Fichier PDF

Partagez, hébergez et archivez facilement vos documents au format PDF

Partager un fichier Mes fichiers Boite à outils PDF Recherche Aide Contact



Manarat7 .pdf



Nom original: Manarat7.pdf

Ce document au format PDF 1.4 a été généré par Adobe InDesign CS5 (7.0) / Adobe PDF Library 9.9, et a été envoyé sur fichier-pdf.fr le 17/09/2016 à 01:04, depuis l'adresse IP 197.0.x.x. La présente page de téléchargement du fichier a été vue 380 fois.
Taille du document: 20.3 Mo (16 pages).
Confidentialité: fichier public




Télécharger le fichier (PDF)









Aperçu du document


‫األصول ال ّثقاف ّية ال ّرقم ّية‬
‫لل ّثورات العرب ّية‬
‫بقلم ‪ :‬إيفز غونزالس ‪ -‬كويانو ‪Yves Gonzalez-Quijano‬‬
‫ترجمة ‪ :‬المنتصر الحملي‬

‫الملحق الثقافي لجريدة الشعب‬

‫سهولة اإلتصال‬
‫وأزمة التواصل‬
‫بقلم محمد الجاب ّلي‬

‫الخميس ‪ 1‬سبتمرب ‪ - 2016‬املوافق لـ ‪ 28‬ذي القعدة ‪ - 1437‬العدد ‪52‬‬

‫ا ّت ٌ‬
‫التواصل‪:‬‬
‫صال مع القليل من ُ‬

‫في ُمشكالت‬
‫ستبدة‬
‫الم ّ‬
‫الع ْين ُ‬

‫الكتابة ووسائل اال ّتصال الحديثة‬

‫العالمة اللغو ّية‬
‫ُرقتها‬
‫مختنقة بز َ‬

‫الشاعر الناصر الرديسي‪ :‬لـ «منارات»‬
‫الفضاء االفتراضي ساهم في إسقاط‬
‫نظام الحزب الواحد جثم على صدورنا‬
‫وأجرم لمدة أكثر من نصف قرن‪.‬‬

‫‪2‬‬

‫الخميس ‪ 1‬سبتمرب ‪ - 2016‬املوافق لـ ‪ 28‬ذي القعدة ‪ - 1437‬العدد ‪52‬‬

‫سهولة اإلتصال‬
‫وأزمة التواصل‬
‫محمد الجاب ّلّي‬

‫لكل مرحلة تاريخية عالمات‬
‫رمزية تسمها بسامت خاصة‪،‬‬
‫ومن أبرز عالمات فرتتنا الراهنة‬
‫هي ممكنات االتصال وانفتاح‬
‫األفراد والجامعات ‪ -‬يف باب‬
‫االستعامل ‪ -‬عىل قدرات توفّرها‬
‫الوسائط الرقمية عىل اختالفها وهذه القدرات ترتك مؤثرات مختلفة‬
‫عىل الذات الحديثة عموما ومنها عىل وجه الخصوص ما ترتكه من‬
‫أثر عىل الذات التي مل تقطع مع ذهنية اإلقطاع بإشكاالتها املتعددة‬
‫والتي مازالت تختزن أمنوذج الرتسل واملرسول بديباجات قدمية فضال‬
‫عن البنى النفسية واالجتامعية املنغلقة عىل نواتات متشظية تبدأ‬
‫من الفرد اىل العائلة والقبيلة والعشرية والجهة‪...‬‬
‫ويبدو أن املحدث اإلتصايل قد فعل فعله يف رج تلك البنى التقليدية‬
‫رجا أورث عديد املتغريات يف الذات سلبا وإيجابا وهو جدير بالدرس‬
‫يف املستويني االجتامعي والنفيس‪.‬‬
‫وما يعنينا يف هذا الباب‪ ،‬هي األسئلة املتعلقة خاصة بإعداد الناشئة‬
‫الذين فتحوا أعينهم وسط محيط يزخر باملمكنات التي تتجدد كل‬
‫برهة ومدى تسلحهم يف باب اإلحاطة ببعض املكتسبات الرتبوية يف‬
‫بيئتهم الحاضنة تقيهم خطر الغرق يف ذلك املحيط االتصايل ومتكنهم‬
‫من تقنني استعامله قصد اإلفادة منه؟‬
‫أسئلة أخرى ترتبط مبا توفره تلك الوسائط من ممكنات معرفية‬
‫وتربوية وبيداغوجية ومن ممكنات أخرى تنفتح عىل الجحيم‬
‫بشقيه املتناقضني التطرف وامليوعة‪.‬‬
‫ويف الباب النفيس االجتامعي األقرب‪ ،‬بدأت تلوح مخاطر الفردية‬
‫واالنعزال‪ ،‬أن يخت ّط كل فرد مصريا أو متاهة فردية أو مشغال جاذبا‬
‫يف صلة بالبعيد ويف قطيعة بالقريب‪ ،‬كأن تجد األرسة املتعددة‬
‫يجتمع أفرادها يف املكان لكنهم ينعزلون يف الزمان والوعي ويركن‬
‫كل فرد منهم يف صمت مريب أمام شاشة حاسوبه أو هاتفه مبحرا‬
‫ومتبحرا يف متاهات ال نهاية لها‪.‬‬
‫ومام أذكر أين قرأت قصة جميلة وطريفة يف مواقع التواصل‬
‫االفرتايض لكاتب ‪ -‬غاب عني اسمه ‪ -‬لكن الصدى العميق لقصته‬
‫ظل ماثال‪ ،‬قرأتها بُعيد «ربيع إخواننا يف مرص» يشكر فيها هيئة‬
‫الطاقة بسبب تكرر انقطاع التيار الكهربايئ يف ليايل القاهرة‪ ،‬وبالتايل‬
‫استحالة استعامل الكثري من األجهزة االتصالية أو الفرجوية مام‬
‫يضطر أفراد األرسة إىل متضية الوقت بالحديث إىل بعضهم بعضا‪،‬‬
‫عىل غري عادتهم‪.‬‬
‫ختمها مبا معناه «شكرا لرشكة الكهرباء عىل قطع الطاقة‪ .‬لقد أتاحت‬
‫يل فرصة التعرف إىل أهيل لقد اكتشفتهم‪ ،‬فوجدتهم ناسا طيبني‪.»...‬‬
‫وما بدأ يف األرسة من بوادر االنعزال الفردي نلمس صداه يف املدارس‬
‫واملعاهد حيث يجد البعض صعوبة يف التخيل عن شاشة هاتفه أو‬
‫محموله حتى يف فرتات الدرس‪ ،‬وما نلحظ من انرصاف البعض يف‬
‫الندوات أو االجتامعات إىل شاشاتهم الفردية‪...‬‬
‫إنه عامل متغري فيه مستجدات سلوكية ومعرفية وإعالنية‪ .‬البد أن‬
‫ينتبه الباحثون إىل مدى ما ميكن أن يفعله يف الذات من آثار نفسية‬
‫واجتامعية ظاهرها يختلف عن باطنها تراوحا بني انفتاح مفرتض‬
‫وعزلة كائنة‪.‬‬

‫في دورته األخيرة‬
‫مهرجان األدباء الشبان بقليبية يوقد الشموع‬
‫ويلعن عتمة الثقافة‬

‫رغم التعتيم والعتمة تواصل منارة األدب مسريتها من خالل نشاطات وتظاهرات تشد عرشات الشبان املتطلعني اىل االبداع واملعرفة من‬
‫خالل ورشات وندوات وجوائز تحفيزية قيمة ‪...‬‬
‫لكن يبدو ان املرشفني عىل الشأن الثقايف املحيل الرسمي منه ال يشجعون تلك املبادرات ‪...‬من ذلك ما حصل يف املهرجان األخري حيث غرق‬
‫الجميع يف الظالم املحيط مبرسح دار الثقافة ‪...‬‬

‫محور العدد القادم‬

‫قضايا االصالح التربوي ‪:‬‬

‫بين الرهانات المعرفية والبيداغوجية‬
‫والثقافية واشتراطات العولمة‬
‫البريد االلكتروني ‪manaratculturel@gmail.com :‬‬

‫المدير المسؤول‬

‫حسين العباسي‬

‫المدير‬

‫أسرة التحرير‬

‫سامي الطاهري‬

‫منتصر الحملي ‪ -‬رشيدة الشارني ‪ -‬حسني عبد الرحيم ‪ -‬سعدية بن سالم‬
‫إشراف وتنسيق ‪ :‬محمد الجابلي‬
‫المراجعة اللغوية ‪ :‬عبد الفتاح حمودة ‪ -‬اإلخراج الفني ‪ :‬محمد كريم السعدي‬
‫السحب ‪ :‬مطبعة دار األنوار ‪ -‬الرشقية ‪ -‬تونس‬

‫املقر ‪ 41 :‬شارع عيل درغوث ‪ -‬تونس ‪ - 1001‬الهاتف ‪ / 71 330 291 - 71 255 020 :‬الفاكس ‪- 71 355 139 :‬‬
‫العنوان االلكرتوين ‪ - manaratculturel@gmail.com :‬الحساب الجاري بالربيد ‪300 - 51 :‬‬

‫‪3‬‬

‫الخميس ‪ 1‬سبتمرب ‪ - 2016‬املوافق لـ ‪ 28‬ذي القعدة ‪ - 1437‬العدد ‪52‬‬

‫تكريم الكاتب الصحفي‬
‫والناقد المبدع‬

‫أحمد حاذق العرف‬

‫يف إطار الرشاكة بني الجامعة الشعبية محمد‬
‫عيل الحامي و فريق عمل «منارات « امللحق‬
‫الثقايف لجريدة الشعب و بحضور االمني‬
‫العام املساعد لالتحاد العام التونيس للشغل‬
‫سامي الطاهري تم يوم األربعاء ‪ 10‬أوت‬
‫تكريم الكاتب الصحفي والناقد املبدع أحمد‬
‫حاذق العرف بفضاء الجامعة الشعبية‬
‫محمد عيل الحامي بسيدي حسني بإدارة‬
‫الفنان نرص الدين السهييل‬

‫مواقع التواصل االفتراضي‬
‫رشيدة الشارني‬
‫الكل تحت مجهر الشبكة العنكبوتية اليوم‪ ،‬مل نعد منتلك‬
‫ال يشء يخفى‪ ،‬ال يشء يضيع‪ّ ،‬‬
‫ترف االنزواء بعيدا عن مواقع التواصل االجتامعي‪ ،‬صار االنخراط فيها رضورة مل ّحة لتلقي‬
‫الخرب لحظة وقوعه والتفاعل معه تحليال ونقدا وترويجا‪ ،‬عوامل متش ّعبة ومدهشة ميتزج فيها‬
‫لكل ما يحدث يف العامل وميور يف األذهان‪.‬‬
‫الشأن الخاص بالشأن العام هي مرآة حقيقية ّ‬
‫مل يعد املبدعون يف حاجة كبرية إىل الوساطة الصحافية ّيك يبلّغوا أفكارهم ويربزوا قدراتهم‬
‫الكل مصدرا للخرب‬
‫ايض بابه للجميع دون استثناء وصار ّ‬
‫وير ّوجوا ألعاملهم‪ ،‬رشع الفضاء االفرت ّ‬
‫واملعلومة ومر ّوجا لها وألعامله وآرائه وخصوصياته يف أحيان كثرية وصفحات معروفة أصبحت‬
‫مرجعا للمعلومة مام ه ّدد الصحافة الورقية وخلق يف جانب آخر بديال نوعيا متثّل يف الصحافة‬
‫االلكرتونية‪ ،‬اإلبحار يف الفايسبوك وفّر للكثريين فرصة لقاء جميل باآلخر ولكنه كثريا ما تح ّول‬
‫السب واملعارك االيديولوجية الضارية وقد رأى الفيلسوف اإليطايل «أمربتو‬
‫إىل منرب للشتم و ّ‬
‫إيكو» أن أدوات مثل الفيسبوك وتويرت متنح حقّ الكالم لفيالق من الحمقى‪ »..‬هذا الرأي تف ّنده‬
‫آراء املشاركني املتم ّيزين يف هذا التحقيق الذين لبوا مشكورين دعوتنا إىل املساهمة فيه ‪:‬‬

‫مقدمة نشرة األنباء‬
‫بثينة كرماني ‪ّ :‬‬
‫استعامل الفايسبوك بدرجة أوىل وبقية شبكات‬
‫أقل خلق ديناميكية‬
‫التواصل االجتامعي بدرجة ّ‬
‫اجتامعية جديدة مل تكن متاحة من قبل فقد جعلت‬
‫هذه الشبكات التواصل أفقيا بني الناس وهدّمت‬
‫الرتاتبية التي كانت موجودة يف مجال نرش الخرب‬
‫واملعلومة مبعنى آخر أصبح من ميتلك جهاز هاتف‬
‫الذهبي لرئيس‬
‫ذ ّيك وكالة أنباء متح ّركة وانتهى العهد‬
‫ّ‬
‫التحرير واملنشّ ط اإلذاعي والصحايف الذي تشرتي ألجل‬
‫قلمه الجريدة‪ ،‬هذه يف املطلق ظاهرة صحية ألنّها كرست احتكار السلطة‬
‫للمعلومة وأتاحت وصول الخرب إىل أوسع الفئات أحيانا من مصدره مبارشة‬
‫دون وسائط لكنها محفوفة بالسلبيات وأبرزها التضليل اإلعالمي والتالعب‬
‫بالرأي العام‪ ،‬هذه السلبيات يف رأيي تصنعها الجهات السياسية النافذة التي‬
‫تتحكّم يف الشبكة وتو ّجه اهتاممات الرأي العام وباستطاعتها أن تصنع القضايا‬
‫وتفتعل الزوابع‪.‬‬
‫إذن االنخراط يف الشبكات االجتامعية ظاهرة صح ّية لكن توظيفها والتحكم‬
‫فيها يجعلها أحيانا بال فائدة وكمية اإلشاعات التي تنرش فيها قد تجعلك‬
‫تتحسرّ عىل زمن كان فيه رشيط األنباء املصدر الوحيد للخرب وتبعا لذلك‬
‫رضرت الصحافة التقليدية من هذا الوضع تجاريا وتحريريا‪ ،‬تجاريا أل ّن‬
‫ت ّ‬
‫اإلقبال عىل تصفح الفايسبوك واعتامده مصدرا للخرب أسهل من اقتناء صحيفة‬
‫السمعية البرصية صارت تقتات مام‬
‫ورقية ألن ّ‬
‫الصحف وحتى وسائل اإلعالم ّ‬
‫ينرشه عا ّمة الناس عىل الشبكة وفرطت يف سلطتها املعنوية بل ويف كثري من‬
‫األحيان تساهم بهذه التبعية يف التضليل‪.‬‬

‫منية قارة بيبان ‪ :‬ناقدة‬
‫قد يكون السؤال يف بعض وجوهه شبيها بالتايل‪ :‬هل يعترب التعامل مع‬
‫التكنولوجيا الحديثة ظاهرة إيجابية؟ وأي معنى للتكنولوجيا إن مل تكن عونا‬
‫لإلنسان عىل تذليل صعاب الحياة واالرتقاء بذاته وتحقيق أحالمه بعامل أفضل؟‬
‫لقد أصبحت االنرتنات واقعا ال ميكن رفضه بخريه ورشه‪ ،‬بشبكاته التواصلية‬
‫ومعلوماته الرسيعة االنتشار وبقدرته أيضا عىل التخدير والتدمري‪....‬‬
‫قد تتيح هذه الشبكات االجتامعية واالفرتاضية تحقيق بعض أحالم اإلنسان‪،‬‬
‫أن يعيش عاملا ال تفصل الحدود بني أفراده وال تحده القوانني الخانقة‪ ،‬أن‬
‫ينطلق صوت املرء عاليا يصدح مبا مل يبح به حتى إىل نفسه‪ ...‬أن يعلن مواقفه‬
‫يف "الفايس بوك" وغريه من الفضاءات‪ ...‬ويندد بالساسة والعنف والعفن‬
‫املرتاكم‪ ...‬أو يدعو ربه وينصح‪ ...‬يستعرض ماله وجامله وعلمه إلخ ‪ ..‬يتخلص‬
‫أمام املرآة الكاشفة (كتاب الوجوه) من أوجاعه ويطلق رصخاته غافال عن‬
‫انعكاسات املرآة‪ ..‬يرى فيها ذاته وصورته‪ ..‬لكنه يرى أيضا عري اآلخرين‬
‫يف مرآته‪ ،‬يكتشف صدقهم وزيفهم‪ ..‬يتلذذ بفضائحهم ومعاركهم وسبابهم‬
‫وبعض أرسارهم املنشورة عىل صفيح ساخن‪..‬‬
‫هل تنهض هذه الشبكات بوظيفة إعالمية؟ املعلومة متوفرة قطعا يف بعض‬
‫املواقع الجادة والرسمية واملختصة‪ ..‬لكن املعلومة يف املواقع االجتامعية ويف‬
‫"كتاب الوجوه " خاصة حرة متمردة عىل األعراف وقوانني الصحافة واإلعالم‪.‬‬
‫هل هي التي نحتاجها حقا لتشكيل موقف ورؤية صحيحة عن العامل؟ ذاك‬
‫سؤال مخاتل‪ .‬فالزيف اإلعالمي يف هذه الفضاءات هو املهيمن‪ .‬قد تنقل‬
‫الصورة كذبة كبرية عرب تركيبها الخاص (الفوتو شوب)أو بتغيري السياق (تاريخها‬
‫أو مكانها) فيتفاعل معها الكثريون وينقلونها دون تح ّر أو فكر نقدي ليقعوا‬
‫بيرس يف فخاخ الزيف اإلعالمي والكذب العبثي‪ .‬ثم تنىس ويأيت غريها فيستعاد‬
‫السيناريو‪ ...‬ويصبح الخرب والشأن العام مجرد شأن عابر تستثمر مشاهده‬
‫وأخباره للتسلية وتفريغ شحنة الغضب الكامن يف املواطن‪ .‬بل يصبح الشأن‬
‫العام بشكله هذا "لعبة للنسيان" يتجاوز بها هذا املواطن االفرتايض بعض‬
‫أتعابه وهموم يومه وزمانه‪ .‬عىل أن بعض املواقف الرصينة والتعبريات الجادة‬
‫العميقة قد تجد صداها الواسع حني تنبع من رؤية عميقة وموضوعية نسبيا‪.‬‬
‫فيلتحم بها العدد الوفري من املنخرطني يف هذه الشبكة وتتحول أحيانا إىل‬
‫"حملة فايسبوكية"‪ .‬وال يكون لها أثر حقيقي ممكن وفاعل يف القرار السيايس‬
‫إال إذا دعمها اإلعالم املكتوب واملريئ واملسموع‪ ،‬أي ذاك الذي تحكمه بعض‬
‫القوانني والقواعد األخالقية تح ّد من غلوائه وتشذب نتوءاته‪.‬‬
‫‪" 2‬أدباء االنرتنات" يف هذا الفضاء ليسوا شعراء فقط‪ ..‬هم كل من يجد يف‬‫الفضاء االفرتايض مجاال لنرش ما يراه فنا وإبداعا‪ .‬توفر هذه الشبكات مجاال‬
‫رحبا للتعبري واإلبداع بكل أشكاله‪ .‬لكن أي إبداع؟ هو ذاك الذي متيل رشوطه‬
‫وقواعده قوانني اللعبة يف هذا الفضاء‪ ،‬أي االختصار‪ ،‬السهولة‪ ،‬اإلثارة‪..‬‬
‫ال تختلف هذه الشبكات االجتامعية عن كثري من الصحف واملالحق باعتبارها‬
‫فضاء يسمح بالتعريف باملنتوج الفني واألديب‪ .‬هل يجد كل ما ينرش يف‬
‫الصحف اليومية واألسبوعية التقييم الجدي؟ هل توفر دور النرش وهي تختار‬

‫نصوصا بعينها غرباال نقديا مينع من انتشار القبح والرداءة؟ بل لعل الفرق‬
‫يكمن بني ما يتيحه هذا الفضاء االفرتايض من نرش مجاين وما تعمد إليه بعض‬
‫دور النرش عند طبع عدد من الدواوين الشعرية والكتب مبقابل مادي يقتطعه‬
‫الكاتب من شقاء الليايل دون توزيعها حقا‪ ..‬ليحصد الشاعر والكاتب فراغا‬
‫نقديا ويلقى قراء منغمسني يف أحضان االنرتنات و"كتب الوجوه"‪ .‬ثم كم‬
‫هو عدد الصحف اليوم التي مازالت تؤمن بقيمة األدب والثقافة يف بعدها‬
‫الجاميل واإلنساين العميق؟ أال يحق بالتايل لكل من يرى يف نفسه قدرة عىل‬
‫البوح والتعبري واإلبداع أن يبحث عن موقع قدم وينتظر ردود فعل األصدقاء‬
‫واألعداء؟ بل ينتظر حكم الزمان والتاريخ؟ لقد أصبح فضاء االنرتنات الفضاء‬
‫األسايس الذي يكتشف فيه عدد من األدباء ذاتهم ويلقون صدى لكتاباتهم‪...‬‬
‫وما يسمى "أدباء االنرتنات" هو ظاهرة صحية فعال‪ ،‬ألنها وإن منحت الكثريين‬
‫فرصة الظهور ‪ -‬وهو أمر مرشوع ومفهوم ‪ -‬فإنها مل متنحهم مع ذلك تأشرية‬
‫البقاء والخلود‪.‬‬
‫شهادة األستاذة سنية نقاش‪ ،‬مد ّونة سابقة‬
‫وناشطة في مواقع التواصل االفتراضي‪:‬‬
‫ساد االعتقاد عند ظهورها أن الشبكات االجتامعية االفرتاضية ستكون وسيطا‬
‫مبتكرا لتواصل اجتامعي عىل نطاق غري مسبوق‬
‫ميكن من انفتاح األفراد عىل واقع املجتمع ورصد‬
‫تغرياته والتفاعل معها والتأثري فيها والتأثر بها‬
‫بشكل يدعم التضامن ويزيل اإلقصاء‪ .‬إال أن‬
‫دميقراطية الربط بالشبكات االجتامعية يف‬
‫بلد مثل بلدنا يعاين من ندرة اإلعالم املهني‬
‫ويعاين شعبه من غياب ثقافة اإلعالم (مصدر‬
‫املعلومة‪ ،‬تاريخها‪ ،‬قابلية التثبت منها‪ ،‬القدرة‬
‫عىل متحيصها‪ ،)...‬جعل الشبكات االجتامعية مرتعا للمغالطني ومروجي الثّلب‬
‫اليسء‬
‫واإلشاعات واملشعوذين يف جل املجاالت‪ .‬ولقد فاقمت هذا املنحى ّ‬
‫مناهج ترتيب املنشورات لدى مديري للشبكات حيث يقع إيالء األهم ّية األكرب‬
‫ُ‬
‫للمنشورات األكرث تداوال بقطع النظر عن محتواها وهو ما يزيد من فرص‬
‫االطالع عليها من العدد األكرب من رواد الشبكات‪ .‬إن أبرز ما ينج ّر عن هذا هو‬
‫تعميم املنشورات املبتذلة أو املثرية بقطع النظر عن صدق ّيتها أو جدّيتها وهو‬
‫ما قد يؤدي إىل ‪ -‬انتشار القلق لدى العامة التي ال ثقافة إعالم ّية لديها‪ -‬بروز‬
‫نرشيّات مختصة يف املغالطة واإلثارة تعتمد حرصا عىل الشبكات االجتامعية‬
‫لزيادة تداولها وجلب املستشهرين إليها ‪ -‬ضعف مقروئية النرشيات الجادة‬
‫نظرا إىل صعوبة ولوج الشبكات يف ظل قواعد ترتيب املنشورات حسب كثافة‬
‫التداول ينجر عن كل هذا تسطيح الرأي العام وسهولة التالعب به خصوصا‬
‫يف غياب إعالم تقليدي مهني أصبح هو نفسه يستقي أخباره وإشاعاته من‬
‫الشبكات ويكتفي برتديدها عساه ينال نسب تداول تنافسية‪...‬‬

‫الخميس ‪ 1‬سبتمرب ‪ - 2016‬املوافق لـ ‪ 28‬ذي القعدة ‪ - 1437‬العدد ‪52‬‬

‫الشاعر الناصر الرديسي‪ :‬لـ «منارات»‬

‫شكرا للمنظومة‬
‫االفتراضية التي وفرت لي‬
‫فرصة معرفية إضاف ّية‬
‫كيف يق ّيم الناصر الرديسي‬
‫الناشط في الفضاء االفتراضي‪،‬‬
‫مواقع التواصل االجتماعي؟‬
‫ الفضاء االفرتايض ملجأ بالنسبة إ ّيل‪،‬‬‫فقد وجدت فيه اإلفادة والتحفيز‬
‫ألكتب ووجدت فيه اإلحباط أيضا‪.‬‬
‫ولكني استثمرت فيه ما يفيدين من‬
‫تحفيز ومن صداقات مه ّمة جدا‬
‫وأنصح غريي بالتعامل مع هذا الفضاء‬
‫بالعقل‪.‬‬

‫كيف استفاد الناصر الرديسي‬
‫شاعرا من مواقع التواصل؟‬
‫ استفدت جدا من خالل تواصيل مع الكثري من املبدعني الذين حفّزوين ألكتب‬‫وأرد عىل كتاباتهم وإبداعاتهم واستفدت من هذا الفضاء ووفر يل فرصة اللقاء‬
‫مع عديد األصدقاء والصديقات واملبدعني الذين فرقت بيننا األيّام ومن سنوات‬
‫بعيدة جدا منهم سنوات ال ّدراسة الثانوية أواخ َر السبعينات ومطلع الثامنينات‪.‬‬
‫كيف تق ّيم التفاعل بين المبدع والق ّراء في الفضاء االفتراضي؟‬
‫هل هو عامل إضافة أم هو أقرب إلى المجاملة؟‬
‫ بالنسبة إ ّيل هو تفاعل جدّي بأت ّم معنى الكلمة‪ ،‬وأنت ْجنا من خالله إبداعات‬‫تلقائية أهديناها إىل مكتبة التاريخ واملتلقي واألجيال القادمة ستق ّيمها إما‬
‫تحفظها وتدافع عنها وتبني عليها أو ترميها يف سلّة املهمالت ويف كل األحوال‬
‫هي أعامل أعت ّز بها شخصيّا‪.‬‬
‫نالحظ كثافة النشر في الفضاء االفتراضي‪ ،‬هل هي عالمة‬
‫صحة في الوسط األدبي أم مظهر للفوضى ال غير؟‬
‫ّ‬
‫ يف كل األحوال هي مفيدة مهام كان مستواها وأحيّي كل من ينرش مهام كان‬‫النص املنشور‪.‬‬
‫مستوى ّ‬
‫حد ساهم الفضاء االفتراضي في فرض حرية التعبير‬
‫إلى ّ‬
‫أي ّ‬
‫حد تراه مؤثّرا سياسيا واجتماعيا وثقاف ّيا؟‬
‫في الواقع؟ وإلى ّ‬
‫أي ّ‬
‫ يكفي أن أقول لك إن الفضاء االفرتايض أسقط نظام حزب واحد جثم عىل‬‫صدورنا وأجرم ملدة أكرث من نصف قرن‪.‬‬
‫أال يعتقد الناصر الرديسي ّأن كثافة النشاط في الفضاء‬
‫االفتراضي تؤثّر سلبا على قدرة الشاعر على اإلبداع والتجديد؟‬
‫ أعتقد أنه يؤثر فعال‪.‬‬‫حد تعتبر أن الفضاء االفتراضي قد أضاف إلى الناصر‬
‫إلى أي ّ‬
‫الرديسي وغيره من المبدعين؟‬
‫ بالنسبة إ ّيل أضاف الفضاء االفرتايض إيل شيئا فقط هو أنه وفر يل فرصة اللّقاء‬‫مع من أريد أما املسألة اإلبداعية والنضالية فأنا أمارسها عىل امليدان‪.‬‬
‫يعوض الكتاب‬
‫هل تعتقد ّأن الفضاء االفتراضي يمكن أن ّ‬
‫الورقي؟‬
‫ ال يشء يعوض الكتاب ال االفرتايض وال التلفزي وال الحكوايت ومن ال ميلك‬‫يف بيته عىل األقل بعض العرشات من الكتب أعتربه جاهال مهام كان مستواه‬
‫العلمي‪.‬‬
‫هل للناصر الرديسي تصور الستغالل أفضل للفضاء االفتراضي؟‬
‫ ليس أكرث مماّ أستغلّه يف هذا الفضاء الذي أكتب من خالله وأطالع إبداعات‬‫غريي وأناقش‪ ،‬وأستمع إىل أجمل املوسيقى التي أحبها كام أنّه يوثّق لرفاقي‬
‫وأصدقايئ وسيوثّق يل ليطالع أبنايئ واألجيال القادمة‬
‫كلمة الختام‪.‬‬
‫ شكرا للمنظومة االفرتاضية التي وفرت يل فرصة معرفية إضاف ّية ومهمة‪ .‬شكرا‬‫للتكنولوجيا والشكر األهم ملن يعرف كيف يتعامل معها ويستثمرها يف االتجاه‬
‫الصحيح‪.‬‬

‫‪4‬‬

‫الكتابة ووسائل اال ّتصال الحديثة‬

‫العالمة اللغو ّية مختنقة ب ُز َرقتها‬

‫ناظم بن ابراهيم شاعر وباحث تونسي‬

‫ال يمُ كن بأ ّي حال من األحوال‪ ،‬تنا ُول خصوص ّية النشاطات اللغويّة املمكنة أثناء التخاطُب‬
‫دون البحث يف اتّجاه العالقة بني الباث واملتقبّل‪ ،‬ودون متثّل عالقة اللّغة مبحاملها أو‬
‫بالقنوات التـي تتحدّد من خاللها وظيفتُها التواصليّة‪ .‬وال َّ‬
‫شك يف أ ّن التح ّوالت الكبـرى‬
‫الصلة بالفضاء الّذي متلؤ ُه وقوانينه‬
‫املمكنة للّغة سواء يف مورفولوج ّيتها أو داللتها‪ ،‬وثيقة ّ‬
‫التواضع ّية أو الجبـريّة يف تراوحها مستم ّر بيـ َن الخضوع واالنفالت‪ .‬ولئـن اهت ّم الفالسفة‬
‫واملناطقة قدميا وحديثا مبسألة اللغة‪ ،‬فإ ّن اإلجابة النهائيّة عن األسئلة التي تفتـرضها تظلّ‬
‫نسبيّة‪ ،‬وذلك الرتباط تط ّور النشاط اللغو ّي بتط ّور النشاط البرش ّي نفسه‪ ،‬ما يجعلُ لكلّ‬
‫املخصوصة‪ .‬وبغض النظر عن التع ّمق يف‬
‫مرحلة لغتها ولكلّ عرص معجمه ومفاهيمه‬
‫ّ‬
‫مختلف التو ّجهات املتعلّقة بدراسة اللغة‪ ،‬واملدارس الفلسف ّية واللسان ّية التي تناولتها يف‬
‫أبعادها البنويّة والتواصليّة (األمر الّذي قد ال يسم ُح به مجالنا هذا)‪ ،‬تنبّ َه عديد املثقّفيـن‬
‫والدّارسني إىل اإلشكاالت التي تطرحها عالقة اللغة بوسائل االتّصال الحديثة عموما‪ ،‬وعالقة‬
‫خصوصا‪ .‬ورغ َم أ ّن األم َر مل يتجاوز مج ّرد املالحظة واإلحساس‬
‫الكتابة األدب ّية بهذه األخيـرة‬
‫ً‬
‫تنسكب يف محملها الجديد ومواضعاته التواصل ّية‪،‬‬
‫وهي‬
‫الكتابة‬
‫بتغ ّيـرات ّما طارئة عـلـى‬
‫ُ‬
‫فإ ّن هذا التأقل َم الرسيع يؤكّ ُد خطورة هذه ال َملَكة وقدرتها عىل التل ّون واالنسكاب يف أوعية‬
‫مختلفة تد ّعم ممكنات تفاعلها الجديد التـي تتأكّد من خالل قوة االفتـراض القائم عىل‬
‫االجتامعي من «قنوات اتّصال ّية» تشتـرك مع بق ّية‬
‫التواصل‬
‫تح ّول وسائل االتّصال ومواقع ُ‬
‫ّ‬
‫الوسائل (الجرائد‪ ،‬املجالت‪ ،‬الكتب‪ )...‬يف هدف اإلخبار‪ ،‬إىل محاملَ إبداع ّية تتحدّد يف إطارها‬
‫املواضعات الجديدة للكتابة األدبيّة‪ .‬فام هو األساس املوضوعي الّذي تد ّعمت من خالله‬
‫ظاهرة النرش االلكرتو ّين يف الساحة األدبية العربيّة؟ وإىل أ ّي مدى تل ّونَت الكتابة مبواضعات‬
‫محاملها الجديدة؟‬
‫السلبي في "القرية الكون ّية"‬
‫العولمة وإشكاالت االندماج‬
‫ّ‬
‫ال جدال حول أهميّة التح ّوالت الكبـرى التـي شهدتها اإلنسانيّة مع العوملة‪ ،‬سواء‬
‫السيايس والثقا ّيف‪ ،‬غيـر أ ّن هذه األخيـرة مل تكُن‬
‫تعلّق ذلك باملستوى االقتصاد ّي أو‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫املوضوعي الّذي د ّعمها‬
‫باألساس‬
‫ذلك‬
‫ط‬
‫يرتب‬
‫وقد‬
‫وف ّية ملبادئها اإلنسان ّية املعلنة‪،‬‬
‫ّ‬
‫باعتبارها اختيارا اقتصاديًّا اسرتاتيج ًّيا فرض ُه التـراكم املستم ّر لرأس املال ورضورة‬
‫ع ْوملة سوقه التبادليّة مبا يد ّعم مبدأ التـراكم نفسه‪ .‬ومل يكن من املمكن تحقيق‬
‫استوجب نرشها مزي َد تطوير قنوات‬
‫هذا اإلدماج مبعزل عن خلق ثقافة أحاديّة‬
‫َ‬
‫وبغض النظر عن اإليجاب ّيات التـي رافقت عمل ّية العوملة هذه‪،‬‬
‫التواصل واإلخبار‪ّ .‬‬
‫والتي ال ميكن إنكارها‪ ،‬فإ ّن ما يه ّمنا يف هذا الصدد هو كيف ّية اندماج املجتمعات‬
‫العربيّة يف هذه "القرية الكونيّة" ومدى صـ ّحة القول بفاعليّتها داخلها‪ .‬واملالحظ‬
‫املوضوعي لهذا االندماج‪ ،‬ميكن أن يستخلص بسهولة سلب ّيته وخضوعهُ‪ .‬وهام‬
‫ّ‬
‫أمران وثيقا االرتباط بإجباريّة االندماج باعتباره اختيارا نهائ ًّيا ال ميكن أن يكون‬
‫موازيا أل ّي اختيار آخر يتعلّق برفضه من ناحية‪ ،‬وبعدم جاهزيّة هذه املجتمعات‬
‫وبناها التحتيّة املش ّوهة بسبب االستعامر والتخلّف االقتصاد ّي من ناحية أخرى‪.‬‬
‫وإذ تتعالق مسألة النرش االلكرتو ّين مع هذا الحراك أو النشاط االقتصاد ّي ومساعي‬
‫الهيمنة السياس ّية‪ ،‬فإ ّن االختالف بيـن املجتمعات املتقدّمة واملجتمعات النامية يف‬
‫التعامل معها نابع من اعتبارها نتاجا ملسار تط ّور طبيعي أنتجت ُه الحداثة الغرب ّية‬
‫وما بعدها بالنسبة إىل األوىل‪ ،‬ومن اعتبارها أم ًرا رضوريًّا تفرتضه عمليّة االندماج‬
‫نفسها‪ ،‬ووفق الرشوط التـي تحدّدها بالنسبة إىل الثانية‪ .‬ومل ّا مل تك ْن املجتمعات‬
‫العرب ّية جاهزة لرقْمنة اقتصاديّاتها بالطريقة التـي تجعل منها ندًّا حقيق ّيا لآلخر‬
‫االجتامعي التـي ستتح ّولُ شيئا فشيئا إىل بدي ٍل‬
‫جنحت إىل مواقع التواصل‬
‫الغر ّيب‪،‬‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ٍ‬
‫الجمعي وبالتايل عىل الكتابة نفسها‪.‬‬
‫رمز ّي للواقع‪ ،‬وإىل فضاء ُمسيطر عىل الوعي‬
‫ّ‬
‫مواقع التواصل االجتامعي وتلـخيص "اإلنساين" يف وظيفته الرمزيّة‬
‫يتح ّول اإلنسان لحظة دخوله موقع التواصل االجتامعي من "شـخص" إىل‬
‫"شـخص ّية"‪ ،‬أو بعبارة أخرى من "ما هو ذاتهُ" إىل "ما يريد قول ُه عن ذاته"‪ ،‬وال‬
‫تخر ُج عمليّة اإلخبار هذه عن وسائلها الرمزيّة من صورة ولغة ورموز تعبّـر عن‬
‫حالته النفس ّية أو مشاعره أو أفكار ِه أو تداعياته أحيانا‪ .‬ويف املسافة الفاصلة بيـن‬
‫التاريخي وبني الصورة التي تريد أن تر ّوجها لنفسها لغويًّا‬
‫حقيقة الذات ورشطها‬
‫ّ‬
‫ورمزيًّا تتقلّص أو تتّسع ‪ -‬باختالف األشـخاص ‪ -‬هامش ّية الواقع مقارنة باالفرتاض‪،‬‬
‫وتتد ّع ُم رمزيّة الحضور اإلنسا ّين مقارنة باجتامعيّته وتاريخيّته‪ .‬بل يصل األمر يف‬
‫كثيـر من األحيان إىل تلخيص الجانب ال َهوو ّي يف اإلنسان يف "بورتريه" يحاول كلّ‬
‫يوم إضافة يشء جديد إليه مبا يتامىش مع "الرسالة" التي يري ُد بثّها إىل املتق ّبل‪،‬‬
‫اقعي‪ ،‬وظيف ًّيا بالنسبة إىل هذا الحضور الرمز ّي‪ ،‬األمر الذي‬
‫ويستحيل كلّ ما هو و ّ‬
‫يَزي ُد من اتّساع اله ّوة بني الواقع واالفتـراض‪ ،‬ويد ّعم أزمة اغتـراب الذات عن‬
‫ذاتها‪ ،‬وعن مجتمعها‪ .‬غيـ َر أ ّن هذا االغتـراب‪ ،‬ال ينبع فقط من التناقض القائم‬
‫ب َني الصورة املُراد تقدميها‪ ،‬والواقع فقط‪ ،‬بل من خضوع هذه الصورة نفسها إىل‬
‫وبغض النظر عن وعي‬
‫مواضعات "النمط السائد" الّذي تفرضه مواق ُع االتّصال‪ّ .‬‬
‫الباثّ بهذه املسائل من عدمه‪ ،‬ومبمكنات مقاومته للسائد من عدمه‪ ،‬وبجديّة‬

‫التعامل مع هذه التح ّوالت من عدمها‪ ،‬فإ ّن هذا الحرص للهويّة اإلنسانيّة يف "كيان‬
‫التاريخي‪ ،‬وثيق االرتباط‬
‫رمز ّي" متـراوح بني االقتـراب واالبتعاد عن حقيقة رشطه‬
‫ّ‬
‫يف رأينا (وخاصة فيام يتعلّق بالكتابة األدبية) بأزمات أكثـر عمقا أساسها غياب‬
‫قنوات التواصل يف املجتمعات نفسها‪ ،‬وغياب مفهوم مركز ّي نؤكّد عليه وهو مفهوم‬
‫االعتـراف‪.‬‬
‫الكاتب العر ّيب وأزمة البحث عن االعتـراف‬
‫ال ميكننا الحديث عن كاتب‪ ،‬وعن مثقّف‪ ،‬دون الحديث عن مجتمع‪ ،‬وعن‬
‫مؤسسة سياسيّة وثقافيّة تدعمه‪ .‬وطاملا ب ّحت األصوات املنادية برضورة إعادة‬
‫السيايس‬
‫النظر يف املؤسسة الثقافية العربيّة‪ ،‬وانكرست أمام هيمنة االستبداد‬
‫ّ‬
‫وتهميش املثقف واملبدع يف الوطن العر ّيب‪ ،‬وملّت من الالمباالة املستم ّرة بأهم ّية‬
‫الدور الّذي يضطلع به الكاتب والفيلسوف والسيناميئ وغريهم‪ .‬وتد ّعمت هذه‬
‫لالمباالة بتحويل وجهة ما ُس ّمي بـ"الربيع العريب" لتتواصل األزمة يف دائرة مفرغة‬
‫مل يخر ُج منها املثقّف العر ّيب منذ سنوات‪ .‬بل ظلّ يبحثُ عن اعتـراف ّما داخل كلّ‬
‫هذا‪ .‬اعتـراف ال يرتب ُط بإدماجه ضمن املرشوع السلطو ّي بقدر ما يتعلّق بحاجته‬
‫املستم ّرة إىل االهتامم مبا يقول وما يُنجز‪ ،‬وبتوفري القنوات التـي متكّن ُه من إيصال‬
‫صوته وأخذ "فرصته يف الكالم"‪ .‬وباعتبار استحالة فتح أبواب هذه القنوات التـي‬
‫َص ِدئت مفاتي ُحها وال نعرف أين ضاعت‪ ،‬ظلّ املثق ُّف والكاتب العر ُّيب يبحثُ عن‬
‫فضاء تواص ّيل مل تتأخّر العوملة يف تقدميه إليه‪ .‬فانترشت النصوص‪ ،‬وكرثت "التجارب"‬
‫واختلط الحابل بالنابل‪ ،‬وصار لهذه املواقع طابع معيار ّي وبُعد دعا ّيئ يتأكّ ُد يوما‬
‫بعد يوم‪ .‬لك ّن ذلك مل يكن دون مثن‪ ،‬وكان عىل الكاتب (عن وعي أو عن غيـر‬
‫وعي) أن يع ّدلَ لغت ُه ومفاهيم ُه مبا يتامىش مع املحمل الجديد ومواضعاته‪.‬‬
‫وتد ُّعم أدب ّية "النمط"‬
‫الوظيفة التأثيـر ّية للّغة َ‬
‫يقول جاكوبسون‪" :‬عىل اللغة أن تُدرس يف كل تنوع لوظائفها‪ .‬وعلينا‪ ،‬قبل‬
‫معالجة الوظيفة الشعرية‪ ،‬أن نحدد مكانتها بني وظائف اللغة األخرى‪ .‬وإلعطاء‬
‫فكرة عن هذه الوظائف فإن نظر ًة مو َجزة منصبَّة عىل العوامل املك ِّونة لكل‬
‫لفظي رضوريةٌ" (‪ ،)1‬وإذا ما نظرنا إىل‬
‫اإلجراءات اللسانية ولكل فع ِل تواص ٍل ٍّ‬
‫النصوص األدب ّية أو الشعريّة املنترشة يف الفضاءات االفرتاض ّية يف ضوء العوامل‬
‫املكونة لإلجراء اللسا ّين الّذي يو ّجهها‪ ،‬الحظنا انحسارا لوظائف مثل اإلخبار‪،‬‬
‫أو التنبيه‪ ،‬أو النداء أو غريها‪ ،‬أمام الوظيفة التأثيـريّة املبتغاة يف القارئ‪ .‬غيـر‬
‫حسب مقتضيات السياق‬
‫أ ّن هذا التأثيـر املمكن ال يخر ُج عن تقنيات تو ّجه ُه‬
‫َ‬
‫التواص ّيل الّذي يفرض ُه فضاء البثّ والتق ّبل‪ .‬فام هو مؤثّ ٌر مصد ٌر من مصادر التفاعل‬
‫واإلعجاب وبالتايل مصد ٌر من مصادر االعتـراف امل ُحتا ِج إليه‪ .‬وعىل هذا األساس‬
‫تستحيلُ بنية هذا املؤثّر بنية "صالحة لالستعامل والرتويج" (باملنطق االقتصادي)‪،‬‬
‫وبالتايل "منطا" ُمتّبعا يف اإلنتاج األد ّيب‪ .‬وهو ما قد نُفسرّ من خالله التشاب َه الكبيـ َر يف‬
‫النصوص‪ ،‬واملعاجم املستعملة واملرجع ّيات امل ُستحرضة يف الشعر والنثـر‪ .‬وسنحاولُ‬
‫يف هذا املقال بيان (ولو جزئيًّا) خطورة مركزيّة "النمط" يف الكتابة االلكرتونية‪.‬‬
‫العالمة اللغو ّية مختنقة بزُرقتها‪ :‬الفايسبوك أنموذجا‬
‫إ ّن هامش ّية النشاط اللغويّة مقارنة بانتشار الصورة والرموز واملواد السمع ّية‬
‫االجتامعي‪ ،‬أجربت اللغة عىل خلْق وسائل دفاع ّية‬
‫البرصيّة يف مواقع التواصل‬
‫ّ‬
‫تلفت من خاللها االنتباه‪ ،‬فهـي تسعى من وراء رغبة املتكلّم يف‬
‫جديدة‪ ،‬وأدوات ُ‬
‫تحقيق االعتـراف الّذي أرشنا إليه‪ ،‬إىل أن تكو َن مقروءة‪ ،‬وبالتايل مستف ّزة و ُمدهشة‪.‬‬
‫وق ْد تعاضد الرتكيـز عىل مفهوم اإلدهاش هذا مع فهم خاطئ للشعر‪ ،‬والكتابة‪ ،‬ما‬
‫تجارب إبداع ّية يف مستوى أ ّول‪،‬‬
‫أدّى يف كثيـر من األحيان إىل رداءات تقدّم نفسها‬
‫َ‬
‫وإىل انحرافات مرتاوحة بني السلبيّة واإليجابيّة يف مسار النظر إىل الكتابة والشعر يف‬
‫مستوى ثان‪ .‬وال يعنينا املستوى األ ّول بقدر ما يعنينا الثاين‪ ،‬الّذي سنحاول التط ّرق‬
‫إليه من ناحية هيمنة مفهوم "القفْلة" يف الكتابة الفايسبوك ّية‪ ،‬وهي هيمنة ناتجة‬
‫عن رضورة ترك انطباع نها ّيئ يستف ّز املتق ّبل نحو التفاعل مع ما هو مقروء‪ ،‬األمر‬
‫الّذي د ّعم انتشار الكتابة املتشظيّة أو ما يُس ّمى بالشذرات‪ ،‬وهي كتابة قامئة عىل‬
‫االختصار ومحاولة صدم القارئ أو قلب عالقته بفكرة ّما‪ ،‬أو بصورة ّما‪ ،‬إىل جانب‬
‫الكتابة الرسديّة ‪ /‬الشعريّة املتادعية والتي نجدُها قامئة عىل نفس املبدإ ونفس‬
‫التقنية‪ .‬ورغ َم األهم ّية األدبية ملا ميكن أن نجد ُه داخل هذه األصناف من الكتابة‪،‬‬
‫فإنّنا نرى أنّها "مختنقة بز ْرقتها"‪ ،‬أي بسياقها التواص ّيل ووظيفتها التأثيـريّة‪ ،‬وهذا‬
‫االختناق ال يتعلّق بحكم قيمة نطلقه عليها‪ ،‬بل بسؤال طاملا مثل أمامنا مفادُه‪ :‬هل‬
‫تجارب أدبية؟ ث ّم‪ ،‬إذا ما أخرجناها من زرقتها‪ ،‬وسياقها‬
‫ميكن اعتبار هذه الكتابات َ‬
‫التواص ّيل املفتـرض‪ ،‬ما الّذي سيبقى منها؟ وهل هي بداية إلعالن موت األشكال‬
‫اإلبداعيّة األخرى‪ ،‬أم أنّها مج ّرد نصوص انفعاليّة متأثرة بسياقها ومواضعاته؟‬
‫وإذ ال نزعم اإلجابة عن هذه األسئلة‪ ،‬بقدر ما نطر ُح إمكانيّة تنسيبها يف ضوء‬
‫مناذج محدّدة قد ال يتّسع املجال لذكرها‪ ،‬فإننا نؤكّد عىل أهم ّية البحث يف هذه‬
‫املسائل‪ ،‬بحثا أكادمي ّيا مع ّمقا يتجاوز الهروب من "الجدّيتها" املزعومة‪ ،‬ويث ّمن‬
‫ويشجب مساوئها سواء املتعلّقة بالكتابة يف ح ّد ذاتها‪ ،‬أو مبا هو خارج‬
‫مكاسبها‪،‬‬
‫ُ‬
‫النص كالرسقات األدبيّة التي أصبحت كثرية االنتشار يف زمننا هذا‪.‬‬
‫ّ‬
‫‪.Roman Jakobson: Essais de linguistique générale, Minuit, Paris,1963‬‬

‫‪5‬‬

‫الخميس ‪ 1‬سبتمرب ‪ - 2016‬املوافق لـ ‪ 28‬ذي القعدة ‪ - 1437‬العدد ‪52‬‬

‫أدب أم ق ّلة أدب و«لعب على الذقون»‬
‫عبر مواقع التواصل االجتماعي؟‬
‫عبد القادر عليمي‬
‫«الكتابات الرقمية «عشوائيات»‪ ..‬و‪ 90%‬من األعامل املنشورة مصريها «املقابر»‪»...‬‬
‫( د‪ .‬صالح فضل)‬
‫أتاحت ثورة االتّصاالت الحديثة ووسائط التواصل االجتامعي عىل اختالفها‬
‫وكل ما يتّصل‬
‫إمكانات ال محدودة للنرش األديب والرتويج ألجناسه املختلفة‪ّ ،‬‬
‫مبجاالت اإلبداع والنقد الثقايف واألديب‪ ،‬وسنسعى يف هذا املقال إىل تسليط‬
‫الضوء عىل ظاهرة "األدب الفايسبويك"‪ ،‬باعتبارها ظاهرة ك ّرست عرب هذا‬
‫املوقع االجتامعي عىل وجه التحديد‪ ،‬واحتفى بها األدباء والهواة واملدّعون‬
‫عىل ح ّد سواء‪.‬‬
‫ولعل مستجدّات التح ّوالت النوعية الحاصلة يف السنوات األخرية يف بنية‬
‫ّ‬
‫الكتابة األدبية ومضامينها عموما‪ ،‬والتهافت عىل مواقع التواصل االجتامعي‬
‫الذي يصل إىل درجة اإلدمان املريض يف كثري من األحيان‪ ،‬وهامش الحرية يف‬
‫الكتابة تحت يافطة األدب‪ ،‬ث ّم التفاعل املبارش بني "الكاتب" والقارئ عرب‬
‫"اللاّ يكات" أو التعاليق‪ ،‬عىل وجه الخصوص‪ .‬باإلضافة إىل ما قد يرتتّب عن‬
‫ِ‬
‫اإلحساس باألهمية أو الدونية بالنظر إىل طبيعة هذه‬
‫كل ذلك من "وهمٍ "‬
‫ّ‬
‫التفاعالت التي ال تخرج عن احتاملني‪ :‬إ ّما ثناء ومدح‪ ،‬أو قدح وذ ّم‪.‬‬
‫كل ذلك قد ّرسخ يف أذهان البعض أ ّن هذه الوسائط تع ّد محرارا‬
‫لعل ّ‬
‫ّ‬
‫ألدب ّية ال ّنص األديب ومقياسا لشعريّة ال ّنص الشعري‪ ،‬بل ومجاال إلسناد صفة‬
‫األدب ّية أو الشعرية إىل هذا وسحبها من ذاك‪ .‬فهل مثل هذه االعتقادات‬
‫حقيقة أم وهم؟ وهل تعبرّ الفضاءات االفرتاضية عن امتالء ثقايف‪ ،‬أم هي ال‬
‫تعدو كونها مج ّرد تسطيح ومحض ادّعاء؟‬
‫في "األدب الفايسبوكي"‬
‫جدير بالذكر أ ّن ما مييّز الكتابة األدبية عرب شبكات التواصل االجتامعي‬
‫عموما وفضاء الفايس بوك عىل وجه الخصوص باعتباره أكرث هذه الشبكات‬
‫استقطابا وانتشارا‪ ،‬يكمن يف تح ّررها من القيود املعنوية واملادية‪ .‬حيث ال‬
‫رقابة حول ما ينرش‪ ،‬وال صلة للكاتب مبتع ّهدي الطباعة والنرش والتسويق‬
‫خاصة مع سيطرة النزعة‬
‫الذين ميكن أن يفرضوا إمالءاتهم ورشوطهم عليه‪ّ ،‬‬
‫التجارية وطغيانها لدى أغلب دور النرش الوطنية والعربية‪ .‬إنّها كتابة متح ّررة‬
‫من رشوط املادّة ومحاذير الرقابة‪ ،‬ومن أ ْجىل ميزاتها أيضا رسعة االنتشار‬
‫وسالسته إذا ما قُورنت بوسائط أخرى‪ ،‬ومن املمكن أن تجد بعض هذه‬
‫الكتابات انتشارا وذيوعا كبرييْن يف زمن قصري‪ .‬وألجل هذه املزايا انخرط كتّاب‬
‫كبار وشعراء مشهود بشعريتهم باإلضافة إىل جملة من األسامء البارزة يف عامل‬
‫الثقافة والفكر والقادمة من عامل الكتاب الورقي يف هذه الفضاءات االتّصالية‬
‫وأسهموا بكتابات راقية هي من صميم األدب‪ ،‬سواء كان ذلك يف املواقع‬
‫املتخصصة أو عرب صفحاتهم الشخصية التي وظّفوها للرتويج‬
‫االلكرتونية‬
‫ّ‬
‫القصة‪ ،‬الرواية‪،‬‬
‫ألعاملهم األدبية مبختلف تفريعاتها األجناسية (الشعر‪ّ ،‬‬
‫السانحة األدبية‪ ،‬ال ّنص املرسحي‪.)...‬‬
‫ولك ْن يجب اإلشارة إىل أ ّن ما ذكرناه من إيجابيات هذه املواقع االتّصالية‬
‫ومردوديّتها يف عامل اإلبداع األديب‪ ،‬ال ميكن أن ينفي ما تحمله يف طيّاتها من‬
‫ودب‪ ،‬ومن ث َّم اختالط الغثّ‬
‫حقيقي‪ ،‬وهو إتاحتها الكتابة ّ‬
‫خطر‬
‫هب ّ‬
‫لكل من ّ‬
‫ّ‬
‫بالسمني‪ ،‬وما نتج عن ذلك من أثر عىل الذوقني األديب والجاميل العا ّم‪.‬‬
‫في قلّة األدب واللّعب على الذقون‬
‫مث ّة من اآلراء من يذهب إىل أ ّن "الكاتب الفايسبويك" يبقى مج ّرد كائن‬
‫يظل مج ّرد‬
‫رقمي موجود يف الفضاء االلكرتوين‪ ،‬وكذا بالنسبة إىل إنتاجه األديب‪ّ ،‬‬
‫"افرتاض أديب"‪ ،‬إىل حني تحقّقه واقعا‪ ،‬فاألدب واألديب مفهومان ال ميكن أن‬
‫يتحقّقا إالّ عىل أرض الواقع‪ .‬ونسوق يف هذا اإلطار رأيا للروايئ األمرييك جوناثان‬
‫فرانزين الذي يوصف بأنّه من بني أه ّم الروائيني املعارصين‪ ،‬بعد أن وضعت‬
‫أعامله يف الئحة األعامل األكرث قراءة‪ ،‬حيث حذّر الجيل املعارص من هدر وقته‬
‫وجهده يف املزيد من التدوينات والتغريدات عرب مواقع التواصل االجتامعي‪،‬‬
‫وكانت نصيحته يف هذا السياق واضحة‪ ،‬حيث قال‪" :‬عليهم بدل ذلك السعي‬
‫إىل تطوير أدواتهم يف الكتابة‪ ،‬أل ّن الكتابة إضافة إىل كونها موهبة‪ ،‬فهي ُد ْربة‬
‫ومت ّرس وليست مؤسسة طائفية جامعية يجتمع حولها اآلخرون‪ ،‬بقدر ما هي‬
‫جهد خيايل شخيص ينجزه الكاتب عىل أرض الواقع"‪.‬‬
‫واملتابع ملا ينرش بعنوان األدب عرب مواقع التواصل االجتامعي وتحديدا‬
‫عرب الفايسبوك‪ ،‬يقف عىل مدى استسهال عملية الكتابة إىل درجة وصلت ح ّد‬

‫االبتذال واالستهزاء بالقارئ‪ .‬وتجلىّ ذلك بالخصوص عند فئة تكتب "نصوصاً"‬
‫كل‬
‫من غري اليسري تصنيفها أجناسيا‪ ،‬أو باألحرى تكتب نصوصا مارقة عن ّ‬
‫يلح أصحابها عىل تسويقها مبس ّميات‬
‫جنس‪ .‬ورغم طبيعتها املنفلتة تلك‪ّ ،‬‬
‫محدّدة وتصنيفات دالّة مثل الرواية‪ ،‬أو املجموعة الشعرية‪ ،‬أو املجموعة‬
‫القصصية‪ .‬وقد يعمد أحد هؤالء إىل املداومة واالنتظام يف تدوين بعض‬
‫والسوانح والتهوميات التي ال تخلو من سطحية وتفاهة بائنتينْ ‪ ،‬ث ّم‬
‫الخواطر ّ‬
‫يتج ّرأ عىل إرفاق اسمه بلقب شاعر أو روايئ‪ ‬يخلع عىل نفسه اإلسم دون أدىن‬
‫إحساس بالحرج أو الذنب‪ ،‬ومعياره األسايس يف ذلك عدد املتفاعلني افرتاضيا‬
‫نصه عرب تقنية اإلعجاب (اللاّ يكات) التي يعت ّد بها أيمّ ا اعتداد يف تحديد‬
‫مع ّ‬
‫توسل مثل هذا املقياس وحده ال يُعت ّد به يف دنيا‬
‫قيمته األدبية‪ .‬والحقيقة أ ّن ّ‬
‫األدب وال يعني شيئا‪ ،‬وال أدلّ عىل ذلك من أنّنا قد نقف عىل حاالت واضحة‬
‫من التّضليل يف تقييم بعض الكتابات فنجد أ ّن النصوص التي ال قيمة لها قد‬
‫حصدت مئات اإلعجابات والتفاعالت‪ ،‬يف حني ال يحظى غريها مماّ يفوقها‬
‫قيمة وجودة مبثل ما حظيت به‪ ،‬ويف أحيان كثرية مبا دونه‪ .‬ومن ث َّم يتوه‬
‫الباحث عن الحقيقة يف هذه اللّجة العميقة وهذا العامل االفرتايض الذي ال‬
‫قرار له‪.‬‬
‫قاص من‬
‫أو‬
‫روايئ‬
‫أو‬
‫شاعر‬
‫لقب‬
‫ينتظر‬
‫من‬
‫ّة‬
‫مث‬
‫يعد‬
‫مل‬
‫ّه‬
‫ن‬
‫أ‬
‫والخالصة‪،‬‬
‫ّ‬
‫الكل يخلع األلقاب عىل نفسه‪ ،‬وهذا ما قد يقود األدب إىل متاهة‬
‫اآلخرين‪ّ .‬‬
‫ودائرة مغلقة تلفّها خيوط الشبكة العنكبوتية‪.‬‬
‫هذا وقد وقع يف حبائل استسهال الكتابة كتّاب مرموقون ومشهود‬
‫بكفاءتهم‪ ،‬فانحدروا إىل إسفاف املبتدئني وكتبوا يف هذا السياق التواصيل‬
‫بلغة ال ترتقي إىل لغة األدب‪ ،‬األمر الذي شكّل خطورة عىل رمزية الكتابة‬
‫وريادية الكاتب واإلنتاج األديب عموما‪ ،‬إذ مث ّة دامئا من املعايري األدبية ما ال‬
‫ميكن التغايض عنه ويستوجب االلتزام به‪.‬‬
‫بقي أن نشري إىل ظاهرة أخرى الفتة‪ ،‬وهي انتشار األخطاء الرتكيبية‬
‫واللّغوية وحتّى اإلمالئية يف مواقع التواصل االجتامعي‪ ،‬وهذا يطرح أسئلة‬
‫عديدة وخصوصا إذا ما تعلّق األمر بالكتابة األدبية‪ ،‬من قبيل طبيعة التكوين‬
‫يف اللّغة العربية وحفاظ هذا الجيل عىل ه ّويته من خاللها‪ .‬وقد يصل األمر‬
‫باملطّلع إىل حدود الحرية واالستغراب عندما يقف عىل أخطاء شاعت كثريا من‬
‫قبيل رسم الهمزة والضاد والظاء وغريها كثري‪.‬‬
‫وأخريا‪ ،‬ال ميكن أن نتغاىض عن شيوع الرسقة األدبية عرب هذه املواقع‪ ،‬إذ‬
‫ال تخلو مسألة نرش النصوص األدبية عىل الفايسبوك تحديدا من مجازفة‪،‬‬
‫باعتبار أن الفضاء منفتح عىل العموم وال يضمن حقوق التأليف‪ ،‬ما يطرح‬
‫مشكلة الرسقة والسطو األدبيني‪ .‬ففي حاالت كثرية يتفطّن الكاتب إىل انتشار‬
‫ما كتبه عىل صفحة شخص آخر دون أدىن اإلشارة إىل من كتب‪ .‬بل مث ّة من‬
‫حق‬
‫يوقّع باسمه تحت ما وقع السطو عليه‪ ! ‬لتبقى مشكلة التوثيق وضامن ّ‬
‫التأليف من أبرز النواقص التي تشوب الكتابة األدبية عىل الفايسبوك‪.‬‬
‫مع رضورة اإلشارة يف هذا السياق إىل وجود رسقات بائنة‪ ،‬ويف أغلب‬
‫األحيان ال يتس ّنى ملن يقرتف ذلك الهروب من منطق الجملة األدبية أو‬
‫الشعرية املرسوقة‪ ،‬ما يشكل فضيحة انتحال أديب ال يعاقب عليها "اللّص"‬
‫قانونيا (القوانني العربية قارصة يف هذا املجال)‪ ،‬ولكن ذلك قد ميثّل إحراجا‬
‫وجل ما يزعجه أن ما اقرتفه من سطو قد ت ّم‬
‫ملدّعي األدبية أو الشعرية‪ّ ،‬‬

‫وخاصة إذا كانوا من قرائه أو‬
‫التفطّن إليه من قبل مرتادي هذه املواقع‪،‬‬
‫ّ‬
‫ولعل مثل هذه الظواهر وهذا "االدّعاء" هو ما دفع‬
‫زمالئه أو أصدقائه‪ّ .‬‬
‫الكاتب واملفكر اإليطايل امربتو ايكو إىل الترصيح التايل‪ ،‬يقول‪" :‬مواقع التواصل‬
‫حق الكالم لفيالق من الحمقى‪ ،‬ممن كانوا يتكلمون يف البارات فقط‬
‫متنح ّ‬
‫بعد تناول كأس من النبيذ‪ ،‬دون أن يتس ّببوا بأ ّي رضر للمجتمع‪ ،‬وكان يت ّم‬
‫الحق بالكالم مثلهم مثل من يحمل جائزة نوبل‪.‬‬
‫إسكاتهم فورا ً‪ .‬أ ّما اآلن فلهم ّ‬
‫إنه غزو البلهاء‪."...‬‬
‫في استقالة دور النشر والمؤسسات الثقافية‬
‫يرى كثري من املهت ّمني بالشأن األديب أنه باسم التجديد والحداثة رضب‬
‫األدب يف مقتل‪ ،‬وال يتّصل ذلك بال ّنص األديب وحسب‪ ،‬بل يتعدّاه إيل غريه مماّ‬
‫مؤسسات الطباعة والنرش‬
‫تعالق به شديد التعالق‪ ،‬و نقصد يف هذا السياق ّ‬
‫والتوزيع وما يفرتض أن تتوفّرعليه من حرف ّية ومت ّرس يف االحتفاء باملص ّنفات‬
‫األدبية التي "تحرتم" الح ّد األدىن من رشوط األدبية يف املعاين واللّغة والصور‪.‬‬
‫ولك ّن واقع األمر يق ّر نقيض ذلك وخالفه‪ :‬أغلب الدور تقدّم الرشط املادّي‬
‫عىل بق ّية الرشوط‪ ،‬حيث تغلب النزعة التجارية يف بعدها املادي الرصف‬
‫بل وال يتو ّرع أغلبها عن استغالل لهفة فئة من "الكتّاب" إىل رؤية كتب‬
‫تحمل أسامءهم عىل األغلفة‪ ،‬حتّى ولو كان اإلنتاج األديب ضحال ودون مستوى‬
‫املأمول‪.‬‬
‫وباالستناد إىل ذلك‪ ،‬ويف عالقة تصل اإلنتاج األديب مبواقع التواصل االجتامعي‬
‫بات أغلب هذه املواقع بوابة للعديد من النارشين‪ ،‬الذين يستغلّون شغف‬
‫ّتي كتاب‪.‬‬
‫أصحاب "الالّيكات" يف تحويل إنتاجهم الرقمي إىل منتج ورقي بني دف ْ‬
‫كل ذلك يف ظل غياب حركة نقدية‪ ،‬وغياب شبه تا ّم لالهتامم‬
‫يت ّم ّ‬
‫املؤسسايت باألجيال الجديدة‪ .‬ونعتقد أ ّن ما سبق ذكره يع ّد من أه ّم أسباب‬
‫ّ‬
‫"استباحة" األدب العريب والتّجني عليه‪ .‬ولو كان مث ّة وجود فعيل ملؤسسات‬
‫ثقافية تضطلع بدور مميّز يف املجال الثقايف‪ ،‬ومتنح جوائز أدبية محفّزة‪ ،‬أو‬
‫تقوم بطباعة الكتب الجادّة‪.‬‬
‫كل الظواهر الجديدة‬
‫وعموما فليس لهذه الفسحة املوجزة الوقوف أمام ّ‬
‫التي فرضتها مواقع التواصل االجتامعي يف اتّصالها بال ّنص األديب‪ ،‬وما ميكن‬
‫إقراره يف الختام هو أن الفيس بوك باعتباره أحد أه ّم هذه املواقع هو مج ّرد‬
‫وسيلة اتصالية تحفّز اآلخرين عىل قراءة إنتاجنا األديب‪ ،‬كام تتيح االطالع عىل‬
‫بعض اآلراء حول نصوصنا‪ ،‬لك ّن هذه الوسيلة ال تستطيع أن تكون مرجعية‬
‫نقدية‪ ،‬فالتعليقات الكثرية أو "اليكات" ال تعني أن ال ّنص أكرث جامالً وجودة‪،‬‬
‫أقل قيمة‪ .‬ويف‬
‫كام أ ّن التعليقات أو "اللاّ يكات" األقل ال تعني أ ّن النص ّ‬
‫قاص‬
‫النهاية‪ ،‬فإن من ينظر إىل الفيس بوك عىل أنه مرجعية لخلق شاعر أ ْو ّ‬
‫أ ْو را ٍو أ ْو ناقد‪ ،‬فهو واهم ويحتاج رأيه إىل إعادة النظر‪ .‬إذ ليس مطلوبا من‬
‫الشعراء والكتّاب الحقيقيني إالّ العمل عىل نصوصهم ولغتهم وتطوير تجربهم‬
‫الحب من‬
‫اإلبداعية من خالل فعل القراءة‪ ،‬وللنقد الحقا أن يقوم بغربلة ّ‬
‫ال ّزوان‪ ،‬فالجيّد سيخلد والرديء سينتهي‪.‬‬
‫هذا ونأمل يف أ ّن العرص الرقمي مل ينتج لنا أدبا من فئة ما ميكن وصفه‬
‫املتخصص بالتكنولوجيات‬
‫ب"الكتابة غري اإلبداعية"‪ ،‬مثلام أسامها املحلّل‬
‫ّ‬
‫الحديثة "كينيث غولدسميث"‪.‬‬

‫‪6‬‬

‫الخميس ‪ 1‬سبتمرب ‪ - 2016‬املوافق لـ ‪ 28‬ذي القعدة ‪ - 1437‬العدد ‪52‬‬

‫ا ّت ٌ‬
‫التواصل‪:‬‬
‫صال مع القليل من ُ‬

‫ستبدة‬
‫الم ّ‬
‫في ُمشكالت الع ْين ُ‬
‫مصطفى الكيالني‬

‫عرصنا االتّصا ّيل‬
‫االجتامعي»‬
‫ل‬
‫التواص‬
‫بـ»مواقع‬
‫املختص‬
‫املقام‬
‫هذا‬
‫يف‬
‫ء‬
‫ابتدا‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ما يحرضنا ً‬
‫ّ‬
‫يس ريجيس دوبري‬
‫(الفايسبوك) هو ما ذهب إليه باحث امليديولوجيا الفرن ّ‬
‫ضمن سياق حديثه عن أطوار االتّصال العا ّم الكربى يف مجمل التاريخ‬
‫الكالمي (‪ )Logo-Sphère‬ث ّم املجال الكتا ّيب‬
‫اإلنسا ّين ممثّل ًة يف املجال‬
‫ّ‬
‫(‪ )Grapho-sphère‬ويليه املجال التلفاز ّي (‪ )*( )vidéo-sphère‬هذا‬
‫العرص الّذي نحيا منذ االنتقال إىل الصورة الضوئ ّية التلفازيّة وما تبعها من‬
‫استخدامات رقميّة إثر انتشار الحواسيب والهواتف الج ّوالة وما شهدته‬
‫من تط ّور رسيع يف برمجيّاتها خالل العقدين األخريين‪ .‬إالّ أ ّن هذا التط ّور‬
‫ال يعني‪ ،‬يف تقديرنا ِ‬
‫املتواضع‪ ،‬انقطاعا بني مختلف املراحل املذكورة‪ ،‬ذلك‬
‫أ ّن الكتابة يف األصل هي إعادة إنتاج للصوت‪ ،‬كأن تحمل يف ذاتها البعض‬
‫الكثري من وهجه مثلام هو يف واقع التلفّظ إضاف ًة إىل كونها مغالبة للموت‬
‫والنسيان بالحرص عىل إدامة املنقيض‪ ،‬كرمزيّة «توت» إله الفرعو ّين‪ ،‬وازن‬
‫قياسا يف التمثّل عىل‬
‫القلوب واألرواح الساعي إىل تخليد الصوت بالحرف ً‬
‫التّحنيط بإمكان إعادة الحياة إىل امل َوات (البعث)‪ .‬وكذا الصورة الضوئ ّية إ ْن‬
‫حاولنا تفكيك بنيتها من اإلبصار وإليه لك ْونها تمُ ثّل أساليب ُمتع ّددة الظهور‬
‫السيميولوجي املخصوص بالتكثيف البرص ّي امل ُصا ِحب للكتابة والصوت وف ّن‬
‫ّ‬
‫تركيب األشكال واأللوان وتوليدها‪.‬‬
‫الكالمي‪ ،‬وللسمع‬
‫فكان للسمع حضور بارز يف املجال‬
‫ّ‬
‫مرجعي أيضا يف املجال الكتا ّيب‪ ،‬إالّ أ ّن األذن أضحت‬
‫دور‬
‫ّ‬
‫الحواس وراء العني‬
‫اصطفاف‬
‫حركة‬
‫يف‬
‫تابعة‬
‫ة‬
‫ي‬
‫ثانو ّ‬
‫ّ‬
‫الحيني وتأثريها املبارش‪.‬‬
‫املستب ّدة بفاعل ّية سياقها ّ‬
‫والتواصل‬
‫التلفازي‬
‫ما بين اال ّتصال‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫إ ّن وسائل االتّصال يف هذا العرص التلفاز ّي متن ّوعة‪،‬‬
‫واستخدامها جامهري ّي بكرثة الحواسيب والهواتف‬
‫التواصل يظلّ قامئا‪.‬‬
‫الج ّوالة‪ .‬لك ّن سؤال ُ‬
‫لقد أ ْدرك ريجيس دوبري خطر إطالق العني وهيمنتها‬
‫الحواس األخرى لتختلّ بذلك منظومة الوعي‬
‫عىل‬
‫ّ‬
‫وينخفض اإلدراك إىل أدىن مراتب اشتغاله‪ ،‬ذلك أ ّن‬
‫اإلفراط يف اإلبصار يُؤ ّدي حتام إىل العشا‪ ،‬حسب جان‬
‫روسو‪ ،‬وقد استدلّ به ريجيس دوبري عىل فَرط‬
‫جاك ّ‬
‫الرؤية البرصيّة يف املجال التلفاز ّي الّذي نحيا‪.‬‬
‫الحواس‪،‬‬
‫فقُوى التفكري ماثلة يف مرجع ّية الح ّو ّاس‪ ،‬كُلّ‬
‫ّ‬
‫حسا وعقال وح ْد ًسا‬
‫مبُجمل قُوى الجسد‪ ،‬قُوى الحياة ّ‬
‫وتخييال‪ ،‬إ ْذ بني العمى والعشا متثُل صلة الح ّو ّاس بعضها‬
‫بالحواس األخرى داخل جسد‬
‫حاسة‬
‫ببعض لتسترثي كُلّ ّ‬
‫ّ‬
‫واحد وذات ُمفكّرة واحدة‪ ،‬وإن اختلف الفالسفة يف‬
‫تسمية اإلدراك باللّوغوس قدميا‪ ،‬وبالكوجيتو الديكاريتّ‬
‫يف الالّحق ومجمع قُوى الروح مبفهوم املوناد اللّيبنتز ّي‬
‫حسب التمثّل‬
‫وصلة األفكار بالتجربة وواقع التجربة‪َ ،‬‬
‫الهيومي‪ ،‬وبالذات املفكّرة العارفة وتفصيل رشوط عملها‬
‫ّ‬
‫كانط ّيا إلدراك مطلق الروح أو الفكر ((‪ Esprit‬وحدود‬
‫العقل والتاريخ باملنظور الهيغ ّيل ث ّم األنا (‪ )Ego‬وصلة‬
‫باألنطولوجي والطبيعة مبا هو أبعد من الطبيعة‬
‫األنطي‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫تواصال مع العامل ومتثّال مبفهوم‬
‫الظواهر‬
‫يف‬
‫التفكري‬
‫عند‬
‫ُ‬
‫التعايل الهورس ّيل ييل ذلك ال ّدازين الهيدغر ّي القائم عىل‬
‫مدلول التّموقُع داخل العامل وتبينُّ ماهيّة العامل بال ّدازين‪.‬‬
‫بتواصل هذا األنا مع‬
‫إ ّن تواصل األنا مع ذاته مرشوط ُ‬
‫اآلخر سامعا وإسام ًعا‪.‬‬

‫فهل االتّصال ضمن املجال التلفاز ّي عا ّم ًة اليوم ومبواقع‬
‫تواصال أي انفتا ًحا لألنا عىل‬
‫االتّصال‬
‫االجتامعي يعني ُ‬
‫ّ‬
‫ذاته وانفتاحا لهذا األنا عىل األنَ َوات األخرى بظاهر‬
‫األجساد ‪ -‬ال ُوجوه وكامن األفكار‪ -‬األحاسيس؟‬
‫تق ّبل الصورة الضوئ ّية في غمرة وعي‬
‫االستهالك‬
‫الحواس‪ ،‬كُلّ الح ّواس‪ ،‬كام أسلفْنا‪ ،‬وراء العني‬
‫فتصطف‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫املبرصة املنبهِرة ح ّد العشا مبا تتق ّبله من شالّالت ُصور‬
‫يف العبيّة األضواء واألشكال واأللوان‪ :‬آالف‪ ،‬بل ماليني‬
‫الحيني‪ ،‬وتعرب تلك الصور‬
‫الصور تتق ّبلها العني باإلبصار‬
‫ّ‬
‫املتالحقة املتزاحمة املتداخلة دوائر أذهان مسرتخية‬
‫ُمنهكة مشلولة اإلرادة لهيمنة الباثّ امل ُطلقة الحريص‬
‫عىل اإلسامع األعمى من غري سامع‪ ،‬إ ْذ ال يُعري األسامء‬
‫أ ّي اهتامم العتبار اآلخرين مج ّرد أرقام يف منظومة‬
‫االستهالك العومل ّية الّتي ح ّولت البرش إىل عبيد يُنفّذون‬
‫أحكام مملكة التّسليع الكربى‪.‬‬
‫ال ّ‬
‫شك يف أ ّن التط ّور االتّصا ّيل الحادث مبا شهدته‬
‫تكنولوجيا االتّصال من ثورة‪ ،‬بل ثورات مذهلة‪ ،‬هو‬
‫بعض من تط ُّور الذكاء البرش ّي بعد االندفاع إىل أقىص‬
‫استخدام املنطق الثنا ّيئ (‪ )binaire‬واالقرتاب بخُطى‬
‫حثيثة اليوم من املنطق الثال ّيث (‪ )Trinaire‬ليُبشرّ‬
‫بثورات تكنولوج ّية اتّصال ّية قادمة ستكون أكرث إذهاال‬
‫اإليتيقي امل ُثار هو‬
‫وجدوى عمل ّية يوم ّية‪ .‬إالّ أ ّن السؤال‬
‫ّ‬
‫ذاته إن نظرنا يف مجموع األرضار الالّحقة بهذا املوجود‬
‫الكائن (اإلنسان) الّذي مل يعد قاد ًرا اليوم عىل التفكري‬
‫بأريح ّية كام كان‪ ،‬بل إ ّن الزمن الحثيث ال يسمح له‬
‫بالتوقّف حينا اللتقاط األنفاس والنظر يف مرآة الذات‬
‫قصد التأ ّمل ومراجعة ما هو عليه مبا ميكن أن يكون‪،‬‬
‫ذلك أ ّن منظومة االستهالك تقيض الترسيع يف كُلّ يشء‬

‫الحيني املنقطع عن‬
‫واالقتصار عاد ًة عىل الزمن‬
‫السياقي ّ‬
‫ّ‬
‫أ ّي ماض الرافض أل ّي مستقبل‪ ،‬لكون االستهالك يعني أ ْن‬
‫زمني وال‬
‫نعيش اللّحظة كام هي وال نستدلّ عليها بسابق ّ‬
‫ننفتح بها عىل مستقبل‪ .‬فقط هي لحظة ُم ْبترسة رسعان‬
‫ما تظهر وسرُ عان ما تنقيض وكأنّها مل تحدث‪ ،‬ألنّها ال ترتك‬
‫أثرا‪ ،‬وماه ّيتها ُمح ّددة بهذا االنقضاء العاجل‪ .‬ذلك أ ّن‬
‫الوعي االستهاليكّ‪ ،‬وعي الصورة الضوئ ّية الهاجمة‪ ،‬وعي‬
‫الحواس‪ ،‬هو وعي‬
‫للحواس‪ ،‬كُلّ‬
‫العني امل ُستب ّدة اآلرسة‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫اللّحظة االستهالكيّة الهالكة املائتة منذ انبعاثها ث ّم امليّتة‪.‬‬
‫مكان غائم ‪ -‬كيان ملتبس‬
‫الحيني‬
‫الترسيعي‬
‫فأضحت املكان ّية اليوم بهذا الزمن‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫مجاال الرتباك وعي األشياء والعامل‪ ،‬كأن تتعارض هذه‬
‫املكان ّية مع الذاكرة وال تعمل عىل إنشاء أ ّي ذاكرة‬
‫األنطولوجي‬
‫نطي عىل‬
‫ّ‬
‫ألنّها تخترص كُلّ يشء وتُغلّب األُ ّ‬
‫وباهت اليشء عىل وهج الظاهرة والقيمة الربح ّية‬
‫االستهالكيّة عىل أ ّي قيمة أخالقيّة‪.‬‬
‫والنتيجة‪ :‬أفراد بال ذوات دالّة عليهم وأشخاص بال‬
‫هويّة فرديّة وأجساد بال وجوه يف زحمة تشابه الوجوه‬
‫أو متاثلها واتّصال مفروض عىل الجميع وال اختيار مع‬
‫تواصل إالّ ما ندر لنشهد بذلك تجميعا‬
‫وهم للتواصل وال ُ‬
‫مبؤسسات وأساليب جديدة بعد القبيلة واأل ّمة والطائفة‬
‫ّ‬
‫والحزب‪ ،‬تجميع حادث قائم هو اآلخر عىل إجامع‬
‫جمعي ال يتح ّدد ببلد‬
‫مفاده هيمنة ال ّنحن أيضا‪ ،‬ضمري‬
‫ّ‬
‫ومجتمع وثقافة بعينها‪ ،‬بل كُلّ حاكم ميارس استبداده‬
‫عىل الكُلّ ‪ ،‬وما األفراد إالّ أطياف ظالل يف بحر هائل من‬
‫الصور تنبعث ليال نها ًرا من فضائ ّيات البثّ التلفاز ّي‬
‫وعرب مليارات الحواسيب والهواتف الج ّوالة‪.‬‬
‫فأ ّي تواصل نتح ّدث عنه بعد الّذي أسلفنا؟ وأ ّي حريّة‬
‫فرديّة ما دام الكُلّ مستلَبي اإلرادة أو البعض الكثري‬

‫وملي وخدمة‬
‫من هذه اإلرادة تبعا ألحكام التجميع ال َع ّ‬
‫القتصاد السوق االستهالك ّية الكون ّية؟ وهل مبقدور الفرد‬
‫مغالبة هذا الوضع ليس بدافع رفض وسائل االتّصال‬
‫الحديثة‪ ،‬بل باالستفادة منها والتفاعل اإليجا ّيب امل ُثمر‬
‫معها عند تطوير املعارف واملهارات دون تعا ُرض مع‬
‫مامرسة ال ُحريّة الفرديّة؟‬
‫اإليتيقي إىل عدد‬
‫األانطولوجي و‬
‫وكام أملحنا يف الجانب‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫من األخطار امل ُحدقة بالكائن والكيان لهيمنة الصورة‬
‫وخاصة‬
‫وسلطان العني واستبدادها‬
‫بالحواس األخرى‪ّ ،‬‬
‫ّ‬
‫األذن نُشري إىل تط ّور الذكاء اإلنسا ّين العم ّيل بهذه‬
‫الوسائل االتّصال ّية الجديدة وإمكان االستفادة منها‬
‫تأسيسا لفكر وثقافة جديديْن ل ُنواصل بذلك النهوض‬
‫الفني يف مجاالت‬
‫بصناعة الكتاب وترقية أساليب التعبري ّ‬
‫املرسح والسينام واملوسيقى ومختلف العلوم اإلنسان ّية‬
‫وغريها من العلوم‪.‬‬
‫إالّ أ ّن التعارض اليوم عىل أش ّده بني اتّصال حادث ينترص‬
‫للّحظة والنجوميّة عىل الثقافة واملثقّف واملايض وإمكان‬
‫املستقبل‪ ،‬وللمكان ّية االفرتاضية عىل واقع ّية املكان‪.‬‬
‫مطب هذا التعا ُرض الحا ّد بني‬
‫ولك ْن كيف الخروج من ّ‬
‫التواصل؟ كيف نستقرئ تجربة هذا الّذي‬
‫االتّصال و ُ‬
‫االجتامعي»؟ وهل فوائده‬
‫التواصل‬
‫ُس ّمي «مواقع‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ثابتة يف بلدان دون أخرى أ ْم إيجاب ّياته هي الغالبة يف‬
‫كُلّ البلدان‪ ،‬وال استثناء؟ وهل ساعدت هذه «املواقع»‬
‫الحق‬
‫عىل نرش قيم املح ّبة والتعلّم والتثقّف ومامرسة ّ‬
‫الفرد ّي يف التعبري مبا ال يتعارض مع حقوق اآلخرين؟‬
‫وهل ك ّرست مفاهيم جديدة إيجاب ّية للصداقة والتّوا ُدد‬
‫والتعا ُون واالحرتام املتبادل؟‬
‫مقاصد نبيلة ُمقابل وقائع كارث ّية‬
‫حق الكائن الفرد أن يتّصل باآلخر ويتواصل معه‬
‫من ّ‬

‫‪7‬‬
‫يف اآلن ذاته لحاجته ُوجو ًدا إىل الحوار‪ ،‬إىل التكالُم (االشرتاك يف الكالم)‬
‫بالوسائل املعتا َدة امل ُباشرِ ة وبالوسائل التكنولوج ّية الجديدة الّتي‬
‫الجمعي‪ ،‬إ ْذ‬
‫اكتسحت حياتنا جميعا فأضحت جزءا من واقعنا الفرد ّي و‬
‫ّ‬
‫الصعب اليوم االستغناء عن ثقافة الصورة الّتي ننام لنستيقظ عليها‪،‬‬
‫من ّ‬
‫وحضو ُرها دائم مبا نُشاهده بني الحني واآلخر من برامج تلفزيون ّية وما‬
‫نمُ ارسه من إبحار الكرتو ّين واتّصال فايسبويكّ واستخدام الهاتف الج ّوال‬
‫بطرائق مختلفة‪ ،‬كالتخاطُب واعتامد اإلرساليّات القصرية املكتوبة‬
‫واالتّصال الفايسبويكّ‪ .‬فهذه الوسائل االتّصال ّية الحديثة تُتيح للكائن الفرد‬
‫ُرصا كثرية لتجسيد رغبته يف اعرتاف اآلخر به واعرتافه باآلخر ومامرسة‬
‫ف ً‬
‫حريّته كاملة يف التعبري عن أفكاره ورغباته وأحالمه وطموحاته وانتصاره‬
‫لثقافة املحبّة والصداقة‪ .‬إالّ أ ّن الواقع‪ ،‬عكس ذلك‪ ،‬ييش بالنقيض‪،‬‬
‫الجمعي وال تتغاير األصوات‬
‫كأن تنتفي هويّة الفرد يف زحمة االتّصال‬
‫ّ‬
‫املتكلّمة لوقوعها يف دائرة تكرار التامثُل ومتاثُل التكرار‪ ،‬إذ الكُلّ يُخاطب‬
‫الكلّ وال تفريد‪ ،‬والغالب عند التخاطب اإلسامع ال السامع والشتات ال‬
‫التواصل والتنابُذ ال التّحابب مبا هو سائد من أساليب التعريض والثلب‬
‫ُ‬
‫وهتك األعراض وترويج األخبار الكاذبة بوقائع جديدة استلزمت أوضاع‬
‫ٍ‬
‫تقاض جديدة أيضا مل يدركها تاريخ القضاء يف سالف األزمنة‪.‬‬
‫وبهذه االستخدامات السلب ّية لوسائل االتّصال الحديثة ولـ»مواقع‬
‫االجتامعي» عىل وجه الخصوص‪ ،‬تسترشي نريان ال ِعداء بني‬
‫التواصل‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫األفراد وال ِفنت بني املجموعات من أحزاب وطوائف وديانات وقوم ّيات‬
‫وغريها‪.‬‬
‫فاإليتيقي الغائب أو امل ُغ ّيب هو الّذي قىض االنحراف بهذه الوسائل‬
‫ّ‬
‫االتّصاليّة الحديثة عن مقاصدها النبيلة امل ُمكنة إضاف ًة إىل تأثري الزمن‬
‫الحيني واشتغاله الرسيع يف إدراك الفرد املرتبك ح ّد االلتباس أحيانا‬
‫ّ‬
‫كثرية‪.‬‬
‫ولعلّ استحالة ضامن اعرتاف اآلخر باألنا املتكلّم واعرتافه باآلخر يف‬
‫التواصل‪ ،‬وإىل ذلك‬
‫زحمة األضواء واألصوات هي من أبرز أسباب تعطّل ُ‬
‫غياب إمكان الصمت امل ُصاحب للكالم ذاته‪ ،‬الصمت األدىن الّذي يكون‬
‫به السامع واإلسامع النغالق لحظة االتّصال عىل ذاتها رغم سيادة وهم‬
‫التواصل‪.‬‬
‫ُ‬
‫االجتامعي» يف البلدان الّتي ظهر بها هذا‬
‫فالقصد من «مواقع التواصل‬
‫ّ‬
‫األسلوب التخاط ُّبي هو‪ ،‬دون ّ‬
‫شك‪ ،‬تسهيل األعامل وتطوير منط العيش‬
‫وترسيع الزمن قصد إنجاز الكثري من األعامل وتوسيع أفق حريّة الفرد‪.‬‬
‫إالّ أ ّن هذا القصد استحال يف بلداننا إىل تعطيل األعامل وتعسري منط‬
‫العيش وإرباك الزمن والوعي وحال اإلدراك وتضييق مجال الحريّة‬
‫وإثارة األحقاد وال ِفنت‪.‬‬
‫التواصل أخي ًرا‬
‫في إيتيقا ُ‬
‫يستلزم واقعنا االتّصا ّيل عا ّمة اليوم مراجعة أخالقيّة بتمثّل قيم ثقافيّة‬
‫التواصل اإليجا ّيب امل ُث ِمر إالّ بها‪ .‬وأبرز هذه ال ِقيم ثقافة‬
‫مرجع ّية ال يكون ُ‬
‫الكتاب والفنون والتفكري ال ُح ّر الّذي يُجاوز ذاته باستمرار ضمن مرشوع‬
‫ُمنفتح لفهم العامل لكونه مرشوعا مخصوصا بالذات امل ُفكّرة و ُمختلف‬
‫االجتامعي»‬
‫تعصب لـ»مواقع التواصل‬
‫مفاهيمه الحادثة واملمكنة‪ .‬فال ّ‬
‫ّ‬
‫تعصب عليها‪ ،‬وإنمّ ا هي الوسيلة امل ُتاحة لجميع‬
‫كام هي عليه اليوم وال ّ‬
‫األفراد تستدعي تفكريا إيتيق ّيا مفاده الدعوة إىل التعايُش معا باحرتام‪،‬‬
‫مبح ّبة ُمتبادلة‪ ،‬بثقافة السامع واإلسامع‪ ،‬كام ْأسلفنا‪ ،‬بروح التعا ُون‬
‫واالستفادة امل ُشرتكة‪ ،‬بالتفكري املشرتك أيضا مبا هو أبعد من اللّحظة‬
‫الحيني بدافع التأسيس لذاكرة وتاريخ ال يُفارقان بني ُوجود‬
‫وسياقها‬
‫ّ‬
‫األنطلوجي‪ ،‬بني الطبيعة والظاهرة‪،‬‬
‫األنطي و‬
‫ّ‬
‫الفرد ووجود املجموعة‪ ،‬بني ّ‬
‫الحس مبُجمل قوى الجسد‪ ،‬ومبا يُعيد‬
‫الحس وما هو أبعد من ّ‬
‫بني ّ‬
‫الزمني‪ ،‬خصوصيّته‬
‫للح ّواس انسجامها ولإلدراك راهنيّته واتّساع مجاله ّ‬
‫الحين ّية السياق ّية وشموله مبا هو أبعد من السياق‪ ،‬صفته املحدودة‬
‫و َملْمحه الالّ‪-‬محدود لتتعالق بذلك خربة الذاكرة وفاعل ّية التفكري بالعقل‬
‫الحس واملفهوم تفاديا‬
‫وعقل العقل ْ‬
‫وصالً بني اليشء والظاهرة‪ ،‬بني ّ‬
‫لتسطيح القيمة وتسكني املعنى بثابت املفهوم و ُمعتاد التدا ُول وجاهز‬
‫تواصل إالّ ما ندر‪.‬‬
‫االستخدام اتّصاال من غري ُ‬
‫‪-----------------------------------------------------------------‬‬‫(*) ‪Regis Debray, ‘’Cours de médiologie générale’’, Paris :‬‬
‫‪.Gallimard, 1991‬‬

‫الخميس ‪ 1‬سبتمرب ‪ - 2016‬املوافق لـ ‪ 28‬ذي القعدة ‪ - 1437‬العدد ‪52‬‬

‫اإلبداع وال ّنقد في الفضاء االفتراضي‪:‬‬

‫المجاملة والعمق؟‬
‫(جدار الشاعر فتحي النصري أنمودجا)‬

‫االفرتايض أقرب إىل إخوانيات ال غري‪.‬‬
‫بقلم‪ :‬سعدية بن سالم‬
‫إذا نظرنا يف ق ّراء األستاذ النرصي نالحظ أ ّن أغلبهم‪ ،‬إن مل نقل كلّهم‪ ،‬إ ّما زمالء له‬
‫مثّلت مواقع التواصل االجتامعي يف السنوات األخرية مجلسا كون ّيا مفتوحا من‬
‫وإ ّما طلبة قدامى وهذا يفرض نوعا مخصوصا من الق ّراء الذين ميلكون حدّا أدىن من‬
‫خلف ستار تلتقي فيه فئات املجتمع املختلفة وتتن ّوع فيه املنشورات باختالف‬
‫أدوات التلقي وال ّنقد ورغم ذلك يكتفي أغلبهم بإشارة مرور أو بتعليقات انطباع ّية‬
‫الفئات العمرية والبنى الذهن ّية والتو ّجهات الفكرية والسياس ّية واالختصاصات‬
‫أو مشاركة املنشور‪ ،‬وكأنّهم يق ّرون أن هذا الفضاء ليس للقراءة املع ّمقة وإمنا هو‬
‫واالهتاممات‪ ،‬ومكّنت هذه الفضاءات من خلق عالقات جديدة قامئة عىل الفكرة‬
‫لالطّالع والتفاعل ال غري‪ .‬أو هو فضاء لالستمتاع باملقروء‪ ،‬ويف متعة القراءة تتحقق‬
‫واملوقف ال عىل املعرفة الشخص ّية حيث يتبادل «األصدقاء» الحديث واألفكار‬
‫إحدى الغايات الكربى للكتابة‪ .‬ويالحظ األستاذ ال ّنرصي يف عالقة ق ّرائه بقصائده‬
‫افرتاضيا دون معرفة يف العامل الخارجي أو حاجة إىل تلك املعرفة خارج الفضاء‬
‫فيقول‪« :‬والطّريف أ ّن ق ّراء قصائدي يقرؤونها عىل أنّها جديدة رغم حريص عىل‬
‫االفرتايض‪ ،‬وساعدت هذه املواقع (الفايسبوك أمنوذجا) األفراد عىل التعبري عن‬
‫النص حياة أخرى ومذاقا‬
‫ذواتهم بالشكل الذي يرغبون يف أن يكونوا عليه وليس برشطه بالشّ كل الذي هم إثبات تاريخ الدّيوان» وكأّنّنا بالفضاء االفرتايض مينح ّ‬
‫النص عىل الوصول‬
‫عليه عىل الحقيقة‪ .‬وشأن بقية الفئات فتحت مواقع التواصل االجتامعي املجال مختلفا ويعيد اكتشافه‪ .‬بل إ ّن النرش عىل هذه املواقع يساعد ّ‬
‫إىل قراء ما كان يبلغهم بال ّنرش الورقي‪ .‬فالنرش االفرتايض يفرض نفسه عىل القارئ‬
‫أمام املبدعني واألدباء للتعريف بإنتاجهم قدميه وجديده واختبار تق ّبل الق ّراء‬
‫ويقتحمه عىل خالف النرش الورقي الذي يحتاج من القارئ عناء البحث عن الكتاب‬
‫للمنشور بصفة مبارشة‪ .‬ونحاول يف هذه املساحة النظر يف طبيعة التفاعل بني‬
‫كام يفرض عىل املبدع عناء البحث عن منشورات ورق ّية جديرة بالنرش فيها ويف هذا‬
‫الكاتب والق ّراء بال ّنظر يف صفحة األستاذ الشاعر فتحي ال ّنرصي الفايسبوك ّية إذ ينرش‬
‫اإلطار نفهم قول األستاذ النرصي «ال أرى منشورات ورق ّية‪ ،‬مجالّت‪ ،‬أفضّ ل النرش‬
‫الشّ اعر عىل «جداره» كثريا من إنتاجه الشعري الذي كتبه يف فرتات متفاوتة من‬
‫فيها عىل ال ّنرش يف صفحتي‪».‬‬
‫تجربته‪ ،‬فينرش قصائد سبق نرشها ورق ّيا وأخرى مل تنرش وكان الفضاء االفرتايض‬
‫نكتشف أ ّن النرش عىل مواقع التواصل االجتامعي يؤ ّمن قاعدة من الق ّراء وقد تبلغ‬
‫حاضنها األ ّول‪ .‬ويقول األستاذ ال ّنرصي «إ ّن القراءة الفايسبوكية فرد ّية وجامع ّية يف‬
‫أشخاصا غري مهت ّمني باملجال الذي يكتب فيه املد ّون غري أ ّن البون يبدو شاسعا بني‬
‫اآلن نفسه‪ ،‬وما يكتب من تعاليق يفيد الق ّراء‪ :‬إذن مثّة تفاعل» وهذا التفاعل هو‬
‫ما يد ّون وما يعقبه من تعليق إالّ يف ما ندر‪ .‬وقد عرثنا عىل‬
‫روح العالقة االفرتاض ّية حيث يستم ّد املبدع من تشجيع ق ّرائه‬
‫ما ندر هذا يف مقالني لألستاذ الهادي الع ّيادي نرشا أيضا عىل‬
‫شحنة معنو ّية تدفعه إىل مزيد ال ّنرش ورمبا الحرص عىل‬
‫تقديم ّ‬
‫إن ما يعرض على مواقع صفحة األستاذ «ال ّنرصي» يتناول فيهام يّنص الشاعر «تشبيه»‬
‫األفضل‪ .‬ولذلك حرصنا عىل رصد مظاهر تفاعل الق ّراء مع‬
‫و»بيدي رضبت الريم»‪.‬‬
‫خاصة يف قصيدتني التواصل االجتماعي‬
‫النصوص املنشورة وتخيرّ نا أن ننظر بصفة ّ‬
‫عاد الجامعي والباحث الهادي الع ّيادي إىل قصيدة فتحي‬
‫الشاعر‬
‫كتبها‬
‫التي‬
‫للشاعر هام قصيدة «بيدي رضبت ال ّريم»‬
‫هو صورة انعكاس ّية‬
‫النرصي «تشبيه» بالنقد فكتب فيها مقاال بعنوان‪« :‬فتحي‬
‫سنة ‪ 1994‬ونرشها يف ديوانه «سرية الهباء» (‪ )1999‬وأعاد‬
‫النرصي وطقْسنة القصيدة‪ ،‬امللك الضليل والشاعر الباحث‬
‫في‬
‫خارجه‬
‫يحدث‬
‫لما‬
‫نرشها يوم ‪ 20‬جويلية ‪ 2016‬عىل جداره الفايسبويك‪ .‬وننظر يف‬
‫الظل»‪ .‬وهي قراءة قرأ فيه عتبة النص ون ّزل القصيد‬
‫عن ّ‬
‫قصيدة بعنوان «تشبيه» كان ال ّنرصي قد نرشها للم ّرة‬
‫األوىل مستوى التق ّبل‪ .‬وما‬
‫ضمن شعر الحداثة الذي يط ّوع املقدّس وين ّزله يف سياقات‬
‫الصادر سنة (‪ ،)2006‬وأعاد نرشها عىل‬
‫يف ديوانه جرار اللّيل ّ‬
‫النص يف‬
‫جديدة فتخرج به من قداسة الواقع لتحقق قداسة ّ‬
‫الفضاء‬
‫لهذا‬
‫يحسب‬
‫صفحته يف الفايسبوك يوم ‪ 20‬أوت ‪.2016‬‬
‫الصورة يف‬
‫ذاته‪ ،‬وبحث األستاذ العيادي يف أركان التخييل و ّ‬
‫وأربعة‬
‫مئة‬
‫أعرب‬
‫فقد‬
‫وسنبدأ من األخري‪ ،‬من قصيد «تشبيه»‪،‬‬
‫بالقصيدة املنشورة‪ ،‬دون أن قدرته على الوصول‬
‫النص ودور النفي يف إثبات الصورة‪ .‬ولن نتوقف عند ما جاء‬
‫وعرشون صديقا عن إعجابهم‬
‫يف القراءة وإمنا سننظر يف تفاعل «أصدقاء» الشاعر والناقد‬
‫ممكن‬
‫عدد‬
‫أكبر‬
‫إلى‬
‫النص فعال أو هو اكتفى‬
‫تبينّ إن كان هذا العدد قد قرأ ّ‬
‫النص ال ّنقدي‪ ،‬فقد عبرّ تسعة وعرشون صديقا (مبا يف ذلك‬
‫مع ّ‬
‫ال‬
‫الحضور‬
‫عن‬
‫ا‬
‫ري‬
‫تعب‬
‫أو‬
‫النص من باب املجاملة‬
‫بالتأشري عىل ّ‬
‫من المتابعين بما‬
‫بالنص ال ّنقدي أي بفارق يقارب املائة‬
‫الشاعر) عن إعجابهم ّ‬
‫النص‬
‫عن‬
‫مالحظات‬
‫للشاعر‬
‫املتابعني‬
‫من‬
‫عرش‬
‫غري‪ .‬ود ّون أحد‬
‫ّ‬
‫بالنص اإلبداعي‪،‬‬
‫يوفر إمكانية تأثير أكبر قارئ عن أولئك الذين عربوا عن إعجابهم ّ‬
‫ّ‬
‫السطر والفقرة‪ ،‬ومنها من عبرّ‬
‫تراوحت بني الكلمة (رائعة) و ّ‬
‫ّ‬
‫وتبادل أربعة أصدقاء الحديث هم الشاعر والناقد وأستاذان‬
‫النص‬
‫القصيدة)‪،‬‬
‫إىل‬
‫(نسبة‬
‫عن إعجابه‪ ،‬جميل ّنصك‪ ،‬رائعة‬
‫ّ‬
‫إعادة ملقاطع من القصيدة ومنها وتغيير للذائقة أنجع‬
‫صديقان (األستاذة جليلة طريطر‪ ،‬واألستاذ عبد القادر‬
‫أبعد من أن يوصف‪ ،‬ومنها‬
‫النص يف ذاته‪.‬‬
‫عليمي) وفيه تبادل للتح ّية دون خوض يف ّ‬
‫بعض اهتامم بالجوانب الفنية أو ذكر ملصطلحات نقدية مثل‪:‬‬
‫وتناول األستاذ العيادي أيضا قصيدة «بيدي رضبت الريم»‬
‫«نص جميل جدا يجمع بني جزالة اللفظ واستقامته ورشف املعنى وصحته بعبارة‬
‫النص الشعري وقدرة‬
‫النقاد القدامى يف ضبطهم لعمود الشعر مع تخييلية الصورة وسحرية الرؤيا» بتاريخ ‪ 21‬جويلية ‪ ،2016‬وفيها تع ّرض إىل حضور الشفوي يف ّ‬
‫الشاعر عىل االرتقاء باللغة املستعملة إىل لغة شعريّة‪ .‬وقد نال هذا املقال إعجاب‬
‫وتشرتك التعليقات جميعها يف االكتفاء بالتعبري عن جامل القصيدة دون إبراز فعيل‬
‫ّ ثالثة وسبعني متابعا (مبا يف ذلك الشاعر املعني) وأثار حوارا بني الناقد وخمسة‬
‫ملواطن الجامل‪ .‬وهو ما يحيلنا إىل التساؤل؟ هل طبيعة الفضاء االفرتايض مبا يحمله‬
‫من أصدقائه‪ .‬ومل تش ّذ التعليقات عن العادة فرتاوحت بني «قراءة جميلة أستاذي»‬
‫من منشورات يف زمن قيايس هي التي تفرض نوع التعليقات إذ ليس للقارئ الوقت‬
‫و»قراءة جميلة يس الهادي»‪ .‬ورغم التط ّور امللحوظ يف عدد املعجبني بالنص النقدي‬
‫الكايف لقراءة ّكل ما يعرتضه قراءة نقدية؟ أم أ ّن طبيعة القراء أنفسهم تجعلهم‬
‫النص ال ّنقدي جاء‬
‫بالنص اإلبداعي دون أن ننىس أ ّن ّ‬
‫يكتفون بالجانب االنطباعي يف تعليقاتهم؟ هل تحقّقت الغاية من النرش بوصول فإنّه يبقى دون عدد املعجبني ّ‬
‫ّ‬
‫النص اإلبداعي‪.‬‬
‫نتيجة تفاعل مع ّ‬
‫املنشور إىل عدد محرتم من األصدقاء غري الذين قرؤوا ومل يرتكوا أثرا ّ‬
‫يدل عليهم؟‬
‫النص النقدي‪ ،‬أم أ ّن أكادمي ّية‬
‫النص دور يف إعراض األصدقاء عن قراءة ّ‬
‫وال تختلف بقية القصائد التي ينرشها األستاذ النرصي عىل جداره يف الفارق بني فهل لطول ّ‬
‫النص تجعل قارئ املواقع االجتامع ّية ال صرب له عىل القراءة والفهم؟ وهو ما يجعلنا‬
‫ّ‬
‫انطباعي‪.‬‬
‫النص (تقريبا) تعليقا يف أغلبه تعليق‬
‫عدد املعجبني وعدد املعلّقني عىل ّ‬
‫ّ‬
‫نطرح سؤاال آخر‪ ،‬هل الجودة األكادميية هي ذاتها جودة مواقع التواصل االجتامعي‬
‫«الصوت» مثال أعرب مائة ومثانية وخمسون «صديقا» عن إعجابهم به يف‬
‫فقصيد ّ‬
‫أم عىل األكادميي أن يعدّل الخطاب مبا يتناسب وزائر الفايسبوك وما شاكله؟‬
‫ما مل يعلّق عن القصيد غري اثني عرش من املعجبني (دون حديث عن ردود الشاعر)‬
‫نص األستاذ النرصي دليل عىل جودة‬
‫نص األستاذ العيادي تفاعال مع ّ‬
‫إ ّن حضور ّ‬
‫تراوحت بني التعبري عن اإلعجاب وإبداء مالحظات فن ّية دون إطالة‪ .‬وكذلك الشأن‬
‫املادّة التي ميكن أن يوفّرها الفضاء االفرتايض وفائدتها‪ ،‬بل قدرتها عىل كرس ال ّنمطي‬
‫بالنص يف‬
‫يف قصيد «بيدي رضبت الريم» حيث أبدى مائة وسبعة ومثانون إعجابهم ّ‬
‫يف تلقي املادة العلم ّية ولنئ الحظنا أ ّن عدد املتابعني واملتحاورين يتناقص كلّام‬
‫النص يف شكل مل يختلف عن التعليقات‬
‫ما تولىّ اثنان وعرشون متدخّال التعليق عىل ّ‬
‫التخصص فاألمر يبدو طبيع ّيا ويعكس الواقع الخارجي‪،‬‬
‫السابقة من إبداء اإلعجاب وتثمني عمل الشّ اعر‪ .‬وبني «توليفة ساحرة‪ .‬شكرا‪ ،‬ال مررنا من األقل تخصصا إىل ّ‬
‫ّ‬
‫املتخصص‪ .‬ولذلك جاز القول إ ّن‬
‫ذلك أ ّن تق ّبل اإلبداع أيرس من تق ّبل النقد األديب‬
‫ّ‬
‫الصخر»‬
‫ترضب الريم بعد اآلن»‪ ،‬وما أروعك أستاذنا تنحت الكلامت من عمق‬
‫ّ‬
‫ما يعرض عىل مواقع التواصل االجتامعي هو صورة انعكاس ّية ملا يحدث خارجه يف‬
‫وأحببتك شاعرا ث ّم درست عندك فأحببتك أستاذا واليوم أح ّبك شاعرا وأستاذا‪..‬‬
‫مستوى التق ّبل‪ .‬وما يحسب لهذا الفضاء قدرته عىل الوصول إىل أكرب عدد ممكن‬
‫اشتقت إليك أستاذي الجميل‪ ..‬أرجو من اللّه أن يغدق عليك بالص ّحة واإلبداع»‪..‬‬
‫من املتابعني مبا يوفّر إمكان ّية تأثري أكرب وتغيري للذائقة أنجع‪ ،‬ويف ذلك يقول األستاذ‬
‫النص ومكتفية بإبداء اإلعجاب ومجاملة‬
‫وهكذا‪ ،‬توالت التعليقات رافضة الغوص يف ّ‬
‫النرصي‪« :‬فضاء الفايسبوك ميكن استغالله‪ ،‬وأرى دوري بصفتي شاعرا أن أساهم يف‬
‫النص‬
‫النص يف ذاته شيئا مبا يعني أ ّن توفّر ّ‬
‫الشاعر‪ ،‬وهي تعليقات لن تضيف إىل ّ‬
‫«تشعريه»»‪ .‬فالفضاء االفرتايض رافد من روافد املعرفة واملتعة والذوق إذا قام ّكل‬
‫الج ّيد ال يؤدّي رضورة إىل ٍ‬
‫تعاط جد ٍّي معه بل تغلب املجامالت مبا يجعل الفضاء‬
‫بالدور الذي يجب أن يقوم به وتب ّنى إسهاما إيجابيا لفائدة املجموعة‪.‬‬

‫‪8‬‬

‫الخميس ‪ 1‬سبتمرب ‪ - 2016‬املوافق لـ ‪ 28‬ذي القعدة ‪ - 1437‬العدد ‪52‬‬

‫(الحرفي) و(الفنان) في تونس‬
‫إشكالية الفارق بين‬
‫ّ‬
‫مطلع القرن العشرين وغياب المرأة جزئي ًا‬
‫شاكر لعيبي‬
‫أوالً‪:‬‬
‫مامرستان ِح ْرفيتان تشكيليتان ال تغيب عنهام املرأة‬
‫العربية‪ :‬النسيج والخزف‪ .‬سأستثني مؤقتاً الغناء والرقص‬
‫الذي كان حقل مامرسة فنية لصيقة باملرأة تقريباً‪ .‬يَ ْصلح‬
‫العامل املغار ّيب إلقامة امل ُقاربَة األه ّم بشأن الفاصل بني‬
‫الحر ّيف والفنان‪ .‬ففي مطلع القرن العرشين‪ ،‬مازال العامل‬
‫العر ّيب بعيدا ً بخطوات عن (مفهوم الفنان) باملعنى‬
‫األور ّيب‪ .‬هذا املفهوم سيتوطن نهائياً يف العقود العربية‬
‫الالحقة‪ .‬كان الحر ّيف املنهمك بـ (حرفة تشكيلية) يُ ْه َجس‬
‫يف الوعي العر ّيب العام قريناً ملا س ٌيسمى الفنان الحقاً‪.‬‬
‫يف أوربا انفصل عامل الفنان عن عامل الحر ّيف يف سياق‬
‫تاريخي طويل‪ ،‬ورويدا ً رويدا ً‪ ،‬يف سريورة ثقافية متد ّرجة‬
‫ال مجال لرسدها هنا‪ ،‬حتى قيل مرارا ً أن مفهوم الفنان‬
‫‪ artiste‬هو من نتائج تط ّور الفن يف عرص النهضة الذي‬
‫كان مفهوم الحر ّيف يغطي قبله كال من املامرسة الحرفية‬
‫واملامرسة التشكيلية يف آن واحد‪ .‬بل الفنان مفهوم من‬
‫اخرتاع عرص النهضة‪.‬‬

‫يف العامل العر ّيب ال وجود موضوعيا ملثل هذه السريورة‪.‬‬
‫لذا كان الحر ّيف يستحوذ عىل مكانة كبرية كأنها تعويض‬
‫اإلسالمي العر ّيب‪.‬‬
‫عن مكان (الفنان) الشاغر بعد يف العامل‬
‫ّ‬
‫كان الحر ّيف هو الفنان يف الضمري الثقا ّيف العام حتى لو‬
‫أن نخباً محصورة التأثري نوعياً ومحدودة عددياً كانت‬
‫متارس‪ ،‬منذ أواخر القرن التاسع عرش وبدايات العرشين‪،‬‬
‫أدوارا ً مستحدثة يف الرسم والنحت‪ .‬يف الوعي الثقا ّيف‬
‫العام كانت وضعية هذه النخب ملتبسة بعد‪ ،‬ومعزولة‬
‫وتكاد تكون هامشية‪.‬‬
‫ومرة أخرى ميكن مثالً‪ ،‬استثناء مرص واملغرب مؤقتاً‬
‫بشأن الحرفة الفنية التي كانت فيهام راسخة وقوي ّة‬
‫يومها كام يف يومنا الراهن‪.‬‬
‫لكن فل َرن كيف ن ُِظر يف تونس إىل الحر ّيف بصفته (الفنان‬
‫املح ّيل)‪ .‬البطاقة الربيدية التالية مثالً‪ ،‬وهي من تصوير‬
‫مشغل (لينريت – الندروك) تق ّدم قبل عام ‪ – 1921‬ذلك‬
‫أن دمغة الربيد عىل الطابع الحقة عىل إنتاج الصورة ‪-‬‬
‫(رسام عريب ‪ )Dessinateur arabe‬بالحرف‬
‫تحت عنوان ّ‬
‫الواحد‪ ،‬شغيالً يزواج بني فّن الزخرف والخط العر ّيب‬
‫ونوع أو ّيل (حتى ال نقول بدائياً) من الرسم‪ ،‬ولعله كان‬
‫أيضاً يقوم بالتخريم‪ .‬ونحسب أن حامله كان القامش‬
‫وليس الورق إذا ما أخذتُ طبيعة تعليق األعامل عىل‬
‫الحائط‪ .‬وهنا أمر جدير باالنتباه‪ :‬كانت يق ُع تلقّي‬

‫الحوامل ُموا َج َه ًة كاللوحة املسندية امل ُْستح َدثة متاماً‪.‬‬
‫االجتامعي‬
‫هذه البطاقة تتق ّدم شاهدا ً بليغاً عىل (الوعي‬
‫ّ‬
‫وص ّناعه يف تلك الحقبة من‬
‫بالفن) لحظتئذ‪ ،‬وداللته ُ‬
‫الزمن قبل شيوع مفهوم الف ّنان مبعناه األور ّيب وثيامته‬
‫(الحديثة)‪.‬‬

‫ثانياً‪:‬‬
‫النجارون التونسيون البارعون و ُمخ ّرمو املعادن كانوا‬
‫يوضعون أيضاً يف خانة (الفنان)‪ .‬كان يُنظر إليهم باحرتام‬
‫مياثل االحرتام الذي س ُيقابَل به الفنان العر ّيب الحديث‬
‫فيام بعد‪ ،‬سوا ًء من طرف مواطنيهم‪ ،‬أو من ِقبَ ِل‬
‫مشاهديهم الفرنسيني‪ .‬فقد َو َص َف مشغل (لينريت –‬
‫الندروك) الفوتوغرا ّيف الصورة األوىل امللتقطة عام ‪1910‬‬
‫بأًنها متثل ن ّجارا ً لألثاث الفاخر ‪ Ébéniste‬من تونس‬
‫وصفت الثانية بأنها تق ّدم (فناناً نقاشاً‬
‫العاصمة‪ ،‬بينام ُ‬
‫تونسياً ‪ )Artiste Ciseleur Tunisien‬وهي من عام‬
‫‪ 1924‬أثناء معرض تولوز يف فرنسا‪ ،‬منشورات (‪Saludas,‬‬
‫‪ .)Photo édit, Toulouse‬واملفردة تعني من يزيّن أو‬
‫يحفر أو ينقش املعادن‪.‬‬
‫األوىل‪ ،‬النجار‪ ،‬طريقة التقاطها تُبينّ االحرتام الذي‬
‫أحيطت به شخصية النجار – الفنان‪ .‬فقد تف ّرد وحيدا ً‬
‫بني أعامله‪ ،‬منهمكاً بإنجاز واحد منها‪ .‬الثانية‪ ،‬نقاش‬
‫املعادن‪ ،‬رغم أنها إخراج ُمفت َعل‪ ،‬فإنها تشري إىل األهمية‬
‫لص ّناع األدوات املعدنية ومص ّمميها‪ .‬يف‬
‫الفنية املمنوحة ُ‬
‫ذلك الوقت بالضبط أعادت الثقافة التشكيلية األوربية‪،‬‬
‫بفضل بحوث البوهاوس (‪ ،)1901-1919‬الدمج بني‬
‫الفنان والحر ّيف‪ ،‬غري ُم ِقيْمة حواجز بينهام بعدما فعلت‬
‫قروناً طوال وهي تف ّرق بني (فن كبري ‪)art majeur‬‬
‫و(فن صغري ‪.)art mineur‬‬

‫األدوات والحاجيات الفخمة نسبياً التي كان يُنتجها‬
‫هذان الصنفان من الحرفيني كانت تستهدف أسواق‬
‫وبيوت األثرياء واألرستقراطيني والطبقة شبه املتوسطة‬
‫يف املدن الحرضية الكبرية يف تونس‪ ،‬وليس الطبقات‬
‫الريفية الواسعة األقل ثرا ًء‪.‬‬
‫ثالثاً‪:‬‬
‫أعىل درجات نقّايش وحرفيي املعادن املحليني ُوضعت‬
‫بطريقة ما يف مصاف الصاغة وحرفيي الحيل الثمينة‪.‬‬
‫ولقد اعتُرب األخريون‪ ،‬يف الوعي األور ّيب من جهة أخرى‪،‬‬

‫أقرب إىل وضعية الفنان مام إىل الحر ّيف‪.‬‬
‫متثل صورة التقطها مشغل (لينريت – الندروك)‬
‫الفوتوغرا ّيف « ِح َر ِفيّاً بلدياً ‪ ،»Artisan indigène‬ال يبدو‬
‫واضحاً تاريخ هذه النسخة املل ّونة‪ ،‬وبحوزتنا نسخة أخرى‬
‫غري مل ّونة يحمل طابعها الربيد ّي تاريخ عام ‪ .1909‬ولعل‬
‫الصانع من الطائفة اليهودية نظ ًرا إىل لباسه‪.‬‬
‫هناك بطاقة بريدية أخرى ترقى لعام ‪ 1906‬ملتقطة يف‬
‫معرض مارسيليا الكولونيايل وتق ّدم مجوهراتياً تونسياً‬
‫‪ ،bijoutier tunisien‬وكمثل سابقتها هي إخراج‬
‫مرسحي لكن ملجوهراتيني تونسيني است ْجلبوا من تونس‬
‫ّ‬
‫إىل مارسيليا كعادة هذه املعارض الفرنسية الكولونيالية‪.‬‬
‫صانع األدوات النحاسية قُ ِّدم نقّاشاً حريصاً عىل ما مياثل‬
‫(تحفة فنية) وحيدة ال تتكرر‪ ،‬خالفاً ألعامل الحرفيني‬
‫التي نعرف بأنها تُستنسخ وتتكاثر بعديد النسخ‬
‫املتامثلة‪.‬‬
‫أما املجوهراتيون التونسيون فقد قُ ِّدموا أيضاً يف سياق‬
‫معرفة فرنسية أكيدة بأهمية وفرادة فن الصياغة‪.‬‬

‫الدوام عمالً فريدا ً من نوعه‪ :‬فريدا ً‪ .‬األمر الذي يعطي‬
‫للخزافني فضيلة الفنان الذي يُنتج عمالً فريدا ً من نوعه‪:‬‬
‫فريدا ً‪ .‬نعرف أن أحد الفوارق الرئيسية التي يضعها‬
‫املعنيون للتفريق بني (حر ّيف) و(فنان) هي أن عمل‬
‫األخري غري قابل لالستنساخ‪.‬‬
‫يف صورة ُم ْخ َرجة إخراجاً تعود لعام ‪ 1924‬التقطها‬
‫مشغل (لينريت – الندروك) الفوتوغرا ّيف‪ ،‬ميكننا أن نرى‬
‫فرادة خزفيات الخزافني التونسيني‪ ،‬وعدم تشابه نقوشها‪.‬‬
‫يف صورة أخرى من مشغل (لينريت – الندروك) نفسه‪،‬‬
‫من بداية عرشينيات القرن العرشين‪ ،‬نسخة مؤرخة‬
‫بعام ‪ ،1924‬نرى كيف أن الخزاف يشتغل بتأ ٍّن عىل‬
‫نقوش جرته‪ .‬لعل هذه الصورة‪ ،‬رغم صناعتها الجميلة‪،‬‬
‫متنح تصورا ً عىل عمل الخ ّزاف ‪ -‬الحر ّيف ودرجة اقرتابه‬
‫من عمل الف ّنان‪.‬‬
‫هنا يصري السؤال التايل ُمل ّحاً‪ :‬هل نحن أمام (حر ّيف) أم‬
‫(فنان)‪ ،‬خاصة أنه يُنتج عمالً ليس وظيفياً بالرضورة؟‬
‫وهنا الفارق الثاين الذي يقيمه املعنيون للتفريق بينهام‪:‬‬
‫الفنان يُنتج عمال جاملياً وليس وظيفياً‪ ،‬وهو ما يفعله‬
‫الخزافون يف هاتني الصورتني تقريباً‪.‬‬
‫ال تغيب النساء عن حرفة الخ ّزاف يف أرياف املغرب‬
‫العر ّيب‪ ،‬وليس يف حوارضها‪ ،‬وهذا موضوع متواتر يف‬
‫عديد الدراسات الحديثة يف املغرب والجزائر وتونس‪،‬‬
‫وميكن الرجوع إليه يف مظانه‪.‬‬

‫رابعاً‪:‬‬
‫أما الخزافون فهم ميرقون منذ القدم‪ ،‬بهذه الدرجة أو‬
‫تلك‪ ،‬عن وضعية الحر ّيف املحض‪ .‬ورغم تقنيات نسخ‬
‫الرسوم عىل الفخار الحديثة‪ ،‬فإن عمالً خزفياً ظل عىل‬
‫خامساً‪:‬‬
‫ظل النسيج حتى اليوم حرفة فنية أساسية يف املغرب‬
‫العر ّيب‪ ،‬بعد أن اندثر أو كاد يف مرشقه‪ .‬يف الجزائر‬
‫االستعامرية (لنتذك ْر رواية النول ملحمد ديب) كانت‬
‫املعامل تستخدم الصبيات عىل نطاق واسع يف فضاءات‬
‫جامعي عىل منسج‬
‫عم ٍل واسع ٍة‪ ،‬وه ّن يشتغلن بشكل‬
‫ّ‬

‫‪9‬‬
‫كبري واحد أو عدة مناسج‪ .‬يف املغرب كذلك‪ .‬يف تونس‬
‫والجزائر كانت هناك مدارس لتعليم البنات فن النسيج‪.‬‬
‫يكفي أن يتصفح املرء الصور القدمية يف النيت ليتأكد‬
‫من عمق توطّن الحرفة يف العامل املغار ّيب‪.‬‬
‫الصورة األوىل امللونة من الصورتني املنتخبتني من تونس‬
‫هنا (منشورات ‪)Edition J. Picard & Cie, Tunis‬‬
‫وترقى لعام ‪ 1900‬تقريباً‪ ،‬تُرينا ما ميكن أن يكون مراقباً‬
‫ومرشفاً يف منسج س ّجاد صغري‪ .‬الثانية الخارجة من‬
‫استوديو (لينريت – الندروك) بني ‪ 1900-1920‬تُرينا‬
‫ما ميكن أن يكون معمالً للنسيج حيث ينهمك الرجال‬
‫والنساء عىل القطعة نفسها‪.‬‬
‫مرة أخرى ما هي حصة (الحر ّيف) وما هي حصة (الفنان)‬
‫يف ف ّن النسج اليدو ّي؟ اعترب النسيج عىل الدوام حرفة‬
‫تقليدية يدوية‪ ،‬مل تُث ّمن عىل أساس اإلبداع الفردي‬
‫املتميّز‪ ،‬واعتربت التقنية ُمتحكِّماَ ً رئيساً بجامليات‬
‫النساجة‪ .‬ويف األمر ما‬
‫النساج – ّ‬
‫القطعة مهام تدخّل ّ‬
‫يُقال‪ ،‬إ ْذ علينا أن ال ننىس أن بعض املنسوجات التاريخية‬
‫تُعترب تحفاً فنية فريدة خالصة‪.‬‬
‫سادساً‪:‬‬
‫يف تونس‪ ،‬كام جميع األقطار املغاربية‪َ ،‬وظّف ت ّجار‬
‫الحوارض وأصحاب رؤوس األموال الصبيات يف مناسج‬
‫لهذا الغرض‪ .‬لكن الحرفة ظلت منزلية وعائلية عىل‬
‫طول وعرض البالد‪ .‬كان يُشرتط عىل الفتاة القادرة عىل‬
‫الزواج أن تتقن النسج‪ ،‬وبهذا تُعترب كاملة مكتملة‪ .‬كان‬
‫موردا ً للرزق ومصدرا ً الكتامل أنوثة الفتيات حسب قيم‬
‫ذلك الوقت‪.‬‬
‫نحن نرى يف صورة ملتقطة يف جزيرة جربة التونسية‪،‬‬
‫لعلها من عرشينيات القرن املايض‪ ،‬طبيعة هذا‬
‫املانيفكتور العائ ّيل‪ ،‬األنثو ّي عىل وجه الخصوص‪.‬‬
‫يف املعرض الكولونيا ّيل يف سرتاسبوغ عام ‪ 1924‬ترينا‬
‫الصورتان (حرفيني يف املنزل) من مدينة القريوان‪ ،‬وهم‬
‫ينسجون الحرير والس ّجاد ‪ ،‬والصورتان من منشورات (‪E.‬‬
‫‪ & J.Boccara de Tunis‬واسم النارش بوكّاره‪ ،‬يهودي‬
‫غالباً من العاصمة تونس)‪ .‬كالهام مفتعلتان إليضاح‬
‫الطابع العائيل لحرفة النسيج يف تونس‪ ،‬خاصة جنوبها‪.‬‬
‫ريفي للنساء؟ أحسب أن‬
‫حرفة كُ ّرست نسائية؟ أم فن ّ‬
‫الريفي) عىل هذا النوع من السجاد‬
‫إطالق تسمية (الفن‬
‫ّ‬
‫الئق وأقرب للموضوعية‪ ،‬ثقافياً واقتصادياً واجتامعياً‪.‬‬
‫الريفي) وأشباهه‪.‬‬
‫علينا اآلن أن نح ّدد املقصود بـ (الف ّن‬
‫ّ‬

‫الخميس ‪ 1‬سبتمرب ‪ - 2016‬املوافق لـ ‪ 28‬ذي القعدة ‪ - 1437‬العدد ‪52‬‬

‫سابعاً‪:‬‬
‫هناك حرف فنية أقرب للفن وأخرى أبعد عنه‪ .‬فصناعة‬
‫السالل من الخوص والقصب وما مياثلها تعتمد عىل‬
‫املهارة اليدوية املكتسبة يف املقام األول‪ ،‬وبأقل التقنيات‪،‬‬
‫ورمبا مثلها صناعات الجلود مهام تف ّنن حرفيوها بتزيينها‬
‫وتزويقها إال فيام ندر ويف حوارض تاريخية كبرية كفاس‬
‫ومراكش‪.‬‬

‫الصورة التي التقطها (‪ )ND Photo‬يف القسنطينة‬
‫الجزائرية‪ ،‬حوايل عام ‪ ،1909‬متثل رجلني يصنعان‬
‫(صامورا ً‪ ،‬والصامور يف لهجة الجزائر يعني اللهب أي‬
‫الفرن؟)‪.‬‬
‫والثانية التقطها املص ّور نفسه يف تونس ومؤرخة بعام‬
‫‪ 19055‬يف مدينة تونس ومتثّل حانوتاً للجلديات �‪Bou‬‬
‫‪ tique de Maroquinerie‬كام كان يُطلق عليه يومذاك‪.‬‬
‫نرى خليطاً من الصناعات الجلدية والخزفية‪ ،‬األمر الذي‬
‫ميثل ومازال اختالط جميع أنواع الحرف يف الوعي‬
‫الشعبي العريض‪ .‬ها هنا (الحر ّيف) باملعنى الواضح‬
‫ّ‬
‫للكلمة‪ ،‬وها هنا مثة بون واضح يفصله عن (الفنان)‪.‬‬
‫ ‬
‫سابعاً‪:‬‬
‫ال يوجد ما يدلّ عىل أن مص ّممي األثاث الفخم يف بلداننا‬
‫كانوا يُوضعون بني الفنانني إال يف الوقت الحديث (بعد‬
‫الوصول املتأخر للغاية لتقاليد البوهاوس إىل الثقافة‬
‫العربية)‪.‬‬

‫لكن ميكن الزعم ببعض الثقة أن مص ّممي األثاث‬
‫الرفيع يف تقاليد العامل العر ّيب يختلفون بدرجات مهمة‬
‫عن الن ّجارين املعتادين‪ .‬ففي صورة من بداية القرن‬
‫العرشين لسوق الشواشية (‪ )Souk des chaouachia‬يف‬

‫قصبة تونس العاصمة‪ ،‬قد يتحقق املرء من أن مص ّممي‬
‫األثاث كانوا يطرحون ألثرياء العاصمة أمناطاً مستجدة‪،‬‬
‫حتى ال نقول مبتكرة‪ ،‬من األثاث املنز ّيل التقليد ّي‪ .‬كانت‬
‫مساند هذا األثاث وجوانبه مزينة ومنقوشة ومرسومة‬
‫ومحفورة‪ ،‬مام يدلّ عىل أن (حرفة النجارة) قد اتجهت‬
‫نحو (فن الخشب) العايل‪ ،‬بل الدزاين باملعنى املعارص‪،‬‬
‫رغم أن األثاث واملقاعد موضوعة يف الصورة َع َرضً ا‪.‬‬
‫الدمشقي بتعشيقاته‬
‫ثم أن انتقال دزاينات األثاث‬
‫ّ‬
‫املعروفة من املرشق إىل وسط العاصمة تونس‪ ،‬كام‬
‫تربهن صورة مثينة التقطها مجهول يف تونس عام‬
‫‪1885‬م‪ ،‬يعني أن التصميم‪ ،‬حتى مبستوياته املن َّمطة‪،‬‬
‫كان يستحوذ عىل اهتامم جام ّيل أكرث من منتوجات‬
‫النجارة املستنسخة‪.‬‬
‫كان الفنان الذي تجاوز الحر ّيف بوضوح يف هذين املثالني‬
‫يتو ّجه‪ ،‬كالعادة‪ ،‬إىل مشرتين أكرث غنى مادياً‪ ،‬وتَعلُّامً‬
‫ورهافةً‪.‬‬

‫تاسعاً‪:‬‬
‫أخريا ً‪ ،‬هل كان فن الغناء والرقص يُعترب (حرفة) أم (فناً)‬
‫اختصت‬
‫يف مطلع القرن العرشين‪ ،‬يف العامل العر ّيب؟ لقد‬
‫ْ‬
‫النساء باملامرستني واشْ تُهرتْ بهام‪ ،‬جوار الرجال بالطبع‪.‬‬
‫يف مرص واملغرب العر ّيب‪ ،‬تأرجت املامرسة بني الحرفة‬
‫ذات الشأن املشكوك اجتامعياً بأخالقيتها والفن الرفيع‪.‬‬
‫املفارقة أن أه ّم املغنيات ك ّن يُث ّم ّن تثمي ًنا عال ًيا عىل‬
‫رفعة فنه ّن وأدائه ّن العايل لكن املنظور له ّن اجتامعياً يف‬
‫االجتامعي‪ ،‬إال بعض االستثناءات‪.‬‬
‫أدىن السلّم‬
‫ّ‬

‫ثامناً‪:‬‬
‫عندما نزعم أن هناك حرفاً فنية أقرب للفن وأخرى أبعد‬
‫عنه‪ ،‬فإن شواهد األعامل املعدنية والطرق عىل النحاس‬
‫تشهد عىل ذلك بشكل أوضح وأجىل‪ ،‬فمنها الرفيع الذي‬
‫النمطي املك ّرر‬
‫يقرتب من عمل (الفنان) البارع ومنها‬
‫ّ‬
‫الذي يظل يف مجال (الحر ّيف) املتواضع‪ .‬شواهد نحاسيات‬
‫اإلسالمي دليل ال غبار عليه‪ .‬يتعلق األمر‬
‫تاريخ الفن‬
‫ّ‬
‫بطبيعة السوق ومكانة املشرتين يف كال الحالتني‪.‬‬

‫مل تتغيرّ هذه املفارقة إال يف خمسينات وستينات القرن‬
‫العرشين‪ ،‬حيث بدأت الثقافة العربية ترى يف الغناء‬
‫والرقص فناً مثل الفنون األخرى وإ ْن بصعوبات بالنسبة‬
‫إىل الرقص‪.‬‬

‫يف الوقت الحايل أيضاً تشهد صورة من مجموعة (صور‬
‫غيتي ‪ )Getty Images‬املعروضة للبيع والتي هي‬
‫باألصل صورة كايستون – فرنسا‪ :‬غاما – روفو (‪Photo‬‬
‫‪ )by Keystone-France\Gamma-Rapho‬عىل ذلك‪.‬‬
‫وقد أخطأت رشكة غيتي بنسبتها إىل سوق تونس حوايل‬
‫عام ‪ ،1930‬ومن املؤكد أنها يف مدينة القاهرة‪ ،‬مرص يف‬
‫ذلك العام‪ ،‬وترينا حرفيني مرصيني ينتجون أدوات منزلية‬
‫من ّمطة‪ .‬هذه األدوات تصنع وفق القوالب الجاهزة التي‬
‫يجري تجميعها قطعة قطعة لتؤ ّدي إىل ظهور شك ٍل‬
‫ثابت مك ّرر‪.‬‬
‫يف حني أن عمل الصاغة الجزائريني اليهود يف صورة‬
‫ملتقطة يف مدينة القسنطينة من قبل استوديو (لينريت‬
‫– الندروك) بني ‪ 1900-1920‬عىل أبعد تقدير‪ ،‬تربهن‬
‫بدورها عىل رهافة أعىل يف أعامل املعادن حتى لو‬
‫تشابهت ظاهرياً أشكال ال ُحيل املعروضة للبيع‪ ،‬وحتى لو‬
‫جت وفق قوالب معينة‪ .‬ففي هذه األعامل التزيينية‬
‫أُنْ ِت ْ‬
‫ال ميكن أن تتامثل القطع متاماً بسبب طبيعة الحرفة‬
‫التي عليها أن تتمسك بقيم جاملية معينة‪ ،‬ال تتامثل‬
‫بالرضورة‪.‬‬

‫يف مرص عانت املفارقة من تعقيدات ال مجال لرشحها‬
‫هنا‪ ،‬بينام كانت رصيحة يف املغرب العر ّيب‪ .‬البطاقة‬
‫الربيدية التي تعود لعام ‪ 1908‬تق ّدم مغ ّنيتني تونسيتني‬
‫حسب توضيحات الكتابة عليها‪ .‬الصورة األخرى تق ّدم‬
‫املغنية الجزائرية « ِح ّنة تعزف املاندولني»‪ ،‬وأحسب أنها‬
‫من عام ‪ 1912‬لو ص ّحت معطياتنا‪ ،‬لكن أشك يف التاريخ‬
‫حسب صور مل ّونة أخرى للمغنية نفسها‪.‬‬
‫ ‬

‫‪10‬‬

‫الخميس ‪ 1‬سبتمرب ‪ - 2016‬املوافق لـ ‪ 28‬ذي القعدة ‪ - 1437‬العدد ‪52‬‬

‫«األصول ال ّثقاف ّية ال ّرقم ّية» لل ّثورات العرب ّية‬
‫بقلم ‪ :‬إيفز غونزالس ‪ -‬كويانو‬
‫‪* Yves Gonzalez-Quijano‬‬
‫ترجمة ‪ :‬المنتصر الحملي‬

‫منذ أحداث تونس‪ ،‬وبه ّمة أكرث أيضا بعد أحداث ميدان ال ّتحرير‪ ،‬تحتفل الطّبول اإلعالم ّية‬
‫اب يف منطقة‬
‫بـ «الثّورة ال ّرقم ّية» العرب ّية‪ .‬ومع تحرير وائل غنيم‪ ،‬مدير تسويق غوغل الشّ ّ‬
‫الشرّ ق األوسط وشامل إفريقيا الّذي صار رمزا لحركة احتجاج أدّت إىل سقوط ال ّرئيس مبارك‪،‬‬
‫صارت املسألة مفروغا منها ‪ :‬إ ّن األمر يتعلّق فعال‪ ،‬حسب االختيار‪ ،‬بـ «ثورة ‪ »2.0‬أو‬
‫كذلك «ثورة فايس بوك»‪ .‬س ُتستخدم مستقبال كلامت انرتنات وفايس بوك وأيضا تويرت مبثابة‬
‫الطّوطم لدى قبيلة بأكملها من املعلّقني الّذين يكتشفون الفضائل الدّميقراط ّية للشّ عوب‬
‫العرب ّية بعد فضائل االنرتنات! هاهم اليوم‪ ،‬بعد أن ظلّوا لسنوات طوال عميانا ال يرون ال‬
‫قمي‪ .‬يفعلون ذلك‬
‫هذه وال تلك‪ ،‬يجعلون أنفسهم جوقات تتغ ّنى بالقدرات ال ّتحريريّة لل ّر ّ‬
‫بطريقة ج ّد ساذجة تجعل ال ّر ّد عىل خطاباتهم امللتهبة بتحاليل مفرطة أحيانا يف التباسها‬
‫أمرا مغريا‪.‬‬

‫محل املعلّقني‬
‫املختصني يف العلوم اإلنسان ّية يف الحلول ّ‬
‫ال يتمثّل دور‬
‫ّ‬
‫املحرتفني عىل األحداث‪ .‬إنّهم كثريا ما يخطئون‪ ،‬مع بعض االستثناءات‬
‫البارزة‪ ،‬حني يقرتحون تحليالت مع ّينة دون أن يستفيدوا من أدىن فسحة‬
‫زمن ّية لل ّرجوع إىل الوراء‪ .‬منذئذ‪ ،‬سيكون مفهوما أ ّن ما سيأيت الحقا ليس إالّ‬
‫مقرتحا لتأويل نها ّيئ بشأن األحداث الّتي جدّت مؤ ّخرا‪ ،‬وتفصل بينها بضع‬
‫أسابيع‪ ،‬يف بلدين عربيني‪ .‬ومن ث َّم‪ ،‬فإنيّ ال أقوم بعرض هذه املالحظات‬
‫الوقت ّية البسيطة للعموم باعتبارها نرشا‪ ،‬باملعنى الّذي اتّخذته هذه الكلمة‬
‫منذ تط ّور الطّباعة‪ ،‬بل باعتبارها اتّصاال‪ ،‬متشّ يا مع أفضل تقاليد املجتمع‬
‫العلمي حني يقبل بأن يخضع إىل تعاليق أولئك الّذين يطّلعون عليه عن‬
‫ّ‬
‫طريق األنرتنات بل وح ّتى إىل انتقاداتهم‪...‬‬
‫األقل في العقول !‬
‫ثورة‪ ...‬على ّ‬
‫خاص‪ ،‬من الجدير أن نذكر فورا أنّه من‬
‫بشكل‬
‫موضوعنا‬
‫رغم أ ّن هذا ليس‬
‫ّ‬
‫ال ّته ّور الحديث‪ ،‬يف لحظة كتابة هذه األسطر‪ ،‬عن ثورة‪ ،‬يف الحالة ال ّتونس ّية‬
‫كام يف الحالة املرص ّية‪ .‬طبعا‪ ،‬غادر زين العابدين بن عيل من جهة وحسني‬
‫السلطة الّتي تولّتها اليوم مبدئ ّيا هيئات انتقال ّية‪.‬‬
‫مبارك من الجهة األخرى ّ‬
‫ولك ّن مسألة طبيعة ال ّنظام القادم‪ ،‬واحتامل بقاء بنى قدمية يف شكل مر َّمم‬
‫تظل مطروحة‪ .‬بعبارات أخرى‪ ،‬ال نعرف بعد هل هي ثورة‪ ،‬باملعنى‬
‫تقريبا‪ّ ،‬‬
‫الحقيقي للكلمة‪ ،‬أم هو شكل من االنقالب‪ ،‬ثورة قرص إن أردنا‪ .‬وعندما‬
‫ّ‬
‫نتساءل عن الدّور الّذي لعبته تقنيات االتّصال الحديثة بصفة عا ّمة ‪ -‬ذلك‬
‫السؤال‬
‫أ ّن دور التلفزيونات الفضائ ّية ال يجب أن يستهان به ‪ -‬فإ ّن هذا ّ‬
‫السياس ّية ليس بالغ ّيا فحسب‪ .‬يف الواقع‪،‬‬
‫عن الطّبيعة الحقيق ّية لل ّتح ّوالت ّ‬
‫السياس ّية الّتي سيت ّم يف آخر األمر‬
‫يغة‬
‫الص‬
‫ينبغي أ ّوال أن نعرف املزيد عن ّ‬
‫ّ‬
‫اعتامدها يف هذين البلدين لتقييم الطّبيعة الثّوريّة الفعل ّية لل ّتغيريات الّتي‬
‫قمي لإلعالم يف جعلها ممكنة‪.‬‬
‫ربمّ ا ساهم ال ّتدفّق ال ّر ّ‬
‫مقابل ذلك‪ ،‬فإنّنا فيام يتعلّق بال ّنقطة األخرية نتقدّم عىل أرض أكرث‬
‫صالبة‪ .‬إذ يرى أغلب املالحظني أ ّن «وسائل اإلعالم الجديدة» قد مارست يف‬
‫الحالتني دورا مهماّ يف نجاح ال ّتعبئة الشّ عب ّية‪ .‬ومازال يتعينّ ‪ ،‬بطبيعة الحال‪،‬‬
‫تقييم هذا الدّور بطريقة أكرث دقّة‪ ،‬يف مراحل محدّدة ووظائف مختلفة‬
‫ودعائم متغيرّ ة‪ .‬ولكن‪ ،‬يجب رغم ّكل يشء أخذ الوقت الكايف لل ّتوقّف عند‬
‫هذه املعاينة األوىل‪ :‬من اآلن فصاعدا‪ ،‬سنتعامل بج ّد ّية مع إثبات كان منذ‬
‫السخرية متاما‪ .‬ال فقط ألنّهم كثريون أولئك الّذين كانوا‬
‫سنوات بالكاد يثري ّ‬
‫يعتربون أ ّن افرتاض وجود أثر حاسم لتكنولوجيات االتّصال الجديدة يف‬
‫الحس‬
‫يايس‪ ،‬بل وأكرث من ذلك أل ّن ّ‬
‫السياس ّية ينتمي إىل الخيال ّ‬
‫الحقائق ّ‬
‫الس ّ‬
‫املشرتك كان يصعب عليه كثريا أن يتص ّور أ ّن مثل هذه ال ّتط ّورات ميكن أن‬
‫تعني يف مستقبل قريب تقريبا مجتمعات العامل العر ّيب‪.‬‬
‫من الواضح أ ّن األحداث الّتي من املمكن أن تفتح مرحلة جديدة يف‬
‫الخارجي‪ ،‬وخصوصا‬
‫تاريخ هذه املنطقة قد غيرّ ت بع ُد يف العمق نظرة العامل‬
‫ّ‬
‫السكّان‪ .‬ومهام يكن مصري تعبئة ال ّتونسيني‬
‫البلدان األورو ّب ّية‪ ،‬إىل هؤالء ّ‬
‫واملرصيني‪ ،‬فإنّهم قد نجحوا بالفعل يف كرس ال ّتمثّالت الجاهزة الّتي يبدو‬
‫أنّه قد ُحكم عليهم مبوجبها بأن يظلّوا‪ ،‬لوقت طويل أيضا‪ ،‬خارج ال ّتاريخ‬
‫وعىل هامش املسارات الدّميقراط ّية‪ .‬ودون أن نتن ّبأ م ّرة أخرى بنتيجة‬
‫نضالهم‪ ،‬أثبت املتظاهرون ال ّتونسيون والعرب الحامقة املحزنة لل ّتحليالت‬
‫املزعومة الّتي تسلّم بتعارض «الثّقافة العرب ّية اإلسالم ّية» مع الحداثة‪.‬‬

‫وبعد تقارير كثرية تسهب برباعة يف الحديث عن «الغياب الكليّ ّ أل ّي املتزايد لوسائط اإلعالم القدمية والجديدة‪ ،‬كانت أيضا منذ عام ‪ 1991‬أ ّول‬
‫إفريقي ارتبط بشبكة الشّ بكات‪ .‬أ ّما عن مرص مبارك‪ ،‬وهي أ ّول دولة‬
‫مظهر من مظاهر ثورة جارية يف املعلومات يف العامل العر ّيب»‪ ،‬فإ ّن هذا بلد‬
‫ّ‬
‫خصصت سنة ‪ 1999‬وزارة لالتصاالت وتكنولوجيا املعلومات‪ ،‬فإ ّن‬
‫عربية‬
‫ال ّتغيري يف املنظور ج ّيد لجميع أولئك الّذين سعوا‪ ،‬منذ سنوات عديدة‪ ،‬إىل‬
‫ّ‬
‫إبراز قراءات أخرى تؤكّد عكس ذلك عىل حيويّة مجتمعات طالتها برسعة ال ّنرش املنتظم لتقارير رسم ّية‪ ،‬بشأن محيط املد ّونات املحليّ ّ ‪ ،‬يبينّ ‪ ،‬إن كان‬
‫السلطة املرص ّية كانت تدرك متام اإلدراك ال ّرهانات‬
‫قمي»‪ .‬بل إ ّن هناك رغبة‪ ،‬من اآلن هناك حاجة إىل ذلك‪ ،‬أ ّن ّ‬
‫أكرب وعىل نطاق أوسع «املثاقفة بال ّر ّ‬
‫السياس ّية لتلك ال ّتكنولوجيات‪.‬‬
‫فصاعدا‪ ،‬يف ال ّذهاب إىل أبعد من ذلك مبشاركة أفكار جورج قرم لل ّتأكيد‬
‫ّ‬
‫رئييس الدّولتني عن حدود خربة ال ّنظامني‬
‫سقوط‬
‫يكشف‬
‫الحال‪،‬‬
‫بطبيعة‬
‫عىل أ ّن «الشّ ارع العر ّيب أمنوذج ُيحتذى به يف الشّ امل»‪ ،‬مبا يف ذلك ما يتعلّق‬
‫ْ‬
‫اإلعالمي‪ ،‬ولكن ال ينبغي مع ذلك االعتقاد يف‬
‫السيربن ّية»‪ .‬ن َتص ّور بشكل عفو ّي أ ّن ال ّتغيريات املعنيني يف مجال القمع‬
‫«السياسة األلكرتون ّية ّ‬
‫بفهم ّ‬
‫ّ‬
‫السياس ّية امل ّتصلة بازدهار تكنولوجيات اإلعالم واالتّصال ‪ TIC‬القدرة املطلقة ملناضيل األنرتنات الّذين يتقاسمون عىل أ ّية حال‪ ،‬يف‬
‫و‬
‫ة‬
‫االجتامع ّي ّ‬
‫مني لألحداث‪،‬‬
‫تعني املجتمعات املا بعد صناع ّية يف املقام األ ّول‪ ،‬ولك ّن بلدين من العامل املشهدين‪ ،‬عددا من ّ‬
‫السامت املشرتكة‪ .‬ويف ضوء ال ّتوافق ال ّز ّ‬
‫يايس ميكن أن ينشأ من األطراف‪ .‬هي ذي أمكن ربط االنتفاضتني يف تونس ومرص بـ «ترسيبات» ويكيليكس‪ .‬إ ّن هذا‬
‫العر ّيب يذكّراننا بأ ّن اإلبداع ّ‬
‫الس ّ‬
‫النوع من ال ّتفسري يفصح يف الحقيقة عن أسئلة مراقبي الشّ بكة (الغربيني)‬
‫متاما ثورة حقيق ّية يف العقول !‬
‫أكرث منه عن مامرسات رواد األنرتنات العرب‪ .‬ودون احتامل حدوث خطأ‬
‫كبري‪ ،‬ميكن اعتبار «كشوف» ويكيليكس أدىن بكثري مماّ كان ال ّرأي العام‪ ،‬يف‬
‫تونس ومصر‪ :‬استحالة احتواء الوسائط ال ّرقم ّية‬
‫َف كال البلدين‪ ،‬يعيبه عىل قادته منذ أمد طويل‪.‬‬
‫خ‬
‫ست‬
‫ي‬
‫كان‬
‫ّتي‬
‫ل‬
‫إ ّن ديناميك ّية ال ّتكنولوجيات ال ّرقم ّية يف العامل العر ّيب‪ ،‬ا‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫عىل أيّة حال‪ ،‬قليلة جدّا هي «الكشوفات» غري املنشورة الّتي ميكن‬
‫بها ح ّتى وقت قريب‪ ،‬تسرتعي االنتباه أكرث أل ّن هذه االنطالقة قد جاءت‬
‫تقني‪ ،‬وبعضها اآلخر‪ ،‬بالبداهة‪ ،‬لويكيليكس ومثيله أن يقوموا بتحيينها‪ ،‬مبا يف ذلك يف مشهد انرتنات هو‬
‫متأخّرة‪ ،‬لجملة من األسباب املتن ّوعة‪ ،‬بعضها ّ‬
‫السعوديّة إىل أيضا مقفل إىل ح ّد كبري‪ .‬وىف الواقع‪ ،‬إ ّن أحد أه ّم الدروس املستفادة من‬
‫سيايس‪ .‬ولكن‪ ،‬مع الولوج ال ّرمز ّي‪ ،‬يف أكرث من وجه‪ ،‬للعرب ّية ّ‬
‫ّ‬
‫برئييس الدّولتني التونس ّية واملرص ّية هو إظهار أ ّن مراقبة كاملة‬
‫اإلطاحة‬
‫ففي‬
‫حاسمة‪.‬‬
‫مرحلة‬
‫اجتياز‬
‫م‬
‫ت‬
‫العرشين‪،‬‬
‫القرن‬
‫نهاية‬
‫يف‬
‫ة‬
‫ي‬
‫العامل‬
‫بكة‬
‫الشّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫غضون عقد من ال ّزمن‪ ،‬كان العامل العر ّيب قد عربته ثالث موجات رقم ّية لل ّتداوالت ال ّرقم ّية صار من اآلن فصاعدا حلام بعيد املنال عن الدكتاتوريات‬
‫السكّان يف تونس ويف‬
‫مؤسس ّية‪ ،‬كانت ّ‬
‫كربى‪ :‬األوىل‪ ،‬وهي باألحرى ّ‬
‫الصحافة خصوصا قد حملتها األكرث تشدّدا‪ .‬ورغم رصامة رشطة املعلومات‪ ،‬كان ّ‬
‫بكل منهم‪.‬‬
‫الخاص ّ‬
‫طوال ال ّنصف الثّاين من ال ّتسعينات‪ ،‬ث ّم جاءت بعد ذلك موجة املد ّونات‪ ،‬مرص يعرفون بوضوح ما يكتفون به مماّ يتعلّق بال ّنظام ّ‬
‫وبعدها موجة الشّ بكات االجتامع ّية من طراز فايس بوك‪ ،‬وكلتاهام ارتبطت يف نهاية املطاف‪ ،‬إ ّن إغالق القنوات العادية لحركة األخبار يف هذين البلدين‬
‫ارتباطا وثيقا باالحتجاجات االجتامع ّية األوىل الّتي استخدمت وسائل كام يف ّكل مكان ُوضعت فيه قيود أسهم بالخصوص يف تكاثر إجراءات‬
‫االلتفاف من قبل مستعملني فطنني بصورة‬
‫األنرتنات‪ ،‬ال س ّيام يف مرص‪ .‬إنّه تط ّور ساحق‬
‫متزايدة‪ .‬فت ّم وضع قنوات بديلة مثل الفايس‬
‫ميكن إدراك أه ّم ّيته من خالل إحصائ ّية‬
‫بوك‪ ،‬هذه الشّ بكة االجتامعية الّتي رسعان‬
‫حديثة تشري‪ ،‬منذ بضعة أشهر بالكاد‪ ،‬إىل‬
‫وضعيات تاريخية ا ّتسمت‬
‫ما ح ّولها املستعملون املحلّيون إىل منصة‬
‫أ ّن املستخدمني العرب للفايس بوك صاروا‬
‫هامة على صعيد‬
‫بقطيعات ّ‬
‫معلومات ولعبت يف تونس دورا مهماّ يف‬
‫الصحافة اليوم ّية‬
‫اآلن أكرث عددا من ق ّراء ّ‬
‫ر‬
‫نفك‬
‫وهنا‬
‫صال‪،‬‬
‫ت‬
‫اال‬
‫عمليات‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫انتشار الشّ عارات أثناء املواجهات مع قوات‬
‫(املطبوعة‪ ،‬بطبيعة الحال !)‪.‬‬
‫طبعا في الثّورة الفرنس ّية‪،‬‬
‫األمن‪ .‬وكذلك األمر يف مرص‪ ،‬حيث نالحظ‬
‫ينجذب الشّ باب العر ّيب إىل وسائل االتّصال‬
‫استبداال ألدوات االنرتنات «القدمية» الّتي‬
‫الطريقة ا ّلتي أمكن بها‬
‫الجديدة عىل وجه الخصوص‪ ،‬كام يف أماكن وفي ّ‬
‫أخرى‪ .‬ومبا أ ّن معظم هذه البلدان مل «إعدادها» عن طريق المنشورات أصبحت غري حصينة بشكل كبري‪ ،‬من ذلك أ ّن‬
‫املد ّونات‪ ،‬وهي قناة تعبري الجيل األ ّول من‬
‫تنجز تح ّولها الدّميغرايفّ إالّ مؤ ّخرا (ذلك أ ّن‬
‫خمسني يف املائة من حوايل ‪ 200‬مليون من والملصقات الحائط ّية وغيرها من ناشطي الشّ بكة‪ ،‬قد ت ّم استبدالها بالشّ بكات‬
‫ّالسكّان العرب هم دون س ّن العرشين)‪ ،‬فإ ّن صيغ عصر كان يخوض آنذاك‬
‫االجتامع ّية من «جيل الفايس بوك»‪ ،‬الّتي‬
‫اآلثار االجتامع ّية و ّالسياس ّية لهذا االنتشار تجربة االستخدامات االجتماع ّية‬
‫الصغرية جدّا‬
‫بدورها حلّت محلّها اإلرساليات ّ‬
‫من طراز تويرت‪.‬‬
‫السرّ يع جدّا لتكنولوجيات اإلعالم واالتّصال‬
‫األولى للمطبوع‪ ،‬يمكننا أن‬
‫مع ذلك‪ ،‬وهذا درس آخر من األهمية‬
‫مازالت أكرث إذهاال‪ .‬ال س ّيام يف سياق ال ّتاريخ‬
‫كالم‬
‫صياغة‬
‫معيدين‬
‫نفترض‪،‬‬
‫مبكان‪ ،‬تبينّ الحالتان ال ّتونس ّية واملرصيّة‬
‫القريب الخصويص جدّا للمنطقة‪ ،‬املوسوم‬
‫أن هناك فعال‬
‫بتغيريات سوسيو ‪ ّ-‬اقتصاد ّية (متدّن‪ ،‬متدرس‪ ،‬روجي شارتيي‪ّ ،‬‬
‫أيضا ال ّتشابك املحكَم بشكل متزايد بني‬
‫أصوال ثقاف ّية رقم ّية في‬
‫السندات والشّ بكات‪ ،‬بني الحبكات اإلعالم ّية‬
‫فكّ ال ّتأميم‪ ،‬ش ْملنة بل وأيضا «استعامر‬
‫ّ‬
‫‪ logiciels‬وال ّنامذج‪ ،‬ويف نهاية املطاف بني‬
‫جديد»‪ )...‬مماّ يجعل ّكل انتقال محتوم‪ ،‬الثّورتين ال ّتونس ّية والمصر ّية‪.‬‬
‫اللغات واالستخدامات‪ .‬وإذا كانت هناك‬
‫سوا ًء كان رقم ّيا أو دميقراط ّيا‪ ،‬انتقاال مؤملا‪،‬‬
‫تجسم ظواهر االلتقاء‪ ،‬غري املتوقّعة يف‬
‫صورة‬
‫لكل منهام خصوص ّية تتمثّل يف اإلرضار‬
‫أل ّن ّ‬
‫ّ‬
‫قمي حرصا‪ ،‬فهي حقّا‬
‫بالحوافز االجتامع ّية النتقال رضور ّي بني‬
‫جزء منها‪ ،‬يف الكون ال ّر ّ‬
‫الجسور الّتي مدّتها عىل وجه الرسعة رشكتا غوغل وتويرت لتمكني املرصيني‬
‫األجيال‪.‬‬
‫ولو أ ّن قول هذا هو أسهل اليوم منه باألمس‪ ،‬فإنّنا إذن نجد فعال يف من تبادل الرسائل القصرية جدّا عن طريق شبكة الهاتف ال ّتقليديّة‪ .‬ولك ّن‬
‫املجتمعات العرب ّية املعارصة جميع مك ّونات انفجار ّما بسببه نعترب أ ّن ما هو بليغ أيضا‪ ،‬وما هو أكرث فعالية دون شكّ من حيث املعلومات‬
‫السياق الحا ّيل عىل أيّة حال)‪ ،‬هو ال ّنسيج الّذي حبكته‬
‫الظّروف الجديدة إلنتاج املعلومة وانتقالها استطاعت أن تلعب دور والقدرة ال ّتعبويّة )يف ّ‬
‫الفتيلة‪ ...‬ومع أ ّن تاريخ هذه األحداث االستثنائ ّية متاما هو أبعد من أن محطّة كالجزيرة بني مواردها ال ّتقليد ّية باعتبارها قناة إعالم ّية فضائ ّية وبني‬
‫يكون قد كُتب‪ ،‬فإنّه بإمكاننا أن نقرتح بعض مسارات لل ّتفسري‪ ،‬بادئني بتذكري ال ّتدفّقات ال ّرقم ّية الجديدة للشّ بكات االجتامع ّية (ال سيام أرشطة الفيديو‬
‫قمي العر ّيب‪ .‬كانت للهواة واإلرساليات القصرية جدّا)‪ .‬وعىل أمنوذج اعتمدته يف نهاية املطاف‬
‫قد يكون رضور ّيا ملن ليست لديه دراية باملشهد ال ّر ّ‬
‫تونس بن عيل ومرص مبارك‪ ،‬ح ّتى وقت قريب‪ ،‬متثّالن ّكل بطريقتها املوضع جميع هيئات املعلومات «ال ّتقليديّة»‪ ،‬املتغاضية عن توقّيها من الربمجيات‬
‫املثا ّيل يف مجال قمع ال ّتكنولوجيات الجديدة‪ ،‬وكانت الواحدة كام األخرى املتأتّية من مصادر غري مهنية‪ ،‬أظهر احتالل ساحة التحرير يف القاهرة‪،‬‬
‫تعطي نوعا ّما مثال عىل الخربة العربية يف إدارة مخاطر زعزعة االستقرار أكرث مماّ أظهرته االشتباكات يف شوارع تونس العاصمة‪ ،‬أ ّن هناك من اآلن‬
‫السالسة يف تدفق املعلومات حيث ال جدوى من األمل‬
‫الّتي ميكن لسلطات استبداد ّية أن تربطها باملبادالت عىل شبكة األنرتنات! فصاعدا مثل هذه ّ‬
‫العاملي حول يف حبسها‪ ،‬مبا يف ذلك الغلقَ شبه الكليّ ّ ‪ -‬امليؤوس منه رسيعا عىل ّكل حال‬
‫إ ّن تونس بن عيل‪ ،‬البلد املض ّيف غري املست َحب ملؤمتر القمة‬
‫ّ‬
‫الوطني (قطع االنرتنات وشبكات الهاتف ال ّنقّال يف‬
‫ّصال‬
‫ت‬
‫اال‬
‫نظام‬
‫ملجمل‬
‫‬‫القمع‬
‫طريق‬
‫مجتمع املعلومات سن َة ‪ 2005‬ألنّها كانت قد بدأت السري يف‬
‫ّ‬

‫‪11‬‬
‫السلطات املرص ّية حني أضافت ذلك إىل ال ّرقابة‬
‫خض ّم االحتجاجات)‪ ،‬كام حاولت أن تفعل ّ‬
‫الصحاف ّية املشتبه يف أنّهم أعداء‪ .‬رغم ّكل‬
‫العاديّة وح ّتى إىل الهجامت عىل ممثّيل الهيئات ّ‬
‫الحقيقي جدّا للشبكات االجتامعية (املستخدمون التونسيون‬
‫وبغض ال ّنظر عن ال ّتط ّور‬
‫ذلك‪ّ ،‬‬
‫ّ‬
‫للفايس بوك ميثّلون ‪ 18‬يف املائة من مجموع السكان…)‪ ،‬مازال ال ّتلفزيون‪ ،‬والجزيرة تحديدا‬
‫قمي الحا ّيل‪ ،‬هي ال ّنقطة املركز ّية يف الخليط املعلوما ّيت‪ ،‬عىل األقل لدى‬
‫يف صلب املشهد ال ّر ّ‬
‫السواد األعظم من الفاعلني املؤهّلني لل ّتعبئة من أجل خلق موازين قوى عىل أرض الواقع‪.‬‬
‫ّ‬
‫شك‪ ،‬لكن ليس أكثر من ذلك !‬
‫تكنولوجيا اإلعالم واال ّتصال‪ ،‬ال ّ‬
‫يف األحداث الّتي كان مرسحها شوارع تونس ومرص‪ّ ،‬‬
‫يدل أكرث من مؤرش عىل الدور الّذي‬
‫خاص من‬
‫متكّنت تكنولوجيا املعلومات واالتصاالت بوجه عام‪ ،‬والشبكات االجتامعية بوجه ّ‬
‫القيام به يف تسلسل األحداث‪ .‬ومع ذلك‪ ،‬وحتى إذا ما بدت بليغة‪ ،‬فإ ّن تعاب َري مثل «ثورة‬
‫فايس بوك» أو»تويرت» هي عىل األرجح تعيسة بل وح ّتى مضلّلة‪ .‬قبل ّكل يشء أل ّن الثّورات‪،‬‬
‫بعض املتشككني ال ّتذك ُري به‪ ،‬ال تت ّم عىل شاشات الحواسيب املحمولة‪ ،‬مهام كانت‬
‫رس َ‬
‫كام ّ‬
‫أحجامها‪ ،‬بل يف الشوارع‪ ،‬حيث تقاس بطريقة جسديّة متاما‪ ،‬املواجهة بني القوى املتعارضة‪.‬‬
‫ولكن أيضا‪ ،‬وعىل نحو أكرث دقّة بقليل‪ ،‬ألن ندرة تدفّقات املعلومات‪ ،‬بل وح ّتى غيابها تقريبا‬
‫يف وقت ّما‪ ،‬بدءا من شبكة االنرتنات‪ ،‬مل ي ُحوال دون ال ّتصاعد القو ّي لعمل ّيات ال ّتعبئة الّتي‬
‫انتهت بإقصاء قائد ْي تونس ومرص‪ .‬إنّها ح ّجة ميكن مع ذلك أن نتجاوب معها بالعودة إىل‬
‫استعارة الفتيلة‪ ،‬الحاسمة يف البداية ‪ -‬ح ّجة إنشاء وسائط اإلعالم ال ّرقم ّية لتعبئة ّما ‪ -‬ولك ّنها‬
‫شب حريق ال ّتم ّرد املع َّمم‪ .‬مبثل هذه الحجج‪ ،‬نستم ّر مع‬
‫غري مفيدة فيام بعد مبج ّرد أن ّ‬
‫يايس‪ ،‬باملعنى الضّ ّيق متاما للكلمة‪ ،‬يف حني ميكن للمرء‬
‫ذلك يف ال ّتموقع داخل الحقل ّ‬
‫الس ّ‬
‫االجتامعي تُ َح ُّس‬
‫الجسم‬
‫يف‬
‫ة‬
‫ي‬
‫قم‬
‫ر‬
‫ال‬
‫كنولوجيات‬
‫ت‬
‫ال‬
‫انتشار‬
‫أن يتص ّور أ ّن اآلثار املرتتّبة عن‬
‫ّ‬
‫ّ ّ‬
‫ّ‬
‫دويني العر ّيب عىل‬
‫بشكل مختلف‪ .‬هذا هو أيضا حال معظم التحليالت‪ ،‬حول املحيط ال ّت ّ‬
‫سبيل املثال‪ ،‬أل ّن هذه التحليالت تبحث يف الدّور ال ّتعبو ّي لتكنولوجيا املعلومات واالتصاالت‬
‫يايس‪ ،‬الّذي يت ّم فهمه هو نفسه انطالقا من شبكات تحليل‬
‫وفقا لل ّتمثيالت التقليديّة ّ‬
‫للس ّ‬
‫معروفة ج ّيدا‪ .‬إنّنا‪ ،‬باقتطاعنا لحقل الثقافة السياسية الرقمية بهذه الطّريقة‪ ،‬نخاطر ال‬
‫محالة بتجاهل ّكل ما ال يكون يف قوالب النامذج املج َّربة‪ّ ،‬كل ما يَ ُرسم عىل العكس منها‬
‫أشكاال غري مألوفة‪ .‬وإضافة إىل ذلك‪ ،‬إذا كانت األحداث يف مرص وتونس قد شكّلت مثل‬
‫هذه املفاجأة ‪ -‬مبا يف ذلك للفاعلني أنفسهم من ناحية أخرى ‪ -‬أليس هذا بالتحديد عالمة‬
‫السابقة غري قادرة عىل أن تساعدنا عىل قراءة عالمات ثقافة‬
‫عىل أن أدوات الفهم وال ّتحليل ّ‬
‫االحتجاج ال ّرقم ّية الجديدة ؟‬
‫إ ّن الحديث عن «عدوى دميقراط ّية» يف املجتمعات العربية ‪ -‬وهو فضال عن ذلك تعبري‬
‫رهيب ‪ -‬لوصف عمليات ال ّتعبئة الحال ّية ال يضيف شيئا كبريا عىل صعيد االستكشاف‪ .‬ذلك‬
‫أ ّن فجائ ّية االضطرابات الّتي من املحتمل أنّها ستستم ّر يف بقاع مختلفة من العامل العر ّيب‪،‬‬
‫اإلسالمي لو فكّرنا يف إيران) تش ّجع بطبيعة الحال عىل ال ّتسليم بأ ّن مختلف هذه‬
‫(وح ّتى‬
‫ّ‬
‫السياس ّية‪ ،‬املختلفة إىل ح ّد كبري من جهة أخرى (فام هي ال ّنقاط املشرتكة بني إمارة‬
‫املشاهد‬
‫ّ‬
‫الصغرية مثال‪ ،‬وبني الجزائر بوتفليقة؟) هي من صنع العوامل ذاتها‪ .‬ومن بينها‪،‬‬
‫البحرين ّ‬
‫ال ّتدفّقات ال ّرقم ّية الجديدة‪ .‬دون شكّ ‪ ،‬ولكن ال يشء أكرث من ذلك‪..‬‬
‫من أجل ال ّتوصل إىل تفكري أفضل يف ال ّتبعات السياسية لتكثيف االتصاالت ال ّرقمية‬
‫وتكنولوجيا املعلومات واالتصاالت بوجه عام‪ ،‬ينبغي يف الواقع أن نبدأ ربمّ ا بأالّ نجعل منها‬
‫نقطة ال ّتفكري املركزيّة وأن نعترب أنّها عىل العكس من ذلك ليست سوى عنرص من بني عنارص‬
‫السببيات الّتي أثارت األحداث األخرية يف تونس ومرص‪ .‬وبدال من أن‬
‫أخرى يف تسلسل ّ‬
‫لكل يشء قادرا عىل فتح جميع أبواب‬
‫نعترب ازدهار االنرتنات ومختلف استخداماتها مفتاحا ّ‬
‫االضطرابات الجارية‪ ،‬ينبغي أالّ نعتربه سوى واحد يف رزمة بها مفاتيح أخرى كثرية مثل تقدّم‬
‫ال ّتعليم أو التحضرّ املتسارع ملجموعات سكّان ّية فت ّية جدّا يف معظمها أو كذلك ال ّتعجيل‬
‫الخارجي‪...‬‬
‫بنرش املراجع الثقافية ذات املنشأ‬
‫ّ‬
‫ورغم أ ّن الشّ بكات االجتامع ّية قد شهدت من ّوا متسارعا يف املجتمعات العربية‪ ،‬فال يبدو‬
‫أنّها‪ ،‬اليوم عىل أ ّية حال‪ ،‬يف وضع يسمح لها مبنافسة الوسائل اإلعالم ّية ال ّتقليد ّية مثل‬
‫ال ّتلفزيون‪ .‬ولك ّنها مقابل ذلك‪ ،‬تشارك فيها بصورة متزايدة بإنشائها لوضع ّية غري مسبوقة‪،‬‬
‫سواء من حيث املحتويات املنقولة أو من حيث حركات ال ّتدفّقات ومراقبتها‪ .‬واأله ّم من‬
‫املتوسط كام يُتوقّع حتى ذلك الحني ولكن األحداث ال ّراهنة تشري إىل‬
‫ذلك أنّه ‪ -‬عىل املدى ّ‬
‫السياس ّية‬
‫و‬
‫ة‬
‫ي‬
‫االجتامع‬
‫اآلثار‬
‫فصاعدا‬
‫اآلن‬
‫من‬
‫ستظهر‬
‫‬‫ّا‬
‫د‬
‫ج‬
‫بعيدة‬
‫أ ّن اآلجال ليست ربمّ ا‬
‫ّ ّ‬
‫لالستخدام الكثيف لتكنولوجيا املعلومات واالتصاالت من قبل الطّبقات العربية الفت ّية‪.‬‬
‫السياس ّية‬
‫وبالسلطة ّ‬
‫فهذه التكنولوجيات تؤ ّيد يف الواقع‪ ،‬ال سيام يف مجال العالقات باآلخر ّ‬
‫والدّين ّية واألرسيّة‪ ،‬مواقف وتص ّورات ومامرسات أكرث استقالل ّية وتف ّردا عىل ال ّدوام تجعل‬
‫اليوم من استمرار األشكال القدمية للشرّ ع ّية دون شكّ أمرا مستحيال أو يكاد‪.‬‬
‫وعىل غرار وضعيات تاريخية أخرى اتّسمت هي أيضا بقطيعات ها ّمة عىل صعيد عمليات‬
‫االتّصال‪ ،‬وهنا نفكّر طبعا يف الثّورة الفرنس ّية‪ ،‬ويف الطّريقة الّتي أمكن بها «إعدادها» عن‬
‫طريق املنشورات وامللصقات الحائط ّية وغريها من صيغ عرص كان يخوض آنذاك تجربة‬
‫االستخدامات االجتامع ّية األوىل للمطبوع‪ ،‬ميكننا أن نفرتض‪ ،‬معيدين صياغة كالم روجي‬
‫شارتيي ‪ ،Roger Chartier‬أ ّن هناك فعال أصوال ثقاف ّية رقم ّية يف الثّورتني (؟) ال ّتونس ّية‬
‫واملرص ّية‪.‬‬
‫املقال بالفرنس ّية منشور يف مجلّة ‪ Culture et politique arabes‬االلكرتون ّية‪ ،‬بتاريخ ‪ 15‬فيفري ‪.2011‬‬
‫‪ ،Yves Gonzalez-Quijano‬باحث يف املعهد الفرنيس للشرّ ق األوسط‪.‬‬

‫الخميس ‪ 1‬سبتمرب ‪ - 2016‬املوافق لـ ‪ 28‬ذي القعدة ‪ - 1437‬العدد ‪52‬‬

‫مواقع ال ّتواصل االفتراضي‪:‬‬

‫ثقافي‬
‫إيهام وتسطيح‬
‫ّ‬

‫*عاطف رجب‬

‫شهد العاملُ أواخ َر القرن املايض ظهور مصطلح جديد‬
‫أصبح مفتاح العامل‪ ،‬ونعني هنا مصطلح «العوملة»‪ ،‬فحطّم‬
‫ِ‬
‫املسافات من خالل تط ّور وسائل االتّصال‬
‫الحدو َد واختزل‬
‫بني األفراد‪ ،‬فأضحى العاملُ أشبه بالقرية الضّ خمة‪ .‬من أبرز‬
‫مك ّونات هذه الثّورة املعلوماتيّة مواقع التّواصل االفرتايض‪،‬‬
‫تلك التّقنيات الحديثة التي يت ّم من خاللها تبادل املعلومة‬
‫وال ّرأي والفكر يف زمن قيايس‪ ،‬وتشهد هذه املواقع إقباال‬
‫متزايدا إىل أن أصبحت اليوم مبثابة املقاهي العامليّة عىل‬
‫غرار موقع «فايسبوك» و»تويرت» وغريهام‪..‬‬
‫والثّقافة بوصفها حامل اإلنسان من حالته الطّبيع ّية إىل‬
‫مرحل ٍة جديد ٍة من التّفكري الحديث كام يس ّميها املؤ ّرخ‬
‫التّونيس «الهادي التّيمومي»‪:‬‬
‫الثّقافة لولب الحراك‬
‫االجتامعي الذي ينتج التّغيرّ‬
‫ّ‬
‫والتّغيري والتّط ّور والتّق ّدم‪...‬‬
‫وبالتّايل فهي ليست مبعز ٍل عن‬
‫هذا الحراك التّواصيل‪ ،‬فالثّقافة‬
‫مبعناها األد ّيب والفكري شهدت‬
‫تغيريات متزامنة مع الثّورة‬
‫املعلوماتيّة‪ ،‬لذلك تُطرح اليوم‬
‫بش ّدة عالقة مواقع التّواصل‬
‫االفرتايض بالثّقافة‪ ،‬فهل هي‬
‫حقل ثقايف قادر عىل بثّ‬
‫رسالة ثقافيّة وتحقيق التّق ّدم‬
‫الفكري أم هي قرية للوهم‬
‫وبثّ ثقافة التّسطيح؟‬
‫بإمكان املتأ ّمل يف املشهد‬
‫الثّقايف التّونيس ال ّراهن أن‬
‫يالحظ ظهور متغيرّ ات جديدة‬
‫عىل هذا املشهد الثّقايف‬
‫التّونيس كانت نتيجة لدخول‬
‫الثّقافة التّونسيّة إىل العرص‬
‫ال ّرقمي واالنفجار املعلومايت‬
‫وإدمان املجتمع التّونيس عىل‬
‫مواقع التّواصل االفرتايض والتي‬
‫أصبحت إعالما بديال‪ ،‬ورغم ما‬
‫توفّره هذه املواقع من طفرة‬
‫إخباريّة وسهولة التّواصل‪ ،‬إال أنّها مل ترتق إىل أن تكون‬
‫حقال ثقاف ّيا قادرا عىل نرش الثّقافة مبعناها الحقيقي‪،‬‬
‫فكل ما استطاعت القيام به هو تعزيز لثقافة العناوين‬
‫ّ‬
‫منصات التّواصل يُخيّل إليه‬
‫واملقتطفات واألسامء‪ ،‬فقارئ ّ‬
‫أنّه مثقّف من خالل قراءة مقتطفات موجزة من مقاالت‬
‫ملفكّرين وفالسفة وأدباء‪ ...‬والكثري من الذين يوردون هذه‬
‫األمثلة للتنكّر يف بدلة املثقّف ال غري‪ ،‬فاالستشهادات عادة‬
‫ما تكون يف غري سياقها‪ ،‬والبعض يتعامل مع املنتوج الثّقايف‬
‫مبسخه وتزييف معانيه‪ ،‬وهنا تظهر مواقع التّواصل‬
‫ايض مر ّوج ًة لشعار رديء «ليس امله ّم أن أكون مثقّفا‪،‬‬
‫االفرت ّ‬
‫امله ّم أن أبدو كذلك» فتصبح بذلك التّقنيات االتّصاليّة‬
‫الحديثة بكافة أشكالها أدوات للتّضليل والخداع‪ ،‬سواء من‬
‫خالل املقتطفات والعناوين التي ليست سوى قرشة رقيقة‬

‫من الثّقافة‪ ،‬وكذلك السرّ قات التي تكرث يف غياب املتابع‬
‫واملراقب الج ّيد للمنتوج الثّقايف املر ّوج عرب وسائل التّواصل‬
‫االجتامعي‪ ،‬فالعديد من رواد هذه املواقع واملنتجني فيها‬
‫ولعل‬
‫يتع ّرضون لرسقة أفكارهم دون اإلشارة إىل أسامئهم‪ّ ،‬‬
‫ذلك راجع إىل غزارة ال ّنرش عىل جدران املواقع االفرتاضيّة‪،‬‬
‫ٍ‬
‫لصوص مهنتهم هي‬
‫حتّى أصبح هذا الفضاء مرتعا لظهور‬
‫رسقة األفكار وال ّنصوص‪ ،‬ونسبها إىل أنفسهم عرب نرشها يف‬
‫صفحاتهم‪ ،‬وهم يتف ّننون يف ذلك‪ ،‬فثمة من يرسق نصوصا‬
‫مكتوبة بلغة أجنبية‪ ،‬ويقوم برتجمتها وينسبها إىل نفسه‪،‬‬
‫ومث ّة من يصوغ األفكار املرسوقة بأسلوب متويهي إلخفاء‬
‫رسقاته‪ ،‬لكن حسب رأيي فإ ّن أخطر أنواع السرّ قة هي تلك‬
‫التي يس ّميها «ابن رشيق القريواين»‬
‫«اإلغارة األدبية»‪ ،‬أي سطوة الكتاب‬
‫املشهورين عىل غريهم من الكتّاب‬
‫املغمورين‪.‬‬
‫إ ّن رسقة التّدوينات من مواقع‬
‫التّواصل االجتامعي بكافة أشكالها‬
‫خيانات مت ّر أمامنا دون أن نعريها‬
‫اهتامما رغم أنّها تعترب من أخطر‬
‫حق اآلخر‪ ،‬والذي‬
‫التّجاوزات يف ّ‬
‫يغذّي هذه الظّاهرة ويذيك نريانها‬
‫هي قلّة وعي األغلب ّية بقيمة امللك ّية‬
‫الفكريّة‪ ،‬إضافة إىل محدوديّة ملكة‬
‫التّفكري والكسل الذّهني الذي يولّد‬
‫التّواكل واالرتكان إىل الجاهز‪ ،‬وهذا‬
‫ما يح ّول الكثري من مرتادي هذه‬
‫املواقع إىل ذبابات مفرغة ملتصقة‬
‫بشبكات عنكبوتيّة شائكة‪.‬‬
‫ومن الظّواهر املرضيّة التي تربز‬
‫ايض نجد‬
‫يف مواقع التّواصل االفرت ّ‬
‫ظاهرة انتحال البعض ألسامء‬
‫املشاهري أو ألسامء مركّبة أو‬
‫كنى‪ ..‬ومن مقاصد ذلك هو اللّهو‬
‫واملجون االفرتايض إن جاز لنا أن‬
‫نس ّميه كذلك‪ ،‬وربمّ ا يحتاج األمر‬
‫إىل البحث البسيكولوجي لفهم‬
‫هذه الحاالت التي هي عبارة عن‬
‫مزيج من عقد اجتامع ّية شائكة وانعدام الثّقة يف ال ّنفس‬
‫واالنحالل األخالقي‪.‬‬
‫أردنا يف هذا املقال املوجز أن نيضء املناطق املعتمة من‬
‫مواقع التّواصل االفرتايض ألنّنا نسعى إىل تأسيس عالقة‬
‫تربطها بالثّقافة تضمن قيمة املا ّدة الثّقاف ّية وتُحقّق‬
‫خاصة أ ّن هذه املواقع أثبتت قدرة‬
‫االمتالء الثّقايف‪ّ ،‬‬
‫عالية عىل إشهار املنتوج الثّقايف‪ ،‬ومن جهة أخرى مكّنت‬
‫املستعمل العادي من االطّالع عىل الجديد يف املشهد‬
‫الثّقايف‪ ،‬إضافة إىل قدرتها عىل تعزيز التّواصل املبارش بني‬
‫املثقّف واملتلقّي‪.‬‬
‫كام أنّنا يف تركيزنا عىل م ّدعي الثّقافة إلثبات أ ّن شخصيّة‬
‫املثقّف مازالت تحافظ عىل بريقها وجاذبيّتها بني العا ّمة‬
‫رغم ما تع ّرضت له من محاوالت التّشويه والتّهميش‪.‬‬

‫إن سرقة ال ّتدوينات‬
‫ّ‬
‫من مواقع ال ّتواصل‬
‫االجتماعي بكافة‬
‫أشكالها خيانات‬
‫تم ّر أمامنا دون أن‬
‫نعيرها اهتماما رغم‬
‫أ ّنها تعتبر من أخطر‬
‫حق‬
‫ال ّتجاوزات في ّ‬
‫يغذي‬
‫اآلخر‪ ،‬والذي ّ‬
‫الظاهرة ويذكي‬
‫هذه ّ‬
‫نيرانها هي ق ّلة‬
‫وعي األغلب ّية بقيمة‬
‫الملك ّية الفكر ّية‬

‫‪12‬‬

‫الخميس ‪ 1‬سبتمرب ‪ - 2016‬املوافق لـ ‪ 28‬ذي القعدة ‪ - 1437‬العدد ‪52‬‬

‫كوجيتو العصر الجديد‪:‬‬

‫إذن أنا موجود‬
‫«أتف ْبينس َبهوة ُكوشاعر»‪ْ ،‬‬
‫تأمأناّالت متبادَلةَ‬
‫ّ‬

‫تونسي‬
‫أشرف القرقني شاعر ومترجم‬
‫ّ‬
‫كف مضمومة بإبهام مرفوع إىل أعىل أو إىل أسفل‪ ،‬لطاملا مثّلت‬
‫ٌّ‬
‫بال ّنسبة إ ّيل االستعارة املركزيّة لالحتشاد الجامهري ّي ح ّتى أ ّن‬
‫مج ّرد ال ّنظر إليها يجعل أكداس ٍ‬
‫هتاف تتناثر من بعيد يف سمعي‬
‫الكف تلك كانت‬
‫وت ّتحد بسلسلة طويلة من ال ّتصفيق‪ .‬لك ّن‬
‫ّ‬
‫مقترصة عىل االمرباطور زمن ال ّرومان ومحاربيهم إ ْذ ُيحكم عىل‬
‫املهزوم أن يحيا أو ينتهي‪ .‬اليو َم‪ ،‬االمرباطو ُر أنتَ ‪ .‬أو هذا ما شُ ّبه‬
‫الصورة‪ .‬وينتهي ال ّن ّص‪.‬‬
‫ضع «اليك» تحيا ّ‬
‫إليك‪ْ .‬‬
‫(*)‬
‫ال أحد يرغب يف أن يكون واحدا من الحشد‪ ،‬مبا‬
‫يف ذلك أنتَ ‪ .‬أنتَ اآلن داخل الشّ بكة‪ .‬وتسبح‬
‫يف األزرق يف آن‪ .‬لقد فاتك أالّ تكون واحدا من‬
‫الحشد‪.‬‬
‫(*)‬
‫ٍ‬
‫سنوات وأنا أفتح م ْروحتي عىل وجوه كالح ٍة‪،‬‬
‫منذ‬
‫أسئل ًة وقلقا‪ :‬ملاذا ال يوجد يف الفايسبوك عالمة‬
‫رصيحة لعدم اإلعجاب أو لـ «أكره» هذا أو‬
‫«أمقته»؟‬
‫ما أعرفه أ ّن املواقع صناعة وتجارة‪ .‬فأين البضاعة؟‬
‫مل يكن هناك إشها ٌر حني ابتدأ حفل شبكات‬
‫االجتامعي وهو مسلك الدّوالر األ ّول يف‬
‫ال ّتواصل‬
‫ّ‬
‫برمجة املواقع عىل الشّ بكة‪ .‬من أين يجيء املال‬
‫إىل ال ّرأس إذن؟ منكَ أنتَ أ ّيها املتحذلقُ ‪ .‬هذا ما‬
‫كتاب جا َء مصدّقا ملا بني يد ّي‪ ،‬بـال ّتجارة‬
‫سيس ّميه ٌ‬
‫العالئق ّية‪)1*(.‬‬
‫(*)‬
‫تحب الفايسبوك‪ ،‬تويترت‪،‬‬
‫كنتَ‬
‫ن‬
‫ْ‬
‫إ‬
‫ّر‪:‬‬
‫خ‬
‫متأ‬
‫تنبيه‬
‫ّ‬
‫رس يف‬
‫ع‬
‫لديك‬
‫ّل‬
‫َ‬
‫ك‬
‫تش‬
‫غوغل‪ ...+‬إىل درجة أ ْن‬
‫ٌ‬
‫ال ّتفكري ويف ال ّنظر إىل األشياء عن قرب وأبعد‬
‫إىل الكواليس‪ .‬إ ْن كنتَ تشعر بدوار يف طرح‬
‫األسئلة أو كنت سعيدا بكونك رقام يف تخطيطات‬
‫اإلحصاء‪ ،‬فمن األفضل أن تتوقّف عن القراءة‬
‫وتغلق الجريدة اآلن‪ .‬ث ّم تضعها مرتّب ًة عىل‬
‫الطّاولة ح ّتى ال يقع فتات طعامك عليها‪ُ .‬‬
‫وتؤول‬
‫الصور ُة مخجل ًة عىل جداركَ األزرق‪.‬‬
‫ّ‬
‫(*)‬
‫الس ّيد‬
‫بع َد أن رفضتَ ضيافته يف بيتك‪ ،‬ها إ ّن ّ‬
‫ماركْ يستقبلك عنده يف بيتكَ أنت‪ ،‬مقيام جداركَ‬
‫األزرق‪ .‬قل لهُ ‪« :‬ولو شئتَ التّخ ْذتَ عليه أجرا»‪.‬‬
‫الكن ُز تحت الجدار‪ .‬لك ّنك ال تراهُ‪ .‬ذلك أنّك مثله‬
‫ال ترى إالّ ما هو أزرق‪( .‬مارك زوكربارك ال يرى‬
‫قوس قزح‪ .‬له خلل يف البرص يجعله يرى األزرق‬
‫فقط بأريح ّية‪ .‬انظر إليه ح ّتى كلبه الهنغار ّي‬
‫امللقّب بالـوحش أزرق)‪.‬‬
‫(*)‬
‫السوق‬
‫السابقة‪ :‬يف عصور هيمنة ّ‬
‫سؤال الشذرة ّ‬
‫الح ّر‪ ،‬هل من العسري إىل هذه الدّرجة أن تفه َم‬
‫ما ييل‪ :‬ال ّتم ّتع بالخدمات «امل ّجان ّية متاما» يعني‬
‫أنّك تدفع كلفة الخدمات تلك عىل نحو آخر‪،‬‬
‫وبأشكال من املراقبة تؤول إىل اإلحكام املثا ّيل؟‬

‫(*)‬
‫إذا دخلتَ بيتك فلم تجد طاولة املكتب يف‬
‫مكانها‪ .‬الشرّ فة صارت أوطأ قليال وال ّنوافذ تكسرّ‬
‫بعضها وانفتح بعضها اآلخر عىل آفاق غريبة‪.‬‬
‫األثاث بر ّمته غيرّ ألوانَه ووظائفه‪ .‬ال تعجب‪.‬‬
‫اقرص نفسك من حلمت ْيك املرتهّلتني‪ .‬أنت يف‬
‫بيت آخر اسمه حسابُك الفايسبويكّ‪ .‬واللّحظ َة‬
‫أعرف أنّك‬
‫فقط غيرّ إله البيت قبلته وتصميمه‪ُ .‬‬
‫تشعر بغربة يف بيتك‪ .‬سوف تألفها رسيعا‪ .‬ويلهج‬
‫لسانك بحمد إلهه‪ ،‬وأنت تسأله أالّ يقتحمه‬
‫اللّصوص‪ .‬فيطردونك منه إىل العدم‪.‬‬
‫(*)‬
‫رص آخر أيّها الباحث عن‬
‫طقس عبور إىل ع ٍ‬
‫إنّه ُ‬
‫مستنقع إلطفاء هذه الجمرة التي تُلقى عليك‬
‫محوطة بضحكايت‪ .‬مل يع ْد يه ّم من أنتَ وما تعرفه‬
‫كيف تبدو‬
‫يقدح يف مج ّرتك من عواملَ‪ .‬امله ّم َ‬
‫وما ُ‬
‫وكيف تستطيع تدبري أمركَ برماد معرفة يك تبني‬
‫هويّة زائفة وتديرها‪.‬‬
‫يف زحمة األشياء‪ ،‬ستحاول جاهدا أن تعرف من‬
‫أنتَ ‪ :‬الشّ بح املائل داخلك أم هذا املتحذلق عىل‬
‫الصور الفايسبوك ّية وتعاليقها‪ .‬سيكون من العسري‬
‫ّ‬
‫ستظل تضيف‬
‫ّ‬
‫عليك اإلقامة يف أيّهام‪ .‬متقلقال‪،‬‬
‫ال ّزيف إىل ال ّزيف يك تبني دكّان األوهام التي‬
‫تحتاجها إلكامل الطّريق بالغياب نفسه‪.‬‬
‫يحتك ُر غوغل موضوع معرفتك وإدارتها‪ .‬ويحتكر‬
‫الفايسبوك موضوع عالقاتك وإدارتها أيضا‪ .‬خارج‬
‫الفايسبوك ال ووجود لكَ ‪ .‬أنت مج ّرد ٍ‬
‫سهم يُشريُ‬
‫إليه‪ .‬تأكُل من أجل تعليقات طريفة حول نبل‬
‫طعامك أو ارتباطه مبقاومة ثقاف ّية‪ .‬وأنت تتز ّوج‪،‬‬
‫عيني من تقف إىل جانبكَ سوى‬
‫ال ترى يف التامع ْ‬
‫مساحة «الستاتو» وتتايل الاليْكات وال ّتعاليق‪.‬‬
‫تفرح فقط ألنّك تبدو مثل رجل يتز ّوج عند‬
‫ُ‬
‫اآلخرين البعيدين خلف شاشاتهم‪ .‬أحدهم‬
‫فامش مبفردك قليال‪.‬‬
‫يسمع صوت تغ ّوطك اآلن ِ‬
‫ّ‬
‫رص جديد هو عرص الذهول‪ -‬االنتباه‬
‫قلتُ ع ٌ‬
‫اطي وعرص املعرض ّية والبورنوغرافيا‬
‫الدّميقر ّ‬
‫العاطف ّية‪ .‬سأضيف شيئا آخر‪ :‬إنّه عرص الطّوباوبّة‬
‫ّمي‪.‬‬
‫ّ‬
‫السيربن ّية بشقّيها ال ّتافهني املحافظ وال ّتقد ّ‬
‫قلتُ ال وجود لك خارج الشّ بكة وخارج‬
‫تأكل‪ .‬هناكَ تتغ ّوط‪.‬‬
‫االجتامع ّية الشّ بك ّية‪ .‬هناك ُ‬
‫تحس حرارةً‪،‬‬
‫وهناك تبدو ح ّيا‪ .‬كأنّك ترى‪ ،‬كأنّك ّ‬
‫كأنّك ال ترى‪ ،‬كأنّك تريدُ‪ ،‬كأنّك تتخ ّيل‪ ،‬كأنّك ال‬
‫كاف ال ّتشبيه تلك‪.‬‬
‫تريدُ‪ ،‬كأنّك تشكّ وكأنّك تغادر َ‬
‫أنتَ تتفسبكُ إذن أنت موجود‪ .‬هذا هو الكوجيتو‬
‫يخصك وعرصكَ ‪.‬‬
‫الذي ّ‬
‫(*)‬
‫رسائل كثرية‪ .‬ال تسألني من‬
‫تصلك من الفايسبوك ُ‬
‫أين تحديدا‪ .‬أل ّن الفايسبوك كائ ٌن ترنسندنتا ّيل‪.‬‬
‫ويل خلل يف التحدّث عن املُفارق بيقني بار ٍد‪ .‬هذه‬
‫رسالة من بينها يرتجمها لك مشكورا عن فرنس ّية‬
‫صاحب هذه ال ّندف‪»:‬خمس‬
‫ذات قفّازين المعني‬
‫ُ‬

‫وعرشون سنة واألنرتنات تصل العامل ببعضه‪:‬‬
‫ظهرت الشّ بكة منذ خمس وعرشين سنة‪.‬‬
‫فلنشك ْر «تيم برنرز‪ -‬يل» وبق ّية ر ّواد االنرتنات‬
‫ألنّهم جعلوا العامل أكرث انفتاحا وارتباطا ببعضه‬
‫بعضا»‪.‬‬
‫خمس وعرشون سنة لرتسيخ عرص جديد بعناية‬
‫ال مرئ ّية‪ .‬أرى أنّك قد ذهبتَ ألداء صالة الشّ كر‪.‬‬
‫هنيئا لك بعا ٍمل مفتوح ٌة طرقُه وموصول ٌة بشكل‬
‫محكم‪ .‬لكن ال طريقَ يخرج منكَ أو يفيض إليك‪.‬‬
‫(*)‬
‫«الحرب أمثولة‬
‫السحرة‪:‬‬
‫ُ‬
‫مع نشأة التلغراف‪ ،‬قال ّ‬
‫رص‬
‫قيل‪»:‬ع‬
‫اديو‬
‫ر‬
‫ال‬
‫ظهور‬
‫من املايض»‪ .‬وعند‬
‫ّ‬
‫ٌ‬
‫السلم يبدأ»‪ .‬لك ّنه مثّل سالح الدّعاية‬
‫جدي ٌد من ّ‬
‫األمثل لدى ال ّنازيّني والفاش ّيني وعمل ّيات اإلبادة‬
‫العرق ّية يف يوغسالفيا ورواندا»‪ .‬أ ّما حني ولد‬
‫ال ّتلفاز‪ :‬ردّد هؤالء وأحفادهم‪« :‬خطوة تفصلنا‬
‫رعب‬
‫الستار‪ُ .‬‬
‫عن حافّة العامل‪ .‬ال يشء سيحجبه ّ‬
‫الحرب مرئ ّيا من الكائنات سينتهي»‪.‬‬
‫تكنولوجي‪ ،‬هناك جيوش‬
‫«مع ّكل موجة تط ّور‬
‫ّ‬
‫املختصني وعلامء املستقبل سيرسعون‬
‫من‬
‫ّ‬
‫لتمجيد تط ّور اإلنسان ّية معتمدين بق ّوة عىل‬
‫كشف املنطق الدّاخ ّيل لتكنولوجيا ّما»‪)2*( .‬‬
‫هناك نخّاسون يفكّرون يف ال ّربح الوفري الذي تأيت‬
‫به يف جيوبها ّكل ثورة‪ .‬ذاك الحامس نفسه يرافق‬
‫اليوم ظهور االجتامع ّية الشّ بك ّية‪ .‬أ ّما أنا باعتباري‬
‫مثاال عين ّيا نادرا عىل تراكُب األزمنة فأقول يل‪:‬‬
‫كف املسخ‬
‫«مع ّكل تف ّجر‬
‫تكنولوجي تض ّمه ّ‬
‫ّ‬
‫اإلنسا ّين يقرتب اإلنسان أكرث من نهايته‪.‬‬
‫(*)‬
‫رعب الحرب مرئ ّيا من الكائنات‪،‬‬
‫تعليق متأخّر‪ُ :‬‬
‫صار حفلة يقدحها ال ّتصفيق ويؤ ّججها الهتاف‪.‬‬
‫(*)‬
‫من جم ٍل إىل طائر ٍة‪ ،‬م ّر العر ّيب‪ .‬وعىل الطّائرات‬
‫سافر ب ُنو ُه إىل مدن الشّ امل‪ .‬فعادوا إلينا فاتحني‪:‬‬
‫«ها ْي‪ ...‬لقد رأينا إسالما ومل ن َر مسلمني‪ .‬ها ْي‬
‫لنلتحقْ بركب اإلسالم أ ّيها املسلمون‪ .‬وإلصالح‬
‫كتب صفراء‪ .‬رأوا دما‬
‫املسلمني‪ ،‬غرقوا يف نهر من ٍ‬
‫كثريا وخناج َر تتطاي ُر‪ .‬وقالوا تلك ألعاب ناريّة يف‬
‫كرنافاالت سابقة ألوانها‪ .‬ث ّم عادوا إلينا وقالوا‪:‬‬
‫حداثة الغرب شورى‪ .‬مجالسهم بيوت بيعة‪.‬‬
‫وواصلوا تفسري الغريب بالغريب‪ .‬أفْلتوا شعلة‬
‫الجاحظ التي أطفأها بصاق أجدادهم‪ .‬ولعنوا‬
‫شعلة نيتشه الذي مل يكتب شيئا بال ّنسبة إليهم‬
‫السامء‬
‫سوى‪« :‬الله يحرتق‪ -‬ال أعرف بالضبط ‪ -‬يف ّ‬
‫الكلب من ذيله والحبل‬
‫ عىل ما أظنّ»‪ .‬قرؤوا َ‬‫ٍ‬
‫منعطف‬
‫من العربة التي غادرته‪ .‬وقفوا يف‬
‫وانتظروا ما يأيت‪ :‬جاء يف ّكل م ّرة اخرتاع‪ .‬ح ّرموه‪.‬‬
‫ث ّم حني دف َعتهم ي ٌد قو ّية إليه قرسا‪ .‬وجدوا له‬
‫رصاطا مستقيام يوصل إىل جشعهم وسبال أخرى‬
‫مح ّرمة‪ .‬وبدل أن يصريوا مسلمني أو بوذيّني أو‬
‫علمويّني‪ ،‬اعتنق ُّكل يشء ركو َد املاء يف دمهم‬

‫وصار عرب ّيا بدوره‪ .‬وال أحد منهم رأى الضّ وء‬
‫الذي يخرتق نظام االخرتاع دون أن يس ّبه عىل‬
‫األقل‪ .‬جاء التلغراف وال ّراديو وال ّتلفاز والنات‬
‫ّ‬
‫يك وال حفيد البن خلدون‪.‬‬
‫وعرص االجتامع الشّ ب ّ‬
‫مثقّفوهم يجلسون يف صالة القرون الالحقة من‬
‫أجل اللغو فيام قاله بودريار أو دولوز يف القرن‬
‫رسعة‬
‫الذي مىض بفهم معطوب وقراءات مت ّ‬
‫لشخص يريد أن يدخل إىل الحماّ م فورا‪ .‬لك ّنه ق ّرر‬
‫مطالعة املوسوعة الكون ّية يف الثّواين التي تسبق‬
‫ذلك‪.‬‬
‫كيف تفسرّ لهم أ ّن نقد االخرتاع الذي يظه ُر اآلن‬
‫هو ما يأيت بالذي يليه‪ .‬ورغم أ ّن اإلنسان ي ّتجه‬
‫السياسة‬
‫إىل ه ّوة يدفعه إليها تو ّحش االقتصاد و ّ‬
‫وموت الحيوان الذي كان من ق ْب ُل يف قلبه‪ ،‬إالّ‬
‫أ ّن حرارة املراجعات وشعلة ال ّتفكري وال ّنقد‬
‫املتجدّدين أبدا يف أفق مفتوح ال ينتهي هو‬
‫اإلسالم الذي رأيتموه دون مسلمني أيّها العرب‪.‬‬
‫بشمس أخرى أكرث‬
‫ٍ‬
‫وهو أيضا ما ميكن أن يع َد‬
‫نقاء وطفولة‪.‬‬
‫(*)‬
‫يحب‬
‫إشارة غري رضوريّة إىل حشود الشّ عراء‪ّ :‬‬
‫الواحد منهم أن يشعر أنّه نج ٌم وأنّه حجر زاوية‬
‫العامل‪ .‬لك ّنه ينىس أو ال يرى أ ّن العامل نفسه‬
‫غري موجود‪ .‬يف اللّيل‪ ،‬يفتح نوافذه عىل جدران‬
‫زمالئه‪ .‬يحيص اليْكاتهم واحدا واحدا‪ .‬يتف ّرس‬
‫يدرس تواريخ ميالدهم‪ ،‬وظائفهم‪،‬‬
‫يف أصحابها‪ُ .‬‬
‫شهاداتهم‪ ،‬عدد الحصص ال ّتلفزيّة التي شاركوا‬
‫فيها‪..‬‬
‫ويبيك أل ّن ثالثة يقيمون عندهم‪ :‬ال ّناق ُد بنظّارتيه‬
‫املق ّعرتني‪ ،‬الجميل ُة التي ال تعرف عن الشّ اعر‬
‫سوى صورته يف الكتب املدرس ّية واألفالم ال ّرخيصة‬
‫والضّ فاد ُع التي ال تشبه بطل «زوسكيند»‪.‬‬
‫يكتب بال ّرمل‪:‬‬
‫يلعنهم جميعا عىل حائطه إ ْذ‬
‫ُ‬
‫«الكن ُز تحت جداري أنا‪ .‬لك ّنكم إخوة موىس»‪.‬‬
‫وألنّه موىس نفسه فإنّه ال يصدّق حكاية الكنز‬
‫هذه‪ .‬هو فقط يشرتيها من دكّان أوهامه‪ .‬غدا‬
‫صباحا‪ ،‬يكتب شيئا ّما باستعامل ال ّرمل ذاته‪.‬‬
‫يس ّميه قصيدة‪ .‬يرتّب أحجاره عىل طريقة إخوته‬
‫الالمعني‪ .‬يوزّع أسطُره بالطّريقة نفسها‪ .‬يبدّل‬
‫بغياب آخر‪ .‬يرفق ال ّن ّص بصورة‬
‫غياب صوته‬
‫ٍ‬
‫شبيهة بصور ال ّزمالء املوافقني للطّراز الربوفاي ّيل‪.‬‬
‫يبدأ يف ع ّد الالّيكات الكثرية‪ .‬يلتحق ال ّناقد وكرشه‬
‫بجداره‪ .‬تأيت الجميلة متل ّهفة دون كعبها العايل‬
‫الذي سقط منها يف منتصف اللّيل‪ .‬و ُيسمع‬
‫ينضاف‬
‫ال ّنقيق‪ .‬اكتملت الحفلة‪ .‬مثّت رقم آخر‬
‫ُ‬
‫إىل صندوق الطّراز ال ّناجح‪ .‬شاع ٌر ف ّذ بنظرة‬
‫الصورة‪.‬‬
‫ضع «اليكْ »‪ .‬تحيا ّ‬
‫رومانس ّية يول ُد اآلن‪ْ .‬‬
‫وينتهي ال ّن ّص‪.‬‬
‫أحب الفايسبوك»)‬
‫(*‪ )1‬الكتاب‪« :‬ال ّ‬
‫أحب الفايسبوك‪ ،‬ص‪)26‬‬
‫(*‪( )2‬ال ّ‬

‫‪13‬‬

‫الخميس ‪ 1‬سبتمرب ‪ - 2016‬املوافق لـ ‪ 28‬ذي القعدة ‪ - 1437‬العدد ‪52‬‬

‫شهادة‪:‬‬

‫انتلجنسيا للثقافة والفكر الح ّر من أجل‬
‫ثقافة شعب ّية تقطع مع الترف الثقافوي‬
‫مثقف»‬
‫يتحسس االم شعبه ال‬
‫يستحق لقب ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫«المثقف الذي ال ّ‬

‫موقع أنتلجنسيا للثقافة والفكر الح ّر موقع ثقايف فكري من ّوع وجامع وهو‬
‫محاولة لخلق وتنمية طليعة ثقافية مبدعة وعضويّة فاعلة يف محيطها‬
‫االجتامعي‪ ،‬ساعية إىل االنتشار بهدف تعميم ثقافة متأصلة ولك ّنها يف اآلن نفسه‬
‫حداث ّية منفتحة كل االنفتاح عىل اآلخر وعىل الثقافات الكون ّية ومنجزها الثقايف‪/‬‬
‫اليومي من أجل تعميم‬
‫الفكري ‪ /‬اإلبداعي‪ ،‬أنتلجنسيا هي معاول للفعل الثقايف‬
‫ّ‬
‫الثقافة وجعلها خبزا يوم ّيا لجميع الفئات االجتامعية‪.‬‬

‫أنتلجنسيا هي قطع مع الرتف الثقايفّ ومحاربة ألوهام التعايل وزعزعة‬
‫للعروش الخاوية‪ ،‬املثقّف فاعل عضو ّي أو ال يكون‪.‬‬
‫ولقد كان اختيار االسم اختيارا واعيا منذ البداية لوعينا بالدور املوكول‬
‫إىل املثقف العضوي الساعي إىل التغيري والفعل «فاألنتلجنسيا هي‬
‫أعىل مستويات النخبة املثقفة‪ ،‬وليست عددا من املثقفني يف بلد ما‬
‫أو مجال ما‪ ،‬بل هي بالتعريف‪« :‬حاملة الوعي الثوري» و»أداة العمل‬
‫الثوري»‪ ،‬ألن «املثقف» ال ينضوي تحت لواء األنتلجنسيا إال عندما‬
‫يحمل يف ذاته طاقة الوعي الثوري رفضا للواقع ونزعا إىل تعديله‬
‫وتغيريه جذريا‪)1(».‬‬
‫موقع أنتلجنسيا مل يولد هذه السنة فقد انطلقنا سنة ‪ 2009‬عرب منتدى‬
‫أوليس األديب‪ ،‬الذي ض ّم حينها أكرث ‪ 500‬كاتب ومثقّف تونيس وعريب‬
‫وح ّملنا يف صفحة املوقع أكرث من ألف تسجيل صويت أديب وغنايئ ملتزم‬
‫ظل القبضة الحديدية لنظام القمع النوفمربي مام جعل الحساب‬
‫يف ّ‬
‫يغلق أكرث من م ّرة ومن الشهادات التي نعت ّز بها قول الصديق الشاعر‬
‫نارص الردييس حينها‪»:‬ما تفعلونه انتحار وبن عيل ليس غب ّيا»‪ ،‬إثر‬
‫االنتفاضة التي عاشها الشعب التونيس خيرّ نا الت ّوجه نحو إعالم القرب‬
‫وصحافة املواطنة عرب تأسيس موقع ميننكس اإلخبارية الذي تواصل‬
‫رغم خروجي شخصيا منه هذه السنة من أجل مواصلة العمل يف‬
‫اإلعالم الثقايف االفرتايض وخيرّ ت إعادة رفع الخزينة الصوتية النادرة‬
‫التي أملكها من أرشيف منتدى «أوليس األديب» يف شكل موقع ثقايف‬
‫فكري ألنّ الرضورة صارت ملّحة لغياب موقع تونيس قادر عىل منافسة‬
‫املواقع العربية املتخصصة يف الشأن الثقايف فخيرّ نا بوعي وطني أن‬
‫يكون نطاق املوقع ( (‪ tn.‬تأكيدا عىل تونس ّية املوقع رغم انفتاحه التام‬
‫أمام جميع األجناس األدبية واملدارس واألشكال اإلبداع ّية‪ .‬منفتحون‬
‫اإلبداعي العر ّيب والكو ّين فكانت هيئة‬
‫أيضا كل االنفتاح عىل املنجز‬
‫ّ‬
‫السورية‬
‫الشاعرة‬
‫حضور‬
‫عرب‬
‫الكبري‬
‫العريب‬
‫تحرير املوقع ممثلة للوطن‬
‫ّ‬
‫ايناس اصفري منسقة تحرير عن املرشق العريب وحضور القاص املغريب‬
‫عبد الله املتقي منسق تحرير عن املغرب األقىص والشاعر والكاتب‬
‫محمد قدايف مسعود منسق عن الشقيقة ليبيا باإلضافة إىل ثلة من‬
‫املبدعني التونسيني كنجيبة الهاممي وحامد محضاوي وزينب الهداجي‪.‬‬
‫تأسس املوقع فعليا بتاريخ ‪ 14‬جانفي ‪ ،2016‬ونجحنا يف فرتة وجيزة‬
‫أن نجعله قبلة للكتاب التونس ّيني والعرب‪ ،‬يف وقت قيايس ح ّملنا فيه‬
‫‪ّ 1750‬نصا فكريا وإبداعيا‪ ،‬وتجاوزت نسبة املشاهدة ‪ 80‬ألف مشاهد‬
‫منذ االفتتاح أي مبعدل ‪ 10‬آالف مشاهد شهريا‪.‬‬
‫موقع أنتلجنسيا للثقافة والفكر الحر يف عيون الك ّتاب ‪:‬‬

‫التونسي سفيان رجب‪ :‬دور المثقف‬
‫الشاعر‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫في الحظيرة البشرية‪ ،‬أن يكون حامل‬
‫مصباح وإن لم يجده يحول قلبه إلى مصباح‬

‫ـــــــــــــــ‬
‫إذا قلنا ‘’اإلنسان’’‪ ،‬قلنا الثقافة والفكر‪ ،‬لذلك فإن األمم والحضارات‬

‫‪: 1‬علي أسعد وطفة‪ ،‬مقال «المثقّف النقدي مفهوما وداللة «‪ ،‬مجلّة الطريق‪.‬‬

‫تتفكك وتندثر بتخلف وعيها الثقايف بتاريخها وحارضها ومتركزها‬
‫الساسة‬
‫يف العامل‪ ،‬وتتحول إىل حظائر برشية يتاجر بأحالمها صغار ّ‬
‫واملرابون واللّصوص‪ ..‬ويصبح املثقف فيها محارصا ومه ّمشا و ُم ْبعدا‬
‫عن دوره الطّليعي لبذر النور‪ ‬يف طرق الظّالم‪ ،‬متاما مثل الشاب الذي‬
‫تحدث عنه ‘’مكسيم غوريك’’ يف إحدى قصصه ذلك الذي انتزع قلبه‬
‫من بني ضلوعه ورفعه عاليا أمام الناس فإذا به ييضء سبيلهم يف ظالم‬
‫الغابة! ذلك هو دور املثقف يف الحظرية البرشية‪ ،‬أن يكون حامل‬
‫مصباح وإن مل يجده يحول قلبه إىل مصباح‪ .‬وإذا كان املثقف يف األمم‬
‫املتقدمة يكتفي بالتفكري فقط‪ ،‬فإن املثقف العريب يفكر ويتحرك‬
‫خارج الفكرة‪ ،‬وهذا ما يفعله ‘’جامل قصودة’’ الشاعر واملثقف الذي‬
‫مل يكتف بإبداعه الشعري ومقاالته الفكرية والنقدية‪ ،‬وإمنا ظل يجتهد‬
‫لتبليغ النصوص األدبية املتميزة بنرشها يف موقع ‘’أنتلجنسيا للثقافة‬
‫والفكر والحر’’‪ ،‬إنه ال يكتفي مبدح النور‪ ،‬إمنا هو اآلن يصنعه متاما مثل‬
‫بطل قصة ‘’غوريك››‪.‬‬

‫الشاعرة المغرب ّية حسنة أولهاشمي‪ :‬في‬
‫ّ‬
‫موقع «أنتلجنسيا» يدعوك البياض لتقترف‬
‫حرية الحرف‪ ،‬وتوقع نبض المجاز بوعي وقوة‬
‫رؤيا‬
‫ــــــــــــــــــــــــــ‬
‫مه ّمة الحرب أن يصبغ نزف الكلمة بفورة جامل ‪ ،‬ومهمة‬
‫صاحبه أن يعي مسؤولية الكشف عن قيمة هذا النزف‪ ..‬‬
‫يف محراب مجلة « أنتلجنسيا للثقافة والفكر الحر» تتامهى لعبة ولعنة‬
‫الكتابة‪ ،‬لرتصدا أرسار رسائل اإلبداع السامية‪ ،‬حيث شهقة القلم تغزل‬
‫رصخات الوجود والذات والحياة‪ ،‬تلون صمت الداللة ووجع الجوهر‬
‫بيقني النور والحلم‪ ..‬يف موقع «أنتلجنسيا» يدعوك البياض لتقرتف‬
‫حرية الحرف‪ ،‬وتوقع نبض املجاز بوعي وقوة رؤيا‪ ..‬موقع خلق للقبض‬

‫عىل جمر النص بثبات وحب‪..‬‬

‫الشاعر خالد الحمروني‪ :‬موقع انتلجنسيا انطلق‬
‫ّ‬
‫ليجمع شتات اإلبداع العربي وينشره بال صنصرة‪.‬‬

‫موقع انتلجنسيا للثقافة والفكر الحر انطلق ليجمع شتات اإلبداع‬
‫العريب وينرشه بال صنرصة‪ ،‬فتح ذراعيه بحرية لش ّتى أنواع التعبري‪،‬‬
‫يجتهد لتحصل اإلضافة للقارئني واملهت ّمني والجمهور العريض‪ ،‬ك ّنا‬
‫بحاجة لهذا املوقع لنقرتب من الحلم ونلغي مسافات الجغرافيا‪،‬‬
‫ك ّنا يف حاجة إىل مثل هذا املوقع لنتع ّرف عىل من يشبهنا ويختلف‬
‫ع ّنا‪ ،‬الثقافة يف حاجة إىل الفكر الح ّر وإىل املساحات التي تحتضن‬
‫الوالدة‪ ،‬ويبقى اإلبداع بحاجة إىل النقد املتواصل لريتقي ويزهر‪.‬‬
‫أشدّ عىل أياديكم ملزيد التألّق والعمل‪.‬‬

‫الشاعر التونسي منير عليمي‪ :‬مهمة‬
‫ّ‬
‫أنتلجنسيا‪ ...‬أن تبحث عن مكان‬
‫النص الحقيقي في بيئة بال حقيقة‬

‫ــــــــــــــــــــــــــ‬
‫أمام موقع أنتلجنسيا مهمة صعبة وهي أن يعيد إىل النص التونيس‬
‫والعريب بريقه‪ .‬تبدو املهمة بسيطة ومتداولة‪ ،‬مبا أن مه ّمة كتابة نص‬
‫حقيقي تعود إىل الكاتب ال إىل نارشه‪ .‬لكن صياغة جملة من النصوص‬
‫يف خانة واحدة قد يكفي لرنى ما آلت إليه الساحة الثقافية‪ .‬وأعتقد‬
‫أن موقع انتلجنسيا يقوم بصوغ لوحة للنص التونيس والعريب اليوم‪.‬‬
‫والجميل يف هذه الرحلة أن ما نجده يف هذا املوقع ملخص ما يوجد يف‬
‫تونس‪ ،‬لكن املهمة األصعب هي أن يرتقي هذا النص إىل مرتبة النص‬
‫املتجاوز‪ .‬وتظل هذه املهمة ‪ -‬مهمة أنتلجنسيا ‪ -‬أن تبحث عن مكان‬
‫النص الحقيقي يف بيئة بال حقيقة‪.‬‬
‫بقلم‪ :‬الشاعر جامل قصودة (مدير التحرير)‬

‫‪14‬‬

‫الخميس ‪ 1‬سبتمرب ‪ - 2016‬املوافق لـ ‪ 28‬ذي القعدة ‪ - 1437‬العدد ‪52‬‬

‫كرة الزجاج أو قصائد من الفضاء األزرق‬
‫عبد الفتاح بن حمودة (ايكاروس)‪.‬‬

‫بدأت عالقتي باالنرتنات واملواقع االلكرتونية والربيد االلكرتوين منذ عام ‪ ،2000‬ولقد ثبت يل بعد ستة عرش عاما‬
‫من ذلك أن هذه الثورة االتصالية التي حدثت قد خلقت حياة جديدة قامت عىل أمرين أساسيني هام كرس الزمن‬
‫وكرس املسافة‪ .‬ومنذ إحداث مواقع التواصل االجتامعي (فايسبوك وغريه‪ )...‬كنت قد انخرطت يف استعاملها ابتداء‬
‫من ‪ 2009‬فأمكن يل من خاللها التعرف إىل عرشات الكتاب واملرتجمني والنقاد واطلعت عىل عديد التجارب اإلبداعية‬
‫التي مل يكن يتس ّنى يل قراءة أعاملها ورقيا من َق ْب ُل‪ .‬ثم إن هذا التواصل االفرتايض منحني فرصة لتبادل املعلومات‬
‫والنصوص والكتب واملقاالت والدراسات والحوارات وتحميلها ورقية للنسخ والقراءة‪ .‬ومن خالل هذا العامل االفرتايض‬
‫أيضا اكتشفت عرشات الرسقات األدبية واألكادميية واإلعالمية‪ ،‬فقد صار العامل االفرتايض مليئا بالنصوص واللصوص‪..‬‬
‫إن لهذه الفضاءات أفضال كثرية ورشور منها أن كل املعلومات عن مستعمليها هي اآلن يف قبضة مخابرات الدول‬
‫العظمى‪ ،‬حتى أن العامل صار قرصا أو كر َة زجاج أو رشيح ًة صغرية بني إصبعني‪.‬‬

‫نافذة‬

‫ولقد شهد األدب أيضا روا ًجا شديدا يف العامل واستطاعت الفضاءات االفرتاضية أن تكرس الحصار عن مئات الكتاب‬
‫والقراء املهمشني يف بلدانهم سواء بنرش كتاباتهم أو بقراءة أعامل اآلخرين يف عامل مفتوح‪.‬‬
‫إن هذه الثورة االتصالية ساهمت يف إيصال املعلومات واألخبار وخلقت نوعا جديدا من اإلعالم وحطمت أسطورة‬
‫اإلعالم الرسمي لألنظمة العربية املتسلطة‪ ،‬وساهمت بشكل ف ّعال يف صنع ثورات الشعوب بترسيع املعلومات واألخبار‬
‫واألحداث لكنها من جهة أخرى س ّهلت عىل املخابرات األجنبية اخرتاق هذه الثورات وتوجيهها واستغاللها ملزيد‬
‫تكديس األرباح ورؤوس األموال لدى الرشكات املالكة ألدوات التواصل االفرتاضية فازداد الفقراء فقرا وازداد األغنياء‬
‫ثرا ًء‪ ،‬فام يربحه مالكو الرشكات التي استثمرت يف وسائط االتصال هو مجموع ميزانيات دول مج ّمعة يف قارة واحدة‪.‬‬
‫لكن ما يعنيني حقا هو حسن استعامل هذا التطور التكنولوجي وهذه الثورة االتصالية لرتويج النصوص اإلبداعية‬
‫شعرا ونرثا‪ ،‬فرسالة األدب عظيمة دوما‪.‬‬

‫سكينة حبيب اهلل‬
‫(شاعرة من المغرب)‬

‫رأس في‬
‫الثالجة‬

‫جالل األحمدي‬
‫(شاعر من اليمن)‬

‫مثّة رأس مقطوع يف ثالجتي!‬
‫ال أعرف ما الذي يفعله يف هذا املكان البارد!‬
‫هذا يعني أ ّن أحداَ ما البارحة‬
‫نام بال كوابيس‪،‬‬
‫أستطيع أن أحمل هذا اليشء عىل كتفي‬
‫وأميش معه يف الشّ ارع‪،‬‬
‫وأتحدّث مع الجميع‬
‫الصحيح!‬
‫دون أن يالحظ أحد أ ّن الكلامت ال تخرج من مكانها ّ‬
‫أستطيع أيضاً ببساطة أن أتجاهل األمر‪،‬‬
‫وأعود إىل حيايت‪..‬‬
‫أتزوج‬
‫وأنجب أطفاالً‬
‫أكرب‬
‫ث ّم أموت‬
‫ويرث أوالدي الثّالجة‪،‬‬
‫واح ٌد تلو اآلخر يفتحها‪،‬‬
‫يحمل هذا الشيّ ء‬
‫مييش يف الشّ وارع‬
‫ويتحدّث مع الجميع‬
‫دون أن يالحظنا أحد‪.‬‬

‫أغلق النافذة صيفاً‬
‫فتقف الشَّ مس طويالً خلفَها‬
‫ُ‬
‫ٍ‬
‫بجيب فارغ‬
‫ل‬
‫طف‬
‫مثل‬
‫ٍ‬
‫أمام خيمة سريك‬
‫غري قادر ٍة عىل الدخول‪.‬‬
‫ربيعاً أغلقُ ال َّنافذة‬
‫فال تدخل مع الهواء‬
‫أ ِج َّنة الورو ِد‬
‫فتزهر بعيدا‬
‫عن رئتي املريضة‪.‬‬
‫أغلق النافذة يف الخريف‪،‬‬
‫فال يصلني‬
‫القيقب‬
‫صوتُ تهشُّ م أوراق‬
‫ِ‬
‫الذي طاملا‬
‫ف َّتتَ قلبي‪.‬‬
‫أغلق النافذة شتا ًء‬
‫أغلقها جيداً‬
‫أحكم إغالقها‬
‫ومع ذلك‬
‫محموالً عىل كتف الرياح‪،‬‬
‫يدخل الربد من كل الجهات‪.‬‬

‫شجرة‬

‫قاسم سعودي (شاعر من العراق)‬

‫الشجرة اليابسة التي تقف عند باب منزلنا‬
‫أكلتها الهزائم شيئاً فشيئاً‬
‫قررت أمي أن نقطعها‬
‫وعندما رشعنا بذلك‬
‫سقطت من أول رضبة صورة أيب وهو يزرعها‬
‫مع الرضبة الثانية صورة أمي بثياب العرس‬
‫مع الرضبة الثالثة‬
‫سقطت توابيت أخويت‬
‫ويف الرضبة الرابعة‬
‫سقطت الشجرة‬
‫وبكينا حتى الصباح ‪..‬‬

‫حذر‬

‫حمدان طاهر المالكي‬
‫(شاعر من العراق)‬
‫حذ ٌر جدّا من الربابرة‬
‫الربابرة الذين دخلوا املدينة‬
‫دون أن ينتبه إليهم أحد‬
‫خبأتُ كل ما أملك‬
‫عن عيونهم الفظة‬
‫لكن ما مل أتحسب له‬
‫أن تدخل الناقة إىل البيت‬
‫تعلق األطفال بها‬
‫فرحت أمي كثريا برؤيتها‬
‫يف الليل وضعنا أمامها عشبا‬
‫مل تأكل‬
‫حني ألحت عليها أمي‬
‫قالت أنا ناقة صالح !‬
‫قلت أ مل يذبحك التسعة‬
‫الذين ذكرهم الكتاب‬
‫قالت ال عليك‬
‫أنا اآلن أبحث‬
‫عن النبي صالح‬
‫هل رأيتموه‪..‬‬

‫تمارين‬
‫علي ذرب‬
‫(شاعر من العراق)‬

‫يف ّكل م ّرة أقف فيها عىل رأيس‬
‫تكون أختي الصغرية‬
‫قد وضعت دميتها بني ساقيها‬
‫تحاول ترسيح شعرها بيدها الوحيدة‬
‫تدفن فمها يف أذن الدمية‬
‫تغري ثيابها‬
‫تحاول تنوميها‬
‫الصغرية كل يوم‬
‫أختي ّ‬
‫تتم ّرن عىل تربية األطفال بيد واحدة‪.‬‬

‫‪15‬‬

‫محض رتابة‬
‫فتحي قمري‬
‫(شاعر من تونس)‬

‫يف الخامسة بعد الثّامنني‬
‫تخلع أرضاس ليلها قبل أن يت ّم احتفاله‬
‫تتعثرّ كثريا يف أثوابها املثقلة بهموم حداد الزم قلبها‬
‫وعينيها ونوافذ بيتها‪.‬‬
‫تتحسس أعضاءها ببطء الوقار‬
‫ّ‬
‫وتعيد ترتيب أنفاسها ح ّتى يداهمها اإلجهاد‪.‬‬
‫الصباح صار شبيها بحرشجة األشجار‪.‬‬
‫ح ّتى دعاء ّ‬
‫وصوتُ املؤ ّذن املتع ّجل دامئا‪،‬‬
‫عرج العصا‬
‫مازال يفاجئها وهي تقاوم َ‬
‫ووه َن العظام عند الوقوف بني حني وحني‪.‬‬
‫كم يبدو إناء الوضوء بعيدا‬
‫والفجر‪..‬‬
‫متاما مثل صالته ميل ٌء برائحة ال تفسرّ ها األشواق‪.‬‬
‫يف الخامسة بعد الثّامنني‬
‫الصباح‪،‬‬
‫ستباغتها دموع ثقال بسخونة عابرة وهي ترتّب موا ّد ّ‬
‫حليب األمومة للقطّة التي تحسن إزعاجها‪،‬‬
‫َ‬
‫انتظا َر رنني الهاتف دون طائل ّكل صباح‬
‫الجلوس طويال تحت شجرة ال اسم لها‬
‫و‬
‫َ‬
‫يك تراقب الشّ مس وهي تق ّتل الظّالل من حولها‪،‬‬
‫وال ّتفك َري العميق‪.‬‬
‫لكن فيم ال ّتفكري؟‬
‫مطبخها ال ّنظيف جدّا تخاف د ّواره‬
‫وحجرة الطّعام معطوبة أنفاسها و قفلها ضائع‬
‫قوافل ال ّنمل ش ّتت الخريف شملها‬
‫وح ّتى انهامر الدّقائق من ساعة الجدار مل يعد يثري لديها‬
‫الشّ عور بالغرق‪.‬‬
‫يف الخامسة بعد الثّامنني‬
‫لن ترهق نفسها بتفسري الج ّو الغائم كلّام ه ّز الدّعاء عينها‬
‫للسامء‪،‬‬
‫ّ‬
‫أو تذكّرت أ ّن األذان العجول تأخّر‬
‫وأ ّن ماء الوضوء بعيد‪...‬‬
‫أبعد من ذاك الفجر‪.‬‬

‫الخميس ‪ 1‬سبتمرب ‪ - 2016‬املوافق لـ ‪ 28‬ذي القعدة ‪ - 1437‬العدد ‪52‬‬

‫من عادة‬
‫العشاق‬
‫شكري بوترعة‬
‫(شاعر من تونس)‬

‫مالبس‬
‫سنلبسها غدا‬
‫منصف الخالدي‬
‫(شاعر من تونس)‬

‫كانت املصبغة بعيدة‬
‫لذلك سبقتنا إليها سياراتٌ لنقل الدم‬
‫وشاحناتٌ تحمل أسودًا ومنورا مذبوحةً‬
‫ال ينبغي أن نتأخّر‬
‫فقد تركنا موظّف األرصاد الجوية‬
‫ينتظر‬
‫ومص ّور االحتفاالت واألعراس‬
‫ينتظر‬
‫ستقول ال ّنحيفة ‪ :‬أنا خائفة‬
‫كنت أحسبها نزه ًة‬
‫فأفرغت خزانتي كلَّها‬
‫كان االنبهار يحوم حول أجسادنا‬
‫أشياء تُغ ّمس وتُنتشل‬
‫اميل تطفح بالحمرة‬
‫من بر َ‬
‫ثم تُعرض يف الشّ مس‬
‫هذه هي املالبس التي سنلبسها غدا !‬
‫يف كل مرة اقف فيها عىل رأيس‬
‫تكون اختي الصغرية‬
‫قد وضعت دميتها‬
‫بني ساقيها‬
‫تحاول ترسيح شعرها بيدها الوحيدة‬
‫تدفن فمها يف اذن الدمية‬
‫تغري ثيابها‬
‫تحاول تنوميها‬
‫اختي الصغرية كل يوم‬
‫تتمرن عىل تربية االطفال بيد واحدة ‪..‬‬

‫من عادة العشاق‬
‫إذا مروا عل قمر اقتسموه‬
‫وقالوا جدنا األول‬
‫من ساللة املاء‬
‫إذا حط بنهر توافد النخل‬
‫إليه تباعا‬
‫وامتقع وجه الحرائق فيه‬
‫خجال‬
‫من عادة العشاق‬
‫إذا مروا عىل غيمة‬
‫زرعوا فيها عشب غربتهم‬
‫وقالوا ‪ :‬يا أختنا الغيمة احرتقي‬
‫إن أصل الحرائق ماء‬

‫األحد‬

‫حسن بولهويشات‬
‫(شاعر من المغرب)‬
‫األحد‪ :‬ألتهم الرغيف يف الضاحية‬
‫أقرأ املالحق الثقاف ّية‬
‫أسمع أغاين اديث بياف‬
‫أتكئ بجثتي عىل نافذة مقهى‬
‫أتج ّرد من الحذاء والجوارب‪،‬‬
‫وأحيص الجثث يف التلفزيون‬
‫أتزاحم مع ال ّناس يف سوق السمك‬
‫أرتّب مالبيس يف الدوالب‬
‫أركض يف الغابة مثل بغ ٍل‬
‫أقلّم أظفاري‬
‫أذهب إىل الحلاّ ق‪ ،‬إىل الحماّ م‬
‫أشاهد مباراة يف كرة القدم‪.‬‬
‫األحد أدخّن همو َم األسبوع يف غرفة صديقة‬
‫وأفكّر يف االثنني‬
‫األحد دفرت تح ّمالت بأوراقٍ كثرية‪.‬‬

‫‪16‬‬

‫الخميس ‪ 1‬سبتمرب ‪ - 2016‬املوافق لـ ‪ 28‬ذي القعدة ‪ - 1437‬العدد ‪52‬‬

‫ركن إصدارات‬

‫طريق تفضي إلى أكثر من مكان‬
‫قراءة في «هامش لتأثيث المكان»‬
‫لفتحي قمري‬

‫سفيان رجب شاعر تونسي‬
‫تعترب هذه املجموعة هي الثّانية يف‬
‫تجربة الشاعر بعد مجموعته «مرآة»‪،‬‬
‫فتحي قمري من األصوات الخجولة‬
‫التي تكتب بعيدا عن الضّ جيج‪ ،‬يحاول‬
‫الشّ اعر عرب مجموعته هذه إعادة بناء‬
‫العامل بصور طفول ّية متشظّية متاما مثل‬
‫والسوريال ّيني‪:‬‬
‫الدّ ادائ ّيني ّ‬
‫«األصابع كمنجات ليل مطعون وح ّراسه‬
‫الخلّص‪.‬‬
‫العيون ذئاب ذهبية وأحيانا أمطار‬
‫عاشقة‪،‬‬
‫والشّ فاه مألى بالضّ حك ونريان ال ّزقزقة‪.‬‬
‫الظّ ّل املشّ اء الذي تلسعه الكلامت‬
‫وإيقاعها الغامض باستمرار‪،‬‬
‫املياه املشمسة وبروقها فراشات حلم‬
‫بهيج‪،‬‬
‫األقامر املكس ّوة ريشا ولعابها املمشوق‪،‬‬
‫طفولة الكلمة وبريدها‬
‫واألشجار حبل نجوم تعوي‪،‬‬
‫كلّها موسيقى صاخبة تورق أينام‬

‫حدّ قتم‪».‬‬
‫والشّ اعر يف كتابه هذا يقرتب كثريا من‬
‫أبناء جيله وهو يحتاج جهدا أكرب لتمييز‬
‫صوته عنهم والخروج بتجربة متف ّردة‪.‬‬
‫يقسم الشاعر كتابه إىل أبواب تفيض إىل‬
‫ّ‬
‫بعضها مبا يخلق نسقا لرحلة بني ال ّرموز‬
‫والصور الشعرية املهشّ مة‪ :‬من البيت إىل‬
‫ثم الحديقة فالغابة ويفيض بنا‬
‫الطّريق ّ‬
‫أخريا إىل البحر‪.‬‬
‫يكتب يف السطر األ ّول من باب الطّريق‪:‬‬
‫أي مكان»‬
‫«هذه طريقي ال تؤدّي إىل ّ‬
‫هو وعد رصيح من الشاعر بالضياع‬
‫والالجدوى وضياع املفاتيح والنوم تحت‬
‫املطر‪:‬‬
‫«ثم ماذا؟‬
‫ّ‬
‫مي ّر العابرون بال ظالل ومعنى‪،‬‬
‫متشابهني يف ّ‬
‫دق حجارة ال ّرصيف عنفا‬
‫بحذاء أنيق‪،‬‬
‫متشابهني حتى يف لونهم ويف طعن الهواء‪،‬‬
‫لكنني ال أرى غبطة األيام يف خطوهم‪.‬‬
‫ال أقرأ ل ّذة األمطار فيهم‪.‬‬

‫لست منزعجا‪».‬‬
‫كل هذا ال ّركض بني الصور‬
‫لكن خلف ّ‬
‫والسري يف اتّجاهات مختلفة‬
‫املتقاطعة‪ّ ،‬‬
‫مثة قلب لترصيحه املخاتل «هذه طريقي‬
‫أي مكان»‪ .‬لتصبح الجملة‬
‫ال تؤدّي إىل ّ‬
‫«هذه طريقي تفيض إىل أكرث من مكان»‪.‬‬
‫الشاعر يف هامش لتأثيث املكان يرمي‬
‫الفكرة يف األذهان‪ ،‬ويرتك املعاين تتخ ّمر‬
‫بني الشكّ والسؤال‪ ،‬فال مكان لليقين ّيات‬
‫هنا‪:‬‬
‫«كذا صارت الغابة حقل أشجار ومعنى‬
‫وعدّ ل الهواء أوتاره‬
‫عىل وقع صباح استيقظ باكرا‬
‫وارتدى مالمح األطفال حني نومهم‪».‬‬
‫كتاب «هامش لتأثيث املكان» هو‬
‫بأي يشء آخر غري‬
‫دعوة لل ّنظر إىل العامل ّ‬
‫كل يشء قابل لل ّتأويل‪،‬‬
‫العيون‪ ،‬حيث ّ‬
‫وكل اليقينيات مدعاة للشكّ وال ّتخريب‪،‬‬
‫ّ‬
‫بعض املناديل التي ودّعنا بها القرن‬
‫لتجف‬
‫املنقيض مبآسيه‪ ،‬يعلّقها الشاعر‬
‫ّ‬
‫تحت شمس األلف ّية الثّالثة‪.‬‬

‫السورياليين‬
‫كأس في حانة ّ‬
‫سفيان رجب‬

‫قراءة يف مجموعة «سأكون دامئا قرب ال ّنافذة»‬
‫ملنصف الخالدي‬
‫وأنا أقرأ الكتاب الشّ عري األ ّول للشاعر «منصف‬
‫الخالدي» «سأكون دامئا قرب ال ّنافذة»‪ ،‬كنت‬
‫السورياليني من بوابة مختلفة متاما‪،‬‬
‫أدخل حانة ّ‬
‫هي حتام ليست بوابة «أندري بروتون» وال‬
‫بوابة «بول ايلوار» أو «أراغون» أو التشكيل ّيني‬
‫االسبان «بيكاسو» و«خوان مريو» و«دايل»‪...‬‬
‫هي بوابة زرقاء محفورة بالشّ مس ورطوبة‬
‫املتوسط‪:‬‬
‫البحر مثل القرى البحريّة لجنوب‬
‫ّ‬
‫الحي عىل‬
‫تأخّر اليوم موعد بيع ّ‬
‫السمك ّ‬
‫الشّ اطئ‪.‬‬
‫كان خال ًيا‪.‬‬
‫ٍ‬
‫باقات رخيصة حول حطام آخر‬
‫وض ْعنا‬
‫مركب‬
‫من مراكب الهجرة‪ ،‬وعدنا متع ّجلني‪.‬‬
‫الحانةـ الكتاب كانت أليفة وغريبة‬
‫السوريال ّيني‪،‬‬
‫يف آن‪ ،‬متاما مثل ر ّوادها ّ‬
‫تصنع عاملها من تناقضاتها‪ .‬الواضحة‬
‫الغامضة كزهرة ع ّباد الشّ مس‪.‬‬
‫أليفة بروح قصائدها التي يفوح‬
‫تونيس خالص‪ ،‬وغريبة‬
‫منها عطر‬
‫ّ‬
‫باألسامء الغرب ّية‪ ..‬فان غوغ‪ ،‬هتلر‪،‬‬
‫فرويد‪ ،‬بيكاسو‪ ،‬نيتشه‪ ،‬ألبار‬
‫كامو‪ ،‬بيتهوفن‪ ،‬جاك برال‪ ،‬انجلو‪،‬‬

‫ديكارت‪ ،‬ارنست همنغواي‪ ،‬برنارد شو‪ ،‬سارتر‪،‬‬
‫تولستوي‪ ...‬إلخ‪ .‬والكثري من هذه األسامء أعاد‬
‫الشّ اعر ذكرها أكرث من م ّرة‪ ،‬واالسم العريب الوحيد‬
‫كان «الس ّياب» ذكره الشّ اعر هكذا مربوطا بذكر‬
‫قصيدته «أنشودة املطر»‪ ،‬وأنيس الحاج ورد اسمه‬
‫ضمن تصدير قصيدة «أوزان»‪ ،‬والشّ اعر أخذه‬
‫االستعراض كثريا عىل حساب ال ّتوظيف الف ّني‪،‬‬
‫لكن هذا ال ينقص شيئا من ال ّروح الشعريّة‬
‫العالية التي ميتلكها «املنصف الخالّدي»‪:‬‬
‫يف حانوت بائع األقفاص‬
‫أتأ ّمل بها ًء ترفضه األجنحة‪.‬‬
‫وأنا أغادر املكان راكال حذايئ بأحجار الشّ ارع‬
‫املهملة‬
‫الساموات البعيدة ودمعة مياه‬
‫حزن‬
‫داخلني‬
‫ّ‬
‫ال ّنبع‬
‫سيتم اختيارها لتكون‬
‫وشحوب األشجار التي ّ‬
‫أ ّول من س ُيحرم من الطّيور يف عمل ّية فرز ألجملها‪.‬‬

‫بعد ربع قرن وهو ي ّنئ يف الظالل مغتسال‬
‫بالنريان املقدّ سة كام كتب الشاعر «عبد الفتاح‬
‫يطل علينا منصف الخالّدي من‬
‫بن حمودة» ّ‬
‫يستحق أكرث‬
‫الشعري األ ّول‪ ،‬كتاب‬
‫نافذته بكتابه‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫من قراءة‪ ،‬مثّة ما يلفت عىل مستوى املعجم‬
‫واألسلوب وال ّتقنيات التي وظّفها الشّ اعر لبناء‬
‫عري والتي تقوم عىل ال ّتناقضات‬
‫عامله الشّ ّ‬
‫خاصة‪.‬‬
‫الدّالل ّية ّ‬
‫الشّ عر عند «منصف الخالدي» يأيت من ّ‬
‫الهش‬
‫والبسيط‪ ،‬ويحفر عميقا يف منطقة بني القلب‬

‫والعقل‪ ،‬حيث تدفن كنوز اإلنسان ّية‪ :‬الجامل‬
‫والحكمة والخيال‪.‬‬
‫بأي إشارة سنوقف سيارة األجرة‬
‫وهم مينعوننا من أن نرفع ذراعنا مثلك‬
‫يا أدولف‬
‫كل يشء يسقط هنا‬
‫جثث‬
‫جثث مجهولة‬
‫ويفرتض أن تكون جثتك بينهم‬
‫ها هم يبحثون‬
‫وال أحد منذ سبعني عاما تكلم‬
‫وال أحد سمى ابنه‬
‫أو كلبه‬
‫هتلر ‪.‬‬
‫فإن كنت حيا‬
‫ولديك اآلن نسخ كثرية من بصامتك‬
‫ُر َّد عىل الهاتف‬
‫أو أطلق طلقتك أمام الكامريا‬
‫وأنقذنا‬
‫فقد مللنا من الوقوف كأصنام‬
‫يف انتظار سيارات األجرة‪.‬‬
‫الحواس غري‬
‫أخرج من الكتاب ـ الحانة‪ ،‬مش ّو َش‬
‫ّ‬
‫قادر عىل ال ّتمييز بني أصابعي والوقت الذي‬
‫يستحق أن يُقرأ‬
‫قضيته أقلب صفحات كتاب‬
‫ّ‬
‫الصفحة األخرية‪ ،‬ومن‬
‫الصفحة األوىل ح ّتى ّ‬
‫من ّ‬
‫الصفحة األوىل‪.‬‬
‫إىل‬
‫رجوعا‬
‫األخرية‬
‫فحة‬
‫الص‬
‫ّ‬
‫ّ‬


Documents similaires


Fichier PDF cv samir meddeb juin 2018
Fichier PDF commemoration 10eme a deces tahar amira enit
Fichier PDF manarat7
Fichier PDF auddit interne zied boudriga
Fichier PDF programme
Fichier PDF reunion 14042011


Sur le même sujet..