Fichier PDF

Partagez, hébergez et archivez facilement vos documents au format PDF

Partager un fichier Mes fichiers Boite à outils PDF Recherche Aide Contact



alkawaid alfikhiya lilboyoe .pdf



Nom original: alkawaid alfikhiya lilboyoe.pdf

Ce document au format PDF 1.4 a été généré par / iTextSharp 4.1.2 (based on iText 2.1.2u), et a été envoyé sur fichier-pdf.fr le 16/05/2016 à 15:49, depuis l'adresse IP 41.142.x.x. La présente page de téléchargement du fichier a été vue 259 fois.
Taille du document: 2.8 Mo (305 pages).
Confidentialité: fichier public




Télécharger le fichier (PDF)









Aperçu du document


‫‪|1‬‬

‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬

‫فقه املعامالت املالية‬
‫دورة علمية ألقاها‪:‬‬
‫فضيلة الشيخ األستاذ الدكتور سليمان الرحيلي‬
‫أستاذ كرسي الفتوى ابجلامعة اإلسالمية‬
‫واملدرس ابملسجد النبوي‬
‫ابملدينة املنورة‬
‫وذلك يف مدينة الشارقة ‪ -‬جبامع السلف الصاحل‬

‫|‪2‬‬

‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬

‫كلمة الدائرة‬
‫احلمد هلل رب العاملني‪ ،‬والصالة والسالم على أشرف األنبياء‬
‫واملرسلني‪ ،‬نبينا حممد وعلى آله وصحبه أمجعني‪ ،‬وبعد‪:‬‬
‫فانطالقاً من رسالة دائرة الشؤون اإلسالمية‪ ،‬وحتقيق غاايهتا يف‬
‫نشر األحكام الشرعية‪ ،‬وتشجيع البحث العلمي يف العلوم الشرعية‪،‬‬
‫عد بتقدمي هذا‬
‫واحلفاظ على اإلرث اإلسالمي األصيل‪ ،‬فإهنا تس ُ‬
‫اإلصدار العلمي املوسوم بـ‪:‬‬
‫”فقه املعامالت املالية“‬
‫والذي يهدف إىل تقريب أحكام املعامالت املالية الشرعية من‬
‫خالل القواعد الفقهية والضوابط العلمية‪ ،‬اليت تضبط م‬
‫للعاِل واملفيت‬
‫وطالب العلم حكمهُ على املسائل املالية خصوصاً املستجدة منها‪.‬‬
‫وهذه املادة العلمية؛ كانت يف أصلها دورة علمية أقامتها الدائرة‬
‫لطالب العلم واجلمهور‪ ،‬ألقاها فضيلة الشيخ الدكتور سليمان‬
‫الرحيلي –أستاذ كرسي الفتوى ابجلامعة اإلسالمية‪ ،‬واملدرس‬

‫‪|3‬‬

‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬

‫ابملسجد النبوي يف املدينة املنورة‪ -‬فنسأل هللا تعاىل أن ينفع هبذا‬
‫اإلصدار‪ ،‬وأن جيزي والة أمران خرياً على ما يقدمونه خلدمة اإلسالم‪،‬‬
‫ونشر تعاليمه السمحة‪ ،‬كما نسأله تعاىل أن حيفظ لدولة اإلمارات‬

‫العربية املتحدة أمنها‪ ،‬وأن يدمي عليها استقرارها‪ ،‬واحلمد هلل رب‬
‫العاملني‪.‬‬
‫قسم الوعظ‬

‫***‬

‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬

‫|‪4‬‬

‫مقدمة فضيلة الشيخ سليمان الرحيلي‬
‫إن احلمد هلل حنمده ونستعينه ونستغفره‪ ،‬ونعوذ ابهلل من شرور‬
‫أنفسنا ومن سيئات أعمالنا‪ ،‬من يهده هللا فال مضل له‪ ،‬ومن يُضلل‬
‫فال هادي له‪ ،‬وأشهد أن ال إله إال هللا وحده ال شريك له‪ ،‬وأشهد‬
‫أن حممداً عبده ورسوله‪.‬‬

‫َ َٰٓ َ ُّ َ ذ َ َ َ ُ ْ ذ ُ ْ ذ َ َ ذ ُ َ‬
‫ََ َُ ُ‬
‫وت ذن إ ذَل َوأَنتمُ‬
‫﴿يأيها ٱَّلِين ءامنوا ٱتقوا ٱّلل حق تقاتِهِۦ وَل تم‬
‫ِ‬
‫ُّ ۡ ُ َ‬
‫ون﴾(‪.)1‬‬
‫مسل ِم‬

‫َ َ ُّ َ ذ ُ ذ ُ ْ َ ذ ُ ُ ذ‬
‫َ ََ ُ‬
‫كم مِن ذن ۡفس َوَٰحِدةَ‬
‫﴿ َٰٓ‬
‫يأيها ٱنلاس ٱتقوا ربكم ٱَّلِي خلق‬
‫َ َ َ َ ۡ َ َ ۡ َ َ َ َ ذ ۡ ُ َ َ ٗ َ ٗ َ َ ٓٗ َ ذ ُ ْ ذَ ذ‬
‫وخلق مِنها زوجها وبث مِنهما رِجاَل َثِيا ون ِساء وٱتقوا ٱّلل ٱَّلِي‬
‫َ‬
‫ََ َُٓ َ‬
‫َ ۡ ۡ َ َ ذ ذ َ َ َ َ َ ۡ ُ ۡ َ ٗ (‪)2‬‬
‫ون بِهِۦ وٱۡلرحام إِن ٱّلل َكن عليكم رقِيبا﴾ ‪.‬‬
‫تساءل‬
‫َ َٰٓ َ ُّ َ ذ َ َ َ ُ ْ ذ ُ ْ ذ َ َ ُ ُ ْ َ ۡ ٗ َ ٗ‬
‫ِيدا ‪ ٧٠‬يُ ۡصل ِحۡ‬
‫﴿يأيها ٱَّلِين ءامنوا ٱتقوا ٱّلل وقولوا قوَل َد‬
‫َ ََ‬
‫َ ُ ۡ َ ۡ َ َٰ َ ُ ۡ َ َ ۡ ۡ َ ُ ۡ ُ ُ َ ُ‬
‫ك ۡم َو َمن يُ ِطعِ ذ َ‬
‫ٱّلل َو َر َُو َُلۥ فق ۡد‬
‫لكم أعملكم ويغ ِفر لكم ذنوب ۗۡ‬
‫فَ َ‬
‫از فَ ۡو ًزا َع ِظ ً‬
‫يما ‪ ،)3(﴾٧١‬أما بعد‪:‬‬
‫(‪ )1‬آل عمران‪.102 :‬‬
‫(‪ )2‬النساء‪.1 :‬‬
‫(‪ )3‬األحزاب‪.70-69 :‬‬

‫‪|5‬‬

‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬

‫فإن أحسن احلديث كتاب هللا‪ ،‬وخري اهلدي هدي حممد ‪،‬‬
‫وشر األمور حمداثهتا‪ ،‬وكل حمدثة بدعة‪ ،‬وكل بدعة ضاللة‪ ،‬وكل‬
‫ّ‬
‫ضاللة يف النار‪.‬‬
‫وبعد فإن ديننا اإلسالمي‪ ،‬شامل كامل‪ ،‬دلنا على اخلري كله‪،‬‬
‫وحذران من الشر كله‪ ،‬ولو تـعلّم املسلمون دينهم وعملوا به؛ لعاشوا‬
‫حياة طيبة كرمية‪ ،‬وإن املسلمني اليوم حباجة عظيمة لتعليمهم‬
‫وتذكريهم‪ ،‬وال سيما يف ابب املال الذي تتعلق به النفوس كثرياً‪،‬‬
‫ويقل تـعلّم الناس‬
‫وتكثر طرق احلرام فيه يف حياتنا املعاصرة‪،‬‬
‫ّ‬
‫ألحكامه‪ ،‬ومن هنا رأت دائرة الشؤون اإلسالمية ابلشارقة‪ ،‬وعلى‬
‫رأسها الشيخ صقر بن حممد القامسي –رئيس دائرة الشؤون‬
‫اإلسالمية ابلشارقة‪ -‬وفقه هللا؛ أن تقيم دورات علمية عن املعامالت‬
‫املالية املعاصرة‪ ،‬وقد رأينا أن نُقسم هذه الدورات إىل ثالث دورات‪:‬‬
‫ّأوهلا‪ :‬يف األصول والقواعد اليت تقوم عليها املعامالت املالية‬
‫عموماً واملعاصرة خصوصاً‪.‬‬

‫|‪6‬‬

‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬

‫واثنيها‪ :‬يف بيان وتفصيل أصل املعامالت احملرمة من املعامالت‬
‫املالية املعاصرة وهو الراب‪.‬‬
‫واثلثها‪ :‬يف بسط أهم مسائل املعامالت املالية املعاصرة‪.‬‬
‫وقد فرغنا حبمد هللا من القسمني األول والثا‪،‬ي‪ ،‬وحنن على‬
‫أعتاب الدورة الثالثة‪ ،‬وحلرص رئيس دائرة الشؤون اإلسالمية ‪-‬وفقه‬
‫هللا‪ -‬على ما ينفع املسلمني؛ فقد وجه بتفريغ املادة الصوتية‬
‫القراء‪ ،‬فأسأل هللا أن يزيده خرياً وبركةً‪،‬‬
‫وطباعتها‪ ،‬وها هي بني يدي ّ‬
‫وجيعلين وإايه وال ُقّراء مفاتيح للخري مغاليق للشر‪ ،‬وصلى هللا على‬
‫نبينا وسلم‪.‬‬

‫***‬

‫‪|7‬‬

‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬

‫الدرس األول‬
‫مقدمة عن املعامالت املالية‬
‫إن احلمد هلل حنمده ونستعينه ونستغفره‪ ،‬ونعوذ ابهلل من شرور أنفسنا‬
‫ومن سيئات أعمالنا‪ ،‬من يهد هللا فال مضل له‪ ،‬ومن يضلل فال هادي له‪،‬‬
‫وأشهد أن ال إله إال هللا وحده ال شريك له‪ ،‬وأشهد أن حممدا عبده ورسوله‪.‬‬

‫َ َٰٓ َ ُّ َ ذ َ َ َ ُ ْ ذ ُ ْ ذ َ َ ذ ُ َ‬
‫ََ َُ ُ‬
‫وت ذن إ ذَل َوأ َ ُ‬
‫نتم‬
‫م‬
‫ت‬
‫َل‬
‫و‬
‫ِۦ‬
‫ه‬
‫ت‬
‫ا‬
‫ق‬
‫﴿يأيها ٱَّلِين ءامنوا ٱتقوا ٱّلل حق ت‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ َ‬
‫ُ ذ‬
‫ذ ُ ذُ ْ‬
‫ُّ ۡ ُ َ‬
‫ون﴾ [آل عمران‪َٰٓ ﴿ ،]102 :‬‬
‫اس ٱتقوا َر ذبك ُم ٱَّلِي‬
‫يأ ُّي َها ٱنل‬
‫مسل ِم‬
‫ذۡ‬
‫َ َٰ َ َ َ َ َ ۡ َ َ ۡ َ َ َ َ ذ‬
‫َ ََ ُ‬
‫ث م ِۡن ُه َما ر َجا َٗل ََث ِ ٗ‬
‫يا‬
‫خلقكم مِن نفس وحِدة وخلق مِنها زوجها وب‬
‫ِ‬
‫َ َ ٓٗ َ ذ ُ ْ ذَ ذ‬
‫َ ٓ ُ َ‬
‫َ َۡۡ َ َ ذ ذَ َ َ ََ ُ‬
‫ٱّلل َكن عل ۡيك ۡم‬
‫ّلل ٱَّلِي ت َسا َءلون بِهِۦ وٱۡلرحام إِن‬
‫ون ِساء وٱتقوا ٱ‬
‫َ َ ُّ َ ذ َ َ َ ُ ْ ذ ُ ْ ذ َ ُ ُ ْ َ ٗ‬
‫ٗ‬
‫َرق ٗ‬
‫ِيبا﴾ [النساء‪َٰٓ ﴿ ،]1:‬‬
‫ٱّلل َوقولوا ق ۡوَل ََدِيدا ‪٧٠‬‬
‫يأيها ٱَّلِين ءامنوا ٱتقوا‬
‫ُ ۡ ۡ َ ُ ۡ َ ۡ َ َٰ َ ُ ۡ َ َ ۡ ۡ َ ُ ۡ ُ ُ َ ُ‬
‫ك ۡم َو َمن يُ ِطعِ ذ َ‬
‫ٱّلل َو َر َُ َ ُ‬
‫وَلۥ‬
‫يصل ِح لكم أعملكم ويغ ِفر لكم ذنوب ۗۡ‬
‫َف َق ۡد فَ َ‬
‫از فَ ۡو ًزا َع ِظ ً‬
‫يما﴾ [األحزاب‪.]71:‬‬

‫أما بعد‪ ،‬فإن أحسن احلديث كتاب هللا‪ ،‬وخري اهلدي هدي حممد ﷺ‬
‫ٍ‬
‫وشر األمور حمداثهتا‪ ،‬وكل حمدثة بدعة‪ ،‬وكل ٍ‬
‫ضاللة يف‬
‫بدعة ضاللة‪ ،‬وكل‬
‫النار‪.‬‬
‫مث إنين أرحب بكم مجيعاً معاشر طالب العلم يف هذا اجمللس الذي أسأل‬
‫هللا عز وجل أن جيعله مما ينفعنا عند لقائه سبحانه وتعاىل‪.‬‬

‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬

‫|‪8‬‬

‫ف به‬
‫شر ُ‬
‫أيها األفاضل‪ ،‬إن العلم من فرائض الدين ومن شعائره‪ ،‬ومما ي ُ‬
‫املرء‪.‬‬
‫فالعلم‪ ،‬قال فيه النيب ﷺ‪ :‬طلب العلم فريضة على كل مسلم‪ ‬رواه‬
‫ابن ماجه‪.‬‬
‫وقول النيب ﷺ‪ :‬على كل مسلم‪ ‬أي‪ :‬جنس املسلم‪ ،‬فيشمل الذكر‬
‫واألنثى من أهل الوجوب‪ ،‬ففرض على املسلم أن يتعلم من أمور دينه ما‬
‫يقوم به الدين‪ ،‬وال يُعذر مسلم يف ترك التعلم هلذا الباب‪.‬‬

‫فأصول العقيدة وأصول الدين وما يصح به العمل الذي جيب على‬
‫اإلنسان؛ فرض على املسلم أن يتعلمه‪ ،‬وما زاد على ذلك؛ فحكمه‬
‫االستحباب يف حق األفراد‪ ،‬وفرض الكفاية يف حق عموم األمة‪.‬‬
‫وهو شرف ألهله‪ ،‬وكيف ال يكون شرفاً والتعليم من مهام األنبياء‪ ،‬م‬
‫ومن‬
‫بعدهم من مهام الفضالء‪ ،‬ولذا جعله هللا عز وجل طريق الرفعة ﴿يَ ۡرفَعِ ذ ُ‬
‫ٱّلل‬
‫ُ ۡ َ ذ َ ُ ْ ۡ ۡ‬
‫ْ‬
‫ذٱَّل َ‬
‫ِين أوتُوا ٱلعِل َم َد َر َجَٰت﴾ [اجملادلة‪ ،]11 :‬الرافع هو‬
‫ِين َء َام ُنوا مِنكم وٱَّل‬
‫هللا سبحانه وتعاىل‪ ،‬ومن رفعه هللا لن خيفضه أحد‪ ،‬رفعة حقيقية ﴿يَ ۡرفَعِ ذ ُ‬
‫ٱّلل‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ذٱَّل َ‬
‫ِنك ۡم﴾‪ ،‬فشرط الرفعة اإلميان‪ ،‬مث العلم‪ ،‬فالعلم ال يرفع وال‬
‫ِين َء َام ُنوا م‬
‫ينفع إال مع اإلميان‪.‬‬
‫أما من خال علمه عن اإلميان فال شك أنه ال يرتفع به الرفعة احلقيقية‪ ،‬ولو‬

‫ارتفع يف نظر الناس؛ فإنه لن يرتفع الرفعة احلقيقية النافعة ﴿يَ ۡرفَعِ ذ ُ‬
‫ٱّلل ذٱَّل َ‬
‫ِين‬
‫ْ‬
‫ُ ۡ َ ذ َ ُ ُ ْ ۡ َۡ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َٰ‬
‫َء َام ُنوا مِنكم وٱَّلِين أوتوا ٱلعِلم درجت﴾ وليس درجة واحدة‪ ،‬وهللا عز‬

‫‪|9‬‬

‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬

‫ذ َ ََُۡ َ َ ذ َ َ‬
‫ُۡ َۡ‬
‫َ َ‬
‫ِين َل َي ۡعل ُمونۗۡ﴾ [الزمر‪:‬‬
‫وجل يقول‪﴿ :‬قل هل ي َ ۡس َتوِي ٱَّلِين يعلمون وٱَّل‬

‫‪ ،]9‬ال وهللا ال يستوون‪ ،‬ال عمالً‪ ،‬وال رفعة‪ ،‬وال مقاماً‪ ،‬فعمل العاِل ليس كعمل‬
‫غريه‪ ،‬وخشية العاِل ليست كخشية غريه‪ ،‬ومنزلة العاِل ليست كمنزلة غريه‪.‬‬

‫ولذلك ذُكر عند النيب ﷺ عاِل وعابد فقال‪ :‬فضل العاِل على العابد‬
‫العاِل وغري م‬
‫كفضلي على أدانكم‪ ‬رواه الرتمذي‪ .‬فشتان بني منزلة م‬
‫العاِل‪،‬‬
‫و م‬
‫العاِل يعبد هللا بعلم فيقع عمله على الوجه املرضي‪ ،‬واخلشية تعظم يف القلب‬
‫َۡ‬

‫ۡ َ‬

‫ْ‬

‫مبقدار العلم‪﴿ ،‬إ ذن َما َي ََش ذ َ‬
‫ٱّلل م ِۡن ع َِبادِه ِ ٱل ُعل َ َٰٓ‬
‫م ُ ۗۡؤا﴾ [فاطر‪ ،]28:‬وكلما‬
‫ِ‬

‫عظُم العلم عظُمت اخلشية‪ ،‬ولذا من أسرار هذه اآلية‪ :‬أن من عالمات‬
‫العلم النافع؛ اخلشية الواقعة يف القلب‪ ،‬فالعلم النافع يورث خشية يف قلب‬
‫صاحبه‪ ،‬العلم أبمساء هللا وصفاته علماً صحيحاً يورث اخلشية يف قلب‬
‫صاحبه‪ ،‬العلم ابألحكام يورث اخلشية يف قلب صاحبه‪ ،‬وإذا وجد اإلنسان‬
‫أنه يتعلم ويتعلم وال يزداد خشية يف قلبه؛ فليقف مع نفسه وقفة‪ .‬فإن‬
‫هنالك خلالً‪ ،‬إما فيه‪ ،‬وإما يف معلمه‪ ،‬وإما يف ما يتعلمه‪ ،‬فرياجع نفسه‬
‫وينظر يف حال معلمه وينظر فيما يتعلم‪.‬‬
‫العلم خري كله‪ ،‬أوله وآخره‪ ،‬يقول النيب ﷺ‪ :‬من سلك طريقاً يلتمس‬
‫فيه علماً‪ ،‬سهل هللا له به طريقاً إىل اجلنة‪ ،‬وإن املالئكة لتضع أجنحتها‬
‫لطالب العلم رضاً مبا يصنع‪ ،‬وفضل العاِل على العابد كفضل القمر على‬
‫سائر الكواكب‪ ،‬وإن العاِل ليستغفر له من يف السماوات ومن يف األرض‬

‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬

‫| ‪10‬‬

‫حىت احليتان يف املاء‪ ،‬أال وإن العلماء ورثة األنبياء وإن األنبياء ِل يورثوا ديناراً‬
‫وال درمهاً‪ ،‬وإمنا ورثوا العلم فمن أخذه أخذ حبظ وافر‪. )1(‬‬
‫انظروا إىل هذا الفضل من أول الطريق ‪‬من سلك‪ ‬سلك الطريق‪،‬‬
‫‪‬يلتمس‪ ‬وهذه الكلمة يلتمس تدل على أن العلم حيتاج إىل تواضع‪ ،‬ال‬
‫أبدا‪ ،‬وإمنا يؤخذ العلم ابلتواضع‪ ،‬يلتمس‪ ‬االلتماس طلب‬
‫ينال العلم متكرب ً‬
‫األدىن من األعلى‪ ،‬يلتمس‪ ‬يسري يف طريقه متواضعاً يطلب العلم‪ ،‬يلتمس‬
‫هذا العلم‪.‬‬
‫مث انظر‪ :‬من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً‪ ،‬فكل علم انفع دخل يف‬
‫هذا‪ ،‬فضله وثوابه؛ أن هللا عز وجل ييسر له طريق اجلنة‪ ،‬وذلك أن العلم‬
‫ذاته فضيلة وثواب‪ ،‬وأنه يدل على الفضيلة والثواب‪ ،‬فهو يف ذاته عمل‬
‫صاحل‪ ،‬وهو سبب لدخول اجلنة‪ ،‬مث يدل على العمل الصاحل الذي يكون‬
‫طريقاً إىل اجلنة‪.‬‬
‫وطالب العلم تعرف املالئكة فضله‪ ،‬ولذلك حتيطه أبجنحتها رضا مبا‬
‫شرف الناس فيه مبقدار ما حيصلون منه‪ ،‬ليس بنسب‪ ،‬وال‬
‫يصنع‪ ،‬العلم ي ُ‬
‫مال‪ ،‬وال مقام‪ ،‬وإمنا مبقدار ما حيصلون من العلم‪ ،‬ولذا املالئكة حتف طالب‬
‫العلم أبجنحتها لسبب؛ وهو‪ :‬رضا مبا يصنع‪.‬‬

‫(‪ )1‬رواه أمحد وأبو داود والرتمذي وابن ماجه‪.‬‬

‫‪|11‬‬

‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬

‫ويف احلديث اآلخر يقول النيب ﷺ‪ :‬مرحبا بطالب العلم إن طالب العلم‬
‫حتفه املالئكة أبجنحتها مث يركب بعضهم بعضا حىت يبلغوا السماء الدنيا من‬
‫(‪)1‬‬
‫حصل العلم انتقل إىل فضل عال‬
‫حمبتهم ملا يصنع‪ ، ‬هذا يف الطلب‪ ،‬فإذا ّ‬
‫أعظم‪.‬‬
‫‪‬وإن العاِل ليستغفر له من يف السماوات ومن يف األرض حىت احليتان يف‬
‫املاء‪ ،‬إن هللا ومالئكته وأهل السماوات وأهل األرض‪ ،‬حىت النملة يف‬
‫جحرها وحىت احلوت ليصلون على معلم الناس اخلري‪.‬‬
‫يذكر العاِل ابخل مري ‪ -‬املعلم للخ مري ‪ -‬يف املأل األعلى‪ ،‬واملالئكة‬
‫هللا ُ‬
‫تستغفر له‪ ،‬ومن يف السماوات ومن يف األرض يستغفرون له‪ ،‬مث حىت النملة‬
‫يف جحرها‪ ،‬انتبه! النملة من حيواانت الرب‪ ،‬ومن أصغر حيواانت الرب‪ ،‬وحىت‬
‫احلوت من حيواانت البحر‪ ،‬وأكرب حيواانت البحر‪ ،‬فشمل هذا ما بينهما‬
‫من احليواانت‪ ،‬من حيواانت الرب وحيواانت البحر‪.‬‬
‫ولذا يُعرف الفضالء مبوقفهم من العلماء‪ ،‬مهما لمع لك الشخص‪،‬‬
‫ومهما ظهر عليه من عز الدنيا؛ إمنا يُعرف فضله مبوقفه من علماء اخلري‪،‬‬
‫علماء السنة‪ ،‬فإذا كان حمباً هلم‪ ،‬م ّداحاً هلم ابحلق‪ ،‬جماهداً ابلذب عنهم‪،‬‬
‫فهو من أهل الفضيلة‪ ،‬وإن كان وقّاعاً فيهم‪ ،‬ق ّداحا فيهم‪ُ ،‬مبغضاً هلم‪،‬‬
‫متباعداً عنهم‪ ،‬فهو على شيء من الشر يقوده إىل هذا الباب‪.‬‬
‫(‪ )1‬رواه الطربا‪،‬ي يف املعجم الكبري وابن عدي يف الكامل وابن عبد الرب يف جامع بيان العلم‬
‫وفضله وحسنه األلبا‪،‬ي يف الصحيحة برقم‪.)3397( :‬‬

‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬

‫| ‪12‬‬

‫‪‬وفضل العاِل على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب‪ ،‬مث‪ :‬أال‬
‫وإن العلماء ورثة األنبياء‪ ‬املعلوم أن امليت إذا مات يرثه أقرابؤه‪ ،‬ولذلك‬
‫يقرر أهل العلم أن أقرب األمة إىل األنبياء هم العلماء‪ ،‬ورأسهم صحابة‬
‫رسول هللا ﷺ‪ ،‬ألهنم هم الذين ورثوا األنبياء‪.‬‬
‫وامليت إذا مات إمنا يرثه قريبه‪ ،‬ومرياث نبينا ﷺ ال ينفذ‪ٍ ،‬‬
‫ابق‪ ،‬وهو ما‬
‫شيخ؛ قد أخذ من‬
‫تركه ﷺ من العلم‪ ،‬وليس كل من محل كتاابً‪ ،‬أو قرأ على ٍ‬
‫مرياث حممد ﷺ‪ ،‬وإمنا الذي أيخذ من مرياث حممد ﷺ؛ من يغرتف مما‬
‫تركه ﷺ‪ ،‬فالفضل عظيم‪.‬‬
‫وملا كان فضل العلم عظيماً‪ ،‬كان شرطه كرمياً ووزنه ثقيالً‪ ،‬فشرط العلم‪:‬‬
‫[أوالً‪ ]:‬إخالص هلل عز وجل‪ ،‬أبن يضع املسلم يف قلبه أنه يتعلم لينفع‬
‫نفسه هبذا العلم وينفع اآلخرين ابتغاء وجه هللا سبحانه وتعاىل‪ ،‬فالعلم‬
‫عبادة‪ ،‬وشرطها اإلخالص هلل سبحانه وتعاىل‪ ،‬وقد ح ّذر النيب ﷺ من‬
‫احنراف القلب يف هذا الباب أميا حتذير‪ ،‬فقال ﷺ‪ :‬أول الناس يقضى يوم‬
‫القيامة ثالثة‪ ،‬وذكر منهم‪ :‬ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن قال‪ :‬فأُيت‬
‫به فعرفه نعمه‪ ،‬قال‪ :‬فعرفها‪ ،‬قال‪ :‬فما عملت فيها؟ قال‪ :‬تعلمت العلم‬
‫وعلمته وقرأت فيك القرآن‪ ،‬فيقال‪ :‬كذبت وإمنا تعلمت ليُقال عاِل وقرأت‬

‫‪|13‬‬

‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬

‫القرآن ليقال هو قارئ وقد قيل‪ ،‬مث يؤمر به فيسحب على وجهه فيلقى يف‬
‫النار‪.)1(‬‬
‫وقال ﷺ‪ :‬من تعلم علماً مما يبتغى به وجه هللا ال يتعلمه إال ليصيب به‬
‫عرضاً من الدنيا‪ِ ،‬ل جيد عرف اجلنة يوم القيامة‪ )2(‬يعين لن جيد رائحة اجلنة‬
‫يوم القيامة‪.‬‬
‫والشرط الثاين‪ :‬العمل‪ ،‬إن كان ما تعلمه اإلنسان فرضاً؛ فالعمل فرض‪،‬‬
‫وإن كان دون ذلك فالعمل حبسبه‪ ،‬وكان وزنه ثقيالً فالعلم ثقيل‪ ،‬ولذلك‬
‫حيتاج إىل صرب طويل‪ ،‬فالعلم ال يناله متكرب كما قلنا يف أول الكالم‪ ،‬وال‬
‫يناله ملول وال عجول‪ ،‬من ِل يُرزق الصرب؛ لن ينال العلم‪ ،‬ألن العلم ثقيل‬
‫إذا جلس اإلنسان للحلقة حيتاج إىل جماهدة‪ ،‬حيتاج إىل صرب‪ ،‬حيتاج إىل‬
‫انتباه‪ ،‬وقل أن يصرب على ذلك أحد‪ ،‬ولذلك إذا نظرت إىل جمالس العلم‬
‫وجدت روادها قليالً‪ ،‬إذا نظرت إىل اجملالس املضحكات اليت تُطرب‬
‫كثريا‪ ،‬العلم ثقيل حيتاج إىل صرب عظيم‪،‬‬
‫وتُعجب وال تتعب؛ وجدت روادها ً‬

‫ضره‪،‬‬
‫صرب يف حضوره‪ ،‬وصرب يف اجملاهدة لالستماع‪ ،‬ألنه ليس الشأن أن حت ُ‬
‫ضره‪ ،‬الشأن أن ُحت م‬
‫ولكن الشأن أن ُحت م‬
‫ضر قلبك‪ ،‬فإن العلم من الذكرى فال‬

‫بد فيه من ٍ‬
‫قلب حاضر شهيد‪ ،‬ومس ٍع‬
‫(‪ )1‬رواه مسلم‪.‬‬
‫(‪ )2‬رواه أمحد وأبو داود وابن ماجه‪.‬‬

‫ى ل َِمن ََك َن َ َُلۥ قَ ۡل ٌ‬
‫﴿إ ِ ذن ِِف َذَٰل َِك ََّل ِۡك َر َٰ‬
‫ب‬

‫| ‪14‬‬

‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬

‫ذ ۡ َ ََُ َ‬
‫َۡ ََۡ‬
‫أو ألَق ٱلسمع وهو ش ِهيد﴾‬

‫[ق‪ ،]37 :‬فيحتاج إىل صرب يف هذا الباب‪،‬‬

‫حيتاج إىل صرب يف تكرار احلضور‪ ،‬وهذا ُحيرم منه كثري من الناس‪ ،‬ولذلك‬
‫كثريا ممن يـتس ّمون اليوم بطالب العلم عندهم تعليقات على أول‬
‫جتد ً‬
‫الكتب‪ ،‬حيضر أول الدروس‪ ،‬يعلق على أوهلا‪ ،‬مث ال يصرب‪ ،‬فيرتك‪ ،‬فينقطع‪،‬‬
‫فال حيصل العلم‪ ،‬ال حيصل العلم إال من ُرزق الصرب على اإلدامة‪ ،‬وحيتاج إىل‬
‫صرب يف معاملة الشيخ‪ ،‬ومعاملة الناس‪ ،‬وغري ذلك‪.‬‬

‫حيتاج إىل صرب وحيتاج إىل أانة‪ ،‬الذي يتعجل يريد أن يكون عاملاً يف‬

‫شهر أو شهرين أو سنة أو سنتني؛ لن يصرب على العلم‪ ،‬العلم حيتاج إىل أن‬
‫يتأىن اإلنسان‪ ،‬يفرح مبا ُرزق وال يتعجل أن يكون عاملاً‪ ،‬بل يعلم أنه يف خري‬
‫ويسعى للكثار من العلم‪.‬‬

‫وال شك أن الفقه يف الدين من عالمات اخلريية يف هذه األمة‪ ،‬يقول‬
‫النيب ﷺ‪ :‬من يرد هللا به خرياً يفقهه يف الدين‪ )1(‬م‬
‫فمن عالمات إرادة هللا‬
‫اخلري بعبده؛ أن يفقهه يف دينه‪.‬‬
‫والفقه يف الدين‪ :‬أن يُرزق العبد نية صحيحة‪ ،‬وأن يتعلم علماً صحيحاً‪،‬‬
‫وأن يعتقد اعتقاداً سليماً‪ ،‬وأن يعمل عمالً صاحلاً‪ ،‬هذا تفسري السلف‬
‫للفقه‪ .‬أن يرزق العبد نية صحيحة يرزق اإلخالص وأن يتعلم علماً صحيحاً‬
‫(‪ )1‬متفق عليه‪.‬‬

‫‪|15‬‬

‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬

‫وأن يعتقد اعتقاداً سليماً وأن يعمل عمال صاحلاً‪ ،‬فتعرف النفس ماهلا وما‬
‫عليها‪ ،‬وتقوم مبا هلا وما عليها‪.‬‬
‫وال شك أن من أنواع هذا الفقه معرفة األحكام الشرعية‪ ،‬فهي من الفقه‬
‫يف الدين وهي حممودة‪ .‬وال شك أن روح الفقه وركنه األعظم هو الدليل‪،‬‬
‫شرف ابلدليل‪ ،‬كل علم صحيح ال بد أن يكون‬
‫فالفقه إمنا ي ُ‬
‫فضل ويعظُم وي ُ‬
‫مبنيا على الدليل من الكتاب والسنة‪ ،‬أو ما دل عليه الكتاب والسنة من‬
‫األدلة‪ ،‬فهذا هو روح الفقه وركنه األعظم‪ ،‬األدلة يف دين حممد ﷺ هي‬
‫سفينة النجاةم والفالح‪ ،‬العلم النافع هو الذي يكون مبنيا على األدلة‪.‬‬
‫وال شك أن يف الفقه ابلذات حنتاج إىل األدلة أكثر؛ ألن الفقه يكثر فيه‬
‫اخلالف‪ ،‬وتتالطم فيه أمواج األقوال‪ ،‬فالنجاة فيه ابلتمسك ابلدليل فيما‬
‫يظهر للعبد خب مري فه ٍم وهو فهم سلف األمة‪ .‬فمن وفق لفهم األدلة بفهم‬
‫سلف األمة؛ فقد وفق للخري العظيم‪.‬‬
‫ولو نظران يف اتريخ فقهنا إىل أئمتنا املعتربين كاألئمة األربعة وجدان أن‬
‫فقههم فقه الدليل‪ ،‬وأهنم حيرصون على الدليل‪ ،‬ويعظمون الدليل‪ ،‬وأمجعت‬
‫كلمتهم على ترك كل قول خالف الدليل ولو كان قوالً هلم‪ ،‬ولذلك يقول‬
‫اإلمام الشافعي رمحه هللا‪" :‬أمجع الناس على أن من استبانت له سنة رسول‬
‫هللا ﷺ ِل يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس كائناً من كان"‪.‬‬
‫"أمجع الناس" وهذا فوق قول القائل‪ :‬أمجع العلماء‪.‬‬

‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬

‫| ‪16‬‬

‫"أمجع الناس على أن من"‪( ،‬من) تقتضي العموم‪ ،‬كل أحد سواء كان‬
‫عاملاً أو متعلماً‪ ،‬اتبعاً أو متبوعاً‪.‬‬
‫"من استبانة له سنةُ رسول هللا ﷺ ِل يكن له أن يدعها لقول أحد من‬
‫الناس كائناً من كان "‪ ،‬فاملوفق من طالب العلم يف ابب الفقه؛ من ينتقي‬
‫من أقوال األئمة ما وافق الدليل حبسب نظره وفهمه لألدلة‪ ،‬مث يعلم أن من‬
‫خالف الدليل ‪-‬حبسب نظره‪ -‬من األئمة؛ جمتهد معذور مأجور‪ ،‬فيعرف‬
‫للعلماء املعتربين فضلهم‪ ،‬ويعرف للدليل منزلته‪ ،‬فال يرتك الدليل من أجل‬
‫فضل أحد‪ ،‬وال يهدر فضل أحد ممن له فضل من أجل االنتصار للدليل‪،‬‬
‫فهناك طائفتان أخطأات الطريق يف الباب‪:‬‬
‫ طائفة تزدري األئمة‪ ،‬وتطعن يف العلماء املعتربين‪ ،‬حبجة االنتصار‬‫للدليل‪ ،‬وهؤالء نياهتم حسنة وحبهم للدليل طيب‪ ،‬لكنهم أخطؤوا الطريق‬
‫من ابب‪ ،‬وهو إهدار فضل علماء األمة‪.‬‬
‫ وطائفة ال تقيم للدليل وزانً إال مبقدار ما يوافق قول إمامهم‪ ،‬حىت‬‫كل آية أو حديث خالفت مذهبنا فهي مؤولة أو منسوخة‬
‫قال قائلهم‪ّ :‬‬
‫فح مكم على القرآن والسنة ابملذهب‪ ،‬وِل حيكم‬
‫واألوىل محلها على التأويل‪ُ ،‬‬
‫على املذهب ابلقرآن والسنة‪.‬‬
‫وكال الطائفتني أخطأ الطريق‪ ،‬املوفق من عباد هللا يعرف ألئمة اإلسالم‬
‫املعتربين فضلهم‪ ،‬وحيفظ مقامهم‪ ،‬ويذب عن أعراضهم‪ ،‬وأيخذ مبا دل عليه‬
‫الدليل من أقواهلم‪.‬‬

‫‪|17‬‬

‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬

‫مرة كان يناظر‪،‬ي أحد املتعصبة للمذاهب وقال‪ :‬أنتم ال تعرفون فضل‬
‫قلت له‪ :‬حنن حبمد هللا ليس‬
‫األئمة ألنكم تقولون أنخذ مبا دل عليه الدليل‪ُ ،‬‬
‫عندان إمام من أئمة اإلسالم املعتربين مهجوراً‪ ،‬ولذلك جتد يف أقوالنا اختيار‬
‫قول أليب حنيفة رمحه هللا ألن الدليل دل عليه‪ ،‬وجتد اختيار ٍ‬
‫ٍ‬
‫قول للمام‬
‫دل عليه‪ ،‬وجتد اختيار ٍ‬
‫قول للمام املطليب‬
‫مالك رمحه هللا ألن الدليل ّ‬
‫دل عليه‪ ،‬وجتد قوالً للمام أمحد بن حنبل ألن الدليل‬
‫الشافعي ألن الدليل ّ‬
‫دل عليه‪ ،‬لكن هات من عندك قوالً واحداً تعرتف فيه بفضل ٍ‬
‫إمام من‬
‫الثالثة غري إمامك‪ ،‬فسكت‪.‬‬
‫ومما ُحيكى أن أحد العامة أراد أن يتزوج‪ ،‬فقال الشيخ الذي يعقد له‪،‬‬
‫قبلت الزواج بفالنة على مذهب أيب حنيفة النعمان‪ ،‬قال الشاب –‬
‫قل‪ُ :‬‬
‫عامي‪ :-‬قبلت الزواج بفالنة‪ ،‬قال الشيخ‪ :‬قل على مذهب أيب حنيفة‬
‫النعمان‪ ،‬قال‪ :‬ال‪ ،‬ال‪ ،‬قبلت الزواج بفالنة يكفي‪ ،‬قال‪ :‬ال‪ ،‬ال يصح‪ ،‬ال بد‬
‫أن تقول على مذهب أيب حنيفة‪ ،‬فقال له‪ :‬طيب‪ ،‬والد أيب حنيفة كيف‬
‫صح نكاحه‪ ،‬ما كان على مذهب أيب حنيفة؟!‬
‫التعصب آفة‪ ،‬وإهدار فضل العلماء آفة‪ ،‬وأهل احلق وسط بني الفريقني‪،‬‬
‫يعرفون للعلماء واألئمة املعتربين فضلهم‪ ،‬وأيخذون مبا دل عليه الدليل‪ ،‬وال‬
‫شك أن هذه هي وصية النيب ﷺ عند االختالف‪ ،‬فإنه ﷺ قال‪ :‬فإن من‬
‫يعش منكم بعدي فسريى اختالفاً كثرياً‪ ،‬فعليكم بسنيت‪ ،‬وسنة اخللفاء‬
‫الراشدين املهديني‪ ،‬متسكوا هبا‪ ،‬وعضوا عليها ابلنواجذ‪ ،‬وإايكم وحمداثت‬

‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬

‫| ‪18‬‬

‫األمور‪ ،‬فإن كل حمدثة بدعة‪ ،)1(‬فإذا وجد االختالف وجب الرجوع إىل‬
‫الدليل واألخذ مبا دل عليه الدليل‪.‬‬
‫وحنن إن شاء هللا عز وجل سنتدارس يف جمالس هذه الدورة قواعد يف‬
‫البيوع‪ ،‬أو ما يسمى ابملعامالت املالية‪ .‬وال شك أن الفقه يف البيوع؛ فقه‬
‫من األمهية مبكان‪ ،‬ألنه ال خيلو مكلف من بيع‪ ،‬ال ميكن أن ميوت إنسان‬
‫يعيش يف هذه الدنيا وِل يبع أو يشرتي‪ ،‬ال بد من بيع‪ ،‬فهو تعم به البلوى‪،‬‬
‫وال بد من معرفة فقهه‪.‬‬
‫وأحسن طريقة لضبط الفقه؛ ضبط الكليات‪ ،‬فمن ضبط الفقه ابلكليات؛‬
‫استقامت له اجلزئيات‪ ،‬ومن تتبع اجلزئيات غري انظر إىل الكليات؛ أوشك أن‬
‫ينسى ما قرأ منها‪ ،‬ولذلك دائماً إذا كنت تقرأ يف كتب الفقه فاحرص أول ما‬
‫تقرأ يف الباب؛ أن تعرف ما هو األصل فيه عند العلماء‪ ،‬إذا جئت تقرأ يف‬
‫ابب اآلنية‪ ،‬قبل أن تشرع يف املسائل وتقرأ املسائل وتفريعاهتا؛ اعرف ما هو‬
‫األصل يف اآلنية عند العلماء‪ ،‬واضبط هذه الكلية‪" :‬األصل يف األوا‪،‬ي الطهارة‬
‫واإلابحة"‪ ،‬خالص! أصبح هذا األصل مضبوطاً‪ ،‬مث اقرأ املسائل‪ ،‬سينضبط‬
‫لك الفقه‪.‬‬

‫وحنن إن شاء هللا عز وجل سنحاول ضبط البيوع بذكر القواعد‪،‬‬
‫وسيكون املنهج إن شاء هللا‪:‬‬
‫(‪ )1‬رواه أبو داود والرتمذي وابن ماجه وابن حبان يف صحيحه وقال الرتمذي حديث حسن‬
‫صحيح‪.‬‬

‫‪|19‬‬

‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬

‫ أان سنطرح القاعدة ونشري إىل خالف العلماء فيها إذا كان مثة‬‫خالف‪.‬‬
‫ ونذكر الراجح فيها مدللني عليه‪.‬‬‫ مث بعد ذلك نربط القاعدة ببعض مسائل البيوع الواقعة‪ ،‬كيف‬‫تدخل حتت القاعدة‪ ،‬وكيف خترج من القاعدة‪.‬‬
‫مث إذا بقي عندان وقت يف الدورة سنقرأ فيما سطره شيخ اإلسالم ابن‬
‫تيمية رمحه هللا يف قواعد املعامالت والقواعد النورانية‪ ،‬وإال فاألصل إن شاء‬
‫هللا أ ّان نطرح القاعدة مث نشري إىل اخلالف فيها‪ ،‬ومعناها اإلمجايل‪ ،‬واألدلة‬
‫عليها‪ ،‬ونربطها ببعض الصور الواقعة يف املعامالت املالية املعاصرة‪.‬‬
‫ولكن قبل أن نشرع يف القواعد حنتاج إىل‪:‬‬
‫مدخل يف ثالثة أمور‪:‬‬
‫األمر األول‪ :‬عن القواعد‪.‬‬
‫واألمر الثا‪،‬ي‪ :‬عن البيع‪.‬‬
‫واألمر الثالث‪ :‬عن املعامالت املالية‪.‬‬
‫[األمر األول‪ :‬القواعد]‬
‫أما القواعد فنحتاج أن نعرف حقيقتها‪:‬‬
‫عندما نقول قواعد‪ ،‬ماذا يعين العلماء ابلقواعد؟‬

‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬

‫| ‪20‬‬

‫القاعدة يف لسان العلماء يقولون‪" :‬حكم كلي يتعرف منه حكم‬
‫اجلزئيات الفقهية مباشرة يف أكثر من ابب"‪.‬‬
‫شرح التعريف‪:‬‬
‫"احلكم"‪ :‬نسبةُ أمر إىل آخر حيتمل اإلثبات أو النفي‪.‬‬
‫ت الصدق إىل فالن‪ ،‬ميكن أن يكون‬
‫"فالن صادق"‪ ،‬هذا حكم‪ ،‬نسب ُ‬
‫صادقاً وميكن أن ال يكون‪ ،‬هذا حكم‪.‬‬
‫ولذلك بعض أهل العلم يعرب فيقول عن القواعد الفقهية‪" :‬قضية"‪ ،‬بدل‬
‫"حكم"‪ ،‬قضية كلية‪ ،‬املعىن واحد‪.‬‬
‫ألن القضية ما معناها؟ "أن ينسب اإلنسان إىل آخر أمراً حيتمل اإلثبات‬
‫أو النفي"‪ ،‬رفع قضية يف احملكمة نسب إىل آخر مثالً أنه غصب أرضه‪ ،‬هذا‬
‫حيتمل اإلثبات وحيتمل النفي‪.‬‬
‫إذن إذا قلنا حكم أو قلنا قضية فاملعىن واحد‪.‬‬
‫"حكم كلي"‪ ،‬كلي معناه‪ :‬أنه يصلح أن يُصدر بـ "كل"‪ .‬والقواعد‬
‫الفقهية كلية ابلقوة‪ ،‬يعين تصلح جلميع الفروع‪.‬‬
‫طيب يقول بعض الناس‪ :‬كيف تقولون "كلّي" وهلا مستثنيات؟ ‪-‬‬
‫القواعد الفقهية هلا مستثنيات‪ ،‬وسنذكر حنن إن شاء هللا يف الدروس‬
‫املستثنيات‪ -‬يقول كيف تقولون "كلّي" وهلا مستثنيات؟‬

‫‪|21‬‬

‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬

‫نقول‪ :‬كل مستثىن ال بد أن تكون فيه صفة خاصة أو مانع منع من‬
‫دخوله‪ ،‬وابلتايل هو غري داخل يف القاعدة أصالً‪.‬‬
‫سبحان هللا! هذه الشريعة عدل كلها حىت يف األحكام‪ِ ،‬ل يفرق ربنا يف‬
‫احلكم بني شيئني متساويني من كل وجه‪ ،‬إذا وجدان الشيئني قد اختلفا يف‬
‫احلكم؛ فنعلم أن بينهما فرقاً‪ ،‬ولو ِل يظهر لنا يف ابدئ الرأي‪ ،‬الشريعة عدل‬
‫كلها‪ ،‬فإذا وجدان للقاعدة مستثىن؛ ال بد أن نعرف أن هناك فرقاً اقتضى أن‬
‫خيرج من القاعدة‪ ،‬وابلتايل هو غري داخل حتتها أصال لوجود الفارق‪.‬‬
‫"حكم كلي يتعرف" ما قالوا‪ :‬يع مرف‪ ،‬وما قالوا‪ :‬يُعرف‪ ،‬قالوا‪ :‬يُتعرف‪.‬‬
‫يف اللغة قاعدة تقول‪ :‬الزايدة يف املبىن زايدة يف املعىن إذا كانت املادة‬
‫واحدة‪.‬‬
‫يعين هذا ليس على إطالقه‪ ،‬إذا كانت مادة الكلمتني واحدة؛ فالزايدة يف‬
‫املبىن زايدة يف املعىن‪" ،‬يُعرف" و"يُتعرف" مادهتما واحدة‪ ،‬و "يتعرف" فيها‬
‫زايدة يف املبىن‪ ،‬ففيها زايدة يف املعىن‪ ،‬يُتعرف يعين‪ :‬حتتاج إىل إعمال ذهن‪.‬‬
‫ال تعرف مباشرة‪ ،‬حتتاج أن تبذل جهدك يف إعمال ذهنك‪.‬‬
‫"حكم كلي يتعرف منه حكم اجلزيييات الفقهية"‪ ،‬يعين حكم املسائل‬
‫الفقهية مسألة مسألة‪.‬‬
‫"مباشرة" يعين من نفس القاعدة من لفظ القاعدة تعرف احلكم‪.‬‬

‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬

‫| ‪22‬‬

‫جاءان إنسان قال اي شيخ‪ :‬أان توضأت لصالة الظهر وصليت الظهر‪،‬‬
‫وعندما أذن العصر شككت يف انتقاض الوضوء‪ ،‬لكين ِل أتوضأ وصليت‬
‫العصر‪ ،‬واآلن بدأ الشيطان يلعب يب‪ ،‬يقول صليت العصر بال وضوء فهل‬
‫صالة العصر صحيحة؟‬
‫أقول له‪ :‬نعم‪ ،‬صالة العصر صحيحة‪ ،‬ألن "اليقني ال يزول ابلشك"‪،‬‬
‫أنت متيقن أنك توضأت وشككت يف االنتقاض و"اليقني ال يزول‬
‫ابلشك"‪ ،‬من لفظ القاعدة تعرفت على حكم اجلزئية الفقهية مباشرة من‬
‫لفظها‪.‬‬
‫قولنا‪ :‬مباشرة‪ ،‬يفرقون فيه بني القاعدة الفقهية والقاعدة األصولية ‪ -‬ما‬
‫يسمى أبصول الفقه‪ -‬أصول الفقه ال يعرف منها احلكم مباشرة‪.‬‬
‫يعين‪ :‬لو جاء‪،‬ي شخص وقال اي شيخ‪ :‬ما حكم إعفاء اللحية؟ قلت له‪:‬‬
‫اي أخي احلبيب‪ :‬إعفاء اللحية واجب ألن "األمر للوجوب"‪ ،‬األمر غري‬
‫ظاهر هنا‪ ،‬يعين ما العالقة بني إعفاء اللحية واألمر للوجوب؟ أحتاج أن‬
‫أقول له‪ :‬إعفاءُ اللحية واجب ألن النيب ﷺ قال(‪ :)1‬اعفوا اللحى‪ ،‬وفروا‬
‫اللحى‪ ،‬أكرموا اللحى‪ ،‬أرخوا اللحى‪ ،‬وهي أوامر واألمر للوجوب‪.‬‬
‫"يف أكثر من ابب"‪ ،‬وهذا عند بعض أهل العلم وليس عند كل العلماء‪،‬‬
‫ألن الذي يدخل ابابً واحداً يسمونه ضابطاً‪ ،‬والقاعدة تدخل أبواابًكثرية‪.‬‬
‫(‪ )1‬هذه الرواايت يف البخاري ومسلم وغريمها أبلفاظ خمتلفة‪.‬‬

‫‪|23‬‬

‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬

‫عندما أنيت فنقول "األصل يف األوا‪،‬ي الطهارة" هذا خاص بباب اآلنية‪،‬‬
‫فبعض أهل العلم يقول‪ :‬هذا ضابط وليس قاعدة‪ ،‬ألنه ال يدخل أكثر من‬
‫ابب‪.‬‬
‫لو سألنا سائل قال‪ :‬ما هي القواعد الفقهية؟ ما هي حقيقتها؟‬
‫نقول‪ :‬كلمات موجزة‪ ،‬تتضمن حكماً فقهياً‪ ،‬ينطبق على مسائل‬
‫كثرية‪.‬‬
‫فالقواعد ال بد فيها من اإلجياز‪ ،‬ال تأيت القاعدة يف صفحة‪[ ،‬تأيت] يف‬
‫كلمتني‪ ،‬ثالث كلمات‪ ،‬نصف سطر‪ ،‬سطر‪ ،‬سطر ونصف‪.‬‬
‫"تتضمن حكماً فقهياً"‪ ،‬ال بد أن يكون فيها حكم فقهي يُسمع ويُفهم‪:‬‬
‫"األمور مبقاصدها"‪" ،‬اليقني ال يزول ابلشك"‪" ،‬ال ضرر وال ضرار"‪ ،‬أو‬
‫"الضرر يزال"‪" ،‬العادة حمكمة" فيها حكم عندما تسمعه تعرفه‪.‬‬
‫"ينطبق على مسائل كثرية"‪ ،‬فليست هناك قاعدة ملسألة وال ملسألتني‪،‬‬
‫القاعدة تدخل حتتها مسائل كثرية‪.‬‬
‫مما يتعلق ابملدخل يف القواعد الفقهية شيء مهم جداً‪ ،‬وهو‪:‬‬
‫هل القواعد الفقهية حجة يستند إليها؟‬
‫اختلف العلماء يف هذا الباب‪:‬‬

‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬

‫| ‪24‬‬

‫فقال بعض أهل العلم‪ :‬القواعد الفقهية ليست حجة‪ ،‬ألهنا من كالم‬
‫العلماء‪ ،‬فال تكون حجة بذاهتا إال إذا أمجع عليها العلماء‪.‬‬
‫وقال بعض أهل العلم‪ :‬القواعد الفقهية حجة‪ ،‬ألن أحكامها مقررة‬
‫ابلدليل‪.‬‬
‫والذي يظهر ‪-‬وهللا أعلم‪ -‬أن القواعد الفقهية حجة على تفصيل‪ ،‬مبعىن‪:‬‬
‫هل يصح يل وأان طالب علم إذا جاء‪،‬ي العامي يسأل عن مسألة أن‬
‫استند إىل القاعدة الفقهية يف ذكر احلكم له؟‬
‫نقول إن الذي يظهر ‪-‬وهللا أعلم‪ :-‬أنه جيوز على تفصيل‪ ،‬ألن القواعد‬
‫هنا على ثالث مقامات‪:‬‬
‫املقام األول‪ :‬أن تكون القاعدة مأخوذة من النصوص بلفظها‪.‬‬
‫مثل قاعدة‪" :‬اخلراج ابلضمان"‪.‬‬
‫"اخلراج ابلضمان" قاعدة فقهية مأخوذة بلفظها من حديث النيب ﷺ‪.‬‬
‫جاء‪،‬ي رجل قال‪ :‬اي شيخ‪ ،‬أان اشرتيت سيارة واستعملتها‪ ،‬سافرت هبا‬
‫ورجعت‪ ،‬وحتركت هبا يف البلد‪ ،‬مث وجدت فيها عيباً فرددهتا إىل البائع‪ ،‬فهل‬
‫جيب عل ّي أن أعطيه أجرة مقابل استعمايل للسيارة؟ أل‪،‬ي اآلن سأرد السيارة‬
‫وآخذ القيمة‪ ،‬هل أدفع له أجرة ؟‬
‫أقول‪ :‬ال‪ ،‬ألن "اخلراج ابلضمان"‪.‬‬

‫‪|25‬‬

‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬

‫(اخلراج) هو نفع الشيء‪( ،‬ابلضمان) يعين مقابل ضمان‪ ،‬أنت عندما‬
‫اشرتيت السيارة‪ ،‬لو تلفت! على من يكون ضماهنا؟ عليك أنت‪ ،‬وإمنا تعود‬
‫أبرش(‪ )1‬العيب فقط‪.‬‬
‫فما دام أ ّن الضمان عليك؛ فاخلراج لك‪ ،‬لو أجرهتا‪ ،‬لو أخذت أجرة‪،‬‬
‫كلها لك‪ ،‬ألن الضمان عليك‪ .‬فأان أقول له‪ :‬ال جيب عليك أن ترد شيئاً‬
‫ألن "اخلراج ابلضمان"‪ ،‬هذه قاعدة‪.‬‬
‫أو أيتيين إنسان فيقول‪ :‬اي شيخ‪ ،‬ما حكم شرب الدخان؟‬
‫فأقول له‪ :‬شرب الدخان حرام ألنه "ال ضرر وال مضرار"‪ ،‬والدخان فيه‬
‫ضرر وفيه مضرار‪.‬‬
‫وهذه ‪-‬يف احلقيقة‪ -‬نص يف حديث النيب ﷺ جعله العلماء قاعدة‪،‬‬
‫وإن كان األوىل واألحسن أن يُذكر النص‪ ،‬فاألفضل واألوىل أن يقال مثالً‪:‬‬
‫ال جيب عليك أن ترد شيئاً ألن النيب ﷺ قال‪ :‬اخلراج ابلضمان‪ )2(‬فهو‬
‫أحسن‪ ،‬وإن كان احلكم واحداً‪.‬‬
‫املقام الثاين‪ :‬أن تكون القاعدة مأخوذة من النصوص ابملعىن‪.‬‬
‫وهنا يصح االحتجاج هبا‪ ،‬ألن االحتجاج ابملعىن الصحيح للدليل جائز‪.‬‬

‫(‪ )1‬األرش‪ :‬هو الفرق بني قيمة السلعة سليمة وقيمتها معيبة‪ ،‬انظر الدرس العاشر‪.‬‬
‫(‪ )2‬رواه أمحد وأصحاب السنن‪.‬‬

‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬

‫| ‪26‬‬

‫جاء‪،‬ي إنسان قال‪ :‬اي شيخ‪ ،‬هل جيوز للنسان أن يشرب املاء بنية أنه‬
‫مخر؟‬
‫أقول له‪ :‬ال جيوز‪ ،‬ألن "األمور مبقاصدها"‪.‬‬
‫وهذه قاعدة مأخوذة من جمموع النصوص‪ ،‬من معا‪،‬ي النصوص‪ ،‬وهذه‬
‫قضية مهمة جداً‪.‬‬
‫أيتيين شخص يقول‪ :‬هل جيوز أن أتزوج بنية الطالق؟ وإن كان هذا‬
‫سيأتينا إن شاء هللا يف قاعدة من القواعد اليت سنتكلم عنها‪.‬‬
‫نقول‪ :‬ال‪ ،‬ال جيوز ‪ -‬ولو قال مجهور العلماء أنه جيوز‪ -‬نقول‪ :‬ال جيوز‪،‬‬
‫ال جيوز أن تتزوج بنية الطالق "ألن األمور مبقاصدها"‪" ،‬القصود مؤثرة يف‬
‫العقود"‪.‬‬
‫املقام الثالث‪ :‬أن تكون القاعدة استقرائية‪.‬‬
‫يعين مبنية على تتبع األحكام‪ ،‬وليس هلا دليل خاص‪.‬‬
‫تج هبا إال إذا فُقد الدليل‪ ،‬ألن‬
‫وهنا يكون حكمها حكم القياس‪ ،‬ال ُحي ّ‬
‫اإلمام الشافعي –رمحه هللا‪ -‬يقول‪" :‬القياس للفقيه؛ كامليتة للمضطر"‪ ،‬ال‬
‫جيوز للفقيه أن يقيس مع وجود النص‪ ،‬لكن إذا فقد النص جاز له القياس‪،‬‬
‫فهي تعامل معاملة القياس‪ ،‬فإذا جاءتين مسألة أحبث هلا عن دليل خاص‪،‬‬
‫فإن ِل أجد؛ أحلقتها بقواعدها االستقرائية‪.‬‬

‫‪|27‬‬

‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬

‫جاء‪،‬ي إنسان قال‪ :‬اي شيخ‪ ،‬أان بعت بييت ويف داخل السور خنل‪ ،‬خنل‬
‫مثمر ِل نتفق عليه يف البيع‪ ،‬بعت البيت‪ ،‬وأان اآلن أريد أن آخذ النخل‪ ،‬هل‬
‫جيوز يل أن آخذ النخل؟‬
‫أسأله سؤاالً أل‪،‬ي لست من أهل البلد مثال‪ ،‬فأقول‪ :‬هل يُعد النخل‬
‫داخل الفناء يف العرف عندكم من البيت أو ال يعد من البيت؟‬
‫إن كان يعد من البيت فال جيوز لك أن تأخذه‪ ،‬ملاذا؟‬
‫ألن "التابع اتبع"‪ ،‬التابع لشيء يف وجوده وامسه؛ اتبع له يف حكمه‪ ،‬فلما‬
‫بعت البيت دخل يف البيع النخل فليس لك أن تأخذه‪ ،‬أحلقنا هذه املسألة‬
‫بنظائرها‪ ،‬وهي أن "كل شيء يتبع شيئاً يف وجوده؛ يتبعه يف حكمه"‪ ،‬إال‬
‫ما استثين وقام الدليل على استثنائه‪.‬‬
‫إذن‪ ،‬القواعد الفقهية تصلح لالحتجاج على ما ذكران يف التفصيل‪.‬‬
‫هناك أشياء كثرية تتعلق ابلقواعد لكن نقتصر على ما حنتاج إليه‪.‬‬
‫األمر الثاين‪ :‬البيع‪.‬‬
‫ما هو البيع عند العلماء؟ البيع يف اللغة‪ :‬مبادلة شيء بشيء‪.‬‬
‫هذا هو البيع يف اللغة‪ ،‬ألن البيع كان معروفاً قبل اإلسالم وهو له معىن‬
‫يف اللغة‪ ،‬وتعرفه العرب‪ ،‬وهو عندهم مبادلة شيء بشيء‪ ،‬فكل شيء فيه‬
‫مبادلة يسمونه بيعاً‪.‬‬

‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬

‫| ‪28‬‬

‫والبيع أييت مبعىن اإلعطاء‪ ،‬وأييت مبعىن األخذ‪ ،‬يعين البيع يسمى بيعاً‬
‫والشراء يسمى بيعاً‪ ،‬ولذلك يقولون يف كتب اللغة هو من األضداد‪ ،‬يعين‬
‫يطلق على الضدين‪ ،‬الذي يبذل السلعة يسمى ابئعاً‪ ،‬والذي يقبضها يسمى‬
‫بعت مبعىن اشرتيت السلعة‪،‬‬
‫بعت مبعىن بذلت السلعة‪ ،‬وتقول‪ُ :‬‬
‫ابئعاً‪ ،‬تقول‪ُ :‬‬
‫كالمها صحيح يف اللغة‪.‬‬
‫واختلف يف اشتقاقه من أين جاءت كلمة (البيع) للبيع االصطالحي؟‬
‫فقال أكثر الفقهاء‪ :‬إنه مشتق من (الباع)‪ ،‬قالوا جاءت الكلمة من‬
‫الباع‪ ،‬ملاذا؟‬
‫قالوا ألن كل واحد من املتبايعني كل منهما ميد ابعه إىل اآلخر‪ ،‬كانوا‬
‫عند عقد الصفقة يتصافحون‪ ،‬فيمد كل واحد من املتبايعني ابعه إىل اآلخر‪،‬‬
‫فسمي البيع بيعاً‪.‬‬
‫واألقرب إىل كالم أهل اللغة‪ :‬أن أصل البيع مسي بيعاً من "ابع" مبعىن‬
‫ملك‪ ،‬ألن البيع يقتضي امللك‪.‬‬
‫وأما البيع يف اصطالح العلماء فله تعريفات كثرية‪ ،‬لكن سأذكر أدق‬
‫التعريفات يف نظري وهللا أعلم‪:‬‬
‫إن البيع‪" :‬مبادلة مال‪ ،‬ولو يف الذمة‪ ،‬أو منفعة مباحة‪ ،‬مبثل أحدمها‬
‫على التأبيد‪ ،‬غري راب‪ ،‬وال قرض"‪.‬‬
‫شرح التعريف‪:‬‬

‫‪|29‬‬

‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬

‫"مبادلة"‪ :‬هذه الصيغة تعرف عند أهل اللغة بـ "املفاعلة"‪ ،‬واملفاعلة ال بد‬
‫فيها من طرفني‪ ،‬فالبيع ال بد فيه من طريفني‪ ،‬ولذلك اإلنسان ال يبيع ماله‬
‫لنفسه‪ ،‬ال بد من طرفني‪.‬‬
‫"مبادلة مال"‪ :‬حنن اآلن ‪-‬يف حكم العرف‪ -‬إذا أطلق املال؛ نتصور‬
‫مباشرة النقود‪ ،‬وليس هذا هو املراد فقط عند الفقهاء‪ ،‬بل املال يشمل كل‬
‫عني ينتفع هبا ومتلك‪.‬‬
‫النقود‪ :‬مال‪ ،‬الكتاب‪ :‬مال‪ ،‬السيارة‪ :‬مال‪ ،‬القلم‪ :‬مال‪ ،‬إذن ما هو‬
‫املال؟‬
‫"العني املنتفع هبا‪ ،‬القابلةُ للملك"‪ :‬هذا هو املال‪.‬‬
‫إذن لو ابدل اإلنسان سيارة بسيارة‪ ،‬هذا بيع‪ ،‬لو ابدل كتاابً بكراس هذا‬
‫بيع‪ ،‬لو ابدل سيارة بنقد هذا بيع‪.‬‬
‫"مبادلة مال ولو يف الذمة"‪ :‬هنا يشري الفقهاء إىل أن املبيع‪:‬‬
‫ قد يكون حاضراً معيناً‪ ،‬بعتُك هذه السيارة‪ ..‬إذن هاذه السيارة‬‫حاضرة‪ ،‬ألن اإلشارة ال تكون إال ملوجود‪.‬‬
‫ وقد تكون املبادلة لع ٍ‬‫ني يف الذمة موصوفة وصفاً يرفع عنها اجلهالة‬
‫والغرر‪ ،‬مبعىن‪ :‬أهنا ليست موجودة بعينها ولكنها يف ذمة صاحبها‪:‬‬
‫‪ o‬إما أن تكون غائبة‪ ،‬مثال‪ :‬بيت يف مدينة أخرى‪ ،‬فيقول أبيعك بييت‬
‫الكائن يف كذا املوصوف بكذا وكذا وكذا وكذا‪.‬‬

‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬

‫| ‪30‬‬

‫‪ o‬أو تكون غري موجودة أصالً‪ ،‬وإمنا تقع يف املستقبل‪ ،‬وهذا ما يسمى‬
‫ببيع السلم‪ ،‬الذي هو بيع موصوف يف الذمة‪.‬‬
‫إذن العني املبيعة‪:‬‬
‫‪ .1‬قد تكون موجودة بعينها‪.‬‬
‫‪ .2‬وقد تكون يف ذمة البائع‪.‬‬
‫ويف ذمة البائع‪:‬‬
‫ إما أهنا موجودة حبقيقتها ولكنها غائبة فيصفها وصفا يرفع‬‫اجلهالة والغرر‪.‬‬
‫ وأما أن تكون غري موجودة أصالً وهذه خاصة ابلسلم‪.‬‬‫"مبادلة مال ولو يف الذمة‪ ،‬أو منفعة مباحة"‪ :‬املنفعة ليست عيناً‪،‬‬
‫ولكنها تنتج من عني وحنوها‪ ،‬مثل‪ :‬لو كان عند اإلنسان بيت‪ ،‬وهذا البيت‬
‫طويل ممتد‪ ،‬فجاء جريانه يف اخللف وقالوا‪ :‬وهللا حنن يشق علينا أن نذهب‬
‫من خلف بيتك إىل املسجد –مثالً ‪ -‬وما شاء هللا بيتك طويل‪ ،‬نريد أن‬
‫نشرتي منك منفعة املرور أبرضك‪ ،‬افتح لنا طريقاً‪ ،‬نشرتي منك منفعة‬
‫املرور‪ ،‬هذا بيع‪.‬‬
‫طيب‪ِ :‬ل ال يكون إجارة؟‬
‫ألنه هنا يكون على التأبيد‪ ،‬ليس حمدد املدة‪ ،‬يشرتون منه هذه املنفعة‪،‬‬
‫ال ميلكون األرض ولكن ميلكون منفعة املرور على التأبيد ما بقيت العني‪.‬‬

‫‪|31‬‬

‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬

‫ويدخل فيها اآلن ما يسمى بـ "بيع اخللو"‪.‬‬
‫إنسان مستأجر حمال‪ ،‬هذا احملل يف السوق‪ ،‬وأصبح له اسم‪ ،‬وأصبح‬
‫معروفاً‪ ،‬وأصبح الناس يقبلون عليه‪ ،‬وأصبح فيه فائدة‪ ،‬هو ال ميلك احملل‪،‬‬
‫مستأجر‪ ،‬فيأتيه إنسان فيقول‪ :‬اخرج منه وخذ ‪ 100‬ألف‪ ،‬هذا معناه أن‬
‫يبيع منفعته يف هذا احملل هبذا املبلغ‪ ،‬يتنازل عن منفعته اليت حيصلها من هذا‬
‫احملل هبذا املبلغ‪.‬‬
‫والصحيح‪ :‬أنه جائز بشرط أن يكون عقد اإلجارة سارايً‪ ،‬ال يكون‬
‫انتهى من االستئجار وأيخذ خلو‪ ،‬يكون العقد قائماً‪.‬‬
‫جيوز للنسان أن يبيع منفعة املكان الذي أسسه وأصبح الناس يقبلون‬
‫عليه يف مقابل مال‪ ،‬ولكن يشرتط يف هذه املنفعة؛ أن تكون مباحة إابحة‬
‫مطلقة ‪-‬كما سيأتينا إن شاء هللا‪ -‬إابحة مطلقة يعين‪ :‬بدون قيد‪ ،‬وسيأيت‬
‫إن شاء هللا الكالم على مسألة بيع الكلب‪ ،‬وسنتكلم عنها إن شاء هللا ألهنا‬
‫من املسائل املهمة اليوم‪ ،‬يف هذا الزمان‪.‬‬
‫"مبادلة مال ولو يف الذمة أو منفعة مباحة مبثل أحدمها"‪ :‬إذن قد‬
‫يكون البيع مبادلة مال مبنفعة‪ ،‬وقد يكون مبادلة مال مبال‪ ،‬وقد يكون‬
‫مبادلة منفعة مبال‪ ،‬املهم أن يكون أحد الطرفني ماالً أو منفعة‪ ،‬ويكون‬
‫الطرف اآلخر ماالً أو منفعة‪.‬‬

‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬

‫| ‪32‬‬

‫"على التأبيد"‪ :‬وهذا إلخراج اإلجارة‪ ،‬ألن اإلجارة مبادلة منفعة مبال‬
‫مؤقتة‪ ،‬ليست على التأبيد‪.‬‬
‫"غري راب"‪ :‬ملاذا استثىن العلماء الراب؟ ألن املعىن السابق ينطبق على الراب‪،‬‬
‫مبادلة مال ولو يف الذمة مبال على التأبيد‪ ،‬فاحتيج إىل إخراجه فقيل‪ :‬غري‬
‫راب‪ ،‬فيخرج الراب‪.‬‬
‫"وال قرض"‪ :‬فإن القرض كذلك‪ ،‬وال يسمى بيعاً يف لسان العلماء‪ .‬هذا‬

‫تعريف البيع‪.‬‬

‫قل من يتطرق إليه – بـ‬
‫هناك ما يسمى عند الفقهاء ‪ -‬وهذا ّ‬

‫الصفات الالمزمة للبيع‬

‫وهذه من حقيقة البيع‪ .‬ومن تلك الصفات‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫أن ال يضمن رأس املال وأن ال يضمن رحبه‪.‬‬

‫البيع‪ ،‬يكون فيه خماطرة‪ ،‬أن يذهب رأس املال كله‪ ،‬أو يبقى كله‪ ،‬أو‬
‫يزيد‪ ،‬فال يصح أن يُضمن املبيع أبن يبقى على التأبيد‪ ،‬يقول مثالً‪ :‬أان‬
‫أضمن لك هذه السلعة مدى احلياة! طبعاً اإلخبار ابلواقع شيء والضمان‬
‫شيء آخر‪ ،‬فال يُضمن رأس املال بل هو قابل للذهاب‪ ،‬وال يُضمن الربح‪،‬‬
‫بل قد يربح فيه وقد ال يربح فيه‪ ،‬وسيأيت إن شاء هللا أمثلة ملسائل معاصرة‬
‫تتعلق هبذه الصفة‪.‬‬

‫‪|33‬‬

‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬

‫األمر الثالث‪ :‬املعامالت املالية‪.‬‬
‫املعامالت املالية وهو مصطلح مركب من "املعامالت" و "املال"‪.‬‬
‫واملعامالت مجع معاملة‪ ،‬واملعاملة كما قلنا‪ :‬مفاعلة تكون بني طرفني‪.‬‬
‫واملقصود ابملعامالت عند الفقهاء‪" :‬األحكام الشرعية الـ ُمنظّمة لتعامل‬
‫الناس"‪.‬‬
‫هذه تسمى عند الفقهاء ابملعامالت‪ ،‬ولكن تلحظون أن هذا املعىن أعم‬
‫من املعامالت املالية‪ ،‬ولذلك يقول بعض الفقهاء املعامالت مخسة‪:‬‬
‫املعاوضات املالية‪ ،‬واملناكحات‪ ،‬واملخاصمات‪ ،‬واألماانت‪ ،‬والرتكات‪.‬‬
‫املعاوضات املالية مثل‪ :‬البيع واإلجارة‪.‬‬
‫واملناكحات‪ :‬فالزواج والنكاح من املعامالت‪.‬‬
‫واملخاصمات‪ :‬يعين النزاع والقضاء‪ ،‬فهو من املعامالت‪.‬‬
‫واألماانت‪ :‬كالودائع وحنوها فهي من املعامالت‪.‬‬
‫والرتكات‪ :‬اليت هي قسمة املرياث من املعامالت‪.‬‬
‫لذلك احتجنا إىل تقيد املعامالت بـ "املالية" حىت خنرج بقية اخلمسة‪.‬‬
‫فمعىن املعامالت مبعناها العام‪" :‬األحكام الشرعية املنظمة لتعامل‬
‫الناس"‪ ،‬فإذا أضفنا املالية قيدانها‪.‬‬

‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬

‫| ‪34‬‬

‫فأصبح املعىن‪" :‬األحكام الشرعية املنظمة لتعامل الناس يف املال"‪ ،‬واملال‬
‫كما قلنا مبعناه العام الذي ذكران‪ :‬وهو "العني املنتفع هبا القابلة للملك"‪،‬‬
‫فعلى هذا البيوع جزء من املعامالت املالية‪.‬‬
‫هناك بعض املصطلحات تكثر يف مسائل املعامالت‪ ،‬أحب أن أشري‬
‫إليها ليكون عندان معرفة فقهية هبا‪ ،‬ألننا نريد أن يكون عندان شيء من‬
‫اإلملام الكلي الصحيح ابلبيوع‪ ،‬ألن من املهم جداً يف دراسة الفقه؛ أن‬
‫يُدرس الفقه مبلكة‪ ،‬الفقه حىت تنتفع به؛ ال بد أن يكون عندك ملكة‪،‬‬
‫دراسة الفقه دراسة ه ّذيّة للمسائل تُنتج حافظاً وال تُنتج فقهياً‪.‬‬
‫ولذلك كثري من طالب العلم قد يعرف بعض املسائل لكن ال يستطيع‬
‫أن يفيت‪ ،‬ليس عنده ملكة‪ ،‬ألن امللكة يف الفقه معناها‪" :‬أن تفهم املسألة‬
‫فهماً صحيحاً‪ ،‬وأن تنزهلا على وقائع الناس تنزيالً سليماً"‪.‬‬
‫تفهم املسألة اليت يذكرها العلماء فهماً صحيحاً‪ ،‬مث تكون عندك قدرة‬
‫على أن تنزهلا على وقائع الناس تنزيالً سليماً‪ ،‬ألن وقائع الناس ال تأتيك‬
‫كما هو يف الكتب‪ ،‬وقائع الناس تتشابه وتأيت بصوٍر خمتلفة‪ ،‬فإذا ِل يكن‬
‫عندك ملكة ال تستطيع أن تُفيت‪ ،‬أو تفيت خطأ‪.‬‬
‫ولذلك من لطيف القول ‪-‬أذكره من ابب ختفيف اجمللس‪ -‬يقول بعض‬
‫املشايخ معنا يف التوعية واحلج‪ ،‬يقول‪ :‬حنن يف التوعية مثل الطالب الذين‬
‫يذاكرون الدروس فإذا دخلوا االختبار؛ جاءت األسئلة من خارج املقرر‪،‬‬
‫يعين‪ :‬حنن أنيت وحنن نعرف مسائل احلج واحلمد هلل‪ ،‬ونعرف تفاصيلها‪،‬‬

‫‪|35‬‬

‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬

‫ولكن أسئلةُ الناس كل سنة تأتينا أشياء جديدة‪ ،‬الذي ما عنده ملكة ال‬
‫يستطيع أن يتعامل معها‪ ،‬لكن الذي يفهم املسائل مبلكة؛ يعرف أن هذه‬
‫الصورة ترجع إىل ذاك‪ ،‬ولذلك الفقه حيتاج إىل ملكة‪ ،‬أن يُفهم فهماً‬
‫صحيحاً بكلياته‪.‬‬
‫وجدت أن اإلنسان ينتفع ابلعلم؛ إال إذا أحبه‪ ،‬ال بد‬
‫وهللا اي إخوة‪ ،‬ما‬
‫ُ‬
‫أن حيب اإلنسان العلم الذي يدرسه‪ ،‬حىت يُقبل عليه بكليته‪ ،‬مث درسهُ‬
‫تنمي امللكة عنده‪ ،‬مث ع ممل على تطبيقه على وقائع الناس‪ ،‬فنحن‬
‫دراسةً ّ‬
‫حناول أن يكون عندان معرفة مبثل هذا األمر‪.‬‬
‫من املصطلحات اليت تطرح يف هذا الباب‪:‬‬
‫ النوامزل‪ ،‬نوامزل البيوع‪.‬‬‫نوازل البيوع عند أهل العلم معناها‪" :‬األمور املستج ّدة يف البيوع بذاهتا أو‬
‫بوصفها"‪.‬‬
‫"بذاهتا"‪ :‬إما أهنا جديدة أصالً مثل‪ :‬بيع األسهم‪ ،‬بيع األسهم جديد‪ ،‬ما‬
‫كان موجوداً‪.‬‬
‫"أو بوصفها"‪ :‬أصلها قدمي لكن يتجدد الوصف‪ ،‬مثل صور الراب‪ ،‬الراب‬
‫قدمي ولكن اآلن صوره كثرية يف البنوك‪ ،‬نوازل‪.‬‬
‫ ومثل النوامزل‪ ،‬القضااي املستجدة‪.‬‬‫القضااي املستجدة مثل النوازل يف املعىن‪.‬‬

‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬

‫| ‪36‬‬

‫ ومنها ما يسميها الفقهاء ابلواقعات‪.‬‬‫الواقعات تكثر عند املالكية كثرياً عند املتقدمني‪ ،‬معناها‪" :‬املسائل الواقعة‬
‫اليت حتتاج إىل استنباط حكم"‪.‬‬
‫ ومنها الفتاوى‪.‬‬‫والفتوى معناها‪ :‬أن ينقل طالب العلم رأي العاِل يف املسألة بدون أن يقرر‬
‫احلكم من عنده‪.‬‬
‫مبعىن‪ :‬ما درس املسألة ولكن يعرف رأايً‪ ،‬مثالً‪ :‬جاء إنسان وقال‪ :‬اي‬
‫طالب العلم‪ ،‬اي شيخ‪ ،‬أنت تدرس عند املشايخ‪ ،‬أان وجدت صورة من‬
‫البيوع عندي يف البنك ما حكمها؟‬
‫تقول‪ :‬وهللا أان ما درست املسألة لكن مسعت الشيخ ابن ابز يقول –‬
‫مثالً‪ -‬يف هذه الصورة بعينها إهنا حرام‪.‬‬
‫هذه تسمى ابلفتاوى‪ .‬ينقل طالب العلم رأي العاِل دون أن خيتار‪ ،‬وهذه‬
‫شرطها‪ :‬أن يكون طالب العلم ضابطاً لتلك الفتوى‪ ،‬عن عاِل معترب‪.‬‬
‫ ال بد أن يكون ضابطاً لتلك الفتوى‪ ،‬أما مسألة‪" :‬وهللا أظن أن‬‫الشيخ بن ابز قال كذا!"‪ ،‬أو ال يضبط الصورة؛ هذا ال جيوز أبداً‪.‬‬
‫‪ -‬وال بد أن أيضاً أن يكون عن عاِل معترب‪.‬‬

‫‪|37‬‬

‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬

‫اآلن بعض طالب العلم يقول‪ :‬أفىت العلماء يف هذه املسألة بكذا‪ ،‬وإذا‬
‫سألت من الذي أفىت بكذا؟ يقول‪ :‬وهللا أان قرأت يف "تويرت" للداعية‬
‫الفال‪،‬ي‪.‬‬
‫الفتاوى واألحكام هلا أهلها املعتربون‪ ،‬وال تؤخذ عن كل أحد‪ ،‬وليس كل‬
‫حيل‬
‫من برز يف إعالم أو يف وعظ أويف حنو ذلك أخذت عنه الفتوى‪ ،‬وال ّ‬
‫لطالب العلم أن ينقل فتوى إال عن أهلها املعتربين من أهل العلم الذين‬
‫شهد هلم ابألهلية يف هذا الباب‪.‬‬
‫هذا ما يتعلق ابملعامالت‪ ،‬مما حيسن أن نشري إليه‪ :‬مسألة العقود املالية‬
‫وأنواع العقود املالية‪.‬‬
‫لعلنا نتوقف هنا إن شاء هللا‪ ،‬بعد الصالة سنشرع يف إكمال املدخل يف‬
‫أنواع العقود‪ ،‬مث نشرع يف القاعدة األوىل‪ ،‬وهللا أعلم‪ ،‬وصلى هللا على نبينا‬
‫وسلم‪.‬‬

‫***‬

‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬

‫| ‪38‬‬

‫الدرس الثاين‬
‫السالم عليكم ورمحة هللا‬
‫احلمد هلل رب العاملني‪ ،‬والصالة والسالم األمتّان األكمالن على املبعوث‬
‫رمحة للعاملني‪ ،‬وعلى آله وصحبه أمجعني‪ ،‬أما بعد‪:‬‬
‫فنواصل ذكر بعض الكليات املتعلقة ابملدخل‪ ،‬وكنا وقفنا عند آخر نقطة‬
‫أحب أن أحتدث عنها وهي‪:‬‬
‫أنواع العقود املالية‬
‫ألان نتكلم عن املعامالت املالية‪ ،‬وعقودها ليست نوعاً واحداً‪ ،‬بل هي‬
‫أنواع متعددة تقسم ابعتبارات‪ ،‬فمنها‪:‬‬
‫تقسيم العقود ابعتبار احلكم‬
‫تقسم العقود إىل عقد صحيح‪ ،‬وعقد فاسد‪ ،‬هذا عند مجهور أهل العلم‪.‬‬
‫والعقد الصحيح‪ :‬هو العقد الذي اجتمعت فيه الشروط‪ ،‬وانتفت املوانع‪،‬‬
‫وترتبت آاثره‪.‬‬
‫فإذا قال الفقهاء‪" :‬هذا عقد صحيح" فمعىن ذلك أنه اجتمعت فيه‬
‫الشروط وانتف املوانع‪ ،‬وترتبت عليه اآلاثر‪.‬‬
‫وعقد فاسد‪ :‬وهو العقد الذي ختلف فيه شرط من الشروط‪ ،‬أو قام مانع‬
‫من املوانع‪ ،‬وهذا عند اجلمهور‪.‬‬

‫‪|39‬‬

‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬

‫األحناف ‪-‬من ابب الفائدة‪ -‬عندهم العقود تنقسم من حيث احلُكم إىل‬
‫ثالثة أقسام‪:‬‬
‫عقد صحيح‪ ،‬وعقد فاسد‪ ،‬وعقد ابطل‪ ،‬ويفرقون بني العقد الفاسد‬
‫والعقد الباطل‪.‬‬
‫ فالعقد الباطل‪ :‬يكون اخللل فيه يف أصله ووصفه‪.‬‬‫ والعقد الفاسد‪ :‬يكون اخللل فيه يف وصفه‪.‬‬‫والفرق بني العقد الباطل والعقد الفاسد عندهم‪:‬‬
‫ أن العقد الباطل‪ :‬ال ميكن إصالحه‪.‬‬‫ أما العقد الفاسد‪ :‬فيمكن أن يصلح إبسقاط الوصف‪.‬‬‫أما اجلمهور‪ :‬فالفاسد والباطل عندهم سواء‪.‬‬
‫هنا أنبه إىل مسألة دقيقة يف احلكم‪ ،‬وهي‪ :‬أنه يف العقود هناك فرق بني‬
‫اجلواز والصحة‪:‬‬
‫فقد يكون العقد صحيحا الجتماع شروطه وانتفاء موانعه؛ لكنه ال يكون‬
‫جائزا‪.‬‬
‫على سبيل املثال ‪-‬خارج البيوع‪ -‬النكاح بنية الطالق‪ ،‬أن يتزوج الرجل‬
‫امرأة وهو ينوي أن يطلقها‪.‬‬

‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬

‫| ‪40‬‬

‫هذا النكاح إذا نظران إىل شروطه واملوانع؛ وجدانه صحيحا‪ ،‬ألن الشروط‬
‫جمتمعة‪ ،‬واملوانع منتفية‪ ،‬ومن هنا قال اجلمهور جبوازه وصحته‪.‬‬
‫لكن التحقيق أنه غري جائز وإن كان صحيحا؛ يعين‪ :‬لو وقع ترتتب عليه‬
‫آاثره‪.‬‬
‫لكن لو سألنا سائل عنه‪ :‬هل جيوز يل أن أتزوج بنية الطالق؟‬
‫نقول‪ :‬ال‪ ،‬ال جيوز‪ .‬ملاذا؟‬
‫‪ .1‬ال جيوز‪ ،‬ألن القصد يؤثر يف احلكم ‪ -‬كما سيأتينا إن شاء هللا ‪-‬‬
‫صود مؤثرة يف العقود‪ ،‬فالنيب ﷺ يقول‪ :‬إمنا األعمال ابلنيات‪ ‬وهذا‬
‫فال ُق ُ‬
‫يقصد نكاحا مؤقتا‪.‬‬
‫‪ .2‬وألنه مغش‪ ،‬وإذا كان الشرع ِل ُجيز الغش يف ص ُربة الطعام؛ فكيف‬
‫جييز الغش يف أعراض الناس؟! عندما أييت الرجل فينكح بنية الطالق؛ هو‬
‫تقدم للناس بدون أن يعلموا‪ ،‬ألهنم لو علموا لكان متعة‪ ،‬لو علموا أنه ينوي‬
‫الطالق لكان متعة‪ ،‬لكن املسألة أن النية يف قلبه‪ ،‬عندما يتقدم لوالد هذه‬
‫املرأة وهو ينوي الطالق أصال؛ فهو غاش هلذا الرجل‪ ،‬ألن الرجل يزوجه‬
‫على أهنا دميومة‪ ،‬وغاش للمرأة‪.‬‬
‫‪ .3‬وأيضاً‪ :‬ألن فيه ضررا ابملرأة‪ ،‬فاملرأة قبل أن تتزوج؛ ليست مثل املرأة‬
‫بعد أن تتزوج‪ ،‬فيدخل عليها الضرر‪.‬‬

‫‪|41‬‬

‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬

‫كنت مرة أُقرر‬
‫‪ .4‬وألن فيه إظهاراً لصورة ليست حسنة عن اإلسالم‪ ،‬و ُ‬
‫هذا احلكم؛ فلقيين أحد األخوة من الغرب قال‪ :‬وهللا اي شيخ‪ ،‬إ‪،‬ي أعرف أن‬
‫نساءً دخلن يف اإلسالم مث ارتددن بسبب هذا‪.‬‬

‫‪ .5‬وألن اإلنسان ال يرضاه لبناته وال ألخواته‪ ،‬النيب ﷺ يقول‪ :‬ال‬
‫يؤمن أحدكم حىت ُحيب ألخيه ما حيب لنفسه‪.)1(‬‬
‫لكن إذا وقع؛ ليس عندان ُمب مطل حىت نقول‪" :‬إن العقد غري صحيح"‪،‬‬
‫فالعقد عند وقوعه صحيح‪ ،‬لكن مع الصحة؛ نقول إبمث الفاعل‪ ،‬ومننع منه‬
‫ونقول إنه ال جيوز‪.‬‬

‫إذن الصحة يف العقود غري مسألة اجلواز‪ ،‬الصحةُ يف العقود‪ :‬يُنظر فيها‬
‫إىل اجتماع الشروط وانتفاء املوانع‪ ،‬فمىت ما اجتمعت الشروط وانتفت‬
‫املوانع؛ فالعقد صحيح‪.‬‬
‫أما اجلواز؛ فينظر فيه يف أموٍر أخرى قد تكون أوسع من مسألة الشروط‬
‫وانتفاء املوانع‪.‬‬

‫(‪ )1‬متفق عليه‪.‬‬

‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬

‫| ‪42‬‬

‫كذلك‪:‬‬
‫تقسم العقود من حيث حقيقتها إىل أقسام عند الفقهاء‪ ،‬فمنها‪:‬‬
‫عقود املعاوضات‬
‫وعقود املعاوضات تكون بني طرفني‪ ،‬يبذل كل واحد منهما عوضاً‪.‬‬
‫أردت أن أبيعك سياريت‪ ،‬فأان‬
‫مثل البيع‪ :‬البيع عقد معاوضة‪ ،‬فمثالً إذا ُ‬
‫أبذل لك السيارة وأنت تبذل يل املال‪ ،‬فهذا عقد معاوضة‪ ،‬كذلك اإلجارة‬
‫عقد معاوضة‪ ،‬أل‪،‬ي أبذل إليك البيت وأنت تبذل يل املال‪ ،‬فهذه تسمى‬
‫بعقود املعاوضات‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬عقود التربعات‪.‬‬
‫وعقود التربعات‪ :‬هي العقود اليت ال يكون فيها عوض‪ ،‬كاهلبة‪ ،‬واهلدية‪،‬‬
‫واملكافأة‪ ،‬فهذه ال يكون فيها معوض‪.‬‬
‫ومن األحكام املتعلقة هبذا‪:‬‬
‫أن عقود التربعات أوسع من عقود املعاوضات‪.‬‬
‫يعين‪ :‬يوسع فيها شرعاً أكثر من املعاوضات‪ ،‬فالتربعات؛ تقبل اجلهالة‪،‬‬
‫أما املعاوضات؛ فال تقبل اجلهالة‪.‬‬
‫يعين‪ :‬إنسان جاء فقال‪" :‬بمع يل هذه السلعة مبئة ولك ما زاد"‪ – ،‬هذه‬
‫تقع اآلن بني الناس – هل هذا جيوز؟‬

‫‪|43‬‬

‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬

‫إن كان هذا من ابب املعاوضة – كأن كانت أجرة أو حنو ذلك – فهذا‬
‫ال جيوز‪ ،‬ألن ما يزيد هنا جمهول‪ ،‬ميكن يزيد عشرة‪ ،‬ميكن يزيد عشرين‪،‬‬
‫ميكن يزيد مخسني‪ ،‬فهذا جمهول‪ ،‬واجلهالة يف املعاوضات تُبطلها‪ ،‬نقول ال‬
‫جيوز وال يصح‪.‬‬
‫لكن إذا كانت من ابب املكافأة – يعين‪ :‬ال يقابلها شيء – إما أن‬
‫البائع متربع وال أيخذ عوض‪ ،‬أو أنه أخذ أجرته‪ ،‬فيقول له‪" :‬اي أخي‪ ،‬أنت‬
‫ستتعب يف بيع السلعة وأخذت األجرة‪ ،‬الذي يزيد فوق املئة هدية مين‬
‫لك"‪ .‬هذا جيوز‪ ،‬ألن التربعات يُوسع فيها ما ال يوسع يف املعاوضات‪ ،‬ملاذا؟‬
‫ألن الشريعة – وهذا سيأتينا إن شاء هللا – متنع النزاع يف ابب‬
‫املعاوضات‪ ،‬ألن املعاوضات فيها حق املطالبة‪ ،‬فإذا كان فيها جهالة؛‬
‫سيؤدي إىل النزاع‪ ،‬أما التربعات فليس فيها مطالبة‪ ،‬فال تؤدي إىل النزاع‪.‬‬
‫ومنها أيضاً‪ :‬عقود اإلرفاق‬
‫وهي‪ :‬العقود اليت يقصد هبا اإلرفاق والرفق واإلحسان‪ ،‬مثل‪ :‬القرض‪،‬‬
‫يريد اإلنسان به الرفق‪ ،‬يُقرضه‪ ،‬هدفه من هذا الرفق هبذا املسلم‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬عقود التوثيقات‬

‫وعقود التوثيقات ال تكون العني فيها مقصودة‪ ،‬وإمنا املقصود توثيق عقد‬
‫آخر‪.‬‬

‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬

‫| ‪44‬‬

‫مثل الرهن‪[ :‬أقول‪" ]:‬أبيعك هذه األرض مبئة ألف مؤجلة إىل سنة‪،‬‬
‫بشرط أن ترهن سيارتك عندي‪ ،‬أو بشرط أن ترهن بيتك عندي"‪ ،‬اآلن‪:‬‬
‫مقصود وإمنا املقصود توثيق تسليم الثمن‪،‬‬
‫هذا عقد الرهن‪ ،‬البيت ليس‬
‫ً‬
‫فاملقصود توثيق عقد آخر‪ ،‬فتسمى هذه العقود بعقود التوثيقات اليت يُوثق‬
‫هبا عقد آخر‪.‬‬
‫وهناك عقود األماانت‬
‫وهي‪ :‬العقود اليت تقوم على األمانة‪ ،‬كالوديعة‪ ،‬اإليداع‪ :‬عقد أمانة‪.‬‬
‫هذه أنواع العقود ابعتبار حقيقتها‪.‬‬
‫وهناك تقسيم للعقود ابعتبار أثرها‪.‬‬
‫يعين‪ :‬بعد العقد‪ ،‬تُقسم إىل عقود الزمة‪ ،‬وعقود جائزة‪.‬‬
‫العقد الالمزم‪ :‬هو الذي ال ميكن ألحد الطرفني فسخه‪ ،‬يعين‪ :‬ال يستطيع‬
‫أحد الطرفني أن يستقل بفسخه إال برضاً من الطرفني‪.‬‬
‫لكن هنا أنبه إىل إن اللزوم قد يكون للطرفني‪ ،‬وقد يكون لطرف دون‬
‫طرف‪.‬‬
‫فإذا كان اللزوم للطرفني‪ ،‬فال يستطيع أحد الطرفني أن ينفرد بفسخه‪،‬‬
‫مثل‪ :‬عقد البيع‪[ ،‬تقول‪ ]:‬بعتك سياريت هذه مبئة ٍ‬
‫ألف‪[ ،‬أقول‪ ]:‬قبلت‪،‬‬
‫تفرقنا من اجمللس؛ لزم العقد‪.‬‬

‫‪|45‬‬

‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬

‫أنت ‪-‬أيها البائع‪ -‬تريد أن تفسخ بعد أن مت العقد؟ ال متلك هذا‪ ،‬إال‬
‫برضاً املشرتي‪.‬‬
‫املشرتي يريد أن يفسخ العقد بدون عيب؟ ال يستطيع إال برضا البائع‪.‬‬
‫وقد يكون اللزوم لطرف دون اآلخر‪ ،‬فيكون كما يقولون‪" :‬العقد الزم‬
‫لطرف جائز لطرف آخر"‪ ،‬مثل‪ :‬الرهن‪ ،‬الرهن عقد الزم ألحد الطرفني‪،‬‬
‫جائز للطرف اآلخر‪.‬‬
‫[أقول‪ ]:‬أان بعتك األرض مبئة ألف مؤجلة على أن ترهن عندي بيتك‪،‬‬
‫وقبلت ومتّ‪ ،‬بعد هذا ابلنسبة لك؛ هو عقد الزم ال تستطيع أن تفسخ‬
‫الرهن‪ ،‬لكن ابلنسبة يل عقد جائز إبمكا‪،‬ي أن أقول لك‪" :‬وهللا اي أخي‪ ،‬قد‬
‫حبست عنك بيتك‪ ،‬وإن شاء هللا أنك ستسدد‪،‬ي‪ ،‬خذ البيت‪ ،‬فك‬
‫الرهن"‪ ،‬فهو جائز ابلنسبة ملشرتط الرهن‪ ،‬الزم ملن رهن السلعة‪.‬‬
‫وقد يكون العقد جائزا للطرفني‪ ،‬مثل‪ :‬الوكالة‪ ،‬الوكالة‪ :‬عقد جائز‪،‬‬
‫والشركة‪ :‬عقد جائز‪.‬‬
‫العقد اجلائز‪ :‬جيوز ألحد الطرفني فسخه بدون رضا الطرف اآلخر‪،‬‬
‫بشرط مهم يغفل عنه كثري ممن يقررون هذه املسألة؛ وهو‪ :‬أن ال يتضرر‬
‫الطرف اآلخر‪.‬‬

‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬

‫| ‪46‬‬

‫الشركة‪ :‬عقدت مع أخيك شركة‪ ،‬جيوز لكل واحد منكما أن يفسخ‬
‫الشركة‪ ،‬عقد جائز‪ ،‬مىت مينع الفسخ؟ إذا كان يرتتب على ذلك ضرر‬
‫للطرف اآلخر‪ ،‬فالضرر ممنوع شرعاً‪.‬‬
‫فالوكالة‪ :‬عقد جائز للطرفني‪ ،‬الشركة‪ :‬عقد جائز للطرفني‪ ،‬جيوز لكل‬
‫طرف أن يفسخ هذا العقد بدون رضا الطرف اآلخر ما ِل يرتتب على ذلك‬
‫ضرر‪.‬‬
‫هذه أنواع العقود‪ ،‬ذكرت هذه املقدمات الكليات الكربى املهمة يف‬
‫املدخل بشيء من اإلجياز‪.‬‬
‫نشرع يف القواعد‪ ،‬ونبدأ بقاعدة كربى‪ ،‬أعين‪ :‬من أهم القواعد يف البيوع‪،‬‬
‫بل أهم قواعد البيوع‪ ،‬وأكرب قواعد البيوع‪ ،‬وهي قاعدة يقول فيها الفقهاء‪:‬‬
‫[القاعدة األوىل‪ ]:‬األصل يف البيوع اإلابحة‪.‬‬
‫ما معىن األصل؟‬
‫"األصل" هنا املقصود به‪ :‬القاعدة املستمرة‪ .‬ألن األصل له معان يف‬
‫لسان العلماء‪ ،‬لكن ما املراد ابألصل يف القاعدة؟ معناه القاعدة املستمرة‪.‬‬
‫القاعدة املستمرة يف البيوع اإلابحة‪.‬‬
‫طيب‪ :‬ما فائدة ذكر األصل يف القاعدة؟‬

‫‪|47‬‬

‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬

‫إذا قال العلماء يف القاعدة‪" :‬األصل كذا"‪" ،‬األصل براءة الذمة"‪،‬‬
‫"األصل يف األمور العارضة العدم"‪" ،‬األصل يف البيوع اإلابحة"‪.‬‬
‫ماذا تفيد كلمة األصل؟ هلا فوائد‪:‬‬
‫الفائدة األوىل‪ :‬أن ما يُذكر حتت األصل؛ ال حيتاج أن يُتوقف فيه‪ ،‬بل‬
‫ميضي على األصل‪.‬‬
‫عندما نقول‪" :‬األصل يف البيوع اإلابحة"؛ فالبيع ال حيتاج املسلم أن‬
‫يتوقف فيه‪ ،‬ألن األصل فيه اإلابحة حىت يدل الدليل على املنع‪.‬‬
‫الفائدة الثانية‪ :‬أن املتمسك ابألصل ال يُطالب ابلدليل‪.‬‬

‫فلو جاء إنسان يف البيوع مثال وقال‪" :‬هذا البيع جائز حالل"‪ ،‬ال نقول‬
‫له‪ :‬ما الدليل؟ ألنه هو األصل‪.‬‬
‫فإذا اختلفنا أان وأنت يف صورة من البيوع‪ ،‬أان أقول‪ :‬هي جائزة‪ ،‬وأنت‬
‫تقول‪ :‬هي حرام‪ ،‬من الذي يطالب ابلدليل؟‬
‫الذي يقول‪ :‬إهنا حرام! ألن املتمسك ابألصل ال يطالب ابلدليل‪ ،‬هذا‬
‫األصل‪ ،‬الناقل عن األصل هو الذي يطالب ابلدليل‪ ،‬وهذه فائدة يف‬
‫اخلالف الفقهي‪ ،‬فدائما املتمسك ابألصل ال يطالب ابلدليل‪.‬‬
‫ص ّدرت‬
‫الفائدة الثالثة‪ :‬يف الفقه‪ ،‬أن القاعدة جتعل ميزاان للحكم إذا ُ‬
‫ابألصل‪.‬‬

‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬

‫| ‪48‬‬

‫فنحن نقول‪" :‬األصل يف البيوع اإلابحة"‪ ،‬إذن كل بيع أيتينا؛ القاعدة‬
‫أننا حنكم عليه ابإلابحة حىت يرد دليل على املنع‪ ،‬فهذه قاعدة مستمرة‬
‫وميزان عندان‪.‬‬
‫الفائدة الرابعة‪ :‬أن حفظ األصل يغين عن حفظ اجلزئيات‪.‬‬
‫إذا حفظت األصل؛ ال حتتاج إىل أن حتفظ املسائل اليت حتته‪ ،‬ولكن‬
‫حتتاج أن حتفظ ما خرج عن األصل‪ ،‬ألن مسائل األصل هي املتعددة‪،‬‬
‫والذي خيرج عنه هو القليل‪ ،‬والذي ُحيفظ هو القليل‪ ،‬ولذلك ملا ُسئل النيب‬
‫ﷺ عما يلبس احملرم؟ أجاب ع ّما ال يلبسه؟ ألن األصل أنه جيوز له أن‬
‫عما ال‬
‫يلبس ما شاء‪ُ ،‬‬
‫وحّمرم عليه أمور ميكن ضبطها‪ ،‬فأجاب الرسول ﷺ ّ‬
‫يلبس احملرم‪.‬‬
‫فأنت إذا حفظت األصل؛ ال حتتاج أن حتفظ املسائل اجلزئية‪ ،‬لكن حتفظ‬
‫املسائل املستثناة‪ ،‬ففي البيوع‪ :‬ال حنتاج أن حنفظ البيوع اجلائزة ألن صورها‬
‫ال تتناهى‪ ،‬ولكن حنفظ البيوع احملرمة‪ ،‬ونضبط البيوع احملرمة بكلياهتا‪ ،‬كما‬
‫سيأتينا إن شاء هللا‪.‬‬
‫الفائدة اخلامسة‪ :‬أن كلمة األصل يف أول القاعدة تُشعرك أبنه قد يُرتك‪.‬‬
‫إذا وجدت يف أول القاعدة كلمة األصل؛ فمعىن ذلك أنه يُعمل به لكنه‬
‫قد يُرتك‪ ،‬إذا قلنا‪" :‬األصل براءة الذمة"‪ ،‬يعين‪ :‬القاعدة املستمرة أن املسلم‬


Documents similaires


Fichier PDF alkawaid alfikhiya
Fichier PDF alkawaid alfikhiya lilboyoe
Fichier PDF alkawanin alfikhiya fi talkhis
Fichier PDF tribunejuridique addawabit alfikhiya


Sur le même sujet..