p03hab06 .pdf



Nom original: p03hab06.pdf

Ce document au format PDF 1.4 a été généré par Adobe InDesign CS5 (7.0) / Adobe PDF Library 9.9, et a été envoyé sur fichier-pdf.fr le 02/07/2016 à 22:02, depuis l'adresse IP 41.226.x.x. La présente page de téléchargement du fichier a été vue 635 fois.
Taille du document: 16.7 Mo (16 pages).
Confidentialité: fichier public


Aperçu du document


‫الحوار الوطني ال ّية وفاق أم استراتيج ّية هيمنة؟‬

‫محمد الهادي األخزوري‬
‫قراءة تحليل ّية نقد ّية في كتاب ّ‬
‫بقلم‪ :‬المنذر المرزوقي‬

‫ص ‪9-8‬‬

‫المضادة في عصر العولمة*‬
‫سلطة الحركة ال ّنقاب ّية العالم ّية‬
‫ّ‬

‫مؤكدة»‪ .‬ستيفان هووالد‬
‫«ال ّتضامن‪ ،‬قيمة ّ‬
‫ص‪7‬‬

‫الملحق الثقافي لجريدة الشعب‬
‫الخميس ‪ 4‬ماي ‪ - 2016‬املوافق لـ ‪ 27‬رجب ‪ - 1437‬العدد ‪48‬‬

‫المفكر والدكتور الجامعي ‪:‬‬

‫حميد بن عزيزة‬

‫في حديث شامل لـ «منارات»‬

‫دور النقابات يف مواجهة العوملة‬

‫ودور املثقف اليوم يف عالقة بالثورات‬

‫وواقع الثقافة يف تونس‬

‫ص ‪6-5-4‬‬

‫ترجمة المنتصر الحملي‬

‫‪2‬‬

‫الخميس ‪ 4‬ماي ‪ - 2016‬املوافق لـ ‪ 27‬رجب ‪ - 1437‬العدد ‪48‬‬

‫‪ 1‬ماي ‪ :‬كرامة‬
‫العمال من حب‬
‫العمل وتقديسه‬
‫محمد الجاب ّلّي‬

‫عىل قدر أهل العزم تأيت العزائم ‪ //‬وتأيت عىل قدر الكرام املكارم‬
‫وتعظم يف عني الصغري صغارها ‪ //‬وتصغر يف عني العظيم العظائم‬
‫عيد العمل والعامل هو عيد املراجعات‬
‫واألسئلة الكربى ومحاسبة الذات قبل‬
‫محاسبة اآلخر‪ ،‬هو فرصة السرتداد‬
‫القيمة لطاقة من أهم الطاقات‬
‫الفاعلة يف تاريخنا البرشي منذ األزل‪،‬‬
‫طاقة العمل وقيمة العامل بناة التاريخ‬
‫والحضارات واألوطان‪ ...‬عيد الحقوق‬
‫التي فرضها العامل منذ أواخر القرن‬
‫التاسع عرش يف كل أصقاع األرض من‬
‫خالل التصدي لإلستغالل الرأساميل‬
‫وفرض كرامة العامل بالفكر والساعد‪.‬‬
‫ومن حق الجميع يف هذه املناسبة املتفردة تدارس األوضاع‬
‫وطرح األسئلة حول الكائن واملمكن‪ ،‬واألنظار ستتجه ‪ -‬حتام ‪-‬‬
‫إىل االتحاد العام التونيس للشغل كمنطمة وطنية عريقة تزداد‬
‫مسؤوليتها لتكون املؤمتنة عىل املسار واملصري‪...‬‬
‫االتحاد العام التونيس للشغل بتاريخه وحارضه تزداد مسؤوليته‬
‫ثقال بقدر ما يف لحظتنا الراهنة من إرباك وضبابية‪ ،‬فمكانة العامل‬
‫واحرتامها هي من مكانة العمل وإرساء قداسته الفاعلة يف املسرية‬
‫الوطنية البناءة‪ ،‬ونعتقد أن الدور الوطني ‪ -‬الذي سيذكره التاريخ‪-‬‬
‫ضمن املسار القريب ونعني به «الحوار الوطني» ظل منقوصا‬
‫يف ظل تهميش االستحقاقات االجتامعية واالقتصادية التي متثل‬
‫الضامنة الوحيدة يف مصداقية ذلك الحوار وممكنات استمراره‪،‬‬
‫حوارا توقف ‪ -‬يف اعتقادنا ‪ -‬عند عتبة «الوفاق السيايس» ونزع‬
‫الفتيل من أيدي الفرقاء‪ ،‬لكن استمرارية ذلك الوفاق تكمن يف‬
‫عمقه منج ًزا وطن ّيا يرسم طريق السلم االجتامعي وفق رؤية‬
‫ملزمة تحمل كل األطراف مسؤولياتها الوطنية ‪...‬‬
‫تجربتنا السياسية ‪ -‬لألسف ‪ -‬محدودة وأحزابنا الكثرية بكبريها‬
‫وصغريها تفتقد عمقا شعب ّيا إضافة إىل افتقارها إىل برامج واضحة‬
‫وإرادة سياسية وهي ال تعدو أن تكون تجربة أو تجارب يف البناء‬
‫السيايس الذي يستوجب وقتا وجهدا…‬
‫انتظارات املثقفني كثرية وكبرية‪ ،‬وقد تداخلها األحالم املرشوعة‬
‫يف أن تكون مبادرات االتحاد بقدر حجمه النضايل الوطني‪ ،‬أن‬
‫يفتح باب حوار وطني عميق ومؤسس يتجاوز السيايس السطحي‬
‫واملربك‪ ،‬حوارا مسؤوال وملزما حول امللفات الوطنية الكربى‬
‫املتفاقمة والتي تفرتض إصالحات هيكلية ال بد منها لتجاوز‬
‫ما نحن فيه‪ ،‬كملفات الفساد‪ ،‬وكاقرتاح خطة إصالح رضيبي‪،‬‬
‫ومخطط تنمية عادلة‪ ،‬وخطة تشغيل واستثامر وطنيني‪...‬‬
‫ما ننتظره مبناسبة عيد الشغل أن تكون الثقافة مركز اهتامم لدى‬
‫الفاعلني يف االتحاد لرتسيخ القيم الوطنية الكربى لدى األجيال‬
‫القادمة كرؤية اسرتاتيجية تتطلع إىل األفضل‪ ...‬أن يوسع االتحاد‬
‫رشاكته الفاعلة مع حراك املجتمع املدين بجمعياته ومنظامته من‬
‫أجل ممكنات إيجابية ترسخ الوعي الوطني واملواطني‪...‬‬
‫انتظاراتنا كبرية بحجم ما يف االتحاد من مخزون وطني خالق‬
‫يجب أن يف ّعل‪ ،‬كأن يستكمل االتحاد مهامه الوطنية الكربى وهو‬
‫القادر عىل إنجاحها وتفعيلها…‬
‫أصداء كثرية استدعتها اللحظة الفارقة مبناسبة عيد الشغل‬
‫والشغالني‪ ،‬سيتسع لها صدر رفاقنا وأصدقائنا ونختم بقول شاعرنا‪:‬‬
‫عيد بأية حال عدت يا عيد ‪ //‬مبا مىض أم بأمر فيك تجديد‬

‫أخبار‬

‫مركز الفنون الدرامية بقفصة ينظم مهرجان للفرجة الحية‬
‫ينظّم مركز الفنون الدرامية والركحية بقفصة يف الفرتة‬
‫الفاصلة بني ‪ 6‬و‪ 12‬ماي مهرجان قفصة للفرجة الحية والذي‬
‫ستتوزع فقراته بني قفصة املدينة ومدن الحوض املنجمي‪.‬‬
‫وينظم املهرجان عددا من الندوات الفكرية من تونس ومن‬
‫الجزائر واملغرب ومرص ومنها ندوة «تجربة املرسح الجزائري»‬
‫التي سيقدمها عمر فطموش‪ ،‬وندوة املرسح االحتفايل واقعه‬
‫وآفاقه والتي سيقدمها عبد الكريم برشيد من املغرب وندوة أخرى‬
‫عن «الفاضل الجعايبي» تجربته بني املرسح العمومي واملرسح‬
‫الخاص ويقدمها الفنان ومدير املرسح الوطني الفاضل الجعايبي‪.‬‬
‫كام سيشهد املهرجان تقديم عدد من العروض املرسحية من تونس‬
‫واملغرب والجزائر ومرص وهي عىل التوايل «سوس» ملركز الفنون الدرامية‬
‫بقفصة و«العنف» للفاضل الجعايبي‪ ‬و«أرض الفراشات» لسامي النرصي‬
‫و«املعاهدة» ملركز الفنون الدرامية بصفاقس و«البحر بيضحك ليه» من‬
‫مرص و«ريق الشيطان» من الجزائر و«يا ليل يا عني» من املغرب‪.‬‬
‫تونس تحتضن الدورة ‪ 17‬للمهرجان العربي لإلذاعة‬
‫والتلفزيون‬
‫بحضور وزيرة الثقافة و املحافظة عىل الرتاث افتتحت مساء االثنني ‪2‬‬
‫ماي مبدينة الحاممات الدورة ‪ 17‬للمهرجان العريب لإلذاعة والتلفزيون‬
‫تحت إرشاف اتحاد إذاعات الدول العربية العربية بالتعاون مع اإلذاعة‬
‫والتلفزة الـتونسيـتيـن وبشـراكة مع املؤسسة العربية لالتصاالت‬
‫الفضائيـة «‪ ‬عربسات»‪.‬‬
‫حفل االفتتاح أحياه ثلّة من أملع الفنانني العرب‪ ،‬تصحبهم الفرقة‬
‫املوسيقية لإلذاعة التونسية بقيادة املايسرتو نبيل ز ّميط‪ .‬يشارك يف إحياء‬
‫هذا الحفل الفنانة املغربية أسامء املن ّور‪ ،‬والفنان املرصي محمد الحلو‪،‬‬
‫إىل جانب الفنان السوداين عمر إحساس املرفوق بفرقته الخاصة‪.‬‬
‫كام شهد حفل االفتتاح تكريم نخبة من املبدعني والفاعلني يف املجال‬
‫اإلذاعي والتلفزيوين و الفني العريب عىل غرار املمثلة بويس والفنان‬
‫الراحل نور الرشيف من مرص‪ ،‬منذر الرياحنة من االردن ‪ ،‬عباس النوري‬
‫من سوريا‪ ،‬غادة الزدجايل من سلطنة عامن‪ ،‬املمثل سعيد التقي من‬
‫موريتانيا‪ ،‬ومن تونس تم تكريم ابنة اإلذاعة التونسية الوجه اإلذاعي‬
‫املعروف الراحلة عواطف حميدة‪ ،‬الفنانة السيدة نعمة ‪ ،‬املمثلة دلندة‬
‫عبدو‪ ،‬املمثل عيل بنور‪.‬‬
‫ويف اختتام املهرجان يوم ‪ 5‬ماي‪ ،‬يسدل الستار عىل فعاليات الدورة‬

‫محاور العدد القادم‬

‫السابعة عرشة بتنظيم حفل فني ساهر‪ ،‬يتميّز بفـقــــرات متن ّوعــة‬
‫وبتكريم عدد من وزراء اإلعالم العرب‪ ،‬وذلك مبشاركة الفــنان اللبنانــي‬
‫جســار‪ ،‬إىل جانب الفنانة التونسية الشابة محرزية الطويل‪  .‬كام‬
‫وائــل ّ‬
‫يت ّم خالل الحفل‪ ،‬اإلعالن عن الربامج الفائزة يف املسابقات اإلذاعية‬
‫والتلفزيونية‪ ،‬الربامجية واإلخبارية‪ ،‬وتسليم الجوائز إىل الفائزين‪.‬‬
‫وزارة الثقافة تنفي أن ما راج من أخبار حول ما اعتبر‬
‫مشاركة باهتة لتونس في معرض الكتاب بجنيف‬
‫نفت وزارة الثقافة واملحافظة عىل الرتاث ىف بالغ أصدرته اليوم االثنني‬
‫‪ 2‬ماي ما تم تداوله من أخبار تتعلق مبا سمى مشاركة باهتة لتونس يف‬
‫الدورة ‪ 30‬للصالون الدوىل للكتاب والصحافة بجنيف معتربة أن ما نرش‬
‫من أخبار مجانب للواقع وال ميت للحقيقة بأي صلة وبخصوص ما راج‬
‫من أخبار مفادها حضور ‪ 70‬موظفا من الوزارة يف هذا املعرض الذي أقيم‬
‫من ‪ 27‬أفريل اىل ‪ 1‬ماي ‪ 2016‬وحلت فيه تونس ضيف رشف أوضحت‬
‫وزارة الثقافة أن عدد املوظفني التابعني لها الحارضين ىف املعرض مل‬
‫يتجاوز سبعة موظفني وتم تكليفهم مبهمة التنسيق مع املشاركني وتنظيم‬
‫الجناح التونيس‪.‬‬
‫المتوجين بجوائز كومار للرواية‬
‫قائمة ّ‬
‫تم مساء السبت املايض ‪ ‬بقرص املؤمترات بالعاصمة‬
‫توزيع ‪ ‬جوائز الدورة العرشين لجائزة كومار‬
‫للرواية ‪ ‬بحضور وزيرة الثقافة سنيا مبارك كانت‬
‫عىل النحو التايل‪:‬‬
‫الرواية باللغة العربية ‪ -‬الكومار الذهبي قيمتها ‪ 10000‬دينار ‪ :‬منحت‬
‫مناصفة ألمنة الرمييل عن روايتها توجان الصادرة عن دار آفاق ولنبيهة‬
‫العيىس عن روايتها ‪« ‬مرايا الغياب»‪ ‬‬
‫جائزة لجنة التحكيم قيمتها‪ 5000‬دينار ‪ :‬منحت مناصفة ملولدي ضو عن‬
‫روايته ‪« ‬سريك املعتوه» و«املصب» لشادية القاسمي‬
‫جائزة االكتشاف قيمتها ‪ 2500‬دينار ‪ :‬منحت لحنان جنان عن‬
‫روايتها ‪« ‬كاتراسيس»‪ ‬الرواية باللغة الفرنسية‬
‫الكومار الذهبي قيمتها ‪10000‬دينار ‪ :‬منحت مناصفة لفوزي مالح عن‬
‫روايته يا خيل سامل وجسد أمي لفوزية الزواري‬
‫جائزة لجنة التحكيم قيمتها ‪ 5000‬دينار ‪ :‬منحت ملحمد حرمل عن‬
‫روايته ‪« ‬أحالم ليىل املجهضة»‪ ‬‬
‫جائزة االكتشاف قيمتها ‪ 2500‬دينار ‪ :‬منحت لوفاء غربال عن‬
‫روايتها ‪« ‬الياسمني األسود»‬

‫• ثقافة السلطة وسلطة المثقف‬

‫اشكاليات الثقافة‬
‫بين االستسالم وااللتزام‬
‫البريد االلكتروني ‪manaratculturel@gmail.com :‬‬

‫المدير المسؤول‬

‫حسين العباسي‬

‫المدير‬

‫أسرة التحرير‬

‫سامي الطاهري‬

‫منتصر الحملي ‪ -‬رشيدة الشارني ‪ -‬حسني عبد الرحيم ‪ -‬سعدية بن سالم‬
‫إشراف وتنسيق ‪ :‬محمد الجابلي‬
‫المراجعة اللغوية ‪ :‬عبد الفتاح حمودة ‪ -‬اإلخراج الفني ‪ :‬محمد كريم السعدي‬
‫السحب ‪ :‬مطبعة دار األنوار ‪ -‬الرشقية ‪ -‬تونس‬

‫املقر ‪ 41 :‬شارع عيل درغوث ‪ -‬تونس ‪ - 1001‬الهاتف ‪ / 71 330 291 - 71 255 020 :‬الفاكس ‪- 71 355 139 :‬‬
‫العنوان االلكرتوين ‪ - manaratculturel@gmail.com :‬الحساب الجاري بالربيد ‪300 - 51 :‬‬

‫‪3‬‬
‫ورشات وأنشطة فنية وثقافية في تظاهرة «عيد البطال»‬
‫ممثلو والية القرصين‪ ‬املعتصمون أمام وزارة التكوين املهنى والتشغيل‬
‫يوم السبت‪ 30  ‬أفريل تظاهرة‪ ‬عيد البطال وذلك ىف اطار االحتفال باليوم‬
‫العاملى للشغل‪ ‬الذى يوافق غرة ماي‪ .‬التظاهرة كانت ىف شكل ورشات‬
‫وأنشطة فنية وثقافية عىل مدى يوم كامل‪ .‬يذكر أن عدد من العاطلني عن‬
‫العمل من مختلف معتمديات‪ ‬القرصين قد دخلوا ىف اعتصام مفتوح منذ‬
‫‪ 12‬فيفري ‪ ‬املنقىض‪ ‬امام مقر وزارة التشغيل للمطالبة بعقد مجلس وزارى‬
‫واتخاذ‪ ‬قرارات فورية لحل املشاكل التنموية بالجهة وتوفري مواطن‪ ‬شغل‬
‫للمعطلني عن العمل إضافة اىل سد الشغورات املوجودة‪ ‬ىف مختلف‬
‫املؤسسات العمومية بالوالية للقطع مع ظاهرة الفساد‪.‬‬
‫تكريم للشاعر الراحل الصغير أوالد أحمد‬
‫في باريس‬
‫تحتضن العاصمة الفرنسية باريس يف ‪ 12‬ماي القادم‬
‫تظاهرة شعرية احتفاء بالشاعر الراحل محمد‬
‫الصغري أوالد أحمد وسيشارك يف هذه التظاهرة‬
‫عدد من الكتٌاب واملثقفني التونسيني والناشطني يف‬
‫مجال الهجرة ‪ .‬هذه املبادرة قامت بها مجموعة‬
‫من الجمعيات التونسية من بينها جمعية التونسيني‬
‫بفرنسا ‪.‬‬
‫مهرجان ابن منظور بقفصة‬
‫التأمت أيام ‪ 22‬و‪ 23‬و‪ 24‬أفريل فعاليات مهرجان ابن منظور الوطني لألدباء‬
‫الشباب يف دورته السابعة عرشة باملركب الثقايف بن منظور بقفصة ـ وقد‬
‫شهد اليوم األ ّول مداخلتني عن اتجاهات األدب التونيس يف بدايات األلفية‬
‫الثانية لألستاذين محمد صالح ال ُبوعمراين وشفيق طارقي ثم أمسية شعرية‬
‫أثثها الشعراء عبد الفتاح بن حمودة وسامل الشعباين ومنري عليمي وحبيب‬
‫بلقاسم‪ .‬أما اليوم الثاين فكان مخصصا لقراءة يف إصدارات جديدة ملبدعيث‬
‫قفصة قدمها محمد الهادي الدايل ورشيد السانكيل ومحمد رشيف وميالد‬
‫خالدي‪ .‬ويف أمسية السهرة الشعرية كان الجمهور يف سامع شعري للشعراء‬
‫نور الدين عزيزة وسامل رشيف وسنية املدوري وحسن دولة وعبد الرحامن‬
‫أفضال ثم ت ّم تكريم املبدعني نزار الحميدي وعيىس جابيل‪ .‬ويف اليوم‬
‫القصة وتكريم املبدع الراحل صالح‬
‫الختامي تم استكامل ورشتي الشعر و ّ‬
‫الدين ح ّراث الذي وافته املنية يوم ‪ 28‬جانفي املايض‪ .‬ويف اليوم الختامي ت ّم‬
‫توزيع الجوائز للفائزين يف الشعر‪ :‬محمد صديق الرحمومي وعبد العزيز‬
‫الهاشمي وبسام ظاهري ويف القصة‪ :‬محمد العريب وهدى بن عيل وإقبال‪.‬‬

‫متابعات جامعية‬

‫الخميس ‪ 4‬ماي ‪ - 2016‬املوافق لـ ‪ 27‬رجب ‪ - 1437‬العدد ‪48‬‬

‫فيلم «‪ ‬علّوش ‪ » ‬للطفي عاشور في‬
‫المسابقة الرسمية لمهرجان كان‬
‫السينمائي‬
‫يشارك فيلم «علّوش»‪ ‬للمخرج لطفي عاشور يف‬
‫املسابقة الرسمية ملهرجان «‪ ‬كان السيناميئ يف دورته‬
‫‪ 69‬من ‪ 11‬إىل ‪ 22‬ماي‪ ،‬وسينافس عىل السعفة الذهبية‬
‫للفيلم القصري للمرة االوىل يف تاريخ السينام التونسية‪.‬‬
‫الصايم‪ ،‬جوهر‬
‫ويقدم أدوار الفيلم كل من ‪ ‬منصف ّ‬
‫الباسطي‪ ،‬منعم العكاري ومحمد بهاء كرويش‪،‬‬
‫«ألف فيلم وفيلم‪ : » ‬مشروع لتعليم مبادئ اللغة السينمائ ّية‬
‫بالمؤسسات التربوية للمنصف ذويب‬
‫وافقت وزارة الرتبية عىل مرشوع لبعث ورشات لتعليم مبادئ اللغة‬
‫السينامئ ّية وخطاب الصورة باملؤسسات الرتبوية تحت عنوان ‘ألف فيلم‬
‫وفيلم’‪ .‬للكاتب واملخرج املرسحي و السيناميئ املنصف ذويب ‪ .‬املرشوع‬
‫سينفذ عىل امتداد ‪ 3‬سنوات بداية من ‪ 2016‬وذلك باالشرتاك ومساهمة‬
‫املركز الوطني للسينام والصورة ومؤسسة «رمبورغ» ‪.‬‬
‫الملتقى الرابع لملتقى قصيدة النثر‬

‫التجريب في القصة القصيرة في تونس‬
‫شهدت املكتبة املعلوماتية بأريانة أيام ‪ 28‬و‪ 29‬و‪ 30‬أفريل‬
‫ندوة علمية بعنوان «التجريب يف القصة القصرية يف تونس»‬
‫حيث قدم باحثون ودارسون جملة من املداخالت العلمية التي‬
‫يعنى بشؤون القصة القصرية يف تونس وهم علی التوايل عبد‬
‫الرزاق السومري واألمني بن مربوك ونزيهة الخليفي وحاتم‬
‫الساملي وعبد القادر عليمي وسمري املسعودي ومصطفى‬
‫الكيالين ومحمد املصباحي وأحمد القاسمي ومحمد آيت‬
‫ميهوب وفتحي بن معمر وعبد الرزاق الحيدري‪ .‬وت ّم تقديم‬
‫شهادات يف الكتابة للمبدعني وليد سليامن وعمر السعيدي‬
‫والحبيب املرموش‪.‬‬
‫الدورة الرابعة لملتقى الطاهر‬
‫الهمامي لإلبداع األدبي والفكري‬
‫ستكون املكتبة الجهوية بن عروس يف‬
‫اليومني القادمني فضا ًء لفعاليات ملتقى‬
‫الطاهر الهاممي لإلبداع الفكري واألديب‬
‫يف دورته الرابعة بعنوان «املرسح التونيس‬
‫والتح ّوالت الراهنة» وستكون املداخالت‬
‫العلمية لألستاذة‪ :‬محمد املديوين وحافظ‬
‫الجديدي ورمضان العوري وفوزية بلحاج‬
‫املزي ورساب الرحموين وعبد القادر عليمي وحسن املؤذّن‪.‬‬

‫التأمت فعاليات امللتقى الرابع لقصيدة النرث بنابل أيام ‪ 28‬و‪ 29‬و‪ 30‬أفريل‬
‫املايض وقد توزعت فقرات امللتقى عىل مداخلتني نقديتني لألستاذ عبد الله‬
‫القاسمي بعنوان «االختالف والتجاوز يف قصيدة النرث التونسية من خالل‬
‫مناذج مختارة» واألستاذة «حنان رحيمي» بعنوان «تشظية العامل وجاملية‬
‫الشعر‪ ،‬قراءة يف مناذج من قصيدة النرث التونسية»‪ .‬وشهدت األمسيات‬
‫الشعرية قراءات للشعراء‪ :‬فتحي قمري وعبد الواحد السويح ونزار الحميدي‬
‫وعبد العزيز الهاشمي وفاطمة كرومة ويوسف رزوقة‪.‬‬

‫ال ّندوة الدولية الثانية لوحدة البحث‪ :‬البنية والجمال‬

‫االهتمام بالجوانب الحضارية بين خضوعها للقيد ونزوعها نحو التم ّرد‬
‫التأمت يف كليّة العلوم اإلنسانية واالجتامعية‪9 ،‬أفريل‪ ،‬بتونس‬
‫ال ّندوة الدولية الثانية لوحدة البحث‪ :‬البنية والجامل وذلك أيّام‬
‫‪ 4/5/6‬أفريل‪ ،-2016‬وحملت هذه الندوة عنوانا‪ ،‬األنظمة‪ :‬حريّة‬
‫وقيد؟‬
‫شهدت الندوة خمس جلسات علميّة وأربع عرشة مداخلة قيّمة‬
‫أ ّمنها أساتذة من تونس والجزائر وبلجيكا‪ .‬وشهد اليوم األ ّول‬
‫جلستني علم ّيتني‪ ،‬جلسة صباح ّية برئاسة األستاذ املنصف عاشور‬
‫خصصت‬
‫وأخرى مسائية برئاسة األستاذ عبد الرزاق بنور وقد ّ‬

‫للمداخالت باللغة الفرنسية‪.‬‬
‫وشهد اليوم الثاين جلسة‬
‫علمية ثالثة برئاسة األستاذ‬
‫الهادي العيادي تلتها جلسة‬
‫رابعة برئاسة األستاذ فتحي‬
‫ال ّنرصي ومت ّيز اليوم الثاين‬
‫بغلبة املداخالت املتعلّقة‬
‫باألدب بعد أن خ ُّصص اليوم‬
‫األ ّول إىل الدراسات اللغوية‬
‫يف قراءة لعالقة الظواهر‬
‫اللغوية بالقيد والحرية؟‬
‫واختتمت الندوة يف يومها‬
‫الثالث بجلسة علمية خامسة‬
‫ترأستها األستاذة نور الهدى‬
‫باديس وغلب عىل املتدخلني‬
‫االهتامم بالجوانب الحضارية‬

‫بني خضوعها للقيد ونزوعها نحو التم ّرد‪ .‬وحرصت وحدة البحث‬
‫يف ختام ندوتها عىل تكريم أساتذة قسم العرب ّية الذي أحيلوا عىل‬
‫رشف املهنة وهم السادة األجالّء‪ :‬األستاذ محمد شقرون واألستاذ‬
‫أحمد الخصخويص واألستاذة حسناء بوزويتة الطرابليس ومنحتهم‬
‫درع الكل ّية‪.‬‬
‫وتسعى وحدة البحث إىل تكريس هذا التقليد‪ ،‬أي تكريم أساتذة‬
‫القسم‪ ،‬اعرتافا لهم بجليل الخدمات التي قدموها ألجيال متعاقبة‬
‫من الطلبة‪.‬‬
‫سعدية‬

‫‪4‬‬

‫الخميس ‪ 4‬ماي ‪ - 2016‬املوافق لـ ‪ 27‬رجب ‪ - 1437‬العدد ‪48‬‬

‫حوار مع املفكر والدكتور الجامعي ‪ :‬حميد بن عزيزة‬

‫دور للنقابات في مواجهة العولمة‬

‫أمام مشكل ما اإلنسان له ثالث حلول‪ :‬إما أن يتأقلم‬
‫لحل آخر‪.‬‬
‫وإما أن يهاجر وإما أن يندثر»‪ ،‬وال وجود ّ‬
‫حاوره‪ :‬ابراهيم العميري ‪ -‬صور محمد كريم السعدي‬
‫أي منزلة للجامعي والمثقف في راهن المجتمع التونسي؟ وأي قيمة لمفكر اختار المعرفة والنقد مشروعا متكامال يقيم الترابط الضروري بين النظر والعمل بين الخطاب والممارسة‬
‫ّ‬
‫وجعل من ذلك خيارا متعقال للتحرر والفعل الناجع في الواقع التونسي واإلنساني؟ وهل يقدر الراهن الوطني االستفادة من مناضل فريد في مساره العلمي والفكري وجريئا في مواقفه‬
‫النضالية أن ينفتح على ما يقدمه من تصورات وأفكار غاية في الراهنية وغاية في مواكبة التغيرات االجتماعية الوطنية‬
‫منها أو الدولية؟‬
‫يعد فرصة ثمينة ألسرة منارات‬
‫تونس‬
‫جامعة‬
‫ورئيس‬
‫عزيزة‬
‫بن‬
‫حميد‬
‫الجامعي‬
‫واألستاذ‬
‫المناضل‬
‫بالمفكر‬
‫إن اللقاء‬
‫ّ‬
‫وألسرة جريدة الشعب وقرائها إلبراز أهمية ما يقدمه حميد بن عزيزة من قراءات ومن رؤى نقدية لواقع النضال النقابي‬
‫وشروط تطوره‪ ،‬وللوقوف عند الحقوق االجتماعية‪ ،‬دالالتها‪ ،‬سبل حمايتها وآليات تطويرها وتعزيزها‪ ،‬لتشخيص‬
‫واقع العمل دوليا ومحلّيا ودور الدولة الراعية في تأكيد أولوية العدالة االجتماعية وفي تأكيد مشروعية وأهمية‬
‫الحضور الوطني لالتحاد العام التونسي للشغل باعتباره يمثل مخبرا ثريا لتعميق حق المواطنة الفاعلة وتجذير‬
‫قيم الديمقراطية بما تعنيه من حرية ونقد وعدالة ورقابة وقانون ومؤسسات دستورية متحققة‪.‬‬
‫حول هذه المسائل وحول شروط السؤال الفلسفي في ظل العولمة وحول دور المثقف العضوي اليوم في‬
‫عالقة بالثورات العلمية باعتبارها أساسا للثورات االجتماعية‪ ،‬وحول واقع الثقافة في تونس ودورها المحوري‬
‫في تحقيق التقدم والتنوير والتحرر الجماعي قيميا وحقوقيا وسياسيا كان لنا هذا الحوار الهام مع المفكر‬
‫والمناضل الجامعي حميد بن عزيزة‪.‬‬
‫يطرح حميد بن عزيزة افق الفعل النقابي في تمفصل ضروري مع االجتماعي والسياسي والعلمي‬
‫والثقافي وفي تضايف خالق مع أسئلة االقتصاد الراهنة وواقع المؤسسة الشغلية في ظل العولمة‬
‫وفي تقاطع مع سؤال المعني وسؤال اإلنساني‪.‬‬
‫القسم األول‪ :‬الجامعة‪ ،‬المجتمع‪ ،‬التفلسف‪،‬‬
‫الكوني‪:‬‬
‫‪ - 1‬املسار العلمي‪ :‬يف سؤالنا عن مساره العلمي‬
‫بدا حميد بن عزيزة متحرجا حرج املتواضع يف‬
‫شموخ لكن أمام إرصارنا أن مساره العلمي كان‬
‫مسارا طبيعيا بدأ من معهد كارنو اختصاص آداب‬
‫ثم تواصل مع اإلجازة فدكتورا الدولة فلسفة‬
‫(اقتصاد الصحة) إضافة إىل شهادة الدراسات‬
‫املعمقة يف علم االجتامع وشهادة الكفاءة املهنية‬
‫التي تبقى راسخة يف تجربة حميد بن عزيزة ألنها‬
‫ارتبطت بعمل شاق‬
‫يف نسخ‬

‫املؤلفات والبحث نفسه‪ .‬انتُدب بعد ذلك مساعدا ثم أستاذا‬
‫مساعدا بكلية اآلداب القريوان‪ ،‬بعد ذلك التحق بكلية اآلداب‬
‫‪ 9‬فريل أستاذا محارضا ثم أستا َذ تعليمٍ عا ٍل‪ ،‬ليتوىل بعد ذلك‬
‫وعن طريق االنتخاب ال غري رئاسة قسم الفلسفة لدورتني وعامدة‬
‫الكلية لدورتني وهو اآلن رئيس جامعة تونس واحد‪ .‬لقد أدار‬
‫هذه املؤسسات بروح عالية من املسؤولية إذ أنه مل يتغيب يوما‬
‫واحدا طيلة ‪ 12‬سنة يف مسؤولياته اإلدارية املختلفة‪ .‬وقد عمل‬
‫يف هذه املسؤوليات وفق مبدإ أسايس صاغه كالتايل‪ :‬كيف تغادر‬
‫املكان الذي دخلت؟ أي ما هي الصورة التي ترتكها؟ ما األثر الذي‬
‫تقدمه ملن عمل معك وملن سيأيت بعدك؟‬
‫أهم املؤلفات العلمية إضافة إىل املقاالت واملحارضات ومنشورات‬
‫وحدة البحث «املعقولية اليوم» واملنشورات الجامعية نذكر‬
‫بالخصوص‪:‬‬
‫ أطروحة املرحلة الثالثة‪« :‬منزلة السيايس عند ماركس بإرشاف‬‫«برنار بورجوا» املفكر الفرنيس املعروف‪.‬‬
‫ أطروحة دكتورا الدولة‪« :‬املعقولية االقتصادية واملعقولية‬‫االجتامعية‪ :‬نقد العقل االقتصادي»‪ .‬وهو اآلن رئيس‬
‫جامعة تونس ورئيس ندوة رؤساء الجامعات‪.‬‬
‫‪- 2‬الجامعة التونسية والدور املنتظر‪ :‬أي دور‬
‫للجامعة يف عالقة بقضايا املجتمع التونيس؟‬
‫يف إجابته بني األستاذ حميد بن عزيزة‬
‫إن املهمة االجتامعية للجامعة‬
‫التونسية قد همشت‪ ،‬وأكد أن‬
‫للجامعة وظائف عديدة‬

‫‪5‬‬
‫نفس املكان أي يُعزلون ويسجنون‪ :‬من هنا جاءت‬
‫منها إنتاج املعرفة‪ ،‬تبليغ املعرفة‪ ،‬املحافظة عىل‬
‫الفكرة لتخصيص فضاء خاص باملجانني وهو ما ث ّور‬
‫املعرفة‪ ،‬ضامن تكوين جيل الجامعني ومن املهامت‬
‫علم الحياة النفسية لإلنسان بوصفه اختصاصا طبيا‬
‫األساسية للجامعة يؤكّد حميد بن عزيزة عىل املهمة‬
‫مستقال‪ .‬إن هذه األمثلة من تاريخ العلوم وجب‬
‫االجتامعية للجامعة وتتمثل يف تقديم األجوبة‬
‫أن تكون معروفة لكل قاصد للجامعة‪ .‬ويقدم هنا‬
‫والحلول لبعض املشاكل االجتامعية‪.‬‬
‫ايضا حميد بن عزيزة مثاال آخر حيّا عن أهمية‬
‫من زاوية أخرى بني حميد بن عزيزة يف تفاعله مع‬
‫تدريس تاريخ العلوم لكل الطلبة يف الجامعات وهو‬
‫السؤال حول وضعية العلوم اإلنسانية يف الجامعة‬
‫املتعلق باألطفال املشوهني(‪ )trisomie21‬حيث‬
‫التونسية إن دور هذه العلوم أكرث من رضوري‬
‫طرح السؤال ماذا نفعل بهم؟ إذ رأى البعض رضورة‬
‫فمن خالل هذه العلوم وبها نحلّل ونفكك ألغاز‬
‫التخلّص منهم يف حني نادى البعض برضورة إدماجهم‬
‫املجتمع‪ ،‬والفلسفة تأسست جوهرا وتاريخا عىل‬
‫يف املجتمع واملحافظة عليهم‪ .‬املسألة أنه يف ذلك‬
‫ملكة النقد والحرية يف معناها العميق‪ .‬وما النقد‬
‫العرص مل يكن الناس عىل معرفة مبا سينتجه العلم‬
‫وما الحرية إذا مل يكونا انفصاال عن السائد واملألوف‪،‬‬
‫يف القرن ‪ 20‬باكتشاف الحامض النووي‪ :ADN‬لقد‬
‫إذا مل يكونا تجربة حياتية ينخرط فيها اإلنسان‬
‫اكتشف العلم يف القرن العرشين الحقيقة التالية‪:‬‬
‫بكل كيانه (أفالطون)‪ ،‬إذا مل يكونا مشاركة وتد ّربا‬
‫«الطبيعة تخطئ» وهو خطأ إمالء‪ ،‬يكفي أن نصلح‬
‫عىل املواطنة؟ إن جوهر اإلنسانيات وحقيقة فعل‬
‫هذا الخطأ حتى نأيت عىل شفاء املريض (وهذا هو‬
‫التفلسف تخصيصا هو يف بيان أن الحرية باعتبارها‬
‫الفرق بني القرن‪ 18‬والقرن ‪ .)20‬نستنتج مام سبق‬
‫قيم ًة تتحدد حني تتوضح اإلجابة عن سؤال‪« :‬أي‬
‫أن املعرفة العلمية تقدم الحلول والتصورات وتدفع‬
‫مكان يل بوصفي ذاتا تتحرر يف هذا املجتمع؟ وكيف‬
‫العقول نحو التفتح ورفض االنغالق‪.‬‬
‫تتعايش مع حريات أخرى يف هذا املجتمع؟ إن‬
‫‪ - 3‬أزمة القيم وسؤال املعنى اليوم‪ :‬أي مقاربة يقدمها‬
‫العيش معا يتطلب دربة وتربية والفكر الفلسفي‬
‫الفيلسوف اليوم ملا يطرح من جدل حول موت‬
‫هو الذي يضطلع بتدريب الناشئة عىل «فن العيش‬
‫اإلنسان أو أزمة القيم واملعنى؟ يبني هنا حميد بن‬
‫املشرتك»‪.‬‬
‫عزيزة إن خاصية اإلنسان األوىل‬
‫اليوم هناك تجديد لهذه‬
‫هي وضع التمثالت وإنشاء ما‬
‫الحاجة إىل الفلسفة ويف‬
‫يطلق عليه اسم املخيال الجامعي‬
‫إشكال جديدة مثل املقهى‬
‫أو يعرف الرموز (كاسرير) أي‬
‫الفلسفي‪ ،‬الجامعات الشعبية‬
‫جملة التصورات والتمثالت‬
‫املفتوحة والتي ال تتطلب أي‬
‫رشط لاللتحاق بها وهو ما يتحدث الغرب عن دخل واألحكام والقيم التي يحملها‬
‫أفراد املجتمع حول وجودهم‪.‬‬
‫ميكن اعتباره عودة إىل الفضاء‬
‫اجتماعي منفصل عن‬
‫الذي نشأت فيه الفلسفة مع الشغل (أو ما يسمى أجر واإلنسان قيمي بطبعه أو هو‬
‫كائن املعنى أساسا (‹نيتشه)‪.‬‬
‫االغريق‪ :‬الساحة العامة أو‬
‫في‬
‫مازلنا‬
‫الحياة)‬
‫مقابل‬
‫إن عودة التفكري يف القيم وطرح‬
‫«األقورا» ‪ AGORA‬أي الفضاء‬
‫مسألة‬
‫نحل‬
‫لم‬
‫تونس‬
‫ّ‬
‫سؤال املعني اليوم هو تعبري عن‬
‫العمومي املشرتك (كانط‪،‬‬
‫هابرماس)‪ .‬والغاية القصوى ضمان فقدان الشغل أو شعور بغياب املعنى يف الوجود‬
‫باملعنى الكانطي للغاية هو البطالة‪ .‬واألغرب أن اليوم اإلنساين وخاصة بحالة الفراغ‬
‫الكبري يف حياة البرش‪ .‬وللبحث يف‬
‫إطالق العقل من أجل املحاورة وفي العديد من بلدان‬
‫مربرات هذه الوضعية االنسانية‬
‫والحوار وجعل الحقيقة فعال‬
‫وتناقش‬
‫تطرح‬
‫العالم‬
‫بني حميد بن عزيزة انه بعد‬
‫مشرتكا تُبنى بتضافر الجميع‬
‫من جديد المسألة‬
‫الطّفرة الرأساملية الكبرية وما‬
‫(ال أحد يحتكر الحقيقة)‪،‬‬
‫«الحقيقة مشرتكة تبنى دون االجتماعية بالتشريع لما احدثته من اضطرابات يف وجود‬
‫البرش‪ ،‬إذ أدت إىل تشيّؤ وجودهم‬
‫تسلط عىل البرش»‪ .‬وألمر كهذا‬
‫سمى «مقابل كلي‬
‫ُي ّ‬
‫(أدورنو وماركوز) وأصبح اإلنسان‬
‫طالبت يقول حميد بن عزيزة‪،‬‬
‫للحياة ‪allocution‬‬
‫مضطهدا ومغرتبا ومدفوعا‬
‫منذ سنوات بتدريس الفلسفة‬
‫‪»universelle‬‬
‫‪de‬‬
‫‪vie‬‬
‫إىل حلبة االستهالك مبا يعنيه‬
‫وتاريخ العلوم واالبستيمولوجيا‬
‫شغلية‪،‬‬
‫مرجعية‬
‫«دون‬
‫من تحويل اإلنسان إىل بضاعة‬
‫يف كل الكليات وكل املعاهد‬
‫العليا «إذ ال يعقل أن يتخرج مازلنا في تونس نتنافس ورمبا أرخص بضاعة‪ ،‬وألن هذه‬
‫املعضلة مل تعد ممكنة فاإلنساين‬
‫طبيب أو مهندس وهو يجهل من أجل وظيفة إدارية‬
‫ليس بضاعة‪ ،‬اإلنسان غاية‪،‬‬
‫تاريخ اختصاصه»‪.‬‬
‫بل نتفنن في إيهام‬
‫اإلنسان أمل وطموح‪ .‬لنتذكر‬
‫فللعلوم أثر كبري يف إحداث‬
‫بأن‬
‫العمل‬
‫عن‬
‫العاطلين‬
‫هنا‪ ،‬يؤكد حميد بن عزيزة‪ ،‬عند‬
‫التغيريات الجذرية ويف تطوير‬
‫املجتمعات اإلنسانية فقد الغد سيكون أفضل وأن كانط أن رشط حرية اإلنسان‬
‫فرصتهم في الشغل‬
‫أنه كائن فانٍ وأن قوة اإلنسان‬
‫سمحت العلوم بتغيري التمثالت‬
‫يف كونه ينتمي إىل عاملني علم‬
‫وبفضل النتائج العلمية تحولت‬
‫ممكنة‪.‬‬
‫الرضورة أي الحتميات وعامل‬
‫وجهات النظر والرؤى‪ .‬ومثال‬
‫الحرية والغايات القصوى‪ .‬إن جوهر فلسفة كانط‬
‫ذلك ما حدث يف القرن ‪ :18‬أمام ضغوطات الكنيسة‬
‫هنا ميكن تلخيصها يف دعوته ملعرفة الحدود أي‬
‫حول ترشيح جسد اإلنسان نادى بيشا بعبارة‬
‫يف أهمية رسم حدود إمكان النظر وحدود إمكان‬
‫مرشوعة‪« :‬افتحوا الجثث»‪ ،‬وقد ث ّور هذا الشعار‬
‫الفعل (تقد العقل الخالص) وحدود إمكان الحكم‬
‫الطب والجراحة‪ .‬مثال آخر ذكره فوكو حيث الحظ‬
‫الجاميل‪ .‬وبهذه الشكل ميكن القول إن كانط يؤسس‬
‫أن كل املنحرفني يف املجتمع (املتخلفني) يحرشون يف‬

‫الخميس ‪ 4‬ماي ‪ - 2016‬املوافق لـ ‪ 27‬رجب ‪ - 1437‬العدد ‪48‬‬

‫لفكرة الجمهورية أي يجسد فكرة القانون‪ ،‬فكرة‬
‫املؤسسات‪ ،‬املواطنة‪ ،‬الحرية‪...‬‬
‫ال ننىس أن الحداثة يف معناها األصيل تجسيد ألربع‬
‫مبادئ رئيسية‪،‬‬
‫· املبدأ األول ‪ :‬اإلنسان هو ما يعمل‬
‫· املبدأ الثاين ‪ :‬اإلنسان يعمل يف محيط تقني وعلمي‬
‫(أهمية الثورة العلمية)‬
‫· املبدأ الثالث‪ :‬هذا اإلنسان يعمل ضمن بناء‬
‫مؤسسات‪ ،‬ضمن القانون‬
‫· املبدأ الرابع ‪ :‬العقل هو املتحكم يف كل مسارات‬
‫الحياة اإلنسانية‪ ،‬لذلك وجب اليوم استئناف هذا‬
‫املفهوم األصيل للحداثة‪.‬‬
‫· ‪ - 4‬املشرتك اإلنساين أي رهان؟ إي داللة لإلنساين‬
‫أو للكوين يف ما يحيل عليه من قيم إنسانية‬
‫مشرتكة كالحرية والعدالة واملساواة والتضامن؟‬
‫يف تفاعل مع هذا التساؤل أشار حميد بن عزيزة‬
‫إىل كتاب فوكوياما «نهاية التاريخ» عالم ًة عىل ما‬
‫تشهده اإلنسانية من واقع الهيمنة يف مستوى فرض‬
‫التأويالت األحادية املجانبة للصواب‪ .‬هذا املؤلف‬
‫وغريه كثري (هانتغتون «صدام الحضارات») تندرج‬

‫ضمن ما ميكن اعتباره إرادة فرض تاريخ حضارة‬
‫واحدة‪ :‬فالتاريخ هو تاريخ الغرب لدى فكوياما‬
‫لذلك فهو يقيص الشعوب األخرى من هذا التاريخ‬
‫(هذا التوجه قد يكون يف عالقة مبا أشار إليه هيجل‪،‬‬
‫مع بعض الحذرهنا‪ ،‬حول مفهوم «الرشق»)‪ .‬يف كل‬
‫الحاالت هناك تأكيد وفق هذه القراءة للتاريخ عىل‬
‫«انتصار التاريخ الغريب وخروج الحضارات األخرى‪.‬‬
‫إن الخوف اليوم هو أن نكون نحن قد ساهمنا يف‬
‫هذه الوضعية‪ ،‬وإن نكون قد بقينا سجناء ملقولة‬
‫املجد القديم يف حني كان علينا أن نتسابق من أجل‬
‫افتكاك مكاننا يف الكوين‪ ،‬يف العامل‪ :‬إن اإلحساس‬
‫الطاغي اليوم هو «اإللهاء» الكبري للمسلمني بقضايا‬
‫هامشية مفربكة مفتعلة من اآلخر‪ ،‬وكأن قدرنا أن‬
‫نبقى سجناء ملثل هذا النوع من الفكر وهذه الصيغ‬
‫وهذا السجن الذايت‪.‬‬
‫القسم الثاني‪ :‬النضال النقابي ورهان‬
‫المستقبل‪:‬‬
‫يف هذا القسم اخرتنا معالجة امللف الرئييس لهذا‬
‫العدد من «منارات» واملتعلق بدور النقابات‬

‫‪6‬‬

‫الخميس ‪ 4‬ماي ‪ - 2016‬املوافق لـ ‪ 27‬رجب ‪ - 1437‬العدد ‪48‬‬

‫ألن الظواهر الحالية لإلقصاء والتهميش ال متاثل‬
‫اليوم وبدور االتحاد العام التونيس للشغل تحديدا‬
‫أمناط االستغالل القدمية‪ ،‬وأن حلّها يطرح علينا‬
‫يف بلورة بدائل للمشكلة االجتامعية‪ ،‬لحق العمل‬
‫تفكريا جديدا ألشكال مغايرة‪ :‬إن األمر يفرض منط‬
‫الالئق‪ ،‬ملفهوم الدولة الراعية للمسألة االجتامعية‬
‫تفكري جديد ملسألة اجتامعية جديدة ترتجم عدم‬
‫واملحققة للعدالة االجتامعية والجبائية‪ .‬وهو ما‬
‫تالؤم املفاهيم القدمية لتدبري أمر االجتامعي‪ .‬لقد‬
‫دفعنا إىل توجيه السؤال مبارشة لألستاذ حميد‬
‫أصبحت أزمة الدولة الراعية حاملة ألزمة مغايرة‬
‫بن عزيزة‪ :‬أي دور لالتحاد وللنقابات يف مواجهة‬
‫طارحة ملعان جديدة لفكرة التضامن واملكاسب‬
‫تحديات «عامل العمل بكل ما يحمله من معضالت‬
‫االجتامعية املهددة‪ .‬وهكذا أصبحت املسألة‬
‫جديدة تتعلق بالعمل واإلنتاج والعدالة االجتامعية‬
‫االجتامعية مسألة فلسفية أساسا تحدد كل املواقف‬
‫والكرامة اإلنسانية يف مواجهة واقع العوملة؟‬
‫والتصورات واالسرتاتيجيات والتساؤالت حول نجاعة‬
‫بني حميد بن عزيزة أن هذا السؤال هام وصعب وهو‬
‫جهاز التوزيع وحول تصور أشكال التنظيم والترصف‬
‫محرج ألنه مرتبط باملسألة االجتامعية منذ بروزها‬
‫يف منط هذه الدولة الراعية‪ .‬الراهن اإلنساين اليوم‬
‫يف القرن ‪ ،19‬وهو صعب نظرا إلىل التغريات الحاصلة‬
‫يكشف عن مشكلتني رئيسيتني يف عالقة بعامل العمل‬
‫اليوم وما تطرحه من رضورة إعادة التفكري يف العمل‬
‫وما شهده من تغيريات جذرية‪:‬‬
‫بأدوات جديدة‪ ،‬هذا من ناحية‪ .‬ومن ناحية ثانية‬
‫· تفكك املبادئ املنظمة للتضامن‬
‫وجب الوقوف عند املقارنة التالية يف عالقة مبنزلة‬
‫· فشل التصور التقليدي للحقوق االجتامعية‬
‫االتحاد العام التونيس للشغل‪ :‬مقارنة مع األحزاب‬
‫(ويتجىل ذلك خاصة يف الصعوبة املتعلقة بتحديد‬
‫ملاذا هناك بروز للنقابات يف التحركات الشعبية‬
‫إطار معقول للتفكري يف أوضاع املقصيني وامله ّمشني‬
‫الكبرية وتقلص لدور األحزاب الكالسيكية؟ اإلجابة‬
‫واملحرومني أو ما يطلق عليهم «بدون»‪ :‬دون مأوى‪،‬‬
‫حسب حميد بن عزيزة بسيطة ولكنها عميقة يف‬
‫دون عمل‪ ،‬دون إقامة‪)...‬‬
‫معانيها ورهاناتها‪ :‬التفسري املنطقي والتاريخي لذلك‬
‫ميكن التأكيد باختصار هنا أن األزمة االجتامعية‬
‫هو أن «النقابات أكرث حرية ومرونة وأكرث التصاقا‬
‫الكبرية التي تعمقت منذ ‪ 1980‬جعلت مطلب‬
‫مبشاغل املواطنني»‪ .‬لذلك ليس هناك مفاجأة كبرية‬
‫تدخل الدولة و ترببره متداوال من جديد‪ ،‬وهذا‬
‫إذا رأينا أن االتحاد العام التونيس للشغل حارض‬
‫يعني رفض ايديولوجية «الدولة‪-‬الدنيا» وما تقوم‬
‫بكثافة يف الحراك اإليجايب لالحتجاج ويف الدفاع عن‬
‫عليه من منحى للتخيل عن كل دور اجتامعي‪ .‬إن‬
‫كل القضايا التي تشغل بال التونسيني‪.‬‬
‫هذه املرشوعية الجديدة للدولة باعتبارها ضامنا‬
‫لكن اليوم حصلت تغيريات كبرية يف العامل‪ ،‬تختزل‬
‫للحيطة االجتامعية هي ما نشاهده اليوم يف تونس‬
‫هذه التغيريات يف ما تحيل عليه كلمة «عوملة» وكل‬
‫وكل البلدان‪ .‬إن الواقع اإلنساين اليوم يف عالقة‬
‫تبعاتها‪ :‬عوملة اإلنتاج‪ ،‬تحطيم الحواجز‪ ،‬تجانس‬
‫باملسألة االجتامعية يعالج اإلشكال التايل‪ :‬كيف نفكر‬
‫السلوكات االستهالكية والحياتية‪ ،‬واألخطر هو‬
‫نؤسس من جديد‬
‫خوصصة حياة ااألفراد‪ .‬إن هذه الوضعية تضعنا‬
‫يف الدور الجديد للسيايس؟ وكيف ّ‬
‫ملرشوعية هذه الدولة الراعية ؟‬
‫أمام صعوبة كبرية مازالت‬
‫يربز هنا حميد بن عزيزة وجود‬
‫موضع حوار ونقاش وتساؤل‬
‫حقيقة ال ميكن تجاهلها‪ :‬تفكك‬
‫وتشخيص‪.‬‬
‫آليات إنتاج التضامن املجتمعي‬
‫تعد املسألة االجتامعية قضية‬
‫وكل خويف يؤكد حميد بن عزيزة‪،‬‬
‫ومحور الحركات االجتامعية‬
‫والثقافية منذ القرن‪ ،18‬وهذه لم يعد التصور التقليدي «أن يكون هذا التفكك نهائيا»‪.‬‬
‫لقد قامت هذه اآلليات عىل‬
‫املسألة (أي غياب الحامية‬
‫للحقوق االجتماعية‬
‫فكرة نظام التأمينات االجتامعية‪،‬‬
‫االجتامعية وما تؤدي إليه من‬
‫يتالءم مع بروز‬
‫أي تأمني التضامن عىل تقاسم‬
‫عبودية واستغالل) تحيل إىل‬
‫«المشكل‪-‬الجوهر»‬
‫املخاطر والتشارك اإلرادي يف هذا‬
‫الخلل الحاصل يف املجتمع‬
‫الصناعي الحديث‪ .‬ولقد المتعلق باإلقصاء أمام التقاسم‪ .‬املشكل اليوم هو الفصل‬
‫املتنامي بني الحامية االجتامعية‬
‫سمحت مكاسب‬
‫النضاالت تقلص فرص الشغل‬
‫والتضامن‪ ،‬االنفصام املتنامي‬
‫االجتامعية بتغيري جذر ّي يف‬
‫منط حياة الكادحني يف القرن‪ .19‬بشكل موضوعي وما‬
‫بني املساهمني واملنتفعني وهو‬
‫انفصام يعمق الصعوبات‪.‬‬
‫وال شك يف أن بروز ما يُس ّمى يحمله هذا التقليص‬
‫مل يعد التصور التقليدي للحقوق‬
‫بالدولة الراعية كان نتيجة من مشاكل وتبعات‬
‫االجتامعية يتالءم مع بروز‬
‫مبارشة لهذه الظاهرة ‪ :‬االنتصار‬
‫في‬
‫بالضرورة‬
‫تؤثر‬
‫املتعلق‬
‫«املشكل‪-‬الجوهر»‬
‫عىل حالة الألمن االجتامعية‬
‫النقابات‬
‫استراتيجيات‬
‫باإلقصاء أمام تقلص فرص الشغل‬
‫والتخلص من الخوف من‬
‫بشكل موضوعي وما يحمله هذا‬
‫املستقبل‪ .‬وساد االعتقاد‬
‫التقليص من مشاكل وتبعات‬
‫بعد الحرب العاملية الثانية‬
‫تؤثر بالرضورة يف اسرتاتيجيات النقابات‪ .‬إن املأساة‬
‫وبعد «الثالثني السعيدة» ‪ les 30 glorieuses‬بأن‬
‫اليوم ليست نظرية‪ :‬ميكن أن يبقى الشخص دون‬
‫اإلنسانية تتجه نحو القضاء عىل حالة الفقر والحاجة‬
‫عمل مدى الحياة (زمن نهاية العمل)‪ .‬هذه الوضعية‬
‫وإنه بإمكاننا تحرير املجتمع وحامية األفراد من‬
‫املعضلة دفعت البعض إىل الحديث عن رضورة إيجاد‬
‫املخاطر‪.‬‬
‫منط تنمية جديد ألن النمط الحايل أبرز حدوده‪ ،‬أما‬
‫لكن مع بداية السنوات الثامنني للقرن‪ 20‬وأمام‬
‫البعض اآلخر فقد بني أهمية تجسيد التمييز اإليجايب‬
‫من ّو ظاهرة البطالة وبروز أشكال جديدة من الفقر‬
‫للح ّد من التفاوت‪ ،‬يف حني نادى آخرون باالستثامر‪.‬‬
‫والهشاشة ساد شعور بأن ما كان يعتقد فيه هو‬
‫لكن املشكل أن ال أحد من كل هؤالء نبه إىل هذه‬
‫مجرد رساب‪ .‬ال يتعلق األمر هنا بالعودة للاميض‬

‫الظاهرة‪ :‬التقلص املوضوعي للشغل وما يطرحه من‬
‫إحراجات نظرية وعملية‪ .‬والغريب أننا يف تونس‬
‫ننتبه دامئا متأخرين إىل حيوية هذه القضايا‪ :‬ففي‬
‫حني يتحدث الغرب عن دخل اجتامعي منفصل‬
‫عن الشغل (أو ما يسمى أجر مقابل الحياة) مازلنا‬
‫يف تونس مل نحلّ مسألة ضامن فقدان الشغل أو‬
‫البطالة‪ .‬واألغرب أن اليوم ويف العديد من بلدان‬
‫العامل تطرح وتناقش من جديد املسألة االجتامعية‬
‫بالترشيع ملا يُس ّمى «مقابل كيل للحياة ‪allocution‬‬
‫‪« »universelle de vie‬دون مرجعية شغلية‪ ،‬مازلنا‬
‫يف تونس نتنافس من أجل وظيفة إدارية بل نتفنن‬
‫يف إيهام العاطلني عن العمل بأن الغد سيكون أفضل‬
‫وأن فرصتهم يف الشغل ممكنة‪.‬‬
‫يحوصل حميد كل ما سبق بقوله ‪« :‬هذه هي‬
‫املحطات الكربى لتفكري اسرتاتيجي للنقابات اليوم‪،‬‬
‫واالتحاد العام التونيس للشغل مطالب بالتأقلم‬
‫مع هذه املتغريات‪ .‬تقليديا النقابة تدافع عن حق‬
‫الشغل عن املشتغلني وأمام الوضع الجديد يتعني‬
‫عىل النقابات أن تفكر بأدوات جديدة يف حلّ‬
‫املسألة االجتامعية‪ .‬أما يف تونس فإن االتحاد العام‬
‫التونيس للشغل ميثل املدرسة األوىل الذي ينبغي‬
‫عليها حلّ هذه املعضلة أو املساهمة الفعلية يف‬
‫حلّها‪ .‬نحن اليوم ال نعرف مثال مهن الغد التي تتغري‬
‫برسعة عجيبة وحتى اتحاد الصناعة ال ميلك خارطة‬
‫ملهن الغد‪ .‬فام عسانا نفعل يتساءل حميد بن‬
‫عزيزة؟ ما ينبغي القيام به حسب رأيه هو العمل‬
‫بنصيحة «داروين» حيث بني أنه أمام مشكل ما‬
‫اإلنسان له ثالث حلول‪ :‬إما أن يتأقلم وإما أن يهاجر‬
‫وإما أن يندثر»‪ ،‬وال وجود لحلّ آخر‪.‬‬
‫القسم الثالث‪ :‬الثقافي واالجتماعي‬
‫السياسي‪:‬‬
‫أي مقام للثقافة يف مجتمع دميقراطي؟ إن مفهوم‬
‫الثقافة مبا يحيل علية من تعدد التعريفات‬
‫واملجاالت ال يجد أهميته حسب حميد بن عزيزة‬
‫إال داخل مجتمع دميقراطي فتواتر التساؤل حول‬
‫الكتاب‪ ،‬حول ما يوزع ثقافيا حول أزمة القراءة‬
‫حول اإلبداع هي يف النهاية أسئلة حول الثقافة مام‬
‫يدفعنا إىل أن نقابل بني مجتمع دميقراطي ومجتمع‬
‫الدميقراطي‪ .‬يف املجتمع الالدميقراطي الثقافة موجهة‬
‫إىل النخبة أما يف املجتمع الدميقراطي فهي للجميع‬
‫ال حقوقيا أو ترشيعيا بل سوسيولوجيا‪ :‬إنها الرتبية‬
‫املعممة‪ ،‬ثقافة للجميع‪ ،‬إعادة إنتاج منط معني‬
‫يف املجتمع‪ .‬فأين نحن من أمناط ثقافية متالمئة‬

‫مع عرصها‪ ،‬ثقافة عقالنية للغد؟ هناك خطر يف‬
‫الحديث عن الثقافة يف املطلق‪.‬توجد ثقافة جيدة‬
‫وثقافة رديئة مثلام يوجد كتاب جيد وكتاب رديء‪.‬‬
‫كلنا يعرف مقام الثقافة الجامهريية يف البلدان‬
‫االشرتاكية‪ .‬إن السؤال الفلسفي يف عالقة بالثقافة‬
‫هو التايل‪ :‬هل توفرت الرشوط السليمة والرضورية‬
‫لنشأة عمل ثقايف مالك لفكرة تزرع يف املجتمع؟‬
‫هل هذه الرشوط هي التي تحدد صلوحية الثقافة‬
‫أم أن الثقافة تعرب دوما عن مصالح طبقة مهيمنة‬
‫يف املجتمع؟ إن جوهر الثقافة التزام بالنسبة إ ّيل؟‬
‫نعرف جميعا التقابل الحميمي طبيعة‪/‬ثقافة‪ .‬لكن‬
‫ينبغي أالّ ننىس دامئا التوتر املوجود بني املعطى‬
‫(الطبيعة)‪ :‬مقاومة والثقافة هي التي تأيت عىل هذه‬
‫املقاومة‪ .‬الثقافة هي التي تحمي اإلنسانية من‬
‫النسيان فالثقافة ذاكرة الشعوب املتوثبة للمستقبل‪،‬‬
‫والفنان الحديث يبحث عن رسم حياته وأفعاله‬
‫وأقواله ثقافيا‪ .‬ويبني حميد بن عزيزة أن نفس‬
‫الصعوبة تعرتضنا حني نشخص مفهوم الدميقراطية‪.‬‬
‫فظاهريا الكل متشبع بالدميقراطية والكل يعود‬
‫ألصل الكلمة‪ :‬حكم الشعب لنفسه بنفسه‪ .‬ففي أي‬
‫بلد نقف عىل حكم شعب أو سيادة شعب؟ تطرح‬
‫هنا إشكالية غاية يف األهمية حول حدود نظام‬
‫الحكم التمثييل‪REGIME REPRESENTATIF‬؟‬
‫اليوم يُثار السؤال التايل‪ :‬كيف نعيد االعتبار إىل هذا‬
‫ال ُبعد التمثييل حتى نقيض عىل املسافة بني الناخب‬
‫واملنتخب إذ غالبا ما يتنكر املنتخب للناخب؟ إن‬
‫مقولة الشعب سيد نفسه مبا هي ّأس الدميقراطية‬
‫تتحقق حني يضع املجتمع القوانني أي يؤسس‬
‫لذاته قانونيا ضمن مبدإ االستقاللية ومبدإ الحرية‪.‬‬
‫فالحرية ال قيمة لها دون هذه األطُر والدستور‬
‫وحقوق املواطنني تقوم عىل القانون‪ .‬والفرد داخل‬
‫القانون يضع قيام‪ :‬حدودا‪ ،‬دالالت‪ .‬ونتيج ًة لكل‬
‫ذلك املثقف اليوم ليس ذلك الخطيب بل هو ذلك‬
‫الذي يساهم يف فتح املمكنات‪ ،‬وهذا بالضبط ما‬
‫بلوره «غراميش» ‪ ،‬فاملثقف العضوي بالنسبة إليه‬
‫هو من يندمج إراديا يف املجتمع من أجل لباس‬
‫مشاغله وهمومه وتطلعاته للحرية والكرامة‬
‫والعدالة والدميقراطية‪ .‬املثقف األصيل اليوم هو‪ ،‬يف‬
‫تساوق مع «غراميش»‪ ،‬من يعمل عىل انتصار هذه‬
‫القيم داخل املجتمع وهو ما يسميه «غراميش»‬
‫الهيمنة الثقافية التنويرية‪ :‬ليست هيمنة يف املطلق‬
‫بل انتصار لقيم الحرية والحداثة واملساواة‪ .‬لذلك‬
‫ال وجود لثقافة إال ملتزمة‪ ،‬ملتزمة بقضايا اإلنسان‬
‫وبالنوع اإلنساين‪.‬‬

‫‪7‬‬

‫الخميس ‪ 4‬ماي ‪ - 2016‬املوافق لـ ‪ 27‬رجب ‪ - 1437‬العدد ‪48‬‬

‫المضادة في عصر العولمة*‬
‫سلطة الحركة ال ّنقاب ّية العالم ّية‬
‫ّ‬

‫مؤكدة»‪ .‬ستيفان هووالد‬
‫«ال ّتضامن‪ ،‬قيمة ّ‬

‫ترجمة المنتصر الحملي‬

‫ماذا نعني بسياسة نقاب ّية عامل ّية؟ للوهلة األوىل‪ ،‬يأيت‬
‫السياسة ال ّنقاب ّية الدّول ّية‬
‫السؤال‪ّ :‬‬
‫الجواب من كلامت ّ‬
‫تتشكّل من ّكل املواقف واألعامل ال ّنقاب ّية الّتي تتجاوز‬
‫الوطني‪ .‬ولكن حني ننظر إىل املسألة عن كثب ال‬
‫اإلطار‬
‫ّ‬
‫يكون الجواب بهذه البساطة‪.‬‬
‫فام هي األسس الّتي تنبني عليها سياسة نقابيّة عامليّة؟‬
‫ينبغي قبل كلّ يشء أن نفهم أن لجميع أولئك الّذين‬
‫يعملون‪ ،‬بسبب حالتهم وبغض النظر عن البالد التي‬
‫يعيشون فيها‪ ،‬مصالح مشرتكة‪ .‬وثانيا‪ ،‬يجب عليهم‬
‫الدفاع عنها ضد املصالح املعارضة لها‪ ،‬ولو تطلّب‬
‫األمر يف بعض األحيان تقديم تضحيات جسيمة‪ .‬ثالثا‪،‬‬
‫أنّه ال ميكنهم ال ّدفاع عن هذه املصالح إالّ معا‪ .‬ورابعا‬
‫وأخريا‪ ،‬أ ّن كلّ ال ّنضاالت املرتتّبة عن ذلك مرتابطة‪ ،‬وأ ّن‬
‫نتائجها تؤثّر عىل مصري العماّ ل يف كل مكان يف العامل‪.‬‬
‫إنّه مفهوم التّضامن الّذي يعبرّ عن حقيقة أننا جميعا‬
‫نعتمد عىل بعضنا البعض‪.‬‬
‫تلك‪ ،‬باختصار‪ ،‬املبادئ األساسية أل ّي عمل نقا ّيب‪ .‬ولك ّن‬
‫ما يرسي عىل املستوى املحليّ يجب أن يرسي أيضا‬
‫عىل أولئك الّذين يعملون يف الطّرف اآلخر من العامل‪.‬‬
‫مع علمنا بذلك‪ ،‬نعلم أيضا ما ال ميكن لسياسة نقاب ّية‬
‫عامل ّية أن تكونه‪ :‬أنّها ليست ذات اتّجاه واحد‪ ،‬وإنمّ ا‬
‫هي تقوم عىل مبدأ التّبادليّة؛ أنّها ليست شكالً من‬
‫أشكال املعونة اإلنسانية‪ ،‬بل هي اسرتاتيجية لل ّدفاع‬
‫عن ال ّنفس؛ أنّها ليست قض ّية زعامء‪ ،‬ألنّها لن تصبح‬
‫ف ّعالة إالّ حني تكون قاعدتها متّصلة بصياغتها‬
‫وبتنفيذها‪ .‬وأنّها أخريا ال ميكن بأ ّي حال من األحوال‬
‫أن تكون امتدادا لعمل دولة ّما‪ ،‬ألنّه ال ولن توجد أبدا‬
‫السابق عن مصالح العماّ ل‪.‬‬
‫دولة تدافع أو دافعت يف ّ‬
‫السياسيّة‬
‫ولك ّن الوعي ال يكفي‪ .‬ال ب ّد أيضا من اإلرادة ّ‬
‫للتّمكّن من الوسائل الكفيلة بالدفاع ال ّناجع عن‬
‫املصالح املشرتكة‪ ،‬وللمشاركة بنشاط يف املنظّامت‬
‫الّتي تنشأ للدفاع عن هذه املصالح‪ .‬واملشاركة تعني‬
‫املختصني‪ ،‬واملعرفة الجيّدة بامليدان‪ ،‬والفكر‬
‫اللّجوء إىل‬
‫ّ‬
‫االسرتاتيجي واالستشارة ال ّدامئة للقواعد‪ ،‬وصوالً إىل‬
‫املستوى املحليّ ‪.‬‬
‫العولمة وانعكاساتها‪:‬‬
‫السوفييتية ونظامها االقتصاد ّي‬
‫إ ّن انهيار الكتلة ّ‬
‫اطي‪ ،‬وتخليّ الهند عن رأسامليّة ال ّدولة‪ ،‬وتح ّول‬
‫البريوقر ّ‬
‫السوق» قد ضاعف عد َد العامّل‬
‫ّ‬
‫الصني إىل «ستالين ّية ّ‬
‫السوق العاملية‪ .‬وإ ّن معظم الوافدين‬
‫يف‬
‫املندمجني‬
‫ّ‬
‫الجدد وعددهم ‪ 1.47‬مليار ليسوا ممثّلني يف نقابات‬
‫قادرة عىل ال ّدفاع عنهم‪ .‬ومن إجاميل ‪ 2.93‬مليار من‬
‫العامّل يف جميع أنحاء العامل‪ ،‬يوجد ‪ 175‬مليون فقط‬
‫تتدن‬
‫منخرطني يف نقابة عماّ لية‪ ،‬مماّ يجعل نسبتهم ىّ‬
‫إىل حوايل ‪ 6‬يف املائة‪.‬‬
‫إ ّن تحرير األسواق املال ّية والحراك املتزايد لرأس املال‬
‫أعطيا ق ّوة مل يسبق لها مثيل للشرّ كات العابرة للقا ّرات‬
‫الّتي‪ ،‬بسياسة ّفك التّوطني‪ ،‬صارت قادرة عىل ابتزاز‬
‫ال ّدول والعماّ ل معا ووضعهم يف املنافسة‪ .‬وبتوظيفها‬
‫للتّأثري الحاسم الّذي متارسه عىل البنك ال ّدويل وعىل‬
‫صندوق ال ّنقد ال ّدو ّيل‪ ،‬متكّنت هذه الشرّ كات من‬
‫خصخصة مساحات شاسعة من‬
‫إجبار حكومات عىل ْ‬

‫اقتصادها وعىل تحرير سوق شغلها‪ .‬وقد أضعفت ال ّدوليّة لل ّنقابات الحرة (‪ )CISL‬واالتحاد العاملي‬
‫ليؤسسا الكنفيدرال ّية ال ّنقاب ّية ال ّدول ّية‬
‫هذه الظّاهرة أساسا نقابات بلدان الجنوب الّتي كانت للعمل ((‪ّ CMT‬‬
‫متغلغلة يف املقام األول يف القطاع العا ّم‪ .‬ومع الضّ عف (‪ ،)CSI‬التي التحق بها أعضاء سابقون من الـ ‪FSM‬‬
‫السكان يف (مبا يف ذلك ‪ CGT‬الفرنسية) ومن املستقلني كذلك‪.‬‬
‫املتزامن لل ّدولة االجتامعيّة‪ ،‬غرقت غالبيّة ّ‬
‫وبسبب ق ّوتها العدديّة‪ ،‬صارت الكنفيدرال ّية ال ّنقاب ّية‬
‫البؤس‪.‬‬
‫السياسة هو من ّو االقتصاد ال ّدول ّية أكرب اتّحاد نقابات عماّ ل يف التّاريخ‪ :‬تنظيامته‬
‫لهذه‬
‫املبارشة‬
‫تيجة‬
‫إ ّن ال ّن‬
‫ّ‬
‫املحمي‪ .‬الثّالث مائة وعرشة تض ّم ‪ 168‬مليون منخرط يف مائة‬
‫غري ال ّرسمي أي العمل غري املنظّم وغري‬
‫ّ‬
‫الستّينات‪ ،‬كان يُنظَ ُر إىل االقتصاد غري ال ّرسمي وخمسة وخمسني بلدا‪.‬‬
‫ففي ّ‬
‫باعتباره من بقايا األشكال القدمية لإلنتاج الّتي سوف بعد سنوات من عملية ال ّدمج‪ ،‬مازال ينتظر الكثري من‬
‫تختفي تدريجيا مع النم ّو االقتصاد ّي‪ .‬لك ّن ما حدث هذا املولود الجديد‪ ،‬ألسباب مختلفة منها التّنظيميّة‬
‫ئييس هو دون ّ‬
‫شك‬
‫السياسيّة‪ .‬ولك ّن ّ‬
‫هو العكس‪ .‬ففي الجنوب املعومل‪ ،‬تستم ّد أغلبيّة من و ّ‬
‫السبب ال ّر ّ‬
‫السكّان معيشتها من االقتصاد غري ال ّرسمي‪ ،‬أي ‪ 51‬االفتقار إىل رؤية حاملة‪ .‬إ ّن تق ّيد الربنامج بأدىن قاسم‬
‫ّ‬
‫املؤسستني‪ ،‬يجعله ال يتجاوز مطلقا‬
‫يف املائة يف أمريكا الالّتينية‪ 71 ،‬يف املائة يف آسيا (‪ 95‬مشرتك للمنظّمتني ّ‬
‫يف املائة يف الهند) و ‪ 72‬يف املائة يف أفريقيا جنوب هدف املطالبة بـ«العمل الالئق» الذي صاغته منظّمة‬
‫العمل ال ّدولية أو رشوط «االتّفاق‬
‫الصحراء (‪ 78‬يف املائة دون‬
‫ّ‬
‫العاملي ‪ »Global Compact‬لألمم‬
‫أفريقيا)‪.‬‬
‫جنوب‬
‫احتساب‬
‫ّ‬
‫املتّحدة‪ .‬هكذا تبقى الكنفدراليّة‬
‫الصناعية‬
‫ولك ْن حتّى يف البلدان ّ‬
‫الجديدة ملتزمة بأيديولوجية‬
‫يف الشّ امل‪ ،‬أصبح االقتصاد غري‬
‫الشرّ اكة االجتامع ّية الّتي تخلّت‬
‫ال ّرسمي واقعا ال مف ّر منه‪:‬‬
‫عنها سلطة أرباب العمل املعوملة‬
‫عقود عمل هشّ ة‪ ،‬عمل حسب‬
‫منظمة‬
‫ال ّنقابة هي ّ‬
‫منذ وقت طويل‪.‬‬
‫الطّلب‪ ،‬عماّ ل دون وثائق‪،‬‬
‫سياس ّية بطبيعتها‪،‬‬
‫منذ تأسيسها‪ ،‬تترصف الكنفيدرال ّية‬
‫وسع يف‬
‫إلخ‪ .‬ومع ذلك فإ ّن التّ ّ‬
‫وال ينبغي الخلط بين‬
‫مثل سابقاتها‪ ،‬أي كمنظمة لل ّدفاع‬
‫القطاع غري ال ّرسمي‪ ،‬والّذي‬
‫عن حقوق اإلنسان مع إعطاء‬
‫وأن‬
‫نادراً ما يكون عماّ له منتظمني االستقالل ّية والحياد ّ‬
‫فيه‪ ،‬يضعف ال ّنقابات بنفس هدفنا ال ّنهائي هو إقامة األولويّة للحقوق ال ّنقابية‪ ،‬دون‬
‫التّص ّدي للمشاكل األساس ّية‬
‫القدر‪.‬‬
‫عدال‪.‬‬
‫أكثر‬
‫اجتماعي‬
‫نظام‬
‫للمجتمع‪ .‬يف الوقت الحارض‪ ،‬من‬
‫أثارت زيادة إفقار بلدان‬
‫ّ‬
‫وألن مفهوم االشتراكية غري املمكن تبينّ نهاية أزمتها‪.‬‬
‫الجنوب والشرّ ق أكرب موجة‬
‫هجرة يف التّاريخ‪ .‬ففي عام قد فقد وضوحه خالل‬
‫واآلن؟‬
‫الصعب تحديد أهداف‬
‫‪ ،2000‬كان ‪ 175‬مليون شخص مختلف ال ّتجارب الفاشلة ليس من ّ‬
‫يعيشون خارج بلدانهم األصليّة في القرن الماضي يجب سياسة نقابيّة دوليّة‪ :‬ينبغي‬
‫مواجهة عوملة رأس املال بعوملة‬
‫منهم ‪ 86‬مليونا يعملون أجراء‪.‬‬
‫أن يكون عملنا إلعادة‬
‫املجتمع املد ّين بغية متهيد الطّريق‬
‫ويف عام ‪ ،2005‬كان عددهم‬
‫إعادة‬
‫ياسي‬
‫الس‬
‫البناء‬
‫إلقامة نظام اجتامعي يستطيع‬
‫قد بلغ الـ ‪ 191‬مليونا‪ ،‬لريتفع‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫كل شخص العيش فيه بكرامة‪.‬‬
‫السنوات الثّالث‬
‫تحديد هذا المفهوم‬
‫م ّرة أخرى يف ّ‬
‫األخرية‪ .‬يف عديد البلدان‪ ،‬كي ُتفهم الديمقراطية وبطبيعة الحال‪ ،‬ال ميكن للحركة‬
‫َ ّ‬
‫ال ّنقابية ال ّدولية أن تحقّق ذلك‬
‫يعيش معظم املهاجرين‬
‫هدفا‪،‬‬
‫باعتبارها‬
‫ويعملون يف ظروف غري الئقة ال فقط‬
‫مبفردها‪ .‬لذلك يجب عليها أن‬
‫بل وسيلة وسيرورة‬
‫تتحالف مع غريها من الحركات‬
‫وميثّلون جزءا من االقتصاد‬
‫السياسيّة‪ ،‬وهذا‬
‫غري ال ّرسمي وال يستطيعون‬
‫مرتبطة ارتباط ًا وثيقا‬
‫االجتامعيّة و ّ‬
‫ال ّنوع من التّحالفات بدأ يتبلور يف‬
‫الوصول إىل متثيليّة نقابيّة‪.‬‬
‫باالشتراكية‪.‬‬
‫الصعيد‬
‫كان تط ّور عالقات الق ّوة عىل‬
‫بلدان مختلفة‪ ،‬وحتّى عىل ّ‬
‫العاملي لصالح رأس املال مصحوبا بهجمة ال ّدويل‪.‬‬
‫الصعيد‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫إيديولوجيّة كربى‪ ،‬تهدف إىل تربير هذا التّغيري‪ .‬متثّلت يف هذا ال ّنوع من التّحالفات‪ ،‬تضطلع ال ّنقابات بدور‬
‫خاص بها‪ .‬فاملسألة تتعلّق يف نهاية املطاف بعالقات‬
‫الستالينية الكارث ّية‪،‬‬
‫ّ‬
‫يف قرن ال ّرؤية االشرتاكية بالتّجربة ّ‬
‫ويف اإليهام بأ ّن «ال ّرأسامل ّية الحقيق ّية» هي ال ّنظام الق ّوة‪ ،‬وهو ما يرتبط‪ ،‬بال ّنسبة إىل ال ّنقابات‪ ،‬مبسألة‬
‫االجتامعي الوحيد املمكن‪ ،‬ويف حرمان ال ّنقابات من التّنظيم‪ .‬فكام رأينا أعاله‪ % 6 ،‬فقط من األجراء‬
‫ّ‬
‫اإليديولوجي‪ ،‬ويف تشويه سمعتها وتقدميها العامليني مازالوا ينتسب إىل نقابة عماّ لية (دون‬
‫أساسها‬
‫ّ‬
‫كعقبة أمام التّق ّدم‪ .‬وقد س ّهل عدم تسييس ال ّنقابات احتساب الصني)‪ .‬إ ّن مضاعفة العدد للوصول إىل نسبة‬
‫السابقة‪ ،‬وفقدانها لوسائل إعالمها هذا ‪ % 12‬املتواضعة سيمكّن من إحداث تغيري كبري يف‬
‫يف العقود ّ‬
‫موازين القوى‪.‬‬
‫الهجوم إىل ح ّد كبري‪.‬‬
‫أين ينبغي التّدخّل أولويّا؟ من وجهة نظر اسرتاتيج ّية‪،‬‬
‫من امله ّم تشكيل سلطة مضادّة يف داخل الرشكات‬
‫ال ّنقابات اليوم‪:‬‬
‫مازالت الحركة ال ّنقابية العامليّة تشعر بآثار العوملة العابرة لألوطان‪ .‬فلوضْ ع ح ّد لق ّوتها‪ ،‬ال ب ّد من تنفيذ‬
‫اللّيربالية الجديدة وتظلّ يف الوقت الراهن يف موقف اسرتاتيجية عىل مختلف املستويات يف جميع مجاالت‬
‫دفاعي‪ .‬يف ديسمرب ‪ ،2006‬اندمجت الكنفيدرال ّية الشرّ كة‪ ،‬ولكن يف أ ّي حال عىل مستوى أجرائها‪ .‬يجب‬
‫ّ‬

‫أن يكون الهدف تنظيم معظم عماّ ل أكرب الشرّ كات‬
‫العابرة لألوطان املائة نقاب ّيا‪ .‬هنا أيضا‪ ،‬ال ب ّد من‬
‫تح ّركات يف هذا االتّجاه‪.‬‬
‫يجب عىل ال ّنقابات أن تكلّف نفسها بامله ّمة األولويّة‬
‫املتمثّلة يف تنظيم العماّ ل يف القطاع غري ال ّرسمي‪ .‬وأل ّن‬
‫جزءا من هؤالء العماّ ل هم من ال ّنساء‪ ،‬يكون من‬
‫الضرّ وري أن تتعاون مع الحركات ال ّنسائية الّتي لها‬
‫نفس الهدف‪ .‬إ ّن منظامت من هذا النوع موجودة‬
‫بالفعل‪ .‬يف غرب أفريقيا وأمريكا الالّتينية‪ ،‬ض ّمت‬
‫نقاباتٌ عماّ الً غري نظاميني إليها‪ ،‬أو أنشأ هؤالء تلقائياً‬
‫نقابات عامّلية مستقلّة‪.‬‬
‫مبا أ ّن الجنوب والشّ امل مييالن إىل االنصهار واالندماج‬
‫يف اقتصاد مع ْومل‪ ،‬يشكّل تنظيم القطاع غري ال ّرسمي‬
‫الصناعية‬
‫مه ّمة مطروحة عىل جدول أعامل البلدان ّ‬
‫أيضا‪ .‬أل ّن غالبية العماّ ل غري ال ّنظاميني هم هنا أيضا‬
‫من ال ّنساء واملهاجرين‪ ،‬ومي ّر نجاح تنظيمهم نقاب ّيا‬
‫من خالل تجديد ثقافة الهياكل ال ّنقابيّة ومن خالل‬
‫تكييفها مع املعطى الجديد‪.‬‬
‫وأخريا ً‪ ،‬نسيت الحركة ال ّنقابية يف عدد من البلدان‬
‫م ّربر وجودها وأهدافها األصليّة‪ ،‬لتنصاع إىل اللّيربالية‬
‫الجديدة الظّافرة‪ .‬إنّه ملن املل ّح أن تستعيد هويّتها‬
‫سيايس‪:‬‬
‫يايس‪ .‬ومي ّر هذا الجهد بإعادة بناء‬
‫ووعيها ّ‬
‫ّ‬
‫الس ّ‬
‫من امله ّم التّأكيد من جديد أ ّن ال ّنقابة هي منظّمة‬
‫سياسيّة بطبيعتها‪ ،‬وال ينبغي الخلط بني االستقالليّة‬
‫والحياد وأ ّن هدفنا ال ّنهايئ هو إقامة نظام اجتامعي‬
‫أكرث عدال‪ .‬وأل ّن مفهوم االشرتاكية قد فقد وضوحه‬
‫خالل مختلف التّجارب الفاشلة يف القرن املايض يجب‬
‫يايس إعادة تحديد‬
‫أن يكون عملنا إلعادة البناء ّ‬
‫الس ّ‬
‫هذا املفهوم يك تُف َهم ال ّدميقراطية ال فقط باعتبارها‬
‫هدفا‪ ،‬بل وسيلة وسريورة مرتبطة ارتباطاً وثيقا‬
‫باالشرتاكية‪.‬‬
‫بال ّنظر إىل حالة التّنظيامت ال ّنقاب ّية ال ّدول ّية اليوم‪ ،‬ال‬
‫ميكن أن ننتظر منها أن تسهم بالكثري يف هذه املها ّم‪.‬‬
‫ولكن هذا ليس سببا لالستسالم‪ .‬إ ّن الحركة ال ّنقابية‬
‫ال ّدولية أكرث من مج ّرد مجموع املنظّامت التي‬
‫تض ّمها‪ .‬فجميع العامالت وجميع العماّ ل ال ّنقابيني‪،‬‬
‫وكذلك املنظّامت املحلّية أو اإلقليميّة أو الوطنيّة‪،‬‬
‫هم مواطنون يف هذه الحركة العاملية‪ .‬ليس من‬
‫حقّهم فقط بل من واجبهم أيضا أن تكون لهم آراء‬
‫السياسة ال ّنقابيّة ال ّدولية‪ ،‬وأن يعبرّ وا عنها وأن‬
‫بشأن ّ‬
‫يوصلوها‪.‬‬
‫السياسة النقاب ّية ال ّدول ّية‪ .‬إنّها مسألة‬
‫ال ميكن تفويض ّ‬
‫تعني كلّ شخص والجميع مسؤولون عليها‪ .‬إذ ال أحد‬
‫ميكنه اليوم أن مينع أحد ال ّنقابيني‪ ،‬أو إحدى ال ّنقابيات‪،‬‬
‫أو إحدى ال ّنقابات‪ ،‬من التّشاور مع نظريه‪ ،‬ولو كان‬
‫يف الجهة األخرى من الكوكب‪ ،‬وال من تص ّور والقيام‬
‫بأعامل مشرتكة‪.‬‬
‫يف بداية القرن املايض أعلن النقابيون الثوريون يف‬
‫الصناعات‪،‬‬
‫أمريكا الشّ املية ما ييل‪« :‬بتنظّمنا داخل ّ‬
‫السابقة‪».‬‬
‫نقوم بإنشاء رشكة جديدة داخل الشرّ كة ّ‬
‫وبنفس هذه الطّريقة ميكن أن تنشأ حركة نقابيّة‬
‫دول ّية جديدة‪ .‬بعملنا‪ ،‬نقوم ببناء الحركة ال ّنقابية‬
‫الجديدة داخل الحركة السابقة‪.‬‬
‫• * �‪Le contre-pouvoir du syndicalisme internatio‬‬
‫‪nal à l›ère de la mondialisation - par Dan Gallin‬‬
‫‪),édition 8, Zurich, 204 p., (2008‬‬

‫‪8‬‬

‫الخميس ‪ 4‬ماي ‪ - 2016‬املوافق لـ ‪ 27‬رجب ‪ - 1437‬العدد ‪48‬‬

‫الحوار الوطني ال ّية وفاق أم استراتيج ّية هيمنة؟‬

‫محمد الهادي األخزوري‬
‫قراءة تحليل ّية نقد ّية في كتاب ّ‬
‫بقلم‪ :‬المنذر المرزوقي‬
‫سنحاول يف هذا املقال تقديم قراءة تحليليّة نقديّة لكتاب األستاذ‬
‫مح ّمد الهادي األخزوري‪ .‬وس ُنع ِمل أ ّوال النظر يف ُمحتويات الكتاب‬
‫ومنطلقات الحوار‪ ،‬من وجهة نظر االتحاد‪ ،‬عرب استقراء املضامني وتت ّبع‬
‫أه ّم العنارص واملحتويات‪ .‬ث ّم نبينّ ‪ ،‬ثانيا‪ ،‬جوالت الحوار ومبادراته‬
‫املتتالية‪ .‬ونربز‪ ،‬ثالثا‪ ،‬القيمة التأريخيّة والتوثيقيّة للكتاب‪ ،‬لنحلل رابعا‬
‫إيتيقا الحوار ومعنى التوافق يف الفكر والسياسة الليرباليتني‪ .‬وأ ّما يف‬
‫العنرص الخامس فسنستعرض مختلف املواقف املساندة أو الرافضة‬
‫للحوار‪ ،‬شكال أو مضمونا أو أطرافا أو مخرجات‪ .‬ث ّم ننهي مقالنا‬
‫مبجموعة من األسئلة واإلحراجات املتّصلة مبنطلقات الحوار وتبعاته‬
‫التونيس‪ ،‬ما بعد‬
‫السيايس‬
‫وجدواه السياسية واالجتامع ّية يف السياق‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫الحكم االستبداد ّي الفرد ّي‪.‬‬
‫ أ ّوال‪ :‬يف ُمحتويات الكتابِ و ُمنطلقات الحوارِ‪:‬‬‫صدر عن قسم اإلعالم والنرش باالتحاد العام التونيس‬
‫للشغل كتاب األستاذ النقا ّيب محمد الهادي األخزوري‬
‫الوطني‪ ،‬مسا ٌر فتتوي ٌج‪ .‬وقد جاء‬
‫بعنوان‪ :‬الحوار‬
‫ّ‬
‫الكتاب يف ‪ 110‬صفحات‪ ،‬واشتمل عىل جر ٍد للمبادرات‬
‫التي طرحها االتّحاد العام من أجل إطالق الحوار بني‬
‫األطراف السياسية واملنظامت والجمعيات وعدد من‬
‫الشخصيات‪ ،‬يف فرتات ومراحل مفصليّة من تاريخ‬
‫«الثورة» التونس ّية‪ .‬وقد سعى الكاتب يف التوطئة إىل‬
‫إبراز ُجهد االتحاد العام يف ربط الصالت مع‪ ،‬وبني‬
‫السيايس‪ ،‬عىل «أسس ومبادئ‬
‫مك ّونات املجتمع املد ّين و‬
‫ّ‬
‫حب الوطن»‪ ..،‬و«سعيا إىل إنجاز استحقاقات ثورة ‪17‬‬
‫ّ‬
‫ديسمرب – ‪ 14‬جانفي»‪ ،‬من خالل «جمع كلّ الفاعلني‬
‫وطني‪،‬‬
‫عىل الصعيدين‬
‫ّ‬
‫السيايس واملد ّين‪ ،‬حول حوار ّ‬
‫بغاية تحقيق «تص ّورات» و«وفاقات» (‪،)Consensus‬‬
‫مشرتكة يف اتجاه إنجاز ما آمن به االتحاد من أن تونس‬
‫أفضل‪ ...‬حل ٌم ممك ٌن»‪.‬‬
‫وقد ذكر الكاتب ّأسا تاريخيّا لتو ّجه االتّحاد العام‬
‫«التوفيقي» زمن االستعامر املبارش‪ ،‬من خالل «الجبهة‬
‫ّ‬
‫الوطنية» التي قادها الزعيم الشهيد «فرحات حشاد»‪،‬‬
‫يف ماي ‪ ،1951‬من خالل بعثه «لجنة العمل من أجل‬
‫الضامنات الدميقراطية والتمثيل الشعبي»‪ .‬مثلام أطّر‬
‫هذه الجوالت الحواريّة والنزعة «الوفاقية»‪ ،‬ضمن‬
‫الوطني يف‬
‫مقولة الرتابط بني النضالني‬
‫االجتامعي و ّ‬
‫ّ‬
‫املسرية النقاب ّية لالتحاد العام‪ ،‬والتي تعني‪ ،‬عمل ّيا‪،‬‬
‫السيايس‪،‬‬
‫أهل ّية االتحاد وأحقيته يف اقتحام املجال‬
‫ّ‬
‫الوطني يف الحركة التحريريّة التونسيّة‪.‬‬
‫اعتبارا لدوره‬
‫ّ‬
‫وقد صيغت توطئة الكتاب صياغة ُمكثفة اشتملت‬
‫عىل أه ّم الكلامت املفاهيم‪ ،‬املعبرّ ة عن املواقف‬
‫والتص ّورات والتو ّجهات واألسس والغايات التي ح ّركت‬
‫الحوار وو ّجهته‪ ،‬ودفعت به إىل إنجاز أهدافه امل ُعلنة‬
‫أو امل ُضمرة‪ .‬إذ تطرح كلامت وعبارات مثل‪« :‬املجتمع‬
‫حب الوطن» و«استحقاقات الثورة»‬
‫املد ّين» و«مبادئ ّ‬
‫و«تصورات» و«وفاقات»‪ ،‬و«كلّ الفاعلني عىل‬
‫الوطني»‪،‬‬
‫الصعيدين السيايس واملد ّين»‪ ،‬و«الحوار‬
‫ّ‬
‫أكرث من سؤال وتستدعي الكثري من التفكري والتدبّر‬
‫ومن النظر والتحقيق‪ .‬إذ هي عبارات مشحونة ُملغزة‬
‫ومكثّفة يف الداللة السياسيّة والفكريّة واللسانية‬
‫التداول ّية‪.‬‬
‫ ثانيا‪ :‬الحوا ُر يف جوالته املتتالية‪:‬‬‫عمل الكاتب عىل رصد مسرية الحوار يف سريورته‬
‫الزمن ّية‪ ،‬فوثّق له يف جوالته الثالث‪ُ :‬مبينا الدور‬
‫و«الوفاقي» لالتحاد العام‪،‬‬
‫«التجميعي» و«الحوار ّي»‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫يومي ‪ 25‬و‪ 26‬جانفي‬
‫منذ الجولة األوىل التي انعقدت ْ‬
‫‪ 2011‬مبقر االتحاد النقايب لعامل املغرب العريب‪.‬‬

‫فقد ن ّزل الكاتب هذا الحوا َر يف إطار الرصاع بني‬
‫إرادتني‪ :‬إرادة تكريس أهداف الثورة وإرادة احتوائها‬
‫وااللتفاف عىل استحقاقاتها‪ .‬وقد أفضت اللقاءات إىل‬
‫إصدار بالغ صحا ّيف تض ّمن طلبا بحلّ حكومة الغنويش‬
‫األوىل واملطالبة «بإعادة تشكيلها عىل قاعدة ما‬
‫أجمعت عليه الحركة الشعبية‪ ،‬وبالتشاور مع األحزاب‬
‫السياسية ومك ّونات املجتمع املد ّين والشخصيات‬
‫الوطن ّية والجهويّة‪.‬‬
‫وقد أفضت هذه الحوارات‪ ،‬أيضا‪ ،‬إىل مجموعة من‬
‫املطالب والدعوات أه ّمها تب ّني مرشوع «مجلس‬
‫الترشيعي الذي نت َج‬
‫حامية الثورة»‪ ،‬تج ّنبا للفراغ‬
‫ّ‬
‫عن حلّ مجلس الن ّواب‪ .‬وهو ذات املرشوع الذي‬
‫ت ّم االتفاق عليه يوم ‪ 11‬فيفري ‪ ،2011‬مبق ّر الهيئة‬
‫إعالمي تضمن‬
‫الوطنية للمحامني والذي صدر يف بيان‬
‫ّ‬
‫‪ 6‬نقاط‪ ،‬من أه ّمها تأسيس هيئة وطنية لحامية الثورة‪،‬‬
‫أطلق عليها اسم «املجلس الوطني لحامية الثورة»‪.‬‬
‫وأن ترتكب الهيئة من ممثلني عن األطراف املوقّعة‪،‬‬
‫توافقي»‪.‬‬
‫عىل أن يكون «ذلك بشكل‬
‫ّ‬
‫لقد متّت هذه الجولة األوىل ضمن سياق ثور ّي متيّز‬
‫بحرك ّية سياس ّية‪ ،‬تهشمت فيها الواجهة الحزب ّية للنظام‬
‫السابق‪ ،‬وبفاعل ّية الدور الذي لعبه االتحاد يف اتجاه‬
‫حكومتي محمد الغنويش األوىل‬
‫الدفع إىل إسقاط‬
‫ْ‬
‫والثانية‪ .‬وهنا نالحظ أ ّن تفاعل األطراف السياسيّة‬
‫املشاركة يف الحوار كانت عىل غاية االيجاب ّية من دعوة‬
‫االتحاد ومبادرته‪ ،‬إذ مثلت إطارا تنظيميّا حظي بقبول‬
‫واسع عند األطراف املشاركة‪.‬‬
‫تع ّرض الكاتب بعد ذلك إىل املبادرة الوطنية األوىل‬
‫للحوار‪ ،‬بعد عام من انتخابات ‪ 23‬أكتوبر ‪ .2011‬وقد‬
‫جاءت هذه املبادرة‪ ،‬وفقا لبيان االتحاد‪ ،‬بعد تراجع‬
‫الوطني‬
‫«التوافق بني األطراف السياس ّية داخل املجلس‬
‫ّ‬
‫التأسييس‪ ،‬مماّ عطّل التق ّدم يف كتابة الدستور وبعث‬
‫ّ‬
‫الهيئات العليا لالنتخابات واإلعالم والقضاء‪ .‬وهكذا‬
‫أطلق مبادرته الثانية داعيا كلّ األطراف‪ :‬حكومة‬
‫وأحزابا وجمع ّيات ومنظّامت إىل مؤمتر وطني يحقق‬
‫إدارة جامعية وتوافقية للمرحلة القادمة»‪.‬‬
‫فشلت هذه املبادرة وتصاعدت ح ّدة الرصاعات‬
‫السياس ّية‪ .‬فأطلق االتحاد مبادرته من جديد من أجل‬
‫التوافق عىل موعد إنهاء الدستور والهيئات املنبثقة‬
‫عنه وتحديد تاريخ االنتخابات املقبلة‪ .‬غري أن أحزاب‬
‫الرتويكا تجنبت تحديد موعد لتلك االستحقاقات»‪.‬‬
‫ث ّم رفض االتحاد املوعد الذي ح ّدده رئيس حركة‬
‫النهضة (‪ 23‬جوان) واعتربه «موعدا غري عم ّيل وغري‬
‫ممكن‪ ،‬بحكم أنه شهر حصاد السنة الدراسيّة والحصاد‬
‫الفالحي‪ ،‬فضال عن ارتفاع درجة الحرارة‪ .‬غري أن فشل‬
‫ّ‬
‫هذه الجولة الثانية مل مينع االتحاد من تقديم مبادرة‬
‫ثالثة بعد انتخابات ‪ 23‬أكتوبر ‪ .2011‬وذلك إثر اغتيال‬
‫أمني عام الت ّيار الشعبي الشهيد مح ّمد الرباهمي‪.‬‬
‫وق ّدمت الهيئة اإلداريّة مبادرة مثلت تأطريا سياسيا‬
‫للحوار وملضامينه ومخرجاته وأطرافه‪ .‬وقد استند‬
‫البيان‪ ،‬من الزاوية التحليلية والسياس ّية‪ ،‬إىل مرتكزات‬
‫حجاج ّية وتواصل ّية وعمل ّية‪ ،‬ب ّررت طرح املبادرة‪ .‬فقد‬
‫ت ّم «االلتجاء املبالغ فيه إىل منطق االحتكام إىل األغلبية‬
‫الوطني‬
‫وامل ُحاصصة الحزبية‪ ،‬يف تسيري أعامل املجلس‬
‫ّ‬
‫األمني مع‬
‫ّ‬
‫التأسييس‪ ،‬بدل التوافق‪ ..‬وساد «التعاطي ّ‬
‫الحركات االحتجاجية السلمية‪ ...‬مع تغييب منطق‬
‫الحوار الوطني واالنقالب عىل التوافقات الوطنية حول‬
‫الدستور‪ ،‬وتغليب النظرة الحزبية الضيقة عىل منطق‬
‫الحوار والتوافق»‪ .‬لذلك دعا االتحاد‪ ،‬عالجا لهذه‬
‫الوضعيّة املأزومة‪ ،‬إىل «تحييد اإلدارة واملؤسسات‬
‫الرتبوية‪ ...‬والنأي بها عن السجاالت السياسية‪..‬‬

‫لقد كان االتحاد‬
‫دائما منظمة نقابية‬
‫تتخذ من التفاوض‬
‫والحوار أسلوبا في‬
‫التعاطي مع األنظمة‬
‫القائمة‪ ،‬منذ‬
‫تأسيسه وإلى اليوم‪.‬‬
‫وهو ال ينكر ذلك‬
‫وال يعتبره نقيصة‬
‫أو مطعنا في‬
‫«السياسي»‬
‫دوره‬
‫ّ‬
‫«الوطني»‪ .‬فالعقل‬
‫ّ‬
‫النقابي عقل‬
‫ّ‬
‫تفاوضي أساسا‪.‬‬
‫ّ‬
‫وهو لم يقل يوما‬
‫إ ّنه حزب معارض‪،‬‬
‫ثوري‪ ،‬في‬
‫أو فصيل ّ‬
‫عالقة بالسلطة أو‬
‫أصحاب رأس المال‪.‬‬

‫فهل كان الحوار‪ ،‬فعال‪ ،‬آلية اقرتاح لتوافقات وطن ّية‪،‬‬
‫ما فوق حزب ّية؟ أم كان اسرتاتيج ّية هيمنة عىل القرار‬
‫والحكم‪ ،‬من قبل «االتحاد» «من أجل تونس‪ »،‬عرب‬
‫باعي الراعي للحوار؟‬
‫واجهة «ال ّر ّ‬
‫ ثالثا‪ :‬يف القيمة التأريخ ّية والتوثيق ّية للكتاب‪.‬‬‫تض ّمن الكتاب وثائق تاريخيّة مه ّمة تتمثّل يف نُصوص‬
‫مرجعيّة وشواهد مكتوبة‪ ،‬عن التطورات واألحداث‬
‫والرصاعات السياس ّية‪ ،‬يف مسرية اله ّبة الثوريّة التونس ّية‬
‫‪ 17‬ديسمرب ‪ 14‬جانفي ‪ ،2011‬وما تالها‪ .‬ومتثلت تلك‬
‫الوثائق يف البيانات التي أصدرها االتّحاد يف األزمات‬

‫السياس ّية املتتالية‪ ،‬ويف الرسائل التي و ّجهها إىل‬
‫األطراف السياسيّة‪ .‬مثلام متثّلت يف البالغات واملرسوم‬
‫السيايس‬
‫الرئايس املتعلق بإحداث اللجنة العليا لإلصالح‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫اطي‪.‬‬
‫ر‬
‫الدميق‬
‫االنتقال‬
‫و‬
‫ّ‬
‫وقد تض ّمن الكتاب أيضا‪ ،‬نصوص املبادرات التي‬
‫أطلقها االتحاد وكلامت االفتتاح والبيان املنبثق عن‬
‫الحوار (‪ 16‬أكتوبر ‪ ،)2012‬وقامئات الحضور (أطراف‬
‫الحوار) والجوانب اإلجرائية للحوار ولجانه والهدف‬
‫منه وعدد جلساته (‪ 50‬جلسة – ‪ 157‬ساعة)‪ ،‬ونقاط‬
‫التوافق وأمكنة جوالت الحوار‪ ،‬ومحرض جلسة يوم ‪10‬‬
‫نوفمرب ‪ ،2014‬ووثائق ترشيح االتّحاد لنيل جائزة نوبل‪.‬‬
‫ومتثّل هذه الوثائق رصيدا ُمهماّ يوثّق ملسار الحوار‪،‬‬
‫وإن كانت ال تمُ ثل إال جزءا زهيدا من مجموع ال ّرصيد‬
‫امله ّم من الوثائق والكلامت واملواقف والرسائل‪ ،‬ذات‬
‫الصلة بالجوالت الحواريّة املتتالية‪.‬‬
‫ّ‬
‫ويعترب تعميم نرش الوثائق‪ ،‬التي متلكها الجمعيات‬
‫واملنظامت واألطراف الفاعلة‪ ،‬وهو ما نطالب به‬
‫لغايات بحث ّية وسياس ّية طويلة املدى‪ ،‬عمال توثيق ّيا‬
‫وتأريخيّا رضوريّا يف عملية فهم املسارات واالنزالقات‬
‫واالندفاعات والرتاجعات التي شهدتها التجربة‬
‫السياس ّية التونس ّية‪ ،‬ما بعد الحكم االستبدادي‪.‬‬
‫السيايس واللسا ّين‬
‫مثلام تمُ ثل ُمد ّونة مه ّمة للتحليل‬
‫ّ‬
‫والتواص ّيل‪ .‬إذ تن ُري تلك الوثائق للباحث‪ ،‬حتام‪ ،‬وجهات‬
‫نظر أخرى مختلفة من الحوار‪ ،‬من منطلقاته وسياقاته‬
‫وسريورته وتبعاته ومخرجاته‪.‬‬
‫ولكن‪ ،‬هل كانت كل جلسات الحوار علنيّ ًة وموثّقةً؟‬
‫ماذا عن الجلسات الرسيّة أو غري املعلنة؟ ماذا عن‬
‫اللقاءات الجانب ّية واملكاملات الهاتفية؟ وكيف نوثق‬
‫الجانبي واملسكوت عنه؟ وماذا عن‬
‫للضمني والرس ّي و‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫الرصاعات الحواريّة والتقنيات التواصلية والتكتيكات‬
‫التفاوض ّية والرصاعات التفاعل ّية (انسحابات‪،‬‬
‫تهديدات‪ ،‬مشاورات‪ ،‬اتصاالت‪ )..،‬املتّصلة مبوضوع‬
‫الحوارات وأطرافها وأطرها و ُمخرجاتها ونتائجها؟‬
‫وكيف نستطيع توفري ذلك ال ّرصيد املهمل من أجل‬
‫دراسته‪ ،‬قصد االستفادة منه يف فهم التجربة السياسيّة‬
‫التونسيّة ويف تطوريها‪ ،‬خدمة للثورة والوطن؟‬
‫ رابعا‪ :‬يف ايتيقا الحوار ومعنى التوافق‪ :‬‬‫اقرتن انتشار الحوار وتط ّوره‪ ،‬تاريخ ّيا‪ ،‬باملراحل الثوريّة‬
‫الكربى من تاريخ البرشيّة‪ .‬فقد انترشت صيغه الشفوية‬
‫الفلسفي‬
‫واملكتوبة يف مراحل االزدهار الفكر ّي و‬
‫ّ‬
‫السيايس‪ .‬إنّه من أه ّم آليات معالجة األزمات الفكرية‬
‫و‬
‫ّ‬
‫والسياسية والحضارية املسببة للعنف والحرب وكلّ‬
‫أشكال الرصاعات «البينذاتية» (‪)Intersubjectivité‬‬
‫واالجتامع ّية والدول ّية‪.‬‬
‫ويُشري فالسفة السياسة إىل أنّه «يتعينّ عىل كلّ نظريّة‬
‫منشغلة باملرشوعيّة الدميقراطيّة وبالعدالة االجتامعيّة‪،‬‬
‫عىل وجه الخصوص‪ ،‬أن تهت ّم بفضيلة التعقّل ّية‬
‫العموم ّية يف الحياة السياس ّية‪ ،‬وبفضيلة التحضرّ عىل‬
‫صعيد املجتمع املدين‪ ..‬إذ دون مثل تلك الفضائل‪،‬‬
‫لن تكون الدميقراط ّية الليربال ّية قادرة عىل تحقيق‬
‫العدالة وعىل توفري االستقرار االجتامعي والسيايس‪».‬‬
‫ويعترب االتحاد‪ ،‬من هذه الزاوية التحليليّة‪ ،‬يف التجربة‬
‫السياسيّة التونسيّة‪ ،‬ما بعد الحكم الفرد ّي االستبداد ّي‪،‬‬
‫منبتا لفضيلة الحوار امل ُؤسسة لفضيلة التعقّل ّية العا ّمة‪،‬‬
‫التي انبنت عىل مفهوم «التوافق»‪)Consensus( ،‬‬
‫سبيال للخروج من أزمات الحكم ومخاطر اإلرهاب‬
‫السيايس الذي استثمرت فيه‬
‫األمني و‬
‫وح ّدة التوتّر‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫أطراف كثرية وتقاطعت يف إرضامه قوى إقليم ّية‬
‫السيايس يف الدم‪،‬‬
‫ودوليّة‪ ،‬سعت إىل إغراق املشهد‬
‫ّ‬
‫من خالل إغراقه باملال والسالح واإلعالم والجمعيات‬

‫‪9‬‬
‫والدعاة واألدعياء‪ ،‬خدمة ملشاريعها االستعامريّة وسياساتها التوسع ّية‪.‬‬
‫ولذلك ال ميكننا أ ّن نفهم «ايتيقا» (‪ )Ethique‬الحوار‪ ،‬يف التجربة التونس ّية‪،‬‬
‫خارج «فضيلة» «التوافق» الليرباليّة‪ ،‬وخارج السياقات التاريخية التي‬
‫فرضته‪ ،‬ومبعزل عن متثل الفلسفة السياسية الليربالية للـ»حوار»‪ ،‬وملعنى‬
‫«التوافقات»‪ .‬وقد استعمل املفهوم‪ ،‬يف السياق الحواري التونيس‪ ،‬مبعناه‬
‫روسو»‪ ،‬والذي تط ّور يف‬
‫العام الذي يفيد التعاقد‪ ،‬مثلام نظّر له «جون جاك ّ‬
‫الفلسفة التواصليّة مع «هابرماس»‪ ،‬ويف نظريّة العدالة مع «جون راولز»‪،‬‬
‫ليؤدي دالالت سياس ّية ووظيف ّية مختلفة‪.‬‬
‫وقد دلّ مفهوم «التوافقات»‪ ،‬كام تت ّبعته يف وثائق الكتاب‪ ،‬عىل معنى‬
‫مشرتكات أو نقاط اتفاق أو تص ّورات تشكّل «خارطة طريق»‪ ،‬يؤدي التوافق‬
‫حولها إىل ُمعالجة األزمات السياس ّية واالجتامع ّية واألمن ّية‪ ،‬التي فرضت‬
‫الحوار وو ّجهته‪ .‬مثلام دلّ التوافق عىل الحوار‪ ،‬ومن خالله‪ ،‬عىل أسلوب‬
‫سيايس تفاع ّيل بديل‪ ،‬للوسائل األمنية والعسكرية‪ ،‬ورافدا للمؤسسات‬
‫ّ‬
‫خاصة مع تصاعد‪ /‬تصعيد وترية‬
‫املنتخبة يف التعاطي مع الشأن السيايس‪ّ ،‬‬
‫األعامل اإلرهابية التي أربكت السلطة واملعارضة معا‪ ،‬وكادت تعصف‬
‫األمني للدولة‪ ،‬نتيجة تعاظم التهريب واإلرهاب واالغتياالت‪.‬‬
‫باالستقرار ّ‬
‫وهنا نالحظ أ ّن هذه املفاهيم مل تع ّرف‪ ،‬غالبا‪ ،‬وإنمّ ا وردت يف البيانات‬
‫الخاصة‪،‬‬
‫واملبادرات والرسائل‪ ،‬مبعانيها اللغويّة العا ّمة‪ ،‬أو مبعانيها الضمن ّية ّ‬
‫لدى مستعمليها‪ ،‬والتي ييش بها تناقض مواقفهم من الحوار ومواقعهم من‬
‫السلطة‪ :‬حكّا ًما و ُمعارضني و ُمضاددين‪.‬‬
‫وإقليمي ودو ّيل متيز‬
‫وطني‬
‫بسياق‬
‫ا‬
‫وقد رأى كثريون أ ّن الحوار كان مؤطر‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫باالخرتاقات األمنية والتدخّالت األجنبية‪ ،‬من سفارات ورشكات ولوبيات‪،‬‬
‫والتقاطعات الجيو ـ سياسيّة املعوملة‪ ،‬التي فرضت تقاطعات توافقيّة‬
‫داخل ّية‪ .‬واعتربوه ُمو ّجها لخدمة أطراف وإسقاط أخرى‪ ،‬وفرض أجندات‬
‫بديال ألخرى‪ .‬وهذا ما أوجد مواقف مختلفة‪ ،‬بل متناقضة‪ ،‬من الحوار‪.‬‬
‫ خامسا‪ :‬يف املواقف من الحوار‪:‬‬‫البديهي متاما أن تختلف مواقف األطراف السياسية من الحوار‪ ،‬نظرا‬
‫من‬
‫ّ‬
‫إىل اختالف املواقع واملصالح واالنتظارات‪ .‬إذ اعتربه االتحاد‪ ،‬الذي يقدم‬
‫نفسه باعتباره طرفا ُمحايدا‪ ،‬وق ّو َة‬
‫تعديل‪ ،‬مسلكًا وطنيّا لتج ّنب مزالق‬
‫العنف‪ ،‬من خالل «مؤمتر وطني‬
‫يحقق إدارة جامعية وتوافقية»‪ ،‬ومن‬
‫«التوصل إىل توافقات ملموسة»‪.‬‬
‫أجل‬
‫ّ‬
‫وطني لصياغة مجموعة‬
‫إطار‬
‫فالحوار‬
‫ّ‬
‫من التوافقات‪ ،‬تستهدف تأمني املرور‬
‫إىل وضع أكرث استقرارا و«تغليب‬
‫منطق الحوار واإلقناع»‪ ..‬يف مواجهة‬
‫«تعطيل الحوار الوطني واالنقالب‬
‫عىل التوافقات الوطنية‪ ..‬وتغليب‬
‫النظرة الحزبيّة الضيّقة عىل منطق‬
‫الحوار والتوافق»‪.‬‬
‫إنّه آلية لصياغة توافقات سياس ّية‬
‫وطنيّة جامعة‪ ،‬أو «ما فوق حزبيّة»‬
‫تتص ّدى لإلرهاب وتؤ ّمن تناوبا عىل‬
‫السلطة‪ .‬إذ يكون التناوب «عىل‬
‫السلطة‪ ،‬أو تداول الحكم‪ ،‬ترجمة‬
‫عمليّة للقيمة الحجاجيّة واألخالقيّة‬
‫للحوار‪ .‬ونقيض هذه القيمة احتكار‬
‫السلطة واالستبداد بالرأي‪ ،‬أي احتكار‬
‫الحقيقة النافعة»‪.‬‬
‫وأ ّما ممثلو »الرتويكا»‪( ،‬مع رضورة‬
‫الوقوف عىل متايز املواقف بني‬
‫مك ّوناتها يف مراحل مختلفة‪ )..‬فقد‬
‫اعتربوا الحوار انقالبا عىل الرشع ّية من‬
‫قبل األطراف السياسية التي خرست‬
‫االنتخابات‪ ،‬يف تحالف مع األطراف‬
‫التي أسقطتها الثورة‪ ،‬مدعوما مبنظامت‬
‫وأحزاب وقوى «الثورة املضادة» التي‬
‫استغلّت االغتياالت والعنف السيايس‪،‬‬
‫من أجل إسقاط الرشعية‪ .‬وهكذا‬
‫اعتربت «الرتويكا» الحوار أسلوبا يف‬
‫الهيمنة واالحتواء يستهدف األحزاب‬
‫ذات الرشعيتني االنتخابيّة والدستوريّة‪.‬‬
‫مثلام اعتربت االتحاد «مخلب اليسار»‬
‫الذي تقاطع مع خصومها من أجل‬
‫إسقاطها‪ ،‬ليس إالّ‪.‬‬
‫وأ ّما خارج دائرة الحوار‪ ،‬فإ ّن األطراف‬
‫األكرث «جذريّة»‪ ،‬والتي رفضت االنتخابات (ضمن رشوطها‬
‫السيايس‪ ،‬منذ إحداث الهيئة العليا‪،‬‬
‫املعروفة)‪ ،‬بل ورفضت كلّ املسار‬
‫ّ‬

‫الخميس ‪ 4‬ماي ‪ - 2016‬املوافق لـ ‪ 27‬رجب ‪ - 1437‬العدد ‪48‬‬

‫وصوال إىل االنتخابات ونتائجها‪ ،‬فقد اعتربت الحوار طعنة أخرى يف جسد‬
‫«الثورة املغدورة»‪ ،‬وأنه استدماج ورشعنة لعودة رموز الحكم السابق‪ ،‬حتى‬
‫يسرتجع النظام عنفوانه وواجهته السياسيّة‪ ،‬التي هشمها الشباب املنتفض‬
‫ذات ه ّبة ثوريّة‪ ،‬قطفت رأس النظام ومل تتمكن‪ ،‬أو مل تعرف‪ ،‬كيف تسقط‬
‫اإلعالمي‪.‬‬
‫األمني و‬
‫ّ‬
‫السلطة ومراكز نفوذها املا ّيل واإلدار ّي و ّ‬
‫ سادسا‪ :‬أسئلة وإحراجات‪:‬‬‫أدّى الحوا ُر‪ ،‬رغم تناقض املواقف منه وتطرفها وح ّدتها‪ ،‬أحيانا‪ ،‬إىل نتائج‬
‫السيايس واتجاه «املسار الثور ّي»‪ ،‬وإىل‬
‫سياس ّية عميقة تتصل بشكل النظام‬
‫ّ‬
‫تفعيل أو تعطيل أو تعديل املضامني السياسية لروح الدستور‪ .‬وألننا نحاول‬
‫النظر إىل الحوار الوطني بشكل أقرب ما يكون إىل «املوضوعية»‪ ،‬فإننا‬
‫سنكتفي يف خامتة هذا املقال بطرح بعض األسئلة التي نستحرض من خاللها‬
‫مواقف أطراف الحوار‪ ،‬ومواقف الرافضني له‪.‬‬
‫فهل كان الحوار وطنيّا شامال جامعا مانعا‪ ،‬بأجندة ما فوق حزبيّة؟ وهل‬
‫توفيقي ورؤية وفاق ّية‪ ،‬ضمن تأطري‬
‫يعبرّ النعت‪« :‬الوطني» عن مسعى‬
‫ّ‬
‫«مدحي للمتحاورين؟ أم كان أسلوبا إقصائيا‪ ،‬يستهدف عزل الرافضني‬
‫ّ‬
‫خارج دائرة الحوار التي «مل ّت شمل» دعاة «املصلحة الوطنية»‪ ،‬وحرشت‬
‫الرافضني للحوار‪ ،‬يف إطار العنف والتشدد والتطرف واإلرهاب‪ ،‬أسلوبا يف‬
‫ابتزازهم وإخضاعهم وج ّرهم إىل طاولة كرهوا الجلوس إليها‪ ،‬أو للجالسني‬
‫حولها؟ وهل كان الحوار انقالبا عىل الدميقراطية االنتخابية األداتية‪ ،‬أم آلية‬
‫رضورية لرتميمها ومعالجة أعراضها املرضية «الهيكلية» و‪/‬أو «الجانبية»؟‬
‫وهل كان الحوار أداة الستدماج النظام القديم‪ ،‬يف مواجهة من أتت بهم‬
‫االنتخابات؟ أم كان أداة النظام ذاته يف إعادة التموقع يف السلطة من خالل‬
‫تحجيم بعض خصومه اآلنيني وحلفائه املستقبليني؟‬
‫بناء‪ ،‬عىل ما تق ّدم‪ ،‬ميكننا أن نتساءل‪ ،‬أيضا‪ ،‬عن دور االتحاد العام التونيس‬
‫للشغل يف قيادة الحوار الوطني وعن مدى حياديته السياس ّية يف سياق‬
‫الوطني‪ .‬هل كان مدفوعا مبصالح مركزيته النقابيّة؟ أم بعالقته‬
‫التزامه‬
‫ّ‬
‫التقليدية (الضمنية و‪/‬أو الظاهرة) بقوى اليسار (النقا ّيب والجمعيايتّ‬
‫والطالّيب‪)...‬؟ أم كان مجاال طرازيّا للحوار‪ ،‬باعتباره «فضاء يتيح تعايش‬

‫كلّ الت ّيارات والحساسيات واألفكار (التقرير العام – املؤمتر الثامن عرش‬
‫– ‪»)1993‬؟‬
‫إ ّن االتحاد مل يعلن يوما أنّه حزب ثور ّي‪ ،‬وهو ال يُخفي عالقته بالسلطة‬
‫التفاويض وصفته‬
‫السياسية وقوى الحكم ومراكز القرار‪ ،‬نظرا إىل دوره‬
‫ّ‬
‫التفاوض ّية االجتامع ّية‪ .‬بل إنّنا نجد لالتحاد أدوارا سياس ّية وحزب ّية‪ ،‬رغم ما‬
‫يضفيه عىل سلوكه السيايس من صفة وطنيّة متعالية‪ ،‬أو ما فوق حزبيّة‪،‬‬
‫من قرائنها تنظيمه ملؤمتر حزب الدستور يف ‪ 15‬نوفمرب ‪ 1955‬بصفاقس‪،‬‬
‫والتي ر ّجحت كفة الخ ّط البوقيبي‪ ،‬والرتشّ ح مع حزب الدستور النتخابات‬
‫نوفمرب ‪ 1981‬الترشيع ّية يف قامئات مشرتكة‪ ،‬األمر الذي دفع ببعض املحلّلني‬
‫إىل اعتبار االتحاد رئة ثالثة يتنفّس من خاللها النظام زمن األزمات‪.‬‬
‫هل كان الحوار اسرتاتيجية هيمنة أم انقالبا أم تداوال أم تناوبا توافقيا عىل‬
‫السلطة؟ أم كان أسلوبا سياسيا ‪ -‬نقابيا ف ّعاال‪ ،‬يف تجنب السقوط يف مزالق‬
‫اإلرهاب‪ ،‬من خالل التأسيس للمشرتكات والتوافقات الجامعة للمتحاورين‬
‫«الوطنيني»‪ ،‬املانعة لغريهم من اإلرهابيني أواملتطرفني أو من يساندهم و‪/‬‬
‫أو يسندهم؟‬
‫لقد كان االتحاد دامئا منظمة نقابية تتخذ من التفاوض والحوار أسلوبا يف‬
‫التعاطي مع األنظمة القامئة‪ ،‬منذ تأسيسه وإىل اليوم‪ .‬وهو ال ينكر ذلك‬
‫«الوطني»‪ .‬فالعقل النقا ّيب‬
‫«السيايس»‬
‫وال يعتربه نقيصة أو مطعنا يف دوره‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫تفاويض أساسا‪ .‬وهو مل يقل يوما إنّه حزب معارض‪ ،‬أو فصيل ثور ّي‪،‬‬
‫عقل‬
‫ّ‬
‫يف عالقة بالسلطة أو أصحاب رأس املال‪ .‬وهذا ما جعله طرفا يف «املصالحة‬
‫الوطن ّية» التي أعلنت عنها الحكومة سنة ‪ ،1988‬يف إطار «امليثاق الوطني»‪،‬‬
‫الذي كان االتحاد من بني املوقعني عليه»‪ .‬وإنّنا نجد يف أدبيات االتحاد‪:‬‬
‫يف بياناته ولوائحه وكتبه ما يؤكد الوعي بالتداخل بني األبعاد االقتصاديّة‬
‫واالجتامع ّية والسياس ّية‪ ،‬يف كلّ حوار يفتحه مع السلطة أو مع اتحاد‬
‫سيايس أكرث منه‬
‫األعراف‪ .‬ذلك «أ ّن الحوار االجتامعي يخضع إىل إطار‬
‫ّ‬
‫إىل إطار قانو ّين‪ .‬فإذا مل تتوفّر اإلرادة السياسية الصادقة يف الحوار يصبح‬
‫الخارجي»‪.‬‬
‫القانون مج ّرد واجهة لالستهالك الداخ ّيل و‬
‫ّ‬
‫الوطني‪ ،‬فيتمثّل حسب رأيي‪ ،‬يف ما أدّت‬
‫وأ ّما املطعن األه ّم‪ ،‬يف الحوار‬
‫ّ‬
‫إليه َمآالت الحوار من تسليم السلطة إىل حكومة «تكنوقراط» «محايدة»‪،‬‬
‫ذات مهام «مح ّددة»‪ ،‬يراها املنتقدون ترسيخا للتدخالت األجنبيّة‬
‫والتوافقات الدول ّية‪ ،‬أي حكومة توافق رشكات وسفارات‪ ،‬خدمة‬
‫ملصالح اقتصاديّة وسياس ّية داخل ّية (تابعة) وخارج ّية (مهيمنة)‪.‬‬
‫التوصل إىل توافقات «تونسيّة» ضمن‬
‫فقد أنجز الحوار وت ّم ّ‬
‫وضع ّية سياس ّية انتقال ّية هشّ ة‪ ،‬أطّرت برصاع عنيف بني‬
‫أجهزة النظام السابق والقوى السياس ّية التي أتت بها الثورة‬
‫أو فرضها االستحقاق االنتخا ّيب‪ .‬وقد متيّزت هذه الوضعيّة‬
‫بح ّدة التناقضات االيديولوجيّة والسياسيّة وق ّوة «السجاالت»‬
‫و«التدافعات» و«املناكفات»‪ ،‬التي تربقعت بلبوس هوو ّي‪،‬‬
‫زيّف حقيقة الثورة‪ ،‬باعتبارها رصاعا ض ّد الظلم االجتامعي‬
‫واالستبداد السيايس واالختالالت التنمويّة‪ ،‬مثلام متيّزت بضعف‬
‫التقاليد السياس ّية التعدديّة واملؤسسات الدميقراط ّية‪ ،‬إضافة‬
‫إىل التص ّحر الثقايف والسيايس الذي فرضته األنظمة االستبداديّة‬
‫املتتالية‪.‬‬
‫وانطالقا مماّ سبق نرى لهذا الكتاب قيمة مه ّمة‪ ،‬عىل املستويات‬
‫التوثيق ّية والتأريخ ّية‪ ،‬باعتباره مد ّونة نص ّية أساس ّية‪ ،‬يف التجربة‬
‫الحواريّة التونسيّة‪ ،‬متكننا من فهم أفضل للتجربة السياسيّة‪،‬‬
‫سيايس‪ ،‬أكرث تط ّورا‬
‫حتى نجني من مثارها ما يكون قاعدة لفعل‬
‫ّ‬
‫ونجاعة ونضجا‪ ،‬يف خدمة قضايا املفقرين وتأسيسا للثورة‬
‫القادمة‪ ،‬بأبعادها االقتصاديّة والسياس ّية واالجتامع ّية‪ ،‬باعتبارها‬
‫رشفا من أجل العدالة والحريّة والسيادة الوطنيّة‪.‬‬
‫رصاعا قاسيا م ّ‬
‫‪----------‬‬‫املصدر‪:‬‬
‫ محمد الهادي األخزوري‪ ،‬الحوار الوطني مسار فتتويج‪ ،‬قسم‬‫اإلعالم والنرش‪ ،‬االتحاد العام التونيس للشغل‪ ،‬تونس‪2016 ،‬‬
‫املراجع‪:‬‬
‫االجتامعي‪ ،‬قسم الدراسات‬
‫ الدميقراطيّة والتنمية والحوار‬‫ّ‬
‫والتوثيق‪ ،‬االتحاد العام التونيس للشغل‪ ،‬تونس نوفمرب ‪.2006‬‬
‫ جدلية العالقة بني النضالني الوطني واالجتامعي يف تاريخ‬‫االتحاد العام التونيس للشغل‪ ،‬منشورات قسم الدراسات‬
‫والتوثيق‪ ،‬تونس‪.2004 ،‬‬
‫ محمد العمري‪ ،‬دائرة الحوار ومزالق العنف‪ ،‬أفريقيا الرشق‪،‬‬‫املغرب‪.2002 ،‬‬
‫ ويل كيمليكا‪ ،‬مدخل‬‫إىل الفلسفة السياسية‬
‫املعارصة‪ ،‬ترجمة‪ :‬منري‬
‫الكشو‪ ،‬دار سيناترا‪ ،‬تونس‪ ،‬ط‬
‫‪.2010 ،1‬‬

‫‪10‬‬

‫الخميس ‪ 4‬ماي ‪ - 2016‬املوافق لـ ‪ 27‬رجب ‪ - 1437‬العدد ‪48‬‬

‫«ماي» ‪1968‬‬
‫حسني عبد الرحيم‬

‫تعترب «ثورة الشباب» بالنسبة إىل بعض املحللني والراديكاليني العرب‬
‫التعبري عن مرحلة ما بعد هزمية املرشوع العريب للتحرير بواسطة‬
‫أنظمة رفعت لواء القومية لراديكايل عريب هجوم «التيت» يف فيتنام‬
‫ومقتل «ارنستو تيش چيفارا» بالنسبة إىل القوى املعادية لالمربيالية‬
‫اقتحام قوات حلف وارسو السوفياتية وانهاء «ربيع براغ» وتنصيب‬
‫حكومة بالقوة ونهاية وهم «الدميوقراطية الشعبية» انتفاضات حركة‬
‫الحقوق املدنية بعد اغتيال «مارتن لوثر كينج» واحتالل الكامبوس‬
‫الجامعي من قبل الطلبة يف جامعة «بريكيل» يف بالد العم سام احتالل‬
‫الكامبوس بواسطة الطلبة الغاضبني يف «اثينا» و«نيو مكسيكو»‬
‫و«بيونس ايرس» كان الثور الذي يحمل العامل عىل قرنية يتململ‪out‬‬
‫‪ of joint‬هكذا كان ما يبدو عليه الوضع حسب التوصيف السابق‬
‫لشكسبري عىل لسان «هاملت» يف ظروف مرسحية مختلفه عن‬
‫املجتمع الصناعي‪.‬‬
‫ماذا حدث؟ وكيف؟ ولم ؟‬
‫يدخل الناس منذ عرص الكتابة يف االحداث تُدخلهم «ي ُد‬
‫الله» وهم يتوهمون أنهم يفعلون أشياء بينام الرشوط‬
‫التاريخية للتطور وتناقضاته تقوم برتسيخ اشياء ا ُخرى‪.‬‬
‫الذين كانوا يؤسسون مملكة الله عىل األرض أدى عملهم‬
‫ببساطة إىل تاسيس االقطاع والذين دافعوا عن الكتاب‬
‫املقدس يف مواجهة الكهنة كانوا ميهدون الطريق لحكم‬
‫رجال املال والبنوكو «الحريّة واإلخاء واملساواة» فتحت‬
‫الباب لدخول االمرباطور كامل السيطرة ويظن البعض‬
‫أنه مل يكن امام «سبارتاكوس» سوى ان يصبح هو نفسه‬
‫مالكا للعبيد الهريوغرافية املعارصة التي ّفك طالسمها‬
‫«كارل ماركس» تقول ال يتجاوز التاريخ طور التطور‬
‫الفعيل للقوى املنتجة وال التناقضات الفعلية لعالقات‬

‫االنتاج‪.‬‬
‫عندما تتزامن اضطرابات يف القارات الخمس مع اختالف‬
‫مستوى النمو االقتصادي يقول منطق األشياء إننا امام‬
‫أزمة عاملية وليس امام مجرد تصدعات محلية فام هي‬
‫طبيعة االزمة التي انتجت الحدث»‪.»68‬‬
‫هناك فرضيات فرنسية باألساس تحدثت عن أزمة‬
‫شكل الحكم الديجويل الرئايس وكذلك األزمة االخالقية‬
‫املحافظة الكاثوليكية‪.‬‬
‫فلْنناقش املسألة من وجهة نظرنا املختلفة نوعيا عن‬
‫التحليل الخاص بالبنى الفوقية‪ ...‬فبعد تدشني مرشوع‬
‫مارشال وبعد عرشين عاما من النمو غري املسبوق الذي‬
‫استوجب توسعا هائال يف املؤسسات التعليمية وتغيري‬
‫األهداف من العملية التعليمية من تعليم العلوم‬
‫االنسانية للعلوم التكنولوجية دخل «املاندران» يف فرنسا‬
‫يف أزمة تشغيل وحتى يف أزمة قيمية فلم يعد جهاز‬
‫الدولة يف حاجة إىل أدباء وفالسفة وإمنا إىل مهندسني‬
‫ورياضيني ودخلت الفئات السابقة من املتعلمني يف‬
‫أزمة وجودية عربت عن نفسها يف مقوالت الستينات‬
‫لـ«سارتر» و«مريلوبونتي» ثم البنيوية وتبعاتها وكانت‬
‫املقوالت االنطولوجية لهؤالء هي الوقود االيديولوجي‬
‫للمتمردين الجدد يف الجامعة‪ .‬ومن ناحية أخرى توسعت‬
‫صفوف الطبقة العاملة بنوع جديد من العامل املتعلمني‬
‫يف معاهد التكوين الفني وكذلك اضطر عدد البأس به‬
‫من املتخرجني من املعاهد النظرية للولوج يف إعادة‬
‫تكوين حتى ينخرطوا يف سوق العمل‪ ،‬ومل تعد النقابية‬
‫القدمية تتسع لهؤالء (‪ CGT‬وتفرعاتها) فكان تأسيس‬
‫نقابة دميوقراطية (‪ )CFDT‬وهي نقابة كادر باألساس‪.‬‬
‫ثالثا كان شكل الحكم الديجويل قد ت ّم تجاوزه بعد حل‬

‫أزمة الجزائر إىل درجة أن الجرنال دخل يف دورة ثانية‬
‫النتخابات الرئاسة مع «فرانسوا ميرتان» يف انتخابات‬
‫‪1966‬وبدأت تتشكل تجمعات سياسية جديدة مثل‬
‫الحزب االشرتايك املوحد تدعو إىل تجاوز الديجولية‬
‫(‪ )PSU‬فظهر اليمني التقليدي بزعامة «فالريي جيسكار‬
‫ديستان» (‪.)PUF‬‬
‫زبدة القول إنه كانت هناك عنارص‪ -‬أزمة سياسية‬
‫ يف فرنسا‪ ،‬وكذلك ‪ -‬أزمة ثقافية ‪ -‬وهي التي عربت‬‫عن نفسها بالضيق من االخالقية الجنسية الكاثوليكية‬
‫وبدأت ببيان «سرتاسبورج» والذي تضمن التنديد بعدم‬
‫السامح للطالب بأن يكون يف مبيت الطالبات وبالعكس‬
‫عنرص آخر لالزمة الثقافية الوطنية يف فرنسا هو الولع‬
‫مبوسيقى «الروك اند رول» والجينز االمرييك وال ننىس‬
‫أن نذكر هنا أن فرنسا كانت أمة محتلة وكان أبطالها‬
‫يف الحرب العاملية االوىل (الجرنال بيتان) هم املتعاونون‬
‫مع االحتالل النازي (حكومة فييش) وحررتها القوات‬
‫االمريكية التي هبطت يف النورماندي‪.‬‬
‫اما ديجول فكان شيبه ملك عجوز من «البوربون» أكرث‬
‫من رئيس جمهورية عىل نسق «جامبيتا» ومنافسه‬
‫«فرانسوا ميرتان» كان أكرث شبها بـ«الحبيب بورقيبة»‬
‫منه إىل «جان جوريس» ونفهم من هنا ملاذا اقتحمت‬
‫بورتريهات وصور بحجم الحوائط لـ«تيش جيفارا»‬
‫و«ماوتيس تونج» و«تروتسيك» و«لينني» و«هويش منه»‬
‫الجامعات يف «نانتري» و«السوربون» و«سرتاسبوج»‬
‫و«تولوز» كانت فرنسا أمة تبحث عن بطل بعد ان‬
‫هلك أبطالها منذ زمن ومترغت شعاراتها يف الوحل يف‬
‫حرب الجزائر بعد الهند الصينية وكان قدر اإلنسان الذي‬
‫اخرتعه «اندريه مارلو» ‪( -‬وزير الثقافة الديجويل) ال هو‬

‫بقدر وال يتحدث عن اإلنسان كان الفرنيس التائه واتضح‬
‫أن «عيون الزا» لـ «لوي أراغون» هي عيون امراة عمياء‬
‫وان السيد «اراجون» ال يهوى النساء ‪ -‬من هو السيد‬
‫لوى اراغون لـ«جورج حنني»‪.‬‬
‫تتشابه عنارص االزمة الفرنسية مع ايطاليا مع إضافة ولع‬
‫االيطاليني بال«باندية» ولهذا كانت الجامعات املاركسية‬
‫املسلحة هي املظهر الخاص بايطاليا التي لديها عىل‬
‫األقل محاولة لتجاوز منط اإلنتاج الرأساميل يف عرص‬
‫«غراميش» ولديها صورة غراميش تضعها عىل حوائط‬
‫الجامعات يف «روما» و«نابويل» و«تورينو» وايطاليا مل‬
‫تعانِ معاناة شاقة يف نزع املستعمرات( (�‪decoloniza‬‬
‫‪ )tion‬وهجرة االيطاليني إىل العامل الحديد اسهمت يف‬
‫وعي مزدوج شبه عامل ثالثي‬
‫الحالة اليونانية والتي شهدت متردات جامعية ضخمة‬
‫جديرة بالدراسة فاليونان بالد بني ‪ -‬بني ال هي متقدمة‬
‫صناعيا وال هي يف الحالة االفريقية وكانت طوال النصف‬
‫االول من القرن العرشين مصدرا للمهاجرين الذين‬
‫يعملون أعامال بسيط ًة حتى يف مرص ولكنها عىل الناحية‬
‫االخرى ذات تاريخ سيايس ونقايب عريق وكاد اليسار أن‬
‫يصل إىل حكمها بعد الحرب العاملية الثانية ثم تناوبت‬
‫عليها حكومات هشة حتى أىت انقالب عسكري يف دولة‬
‫عضو يف حزب الناتو االمر الذي يعطي لالنقالب أبعادا‬
‫اطلنطية جاء االنقالب ليطفىء النور ويس ّد األبواب‪.‬‬
‫كانت انتفاضة البوليتكنيك يف جامعة أثينا إذا تعبري عن‬
‫الشوق للدميوقراطية والتمثيل واشرتكت فيها فصائل‬
‫من كل ألوان قوس قزح كل أنواع املاوية والرتوتسكية‬
‫والجيفارية موجودة مع حزب شيوعي قوي وحزب‬
‫اشرتايك عريق‪.‬‬

‫‪11‬‬
‫الحالة يف جنوب املتوسط غري الحالة يف شامله فعقب‬
‫موجة عارمة من القومية والدعوات االشرتاكية من قبل‬
‫نظام عسكري يف مرص يلقى هزمية ساحقة عىل يد دولة‬
‫ارسائيل مازالت تشكل جرحا وطنيا غائرا حتى اآلن‬
‫يواكبها فشل يف خطط التنمية البريوقراطية ومنع سيايس‬
‫كامل للمعارضات ميينا وشامال وتقيد للحريات العامة‬
‫وتجريم للنقابات املستقلة ولإلرضابات املطلبية‪.‬‬
‫عقب اإلعالن عن مرشوع لتغيريات يف نظام الدراسة‬
‫يخرج طالب املعهد الديني باملنصورة يف مظاهرة‬
‫احتجاجية تُقمع بوحشية ويكون الر ّد عليها يف‬
‫االسكندرية حيث يحتل الطالب كلية الهندسة وتبدأ‬
‫أول معارضة جامهريية لنارص وتخرج املدينة عىل بكرة‬
‫أبيها لتحمي الطالب املعتصمني وتتدخل القوات الخاصة‬
‫لجيش خرج من توه من عار وطني يك تحارص املدينة‬
‫املنتفضة وتقتل يف الشوارع وعىل االسفلت وكانت املرة‬
‫االوىل التي يسمع فيها الناس يف مرص والعامل العريب‬
‫يسقط نارص الديكتاتور كانت الشعارات غامضة ولكنها‬
‫بشكل عام ض ّد القمع وت ّم اقتحام الجامعة والقبض عىل‬
‫الطالب يف تلك االيام كان نجيب محفوظ يكتب «ثرثرة‬
‫فوق النيل» ومل يكن الوعي قد عاد بعد إىل توفيق‬
‫الحكيم وكانت منظامت ماركسية واسالمية تعاود‬
‫الظهور الحذر وكانت مجلة «الطليعة» التي تصدرها‬
‫االهرام مبحررين يساريني تصدر عددها الخاص «شباب‬
‫‪.»68‬‬
‫عىل الجانب اآلخر من االطلنطي مل تكن االمور هادئة‬
‫ف«تيش جيفارا» ت ّم عرض جثته املس ّجاة عىل أغلفة كل‬
‫املجالت الكربى والصغرى وجامعات حروب العصابات‬
‫تجتاح تقريبا كل بالد امريكا الجنوبية واالنظمة التي‬
‫تحكم تقريبا كلها أنظمة عسكرية‪.‬‬
‫الحالة املكسيكية تستدعي التدقيق حيث أخذت‬
‫األحداث الطالبية املظهر االعنف رمبا يف العامل أجمع‬
‫فقد كانت البالد تستعد الفتتاح األلعاب االوملبية‬
‫وخرجت مظاهرات طالبية من الجامعات ففي جويلية‬
‫قمعها البوليس بعنف تسبب يف موت عرشة طالب ويف‬
‫اكتوبر فتحت قوات الجيش مسلحة بطائرات الهليكوبرت‬
‫النار عىل متظاهرين متجمعني يف ميدان «الثقافات‬
‫الثالث» مام نتج عنه مقتل ‪ 300‬مواطن أغلبهم طالب‬
‫وت ّم بعد ذلك توقيف آالف االشخاص واختفاء املئات‬
‫كل ذلك تحت حكم «الحزب الثوري الدستوري (عضو‬
‫الدولية االشرتاكية) ورئيسه «غوستاف دياز اورداز»‪.‬‬
‫عىل الجانب اآلخر من الستار الحديدي كانت هناك‬
‫انتفاضة اخرى فبعد محاولة لالصالح حاول القيام‬
‫بها «الكسندر دوبجيك» الذي هو يف نفس الوقت‬
‫شيوعي ورئيس لجمهورية تشيكوسلوفاكيا التي كانت‬
‫موحدة آنذاك وكانت تحت السيطرة السوفييتية‪.‬‬
‫حاول «دوبجيك» االصالح بشعار «اشرتاكية ذات وجه‬
‫انساين» وقامت حركة شعبية هائلة ملساندته كان‬
‫مركزها الجامعات التشيكية وبدأ ما ُس ّم َي بـ«ربيع براغ»‬
‫كان جوهره الهجوم عىل النموذج الديكتاتوري لحكم‬
‫البريوقراطية وتشيكوسلوفاكيا كانت آنذاك اكرث الدول‬
‫تقدما من الناحية التكنولوجية يف الكتلة الرشقية وهي‬
‫بالد شهدت تجربة دميوقراطية قبل الحرب العاملية‬
‫الثانية وشهد حزبها الشيوعي اثناء السيطرة الروسية‬
‫عىل البالد أصواتا معارضة ماركسية كان ابرزها «جاسك»‬
‫و«كورون» اللذان قدما رؤية ماركسية نظرية لطبيعة‬
‫الحكم يف البالد باعتباره ديكاتورية طبقة جديدة هي‬
‫البريوقراطية يف كتاب اصبح مشهورا يف الرشق والغرب‬
‫وكالهام كانا ماركسيان وعضوين يف الحزب مل تنتظر‬
‫السلطة يف موسكو يك يتحول االنفالت التشيكوسلوفايك‬
‫ليشمل كل البالد الواقعة داخل املعسكر الرشقي‬
‫فتدخلت القوات الروسية وأسقطت دوبجيك الذي‬
‫ت ّم تنحيته وحدثت مواجهات بني الطالب الثائرين‬
‫والدبابات السوفييتية نقلتها وسائل اإلعالم ألركان األرض‬
‫األربعة بعض االحزاب الشيوعية مثل الحزب االيطايل‬
‫انتقدت الغزو الرويس ولكن غالبية األحزاب أيدته حتى‬
‫الحزب الصيني الذي كان ينتقد التحريفية السوفييتية‬
‫يف مناظرته الشهرية مع الخرتشوفية التي ضلت الطريق‬
‫القويم لـ«جوريف ستالني» لكن الغزو واملوقف التابع‬

‫الخميس ‪ 4‬ماي ‪ - 2016‬املوافق لـ ‪ 27‬رجب ‪ - 1437‬العدد ‪48‬‬

‫ألغلبية األحزاب املسامة شيوعية أحدث انشقاقات بارزة‬
‫يف االحزاب الكربى مثل الحزب الشيوعي الفرنيس‪ .‬لقد‬
‫ويقض مضاجع اليسار املاركيس‬
‫أصبح هناك شبح يخيم ّ‬
‫ويطرح سؤال ما هي االشرتاكية بالضبط؟‬
‫يف عقر دار «االمربيالية االمريكية» كانت حركة الحقوق‬
‫املدنية للسود تجتاح الواليات زاحفة من الجنوب اىل‬
‫صب‬
‫العاصمة وجاء اغتيال «مارتن لوثر كينج» قد ّ‬
‫البنزين عىل النار حتى كان هجوم «الفيت كونج»‬
‫(التيت)‪ -‬يك تشتعل الثورة الطالبية ضد الحرب‬‫االمربيالية يف الهند الصينية وضد التفرقة العنرصية‬
‫واملحافظية االخالقية وتكون جامعة «بريكيل» املشهورة‬
‫بوصفها واحدة من أفضل االكادمييات يف العامل املرسح‬
‫للمواجهات واملناظرات التي ساهمت يف فتح النقاش‬
‫حول كل يشء بعد مرور سنني من الكارثة‪.‬‬
‫زبدة القول بعد العجالة الرسيعة للتمردات التي شملت‬
‫الرشق والغرب الشامل والجنوب وأمناط متنوعة من‬
‫النظم أن العامل كان يخرج عن سياقة (‪world out of‬‬
‫‪ )joint‬وال ميكن تفسري ذلك بالحديث املعتاد عن ثورة‬
‫للطالب وبغض النظر عن األوهام التي خرج املاليني‬
‫وبغض النظر عماّ ت ّم تسميته بالثورة‬
‫للبحث عنها‬
‫ّ‬
‫الجنسية فاألمر كان َجلال ويستوجب النظر يف تناقضات‬
‫أعمق للنظام الذي هو عاملي بطبيعة الحال‪.‬‬
‫لدينا فرضية هنا نطرحها للنقاش والبحث مفادها ان‬
‫تحوال تكنولوجيا عميقا كان قد بدأ مام أوجد عىل صعيد‬
‫كل املجتمعات تشققات أنتجت أزمة عامة عىل أصعدة‬
‫سياسية وايديولوجية ومعرفية ومل يعرف تأثريها إال بعد‬
‫سنوات فدامئا الواقع املادي يسبق الوعي واالدراك‪.‬‬
‫ندعي أن نهاية الستينات شهدت بزوغ الحضارة‬
‫الرقمية وأفول التنظيم االوتامتييك وامليكانييك للصناعة‬
‫واالنتاج وليس العامل الرقمي مجرد تكنيك ولكنه ساهم‬
‫يف تغيري طبيعة السيطرة نفسها فخلق وسائل لالعالم‬
‫عابرة للقارات وجعل نقل الرساميل عرب البورصات يت ّم‬
‫بضغط عىل ز ّر واصبحت رؤوس األموال التي تتجول‬
‫عرب البورصات العاملية مئات األضعاف الرساميل الثابته‬
‫وتطورت حركات الهجرة بني املجتمعات (لقد أصبحت‬
‫نيويورك تتحدث االسبانية وباريس العربية)!‬
‫طبيعة العمل ذاته بوصفه عمال يستدعي مجهودا‬
‫بدنيا اضمحلت واصبحت القيمة امل ُضافة تتحقق أساسا‬
‫خلف شاشات الكمبيوتر واصبحت تذاكر الطريان بني‬
‫املدن االمريكية تبيعها موظفة تجلس أمام حاسوب يف‬
‫بومباي لقد اصبح العامل عىل مشارف أن يصبح قرية‬
‫كونية صغرية وكام تنبأ «كارل ماركس» ‪ :‬كل ماهو راسخ‬
‫وثابت ستذروه الرياح!‬
‫هذا ماسماّ ه كتاب ومنظرون فيام بعد «العوملة»‪...‬‬
‫‪ 1968‬هي بداية ظهور التناقصات الفعلية لهذه العملية‬
‫غري املسبوقة يف التاريخ ونظرا إىل القصور الذايت يف‬
‫الوعي فإن بقاء الحكايات القدمية عاود الظهور عىل‬
‫أرضية بدأت بالتزلزل‪.‬‬
‫منذ تلك األيام واملطابع تخرج تشكيلة من الكتب تعبريا‬
‫عن هذه االزمة الكربى بدءا من «تاريخ الجنسانية»‬
‫«مليشيل فوكو» ونهاية العمل لـ«اندريه جورس» حتى‬
‫تقرير «فرانسوا ليوتار» ملا بعد الحداثة» وبحوث‬
‫نعوم تشومسيك حول «الكفاءه اللغوية» والبحوث‬
‫النوستالجية ل«سمري امني» و«اندريه غوندر فرانك»‬
‫للعودة إىل العامل الثالث و«بيكيتي» يكتب «رأسامل‬
‫جديد» ويف املجال السيناميئ والروايئ هبت موجة‬
‫«الخيال العلمي»‪.‬‬
‫مازلنا يف االزمة ومازال الثور الذي يحمل العامل عىل‬
‫قرنيه يهتز بعصبية وليست االرضابات الجيوبوليتيكية‬
‫التي عمت منطقتنا سوى تعبري آخر عن هذا الوضع‪.‬‬
‫يف مثل هذه الظروف من التغريات الكربى ينبغي ان‬
‫تخضع مقوالت وقصص كربى إىل إعادة النظر ألن‬
‫التدخل الواعي يف التاريخ يفرتض املعرفة بتناقضات‬
‫املرحلة واملخارج املمكنة واملحتملة والحلول الرجعية‬
‫والتقدمية والطبقات والفئات واملجموعات االجتامعية‬
‫الكفيلة بقيادة البرشية إىل األمام ألننا لو نظرنا إىل‬
‫الخلف تحولنا إىل جبال من امللح (العهد الجديد)!‬

‫إصدارات‬
‫كاترسيس ‪:‬‬

‫هي رواية لألستاذة حنان ج ّنان التي مل مينعها اختصاصها األكادميي يف القانون الخاص من اقتحام‬
‫عامل األدب وإرساء خطاب إبداعي منفلت من رصامة اللّغة القانونية ودقّتها فقد استطاعت هذه‬
‫الكاتبة أن تش ّد القارئ منذ السطور األوىل وأن متنحه متعة القراءة والتأ ّمل عرب االنخراط يف عامل‬
‫حكايئ مدهش يتميّز بسالسة األسلوب وانسياب اللغة وشفافية الطرح‪ ،‬كاترسيس يف اللّغة الالتينية‬
‫هو التط ّهر والخالص وكان أرسطو أ ّول من طرح هذا املفهوم وكذلك فعل فرويد الذي استخدمه كأسلوب‬
‫للتفريغ العقيل والعالج‪ ...‬وللعنوان عالقة وثيقة ببطلة الرواية التي كانت تراجع طبيبا نفسانيا للبوح مبا‬
‫يؤرقها يف عالقاتها املتصدّعة مع أ ّمها وزوجها وذاتها ويف فقدانها وهي طفلة لوالدها الذي ورثت عنه‬
‫حب العلم واملعرفة وكذلك تأزّم العالقة مع األ ّم‪ ،‬هذا البوح اإلبداعي الشفاف يجعلنا نطلّ عىل أعامق‬
‫ّ‬
‫املرأة ونقف عند عتبات كينونتها ونطرح األسئلة امل ّرة ‪ :‬مل كلّ هذه الكآبة القابعة يف أعامق املرأة ؟‬
‫عماّ تبحث ؟ وماذا تريد؟ كاترسيس متثّل مفاجأة سا ّرة وإضافة متم ّيزة لعامل األدب يف تونس وهي‬
‫يستحق العناية النقدية وقد صدر عن دار الديوان للنرش سنة ‪ 2015‬وتقع يف ‪ 224‬صفحة‪.‬‬
‫عمل ش ّيق‬
‫ّ‬

‫المحامون في تونس ‪:‬‬

‫من مقاومة االستبداد إىل ثورة الحريّة والكرامة‪ ...‬كتاب للعميد السابق للمحامني األستاذ عبد الرزاق‬
‫الكيالين واملرشّ ح املستقلّ لالنتخابات الرئاسية ‪ 2014‬ويتناول هذا األثر القيّم مسرية قطاع املحاماة يف‬
‫تونس زمن حكم بن عيل ويسلّط الضّ وء عىل رشيحة هامة من املحامني آمنت بالقيم اإلنسانية الكربى‬
‫وقامت بتح ّركات احتجاجية صارخة ض ّد الديكتاتورية واجهها النظام بالعنف والهرسلة واالعتقال يف‬
‫عديد األحيان واملعروف أن هذا القطاع الحيو ّي النابض كان دوما يف مقدّمة الثائرين ض ّد الظلم‬
‫والقمع والفساد‪ ،‬قدّم للكتاب األساتذة عبد الجليل التميمي وإدريس شاطر وكريستيان بورنازال‬
‫ويتض ّمن شهادات ووثائق وصورا متثّل أرشيفا ها ّما ليس مليدان املحاماة فحسب وإنمّ ا ملرحلة عصيبة‬
‫الخاص لألستاذين عبد الرؤوف الع ّيادي‬
‫من تاريخ تونس‪ .‬استهلّ األستاذ الكيالين عمله بتقديم شكره ّ‬
‫ولطفي الحاجي الرئيس السابق لنقابة الصحفيني للعون والنصائح وقسمه صاحبه إىل عدّة أبواب‪،‬‬
‫الباب األ ّول ‪ :‬املحامون والتمهيد للثورة‪ ،‬الباب الثاين ‪ :‬الثورة‪ ،‬الباب الثالث‪ :‬دور املحامني يف حامية‬
‫الثورة والباب الرابع‪ :‬دور املحامني يف تحقيق أهداف الثورة‪ .‬يقع الكتاب يف ‪ 350‬صفحة من‬
‫الحجم الكبري وهو صادر عن الرشكة التونسية للنرش وتنمية الفنون‪.‬‬

‫العجائبي في الرواية العربية‬
‫الحديثة ‪:‬‬

‫كتاب نقد ّي لألستاذ الجامعي بشري الجلجيل وهو بحث علمي يتناول إشكالية مفهوم العجائبي‬
‫ويقع يف ثالثة أبواب‪ ،‬األ ّول ‪ :‬إشكالية مفهوم العجائبي وتأثريه يف الرواية العربية والثاين يف مظاهر‬
‫العجائبي ومصادره والثالث العجائبي منحى فنيا طافحا بالداللة ‪ .‬يقع الكتاب يف ‪ 233‬صفحة وهو‬
‫صادر عن الدار التونسية للكتاب‪.‬‬

‫فيروز وعرائس البحر‪،‬‬

‫قصة لألطفال للروايئ املعروف ابراهيم الدرغويث وهو العمل الفائز باملرتبة األوىل لجائزة‬
‫هو عنوان ّ‬
‫القصة عن منشورات‬
‫مصطفى عزوز ألدب األطفال‪ ،‬والتي يرشف عليها البنك العريب التونيس‪ ،‬صدرت ّ‬
‫الجائزة ‪. 2016‬‬

‫فالس األحالم ‪:‬‬

‫قصص قصرية جدّا للكاتب والصحايف املعروف شكري الباصومي ويع ّد هذا الجنس األديب تجربة‬
‫نصه الجديد عن‬
‫جديدة يخوضها الكاتب بعد كتابيه مراسم الكذب وم ّرة الفطام‪ ،‬وقد اختار أن يبتعد يف ّ‬
‫هموم السياسة وقضايا اللّحظة الراهنة‪ ...‬جاءت قصص املجموعة زاخرة بالدالالت ويغلب عليها املنحى‬
‫العاطفي وهي صادرة عن الدار الثقافية للنرش والتوزيع وقدّم لها الكاتب ظافر ناجي‪.‬‬

‫ق ّبعة ضاقت عن رأسي‪،‬‬

‫مجموعة شعرية ثالثة للشاعرة سندس بكّار جاءت بعد مجموعتيها شهقة البدء ‪ 2003‬والظالل‬
‫تلعب الغ ّميضة ‪ 2009‬وهي قصائد ومضية قصرية صادرة عن دار م ّيارة للنرش والتوزيع‪.‬‬

‫‪12‬‬

‫الخميس ‪ 4‬ماي ‪ - 2016‬املوافق لـ ‪ 27‬رجب ‪ - 1437‬العدد ‪48‬‬

‫ركن‪ :‬األدب وثيقة تاريخ ّية‬

‫عم حمدة العتال‪ :‬األم ّية الواعية‬

‫بقلم سعدية بن سالم‬
‫وسم محمد الصالح فليس كتابه يف «السرية الذاتية»‬
‫بعنوان «عم حمدة العتال»‪ ،‬وهو عنوان لنئ أراده صاحبه‬
‫تكرميا لوالده عم حمدة» فإنّه كان أكرب من ذلك يف قيمته‬
‫الرمزيّة ويف إحاالته النضالية‪ ،‬فابن العتال ال ميكن أن يكون‬
‫إالّ مناضال شأن «مح ّمد الصالح فليس»‪.‬‬
‫لذلك‪ ،‬قرصنا نظرنا يف هذه السرية يف شخصية‬
‫«ع ّم حمدة» ملا وفّرته من متثيلية لفئة من العامل‬
‫قادت يف مرحلة مبكرة من التاريخ املعارص الحركة‬
‫النقابية يف تونس‪ ،‬وما «العتّال» ع ّم حمدة إالّ‬
‫امتداد إىل أولئك الذين اشت ّد عود الحركة النقابية‬
‫بهم‪ ،‬أولئك الذين مثلوا خ ّط الهجوم األ ّول يف‬
‫مقاومة االستعامر‪ ،‬أولئك عماّ ل ال ّرصيف‪.‬‬
‫نصه إىل روح‬
‫يهدي «محمد الصالح فليس» ّ‬
‫والده «حمدة فليس» يف ذكرى وفاته الثالثني‪،‬‬
‫السارد‬
‫من هنا يفتح لنا ك ّوة لنصافح رجال ح ّمله ّ‬
‫مسؤول ّية قطاع‪« ..‬العتالة»‪ ،‬رجل يع ّرفه بأنّه‬
‫شق طريقه بهدي من‬
‫«من عموم هذا الشّ عب ّ‬
‫عزمية شخص ّية عركتها صعوبة الحياة فتح ّجرت‬
‫واستسهلت مكابدة املواجهات» مل تنل من العلم‬
‫نصيبا اللتقاء الفقر واليتم عليها وانخرطت باكرا‬

‫نفيس وماد ّي‬
‫يف مسرية العمل بحثا عن توازن ّ‬
‫وروحي‪.‬‬
‫ّ‬
‫هي شخصية يف بدأها ال تختلف عن كثري من‬
‫السرية‬
‫الشخصيات القصصية آلباء يظهرون يف ّ‬
‫الذاتية ألبنائهم‪ ،‬غري أنّها رسعان ما تأخذ أبعادا‬
‫ترتاوح بني املشرتك باعتبار الوجدان الجامعي وبني‬
‫الخاص الذي يعبرّ عن خصوص ّية يف الشخص ّية ال‬
‫ّ‬
‫تتوفّر عند غريها بالضرّ ورة‪.‬‬
‫فعم حمدة عتّال «يعيش بني البيت ومق ّر عمله‬
‫يف ميناء بنزرت» هو أب يشبه كلّ اآلباء يقوم عىل‬
‫رعاية أبنائه وال يتواىن عىل تأديبهم بعصاه التي‬
‫يحتفظ بها ملا تتو ّجبه دواعي الرتبية املتعارفة‪،‬‬
‫وهي شخص ّية حا ّدة يف وعيها بلحظتها التاريخية‬
‫وبدورها‪ ،‬لذلك جمعت بني الصورة النمطية لألب‬
‫خاصة تعي واقعها ومقتضياته‬
‫وصورة أخرى ّ‬
‫وتحرص عىل القيام بواجبها حرصها عىل ال ّدفاع‬
‫عن حقوقها‪ .‬ومن هذا الحرص نجد ذلك ال ّدأب‬
‫عىل االحتفال باليوم العاملي للعماّ ل‪ .‬حرص م ّرره‬
‫إىل أبنائه بل وفتح أعينهم عليه يف س ّن مبكّرة‬
‫السارد‪« :‬كان والدي يعطي‬
‫حتى غدا تقليدا يقول ّ‬
‫لهذا العيد العاملي أهم ّية بالغة ويلبس ثيابا زرقاء‬
‫ولكنها جديدة يف العادة مثلام كان يفعل مع‬
‫الصور الكبرية‬
‫األعياد الدين ّية‪ ..‬وكان يقوم بتع ّهد ّ‬
‫املعلّقة يف فناء بيتنا القديم وهي صور ملحمد عيل‬
‫الحامي وفرحات حشاد وأحمد التلييل» وهي‬
‫عادات انتقلت إىل األبناء حني أذن أوانهم‪ .‬فلم‬
‫السارد عن والده يف االحتفاء بهذا العيد‬
‫يختلف ّ‬

‫وإن بدا أكرث وعيا مبا يفعل‪ ،‬يقول يف‬
‫رسالة إىل أخيه من معتقل برج الرومي‪:‬‬
‫«البارحة احتفلت البرشيّة بعيد الطّبقة‬
‫الشغيلة‪ ،‬عيد البذل والعطاء من أجل‬
‫تفجري الخريات واستخراج أسباب‬
‫الحياة والسعادة لإلنسان»‪.‬‬
‫وعى «عم حمدة» بدور العمل يف‬
‫تحقيق الذات فك ّرس حياته له ومل‬
‫تثنه عن القيام به حوادثه العارضة‬
‫وال مخاطره املرتبّصة ح ّد محاولة‬
‫السرية‪« :‬مازلت أذكر‬
‫القتل‪ ،‬جاء يف ّ‬
‫أنّك ع ّينت للعمل يف تفريغ إحدى‬
‫الشحنات داخل معمل االسمنت‬
‫ببنزرت ذات مساء من ربيع ‪،1959‬‬
‫وامتطيت دراجتك األسطوريّة‬
‫وقصدت باب ال ّرزق‪ ..‬وأنت يف‬
‫بداية طريق األبراش فإذا بسيارة‬
‫فرنسية تقرتب منك من الخلف وتضط ّرك االنحياز‬
‫السقوط‬
‫إىل أقىص اليمني يف حافة الطريق إىل ح ّد ّ‬
‫الكامل يف الخندق املجاور‪ ..‬وعندما تجاوزتك‬
‫السيارة صاح فيك مرافق السائق أن هنيئا لك أيّها‬
‫الشقي هذه امل ّرة بال ّنجاة بجلدك‪».‬‬
‫ّ‬
‫أمي آمن بالعمل وأدرك‬
‫سرية‬
‫ال‬
‫ت‬
‫الع‬
‫حمدة‬
‫عم‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫أنّه القيمة الباقية فأوفاه حقّه وأنتج نوعا من‬
‫الوعي فطريّا متكّن من متريره بسالسة إىل أبنائه‬
‫حني دأب عىل تقديم األمنوذج العامل الذي ال‬
‫حق ومتكن من‬
‫يتخاذل عن واجب وال يف ّرط يف ّ‬

‫رص عىل تعليم أبنائه من‬
‫متريره بسالسة حني أ ّ‬
‫صبيان وصبيات دون متييز رغم قلّة من يد ّرس‬
‫الفتيات حينها‪ .‬ومكن ذاك الوعي الفطر ّي عم‬
‫الخاصة‬
‫حمدة يف ما بعد أن ينخرط بطريقته‬
‫ّ‬
‫يرتسم‬
‫يف مسار ابنه السيايس فآزره وطاف املدن ّ‬
‫السجون‪ ،‬مل مينعه خوف األب عىل االبن‬
‫بوابات ّ‬
‫من ش ّد أزره والوقوف إىل جانبه وإن شابت بعض‬
‫لحظات الضعف املواقف أحيانا‪.‬‬

‫كتاب جديد لمحمد الخالدي ‪:‬‬
‫عن الدار التونسية للكتاب صدر أخريا كتاب بعنوان «االبداع والتجربة الروحية – رؤية مغايرة –» فيه مقاالت ودراسات ميكن‬
‫ان نعتربها بيانا ابداعيا يختزل بعض ابعاد التجربة الفكرية االبداعية ملحمد الخالدي‪ ...‬تجربة عميقة امتدت لعقود من خالل‬
‫الحضور يف املشهد الثقايف املحيل والعريب وهي تتويج لعرشات املؤلفات املعروفة للكاتب يف اجناس مختلفة‪...‬فهي «تيضء ما‬
‫اعتم من هذه التجربة كام تحيل عىل املصادر الثقافية لصاحبها‪ »...‬ونذكر بأن محد الخالدي شاعر ومرتجم وروايئ صدرت له‬
‫عرشات املؤلفات يف الشعر والرواية والرتجمة وهو مدير بيت الشعر منذ ‪.2012‬‬

‫‪13‬‬

‫الخميس ‪ 4‬ماي ‪ - 2016‬املوافق لـ ‪ 27‬رجب ‪ - 1437‬العدد ‪48‬‬

‫احتفاال باليوم العالمي للعمال‬

‫االتحاد العام التونسي للشغل في سبعينية‬
‫تأسيسه يعرض تاريخه‬
‫مبناسبة احتفال االتحاد العام التونيس للشغل باليوم العاملي‬
‫للعامل ‪ 1‬ماي‪ ،‬احتضنت قاعة األخبار – شارع الحبيب‬
‫بورقيبة معرضا توثيقيا لتاريخ الحركة النقابية التونسية وذلك‬
‫عىل امتداد ‪ 3‬أيام انطالقا من يوم ‪ 30‬افريل ‪.2016‬‬
‫االحتفال باليوم العاملي للعامل هذه السنة جاء يف إطار‬
‫احتفال املنظمة الشغيلة بسبعينية التأسيس وهو ما دفع‬
‫االتحاد إىل اعتامد أسلوب جديد توثيقي الستعراض تاريخه يف‬
‫ظرف تتعرض فيه املنظمة لحملة شعواء لرضب الدور الوطني‬
‫الذي ما فتئت تضطلع به ومن أجل رسم مربع حركة ضيق‬
‫يتحرك فيه االتحاد‪.‬‬
‫افتتح األمني العام لالتحاد العام التونيس للشغل‬
‫السيد حسني العبايس وأعضاء املكتب التنفيذي‬
‫الوطني صحبة العديد من النقابيات والنقابيني‬
‫املعرض الوثائقي وكان ذلك وسط حضور إعالمي‬
‫الفت‪.‬‬
‫واحتوى معرض تاريخ الحركة النقابية التونسية عىل‪:‬‬
‫األحداث التي ج ّدت يف العامل واإلرضابات التي خاضها‬
‫العامل خاصة تلك التي شهدتها شيكاغو يف غرة ماي‬
‫‪ 1886‬والتي طالب فيها العامل بتحديد ساعات‬
‫العمل أو ما ُس ّمي بحركة ‪ 8‬ساعات وهو ما دفع‬
‫الرشطة إىل التعامل معهم بكل قوة األمر الذي أدى‬
‫إىل سقوط عديد الضحايا‪ .‬أصبح العامل يف كل العامل‬
‫يحتفلون بهذا اليوم مجددين مطالبهم االجتامعية‬
‫ومذكرين بحقوقهم من أجل العمل الالئق والعيش‬
‫الكريم‪.‬‬
‫كام استعرضت اللوحات عديد املحطات التاريخية‬

‫البارزة يف مسرية االتحاد العام التونيس للشغل وذلك‬
‫من خالل االحتفاالت األوىل باليوم العاملي للعامل‬
‫يف ظل االستعامر الفرنيس وخاصة تلك التي قادها‬
‫النقابيون رفقة الزعيم الوطني والنقايب فرحات‬
‫حشاد‪.‬‬
‫وثق املعرض املؤمترات األوىل لالتحاد يف صور نادرة‬
‫تعرض ألول مرة وأبرزت مشاركة املنظمة يف الوفود‬
‫التفاوضية الستقالل تونس‪ ،‬واملشاركة كذلك يف املحافل‬
‫الدولية والتعريف بالقضايا الوطنية والدفاع عنها‪.‬‬
‫صورة حائطية عمالقة تختزل سبعني سنة لتأسيس‬
‫االتحاد حيث أبرزت أشغال املؤمتر التأسييس لالتحاد‬
‫يف ‪ 20‬جانفي ‪ 1946‬وقامئة املؤسسني مرفوقة بصورة‬
‫ألعضاء املكتب التنفيذي الحايل يف ‪ 20‬جانفي ‪.2016‬‬
‫تجسيد مؤمترات االتحاد العام التونيس للشغل يف‬
‫لوحة حائطية تربز ‪ 22‬مؤمتر انتخايب منذ التأسيس‬
‫وصوال إىل مؤمتر طربقة أواخ َر ديسمرب ‪ 2011‬وجاء‬
‫فيها صور لألمناء العامني املتعاقبني عىل قيادة االتحاد‬
‫يف مختلف املراحل التي قادها االتحاد‪ .‬وتجدر‬
‫اإلشارة إىل أن هذه اللوحة احتوت عىل تسلسل‬
‫زمني ألبرز ‪ 100‬حدث نقايب طيلة ‪ 120‬سنة انطالقا‬
‫من أول إرضاب عماّ يل ش ّنه عامل السكة الحديدية‬
‫سنة ‪.1900‬‬
‫صور ألهم األحداث التاريخية التي قادها االتحاد‬
‫منذ سقوط نظام بن عيل يف ‪ 14‬جانفي ‪ 2011‬والتي‬
‫جاء فيها خاصة األشواط الثالثة للمؤمتر الوطني‬

‫للحوار واملصادقة عىل دستور ‪ 26‬جانفي وكذلك‬
‫اإلمضاء عىل العقد االجتامعي وتدشني دار االتحاد‬
‫بحي الخرضاء «حلم فرحات حشاد» وتدشني املركب‬
‫الجامعي فرحات حشاد – املنار وصوال إىل حصول‬
‫املنظمة الشغيلة عىل جائزة نوبل للسالم ‪2015‬‬
‫صحبة رشكائه من الرباعي الراعي للحوار‪.‬‬
‫عودة إىل الصور التاريخية لالتحاد العام التونيس‬
‫للشغل والتي وثقت فرتة النضاالت التي خاضها‬
‫العامل يف فرتة السبعينات وأبرزها احتفاالت غرة‬
‫ماي ‪ 1972‬والنضاالت التي خاضها االتحاد يف معركة‬
‫‪ 26‬جانفي ‪.1978‬‬
‫االتحاد العام التونيس للشغل منذ تأسيسه يويل‬
‫للمرأة العاملة األهمية الالزمة وهي التي أثبتت‬
‫حضورها الدائم ومشاركتها يف جميع املحطات‬
‫النضالية التي خاضها النقابيات والنقابيون‪.‬‬
‫القضية الفلسطينية حارضة يف وجدان النقابيني‬
‫وحارضة يف املعرض من خالل صور توثق ملختلف‬

‫لعالقة املنظمة بالفلسطينيني قيادة وشعبا من أجل‬
‫دعم القضية ومناهضة الصهيونية‪.‬‬
‫ست محطات كربى تعرض‬
‫لوحة حائطية تعرض ّ‬
‫فيها النقابيات والنقابيون لالعتداءات من أجل رضب‬
‫وحق اإلرضاب وتوزعت عىل ثالث‬
‫الحق النقايب ّ‬
‫مراحل تاريخية ‪ :‬فرتة االستعامر من خالل أحداث‬
‫‪ 5‬أوت ‪ 1947‬والنفيضة ‪ 21‬نوفمرب ‪ ،1950‬فرتة حكم‬
‫بورقيبة من خالل أزمتي ‪ 26‬جانفي ‪ 1978‬و ‪،1985‬‬
‫ث ّم فرتة حكم الرتويكا يف الفرتة االنتقالية بعد ‪14‬‬
‫جانفي وهي إرضاب البلديات واالعتداء عىل مقرات‬
‫االتحاد يف فيفري ‪ 2012‬واعتداءات ‪ 4‬ديسمرب ‪.2012‬‬
‫اختتام املعرض كان من خالل استعراض تاريخ جريدة‬
‫الشعب لسان حال االتحاد العام التونيس للشغل‬
‫ودورية صدورها واألزمات التي مرت بها الجريدة‪.‬‬
‫تجدر اإلشارة إىل أنه ألول مرة ت ّم عرض صور لجريدة‬
‫الشعب الرسية التي كانت تُكتب وتُطبع وتُوزع‬
‫رسية ورافقتها حمالت االعتقاالت‪.‬‬
‫بصفة ّ‬

‫‪14‬‬

‫الخميس ‪ 4‬ماي ‪ - 2016‬املوافق لـ ‪ 27‬رجب ‪ - 1437‬العدد ‪48‬‬

‫الساللة‬
‫أبناء ّ‬
‫عبد الفتاح بن حمودة‬

‫ليس من السهل أن تكون يف الل ّّج‪ ،‬حيث غامر الكتابة البهيج‪ .‬ليس من السهل أيها الكاتب أن تصنع لنفسك مرك ًبا‪،‬‬
‫ٍ‬
‫سنوات طويل ًة ‪ -‬عليك أن تكون يف الل ّّج‪،‬‬
‫النص‪ ،‬وبعد أن تصنعه ‪ -‬وهذا سيأخذ منك‬
‫فابدأ بصنع مركب أوالً‪ .‬مركبك ّ‬
‫فمن بقي فوق اليابسة م ّيت ال محالة‪.‬‬
‫سبيل األولني أبنا ِء السالل ِة‪ ،‬أبنا ِء جلدتكَ ودمك يف الكتابة‪.‬‬
‫اخرت َ‬
‫نصوصا شعري ًة وقصصية تصل إىل ملحق «منارات ثقافية» تباعا لرتى النور وقد‬
‫خطرت كل هذه األشياء وأنا أقرأ ً‬
‫قبل أثناء الوالدة واملخاض‪ .‬ويف كل مرة أَقرأ شيئا مختلفا ومبهجا‪ .‬وسعاديت ال توصف حقا مبشاركتي إ ّياكم‬
‫رأته من ُ‬
‫أبنا َء الساللة‪/‬الكتاب ِة يف لحظة اسمها القراءة‪ ،‬فهذه املتعة التي وفرتها يل نصوصكم هي التي جعلتني أحيا وأتجدّد‪.‬‬

‫شكرا لكم أصدقا َيئ املمسوس َني بجنون الكتابة ألنكم وهبتموين ووهبتم ق ّراء «منارات ثقافية» ضوءا آخ َر‪.‬‬
‫اخرتنا لكم يف العدد الجديد أصواتا من مختلف املشارب والحساسيات واألعامر‪ ،‬ونصوصا بعيدة عن الكلامت املدرسية‬
‫الصمت‬
‫املتخشبة والشعارات الرنانة التي سيطرت عىل املشهد األديب يف تونس طيلة عقود‪ .‬اخرتنا لكم أصواتا تحفر يف ّ‬
‫أعمدة من النور بأياد جريحة ودماء ساخنة‪.‬‬
‫وال يفوتني أبدا أن أح ّيي كل األصدقاء املشاركني يف هذا العدد‪ :‬وحنان شلبي ومحمد جالصية وسفيان رجب وأحمد‬
‫حمودة واألصدقاء من املغرب الشقيق ‪ :‬سعيد الباز ومن مرص الشقيقة ‪ :‬عبد النبي فرج‪ .‬يف انتظار نصوص أخرى من‬
‫تونس وكل الدول العربية الشقيقة‪.‬‬

‫سعيد الباز ‪ -‬شاعر ومترجم مغربي‬

‫الزنجي األبيض لـ«فيليب سوبو»‬
‫ ‪Philippe Soupault‬‬‫«من ال أ ّم له‪ ،‬من ثدي ج ّدته يرضع» (ماكسيم بامبريا)‬
‫عىل سبيل االستهالل‪:‬‬
‫يف وقت احتلت فيه بلدان‪ ،‬وأخرى يت ّم االستعداد‬
‫الحتاللها‪ .‬وقت سقط فيه الدكتاتور تلو اآلخر‪ ،‬كانت‬
‫هناك هايتي األخرى القابعة يف املتخيّل الروايئ بوصفها‬
‫أرض الثورات األوىل التي عرفتها أمريكا الوسطى‬
‫والجنوبية بأرخبيالتها الضائعة يف املحيط ‪.‬‬
‫هايتي العبيد‪ .‬هايتي العسكرياتية املزمنة‪ ...‬ثم أخريا‪،‬‬
‫هايتي فيليب سوبو الشاعر والروايئ السوريايل‪ .‬وهذا‬
‫النص الذي يحمل عنوان «الزنجي األبيض» هو القصة‬
‫التي يستهل بها كتابه املعروف «الزنجي»‪:‬‬
‫كان ذلك يف هايتي حيث ولد سولوك سنة ‪ 1782‬ببويت‬
‫جواف‪ .‬األشجار العظيمة تهدهد الريح والنعاس‪ .‬عبد‬
‫آخر ولد‪ :‬فوستان‪ ،‬الصغري يف مهده يرصخ‪ ،‬مي ّد يديه‬
‫ليحضن الشمس‪ .‬صار اآلن كبريا‪ ،‬ربمّ ا عرش سنوات‪،‬‬
‫يأكل الفواكه الكبرية تحت ظلّ نخلة‪ .‬أياما بعدها‬
‫يعود تحت نخلته ليخفي دموعه وغيظه‪ .‬السيد‬
‫أدماه بالرضب املربح‪ .‬فوستان يرتقب الليل للفرار‪ ،‬ويف‬
‫انتظار الظالم يثور‪ ،‬ينزع ألياف الجذع يعض قبضتيه‬
‫ويطأطئ رأسه من الخزي من العار ألنه عبد‪ .‬ورغم‬
‫جروحه ينتصب ويرصخ‪ ،‬ينتظر الليل ونهار انتقامه‪.‬‬
‫هاهو أخريا خادم لدى الجرنال المار‪ .‬لديه بذلة‬
‫خاصة‪ ،‬جميلة ال يرتديها أبدا‪ ،‬لكنه بولَ ٍه يفرك أزرارها‬
‫النحاسية الجميلة‪ ،‬يسري خلف الجنود‪ ،‬يتدرب‪ ،‬صديقا‬
‫لكل الشخصيات النافذة‪ ...‬طلقات البنادق ورصاخ‪:‬‬
‫املوت للحاكم؟ املوت‪ ،‬املوت؟‬
‫إنها الثورة‪ .‬هي األوىل‪.‬‬
‫فوستان سولوك بخنجر بني أسنانه أول من يدخل قرص‬
‫الحاكم‪ ،‬ميزق األفرشة‪ ،‬ينزع الستائر‪ ،‬يحطّم كل ما يقع‬
‫تحت يده‪ .‬مل يره أحد‪ .‬جنديّا‪ ،‬هو تحت املراقبة‪.‬‬
‫لكن ذات ليلة‪ ،‬يذهب للقاء أصدقائه‪ ،‬يقول إلخوانه‪،‬‬
‫أخطروا أهاليكم‪ ،‬زوجاتكم‪ ،‬وأوالدكم‪.‬‬
‫يف الغد‪ ،‬هو من سيطلق الطلقة األوىل‪ ،‬سيشعل النار‬
‫يف بيت السيد‪ .‬نار‪ ،‬عظيمة كالشهب االصطناعية‪.‬‬
‫ثورة‪ .‬هي النرص‪.‬‬
‫سنوات متيض‪ ،‬سولوك مالزم‪ ،‬رائد‪ ،‬قائد‪ ،‬ينتظر‪.‬‬
‫فوستان سولوك عينّ جرنال فيلق‪ ،‬بال رحمة وال شفقة‬
‫يأمر‪ ،‬و ال يتساهل يف االنضباط‪ .‬فيلقه األفضل تدريبا‪،‬‬
‫األكرث معرفة‪.‬الجرنال سولوك مهاب الجانب‪ .‬هو من‬
‫كلّف بحراسة قرص رئيس الجمهورية الجرنال رييش‪.‬‬
‫هو السيد مييل‪ ،‬يأمر‪ .‬الجميع يطيعه‪ .‬الرئيس يخشاه‪.‬‬
‫الجرنال‪ /‬الرئيس يحترض‪ .‬ال أحد يعلم بذلك‪ .‬سولوك‬
‫وحده ينتظر النزع األخري‪ .‬ال يطيق صربا يدخل حجرة‬
‫الرئيس ويقيس بدلة املحترض‪.‬‬
‫«سولوك يتأ ّوه الجرنال رييش‪ ،‬سولوك‪ ،‬س ّممتني»‪.‬‬

‫الساعة‪ ،‬ساعته‪ .‬األوامر كلّها‬
‫فوستان ال يجيب‪ ،‬ينتظر ّ‬
‫أعطيت‪ ،‬وستنفذ‪ .‬يطل من النافذة‪ .‬نعم‪ ،‬أصدقاؤه‬
‫هنا‪ ،‬بالكامل‪ ،‬يشري إليهم‪:‬‬
‫«انتظروا أيضا بعض الوقت‪ ،‬وتيقظوا‪.»...‬‬
‫األول من مارس ‪ ،1847‬الجرنال رييش‪ ،‬رئيس الجمهورية‬
‫لهايتي ميوت‪ ،‬سولوك يعينّ رئيسا‪ .‬إنّه املجد‪.‬‬
‫فوستان وحده يف الحجرة الرائعة املعقودة باملخمل‪،‬‬
‫املفروشة باألرائك املذ ّهبة‪ .‬عىل الحائط مث ّة مرآة كبرية‪:‬‬
‫فوستان ارتدى أجمل بدلة‪ ،‬معجبا بنفسه‪ ،‬ينفش‬
‫صدره‪ ،‬يخطو بضع خطوات‪ .‬يفكّر يف نابليون األول‪.‬‬
‫من دقّ الباب؟ من هناك؟ سولوك يتناول مس ّدسه‪ .‬من‬
‫هناك؟ ربمّ ا شبح‪ ،‬شبح الجرنال رييش‪ .‬سولوك يشعر‬
‫بالخوف‪ ،‬خوف فظيع‪ ،‬يعرف جيدا أ ّن لديه أعداء‪،‬‬
‫أعداء كثريين‪ .‬غدا سينفيهم أو سيقتلون‪ ،‬سرنى جيدا‪،‬‬
‫يفكر يف الذين ساعدوه‪ ،‬يف الذين قاموا بالثورة‪ ،‬يف‬
‫الذين كانوا يرصخون‪:‬‬
‫«املوت للطغاة»‪ .‬يف الغد‪ ،‬يأمر مبذبحة للزنوج الذين‬
‫كانوا أصدقاءه‪ ،‬ولهؤالء الخالسيني الذين يريدون‬
‫الثورة‪.‬‬
‫إنه اإلرهاب‪ .‬جواسيسه يخربونه بأ ّن الجنود غري‬
‫راضني‪ .‬سيتخلّص منهم‪ ،‬سيجعلهم ميوتون‪ ،‬يجتاح‬
‫تراب جمهورية الدومينيك‪ .‬إنّها الحرب‪ .‬سولوك‬
‫منترصا‪ ،‬يعلن‪« :‬أيّها الجنود‪ ،‬أنتم شجعان‪ ،‬أنا راض‬
‫عنكم» أوسرتليتز‪.‬‬
‫اآلن‪ ،‬هو السيد‪ .‬يريد أن يكون إمرباطورا مثل نابليون‬
‫بونبارت‪ ،‬نابليون األ ّول‪ ،‬نابليون اإلمرباطور‪ .‬فوستان‬
‫سولوك‪ ،‬فوستان األ ّول‪ ،‬فوستان اإلمرباطور‪.‬‬
‫عىل مجلس الشيوخ أن مينحه العرش‪ .‬إنّه أمر‪ .‬هاهم‬
‫الشيوخ‪ .‬الشيوخ كلهم بأرديتهم الجميلة يقرتبون‬
‫من القرص‪ .‬بال تاج‪ ،‬لقد نسوا التاج‪ ،‬ليصنع يف الحال‪.‬‬
‫الشيوخ سينتظرون‪.‬‬
‫التاج الورقي املذهب جاهز‪ .‬الشيوخ يقدمونه‪،‬‬
‫فوستان سولوك يقبل العرش‪.‬‬
‫إىل السيد جوس‬
‫الصائغ بباريس‪.‬‬
‫فرنسا‪.‬‬
‫س ّيدي‪ .‬أرسلوا إ ّيل ببور أوفرانس‪ ،‬هايتي‪ ،‬تاجا من‬
‫الذهب مثل ذلك الذي لنابليون‪.‬‬
‫فوستان األول إمرباطور هايتي‪.‬‬
‫‪------------------‬‬‫*حاشية‪ :‬أرسلوا أيضا‪ ،‬تاجا من الذهب من أجل‬
‫زوجتي أدلينا‪.‬‬

‫يأمر أيضا بعرش‪ ،‬ثم ببدلة إمرباطورية‪ .‬ترسم له لوحة‪،‬‬
‫مينع مخاطبته بصيغة املفرد‪ .‬الجرناالت املحرتمون‬
‫ستكون لهم ألقاب‪ .‬يس ّن سلكا للنبالء باسم القديس‬
‫فوستان‪ .‬هاهو ال ّدوق ليمونادا‪ .‬ها هو ترو بونبون‪ .‬ها‬

‫أحمد حمودة‬

‫منوبية‬
‫هو الكونت رقم اثنني‪.‬‬
‫اإلمرباطور وحاشيته‪ .‬يعلم جيدا أنّه فجأة صار نصب‬
‫أعني العامل‪ .‬تتحدث عنه جرائد فرنسا وانجلرتا‪ .‬يقول‬
‫«أريد» ف ُيطاع‪ .‬يجعل الرضائب تنهمر كاملطر‪ .‬ومن‬
‫يرفض السداد مصريه املوت‪.‬‬
‫ليعدم أولئك الذين يتذمرون ؟ لكن كلّ الجنود‬
‫ميقتونه‪ .‬يعرف ذلك‪ ،‬الجنود مه ّمتهم الحرب‪ ،‬من‬
‫أجل ذلك خُلقوا‪ ،‬وسيحاربون‪ .‬للم ّرة الثانية سيجتاح‬
‫جمهورية سان دومنيك‪ .‬يرمي بجيشه إىل مذبحة‬
‫بسان تومي‪...‬‬
‫الهزمية‪ .‬تف ّر الكتائب‪ .‬ها هي ذي بسامبا الرجا‪.‬‬
‫الدومنيكيون يطاردونه‪ .‬فوستان األول يقاتل مبا تبقّى‬
‫من جنوده يف معركة أخرية‪ .‬ينهزم‪ .‬إنّه االنكسار‪ ،‬يصل‬
‫أول هارب إىل القرص‪ .‬يعلم أنّه قد خلع عن عرشه‪ ،‬وأ ّن‬
‫صديقه املفضل الجرنال جيفرارد حلّ محله‪ .‬يهرب‪.‬‬
‫يتأس بالتفكري يف سانت هيالنة‪.‬‬
‫منفيا مثل نابليون‪ .‬ىّ‬
‫وحيدا‪ ،‬يشتمه شخص أبيض «أيّها الزنجي القذر»‪،‬‬
‫صبي يرصخ يف وجهه «يا مل ّون» يختبئ‪ ،‬وليأكلَ ‪،‬‬
‫ّ‬
‫يجم ُع كرسات الخبز البالية‪.‬‬
‫ذات يوم يصادف أحد أعدائه‪ ،‬شعر بالخوف‪،‬‬
‫سيقتلونه‪ .‬بعد كلّ ما حدث‪ ،‬ماذا ميكن أن يقع له؟‬
‫لعرش سنوات يف ّر من بلد إىل آخر‪ .‬يفكّر يف جزيرته‪.‬‬
‫يسعل‪ ،‬يشعر بالربد‪ ،‬وبالجوع‪ .‬شمس هايتي‪ ،‬النخيل‪،‬‬
‫النخيل الفارع‪ ،‬الحرارة‪ ،‬خصوصا الحرارة‪.‬‬
‫عرش سنوات مضت‪ .‬ربمّ ا مل يعد أحد يتذكر‪ .‬لقد شاخ‪.‬‬
‫ال أحد سيتع ّرف عليه‪ .‬يبحر غاسال للصحون بإحدى‬
‫السفن‪ .‬هايتي‪ .‬إنّها هايتي‪ .‬يصعد عىل ظهر السفينة‬
‫لريى الجزيرة‪ .‬يطردونه‪.‬غري مهم‪.‬‬
‫عىل رصيف امليناء يتج ّول‪ ،‬ال يعرف أين هو‪ ،‬يدور‪،‬‬
‫ويدور‪...‬‬
‫بهايتي ‪ 1867‬مات مثل كلب‪ ،‬ال أحد قد تع ّرف عليه‪.‬‬
‫عاش اإلمرباطور؟‬
‫‪--------‬‬‫هوامش‪:‬‬
‫ يعتمد املؤلف الجمل القصرية وتقنية الحذف أسلوبًا مم ّيزا‬‫لكتابته‪.‬‬
‫ أوسرتليتز‪ :‬يف األصل قرية مبورافيا‪ ،‬شهدت وقائع معركة شهرية‪،‬‬‫انترص فيها نابليون بونبارت عىل النمساويني والروس يف ‪ 2‬ديسمرب‬
‫‪.1805‬‬
‫ سانت هيالنة‪ :‬الجزيرة التي نُفي إليها نابليون أواخ َر حياته‪.‬‬‫ فيليب سوبو‪ :‬شاعر وروايئ فرنيس‪ ،‬من مؤسيس الحركة السوريالية‬‫رفقة اندريه بروتون‪ ،‬ولويس أراغون‪ ،‬وإيلوار‪ ..‬مع ذلك ظلّ هامشيا‬
‫وبعيدا عن األضواء‪ .‬من أعامله املشهورة مساهمته يف إنجاز الكتاب‬
‫الشعري السوريايل الشهري‪« :‬الحقول املغناطيسية» رفقة بروتون‪.‬‬
‫وإىل سوبو تعود الجملة االفتتاحية املعروفة «سجناء قطرات املطر‪،‬‬
‫لسنا سوى حيوانات أبدية»‪.‬‬

‫ال تحمل من األنوثة‬
‫إال اسمها‪ ،‬تلبس‬
‫لباس الرجال‪ ،‬تدخن‬
‫السجائر‪ ،‬مشيتها‪ ،‬نربات صوتها ال يوحيان إليك‬
‫أنها امرأة‪.‬‬
‫نعم هي امرأة وال أحد يعرف من أين جاءت‬
‫ومتى سكنت يف نزل شعبي يتوسط قاع املدينة‬
‫العتيقة‪ .‬عائلتها التي تعيش بينها قطط النزل‬
‫والجريان‪.‬‬
‫تعرتضني صباحا‪،‬‬
‫صباح الخري منوبية‪.‬‬
‫ ال ترد !؟‪-‬‬‫وتعض شفتها املرتهلة وإذا أعدت‬
‫تحرك رأسها ّ‬
‫مخاطبتها تفاجئك بـ «ب ّرى»‪...‬‬
‫هي ال تعرف إال الكالم البذيء والفاحش حتى‬
‫قيل يف شأنها‪ :‬كانت مومسا‪ .‬وملا كربت وقضمت‬
‫السنون عمرها تقيّأها ماخور بعد أن تعفنت‬
‫يف أحشائه‪.‬‬
‫هكذا حال املومسات‪.‬‬
‫منوبية ال تشحذ وإذا أعطيتها ماال تأخذه‬
‫وتبتسم وإذا ابتسمت لها ترجعه إليك مع ربح‬
‫لفظي مق ّزز «ب ّرى»‪...‬‬
‫سألت عم صادق صاحب املقدمة واملؤخرة‬
‫الكبريتني الفائضتني املرابط دوما يف مستودع‬
‫النزل يتاجر يف العملة الصعبة يساعده محمد‬
‫عيل تاجر كل يشء‪ .‬نعم كل يشء‪.‬‬
‫ أتعرف منوبية عم صادق‪،‬‬‫أخذ نفسا من السيجارة‪ ،‬نفثها‪ ،‬تنهد‪ّ ،‬‬
‫حك رأسه‪.‬‬
‫ نعم‪ ،‬مل يكمل الحديث ناداه أحدهم‪ ،‬قمت‬‫من مكاين قصدت املسؤول عن النزل‪.‬‬
‫هل تعرف منوبية‪ ،‬نعم كانت زوجة عم صادق‪،‬‬
‫افرتقا بعد ِعرشة نكدة‪ ،‬هي انغمست يف الرذيلة‬
‫املقننة وهو يف التجارة املحرمة‪.‬‬
‫وأنا مشدوه مبا أسمع‪ ،‬م ّرت أمامنا امرأة شبه‬
‫عارية‪ ،‬نظرت اليها منوب ّية الخارجة من النزل‪،‬‬
‫نطقت عهرا‪.‬‬
‫ مومس؟ ما أكرثكن يف هذا الزمن الكلب‬‫وقهقهت‪...‬‬
‫سمعتها املرأة‪ ،‬التفتت‪ ،‬صاحت يف وجهها‪.‬‬
‫أمي منوبية‪ ،‬متى نصبح رشيفات‪.‬‬
‫ ّ‬‫أجابتها م ّنوبية مبتسمة‪:‬‬
‫‪ -‬حني تنقرض املومسات يا ليىل!‬

‫‪15‬‬

‫الخميس ‪ 4‬ماي ‪ - 2016‬املوافق لـ ‪ 27‬رجب ‪ - 1437‬العدد ‪48‬‬
‫سفيان رجب‬

‫حنان شلبي‬

‫بال ذاكرة‪...‬‬
‫متطط عىل كرسيه بنشوة ضارية‪ ...‬سحب أنفاسه‬
‫بعمق‪ ،‬فاتسع صدره وقزقز من تحته كرسيه الخشبي‬
‫القديم الذي مل يغادره ليلة بأكملها رغم جو الغرفة‬
‫البارد الحزين‪ ...‬وأخريا أنهى قراءة زوربا اإلغريقي‪ ،‬قرأها مرتجمة إىل‬
‫العربية رغم عدم إتقانه لهذه اللغة التي طاملا كانت نقطة ضعفه يف‬
‫املدرسة‪ ...‬هو محاسب يف البنك‪ ...‬رام لغة األرقام ورامته‪.‬‬
‫ألقى برأسه عىل طاولة املكتب املكسوة بالغبار وبرماد سجائر البارحة‪...‬‬
‫أغمض عينيه الورديتني وقد هدهدهام األرق‪ ،‬وإذ بأسطر الرواية تقفز‬
‫مجددا إىل ذهنه وبالصور التي ركبها تستقر يف مخيلته‪ ...‬ألكسيس كان‬
‫حرا ومجنونا‪ ،‬تلك هي الحكمة رمبا‪ ...‬وذلك ما كان ينقصه رمبا‪ :‬أن تتحرر‬
‫وتحيا الحياة مبنتهى الجنون‪ ...‬انتابه احساس بأنه عبد لربطة العنق التي‬
‫يرتديها كل يوم‪ ،‬عبد للحاسوب الذي يجلس خلفه يف العمل كل يوم‪...‬‬
‫ولطيف الحسناء التي يحلم أن يتزوجها يوما ما‪...‬‬
‫يلف‬
‫انتبه فجأة إىل أن كل ما يحيط به ليس سوى غالف معتم قاتم ّ‬
‫الحياة ويغيش رؤاه‪ .‬صوت املرتو قطع أفكاره‪ ...‬رفع رأسه‪ ،‬نظر إىل‬
‫الساعة الحائطية‪ ...‬إنها تشري إىل السادسة صباحا من ذلك اليوم الشبيه‬
‫بكل األيام‪ ...‬ال يفصله عن موعد العمل سوى ساعتني‪ .‬اتجه إىل املطبخ‬
‫بخطوات متباطئة مرتنحة‪ ...‬وضع قليال من الحليب يغيل ليعد قهوته‪،‬‬
‫واستدار نحو الشباك ليفتحه‪ ...‬كان البلور مكسوا بندى‪ ..‬دون ان يشعر‪،‬‬
‫امتدت يداه اليه ورشعت أصابعه ترسم برفق أشكاال غريبة‪ ...‬هي أقرب‬
‫ما يكون إىل أرقام‪ ...‬نظر إليها وابتسم ابتسامة مائلة ساخرة‪ ،‬لكنه ال‬
‫يدرك مام كانت سخريته‪ ...‬هو هكذا دوما‪ ،‬غامض‪ ،‬رغم بساطة حياته‬
‫وسطحيتها‪ .‬فتح الشباك‪ ،‬أطل إىل األسفل‪ ...‬ال يشء جديد‪ ...‬هو املنظر‬

‫عبد النبي فرج (قاص من مصر)‬

‫ِخ ْزي‬
‫كان يعل ُم أ ّن قضا َء الل ِه قد نفذَ‪ ،‬ول ْن مي َّر الليلُ إالَّ‬
‫وقد س ِم َع طلقًا ناريًّا يرش ُخ الفضا َء‪ ،‬وتخر ُج رصاصة‬
‫رأس ابنه وينتهي أمره‪ ،‬وأنَّه ال ق َّوة‬
‫صفراء‬
‫لتنغرس يف صدر ِه‪ ،‬أو تُف ِّجر َ‬
‫َ‬
‫يف ِ‬
‫ذلك؛ َ‬
‫األرض تستطي ُع أن متن َع َ‬
‫لذلك أخ َذ يبيك وح َده يف الغرف ِة بع َد‬
‫عم حدثَ ‪ ،‬أو سيح ُدثُ ‪ ،‬ثم برق يف‬
‫أ ْن ْ‬
‫نامت زوجتُ ُه؛ التي ال تعلم شيئًا اَّ‬
‫ِ‬
‫صل‬
‫رش ِع الل ِه‪ ،‬ويُ ىَّ‬
‫رأسه سؤالٌ ‪ :‬والجثَّة؟ أري ُد الجثَّةَ‪ ،‬أري ُد أن يُغ ََّسلَ عىل ْ‬
‫وأعرف له ق ًربا‪ ،‬أزو ُر ُه م َع أوال ِد ِه وزوج ِت ِه وأُ ِّمه امل َْسكين ِة‪ .‬ظلَّ يُحاولُ‬
‫عليه‪ُ ،‬‬
‫القيا َم وجس ُد ُه يُعان ُد ُه‪ ،‬خا ِمالً‪ ،‬غ َري قاد ٍر عىل الحرك ِة‪ ،‬عان َد وهو يستن ُد‬
‫عىل الكنب ِة‪ ،‬وفر َد طولَه‪ ،‬ث َّم التق َط الجالبي َة الكشمري من عىل املِ ْسامر‬
‫وارتداها‪ ،‬وخر َج من البيت‪.‬‬
‫الباب بهدوء؛ حتى ال تقوم زوجتُه وتسألُه أسئل ًة ل ْن يستطي َع‬
‫َ‬
‫أغلق ورا َءه َ‬
‫لت إىل مقرب ٍة‪،‬‬
‫اإلجاب َة عنها‪ ،‬ال أح َد يف الشَّ ارع‪َ ،‬ص ْم ٌت‪ ،‬كأ َّن البلد تح َّو ْ‬
‫ِ‬
‫اللمبات املزرو َع ِة يف عواميد اإلنار ِة‪ ،‬شَ َع َر بالرب ِد م ْن‬
‫أضوا ٌء صفرا ُء تب ُّخ م ْن‬
‫ِ‬
‫موجات ال َه َوا ِء البار ِد الَّتي تنف ُذ إىل عظا ِم ِه‪.‬‬
‫الصقيعِ املتو ِّح ِش؛ م ْن‬
‫هذا َّ‬
‫ارتعش‪ ،‬فأخر َج سيجارةً‪ ،‬جاه َد حتَّى أشعلَها‪ ،‬سخونة تجتا ُح جس َده‪،‬‬
‫َ‬
‫السيجار ُة دو َن أن يدري‪ ،‬تجاو َز‬
‫لينبت عرقٌ بار ٌد عىل جبه ِت ِه‪،‬‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫سقطت ِّ‬
‫َّريق مرتبًا ومظلِماً متا ًما‪،‬‬
‫َ‬
‫خاص بهم‪ ،‬كان الط ُ‬
‫املوقف ودخلَ يف طريق ّ‬
‫أنصت إىل صوت الكالبِ ‪،‬‬
‫وإضاءة القرص‪ ،‬تأيت من بعيد كثيفةً‪ ،‬اقرتب‪َ ،‬‬

‫نفسه‪ :‬سكك املرتو الصدئة املتقاطعة‪ ،‬بعض أطياف املارة املتسارعني‬
‫التائهة عيونهم‪ ،‬الشاردة أذهانهم‪ ،‬شُ جريات متشابكة األغصان تناست‬
‫البلدية تقليمها‪ ...‬لقد مل هذا املنظر‪ ...‬كم يشتهي أن يفتح الشباك يوما‬
‫ما فيطل عىل بحر‪ ...‬رمبا تنتقل جزر الكراييب إىل هنا‪ ...‬ملَ ال؟ أعجبته‬
‫الفكرة‪ ...‬وعادت إليه ابتسامته الساخرة مجددا‪ ،‬ولكنه يعي هذه املرة‬
‫من أي يشء يسخر‪ ...‬من خياله الذي اتسع فجأة دون سابق إنذار‪ .‬آه‬
‫تذكر قهوته‪ ...‬إنها اآلن جاهزة‪ ...‬تكفيه قطعة السكر الوحيد كالعادة‪،‬‬
‫ال‪ ،‬ال‪ ،‬سيغري طعم قهوته هذه املرة‪ ...‬أضاف قطعة أخرى‪ ،‬فشعر فجأة‬
‫بنشوة عالية‪ ...‬مل يستطع تفسريها‪.‬‬
‫استلقى عىل األريكة مرتشفا قهوته الغريبة الطعم يومها‪ ...‬أفاق قليال‪...‬‬
‫أحس برغبة جامحة يف أن يرقص رقصة زوربا‪ ...‬وكان لنفسه ذلك‪،‬‬
‫اعتدل واقفا‪ ...‬أطلق ذراعيه وانساب اللحن بسالسة يف مخيلته‪ ...‬أخذت‬
‫خطواته تتحرك برفق‪ ،‬وإحساس عجيب يولد يف داخله ببطء‪ ...‬شبيه‬
‫بلذة االنعتاق من ه َم ما‪ ...‬من قيد ما‪ ...‬من يشء ما ال يدرك ماهيته‪...‬‬
‫كأن الرقصة حررته‪ ،‬رمبا من نفسه‪ ...‬كان قلبه يخفق‪ ،‬ينتفض يف صدره‬
‫كعصفور جريح‪ ،‬وروحه تصعد عاليا‪ ...‬شيئا فشيئا‪ ...‬كأمنا هنالك صوت‬
‫يف األعىل يناديه‪ ...‬وصوت آخر من الداخل يطرده بعيدا عن نفسه‪،‬‬
‫عن ذاته‪ ...‬كان يرى ظالال تنبت يف هاالت من الظلمة‪ ...‬استمر يرقص‬
‫مغمض العينني‪ ...‬مثالً‪ ...‬يدور حول نفسه‪ ،‬كام كان يفعل دوما‪ ...‬لكن‬
‫بشكل آخر هذه املرة‪ ...‬فجأة فقد توازنه‪ ،‬سقط ليصطدم رأسه بحافة‬
‫الطاولة املعدنية التي تتوسط قاعة الجلوس‪ ،‬ويفقد الوعي‪.‬‬
‫مرت ساعتان ومل يفق‪ ...‬ليفتح عينيه ببطء بعدها‪ .‬انقشع ذلك الضباب‬
‫من أمامهام‪ ...‬تأمل السقف‪ ،‬أدار عينيه الذابلتني يف غرفته‪ ...‬لكن بال‬
‫ذاكرة‪ ...‬ها قد تحرر منها‪ ...‬من قيد تفاصيلها‪ ،‬نهض متثاقال‪ ،‬لكن ال‬
‫أفكار وال ذكريات تُثقلُه‪ .‬إنه اآلن حر من سلم األزمنة‪ ...‬من إسمه‪ ،‬منه‪...‬‬
‫من تفاصيل زوربا اإلغريقي‪ ...‬ولكن هناك حرشجة ما يف الجمجمة‪ ...‬ال‬
‫يدري ما هي‪...‬‬

‫السوداء الضَّ خمة تجري نح َوه يف رش َاس ٍة‪ ،‬وهو‬
‫ابتسم‪ ،‬جاءت‬
‫الكالب َّ‬
‫ُ‬
‫التفت حوله‪ ،‬أخذت تتش َّممه‪ ،‬وته ُّز ذيلَها‪ ،‬رك َع‬
‫يسري دون أن يبايل‪ ،‬حتَّى َ‬
‫السوداء ال َّناعمة‪ ،‬يُداع ُبها ويض ُع‬
‫يتحسس ظهو َر الكالبِ َّ‬
‫عىل ركبتيه وأخذ َّ‬
‫رص ُمبارشة‪.‬‬
‫ي َده يف ف ِمها‪ ،‬ث َّم قا َم وتو َّجه نحو الق ِ‬
‫«لن يحدثَ يش ٌء‪ ،‬أنا مج َّرد رجل عجوز مسكني‪ ،‬وال ميكن أب ًدا أ ْن يُف ِّك َر‬
‫وصلت إىل س ٍّن لو ت َّم قتيل فيه فسيكو ُن‬
‫للسن ُحك ٌم‪ ،‬وأنا‬
‫ُ‬
‫أح ٌد يف إيذايئ‪ِّ ،‬‬
‫السو ِء‪ ،‬هم يف ال ِّنهاي ِة‪ ،‬رجالٌ‬
‫عا ًرا عليهم إىل األبد‪ ،‬ث َّم هم ليسوا بهذا ُّ‬
‫أثريا ٌء شرُ فاء‪ ،‬أوال ُد أصو ٍل‪ ،‬دامئًا يعطفو َن عىل ال ِّرجا ِل املساك َني أمثايل‪،‬‬
‫وأنا طول ُعمري أعمل خدي َم َد ًاسا لهم‪ ،‬ولن ينسوا هذا‪ ،‬وكون ابني‬
‫أخطأَ َ‬
‫لست ض َّد أ ْن يُعاق ََب‪ ،‬ليرتكوا يل فقط جثَّة ابني؛‬
‫فسوف يُعاقَب‪ُ ،‬‬
‫أثق يف هذا‪.‬‬
‫ليعتربوها مكافأ َة نهاي ِة خدم ِتي‪ ،‬لن يخذلونيِ ‪ُ ،‬‬
‫السال ُح ُمو َّج ًها‬
‫الباب الحديد َّي؛ فخر َج الح َّر ُاس من ورا ِء البابِ ‪ ،‬وكا َن ِّ‬
‫دف َع َ‬
‫حارس‬
‫خمس دقائق فقط‪ ،‬رجا ًء‪ ،‬نظَ َر إل ْيه ٌ‬
‫إىل صد ِر ِه‪ :‬أري ُد أن أتكلَّ َم‪َ ،‬‬
‫ضخ ٌم وقال‪ :‬انتظ ْر‪.‬‬
‫اختَفَى داخلَ القرصِ‪ ،‬وعا َد بع َد فرت ٍة؛ ليفتح الب َّوابةَ‪ ،‬ويدعه يدخلُ ‪ُ ،‬‬
‫يعرف‬
‫رص ج ِّي ًدا؛ َ‬
‫السال ُم عليكم‪،‬‬
‫ذهب مبارش ًة حيثُ يجلسونَ‪ ،‬قال‪َّ :‬‬
‫لذلك َ‬
‫الق َ‬
‫الصالون يف الدو ِر‬
‫ايس املذ َّهب ِة يف َّ‬
‫مل يرد أح ٌد‪ ،‬كانوا يجلسو َن عىل الكر ِّ‬
‫ِ‬
‫األرضيِ ِّ ‪ ،‬مل ي ْدعه أح ٌد إىل‬
‫رضا‪ ،‬كائناتٌ‬
‫الجلوس‪ ،‬أو ِ‬
‫الكالم‪ ،‬الكلُّ كا َن حا ً‬
‫تجلس بثق ٍة ومقد َر ٍة‪.‬‬
‫عف َّيةٌ‪ُ ،‬‬
‫أخ َذ يتكلَّ ُم ع ْن ُح ْر َم ِة ال َج َس ِد وأ َّن التَّنكيلَ بال ُج ِ‬
‫ليس م ْن ِشيمِ‬
‫ثث َ‬
‫رش ِ‬
‫اف‪ ،‬أخ َذ يُرثث ُر عن الشَّ بابِ امل ِ‬
‫ضاعت يف‬
‫ُنفلت‪ ،‬وع ْن الحيا ِة التي‬
‫ْ‬
‫األ َ‬
‫السام ِح‪ ،‬ال ِك َر ِام‪ ،‬وأنَّه يُري ُد فق ْط أ ْن يُوار َي َج َسد‪...‬‬
‫أروق ِة القرص‪ ،‬وأه ِل َّ‬
‫فانطلقت رصاص ٌة يف صد ِر ِه أردتْ ُه قتيالً‪.‬‬
‫ْ‬

‫َوصايا ح ّتى‬
‫عك‬
‫ال َي ْت َب َ‬
‫ِظ ُّلك‬

‫‪-1‬‬‫ال تَطْل ُْب ِمن الذي يَ ْنظُر إىل ُحدو ِد ِحذائِه‬
‫أن يَ ِص َف لك ال َغ ْي َمة‪،‬‬
‫فقط ضَ ْع يف بالِ ِه‬
‫أ َّن األشْ ياء البيضاء الخَفيف َة التي تَط ُري عاليًا‬
‫دوسه!‬
‫تُش ِب ُه ما يَ ُ‬
‫ا ْم َن ْح فُ ْر َص ًة لأل ْح ِذية كيَ ْ تَضْ َحك قليال‬
‫يف أُفُقِ َح ِض ِيضه!‬
‫‪-2‬‬‫َ‬
‫لْ‬
‫الس الذي َح َّولَ التّفاح‬
‫عن‬
‫أ‬
‫َس‬
‫ال ت ْ‬
‫رِّ‬
‫من بُ ْستانِ جارك إىل ُصدور بَناتِه البالغات‬
‫فقط‪،‬تَ َذكَّر أ َّن كُلَّ قَضْ َم ٍة هي قَ ْف َزة خارج َج َّن ِة طُفولَ ِتك‬
‫‪-3‬‬‫ال تدع ظلّك يتبعك‪.‬‬
‫وأنت تُغَاد ُر قَ ْر َ‬
‫يتك تحت ضَ ْوء القَمر‬
‫سيَطْع ُنك ِظلُّك ب ِخ ْن َج ٍر أزرق‬
‫ُع ْد إىل كو ِخك اآلن‬
‫وحني تَتَخلَّص من ِظلِّك‬
‫يمُ ْ ِك ُنك امل ُغادرة يف أَ ِّي َوق ٍْت تَشاء!‬
‫‪-4‬‬‫ِ‬
‫َّ‬
‫ُ‬
‫ال َخ ْوف والط َم ُع هام َجناحا ال َكذب‬
‫لك َّن ال َك ِذ َب ل ْي َس طائرا‬
‫وإ ْن كان كذلك‬
‫فال ت َُص ِّدقْ تَ ْحلي َق ُه أبدا‬
‫وال ت َُص ِّدقُ نَشيده أب ًدا‪ ..‬أب َدا!‬
‫‪-5‬‬‫ال تَ ُب ْح ِبسرِ ِّ َك لغَري ال َّنايات‬
‫حتى ت ُْص ِب َح فَضائِ ُح َك أُغْنيات!‬
‫محمد جالصية‬

‫برتبة رجل‬
‫كان طف ًال‬
‫يَلعب ال ُغ ّميضة مع املالئكة‬
‫يَلعب الورق مع الشياطني‬
‫يَلعب الكرة مع الحائط‬
‫يَلعب عريسا مع العروس الخشبيّة‪.‬‬
‫صار ر ُجالً‬
‫سيذهب إىل الجنديّة‬
‫سيتعلّم حلْق دموعه برسعة‬
‫سيتع ّود عىل ُرؤية ال ّنجوم يف الظهرية‬
‫عىل أكتاف الجرناالت‬
‫سيحرس الجند ّي املجهول من املجهول‬
‫سيعود برتبة َر ُجل‪.‬‬
‫سرتى أ ّمه من األصلح‬
‫تزويجه يف أقرب فتاة‬
‫عريسا‬
‫بينام العروس الخشبيّة مازالت تنتظر ً‬
‫ربمّ ا سيكون هذا الطفل!‬
‫ربمّ ا سيكون ذلك الرجل!‬

‫الخميس ‪ 4‬ماي ‪ - 2016‬املوافق لـ ‪ 27‬رجب ‪ - 1437‬العدد ‪48‬‬

‫‪16‬‬


Aperçu du document p03hab06.pdf - page 1/16
 
p03hab06.pdf - page 2/16
p03hab06.pdf - page 3/16
p03hab06.pdf - page 4/16
p03hab06.pdf - page 5/16
p03hab06.pdf - page 6/16
 




Télécharger le fichier (PDF)


p03hab06.pdf (PDF, 16.7 Mo)

Télécharger
Formats alternatifs: ZIP



Documents similaires


bibliographie
major bleeding trauma
lala
exposition des nouveautes 5 10 16
depliant colloque version finale
reikifil hedbo 01

Sur le même sujet..