Fichier PDF

Partagez, hébergez et archivez facilement vos documents au format PDF

Partager un fichier Mes fichiers Boite à outils PDF Recherche Aide Contact



aljazae lmadani fi zawaj .pdf



Nom original: aljazae lmadani fi zawaj.pdf

Ce document au format PDF 1.4 a été généré par / iTextSharp 4.1.2 (based on iText 2.1.2u), et a été envoyé sur fichier-pdf.fr le 16/05/2016 à 15:49, depuis l'adresse IP 41.142.x.x. La présente page de téléchargement du fichier a été vue 1015 fois.
Taille du document: 2.1 Mo (183 pages).
Confidentialité: fichier public




Télécharger le fichier (PDF)









Aperçu du document


‫جامعة أبو بكر بلقايد‪ -‬تلمسان‪-‬‬
‫كلية الحقوق والعلوم السياسية‬
‫قسم القانون الخاص‬

‫الجزاء المدني في بعض مسائل الزواج‬
‫مذكرة لنيل شهادة الماجستير في القانون الخاص المعمق‬
‫من إعداد الطالب‪:‬‬

‫تحت إشراف‪:‬‬

‫طواىري ؿبمد‬

‫أ ‪.‬د‪ /‬تشوار جيبلٕب‬

‫أعضاء لجنة المناقشة‬
‫أد‪ /‬تشوار حميدو زكية‬

‫أستاذة التعليم العالي‬

‫جامعة تلمسان‬

‫رئيسا‬

‫أد‪ /‬تشوار جياللي‬

‫أستاذ التعليم العالي‬

‫جامعة تلمسان‬

‫مقررا ومشرفا‬

‫د‪ /‬نعوم مراد‬

‫أستاذ محاضر قسم "أ"‬

‫جامعة تلمسان‬

‫مناقشا‬

‫د‪ /‬بن صغير مراد‬

‫أستاذ محاضر قسم "أ"‬

‫جامعة تلمسان‬

‫مناقشا‬

‫السنة الجامعية ‪2015 -2014‬‬

‫﴿ ومن آياتو أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل‬
‫بينكم مودة ورحمة إن في ذلك آليات لقوم يتفكرون﴾‬
‫سورة الروم‪ ،‬اآلية ‪. 20‬‬
‫﴿واهلل جعل لكم من أنفسكم أزواجا وجعل لكم من أزواجكم بنين‬
‫وحفدة ورزقكم من الطيبات أفبالباطل يومنون وبنعمت اهلل ىم‬
‫يكفرون﴾‬
‫سورة النحل‪ ،‬اآلية ‪.72‬‬

‫‪2‬‬

‫شكر وتقدير‬
‫قال النبي‬

‫‪" :‬ال يشكر اهلل من ال يشكر الناس"‪.‬‬
‫رواه أبو داود وصححو البخاري‬

‫أتقدم بخالص الشكر إلى أسرة البحث العلمي بالكلية‬
‫أساتذة وطلبة وإدارة‬
‫وأخص بالذكر أساتذتي األفاضل‪ :‬األستاذ الدكتور تشوار‬
‫جياللي مشرفا وأعضاء لجنة المناقشة‬
‫كما ال يفوتني أن أتقدم بالشكر إلى كل من ساعدني‬
‫بالتوجيو و أخص بالذكر الدكتور عليان بوزيان‬

‫‪3‬‬

‫قائمة أىم المختصرات‬
‫إ ق‪ :‬اجتهاد قضائي‬
‫ج‪ :‬اعبزء‬
‫د د ن‪ :‬دون دار النشر‬
‫د س ن‪ :‬دون سنة النشر‬
‫ص‪ :‬الصفحة‬
‫ط‪ :‬الطبعة‬
‫غ أ ش‪ :‬غرفة األحوال الشخصية‬
‫غ م‪ :‬الغرفة اؼبدنية‬
‫م ج‪ :‬اجمللة اعبزائرية للعلوم القانونية واالقتصادية والسياسية‬
‫م ق‪ :‬اجمللة القضائية‬
‫م م ع‪ :‬ؾبلة ا﵀كمة العليا‬
‫ن ق‪ :‬نشرة القضاة‬

‫‪Principales Abréviations‬‬
‫‪Edit: Editions‬‬
‫‪O.P.U : Office des publications universitaires‬‬
‫‪P: Page‬‬
‫‪R.A.S.J.E.P : Revue algérienne des Sciences juridiques‬‬
‫‪économiques et politiques‬‬
‫‪4‬‬

‫مقدمة‬

‫‪5‬‬

‫خلق ا﵁ اإلنسان ُب ىذه اغبياة لعمارة الكون‪ ،‬وسخر لو الشمس والقمر والنجوم والشجر والدواب‬
‫ليبقى النوع اإلنسا٘ب حىت تنقضي اؼبدة اليت قدرىا ا﵁ لبقائو‪ ،‬وؼبا كانت عمارة الكون متوفقة على وجود النوع‬
‫اإلنسا٘ب‪ ،‬كان الزواج ىو الطريق للتناسل والتوالد لتحقيق ىذا اؼبقصد األظبى‪.‬‬
‫كما أن اإلنسان ال يستقيم حالو وال هتدأ لو بالو وال تطمئن نفسو إال إذا استقرت شؤون بيتو وانتظمت‬
‫أحوالو الداخلية‪ ،‬وال يكون ىذا االستقرار إال بشريكة تكون معوانا لو ترعى أمره وهتتم دبطالبو وربفظو ُب نفسها‬
‫ومالو‪ ،‬فكان الزواج ىو الطريق إٔب ذلك‪.1‬‬
‫فضبل عن ذلك الزواج رابطة مقدسة تعلوا هبا إنسانية الشخص‪ ،‬فهو عبلقة روحية نفسية تليق برقي‬
‫اإلنسان وتسمو بو عن غريزة اغبيوانية اليت تكون العبلقة بُت الذكر واألنثى ىي الشهوة فقط‪ ،2‬ولعلى ىذه الناحية‬
‫الروحية النفسية ىي اؼبودة والرضبة اليت جعلها ا﵁ بُت الزوجُت ُب قولو تعأب‪﴿:‬ومن آياتو أن خلق لكم من‬
‫أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورضبة إن ُب ذلك آليات لقوم يتفكرون﴾‪ ،3‬وىي التمازج‬
‫النفسي اليت عرب ا﵁ سبحانو وتعأب عنو بقولو‪﴿:‬ىن لباس لكم وأنتم لباس ؽبن﴾‪.4‬‬
‫والزواج كذلك عماد األسرة اليت ىي الوحدة األؤب لبناء اجملتمع‪ ،‬ففيها يعرف اإلنسان مالو من حقوق‬
‫وما عليو من واجبات وفيها تتكون مشاعر األلفة وا﵀بة واألخوة اإلنسانية اليت تساىم ُب تقدم اجملتمع وارتقائو‪.‬‬
‫كل ىذه اؼبزايا اعبزيلة واؼبعا٘ب العالية للزواج جعلت منو عبلقة إنسانية باألساس‪ ،‬ونظرا للوظيفة الكربى‬
‫اليت يؤديها داخل اجملتمع‪ ،‬أعترب من أىم العقود اؼبدنية اليت يربمها اإلنسان ُب حياتو‪ ،‬فهو أظبى وأجل من أن‬
‫يكون ؾبرد سبليك لعُت أو ؼبنفعة كعقد البيع أو عقد الكراء أو عقد الشركة‪ ،‬بل ىو ميثاق غليظ بُت الزوجُت‬
‫يرتبطان بو ارتباطا وثيقا مدى اغبياة‪ ،5‬ومن ىنا أصبح ؿبط عناية واىتمام الشرائع واألديان والقوانُت قدديا‬
‫وحديثا‪.6‬‬

‫‪ - 1‬أنظر‪ ،‬بدران أبو العينُت بدران‪ ،‬أحكام الزواج والطبلق ُب اإلسبلم‪ ،‬ط‪ ،2‬دار التأليف‪ ،‬مصر‪ ،1961 ،‬ص‪.24‬‬
‫‪ - 2‬أنظر‪ ،‬ؿبمد أبو زىرة‪ ،‬األحوال الشخصية‪ ،‬ط‪ ،3‬دار الفكر العريب‪ ،‬مصر‪ ،1957 ،‬ص‪.18‬‬
‫‪ - 3‬سورة الروم‪ ،‬اآلية‪.20‬‬
‫‪ - 4‬سورة البقرة‪ ،‬اآلية‪.186‬‬
‫‪ - 5‬ؿبمد الكشبور‪ ،‬الوسيط ُب شرح مدونة األسرة‪ ،‬ج‪ ،1‬ط‪ ،2‬مطبعة النجاح اعبديدة‪ ،‬الدار البيضاء‪ ،2009 ،‬ص‪.150 -149‬‬
‫‪ - 6‬أنظر‪ ،‬زبَت مصطفى حسُت‪ ،‬الطبيعة القانونية لعقد الزواج‪ ،‬دار الكتب القانونية‪ ،‬مصر‪ ،2012 ،‬ص‪.9‬‬
‫‪6‬‬

‫وىذه العناية وإن ذبلت ُب وضع الشروط والضوابط اليت تكفل ربقيقو على الوجو األمثل‪ ،‬إال لكي ينتج‬
‫ىذا العقد آثاره على النحو اؼبطلوب‪ ،‬بأن تنسجم مع األسس واؼببادئ اليت شرع من أجلها ىذا الزواج ويكفل‬
‫ربقيق التوازن بُت الزوجُت واستقرارمها‪.‬‬
‫ولذلك يتطلب الشرع والقانون لتكوين عقد الزواج مثل ما يتطلب لتكوين العقود األخرى‪ ،‬ضرورة توافر‬
‫أركانو حيث ال يكون صحيحا بدوهنا وىي‪ :‬الصيغة والعاقدان وا﵀ل أو اؼبعقود عليو‪.‬‬
‫فركن الصيغة جيب أن يتضمن صدور إجياب من أحد اؼبتعاقدين وقبول من الطرف اآلخر‪ ،‬بشرط أن ال‬
‫يطول الفصل بُت اإلجياب والقبول فبا يشعر بإعراض عن الزواج‪ ،‬كما أن ال يكون القبول ـبالفا لئلجياب‪ ،‬وأن ال‬
‫يرجع اؼبوجب عن إجيابو قبل القبول‪.‬‬
‫إضافة إٔب ما سبق جيب أن تكون الصيغة مؤبدة‪ ،‬أي أال تدل على التأقيت صراحة‪ ،‬ألن مقتضى عقد‬
‫الزواج حل العشرة ودوامها وإقامة األسرة وتربية األوالد والقيام على شؤوهنم‪ ،‬وذلك ال يكون على الوجو الكامل‬
‫إال إذا كانت عقدة الزواج باقية إٔب أن يفرق اؼبوت‪.‬‬
‫كما جيب أن تكون الصيغة منجزة‪ ،‬أي غَت مضافة إٔب زمن اؼبستقبل وال معلقة على شرط أو حادثة غَت‬
‫ؿبققة‪ ،‬وذلك يرجع إٔب كون عقد الزواج من عقود التمليك وىي ال تقبل التعليق وال اإلضافة إٔب زمن اؼبستقبل‪،‬‬
‫إضافة إٔب أن الشرع والقانون وضع عقد الزواج ليفيد حكمو ُب اغبال وإضافتو إٔب زمن اؼبستقبل يًتاخى حكمو‬
‫إٔب وجود ذلك الزمن وىذا يناقض حقيقتو الشرعية والقانونية‪.‬‬
‫وذبدر اإلشارة إٔب أن صورة اإلجياب والقبول جيب أن تكون بصيغة اؼباضي‪ ،‬ألن الغرض من الصيغة‬
‫التعبَت عن حصول الرضا من الطرفُت وتوافق إرادهتما‪ ،‬والذي يدل على حصول ىذا فعبل وقت التعاقد ىو ما كان‬
‫على صيغة اؼباضي‪.‬‬
‫أما العاقدان فأىم ما يشًتط فيهما ىو العقل والتمييز‪ ،‬فيجب أن يكون كبلمها عاقبل فبيزا على األقل‪،‬‬
‫بأن تتوافر لديهما اإلرادة اليت يعًتف هبا الشرع والقانون إلنشاء العقد بشرط أن تكون ىذه اإلرادة خالية من‬
‫العيوب‪.‬‬
‫كما جيب أن يعلم كل من العاقدين ما صدر من اآلخر‪ ،‬بأن يسمع كبلمو أو يرى إشارتو ويعرف اؼبراد‬
‫منها‪ ،‬بأن يعرف أن ىذه العبارة أو تلك اإلشارة يقصد هبا إنشاء العقد وإن ٓب يعرف معا٘ب الكلمات اللغوية‪.‬‬
‫‪7‬‬

‫وأخَتا ركن اؼبعقود عليو وىو شرعية العبلقة اليت تربط بُت الزوجُت‪ ،‬حيث يكون كبل من الزوجُت حبل‬
‫لؤلخر‪ ،‬أي أن ال تكون بينهما عبلقة ربر‪ٙ‬ب قطعية ال شبهة فيها وال خبلف بشأهنا بُت فقهاء الشريعة اإلسبلمية‪،‬‬
‫سواء تعلق األمر بالتحر‪ٙ‬ب اؼبؤبد أو اؼبؤقت‪.‬‬
‫إضافة إٔب ىذه األركان ونظرا ألمهية شأن الزواج‪ ،‬لكونو ديس حياة األفراد واعبماعات‪ ،‬فإن الشرع‬
‫والقانون يتطلب كذلك ضرورة توافر شروط خاصة هبذا العقد منها أن اؼبرأة ال تستطيع عقد زواجها بنفسها بل‬
‫الذي يتواله بدال عنها ىو وليها‪ ،‬كما جيب أن حيضر عملية إبرام عقد الزواج شاىدين إلخراج ىذه العبلقة من‬
‫السرية إٔب العلنية ألن فرق ما بُت اغببلل واغبرام اإلعبلن‪ ،‬كما جيب أن يقدم الزوج لزوجتو مقدارا من اؼبال ليكون‬
‫عربون ؿببة ؽبا ودليل صدق على رغبتو ُب االرتباط هبا وإنشاء عبلقة زوجية دائمة‪.‬‬
‫كما يتصف عقد الزواج بكونو ذو صبغة دينية‪ ،‬لذلك جيب توافر صفة اإلسبلم ُب الزوجُت معا‪ ،‬أو على‬
‫األقل أن تكون ُب الزوج باعتباره رب األسرة‪ ،‬أما ُب الزوجة فيكفي أن ال تكون مشركة أو ملحدة‪.‬‬
‫فإذا توافرت ىذه األركان األساسية والشروط كان الزواج صحيحا وترتبت آثاره على حسب قوة إنشائو‪،‬‬
‫شأنو ُب ذلك شأن سائر العقود اؼبدنية‪ ،‬لكن إذا ما زبلف أحد ىذه األركان والشروط كان ؿبل خبلف بُت‬
‫الفقهاء‪.‬‬
‫فقد ذىب صبهور الفقهاء‪1‬إٔب أن العقد غَت اؼبستوُب ألركانو األساسية وشروطو اؼبطلوبة‪ ،‬يكون باطبل وقد‬
‫يعرب عنو بالفاسد من باب ترادف األلفاظ على اؼبعٌت الواحد‪ ،‬فبل فرق بُت العقد الباطل والعقد الفاسد فكبلمها‬
‫ال يًتتب عليو أي أثر من آثار العقد الصحيح‪ .‬واغبال ينطبق على صبيع العقود اؼبالية وغَت اؼبالية‪.‬‬
‫وذىب فقهاء اغبنفية‪2‬إٔب التفرقة بُت العقد الباطل والعقد الفاسد ُب نطاق اؼبعامبلت اؼبالية وإن كان‬
‫ذلك يندرج عندىم ربت عدم الصحة‪ .‬حيث يرون أن اؼبخالفات اليت تؤدي إٔب عدم صحة العقد ليست على‬
‫‪ - 1‬أنظر‪ ،‬مشس الدين ؿبمد عرفة الدسوقي‪ ،‬حاشية الدسوقي على الشرح الكبَت‪ ،‬ج‪ ،3‬دار إحياء الكتب العربية‪ ،‬د س ن‪ ،‬ص‪54‬؛ أبو زكريا ؿبي‬
‫الدين بن شرف النووي‪ ،‬اجملموع‪ ،‬ج‪ ،9‬مكتبة اإلرشاد‪ ،‬السعودية‪ ،1980 ،‬ص‪169‬؛ جبلل الدين عبد الرضبن السيوطي‪ ،‬األشباه والنظائر‪ ،‬ج‪،2‬‬
‫ط‪ ،2‬مكتبة نزار مصطفى الباز‪ ،‬الرياض‪ ،1997 ،‬ص‪33‬؛ علي بن ؿبمد اآلمدي‪ ،‬اإلحكام ُب أصول األحكام‪ ،‬ج‪ ،1‬ط‪ ،1‬دار الصميعي‪ ،‬الرياض‪،‬‬
‫‪ ،2003‬ص‪175‬؛ أضبد بن قدامة‪ ،‬روضة الناضر وجنة اؼبناظر‪ ،‬د د ن‪ ،‬د س ن‪ ،‬ص‪.31‬‬
‫‪ - 2‬أنظر‪ ،‬ابن قبيم‪ ،‬البحر الرائق شرح كنز الدقائق‪ ،‬ج‪ ،6‬شركة عبلء الدين‪ ،‬بَتوت‪ ،‬د س ن‪75 ،‬؛ ابن عابدين‪ ،‬رد ا﵀تار على الدر اؼبختار شرح‬
‫تنوير األبصار‪ ،‬ج‪ ،7‬دار عآب الكتب‪ ،‬الرياض‪ ،2003 ،‬ص‪233‬؛ الكاسا٘ب‪ ،‬بدائع الصنائع ُب ترتيب الشرائع‪ ،‬ج‪ ،7‬ط‪ ،2‬دار الكتب العلمية‪،‬‬
‫بَتوت‪ ،2003 ،‬ص‪.366‬‬
‫‪8‬‬

‫درجة واحدة من اػبطورة‪ ،‬فبعضها يقع على ناحية أساسية وبعضها يقع على ناحية ثانوية‪ ،‬فنوعوا اعبزاء الذي‬
‫يًتتب على كل نوع من ىذه اؼبخالفات‪ ،‬واعتربوا أن اؼبخالفة اليت تقع على ناحية أساسية مبطلة للعقد واؼبخالفة‬
‫اليت تقع على ناحية ثانوية مفسدة للعقد‪.‬‬
‫وعلى الرغم من اتفاق فقهاء اغبنفية على التمييز بُت الباطل والفاسد ُب نطاق العقود اؼبالية اؼبنشئة‬
‫لبللتزامات اؼبتقابلة‪ ،‬إال أهنم اختلفوا على األخذ هبذا التمييز ُب نطاق عقد الزواج‪.‬‬
‫فَتى بعضهم‪1‬أن التفرقة ؿبصورة ُب العقود اؼبالية‪ ،‬أما ُب نطاق عقد الزواج فبل فرق بُت الزواج الباطل‬
‫والزواج الفاسد‪ ،‬فاغبكم عندىم واحد سواء كان اػبلل ُب ركن العقد أو شروط انعقاده أو صحتو‪ ،‬وبناء عليو ال‬
‫يًتتب على الزواج الباطل أو الفاسد شيء من آثار الزواج الصحيح مآب حيصل دخول‪ ،‬ولكن إذا حصل الدخول‬
‫فتًتتب على عقد الزواج بعض آثاره‪.‬‬
‫غَت أن الذي يؤكد عليو الكثَت من فقهاء اغبنفية‪2‬أن ىناك فرق بُت الزواج الباطل والزواج الفاسد‪ ،‬شأنو‬
‫ُب ذلك شأن سائر العقود اؼبالية‪.‬‬
‫وبناء على ذلك فالقول بعدم ترادف البطبلن والفساد ومن ٍب التمييز بينهما ُب اغبكم واألثر‪ ،‬يعٍت‬
‫استحداث مرتبة وسطى بُت العقد الصحيح اؼبشروع بأصلو ووصفو والعقد الباطل غَت اؼبشروع بأصلو ووصفة‪،‬‬
‫وىذه اؼبرتبة ىي العقد الفاسد اؼبشروع بأصلو دون وصفو‪ ،‬وىذا التمييز اختص بو الفقو اإلسبلمي والفقو اغبنفي‬
‫على وجو اػبصوص‪.‬‬
‫واستحداث ىذه اؼبرتبة ٓب يقف ضمن اطار الفقو بل أخذت هبا بعض قوانُت البلدان العربية ومن بينها‬
‫قانون األسرة اعبزائري حيث عنون الفصل األول من الباب األول من الكتاب األول بعبارة‪" :‬النكاح الفاسد‬
‫والباطل"‪.3‬‬
‫‪ - 1‬أنظر‪ ،‬برىان الدين علي بن أيب بكر اؼبرغينا٘ب‪ ،‬اؽبداية شرح بداية اؼببتدئ‪ ،‬ج‪ ،2‬ط‪ ،1‬اؼبطبعة الكربى األمَتية‪ ،‬مصر‪ ،1316 ،‬ص‪382‬؛ ؿبمد‬
‫األزمَتي‪ ،‬حاشية مرآة األصول‪ ،‬ج‪ ،1‬د د ن‪ ،‬د س ن‪ ،‬ص‪327‬؛ أبو اغبسن بن ؿبمد بن اغبسن البزدوي‪ ،‬أصول البزدوي‪ ،‬ج‪ ،1‬الشركة الصحافية‬
‫العثمانية‪ ،1310 ،‬ص‪.283 -282‬‬
‫‪ - 2‬أنظر‪ ،‬فتحي الدريٍت‪ ،‬حبوث مقارنة ُب الفقو اإلسبلمي وأصولو‪ ،‬ط‪ ،2‬مؤسسة الرسالة‪ ،‬بَتوت‪ ،2008 ،‬ص‪319‬؛ عبد الوىاب خبلف‪ ،‬أحكام‬
‫األحوال الشخصية ُب الشريعة اإلسبلمية‪ ،‬ط‪ ،2‬دار القلم‪ ،‬الكويت‪ ،1990 ،‬ص‪39‬؛ ؿبمد مصطفى شليب‪ ،‬أحكام األسرة ُب اإلسبلم‪ ،‬ط‪ ،4‬دار‬
‫اعبامعية‪ ،‬بَتوت‪ ،1983 ،‬ص‪ 337‬وما بعدىا‪.‬‬
‫‪ - 3‬أنظر‪ ،‬قانون رقم ‪11 -84‬اؼبؤرخ ُب‪ 09‬جوان‪ 1984‬اؼبتضمن قانون األسرة‪ ،‬اؼبعدل واؼبتمم باألمر ‪ 02 -05‬اؼبؤرخ ُب‪ 27‬فرباير‪.2005‬‬
‫‪9‬‬

‫فالبطبلن والفساد إذن من اعبزاءات اؼبدنية اؼبًتتبة على ما تًتكو اؼبخالفة من خلل ُب نظام التعاقد‪ ،‬وىذه‬
‫اعبزاءات تلحق عقد الزواج مثلما تلحق العقود اؼبدنية مع شيء من التفاوت سبليو طبيعة مسائل الزواج‪.‬‬
‫وتظهر أمهية اؼبوضوع ُب أن فقهاء الشريعة اإلسبلمية ٓب يعطوا ؽبذا اؼبوضوع حقو من االىتمام دبعاعبتو‬
‫بالشرح والتحليل ُب باب مستقل‪ ،‬بل جاءت معاعبتهم بصفة عرضية ومتفرقة ُب ثنايا معاعبة موضوع البيع أو‬
‫الزواج أو الطبلق‪.‬‬
‫فضبل عن ذلك أهنم ٓب يتفقوا على نظرية واضحة اؼبعآب للجزاءات اؼبًتتبة عن اإلخبلل بأركان وشروط‬
‫عقد الزواج‪ ،‬وعدم االتفاق كان حىت بُت فقهاء اؼبذىب الواحد‪ ،‬ففريق يرى أن بطبلن عقد الزواج وفساد عقد‬
‫الزواج مًتادفات‪ ،‬والفريق الثا٘ب يعتربمها متباينان‪ ،‬وذلك يرجع إٔب كون عقد الزواج ذو طبيعة مزدوجة فهو وسط‬
‫بُت العبادات واؼبعام بلت أو خليط بينهما‪ ،‬فمن ٓب يفرق بينهما غلب جانب العبادة‪ ،‬فأغبقو هبا اليت يتحد فيها‬
‫الباطل والفاسد‪ ،‬ومن فرق بينهما غلب اعبانب اآلخر فأغبقو باؼبعامبلت اليت خيتلف فيها الباطل والفاسد‪.‬‬
‫أما اؼبشرع اعبزائري ٓب يكن موقفو واضحا بشأن ىذا اؼبوضوع‪ ،‬رغم تناولو ىذا اؼبوضوع ربت عنوان‬
‫صريح يوحي بالتفرقة بينهما وىو "النكاح الفاسد والباطل"‪ ،‬إال أنو دمج بُت شروط االنعقاد وشروط الصحة ُب‬
‫اؼبادة ‪ 9‬مكرر من قانون األسرة‪.‬‬
‫إضافة إٔب ذلك فإننا ال قبد نظرية واضحة بالنسبة آلثار الزواج الباطل والزواج الفاسد‪ ،‬والظاىر أن اؼبشرع‬
‫اعتمد على مبادئ الشريعة اإلسبلمية وبالرجوع إليها ال قبد موقفا واضحا وؿبددا ومتفقا عليو من قبل الفقهاء‬
‫بشأن آثار الزواج الباطل والفاسد‪.‬‬
‫وبناء على ىذه األسباب وباعتبار أن اعبزاءات اليت تنطبق على العقود اؼبدنية تنطبق على عقد الزواج مع‬
‫شيء من التفاوت اليت سبليو خصوصية اؼبسائل اؼبتعلقة هبذا األخَت‪ ،‬فإنو ديكن طرح اإلشكاالت التالية‪:‬‬
‫ماىي أقسام العقود من حيث الصحة والعدم ُب الفقو اإلسبلمي؟‪ .‬وما تأثَتىا على أحكام اعبزاءات‬
‫اؼبدنية اػباصة ببعض مسائل الزواج؟‪ .‬وإذا كان ال ديكن لؤلفراد توقيع اعبزاء بأنفسهم‪ ،‬بل يكون كقاعدة أمام‬
‫القاضي وفقا إلجراءات نص عليها القانون‪ .‬فماىي إجراءات فبارسة دعوى اعبزاء اؼبد٘ب؟‪ .‬وىل ديكن للقاضي‬
‫فضبل عن تقرير اعبزاء أن حيكم بالتعويض عن الزوج اؼبضرور ُب إطار األحكام العامة للمسؤولية اؼبدنية اليت سبنع‬
‫كقاعدة اإلضرار بالغَت بدون وجو حق؟‪.‬‬
‫‪10‬‬

‫ال خيلوا أي حبث من صعوبة‪ ،‬غَت أن الصعوبة اليت تستحق الذكر ىي ٓب شتات اآلراء الفقهية ُب ثنايا‬
‫الكتب اؼبطولة وعدم اتفاق على حقيقة العقد غَت الصحيح وأثاره حىت بُت فقهاء اؼبذىب الواحد‪ ،‬حيث أن كثرة‬
‫اآلراء وتشعبها أدت إٔب عدم إمكانية التوصل إٔب نظرية واضحة اؼبعآب للجزاء‪.‬‬
‫ولئلجابة عن اإلشكاليات اؼبثارة ًب االعتماد على منهجُت معا‪ ،‬ومها اؼبنهج التحليلي القائم على عرض‬
‫اآلراء الفقهية ومناقشتها وعرض النصوص القانونية وربليلها‪ ،‬ودبا أن قانون األسرة اعبزائري ٓب جيز التمسك دبذىب‬
‫معُت‪ ،‬فإننا ٓب نقتصر على عرض آراء مذىب معُت وإمنا حبثنا عن اآلراء الفقهية ُب صبيع اؼبذاىب اؼبعروفة وذلك‬
‫بغية اختيار الرأي األكثر مبلءمة للقانون‪ .‬واؼبنهج اؼبقارن للوقوف على كيفية عرض اؼبوضوع بالنسبة لفقهاء‬
‫الشريعة اإلسبلمية من جهة وقانون األسرة اعبزائري من جهة أخرى مع االستعانة بقوانُت بعض الدول كلما‬
‫اقتضت الضرورة لذلك‪.‬‬
‫وحىت تكون دراستنا وافية لكل جوانب اؼبوضوع ارتأينا تقسيم اؼبوضوع إٔب فصلُت‪:‬‬
‫ الفصل األول‪ :‬تصنيف العقود فقهيا وتأثَتىا على أحكام اعبزاءات اؼبدنية اػباصة ببعض مسائل الزواج‪.‬‬‫‪ -‬الفصل الثا٘ب‪ :‬إجراءات فبارسة دعوى اعبزاء اؼبد٘ب ومدى التعويض عنو ُب حالة الضرر‪.‬‬

‫‪11‬‬

‫الفصل األول‬
‫تصنيف العقود فقهيا وتأثيرىا على أحكام الجزاءات المدنية‬
‫الخاصة ببعض مسائل الزواج‬

‫‪12‬‬

‫التعاقد مع اآلخرين وليد اغباجة إٔب التعامل‪ ،‬والتعامل ضرورة اجتماعية قددية مبلزمة لنشوء اجملتمعات‪،‬‬
‫وزبطي مرحلة االنغبلق واالنعزال اليت كان يعيشها اإلنسان البدائي‪ ،‬فأصبح ال غٌت لكل إنسان لكونو مدنيا‬
‫بالطبع من العيش اؼبشًتك مع اعبماعة لتأمُت حاجياتو‪ ،‬وال يتم ذلك بدون التبادل والتعاون مع األخرين‪ .‬وال زبلوا‬
‫اغبياة ألي فرد من إبرام عقد من العقود‪.‬‬
‫وؽبذا وجهت الشريعة اإلسبلمية اؼبتعاملُت بالعقود أن يتعاملوا بالعقد الصحيح الذي تًتتب عليو آثاره‪،‬‬
‫وهنتهم عن التعامل بالعقد الفاسد أو الباطل‪ ،‬وذلك مصداقا لقولو تعأب‪﴿:‬يأيها الذين ءامنوا ال تأكلوا أموالكم‬
‫بينكم بالباطل إال أن تكون ذبارة عن تراض منكم﴾‪.1‬‬
‫وعليو أؤب الفقهاء العقود من حيث التقسيم والًتتيب والتبويب عناية خاصة‪ ،‬وذلك للتسهيل ُب فهمها‬
‫واستيعاب أحكامها‪ ،‬ومن أبرز ذلك العقد من حيث الصحة والعدم إٔب قسمُت كما ىو رأي اعبمهور أو ثبلثة‬
‫كما ىو رأي اغبنفية‪ ،‬وىو الصحيح والباطل والفاسد‪.‬‬
‫علما أن البطبلن والفساد كبلمها من اعبزاءات اؼبدنية ؼبا تًتكو اؼبخالفة من خلل ُب نظام التعاقد‪ ،‬فإذا‬
‫كانت اؼبخالفة ُب ناحية جوىرية كتخلف أركانو أو شرط من شروط انعقاده‪ ،‬كان العقد باطبل‪ .‬أما إذا كانت‬
‫اؼبخالفة ليست ُب ناحية جوىرية‪ ،‬بأن كان العقد مستوفيا عبميع أركانو وشروط انعقاده‪ ،‬ولكن تنقصو أحد شروط‬
‫صحتو‪ ،‬فيكون العقد ُب ىذه اغبالة فاسدا‪.‬‬
‫وؼبا كان عقد الزواج كغَته من العقود‪ ،‬يتطلب الشرع والقانون عند تكوينو توافر أركان وشروط معينة‪،‬‬
‫لكي ينشأ صحيحا وتًتتب عليو صبيع آثاره‪ .‬كان تأثَت تلك اعبزاءات اؼبدنية على أحكام الزواج ؿبل النظر‬
‫والتمحيص‪ ،‬لكونو أخطر العقود اليت يربمها اإلنسان ُب حياتو‪ ،‬نظراً ؼبا يًتتب عليو من آثار سبس اؼبتعاقدين‬
‫واألسرة معاً‪.‬‬
‫ومن خبلل ما سبق سنحاول دراسة ىذين اؼبوضوعُت‪ ،‬مبتدئُت بأقسام العقد من حيث الصحة والعدم‬
‫ُب الفقو اإلسبلمي‪ٍ ،‬ب تأثَت ذلك على أحكام اعبزاءات اؼبدنية اػباصة ببعض مسائل الزواج‪.‬‬

‫‪ - 1‬سورة النساء‪ ،‬اآلية ‪.29‬‬
‫‪13‬‬

‫المبحث األول‬
‫أقسام العقد من حيث الصحة والعدم‬
‫ؼبا كان اإلنسان مدنيا بطبعو‪ ،‬ال تستقيم حياتو إال بالتعاقد مع غَته وتبادل أسباب ومقومات اغبياة‪،‬‬
‫احتاج إٔب قواعد تنظم التعامل ُب اؼبعاش وابتغاء اؼبال‪ ،‬فكان من حكمة ا﵁ أن شرع ػبلقو ما ينظم ؽبم قواعد‬
‫التعامل دون ذباوز غبدود ا﵁ ودون ظلم للعباد‪ .‬فجاء تشريع اؼبعامبلت الشرعية منوذجا فريدا لكي يسهل للناس‬
‫تبادل اؼبنافع بعيدا عن األسباب اليت تؤدي إٔب بطبلن أو فساد العقود‪.1‬‬
‫وقد وجهت الشريعة اإلسبلمية اؼبتعاملُت بالعقود أن يتعاملوا بالعقد الصحيح الذي تًتتب عليو آثاره‪،‬‬
‫وهنتهم عن التعامل بالعقد الفاسد أو الباطل‪ ،‬وذلك مصداقا لقولو تعأب‪﴿:‬يأيها الذين ءامنوا ال تأكلوا أموالكم‬
‫بينكم بالباطل إال أن تكون ذبارة عن تراض منكم﴾‪.2‬‬
‫وعليو فالصحة والبطبلن والفساد أوصاف يضيفها اؼبشرع للعقود‪ ،‬تبعا لكوهنا قد ربققت حقائقها‬
‫الشرعية من أركان وشرائط االنعقاد وشرائط الصحة فيحكم عليها بالصحة‪ ،‬أو زبلف شيئا من مكوناهتا أو‬
‫شرائطها فيحكم عليها بالبطبلن أو الفساد على اػببلف ُب ذلك بُت الفقهاء‪.‬‬
‫فاغبكم بالصحة وعدمها إذن‪ :‬ىو حكم يتعلق بالعقود نفسها‪ ،‬وليس حكما على من يباشرىا من‬
‫اؼبكلفُت‪ .‬والعقد ُب الفقو اإلسبلمي على ىذا األساس يتدرج من البطبلن إٔب الفساد‪ٍ ،‬ب من الفساد إٔب الوقف‪،‬‬
‫ٍب من الوقف إٔب النفاذ‪ٍ ،‬ب من النفاذ إٔب اللزوم‪.3‬وكل من العقد الباطل والعقد الفاسد عقد غَت صحيح‪ ،‬وكل من‬
‫العقد اؼبوقوف والعقد النافذ والعقد البلزم عقد صحيح‪.4‬‬

‫‪ - 1‬أنظر‪ ،‬عبد اؼبنعم عبده الربعى‪ ،‬فساد اؼبعامبلت اعبارية‪ ،‬ط‪ ،1‬دار الفكر اعبامعي‪ ،‬اإلسكندرية‪ ،2008 ،‬ص‪.7 -6‬‬

‫‪ - 2‬سورة النساء‪ ،‬اآلية ‪.29‬‬
‫‪ -3‬أنظر‪ ،‬عبد الرزاق أضبد السنهوري‪ ،‬مصادر اغبق ُب الفقو اإلسبلمي‪ ،‬ج‪ ،4‬ط‪ ،2‬منشورات حليب اغبقوقية‪ ،‬بَتوت‪ ،1998،‬ص‪124‬؛ عبد اغبفيظ‬
‫ؿبمد عيدو رواس قلعة جي‪ ،‬بطبلن العقد ُب الفقو اإلسبلمي‪ ،‬ؾبلة اغبقوق‪ ،‬الكويت‪ ،2004،‬عدد‪ ،2‬ص‪.189‬‬
‫‪ -4‬ابن قبيم‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،6‬ص‪.76-75‬‬
‫‪- Cf. Mohamed EL-ALFY, Les contrats valides et les contrats nuls en droit musulman, journal‬‬
‫‪of law,1980, n.2, p3.‬‬
‫‪14‬‬

‫فالعقود‪1‬تنقسم مبدئيا إٔب عقد صحيح وعقد غَت صحيح‪ :‬أما العقد الصحيح فهو إما موقوف غَت‬
‫نافذ‪ ،‬أو نافذ غَت الزم‪ ،‬أو نافذ الزم(اؼبطلب األول)‪ ،‬والعقد غَت الصحيح إما باطل أو فاسد‪ ،‬على اػببلف ُب‬
‫ذلك بُت الفقهاء(اؼبطلب الثا٘ب)‪.‬‬

‫المطلب األول‬
‫العقد الصحيح‬
‫الصحيح لغة‪ :‬عكس السقيم‪ ،‬فصحيح األد‪ٙ‬ب ىو الرباءة من كل عيب‪ ،‬وصححت الكتاب واغبساب إذ‬
‫كان سقيما فأصلحت خطأه‪ ،2‬والصحيح ضد الباطل‪.3‬‬
‫والصحة ُب االصطبلح ىي‪ :‬استتباع الغاية‪ ،‬والغاية ُب اؼبعامبلت ىي عبارة عن ترتب آثارىا عليها‪.4‬‬
‫وهبذا تكون الصحة ُب اؼبعامبلت ىي ترتب آثار العقد الشرعية عليو‪.5‬‬
‫فإذا كان الذي باشره اؼبكلف سببا شرعيا كالبيع والنكاح وسائر العقود والتصرفات‪ ،‬واستوَب أركانو‬
‫وشروطو الشرعية ترتب على كل سبب أثره الشرعي الذي رتبو الشارع عليو كحل االنتفاع ُب البيع واالستمتاع ُب‬
‫النكاح‪ .‬وبعبارة أخرى‪ ،‬فالصحة ُب عقود اؼبعامبلت ىي" ترتب شبرتو اؼبطلوبة منو عليو"‪ .6‬فإذا قام شخص‬
‫بتصرف معُت مستكمبل أركانو وشروطو ترتب األثر الذي وضعو الشارع عليو‪.‬‬
‫‪ -1‬تنقسم العقود إٔب أقسام متعددة تبعا العتبارات ـبتلفة‪ :‬فتنقسم أوالً باعتبار الشارع ؽبا وترتيب أثارىا إٔب صحيحة وغَت صحيحة‪ ،‬وتنقسم ثانيا‬
‫حبسب اكتفاء بإرادة اؼبتعاقدين أو اشًتاط شيء آخر معها إٔب عقود عينية وعقود غَت عينية‪ ،‬وتنقسم ثالثاً حبسب الغرض اؼبقصود منها إٔب سبليكات‬
‫وإسقاطات وإطبلقات وتقييدات وشركات وتوثيقات وإستحفاضات‪ ،‬وتنقسم رابعاً من حيث اتصال أحكامها هبا أو تأخرىا عنها إٔب منجزة ومضافة‬
‫ومعلقة‪ ،‬وتنقسم خامساً من حيث تسميتها وتكفل الشارع هبا إٔب عقود مسماة وغَت مسمات‪ .‬أنظر‪ ،‬بدران أبو العينُت بدران‪ ،‬تاريخ الفقو اإلسبلمي‪،‬‬
‫دار النهضة العربية‪ ،‬بَتوت‪ ،‬د س ن‪،‬ص‪480‬؛ عصمت عبد اجمليد بكر‪ ،‬نظرية العقد ُب الفقو اإلسبلمي‪ ،‬ط‪ ،1‬دار الكتب العلمية‪ ،‬بَتوت‪،2009،‬‬
‫ص‪ 72‬وما بعدىا؛ ؿبمد سبلم مدكور‪ ،‬اؼبدخل للفقو اإلسبلمي‪ ،‬دار الكتاب اغبديث‪ ،‬القاىرة‪ ،2005،‬ص‪ 115‬وما بعدىا؛ أضبد فراج حسُت‪،‬‬
‫اؼبلكية ونظرية العقد ُب الشريعة اإلسبلمية‪ ،‬دار اؼبطبوعات اعبامعية‪ ،‬اإلسكندرية‪ ،1999،‬ص‪ 272‬وما بعدىا‪.‬‬
‫‪ -2‬أنظر‪ ،‬ابن منظور‪ ،‬لسان العرب‪ ،‬ج‪ ،2‬دار صادر‪ ،‬بَتوت‪ ،‬د س ن‪ ،‬ص‪.508 -507‬‬
‫‪ -3‬أنظر‪ ،‬أضبد بن علي الفيّومي اؼبقرى‪ ،‬اؼبصباح اؼبنَت‪ ،‬مكتبة لبنان‪ ،‬لبنان‪ ،1987،‬ص‪.127‬‬
‫‪ - 4‬أنظر‪ ،‬صبال الدين عبد الرحيم بن اغبسن‪ ،‬هناية السول ُب شرح منهاج األصول‪ ،‬ج‪ ،1‬عآب الكتب‪ ،‬القاىرة‪ ،1343 ،‬ص‪.97‬‬
‫‪ - 5‬أنظر‪ ،‬ؿبمد أبو زىرة‪ ،‬اؼبلكية ونظرية العقد ُب الشريعة اإلسبلمية‪ ،‬دار الفكر العريب‪ ،‬القاىرة‪ ،1976،‬ص‪409‬؛ ؿبمد أبو زىرة‪ ،‬أصول الفقو‪ ،‬دار‬
‫الفكر العريب‪ ،‬القاىرة‪ ،1958 ،‬ص‪ 65‬؛ ؿبمد سعيد جعفور‪ ،‬نظرات ُب صحة العقد وبطبلنو ُب القانون اؼبد٘ب والفقو اإلسبلمي‪ ،‬دار ىومو‪،‬‬
‫اعبزائر‪ ،2003،‬ص‪ .80‬عصمت عبد اجمليد بكر‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ص‪.293‬‬
‫‪ - 6‬علي بن ؿبمد اآلمدي‪ ،‬اؼبرجع السابق‪،‬ج‪ ،1‬ص‪.174‬‬
‫‪15‬‬

‫وبذلك يعرف الفقهاء العقد الصحيح بأنو ما كان مستوفيا أركانو وشروطو على وجو تًتتب أثاره الشرعية‬
‫عليو‪ .1‬أو ىو كما يعرفو فقهاء اغبنفية بأنو‪" :‬ما كان مشروعا بأصلو ووصفو"‪ .2‬ويعنون بذلك أنو سليم من اػبلل‬
‫ُب أركانو وأوصافو‪ ،‬ويتحقق فيو ذلك بأن يكون بصيغة سليمة واضحة الداللة على إرادة إنشائو‪ ،‬وصادر من أىل‬
‫لو ُب ؿبل قابل غبكمو‪ ،‬وٓب يعرض لو من األوصاف ما جيعلو منهيا عنو شرعا‪.3‬‬
‫وعلى ىذا نصت اؼبادة ‪ 217‬من كتاب مرشد اغبَتان على أن‪ " :‬العقد الصحيح الذي يظهر أثره‬
‫بانعقاده ىو العقد اؼبشروع ذاتا وصفا‪ .‬واؼبراد دبشروعيتو ذاتو ووصفو أن يكون ركنو صادر من أىلو مضافا إٔب ؿبل‬
‫قابل غبكمو وأن تكون أوصافو صحيحة ساؼبة من اػبلل وأن ال يكون مقرونا بشرط من الشروط اؼبفسدة‬
‫للعقد"‪.4‬‬
‫فإن كان العقد بيعا مثبل لزم لصدوره صحيحا أن يباشره شخصان فبيزان بإجياب وقبول متوافقُت دالُت‬
‫على إنشائو ُب ؿبل قابل غبكمو وىو اؼبال اؼبتقوم وٓب يقًتن بو توقيت وال جهالة ُب اؼببيع وال عدم تقوم ُب الثمن‪،‬‬
‫وٓب تبلبسو جهالة فاحشة وٓب يصاحبو ما يوجب غررا أو يفضي إٔب نزاع أو يؤدي إٔب فقد شرط من شروط‬
‫صحتو‪ ،‬وال غَت ذلك فبا جعلو الشارع سببا للنهي عنو‪.5‬‬
‫وحكم العقد الصحيح أنو ينتج صبيع آثاره اؼبًتتبة عليو ُب اغبال‪ ،6‬مآب يعرض لو ما يوقفو أو حيول دون‬
‫لزومو‪ .‬وىذا يعٍت أن العقد الصحيح قد يكون موقوفا وقد يكون نافذا‪ ،‬وىذا األخَت قد يكون الزما وقد يكون‬

‫‪ - 1‬أنظر‪ ،‬اعبرجا٘ب‪ ،‬معجم التعريفات‪ ،‬دار الفضيلة‪ ،‬مصر‪ ،2004 ،‬ص‪113‬؛ علي اػبفيف‪ ،‬أحكام اؼبعامبلت الشرعية‪ ،‬دار الفكر العريب‪ ،‬بَتوت‪،‬‬
‫‪ ،2008‬ص‪331‬؛ عبد الرضبن الصابو٘ب‪ ،‬اؼبدخل لدراسة التشريع اإلسبلمي‪ ،‬ج‪ ،2‬ط‪ ،4‬اؼبطبعة اعبديدة‪ ،‬دمشق‪ ،1979 -1978 ،‬ص‪189‬؛‬
‫عبد اؼبنعم عبده الربعى‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ص‪.48‬‬
‫‪ - 2‬أنظر‪ ،‬فخر الدين عثمان بن علي الزيلعي‪ ،‬تبيُت اغبقائق شرح كنز الدقائق‪ ،‬ج‪ ،1‬ط‪ ،1‬اؼبطبعة الكربى األمَتية‪ ،‬مطر‪ ،1314 ،‬ص‪44‬؛ مشس‬
‫الدين السرخسي‪ ،‬اؼببسوط‪ ،‬ج‪ ،12‬دار اؼبعرفة‪ ،‬بَتوت‪ ،1989 ،‬ص‪190‬؛ أضبد فراج حسُت‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ص‪273‬؛ صبحي ؿبمصا٘ب‪ ،‬النظرية‬
‫العامة للموجبات والعقود‪ ،‬ط‪ ،3‬دار العلم للمبليُت‪ ،‬بَتوت‪ ،1983 ،‬ص‪266‬؛ ؿبمد مصطفى شليب‪ ،‬اؼبدخل ُب التعريف بالفقو اإلسبلمي‪ ،‬دار‬
‫النهضة العربية‪ ،‬بَتوت‪ ،1983 ،‬ص‪.552‬‬
‫‪ - 3‬علي اػبفيف‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ص‪.328‬‬
‫‪ - 4‬أنظر‪ ،‬ؿبمد قدري باشا‪ ،‬مرشد اغبَتان إٔب معرفة أحوال اإلنسان‪ ،‬ط‪ ،2‬اؼبطبعة الكربى األمَتية‪ ،‬مصر‪ ،1308 ،‬ص‪.35‬‬
‫‪ - 5‬أنظر‪ ،‬عبد الرازق حسن فرج‪ ،‬نظرية العقد اؼبوقوف ُب الفقو اإلسبلمي‪ ،‬دار النهضة العربية‪ ،‬مصر‪ ،1969 ،‬ص‪.20 -19‬‬
‫‪ - 6‬أنظر‪ ،‬ؿبمد سراج‪ ،‬نظرية العقد‪ ،‬دار اؼبطبوعات اعبامعية‪ ،‬اإلسكندرية‪ ،1998 ،‬ص‪.163‬‬
‫‪16‬‬

‫غَت الزم‪ ،‬وبذلك ينقسم العقد الصحيح إٔب قسمُت مها‪ :1‬العقد الصحيح النافذ(الفرع األول)‪ ،‬والعقد الصحيح‬
‫اؼبوقوف‪ ،‬على االختبلف حول اؼبوقوف بُت الفقهاء(الفرع الثا٘ب)‪.‬‬

‫الفرع األول‬
‫العقد الصحيح النافذ‬
‫العقد النافذ ىو العقد الصحيح‪ ،‬الذي يصدر من شخص يتمتع باألىلية‪ ،‬ولو والية إصداره سواء كانت‬
‫ىذه الوالية أصلية أو نيابية‪ ،‬كالعقد الذي ينشأه الرشيد العاقل لنفسو ُب مالو‪ ،‬أو يعقده الوٕب أو الوصي للقاصر‪،‬‬
‫أو يعقده فبن وكل توكيبلً صحيحاً‪.2‬‬
‫وشروط نفاذ العقد كما وردت ُب كتب الفقو اغبنفي‪3‬ىي‪ :‬اؼبلك والوالية وأن ال يتعلق بالشيء اؼبتصرف‬
‫فيو حق للغَت‪ ،‬فهي ُب مضموهنا ال زبرج عن شرطُت‪ ،‬أوؽبما‪ُ :‬ب العاقد‪ ،‬ثانيهما‪ُ :‬ب اؼبعقود عليو‪.‬‬
‫فالشرط الذي ُب العاقد ىو أن يكون لو حق التصرف فيما يبيعو أو يؤجره‪ ،‬كأن يكون مالكا أو وكيبل‬
‫ؼبالكو أو وليا أو وصيا عليو‪ ،‬فإن ٓب يكن كذلك بأن كان فضوليا أو ؿبجورا عليو كالصيب اؼبميز ُب تصرفاتو اؼبالية‬
‫الدائرة بُت النفع والضرر كان التصرف موقوفا على إجازة فبن ديلكها شرعا‪.‬‬
‫أما الشرط الذي ُب اؼبعقود عليو أال يكون متعلقا بو حق الغَت‪ ،‬فإن تعلق بو حق الغَت بأن كان مرىونا أو‬
‫مستأجرا كان التصرف موقوفا على إجازة اؼبرهتن واؼبستأجر لتعلق حقهما بو‪.‬‬
‫وقد نصت على شروط النفاذ اؼبادة ‪365‬من ؾبلة األحكام العدلية بقوؽبا‪ " :‬يشًتط لنفاذ البيع أن يكون‬
‫البائع مالكا للمبيع أو وكيبل ؼبالكو أو وليو أو وصيو وأن ال يكون ُب اؼببيع حق آخر"‪ .4‬كما نصت اؼبادة ‪182‬‬
‫من كتاب مرشد اغبَتان على أنو‪" :‬يشًتط لنفاذ عقود اؼبعاوضات الواردة على األعيان اؼبالية أو على منافعها أن‬
‫‪ - 1‬ابن قبيم‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،6‬ص‪.76‬‬

‫‪ - 2‬أنظر‪ ،‬أضبد إبراىيم بك‪ ،‬اؼبعامبلت الشرعية اؼبالية‪ ،‬اؼبطبعة الفنية‪ ،‬القاىرة‪ ،1936 ،‬ص‪94‬؛ ؿبمد مصطفى شليب‪ ،‬اؼبدخل‪ ،...‬اؼبرجع السابق‪،‬‬
‫ص‪556‬؛ عصمت عبد اجمليد بكر‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ص‪.77‬‬
‫‪ - 3‬أنظر‪ ،‬ابن اؽبمام‪ ،‬شرح فتح القدير‪ ،‬ج‪ ،5‬ط‪ ،1‬اؼبطبعة الكربى األمَتية‪ ،‬مصر‪ ،1315 ،‬ص‪74‬؛ ؾبموعة علماء اؽبند ربت إشراف ؿبمد‬
‫عاؼبكَت‪ ،‬الفتاوى العاؼبكَتية اؼبعروفة بالفتاوى اؽبندية‪ ،‬ج‪ ،3‬ط‪ ،2‬اؼبطبعة األمَتية‪ ،‬مصر‪ ،1310 ،‬ص‪3‬؛ ابن عابدين‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،7‬ص‪15‬؛‬
‫الكاسا٘ب‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،6‬ص‪ 573‬وما بعدىا‪.‬‬
‫‪ - 4‬علي باشا‪ ،‬ؾبلة األحكام العدلية‪ ،‬اؼبطبعة األدبية‪ ،‬بَتوت‪ ،1302 ،‬ص‪.65‬‬
‫‪17‬‬

‫يكون اؼبتصرف ُب العُت الواردة عليها العقد مالكا ؽبا أو وكيبل عن مالكها إن كان عاقبل بالغا أو وليا أو وصيا‬
‫عليو إن كان صغَتا أو كبَتا ؾبنونا أو معتوىا وأن ال يتعلق بالعُت حق لغَت اؼبتصرف فيها"‪.1‬‬
‫وحكم ىذا العقد ترتب آثاره ُب اغبال من غَت توقف على إجازة أحد‪ ،‬فاؼبلكية مثبل واليت ىي أثر للبيع‬
‫تثبت ُب اغبال ويصبح اؼبشًتي مالكاً دبجرد عقد البيع‪ ،2‬سواء كان ترتيب األثار فور صدوره‪ ،‬كما ُب العقد‬
‫اؼبنجز‪ ،‬أو بعد فًتة من الزمن‪ ،‬كما ُب العقد اؼبضاف إٔب زمن اؼبستقبل‪ ،‬فإنو تًتتب أثاره حبلول الوقت الذي‬
‫أضيف إليو‪.3‬‬
‫ومىت كان العقد نافذا لزم الوفاء بو‪ ،‬ألن العا قد مىت أنشأ عقده إال رغبة ُب االلتزام بأثره اؼبًتتب عليو‪ ،‬غَت‬
‫أن العقود زبتلف بطبيعتها فوق ما تقتاضيو حاجة اؼبتعاقدين ومصلحتهم ُب بقاء العقد الزما أو ُب فسخو‬
‫واػبروج من االلتزام‪ .4‬فقسم الفقهاء العقد الصحيح النافذ إٔب الزم وغَت الزم‪.‬‬
‫أوال‪ -‬العقد النافذ الالزم‬
‫األصل ُب العقود الصحيحة النافذة اللزوم أي ليس ألحد طرفيها االنفراد بفسخها أو إبطاؽبا‪ ،‬وذلك نظرا‬
‫للقوة اؼبلزمة للعقود‪ .5‬ألن الوفاء بالعقود أمر واجب‪ ،‬وذلك مصداقا لقولو تعأب‪﴿:‬يا أيها الذين آمنوا أوفوا‬
‫بالعقود﴾‪. 6‬‬
‫والعقود البلزمة اليت ال تقبل الفسخ ال تدخلها اػبيارات‪ ،‬ألن اػبيار معناه أن يكون ألحد العاقدين اغبق‬
‫ُب فسخ العقد‪ ،‬وىذا ما يناُب طبيعة العقد البلزم‪.7‬‬

‫‪ - 1‬ؿبمد قدري باشا‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ص‪.29‬‬

‫‪ - 2‬أنظر‪ ،‬علي حيدر‪ُ ،‬درر اغبكام شرح ؾبلة األحكام‪ ،‬ج‪ ،2‬دار عآب الكتب‪ ،‬الرياض‪ ،2003،‬ص‪.109‬‬
‫‪ - 3‬ؿبمد مصطفى شليب‪ ،‬اؼبدخل‪ ،...‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ص‪.557‬‬
‫‪ - 4‬ؿبمد سبلم مدكور‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ص‪.123‬‬
‫‪ - 5‬ؿبمد أبو زىرة‪ ،‬اؼبلكية‪ ،...‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ص‪421‬؛ عبد الرضبن الصابو٘ب‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،2‬ص‪.193 -192‬‬
‫‪ - 6‬سورة اؼبائدة‪ ،‬اآلية ‪.1‬‬
‫‪ - 7‬ؿبمد أبو زىرة‪ ،‬اؼبلكية ‪ ،...‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ص‪.422‬‬
‫‪18‬‬

‫وعليو‪ ،‬لقد عرف فقهاء الشريعة اإلسبلمية‪ ،‬العقد النافذ البلزم بأنو "ما كان مشروعا بأصلو ووصفو وٓب‬
‫يتعلق بو حق الغَت وال خيار"‪ .1‬أو ىو العقد النافذ العاري من اػبيارات‪.2‬‬
‫وحكم ىذا العقد أنو ينتج آثاره اليت رتبها الشارع عليو من غَت توقف على إجازة أحد‪ ،‬وجيب على كل‬
‫واحد منهما الوفاء دبقتضاه‪ ،‬حبيث إذا امتنع عن الوفاء كان آشبا عاصيا أجرب على الوفاء بو قضاءاً‪.3‬‬
‫غَت أنو إذا كان ال ديكن ألحد اؼبتعاقدين ُب العقد النافذ البلزم أن يستقل بفسخو والرجوع عنو‪ ،‬إال أنو‬
‫جيوز للمتعاقدين أن يتفقا على فسخو‪ ،‬إذا كانت طبيعتو ال تأىب الفسخ‪.‬‬
‫وإذا كانت االجتهادات اإلسبلمية متفقة على أن العقد مىت اكتسب صفة اللزوم‪ ،‬ليس ألحد العاقدين‬
‫فيو الرجوع إال باتفاقهما‪ .‬غَت أن ىذه االجتهادات قد اختلفت ُب الوقت الذي يكتسب فيو ىذا العقد صفة‬
‫اللزوم‪.‬‬
‫فذىب االجتهاد الشافعي‪4‬واغبنبلي‪5‬إٔب أنو ُب عقد البيع وسائر العقود البلزمة القابلة للفسخ ال يكتسب‬
‫العقد صفة اللزوم‪ ،‬إال بعد أن ينقضي ؾبلس العقد بتفرق العاقدين بأبداهنما‪ ،‬أما قبل ذلك فلكل واحد من‬
‫العاقدين أن يرجع عن العقد‪ .‬ويستند أصحاب ىذا الرأي ُب إثباهتم‪ ،‬حبديث رسول ا﵁‬

‫‪":‬البيعان باػبيار مآب‬

‫يتفرقا"‪ .6‬وُب رواية أخرى "اؼبتبايعان باػبيار مآب يتفرقا‪ ،‬أو يقول أحدمها لصاحبو‪ :‬اخًت"‪ .7‬اغبديث يفسر على‬
‫أن العقد بعد سبامو واقًتان اإلجاب والقبول يكون غَت الزم‪ ،‬فلكل واحد من العاقدين حق الرجوع إال أن يفًتقا‬
‫بأبداهنما عن ؾبلس العقد فينقض اجمللس ويلزم العقد‪ .8‬ىذه ىي اغبجة الكربى اليت يستند إليها أصحاب خيار‬
‫اجمللس‪.‬‬
‫‪ - 1‬ابن قبيم‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،6‬ص‪75‬؛ ابن عابدين‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،7‬ص‪.234‬‬
‫‪ - 2‬اؼبادة ‪ 114‬من ؾبلة األحكام العدلية‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ص‪35‬؛ صبحي ؿبمصا٘ب‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ص ‪.270‬‬
‫‪ - 3‬أضبد فراج حسُت‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ص‪.274‬‬
‫‪ - 4‬أنظر‪ ،‬أبو إسحاق الشَتازي‪ ،‬اؼبهذب‪ ،‬ج‪ ،3‬ط‪ ،1‬دار القلم‪ ،‬بَتوت‪ ،1996 ،‬ص‪11‬؛ النووي‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،9‬ص‪ 218‬وما بعدىا‪.‬‬

‫‪ - 5‬أنظر‪ ،‬ؿبمد بن صاّب العثيمُت‪ ،‬الشرح اؼبمتع على زاد اؼبستقنع‪ ،‬ج‪ ،8‬ط‪ ،1‬دار ابن اعبوزي‪ ،‬السعودية‪ ،1425 ،‬ص‪267 -266‬؛ أضبد بن‬
‫ؿبمد بن قدامة‪ ،‬اؼبغٌت ‪ ،‬ج‪ ،6‬ط‪ ،3‬دار عآب الكتب‪ ،‬الرياض‪ ،1997 ،‬ص‪ 10‬وما بعدىا‪.‬‬
‫‪ - 6‬أنظر‪ ،‬أبو عبد ا﵁ ؿبمد بن إظباعيل البخاري‪ ،‬اعبامع الصحيح‪ ،‬ج‪ ،2‬ط‪ ،1‬اؼبطبعة السلفية‪ ،‬القاىرة‪ ،1403 ،‬ص‪92‬؛ أبو داود سليمان بن‬
‫األشعث السجستا٘ب‪ ،‬سنن أيب داود‪ ،‬ج‪ ،3‬ط‪ ،1‬دار ابن جزم‪ ،‬بَتوت‪ ،1997 ،‬ص‪.475‬‬
‫‪ - 7‬أنظر‪ ،‬ؿبمد بن علي بن ؿبمد الشوكا٘ب‪ ،‬نيل األوطار‪ ،‬ج‪ ،5‬شركة مصطفى الباجي اغبليب وشركائو‪ ،‬مصر‪ ،1971 ،‬ص‪.208‬‬
‫‪ - 8‬عبد الرزاق أضبد السنهوري‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،2‬ص‪.35‬‬
‫‪19‬‬

‫ُب حُت ذىب االجتهاد اؼبالكي‪1‬واغبنفي‪2‬إٔب أن العقد البلزم مىت انعقد أصبح مربما دبجرد سبام اإلجياب‬
‫والقبول‪ ،‬وليس ألحد العاقدين الرجوع إال دبرافقة الطرف اآلخر‪ .‬وأصحاب ىذا االذباه يؤولون التفرق الوارد ُب‬
‫اغبديث اؼبتضمن خيار اجمللس حسب اؼبعٌت الذي يتفق مع مذىبهم‪ ،3‬واستدل أصحاب ىذا الرأي ُب إثباهتم‬
‫بأدلة من الكتاب والسنة والقياس‪.4‬‬
‫ومن خبلل ىذين الرأيُت فالراجح ىو اؼبذىب الذي ال يأخذ خبيار اجمللس ألنو أقطع للخبلف بُت‬
‫اؼبتبايعُت‪ ،‬وأجرى مع اغباجة العملية إٔب البتات السريع ُب مؤاخذة اؼبرء بإرادتو اعبازمة اؼبنشئة ُب التصرفات‬
‫اؼبدنية‪ ،‬ويتفق أيضا مع نظرة الشارع اإلسبلمي ُب سائر العقود األخرى اليت ىي أعظم من البيع شأنا وأكرب خطرا‬
‫كعقد النكاح‪ ،‬إذ ٓب جيعل ُب شيء منها خيارا طبيعيا بعد سبام القبول‪.5‬‬
‫وإذا كان األصل ُب العقود النافذة اللزوم ‪-‬كما قلنا‪-‬؛ أي ال يستطيع أحد أطرافها االنفراد بفسخها‪،‬‬
‫وذلك نظرا للقوة اؼبلزمة للعقد‪.‬‬
‫غَت أن الشارع وؼبصلحة العاقدين أو لطبيعة العقد نفسو أن جيعل ما ىو الزم ليس ببلزم‪ ،‬إما ألحد‬
‫أطراف العقد أو لكليهما‪6‬وىذا ما يعرف بالعقد غَت البلزم‪.‬‬
‫ثانيا‪-‬العقد النافذ غير الالزم‬
‫فالعقد الصحيح النافذ غَت البلزم‪ ،‬ىو العقد الذي يستطيع كل واحد من طرفيو أو أحدمها فقط‪ ،‬أن‬
‫يتحلل من الرابطة العقدية بإرادتو اؼبنفردة‪ ،‬دون توفق على رضا الطرف اآلخر‪.7‬‬

‫‪ - 1‬أنظر‪ ،‬أضبد بن رشد القرطيب‪ ،‬بداية اجملتهد وهناية اؼبقتصد‪ ،‬ج‪ ،2‬ط‪ ،6‬دار اؼبعرفة‪ ،‬بَتوت‪ ،1982 ،‬ص‪171 -170‬؛ أضبد بن غنيم بن سآب‬
‫بن مهنا‪ ،‬الفواكو الدوا٘ب‪ ،‬ج‪ ،2‬ط‪ ،1‬دار الكتب العلمية‪ ،‬بَتوت‪ ،1997 ،‬ص‪134‬؛ مشس الدين ؿبمد عرفة الدسوقي‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪،3‬‬
‫ص‪.91‬‬
‫‪ - 2‬برىان الدين علي بن أيب بكر اؼبرغينا٘ب‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،5‬ص‪82 -78‬؛ ابن اؽبمام‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،5‬ص‪82 -78‬؛ ابن عابدين‪،‬‬
‫اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،7‬ص‪.48 -47‬‬
‫‪ - 3‬أنظر‪ ،‬مصطفى أضبد الرزقا‪ ،‬اؼبدخل الفقهي العام‪ ،‬ج‪ ،1‬ط‪ ،1‬دار القلم‪ ،‬دمشق‪ ،1998 ،‬ص‪.523 -522‬‬
‫‪ - 4‬ؿبمد أبو زىرة‪ ،‬اؼبلكية‪ ،...‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ص‪.210 -209‬‬
‫‪ - 5‬مصطفى أضبد الرزقا‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،1‬ص‪.523‬‬
‫‪ - 6‬عبد الرضبن الصابو٘ب‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ص‪193‬؛ ؿبمد أبو زىرة‪ ،‬اؼبلكية ‪ ،...‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ص‪.421‬‬
‫‪ - 7‬أنظر‪ ،‬ؿبمد حسنُت‪ ،‬نظرية بطبلن العقد ُب الفقو اإلسبلمي‪ ،‬اؼبؤسسة الوطنية للكتاب‪ ،‬اعبزائر‪ ،1988 ،‬ص‪53‬؛ عبد الفتاح تقية‪ ،‬خصائص‬
‫القاعدة التنظيمية ُب الشريعة اإلسبلمية‪ ،‬م ج‪ ،2012،‬عدد‪ ،4‬ص‪.65‬‬
‫‪20‬‬

‫ومن خبلل ىذا التعريف‪ ،‬قبد أن العقد النافذ غَت البلزم ينقسم إٔب قسمُت‪ :‬عقد نافذ غَت الزم من‬
‫اعبانبُت‪ ،‬وعقد نافذ غَت الزم من جانب واحد‪.‬‬
‫أ‪-‬العقد النافذ غير الالزم من الجانبين‬
‫ىو العقد الذي جيوز فيو لكل من العاقدين حق فسخو ولو بدون رضاء الطرف اآلخر‪ ،‬وذلك كالوديعة‬
‫والوكالة والعارية وغَتىا‪ .‬فاؼبودع عليو مكلف باغبفظ‪ ،‬ليس لو مصلحة ُب بقاء الوديعة ربت يده فلو أن يفسخ‬
‫عقد اإليداع دبحض إرادتو‪ ،‬واؼبودع يتمتع حبرية التصرف اليت ذبعلو قادرا على اسًتداد وديعتو‪ .‬واؼبوكل يتلقى الوكالة‬
‫دون إلزام باستمرار فيملك الرجوع فيها‪ ،‬كما أن الوكيل يعطي وكالتو للمدى الزمٍت الذي يريده‪ ،‬أو إقباز العمل‬
‫الذي يرغب ُب إقبازه‪ ،‬ولو أن يرجع عند انتهائو أو عندما يريد‪ .‬وكذلك اؼبعَت فهو متربع دبنفعة الشيء‪ ،‬فلو أن يرد‬
‫العارية مىت شاء‪ ،‬وكذا اؼبستعَت فلو أن يستغٍت عن االنتفاع‪ ،‬ويرد العارية مىت شاء‪.1‬‬
‫ب‪-‬العقد النافذ غير الالزم من جانب واحد‬
‫ىو الذي يكون فيو عدم اللزوم من جانب أحد العاقدين فقط؛ دبعٌت أنو الزم بالنسبة ألحد العاقدين‬
‫وغَت الزم بالنسبة لآلخر‪ ،‬كاؼبرهتن ُب عقد الرىن واؼبكفول ُب عقد الكفالة‪ ،‬فاؼبرهتن يكون الرىن مقرر ؼبصلحتو‪،‬‬
‫فلو أن يتنازل عنو بإرادتو اؼبنفردة‪ ،‬أما الراىن فبل ديلك ذلك‪ ،‬لتعلق حق اؼبرهتن بالعُت الرىونة‪ ،‬فهو ملتزم بإبرام‬
‫الرىن وال ديكنو الرجوع فيو‪ ،‬واؼبكفول فه و مستفيد من الكفالة فلو أن يستغٍت عنها‪ ،‬خببلف الكفيل فهو ملتزم‬
‫أمام الدائن‪.2‬‬
‫وقد يكون العقد الزما لطرفيو حبسب األصل‪ ،‬وىي عقود اؼبعاوضات اؼبالية‪ ،‬إال أنو قد تطرأ عليو أمور‬
‫زبلع منو صفة اللزوم‪ ،3‬كما لو اشًتى الشخص شيئاً‪ ،‬بشرط أن يكون لو اػبيار مدة معينو‪ ،‬وذلك لًتوي وإمعان‬
‫النظر ُب اؼبوضوع‪ ،‬وىذا ىو خيار الشرط‪ .‬وكما لو تبُت للعاقد أن باؼبعقود عليو عيبا ٓب يكن موجودا عند التعاقد‬
‫‪1‬‬

‫‪ -‬أنظر‪ ،‬أبو العباس أضبد بن إدريس الصنهاجي القراُب‪ ،‬الفروق‪ ،‬ج‪ ،4‬ط‪ ،1‬دار الكتب العلمية‪ ،‬بَتوت‪ ،1998 ،‬ص‪36‬؛ السيوطي‪ ،‬اؼبرجع‬

‫السابق‪ ،‬ج‪ ،2‬ص‪21‬؛ النووي‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،9‬ص‪207‬؛ ابن قبيم‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،5‬ص‪282‬؛ مصطفى أضبد الزرقا‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪،1‬‬
‫ص‪525‬؛ عبد الفتاح تقية‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ص‪.66 -65‬‬
‫‪ - 2‬أنظر‪ ،‬ابن قبيم‪ ،‬األشباه والنظائر‪ ،‬دار الفكر‪ ،‬دمشق‪ ،1999 ،‬ص‪400‬؛ ؿبمد بن صاّب العثيمُت‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،8‬ص‪271‬؛ علي‬
‫حيدر‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،1‬ص‪110‬؛ ؿبمد أبو زىرة‪ ،‬اؼبلكية ‪ ،...‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ص‪224‬؛ عبد الرضبن الصابو٘ب‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،2‬ص‪194‬؛‬
‫ؿبمد حسنُت‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ص‪53‬؛ عصمت عبداجمليد بكر‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ص‪.80- 79‬‬
‫‪ - 3‬عبد الفتاح تقية‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ص‪.66‬‬
‫‪21‬‬

‫فلو أن يرجع ُب اؼببيع‪ ،‬وىذا ىو خيار العيب‪ .‬وكما لو تعاقد الشخص على شيء ٓب يكن قد رآه من قبل فلو‬
‫اػبيار ‪ ،‬وىذا ىو خيار الرؤية‪.1‬‬
‫وأنواع اػبيارات كثَتة اختلف الفقهاء ُب عدىا منها ما ىو متفق عليو‪ ،‬ومنها ما ىو ـبتلف فيو‪ ،‬وأىم‬
‫ىذه اػبيارات خيار الشرط وخيار العيب وخيار الرؤية‪.2‬‬
‫فهذه اػبيارات إذا وجدت ُب العقد كان غَت الزم‪ ،‬وىذا ما نصت عليو اؼبادة ‪ 115‬من ؾبلة األحكام‬
‫العدلية بأنو‪" :‬البيع غَت البلزم ىو البيع النافذ الذي فيو أحد اػبيارات"‪.3‬‬
‫وعدم اللزوم يكون كذلك إذا صدر من معيب اإلرادة‪ ،‬وىذا حسب رأي جانب من الفقو اإلسبلمي‬
‫وعلى رأسهم اؼبذىب اؼبالكي‪ ،4‬فلمن اعًتى إرادتو أحد عيوهبا لو اػبيار ُب فسخ العقد أو إمضائو‪.5‬‬
‫قلنا أن العقد الصحيح النافذ ىو الذي يصدر من شخص أىبل ؼبباشرتو ولو والية إصداره‪ ،‬أما إذا صدر‬
‫من شخص ىو أىل ؼبباشرتو‪ ،‬ولكن ليست لو والية إنشائو فيكون العقد إذا موقوفا‪.‬‬

‫الفرع الثاني‬
‫العقد الصحيح الموقوف‬
‫إن فقهاء الشريعة اإلسبلمية يشًتطون لصحة العقد ونفاذه أن يكون ىناك ارتباط بُت العاقد والعقد من‬
‫جهة‪ ،‬وبُت العاقد واؼبعقود عليو من جهة أخرى‪ .‬وحىت يقوم ىذا الربط جيب أن يكون للعاقد‪ :‬والية ؿبل العقد‬

‫‪ - 1‬أنظر‪ ،‬ؿبمد سعيد جعفور‪ ،‬اػبيارات العقدية ُب الفقو اإلسبلمي كمصدر للقانون اؼبد٘ب اعبزائري‪ ،‬دار ىومو‪ ،‬اعبزائر‪ ،1998 ،‬ص‪10‬؛ عبد‬
‫الفتاح تقية‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ص‪.66‬‬
‫‪ - 2‬راجع أنواع اػبيارات‪ :‬ابن قبيم‪ ،‬البحر‪ ،...‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،6‬ص‪ 2‬وما بعدىا؛ ابن عابدين‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،7‬ص‪ 101‬وما بعدىا؛ أضبد‬
‫إبراىيم بك‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ص‪ 101‬وما بعدىا؛ علي اػبفيف‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ص‪ 361‬وما بعدىا؛ أضبد فراج حسُت‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ص‪ 303‬وما‬
‫بعدىا‪.‬‬
‫‪ - 3‬على باشا‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ص‪.35‬‬
‫‪ - 4‬ؿبمد سعيد جعفور‪ ،‬نظرات‪ ،...‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ص‪.88‬‬
‫‪ - 5‬أنظر‪ ،‬اغبطاب‪ ،‬مواىب اعبليل لشرح ـبتصر خليل‪ ،‬ج‪ ،6‬ط‪ ،1‬دار الكتب العلمية‪ ،‬بَتوت‪ ،1995،‬ص‪36‬؛ اػبرشي‪ ،‬شرح اػبرشي على ـبتصر‬
‫خليل‪ ،‬ج‪ ،5‬ط‪ ،2‬اؼبكتبة الكربى األمَتية‪ ،‬مصر‪ ،1318 ،‬ص‪10‬وص‪152‬؛ الدسوقي‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،3‬ص‪ 6‬وص‪.126‬‬
‫‪22‬‬

‫ووالية على نوع التصرف‪ .‬فإذا زبلف أحد ىذين العنصرين كان العقد صحيحا ولكنو ال ينفذ‪ ،‬بل يكون موقوفا‪،1‬‬
‫وذلك أن الوالية ُب الرأي الغالب ُب الفقو اإلسبلمي تعترب شرط نفاذ ال شرط انعقاد‪.2‬‬
‫والوالية على ؿبل العقد تكون بأن يثبت للمتعاقد حق اؼبلك ُب ىذا ا﵀ل أو النيابة عن اؼبالك‪ ،‬وأن ال‬
‫يتعلق باؼبالك حق الغَت كأن يكون مرىونا أو مستأجرا‪ ،‬فغَت اؼبالك(الفضوٕب) ليست لو والية على ؿبل العقد‪،‬‬
‫وإن كان كامل األىلية‪ ،‬فيكون العقد حينئذ موقوف على إجازة اؼبالك‪ ،‬ومالك العُت اؼبرىونة واؼبستأجرة ليست لو‬
‫والية كاملة على ؿبل العقد‪ ،‬وذلك لتعلق حق الدائن اؼبرهتن أو اؼبستأجر بو فيكون العقد موقوفا على إجازة اؼبرهتن‬
‫أو اؼبستأجر‪.3‬‬
‫أما الوالية على التصرف فتكون باستكمال العاقد القدر الواجب من التمييز حسب نوع التصرف الذي‬
‫يباشره‪ ،‬فتصرفات الصيب اؼبميز الدائرة بُت النفع والضرر تنعقد موقوفة على إجازة من ديلكها من وٕب أو وصي‪.4‬‬
‫فالعقد اؼبوقوف إذا ىو الذي يتوقف ترتب أثره عليو بالفعل على اإلجازة فبن ديلكها شرعا‪ .5‬وٓب يكن‬
‫ىذا النوع من العقد ؿبل اتفاق بُت فقهاء الشريعة اإلسبلمية ذلك أهنم اختلفوا ُب ربديد مرتبتو بُت الصحة‬
‫والبطبلن‪ ،‬وانقسموا ُب ىذا إٔب رأيُت‪:‬‬
‫أوال‪ -‬الرأي القائل بصحة العقد الموقوف‬
‫يري أصحاب ىذا الرأي أن العقد اؼبوقوف قسم من العقود الصحيحة‪ ،‬وذلك الستفاء أركانو وشروط‬
‫انعقاده‪ ،‬فهو ينطبق عليو تعريف العقد الصحيح من أنو مشروع بأصلو ووصفو‪ ،‬كما ينطبق عليو حكم العقد‬
‫‪ - 1‬عبد الرزاق أضبد السنهوري‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،4‬ص‪128‬؛ ؿبمد حسنُت‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ص‪.16‬‬
‫‪ - 2‬ؿبمد سعيد جعفور‪ ،‬نظرات‪ ،...‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ص‪.90‬‬
‫‪ - 3‬عبد الرزاق أضبد السنهوري‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،4‬ص‪128‬؛ عبد الرازق حسن فرج‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ص‪.23‬‬
‫‪- Cf. Mohamed EL-ALFY, op. cit., p.5.‬‬
‫‪ - 4‬ؿبمد سعيد جعفور‪ ،‬نظرات‪ ،...‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ص‪.90‬‬
‫‪ - 5‬أنظر‪ ،‬أضبد بن ُجزي‪ ،‬القوانُت الفقهية‪ ،‬د د ن‪ ،‬د س ن‪ ،‬ص‪391‬؛ مشس الدين ؿبمد بن اػبطيب الشربيٍت‪ ،‬مغٍت ا﵀تاج‪ ،‬ج‪ ،2‬ط‪ ،1‬دار اؼبعرفة‪،‬‬

‫بَتوت‪22 -21 ،1997 ،‬؛ يونس بن إدريس البهوٌب‪ ،‬كشاف القناع على منت اإلقناع‪ ،‬ج‪ ،4‬طبعة خاصة‪ ،‬دار عآب الكتب‪ ،‬الرياض‪،2003 ،‬‬
‫ص‪1381‬؛ ابن قبيم‪ ،‬البحر‪ ،...‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،5‬ص‪281‬؛ السرخسي‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،13‬ص‪153‬؛ ابن مهام‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪،5‬‬
‫ص‪309‬؛ الكاسا٘ب‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،6‬ص‪569‬؛ اػبرشي‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،5‬ص‪292‬؛ الدسوقي‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،3‬ص‪12‬؛ أضبد بن‬
‫رشد القرطيب‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،2‬ص‪172‬؛ أضبد بن إدريس القراُب‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،3‬ص‪ ،380‬وص‪382‬؛ ؿبي الدين بن شرف النووي‪،‬‬
‫اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،9‬ص‪312‬؛ أضبد بن ؿبمد بن قدامة‪ ،‬اؼبغٌت‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،6‬ص‪ ،295-294‬عبد الرازق حسن فرج‪ ،‬اؼبرجع السابق‪،‬‬
‫ص‪.50‬‬
‫‪23‬‬

‫الصحيح‪ ،‬فليس توقف أثره على اإلجازة إال كتوقف العقد اؼبقًتن خبيار عقدي على إسقاطو ؼبن شرع لو اػبيار‪،‬‬
‫والعقد اؼبقًتن خبيار عقدي ىو جائز باالتفاق‪ .1‬والقائلون بصحة العقد اؼبوقوف ىم فقهاء اغبنفية‪ ،2‬واؼبالكية‪،3‬‬
‫واتفق معهم اغبنابلة ُب إحدى الروايتُت‪ ،4‬والشافعية ُب اؼبذىب القد‪ٙ‬ب‪ ،‬وحكى عن اؼبذىب اعبديد أيضا القول‬
‫بالوقف على اإلجازة‪ .5‬وأخذ هبذا الرأي كذلك الشيعة االمامية‪ ،‬والزيدية‪ ،‬واالباضية ُب إحدى الروايتُت عندىم‪.6‬‬
‫واستدل أصحاب ىذا الرأي بأدلة من الكتاب والسنة‪ ،‬كما استدلوا أيضا بالقياس واؼبصلحة واؼبعقول‪ .‬أما‬
‫من الكتاب‪ ،‬قولو تعأب‪﴿:‬وأحل ا﵁ البيع﴾‪ .7‬وقولو تعأب‪﴿:‬يأيها الذين ءامنوا ال تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل‬
‫إال أن تكون ذبارة عن تراض منكم﴾‪ .8‬وقولو تعأب‪﴿:‬فإذا قضيت الصبلة فانتشروا ُب األرض وابتغوا من فضل‬
‫ا﵁﴾‪ .9‬وجو الداللة من ىذه اآليات أن ا﵁ سبحانو وتعأب شرع البيع والتجارة وابتغاء اؼبال‪ ،‬من غَت فصل ما إذا‬
‫كان العقد نافذا أو موقوفا‪ ،‬وسواء وجد الرضا من اؼبتعاقدين ُب االبتداء‪ ،‬أم وجد عند صدور اإلجازة من اؼبالك‬
‫ُب االنتهاء‪ ،‬فيجب العمل بإطبلقها إال ما خص بدليل‪.10‬‬
‫كما استدلوا أيضا بعموم قولو تعأب‪﴿:‬وتعاونوا على الرب والتقوى وال تعاونوا على اإلٍب والعدوان﴾‪.11‬‬
‫فا﵁ سبحانو تعأب يأمر عباده باؼبعاونة على فعل اػبَتات وىو الرب وترك اؼبنكرات وىو التقوى‪ ،‬وينهاىم عن‬
‫التعاون عن اؼبآٍب والتناصر على الباطل‪.12‬‬
‫‪ - 1‬أنظر‪ ،‬عجإب خبالد‪ ،‬نظرية العقد اؼبوقوف ُب الفقو اإلسبلمي وتطبيقاهتا ُب القانون اؼبد٘ب اعبزائري‪ ،‬مذكرة ماجستَت ُب العقود واؼبسؤولية‪ ،‬كلية‬
‫اغبقوق‪ ،‬جامعة بومرداس‪ ،2005 ،‬ص ‪.27-26‬‬
‫‪ - 2‬ابن قبيم‪ ،‬البحر‪ ،...‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،6‬ص‪76‬؛ السرخسي‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،13‬ص‪154‬؛ ابن اؽبمام‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،5‬ص‪185‬؛‬
‫ابن عابدين‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،7‬ص‪.234‬‬
‫‪ - 3‬ابن جزي‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ص‪391‬؛ ابن رشد‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،2‬ص‪172‬؛ ػبرشي‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪292 ،5‬؛ الدسوقي‪ ،‬اؼبرجع السابق‪،‬‬
‫ج‪ ،3‬ص‪.12‬‬
‫‪ - 4‬أنظر‪ ،‬ابن تيمية‪ ،‬العقود‪ ،‬دار السنة ا﵀مدية‪ ،‬مصر‪ ،‬د س ن‪ ،‬ص‪226- 225‬؛ بن قدامة‪ ،‬اؼبغٌت‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،6‬ص‪.295- 294‬‬
‫‪ - 5‬أنظر‪ ،‬الرملي‪ ،‬هناية ا﵀تاج‪ ،‬ج‪ ،3‬ط‪ ،3‬دار الكتب العلمية‪ ،‬بَتوت‪ ،2003 ،‬ص‪403‬؛ النووي‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،9‬ص‪312‬؛ الشربيٍت‪،‬‬
‫اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،2‬ص‪.22 -21‬‬
‫‪ - 6‬عبد الرازق حسن فرج‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ص‪.53‬‬

‫‪ - 7‬سورة البقرة‪ ،‬اآلية‪.275‬‬
‫‪ - 8‬سورة النساء‪ ،‬اآلية‪.29‬‬
‫‪ - 9‬سورة اعبمعة‪ ،‬اآلية‪.10‬‬
‫‪ - 10‬الكاسا٘ب‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،6‬ص‪.576‬‬
‫‪ - 11‬سورة اؼبائدة‪ ،‬اآلية‪.3‬‬
‫‪ - 12‬أنظر‪ ،‬بن كثَت‪ ،‬تفسَت القرآن العظيم‪ ،‬ج‪ ،2‬دار التقوى‪ ،‬القاىرة‪ ،2006 ،‬ص‪.7‬‬
‫‪24‬‬

‫والفضوٕب قد تصرف بتصرفو ىذا الرب باؼبالك واإلحسان إليو وإعانتو على ما ىو خَت لو‪ ،‬حىت ولو ثبت‬
‫التعدي من جانبو‪ ،‬فبل ضرر يقع على اؼبالك‪ ،‬ألنو ـبَت فإذا رأى اؼبصلحة فيو نفذه وإال رده‪.1‬‬
‫نوقش ذلك بأن تصرف الفضوٕب ليس من الرب والتقوى بل من اإلٍب والعدوان‪.2‬‬
‫وقد أجيب بأن تصرف الفضوٕب ليس من اإلٍب والعدوان ُب شيء‪ ،‬ألن اؼبالك قد جييز العقد ويرضى بو‬
‫إذا ربققت لو فائدة‪ ،‬وإذا ٓب تتحقق لو فائدة فإن اؼبالك ال جييزه وال يًتتب عليو أي ضرر‪.3‬‬
‫أما من حيث السنة‪ ،‬فقد استدلوا حبديث عروة ابن أيب جعد البارقي‪ ،‬أن النيب‬

‫أعطاه ديناراً يشًتي‬

‫بو أضحية أو شاة‪ ،‬فاشًتى شاتُت‪ ،‬فباع إحدامها بدينار‪ ،‬فأتاه بشاة ودينار‪ ،‬فدعا لو بالربكة ُب بيعو‪.4‬‬

‫وجو االستدالل على صحة العقد اؼبوقوف أن عروة البارقي ٓب يكن موكبل إال بشراء شاة واحد‪ ،‬وال شك‬
‫أن ُب بيعو إحدى الشاتُت كان فضوليا‪ ،‬وقد أقره النيب‬
‫باطبل ألمره النيب‬

‫ُب ىذا التصرف بل وأثٌت عليو بدعائو بالربكة‪ ،‬ولو كان‬

‫بإعادة الدينار لصاحبو ورد الشاة‪ .5‬فدل ىذا على صحة تصرف الفضوٕب ومن ٍب صحة‬

‫العقد اؼبوقوف‪.‬‬
‫وقد نوقش حديث عروة البارقي بأنو كان وكيبل عن النيب‬

‫وكالة مطلقة‪ ،‬بدليل أنو سلم وتسلم‪ ،‬وليس‬

‫ذلك لغَت اؼبالك عند القائل باعبواز‪.6‬‬
‫أجيب بأن ىذا ال يصح‪ ،‬ألن اؼبنقول أمره أن يشًتي لو شاة واحدة وهبذا ال يصَت وكيبل دبطلق التصرف‪.‬‬
‫ولو فرض صحة ىذا النقل لكان على سبيل اؼبدح‪.7‬‬

‫‪ - 1‬الزيلعي‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،4‬ص‪.103‬‬

‫‪ - 2‬النووي‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،9‬ص‪.317‬‬
‫‪ - 3‬عبد اؼبنعم عبده الربعى‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ص‪.193‬‬
‫‪ - 4‬أبو داود‪ ،‬سنن أيب داود‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،3‬ص‪439 -438‬؛ البخاري‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،2‬ص‪.539‬‬
‫‪ - 5‬الزيلعي‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،4‬ص‪.103‬‬
‫‪ - 6‬الشربيٍت‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،2‬ص‪.22‬‬
‫‪ - 7‬السرخسي‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،13‬ص‪.154‬‬
‫‪25‬‬

‫وقد أعًتض على اإلسناد هبذا اغبديث بأن ُب رواية أيب داود رجبل ؾبهوال‪ ،‬فا﵀دث لشبيب اغبي‪ ،‬فبل‬
‫يكون حجة للجهالة ُب سنده‪ ،‬وبذلك ال يتم االستدالل بو‪.1‬كما أن إخراج البخاري لو ال يدل على صحتو‪ ،‬إذ‬
‫كثَت من األحاديث اؼبرسلة اؼبذكورة ُب البخاري ليست خبارية على شرطو‪ ،‬فبل صحيح عنده إال ما يورده بنص‬
‫موصول‪.2‬‬
‫كما نوقش أيضا على اإلسناد هبذا اغبديث‪ ،‬أن ذكر البخاري أن شبيب بن غردقة ٓب يسمعو من عروة‬
‫بل ظبع اغبي يتحدثون بو‪ ،‬دليل على تضعيف اغبديث‪.3‬‬
‫أجيب عن ذلك أن ذكر اغبي ُب اغبديث ال يلزم منو اعبهالة ُب سنده‪ ،‬ومن ٍب عدم االستدالل بو‪ ،‬بل‬
‫أن ذكر اغبي يدل أن شبيبا ٓب يسمعو من رجل واحد بل ظبعو من رجال متعددين‪ .‬كما أن ذكر البخاري إنكار‬
‫شبيب ظباعو من عروة ال يدل على تضعيف حديث البخاري‪ ،‬بل أراد بذكر اإلنكار نقل اغبديث بوجو اكد‪ ،‬إذ‬
‫فيو إخبار بأن اغبديث ظبع من صباعة ديتنع تواطؤىم على الكذب‪.4‬‬
‫كما نوقش أنو لو صح حديث عروة ؼبا كان حجة‪ ،‬ألنو إذ أمره النيب‬
‫صار الشراء لعروة‪ ،‬ألنو اشًتى كما أراد ؼبا كما أمره النيب‬
‫الشراء جوزه النيب‬

‫أن يشًتي شاة فاشًتى شاتُت‬

‫‪.‬كما أن ُب ىذا اػبرب ليس فيو نص يدل على أن‬

‫أو التزمو‪ ،‬وال جيوز القول دبا ليس ُب اػبرب‪.5‬‬

‫كما استدلوا من السنة أيضا حبديث حكيم بن حزام‪ ،‬أن الرسول‬

‫دفع لو دينار ليشًتي لو أضحية‪،‬‬

‫فاشًتى أضحية فأربح فيها دينارا‪ ،‬فاشًتى أخرى مكاهنا‪ ،‬فجاء باألضحية والدينار إٔب رسول ا﵁‬
‫بالشاة وتصدق بالدينار"‪.6‬‬

‫‪ - 1‬النووي‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،9‬ص‪.317‬‬
‫‪ - 2‬عبد الرازق حسن فرج‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ص‪.58‬‬
‫‪ - 3‬البخاري‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،2‬ص‪.539‬‬
‫‪ - 4‬عبد الرازق حسن فرج‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ص‪.59‬‬
‫‪ - 5‬أنظر‪ ،‬بن حزم‪ ،‬ا﵀لى‪ ،‬ج‪ ،8‬إدارة الطباعة اؼبنَتية‪ ،‬مصر‪ ،1350 ،‬ص‪.437‬‬
‫‪ - 6‬أنظر‪ ،‬ؿبمد بن عيسى بن سورة‪ ،‬سنن الًتمذي‪ ،‬ج‪ ،3‬ط‪ ،2‬مصطفى الباجي اغبليب‪ ،‬مصر‪ ،1968 ،‬ص‪.549‬‬
‫‪26‬‬

‫فقال "ضح‬

‫وجو الداللة على صحة العقد اؼبوقوف أن حكيم بن حزام كان وكيبل بشراء شاة واحدة‪ ،‬فشراؤه الشاة‬
‫ىذا البيع‪ ،‬ولو كان باطبل لرده‪ ،‬وأنكر على من صدر‬

‫الثانية وبيعو ؽبا كان من قبيل الفضالة‪ ،‬وقد أقر الرسول‬
‫منو‪ ،‬وؼبا ضحى بالشاة وتصدق بالدينار‪.1‬‬

‫وقد نوقش أن حكيم بن حزام كان وكيبل عن النيب‬

‫وكالة مطلقة‪ .‬أما إسناد الًتمذي ففيو انقطاع‪،2‬‬

‫حيث قال الًتمذي‪" :‬حكيم بن حزام ال نعرفو إال من ىذا الوجو وحبيب بن أىب ثابت ٓب يسمع عندي من حكيم‬
‫بن حزام"‪.3‬‬
‫وقد أجيب أنو ال يصح القول بأن حكيم بن حزام كان وكيبل عن النيب‬
‫النيب‬

‫وكالة مطلقة‪ ،‬ألن اؼبنقول أن‬

‫أمره أن يشًتي لو أضحية واحدة‪ .4‬أما عدم ظباع حبيب بن أىب ثابت من حكيم بن حزام يدعوا إٔب‬

‫القول بأن اغبديث مرسل واألئمة الثبلثة يأخذون باؼبرسل فصح الدليل‪.5‬‬
‫كما استدلوا أصحاب ىذا الرأي حبديث ابن عمر ُب قصة الثبلثة أصحاب الغار أن النيب‬

‫قال‪" :‬قال‬

‫ثالث‪ :‬اللهم إ٘ب استأجرت أجَتا بفرق األرز‪ ،‬فلما قضى عملو قال‪ :‬أعطٍت حقي‪ ،‬فعرضت عليو فرغب عنو‪ ،‬فلم‬
‫أزل أزرعو حىت صبعت منو بقرا ورعائها‪ ،‬فجاء٘ب فقال‪ :‬اتق ا﵁‪ :‬فقلت اذىب إٔب ذلك البقر ورعاهتا فخذ‪ .‬فقال‪:‬‬
‫اتق ا﵁ وال تستهزئ يب‪ .‬فقلت‪ :‬إ٘ب ال أستهزئ بك‪ ،‬فخذ‪ .‬فأخذه"‪ .6‬ىذا اغبديث دليل على جواز تصرف‬
‫الرجل ُب مال األجَت بغَت إذنو‪ ،‬ولكنو ؼبا شبره لو ومناه وأعطاه أخذه ورضى بو‪ .7‬ولقد حث على ذلك النيب‬
‫حيث قال‪" :‬من استطاع منكم أن يكون مثل صاحب فرق األرز فليكن مثلو"‪ .‬قالوا ومن صاحب فرق األرز يا‬
‫رسول ا﵁؟‪ .‬فذكر حديث أىل الغار‪.8‬‬
‫نوقش وجو االستدالل هبذا اغبديث من وجهُت‪:‬‬
‫‪ - 1‬السرخسي‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،13‬ص‪154‬؛ الكاسا٘ب‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،6‬ص‪576‬؛ الزيلعي‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،4‬ص‪.103‬‬
‫‪ - 2‬النووي‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،9‬ص‪.317‬‬
‫‪ - 3‬ؿبمد بن عيسى بن سورة‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،3‬ص‪.549‬‬
‫‪ - 4‬السرخسي‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،13‬ص‪.154‬‬
‫‪ - 5‬عبد الرازق حسن فرج‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ص‪.57‬‬
‫‪ - 6‬البخاري‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪.156 ،2‬‬
‫‪ - 7‬عبد اؼبنعم عبده الربعى‪ ،‬اؼبرجع السابق‪.197 ،‬‬
‫‪ - 8‬أيب داود‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،3‬ص‪.440 -439‬‬

‫‪27‬‬

‫‪-1‬أن ىذا شرع ؼبن قبلنا وُب كونو شرع لنا خبلف مشهور‪ ،‬فإن قلنا ليس بشرع لنا ٓب يكن حجة‪.‬‬
‫‪-2‬أنو ؿبمول على أنو استأجره بأرز ُب الذمة وٓب يسلمو إليو‪ ،‬بل عينو لو فلم يتعُت من غَت قبض فبقى‬
‫على ملك اؼبستأجر‪ ،‬ألن ما ُب الذمة ال يتعُت إال بقبض صحيح‪.‬‬
‫ٍب إن اؼبستأجر تصرف فيو وىو ملكو فيصح تصرفو سواء اعتقده لو أو لؤلجَت ٍب تربع دبا اجتمع منو‬
‫على األجر بًتاضيهما‪.1‬‬
‫أما من حيث القياس‪ ،‬فقاسوا التصرف اؼبوقوف كتصرف الفضوٕب على وصية اؼبدين بدين مستغرق‬
‫وبأكثر من الثلث‪ ،‬وعلى العقد اؼبشروط فيو خيار‪ ،‬وعلى بيع اؼبرىون الذي يكون موقوفا على إجازة اؼبرهتن‪.2‬‬
‫وقد نوقش بأن قياس التصرف اؼبوقوف كتصرف الفضوٕب بالبيع على وصية اؼبدين قياس مع الفارق‪ ،‬ألن‬
‫الوصية ربتمل الغرر وتصح باجملهول واؼبعدوم خببلف البيع‪ ،‬كذلك ال يصح قياسو على البيع اؼبشروط فيو خيار‪،‬‬
‫ألنو ًب بُت اؼبالكُت‪ ،‬فهو منعقد ُب اغبال ٍب ينتظر فسخو‪ ،‬فإذا مضت اؼبدة وٓب يفسخ لزم البيع‪.3‬‬
‫أما من حيث اؼبصلحة‪ ،‬فإن تصرف الفضوٕب ومن ُب حكمو صحيحا موقوفا على اإلجازة فيو مصلحة‬
‫للفضوٕب واؼبالك واؼبشًتي من غَت ضرر وال مانع شرعي‪ ،‬فإن مالك اؼببيع الذي باعو الفضوٕب قد كفى مؤونة‬
‫طلب اؼبشًتي وعرض السلعة‪ ،‬وإٔب ىذا توافر للمشًتي وصولو إٔب طلبو وحاجتو دون انتظار حضور اؼبالك‪ ،‬كما‬
‫توافر للفضوٕب صون كبلمو من اإللغاء وما قصده من إعانتو لغَته‪ ،‬وإمنا تأخر األثر إٔب وقت الرضا حىت ال يضار‬
‫اؼبالك بإلزامو دبا ال يرضى إذا تبُت فيما بعد أنو ال يرضى بذلك‪ .4‬وعليو فالعقد اؼبوقوف على اإلجازة فيو رعاية‬
‫للمصلحة وتيسَت للناس ُب اؼبعامبلت ورفع اغبرج والضيق عنهم‪.‬‬

‫‪ - 1‬النووي‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،9‬ص‪.318‬‬
‫‪ - 2‬ابن مهام‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،5‬ص‪310‬؛ الزيلعي‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،4‬ص‪.104‬‬
‫‪ - 3‬النووي‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،9‬ص‪.318‬‬
‫‪ - 4‬ابن مهام‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،5‬ص‪310‬؛ علي اػبفيف‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ص‪.319 -318‬‬
‫‪28‬‬

‫أما من حيث اؼبعقول‪ ،‬فالتصرف اؼبوقوف ىو تصرف صدر من أىلو ُب ؿبلو‪1‬فبل يلغو‪ ،‬بل يتحقق وجوده‬
‫ٍب ديتنع نفاذه شرعا ؼبانع فيتوقف على زوال ذلك اؼبانع وباإلجازة يزول ىذا اؼبانع‪.2‬‬
‫ىذا فضبل عن أنو يثبت بالسبب اؼبوقوف ملك موقوف‪ ،‬كما يثبت بالسبب البات ملك بات‪ٍ ،‬ب إن‬
‫السبب إمنا يلغو إذا خبل من اغبكم شرعا‪ ،‬أما إذا تأخر عنو فبل يلغو‪ ،‬ألن اغبكم تارة يتصل بالسبب وتارة يتأخر‬
‫كما ُب البيع بشرط اػبيار‪ ،‬وتصرف الفضوٕب ىو تصرف موقوف يتأخر اغبكم إٔب إجازة اؼبالك وال ينعدم أصبل‪،‬‬
‫ألن انعدام اغبكم ُب اغبال إمنا ىو لرفع الضرر عن اؼبالك وُب تأخَت اغبكم إٔب وجود اإلجازة توفَت ؼبنفعة تعود‬
‫عليو‪ ،‬فإن شاء أجاز التصرف وإن شاء أبطلو‪ ،‬فيكون فيو ؿبض منفعة لو‪ ،‬فلهذا انعقد السبب ُب اغبال على أن‬
‫جيعل إجازتو ُب االنتهاء كإذنو ُب االبتداء‪.3‬‬
‫ثانيا‪ -‬الرأي القائل ببطالن العقد الموقوف‬
‫يري أصحاب ىذا الرأي أن العقد اؼبوقوف باطل‪ ،‬ألن صحة العقود حسب رأيهم ال تكتمل إال باألىلية‬
‫والوالية‪ ،‬وزبلف ىذين الشرطُت يرتب البطبلن‪.4‬‬
‫والقائلون هبذا الرأي ىم فقهاء الشافعية ُب اؼبذىب اعبديد‪ ،5‬واغبنابلة‪ ،6‬والظاىرية‪ ،7‬والشيعة االمامية‪،‬‬
‫والزيدية‪ ،‬واالباضية‪.8‬‬

‫‪ - 1‬ألن أىلية التصرف بالعقل والبلوغ‪ ،‬وأما ُب ؿبلو فؤلن ؿبل العقد ىو اؼبال اؼبتقوم‪ ،‬وانعدام اؼبلك للعاقد ال يعٍت انعدام اؼبالية والتقو‪ٙ‬ب‪ ،‬بدليل أنو إذا‬
‫باعو بإذن اؼبالك جاز‪ ،‬واإلذن ال يقلب غَت ا﵀ل ؿببل‪ .‬أنظر‪ ،‬أكمل الدين ؿبمد بن ؿبمود البابرٌب‪ ،‬شرح العناية على اؽبداية‪ ،‬ج‪ ،5‬ط‪ ،1‬اؼبطبعة‬
‫الكربى األمَتية‪ ،‬مصر‪ ،1316 ،‬ص‪.310‬‬
‫‪ - 2‬السرخسي‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،13‬ص‪.154‬‬
‫‪ - 3‬السرخسي‪ ،‬نفس اؼبرجع‪ ،‬ج‪ ،13‬ص‪.155 -154‬‬
‫‪ - 4‬عجإب خبالد‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ص‪.33‬‬
‫‪ - 5‬النووي‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،9‬ص‪312‬؛ مشس الدين بن اػبطيب الشربيٍت‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،2‬ص‪.21‬‬
‫‪ - 6‬بن قدامة‪ ،‬اؼبغٌت‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،6‬ص‪.296- 295‬‬
‫‪ - 7‬بن حزم‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪،8‬ص‪.434‬‬
‫‪ - 8‬عبد الرازق حسن فرج‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ص‪.54‬‬
‫‪29‬‬

‫وعلى غرار الفريق األول استند أنصار ىذا االذباه على أدلة من الكتاب والسنة‪ ،‬كما استدلوا بالقياس‬
‫واؼبعقول‪ .‬أما من حيث الكتاب‪ ،‬قولو تعأب ‪﴿:‬وال تكسب كل نفس إال عليها﴾‪.1‬ىذه اآلية دليل على أن سعي‬
‫اإلنسان وكسبو يكون لو ال لغَته‪ ،‬ومن يتصرف ُب شيء ليس لو والية عليو‪ ،‬فتصرفو باطل‪.2‬‬
‫وقد نوقش االستدالل هبذه اآلية أهنا ربمل الثواب والعقاب األخروي دون أحكام الدنيا‪ .‬ولو فرض ذلك‬
‫فإن تصرف اإلنسان وإن كان حبسب األصل لو‪ ،‬فإنو قد يكون لغَته بإذن سابق كما ىو الشأن ُب الوكالة أو‬
‫اإلذن البلحق واإلجازة كما ىو اغبال ُب العقد اؼبوقوف‪.3‬‬
‫أما السنة النبوية‪ ،‬روي عن حكيم بن حزام أنو قال‪ :‬أتيت رسول ا﵁‬

‫فقلت يأتيٍت الرجل يسألٍت عن‬

‫البيع ما ليس عندي‪ ،‬ابتاع لو من السوق ٍب أبيعو؟ قال‪" :‬ال تبع ما ليس عندك"‪ .4‬فهذا اغبديث يدل دبقتضى ما‬
‫فيو من هني على أن بيع اإلنسان ماال ديلك ال ينعقد‪ ،‬ألنو ال ينعقد صحيحا تصرف صدر فيو هني من الشارع‬
‫اغبكيم‪ ،‬إذ مطلق النهي يوجب فساد اؼبنهي عنو‪ ،‬والفاسد من العقود غَت مشروع‪.5‬‬
‫نوقش بأن اؼبراد باغبديث ىو أن يبيع الشخص شيئاً ليس عنده‪ٍ ،‬ب يشًتيو‪ٍ ،‬ب يسلمو حبكم البيع‬
‫السابق‪ ،‬وذلك غَت فبكن ألن اغبادث يثبت مقصورا على اغبال وحكم ذلك السبب ليس ىذا بل أن يثبت‬
‫باإلجازة من حُت ذلك العقد‪ .6‬وقصة اغبديث أن حكيم بن حزام قال يا رسول ا﵁‬

‫أن الرجل ليأتيٍت فيطلب‬

‫مٍت سلعة ليست عندي فأبيعها منو ٍب أدخل السوق فأشًتيها فأسلمها إليو‪ ،‬فقال الرسول‬

‫‪" :‬التبع ما ليس‬

‫عندك"‪.7‬‬
‫أما القياس‪ ،‬فقد قاس أصحاب ىذا الرأي العقد الوقوف على بيع الطَت ُب اؽبواء والسمك ُب اؼباء‪،‬‬
‫وذلك الرباد العلة وىي عدم القدرة على التسليم‪ ،‬فكان حكمهما واحد وىو البطبلن‪.8‬‬

‫‪ - 1‬سورة األنعام‪ ،‬اآلية ‪.164‬‬
‫‪ - 2‬بن حزم‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،8‬ص‪.435 -434‬‬

‫‪ - 3‬عجإب خبالد‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ص‪.34‬‬
‫‪ - 4‬ؿبمد بن عيسى بن سورة‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪.525 ،3‬‬
‫‪ - 5‬أبو زىرة‪ ،‬اؼبلكية‪،...‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ص‪.396‬‬
‫‪ - 6‬ابن مهام‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،5‬ص‪.309‬‬
‫‪ - 7‬الزيلعي‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،4‬ص‪.104‬‬
‫‪ - 8‬السرخسي‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،13‬ص‪.153‬‬
‫‪30‬‬

‫ويناقش ىذا بأنو قياس مع الفارق‪ ،‬ألن بطبلن بيع الطَت ُب اؽبواء والسمك ُب اؼباء يكمن ُب انعدام ا﵀ل‬
‫ُب كل منهما‪ ،‬وليسا دبملوكُت أصبل‪ ،‬وما ليس دبملوك ألحد ال يكون ؿبل للبيع‪ ،1‬العقد اؼبوقوف ليس كذلك‬
‫فهو تصرف صحيح صادر من أىلو ُب ؿبلو وال ينفذ إال بإجازة صاحب اغبق‪.‬‬
‫أما اؼبعقول‪ ،‬فالوالية الشرعية ىي أساس االنعقاد‪ ،‬فالوالية مثل األىلية شرط لصبلحية العبارة إلبرام‬
‫العقد‪ ،‬وال والية إال إذا كان العاقد ذا شأن ُب العقد بصفة مباشرة بأن يكون ىو اؼبالك‪ ،‬أو بصفة غَت مباشرة بأن‬
‫تكون لو نيابة عن صاحب الشأن بوالية أو وكالة‪ ،‬وذلك ألن شرط انعقاد العقد أن يكون كل عاقد قادرا على‬
‫سبكُت من تعاقد معو من كل أحكام العقد اؼبتعلقة بو‪ ،‬فإذا ٓب تتوافر لدى العاقد ىذه القدرة الشرعية فإن العقد ال‬
‫ينعقد‪.2‬‬
‫ويناقش ىذا بأن الوالية الشرعية شرط من شروط النفاذ‪3‬ال من شروط االنعقاد‪ ،‬وزبلف شرط النفاذ‬
‫يًتتب عليو وقف نفاذ العقد على إجازة من ديلكها شرعا‪ ،‬ال أن يقال ببطبلنو‪.‬‬
‫ومن خبلل تتبع آراء الفريقُت‪ ،‬يتضح جببلء أن اػببلف حول اعتبار العقد اؼبوقوف عقد صحيح أو باطل‬
‫يكمن ُب تكييف كل فريق لشرط الوالية‪ ،‬فمن اعتربىا شرط انعقاد نادى بالبطبلن‪ ،‬ومن اعتربىا شرط نفاذ نادى‬
‫بالوقف‪ ،‬حيث يقول صاحب البدائع ُب مسألة الفضوٕب "وإن كان فضوليا فليس بشرط انعقاد عندنا‪ ،‬بل ىو من‬
‫شرائط النفاد‪ ،‬فإن بيع الفضوٕب عندنا منعقد متوقف على إجازة اؼبالك‪ ،‬فإن أجازه نفد‪ ،‬وإن رد بطل‪ .‬وعند‬
‫الشافعي(رضبو ا﵁) ىو شرط االنعقاد‪ ،‬ال ينعقد بدونو‪ ،‬وبيع الفضوٕب باطل عنده"‪.4‬‬
‫والرأي الراجح‪ ،‬ىو أن العقد اؼبوقوف عقد صحيح‪ ،‬وذلك ؼبا فيو من التيسَت على الناس ُب معامبلهتم‪،‬‬
‫وربقيق مصاغبهم‪ ،‬واعانة بعضهم البعض دون ضرر يلحق بأحد اؼبتعاقدين‪ ،‬وىذا فضبل على أن القول بالوقف‬
‫يتفق مع مبدأ الرضائية ُب العقود‪ ،‬فبل خيرج شيء من ملك الشخص جربا عنو أو دون رضاه و إجازتو‪.5‬‬

‫‪ - 1‬ابن مهام‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،5‬ص‪.310‬‬
‫‪ - 2‬عبد الرازق حسن فرج‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ص‪67‬؛ أبو زىرة‪ ،‬اؼبلكية‪ ،...‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ص‪.396‬‬
‫‪ - 3‬ابن مهام‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،5‬ص‪74‬؛ ابن عابدين‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،7‬ص‪.15‬‬
‫‪ - 4‬الكاسا٘ب‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،6‬ص‪.569‬‬
‫‪ - 5‬عبد الرازق حسن فرج‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ص‪.98‬‬
‫‪31‬‬

‫وحاالت العقد اؼبوقوف متعددة أوصلها فقهاء اغبنفية إٔب شبانية وثبلثُت نوع‪1‬ويعترب تصرف الصيب الدائر‬
‫بُت النفع والضرر‪ ،‬وتصرف الفضوٕب أبرز حاالت العقد اؼبوقوف‪.2‬‬
‫قلنا فيما تقدم أن العقد ُب الفقو اإلسبلمي ينقسم من حيث الصحة والعدم إٔب عقد صحيح وعقد غَت‬
‫صحيح‪ ،‬وال خبلف بُت فقهاء الشريعة اإلسبلمية ُب ىذا التقسيم‪ ،‬غَت أن اػببلف على أشده ُب تقسيم العقد‬
‫غَت الصحيح‪.‬‬

‫المطلب الثاني‬
‫العقد غير الصحيح‬
‫ينقسم العقد ُب الفقو اإلسبلمي‪ ،‬من حيث اعتبار الشارع لو وترتب آثاره عليو وعدم ذلك‪ ،‬إٔب عقد‬
‫صحيح وغَت صحيح‪ ،‬وال خبلف بُت الفقهاء‪ ،‬بأن العقد الصحيح ىو ما أقره الشارع ورتب آثاره عليو(على‬
‫حسب قوة إنشائو) بأن تكون أركانو ساؼبة ال خلل فيها وكذلك أوصافو‪ ،‬وىذا اؼبعٌت متفق على أنو اؼبراد بالعقد‬
‫الصحيح‪ .‬ولكن موضع اػببلف ىو ُب مقابل العقد الصحيح‪ ،‬فاعبمهور يقولون أن مقابل العقد الصحيح ىو‬
‫عقد باطل غَت منعقد‪ ،‬سواء كان اػبلل ُب أركانو أو كان اػبلل ُب أوصافو‪ .‬وقال اغبنفية إن كان اػبلل ُب أركانو‬
‫فالعقد باطل‪ ،‬أما إن كان اػبلل ليس ُب أركانو وإمنا ُب أوصاف خارجة عنو كان العقد فاسدا‪.3‬‬
‫فالصحيح والباطل قسم مشًتك بُت اغبنفية واعبمهور من حيث ثبوت حكمهما‪ ،‬وإن كان ىناك‬
‫اختبلف لفظي ُب تعريفهما‪ .‬أما العقد الفاسد فخالف فيو اغبنفية اعبمهور من حيث تعريفو وأحكامو‪.4‬‬
‫وعليو سنحاول دراسة أقسام العقد غَت الصحيح(الفرع األول)‪ٍ ،‬ب أحكام العقد الباطل والعقد‬
‫الفاسد(الفرع الثا٘ب)‪.‬‬

‫‪ - 1‬ابن عابدين‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،7‬ص‪.320‬‬
‫‪ - 2‬ؿبمد سعيد جعفور‪ ،‬نظرات‪ ،...‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ص‪.91‬‬
‫‪ - 3‬ؿبمد أبو زىرة‪ ،‬اؼبلكية‪ ،...‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ص‪.409‬‬
‫‪ - 4‬أنظر‪ ،‬إبراىيم علي أضبد الشال الطنيجي‪ ،‬طرق تصحيح العقد الفاسد‪ ،‬ؾبلة الشريعة والقانون‪ ،‬اإلمارات العربية اؼبتحدة‪ ،2007 ،‬عدد‪،31‬‬
‫ص‪.164 -163‬‬
‫‪32‬‬

‫الفرع األول‬
‫أقسام العقد غير الصحيح‬
‫قلنا‪ ،‬فيما تقدم‪ ،‬أن العقد ُب الفقو اإلسبلمي‪ ،‬ينقسم إٔب صحيح وغَت صحيح‪ ،‬وأن ال خبلف بُت‬
‫الفقهاء ُب العقد الصحيح‪ ،‬غَت أن اػببلف على أشده ُب مقابل العقد الصحيح‪ ،‬فاغبنفية يقولون أن ما يقابل‬
‫العقد الصحيح إما أن يكون باطبل أو فاسدا‪ .‬أما اعبمهور فَتون أن ما يقابل العقد الصحيح ىو باطل غَت‬
‫منعقد‪ ،‬سواء كان اػبلل ُب أركان العقد أو ُب أوصافو‪.‬‬
‫ويرجع اػببلف ُب ذلك إٔب قاعدة أصولية‪ ،‬وىي فهم أثر النهي على التصرفات الشرعية‪ ،‬فإذا كان أثر‬
‫النهي عن التصرفات الشرعية ىو اعبزاء على ما تًتكو اؼبخالفة من خلل ُب التصرف‪ .‬فهل اعبزاء واحد على كل‬
‫اؼبخالفات‪ ،‬أم أن اعبزاء ينبغي أن يتقدر بقدر اؼبخالفة؟‪.‬‬
‫وعليو سنحاول درا سة أقسام العقد غَت الصحيح عند فقهاء الشريعة اإلسبلمية أوال‪ٍ ،‬ب أساس اػببلف‬
‫بينهم حول ىذا التقسيم ثانيا‪.‬‬
‫أوال‪ -‬أقسام العقد غير الصحيح عند فقهاء الشريعة اإلسالمية‬
‫انقسم فقهاء الشريعة اإلسبلمية بصدد العقد غَت الصحيح إٔب فريقُت‪ :‬فريق أيب حنيفة وأصحابو وفريق‬
‫صبهور الفقهاء من مالكية وشافعية وحنابلة‪.‬‬
‫أ‪-‬العقد غير الصحيح في المذىب الحنفي‬
‫ذىب فقهاء اغبنفية إٔب أن العقد غَت الصحيح ينقسم إٔب قسمُت‪ :‬باطل وفاسد‪ ،‬وذلك حسب ما تًتكو‬
‫اؼبخالفة من خلل ُب العقد‪ .‬فإذا كان اػبلل ُب أركان العقد وما يتعلق هبذه األركان من شروط كان اعبزاء ىو‬
‫البطبلن‪ .‬أما إذا كان اػبلل ُب وصف من أوصافو كان اعبزاء ىو الفساد‪ ،‬ذلك أن االجتهاد اغبنفي الحظ أن‬
‫اؼبخالفات ليست على درجة واحدة‪ ،‬فهناك ـبالفات ُب نواحي أساسية للعقد‪ ،‬وأخرى ُب نواحي فرعية‪،1‬‬

‫‪ - 1‬أنظر‪ ،‬صاحب عبيد الفتبلوي‪ ،‬ربول العقد‪ ،‬ط‪ ،1‬مكتبة الثقافة‪ ،‬عمان‪ ،1997 ،‬ص‪53‬؛ ؿبمد سعيد جعفور‪ ،‬نظرات‪ ،...‬اؼبرجع السابق‪،‬‬
‫ص‪.94‬‬
‫‪33‬‬

‫ولتحقيق إرادة الشارع فيما شرع على سنن من اغبق والعدل واؼبصلحة‪ ،‬فإن اعبزاء ينبغي أن يتقدر بقدر اؼبخالفة‬
‫أو اػبلل قوًة وضعفاً‪.1‬‬
‫وعليو فالعقد غَت الصحيح عند فقهاء اغبنفية ينقسم إٔب قسمُت‪ :‬باطل وفاسد‪ .‬وقد قال صاحب‬
‫البدائع ُب ىذا الشأن‪" :‬وعندنا الفاسد قسم آخر وراء اعبائز الباطل"‪.2‬‬
‫‪-1‬العقد الباطل‬
‫البطبلن لغة‪ :‬الضياع واػبسران أو سقوط اغبكم‪ ،‬يقال بطل الشيء يبطل بطبل وبطوال وبطبلنا‪ :‬دبعٌت‬
‫ذىب ضياعا وخسرانا أو سقط حكمو‪ ،‬والباطل نقيض اغبق‪.3‬‬
‫أما اصطبلحا‪ :‬فلما بدأت تتكون لغة الفقو اإلسبلمي واصطبلحاتو أخذ البطبلن ُب لسان الفقهاء معٌت‬
‫عمليا تشريعيا جديدا‪ ،‬فاستعملوه دبعٌت عدم صحة العمل ذي األثر الشرعي عندما يكون ذلك العمل غَت معترب ُب‬
‫نظر الشارع‪ ،‬حبيث يعد وجوده كعدمو ؼبخالفة ناحية يوجب الشارع مراعاهتا فيو‪ ،‬فبل يًتتب عليو أثره الشرعي‬
‫اػباص من نشوء حق أو سقوط تكليف‪ .‬ومن ىنا فإن البطبلن ىو عدم اكتساب التصرف وجوده االعتباري وآثاره‬
‫ُب نظر الشارع‪.4‬‬
‫ومن ٍب يعرف العقد الباطل ُب اصطبلح الفقهاء بأنو " ما ال يكون مشروعا ال بأصلو وال بوصفو"‪ .5‬وىم‬
‫يريدون من عدم مشروعية العقد بأصلو أنو قد وقع ـبالفاً لناحية جوىرية من النظام الشرعي فيو‪.6‬‬
‫والناحية اعبوىرية كما يقول صاحب البدائع ىي شرائط االنعقاد العامة فإذا زبلف شرط من شرائط االنعقاد‬
‫العامة فالعقد باطل‪.7‬‬

‫‪ - 1‬فتحي الدريٍت‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ص‪.184‬‬
‫‪ - 2‬الكاسا٘ب‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،7‬ص‪.366‬‬
‫‪ - 3‬ابن منظور‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،11‬ص‪56‬؛ اؼبقري‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ص‪.20‬‬

‫‪ - 4‬مصطفى أضبد الزرقا‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،2‬ص‪.703- 702‬‬
‫‪ - 5‬ابن قبيم‪ ،‬البحر‪ ،...‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،6‬ص‪75‬؛ ابن عابدين‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،7‬ص‪233‬؛ فتحي الدريٍت‪ ،‬اؼبرجع السابق‪،2008 ،‬‬
‫ص‪264‬؛ عصمت عبد اجمليد بكر‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ص‪74‬؛ أضبد فراج حسُت‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ص‪276‬؛ ؿبمد سبلم مدكور‪ ،‬اؼبرجع السابق‪،‬‬
‫ص‪.126‬‬
‫‪ - 6‬مصطفى أضبد الزرقا‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،2‬ص‪.709‬‬
‫‪ - 7‬الكاسا٘ب‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،6‬ص‪.533‬‬
‫‪34‬‬

‫وشرائط االنعقاد أنواع ديكن إرجاعها إٔب جهات ثبلث‪:1‬‬
‫‪-1‬صيغة العقد أو التعبَت عن اإلرادة‪ :‬وتتم بصدور إجياب وقبول متطابقُت ُب ؾبلس العقد‪ .‬وىذا التعبَت‬
‫عن اإلرادة ىو ركن العقد‪ ،‬بل ىو الركن الوحيد عند فقهاء اغبنفية‪ ،‬وىذا يكشف النزعة اؼبوضوعية للفقو اإلسبلمي‬
‫الذي يعتد باإلرادة الظاىرة وجيعل منها ركن العقد الوحيد‪ .‬ويشمل ىذا األصل شرطُت مها‪:‬‬
‫تطابق اإلجياب والقبول وىذا ىو الًتاضي‪.‬‬‫ارباد ؾبلس العقد‪.‬‬‫‪-2‬العاقدان‪ :‬ومها اللذان يصدر عنهما التعبَت باإلجياب والقبول ويشًتط فيهما التمييز‪ ،‬فمن انعدم لديو‬
‫التمييز ال يعتد شرعا بالتعبَت الصادر عنو‪ ،‬كالصغَت غَت اؼبميز واجملنون واؼبعتوه غَت اؼبميز والسكران الفاقد التمييز‪،‬‬
‫وإذا صدر من أحدىم تعبَت عن اإلرادة فهذا التعبَت ال وجود لو شرعا إذ العقد يفًتض وجود عاقدين أحدمها يصدر‬
‫منو اإلجياب واآلخر يصدر منو القبول‪ ،‬فالعقد إذن ال يتم بإرادة منفردة بل بإرادتُت متطابقتُت‪.‬‬
‫ومن ٍب ديكن استخبلص من ىذه اعبهة الثانية شرطُت آخرين مها‪:‬‬
‫التعدد‪.‬‬‫ التمييز‪.‬‬‫‪-3‬اؼبعقود عليو أو ؿبل العقد‪ :‬ويشًتط فيو أن يكون‪:‬‬
‫موجودا أو فبكنا أي مقدور التسليم‪.‬‬‫معينا أو قابل التعيُت‪.‬‬‫صاغبا للتعامل فيو أي ماال متقوما فبلوكا‪.‬‬‫فإذا فقدت واحدة من ىذه الشرائط ُب عقد من العقود كانت النتيجة عدم انعقاد العقد شرعا وإن وجدت‬
‫صورتو حسا‪ ،‬فيكون وجود العقد كعدمو ُب النظر الشرعي‪ ،‬وعندئذ يسمى العقد ُب اصطبلح الفقهاء‪ :‬عقدا باطبل‪.‬‬

‫‪ - 1‬عبد الرزاق أضبد السنهوري‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،4‬ص‪126 -125‬؛ ؿبمد حسنُت‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ص‪.14 -13‬‬
‫‪35‬‬

‫‪-2‬العقد الفاسد‬
‫الفساد لغة‪ :‬يطلق على عدة معا٘ب‪ ،‬فهو نقيض الصبلح واؼبفسدة خبلف اؼبصلحة‪ ،1‬وىو التلف والعطب‬
‫واالضطراب وإغباق الضرر‪.2‬‬
‫أما اصطبلحا‪ :‬ؼبا نشأت االجتهادات الفقهية واصطبلحاهتا أطلق فقهاء اغبنفية الفساد على معٌت تشريعي‬
‫مد٘ب جديد‪ ،‬فاستعملوه للداللة على حالة يعتربون فيها العقد ـبتبل ُب بعض نواحيو الفرعية اختبلال جيعلو ُب مرتبة‬
‫بُت الصحة والبطبلن‪ ،‬فبل ىو بالباطل غَت اؼبنعقد ألن اؼبخالفة لنظامو التشريعي ليست ـبالفة ُب ناحية جوىرية كما‬
‫ُب حالة البطبلن‪ ،‬وال ىو بالصحيح التام ألن فيو إخبلال بنظام التعاقد ولو أن ىذا اإلخبلل ُب ناحية فرعية غَت‬
‫جوىرية‪.3‬‬
‫ومن ٍب يعرف العقد الفاسد ُب اصطبلح الفقهاء بأنو "ما كان مشروعا بأصلو دون وصفو"‪.4‬‬
‫الشرائط األساسية الضرورية النعقاد العقد ال تكفي لصحتو بل جيب أن تضاف إليها أوصاف معينة‪،‬‬
‫وجودىا ضروري لصحة العقد‪ ،‬وإذا زبلف وصف منها ال دينع ذلك من انعقاد العقد لكنو ينعقد فاسدا ػبلل ُب‬
‫وصفو‪.5‬‬
‫وشرائط االنعقاد اليت تتطلب أوصافا تكملها ليكون العقد صحيحا ىي شرط التمييز ُب العاقدين وشروط‬
‫ا﵀ل الثبلثة؛ فشرط التمييز الذي يقوم عليو الًتاضي جيب أن يكملو وصف مبلزم لصحة العقد‪ ،‬ىو خلو الرضا من‬
‫اإلكراه‪ ،6‬فالعاقد إذا شاب إرادتو إكراه كان عقده فاسدا‪ .‬وشرط أن يكون ا﵀ل موجودا مقدور التسليم‪ ،‬يكملو‬
‫وصفُت‪ ،‬فالوجود جيب أن ال يدخلو غرر‪ ،‬والقدرة على التسليم يكملها أن تكون ىذه القدرة من غَت ضرر‪ .‬وشرط‬
‫‪ - 1‬ابن منظور‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،3‬ص‪.335‬‬
‫‪ - 2‬أنظر‪ ،‬ؾبمع اللغة العربية‪ ،‬معجم الوسيط‪ ،‬ط‪ ،4‬مكتبة الشروق الدولية‪ ،‬مصر‪ ،2004 ،‬ص‪.688‬‬
‫‪ - 3‬مصطفى أضبد الزرقا‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،2‬ص‪.730- 729‬‬
‫‪ - 4‬أنظر‪ ،‬عبد الغٍت الغنيمي‪ ،‬اللباب ُب شرح الكتاب‪ ،‬ج‪ ،2‬اؼبكتبة العلمية‪ ،‬بَتوت‪ ،‬د س ن‪ ،‬ص‪94‬؛ وىبة الزحيلي‪ ،‬الفقو اإلسبلمي وأدلتو‪ ،‬ج‪،5‬‬
‫ط‪ ،4‬دار الفكر اؼبعاصر‪ ،‬دمشق‪ ،1997 ،‬ص‪3396‬؛ ابن عابدين‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،7‬ص‪233‬؛ ابن قبيم‪ ،‬البحر‪ ،...‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪،6‬‬
‫ص‪74‬؛ عصمت عبد اجمليد بكر‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ص‪74‬؛ أضبد فراج حسُت‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ص‪277‬؛ ؿبمد سبلم مدكور‪ ،‬اؼبرجع السابق‪،‬‬
‫ص‪126‬؛ فتحي الدريٍت‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ص‪.264‬‬
‫‪ - 5‬ؿبمد حسنُت‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ص‪.15‬‬
‫‪ - 6‬ذلك أن اإلكراه سبب لفساد العقد عند اإلمام أبو حنيفة وصاحباه أبو يوسف وؿبمد‪ ،‬خببلف اإلمام زفر الذي يرى أن اإلكراه سبب العتبار‬
‫العقد موقوفا على إجازة اؼبكره‪ ،‬وليس فاسدا‪ .‬الزيلعي‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،5‬ص‪182‬؛ أبو بكر اؼبرغينا٘ب‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،7‬ص‪.295‬‬
‫‪36‬‬

‫أن يكون ا﵀ل معينا أو قابل للتعيُت‪ ،‬يكملو وصف‪ ،‬وىو نفس الوصف الذي يكمل وجود ا﵀ل؛ أي انتفاء الغرر‪.‬‬
‫وشرط أن يكون ا﵀ل صاغبا للتعامل فيو‪ ،‬يكملو وصفُت مها‪ :‬أن يكون ا﵀ل خاليا من الشرط الفاسد وأن يكون‬
‫خاليا من الربا‪.1‬‬
‫وعليو فاألسباب اليت ذبعل العقد فاسداً ُب اؼبذىب اغبنفي بالرغم من انعقاده ىي‪ :‬اإلكراه‪ ،‬الغرر‪ ،‬الضرر‬
‫الذي يصحب التسليم‪ ،‬الشرط الفاسد‪ ،‬الربا‪.‬‬
‫وىذه األسباب ذبعل العقد باطبل ُب اؼبذاىب األخرى‪.‬‬
‫ب ‪ -‬العقد غير الصحيح عند جمهور الفقهاء‬
‫ذىب صبهور الفقهاء من مالكية‪2‬وشافعية‪3‬وحنابلة‪4‬كما ذىب أىل الظاىر‪5‬إٔب أن العقد غَت الصحيح‬
‫قسم واحد ال ينعقد بو العقد وال يًتتب عليو أثره الشرعي‪.‬‬
‫إن العقد ُب نظر فقهاء اؼبذاىب ينقسم إٔب قسمُت‪ :‬صحيح وباطل‪ ،‬وأن الصحيح ىو ما توافرت صبيع‬
‫أركانو وشروطو بشكل يرتب الشارع صبيع آثاره عليو وما عدا ذلك فهو باطل‪ ،‬وقد يعرب عنو بالفاسد من باب ترادف‬
‫األلفاظ على اؼبعٌت الواحد‪ ،‬فبل فرق بُت الباطل والفاسد‪ ،‬فهما مًتادفان عندىم متباينان عند اغبنفية‪ ،‬حيث يقول‬
‫السيوطي‪" :‬الباطل والفاسد عندنا مًتادفان"‪ .6‬وقال اآلمدي‪" :‬أما الفاسد‪ ،‬فمرادف للباطل‪ ،‬وىو عند أىب حنيفة‬
‫قسم ثالث مغاير الصحيح والباطل"‪ .7‬ويقول كذلك ابن قدامو‪ " :‬الفاسد مرادف للباطل‪ ،‬فهما إظبان ؼبسمى‬
‫واحد‪ ،‬وأبو حنيفة أثبت قسما بُت الباطل والصحيح"‪.8‬‬
‫وعليو فالباطل يطلق عليو الفاسد‪ ،‬فهما مًتادفان مفهوما‪ ،‬وسببا وحكما‪.‬‬
‫أما اؼبفهوم فهو ارتفاع اؼبشروعية وانعدامها‪.‬‬
‫‪ - 1‬عبد الرزاق أضبد السنهوري‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،4‬ص‪.147‬‬
‫‪ - 2‬الدسوقي‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،3‬ص‪.54‬‬

‫‪ - 3‬النووي‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،9‬ص‪169‬؛ السيوطي‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،2‬ص‪33‬؛ اآلمدي‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،1‬ص‪.175‬‬
‫‪ - 4‬أضبد بن قدامة‪ ،‬روضة‪ ،...‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ص‪.31‬‬
‫‪ - 5‬ابن حزم‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،8‬ص‪.421‬‬
‫‪ - 6‬السيوطي‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،2‬ص‪.33‬‬
‫‪ - 7‬اآلمدي‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،1‬ص‪.175‬‬
‫‪ - 8‬أضبد بن قدامة‪ ،‬روضة‪ ،...‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ص‪.31‬‬
‫‪37‬‬

‫وأما السبب فلفوات األركان والشروط واألوصاف البلزمة‪.‬‬
‫وأما اغبكم فانعدام اآلثار اؼبقصودة من التصرف‪ ،‬إذ ال يًتتب أي أثر منها ألنو إذا كان معٌت الصحة‪ ،‬ىو‬
‫استتباع الغاية‪ ،1‬فالبطبلن عدم استتباعها‪ ،‬والبطبلن والفساد يقابلها‪ ،‬فالقسمة ثنائية‪.‬‬
‫وانطبلقا من ذلك‪ ،‬فإن العقد غَت الصحيح ال يتنوع ُب نظر صبهور الفقهاء‪ ،‬فهم ال يفرقون بُت اػبلل ُب‬
‫أصل العقد واػبلل ُب وصفو البلزم‪ ،‬فاعبزاء واحد ىو البطبلن كما يعرب عنو بالفساد من باب ترادف األلفاظ على‬
‫اؼبعٌت الواحد‪ ،‬حيث يقول الدسوقي ُب شرحو الكبَت‪" :‬وأعلم أن النهي عن الشيء إما لذاتو كالدم واػبنزير أو‬
‫لوصفو كاػبمر وىو اإلسكار أو ػبارج عنو الزم لو كصوم يوم العيد ألن صومو يستلزم اإلعراض عن ضيافة ا﵁ فإن‬
‫كان النهي لواحد فبا ذكر كان مقتضيا للفساد وإن كان النهي عن الشيء ػبارج عنو غَت الزم لو كالصبلة ُب دار‬
‫اؼبغصوبة فبل يقتضي الفساد"‪ .2‬على عكس ما ذىب إليو األحناف إذ فرقوا بينهما ورتبوا على اػبلل ُب األصل‬
‫البطبلن‪ ،‬ورتبوا على اػبلل ُب الوصف الفساد‪.‬‬
‫وترتيبا على ما تقدم‪ ،‬فإن العقد غَت الصحيح عند اعبمهور ىو مآب يستوُب أركانو وشروطو‪ ،‬فبل يًتتب عليو‬
‫أثره الشرعي ػبلل ُب صيغتو أو ؿبلو أو العاقد‪ ،‬أو ُب أي وصف اتصل بو خيرجو من مشروعيتو‪.‬‬
‫وعليو فبيع اعبنُت ُب بطن أمو وبيع اغبر واؼبيتة والبيع بثمن مؤجل إٔب وقت ؾبهول جهالة فاحشة كهبوب‬
‫الريح أو نزول اؼبطر وبيع ما ال يقدر البائع على تسليمو‪ ،‬كل ذلك باطل أو فاسد عندىم ال يًتتب عليو أي أثر‪.3‬‬
‫وإذا قلنا أن العقد غَت الصحيح‪ ،‬ال يتنوع ُب نظر صبهور الفقهاء خببلف فقهاء اغبنفية الذين يرون أن العقد‬
‫غَت الصحيح نوعان‪ :‬عقد باطل وعقد فاسد‪ ،‬وذلك حسب ما تًتكو اؼبخالفة من خلل‪.‬‬
‫فنتساءل‪ :‬ما ىو أساس اػببلف بُت الفقهاء ُب تقسيم العقد غَت الصحيح؟‪.‬‬

‫‪ - 1‬صبال الدين عبد الرحيم بن اغبسن‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،1‬ص‪.97 -96‬‬
‫‪ - 2‬الدسوقي‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،3‬ص‪.54‬‬
‫‪ - 3‬عبد الرازق حسن فرج‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ص‪.29‬‬
‫‪38‬‬

‫ثانيا‪ -‬أساس الخالف في تقسيم العقد غير الصحيح‬
‫إن من يتأمل جيد أن اػببلف بُت اغبنفية وصبهور الفقهاء يرجع إٔب قاعدة أصولية تتمثل ُب األثر الذي‬
‫يًتتب على هني الشارع‪ ،‬إذا ما هنى عن عقد من العقود لعدم توافر ما شرطو فيو من الشروط أو لسبب آخر‪.1‬‬
‫يرى اعبمهور أن هني الشارع عن عقد يقتضي عدم وجوده شرعا‪ ،‬فإذا أقدم عليو إنسان فأنشأه ـبالفا ما أمر‬
‫الشارع ٓب يكن ما قام بو عقد ُب نظر الشارع‪ ،‬وٓب يكن لو وجود سواء كان النهي راجعا إٔب أركان العقد أو إٔب‬
‫وصف الزم لو‪.2‬‬
‫والنهي عن العمل لوصف الزم لو يورث الفساد ُب األصل ألن التصرف وحدة كاملة ال تقبل التجزئة‪،3‬‬
‫وبذلك يكون النهي عن العمل لوصف الزم نظَت النهي عن العمل لذاتو فهو غَت مشروع‪.4‬‬
‫أما إذا كان النهي لوصف ؾباور كالنهي عن البيع وقت نداء اعبمعة‪ ،‬فإنو راجع إٔب أمر جارج عن العقد‬
‫وىو تفويت صبلة اعبمعة ال ػبصوص البيع‪ ،‬والتفويت أمر مقارن غَت الزم ؼباىية البيع‪ ،‬وىذا القسم ال يدل على‬
‫البطبلن‪.5‬‬
‫وفبا سبق يتضح أن النهي عن العقد لذاتو والنهي لوصف الزم‪ ،‬سواء ُب اقتضاء فساد أو بطبلن اؼبنهي عنو‬
‫واعتباره غَت مشروع ال بأصلو وال بوصفو‪ .‬وال فرق بُت الفساد والبطبلن فهما مًتادفان‪6‬يقاببلن الصحة‪ .‬ولقد استدل‬
‫اعبمهور على أن النهي ينصرف إٔب الذات والوصف االزم‪ ،‬فَتتب البطبلن ُب كلتا اغبالتُت‪ ،‬واعتباره بالتإب غَت‬
‫مشروع بعدة حجج‪ ،‬منها خاصة حديث السيدة عائشة رضي ا﵁ عنها أن النيب‬

‫قال" من أحدث ُب أمرنا ىذا‬

‫ما ليس منو فهو رد"‪ .7‬فاغبديث فيو تأكيد على أن التصرف الذي وقع على غَت ما أمر بو الشارع فهو رداً أي‬

‫‪ - 1‬علي اػبفيف‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ص‪332‬؛ ؿبمد سعيد جعفور‪ ،‬نظرات‪ ،...‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ص‪.122‬‬
‫‪ - 2‬علي اػبفيف‪ ،‬نفس اؼبرجع‪ ،‬ص‪.332‬‬

‫‪ - 3‬فتحي الدريٍت‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ص‪.251‬‬
‫‪ - 4‬ؿبمد سعيد جعفور‪ ،‬نظرات‪ ،...‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ص‪.124‬‬
‫‪ - 5‬صبال الدين عبد الرضبن بن اغبسن اآلسنوي‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،2‬ص‪.305- 304‬‬
‫‪ - 6‬السيوطي‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،2‬ص‪.33‬‬
‫‪ - 7‬أنظر‪ ،‬أبو اغبسن اغبنفي اؼبعروف بالسندي‪ ،‬سنن ابن ماجة‪ ،‬ج‪ ،1‬ط‪ ،1‬دار اؼبعرفة‪ ،‬بَتوت‪ ،1996 ،‬ص‪7‬؛ أبو داود سليمان بن األشعث‬
‫السجستا٘ب‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،5‬ص‪.12‬‬
‫‪39‬‬

‫مردود‪ ،‬ومعٌت الرد أال يكون لو أثر‪ ،‬وىذا معٌت البطبلن‪ .1‬كما أصبع سلف األمة على االستدالل ببطبلن التصرفات‬
‫دبجرد النهي عنها‪ ،‬ففهموا بطبلن الربا بقولو تعأب‪﴿ :‬وأحل ا﵁ البيع وحرم الربا﴾‪.2‬‬
‫واستدل عمر رضي ا﵁ عنو ُب بطبلن نكاح اؼبشركات بقولو تعأب‪﴿ :‬وال تنكحوا اؼبشركات﴾‪.3‬‬
‫كذلك أننا لو اعتربنا العقد موجودا ُب نظر الشارع مع وصف الفساد‪ ،‬فإما أال نرتب عليو أحكاما‬
‫وبذلك ال فرق بُت الباطل والفاسد‪ ،‬وإما أن نرتب عليو أحكام العقد كما اتفق اؼبتعاقدان وىذا غَت جائز ؼبا‬
‫يتضمن من إقرار الشارع ؼبا هنى عنو ويبيح ما حرمو‪ ،‬وإما أن نرتب أحكام تتفق مع غرض الشارع من غَت نظر‬
‫إٔب غرض اؼبتعاقدين وىذا غَت جائز أيضا ؼبا فيو نقض ؼببدأ الًتاضي وىو أساس العقد‪.4‬‬
‫ىذه موجز حجج اعبمهور ُب استدالؽبم على بطبلن أو فساد التصرف الشرعي‪ ،‬واعتباره ُب حكم العدم‬
‫من غَت تفرقة بُت العيب ُب أصل التصرف أو العيب ُب الوصف‪.‬‬
‫وخبلفاً للجمهور‪ ،‬يفرق فقهاء اغبنفية بُت حالة ورود هني الشارع على أصل العقد ووروده على وصف‬
‫الزم لو‪ .‬فإذا كان النهي يرجع إٔب أصل العقد بأن كان اػبلل ُب أركانو أو شرائطو فمقتضاه بطبلن العقد وعدم‬
‫وجوده شرعا ذلك ألن يكون دليبل على عدم تكوين العقد وإجياده ُب نظر الشارع‪ ،‬وإذا كان يرجع إٔب وصف‬
‫مبلزم للعقد عارض لو‪ ،‬كان مقتضاه بطبلن ىذا الوصف وعدم مشروعيتو دون أن يتعدى إٔب ذاتو‪ ،‬ألن النهي ٓب‬
‫يتعلق هبا فتبقى مشروعة‪.5‬‬
‫وبذلك يتميز ىذا النوع من العقود عن غَته‪ ،‬فيتميز عن العقد الباطل‪ ،‬ألن ـبالفة نظامو الشرعي ليست‬
‫ـبالفة ُب ناحية جوىرية كما ُب حالة بطبلن العقد‪ ،‬كما يتميز عن العقد الصحيح ألن فيو إخبلال بنظام التعاقد‬
‫ولو أن ىذا اإلخبلل ُب ناحية فرعية غَت جوىرية‪ ،6‬فوجب ؽبذا أن يكون قسم بُت الصحيح والباطل ال ىو‬
‫بالصحيح وال بالباطل ويسمى بذلك فاسدا‪.‬‬
‫أما إذا كان النهي يرجع إٔب أمر ؾباور غَت مبلزم لو كان مقتضاه الصحة مع الكراىة لئلقدام عليو‪.‬‬
‫‪ - 1‬ؿبمد أبو زىرة‪ ،‬اؼبلكية‪ ،...‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ص‪ 410‬وما بعدىا‪.‬‬
‫‪ - 2‬سورة البقرة‪ ،‬اآلية‪.275‬‬
‫‪ - 3‬سورة البقرة‪ ،‬اآلية ‪.221‬‬
‫‪ - 4‬فتحي الدريٍت‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ص‪.255‬‬
‫‪ - 5‬علي اػبفيف‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ص‪.333- 332‬‬
‫‪ - 6‬مصطفى أضبد الزرقا‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،2‬ص‪.730- 729‬‬
‫‪40‬‬

‫وعليو يكون العقد صحيحا إذا كان مشروعا بأصلو ووصفو‪ ،‬وفاسدا إذا كان مشروعا بأصلو دون وصفو‪،‬‬
‫وباطبل إذا كان غَت مشروع ال بأصلو وال بوصفو‪ ،‬وُب ىذا الشأن يقول عبد العزيز البخاري‪" :‬وأعلم أن الصحة‬
‫عندنا قد يطلق أيضا على مقابلة الفاسد كما يطلق على مقابلة الباطل فإذا حكمنا على شيء بالصحة فمعناه أنو‬
‫مشروع بأصلو ووصفو صبيعا خببلف الباطل فإنو ليس دبشروع أصبل خببلف الفاسد فإنو مشروع بأصلو دون‬
‫وصفو"‪.1‬‬
‫واحتج فقهاء اغبنفية ُب ذلك بأن موجب النهي يقتضي االنتهاء‪ ،‬واالنتهاء يتحقق بشيء واؼبعدوم ليس‬
‫بشيء‪ ،‬فكان من ضرورة صحة النهي بأن يكون موجبا لبلنتهاء‪ ،‬كون اؼبنهي عنو مشروعا‪ ،‬فكيف يستقيم جعل‬
‫اؼبنهي عنو غَت مشروع حبكم النهي بعدما كان مشروعا‪ ،‬وبو يتبُت أن النهي ضد الفسخ‪ ،‬فالفسخ تصرف ُب‬
‫اؼبشروع بالدفع ٍب ينعدم أداء العبد باعتباره أنو ٓب يبق مشروعا‪ ،‬والنهي تصرف ُب منع اؼبخاطب من أداء ما ىو‬
‫مشروع‪ ،‬فيكون انعدام االداء منو انتهاء عما هني عنو‪ ،‬فيبقى اؼبشروع مشروعا كما كان ويصَت األداء فاسدا‪ ،‬ألنو‬
‫فيو ترك االنتهاء الواجب بالنهي‪.2‬‬
‫وحيتج كذلك أبو حنيفة وأصحابو أنو إذا كانت اؼباىية ساؼبة من اؼبفسدة‪ ،‬وكان النهي ُب وصف خارج‬
‫عنها‪ ،‬لوقلنا بسقوط العقد مطلقا لسوينا بينو وبُت العقد الذي ٓب تسلم ماىيتو من اؼبفسدة‪ ،‬ولو قلنا بصحة العقد‬
‫مطلقا لسوينا بينو وبُت العقد الذي سلمت ماىيتو وسلم وصفو من اؼبفسدة‪ ،‬وذلك غَت جائز وال تتأتى التفرقة‬
‫بُت ىذه األقسام الثبلثة إال بفرض رتبة وسطى بُت الصحة والبطبلن‪ ،‬وىي رتبة الفساد‪.3‬‬
‫ىذه أىم وجهات النظر اليت قسم من خبلؽبا فقهاء اغبنفية العقد غَت الصحيح إٔب باطل وفاسد‪،‬‬
‫فالباطل ما كان غَت مشروع بأصلو‪ ،‬والفاسد ما كان مشروع بأصلو وغَت مشروع بوصفو‪.‬‬
‫إذا نظرنا تقسيم العقد غَت الصحيح عند كل من األحناف وصبهور الفقهاء‪ ،‬قبد أن رأي اغبنفية ينم على‬
‫فهم دقيق ؼبقاصد الشارع ويتفق مع اؼبنطق‪.4‬‬

‫‪ - 1‬أنظر‪ ،‬عبد العزيز البخاري‪ ،‬كشف األسرار على أصول فخر اإلسبلم البزدوي‪ ،‬ج‪ ،1‬الشركة الصحافية العثمانية‪ ،1308 ،‬ص ‪.259‬‬
‫‪ - 2‬أنظر‪ ،‬أضبد بن أيب سهل السرخسي‪ ،‬أصول السرخسي‪ ،‬ج‪ ،1‬ط‪ ،1‬دار الكتب العلمية‪ ،‬بَتوت‪ ،1993 ،‬ص‪.86- 85‬‬
‫‪ - 3‬القراُب‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،2‬ص‪.149 -148‬‬
‫‪ - 4‬ؿبمد سعيد جعفور‪ ،‬نظرات‪ ،...‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ص‪.130‬‬
‫‪41‬‬

‫أما ما ذىب إليو صبهور الفقهاء ُب بطبلن كل تصرف يتخلف فيو أي شرط وضعو الشارع لصحتو‪ ،‬فهو‬
‫جيانب الدقة ُب الصناعة الفقهية ويأخذ بظواىر النصوص ويدل كذلك على عدم اقتناعهم ىم أنفسهم بفكرة‬
‫وحدة عدم الصحة‪ ،‬ذلك أهنم ُب كثَت من التصرفات الشرعية دييزون بُت البطبلن والفساد‪ ،‬كما ُب العارية والوكالة‬
‫والشركة والقراض واؼبكاتبة واػبلع‪ .‬وقد قال السيوطي‪" :‬الباطل والفاسد عندنا مًتادفان إال ُب حالة الكتابة‪،‬‬
‫واػبلع‪ ،‬والعارية‪ ،‬والوكالة‪ ،‬والشركة‪ ،‬والقراض"‪.1‬‬
‫وؽبذا فإن رأي اغبنفية ينم عن الدقة وسعة التفكَت‪ ،‬فهو األجدر بالًتجيح واألؤب باإلتباع ألنو دييز بُت‬
‫البطبلن والفساد‪ ،‬فلم يسوي بُت اػبلل ُب األصل واػبلل ُب الوصف ألن اػبلل ُب األصل أخطر شأنا من اػبلل‬
‫ُب الوصف‪ ،‬لذا قالوا إن جزاء األول ىو البطبلن‪ ،‬أما جزاء الثا٘ب‪ ،‬فهو الفساد‪.‬‬
‫وإذا كان الفقو اغبنفي دون غَته من اؼبذاىب الفقهية األخرى دييز بُت العقد الفاسد والعقد الباطل‪ ،‬وبناء‬
‫على ىذا التفريق تتميز أحكام كل منهما عن اآلخر‪.‬‬

‫الفرع الثاني‬
‫أحكام العقد غير الصحيح‬
‫العقد الباطل قسم مشًتك بُت اغبنفية وصبهور الفقهاء من حيث ثبوت حكمو‪ ،‬فهو يعترب غَت منعقد‬
‫وغَت موجود‪ ،‬وبالتإب ال يًتتب عليو أي أثر‪ .‬أما العقد الفاسد يعترب منعقدا‪ ،‬ولو وجود شرعي ويرتب على ىذا‬
‫الوجود بعض األثار‪.‬‬
‫أوال‪ -‬حكم العقد الباطل‬
‫العقد الباطل ليس لو وجود شرعي‪ ،‬فهو عدم‪ ،‬والعدم ال أثر لو كتصرف اجملنون والصيب الذي ال يعقل‬
‫وكبومها‪ 2‬أو الصيب اؼبميز فيما يضره ضررا ؿبضا‪ ،3‬كلها باطلو ال أثر ؽبا‪ ،‬وذلك لفوات شرط الركن وىو أىلية‬

‫‪ - 1‬السيوطي‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،2‬ص‪.33‬‬
‫‪ - 2‬الكاسا٘ب‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،6‬ص‪533‬؛ الزيلعي‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،5‬ص‪191‬؛ الدسوقي‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،3‬ص‪.5‬‬
‫‪ - 3‬اػبرشي‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،5‬ص‪.192‬‬
‫‪42‬‬

‫التعاقد‪ ،‬أو بيع اؼبيتة أو الدم وبيع اغبر‪ ،‬فهي باطلة ألن البيع ليس دبال‪ ،‬وكذلك من باع خنزيرا أو طبرا من مسلم‬
‫كان بيعو باطبل ال أثر لو‪ ،‬ألن اؼببيع ليس دبال متقوم‪ ،1‬وىكذا كل عقد ٓب يتوفر فيو ركنو أو شرائطو‪.‬‬
‫العقد الباطل وإن كان ليس لو وجود شرعي إال أن لو صورة ُب اػبارج‪ ،‬وىو ما يسمى بالوجود اغبسي‪،‬‬
‫فإذا ما تبايع ؾبنونان وجدت صورة العقد ووجد العقد حساً‪.2‬‬
‫واؼبراد بالوجود اغبسي فهو ما يدركو اغبس من ظبع وبصر من كبلم اؼبتعاقدين ورؤية الكتابة أو اإلشارة فبا‬
‫يتكون منو العقد‪.3‬‬
‫إذن فالعقد الباطل الذي ٓب يعتربه الشارع موجودا‪ ،‬وإن وجدت لو صورة ُب اػبارج ال يصلح ألن يًتتب‬
‫عليو أثره من آثاره ألنو معدوم شرعا‪ ،‬والعلة إذا انعدمت ٓب يكن ؽبا أثر‪.4‬‬
‫وما دام العقد ال وجود لو شرعا وال ينتج أي أثر فإنو يًتتب على ذلك أن أحد العاقدين ال ديلك أن جيرب‬
‫األخر عل ى تنفيذه‪ ،‬وإذا نفذ العاقد باختياره ولو كان يعلم بالبطبلن كان لو أن يسًتد ما سلمو تنفيذا للعقد‬
‫الباطل‪ ،‬وبالتإب إعادة اغبالة إٔب ما كانت عليو‪ .5‬وتطبيقاً لذلك لو تسلم اؼبشًتي شيئا بعقد باطل وتصرف فيو‬
‫آلخر بالبيع مثبل فإن ىذا التصرف الثا٘ب ال دينع البائع من اسًتداد ىذا الشيء من يد اؼبشًتي الثا٘ب ألن اؼبشًتي‬
‫باع ما ال ديلك‪ ،‬فالبيع موقوف على إجازة اؼبالك وىو ىنا البائع‪ ،‬فإن ٓب جيزه كان لو أن يسًتده‪.6‬‬
‫أما اؼبذىب اؼبالكي فيحمي الغَت ُب العقد الباطل‪ ،‬حيث جيعل الرد يفوت خبروج اؼببيع عن يد اؼبشًتي‬
‫ببيع صحيح أو عتق أو ىبة أو صدقة‪ ،‬وبتعلق حق للغَت بالبيع كرىنو وبإجارتو البلزمة‪ .‬غَت أنو إذا فات رد اؼببيع‬
‫على ىذا النحو وجب على اؼبشًتي أن يرد للبائع القيمة إذا كان اؼببيع قيميا أو اؼبثل إذا كان اؼببيع مثليا‪.7‬‬

‫‪ - 1‬الزيلعي‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،4‬ص‪45 -44‬؛ الكاسا٘ب‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،7‬ص‪.378 -377‬‬
‫‪ - 2‬علي اػبفيف‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ص‪.330‬‬

‫‪ - 3‬أنظر‪ ،‬أضبد إبراىيم بك‪ ،‬العقود والشروط واػبيارات‪ ،‬ؾبلة القانون واالقتصاد‪ ،‬القاىرة‪ ،‬السنة الرابعة‪ ،1934 ،‬عدد‪ ،1‬ص‪.648‬‬
‫‪ - 4‬عبد الرازق حسن فرج‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ص‪.25‬‬
‫‪ - 5‬ؿبمد حسنُت‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ص‪.21‬‬
‫‪ - 6‬عبد الرازق أضبد السنهوري‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،4‬ص‪.134‬‬
‫‪ - 7‬أنظر‪ ،‬الدردير‪ ،‬الشرح الكبَت‪ ،‬ج‪ ،3‬دار إحياء الكتب العربية‪ ،‬د س ن‪ ،‬ص‪75 -74‬؛ عبد الرزاق أضبد السنهوري‪ ،‬نفس اؼبرجع‪ ،‬ج‪،4‬‬
‫ص‪.134‬‬
‫‪43‬‬

‫وال ترد عليو اإلجازة‪ ،‬ذلك أن ؿبل اإلجازة يكون ُب العقد اؼبنعقد اؼبوقوف الذي ديس حقا لغَت‬
‫العاقدين‪ ،‬فلذلك الغَت أن جييزه إن شاء فينفذ عليو أو يرفضو فيبطل‪ ،‬والعقد الباطل ليس قائما متوقفا ليمكن‬
‫إنفاذه إٔب غايتو باإلجازة بل ىو لغو عد‪ٙ‬ب االعتبار ُب نظر الشرع‪ ،‬فكأنو ٓب يوجد أصبل‪.1‬‬
‫ولكل ذي مصلحة أن يتمسك بالبطبلن ألنو عقد منعدم‪ ،‬فللعاقدين التمسك بالبطبلن‪ ،‬فمثبل البائع ال‬
‫جيرب على تسليم اؼببيع ويسًتده إذا كان قد سلمو وىذا عن طريق التمسك بالبطبلن‪ ،‬وكذا اؼبشًتي ال جيرب على‬
‫دفع الثمن ويسًتده إذا كان قد دفعو‪ ،‬وىذا أيضا عن طريق التمسك بالبطبلن‪ .‬وكذلك الشفيع ال ديلك األخذ‬
‫بالشفعة ُب بيع باطل إذ يستطيع البائع أن يتمسك ببطبلن البيع ؼبنعو من األخذ بالشفعة‪ ،‬وُب ىذه الصورة قبد‬
‫أحد العاقدين يتمسك بالبطبلن ُب مواجهة الغَت‪ .‬وللدائن اؼبرهتن أن يتمسك ببطبلن البيع الصادر من الراىن‬
‫للعُت اؼبرىونة‪ .‬وللمستأجر أن يتمسك ببطبلن البيع الصادر من اؼبؤجر للعُت اؼبؤجرة‪ .‬وللورثة أن يتمسكوا ببطبلن‬
‫بيع مورثهم وذلك لبقاء العُت اؼببيعة ُب تركتو‪.2‬‬
‫وال يسري عليو حكم التقادم ‪ ،‬فمضي مدة التقادم ال دينع من التمسك ببطبلن العقد ألن الباطل معدوم‪،‬‬
‫والعمد ال ينقلب وجودا بطول األمد‪ ،‬فإذا ٓب يكن اؼبشًتي ُب البيع الباطل قد قبض اؼببيع حىت انقضت طبسة‬
‫عشرة عاما ٍب رفع البائع دعوى على اؼبشًتي ليلزمو بقبض اؼببيع وأداء الثمن فإن للمشًتي أن يدفع دعوى البائع‬
‫ببطبلن البيع‪ ،‬وكذا لو رفع اؼبشًتي الدعوى على البائع طالبا بتسليم اؼببيع بعد التقادم فإن للبائع أن يدفع دعواه‬
‫ببطبلن البيع‪.3‬‬
‫وإذا كان العقد الباطل ال تًتتب عليو آثاره أصبل‪ ،‬فإذا نفذ العاقد باختياره كان لو أن يسًتد ما سلمو‬
‫تنفيذا للعقد الباطل‪.‬‬
‫ولقد اختلف الفقو حول ما إذا كان البيع باطبل وقد قبض اؼبشًتي اؼببيع بإذن البائع على قولُت‪:‬‬

‫‪ - 1‬عصمت عبد اجمليد بكر‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ص‪.305‬‬
‫‪ - 2‬عبد الرزاق أضبد السنهوري‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،4‬ص‪.135‬‬
‫‪ - 3‬مصطفى أضبد الزرقا‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،2‬ص‪.762‬‬
‫‪44‬‬

‫القول األول‪ :‬اتفق صبهور الفقهاء من اغبنفية‪ُ1‬ب القول الراجح‪ ،‬واؼبالكية‪2‬والشافعية‪3‬واغبنابلة‪4‬والظاىرية‬

‫‪5‬‬

‫على أن اؼبشًتي إذا قبض اؼببيع ُب العقد الباطل‪ ،‬فإنو يكون ُب ضمانو‪ ،‬فإذا تلف اؼببيع أو ىلك ُب يد اؼبشًتي‬
‫فإنو يضمنو باؼبثل إن كان مثليا‪ ،‬وبالقيمة إذا كان قيميا‪ ،‬وكذلك يضمن زياداتو غبصوؽبا بيده بغَت إذن الشرع‪.‬‬
‫ألن اؼبشًتي قبض اؼببيع على سبيل اؼبعاوضة بدفع الثمن‪ ،‬فيكون مضمونا كاؼبقبوض على سوم الشراء‪ .6‬واستثٌت‬
‫اؼبالكية من ذلك إذا كان اؼببيع فبا ال جيوز سبلكو شرعا كاؼبيتة‪ ،‬فضمانو على بائعو وإن قبضو اؼبشًتي‪.7‬‬
‫القول الثاني‪ :‬ذىب بعض فقهاء اغبنفية‪8‬إٔب أن اؼببيع اؼبقبوض ُب البيع الباطل يكون أمانو ُب يد‬
‫اؼبشًتي‪ ،‬فإذا ىلك ُب يده من غَت تعد أو تقصَت منو فبل يضمنو‪ .‬وهبذا القول أخذت اجمللة‪ ،‬حيث جاء ُب‬
‫اؼبادة‪" : 370‬البيع الباطل ال يفيد اغبكم أصبل فإذا قبض اؼبشًتي اؼببيع بإذن البائع ُب البيع الباطل كان اؼببيع‬
‫أمانة عند اؼبشًتي فلو ىلك ببل تعد ال يضمنو"‪.9‬‬
‫ألن البيع ؼبا كان باطبل ٓب يبق سوى ؾبرد القبض بإذن البائع‪ ،‬وىو ال يوجب الضمان على القابض إال‬
‫بتعد أو تقصَت‪ ،‬كالوديعة‪.‬‬
‫ومن خبلل ذلك‪ ،‬نرى أن القول الراجح ىو ما ذىب إليو صبهور الفقهاء ُب أن العقد الباطل يكون‬
‫مضمونا ُب يد اؼبشًتي ألن اؼبشًتي قبضو لنفسو ولتحقيق مصلحتو‪ ،‬فبل يكون أدٗب من اؼبقبوض على سوم‬
‫الشراء‪.‬‬

‫‪ - 1‬السرخسي‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،13‬ص‪21‬؛ ابن عابدين‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،7‬ص‪246‬؛ ابن مهام‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،5‬ص‪187‬؛ الزيلعي‪،‬‬
‫اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،4‬ص‪.44‬‬
‫‪ - 2‬أنظر‪ ،‬الدردير‪ ،‬الشرح الصغَت‪ ،‬ج‪ ،3‬دار اؼبعارف‪ ،‬القاىرة‪ ،1986 ،‬ص‪45‬؛ الدردير‪ ،‬الشرح الكبَت‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،3‬ص‪.71 -70‬‬
‫‪ - 3‬النووي‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،9‬ص‪.455 -454‬‬
‫‪ - 4‬بن قدامة‪ ،‬اؼبغٌت‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،6‬ص‪.328‬‬
‫‪ - 5‬ابن حزم‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،8‬ص‪.421‬‬
‫‪ - 6‬اؼبقبوض على سوم الشراء‪ :‬ىو أن اؼبساوم إمنا يلزمو الضمان إذا رضي بأخذه بالثمن اؼبسمى على وجو الشراء‪ ،‬فإذا ظبي الثمن البائع وتسلم‬
‫اؼبساوم الثوب على وجو الشراء فيكون راضيا بذلك‪ ،‬كما أنو إذا ظبي ىو الثمن وسلم البائع يكون راضيا بذلك أيضا‪ ،‬فكأن التسمية صدرت منهما‬
‫صبيعا‪ .‬ابن عابدين‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،7‬ص‪.119‬‬
‫‪ - 7‬الدسوقي‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،3‬ص‪.71‬‬
‫‪ - 8‬ابن مهام‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،5‬ص‪187‬؛ الكاسا٘ب‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،7‬ص‪379‬؛ ابن عابدين‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،7‬ص‪.246‬‬
‫‪ - 9‬علي باشا‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ص‪.65‬‬
‫‪45‬‬

‫وإذا تعددت أجزاء العقد وغبق البطبلن بعض ىذه األجزاء وٓب يلحق البعض اآلخر‪ ،‬فهل يقتصر البطبلن‬
‫على اعبزء الذي قام بو سبب البطبلن أم يتصف العقد صبيعو بالبطبلن؟‪.‬‬
‫ىذه ىي فكرة انتقاص العقد لدى الفقهاء اؼبسلمُت وديكن القول بوجود اذباىات متعددة ؽبؤالء الفقهاء‬
‫ُب اؼبوقف من ذبزئة البطبلن قبملها على النحو اآلٌب‪:‬‬
‫االتجاه األول‪ :‬اغبكم ببطبلن العقد إذا كان صفقو واحدة وغبق البطبلن بعض أجزائو دون البعض‬
‫اآلخر‪.‬‬
‫وىذا ىو رأي أيب حنيفة وزفر‪ ،1‬ورأي ُب كل من اؼبالكية‪2‬واغبنابلة‪3‬والشافعية‪ ،4‬وكذلك أخذ هبذا االذباه‬
‫الظاىرية‪.5‬‬
‫ويتمسك أصحاب ىذا االذباه بالبطبلن الكلي للعقد حىت ال تتفرق الصفقة على العاقدين فهما رضي‬
‫هبا كتلة واحدة‪ ،‬والفصل بُت أجزائها إلزام دبا ٓب يرضا بو وٓب يتفقا عليو‪ .‬واستدل بعض أصحاب ىذا االذباه ُب‬
‫اغبكم بالبطبلن الكلي إٔب قاعدة‪" :‬إذا صبع بُت اغببلل واغبرام فالغلبة للحرام"‪ ،‬فلو صبع مثبل بُت شاة ذكية وميتة‬
‫بطل البيع فيهما ألن الصفقة متحدة فبل ديكن وصفها بالصحة والفساد فتبطل‪ ،‬واستدلوا كذلك إٔب أن تعذر‬
‫معرفة الثمن اػباص باعبزء الصحيح من الصفقة‪ ،‬فلزم بطبلن الصفقة كلها‪.6‬‬
‫االتجاه الثاني‪ :‬يقضي ىذا االذباه بتجزئة البطبلن‪ ،‬حيث جاء ُب اؼبذىب للشَتازي أنو‪" :‬إذا صبع ُب‬
‫البيع بُت ما جيوز بيعو‪ ،‬وبُت ماال جيوز بيعو كاغبر والعبد‪ ،‬وعبده وعبد غَته‪ ،‬ففيو قوالن‪ ،‬أحدمها تفرق الصفقة‪،‬‬
‫فيبطل البيع‪ ،‬فيما ال جيوز‪ ،‬ويصح فيما جيوز‪ ،‬ألنو ليس إبطالو فيهما‪ ،‬لبطبلنو ُب أحدمها بأؤب من تصحيحو‬
‫فيهما‪ ،‬لصحتو ُب أحدمها‪ ،‬فبطل ضبل أحدمها على اآلخر‪ ،‬وبقيا على حكمهما ‪ ،‬فصح فيما جيوز وبطل فيما ال‬
‫جيوز"‪.7‬‬
‫‪ - 1‬الزيلعي‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،4‬ص‪60‬؛ ؾبموعة علماء اؽبند ربت إشراف ؿبمد عاؼبكَت‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،3‬ص‪.131‬‬
‫‪ - 2‬ابن جزي‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ص‪.409‬‬
‫‪ - 3‬بن قدامة‪ ،‬اؼبغٌت‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،6‬ص‪.336‬‬
‫‪ - 4‬النووي‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،9‬ص‪471‬؛ الشَتازي‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،3‬ص‪.55 -54‬‬
‫‪ - 5‬بن حزم‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،9‬ص‪.16‬‬
‫‪ - 6‬النووي‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،9‬ص‪.471‬‬
‫‪ - 7‬الشَتازي‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،3‬ص‪.55 -45‬‬
‫‪46‬‬

‫االتجاه الثالث‪ :‬جواز العقد ُب اعبزء الصحيح الذي ٓب يلحقو البطبلن بقسطو من الثمن‪ ،‬فإن ٓب يعلم‬
‫ما يقابل اعبزء الصحيح واعبزء الباطل بطل العقد كلو‪ ،‬فلو باع فرسا وضبل فرس أخرى بألف مع االتفاق على أن‬
‫شبن الفرس شبامنائة واغبمل دبائتُت صح البيع للفرس‪ ،‬وبطل فيما يتعلق باغبمل وٓب يلزم اؼبشًتي سوى الثمامنائة‪.‬‬
‫ومن الواضح أن الصفقة تتعدد إذا انفصل كل جزء بقسطو‪ ،‬وقد رضي اؼبتعاقدين ُب كل جزء دبا يقابلو من العوض‬
‫فإذا فسد عقد أحدمها ٓب دينع فساده صحة ما ٓب يرد عليو البطبلن‪ ،‬وىذا رأي الصاحبُت ُب اؼبذىب اغبنفي‬

‫‪1‬‬

‫ورأي عند اؼبالكية‪2‬و الشافعية‪3‬و اغبنابلة‪.4‬‬
‫ثانيا‪ -‬حكم العقد الفاسد‬
‫يتميز اؼبذىب اغبنفي عن غَته من اؼبذاىب الفقهية بتفريقو بُت العقد الباطل والعقد الفاسد‪ ،‬وبناءً على‬

‫تفريقهم بُت العقد الباطل والعقد الفاسد فقد سبيزت أحكام كل منهما عن اآلخر‪ .‬فالعقد الفاسد قبده دير‬
‫دبرحلتُت‪ ،‬ذلك أنو ال ينتج أثرا قبل القبض ولكنو ينتج بعض اآلثار بعد القبض‪.‬‬
‫أ‪-‬العقد الفاسد قبل القبض‬
‫العقد الفاسد‪ ،‬األصل فيو أنو ال ينتج أثراً ألنو عقد غَت صحيح ومنهي عنو‪ ،‬وبناءً على ذلك فإن العقد‬

‫الفاسد ال ينتقل بو اؼبلك قبل اإلذن بالقبض صراحة أو داللة‪ ،5‬وليس ألحد العاقدين مطالبة اآلخر بتنفيذ العقد‪،‬‬
‫فبل يصبح اؼبشًتي مالكا للمبيع‪ ،‬وال جيوز للبائع أن جيرب اؼبشًتي على دفع الثمن‪ .‬كما ال جيوز للمشًتي أن جيرب‬
‫البائع على تسليم اؼببيع‪ ،‬ألن كبل من البائع واؼبشًتي ديلك فسخ العقد‪ ،‬فكان الفسخ قبل القبض دبنزلة االمتناع‬
‫عن اإلجياب والقبول‪ ،‬فيملكو كل واحد منهما كالفسخ خبيار شرط اؼبتعاقدين‪.6‬‬

‫‪ - 1‬الزيلعي‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،4‬ص‪.60‬‬

‫‪ - 2‬ابن جزي‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ص‪.409‬‬
‫‪ - 3‬الشَتازي‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،3‬ص‪.56‬‬
‫‪ - 4‬بن قدامة‪ ،‬اؼبغٌت‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،6‬ص‪.336‬‬
‫‪ - 5‬كما إذا قبض اؼبشًتي اؼببيع ُب ؾبلس العقد بوجود البائع وٓب دينعو‪ ،‬كان إذن منو بالقبض داللة‪ .‬اؼبرغينا٘ب‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،5‬ص‪230‬؛ ابن‬
‫اؽبمام‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،5‬ص‪230‬؛ عبد الغٍت الغنيمي‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،2‬ص‪.28‬‬
‫‪ - 6‬الكاسا٘ب‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،7‬ص‪.369‬‬
‫‪47‬‬

‫والعقد الفاسد أيضا ال تلحقو اإلجازة‪ ،‬حيث يقول الزيلعي‪" :‬الفاسد ال جيوز باإلجازة وال يرتفع الفساد‬
‫بو"‪ ،1‬وال تثبت بو الشفعة ولو بعد القبض وانتقال اؼبلكية إٔب اؼبشًتي ألن حق البائع ٓب ينقطع‪ ،‬والشفعة إمنا ذبب‬
‫بانقطاع حق البائع‪ ،‬ال بثبوت اغبكم للمشًتي‪.2‬‬
‫فالعقد الفاسد وإن كان غَت صحيح فهو مع ذلك منعقد‪ ،‬ولو وجود شرعي ال وجود مادي فحسب‪،‬‬
‫ولكن جيوز لكل من العاقدين أن يتمسك بفسخو‪ .‬فالفسخ إذن دليل على أن العقد لو وجود شرعي‪ ،‬فلوال ىذا‬
‫الوجود ٓب تكن ىناك حاجة إٔب الفسخ‪.3‬‬
‫فالعقد الفاسد إذن لو وجود شرعي‪ ،‬ولكنو وجود مهدد بالزوال ُب كل وقت عن طريق الفسخ‪ ،‬ألن فعلو‬
‫معصية فعلى العاقد التوبة منها بفسخو‪ .4‬فيجوز إذن‪ ،‬بل جيب على كل من العاقدين فسخو رفعاً للفساد‪ ،‬وال‬
‫يشًتط فيو قضاء قاض‪ ،‬وإذا أصرا على إمساكو وعلم بو القاضي‪ ،‬فلو فسخو جربا عليهما‪.5‬‬

‫وإذا كان العقد الفاسد يستحق الفسخ دفعا للفساد عنو‪ ،‬فإنو يستحقو لغَته ال لعينو‪ ،‬حىت لو أمكن دفع‬
‫سبب الفساد بدون فسخ العقد ال ينفسخ وينقلب صحيحا كالفساد عبهالة األجل‪ ،‬فقد ذىب أبو حنيفة‬
‫والصاحبان‪ -‬خبلفاً لزفر‪ -‬إٔب تصحيحو بتحديد اؼبتعاقدين األجل الصحيح قبل االفًتاق من ؾبلس العقد‪ ،‬أو‬
‫ربديده قبل فسخ العقد‪ ،‬فيزول اؼبفسد ُب اغبالتُت وينقلب العقد صحيحا‪ .‬وكذلك جيوز تصحيح العقود الربوية‬
‫برد الزيادة الربوية لو قائمة ال رد ضماهنا‪ .‬وتصحيح العقود اؼبقًتنة بشروط فاسدة بإسقاط ىذه الشروط‪ .‬كذلك‬
‫بيع ما ُب تسليمو ضرر يلحق بالبائع إذا سلمو للمشًتي‪ ،‬ذلك أن اؼبانع من جواز البيع ىو الضرر الذي يلحق‬
‫بالبائع‪ ،‬قد سلمو باختياره ورضاه‪.6‬‬

‫‪ - 1‬الزيلعي‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،5‬ص‪.182‬‬

‫‪ - 2‬ابن اؽبمام‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،5‬ص‪.236‬‬
‫‪ - 3‬عبد الرزاق أضبد السنهوري‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،4‬ص‪.156‬‬
‫‪ - 4‬ابن قبيم‪ ،‬البحر‪ ، ...‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،6‬ص‪.99‬‬
‫‪ - 5‬أنظر‪ ،‬ؿبمد كمال بن مصطفى ابن ؿبمود الطرابلسي‪ ،‬الفتاوى الكاملية ُب اغبوادث الطرابلسية‪ ،‬د د ن‪ ،1895 ،‬ص‪.77‬‬
‫‪ - 6‬الكاسا٘ب‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،7‬ص‪368‬؛ الزيلعي‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،4‬ص‪60‬؛ ابن قبيم‪ ،‬البحر‪ ،...‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،6‬ص‪136‬؛ إبراىيم‬
‫علي أضبد الشال الطنيجي‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ص‪ 167‬وما بعدىا‪.‬‬
‫‪48‬‬

‫وىذا اغبكم نصت عليو اؼبادة‪ 24‬من ؾبلة األحكام العدلية بقوؽبا‪" :‬إذا زال اؼبانع عاد اؼبمنوع"‪ .1‬أي إذا‬
‫كان شيء جائز ومشروعا‪ٍ ،‬ب امتنع حكم مشروعيتو دبانع عارض‪ ،‬فإذا زال ذلك اؼبانع يعود حكم مشروعيتو‪.2‬‬
‫أما إذا ٓب يرتفع الفساد أو كان ال ديكن رفعو بقي العقد الفاسد‪ ،‬ولكل من العاقدين أن يستقل بالفسخ‬
‫وبدون رضا اآلخر‪ ،‬ويكون الفسخ بالقول كأن يقول من ديلك الفسخ فسخت أو نقضت أو رددت‪ ،‬أو بالفعل‬
‫الدال على نية الفسخ‪ ،‬كما إذا البائع اؼببيع مرة ثانية إٔب مشًت آخر‪.3‬‬
‫ويشًتط لصحة الفسخ أن يكون دبحضر من صاحبو وىذا عند أىب حنيفة وؿبمد‪ ،‬أما عند أىب يوسف‬
‫فالفسخ جائز حىت ُب غيبة العاقد األخر‪.4‬‬
‫ب‪-‬العقد الفاسد بعد القبض‬
‫فإذا كان العقد بيعا مثبل جيب أن يكون القبض بإذن البائع‪ ،‬فإن قبضو بغَت إذنو أصبل ال يثبت اؼبلك‪،‬‬
‫بأن هناه عن القبض أو قبضو بغَت ؿبضر منو ومن غَت إذنو‪ ،5‬فحكم ىذا العقد ُب ىذه اغبالة كحكمو قبل‬
‫القبض‪ ،‬فبل يًتتب عليو أي أثر‪ ،‬وتعترب يد اؼبشًتي حينئذ يد ضمان لتعديو بقبض اؼببيع من غَت إذن مالكو‪ ،‬وال‬
‫يستجب عليو البائع هبذا القبض شبنا‪ ،‬وإذن فعليو أن يسًتد ملكو‪ ،‬وعلى اؼبشًتي أن يرده إليو‪ ،‬فإن ىلك عنده‬
‫كان مضمونا عليو بقيمتو يوم قبضو‪.6‬‬
‫أما إذا قبض اؼببيع بإذن مالكو‪ .7‬فإنو يفيد اؼبلك ُب اعبملة‪ ،‬ولكنو ملك من نوع خاص‪ ،‬فهو مضمون‬
‫بالقيمة أو باؼبثل ال باؼبسمى‪ ،‬خببلف البيع الصحيح‪ ،‬ويفيد انطبلق التصرف دون االنتفاع بعُت اؼبملوك كالبيع‬
‫واؽببة والصدقة والرىن واإلجارة وكبو ذلك فبا ليس فيو انتفاع بعُت اؼبملوك‪ .‬وأما التصرف الذي فيو انتفاع بعُت‬
‫اؼبملوك كأكل الطعام ولبس الثوب وركوب الدابة وسكٌت الدار‪ ،‬فالصحيح أنو ال حيل ألن الثابت هبذا البيع ملك‬

‫‪ - 1‬علي باشا‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ص‪.27‬‬
‫‪ - 2‬علي حيدر‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،1‬ص‪.39‬‬

‫‪ - 3‬الكاسا٘ب‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،7‬ص‪370 -369‬‬
‫‪ - 4‬الزيلعي‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،4‬ص‪.64‬‬
‫‪ - 5‬الكاسا٘ب‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،7‬ص‪.377‬‬
‫‪ - 6‬علي اػبفيف‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ص‪.424‬‬
‫‪ - 7‬سواء كان اإلذن صرحيا كأن يقول لو اقبضو أو يلمو إليو‪ ،‬أو داللة كأن يقبضو اؼبشًتي ُب ؾبلس العقد حبضرة البائع وىو ساكت‪ .‬ابن قبيم‪،‬‬
‫البحر‪ ،...‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،6‬ص‪100‬؛ اؼبرغينا٘ب‪ ،‬اؼبرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،5‬ص‪.230‬‬
‫‪49‬‬


Documents similaires


Fichier PDF faculte des sciences juridiques et politiques
Fichier PDF s3 emploi
Fichier PDF 4 s eco ete 2013 2014
Fichier PDF dpf s5 m5
Fichier PDF fichier pdf sans nom 5
Fichier PDF df s1 m2


Sur le même sujet..