإلنسان أوالده إلى من ٌكره و ٌبؽض أو من ال ٌستـؤمنه علٌهم‪ ,‬و ال شك أن من ٌفعل ذلك ال ٌكون إال كافرا‬
‫مشركا ‪ .‬كما أن األوالد إنما ٌذهبون لمدرسة الطاؼوت أوال وقبل كل شًء لتعلم عبادته و حبه و تمجٌده‪ ,‬و‬
‫ذلك بداٌة بؤداء تحٌة علمه كل صباح و إنشاد قسم الوالء له‪ ,‬ثم تعلم إخالص الوالء له و تعلم االنقٌاد و‬
‫اإلسالم له و لشرعه‪ .‬و كله شرك أكبر و من أرسل أوالده لتعلم الشرك فهو مشرك كافر دون أدنى شك‪.‬‬
‫ و كذلك عدم رفع علمه أو شعاره طواعٌة‪ ,‬و عدم المسارعة فً تنفٌذ أوامره أو أوامر أعوانه دونما‬‫خوؾ أو قضاء مصلحة ضرورٌة‪ ,‬ألنه ال ٌكون إال عن حب واحترام له أو عن قبول به على أقل تقدٌر‪.‬‬

‫فنكفر بكل ما و من اتخذه الناس ولٌا من دون هللا فؤحبوه لذاته وقدسوه و والوا الناس وعادوهم فٌه‪ ,‬ونكفر‬
‫كل من ٌفعل ذلك بؤٌة طرٌقة كانت ومن ال ٌكفره‪.‬‬

‫‪20‬‬

‫ب) الكفر بالطاغوت فً الحكم‬‫قال تعالى‪:‬‬
‫ٌِن ٌَ ْزعم َ َ‬
‫ون أَن ٌَ َت َحا َكموا إِلَى َّ‬
‫ت‬
‫الطاؼو ِ‬
‫نز َل مِن َق ْبل َِك ٌ ِرٌد َ‬
‫نز َل إِلٌَ َ‬
‫أَلَ ْم َت َر إِلَى الَّذ َ‬
‫ْك َو َما أ ِ‬
‫ون أ َّنه ْم آ َمنوا ِب َما أ ِ‬
‫َو َق ْد أمِروا أَن ٌَ ْكفروا ِب ِه َوٌ ِرٌد ال َّشٌ َ‬
‫ض َالال َبعٌِدا(‪ )67‬النساء‬
‫ْطان أَن ٌضِ لَّه ْم َ‬
‫نز َل َّ‬
‫‪..........‬و َمنْ لَ ْم ٌَحْ ك ْم ِب َما أَ َ‬
‫ون(‪ )44‬المابدة‬
‫ك هم ْال َكافِر َ‬
‫هللا َفؤ ْولَ ِب َ‬
‫َ‬
‫ٌِن(‪ )57‬األنعام‬
‫هلل ٌَقص ْال َح َّق َوه َو َخٌْر ْال َفاصِ ل َ‬
‫‪...........‬إِ ِن ْالح ْكم إِ َّال ِ َّ ِ‬
‫ون(‪ٌ )47‬وسؾ‬
‫اس َال ٌَعْ لَم َ‬
‫‪.........‬إِ ِن ْالح ْكم إِ َّال ِ َّ ِ‬
‫هلل أَ َم َر أَ َّال َتعْ بدوا إِ َّال إٌَِّاه َذل َِك ال ِّدٌن ْال َقٌِّم َو َلكِنَّ أَ ْك َث َر ال َّن ِ‬
‫ون(‪ٌ )67‬وسؾ‬
‫هلل َعلَ ٌْ ِه َت َو َّك ْلت َو َعلَ ٌْ ِه َف ْل ٌَ َت َو َّك ِل ْالم َت َو ِّكل َ‬
‫‪........‬إِ ِن ْالح ْكم إِال ِ َّ ِ‬

‫ما دام أن رب العزة جل وعال هو الذي خلق الكون و كل شًء فٌه وهو وحده من ٌسٌر ذلك كله‪ ,‬فال شك‬
‫أنه هو وحده الذي ٌمكنه وضع القوانٌن والنوامٌس التً تحكم سٌر كل شًء فٌه‪ .‬و كل المخلوقات و كل‬
‫ذرة فً هذا الكون ال تسٌر إال وفق القانون الذي وضعه لها هللا تعالى‪ ,‬و ال خٌار لهم فً ذلك‪ .‬لكنه سبحانه‬
‫و تعالى استثنى من هذه القاعدة اإلنس والجن فؤعطى لهم الحرٌة فً أفعالهم و تصرفاتهم‪ ,‬فهم أحرار فً‬
‫الخضوع لشرعه و اتباعه أو الكفر به و التمرد علٌه‪ .‬و جعل لهم الثواب و الجنة على االنقٌاد لشرعه و‬
‫اإلسالم له‪ ,‬و العقاب فً النار على عصٌانه و التمرد علٌه‪.‬‬
‫فالعاقل ٌعرؾ دون شك أن هللا تعالى الذي خلقه وهو فقط من ٌعرؾ ما هو خٌر و ما هو شر له‪ .‬مثلما أن‬
‫صانع اآللة هو الوحٌد الذي ٌعرؾ الطرٌقة المثلى الستخدامها و محاسنها و مساوبها‪ ,‬و الوحٌد القادر على‬
‫كتابة "دلٌل اإلستخدام" الخاص بها‪ .‬و المسلم الذي ٌنقاد لربه سبحانه و تعالى مثل كل المخلوقات فً هذا‬
‫الكون إنما ٌسمع أمر هللا و ٌطٌعه برضا و سكٌنة و إخالص كما قال تعالى‪:‬‬
‫ِك هم‬
‫هللا َو َرسولِ ِه لِ ٌَحْ ك َم َب ٌْ َنه ْم أَن ٌَقولوا َسمِعْ َنا َوأَ َطعْ َنا َو أو َٰلَب َ‬
‫ٌِن إِ َذا دعوا إِلَى َّ ِ‬
‫ان َق ْو َل ْالم ْإ ِمن َ‬
‫إِ َّن َما َك َ‬
‫ون(‪ )53‬النور‬
‫ْالم ْفلِح َ‬
‫َ‬
‫ص َّ‬
‫ضى َّ‬
‫هللا َو َرسوله أَمْ را أَن ٌَك َ‬
‫ان لِم ْإمِن َو َال م ْإ ِم َنة إِ َذا َق َ‬
‫َو َما َك َ‬
‫مْر ِه ْم َو َمن ٌَعْ ِ‬
‫هللاَ‬
‫ون لَهم ْال ِخ ٌَ َرة مِنْ أ ِ‬
‫ض َالال م ِبٌنا(‪ )16‬األحزاب‬
‫ض َّل َ‬
‫َو َرسولَه َف َق ْد َ‬
‫وواضح من كتاب هللا تعالى أن هللا تعالى هو وحده الحكم الذي ٌكون االحتكام له فً كل النزاعات و‬
‫الخصومات‪ ,‬و شرعه هو الشرع الوحٌد الذي ٌحكم به على كل شًء و على أي كان‪.‬‬

‫‪21‬‬

‫و اإلسالم الذي هو اإلنقٌاد هلل تعالى ال ٌكون إال باإلنقٌاد و التسلٌم لشرعه عن رضا و اقتناع‪.‬‬

‫لكن هذا النوع من الشرك و الذي ٌكون بتحكٌم ؼٌر شرع هللا و اتخاذ ؼٌر هللا حكما‪ ,‬هو أكثر أنواع الشرك‬
‫انتشارا فً ع المنا الٌوم‪ .‬بل إنه األساس الذي تقوم علٌه هذه الحضارة حٌث أن الناس ٌنتخبون بعضهم و‬
‫ٌعطونه الحق فً وضع الشرابع و القوانٌن لهم حسب أهواءهم و رؼباتهم ومصالحهم‪ ,‬فٌحلون لهم الحرام و‬
‫ٌحرمون لهم الحالل و قد جعلوهم بذلك حكما و آلهة من دون هللا تعالى‪ .‬فؤصبحت الدولة هً اإلله المعبود‬
‫عندهم‪.‬‬
‫و قد أصبحت هذه القوانٌن البشرٌة تحكم كل شًء فً حٌاة الناس‪ ,‬و ال ٌمكن لإلنسان أن ٌحصل على أي‬
‫شًء تقرٌبا فً عالمنا الٌوم إال بالموافقة على هذه القوانٌن و التعهد باحترامها و عدم مخالفتها و القبول‬
‫بالتحاكم إلٌها فً حالة النزاع‪ .‬فهً مفروضة فً كل أنواع العقود (عقود اإلٌجار‪ ,‬العمل‪ ,‬عقود البٌع و‬
‫الشراء‪ )...‬و فً استخراج مختلؾ أنواع الوثابق (هوٌات‪ ,‬جوازات سفر‪ ,‬إقامات‪ )...‬و فً كل التعامالت‬
‫المصرفٌة (فتح حساب‪ ,‬إرسال أموال‪ )...‬و فً كل خدمات شبكة المعلومات(إنترنت) تقرٌبا‪ ,‬و ذلك ضمن‬
‫ما ٌسمى بشروط الخدمة و شروط الخصوصٌة و التً تحتوي على "البنود القانونٌة" و التً تفرض الموافقة‬
‫على قوانٌن الطاؼوت و التعهد باحترامها و عدم مخالفتها و القبول بالتحاكم إلٌها فً حالة نزاع‪ .‬فعلى‬
‫المسلم أن ٌكون شدٌد الحذر فً تعامله مع الكفار‪.‬‬
‫و هذه القوانٌن هً الشرع الوحٌد الذي ٌعرفه عامة الناس و ٌنقادون إلٌه الٌوم‪ .‬و حتى هإالء المشركٌن‬
‫الذٌن ٌدعون اإلسالم فإنهم عندما ٌحكمون على أنفسهم أو على ؼٌرهم باإلسالم إنما ٌحكمون تبعا ألحكام‬
‫"قانون الحالة المدنٌة" لبالدهم‪ ,‬و المسلم عندهم هو الذي أعطاه الطاؼوت "شهادة" كتب له فٌها أنه ٌعتبره‬
‫"مسلما" فً شرعه‪ .‬فهإالء الناس منقادون بشكل كامل للطاؼوت و شرعه‪ .‬فهم مسلمون للطاؼوت و لٌس‬
‫هلل رب العالمٌن جل و عال‪.‬‬
‫و علٌه فإننا نكفر بكل طاؼوت اتخذه الناس حكما أو مشرعا من دون هللا‪ ,‬و نكفر بكل قانون أو شرع ؼٌر‬
‫شرع هللا تعالى‪ ,‬و نكفر كل من شارك فً اختٌار و انتخاب الطواؼٌت المشرعٌن أو قبل بقوانٌنهم أو تعهد‬
‫باحترامها أو بعدم مخالفتها‪ ,‬أو قبل بالتحاكم إلٌها فً حالة النزع أو شارك فً تطبٌقها و العمل بها بؤٌة‬
‫صورة كانت‪ ,‬و من ال ٌكفر من فعل أٌا من ذلك‪.‬‬
‫ ننبه هنا إلى أن القبول بؽٌر شرع هللا أو احترامه أو التعهد بعدم مخالفته هو قبول و احترام و تعهد بطاعة‬‫مشرع من دون هللا‪ ,‬أي إله من دون هللا تعالى‪.‬‬
‫و نكفر كذلك كل من ذهب إلى المحاكم الطاؼوتٌة أو طلب حكمها و لو دفاعا عن نفسه (حتى فً محكمة‬
‫االستبناؾ) أو أدلى بشهادته فً قضٌة تنظر فٌها المحكمة ‪ ,‬أو قبل بحكم المحكمة أو شارك فً تنفٌذه أو‬
‫تطبٌقه بؤي صورة كانت‪ .‬أو من ٌلبً دعوة القاضً و ٌحضر إلى المحكمة أو حتى من ٌذهب للمحكمة ألي‬
‫سبب كان ألن الشًء الوحٌد الذي ٌحدث فً المحكمة هو التحاكم لؽٌر هللا و هو شرك أكبر و الذهاب إلٌها‬
‫من نٌة الشرك‪ ,‬و قد بٌن هللا تعالى بؤن مجرد نٌة التحاكم شرك‪:‬‬
‫‪22‬‬

‫ون أَنْ ٌَ َت َحا َكموا إِلَى َّ‬
‫ت‬
‫الطاؼو ِ‬
‫ْك َو َما أ ْن ِز َل مِنْ َق ْبل َِك ٌ ِرٌد َ‬
‫ون أَ َّنه ْم آ َمنوا ِب َما أ ْن ِز َل إِلٌَ َ‬
‫ٌِن ٌَ ْزعم َ‬
‫أَلَ ْم َت َر إِلَى الَّذ َ‬
‫َو َق ْد أمِروا أَنْ ٌَ ْكفروا ِب ِه َوٌ ِرٌد ال َّشٌ َ‬
‫ض َالال َبعٌِدا(‪ )67‬النساء‬
‫ْطان أَنْ ٌضِ لَّه ْم َ‬
‫فنكفر كل من قام بشًء مما سبق و من ال ٌكفرهم‪.‬‬

‫و نكفر كل من تقدم ببالغ عند شرطة الطاؼوت‪ ,‬ألنه أول خطوة لفتح قضٌة تحاكمٌة أمام المحكمة‪ ,‬ونكفر‬
‫كل من تحاكم إلى أي شرع ؼٌر شرع هللا مثل أحكام قوانٌن اتحادات كرة القدم أو ؼٌرها من الهٌبات التً‬
‫تحكم بشرابع مخالفة لشرع هللا (فً كرة القدم مثال أحكام القصاص مخالفة ألحكام القصاص فً شرع هللا)‬
‫ومن ال ٌكفره‪.‬‬
‫مالحظة‬‫فً بعض األحٌان تكون هناك بعض التداخالت مثلما هو األمر فً قواعد المرور مثال‪ ,‬فاحترام إشارات‬
‫المرور ال حرج فٌه ألنها وضعت من أجل السالمة و اجتناب الضرر و هً من السنن الكونٌة‪ ,‬و هً السنن‬
‫و النوامٌس البدٌهٌة التً جعل هللا تعالى كل شًء ٌحدث وفقا لها فً هذا الكون‪ ,‬كؤن ٌحترق الوقد إذا قربت‬
‫النار منه‪ ,‬أو أن تنقلب السٌارة أو تنحرؾ عن مسارها إن هً تجاوزت سرعة معٌنة فً منطقة ما‪ .‬فهذه‬
‫احترامها و التوقؾ عندها جابز و ال حرج فٌه اللهم إن كان الشخص ٌحترمها احتراما منه للطاؼوت‪.‬‬
‫لكن ٌختلؾ األمر بالنسبة لقانون المرور‪ ,‬فهذا احترامه شرك ألنه ٌحتوي على العقوبات التً تقع على‬
‫مخالؾ إشارات و قواعد المرور و‪ ,‬و كذلك على أحكام القصاص فً حالة حدوث حادث وهً مخالفة‬
‫لشرع هللا وهً اتخاذ لؽٌر هللا حكما و شرك أكبر‪.‬‬
‫نفس األمر فً كل ما ٌتعلق بقواعد األمن و السالمة و النظافة و الوقاٌة من الحرابق و سالمة المبانً و‬
‫السالمة فً العمل و مواصفات المنتجات و السلع و الخدمات و ؼٌرها‪ ,‬فاحترام القواعد ال حرج فٌه‪ .‬أما‬
‫احترام القوانٌن التً تحتوي على العقوبات المترتبة عن مخالفة هذه القواعد فهو شرك أكبر‪ ,‬ألنها تحتوي‬
‫على أحكام قصاص ؼٌر أحكام القصاص التً شرعها هللا سبحانه و تعالى فً كتابه‪ .‬ألنه فً حالة حادث‬
‫سٌر مثال فإنه فً شرع هللا ٌكون من حق المجنً علٌه أن ٌضر الجانً بنفس قدر الضرر الذي أضره به‪,‬‬
‫أو ٌؤخذ منه دٌة بقدر معلوم ٌحدده شرع هللا أو حتى ٌسامحه و أجره على هللا‪ .‬أما فً قانون الطاؼوت فهو‬
‫إما ان ٌعوضه التامٌن الربوي أو ؼرامة أو السجن أحٌانا‪ .‬و هو طبعا اتخاذ ؼٌر هللا حكما و شرك أكبر‪.‬‬

‫ج) الكفر بالطاغوت فً النسك‬‫قال تعالى‪:‬‬
‫‪23‬‬

‫ضرا َوالَ َن ْفعا َوهللا ه َو ال َّسمٌِع ْال َعلٌِم(‪ )76‬المابدة‬
‫هللا َما الَ ٌَمْ لِك لَك ْم َ‬
‫ون ِ‬
‫ق ْل أَ َتعْ بد َ‬
‫ون مِن د ِ‬
‫ون هللاَ ِب َما الَ ٌَعْ لَم‬
‫ون َهـإالء ش َف َعاإ َنا عِ ندَ هللاِ ق ْل أَت َنبِّب َ‬
‫ون هللاِ َما الَ ٌَضره ْم َوالَ ٌَن َفعه ْم َو ٌَقول َ‬
‫َو ٌَعْ بد َ‬
‫ون مِن د ِ‬
‫ض سب َْحا َنه َو َت َعالَى َعمَّا ٌ ْش ِركون(‪ٌ )38‬ونس‬
‫فًِ ال َّس َم َاوا ِ‬
‫ت َوالَ فًِ األَرْ ِ‬
‫ؾ الضرِّ َعنك ْم َو َال َتحْ ِوٌال(‪ )56‬االسراء‬
‫ون َك ْش َ‬
‫ٌِن َز َعمْتم مِّن دو ِن ِه َف َال ٌَمْ لِك َ‬
‫ق ِل ْادعوا الَّذ َ‬

‫فنكفر بكل أنواع الطواؼٌت التً ٌتجه إلٌها الناس فً شعابرهم ومناسكهم التعبدٌة من دون هللا‪ ,‬أو التً‬
‫ٌتخذها الناس وسابط بٌنهم و بٌن هللا سبحانه و تعالى‪ ,‬سوآءا تعلق األمر بصنم أو حجر أو شجر أو مٌت أو‬
‫قبر أو نصب أو ساحر أو شٌخ دجال أو قدٌس أو كاهن أو ما ٌسمى باألولٌاء أو جنً أو شٌطان من‬
‫الشٌاطٌن أو ؼٌر ذلك‪.‬‬
‫ونعتبر كافرا مشركا كل من توجه إلى ؼٌر هللا تعالى بؤٌة شعٌرة من الشعابر أو أي نسك من المناسك‬
‫سوآءا تعلق األمر بصالة أو ذبح أو صدقة أو صٌام أو سجود أو ركوع أو طواؾ أو حج أو نذر او ؼٌره‬
‫مما ٌتقرب به إلى ؼٌر هللا أو عن طرٌقه إلى هللا تعالى‪.‬‬
‫و أفضل أنواع العبادة الدعاء‪:‬‬
‫هللا مِنْ الد َعا ِء‪.‬‬
‫ْس َشًْ ء أَ ْك َر َم َعلَى َّ ِ‬
‫هللا صلى هللا علٌه وسلم َقا َل‪ :‬لٌَ َ‬
‫َعنْ أَبًِ ه َرٌ َْر َة رضً هللا عنه أَنَّ َرسو َل َّ ِ‬
‫رواه البخاري و الترمذي و ابن ماجة‬
‫فٌعتبر عندنا مشركا كافرا كل من دعا ؼٌر هللا عز وجل أو توسل إلٌه‪ ,‬و كل من طلب من ؼٌر هللا حاجة‬
‫ال ٌقدر على قضاءها ؼٌره مثل من ٌطلب الرزق أو الصحة او الشفاء او العون او الهداٌة او النجاة او‬
‫الشفاعة أو الذرٌة أو كشؾ الضر أو ؼٌره من ؼٌر هللا تعالى‪ .‬أو من ٌخشى ؼٌر هللا تعالى بالؽٌب مثل‬
‫مشركً الصوفٌة األنجاس الذٌن ٌخافون شٌوخهم المقبورٌن‪ .‬و كذلك من كان رجاإه فً ؼٌر هللا أو توكله‬
‫على ؼٌر هللا‪ .‬و كل من شك فً كل هإالء أو توقؾ فٌهم ال ٌكون إال مشركا مثلهم‪.‬‬

‫‪ 1‬الكفر بالطاغوت فً األسماء و الصفات‬‫قال هللا تعالى‪:‬‬
‫ون(‪ )387‬االعراؾ‬
‫ون فًِ أَسْ َمآ ِب ِه َسٌجْ َز ْو َن َما َكانو ْا ٌَعْ َمل َ‬
‫ٌِن ٌ ْلحِد َ‬
‫هلل األَسْ َماء ْالحسْ َنى َف ْادعوه ِب َها َو َذرو ْا الَّذ َ‬
‫َو ِ ِ‬
‫‪24‬‬

‫َّ‬
‫هللا َال إِلَ َه إِ َّال ه َو لَه ْاألَسْ َماء ْالحسْ َنى(‪ )78‬طه‬
‫ه َو َّ‬
‫صوِّ ر لَه األَسْ َماء ْالحسْ َنى‪ )24(...‬الحشر‬
‫ارئ ْالم َ‬
‫هللا ْال َخالِق ْال َب ِ‬

‫فاألسماء الحسنى التً تسمى بها هللا تعالى والصفات العال التً اتصؾ بها هً خالصة له وحده ال شرٌك له‪.‬‬
‫و الشرك فٌها ٌكون من عدة أوجه‪:‬‬

‫‪-‬أ) إعطاء أسماء هللا تعالى و صفاته لغٌره‬

‫فً الجاهلٌة قبل اإلسالم كانت العرب تعبد اصناما فسموا إحداها ب"الالت" و األخرى ب"العزى"‪ ,‬فالالت‬
‫اشتقوا اسمها من اسم "هللا" و العزى اشتقوا اسمها من " العزٌز" و هو كذلك من أسماء هللا الحسنى‪ .‬وهم‬
‫باستخدامهم هذه التسمٌات ألصنامهم قد أشركوا فً أسماء هللا تعالى‪.‬‬
‫و نفس الشًء الٌوم عند الطواؼٌت الكفرة الذٌن ٌدعون ألنفسهم أو ٌنسب لهم اتباعهم وعابدوهم صفاتا و‬
‫ألقابا مثل‪ :‬صاحب الجاللة‪ ,‬و صاحب السمو و حتى ملك الملوك كما كان األمر مع اثنٌن من المقبورٌن من‬
‫حكام البالد العربٌة مإخرا‪ .‬و قد أخبر صلى هللا علٌه و سلم عن مثل ذلك‪:‬‬
‫هللا َرجل َت َسمَّى‬
‫عن أبً هرٌرة رضً هللا عنه قال‪ :‬قال رسول هللا صلى هللا علٌه وسلم‪ :‬إِنَّ أَ ْخ َن َع اسْ م عِ ْن َد ِ‬
‫ك إِالَّ هللا‪ .‬رواه البخاري ومسلم‬
‫َمل َِك األَمْ الَكِ ‪ ،‬الَ َمالِ َ‬
‫نفس الشًء لمن تسمى بقاضً القضاة و أمٌر األمراء و ما شابه ذلك‪ ,‬ألن كل هذه األسماء التً تفٌد‬
‫الكبرٌاء و العظمة و الحكمٌة و السٌادة ال تلٌق إال باهلل سبحانه و تعالى وحده ال شرٌك له‪.‬‬
‫نفس الشًء كذلك لكل من ادعى بعضا من صفات هللا تعالى و خصابصه‪ ,‬كمن ادعى أو ادعى له ؼٌره‬
‫علم الؽٌب او جلب الحظ أو تقرٌب النصٌب أو كشؾ الضر أو جلب النفع و الرزق أو ما ٌماثله من‬
‫الصفات التً ٌختص باهلل و حده ال شرٌك له فٌها‪.‬‬
‫فنكفر بكل ما ومن ادعى لنفسه أو نسب له ؼٌره إسما من أسماء هللا أو صفة من صفاته‪ ,‬ونكفر كل من فعل‬
‫ذلك أو رضً به و من ال ٌكفره‪.‬‬

‫‪-‬ب) نسب اسماء الخلق و صفاتهم هلل تعالى‬

‫‪25‬‬

‫هللا سبحانه و تعالى كامل و فوق كل نقٌصة و بريء من الطبٌعة المتقلبة و المحدودة و المعٌبة التً تتمٌز‬
‫بها المخلوقات‪ ,‬فال ٌجوز تسمٌة هللا تعالى بؤسماء الخلق أو وصفه بصفاتهم‪ .‬كتسمٌته ب "األب" كما ٌفعل‬
‫النصارى أو "القوة المسببة" كما ٌقول الفالسفة الملحدون‪ ,‬أو "الطبٌعة األم" كما ٌقول عوام الكفار‪ ,‬أو كما‬
‫قال بعض الٌهود الذٌن أخبر هللا تعالى عنهم‪:‬‬
‫لَ َق ْد َسم َِع َّ‬
‫هللا َفقٌِر َو َنحْ ن أَ ْؼ ِن ٌَاء‪ )383( .....‬آل عمران‬
‫هللا َق ْو َل الَّذ َ‬
‫ٌِن َقالوا إِنَّ َّ َ‬
‫و قد توعدهم و أمثالهم بقوله‪:‬‬
‫ون(‪ )387‬األعراؾ‬
‫ون فًِ أَسْ َما ِب ِه َسٌجْ َز ْو َن َما َكانوا ٌَعْ َمل َ‬
‫ٌِن ٌ ْلحِد َ‬
‫هلل ْاألَسْ َماء ْالحسْ َنى َف ْادعوه ِب َها َو َذروا الَّذ َ‬
‫َو ِ َّ ِ‬

‫و علٌه ٌعتبر عندنا مشركا كافرا كل من نسب إلى هللا تعالى أٌا من أسماء الخلق أو صفاتهم و من ال ٌكفره‪.‬‬

‫‪-‬ج) وصف هللا تعالى بصفات نفاها عن نفسه‬

‫ْس َكم ِْثلِ ِه َشًْ ء َوه َو ال َّسمٌِع ْالبَصِ ٌر(‪ )33‬الشورى‬
‫قال تعالى‪ ............ :‬لٌَ َ‬

‫فاهلل سبحانه و تعالى قد نفى عن نفسه كل الصفات التً تحتمل معانً النقص و الحاجة و ؼٌرها‪ ,‬كؤن ٌكون‬
‫له ولد أو أنه ٌتعب أو ٌنام‪.‬‬
‫و الشرك فً هذه الحالة ٌكون بوصؾ هللا تعالى بمثل هاته الصفات التً تحتمل النقص مثلما ٌدعً‬
‫النصارى أن المسٌح ابن هللا تعالى هللا عن ذلك علوا كبٌرا‪ .‬و مثل الذٌن ٌصورون صورا و ٌنسبونها هلل‬
‫تعالى و هم بذلك قد شبهوا هللا تعالى بمخلوقاته و العٌاذ باهلل و قد تعدوا بذلك حدودهم و طؽوا طؽٌانا كبٌرا‬
‫ألن ذلك فوق طاقاتهم و تصوراتهم‪.‬‬
‫فٌعتبر عندنا كافرا مشركا كل من نسب هلل تعالى أٌا صفة من الصفات التً نفاها هللا تعالى عن نفسه‪.‬‬

‫‪-‬د) إنكار أسماء هللا و صفاته‬

‫قال تعالى‪:‬‬
‫‪26‬‬

‫ون ن ْإمِن ِب َبعْ ض َو َن ْكفر ِب َبعْ ض‬
‫هللا َورسلِ ِه َو ٌَقول َ‬
‫ون أَنْ ٌ َفرِّ قوا َبٌ َْن َّ ِ‬
‫اهلل َورسلِ ِه َوٌ ِرٌد َ‬
‫ون ِب َّ ِ‬
‫ٌِن ٌَ ْكفر َ‬
‫إِنَّ الَّذ َ‬
‫ٌن َع َذابا م ِهٌنا(‪ )353‬النساء‬
‫ون َحقا َوأَعْ َت ْد َنا ل ِْل َكاف ِِر َ‬
‫ِك هم ْال َكافِر َ‬
‫ك َس ِبٌال(‪ )357‬أولَب َ‬
‫ون أَنْ ٌَ َّتخِذوا َبٌ َْن َذ ِل َ‬
‫َوٌ ِرٌد َ‬

‫إن اإلٌمان باهلل تعالى ٌقتضً اإلٌمان بكل ما أنزل على رسله علٌهم الصالة و السالم و منه ال بد من‬
‫اإلٌمان بكل األسماء التً تسمى بها و بكل الصفات التً اتصؾ بها و عدم إنكار أي منها‪ .‬ألن إنكار أي‬
‫واحدة منها هو بمثابة إنكارها كلها و هو كفر دون شك‪.‬‬

‫فإنكار أي اسم من أسماء هللا تعالى أو أٌة صفة من صفاته ٌناقض التوحٌد الذي هو حق هللا على عباده و‬
‫من ٌفعل ذلك ال ٌكون إال كافرا‪.‬‬

‫‪ )4‬البراء من المشركٌن‬‫قال تعالى‪:‬‬

‫َق ْد َكا َن ْ‬
‫هللا‬
‫ون َّ ِ‬
‫ٌِن َم َعه إِ ْذ َقالوا لِ َق ْوم ِِه ْم إِ َّنا ب َرآء ِم ْنك ْم َو ِممَّا َتعْ بد َ‬
‫ت لَك ْم أسْ َوة َح َس َنة فًِ إِب َْراهٌِ َم َوالَّذ َ‬
‫ون مِنْ د ِ‬
‫ك‬
‫اهلل َوحْ دَ ه إِ َّال َق ْو َل إِب َْراهٌِ َم ِألَ ِبٌ ِه َألَسْ َت ْؽف َِرنَّ لَ َ‬
‫ضاء أَ َبدا َح َّت َٰى ت ْإمِنوا ِب َّ ِ‬
‫َك َفرْ َنا ِبك ْم َو َبدَا َب ٌْ َن َنا َو َب ٌْ َنكم ْال َعدَ َاوة َو ْال َب ْؽ َ‬
‫ك ْالمَصِ ٌر(‪ )74‬الممتحنة‬
‫ْك أَ َن ْب َنا َوإِلَ ٌْ َ‬
‫ك َت َو َّك ْل َنا َوإِلٌَ َ‬
‫هللا مِنْ َشًْ ء َر َّب َنا َعلَ ٌْ َ‬
‫َو َما أَمْ لِك لَ َك م َِن َّ ِ‬
‫ون َما أَعْ بد(‪َ )1‬وال أَ َنا َع ِابد مَّا َع َبدت ْم(‪َ )4‬وال أَنت ْم‬
‫ون(‪َ )2‬وال أَنت ْم َع ِابد َ‬
‫ون(‪)3‬ال أَعْ بد َما َتعْ بد َ‬
‫ق ْل ٌَا أٌَ َها ْال َكافِر َ‬
‫ٌِن(‪ )6‬الكافرون‬
‫َع ِابد َ‬
‫ون َما أَعْ بد(‪ )5‬لَك ْم دٌِنك ْم َول ًَِ د ِ‬

‫هللا" و‬
‫ون َّ ِ‬
‫فالبراءة من المشرك فً دٌن هللا تسبق البراءة من الشرك نفسه‪" :‬إِ َّنا ب َرآء ِم ْنك ْم َو ِممَّا َتعْ بد َ‬
‫ون مِنْ د ِ‬
‫السبب فً ذلك أن أصل الشرك هو المشرك‪.‬‬
‫فالشرك ال وجود له فً الواقع‪:‬‬
‫ٌِه َما مِن‬
‫ون م ِْث َقا َل َذرَّ ة فًِ ال َّس َم َاوا ِ‬
‫هللا َال ٌَمْ لِك َ‬
‫ون َّ ِ‬
‫ق ِل ْادعوا الَّذ َ‬
‫ت َو َال فًِ ْاألَرْ ِ‬
‫ض َو َما لَه ْم ف ِ‬
‫ٌِن َز َعمْتم مِّن د ِ‬
‫شِ رْ ك َو َما لَه ِم ْنهم مِّن َظ ِهٌر(‪ )22‬سباء‬

‫‪27‬‬

‫و لكن الشرك من اختراع المشركٌن و ابتداعهم و افتراءهم على هللا بتزٌٌن و إؼواء من الشٌطان‪:‬‬
‫ون إِ َّال َّ‬
‫ًِ إِ َّال أَسْ َماء َس َّمٌْتمو َها أَ ْنت ْم َوآ َباإك ْم َما أَ ْن َز َل َّ‬
‫الظنَّ َو َما َته َْوى ْاألَ ْنفس‬
‫هللا ِب َها مِنْ س ْل َطان إِنْ ٌ َّت ِبع َ‬
‫إِنْ ه َ‬
‫ولَ َق ْد َجا َءه ْم مِنْ َرب ِِّهم ْالهدَ َٰى (‪ )21‬النجم‬

‫و البراءة من المشركٌن تكون أوال و قبل كل شًء باعتزالهم و ترك جماعتهم كما أخبر عز وجل فً العدٌد‬
‫من اآلٌات‪:‬‬
‫ون إِال َّ‬
‫هللاَ َفؤْووا إِلَى ْال َكهْؾِ ‪ )36(...‬الكهؾ‬
‫َوإِ ِذ اعْ َت َز ْلتموه ْم َو َما ٌَعْ بد َ‬
‫ون ِبد َعا ِء َربًِّ َشقٌِا(‪ )48‬مرٌم‬
‫هللا َوأَ ْدعو َربًِّ َع َسى أَال أَك َ‬
‫ون َّ ِ‬
‫َوأَعْ َت ِزلك ْم َو َما َت ْدع َ‬
‫ون مِنْ د ِ‬
‫هللا‪ )49(........‬مرٌم‬
‫ون َّ ِ‬
‫َفلَمَّا اعْ َت َزلَه ْم َو َما ٌَعْ بد َ‬
‫ون مِنْ د ِ‬

‫ومع اعتزالهم تكون البراءة منهم كذلك بتكفٌرهم و بؽضهم وعداوتهم و البعد عن مخالطتهم قدر اإلمكان‪.‬‬
‫فاألمر ٌتعلق هنا بؤحد أهم أركان أصل دٌن اإلسالم و الذي هو "الوالء و البراء"‪ ,‬و الوالء هو الحب‬
‫الصادق هلل تعالى و لدٌنه و عباده المإمنٌن بٌنما البراء هو البؽض و الكراهٌة و العداوة الصادقة للمشركٌن‬
‫و ما ٌعبدونه من دون هللا تعالى من معبودات اخترعوها و افتروها هم و آباإهم‪ .‬و ما دمنا فً شق النفً "ال‬
‫إله" الذي هو الكفر بالطاؼوت نتكلم هنا عن البراء من المشركٌن‪.‬‬
‫و حتى نتمكن من البراءة من المشركٌن ال بد من معرفة كٌفٌة الحكم على الناس فً شرع هللا‪ ,‬و ذلك ألن‬
‫كٌفٌة الحكم على عامة الناس تختلؾ من دار االسالم إلى دار الكفر‪ ,‬و ألن لكل منهما حكما أصلٌا ٌحكم به‬
‫على ساكنٌه‪ .‬و هو ٌماثل ما نراه الٌوم فً قوانٌن البشر حٌث أن لكل دولة قانونها الخاص‪ ,‬و تتفاوت هذه‬
‫القوانٌن بشكل كبٌر حٌث أننا نجد أنه فً بعض الدول مثال بٌع المخدرات مسموح به بٌنما فً بعضها اآلخر‬
‫ٌعاقب علٌه باإلعدام‪.‬‬

‫‪-‬أ) حكم االصل فً الناس‬

‫و مادام أنه ال توجد دار لإلسالم منذ قرون عدٌدة و العالم كله دار كفر أصلٌة‪ ,‬فإن حكم األصل فً الناس‬
‫عندنا هو الكفر‪ ,‬ونستدل فً ذلك بما ٌتضح من اآلٌات الكرٌمة فً سورة النساء و سبب نزولها‪ ,‬و التً‬
‫‪28‬‬

‫أخبر فٌها رب العزة جل وعال عن عقٌدة الصحابة الكرام رضً هللا عنهم وارضاهم فً حكم الناس فً دار‬
‫الكفر‪.‬‬
‫قال تعالى‪:‬‬
‫هللا َف َت َبٌَّنوا َوال َتقولوا لِ َمنْ أَ ْل َقى إِلٌَْكم السَّال َم لَسْ َ‬
‫ون‬
‫ت م ْإمِنا َت ْب َتؽ َ‬
‫ٌل َّ ِ‬
‫ٌِن آ َمنوا إِ َذا َ‬
‫ٌا أٌَ َها الَّذ َ‬
‫ض َربْت ْم فًِ َس ِب ِ‬
‫ٌِرة َك َذل َِك ك ْنت ْم مِنْ َقبْل َف َمنَّ َّ‬
‫ون‬
‫ان ِب َما َتعْ َمل َ‬
‫هللا َك َ‬
‫هللا َم َؽانِم َكث َ‬
‫ض ْال َح ٌَا ِة الد ْن ٌَا َف ِع ْندَ َّ ِ‬
‫َع َر َ‬
‫هللا َعلٌَْك ْم َف َت َبٌَّنوا إِنَّ َّ َ‬
‫َخ ِبٌرا(‪ )94‬النساء‬

‫و التً كان سبب نزولها‪:‬‬
‫سلٌَم على نفر من أصحاب رسول هللا صلى هللا‬
‫مر رجل من بنً ُ‬
‫عن ابن عباس رضً هللا عنهما قال‪ّ :‬‬
‫َ‬
‫لٌتعوذ منكم! َف َع َمدوا إلٌه فقتلوه‬
‫علٌه وسلّم وهو فً غنم له‪ ،‬فسلم علٌهم‪ ،‬فقالوا‪ :‬ما سلّم علٌكم إال‬
‫وأخذوا غنمه‪ ،‬فأتوا بها رسول هللا صلى هللا علٌه وسلم‪ ،‬فأنـزل هللا عز وجل‪ٌ " :‬ا أٌها الذٌن آمنوا إذا‬
‫ضربتم فً سبٌل هللا فتبٌنوا " إلى آخر اآلٌة (تفسٌر الطبري)‬

‫وٌتضح من اآلٌة وسبب نزولها‪ :‬أن الصحابة رضوان هللا علٌهم كانوا قد قتلوا الصحابً الذي سلم علٌهم‪,‬‬
‫ألنه لم ٌكن لدٌهم شك فً كفر الناس فً دار الكفر‪ ,‬و رب العزة جل و عال اعتبر قتلهم له "قتال بالخطؤ"‬
‫ْ‬
‫بالخطؤ‪:‬‬
‫ألن هذه اآلٌة نزلت ضمن آٌات قتل المإمن‬
‫ان لِم ْإمِن أَن ٌَ ْقت َل م ْإمِنا إِالَّ َخ َطبا َو َمن َق َت َل م ْإمِنا‪ )92(........‬النساء‬
‫َو َما َك َ‬

‫فرب العزة لم ٌنكر علٌهم حكمهم بالكفر على الصحابً فً دار الكفر‪ ,‬بل أنكر علٌهم عدم أخذهم بعٌن‬
‫اإلعتبار كونه سلم علٌهم بتحٌة اإلسالم "السالم علٌكم" و التً كانت وقتها خاصة بالمسلمٌن فقط دون‬
‫ؼٌرهم‪ ,‬و المشركون كانوا ٌحٌون بعضهم ب "عمت صباحا" أو " عمت مساءا"‪ .‬و علٌه فإن هللا تعالى قد‬
‫فرض تخصٌصا لهذه القاعدة العامة ٌقضً بمراعات من ٌظهر عالمة ممٌزة لإلسالم مثل تحٌة "السالم‬
‫علٌكم" وقتها‪.‬‬
‫و علٌه فإنه واضح من اآلٌة الكرٌمة أن الصحابة رضوان هللا علٌهم لم ٌكن لدٌهم أدنى شك فً الحكم على‬
‫الناس فً دار الكفر ب"الكفر"‪ .‬و منه فإننا نحكم على الناس فً دار الكفر بالكفر مطلقا إال من تبٌنا إسالمه‬
‫بٌقٌن‪.‬‬

‫‪29‬‬

‫مالحظة‬
‫فً وقتنا الحالً تحٌة "السالم علٌكم" لم تعد عالمة تدل على اإلسالم و ذلك ألنها لم تعد خاصة بالمسلمٌن‬
‫ألن أكثر من ملٌار من المشركٌن ٌستخدمونها و ٌحٌون بعضهم البعض بها‪ ,‬سوآءا أبناء البؽاء و المتعة أو‬
‫عباد القبور أو حتى الطواؼٌت و أعوانهم‪ .‬و نفس الشًء لكل شعابر اإلسالم كالصالة و الحج و حتى‬
‫الجهاد المزعوم‪ ,‬ألن أكثر من ملٌار من المشركٌن الذٌن هم أجهل بدٌن هللا من أبً جهل و أبً لهب‬
‫ٌمارسونها و هم فً نفس الوقت ؼارقون فً الشرك و منقادون و مسلمون للطاؼوت و شرعه فً كل‬
‫تفاصٌل حٌاتهم‪.‬‬
‫فالسبٌل الوحٌد للحكم على إنسان باإلسالم هو بسإاله عن دٌنه و التثبت من تحقٌقه ألصل الدٌن‪ ,‬أو بشهادة‬
‫مسلمٌن أو مسلم و مسلمتٌن كما تقتضٌه صحة الشهادة فً شرع هللا تعالى‪.‬‬
‫و الكثٌرون من أدعٌاء اإلسالم و خصوصا الذٌن ٌدعون "الجهاد" منهم ٌقولون أنهم ٌحكمون على الناس‬
‫باإلسالم و ال ٌكفرونهم حتى ٌروا منهم كفرا بواحا‪ .‬لكن السإال ‪ :‬أٌن هو اإلسالم عند هإالء ؟؟؟؟؟‪ .‬هل‬
‫ٌعرفون ما هو اإلسالم ؟؟‪ ,‬هل ٌعرفون ما هو التوحٌد؟؟‪ ,‬هل ٌعرفون معنى "ال إله إال هللا" ؟؟؟‪ ,‬هل‬
‫ٌحققون شروط صحتها و مستلزماتها؟؟؟‪ ,‬هل هم برٌإون من الشرك؟؟؟‪ .‬كٌؾ ٌمكن لمن ٌجهل اإلسالم أن‬
‫ٌعتنقه؟؟؟؟ رب العزة خلق اإلنس و الجن فقط من أجل عبادته فكٌؾ ٌعذر من ٌجهل شٌبا خلق من أجله ؟؟؟‪.‬‬

‫‪-‬ب) البراءة إلى هللا من الناس كافة‬

‫ما دام العالم كله دار كفر و بالتالً حكم األصل فً ساكنٌه الكفر‪ ,‬فإننا نتبرأ من الناس كافة و نكفرهم إال‬
‫من ثبت عندنا إسالمه بٌقٌن‪.‬‬
‫و ال نقول بوجود ما ٌسمى ب"مجهول الحال" بل هً بدعة وكذب على هللا ودٌنه‪ ,‬ألنه عز وجل جعل الناس‬
‫صنفٌن ال ثالث لهما فقال‪:‬‬
‫ه َو الَّذِي َخلَ َقك ْم َفمِنك ْم َكافِر َومِنكم م ْإمِن َو َّ‬
‫ون بَصِ ٌر(‪ )72‬التؽابن‬
‫هللا ِب َما َتعْ َمل َ‬
‫فالكافر هنا مذكور مقدما ألنه الؽالب فً الناس‪ ,‬و المسلم استثناء فٌهم‪ .‬و رب العزة جعل الناس صنفان ال‬
‫ثالث لهما‪ ,‬فإما أن ٌثبت إسالم الشخص بٌقٌن و ٌكون مسلما و إال فإنه كافر ٌقٌنا‪ .‬و هذا الذي ٌصفه بعض‬
‫المشركٌن ب "مجهول الحال" و ما دام أن إسالمه لم ٌثبت بٌقٌن فإنما هو كافر ٌقٌنا و تكفٌره من اصل الدٌن‬
‫و من لم ٌكفره فهو كافر و من ال ٌكفره‪.‬‬
‫و نإمن ٌقٌنا حسبما ٌظهر من آٌة سورة النساء كذلك أن أحكام التبعٌة من أصل الدٌن‪ ,‬ألنه ٌستحٌل على‬
‫جاهلها معرفة كٌفٌة الحكم على الناس‪ ,‬و بالتالً ال ٌمكنه البراءة من المشركٌن‪ ,‬و بذلك ٌستحٌل علٌه تحقٌق‬
‫‪30‬‬

‫أصل الدٌن‪ .‬فال ٌتحقق أصل الدٌن إال بمعرفة أحكام التبعٌة‪ ,‬و ما ال ٌتحقق اصل الدٌن إال به البد أن ٌكون‬
‫منه دون أدنى شك‪.‬‬

‫ونكفر كل من ٌعذر فً الشرك بؤي عذر من األعذار‪ ,‬سوآءا بالقتل أو ؼٌره كما أوضحه رب العزة فً‬
‫كتابه‪:‬‬
‫اهلل َف َق ِد ا ْف َت َرى إِ ْثما عَظِ ٌما(‪ )48‬النساء‬
‫ون َذل َِك لِ َمن ٌَ َشاء َو َمن ٌ ْش ِركْ ِب َّ ِ‬
‫ك ِب ِه َو ٌَ ْؽفِر َما د َ‬
‫هللا الَ ٌَ ْؽفِر أَن ٌ ْش َر َ‬
‫إِنَّ َّ َ‬
‫ضالال َبعٌِدا(‪)336‬‬
‫ض َّل َ‬
‫اهلل َف َق ْد َ‬
‫ون َذل َِك لِ َمنْ ٌَ َشاء َو َمنْ ٌ ْش ِركْ ِب َّ ِ‬
‫ك ِب ِه َو ٌَ ْؽفِر َما د َ‬
‫هللا ال ٌَ ْؽفِر أَنْ ٌ ْش َر َ‬
‫إِنَّ َّ َ‬
‫النساء‬
‫هللا َعلَ ٌْ ِه ْال َج َّن َة َو َمؤْ َواه ال َّنار َو َما ل َّ‬
‫اهلل َف َق ْد َحرَّ َم َّ‬
‫نصار(‪ )72‬المابدة‬
‫ٌِن مِنْ أَ َ‬
‫ِلظالِم َ‬
‫‪......‬إِ َّنه َمن ٌ ْش ِركْ ِب َّ ِ‬

‫فهذه اآلٌات صرٌحة محكمة و تفٌد عدم العذر فً الشرك مطلقا‪ ,‬و قد نزلت بعد آٌة العذر فً قول الكفر فً‬
‫حالة الخوؾ من القتل‪:‬‬
‫ْ‬
‫ضب‬
‫ص ْدرا َف َعلٌَ ِْه ْم َؼ َ‬
‫ان َولَكِنْ َمنْ َش َر َح ِب ْالك ْف ِر َ‬
‫َمنْ َك َف َر ِب َّ ِ‬
‫اإلٌ َم ِ‬
‫اهلل مِنْ َبعْ ِد إٌِ َما ِن ِه إِ َّال َمنْ أ ْك ِر َه َو َق ْلبه مط َمبِنٌّ ِب ْ ِ‬
‫هللا َولَه ْم َع َذاب عَظِ ٌم (‪ )376‬النحل‬
‫م َِن َّ ِ‬
‫و آٌة العذر ال ٌوجد فٌها ما ٌفٌد العذر فً الشرك بشكل صرٌح بمثل صراحة اآلٌات التً نزلت بعدها و‬
‫تفٌد عدم العذر فً الشرك مطلقا‪ .‬فال سبٌل للمقارنة لمن له بصر و بصٌرة‪.‬‬

‫و رب العزة قد بٌن كذلك أن الشرك أشد و أكبر من القتل بقوله‪:‬‬
‫‪َ ……..‬و ْالفِ ْت َنة أَ َشد م َِن ْال َق ْت ِل‪ )393(.....‬البقرة‬
‫‪َ ...........‬و ْال ِف ْت َنة أَ ْك َبر م َِن ْال َق ْت ِل‪ )237(.....‬البقرة‬
‫و الفتنة هنا هً الشرك كما قال المفسرٌن و قد وردت كذلك بنفس المعنى فً آٌات أخرى‪ .‬فالقتل ال ٌمكن‬
‫أن ٌكون عذرا الرتكاب الشرك الذي هو أشد و أكبر منه‪.‬‬
‫و منه فإننا نكفر كل من عذر فً الشرك سوآءا بالقتل أو بؤي عذر كان و من ال ٌكفره‪.‬‬

‫كما أننا نكفر كل من ٌصلً مع المشركٌن بنٌة المنفرد أو ؼٌره و من ال ٌكفره‪.‬‬
‫‪31‬‬

‫‪-‬ج) كٌفٌة البراءة من المشركٌن‬

‫البراءة من المشركٌن تكون بتكفٌرهم و اعتزالهم ثم ببؽضهم و كرههم و النفور منهم و اجتنابهم قدر‬
‫المستطاع‪ ,‬و أوال و قبل كل شًء بترك جماعتهم كٌفما كان نوعها سوآءا كانت عشٌرة أو قبٌلة أو تنظٌما أو‬
‫حزبا أو جمعٌة أو ناد أو اتحادا أو رابطة أو ؼٌرها من أنواع تجمعات الكفار وعدم االنتساب إلٌها‪ .‬و كذلك‬
‫بعدم مشاركة المشركٌن بما فً ذلك األقارب و اإلخوة و األخوات و األبناء فً مناسباتهم و أعٌادهم و‬
‫مآدبهم ووالبمهم‪ ,‬سوآءا كانت عرسا أو ختانا أو عقٌقة أو وفاة أو كرامة أو ؼٌره‪ ,‬ألن مشاركتهم مناسباتهم‬
‫فٌه ود ووالء لهم‪ ,‬و ال نزور المشركٌن إال لحاجة ضرورٌة ملحة‪ٌ .‬ستثنى من ذلك فقط الوالدٌن و الزوجة‬
‫الكتابٌة إن وجدت ألن هللا تعالى جعل ودهم طبٌعٌا ما لم ٌكن ودهم مقدم عند اإلنسان على ود هللا تعالى و‬
‫دٌنه‪:‬‬
‫ارة َت ْخ َش ْو َن َك َسادَ َها‬
‫ٌرتك ْم َوأَم َْوال ا ْق َت َر ْفتمو َها َوت َِج َ‬
‫ان آَ َباإك ْم َوأَ ْب َناإك ْم َوإِ ْخ َوانك ْم َوأَ ْز َواجك ْم َوعَشِ َ‬
‫ق ْل إِنْ َك َ‬
‫هللا ِبؤَمْ ِر ِه َو َّ‬
‫هللا َو َرسو ِل ِه َو ِج َهاد فًِ َس ِبٌ ِل ِه َف َت َربَّصوا َح َّتى ٌَؤْت ًَِ َّ‬
‫هللا َال ٌَ ْهدِي‬
‫ض ْو َن َها أَ َحبَّ إِلٌَْك ْم م َِن َّ ِ‬
‫َو َم َساكِن َترْ َ‬
‫ٌِن(‪)24‬التوبة‬
‫ْال َق ْو َم ْال َفاسِ ق َ‬
‫و المسلم ال ٌصاحب الكفار و المشركٌن و ال ٌتخذ منهم صدٌقا‪ ,‬والصدٌق المقصود به هنا هو الخلٌل الذي‬
‫نتقاسم معه األفراح و األتراح و نتمنى له ما نتمنى ألنفسنا و نتعاون معه على النوابب‪ ,‬و لٌس األشخاص‬
‫الذٌن نعرفهم و نتعامل معهم فً الحٌاة الٌومٌة مثل الجٌران و الزمالء فً العمل أو الزبابن و من نتعامل‬
‫معهم فً التجارة و ؼٌره أو حتى المعارؾ على اإلنترنت‪ ,‬ألن هإالء تكون عالقتنا بهم محصورة فً‬
‫الجوانب المادٌة و ال حرج فً ذلك ما لم تتجاوزه إلى الود و الوالء‪.‬‬

‫طبعا فً زماننا هذا المسلمون ال حٌلة لهم سوى العٌش كؽرباء منعزلٌن فً دٌار الكفر بٌن الكفار و‬
‫المشركٌن‪ ,‬إلى أن ٌمن هللا علٌنا و نقٌم دار اإلسالم التً تجب الهجرة إلٌها‪ ,‬نسؤل هللا أن ٌجعله قرٌبا‪ ,‬آمٌن‪.‬‬

‫‪32‬‬

‫الفصل الثانً‪ :‬اإلٌمان باهلل‬
‫اإلٌمان باهلل وحده ال شرٌك له هو شق اإلثبات "إال هللا" عز وجل‪ ,‬وهو االعتقاد الجازم بؤن هللا وحده هو‬
‫المستحق للعبادة‪ ,‬فنخلص العبادة هلل وحده و نتوجه إلٌه وحده فً كل أمور حٌاتنا‪ ,‬كما قال تعالى‪:‬‬

‫ك لَه َو ِب َذل َِك أمِرْ ت َوأَ َناْ أَ َّول‬
‫ٌِن(‪ )362‬ال َش ِرٌ َ‬
‫هلل َربِّ ْال َعالَم َ‬
‫اي َو َم َماتًِ ِ ِ‬
‫صالَتًِ َونسكًِ َو َمحْ ٌَ َ‬
‫ق ْل إِنَّ َ‬
‫ٌِن(‪ )361‬االنعام‬
‫ْالمسْ ِلم َ‬
‫و توحٌد هللا تعالى ٌكون بتوحٌده فً ربوبٌته و ألوهٌته و فً أسماءه و صفاته عز وجل‪.‬‬

‫‪ )3‬توحٌد هللا تعالى فً الربوبٌة‬‫قال تعالى‪:‬‬
‫ق ْل أَ َؼٌ َْر َّ ِ َ‬
‫از َرة ِو ْز َر أ ْخ َرى ث َّم إِلَى‬
‫هللا أ ْبؽًِ َربا َوه َو َرب ك ِّل َشًْ ء َوال َت ْكسِ ب كل َن ْفس إِ َّال َعلَ ٌْ َها َوال َت ِزر َو ِ‬
‫ون(‪ )364‬األنعام‬
‫َربِّك ْم َمرْ ِجعك ْم َفٌ َنبِّبك ْم ِب َما كنت ْم فٌِ ِه َت ْخ َتلِف َ‬

‫توحٌد هللا تعالى فً الربوبٌة ٌكون باإلعتقاد القطعً الجازم أن هللا تعالى وحده هو الرب‪ ,‬و بتوحٌده فً كل‬
‫ما ٌتعلق بالربوبٌة و خصابصها وصفاتها و مستلزماتها و أفعالها و كل ما ٌتعلق بها‪ .‬فهو وحده الخالق و‬
‫هو وحده الرزاق وهو وحده من ٌحًٌ الموتى وهو وحده الضار وهو وحده النافع و هو وحده من ٌجٌب‬
‫دعوة الداعً‪ ,‬وهو وحده من ٌبقى ٌوم القٌامة بعد موت كل الخالبق بما فٌها كل المالبكة‪ .‬وهو من ٌرسل‬
‫الرٌاح وهو من ٌملك و ٌدٌر كل شًء فً الكون وحده دون شرٌك أو ظهٌر‪ .‬و هذا النوع من التوحٌد أؼلب‬
‫الناس ٌعرفونه و لم ٌنكره حتى مشركً العرب فً الجاهلٌة لما بعث رسول هللا صلى هللا علٌه و سلم ‪:‬‬

‫ت َوٌ ْخ ِرج ْال َمٌ َ‬
‫ِّت‬
‫ار َو َمنْ ٌ ْخ ِرج ْال َحًَّ م َِن ْال َم ٌِّ ِ‬
‫ْص َ‬
‫ض أَمَّنْ ٌَمْ لِك ال َّسم َْع َو ْاألَب َ‬
‫ق ْل َمنْ ٌَرْ زقك ْم م َِن ال َّس َما ِء َو ْاألَرْ ِ‬
‫ون َّ‬
‫ون(‪ٌ )13‬ونس‬
‫هللا َفق ْل أَ َف َال َت َّتق َ‬
‫م َِن ْال َحًِّ َو َمنْ ٌ َدبِّر ْاألَمْ َر َف َس ٌَقول َ‬
‫‪33‬‬

‫هللا إِنْ أَ َرادَ ن ًَِ َّ‬
‫ض لَ ٌَقولنَّ َّ‬
‫هللا ِبضر‬
‫َولَبِنْ َسؤ َ ْل َته ْم َمنْ َخلَ َق ال َّس َم َوا ِ‬
‫ون َّ ِ‬
‫هللا ق ْل أَ َف َرأٌَْت ْم َما َت ْدع َ‬
‫ت َواألرْ َ‬
‫ون مِنْ د ِ‬
‫َه ْل هنَّ َكاشِ َفات ضرِّ ِه أَ ْو أَ َرادَ نًِ ِب َرحْ َمة َه ْل هنَّ ممْ سِ َكات َرحْ َم ِت ِه ق ْل َحسْ ِب ًَ َّ‬
‫ون(‪)18‬‬
‫هللا َعلَ ٌْ ِه ٌَ َت َو َّكل ْالم َت َو ِّكل َ‬
‫الزمر‬

‫فنإمن بشكل ٌقٌنً و قطعً أن الربوبٌة و كل ما ٌتعلق بها من خصابص و صفات و أفعال و ؼٌرها هً‬
‫من حق هللا وحده ال شرٌك له‪ .‬و من جملة مقتضٌات ذلك اإلٌمان بؤن هللا تعالى هو خالق أفعال العباد مع أن‬
‫لهم الخٌرة فً أفعالهم‪ ,‬كما هو معروؾ فً عقٌدة أهل السنة و الجماعة‪ ,‬و كما بٌنه هللا و رسوله صلى هللا‬
‫علٌه و سلم‪:‬‬
‫َّ‬
‫هللا َخالِق ك ِّل َشًْ ء َوه َو َعلَى ك ِّل َشًْ ء َوكٌِل(‪ )62‬الزمر‬

‫ص َن َع(صنع)‬
‫عن حذٌفة ابن سحٌل رضً هللا عنه مرفوعا ً أن رسول هللا صلى هللا علٌه و سلم قال‪ :‬إِن هللا َ‬
‫ص ْن َعته ‪ ...‬رواه البخاري فً "خلق أفعال العباد"‬
‫صانِع َو َ‬
‫ُكل ّ َ‬

‫‪ )2‬توحٌد هللا تعالى فً األلوهٌة‬‫و توحٌد األلوهٌة هو توحٌد العبادة وتوحٌد القصد والطلب‪ ,‬و ٌكون باإلعتقاد الٌقٌنً القطعً الجازم بؤن هللا‬
‫تعالى هو وحده من ٌستحق العبادة و التوجه إلٌه وحده فً كل أنواع العبادات‪ .‬فال نتوجه فً كل مطالبنا و‬
‫مقاصدنا و مناسكنا و كل أمور حٌاتنا إال هلل عز وجل‪ ,‬و ذلك وفق ما بٌنه تعالى فً كتابه و بٌنه رسوله‬
‫صلى هللا علٌه و سلم فً سنته‪:‬‬

‫ٌك لَه َو ِب َذل َِك أمِرْ ت َوأَ َناْ أَ َّول‬
‫ٌِن(‪)362‬ال َش ِر َ‬
‫هلل َربِّ ْال َعالَم َ‬
‫اي َو َم َماتًِ ِ ِ‬
‫صالَتًِ َونسكًِ َو َمحْ ٌَ َ‬
‫ق ْل إِنَّ َ‬
‫ٌِن(‪ )361‬االنعام‬
‫ْالمسْ لِم َ‬
‫ب(‪ )77‬الحشر‬
‫هللا َشدٌِد ْال ِع َقا ِ‬
‫هللا إِنَّ َّ َ‬
‫َو َما آَ َتاكم الرَّ سول َفخذوه َو َما َن َهاك ْم َع ْنه َفا ْن َتهوا َوا َّتقوا َّ َ‬

‫‪34‬‬

‫عن أبً نجٌح العرباض بن سارٌة رضً هللا عنه قال‪ :‬وعظنا رسول هللا صلى هللا علٌه وسلم موعظة‬
‫وجلت منها القلوب ‪ ،‬وذرفت منها العٌون‪ ،‬فقلنا‪ٌ :‬ا رسول هللا‪ ،‬كؤنها موعظة مودع فؤوصنا‪ ,‬قال‪ :‬أوصٌكم‬
‫بتقوى هللا‪ ،‬والسمع والطاعة ‪ ،‬وإن تؤمر علٌكم عبد‪ ,‬فإنه من ٌعش منكم فسٌرى اختالفا كثٌرا‪ ،‬فعلٌكم بسنتً‬
‫وسنة الخلفاء الراشدٌن المهدٌٌن‪ ،‬عضوا علٌها بالنواجذ‪ ،‬وإٌاكم ومحدثات األمور‪ ،‬فإن كل بدعة ضاللة‪.‬‬
‫رواه أبو داود و الترمذي وقال‪ :‬حدٌث حسن صحٌح‬
‫و كما بٌنه تعالى فً سورة التوحٌد(األنعام) فإن العبادة تنقسم إلى ثالثة أقسام (الوالء‪ ,‬الحكم‪ ,‬النسك)‬

‫‪-‬أ)‬

‫توحٌد هللا تعالى فً الوالء‬

‫قال تعالى‪:‬‬
‫ٌِن َظلَموا إِ ْذ‬
‫هلل َولَ ْو ٌَ َرى الَّذ َ‬
‫ٌِن آ َمنوا أَ َشد حبا ِ َّ ِ‬
‫هللا َوالَّذ َ‬
‫هللا أَندَ ادا ٌحِبو َنه ْم َكحبِّ َّ ِ‬
‫ون َّ ِ‬
‫اس َمنْ ٌَ َّتخِذ مِنْ د ِ‬
‫َوم َِن ال َّن ِ‬
‫ب(‪ )365‬البقرة‬
‫هللا َشدٌِد ْال َع َذا ِ‬
‫اب أَنَّ ْالق َّو َة ِ َّ ِ‬
‫ٌَ َر ْو َن ْال َع َذ َ‬
‫هلل َجمٌِعا َوأَنَّ َّ َ‬
‫َ‬
‫َّ‬
‫َّ‬
‫ور‬
‫ٌِن آ َمنوا ٌ ْخ ِرجه ْم م َِن الظل َما ِ‬
‫ور َوالَّذ َ‬
‫هللا َولًِ الَّذ َ‬
‫ٌِن َك َفروا أ ْو ِل ٌَاإهم الطاؼوت ٌ ْخ ِرجو َنه ْم م َِن الن ِ‬
‫ت إِلَى الن ِ‬
‫ت أولَب َ َ‬
‫ون(‪ )257‬البقرة‬
‫إِلَى الظل َما ِ‬
‫ار ه ْم فٌِ َها َخالِد َ‬
‫ِك أصْ َحاب ال َّن ِ‬
‫ون أَ َّو َل َمنْ أَسْ لَ َم‬
‫ق ْل أَ َؼٌ َْر هللاِ أَ َّتخِذ َولٌِا َفاطِ ِر ال َّس َم َاوا ِ‬
‫ض َوه َو ٌ ْطعِم َوالَ ٌ ْط َعم ق ْل إِ ِّن ًَ أمِرْ ت أَنْ أَك َ‬
‫ت َواألَرْ ِ‬
‫ٌن(‪ )34‬االنعام‬
‫َوالَ َتكو َننَّ م َِن ْالم ْش ِر َك َ‬
‫إِنَّ َولٌِ ًَِّ َّ‬
‫ٌِن(‪ )396‬األعراؾ‬
‫اب َوه َو ٌَ َت َولَّى الصَّالِح َ‬
‫هللا الَّذِي نز َل ْال ِك َت َ‬
‫أَم ا َّت َخذوا مِن دو ِن ِه أَ ْولِ ٌَا َء َف َّ‬
‫اهلل ه َو ْال َولًِ َوه َو ٌحْ ًٌِ ْال َم ْو َت َٰى َوه َو َعلَ َٰى ك ِّل َشًْ ء َقدٌِر(‪ )79‬الشورى‬
‫ِ‬

‫فؤصل العبادة محبة هللا‪ ,‬و إفراده بالمحبة‪ ،‬وأن ٌكون الحب كله هلل‪ ،‬فال ٌحب معه سواه‪ ،‬وإنما ٌحب ألجله‬
‫وفٌه‪ ،‬كما ٌحب أنبٌاءه ورسله ومالبكته وأولٌاءه‪ ،‬فمحبتنا لهم مـن تـمام مـحبته‪ ،‬ولٌست مـحبة معه كمحبة‬
‫من ٌتخذ من دون هللا أنـدادا ٌحبونهم كحب هللا‪.‬‬
‫و عن الحب ٌنتج االنقٌاد و اإلتباع للمحبوب و جعل اإلنسان نفسه فً خدمة محبوبه و تحت تصرفه‪ ,‬و حب‬
‫الذٌن ٌحبونه و بؽض الذٌن ٌبؽضونه‪ ,‬فٌكون بذلك المحبوب ولٌا و سٌدا (السٌد للعبد) للمحب بمحض إرادته‬
‫و رضاه‪.‬‬
‫‪35‬‬

‫فنوحد هللا تعالى فً والءه بإخالص الحب له وحده‪ .‬و باإلسالم و االنقٌاد و الخضوع له وحده مع تمام الذلة‬
‫و االستكانة‪ .‬و نحب من ٌحب هللا و ٌنقاد له و نبؽض من ٌشرك باهلل و ٌحب أو ٌنقاد لؽٌره‪.‬‬
‫و منه فإننا ال نقبل أبدا بؤي ولً أو وصً أو قابد أو زعٌم أو حاكم إال أن ٌكون مسلما منقادا هلل تعالى‪ ,‬ألنه‬
‫فً هذه الحالة تصبح طاعته من طاعة هللا تعالى و تمام االنقٌاد ألمره كما أمر تعالى‪:‬‬
‫هللا َوأَطِ ٌعوا الرَّ سو َل َوأولًِ األمْ ِر ِم ْنك ْم‪ )59(.......‬النساء‬
‫ٌَا أٌَ َها الَّذ َ‬
‫ٌِن آ َمنوا أَطِ ٌعوا َّ َ‬
‫و كما أمر رسوله صلى هللا علٌه و سلم‪:‬‬
‫هللا‪َ ،‬و َمنْ‬
‫عن أبً هرٌرة رضً هللا عنه أن رسول هللا صلى هللا علٌه وسلم قال‪َ :‬منْ أَ َطا َعنًِ َف َق ْد أَ َط َ‬
‫اع َّ َ‬
‫اع أَمٌِري َف َق ْد أَ َطا َعنًِ‪َ ،‬و َمنْ َع َ َ‬
‫صانًِ‪ .‬رواه البخاري و‬
‫ٌِري َف َق ْد َع َ‬
‫هللا‪َ ،‬و َمنْ أَ َط َ‬
‫صانًِ َف َق ْد َع َ‬
‫َع َ‬
‫صى َّ َ‬
‫صى أم ِ‬
‫ِ‬
‫مسلم‬

‫فالمسلم الذي ٌعرؾ أن كل ما لدٌه إنما هو من هللا و إلٌه‪ ,‬ال ٌحتاج لؽٌر هللا وال ٌتقرب لؽٌر هللا وال ٌتودد‬
‫لؽٌر هللا ممن ٌتودد لهم الناس و ٌتقربون إلٌهم ابتؽاء مصالحهم‪ ,‬خصوصا إن كانوا من الطواؼٌت اللذٌن‬
‫ٌنازعون هللا عز وجل فً سلطانه‪ .‬و الواحد منا ال ٌقبل االنتماء ألي نوع من االنتماءات الشابعة بٌن بنً‬
‫البشر‪ ,‬ال إلى قوم وال إلى وطن وال عصبٌة وال نقابة أو حزب‪ ,‬أو ٌرتبط بالناس بؤٌة رابطة إال رابطة‬
‫اإلسالم هلل رب العالمٌن و الحب فٌه‪.‬‬

‫ب) توحٌد هللا تعالى فً الحكم‬‫قال تعالى‪:‬‬
‫ٌِن ٌَ ْزعم َ َ‬
‫ون أَن ٌَ َت َحا َكموا إِلَى َّ‬
‫ت‬
‫الطاؼو ِ‬
‫نز َل مِن َق ْبل َِك ٌ ِرٌد َ‬
‫نز َل إِلٌَ َ‬
‫لَ ْم َت َر إِلَى الَّذ َ‬
‫ْك َو َما أ ِ‬
‫ون أ َّنه ْم آ َمنوا ِب َما أ ِ‬
‫َو َق ْد أمِروا أَن ٌَ ْكفروا ِب ِه َوٌ ِرٌد ال َّشٌ َ‬
‫ض َالال َبعٌِدا(‪ )67‬النساء‬
‫ْطان أَن ٌضِ لَّه ْم َ‬
‫ض َما أَنز َل َّ‬
‫َوأَ ِن احْ ك ْم َب ٌْ َنه ْم ِب َما أَنز َل َّ‬
‫ْك َفإِنْ َت َولَّ ْوا‬
‫هللا إِلٌَ َ‬
‫هللا َوال َت َّت ِبعْ أَهْ َوا َءه ْم َواحْ َذرْ ه ْم أَنْ ٌَ ْفتِنو َ‬
‫ك َعنْ َبعْ ِ‬
‫َفاعْ لَ ْم أَ َّن َما ٌ ِرٌد َّ‬
‫ون(‪ )49‬المابدة‬
‫اس لَ َفاسِ ق َ‬
‫هللا أَنْ ٌصِ ٌ َبه ْم ِب َبعْ ِ‬
‫وب ِه ْم َوإِنَّ َكثٌِرا م َِن ال َّن ِ‬
‫ض ذن ِ‬
‫هلل ٌَقص ْال َح َّق َوه َو َخٌْر‬
‫ون ِب ِه إِ ِن ْالح ْكم إِ َّال ِ َّ ِ‬
‫ق ْل إِ ِّنً َعلَى َب ٌِّ َنة مِنْ َربًِّ َو َك َّذبْت ْم ِب ِه َما عِ ْندِي َما َتسْ َتعْ ِجل َ‬
‫ٌِن(‪ )57‬األنعام‬
‫ْال َفاصِ ل َ‬
‫‪36‬‬

‫هللا أَ ْب َتؽًِ َح َكما َوه َو الَّذِي أَ َ‬
‫ِّك‬
‫ون أَ َّنه م َن َّزل مِّن رَّ ب َ‬
‫اب ٌَعْ لَم َ‬
‫ٌِن آ َت ٌْ َناهم ْال ِك َت َ‬
‫اب م َفصَّال َو الَّذ َ‬
‫نز َل إِلٌَْكم ْال ِك َت َ‬
‫أَ َف َؽٌ َْر َّ ِ‬
‫ٌن(‪ )334‬األنعام‬
‫ِب ْال َح ِّق َفالَ َتكو َننَّ م َِن ْالممْ َت ِر َ‬
‫َٰ‬
‫َٰ‬
‫ون(‪ٌ )47‬وسؾ‬
‫اس َال ٌَعْ لَم َ‬
‫إِ ِن ْالح ْكم إِ َّال ِ َّ ِ‬
‫هلل أَ َم َر أَ َّال َتعْ بدوا إِ َّال إٌَِّاه َذل َِك ال ِّدٌن ْال َقٌِّم َولَكنَّ أَ ْك َث َر ال َّن ِ‬

‫فرب العزة هو خالقنا ورازقنا و صاحب شؤننا كله وهو الذي ٌسٌر و ٌملك الكون كله‪ ,‬وكل شًء فٌه ٌسٌر‬
‫حسب النوامٌس التً وضعها هللا له فً رضوخ و استسالم و انقٌاد تام‪ .‬لكنه ترك لإلنس و الجن الحرٌة فً‬
‫الخضوع لشرعه و الحكم به و التحاكم إلٌه‪ ,‬أو الخضوع و الحكم بشرع ؼٌر شرعه و التحاكم لؽٌره و‬
‫شرع ؼٌره‪ ,‬و بٌن لهم عاقبة كال الخٌارٌن‪.‬‬
‫و المسلم الذي ٌسلم أمره كله هلل عز وجل وحده‪ٌ ,‬نقاد لحكمه و شرعه طواعٌة دون نقاش مثل كل‬
‫المخلوقات التً خلقها هللا تعالى‪ ,‬وال ٌحكم إال بشرعه وال ٌتحاكم إال إلى هللا و شرعه ‪.‬‬
‫فننقاد هلل تعالى وحده فً حكمه و شرعه و نكفر بؤي حكم ؼٌر حكمه و بؤي شرع ؼٌر شرعه عز وجل‪,‬‬
‫وال نحكم على أي شًء او أي شخص إال به‪ ,‬وال نتحاكم إال إلٌه فً أي شًء على اإلطالق‪ ,‬وال نعذر أحدا‬
‫ٌفعل ذلك مهما كان عذره ألنه ال ٌوجد أي عذر على اإلطالق فً الشرك ولو بالحرق و التقطٌع‪.‬‬

‫فالمسلم منا حتى و إن اقتٌد إلى محكمة الطاؼوت فإنه ال ٌدافع عن نفسه أمامها‪ ,‬ألنه بذلك ٌطلب حكمها‬
‫لصالحه وهو تحاكم إلٌها و شرك أكبر ال ٌقبل فٌه أي نوع من األعذار‪ .‬وألنه موقن أنه لن ٌصٌبه إال ما‬
‫كتبه هللا له‪ ,‬وما علٌه إال أن ٌرضى بقضاء هللا وقدره و ٌسلم له االمر‪ .‬وال ٌدلً المسلم بشهادته فً محاكم‬
‫الطاؼوت ألنه بذلك ٌعطٌهم المادة األولٌة التً تمكنهم من ممارسة تحاكمهم و هو شرك أكبر‪ ,‬و ال ٌذهب‬
‫إلى محكمة الطاؼوت ألي سبب من األسباب‪.‬‬
‫وال نتعامل بؤي نوع من المعامالت التً ٌكون التعامل فٌها خاضعا لؽٌر شرع هللا‪ ,‬كما هو شؤن كل‬
‫المعامالت المصرفٌة فً أٌامنا‪ ,‬و ال نستخدم أي خدمات ٌشترط فٌها احترام ؼٌر شرع هللا‪ ,‬أو التعهد بعدم‬
‫مخالفته أو التحاكم إلٌه بؤي شكل من األشكال‪ ,‬كما هو الحال فً الؽالبٌة العظمى من خدمات االنترنت‪ ,‬اللهم‬
‫من عرؾ كٌؾ ٌتفادى ذلك‪.‬‬
‫وهذا النوع من الشرك هو أكثر أنواعه انتشارا فً أٌامنا هذه‪ ,‬ألن كل معامالت البشر أصبحت ال تتم إال‬
‫بالموافقة على احترام قانون طاؼوت البلد الذي تتم فٌه المعاملة‪ ,‬والتحاكم إلى محكمته فً حال وجود نزاع‪,‬‬
‫سوآءا تعلق األمر بإٌجار بٌت أو شراء سٌارة أو عقد عمل أو استخراج وثٌقة أو استخدام خدمات البنوك أو‬
‫ؼٌرها‪ ,‬فهذه الحضارة و إن كانت متقدمة مادٌا إال أنها تقوم بالكامل على عبادة الطاؼوت و حكم الجاهلٌة‪:‬‬
‫ون َو َمنْ أَحْ َسن مِنْ َّ‬
‫ون(‪ )57‬المابدة‬
‫هللا ح ْكما لِ َق ْوم ٌوقِن َ‬
‫أَ َفح ْكم ْال َجا ِهلٌَِّة ٌَبْؽ َ‬

‫‪37‬‬

‫كما أننا وفً كل أمور دٌننا و دنٌانا ال نتحرى إال حكم هللا عز وجل‪ ,‬فإن وجدنا الحكم الشرعً نثبت علٌه‬
‫ثباتا مطلقا‪ ,‬وال نهتم لما قاله هذا او ذاك‪ ,‬ألن من ترك حكم هللا عز وجل واتبع ؼٌره فانه قد أشرك باهلل‬
‫شركا أكبر ال سبٌل له لمؽفرته والنجاة من النار‪ ,‬فكالم هللا ال ٌرد‪ ,‬أما كالم الناس فٌإخذ منه وٌرد حسب‬
‫الدلٌل و االقتناع‪.‬‬
‫فإننا نخلص هلل فً اتباع حكمه وتحكٌمه والتحاكم الٌه وحده ال شرٌك له‪ ,‬و هو الذي ٌحكم وال معقب لحكمه‪:‬‬
‫ض َن ْنقص َها مِنْ أَ ْط َرا ِف َها َو َّ‬
‫ب(‪ )43‬الرعد‬
‫ب لِح ْك ِم ِه َوه َو َس ِرٌع ْالح َِسا ِ‬
‫هللا ٌَحْ كم َال م َع ِّق َ‬
‫أَ َولَ ْم ٌَ َر ْوا أَ َّنا َنؤْتًِ ْاألَرْ َ‬

‫ج) توحٌد هللا تعالى فً النسك‬‫قال تعالى‪:‬‬
‫ضرا َو َال َن ْفعا َو َّ‬
‫هللا ه َو ال َّسمٌِع ْال َعلٌِم(‪ )76‬المابدة‬
‫هللا َما َال ٌَمْ لِك لَك ْم َ‬
‫ون َّ ِ‬
‫ق ْل أَ َتعْ بد َ‬
‫ون مِنْ د ِ‬
‫ك لَه َو ِب َذل َِك أمِرْ ت َوأَ َناْ أَ َّول‬
‫ٌِن(‪ )362‬الَ َش ِرٌ َ‬
‫هلل َربِّ ْال َعالَم َ‬
‫اي َو َم َماتًِ ِ ِ‬
‫صالَتًِ َونسكًِ َو َمحْ ٌَ َ‬
‫ق ْل إِنَّ َ‬
‫ٌِن(‪ )361‬االنعام‬
‫ْالمسْ لِم َ‬
‫ون هللاَ ِب َما الَ ٌَعْ لَم‬
‫ون َهـإالء ش َف َعاإ َنا عِ ندَ هللاِ ق ْل أَت َنبِّب َ‬
‫ون هللاِ َما الَ ٌَضره ْم َوالَ ٌَن َفعه ْم َو ٌَقول َ‬
‫َو ٌَعْ بد َ‬
‫ون مِن د ِ‬
‫َ‬
‫ض سب َْحا َنه َو َت َعالَى َعمَّا ٌ ْش ِركون(‪ٌ )38‬ونس‬
‫فًِ ال َّس َم َاوات والَفًِ األرْ ِ‬
‫ؾ الضرِّ َعنك ْم َو َال َتحْ ِوٌال(‪ )56‬االسراء‬
‫ون َك ْش َ‬
‫ٌِن َز َعمْتم مِّن دو ِن ِه َف َال ٌَمْ لِك َ‬
‫ق ِل ْادعوا الَّذ َ‬

‫فنخلص كل مناسكنا و عباداتنا هلل وحده ال شرٌك له كما أمر و كما فصله رسول هللا صلى هللا علٌه و سلم‪,‬‬
‫مبتؽٌن بها وجهه و طامعٌن فً رضاه و حده‪ .‬فنتوجه هلل وحده فً كل شعابرنا التعبدٌة من صالة و زكاة و‬
‫صٌام وحج و نذر و ذبح‪ ,‬سوآءا الفرابض منها أو النوافل فً إخالص تام دون شرك او رٌاء‪.‬‬
‫و نخلص له كذلك فً كل العبادات القلبٌة من توكل و استؽاثة و خوؾ ورجاء‪ ,‬و ال نعتقد النفع أو الضر إال‬
‫فً هللا‪ ,‬و ال نتخذ وسطاء بٌننا و بٌن هللا تعالى وال نطلب الشفاعة من مٌت حتى و لو كان رسول هللا صلى‬
‫هللا علٌه و سلم‪ ,‬و ال نخشى أحدا بالؽٌب إال هللا عز وجل‪.‬‬
‫‪38‬‬

‫‪ )1‬توحٌد هللا فً األسماء و الصفات‬‫قال تعالى‪:‬‬
‫ون(‪ )387‬االعراؾ‬
‫ون فًِ أَسْ َما ِب ِه َسٌجْ َز ْو َن َما َكانوا ٌَعْ َمل َ‬
‫ٌِن ٌ ْلحِد َ‬
‫هلل األَسْ َماء ْالحسْ َنى َف ْادعوه ِب َها َو َذروا الَّذ َ‬
‫َو ِ َّ ِ‬
‫ك َوال تخاف ْ‬
‫ِت ِبها َوا ْب َت ِػ َبٌ َْن‬
‫صال ِت َ‬
‫من أٌَا ما َت ْدعوا َفلَه ْاألَسْ ماء ْالحسْ نى َوال َتجْ َهرْ ِب َ‬
‫هللا أَ ِو ْادعوا الرَّ حْ َ‬
‫ق ِل ْادعوا َّ َ‬
‫ذل َِك َس ِبٌال(‪ )337‬االسراء‬
‫َّ‬
‫هللا ال إِلَ َه إِال ه َو لَه األَسْ َماء ْالحسْ َنى(‪ )78‬طه‬
‫هو َّ‬
‫ض َوه َو ْال َع ِزٌز‬
‫صوِّ ر لَه ْاألَسْ َماء ْالحسْ َنى ٌ َسبِّح لَه َما فًِ ال َّس َم َاوا ِ‬
‫ارئ ْالم َ‬
‫ت َو ْاألَرْ ِ‬
‫هللا ْال َخالِق ْال َب ِ‬
‫ْال َحكٌِم(‪ )24‬الحشر‬

‫األسماء الحسنى و الصفات العلى حق خالص هلل تعالى‪ ,‬فنوحد هللا عز وجل بكل أسماءه التً تسمى بها و‬
‫بكل صفاته التً اتصؾ بها فً كتابه أو أخبر عنها رسوله صلى هللا علٌه و سلم من ؼٌر تحرٌؾ وال‬
‫تعطٌل وال تكٌٌؾ وال تمثٌل‪.‬‬
‫فال رحمان إال هو وال علٌم إال هو وال قدٌر إال هو وال نصؾ ؼٌره بمثل ذلك‪ ,‬كما ٌفعل عباد الطواؼٌت مع‬
‫أسٌادهم فٌصفونهم بؤصحاب الجاللة والفخامة والسمو والمعظم وملك الملوك‪ ,‬وكله ال ٌلٌق إال برب العزة‬
‫وحده عز وجل‪.‬‬
‫كما نثبت هلل عز وجل كل ما أخبر به عن نفسه من وجه و ٌدٌن و سمع وبصر وكالم واستواء وؼٌره‪ ,‬دون‬
‫تجسٌد أو تشبٌه أو تكٌٌؾ أو تمثٌل أو نحو ذلك‪ ,‬و نلتزم بعقٌدة أهل السنة و الجماعة فٌها كما قال اإلمام‬
‫مالك رحمه هللا فً تعرٌفه لصفة اإلستواء‪ :‬اإلستواء معلوم والكٌؾ مجهول‪ .‬ألنه جل وعال لٌس كمثله‬
‫شًء‪:‬‬
‫ْس َكم ِْثلِ ِه َشًْ ء َوه َو ال َّسمٌِع ْالبَصِ ٌر(‪ )33‬الشورى‬
‫‪......‬لٌَ َ‬
‫َولَ ْم ٌَكن لَّه كفوا أَ َحد(‪ )74‬االخالص‬
‫ونإمن بؤنه سبحانه وتعالى فوق السماوات قد استوى على عرشه‪ ،‬رقٌب على خلقه مهٌمن مطلع علٌهم‪،‬‬
‫وهو معهم أٌنما كانوا‪ ،‬ال ٌخفى علٌه شًء فً األرض وال فً السماء‪.‬‬

‫‪39‬‬

‫وال ٌصح اإلٌمان باهلل عز وجل إال باإلٌمان بكتبه ومالبكته و رسله و الٌوم اآلخر والقدر خٌره و شره‪ ,‬و‬
‫ذلك من باب عطؾ الخاص على العام‪.‬‬

‫‪ )4‬اإلٌمان بالكتب والمالئكة والرسل والٌوم االخر والقدر‬‫قال تعالى‪:‬‬
‫ب الَّذِي أَ ْن َز َل مِنْ َقبْل َو َمنْ ٌَ ْكفرْ‬
‫ب الَّذِي َن َّز َل َعلَى َرسولِ ِه َو ْال ِك َتا ِ‬
‫اهلل َو َرسولِ ِه َو ْال ِك َتا ِ‬
‫ٌِن آ َمنوا آمِنوا ِب َّ ِ‬
‫ٌا أٌَ َها الَّذ َ‬
‫ض َالال َبعٌِدا(‪ )316‬النساء‬
‫ض َّل َ‬
‫اهلل َو َم َال ِب َك ِت ِه َوكت ِب ِه َورسلِ ِه َو ْال ٌَ ْو ِم ْاآلخ ِِر َف َق ْد َ‬
‫ِب َّ ِ‬

‫فنإمن بجمٌع كتب هللا ومالبكته ورسله وبالٌوم اآلخر وبالقدر خٌره وشره‪ ,‬ونإمن بؤن الدٌن واإلٌمان قول‬
‫وعمل‪ ،‬قول القلب واللسان وعمل القلب واللسان والجوارح‪ ،‬وأن اإلٌمان ٌزٌد بالطاعة وٌنقص بالمعصٌة‪.‬‬

‫‪-‬أ) اإلٌمان بالمالئكة‬

‫فنإمن بالمالبكة الكرام وأن هللا عز وجل خلقهم لعبادته و تسبٌحه وطاعته‪ ,‬وكلفهم بإدارة شإون المخلوقات‬
‫وصنوؾ أخرى من األعمال والوظابؾ ٌدبرونها بؤمر هللا عز وجل كما قال‪:‬‬
‫ت أَمْ را(‪ )5‬النازعات‬
‫َف ْالمدَ ب َِّرا ِ‬

‫وهم فً هذا كله كما وصفهم هللا َتعالى ‪:‬‬
‫ون َّ‬
‫ون(‪ )76‬التحرٌم‬
‫ون َما ٌ ْإ َمر َ‬
‫هللاَ َما أَ َم َره ْم َو ٌَ ْف َعل َ‬
‫َال ٌَعْ ص َ‬
‫َ‬
‫ون(‪ )72‬األنبٌاء‬
‫مْر ِه ٌَعْ َمل َ‬
‫َال ٌَسْ ِبقو َنه ِب ْال َق ْو ِل َوه ْم ِبؤ ِ‬
‫ون(‪ )276‬األعراؾ‬
‫ون َعنْ عِ َبادَ ِت ِه َوٌ َسبِّحو َنه َولَه ٌَسْ جد َ‬
‫ِّك َال ٌَسْ َت ْكبِر َ‬
‫ٌِن عِ ْندَ َرب َ‬
‫إِنَّ الَّذ َ‬
‫ون(‪ )39‬االنبٌاء‬
‫ون َعنْ عِ َبادَ ِت ِه َو َال ٌَسْ َتحْ سِ ر َ‬
‫َو َمنْ عِ ْندَ ه َال ٌَسْ َت ْك ِبر َ‬
‫‪40‬‬

‫وهم مخلوقات عظٌمة ذوات أجنحة ال ٌعلم عددهم إال هللا سبحانه وتعالى‪ ,‬وأفضلهم جبرٌل وهو الروح‬
‫القدس المكلؾ بالوحً ومٌكابٌل وإسرافٌل‪.‬‬

‫‪-‬ب) اإلٌمان بالكتب‬

‫نإمن بكل الكتب التً انزلها هللا على رسله و أنزل فٌها البٌنات و الهدى للناس‪ ,‬و هداٌة للتً أقوم و إلى‬
‫السراط المستقٌم و لتكون حجة على الناس‪.‬‬
‫اب َو ْالم َ‬
‫ان لِ ٌَقو َم ال َّناس ِب ْالقِسْ طِ ‪ )52(........‬الحدٌد‬
‫لَ َق ْد أَرْ َس ْل َنا رسلَ َنا ِب ْال َب ٌِّ َنا ِ‬
‫ٌِز َ‬
‫ت َوأَ ْن َز ْل َنا َم َعهم ْال ِك َت َ‬

‫والكتب التً أنزلها هللا تعالى و ذكرها فً كتابه خمس كتب‪:‬‬
‫أولها الصحؾ التً أنزلها على سٌدنا إبراهٌم علٌه السالم‪:‬‬
‫صحؾِ إِب َْراهٌِ َم َومو َسى)‪ (19‬األعلى‬

‫ثم التوراة و هً أعظم الكتب التً نزلت على بنً إسرابٌل‪:‬‬
‫إِ َّنا أَ ْ‬
‫ون َواألحْ َبار ِب َما‬
‫ٌِن َهادوا َوالرَّ بَّانٌِ َ‬
‫ٌِن أَسْ لَموا ِللَّذ َ‬
‫ون الَّذ َ‬
‫نزل َنا ال َّت ْو َرا َة فٌِ َها هدى َونور ٌَحْ كم ِب َها ال َّن ِبٌ َ‬
‫اس َو ْ‬
‫اخ َش ْو ِن َوال َت ْش َتروا ِبآ ٌَاتًِ َث َمنا َقلٌِال َو َمنْ لَ ْم‬
‫اسْ تحْ فِظوا مِنْ ِك َتا ِ‬
‫هللا َو َكانوا َعلَ ٌْ ِه ش َهدَ ا َء َفال َت ْخ َشوا ال َّن َ‬
‫ب َّ ِ‬
‫ٌَحْ ك ْم ِب َما أَنز َل َّ‬
‫ون(‪ )44‬المابدة‬
‫ك هم ْال َكافِر َ‬
‫هللا َفؤولَ ِب َ‬

‫ثم الزبور الذي أنزله هللا على سٌدنا داوود علٌه السالم‪:‬‬
‫‪...........‬وآ َت ٌْ َنا دَاودَ َزبورا(‪ )55‬اإلسراء‬
‫َ‬

‫ثم اإلنجٌل الذي أنزله هللا تعالى على سٌدنا عٌسى ابن مرٌم علٌه السالم‪:‬‬
‫‪41‬‬

‫ص ِّدقا‬
‫جٌ َل فٌِ ِه هدى َونور َوم َ‬
‫ْن َمرْ ٌَ َم م َ‬
‫ص ِّدقا لِ َما َبٌ َْن ٌَدَ ٌْ ِه م َِن ال َّت ْو َرا ِة َوآ َت ٌْ َناه ْاإلِ ْن ِ‬
‫ار ِه ْم ِبعٌِ َسى اب ِ‬
‫َو َق َّف ٌْ َنا َعلَى آ َث ِ‬
‫ٌِن(‪ )46‬المابدة‬
‫ِل َما َبٌ َْن ٌَ َد ٌْ ِه م َِن ال َّت ْو َرا ِة َوهدى َو َم ْوعِ َظة ل ِْلم َّتق َ‬

‫فنإمن بكتب هللا كلها هاته وؼٌرها التً لم ٌخبر عنها على وجه اإلجمال‪ ,‬و ذلك كما أنزلها هللا تعالى فً‬
‫نسختها األصلٌة‪ ,‬ألن هللا تعالى قد أخبر أن أهل الكتاب قد حرفوا كتبه و أضافوا إلٌها ما لٌس منها و حذفوا‬
‫منها ما ال ٌوافق أهواءهم و مصالحهم كما بٌنه فً العدٌد من آٌات القرآن الكرٌم‪:‬‬
‫هللا َو َما‬
‫ب َو َما ه َو م َِن ْال ِك َتا ِ‬
‫ب لِ َتحْ َسبوه م َِن ْال ِك َتا ِ‬
‫ون أَ ْلسِ َن َته ْم ِب ْال ِك َتا ِ‬
‫ون ه َو مِنْ عِ ْن ِد َّ ِ‬
‫ب َو ٌَقول َ‬
‫َوإِنَّ ِم ْنه ْم لَ َف ِرٌقا ٌَ ْلو َ‬
‫ون(‪ )78‬آل عمران‬
‫ِب َوه ْم ٌَعْ لَم َ‬
‫هللا ْال َكذ َ‬
‫ون َعلَى َّ ِ‬
‫هللا َو ٌَقول َ‬
‫ه َو مِنْ عِ ْن ِد َّ ِ‬

‫و نإمن بؤن القرآن العظٌم هو أعظم كتب هللا تعالى و آخرها‪ ,‬أنزله هللا تعالى مهٌمنا على كل ما سبقه من‬
‫كتب و ناسخا لها‪:‬‬
‫ب َوم َه ٌْمِنا َعلٌَْه‪ )48(.....‬المابدة‬
‫ص ِّدقا لِ َما َبٌ َْن ٌَدَ ٌْ ِه م َِن ْال ِك َتا ِ‬
‫اب ِب ْال َح ِّق م َ‬
‫ك ْال ِك َت َ‬
‫َوأَ ْن َز ْل َنا إِلَ ٌْ َ‬

‫و نإمن بؤن هللا أنزله تبٌانا لكل شًء وخصوصا التوحٌد وما ٌتعلق به وما ٌنافٌه من الشرك‪ ,‬وٌهدي إلى‬
‫التً هً أقوم و إلى الصراط المستقٌم‪ ,‬وتكفً مطالعته لمعرفة أصل الدٌن‪:‬‬
‫ٌِن(‪ )89‬النحل‬
‫اب تِ ْب ٌَانا لِّك ِّل َشًْ ء َوهدى َو َرحْ َمة َوب ْشرى ل ِْلمسْ لِم َ‬
‫ك ْال ِك َت َ‬
‫َو َن َّز ْل َنا َعلَ ٌْ َ‬
‫ت أَنَّ لَه ْم أَجْ را َك ِبٌرا(‪)79‬‬
‫ون الصَّال َِحا ِ‬
‫ٌِن ٌَعْ َمل َ‬
‫ٌِن الَّذ َ‬
‫ًِ أَ ْق َوم َوٌ َب ِّشر ْالم ْإ ِمن َ‬
‫آن ٌِ ْهدِي لِلَّتًِ ه َ‬
‫إِنَّ َه َـذا ْالقرْ َ‬
‫االسراء‬

‫ونإمن بكل ما ورد فٌه كما ورد‪ ,‬فما ورد فٌه مجمال نإمن به على وجه اإلجمال و ما ورد فٌه مفصال‬
‫نإمن به على وجه التفصٌل‪.‬‬
‫ونإمن بان القرآن كالم هللا قد تكلم به حقا ؼٌر مخلوق‪ ,‬نزل به سٌدنا جبرٌل على قلب رسول هللا صلى هللا‬
‫علٌه وسلم لٌكون من المنذرٌن‪ ,‬و كما هو األمر فً عقٌدة أهل السنة و الجماعة فإننا نإمن أن هللا تعالى قد‬
‫تكلم به حقا لكن ال نعرؾ كٌفٌة تكلمه به‪ ,‬فالكالم معلوم و الكٌؾ مجهول‪.‬‬
‫هذه النقطة بالؽة األهمٌة ألنها أول شًء ارتدت فٌه أمة اإلسالم عن دٌن هللا‪ ,‬و كان ذلك نتٌجة التباع كالم‬
‫الفالسفة و السفهاء الذٌن استقوا من المكتبة التً أنشؤها عدو هللا المؤمون(عاش ‪238-377‬ه) فً بؽداد‪ ,‬و‬
‫‪42‬‬

‫جلب لها كتب الفالسفة و المالحدة من كل البلدان و خاصة من الٌونان فكان القول بخلق القرآن نتاجها‬
‫المباشر‪ ,‬و فرض القول به على عامة المسلمٌن و قتل من خالفه‪ ,‬ثم تاله فً ذلك أخوه المعتصم(حكم ‪-238‬‬
‫‪227‬ه) ثم الواثق ابن المعتصم(حكم ‪212-227‬ه) و لكنهم وجدوا أمامهم سدا منٌعا هو إمام أهل السنة و‬
‫الجماعة و أكبر علماء اإلسالم قاطبة و أشدهم تمسكا بالسنة اإلمام أحمد ابن حنبل(‪243-364‬ه) رحمه هللا و‬
‫جازاه خٌرا‪ ,‬و الذي وقؾ لوحده فً وجههم مع ما كالوه له من صنوؾ العذاب و أبطل دعواهم و كفرهم‬
‫بٌقٌنه باهلل و منعهم من تحرٌؾ دٌن هللا تعالى‪.‬‬
‫و قد قال رحمه هللا و أجزل له الجزاء‪ :‬من قال القرآن مخلوق فهو عندنا كافر ألن القرآن من علم هللا وفٌه‬
‫أسماء هللا‪ .‬و قال‪ :‬إذا قال الرجل العلم مخلوق فهو كافر ألنه ٌزعم أنه لم ٌكن هلل علم حتى خلقه‪ .‬كتاب السنة‬
‫لعبد هللا ابن أحمد ابن حنبل‬
‫وروى الخالل فً كتابه "السنة" أن اإلمام أحمد قال‪ :‬الدار إذا ظهر فٌها القول بخلق القرآن والقدر وما‬
‫ٌجري مجرى ذلك‪ ،‬فهً دار كفر‪.‬‬
‫وقد عد اإللكابً فً "شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة"‪ :‬أكثر من خمسمابة وخمسٌن نفسا من‬
‫التابعٌن وتابعٌهم‪ ،‬كلهم قالوا‪ :‬القرآن كالم هللا ؼٌر مخلوق‪ ،‬ومن قال‪ :‬مخلوق‪ ،‬فهو كافر‪ ،‬ثم قال‪ :‬ولو‬
‫اشتؽلت بنقل قول المحدثٌن لبلؽت أسماإهم ألوفا كثٌرة‪ ,‬لكنً اختصرت وحذفت األسانٌد لالختصار‪.‬‬

‫فالقرآن الكرٌم كالم هللا بلفظه و معناه تكلم هللا به حقا(الكالم معلوم و الكٌؾ مجهول) ثم كلؾ به جبرٌل‬
‫األمٌن الذي نزل به على قلب رسول هللا صلى هللا علٌه و سلم لٌكون من المنذرٌن بلسان عربً مبٌن‪.‬‬

‫فنكفر كل من قال بخلقه ومن زعم أنه محرؾ أو انه تعرض للزٌادة أو النقصان‪ ,‬أو استهزأ به أو انتقص‬
‫منه أو كذب ببعضه أو رده أو تؤوله على ؼٌر ما ٌدل علٌه معناه الشرعً أو اللؽوي البٌن‪.‬‬
‫والقرآن الكرٌم ٌفسر حسب معناه اللؽوي الظاهر‪ ,‬إال إذا ثبت وجود ما ٌدل على وجود معنى آخر له‪ ,‬تدل‬
‫علٌه آٌة أخرى‪ ,‬فٌصبح له معنا شرعً مثل أن اإلٌمان ٌعنً الصالة فً قوله تعالى‪:‬‬
‫ٌع إٌِ َما َنك ْم إِنَّ َّ‬
‫ان َّ‬
‫اس لَ َرءوؾ َرحٌِم(‪ )341‬البقرة‬
‫هللا لٌِضِ َ‬
‫‪........‬و َما َك َ‬
‫َ‬
‫هللاَ ِبال َّن ِ‬
‫أو أن الفتنة تعنً الشرك فً قوله تعالى‪:‬‬
‫… َو ْال ِف ْت َنة أَ َشد م َِن ْال َق ْتل‪ )393(........‬البقرة‬

‫‪43‬‬

‫وتسري أحكام القرآن تبعا لترتٌب نزولها‪ ,‬فتنسخ اآلٌات المتؤخرة أحكام اآلٌات السابقة لها‪ ,‬كما كان األمر‬
‫فً تحرٌم الخمر و فً أحكام معاملة الكفار و المشركٌن‪:‬‬
‫ت ِب َخٌْر ِّم ْن َها أَ ْو م ِْثلِ َها أَلَ ْم َتعْ لَ ْم أَنَّ هللاَ َعلَ َى ك ِّل َشًْ ء َقدٌِر (‪ )377‬البقرة‬
‫َما َنن َس ْخ مِنْ آ ٌَة أَ ْو ننسِ َها َنؤْ ِ‬
‫ولمعرفة حكم هللا عز وجل فً قضٌة ما ٌجب جمع كل اآلٌات التً تتكلم عن الموضوع‪ ,‬ثم نرتبها تبعا‬
‫لنزولها زٌادة على األحادٌث الصحٌحة الواردة فً الموضوع حتى نهتدي للحكم الشرعً فٌها‪.‬‬

‫‪-‬ج) اإلٌمان باألنبٌاء و الرسل‬

‫قال تعالى‪:‬‬
‫ٌِّن مِن َبعْ ِد ِه َوأَ ْو َح ٌْ َنا إِلَى إِب َْراهٌِ َم َوإِسْ مَاعِ ٌ َل َوإِسْ َح َ‬
‫وب‬
‫اق َو ٌَعْ ق َ‬
‫ْك َك َما أَ ْو َح ٌْ َنا إِلَى نوح َوال َّن ِبٌ َ‬
‫إِ َّنا أَ ْو َح ٌْ َنا إِلٌَ َ‬
‫ك‬
‫صصْ َناه ْم َعلَ ٌْ َ‬
‫ان َوآ َت ٌْ َنا دَاوودَ َزبورا(‪َ )361‬ورسال َق ْد َق َ‬
‫ون َوسلَ ٌْ َم َ‬
‫س َو َهار َ‬
‫وب َوٌون َ‬
‫َواألَسْ بَاطِ َوعِ ٌ َسى َوأٌَ َ‬
‫اس‬
‫ٌن لِ َبالَّ ٌَك َ‬
‫ٌن َومنذ ِِر َ‬
‫ْك َو َكلَّ َم هللا مو َسى َت ْكلٌِما(‪ )364‬رسال م َب ِّش ِر َ‬
‫مِن َقبْل َورسال لَّ ْم َن ْقصصْ ه ْم َعلٌَ َ‬
‫ون لِل َّن ِ‬
‫ان هللا َع ِزٌزا َحكٌِما(‪ )365‬النساء‬
‫َعلَى هللا حجَّ ة َبعْ دَ الرس ِل َو َك َ‬
‫ان َّ‬
‫هللا ِبك ِّل َشًْ ء َعلٌِما(‪ )47‬االحزاب‬
‫ٌِّن‪َ ,‬و َك َ‬
‫هللا َو َخا َت َم ال َّن ِبٌ َ‬
‫ان م َحمَّد أَ َبا أَ َحد مِنْ ِر َجالِك ْم َولَكِنْ َرسو َل َّ ِ‬
‫َما َك َ‬

‫نإمن بكل األنبٌاء والرسل و بكل الرساالت التً أرسلوا بها‪ ,‬و قد أرسلهم رب العزة لهداٌة الناس إلى دٌنه‬
‫الحق و إلقامة الحجة علٌهم ٌوم القٌامة‪ ,‬و هم بشر معصومون دٌنهم واحد و شرابعهم مختلفة‪.‬‬
‫أولهم سٌدنا آدم أبو البشر و هو نبً مكلم علٌه السالم‪ ,‬و أول الرسل سٌدنا نوح علٌه السالم‪ ,‬و آخرهم بعثة‬
‫و أعظمهم شؤنا عند هللا عز وجل هو سٌدنا محمد صلى هللا علٌه و آله و صحبه و سلم‪ ,‬و هو الوحٌد الذي‬
‫بعث للناس كافة بعدما كانت الرسل ترسل إلى أقوامها خاصة‪ ,‬و ختم هللا به النبوة فال نبً بعده صلى هللا‬
‫علٌه و آله و صحبه وسلم‪.‬‬
‫و نإمن أن من ٌكذب بالرسالة ال ٌكون إال كافرا‪ ,‬ألن اإلٌمان بالرسل مقترن باإلٌمان باهلل‪ ,‬فاإلٌمان باهلل و‬
‫عبادته ال تكون إال بالطرٌقة التً ٌرٌدها هللا عز وجل‪ ,‬و التً أوحاها لرسله علٌهم الصالة و السالم‪,‬‬
‫فالتوحٌد و التصدٌق بالرسالة متالزمان كما أن التكذٌب بالرسالة هو عالمة استحقاق العذاب ٌوم القٌامة‪:‬‬
‫ٌن َسعٌِرا(‪)31‬الفتح‬
‫اهلل َو َرسولِ ِه َفإِ َّنا أَعْ َت ْد َنا ل ِْل َكاف ِِر َ‬
‫َو َمنْ لَ ْم ٌ ْإمِنْ ِب َّ ِ‬
‫ونإمن أن االٌمان بكل رسول فً عهده من أصل الدٌن‪:‬‬
‫‪44‬‬

‫هللا َواجْ َتنِبوا َّ‬
‫الطاؼ َ‬
‫وت‪ )16(....‬النحل‬
‫َولَ َق ْد َب َع ْث َنا فًِ ك ِّل أمَّة َرسوال أَ ِن اعْ بدوا َّ َ‬

‫‪-‬د) اإلٌمان بالٌوم اآلخر‬

‫نإمن بالٌوم اآلخر و البعث بعد الموت والحساب والعقاب‪ ,‬و اإلٌمان بالٌوم اآلخر قرٌن اإلٌمان باهلل تعالى‬
‫كما ورد فً كتاب هللا عز وجل‪:‬‬
‫ب الَّذِي أَنز َل مِنْ َقبْل َو َمنْ ٌَ ْكفرْ‬
‫ب الَّذِي نز َل َعلَى َرسولِ ِه َو ْال ِك َتا ِ‬
‫اهلل َو َرسولِ ِه َو ْال ِك َتا ِ‬
‫ٌِن آ َمنوا آمِنوا ِب َّ ِ‬
‫ٌَا أٌَ َها الَّذ َ‬
‫ضالال َبعٌِدا(‪ )316‬النساء‬
‫ض َّل َ‬
‫اهلل َو َمال ِب َك ِت ِه َوكتبِ ِه َورسلِ ِه َو ْال ٌَ ْو ِم اآلخ ِِر َف َق ْد َ‬
‫ِب َّ ِ‬
‫ور ِه ْم ذرِّ ٌَّ َته ْم َوأَ ْش َهدَه ْم َعلَى أَنفسِ ِه ْم أَلَسْ َ‬
‫ت ِب َربِّك ْم َقالو ْا َبلَى َش ِه ْد َنا أَن َتقولو ْا‬
‫َوإِ ْذ أَ َخ َذ َرب َ‬
‫ك مِن َبنًِ آدَ َم مِن ظه ِ‬
‫ٌِن(‪ )372‬االعراؾ‬
‫ٌَ ْو َم ْالقِ ٌَا َم ِة إِ َّنا ك َّنا َعنْ َه َذا َؼا ِفل َ‬
‫ون(‪ )74‬المإمنون‬
‫ون ِب ْاآلخ َِر ِة َع ِن الص َِّراطِ لَ َناكِب َ‬
‫ٌِن َال ٌ ْإمِن َ‬
‫َوإِنَّ الَّذ َ‬
‫َوإِ َذا ذك َِر َّ‬
‫هللا َوحْ دَ ه ا ْش َمؤ َ َّز ْ‬
‫ون(‪)45‬‬
‫ٌِن مِنْ دو ِن ِه إِ َذا ه ْم سْ َتبْشِ ر َ‬
‫ون ِب ْاآلَخ َِر ِة َوإِ َذا ذك َِر الَّذ َ‬
‫ٌِن َال ٌ ْإمِن َ‬
‫ت قلوب الَّذ َ‬
‫الزمر‬

‫و ما من رسول أرسل إال أنذر قومه الٌوم اآلخر‪ ,‬كما دل علٌه الكتاب و السنة و العقل و الفطرة‪:‬‬

‫ون َعلٌَْك ْم آ ٌَاتًِ َوٌ ْنذِرو َنك ْم لِ َقا َء ٌَ ْومِك ْم َٰ َه َذا َقالوا َش ِه ْد َنا على‬
‫س أَلَ ْم ٌَؤْتِك ْم رسل ِم ْنك ْم ٌَقص َ‬
‫ٌَا َمعْ َش َر ْال ِ‬
‫جنِّ َو ْاإلِ ْن ِ‬
‫ٌن(‪ )317‬االنعام‬
‫أَ ْنفسِ َنا َو َؼرَّ ْتهم ْال َح ٌَاة الد ْن ٌَا َو َش ِهدوا َعلَى أَ ْنفسِ ِه ْم أَ َّنه ْم َكانوا َكاف ِِر َ‬
‫ٌِن َك َفروا إلى َج َه َّن َم ز َمرا َح َّتى إِ َذا َجاءو َها فت َِح ْ‬
‫َوسِ َ‬
‫ت أَب َْواب َها َو َقا َل لَه ْم َخ َز َنت َها أَلَ ْم ٌَؤْتِك ْم رسل ِم ْنك ْم‬
‫ٌق الَّذ َ‬
‫ت َربِّك ْم َوٌ ْنذِرو َنك ْم لِ َقا َء ٌَ ْومِك ْم َٰ َه َذا َقالوا َبلَى ولكنْ َح َّق ْ‬
‫ٌن(‪)73‬‬
‫ت َكلِ َمة ْال َع َذا ِ‬
‫ون َعلٌَْك ْم آ ٌَا ِ‬
‫ب َعلَى ْال َكاف ِِر َ‬
‫ٌَ ْتل َ‬
‫الزمر‬

‫فال ٌكون مإمنا باهلل من ال ٌإمن بالٌوم اآلخر‪ ,‬ومن اإلٌمان بالٌوم اآلخر اإلٌمان بكل ما أخبر به النبً صلى‬
‫هللا علٌه وسلم مما ٌكون بعد الموت‪ ،‬فنإمن بفتنة القبر وهً أن الناس ٌفتنون فً قبورهم وٌسؤلون‪ :‬من‬
‫ربك؟ وما دٌنك؟ ومن نبٌك؟‪ ,‬فٌثبت هللا الذٌن آمنوا بالقول الثابت فً الحٌاة الدنٌا وفً اآلخر فٌجٌب‬
‫اإلجابات الصحٌحة و الكافر ال ٌعرؾ كٌؾ ٌجٌب فٌقول "ال أدري"‪.‬‬
‫‪45‬‬

‫ثم بعد هذه الفتنة إما نعٌم وإما عذاب إلى أن تقوم القٌامة الكبرى‪ ،‬فتعاد األرواح إلى األجساد‪ ،‬وٌقوم الناس‬
‫من قبورهم لرب العالمٌن حفاة عراة ؼرال‪ ،‬وتدنو منهم الشمس وٌلجمهم العرق‪ ،‬فتنصب الموازٌن‪ ،‬فتوزن‬
‫بها أعمال العباد‪ ،‬فمن ثقلت موازٌنه فؤولبك هم المفلحون ومن خفت موازٌنه فؤولبك الذٌن خسروا أنفسهم فً‬
‫جهنم خالدون‪ ،‬وتنشر الدواوٌن وهً صحابؾ األعمال فآخذ كتابه بٌمٌنه وآخذ كتابه بشماله أو من وراء‬
‫ظهره‪ ،‬وٌحاسب هللا الخالبق كما وصؾ ذلك فً الكتاب والسنة‪ ،‬ونإمن بالصراط وهو جسر منصوب فوق‬
‫ب الرٌح‪،‬‬
‫جهنم ٌعبر علٌه الناس حسب أعمالهم‪ ،‬فمنهم من ٌمر كطرفة العٌن‪ ،‬و آخر كالبرق وكهبو ِ‬
‫وكركض الخٌل والركاب و هكذا‪ .‬فمنهم ناج سالم وناج مخدوش و ناج مجروح و منهم من ٌكب على وجهه‬
‫فً النار و العٌاذ باهلل‪.‬‬
‫ونإمن بؤن الجنة حق وأن النار حق‪ ،‬وأنهما مخلوقتان ال تفنٌان أبدا ال ٌعلم مدى عظمتهما إال هللا سبحان و‬
‫تعالى‪ ،‬وقد علم هللا تعالى عدد أهل الجنة ومن ٌدخلها‪ ،‬وعدد أهل النار ومن ٌدخلها‪ .‬نسؤله سبحانه بوجهه‬
‫الكرٌم أن ٌدخلنا الجنة برحمته آمٌن‪ ,‬آمٌن‪ ,‬آمٌن‪.‬‬
‫ونإمن بالشفاعة‪ ،‬وأن أول من ٌشفع ٌوم القٌامة نبٌنا محمد صلى هللا علٌه وسلم‪ ،‬فهو أول شافع وأول مشفع‪,‬‬
‫فٌشفع فً فصل القضاء‪ ،‬وٌشفع فً دخول الجنة‪ ،‬وٌشفع فً أهل الكبابر من أمته الذٌن ماتوا على التوحٌد‬
‫واستحقوا النار بما ارتكبوا من الذنوب وماتوا ولم ٌتوبوا منها‪ ،‬فٌخرجون من النار بشفاعته‪ ،‬وال نصٌب فً‬
‫الشفاعة إال لمن مات ال ٌشرك باهلل شٌبا‪ ،‬نعوذ باهلل من موجبات ؼضبه وعقابه‪.‬‬
‫ونإمن بؤن المإمنٌن ٌرون ربهم ٌوم القٌامة بؤبصارهم‪ ،‬كما ٌرى القمر لٌلة البدر‪ ،‬وأن الكافرٌن ال ٌرونه‬
‫ألنهم عن ربهم ٌومبذ محجوبون‪ ,‬نسؤل هللا سبحانه أن ٌمنَّ علٌنا بمتعة النظر إلى وجهه الكرٌم‪ ،‬آمٌن‪ ,‬آمٌن‪,‬‬
‫آمٌن‪.‬‬

‫‪-‬ج) اإلٌمان بالقدر‬

‫لوه ومرِّ ه‪ ،‬وأن هللا علٌم بما َخ ْلقه عاملون‪َ ،‬علِ َم ما كان وما سٌكون‪ ،‬وكتب فً‬
‫خٌره وشرِّ ه‪ ،‬وح ِ‬
‫نإمن بالقدر ِ‬
‫اللوح المحفوظ مقادٌر كل شًء إلى ٌوم القٌامة‪ ،‬فما أصاب اإلنسان لم ٌكن لٌخطبه‪ ،‬وما أخطؤه لم ٌكن‬
‫لٌصٌبه جفت األقالم وطوٌت الصحؾ‪ ،‬كما قال تعالى‪:‬‬
‫أَلَ ْم َتعْ لَ ْم أَنَّ َّ‬
‫هللا ٌَسِ ٌر(‪ )77‬الحج‬
‫ض إِنَّ َذل َِك فًِ ِك َتاب إِنَّ َذل َِك َعلَى َّ ِ‬
‫هللاَ ٌَعْ لَم َما فًِ ال َّس َماء َواألَرْ ِ‬
‫ون إِ َّال أَنْ ٌَ َشا َء َّ‬
‫ٌِن(‪ )29‬التكوٌر‬
‫هللا َرب ْال َعالَم َ‬
‫َو َما َت َشاء َ‬

‫‪46‬‬

‫صلَّى َّ‬
‫هللا َعلَ ٌْ ِه َو َسلَّ َم ٌَ ْوما َف َقا َل‪ٌَ :‬ا ؼ َالم إِ ِّنً‬
‫هللا َ‬
‫ول َّ ِ‬
‫عن ابن َعبَّاس رضً هللا عنهما َقا َل‪ :‬ك ْنت َخ ْل َ‬
‫ؾ َرس ِ‬
‫ِ‬
‫ت َفاسْ َتعِنْ ِب َِّ‬
‫ت َفاسْ ؤ َ ْل َّ‬
‫هللاَ ٌَحْ َف ْظ َك‪ ,‬احْ َف ْظ ََّ‬
‫أ َعلِّم َك َكلِ َمات‪ :‬احْ َف ْظ َ‬
‫هللاَ َوإِ َذا اسْ َت َع ْن َ‬
‫هللا َت ِج ْده ت َجا َه َك‪ ,‬إِ َذا َسؤ َ ْل َ‬
‫اهلل‪,‬‬
‫وك إِ َّال ِب َشًْ ء َق ْد َك َت َبه َّ‬
‫َواعْ لَ ْم أَنَّ ْاأل َّم َة لَ ْو اجْ َت َم َع ْ‬
‫هللا لَ َك‪َ ,‬ولَ ْو اجْ َت َمعوا َعلَى أَنْ‬
‫ك ِب َشًْ ء لَ ْم ٌَ ْن َفع َ‬
‫ت َعلَى أَنْ ٌَ ْن َفعو َ‬
‫وك إِ َّال بِ َشًْ ء َق ْد َك َت َبه َّ‬
‫ت ْاألَ ْق َالم َو َج َّف ْ‬
‫ك‪ ,‬رف َِع ْ‬
‫ت الصحؾ‪ .‬رواه الترمذي و‬
‫هللا َعلَ ٌْ َ‬
‫ك ِب َشًْ ء لَ ْم ٌَضر َ‬
‫ٌَضرو َ‬
‫قال‪ :‬حدٌث صحٌح حسن‬

‫ونإمن بؤن ما شاء هللا كان وما لم ٌشؤ لم ٌكن وأنه ما فً السموات وما فً األرض من حركة وال سكون إال‬
‫بمشٌبة هللا سبحانه وال ٌكون فً ملكه إال ما ٌرٌد‪ ،‬وأنه سبحانه على كل شًء قدٌر فما من مخلوق فً‬
‫األرض وال فً السماء إال هللا خالقه و رازقه سبحانه ال خالق ؼٌره وال رب سواه‪ ,‬ونإمن بؤن رزق اإلنسان‬
‫و أجله وعمله وشقً هو أم سعٌد كل ذلك مسطر مكتوب‪.‬‬
‫ونإمن بؤن هللا خالق أفعال العباد‪ ،‬وللعباد القدرة على أعمالهم ولهم إرادة‪ ،‬وهللا خالقهم وخالق قدرتهم‬
‫وإرادتهم‪ ,‬و إ َّنا ال نملك ألنفسنا وال لؽٌرنا نفعا وال ضرا إال بما شاء هللا‪ ،‬وإ َّنا فقراء إلى هللا فً كل وقت و‬
‫حٌن‪.‬‬

‫‪ )5-‬والء المؤمنٌن و حبهم‬

‫‪-‬‬

‫كنا تحدثنا سابقا عن البراءة من المشركٌن و التً هً من جملة الكفر بالطاؼوت‪ ,‬هنا نتكلم عن نقٌضها الذي‬
‫هو الحب و الوالء للمإمنٌن‪.‬‬
‫فود المإمنٌن الذٌن ٌحبون هللا تعالى و حبهم و العطؾ علٌهم ووالٌتهم و مإازرتهم و اإلحسان إلٌهم فً كل‬
‫شًء هم الزم لمن ٌحب هللا تعالى و ٌعبده‪ ,‬مثلما أن البؽض و العداوة و البراءة الزمة من المشركٌن الذٌن‬
‫ٌعبدون الطاؼوت من دون هللا تعالى‪:‬‬
‫َ‬
‫م َحمَّد َرسول َّ‬
‫ار ر َح َماء َب ٌْ َنه ْم‪ )29(........‬الفتح‬
‫هللاِ َوالَّذ َ‬
‫ٌِن َم َعه أشِ َّداء َعلَى ْالك َّف ِ‬
‫ون(‪ )37‬الحجرات‬
‫هللا لَ َعلَّك ْم ترْ َحم َ‬
‫إِ َّن َما ْالم ْإمِن َ‬
‫ون إِ ْخ َوة َفؤَصْ لِحوا َبٌ َْن أَ َخ َوٌْك ْم َوا َّتقوا َّ َ‬
‫س َٰى أَنْ ٌَكونوا َخٌْرا ِم ْنه ْم َو َال ن َِساء مِنْ ن َِساء َع َس َٰى أَنْ ٌَكنَّ َخٌْرا‬
‫ٌِن آ َمنوا َال ٌَسْ َخرْ َق ْوم مِنْ َق ْوم َع َ‬
‫ٌاأٌها الَّذ َ‬
‫ِك هم‬
‫ِم ْنهنَّ َو َال َت ْلمِزوا أَ ْنف َسك ْم َو َال َت َنا َبزوا ِب ْاألَ ْل َقا ِ‬
‫ان َو َمنْ لَ ْم ٌَتبْ َفؤو َٰلَب َ‬
‫ب ِب ْب َ‬
‫س ِاالسْ م ْالفسوق َبعْ دَ ْاإلٌِ َم ِ‬
‫َّ‬
‫ون(‪ )33‬الحجرات‬
‫الظالِم َ‬

‫‪47‬‬

‫عن معاذ بن جبل رضً هللا عنه قال‪ :‬سمعت رسول هللا صلى هللا علٌه وسلم ٌقول‪َ :‬قا َل هللا َت َعالَى‪َ :‬و َج َب ْ‬
‫ت‬
‫ٌِن فًَِّ ‪ .‬رواه مالك فً الموطؤ بإسناد‬
‫ٌن فًَّ ‪َ ،‬و الم َت َبا ِذل َ‬
‫او ِر َ‬
‫َم َحبَّتً ل ِْلم َتحابٌِّن فًَِّ ‪َ ،‬و الم َت َجال َ‬
‫ِسٌن فًَّ ‪َ ،‬و الم َت َز ِ‬
‫صحٌح‬

‫هللا صلى هللا علٌه وسلم‪َ :‬والَّذِي َن ْفسِ ً بِ ٌَ ِد ِه ال َت ْدخلوا ْال َج َّن َة‬
‫عن أَ ِبً ه َرٌ َْر َة رضً هللا عنه َقا َل‪َ :‬قا َل َرسول َّ ِ‬
‫َح َّتى ت ْإمِنوا‪َ ،‬وال ت ْإمِنوا َح َّتى َت َحابوا‪ ،‬أَ َوال أَدلك ْم َعلَى َشًْ ء إِ َذا َف َع ْلتموه َت َحا َببْت ْم؟ أَ ْفشوا السَّال َم َب ٌْ َنكم‪ .‬رواه‬
‫البخاري و مسلم‬

‫ان‬
‫ِن َك ْالب ْن ٌَ ِ‬
‫عن أبً موسى األشعري رضً هللا عنه قال‪ :‬قال رسول هللا صلى هللا علٌه وسلم‪ْ :‬الم ْإمن ْللم ْإم ِ‬
‫ٌَشد بعْ ضه َبعْ ضا‪ .‬وشبك بٌن أصابعه‪ .‬رواه البخاري و مسلم‬

‫ٌِن فًِ َت َوا ِّد ِه ْم‬
‫عن النعمان ابن بشٌر رضً هللا عنه قال‪ :‬قال رسول هللا صلى هللا علٌه و سلم‪َ :‬م َثل ْالم ْإ ِمن َ‬
‫اعى لَه َسابِر ْال َج َس ِد ِبال َّس َه ِر َو ْالحمَّى‪ .‬رواه البخاري‬
‫َو َت َراحم ِِه ْم َو َت َعاطف ِِه ْم َم َثل ْال َج َسدِ؛ إِ َذا ا ْش َت َكى ِم ْنه عضْ و َتدَ َ‬
‫و مسلم‬

‫عن عبد هللا بن عمر رضً هللا عنهما أن رسول هللا صلى هللا علٌه وسلم قال‪ْ :‬المسْ لِم أَخو ْالمسْ ل ِِم‪َ ,‬ال ٌَ ْظلِمه‪,‬‬
‫اجتِ ِه‪َ ,‬و َمنْ َفرَّ َج َعنْ مسْ لِم كرْ َبة‪َ ,‬فرَّ َج َّ‬
‫ان َّ‬
‫هللا َع ْنه كرْ َبة مِنْ‬
‫هللا فًِ َح َ‬
‫اج ِة أَخٌِ ِه‪َ ,‬ك َ‬
‫ان فًِ َح َ‬
‫َو َال ٌسْ لِمه‪َ ,‬و َمنْ َك َ‬
‫ت ٌَ ْوم ْالقِ ٌَا َم ِة‪َ ,‬و َمنْ َس َت َر مسْ لِما‪َ ,‬س َت َره َّ‬
‫هللا ٌَ ْو َم ْالقِ ٌَا َمةِ‪ .‬رواه البخاري ومسلم‬
‫كر َبا ِ ِ‬
‫هللا صلى هللا علٌه وسلم َقا َل‪ :‬الَ ٌإمِن أَ َحدك ْم َح َّتى ٌحِبَّ‬
‫بن َمالِك َرضِ ًَ هللا َت َعالَى َع ْنه أن َرس ْو ِل ِ‬
‫س ِ‬
‫عنْ أَ َن ِ‬
‫ألَ ِخ ٌْ ِه َما ٌحِب لِ َن ْفسِ هِ‪ .‬رواه البخاري ومسلم‬

‫فنحب إخواننا المإمنٌن فً هللا و نوالٌهم و نبرهم و نرحمهم و نإاخٌهم و نسعى فً حوابجهم و نناصرهم و‬
‫نستر عوراتهم‪ ,‬و نشاطرهم أفراحهم و أتراحهم ونعودهم فً مرضهم‪ ,‬و ننصحهم و نشٌر علٌهم بما ٌنفهم و‬
‫ننبههم مما ٌضرهم و نقاسمهم نعم هللا علٌنا‪ ,‬و ندعوا لهم هللا فً حوابجهم و نحب لهم ما نحبه ألنفسنا و‬
‫نكره لهم ما نكره‪.‬‬

‫‪48‬‬

‫فالمسلم الذي ٌوحد هللا منزلته عظٌمة عند هللا عز وجل و عند إخوانه كذلك‪ ,‬و كرامته و عزته مكفولة له‬
‫بٌنهم‪ٌ ,‬كفلونها له ضد أعداءه و ٌبذلون عنه أموالهم و حتى أرواحهم متى لزم األمر‪ .‬فالحب فً هللا و‬
‫البؽض فً هللا هو عالمة االٌمان الكامل كما قال صلى هللا علٌه وسلم‪:‬‬
‫هللا‬
‫ض فًِ َّ ِ‬
‫هللا َوأَب َْؽ َ‬
‫عن أبً أمامة رضً هللا عنه أن رسول هللا صلى هللا علٌه وسلم قال‪َ :‬منْ أَ َحبَّ فًِ َّ ِ‬
‫ان‪ .‬رواه أحمد والترمذي‬
‫اإلٌ َم َ‬
‫هلل َو َم َن َع ِ َّ ِ‬
‫َوأَعْ َطى ِ َّ ِ‬
‫هلل َف َق ِد اسْ َت ْك َم َل ِ‬

‫و الحب فً هللا من أهم اسباب الفالح فً اآلخرة‪:‬‬
‫عن أبً هرٌرة رضً هللا عنه قال‪ :‬قال رسول هللا صلى هللا علٌه وسلم‪ :‬إِنَّ َّ‬
‫هللاَ ٌَقول ٌَ ْو َم ْال ِق ٌَا َم ِة أٌَ َْن‬
‫ون ِب َج َاللًِ ْال ٌَ ْو َم أظِ له ْم فًِ ظِ لًِّ ٌَ ْو َم َال ظِ َّل إِ َّال ظِ لًِّ‪ .‬رواه مسلم‬
‫ْالم َت َحاب َ‬
‫عن أبً هرٌرة رضً هللا عنه عن النبً صلى هللا علٌه وسلم قال‪َ :‬س ْب َعة ٌظِ له ْم َّ‬
‫هللا فًِ ظِ لِّ ِه ٌَ ْو َم ال ظِ َّل إِال‬
‫هللا اجْ َت َم َعا‬
‫اإل َمام ْال َعادِل ‪َ ،‬و َشابٌّ َن َشؤ فًِ عِ َبادَ ِة َر ِّبهِ‪َ ،‬و َرجل َق ْلبه م َعلَّق فًِ ْال َم َسا ِجدِ‪َ ،‬و َرج َال ِن َت َحابَّا فًِ َّ ِ‬
‫ظِ له ‪ِ :‬‬
‫صدَ َقة‬
‫ص َّد َق ِب َ‬
‫هللا‪َ ،‬و َرجل َت َ‬
‫َعلَ ٌْ ِه َو َت َفرَّ َقا َعلَ ٌْهِ‪َ ،‬و َرجل َطلَ َب ْته امْ َرأَة َذات َم ْنصِ ب َو َج َمال َف َقا َل إِ ِّنً أَ َخاؾ َّ َ‬
‫اض ْ‬
‫ت َع ٌْ َناه‪ .‬رواه البخاري ومسلم‬
‫هللا َخالٌِا َف َف َ‬
‫َفؤ َ ْخ َفا َها َح َّتى ال َتعْ لَ َم شِ َماله َما ت ْنفِق ٌَمٌِنه‪َ ،‬و َرجل َذ َك َر َّ َ‬

‫فإن ثبت عندنا إسالم الشخص فإن له علٌنا كل حقوق األخ على أخوته فً هللا‪ ،‬نحبه ونبره هلل عز وجل‪ ,‬كما‬
‫أن من دخل اإلسالم ال بد له من الدخول فً جماعة المسلمٌن‪ ،‬ألنه أول شرط للدخول فً والٌتهم و الداللة‬
‫على حبهم و حب دٌنهم‪ ،‬مثلما أن اعتزال جماعة المشركٌن هو أول شرط فً البراءة منهم و الداللة على‬
‫بؽضهم و بؽض شركهم‪.‬‬
‫وإن ثبت عندنا إسالم الشخص فإننا ال نكفره إال إذا ثبت عندنا ٌقٌنا أنه ارتكب ما ٌستوجب تكفٌره فً شرع‬
‫هللا‪ ,‬كالشرك و الكفر‪ .‬وال نكفره بذنب سوآءا كان من الصؽابر أو الكبابر إال إذا استحله‪ ,‬و ٌبقى عندنا مسلما‬
‫و له علٌنا حق أخوة اإلسالم مع إنكارنا لعمله و نهٌنا له عنه و نصحنا له بتقوى هللا و التوبة منه‪ ,‬فٌكون‬
‫مإمنا ناقصا أو مإمنا بإٌمانه و فاسقا بكبٌرته‪ ,‬ألن هللا عز و جل ٌؽفر كل الذنوب دون الشرك لمن ٌشاء‪:‬‬
‫هللا َال ٌ ْؽفِر أَنْ ٌ ْشرك ب ِه وٌ ْؽفِر ما د َٰ‬
‫ض َالال َبعٌِدا(‪)48‬النساء‬
‫ض َّل َ‬
‫اهلل َف َق ْد َ‬
‫ون َذل َِك لِ َمنْ ٌَ َشاء َو َمنْ ٌ ْش ِركْ ِب َّ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ َ ِ َ َ‬
‫إِنَّ َّ َ َ‬
‫ونإمن بؤن المسلم إذا كفر مسلما متؤوال مبتؽٌا للحق‪ ,‬فهو مجتهد معذور بل و مؤجور ألنه ٌصون أصل‬
‫دٌنه‪ ,‬أما إن كفره دون بٌنة فإنه معتد ظالم لكنه ال ٌكفر بذلك‪ ,‬إال أنه بعمله هذا ٌكون قد ضاهى مذهب‬
‫الخوارج و سلك مسلكهم‪ ,‬نعوذ باهلل من ذلك‪.‬‬

‫‪49‬‬




Télécharger le fichier (PDF)

الإسلام الحق -.pdf (PDF, 1.1 Mo)

Télécharger
Formats alternatifs: ZIP







Documents similaires


fichier pdf sans nom
fichier pdf sans nom 1
tape
fichier pdf sans nom
fichier pdf sans nom 1
couverture du l ouvrage sur la greve

Sur le même sujet..