1 16 .pdf



Nom original: 1-16.pdf

Ce document au format PDF 1.4 a été généré par Adobe InDesign CS5 (7.0) / Adobe PDF Library 9.9, et a été envoyé sur fichier-pdf.fr le 19/10/2016 à 14:05, depuis l'adresse IP 41.231.x.x. La présente page de téléchargement du fichier a été vue 361 fois.
Taille du document: 11.3 Mo (16 pages).
Confidentialité: fichier public


Aperçu du document


‫ملحق الذاكرة النقابية لجريدة الشعب‬
‫الخميس ‪ 13‬أكتوبر ‪ - 2016‬املوافق لـ ‪ 11‬محرم ‪- 1437‬‬

‫نبذة عن حياة الزعيم الوطني‬
‫والنقابي احمد التليلي‪:‬‬
‫نشأ أحمد التلييل يف عائلة تتكون من ثالث بنات وخمسة أوالد كان هو أصغرهم‪.‬‬
‫وكان والده من صغار الفالحني‪ ،‬وقد حرص عىل تربيتهم تربية إسالمية إذ أدخلهم‬
‫الكتاب لحفظ القرآن وتعلم مبادئ الكتابة واللغة العربية‪ ،‬ثم التحقوا باملدرسة‬
‫الفرنكو‪-‬عربية‪.‬‬
‫التحق باملعهد الصادقي بالعاصمة بعد حصوله عىل الشهادة االبتدائية وذلك يف‬
‫جوان ‪ .1930‬أدى التحاقه بالعمل السيايس املدريس اىل طرده من املعهد الصادقي يف‬
‫السنة الدراسية ‪. 1936 – 1935‬‬
‫سافر رسا يف شهر جانفي ‪ 1936‬إىل الجزائر ملتحقا بالحركة الوطنية الجزائرية‬
‫واشتغل هناك كاتبا عموميا مسخرا وقته لتحرير نصوص الوطنيني‪.‬‬
‫عاد بعد ذلك إىل تونس‪ ،‬ملواصلة دراسته يف خريف ‪ 1937‬اين تحصل عىل شهادة‬
‫التأهيل باملعهد الصادقي لكنه مل يتحصل عىل الباكالوريا فقرر العودة إىل مسقط‬
‫رأسه سنة ‪.1939‬‬
‫شغل يف البداية خطة نائب معلم باملدرسة االبتدائية بقفصة ثم معلام ببلدة القطار‬
‫ووقعت بعد ذلك إقالته بعد خالف مع مدير املدرسة الفرنيس‪.‬‬
‫خالل سنة ‪ 1942‬عاد إىل بلدة القطار للتدريس يف خطة معلم إضافة إىل تسيري‬
‫الشؤون اإلدارية وكذلك اإلرشاف عىل مكتب الربيد الذي عادة ما يكون داخل بناية‬
‫املدرسة يف القرى الصغرية‪.‬‬
‫اشتغل يف خطة نائب معلم ثم معلم يف بلدة‪ ‬القطار‪ ،‬أطرد بعدها بسبب خالف مع‬
‫مدير املدرسة الفرنيس‪ .‬ثم اشتغل موظفا يف الربيد‪.‬‬
‫ترشح سنة ‪ 1947‬لقيادة إقليم قفصة للكشافة الوطنية‪.‬‬
‫منذ سنة ‪ 1944‬نسق مع الزعيم فرحات حشاد بهدف تأسيس نقابات تونسية‬
‫ويف ربيع ‪ 1945‬انتقل احمد التلييل إىل قباضة الربيد بقفصة ومن هناك بدأ فعليا‬
‫االتصال باملوظفني والعامل بالسكك الحديدية واألشغال العامة إىل حني عقد اجتامع‬
‫عام شاركت فيه كافة النقابات املستقلة بحضور فرحات حشاد ‪.‬‬
‫بعد تأسيس االتحاد العام التونيس للشغل يف ‪ 20‬جانفي ‪ 1946‬انعقد املؤمتر األول‬
‫لجهة قفصة يوم ‪5‬ماي ‪ 1946‬ووقع انتخابه كاتبا عاما‪.‬‬
‫منذ نهاية املؤمتر الثاين لالتحاد العام التونيس للشغل بصفاقس بتاريخ ‪ 19‬ديسمرب‬
‫‪ 1947‬أصبح احمد التلييل عضوا بالهيئة اإلدارية‪.‬‬
‫كوقع انتخابه أمينا عاما مساعدا سنة ‪ 1954‬وعضوا باملكتب التنفيذي ونائبا لرئيس‬
‫السيزل واستم ّر يف هذه املسؤولية إىل عام‪..1964 ‬‬
‫قاد احمد التلييل أوىل العمليات يف الكفاح املسلح وذلك يف ‪ 18‬جانفي ‪ 1952‬اىل‬
‫حني اعتقاله يف فيفري ‪ 1952‬مام دفع عامل املناجم إىل شن إرضاب عام تاريخي يف‬
‫‪ 16‬فيفري من نفس السنة‪.‬‬
‫اعتقاله كان يف عديد السجون إىل حني إطالق رساحه نهائيا من السجن املدين مبنوبة‬
‫يف ‪ 12‬جويلية ‪ 1954‬ليدخل مسار اإلعداد لالستقالل الداخيل لتونس‪.‬‬
‫مثل احمد التلييل املسؤول األول عن امللف الجزائري نظرا لعالقاته ومساندته لجبهة‬
‫التحرير الوطنية كام ارشف عىل الدعم املايل والتسليحي املار عرب األرايض التونسية‬
‫للمقاومة الجزائرية‪.‬‬
‫ويف مؤمتر الحزب الحر الدستوري الجديد املنعقد يف‪ ‬صفاقس‪ ‬يف منتصف‪ ‬‬
‫‪ 1955‬انتخب عضوا يف الديوان السيايس‪ ،‬وتوىل أمانة مال الحزب وهي املهمة التي‬
‫استمر يضطلع بها إىل فراره من تونس يف جوان ‪1965‬‬
‫كان احمد التلييل اول من تراس الكنفدرالية النقابية االفريقية واحد ابرز مؤسسيها‬
‫وذلك سنة ‪ 1962‬بداكار‪.‬‬
‫بعد أن أوقف‪ ‬أحمد بن صالح‪ ‬عن نشاطه عىل رأس االتحاد العام التونيس للشغل‬
‫يف أواخر‪ ، 1956 ‬اختري أحمد التلييل ليتوىل األمانة العامة واستمر يف منصبه إىل‬
‫سنة ‪.1963‬‬
‫عمل احمد التلييل من خالل توحيد النقابات اإلفريقية إىل إنشاء وحدة افريقية كام‬
‫عمل عىل توحيد العمل النقايب املغاريب محاوال تجاوز العراقيل السياسية والنقابية‬
‫خاصة وان الوضع الدويل والجيو‪-‬سرتاتيجي متمثال يف الرصاع ما بني الكتلتني الغربية‬
‫والرشقية ومل يكن يف صالح العمل النقايب اإلفريقي‪.‬‬
‫من أقواله‪:‬‬
‫دور االتحاد ال يقف عند النضال من اجل حقوق العامل بل يتجاوز ذلك للدفاع‬
‫عن كرامته كانسان‬
‫اؤكد ان التضامن بني النقابات عىل املستويني الوطني والدويل يعترب امرا رضوريا‬
‫لنجاح العمل النقايب‬

‫الخميس ‪ 13‬أكتوبر ‪ - 2016‬املوافق لـ ‪ 11‬محرم ‪ - 1438‬الذاكرة النقابية‬

‫من أقوال الزعيم‬
‫بالقوة‪،‬‬
‫ّ‬
‫إن نظاما يفرض نفسه على شعب ّ‬
‫ويرفض تشريكه في التص ّرف في شؤونه‪ ،‬هو‬
‫نظام محكوم عليه حتما بالفشل الذريع‪.‬‬
‫الذكر في‬
‫تقدم‬
‫ّ‬
‫يستحق ّ‬
‫ال يمكن تحقيق ّ‬
‫أي ّ‬
‫سياسي ال يكون فيه‬
‫المجال االقتصادي في نظام‬
‫ّ‬
‫حق المراقبة‪،‬‬
‫ّ‬
‫للشعب – وهو المعني األ ّول باألمر_ ّ‬
‫أي ال يساهم في أخذ القرارات‬
‫محور العدد القادم‬

‫‪ 5‬ديسمبر ‪:‬‬

‫البريد االلكتروني ‪echaab_technique@gmail.com @gmail.com :‬‬

‫صورة من الذاكرة‬

‫الزعيم أحمد التليلي اثناء مشاركته في الوفد التفاوضي الستقالل تونس‬

‫أحمد التليلي في منفاه‬
‫للعامل الح ّر سينظم النتخاب امني عام جديد لهاته املنظمة فرتشح‬
‫يف أواسط سنة ‪ 1965‬تأزمت الحالة داخل االتحاد العام التنيس للشغل‬
‫لالمانة العامة ض ّد أؤمري بييك امينها العامل البلجييك الجنسية ولكن‬
‫واصبح امينه العام املنتخب يف مؤمتر سنة ‪ 1963‬الحبيب عاشور عىل‬
‫االتحاد العام التونيس للشغل وقد وقع تنصيب البشري بالغة عىل رأسه‬
‫أبواب السجن اثر حادث احرتاق الباخرة الحبيب الرابطة بني جزيرة‬
‫قد ص ّوت ضد أحمد التلييل‪.‬‬
‫قرقنة وصفاقس ومبا نه كان عضوا مبجلس النواب فقد اع ّد ملف من‬
‫وعاد أحمد التلييل اىل باريس ليقابل العديد من االشخاص وكان‬
‫طرف الوكالة العامة للجمهورية ق ّدم للمجلس لرفع الحصانة عنه‬
‫يسكن مع ابن اخيه االخرض التلييل‪ ،‬وانتقل الی أمريكا ومل يكن قد‬
‫للسامح مبحاكمتهومل يجد من مدافع عنه داخل هذا املجلس اال احمد‬
‫أت ّم تحرير رسالته الی بورقيبة وقابل هناك النقابيني االمريكيني الذين‬
‫التلييل الذي دافع عنه دفاع االبطال‪.‬‬
‫كانوا اصدقاء للمرحوم فرحات حشاد واثناء اقامته كان مرافقا لشخص‬
‫ولكن دو جدوى امام مجلس نواب باعوا ضامئرهم وقاموا مبا طولبوا‬
‫كان سبق له ان تع ّرف عليه يف تونس وهو أحمد إقبال االستاذ يف‬
‫به‪ ،‬ويوم رفع الحصانة كانت وفاة صديق احمد التلييل واقرب الناس اىل‬
‫جامعة هارفارد‪.‬‬
‫قلبه الزعيم الطيب املهريي وزير الداخلية ومدير الحزب الحر الدستوري‪،‬‬
‫ويف أوروبا كان أحمد التلييل قد ارتبط بصداقة متينة مع الجئ اخر‬
‫وادرك أحمد التلييل انه مل تعد هناك من جدوى لبقائه يف تونس ولذلك‬
‫بالغرب وهو الزعيم املغريب الكبري املهدي بن بركة‪.‬‬
‫ق ّرر السفر إىل أوروبا يف نفس ذلك اليوم الذي ما فيه الطيب املهريي اي‬
‫وملا عاد أحمد التلييل اىل تونس قال يل ان املحامي السويرسي الذي‬
‫يوم ‪ 29‬جوان ‪ 1965‬وبقي أحمد التلييل يف منفاه ومل يعد لتونس اال يوم‬
‫كلفته السيزل بالدفاع عن الحبيب عاشور قد كلف باشارة من املهدي‬
‫‪ 25‬مارس ‪.1967‬‬
‫بن بركة‪ ،‬والن هذا املحامي كان شخصا سيئا فقد ساهم يف اغتيال‬
‫بعد عودته كانت له مقابلة يوم ّية مع الحبيب عاشور وكنت احرض‬
‫الشفي‬
‫منصور‬
‫االستاذ‬
‫بقلم‬
‫املهدي بن بركة‪ ،‬ملا عاد أحمد التلييل اىل تونس اعلمني بأنه بعد تلقي‬
‫معهام يف اغلب هاته املقابالت يف مقهى يف تونس العاصمة وكان انحياز‬
‫بورقيبة رسالة أحمد التلييل مل يقرأها بل كان رافضا لقراءتها وان كان‬
‫احمد التلييل للحبيب عاشور ملا رآه فيه من اخالص الستقاللية املنظمة‬
‫قد امر بتوزيعها عىل أعضاء الديوان السيايس حتى يقول لهم حسب‬
‫والتضحية بحريته من اجل هاته االستقاللية وهو ما اصبح ديدنه طيلة‬
‫قوله ان احمد التلييل ليس اكرث دميقراطية منه‪.‬‬
‫حياته النقابية‪.‬‬
‫وعند حلول التلييل بتونس بعد رجوعه من منفاه كان هناك عدد غفري من النقابيني باملطار‬
‫ويوما بعد عودته وكان يف حالة شديدة من املرض طلب منه صديقه الحبيب ان يروي يل‬
‫الستقباله وقد رافقت الحبيب عاشور إىل املطار الستقباله وكان التلييل مرهقا من املرض ومن ايام‬
‫ما تم للهادي نويرة فقال التلييل‪( :‬إثر مؤامرة سنة ‪ 1962‬وهي مؤامرة االزهر الرصايطي اتصل‬
‫املنفی ورافقناه انا والحبيب عاشور اىل منزله واتفقنا عىل ان نتقابل صباح الغد واصبحنا كل يوم‬
‫احمد التلييل بصديقه الباهي االدغم كاتب الدولة للرئاسة وطلب منه ان يبلغ الحبيب بورقيبة‬
‫تقريبا نلتقي يف مقهي واحيانا ارافق احمد التلييل للغداء معه يف املنزل الذي وضع عىل ذمته يف‬
‫وكان موجودا انذاك مبدينة الكاف بان حالة الحزب مل تعد علی ما يرام الن الحوار والنقاش قد‬
‫قمرت وتعود ملكيته ملحمد صفر أحد املقربني لبورقيبة‪.‬‬
‫انقطعا داخله ومل يعد هناك مكان اال للرأي الواحد املسقط عىل الجميع من فوق‪ ،‬فاجابه الرئيس‬
‫وسعى الباجي قائد السبيس وزير الداخلية آنذاك يف مقابلة بني الحبيب بورقيبة وأحمد التلييل‬
‫بورقيبة فليحرضوا اىل الكاف وسوف نتح ّدث‪.‬‬
‫ولكن الحبيب بورقيبة رفض املقابلة‪ ،‬فطلب من احمد التلييل كتابة رسالة للحبيب بورقيبة‬
‫وتوجه كافة اعضاء الديوان السيايس اىل مدينة الكاف ومن بينهم الطيب املهريي واحمد بن‬
‫فاستجاب وقد تط ّوع محمد املصمودي بكتابة املسودة باللغة العربية ومل يكن قد كلّفه بها احد‬
‫صالح والحبيب عاشور وقبل التحاقهم بسياراتهم سلّم أحمد التلييل سيارته لسائقه وركب بسيارة‬
‫ولكن أحمد التلييل وافق عىل محتواها كام وافق عىل ارسالها للحبيب بورقيبة‪.‬‬
‫الهادي نويرة وطول الطريق اخذ يح ّدثه عن وجوب التوجه للرئيس بورقيبة بكالم واضح وجليّ‬
‫وعندما كانوا بصدد قراءتها قدم الباجي قائد السبيس وكان انذاك وزير الداخلية وكانت‬
‫مغزاه املطالبة بيشء من الدميقراطية داخل الحزب الحاكم‪.‬‬
‫صداقته ألحمد التلييل كبرية وقد تحدث الباجي قائد السبيس عن ذلك بكثري من التفاصيل‬
‫وملا استقبلهم الرئيس قال لهم‪ :‬علمت انكم طلبتهم النقاش معي فتفضلوا وطلب الهادي‬
‫يف كتابه املمتاز الصادر عن الحبيب بورقيبة بالفرنيس واراد الباجي ادخال بعض التعديل عىل‬
‫نويرة اخذ الكلمة فقال للرئيس ان الحوار قد انعدم داخل الحزب وهاهي النتيجة السيئة أصبحنا‬
‫الرسالة فرفض احمد التلييل وطلب ابقاءها كام هي‪ ،‬كان املصمودي يف هاته الفرتة سف ًريا لتونس‬
‫اثرها فقد تج ّرأ علينا من رأى ان نظامنا قد فقد قوته وآل االمر الی التآمر ض ّده‪.‬‬
‫يف باريس ورغم كان وجوده قصدا يف تونس‪ ،‬وقد وصف أحمد بن صالح هاته املساعي بان‬
‫وكانت ر ّدة فعل الرئيس بورقيبة عنيفة جدا فقال للهادي نورية اتتكلّم انت يا خائن أمل تق ّدم‬
‫(ثعابني تحوم حول القرص)‪.‬‬
‫استقالتك من الحزب ونحن يف غمرة الكفاح ثم تو ّجه للصادق املق ّدم بكالم ال يقلّ عنه قساوة‪.‬‬
‫وأعتقد ان هاته الرسالة قد أبلغت للحبيب بورقيبة ولكن مل نهتم مبا ترتب عنها ال ّن الحالة‬
‫وبعد ما خرجوا من عند بورقيبة كان الهادي نويرة متأملا جدا من موقف بورقيبة من رفاقه‬
‫الصح ّية الحمد التلييل قد شغلتنا عن ذلك‪ ،‬فقد نقل أحمد التلييل إىل باريس للمداواة يوم‬
‫وكان أحمد التلييل يف يأس شديد وحصلت لديه قناعة بان بورقيبة اذا مل يتدارك امره فان سريه‬
‫‪ 13‬ماي ‪ 1967‬وقد رافقه يف هذه الرحلة صديقه الحبيب عاشور وكانت املئات من املواطنني‬
‫نحو دكتاتورية مقيتة امر ثابت ومؤكد‪.‬‬
‫التونسيني يف استقباله هناك يف باريس امام املستشفى الذي يعالج به‪.‬‬
‫ولكن مل يكن بيد أحمد التلييل من حلّ اال السعي لدى بورقيبة ذاته لفتح بصريته هذا ما‬
‫ويوم ‪ 25‬جوان ‪ 1967‬تويف باملستشفى وكان قبل ذلك وبتاريخ ‪ 31‬ماي ‪ 1967‬قد ارسل برقيبة‬
‫يفس توجه تلك الرسالة الرائعة التي ارسلها اليه بتاريخ ‪ 26‬جانفي ‪ 1966‬والتي كتبت بأسلوب‬
‫رّ‬
‫اىل الرئيس الجمهورية الحبيب بورقيبة بعد ان رفع عنه قرار الرفت من الحزب واعيدت اليه‬
‫فرنيس رائع بالغ الصفاء‪.‬‬
‫مهامه وقد جاء فيها‪( :‬لقد علمت بتأثر بالقرار الذي اتخذمتوه لفائديت اميان باستقاللية االتحاد‬
‫وهي ألول م ّرة يخاطب فيها عضوين الديوان السيايس الرئيس بورقيبة مبثل تلك الرصاحة‬
‫والتضحية من اتجل ذلك بأغىل ما لدى االنسان وهي حريّته‪ ،‬مؤمنني باستقاللية االتحاد و‬
‫واملوضوعية التي جعلت من أحمد التلييل رائ ًدا للدميقراطية يف تونس البورقيبة فهو الذي فتح‬
‫الشعار االتحاد الذي ؟؟ فرحات حشاد‪ :‬التضحية اساس النجاح‪ ،‬وقد جاء يف رسالة احمد التلييل‬
‫الطريق الحمد املستريي سنة ‪ 1968‬وغريه من الدميقراطيني والذين فتحوا فتحا جديدا يف تاريخ‬
‫(ان نظاما يفرض نفسه عىل شعب بالق ّوة ويرفض ترشيكه يف الترصف يف شؤونه هو نظام محكوم‬
‫تونس الحديثة ولكنه كان قوس فتح ليغلقه بن عيل بعد فرتة وجيزة‪.‬‬
‫عليه حتام بالفشل)‪.‬‬
‫عندما وصل أحمد التلييل اىل بروكسيل وجد مؤمترا مؤمترا للسيزل املنظمة النقابية املنتمية‬
‫الخميس ‪ 13‬أكتوبر ‪ - 2016‬املوافق لـ ‪ 11‬محرم ‪ - 1438‬الذاكرة النقابية‬

‫شهادات تاريخية‬

‫«كان الرأس المدب ّر للمقاومة»‬

‫شهادة الباهي األدغم رئيس الحكومة التونسية سابقا‬
‫إنه ملن دواعي االعتزاز أن أن أساهم فس هذا امللتقى الذي يكتيس ألول مرة بعد وفاة‬
‫املرحوم أحمد تلييل أهمية تتجاوز اإلقليم التونيس لتشمل ممثلني عن الحركة النقابية‬
‫العاملية يف االقطار الشقيقة وأذكر باألخص مساهمة الشعب الفلسطيني املكافح يف‬
‫هذا اليوم األغر الذي نجتمع فيه تكرميا لروح أحمد تلييل واحياء لذكراه واستخالصا‬
‫للعربة‪ .‬لكن ليس من اليسري عىل أمثايل من أصدقاء أحمد تلييل ذكر خصاله والتحدث‬
‫عن حياة هذا الرجل الذي اجتمعت فيه خصال متعددة فرأيت أن أقترص عىل أداء‬
‫الشهادة للتاريخ ألن تاريخ الحركة الوطنية العربية بوجه عام والحركة التحريرية بصورة‬
‫أخص يشكو االهامل‪ ،‬اهامل نخبة جديدة من املؤرخني الجامعيني وسكوتهم‪ ،‬وهناك‬
‫السكون‪ ،‬وهناك الكذب عن طريق السكوت وهو أدهى وأمر‪ ،‬كأن يكذب اإلنسان‬
‫بالغاء جانب من التالريخ‪.‬‬
‫لو أراد حزب األمة العتيد الذي يطلق عليه إسم «الحزب الحر الدستوري‬
‫التونيس» يف أي وقت من األوقات أن يقيم اجتامعا مثل هذا يف أيام بورقيبة‬
‫لوقع ألنه مل يقع تنافس بني بورقيبة وأحمد تلييل خالفا ملا شاع فشتان بني هذا‬
‫وذاك‪ ،‬هذا إنسان مناضل مكاغح له أراء ضحى من أجلها وذاك يحتل زعامة‬
‫قيادة أمة وقيادة كفاح‪.‬‬
‫ومل يحاول أحمد تلييل أن ينافس الحبيب بورقيبة أو يقول له‪« :‬إبعد أنت‬
‫واتركني أما أسيرّ البالد‪ ،‬أنا مؤهل أكرث منك»‪.‬‬
‫هذا غري صحيح‪ ،‬االستعداد كان موجودا وهذا بدليل أ ّن األيام األخرية ألحمد‬
‫تلييل تعرفونها كيف وقعت‪ .‬االتصاالت املبارشة التي وقعت بينه وبني الرئيس‬
‫الحبيب بورقيبة ثم استقدامه إىل تونس وتكرميه‪ ،‬وتكريم ذكراه وإقامة‬
‫موكب جنازة قومية شعبية للمرحوم أحمد التلييل‪ ،‬هذا كله يدل أنها خرافات‪،‬‬
‫املسألة كلها هو ما أثاره األخ ممثل اتحاد عامل فلسطني هو روح التخاذل‬
‫وال أقول شيئا آخر‪...‬‬
‫ظاهرة ثانية هي هذا االهامل الشمل‪ ،‬ليس ألحمد تلييل فقط‪ ،‬بل وألمثال‬
‫أحمد تلييل‪ .‬املصيبة هو كون الذاكرة والضمري القومي ضعفا إىل درجة أن‬
‫مواليد سنة ‪ 1957‬يجهلون متاما مراحل االستقالل ويعاقدون أن هذه البالد‬
‫كانت دامئا وأبدا خالل تاريخها تتمتع باالستقالل ومبامرسة السيادة الكاملة‪.‬‬
‫خصال أحمد تلييل كانت عكس هذا متاما‪ .‬لقائل أن يقول كيف تكهن أو تنبأ‬
‫ست سنوات؟ ال أحد كان يظن‬
‫أحمد تلييل سنة ‪ 1951‬أن تونس ستستقل بعد ّ‬
‫هذا‪ ،‬إمنا اليشء الذي شاهدته سنة ‪ 1951‬مل ّا لقيت أحمد تلييل ألول مرة‪ ،‬كان‬
‫ذلك يف باريس‪ ،‬عىل إثر شبه مفاوضات‪ ،‬ال أتذكّر بالضبط ماذا وقع أيام محمد‬
‫شنيق‪ ،‬فتعرفت عىل هذا الشاب أنذاك الذي سبقته بطاقة تعريفه كمناضل‪.‬‬
‫واملتكلم إليكم تعرفونه من زمان‪ ،‬أنا كنت أتحاىش دامئا هذه «الخوضات»‬
‫والخطب وهذه األشياء ال لعجز وإمنا ألين رأيت أن املصلحة تقتيض الصمت‬
‫واالستعداد للكفاح الرسي وللتنظيم الرسي مبا فيه الكفاح املسلّح‪ ،‬اليشء الذي‬
‫قمنا به بوصفنا من مؤسيس الديوان السيايس الخامس قبل الحرب وخالل‬
‫بدايتها‪ .‬هذا الديوان مارس يف آن واحد املسؤوليات السياسية‪ ،‬التوجيه‪،‬‬
‫التوعية‪ ،‬املسائل االجتامعية‪ .‬لكن مارس أيضا استعامل املتفجرات وله خربة يف‬
‫ذلك بحيث لو سئلت اآلن عن رسعة النار التي يكون بها الخيط املوصل اىل‬
‫املتفجرة أجيبكم برسعة وبالتدقيق‪ ،‬هو عبارة عن مرت يف الدقيقة‪.‬‬
‫وهذا يدل عىل أن هؤالء القادة السياسيني كانوا مثل إخواننا الفلسطينيني‬
‫اآلن يد هنا‪ ،‬وأخرى هناك‪ ،‬يد تحمل القلم واألخرى متحمل السالح‪ ،‬فصاحب‬
‫القلم هو نفسه صاحب السيف وهو نفقسه مكافح يف املقدة‪ .‬ألن التيار‬
‫الذي تحدثت عنه‪،‬التيار الجارف من الرعب‪ ،‬من التخاذل قاومه تيار آخر‬
‫معاكس كان من ضمنه أحمد تلييل‪ ،‬وأنا شخصيا كنت أؤمن برضورة هذين‬
‫الوجهني‪ ،‬الجناح املسلح واملقاومة املبارشة والجناح السيايس يسريان مع‬
‫بعضهام البعض‪ ،‬ثم إن الجناح السيايس بطبيعة الحال له وجهان‪ ،‬الوجه األول‬

‫الخميس ‪ 13‬أكتوبر ‪ - 2016‬املوافق لـ ‪ 11‬محرم ‪ - 1438‬الذاكرة النقابية‬

‫هو الداخل ‪ -‬اإلنافاضة ‪ -‬وملن وراءها كذلك‬
‫كيان سيايس ألنه ال وجود النتفاضة بدون‬
‫رأي‪ ،‬والرأي قبل شجاعة الشجعان‪ .‬لكن مباذا‬
‫ملتاز أحمد تلييل؟ انه كان يف الجبهة الداخلية‬
‫لكن يف آن واحد هناك يشء اكتشفته شخصيا‪،‬‬
‫هو استعداده للقيام بأعامل ليست أعامل‬
‫شغب فقط ومظاهرات يف الشوارع‪ ،‬بل‬
‫مقاومة العدو وجها لوجه مهام أدّت إليه تلك‬
‫املواجهة من تضحيات‪.‬‬
‫بخيث أن هذا النوع من املقاومة الذي كنا‬
‫مقتنعني به يؤكده التحليل الذي وقع بيني‬
‫وبني أحمد تليل يف مقهى اسمه مقهى‬
‫«السلم» يف حي االوبريا بباريس حول هذا املوضوع والذي اتفقنا عىل إثره بأن‬
‫أتجه أنا شخصيا إىل أمريكا للمقاومة عىل الجبهة السياسية وبأن يتكفل هو‬
‫بالجبهة الداخلية‪ ،‬وكان يقول يل «أنا أه ّنيك يف الداخل» وهذه كلمة كبرية‪،‬‬
‫وليست باليشء اليسري‪ .‬تحدثت مع أحمد تلييل فوجدته هو املخاطب الوحيد‬
‫بالنسبة لذلك العهد حيث كان يتصور الوجهتني للكفاح أي مبعنى التحرك‬
‫عىل الجبهة الداخلية سيسيا وعسكريا والتحرك عىل الجبهة الخارجية لكسب‬
‫التعاطف الدويل لقضية التحرير‪.‬‬
‫فسافرت إىل أمريكا وأنا شخصيا مقتنع بأن هذا الرأي أقنعني أوال‪ ،‬ثم إن‬
‫هناك ثبات وهناك مبدأ وهناك تجربة ولو كانت متواضعة لكن اإلستعدادات‬
‫وبعد النظر ليس باليشء السهل‪ ،‬ومع كل احرتامي لزماليئ وأصدقايئ يف الكفاح‬
‫فإن هذا الرأي مل يكن متوفرا حتى لدى الرئيس بورقيبة‪ ،‬بهذه الصورة وبهذا‬
‫الوضوخ‪.‬‬
‫وما راعني وأنا يف أمريكا إال والصحف األمريكية تتحدث عن تفجري السكك‬
‫الحديدية يف الجنوب التونيس‪ ،‬هذه العمليات أخذتها من الصحف األمريكية‬
‫نزلت ع ّيل كمن ّة من املوىل سبحانه وتعاىل فاستعملتها‪ .‬وكام قلت فالعمل‬
‫الدبلومايس يحتاج اىل تحريك يف الداخل وها هو ذا يأيت بالحجة والربهان‪ ،‬ها‬
‫هو ذا الدليل عىل أن الشعب التونيس مصمم عىل مطالبته بحقوقه يف السيادة‬
‫وحق تقرير املصري‪ ،‬بحيث أصبحت املسؤولية متزامنة‪ ،‬تحرك يف تونس يأيت من‬
‫بعده تحرك من تلك الجامعة املوجودة ‪ -‬الوفود العربية والوفود اآلسياوية ‪-‬‬
‫مع تأييد باكستان وتأييد الهند وتأييد العالك الثالث ال محالة وهكذا تكونت‬
‫كتلة حول القضية التونسية آنذاك‪.‬‬
‫باملقالب مل يكن للمقاومة الفلسطينية آنذاك أي يف بداية الخمسينات أي يشء‬
‫يف حني كان لتونس رغم حالتها الصعبة مكتب للتعريف بقضيتها وولدعاية‬
‫والنرش ولالتصال بالصحف وباألمم املتحدة‪ ،‬ملاذا؟ ألن الفلسطنيني أوكل‪،‬ا يف‬
‫ذلك الوقت أمرهم اىل الجامعة العربية‪ ،‬وأذكر أن الذي كان عىل رأسها عو‬
‫املرحوك كامل عبد الرحيم‪ ،‬وقد ذهبت يوما لزيارته فوجدت أن مقر الجامعة‬
‫العربية يف غاية من الفخامة حيث يوجد قرابة ‪ 30‬مكتبا وموظفون يشتغلون‬
‫ها اآللة الراقنة وغريها لكن جلّهم من األمريكيات واألمريكيني‪ ،‬سألته عن‬
‫نشاط الجامعة فأجاب بأنها مهتمة بقضية فلسطني‪ .‬كيف ذلك؟ آالف املاليني‬
‫ترصف وإمكانات ضخمة مسخّرة لفلسطني وال حتى مج ّرد الفتة إىل وجود‬
‫هذا اإلسم‪ .‬لقد كانت حياة أحمد تلييل محل حب وتقدير يف إفريقيا ليس‬
‫يف أنغوال فقط بل وحتى يف جنوب افريقيا فهنالك جوانب مل نكتشفها بعد‬
‫كمساعداتنا لجامعة «مانديال»‪ ،‬أما الذين اكرتيت منهم شخصيا باخرة تجارية‬
‫ارست يف صفاقس لتقل شحنة من الغذائ املوجود لدينا رغم قلّته بعد أن‬
‫اخرتنا اقتسامه مع «أنغوال» و «موزنبيق» و «إفريقيا الجنوبية» وقد كان‬
‫أحمد تلييل املحرك الرئيس لهذه العمليات التضامنية‪.‬‬

‫وملا ألقي عليه القبض تح ّرجنا أكرث ألنا اعتربنا‬
‫أن ذلك من قبيل قطع رأس املقاومة‪ .‬فسايس‬
‫األسود واألزهر الرشايطي وإبراهيم بن النيفر‬
‫وغريهم الزموا الجبال بعيدا عن املدن ولنئ‬
‫قاموا بدور كبري فقد كانوا مشتتني وكل واحد‬
‫كان يعترب أن بيده الحلّ والربط لكن الشخص‬
‫الذي كان ماسكا بالقيادة العمليّة هو أحمد‬
‫تلييل‪.‬‬
‫وأعتقد أنه من وجهة النظر التاريخية كانت‬
‫هناك طبقة أوىل فيها الحبيب بورقيبة ورمبا‬
‫واحد أو اثنان آخران هؤالء خططوا لالستقالل‬
‫منذ عرشات السنني وثبتوا وصمدوا وقدموا‬
‫التضحيات وقد سجل لهم التاريخ ذلك‪ .‬وهناك طبقة دون األويل نسبيا إال أنها‬
‫غري معروفة بل وقع طمس درها التاريخي ويعود ذلك البى أخطاء املؤرخني‬
‫العرب والتونسيني بالخصوص الذين مل يقوموا بواجبهم مع األسف وسيتكون‬
‫طبقتنا نحن تفنى متاما ولن يجدوا فيها بعد من يبني لهم الدور الحقيقي‬
‫ألحمد تلييل إذ ليس هناك حرص من جانبهم لجمع شهاداتنا جميعا‪...‬‬
‫لكن من تضم هذه الطبقة؟ كل من كان له تصور للمعركة غري تصور جامعة‬
‫«الفالڤة»‪ ،‬تصور عاملي‪ ،‬تصور يأخذ بعني االعتبار العوامل الداخاية والخارجية‬
‫ويؤمن بالرتابط الرثيق بني العمل املسلّح والعمل السيايس‪ ،‬وأحمد تلييل كان‬
‫أحسن مثال لهذا الصنف من املناضلني‪ .‬ففي الوقت الذي مل يكن فيه املنجي‬
‫سليم قادرا عىل القيام بدور مبارش يف املقاومة املسلحة ومل أقل أنه مل يشجعها‬
‫وكان مع الطيب املهريي يعمل عىل جلب األموال والسالح وامداد املقاومني‬
‫كان أحمد تلييل هو الرجل املبارش للمقاومة ورأسها املدب ّر ال يعرف معنى‬
‫للخوف وله شجاعة خارقة للعادة وصمود مثايل‪.‬‬
‫فأنا أعرف جيدا قضية زرڤ العيون وأعرف خلفيتها وكذلك عديد القضايا‬
‫ألشخاص آخرين فكلهم تعاملت معهم لكن أصارحكم القول بأنني مل أكن‬
‫أذعن ألي كان إال ألحمد تلييل يف هذا امليدان ألين إذا تحدثت معه يف السياسة‬
‫أجده سياسيا وأنا أؤمن كثريا بدور السياسة يف معركة التحرير فهو الوحيد‬
‫الذي كان له تصور شامل لقضية التحرر بحيث ال فصل بني الجانب العسكري‬
‫والسيايس‪.‬‬
‫وحتى بعد االستقالل فقد كان العمل ذا وجهني‪ .‬فالجالء مل يتم نهائيا من‬
‫األرايض التونسية حيث بقيت القوى العسكرية الفرنسية متمركزة يف بنزرت‬
‫ويف عدة مناطق من الجنوب‪ .‬ولقائل أن يقول أو ليس لنا قوات جيش يف‬
‫الجنوب‪ .‬بىل كان لنا جامعة معروفني ومقتدرين ومنضبطني من الضباط الذين‬
‫اعتمدنا عليهم لكن أردنا أن تكون املعركة شعبية يف آن واحد والذي تحملّ‬
‫مسؤولية التنسيق واالرشاف عىل اإلدارة وعىل الوالة واملعتمدين والرشطة‬
‫والبوليس والحرس الوطني هو أحمد تلييل الذي كان مسموع الكلمة من‬
‫طرف الجيش ورجال املقاومة يف نفس الوقت ومحل ثقة واحرتام الجميع‪.‬‬
‫والجبهة الوحيدة التي حصل لنا فيها يشء من التقدم تقريبا بـ ‪ 40‬كلم ‪ -‬من‬
‫برج الخرضاء إىل برج «مسعودة» ‪ -‬هي املنطقة التي كانت تحت إرشاف‬
‫أحمد تليل وهذا أمر ال تعرفونه‪ .‬لكن أحمد تلييل تلقى تعليامت بالرجوع‬
‫إىل نقطة االنطالق بعد قرار مجلس األمن القايض بوقف إطالق النار‪ .‬وقد‬
‫عارض أحمد تليل يف بداية األمر عند مكاملتي معه بالهاتف مؤكدا أن األمر يف‬
‫الجنوب يختلف عام هو عليه يف بنزرت حيث بادر الفرنسيون بالهجوم‪ ،‬وإن‬
‫قواتنا متقدمة يف الصحراء لكنني أوضحت له أن ال مجال للوقوف موقف‬
‫املغامر واملعارض لقرارات مجلس األمن وإال فستنفقد التعاطف والتأييد‬
‫اللذين حصال لقضية تونس‪ .‬وقد قبل أحمد تلييل الرجوع اىل نقطة االنطالق‬

‫مكرها وأظن أنه تلقى عىل إثرها وساما عسكريا‪ .‬وقد‬
‫حرص الحبيب بوقيبة عىل أ‪ ٫‬يجازي أحمد تلييل جزاء‬
‫العسكريني رغم أنه مدين للدور العظيم الذي قام به يف‬
‫مجال الكفاح املسلح وهو ما مل يحصل إال يف حالتني عىل‬
‫ما أتذكر وأعتقد أن السيد عزوز الرباعي يعرف املسألة‬
‫جيدا وقد تكون ذاكرته أثبت مني‪.‬‬
‫بهذه الجزئية أردت أن أبني لكم‪ ،‬وأنتم تتحدثون عن‬
‫دور أحمد تلييل يف املجال النقايب وهو يشء طبيعي‬
‫ومسلّم به‪ ،‬إن ما سيحفظه التاريخ ليس أحمد تلييل‬
‫النقايب بل صفته كمناضل تونيس مغاريب عريب وافريقي‪،‬‬
‫هذا هو اليشء الذي سيبقى‪.‬‬
‫أما بالنسبة للخطة السياسية التي كانت ترمي إىل إقرار‬
‫الدميقراطية يف تونس فقد كان هناك تفاوت يف التقدير‪،‬‬
‫أناس يقولون بأن طريق الدميقراطية هو الوحيد للخروج‬
‫من حالة التخلف والتبعية ومن بينهم أحمد تلييل‬
‫وأناس يعارضون بدعوى أن الشعب ال يزال متخلفا‬
‫وقد كان الحبيب بورقيبة ال يق ّر بالدميقراطية آنذاك‪،‬‬
‫كيف يقر ونحن يف مرحلة «صبعني ويلحق الطني» إال‬
‫أنه تراجع يف ذلك الخطاب الكبري الذي ألقاه يف ‪ 8‬جوان‬
‫‪ 1970‬ومن حيث ال يدري حيث قال‪« :‬ما دام الفرد‬
‫هو الذي يحكم فهو معرض للغلط وأنا لست معصوما‬
‫من الغلط»‪ ،‬وأعترب هذا الكالم للحبيب بورقيبة ودا عىل‬
‫رسالة تلييل التي نرشت بعد ‪ 10‬سنوات من صدورها‬
‫وقد قربت منذ وصولها اىل الرئيس الحبيب بورقيبة‪ .‬وقد‬
‫قرأ بعض فصولها عندما وصلته‪ ،‬ثم قرأ بعض فصولها‬
‫يف مجلس الجمهورية وليس حتى يف الديوان السيايس‬
‫وقد قال باملناسبة «ليت نظريات السيد أحمد تلييل‬
‫تنطبق لكني ال أعتقد شخصيا بذلك وإذا كنتم مخالفني‬
‫الرأي فقولوا ال» «لكن مل يكن هناك شخص قادر عىل‬
‫معارضته‪ ،‬وحتى لو تجرأ أحد وقال له أنا لست عىل‬
‫رأيك فسيجيبه حاال «يا سيد ماذا تفعل يف حزيب‪ ،‬هذا‬
‫حزيب يا سيد»‪ ،‬هذه لغة الحبيب بورقيبة وال ب ّد أن‬
‫تعرفوها‪ ...‬من فضلكم ال تتحدثوا كثريا فبالنسبة لذلك‬
‫الوقت ال يقدر أي شخص أن يرفع اصبعه لكني اآلن‬
‫بصدد إعالمكم مبا وقع والتاريخ واملؤرخون يستنتجون‬
‫ما يشاؤون‪ ...‬املهم أن ترويج الرسالة مل يقع إال بعد‬
‫‪ 10‬سنوات‪ ،‬بعد ‪ 10‬سنوات تفط ّنا إىل أن السيد أحمد‬
‫تلييل حاول أن يتدارك األمر وهو الوحيد من الناحية‬
‫التاريخية الذي ضحى وكافح من أجل إقرار الدميقراطية‬
‫يف البالد التونسية وتطوير النظام يف نطاق احرتام كبري‬
‫للرئيس بورقيبة‪ .‬وأنا ال أعتقد أن أحمد تلييل كان له‬
‫أمل يف أن الحبيب بورقيبة سيستجيب اىل هذا النداء‬
‫أو أنه سيفرض عىل الرئيس بورقيبة من طرف الديوان‬
‫السيايس بل إنه وضع هذه الوثيقة للتاريخ ويف ذهنه‬
‫إن طال الزمان أو قرص فال ب ّد من الرجوع إليها‪ .‬وهذا‬
‫ما وقع فعال‪.‬‬
‫لقد وقعت محاولة سنة ‪ 70‬لالصالح رسعان ما وقع‬
‫الرتاجع عنها ألن هناك قوة جاذبة وهو اليشء الذي‬
‫أريد الوصول إليه‪ .‬لنس ّم هذه القوة ما شئنا‪ ،‬امربيالية‪،‬‬
‫رأساملية‪ ...‬املهم أنها كانت توجد قوة يف الداخل‪ ،‬قوة‬
‫الجمود والخوف من توغل هذه الفكرة التليلية‪ .‬لقد‬
‫كانت موجودة وقامئة الذات وكانت مؤثرة يف أعىل‬
‫مستوى وأعني يف قمة السلطة حيث كان من له‬
‫نظريات أخرى ثم إنه هناك مصالح رسية يف كل البالد‪.‬‬
‫لقد كان الحبيب بورقيبة يقوم الصباح الباكر‪ ،‬الرابعة‬
‫أو الخامسة صباحا وكان يلتقي أوال باملسؤولني عن‬
‫األمن واالستعالمات واألمور التي تهم نشاط التونسيني‬
‫يف الخارج‪ .‬بحيث عندما يذهب وزير الداخلية أو أي‬
‫مسؤول آخر ملقابلته يجد وقتها «العرس حازوه الطبالة»‬
‫كام يقول املثل الشعبي‪ ،‬يجد أناسا آخرين سبقوه وكيّفوا‬
‫األحداث وق ّدموها‪ .‬وهذا واقع ال ب ّد من معرفته بحيث‬
‫نجد ض ّد السيد أحمد تلييل وض ّد هذه الراسالة ما شاء‬

‫الله من العنارص التي ال تزال إىل اآلن موجودة ومحل‬
‫احرتام وتنتسب إىل السياسة واىل الوطنية‪.‬‬
‫مازلت أذكر صالح بن يوسف رحمه الله عندما قلت‬
‫له «اذهب اىل مؤمتر صفاقس‪ ،‬قال يل‪ « :‬تتصور أنت‬
‫يا يس الباهي عندما أقف أنا والحبيب بورقيبة‪ ،‬املؤمتر‬
‫سيختارين أنا عىل الحبيب بورقيبة؟ هذا كالم فارغ‪.‬‬
‫الحبيب بورقيبة بالكالم‪ ،‬بالنفس‪ ،‬بكل ما تتصور الشعب‬
‫مايش معاه»‪...‬‬
‫هذا هو ما وقع‪ ،‬وهذا لكالم سوف لن تسمعوه‬
‫يف املستقبل وأنا متأكد بأنكم مل تتخيلوا أبدا أنكم‬
‫ستستمعون إليه من إنسان مسؤول وصديق ألحمد‬
‫تلييل ولكن من واجبي التوضيح‪ ،‬وأنا أمتنى أن يطبق‬
‫ما جاء يف هذه الرسالة برمته وأمتنى أن يوجد رجال‬
‫لتطبيقها فقط‪ .‬وعىل كل حال فلدينا اآلن مرجع وما‬
‫علينا إال أن ننظر اىل أنفسنا إذا كان هذا الشعب أهال‬
‫للدميقراطية‪ ...‬أنا أمهله ‪ 20‬سنة لتطبيق هذه الرسالة‪.‬‬
‫كام بينت فإن أحمد تلييل رجل قلّ نظريه بني الرجال‬
‫ألين شخصيا مارستهم وحسبه أنه عاش فقريا ومات فقريا‬
‫ألنه مل يكن يلهث وراء املال‪ .‬هناك العديد أقل منه‪،‬‬
‫أ ّميني‪ ،‬تدبروا أمورهم‪ ،‬فهو ليس من محرتيف السياسة‬
‫والنضال للكسب‪ ،‬إنه إنسان مؤمن بقضية عاش من‬
‫أجلها ومات من أجلها وتلك هي قوته‪.‬‬
‫أنا أتذكر عندما يتكلم أحمد تلييل أمام الرئيس بورقيبة‪،‬‬
‫مل أسمع قط الرئيس تطاول عليه أو خاطبه باللغة التي‬
‫كان يخاطب بها الحبيب عاشور أو أي إنسان آخر‪ ،‬لقد‬
‫كان يقبل كالمه بتقدير واحرتام ألنه كان يحرتم نفسه‬
‫وله يشء من الرصانة ويتحىل بتفكري واقعي وواضح‬
‫ومضبوط‪ .‬يعرف ماذا يفعل وال يتباهى ومل يكن كرث‬
‫الكالم‪ .‬لقد كانت الجلسات التي تجمعني بالطيب‬
‫املهريي وأحمد تلييل يف تلك املرحلة‪ ،‬مرحلة بناء الدولة‪،‬‬
‫مفعمة دامئا بالتفاهم واالنسجام‪ .‬ومل ّا نعرض أمرا عىل‬
‫الرئيس الحبيب بورقيبة يتعلق بالقضاء عىل مخلفات‬
‫االستعامر أو بتونسة االدارة أو بتكوين الجيش كان‬
‫بورقيبة يؤيدنا ويوافقنا والحق يقال‪.‬‬
‫إن العمل الذي قام به أحمد تلييل دام حوايل سنتني أو‬
‫ثالث سنوات وقد كانت عملية بناء الدولة أمرا عسريا‬
‫وشاقا وقد صادفت هذه الفرتة (‪ )1955‬فرتة الحكم‬
‫الذايت‪ .‬مرض السيد الطيب املهريي مرضا كبريا منعه‬
‫من مامرسة النشاط وتقلّد السيد املنجي سليم مقاليد‬
‫وزارة الداخلية يحيث أصبح الشغور كبريا يف الحزب‬
‫فتكفّل أحمد تلييل بادارته وأجزم أين أتذكر بعضا من‬
‫تلك الجامعة الذين ي ّدعون الثورية بغية ابتزاز األموال‪،‬‬
‫وهم يهاجموننا يف مركز إدارة الحزب يف باب سويقة‬
‫وذخلوا عليه حتى مكتبه وبادر الشيخ حسني العيادي‬
‫الذي حكم عليه فيام بعد باإلعدام وأعدم وأعدم‪،‬‬
‫بإدخال يده إىل درج مكتب السيد أحمد التلييل فأمسك‬
‫هذا األخري بيده وضغط عليه وكنت يف املكتب املجاور‬
‫وكان الجامعة شاهرين السالح يتهددون ويتوعدون إذا‬
‫مل تدفع األموال فورا‪ .‬كنت أنظر اىل السيد أحمد تلييل‬
‫ابيض‬
‫ومل يظهر عىل مالمحه أي تغري فال وجه أصف ّر أو ّ‬
‫برغم أنه كان بصدد مشاهدة املوت أمامه‪ ...‬أجل لقد‬
‫كان ألحمد تلييل شجاعة نادرة وهو الذي أنقذنا يف تلك‬
‫الفرتة ألنه لو كان شخصا آخر لكان أغلق الباب وقال‬
‫«بالش من هذا الحزب» مادام األمر وصل إىل درجة‬
‫مهاجمة الحزب يف مقره دون أي معارضة شعبية‪.‬‬
‫لقد حاولت االسهام قدر االمكان وأرشت اىل بعض‬
‫النقاط الحساسة كام أرشت اىل وجود تقصري يف مستوى‬
‫الدراسات املوجودة‪ ...‬هناك يشء بصدد الضياع وال بد‬
‫من التفطن اىل هذا األمر‪ ،‬أبناؤنا يف املدارس ال يعرفون‬
‫أي يشء عن تاريخنا ما عدا بعض األسامء ومن غري‬
‫املعقول أن نبقى منفصمني عن ماضينا‪.‬‬

‫«كان مناضال نقابيا‬
‫على المستوى القومي»‬
‫كلمة األخ الفيتوري الدايل‬
‫أمني عام سابق للنقابات بالجامهريية الليبية‬
‫بهذه اللفتة الكرمية وهي ذكرى وفاة املرحوم املغفور له األخ أحمد تلييل ال ميكن أن نفي الرجل حقه مهام عددنا‬
‫من صفت حميدة‪.‬‬
‫لقد عايشام األخ أحمد تلييل يف فرتة كان يتحمل فيها مسؤوليت جساما سواء عىل صعيد املغرب العريب أو يف افريقيا‬
‫بل كان لنضال أحمد تلييل بعد عريب وعاملي‪ .‬وقد عرفناه يف أوقات الشدة عندما كانت الحركة النقابية يف ليبيا متر‬
‫بأزمة حادة عام ‪ 1960‬يف ذلك الوقت تشكل وفد من املغرب العريب ض ّم االخوة املحجوب بن الصديق من املغرب‬
‫وعبد القادر معشو من الجزائر والحبيب عاشور من تونس لكن السلطات الليبية آنذالك منعتهم من االتصال‬
‫بالنقابيني‪ ،‬لكن كانت املفاجأة السارة بعد أسبوع عندما علمنا أن األخ أحمد تلييل دخل بصفته السياسية وعن‬
‫طريق أحد االخوان اسمه مسعود بن حسني ‪ -‬أو بن سعد ال أتذكر االسم بالضبط ‪ -‬كان قنصال ذالك الوقت‪ ،‬استطاع‬
‫أن يتصل بنا يف بيوتنا وقد كان أغلب النقابيني مسجونني‪ ،‬والتقني مع األخ أحمد تليل يف بيت أحد االخوان النقابيني‬
‫وطلب وثائق االرضاب واستخرب عن عدد املوقوفني‪ ...‬كام ال ننىس ما قام به األخ أحمد تلييل تجاه حرب التحرير‬
‫الجزائرية من أعامل بطولية‪ .‬وحتى ال أطيل عليكم أقول ان املغفور له كان شجاعا وقوي االرادة‪ ،‬مناضال نقابيا عىل‬
‫مستوى املغرب العريب وعىل املستوى القومي أيضا حيث كانت له عالقات نضالية مع عبد الله األصنج ومحسن‬
‫العيني من الحركة النقابية اليمنية التي كانت تناضل ض ّد االستعامر الربيطاين يف ذلك الوقت‪.‬‬

‫«ك ّنا حقا في حاجة إلى‬
‫دبلوماسية أحمد تليلي»‬
‫«التليلي‪ ،‬أحد صانعي إجتماع طنجة ‪»- 1958 -‬‬

‫عبد الرحامن اليوسفي‬
‫األمني العام التحاد املحامني العرب‬
‫أشعر باألسف ألن بعض االلتزامات حالت دون حضوري بينكم مبناسبة احياء ذكرى رجل من أبرز صانعي تاريخ‬
‫املغرب العريب املعارص‪.‬‬
‫ال أستطيع أن أستحرض يف حدود هذا البالغ إال قدرا يسريا من اسهاماته الكبرية وأقىص ما أستطيع ذكره جانبني اثنني‬
‫منشخصيته الرثية الفذة‪:‬‬
‫أولهام‪ :‬أصالة التزامه بقضايا املغرب العريب وهي التي جعلت منه طرفا مسموعا ومحرتما من قبل حركة التحرير‬
‫الجزائرية‪ .‬فقد كان برصانته وتكتمه ونجاعنه أحد صانعي اجتامع طنجة يف أفريل ‪ 1958‬بال منازع‪.‬‬
‫ثانيهام‪ :‬شجاعته ووفاؤه لرفاقه الذين يعيشون الشدائد واملحن‪ .‬ولقد كان تنظيمه لحملة الدفاع عن الحبيب عاشور‬
‫يف ظروف يعرفها الجميع أبرز دليل شاهد عىل ذلك‪.‬‬
‫فعىس أن يكون أحمد تلييل مثاال يستوحي منه املناضلون السياسيون والنقابيون اليوم سلوكهم وأعاملهم‪.‬‬

‫الخميس ‪ 13‬أكتوبر ‪ - 2016‬املوافق لـ ‪ 11‬محرم ‪ - 1438‬الذاكرة النقابية‬

‫شهادات تاريخية‬

‫«وجه عالمي بارز ال يمكن أن ينسى»‬
‫السيد أنزو فريزو األمني العام املساعد للكنفدرالية العاملية للنقابات الحرة‬
‫أنها أصبحت من األمور التي أكل عليها الدهر ورشب‪ .‬ومع ذلك فال‬
‫«إن نظاما يفرض نفسه عىل شعب بالقوة ويرفض ارشاكه يف تسيري شؤونه محكوم عليه‬
‫تخلو هذه الحقبة من املفارقات ومثل جميع تلك التحوالت التي تصاغ‬
‫حتام بالفشل الذريع‪ .‬فال سبيل اىل تحقيق أي تقدم وطني عىل الصعيد االقتصادي‬
‫فيها الفصول الكربى من كتاب مسرية العام‪ ،‬تخرتق هذه الحقبة تيارات‬
‫واالجتامعي يف اطار نظام سيايس ال يكون فيه الشعب وهو املعنى األول باملوضوع أي‬
‫متناقضة تتقاطع فيها وتتصارع قوى الحرر وقوى االستعباد‪.‬‬
‫حق يف ابداء الرأي»‪.‬‬
‫فاملطالبة العاملية بالدميقراطية يشوبها تقريبا يف كل مكان االحتفاء‬
‫هذه األفكار كان ميكن أن ترد أمس عىل لسان الرئيس التشييك «فكالف‬
‫باالقصاء وعدم التسامح يف أوروبا الغربية حيث تترسب عدوى العنرصية‬
‫هافل» أو أول أمس عىل لسان الوزير األ‪،‬ل البولوين «ماسوتشييك»‬
‫اىل النسيج االجتامعي فارضة عىل جميع القوى السياسية تقريبا خطابا‬
‫أو يوم عيد امليال عىل لسان الرئيس الشييل الجديد املنتخب انتخابا‬
‫ينخر الدميقراطية نفسها من الداخل‪.‬‬
‫دميقراطيا بعد ليل الدكتاتورية الوطيل الذي كان مخيام عىل البالد‪.‬‬
‫ففي أوروبا الغربية نفسها‪ ،‬حيث عاد أقىص اليمني يخرج رأسه ويسب‬
‫كل هذه الجمل مل ترد عىل لسان أي منهم امنا كتبها أحمد تلييل سنة‬
‫ويعنف وينزع صفة القداسة‪ ،‬تسري سفينة أوروبا الرشقية نفسها يف مياه‬
‫‪ 1966‬يف رسالة بليغة ملؤها النبل واالحرتام كان أرسلها إىل رئيس ذلك‬
‫عكرة إما ألن البنى القدمية املوروثة عن الديكتاتورية قد تغريت ليظل‬
‫العهد الحبيب بورقيبة‪ .‬وهي ترمز أيضا علىنحو يجعلها ما تزال متعلقة‬
‫كل يشء كام هو أو ألن وراء شعارات الدميقراطية قوى غامضة تتحرك‬
‫بأحداث الساعة اىل عمل االتحاد العام التونيس للشغل الذي كان طوال‬
‫هنا وهناك حاملة بتعويض ديكتاتورية بأخرى‪ .‬إن التعصب والشوفينية‬
‫تاريخه ورغم ما اعرتضه أحيانا من صعوبات خطرية وعويصة مثلام بني‬
‫وارادة الرتاجع السيايس واالجتامعي تصاحب أيضا رياح الحرية التي‬
‫ذلك السيد رئيس الجلسة اسامعيل السحباين‪ ،‬وفيا للمبادئ التي تجمعنا‬
‫تهب عىل بلدان أوروبا الرشقية‪ .‬ويف الجنوب أيضا هنا يف افريقيا مثال ‪-‬‬
‫ضمن الكنفدرالية العاملية للنقابات الحرة‪ .‬رغم تلك الصعوبات‪ ،‬من‬
‫وال أحد يجرأ عىل أن تنطيل عليه الخدعة ‪ -‬فإن االنفتاحات السياسية‬
‫أجل السالم والحرية والعدالة االجتامعية‪.‬‬
‫للحزب املتسمة بالجرأة ال تتناغم دوما مع الفكرة التي لنا معرش العامل‬
‫وفعال فليس التاريخ فضاء للحنني أو الذكريات فقط وإمنا هو يف كثري‬
‫عن الدميقراطية‪ ،‬ان السفينة بعد أن تتحرر قد تعرب الفضاء السيايس‬
‫من األحيان املعلم الذي به نستهدي واملرآة التي فيها نرى صورة‬
‫أحيانا للتوقف يف مكان ليس هو فضاء‬
‫الحارض‪ .‬فكيف والحال هذه أن ال تتجاذبنا‬
‫الحرية وليس هو فضاء الدميقراطية الحق‪.‬‬
‫الذكريات وال نجد وجه الشبه بني األحداث‬
‫إن تقدم مد الحركات املتطرفة واألصولية‬
‫الكربى التي تهز عامل اليوم وتلك الحقبة لقد سبق ألحمد تليلي‬
‫ليهدد أسس وصيغ إعادة إبداع الدميقراطية‪،‬‬
‫املاضية التي عاشها رفيقنا أحمد تلييل مبا‬
‫أن الحظ بكل مرارة‪:‬‬
‫عىل أن التنديد والحظر عمل غري كاف‪ .‬إن‬
‫فيه من التشنجات واألمال ومن‬
‫حركات «أن الدكتاتورية والحزب‬
‫ظهور الحركات املتطرفة اىل السطح سواء يف‬
‫التحرر‪ .‬فقد كنا نشهد يف الخمسينات‬
‫انهيار عامل هو عامل االستعامر بعد عقود من الواحد ال يمكنها أن تكون الجنوب أو يف الشامل أمر ميكن تفسريه بفشل‬
‫من تجندت تلك الحركات ملجابهة أكرث مام‬
‫االستغالل ونهب الرثوات والتالعب‬
‫بالناس طريقا قصيرة تفضي الى‬
‫ميكن تفسريه مبا يتميز به زعامؤها من قدرة‬
‫والكلامت‪ .‬أما الدميقراطيات األوروبية ‪ -‬فام‬
‫وكفاءات‪ ،‬وهنا تجد أفكار أحمد تلييل كل‬
‫الرفاهية وذلك بكل‬
‫كانت ترى تناقضها باعتبارها ديكتاتوريات‬
‫قيمتها الراهنة وترتدد أصداء تحذيراتها كأنها‬
‫استعامرية ‪ -‬فكانت ترتاجع تحت‬
‫ضغط بساطة ألن انتهاج مبدإ‬
‫دروس تم التغافل عنها تغافال يحمل يف طياته‬
‫القوى الوطنية واالستقالل‪ .‬وها إن الحق يف‬
‫كثريا من املخاطر‪.‬‬
‫تقرير املصري قد شمل قسام كبريا مام كان ‪ -‬االنفراد بالسلطة ال يوفر‬
‫يف حني يرى اليوم بعض القادة الغربيني يف‬
‫طوال مدة تزيد عن أربعني سنة تحت قناع أي تعبير عن توق مجتمع‬
‫بلدان العامل الثالث محاسن األنظمة ينكرون‬
‫تنكري من ايديولوجيا أخرى ومعتقدات‬
‫من المجتمعات»‪.‬‬
‫ويستهجنون أن تكون يف بلدانهم فإن أحمد‬
‫أخرى ‪ -‬سجنا لعديد األمم والشعوب‪ .‬وشيئا‬
‫تلييل كان يعلن منذ ربع قرن رضورة ربط‬
‫فشيئا استعادت جمهوريات شعبية مزعومة‬
‫التنمية بالدميقراطية‪ ،‬فقد كتب‪ « :‬ميكن يف‬
‫رشفة ‪ -‬كالبلدان املتذيلة ‪ -‬مكانتها يف العامل‬
‫الصقت بها عناوين غري م ّ‬
‫بلد فتي ‪ -‬رغم األراء املضادة التي يبديها الخرباءئ املزعومون ‪ -‬إحالل‬
‫ويف التاريخ‪ ،‬مع نفس الطموحات آال وهي تأسيس دول دميقراطية‬
‫رصح بهذا منذ ‪ 25‬سنة‪.‬‬
‫ومجتمعات حرة‪ ،‬إن هذا التحرر املشهود لشعوب كنا نعتقد يف يأس أنها‬
‫الدميقراطية» كان ي ّ‬
‫قد تجمدت دون أي رجعة يف نظام كلياين مل يقترص عىل أوروبا الوسط»‪،‬‬
‫إن الفريقيا حسب مزاعم املنظّرين للحزب الواحد تقاليد أخرى‬
‫فقد سبقها يف جميع أرجاء العامل اكتشاف للدميقراطية والحرية‪ ،‬ومنذ‬
‫وخصوصيات أخرى غري تلك التي للدميقراطية الغربية كام لو أن الحق‬
‫مهاية الدكتاتورية األوروبية يف اسبانيا والربتغال وبالد اليونان اىل فشل‬
‫يف الحياة امتياز موقوف عىل ثقافات أخرى وكام لو أن الدميقراطية‬
‫الشيوعية يف الرشق مثة مثل الخيط الذي يرسي عرب العامل يف أمريكا‬
‫مهام كان النظام الثقايف لبلد من البلدان ال تتوافق وحقوقا عاملية‬
‫الالتينية وآسيا حيث حلت حكومات مدنية ‪ -‬ما تزال والحق يقال‬
‫ملموسة‪ ،‬هي أن يكون للناس الحق يف أن يقولوا ما يعتقدون وأن يكون‬
‫شديدة الهشاشة مكن العسكريني يف افريقيا حيث أنظمة الحزب الواحد‬
‫للشعب الحق يف تغيري الحكومة‪ ،‬ويف قراءة الصحيفة التي يرغب يف‬
‫زحزحت عن مواقعها أو هي محل رفض ونزاع‪ ،‬أو نقد وشجب‪ ،‬حسبنا‬
‫قراءتها ويف أن ينشئ نقابات متثل تطلعات العامل ومصالحهم متثيال‬
‫أن نلقي نظرة عىل مؤرش الحرية النابض عىل خريطة العامل حتى نفهم‬
‫حقيقيا‪ .‬إن الذين يستحرضون التقاليد االفريقية لتربير العنف والتعسف‬
‫أن نظاما عامليا معينا وأن فكرة ما عن السلطة والتنمية تم االعالن عن‬
‫واالستبداد ال يربرون يف الواقع إال أولئك املعمرين القدامى أو أنصار‬

‫الخميس ‪ 13‬أكتوبر ‪ - 2016‬املوافق لـ ‪ 11‬محرم ‪ - 1438‬الذاكرة النقابية‬

‫التفرقة العنرصية الذين رفضوا دوما مبدأ املساواة يف الحقوق لشعوب‬
‫العامل الثالث‪ .‬وبعضهم يفضلّ عىل هذا الخطاب الثقايف املزعوم عقالنية‬
‫اقتصادية مزعومة‪ .‬إن افريقيا حسب ما يدعي بعض الخرباء فقرية للغاية‬
‫وما تزال موسومة مبيسم االرث الثقيل الذي خلفه االستعامر بحيث أنها‬
‫غري ناضجة للحرية والدميقراطية ولكن لننظر اىل االحصائيات ولننظر‬
‫اىل صور الفقر واملجاعة ولنتساءل‪ :‬ماذا كانت حصيلة عقود عديدة من‬
‫حكم األحزاب الواحدة؟ وأين هي املعجزات االقتصادية للبلدان التي‬
‫يسود فيها الحزب العتيد الذي ال يقهر والرئيس املعصوم الذي ال يخطئ؟‬
‫صحيح أن البلدان السائرة يف طريق النمو قد اضطرت اىل مواجهة نظام‬
‫عاملي ال يتامىش ومصالحها وكانت فيه مهضومة الجانب اىل حد بعيد‪.‬‬
‫صحيح أن الغش والتزوير سادا داخل قانون اللعبة منذ استقالل تلك‬
‫البلدان‪ ،‬ولكن بعض قادة بلدان العامل الثالث أيضا يف كثري من األحيان‬
‫لبسوا قميص الوطنية لتكميم أفواه أصحاب املواقف الدميقراطية وفرض‬
‫سياسات اقتصادية مل يكن لها من أثر سوى تعميق الفوارق وادامة‬
‫التقسيم االستعامري‪ .‬وقد قام أحمد تلييل بتحليل نافذ لهذه الحقيقة‬
‫املزدوجة يف ذلك التقرير الذي قدمه للمؤمتر السابع للكنفيديرالية‬
‫العاملية للنقابات الحرة يف برلني سنة ‪ 1962‬وهو التاريخ الذي حصل يل‬
‫فيه رشف مالقاته ألول مرة‪ .‬وقد الحظ « أن الهوة بني البلدان غري النامية‬
‫بالقدر الكايف والبلدان األكرث تقدما ما فتئت تتسع» كان هذا القائد الفذ‬
‫من قادة االتحاد العام التونيس للشغل يضع اصبعه عىل حقيقة أخرى‬
‫عندما كان يتحدث عن أن توزيع الرثوات يف داخل البلدان النامية نفسها‬
‫توزيع غري متكافئ‪ .‬وكان يضيف‪ « :‬إن الحركة النقابية موجودة ماثلة يك‬
‫متنع أن يصبح األثرياء أكرث ثراء ‪ -‬بواسطة املساعدة املالية ‪ -‬والفقراء أكرث‬
‫فقرا»‪ .‬ويف رسالته اىل بورقيبة استعرض أحمد تلييل عائقا آخر من عوائق‬
‫التنمية االقتصادية‪ ،‬يقول‪« :‬إن تدمري البنى الدميقراطية التي كانت متنح‬
‫الحياة والديناميكية واالميان والحيوية للنظام وتكاثر عدد املوظفني‬
‫الذين يترصفون متاما كام كان يترصف موظفو االستعامري ازاء هجمة‬
‫الحركة الوطنية الدكتاتورية من أجل انفراد الحزب الواحد بالسلطة‪،‬‬
‫والدفاع عنه باسم النجاعة والنظام ال يقدم أي مثال من األمثلة الناجحة‬
‫املتينة‪ .‬إن النازية كانت تطمح اىل تشييد امرباطورية ثالثة تدوم ألف‬
‫سنة ولكنها اضمحلت بعد ذلك بثالث عرشة سنة تحت أنقاض برلني‪.‬‬
‫وكانت الستالينية تعتقد أن تربر جرامئها من خالل تذرعها باتباعها مجرى‬
‫التاريخ‪ ،‬وورثتها اليوم من موسكو اىل صوفيا ال يعرفون كيف يتخلصون‬
‫مام يتخبطون فيه من فشل ويف كل مكان من أمريكا الالتينية‪ ،‬ويف‬
‫الفليبني تجد حكومات مدنية نفسها مجربة عىل التكفل بتسديد ديون‬
‫خيالية والتصدي لعجز اقتصادي مهول وفوارق اجتامعية عميقة موروثة‬
‫عن الديكتاتورية العسكرية التي كانت تتشدق بالوطنية‪.‬‬
‫كال أيها الرفاق‪ ،‬ال سبيل اىل تنمية بدون حرية‪ .‬لقد سبق ألحمد تلييل‬
‫أن الحظ بكل مرارة‪« :‬أن الدكتاتورية والحزب الواحد ال ميكنها أن تكون‬
‫طريقا قصرية تفيض اىل الرفاهية وذلك بكل بساطة ألن انتهاج مبدإ‬
‫االنفراد بالسلطة ال يوفر أي تعبري عن توق مجتمع من املجتمعات»‪.‬‬
‫كام أنه يقترص عىل الوقوف موقف املتحفظ بدال من تقدير كفاءة ذوي‬
‫الكفاءة ال سيام أن البالد يف أشد الحاجة إليهم‪ .‬ويتحدث أحمد تلييل‬
‫عن األساتذة واملهندسني ضحايا عسف السلطة قسالحظ يف مرارة « أن‬
‫بعضهم يختارون مغادرة البالد التونسية»‪.‬‬
‫ولكن الحزب الواحد دون ذلك رضرا وافسادا ألنه يعزل القادة عمن‬
‫يزعمون متثيلهم‪ .‬وقد كتب يف هذا الشأن‪ :‬كيف نطلق اسم حزب عىل‬

‫جسد هامد ألنه يفتقد اىل روح تحركه‪ .‬ويضيف‪« :‬وليست له‬
‫أية حرية للحركة وبالتايل ليس له أي محرك يسمى االميان‪.‬‬
‫إنه ال يتحرك إال إن حرك من أعىل وأن الفائدة من وجوده‬
‫ملحل شك كبري»‪.‬‬
‫كام أننا نجد ذلك الشغف بالحقيقة الذي حمله عىل أن ينقد‬
‫نقدا رصيحا ذلك الخلط بني الحزب والدولة يف سياق حديثه‬
‫عن دور الحركة النقابية املناضلة من أجل االستقالل‪ ،‬واعيا من‬
‫مثة برضورة التنوع والتعددية يف صلب الدولة الجديدة وكان‬
‫مناهضا بصفة خاصة لكل عمل حكومي يح ّد من حرية العمل‬
‫ومن تركيبة الحركة النقابية‪.‬‬
‫وكان أحمد تلييل يف هذه النقطة أيضا س ّبقا منذ بداية‬
‫الستينات فقد حذّر من سياسة ترمي اىل جعل االتحاد العام‬
‫التونيس للشغل حسب قوله‪ « :‬مجر ّد أداة وصل يف جهاز‬
‫الحكم كام هو يف تلك البلدان التي يسود فيها ما يسمى‬
‫بدكتاتورية الربوليتاريا املزعومة» مضيفا أن «الحزب الواحد‬
‫يتسبب اآلن يف إحداث أفظع الكوارث يف مناطق أخرى من‬
‫العامل» ولو كان بيننا اليوم فلن يسعه اال أن يردد حكمه هذا‬
‫مبزيد من القوة ويحدوه أيضا مزيد من األمل ذلك أن الحزب‬
‫الواحد يف جميع أنحاء العامل تقريبا يتوجه اىل الخروج من‬
‫التاريخ ومن بابه الخلفي‪.‬‬
‫كان أحمد تليل أيها الرفاق األعزاء من تلك املدرسة‪ ،‬مدرسة‬
‫رواد الحركة النقابية الحرة التي كان االتحاد العام التونيس‬
‫للشغل يف كثري من األحيان املهدد الذي احتضنها‪.‬‬
‫ان قوة االتحاد العام التونيس للشغل هي التي سمحت لوجوه‬
‫بارزة من زعامء الحركة النقابية التونسية بأن يضطلعوا بدور‬
‫من الطراز األول يف تحرير العامل‪.‬‬
‫وأولئك الرجال العظامء هم الذين يلهمون اليوم نضاال عسريا‬
‫مريرا أحيانا غري أنه ثابت دوما‪ ،‬يخوضه أولئك الذين ميثلون‬
‫طموحات العامل التونسيني وعربهم ميثلون النضال من أجل‬
‫الدميقراطية والعدالة االجتامعية يف العام قاطبة‪.‬‬
‫إننا نعرف أن العقبات التي تقف حجر عرثة أمام الحركة‬
‫النقابية عديدة ويف عديد البلدان حتى يف تلك التي أبدت‬
‫السلط عزمها عىل الدخول يف عملية تحول دميقراطية فإن‬
‫األمور تسري عىل نحو بطيء بحيث يخيل للمرء أحيانا أنه مل‬
‫توجد لديها البتة أية ارادة للتغيري مهام كانت‪ .‬وتجد الحركة‬
‫النقابية نفسها عرضة لضغط مزدوج‪ :‬ضغط السلطة من جهة‬
‫وهي ال تعري آذانا صاغيةملقتضيات الدميقراطية واىل رضورة‬
‫ضامن مطلق الحرية واالستقاللية للحركة النقابية ومن جهة‬
‫أخرى ضغط االتجاهات املتطرفة عىل اختالف أنواعها‪ ،‬ويبدو‬
‫من الواضح الجيل أنها ال متثل استجابة اىل طموحات العامل‬
‫يف الحرية والدميقراطية التعددية والعدالة االجتامعية‪.‬‬
‫وكلام عملت الحكومة عىل التخفيف من نسق عملية ارساء‬
‫الدميقراطية الفعلية يف البالد‪ ،‬زادت يف صعوبة احرتام جميع‬
‫الحقوق وزادت يف صعوبة مهمة الحركة النقابية وصعوبة‬
‫موقعها‪.‬‬
‫ويف هذه الظروف الدقيقة والصعبة للغاية ينبغي أن تستمر‬
‫الحركة لنقابية يف استلهام فكر أحمد تلييل وأن تستمر يف‬
‫الشعور باملسؤولية وهذا أمر مفروغ منه ولكن أيضا ال ب ّد لها‬
‫أن تواصل النضال من أجل ارساء دميقراطية حقيقية ومن أجل‬
‫االستقاللية التامة للحركة النقابية وكالهام رضوري للدفاع عن‬
‫مصالح العامل املرشوعة‪ .‬هذه يف تقديري‪ ،‬الوسيلة الوحيدة‬
‫لتكريم أحمد تلييل يف ذكرى وفاته‪.‬‬
‫وأود أن أغتنم هذه الفرصة يك أعرب لجميع العامل‬
‫ومنظامتهم النقابية يف هذا الجزء من العامل أننا واعون مبا‬
‫يواجهونه من صعوبات وأنه ميكنهم دوما من االعتامد عىل‬
‫التضامن الفعال من قبل الكنفريالية العاليمية للنقابت الحرة‪.‬‬
‫إن أحمد تلييل بطل من أبطال األمة التونسية وهو بطل‬
‫كذلك بفكره وبنضاله من أجل الحرية ووجه عاملي بارز ال‬
‫ميكن أن ينىس‪.‬‬

‫صوت‬
‫«هو الوحيد الذي ّ‬
‫ضد حضر األحزاب»‬
‫جورج ع ّدة من الحزب الشيوعي التوين‬

‫قبل أن أعرف أحمد تلييل عرفت أخاه عيل تلييل‪،‬‬
‫وفيام بعد تعرفت عىل أحمد خاصة يف السجن الجديد‬
‫بعد رمادة وزعرور وبن قردان‪.‬‬
‫يف ديسمرب ‪ 1962‬وقعت مؤامرة العسكر ويف جانفي‬
‫‪ 1963‬اجتمع الديوان السيايس وقرر ايقاف جريدة‬
‫الدكتور بن سليامن والحزب الشيوعي التونيس‪ ،‬وكان‬
‫الوحيد الذي ص ّوت ضد هذا القرار هو أحمد تلييل‪،‬‬
‫ثم تقابلنا بعد ذلك وقال يل أحمد‪ « :‬لقد بذلت كل‬
‫جهدي ولكن مع األسف غلبت وال أعرف ما سأفعل‬
‫وما سأقول غدا‪ .‬وهو يذكر هذا األمر يف رسالته بتاريخ‬
‫جانفي ‪ 1963‬وأن من أخطاء السياسة التونسية تفكيك‬
‫األحزاب‪.‬‬
‫إن أحمد تلييل ليس شخصا بل هو رجل سيايس وقد‬
‫ترك لنا إرثا هو أوال مواقفه وكتاباته يف الخارج ألنه مل‬
‫يستطع البقاء يف تونس وأحمد تلييل ليس حيا ليس‬
‫بعد وفاته‪ .‬وكان عيل كثري ممن تكلموا عن أحمد‬
‫تلييل اليوم وأمس أن يقولوا‪ ،‬كنا نقاوم أحمد تلييل ومل‬
‫نكن متفقني معه‪.‬‬
‫يقول « إن نظاما يفرض نفسه عىل الشعب بالقوة ويرفض ارشاكه يف تسيري شؤونه‬
‫محكوم عليه حتام بالفشل الذريع»‪ .‬إن أحمد تلييل قد أعطانا بهذا درسا‪ .‬فكيف نتكلم‬
‫عنه اليوم؟ وال تعتربوا هذا مني انتقادا إمنا هو اقرتاح‪ ،‬ودعوة اىل دراسة إرث أحمد‬
‫تلييل ألن أحمد تلييل ترك لنا إرثا وكنزا‪.‬‬
‫يقول أيضا‪ « :‬الوالة يف البوادي حاكمون بأمرهم ولهم اليد الطوىل يف إدارة املنطقة‪،‬‬
‫يفرضون أوامرهم التي ال تناقش عىل رؤساء املصالح‪ .‬إن مامرسة هذه املناعة البوليسية‬
‫التي ليست لها أية عالقة بالدفاع عن األمن واألمن الوطني تتم الخ‪...‬‬
‫‪ ...‬وهكذا فإن الطلبة الذين قد يكونون مؤهلني ألن يشغلوا خططا بارزة قد تستفيد‬
‫منها البالد يجدون أنفسهم محرومني من جوارز سفرهم ومينعون من كواصلة‬
‫دراساتهم التي كانوا قد بدؤواها بالخارج»‪.‬‬
‫هذا درس‪ ،‬وهذه اقرتاحات سياسية للشعب التونيس‪.‬‬
‫يقول أيضا‪« :‬أما عن حقوق الدفاع املضمونة قانونا فيمكن القول إنها يف توين نظرية‬
‫أكرث مام هي فعلية عندما يتعلق األمر مبحاكامت تكون االدارة فيها طرفا من قريب‬
‫أو من بعيد»‪.‬‬
‫ويقول أيضا‪ « :‬وهكذا فإن الحزب الدستوري القديم والحزب الشيوعي اللذين مل يكونا‬
‫يضايقان الحزب الدستوري الجديد يف يشء ال قبل االستقالل وال بعده قد تم القضاء‬
‫عليهام دون أن يقوم أمام ذلك أي حائل يف وقت كان تأثريهام يف مرحلة أفول ورمبا كان‬
‫االبقاء عليهام مفيدا للحزب الدستوري الجديد باعتبارهام معلام يهتدى به يف سياق‬
‫تطوره ومرآة ينظر من خاللها اىل عمله»‪.‬‬
‫وأود أن أقول ها أننا بعد عرشين سنة قد رجعنا اىل هذا املوقف لقد كان أحمد تلييل‬
‫عىل صواب‪.‬‬
‫يقول أيضا‪ « :‬هذا السؤال يستدعي سؤاال آخر‪« :‬بأي رضب م رضوب املفارقة يسانذ‬
‫حزب محظور سياسة الحكومة التي حظرت نشاطه بنرش مواقف يف هذا االتجاه أو‬
‫بأي رصب من رضوب الصدفة يصل األمر بحكومة ألغت حزبا من األحزاب اىل تربير‬
‫جزء من سياستها لدى الرأي العام باالعالن عن تبني مواقف هي مواقف الحزب غري‬
‫القانوين ازاء بعض القضايا»‪.‬‬

‫وسأقدم لكم مثاال آخر‪ :‬بعد ‪ 1963‬تقابلت مع أحمد‬
‫وقال يل‪« :‬يا جورج لقد نرشوا مقالتك يف «الحقيقة»‬
‫سنة ‪ 1951‬رقد قمت ببحث فيام يتعلق بفالحة‬
‫«الخمسة عروش» يف ذلك الوقت أراد القايد النارص‬
‫بن سعيد واملراقب «شاستال» افتكاك أرايض «الخمسة‬
‫عروش» واعطاءها لجامعة «بللقروي»‪ .‬يف ذلك الوقت‬
‫ذهبت اىل صفاقس وكتبت مقاال مطوال‪ ،‬ويف سنة ‪1963‬‬
‫تم حل الحزب الشيوعي ويف ميا ما وجدت مقالتي يف‬
‫جريدة «الكسيون» بعد أكرث من عرش سنوات»‪.‬‬
‫ويواصل أحمد تلييل‪« :‬هذا يؤدي بطبيعة الحال اىل‬
‫فحص وضعية حزبنا الدستوري الجديد»‪ .‬ويقول‬
‫أحمد تلييل بشأن الحركة النقابية‪« :‬لقد شهدت‬
‫الحركة النقابية التونسية يف أقل من تسع سنوات‬
‫من االستقالل ثالث أزمات كانت حائ دون ازدهارها‪،‬‬
‫وتعود أوالها اىل سنة ‪ 1956‬وقد أحدثتها السلطة‬
‫رصاحة عندما تدخلت يف خاللف داخيل الحداث‬
‫االنشقاق والتشجيع عليه بصفة علنية‪ .‬والثاين يف‬
‫حدود سنة ‪ 1963‬وهو التاريخ التاريخ الذي تدخلت‬
‫فيه السلطة أيضا ‪ -‬بوسائل زعم أنها دميقراطية ‪ -‬لتغيري تشكيلة اللجنة املديرة املكلفة‬
‫بالنظام‪ .‬وأخريا يف جويلية ‪ 1965‬ملا فقد االتحاد العام التونيس للشغل يف آن واحد كل‬
‫حرية له يف العمل ومسخت صورته الطبيعية مسخا»‪.‬‬
‫إن هذه الظاهرة لعىل جانب كبري من األهمية فيام يتعلق مبا حدث سنة ‪1978‬‬
‫وما حدث سنة ‪ ،1985‬وأيضا مبا حدث قبل االستقالل سنة ‪ 1937‬إذ يصبح عندما‬
‫نحلل األمور تحليال سياسيا وتاريخيا منهجا يف التسيري يتميز باالستمرارية وبالتايل فهذا‬
‫يتطلب منا التعمق نظريا وسياسيا يف هذه املسألة‪ .‬كام يقتيض اذا تطرقنا اىل قضية‬
‫التمثيل الوطني أن نساند بكل يرس الطرح املتمثل يف أن «مجلس األمة» كان مسخا‬
‫ملا نص عليه الدستور وأن متثيل املواطنني تجىل يف أتعس صورة مع الرتاجع الذي تم‬
‫مع الترشيع الثاين الذي صدر بتاريخ نوفمرب ‪ ،1964‬انها نهاية كل دميقراطية‪ ،‬فقد تم‬
‫القضاء عىل األحزاب‪ .‬واعتقد شخصيا اذا كان ال بد من استخالص الدروس والتأكيد عىل‬
‫ما قام به أحمد تلييل لفائدة الوطن فإين أقول اليوم أنني أتبنى كل ما أنجزه أحمد‬
‫تلييل لفائدة االتحد العام التونيس للشغل والحزب الدستوري الجديد وليس معنى ذلك‬
‫أين أريد أن احتكر أحمد تلييل ولكني اتحدث عماّ قام به لفائدة الوطن ولفائدة البالد‬
‫ألنه اآلن قد تجاوز اآلماد واألبعاد ليصبح رجل الوطن ورجل األمة‪ .‬وأنا اقرتح عليكم أن‬
‫نقوم خارج إطار محاولة ترتيب الوقائع ترتيبا زمانيا ورسد التواريخ التي منها تتألف‬
‫حياة أحمد تلييل بتحليل مرشوعه السيايس وينبغي أن نحلل كيف كان أيضا وهو الذي‬
‫من السابقني رجال وحيدا‪ .‬ذلك أن أحمد تلييل إذا استثنينا الشباب والطلبة وقد تحدث‬
‫عنهم‪ ،‬قد عاش يف فرتة ما من حياته وحيدا‪ ،‬كان يف بالده أشبه باملنفي‪ ،‬مل يكن يعيش‬
‫متناغام مع رفقائه الذين الزموا الصمت عندما رحل والزموا الصمت عندما وقعت‬
‫االساءة إليه والكذب عليه‪ ،‬أرجو أن يتم ذلك يف يوم ما‪ ،‬أرجو ذلك ألن لنا تجارب حاليا‪،‬‬
‫فبورقيبة قد مسح الناس كلهم وجعل من جميع التونسيني هباءا منثورا‪ ،‬ولكنهم بعد‬
‫السابع من نوفمرب مسحوا بورقيبة ولكن بورقيبة موجود وبورقيبة قد وجد‪ ،‬وبورقيبة‬
‫رجل عظيم‪ .‬أقرتح أن تتم دراسة معمقة لهذا الذي خلّفه أحمد تلييل وأن تقع مالءمته‬
‫وسياق الواقع الراهن وأن تتم االستفادة‪ .‬وينبغي أن يتم ذلك التحليل بدون مواراة‬
‫للحقائق وبدون تزيني وبدون أن نلوي عنق الحقيقة‪.‬‬

‫الخميس ‪ 13‬أكتوبر ‪ - 2016‬املوافق لـ ‪ 11‬محرم ‪ - 1438‬الذاكرة النقابية‬

‫إفريقيا‬

‫خطاب أحمد التليلي‬
‫في مؤتمر االتحاد العام لشغالي افريقيا بكونكاري‬
‫رفيقي الرئيس‪ ،‬رفقايئ املؤمترون‬
‫اين ملرسور عظيم الرسور عندما أقف أمامكم يف هذا اليوم التاريخي‬
‫الذي سيؤثر عىل مصري افريقيا ويحقق حدث يف تاريخ قارتنا االفريقية‪.‬‬
‫اين بصفتي عضو عامل يف الحركة النقابية االفريقية ومكافح منذ أمد‬
‫طويل من أجل املبادئ التي كافحتم من أجلها أشعر يف هذه املناسبة‬
‫ويف جو هذا املومتر بتحقيق أهم أمنية كانت تخامرين ذلك أن اجتامع‬
‫النواب املمثلني بحق لنقابات افريقيا الغربية يف هذه القاعة مل يكن‬
‫دليل عىل نضج شغايل هذه الجهة واندفاعهم فحسب بل هو ظاهرة‬
‫مبرشة‪ ،‬أو باألحرى نقطة انطالق لالتحاد النقايب يف افريقيا باجمعها‪.‬‬
‫وانه ليسعدين ان اتقدم اليكم كأخ‪ ،‬ألهنئ منظمي املؤمتر عىل هذا‬
‫النجاح الباهر بل وألقدم كل تقديري بصفة علنية اىل حكومة السيد‬
‫سيكوتري الباسلة التي تضم نخبة من النقابيني الناشطني عرفوا كيف‬
‫يخطون للشعوب االفريقية الصديقة طريق االستقالل الوطني والتقدم‬
‫االجتامعي‪.‬‬
‫وأحمل لكم بهذه املناسبة تحية أخوة تعبريا عن التضامن الحقيقي‬
‫من اخوانكم العامل التونسيني الذين أمثلهم يف هذا املؤمتر وان نقابتنا‬
‫التونسية لشبيهة جدا بحركتكم‪ ،‬فقد اعرتضتها نفس الصعوبات التي‬

‫صورة من الذاكرة‬

‫الخميس ‪ 13‬أكتوبر ‪ - 2016‬املوافق لـ ‪ 11‬محرم ‪ - 1438‬الذاكرة النقابية‬

‫القيتموها يف كفاحكم هذا وذلك منذ بدء كفاحنا التحريري منذ‬
‫‪ 34‬عاما ‪ -‬وقد واجهنا عدوا واحدا اال وهو االستعامر الفرنيس‪ ،‬هذا‬
‫االستعامر الذي ال يزال يتشبث بدون جدوى ببعض املناطق االفريقية‬
‫ولكن مل تبق له اال أيام معدودات‪.‬‬
‫ويف تونس مل تصدنا االضطهادات املتوالية والعراقيل املتعددة عن بلوغ‬
‫غايتنا ومل تفل يف امياننا وكانت غايتنا هي التحرر التام واقرار نظام‬
‫يضمن للشعب الحرية والرفاهة والعدالة االجتامعية‪ ،‬وكنا ‪ -‬طوال‬
‫هذه املقاومة العنيفة ورغم كل الصعوبات ‪ -‬نحافظ عىل حرية نقابتنا‪،‬‬
‫ونضمن لها وحدتها وعدم الترسب األجنبي اليها مهام كانت العالقات‬
‫الرضورية التي يتحتم علينا أحيانا االرتباط بها‪ ،‬وقد حدث أن وجدنا‬
‫أنفسنا أمام مشاكل توجيهية خضناها بتامم الحرية والدميقراطية‪.‬‬
‫وأذكر أنه يف مؤمترنا لسنة ‪ 1951‬دارت مناقشات حادة حول مشكلة‬
‫التوجيه‪ ،‬وانقسم املؤمتر اىل واجهتني أحدهام تؤيد الجامعة النقابية‬
‫العاملية والثانية تؤيد الجامعة الدولية للنقابات الحرة وقد ذهب‬
‫القسم األول اىل اتهام الثاين بزنه تأثر بالدوالر األمرييك‪ .‬وأذكر أنني‬
‫كنت مع األخ أحمد بن صالح يف شق األقلية ضد (الجامعة الدولية‬
‫للنقابات الحرة) واعرتف أننا كنا مخطئني يف نظريتنا اذ أننا كنا مخطئني‬

‫يف نظريتنا اذ أننا الحظنا فيام بعد عدم وجود أي نفوظ مادي أو أديب‬
‫عىل املنظمة الدولية التي تسلك سياسة ناتجة عن قرارات األغلبية‬
‫دون أي تدخل يف نشاط املنظامت القومية‪.‬‬
‫أصدقايئ‬
‫اين ان تعرضت اىل هذا التذكار الشخيص فاين ال أريد من ورائه التأثري‬
‫عىل أعاملكم التباع اتجاه ما‪ ،‬وامنا أردت أن أسجل أنه مهام تكن أهمية‬
‫املسألة التي أنتم بصدد درسها ومضمونها‪ ،‬فان مؤمتركم هذا ينبغي أن‬
‫ينتهي عىل اتفاق دميقراطي بحت وان ال يكون همه اال املصلحة العليا‬
‫للشغالني االفريقيني‪ ،‬ان الشعب االفريقي قد تحمل كثريا من الهفوات‬
‫التي اقرتفها قادته‪.‬‬
‫ان يف هذه الساعة التي تتجه فيها أنظار العامل بأرسه نحو كوناكري‪،‬‬
‫التي تجسم اليوم يقظة افريقيا‪ ،‬وبدء عهد الحرية والسالم والسعادة‬
‫لنا جميعا أمتنى من صميم فؤادي النجاح التام ملؤمتركم وأرجو ان يتبع‬
‫هذا الطور من الحركة النقابية بعد فرتة وجيزة مؤمتر عام يجمع كل‬
‫نقابات القارة االفريقية بدون أي متييز حتى تحقق وحدتها يف حركة‬
‫قوية وفعالة‪.‬‬
‫فلتحيا النقابة االفريقية ولتحيا افريقيا الحرة املوحدة‬

‫قراءة سريعة في رسالة أحمد التليلي إلى بورقيبة‬
‫نخاله شعر بأية خيبة أمل إزاء ذلك‪ ،‬أومل يقل يف « متح ّدثا عن اإلنهيار‬
‫كان أحمد التلييل واحدا من بني قلّة قليلة من القادة النقابني ومن زعامء‬
‫امل ُشني الذي شهده هذا الحزب‪« :‬الهياكل الدميقراطيّة الّتي كانت تعطيه‬
‫الحركة الوطنية يف تونس ويف بلدان املغرب العريب الذين أولوا اهتامما‬
‫الحركيّة والنشاط والحيويّة تحطّمت كلّها وحلّت محلّها أجهزة إداريّة‬
‫خاصا للمسألة الدميقراطية إىل ح ّد التضحية يف سبيلها باملكانة التي كان‬
‫حقيق ّية ال يه ّم املوظّفني املع ّينني فيها إالّ أداء عمل روتيني يومي ألنّه ال‬
‫يتب ّوؤها والتخليّ عن املسؤوليات الرفيعة التي كان يتوالها يف البلد وقبوله‬
‫يدفعهم يف ذلك إالّ واعز املصلحة الشخص ّية» ‪.‬‬
‫تحمل مآيس الغربة ومخاطر التصفية الجسدية يف منفاه االختياري بأوروبا‪.‬‬
‫لقد تو ّجه التلييل يف رسالته إىل بورقيبة‪ ،‬وقد أرادها شخصية وغري ُمع ّدة‬
‫لقد شكلت قضية الدميقراطية الشغل الشاغل بالنسبة ألحمد التلييل حيث‬
‫للنرش‪ ،‬بأسلوب مبارش‪ ،‬داعيا إياه بإلحاح إىل ‹› مراجعة السياسة أو عىل‬
‫توصل إىل قناعة مفادها أن « نظاما يفرض نفسه عىل شعب بالق ّوة ويرفض‬
‫األصح ‪ -‬ودون انفعال ‪ -‬مراجعة طرق الحكم» وح ّمله شخصيا مسؤولية‬
‫رصف يف شؤونه هو نظام محكوم عليه حتام بالفشل» كام‬
‫ترشيكه يف الت ّ‬
‫الوضع السائد يف البالد الذي بلغ «درجة من الخطورة ته ّدد بإيصالها يف‬
‫جاء يف الرسالة الشهرية التي و ّجهها من منفاه إىل الرئيس الحبيب بورقيبة‬
‫مستقبل قريب إىل أفق مسدودة» بعد أن أ ّدت السياسات املتبعة إىل‬
‫‪ .‬إ ّن هذه الجملة تختزل لوحدها جوهر الخالف بني تص ّورين‪ :‬ففي حني‬
‫« انخفاض الحامس الشعبي لدى املواطنني» وإىل «القطيعة الحقيق ّية‬
‫تسود قناعة راسخة لدى بورقيبة ولدى جل مساعديه يف السلطة‪ ،‬إن مل نقُل‬
‫والفعليّة بني الشعب ونظامه»‪ .‬وإىل اتساع الهوة بني ما تر ّدده الصحافة‬
‫كلّهم‪ ،‬بأن املرحلة‪ ،‬مرحلة ما بعد تحقيق االستقالل وبناء الدولة‪ ،‬تقتيض‬
‫واإلذاعة وبني الواقع املعيش وانزالق السلطة إىل مواحهة ما يحدث من‬
‫تحقيق التنمية االقتصادية و››اللحاق بركب الدول املتقدمة»‪ ،‬أوال‪ ،‬ث ّم تأيت‬
‫«ردود غري منظّمة هنا وهناك كاملظاهرات التلقائ ّية الّتي حدثت بجالص‬
‫الدميقراطية الحقا‪ ،‬يرى التلييل‪ ،‬وقلّة من النخبة السياسية خارج دوائر‬
‫والقريوان ومساكن وبرج عيل الرايس والتي تنتهي بالقمع ال ّدامي يف‬
‫القرار‪ ،‬أن الشعب بلغ درجة من النضج تُؤ ّهله إىل مامرسة الدميقراطية‬
‫بقلم محمد معالي‬
‫أكرث األحيان» وتنامي «العمل الرسي» وصوال إىل « مؤامرة ‪ 1962‬الّتي‬
‫يستحق الذكر يف املجال االقتصادي يف نطاق‬
‫وأنه «ال ميكن تحقيق أ ّي تق ّدم‬
‫ّ‬
‫كادت تأيت عىل النظام بر ّمته» ين ّبه إىل أن « هذا النظام البولييس‪ ،‬مهام‬
‫حق املراقبة‪،‬‬
‫نظام سيايس ال يكون فيه للشعب ‪ -‬وهو املعني األ ّول باألمر ‪ّ -‬‬
‫كان نشيطا يف الداخل ويف الخارج‪ ،‬ليس له إالّ مظاهر سلب ّية‪ .‬فهو بتع ّدد‬
‫أي ال يساهم يف أخذ القرارات»‪.‬‬
‫اعتداءاته عىل الحريات‪ ،‬يق ّوي الغضب عوض أن يزيله»‪.‬‬
‫إن ما ينبغي التأكيد عليه هنا هو أن إثارة قضية الدميقراطية مل تكن أزمة مفتعلة اختلقها آنذاك‬
‫ومل يكتف التلييل بتعداد النقائص فقط بل أشار إما ضمنيا أو رصاحة إىل البديل‪ ،‬مثل تحليله لظاهرة‬
‫أحمد التلييل لـ»غاية يف نفس يعقوب» بل هي مسألة خالفية مطروحة داخل صفوف الحركة الوطنية‬
‫تغ ّول السلطة التنفيذية عىل حساب السلطتني الترشيعية والقضائية ومسألة الحزب الواحد حيث يُشري‬
‫وداخل القيادة العليا للحزب الدستوري أي الديوان السيايس بالذات منذ زمن طويل أي منذ فرتة‬
‫ونصه وصلنا عمل ّيا إىل نظام حكم الحزب الواحد‪ ...‬فالحزب الدستوري (أي‬
‫معركة التحرر الوطني‪.‬‬
‫إىل أنه « رغم روح الدستور ّ‬
‫الحزب القديم) والحزب الشيوعي‪ ...‬حذفا بج ّرة قلم‪ ...‬لو بقي هذان الحزبان‪ ،‬وبفضل ما كان ميكن أن‬
‫كان بورقيبة ال يُخفي استخفافه بالدميقراطية وبدعاتها‪ ،‬وظل حتى النهاية عىل موقفه هذا‪ ،‬وكان‬
‫يُبدياه من نقد‪ ،‬ألسهام يف تج ّنب األخطاء املمكنة للحزب الّذي تعتمد عليه الحكومة»‬
‫يُر ّدد‪« :‬أية دميقراطية! الجامهري جاهلة! ويجب تكوين أ ّمة عىل أسس صحيحة قبل كل يشء» ‪ .‬ومل‬
‫وبعد أن يحلل بإسهاب كيفية تحول الحزب الدستوري إىل جهاز بريوقراطي تنيجة حلةل التعيني محل‬
‫يكن مثّة خالف بني بورقيبة وبقية زعامء الحزب الدستوري الجديد مبن فيهم بن يوسف‪ ،‬حول هذا‬
‫االنتخاب يتخلص إىل الحديث عن التداخل بني الحزب الحاكم وجهاز الدولة يتساءل‪« :‬كيف يعقل‬
‫املوضوع‪ .‬وقد كان الزعيامن عىل نفس القناعة ويف نفس الخندق‪ ،‬ملا طرحت مسألة الدميقراطية‬
‫أن يتوىل وزير ‪ -‬وهو املسؤول دستوريا أمام الرئيس فقط الّذي يستطيع أن يعزل متى شاء ‪ -‬تسطري‬
‫وسياسة التحالفات‪ ،‬يف إطار الرصاع مع سليامن بن سليامن‪ ،‬وما من شك يف أن «اتفاقهام» هذا هو‬
‫رشعا ومنفّذا‬
‫الذي دفع بهام معا إىل تبني األسلوب ذاته لحلّ الخالف الذي انفجر بينهام بسبب اتفاقية االستقالل‬
‫السياسة الّتي يجب عىل ذلك الرئيس إتباعها يف الحكومة؟ كيف ميكن أن يكون اإلنسان م ّ‬
‫يف الوقت نفسه أمام نفس الشخص؟ هذه هي إحدى املظاهر الشاذّة لألنظمة الرئاسية املعتمدة عىل‬
‫الداخيل سنة ‪ 1955‬واحتكامهام إىل السالح والتصفية الجسدية املتبادلة ألتباعهام غري عابئني بجر‬
‫نظام الحزب الواحد»‬
‫البالد إىل أتون حرب أهلية‪ ،‬ولكن هذه مسألة يطول الحديث فيها‪ .‬بينام كان سليامن بن سليامن الذي‬
‫ص عىل أنّ‪« :‬الدميقراطية هي صامم األمان! فهي تسمح بالتّنفيس عن‬
‫طُرِد من الحزب الدستوري‪ ،‬يُ رِ ّ‬
‫وبعد رصد « الفراغ السيايس الناجم عن الركود يف الحزب›› الحاكم و»النظامت القومية» واألزمات‬
‫املشاحنات بدال من تركها ترتاكم إىل ح ّد االنفجار كام نرى اليوم يف البلدان إفريقيا والعامل الثالث‪ .‬إن‬
‫التي أوقعت فيها بسبب «التضييق املتزايد عىل الح ّريات»‬
‫الدميقراطية هي التي تتيح حل الخالفات عوض تركها ترتاكم‪ ،‬وعندها‪ ،‬ال يكون يف وسع أولئك الذين‬
‫تابع االنتخابات التي شهدتها البالد وفقدانها ملعناها بسبب مصادرة إرادة املقرتعني عرب «انعدام‬
‫مل يحصلوا عىل حقهم يف التعبري سوى انتظار اليوم الذي يقع فيه خصومهم يف املأزق» ‪.‬‬
‫املنافسة» و»حشو الصناديق» و» تكييف نتائج االنتخابات» وهو ما يؤدي إىل مجلس نيايب ‹› ال ميلك‬
‫عىل نفس درب سليامن بن سليامن سار أحمد التلييل يف تب ّنيه لخيار الدميقراطية ويف دفاعه عن‬
‫شيئا من السلطة الترشيع ّية الحقيق ّية»‪...‬‬
‫قناعته حتى النهاية‪ ،‬كلّفه ذلك ما كلفه‪ .‬وقد عكست رسالته إىل بورقيبة‪ ،‬التي أرشنا إليها أعاله‪ ،‬نضجا‬
‫من العجيب ومن املحزن معا أن هذه الرسالة التي نجحت بشكل الفت يف رسم صورة دقيقة لحقيقة‬
‫الشك أنه حصل عرب تراكامت وخالل تجربة ثرية يف مجال النضال النقايب باعتباره من مؤسيس االتحاد‬
‫األوضاع السياسية واالجتامعية واالقتصادية والثقافية واإلعالمية آنذاك مل تجد أذنا صاغية لدى بورقيبة‬
‫العام التونيس للشغل وأمينه العام من ‪ 1956‬إىل ‪ 1963‬وباعث جريدة «الشعب» التي ظلت لسان‬
‫رغم ما احتوته من حلول ممكنة للمشاكل املطروحة‪ .‬أيعود السبب إىل أن كربياء بورقيبة قد منعه‬
‫الشغالني حتى يومنا هذا وباعث العديد من التعاضديات التابعة لالتحاد‪ ،‬كام كان له نشاط نقايب‬
‫من التنازل لتلقي «درس» من أحد مساعديه حتى لو كان الثمن هو إضاعة البلد؟ هل هو الحساسية‬
‫إفريقي ودويل حيث كان من مؤسيس االتحاد االفريقي للنقابات الحرة كام تحمل مه ّمة نائب رئيس‬
‫التي تكونت لدى بورقيبة ضد الدميقراطية مام جعل «رئيس الجمهورية هو الوحيد أو أحد القليلني‬
‫«السيزل» هذا إضافة إىل مهامه السياسية القيادية يف الحزب الدستوري‪ ،‬ولكنه وجد نفسه وحيدا يف‬
‫الّذين يعتقدون أ ّن كلّ يشء يسري عىل أحسن ما يرام يف البالد‪ ،‬وأ ّن تسيري األمور سليم وأ ّن البالد تتق ّدم‬
‫مواجهة بورقيبة مثل بن سليامن نظرا لعدم تحمس رفاقه يف الحزب لقضية الدميقراطية يف البالد‪ ،‬وال‬
‫يف كلّ املجاالت›› كام ورد يف رسالة التلييل؟‬
‫الخميس ‪ 13‬أكتوبر ‪ - 2016‬املوافق لـ ‪ 11‬محرم ‪ - 1438‬الذاكرة النقابية‬

‫وثيقة تاريخية‬

‫رسالة أحمد التليلي إلى الحبيب بورقيبة‬
‫‪ 25‬جانفي ‪1966‬‬

‫السنة العارشة لالستقالل‪ ،‬ويف الظّرف الذي مي ّر فيه الشّ عب‬
‫السنة التي تطلّ علينا ّ‬
‫يف ظل ّ‬
‫التّونيس بفرتة من أخطر فرتات تاريخه‪ ،‬يفرض ع ّيل الواجب أن أل ّح لديكم م ّرة أخرى عىل‬
‫السياسة أو عىل األص ّح – وبدون اِنفعال – مراجعة طُرق الحكم التي أردت بالبالد‬
‫مراجعة ّ‬
‫اليوم يف حالة من الخطورة‪ ،‬ته ّدد بجعلها يف املستقبل القريب يف أفق مسدود‪.‬‬
‫التي فكّرت فيها وكتبتها‪ ،‬يف راحة بال ال تعني أكرث من‬
‫إ ّن هذه ال ّرسالة ّ‬
‫كونها متُكّنني من مواصلة إسهامي‪ ،‬يف حدود إمكانياّيت املتواضعة يف إنقاذ‬
‫الشّ عب الذي من أجله تح ّملنا املشاق معا‪ ،‬ومتكّن يف نفس الوقت من‬
‫العمل عىل تجنيب رسالتكم ال ّنبيلة‪ ،‬والطّويلة فشال لن يرت ّدد التّاريخ يف‬
‫ربطه باسمكم‪.‬‬
‫أ ّما تفسري هذه ال ّرغبة املضاعفة فإنّه يعود إىل العزم عىل مواصلة العمل‬
‫لفائدة شعبنا الذيّن تتولّون اآلن شؤون مصريه وإىل الصداقة القدمية‬
‫التي تربطنا‪ ،‬والتي تدفعني اآلن إىل تذكريكم بتلك العبارة التّاريخية التي‬
‫ّ‬
‫السيايس‪ ،‬وعيناكم ُمغرورقتان دمعاً‪ ،‬يوم تح ّملت ْم‬
‫قلتموها أمام ال ّديوان ّ‬
‫مسؤوليات ال ُحكم‪« :‬إ ّن العمل املعهود إ ّيل خطري ج ّدا‪ ،‬ال أستطيع تح ّمل‬
‫أعبائه بدون ُمساعدتك ْم‪ ،‬فإذا حدث أن أخطأتُ فإ ّن واجبكم‪ ،‬هو أن‬
‫الصوابِ ‪».‬‬
‫تر ّدوين إىل ّ‬
‫ِ‬
‫أحسسته حني كنت أستمع بانتباه إىل هذه الكلامت‪،‬‬
‫إ ّن نفس التأثر الذي ْ‬
‫أكتب هذه األسطر ألقنعكم بحقيقة األوضاع‬
‫هو الذي يتملّكني اآلن وأنا ُ‬
‫التونسيّة الحاليّة‪ ،‬وباألخطار التي تُنذر بها‪ ،‬وبالحلول املمكنة التي ميكن‬
‫توخّيها بسهولة يف الحال لص ّد تلك األخطار‪.‬‬
‫السطحي‪ ،‬وحتى‬
‫فالحياة العموم ّية التونس ّية الحال ّية تبدو للمالحظ ّ‬
‫لبعض القادة‪ ،‬صورة تتم ّيز بالعنارص الرئيس ّية األربعة التّالية‪:‬‬
‫ُحكْم قو ّي يُبارشه رئيس ال ّدولة مبفرده‪.‬‬
‫رصف سليم وناجع يف الشّ ؤون السياس ّية واالِقتصاديّة واالِجتامع ّية‪.‬‬
‫ت ّ‬
‫رىض عام عنوانه التّأييد الجامعي لكلِّ طبقات الشّ عب‪.‬‬
‫وأخريا‪ ،‬االستقرار الحقيقي والثّقة الكاملة يف املستقبل‪ ،‬وهو ما يع ّد تتويجا‬
‫السابقة‪.‬‬
‫للعنارص ّ‬
‫غري أ ّن كلّ هذا ليس إالّ مظاهر تُخفي حقائق مغايرة لها‪ ،‬إن مل تكن‬
‫متناقضة لها‪ ،‬حقائق تتطلّب تحليال دقيقا وموضوع ّيا للحالة إذا أردنا أالّ‬
‫تتجاوزنا األحداث يوما من األيّام‪.‬‬
‫وأحسن طريقة للبلوغ إىل نتيجة ايجابيّة هي القيام بتقييم موجز ملاضينا‬
‫القريب‪ ،‬وذلك الستنتاج العرب التي من شأنها أن تعينكم عىل إيجاد الحلّ‬
‫للمشكل‪ .‬إن نجاحنا يف فرتة الكفاح من أجل التّحرير الوطني يعود يف‬
‫نسبة كبرية إىل عاملني ثابتني‪ ،‬مل منهلهام ق ّط ورسنا دوما عىل هديهام يف‬
‫عملنا وهام‪:‬‬
‫رصف يف‬
‫‪.1‬إ ّن نظاما يفرض نفسه عىل شعب بالق ّوة‪ ،‬ويرفض ترشيكه يف الت ّ‬
‫شؤونه‪ ،‬هو نظام محكوم عليه حتام بالفشل الذريع‪ .‬وقد كان اِرتقاؤنا إىل‬
‫االِستقالل أحسن ح ّجة عىل ذلك فالشّ عب التّونيس ‪ -‬الذي هو من أصغر‬
‫شعوب العامل‪ -‬اِستطاع أن يزحزح عن نفسه وصاية أ ّمة من أعظم أمم‬
‫ال ّدنيا‪ ،‬أل ّن نظام الحامية الذي فرض عليه بالق ّوة عاند يف اِعتبار الشّ عب‬
‫التّونيس قارصا وحرمه حقّه الطّبيعي يف حكم نفسه بنفسه‪ .‬وك ّنا يف ذلك‬
‫الوقت نسعى إىل إقامة ال ّدليل عىل عكس ذلك ألنّنا ك ّنا متيقّنني من نضج‬
‫شعبنا‪ ،‬ومن قدرته عىل تح ّمل كاهل مسؤول ّياته العموم ّية‪ ،‬وكان اِنتصاره‬
‫عىل نظام الحامية برهانا عىل ذلك يف مرحلة أوىل‪.‬‬
‫يستحق الذّكر يف املجال االقتصادي يف نظام‬
‫‪.2‬ال ميكن تحقيق أ ّي تق ّدم‬
‫ّ‬
‫حق املراقبة‪ ،‬أي‬
‫سيايس ال يكون فيه للشّ عب – وهو املعني األ ّول باألمر‪ّ -‬‬
‫ّ‬
‫ال يساهم يف أخذ القرارات‪ .‬إ ّن هذه ال ّنقطة بالذّات هي جوهر الخالف‬
‫الذي كان قامئا بيننا وبني فئات من التّونسيني املخلصني الذي كان يغذّيهم‬
‫رساب األمل يف تحقيق املطامح الشعب ّية بصورة غري مبارشة‪ ،‬بواسطة‬
‫مشاريع اِقتصادية‪ ،‬واِجتامعية‪ ،‬تت ّم مبارشتها وإدارة البالد ومراقبتها‬

‫الخميس ‪ 13‬أكتوبر ‪ - 2016‬املوافق لـ ‪ 11‬محرم ‪ - 1438‬الذاكرة النقابية‬

‫ليست بأيديهم‪.‬‬
‫السبب فشلت كلّ املحاوالت‪ ،‬الواحدة تلو األخرى‪ ،‬مؤكدة ص ّحة‬
‫ولهذا ّ‬
‫آرائنا التي تعطي األولويّة السرتجاع سلطة الشّ عب‪ ،‬ولتمكينه من تحقيق‬
‫تق ّدمه بنفسه يف كلّ امليادين التي كان فيها متخلّفا‪.‬‬
‫واِنطالقا من هذين املبدأين األساس ّيني ظهرت الحركة الوطن ّية يف أوائل‬
‫هذا القرن‪ ،‬ومنها اِستم ّد الحزب اِسمه ومدلوله‪ .‬وكانا هام أيضا منطلق‬
‫إحداث الحزب ال ّدستوري الجديد وسبب ق ّوته وق ّوة نشاطه‪ ،‬وإقرار‬
‫هياكله ال ّدميقراطية‪ ،‬وأيضا سبب اِلتفاف كل القوى السليمة يف األمة‬
‫حوله‪ ،‬يف وقت كان عدد أعضائه الحقيقيني ميثلون عدديا أقل من واحد‬
‫يف املائة‪ .‬وهكذا استطاع أن يحقق معجزة رغم وجود وتنوع الخصوم‬
‫الذين كان التجمع االستعامري أل ّدهم‪.‬‬
‫لكن قيمة هذين املبدأين أخذت تتضاءل بداية من سنة ‪ 1958‬من سوء‬
‫الح ّظ لتجد اليوم نفسها مهملة متاما‪ .‬ونتج عن هذا التط ّور أ ّوال انخفاض‬
‫الحامس الشعبي لدى املواطنني‪ ،‬وحتى يف صلب الحزب‪ ،‬ث ّم الالمباالة‪،‬‬
‫فاالستسالم‪ ،‬فالغضب‪ ،‬وأخريا العداوة املقنعة شبه العامة‪ ،‬وبالتايل‬
‫القطيعة الحقيق ّية‪ ،‬والفعل ّية بني الشّ عب ونظامه‪.‬‬
‫ويف هذه املرحلة تتأكّد مقارعة الظواهر املغلطة مع الواقع الحقيقي‬
‫كرضورة عاجلة ومل ّحة‪ ،‬إذا أردنا عدم الوقوع يف حالة ال ينفع فيها دواء‪.‬‬
‫إ ّن التّونسيني يكادون ال يصفّقون معا يف اِنتخابات كل يوم‪ ،‬بينام تر ّدد‬
‫الصحافة‪ ،‬واإلذاعة كامل ال ّنهار محاسن ال ّنظام‪ .‬لكن إذا أخذناهم فرادى‪،‬‬
‫فإ ّن كلّ واحد منهم يبدي االنتقاد‪ .‬وهذه االنتقادات التي كثريا ما تجد ما‬
‫ي ّربرها‪ ،‬تنتهي إىل التبلور يف محاور تتّصل بالسياسة واالقتصاد واالجتامع‪،‬‬
‫لتحدث من حني إىل آخر ردود فعل غري‬
‫منظّمة هنا وهناك كاملظاهرات التلقائيّة‬
‫التي حدثت بجالص‪ ،‬والقريوان‪ ،‬ومساكن‪،‬‬
‫وبرج عيل ال ّرايس‪ ،‬والتي تنتهي بالقمع‬
‫ال ّدامي يف أكرث األحيان‪.‬‬
‫رسي غري‬
‫واألخطر من هذا هو العمل ال ّ‬
‫املراقب‪ ،‬وغري القابل للمراقبة‪ ،‬واملتمثّل يف‬
‫توزيع املناشري‪ ،‬والكتابات املناهضة عىل‬
‫الجدران‪ ،‬ذلك العمل الذي قد يندرج نحو‬
‫الخفي‪ ،‬كام حدث يف مؤامرة ‪،1962‬‬
‫التآمر‬
‫ّ‬
‫التي كادت تأيت عىل ال ّنظام بر ّمته‪.‬‬
‫إىل جانب ذلك‪ ،‬تتط ّور خارج الحدود‬
‫معارضة أخرى‪ ،‬ال تقلّ خطورة‪ ،‬مر ّدها‬
‫السياسيني‬
‫العدد املتضاعف أبدا من الالجئني ّ‬
‫الفا ّرين من البالد‪ ،‬والذين ينضاف إليهم‬
‫املهاجرون الذين مل يتمكّنوا من الحصول عىل‬
‫السياسيني‪،‬‬
‫عمل‪ ،‬والذين ميثّلون مع الالّجئني ّ‬
‫هنا وهناك‪ ،‬نواة ملعارضة منظّمة‪ ،‬ه ّمها‬
‫الوحيد القضاء عىل ال ّنظام بالعنف‪ ،‬وهو دامئا عىل استعداد لتوظيف كلّ‬
‫الوسائل التي بإمكانها اِستعاملها‪ ،‬مبا يف ذلك االستعانة بالخارج‪.‬‬
‫وهذه املعارضة املوجودة بالخارج تجد نفسها فوق ذلك تتد ّعم بانضامم‬
‫مهاجرين إليها بصورة دامئة‪ ،‬مدفوعني برفضهم لظروف حياتهم التعيسة‪،‬‬
‫والذي زاد يف ح ّدته موقف الالّمباالة‪ ،‬الذي تتّخذه الهيئات الدبلوماسية‬
‫لبالدهم‪.‬‬
‫كذلك تزداد هذه املعارضة متانة ووعيا باالتّصال وباملشاركة فيها لبعض‬
‫السياسة الوطنيّة لبلدهم يشعرون بخيبة‬
‫العنارص الطالّبيّة الذّين جعلتهم ّ‬
‫أمل ويق ّررون البقاء يف الخارج إثر اِنتهاء دراستهم‪.‬‬
‫إ ّن جملة هذه املعارضات التّي سببها الغضب‪ ،‬متثّل رغم تشتّتها الظّاهر‬
‫عامل تهديد ج ّدي‪ ،‬فهي تستطيع بذاتها أن تقلب ال ّنظام إذا تهيّأت لها‬

‫ظروف مناسبة‪ .‬وهي تستطيع أن تُثري‪ ،‬بوعي أو عفويّا‪ ،‬تدخّل قوى أخرى‬
‫داخل ّية أو خارج ّية ميكن أن يكون عملها – اِنفراديا كان أو متضافرا مع‬
‫عمل املعارضات األخرى‪ -‬حاسام ليؤول إىل اِنقالب يُقحم البالد يف عهد‬
‫تتواىل فيه الديكتاتوريّات بال اِنقطاع‪ ،‬فتصبح نهضة الشّ عب مع ّرضة‬
‫للخطر لع ّدة أجيال عىل األقلّ ‪.‬‬
‫إزاء هذه األخطار‪ ،‬ما هي ركائز ال ّنظام حال ّيا؟ القوى الح ّية لأل ّمة التي‬
‫كانت مج ّمعة يف صلب منظّامت شعب ّية أصيلة ومنظّمة وقع إبعادها أو‬
‫تحويلها إىل مج ّرد أدوات تنفيذ‪ ،‬بحيث ال ميكن التفكري يف ر ّد فعل شعبي‬
‫لغاية ال ّدفاع عن ال ّنظام الحايل‪.‬‬
‫وحتى إذا ما وقعت إثارة ر ّد الفعل وتنظيمه لل ّدفاع عن ال ّنظام‪ ،‬فإنّه يكون‬
‫بال مفعول أل ّن الهياكل الدميقراط ّية التي كانت تعطيه الحرك ّية وال ّنشاط‪،‬‬
‫والحيويّة وقع تحطيمها‪ ،‬كلّها وحلّت محلّها أجهزة إداريّة حقيقيّة‪ ،‬ال يه ّم‬
‫املوظّفني يف ذلك إال واعز املصلحة الشخص ّية‪ ،‬كام سرنى ذلك بعد حني‪.‬‬
‫فهم سري ّدون الفعل بالضّ بط كام فعل موظّفو ال ّنظام االستعامري أمام‬
‫زحف الحركة الوطن ّية‪.‬‬
‫إذن بات واضحا أ ّن ال ّنظام أصبح يع ّول أكرث فأكرث عىل وسائل أخرى‬
‫للمحافظة عىل بقائه‪ .‬من ذلك أن املنضوين يف الجيش تضاعف عددهم‬
‫وزيادة بالنسبة لعدد الجنود يف عهد االستعامر‪ .‬وبينام تضاعف عدد‬
‫أعوان البوليس أكرث من ثالثة م ّرات‪ ،‬فإ ّن عدد الحرس الوطني تضاعف‪،‬‬
‫باملقارنة مع ما كانت عليه الجندرمة الفرنس ّية سابقا خمس م ّرات أو‬
‫يكاد‪.‬‬
‫ويضاف إىل هذه األعداد املساهمة الها ّمة للميزان ّية الرسيّة الرئاسة‬
‫ووزاريت الخارجيّة والداخليّة‪ ،‬وبعض املصادر األخرى التي من ضمنها‬
‫املخصصة ملقاومة التخلّف‬
‫جزء من األموال ّ‬
‫واملستعملة من طرف الوالّة‪ ،‬ألغراض‬
‫االستعامالت البوليس ّية‪.‬‬
‫إ ّن هذا الجهاز وما يس ّببه من نفقات لعبئ‬
‫ثقيل عىل كاهل هذا البلد الصغري الذي هو‬
‫بلدنا‪ .‬وهو بعمله يزيد يف تعميق الشّ عور‬
‫بالضّ يق عند شعب أقام ال ّدليل بعد عىل‬
‫قدرته عىل التم ّرد ض ّد مثل هذا ال ّنظام‪ ،‬وعىل‬
‫تحطيمه‪.‬‬
‫فكلّ مواطن اليوم‪ ،‬مهام كانت منزلته من‬
‫املجتمع‪ ،‬مهام كانت وظائفه السياس ّية‬
‫هو مراقب مراقبة شديدة من طرف أنواع‬
‫عديدة من البوليس‪ ،‬تتواجه يف مزايدة تفرض‬
‫عليها «اِبتكار»املعلومات وال ّرقابات‪ ،‬ومتارس‬
‫بحامقة ما بعدها حامقة‪ .‬وهي متارس يف‬
‫السياسة والف ّنيني‪،‬‬
‫الوزارات‪ ،‬وعىل رجل ّ‬
‫وعىل املنظّامت القوم ّية‪ ،‬وحتّى يف الحزب‪،‬‬
‫ويف الجامعة‪ ،‬حيث األعوان ال ميكن حرصهم‪ ،‬فإ ّن «االجتهاد»‪ ،‬بلغ إىل‬
‫ح ّد تكليف الطّلبة األبرياء مبراقبة بعضهم البعض‪ ،‬يف نسبة ‪ 1‬عىل ‪،10‬‬
‫وبالتث ّبت من كلّ حركة يقوم بها أساتذتهم‪ .‬وهكذا فتحت آفاق مظلمة‬
‫الصاعد‪.‬‬
‫أمام شبابنا ّ‬
‫السلطة املطلقة يحتكرون لوحدهم‬
‫ويف األرياف‪ ،‬فإن الوالّة أصحاب ّ‬
‫ال ّنفوذ عىل إدارة الجهة‪ .‬فهم ميلون أوامرهم التي ال تناقش عىل رؤساء‬
‫املصالح املحليّة‪ ،‬وحتى عىل الف ّنيني‪ ،‬وقد يحلّون محلّهم إذا لزم األمر‪ .‬ومن‬
‫الوالة من يجد لذّة يف تنشيط هذه الحرب بني السكّان باستعامل شبكتهم‬
‫الخاصة لالستعالمات‪ ،‬وبذلك يتد ّربون عىل تنمية مهاراتهم السياسيّة‪.‬‬
‫ّ‬
‫واِستعامل هذه الطرق البوليسية‪ ،‬التي ال عالقة لها بال ّدفاع عن األمن‬
‫وخاصة يف فرنسا‪ ،‬والجزائر‬
‫الوطني‪ ،‬متارس ض ّد املواطنني حتّى يف الخارج‪ّ ،‬‬

‫يمكن أن نسميه‬
‫جهاز تنفيذ‪ ،‬أو إدارة‬
‫دعاية‪ ،‬أو أي شيء آخر‪،‬‬
‫لكن ال يجوز تسميته‬
‫حزبا بالمعنى الصحيح‬
‫للكلمة‪ ،‬إذ كيف نطلق‬
‫على جسم ال يتح ّرك‪ ،‬إذ‬
‫ال روح فيه تح ّركه‪ ،‬اسم‬
‫الحزب‬

‫السفر‪ ،‬الذّي تضاف‬
‫وليبيا‪ .‬وأه ّم سالح يف هذا ال ّنوع من ال ّنشاط هو جواز ّ‬
‫إليه املبالغة يف اِستعامل األموال الرسيّة‪.‬‬
‫حق دستوري يتمتّع به مبدئيّا كلّ مواطن‪ .‬لك ّنه كثريا ما‬
‫السفر ّ‬
‫إ ّن جواز ّ‬
‫السلطة اإلداريّة‬
‫مشيئة‬
‫حسب‬
‫عىل‬
‫منحه‬
‫يرفض‬
‫أو‬
‫أصحابه‪،‬‬
‫يُسحب من‬
‫ّ‬
‫التي تتكيّف بإرشادات خاطئة يق ّدمها مخربون غري نزهاء‪.‬‬
‫من ذلك أن طالّبا – ومن بينهم من يتن ّبأ لهم مبستقبل زاهر قد تستفيد‬
‫منهم البالد‪ -‬يجدون أنفسهم محرومني من جواز سفر وبالتّايل من إمتام‬
‫دراستهم التّي رشعوا فيها يف الخارج‪ .‬وهكذا يت ُّم تحطيمهم ملج ّرد اِفرتاض‪.‬‬
‫وميكن أن يكون الضّ حايا عماّ ال‪ ،‬فيفقدون مورد رزق عائالتهم بسبب‬
‫السفر منهم مبناسبة قضاء عطلة بتونس‪ ،‬بعد أن ذكر أحد‬
‫سحب جواز ّ‬
‫األعوان م ّمن ال أخالق لهم أنّهم غري مستقيمني‪ .‬ويف البلدان الثّالثة‬
‫املذكورة‪ ،‬توجد كتائب حقيقيّة من البوليس التّونيس تعمل يف واضحة‬
‫ال ّنهار‪ ،‬أو تكاد‪ ،‬ناصبة حصارا كامال عىل العماّ ل والتّجار والطّلبة‪.‬‬
‫وهؤالء الطّلبة هم الذّين يتأمل ّون أكرث من غريهم‪ ،‬ألنّهم إىل جانب كونهم‬
‫يتع ّرضون للمراقبة‪ ،‬فإنّهم يتع ّرضون إىل التّدخل املتواصل لهذه األجهزة‬
‫من البوليس يف شؤونهم ال ّداخلية‪ .‬وتربز تلك التدخّالت بالخصوص أثناء‬
‫االنتخابات بفروع االتّحاد العام لطلبة تونس قصد تزوير االنتخابات أو‬
‫ترهيب ال ّناخبني الشّ بان‪ ،‬خالقة بذلك ج ًّوا يجعل الطّلبة مرغمني عىل‬
‫االرمتاء األعمى يف أحضان مختلف حركات املعارضة األكرث تط ّرفا‪.‬‬
‫وهكذا تبذر مبالغ ضخمة كل سنة من موارد وزاريت الداخلية والخارجية‪،‬‬
‫بينام كان من األجدر أن تسخر لوزاريت الرتبية القومية والشؤون‬
‫االجتامعية يف تحسني ظروف سكن العامل والطلبة‪ ،‬ويف أجور أكرث عدد‬
‫ممكن من امللحقني الثقافيني واالجتامعيني والسهر عىل مصري هؤالء‬
‫املواطنني يف الخارج وأخريا يف خلق مشاريع اجتامعية لفائدتهم‪ .‬إن هذا‬
‫النظام البولييس‪ ،‬مهام كان نشيطا يف الداخل ويف الخارج‪ ،‬ليس له إال‬
‫مظاهر سلب ّية‪ .‬فهو بتع ّدد اعتداءاته عىل الحريات‪ ،‬تقوي الغضب عوض‬
‫أن يزيله‪ .‬فليس هناك أي مواطن اليوم يف مأمن من إجراء ظامل‪ ،‬إذ مبجرد‬
‫قرار وال يف حالة قلق‪ ،‬يبعد اإلنسان من مقر سكناه أو يوجه إىل حظرية‬
‫الهوراب‪ ،‬بدون اعتبار لحالته العائلية أو املادية‪ ،‬وبدون أن يقع النظر يف‬
‫النواحي اإلنسانية لنتائج مثل هذا القرار‪ .‬وكذلك املر بالنسبة إىل املوظّفني‬
‫أخف وطأة لكن حاالته كثرية – الذين يت ّم نقلهم من مكان إىل‬
‫– وان كان ّ‬
‫آخر ال عىل أساس قواعد مهن ّية‪ ،‬وإنمّ ا حسب مشيئة السلطات اإلدارية‪.‬‬
‫والداء ال ينحرص يف هذه الحدود وحدها‪ ،‬ذلك أن إيقافات كثريا ما تحدث‬
‫بدون إذن من العدالة‪ ،‬وتبقى أكرث األوقات مجهولة من العموم‪ ،‬مبا أن‬
‫التعسف ّية‬
‫ّ‬
‫الصحافة ال تستطيع ذكرها‪ .‬وهذا يذكّرنا شيئا ما باإلجراءات ّ‬
‫الفرديّة يف فرتة شهرية من تاريخ فرنسا‪ .‬ويبقى الضّ حايا املوقوفون‪ ،‬سواء‬
‫حوكموا أم ال رهن الرسيّة‪ ،‬ويف كثري من الحاالت تبقى عائالتهم تجهل‬
‫محلّ إيقافهم‪ .‬فمن هذه الناحية تشبه سجوننا وزنزاناتنا زنزانات القرون‬
‫الوسطى الشّ هرية‪.‬‬
‫كل هذا يحدث بتونس حيث التنظيم القضايئ من أقدم ما يوجد يف‬
‫الدنيا‪ .‬هذه االعتداءات الصارخة عىل حقوق اإلنسان تقرتف بدون أي‬
‫اعتبار لهذه العدالة التي هي‪ ،‬مع ذلك‪ ،‬ال تقلّ مستوى عماّ هي عليه يف‬
‫نفس وجود هذه العدالة وهي يف حالة‬
‫أرقى البلدان مدن ّية‪ .‬إذن كيف رّ‬
‫عجز‪ ،‬أو عىل األص ّح يف حالة عدم متكّن من القيام بدورها يف بلد ي ّدعي‬
‫انّه جمهوري‪ ،‬ودستوره مينحها كلّ صالح ّيات السلطة الثالثة؟ لتفسري هذه‬
‫الظّاهرة وتربير موقف العدالة يف هذا املضامر‪ ،‬يجب ال ّرجوع إىل مفهوم‬
‫السلط الذي اق ّره‬
‫السلطة التنفيذيّة التي تعترب حال ّيا‪ ،‬أن التفريق بني ّ‬
‫ّ‬
‫دستور ‪ ،1959‬أمر ال معنى له وخطأ تاريخي لتونس‪ .‬فمن هنا جاءت‬
‫التجاوزات العديدة للسلطة التنفيذية ملشموالت السلطة القضائية‬
‫والتدخالت العمومية يف حاالت مضبوطة معلومة لدى الجميع‪ .‬وهناك‬
‫أيضا يشء آخر وهو أن ترقيات وقعت يف سلك القضاء‪ ،‬يف بداية االستقالل‪،‬‬
‫بدون احرتام لقواعد الرتقية‪ ،‬وللرتتيب التفاضيل‪ ،‬فحدثت بذلك مظامل‬
‫عادت بالفائدة عىل قضاة اعتربوا باطال وطنيني‪ ،‬وبالتايل مخلصني للنظام‪.‬‬
‫وانتهت عمليّة إهانة القضاء بالتطهري أو يايقاف بعض أعضائه باالعتامد‬
‫عىل أحداث بقيت غامضة إىل ح ّد اآلن‪.‬‬
‫يخص حقوق ال ّدفاع يف املجال القضايئ‪ ،‬فإنّه ميكن القول بأنّها‬
‫أ ّما فيام ّ‬
‫يف تونس نظريّة عندما يتعلّق األمر بقضايا تكون فيها اإلدارة طرفا من‬
‫قريب أو من بعيد‪ .‬لقد تلقّى سلك املحامني رضبات قويّة كانت له مبثابة‬
‫الدرس‪ ،‬إذ القي القبض عىل عميده‪ ،‬وت ّم حلّ هيئة عامدته وتعويضها‬
‫بلجنة تسيري مع ّينة تعيينا‪ ،‬ث ّم ألقي القبض عىل عضو بارز من أعضاء هذه‬

‫اللجنة نفسها (وهو نائب مبجلس األ ّمة مسؤول بارز يف الحزب‪ ،‬ومن أقدم‬
‫املناضلني)‪ ،‬وأخريا الز ّج به يف السجن بصورة كانت تكون مغايرة لو كانت‬
‫الصفة الدميقراط ّية للبالد محرتمة شيئا ما‪.‬‬
‫ّ‬
‫ويف نفس السياق ال ميكن للمرء أن يذكر االعتداءات العنيفة التي تع ّرضت‬
‫لها بقيّة النخبة التونسيّة املفكّرة‪ :‬أطبّاء‪ ،‬أساتذة‪ ،‬مهندسون‪ ،‬صيادلة‪ ،‬الخ‪...‬‬
‫إنّهم إزاء الهجومات العلن ّية التي تع ّرضوا لها جميعا‪ ،‬مل تعط لهم الفرصة‬
‫ق ّط للر ّد عليها أل ّن الصحافة ليست ح ّرة‪ .‬ولذلك فهم يتشبّثون مبوقف‬
‫االحرتاز بدل أن يسموا إىل مستوى كفاءاتهم التي تحتاج البالد إليها أش ّد‬
‫االحتياج‪ .‬كذلك يختار بعضهم مغادرة البالد إىل جهات أخرى تتالءم أكرث‬
‫مع نشاطهم‪ .‬فقد ذهبت سنة ‪ 1964‬بباريس إىل احد األساتذة البارزين‬
‫الطب للعالج‪ ،‬ومتّت عمليّة الفحص مبحرض ‪ 20‬طبيبا من مساعديه‪،‬‬
‫يف ّ‬
‫ومبحرض أحد زمالئه العاملني بإحدى كل ّيات شامل إفريقيا‪ ،‬وأثناء الفحص‬
‫الطب الجديدة بتونس‬
‫تع ّرض األستاذ املبارش لعالجي إىل موضوع مليّة ّ‬
‫رصح بأنّها ميكن أن تصلح وبكفاية لبلدان شامل إفريقيا األربعة‪ ،‬مضيفا‬
‫و ّ‬
‫بأن إمكانياتها تسمح لها مبدئيّا بذلك‪.‬‬
‫وطلبت مزيدا من اإلرشادات وكانت مشاغيل تحوم حول امليزان ّية‪،‬‬
‫فألتفت إىل األستاذ املبارش‪ ،‬وهو من الذين يعرفون تونس والتونسيني‬
‫ج ّيدا – وقال يف تع ّجب‪ ،‬وكان من حني آلخر يلتفت إىل زميله‪« :‬أما‬
‫تعلمون أ ّن لهم عددا كبريا من االختصاصيني يد ّرسون بكليّات فرنسا يف‬
‫حني تستنجد كلّيتهم بأساتذة أجانب!»‪ ،‬وحاملا انتهى من الفحص‪ ،‬خرجت‬
‫لالسرتشاد لدى الطّلبة حول العدد التقريبي لألطبّاء الذين تح ّدث عنهم‬
‫األستاذ الذي عالجني وحول قيمتهم‪ .‬وكان الجواب بصورة عا ّمة هو أ ّن‬
‫عدد العاملني بالكلّيات يساوي الثّالثني‪ ،‬وأ ّن‬
‫أقلّهم طبيب اختصايص‪ ،‬وأن أكرث من ‪ 400‬طالب‬
‫الطب‪ ،‬توجد نسبة مرتفعة من بينهم ممن‬
‫يف ّ‬
‫ال يعتزمون العودة إىل ارض الوطن‪ ،‬ومكّنني‬
‫اتصايل بالطلبة اآلخرين من أن أملس نفس‬
‫السلوك لدى املتعاطني لل ّنشاط يف االختصاصات‬
‫األخرى‪ ،‬لكني مل ألق السالح وطلبت مقابلة‬
‫أحد األساتذة التونسيني للتح ّدث إليه‪ ،‬فرتّب يل‬
‫موعدا مع اختصايص يف املستشفى الذي يبارش‬
‫فيه عمله بعدما تخ ّرج يف الكل ّية‪ ،‬وأحطت علام‬
‫مسبّقا بأفكاره السياسيّة‪.‬‬
‫وجدت نفيس يف محرض أستاذ عظيم يحظى‬
‫بتقدير كبري يف كامل املستشفى‪ .‬وجوابا عىل‬
‫أسئلتي‪ ،‬قال‪« :‬ال تظن سيدي أنّني باق بباريس‬
‫ألنّني لست موافقا عىل السياسة الرسم ّية‪ ،‬أو‬
‫ألنّني هنا أكسب ماال وفريا‪ ،‬كام يحلو قوله‬
‫بتونس يف شأن األط ّباء‪ ،‬فأنا تجاوزت هذه‬
‫املرحلة‪ ،‬أنا باحث‪ .‬ولست مولعا إال مبهنتي التي‬
‫أريد مامرستها بحريّة‪ .‬ويف تونس مينع اإلنسان من العمل حسب ذوقه‪.‬‬
‫الحق يف التدخّل يف‬
‫ذلك أن أي جاهل تكون له أيّة صفة سياسيّة له ّ‬
‫األنشطة الفن ّية‪ ».‬وحاولت مناقشته يف هذه النقطة بالتدقيق‪ ،‬لك ّنه أنهى‬
‫املحادثة بقوله‪«:‬إذا كنتم غري مقتنعني مبا أقول‪ ،‬فام عليكم إال أن تواصلوا‬
‫بحثكم لدى الذين يفضّ لون مثيل عدم ال ّرجوع إىل الوطن‪ ،‬وعددهم كثري‬
‫ج ّدا‪ ،‬منتظرين أيّاما اسعد»‪ .‬ودفعني هذا الجواب إىل مواصلة البحث‪.‬‬
‫وكانت النتيجة أن وقفت بصورة واضحة عىل مأساة شبابنا التي متثل‬
‫مشكال من عديد املشاكل املطروحة عىل بالدنا‪.‬‬
‫وليك تتضح كلّ هذه املشاكل بصورة كاملة‪ ،‬يبدو من األجدى أن نرتّب‬
‫املواضيع‪ .‬ولنبدأ أ ّوال مبوضوع الحزب‪.‬‬
‫ونصه وصلنا عمليّا إىل‬
‫يجب أن نقر يف هذا الصدد بأننا رغم روح الدستور ّ‬
‫نظام حكم الحزب الواحد‪ ،‬من غري أن نضيف عبارة املركزيّة الدميقراطية‬
‫لتصحيح وصفه‪ ،‬كام فعل صانعو هذا النظام‪.‬‬
‫فالحزب الدستوري (أي الحزب القديم) والحزب الشيوعي اللذان مل يؤثر‬
‫بامل ّرة عىل الدستور الجديد ال قبل االستقالل‪ ،‬وال بعده‪ ،‬وقع حذفهام بج ّرة‬
‫قلم يف الوقت الذي كان تأثرياهام مييل إىل الزوال‪ ،‬بينام كان بقاؤهام ميكن‬
‫أن ميثّل مقياسا للدستور الجديد يف تطوره ومرآة له يف عمله‪ .‬ولو بقي‬
‫هذان الحزبان‪ ،‬وبفضل ما ميكن لهام من إبداء انتقاد‪ ،‬ألسهام يف تج ّنب‬
‫الخطاء املمكنة للحزب الذي تعتمد عليه الحكومة‪ ،‬بدون أن يلحق ذلك‬
‫أي رضر بالحكومة‪ ،‬مبا أنهام ال ميثالن معا نسبة ‪ 5‬باملائة من األصوات‪ .‬وما‬

‫يؤكّد هذه الحقيقة‪ ،‬هو أن إزالتهام حصلت بعد تدعيم االستقالل وخاصة‬
‫بعد زوال كل عمل فوضوي‪.‬‬
‫إندس أنشط أعضائها‪ ،‬وهذا صحيح‬
‫نتيجة إلزالة هذين الحزبيني‪ّ ،‬‬
‫خاصة بالنسبة للشيوعيني‪ ،‬يف هياكل الحكومة والحزب‪ ،‬حيث يتح ّملون‬
‫ّ‬
‫الصدد‪ .‬ميكن لقائل أن يقول أن تح ّوال حصل‬
‫مسؤوليات ها ّمة‪ .‬ويف هذا ّ‬
‫يف موقفهم‪ .‬لكن سؤاال يطرح آنذاك نفسه‪ :‬ما هو مدى اإلخالص الذي‬
‫متّت عىل نحوه عمليّة التح ّول هذه؟ ما هو مدى إخالص متح ّزب حمل‬
‫طول حياته أفكارا مخالفة‪ ،‬وربمّ ا مناقضة‪ ،‬ث ّم ينض ّم إىل خصمه املبارش‬
‫يف الوقت الذي ت ّم فيه انتصار ذلك الخصم بصورة كاملة؟ وهذا السؤال‬
‫يج ّر إىل سؤال آخر‪ :‬أي مفارقة هذه التي تجعل حزبا منحالّ يؤيّد سياسة‬
‫نفس الحكومة التي اتخذت قرار حلّه‪ ،‬وينرش مواقفه التأيديّة؟ أو أيّة‬
‫صدفة هي التي تجعل حكومة‪ ،‬لتربير جزء من سياستها لدى الرأي العام‪،‬‬
‫تحاجج علنيّا مبواقف الحزب الالقانوين إزاء بعض القضايا‪ ،‬بعدما أزالت‬
‫هي ذلك الحزب؟ إنّه لواضح متام الوضوح أن الجواب عن هذه األسئلة‬
‫يكمن فيام سبق عرضه‪.‬‬
‫وهذا يقودنا بصورة طبيع ّية‪ ،‬إىل معالجة وضع حزبنا‪ ،‬الحزب الدستوري‬
‫الجديد‪.‬‬
‫فمنذ ‪ 1958‬أخذ الحزب الدستوري الجديد يتغيرّ التغيرّ السيئ مع األسف‪.‬‬
‫من ذلك أن إلغاء طريقة االنتخابات يف اختيار املسؤولني الجهويني‪ ،‬شكّل‬
‫الرضبة الخطرية األوىل التي تلقّاها‪ ،‬والتي بدأت ته ّدد ص ّحته‪ .‬وفعال‪ ،‬فقد‬
‫ت ّم إدخال هذا اإلصالح وتطبيق قبل انعقاد مؤمتر ‪ 1959‬ببضعة أشهر‪،‬‬
‫ومتثّل ذلك يف حلّ الجامعات‪ ،‬وتعويضها يف كلّ جهة مبندوبيّة جهويّة‪،‬‬
‫السلطات‪.‬‬
‫تع ّينها الق ّمة ولها كامل ّ‬
‫كانت هذه العمل ّية دوسا خطريا‪ ،‬وفضيعا‬
‫لل ّنظام الداخيل للحزب الذي ال تقبل‬
‫هياكله التحوير إال من طرف مؤمتر‬
‫قانوين‪ .‬وكانت أيضا رضبة خطرية ج ّدا‬
‫للدميقراط ّية يف صلب الحزب‪.‬‬
‫وهكذا وضع مؤمتر سوسة أمام األمر‬
‫املقيض‪ ،‬ومل يقدر عىل مواجهته ألنّه أع ّد‬
‫من طرف هؤالء املندوبني‪ ،‬أي أنهم هم‬
‫الذّين تولّوا اختيار املؤمترين‪ ،‬أو وافقوا‬
‫عىل تعيينهم‪ .‬ثم تواترت م ّدة طويلة‬
‫تهاطلت خاللها‪ ،‬العقوبات الكثرية عىل‬
‫املناضلني باسم الديوان السيايس‪ ،‬الذي مل‬
‫يخرب أعضاؤه بتلك العقوبات إال يف اليوم‬
‫املوايل بواسطة الصحف‪ .‬ومل يكن لهؤالء‬
‫املناضلني أي ملجأ مبا أن مجلس التأديب‬
‫املنصوص عليه بالنظام الداخيل مل يجتمع‬
‫قطّ‪ ،‬وإ ّن املعنيني مل يقدروا حتى عىل اإلدالء برأيهم‪.‬‬
‫ويف ‪ ،1964‬كانت الرضبة القاضية للحزب‪ .‬فقبل انعقاد املؤمتر (بنزرت)‪،‬‬
‫ولوضعه أمام األمر املقيض م ّرة أخرى‪ ،‬تق ّرر تعويض املندوبني بالوالّة‪،‬‬
‫رؤساء الجهات‪ ،‬وعهد إليهم باإلرشاف عىل الحزب يف جهاتهم‪ .‬إ ّن هذا‬
‫األمر مل يحدث أبدا يف ما ميكن أن نس ّميه حزبا بنزاهة‪ .‬وأكرث من ذلك‬
‫انتهى املؤمتر بانتخابات مل تفض إىل تعيني أعضاء الديوان السيايس‪ ،‬إمنا‬
‫ت ّم تعيينهم بعد بضعة أيّام‪ ،‬ال عىل قاعدة نتائج االنتخابات‪ ،‬ولكن عىل‬
‫قواعد أخرى‪ .‬وأصبح الديوان السيايس املوسع الذي أطلق عليه فيام بعد‬
‫اسم اللجنة املركزيّة يض ّم الوزراء والوالّة‪ ،‬ومديري اإلدارة‪ ،‬وحتى رؤساء‬
‫البوليس والحرس الوطني‪.‬‬
‫وهكذا أصبح الحزب يرتكّب‪ ،‬يف كلّ مستوياته‪ ،‬من مواطنني بسطاء‪،‬‬
‫ميكن وصفهم باملدنيني‪ ،‬ومن املوظّفني ذوي السلطة‪ ،‬الذين ميتلكون كلّ‬
‫الوسائل‪ ،‬ويستطعون عىل األقلّ إخضاع األ ّولني‪ .‬كيف بعد هذا نعجب‬
‫من اختفاء روح الصرّ احة يف صلب هذا الحزب الذي انكشف عجزه بكل‬
‫وضوح مبناسبة اكتشاف مؤامرة ‪ ،1962‬يف هذه املناسبة بهت الجميع‪،‬‬
‫ويف مق ّدمتهم الحزب‪ .‬واالستنتاج الواجب استخالصه‪ ،‬والذي كان يجب‬
‫استخالصه يف اإلبان‪ ،‬ومل يقع ذلك لألسف‪ ،‬عىل اثر املؤامرة‪ ،‬هو أن الحزب‬
‫كحزب مل يعد موجودا‪.‬‬
‫ميكن أن نسميه جهاز تنفيذ‪ ،‬أو إدارة دعاية‪ ،‬أو أي يشء آخر‪ ،‬لكن ال‬
‫يجوز تسميته حزبا باملعنى الصحيح للكلمة‪ ،‬إذ كيف نطلق عىل جسم‬
‫ال يتح ّرك‪ ،‬إذ ال روح فيه تح ّركه‪ ،‬اسم الحزب؟ وألنّه فقد ح ّرية الحركة‪،‬‬

‫وهكذا تبذر مبالغ‬
‫ضخمة كل سنة من‬
‫موارد وزارتي الداخلية‬
‫والخارجية‪ ،‬بينما كان‬
‫من األجدر أن تسخر‬
‫لوزارتي التربية القومية‬
‫والشؤون االجتماعية في‬
‫تحسين ظروف سكن‬
‫العمال والطلبة‬

‫الخميس ‪ 13‬أكتوبر ‪ - 2016‬املوافق لـ ‪ 11‬محرم ‪ - 1438‬الذاكرة النقابية‬

‫فقد بالتايل مح ّركه الذي يس ّمى اإلميان‪ .‬إنّه ال يتح ّرك إال إذا وقع تحريكه‬
‫من فوق‪ .‬فجدوى وجوده بالذّات أصبحت‪ ،‬يف الظّرف ال ّراهن‪ ،‬محلّ إنكار‬
‫ألنّه يقوم بنفس العمل الذي تقوم به بعض املصالح اإلداريّة الحكوم ّية‪.‬‬
‫ونتيجة لرتكيبته‪ ،‬أصبح ال ّنقاش مستحيال إطالقا داخل هياكله‪ ،‬ويف هياكل‬
‫املنظّامت الوسيطة والقاعديّة‪ .‬وهل يعقل أن توجد الصرّ احة وحريّة‬
‫التعبري يف اجتامع يض ّم إىل جانب املواطن البسيط‪ ،‬املوظّف القو ّي الذي‬
‫يخضعه إلرادته والذي يستطيع إبعاده‪ ،‬وحتى سجنه متى أراد‪.‬‬
‫يستحق أن نتوقّف‬
‫إن كلّ ما قيل ينطبق أيضا عىل ال ّديوان السيايس الذي‬
‫ّ‬
‫عنده قليال‪ ،‬ألنّه يبدو انّه يتح ّمل مسؤول ّية ما آلت إليه األوضاع‪ .‬ع ّيل أن‬
‫أبدأ باإلعراب عن إكباري لقيمة ونزاهة كلّ اإلخوان الذين عملت معهم‬
‫بال ّديوان السيايس منذ سنة ‪ .1955‬لقد كانت هيئة يف منتهى التفاين يف‬
‫خدمة الحزب واملصلحة العا ّمة للبالد‪ ،‬وكان‬
‫أعضاؤها‪ ،‬يف تكاملهم‪ ،‬يك ّونون تشكيلة‬
‫منسجمة وكفاءة ال يقلّ مستواها عىل‬
‫أيّة تشكيلة مامثلة يف األحزاب العرصيّة‪.‬‬
‫فلو بقي هذا ال ّديوان السيايس مواصال‬
‫الجتامعاته بانتظام‪ ،‬وملناقشته للمشاكل‬
‫الكربى للحزب والبالد‪ ،‬ملا وصلنا إىل ما نحن‬
‫عليه اليوم‪ ،‬لكن اجتامعاته مع األسف‬
‫بدأت منذ تسلّم السلطة تتناقص شيئا‬
‫فشيئا إىل أن كادت تنقطع متاما‪.‬‬
‫إن كالمي هذا يعني الديوان السيايس ككل‪،‬‬
‫بحضور األمني العام وبالخصوص الرئيس‪،‬‬
‫إذ يف مثل هذه االجتامعات‪ ،‬وفيها فقط‬
‫تؤخذ القرارات‪ .‬لكن مثل هذه االجتامعات‬
‫تع ّد عىل األصابع‪ ،‬وكانت تعقد بصورة تكاد‬
‫تكون مطلقة للمصادقة عىل قرار حكومي‬
‫ذي خطورة كربى أخذ خارج الحزب‪ ،‬أو‬
‫لرفت أحد اإلخوان من أعضاء الديوان‬
‫السيايس مبقتىض القرار ‪ 16‬الشهري الذي‬
‫يسمح ألعضاء الديوان السيايس برفت‬
‫بعضهم البعض‪ ،‬أو عىل األصح‪ ،‬يسمح‬
‫للديوان السيايس برفتهم الواحد تلو اآلخر‬
‫حتى آخرهم‪.‬‬
‫وإىل جانب قلّتها‪ ،‬كانت هذه االجتامعات‬
‫ال تدون يف محارض جلسات‪ ،‬وال تشتمل‬
‫عىل جدول اعمل مسبق‪ ،‬لدرجة أننا ك ّنا يف جلّ الحاالت‪ ،‬ع ّدة إخوان‬
‫نتساءل عند تناول النقطة أو النقط التي ستناقش فيها‪ ،‬مبا إننا كنا نحرض‬
‫بدون ملفات مع ّدة مسبّقا‪ ،‬لنجد أنفسنا يف وضع غري مرض حيث يرغم‬
‫كلّ احد عىل ارتجال مساهمته يف النقاش بأفكار قد تخطئ وقد تصيب‪.‬‬
‫هذه السباب التي جعلت الديوان السيايس ال يقدر عىل القيام بدوره‬
‫املعهودة له بصورة طبيع ّية‪ .‬انه ملن املحزن‪ ،‬بل ومن املؤمل ج ّدا أن‬
‫تكتب هذه الحقائق‪ ،‬لكنه من الالزم أن نراجع نقط الضعف‪ ،‬إذا توفّرت‬
‫لدينا إرادة التحسني والرغبة فيه‪ .‬عىل أنه يجب االعرتاف‪ ،‬واألمر يتعلّق‬
‫بالديوان السيايس دامئا‪ ،‬بأن يقوم الرئيس باستشارات فرديّة‪ .‬لكن هذا‬
‫متس كافة أعضاء الديوان‬
‫ال ّنظام فاسد من األساس‪ ،‬مبا أن االستشارة ال ّ‬
‫السيايس‪ ،‬ومبا أنها خاصة تنفي مقارعة اآلراء‪ .‬ومن هنا جاءت األخطاء‬
‫واملسائل الشخص ّية واالنقسام يف صلب تشكيلة مك ّونة يف البداية من‬
‫إخوان ينتمون إىل جيل واحد‪ ،‬عاشوا معا‪ ،‬وكافحوا معا‪ ،‬وتألّموا معا‬
‫وتبادلوا نفس اإلحساس م ّدة طويلة‪ .‬وهذا االنقطاع يف انسجام التشكيلة‬
‫حدث بدون أن يشعر به أحد لك ّنه كان فعليّا‪ .‬وهناك عنرص آخر كان‬
‫له الدور الحاسم يف تعقيد األمور‪ ،‬والذي ميكن أن نصفه بكونه أمرا غري‬
‫عادي عىل األقلّ ‪ ،‬وهو الجمع بني املسؤوليات‪ :‬مسؤوليات عضوية الديوان‬
‫السيايس‪ ،‬مع املسؤوليات الوزاريّة يف نظام رئايس‪ ،‬إذ كيف يعقل أن يتوىل‬
‫وزير – وهو املسؤول دستوريا أمام الرئييس فقط الذي يستطيع أن يعزل‬
‫متى يشاء – تسطري السياسة التي يجب عىل ذلك الرئيس إتباعها يف‬
‫رشعا ومنفّذا يف الوقت نفسه‬
‫الحكومة‪ ،‬كيف ميكن أن يكون اإلنسان م ّ‬
‫أمام نفس الشخص؟ هذه إحدى املظاهر الشّ اذة لألنظمة الرئاس ّية‬
‫املعتمدة عىل نظام الحزب الواحد‪ ،‬الحزب الذي يجب مبدئيّا أن يكون‬
‫مصدر السياسة الحكوم ّية‪.‬‬

‫تفس اضمحالل‬
‫هذه العوامل كلّها‪ ،‬التاريخ ّية والشخص ّية والدستوريّة‪ ،‬رّ‬
‫الديوان السيايس –كهيئة وأشخاص‪ ،‬وبدون اتهام أي كان‪ ،‬ميكن التأكيد‬
‫دون الوقوع يف الخطأ‪ ،‬بأن هذه الحالة الفظيعة هي التي كانت سببا‬
‫يف كلّ الرضر الذي تشكو منه البالد اليوم‪ ،‬وهو رضر ناجم عن فقدان‬
‫ق ّوة سياس ّية – هي الحزب – قادرة عىل تسطري سياسة متناسقة‪ ،‬وعىل‬
‫متابعتها يف التطبيق‪.‬‬
‫ذلك أن الفراغ السيايس الناجم عن الركود يف الحزب مل يقع عمل ّيا‬
‫س ّده ال باملنظّامت القوم ّية التي يغلب عليها الطّابع املهني‪ ،‬وال بوجود‬
‫مؤسسات صالحة وناجعة‪ .‬إن املنظّامت القوم ّية الها ّمة أربه هي‪ :‬االتحاد‬
‫ّ‬
‫العام التونيس للشغل‪ ،‬واالتحاد العام لطلبة تونس‪ ،‬واالتحاد التونيس‬
‫للصناعة والتجارة‪ ،‬واالتحاد القومي للفالحني‬
‫التونسيني‪ .‬إن املنظمة الفالحية هذه – التي‬
‫ّأسست لتحلّ محلّ اإلتحاد العام للفالحني‬
‫الصف – كانت‬
‫التونسيني الذي خرج عن ّ‬
‫انطالقتها س ّيئة فلم تستطع أن تعطي الدفع‬
‫الالزم للفالحني ألسباب ع ّدة عطّلت عمل‬
‫اإلطارات‪ ،‬ومن بينهم من هم عىل غاية‬
‫من الكفاءة‪ .‬أ ّما االتحاد التونيس للصناعة‬
‫والتجارة‪ ،‬وقد عهد إليه بتعبئة املبادرات‬
‫الخاصة لإلسهام يف التنمية االقتصادية بصفة‬
‫ّ‬
‫ناجعة يف عهد االستقالل‪ ،‬فقد وجد نفسه هو‬
‫أيضا‪ ،‬منذ البداية‪ ،‬معاقا بحكم حرمان الغرف‬
‫االقتصاديّة من أهم الصالح ّيات املوكولة إليها‪.‬‬
‫وترجع املصاعب التي عرفتها املنظّمة أيضا إىل‬
‫الطّابع التسيريي واملضطرب الذي م ّيز سياسة‬
‫البالد االقتصاديّة يف السنوات األخرية‪ ،‬والذي‬
‫مل يقدر أحد عىل إصالحه بسبب انعدام‬
‫ح ّرية التعبري‪ .‬وأخريا اذكر التدخالت املتتالية‬
‫يف الشؤون الداخل ّية لهذه املنظّمة‪ ،‬والتي‬
‫تجسمت بالخصوص يف تعيني مديرين غرباء‬
‫ّ‬
‫عن املهنة عىل رأسها‪ ،‬فكانت العمل ّية التي‬
‫أوهنت عزمية قادتها‪ ،‬وجعلتهم يقبلون بأن‬
‫تقوم املنظّمة بدور صوري‪.‬‬
‫يخص الطلبة‪ ،‬فإ ّن األزمة املتواصلة‬
‫وفيام ّ‬
‫التي عرفها االتحاد العام لطلبة تونس منذ‬
‫بضع سنوات لهي أعمق مام تبدو عليه إذا‬
‫عالجناها من أصلها‪ .‬فقد استق ّرت منذ االستقالل عادة تقيض مبنح قادتها‬
‫املتتالني مناصب ها ّمة بدون اعتبار لكفاءتهم ومقارنتها مع كفاءات‬
‫رفاقهم‪ .‬فكانت نتيجة هذه السياسة تأكيدا لقولة شهرية لرجل دولة‪«:‬إذا‬
‫كان هناك منصب شاغر‪ ،‬ومائة مرتشّ ح له‪ ،‬نخلق عائقا‪ ،‬و‪99‬غاضبا»‪.‬‬
‫وهذا املعطى‪ ،‬باإلضافة إىل التحديد املتزايد للح ّريات‪ ،‬غرس يف طالبنا‬
‫شعورا بالحرية يكرب يوما بعد يوم‪ .‬وقد تفطّن نظام الحكم إىل هذا الشعور‬
‫رضتها املرض نفسه‪،‬‬
‫لكن الوسائل الذي استعملها يف سعيه للعالج فاقت م ّ‬
‫وكانت النتيجة أن خلق من ال يشء هو مشكل الشباب يف مجموعه‪.‬‬
‫وفعال فقد رأى نظام الحكم أنّه النسب أن يخرتق اتحاد الطلبة‪،‬ويهيمن‬
‫خاصة يف صلب تابعة مبارشة للحزب‪ .‬وت ّوج هذه‬
‫عليه بإحداث فرق ّ‬
‫العمل ّية بإدماج مختلف منظّامت الشباب مبا فيها الكشّ افة‪ ،‬يف تشكيلة‬
‫قوميّة واحدة تتلقى أوامرها من فوق‪ .‬إن هذا الض ّم املفروض‪ ،‬إذا اعتربناه‬
‫حتى من وجهة ال ّنظر التكتيك ّية الرصف‪ ،‬يؤ ّدي حتام إىل توسيع دائرة‬
‫الغضب واىل إفساد عقليّة الشباب عموما‪ ،‬وحتى املنضوين منهم تحت‬
‫لواء الشبيبة الدستوريّة التي أعربت عن غضبها من هياكل الحزب‪.‬‬
‫ذلك أ ّن التبصرّ يف أبسط مفهومه مييل علينا أن نرتك للشباب أكرب قدر‬
‫ممكن من الحريّة‪ ،‬إذ بدون ذلك ال يستطيع أن يتفتّح وين ّمي كلّ ملكاته‬
‫الطبيعيّة‪ .‬إن الحكمة كلّ الحكمة تكمن يف حسن التقدير‪ ،‬وال ب ّد يف هذا‬
‫املجال من التمييز بني التوجيه ال ّرصني‪ ،‬واالستبداديّة التي تولّد الثورة‪.‬‬
‫فنحن نكتشف ميوال مختلفة يف صلب العائلة الواحدة املرتكّبة من ع ّدة‬
‫ش ّبان‪ ،‬رغم كونهم من نفس األبوين ويعيشون يف نفس الوسط‪ .‬فهذا‬
‫تستهويه السياسة وذاك تستهويه الفنون‪ ،‬والثالث يفضّ ل الرياضة‪ ،‬والرابع‬
‫مولع بالعلوم‪ ،‬والخامس مييل إىل العزلة‪ ،‬الخ‪...‬فاألمر يتعلّق باحرتام‬
‫شخصيّة كل فرد مع اعتبار طبعه ومؤ ّهالته الطبيعيّة إذا أردنا أن نحصل‬

‫كل هذا ورئيس‬
‫الجمهور ّية هو‬
‫الوحيد أو احد‬
‫القليلين الذين‬
‫كل‬
‫يعتقدون أن ّ‬
‫شيء يسير على‬
‫أحسن ما يرام في‬
‫البالد‪ ،‬وان تسيير‬
‫األمور سليم‪ ،‬وان‬
‫كل‬
‫تتقدم في ّ‬
‫البالد ّ‬
‫المجاالت‬

‫الخميس ‪ 13‬أكتوبر ‪ - 2016‬املوافق لـ ‪ 11‬محرم ‪ - 1438‬الذاكرة النقابية‬

‫من كلّ واحد منهم عىل كفاءات أوسع ألنّها منت وترعرعت بحريّة‪ ،‬بدل‬
‫العمل عىل صوغهم يف قالب واحد‪ .‬إن هذا التنوع املقام عىل التكامل‬
‫قد يكون العنرص األهم يف تحقيق االنسجام ملجتمعنا يف املستقبل‪ ،‬ألن‬
‫الشباب الذي يرتىب باالعتامد عىل احرتام شخصيته بفضل الحريّة التي متتع‬
‫بها يف س ّن املراهقة يحرتم أكرث حريّة اآلخرين يف طور الكهول‪ ،‬أما إذا ترىب‬
‫عىل عكس ذلك‪ ،‬فان نزعة مبكّرة لالستبداد والفاشيّة تتك ّون لديه كر ّد‬
‫فعل عكيس‪ ،‬أو بحكم العدوى‪.‬‬
‫هذه هي األسباب التي تجعل اإلنسان – بدون أن يكون من كبار املربّني‬
‫– يؤمن برضورة ح ّرية الشباب قصد تجنيب مستقبل البالد مخاطر‬
‫تكون أساسه االستبداد املطلق‪ .‬كذلك يف مجال أخر نرى أن البوادر التي‬
‫نستكشفها عند الشبان الذين بدؤوا يواجهون الحياة منذ بضع سنوات‬
‫ليست مش ّجعة‪ .‬فموقف الشاب العامل إزاء املصلحة العامة غري مرض يف‬
‫جملته‪ .‬وهو يتميّز بالخاصيّات الثالث اآلتية‪ :‬األصولية‪ ،‬الالمباالة أو العداء‬
‫إزاء النظام‪ ،‬وبني الخاص ّيات الثالث‪ ،‬ال نجد موقفا آخر كاملثال ّية الصادقة‬
‫التي تولّد التفاين يف خدمة املصلحة العموميّة مع نكران الذّات‪ .‬ملاذا؟ أل ّن‬
‫قيم املساواة والعدالة مل يقع احرتامها عند انتداب هؤالء الش ّبان أو مبناسبة‬
‫ترقيتهم‪ ،‬أي عند دخولهم معرتك الحياة‪ .‬وبدل أن تطبّق عليهم جميعا‬
‫مقاييس مستم ّدة من قيم العدالة واملساواة‪ ،‬كاالمتحانات‪ ،‬واملناظرات‬
‫اعتمدت اعتبارات شخصيّة أو عائليّة‪ ،‬بل وحتى اإلخالص املزعوم‪ .‬وبلغ‬
‫هذا األمر ح ّدا جعل كلّ واحد يعلم أن املوظّفني الجدد العاملني باإلدارات‬
‫املؤسسات العموميّة أو شبه العموميّة يكادون يكونون كلّهم منتسبني‬
‫و ّ‬
‫إىل نفس املدينة أو نفس الجهة‪ ،‬أو نفس العائلة الفكريّة‪ .‬أي بعبارة أخرى‬
‫نجد يف كلّ مكان «زبائن» هذا ال ّرجل السيايس صاحب ال ّنفوذ أو ذلك ما‬
‫عدا بعض االستثناءات‪.‬‬
‫إن هذه املظامل التي تحدث يف بلد ميثّل فيه العمل يف الوظيفة العموم ّية‬
‫امتيازا‪ ،‬يت ّم التعليق عليه يف كلّ األوساط‪ ،‬لكن األه ّم من هذا التعليق‪،‬‬
‫هو التأثريات الخطرية التي ترتكها عىل معنويّات الش ّبان‪ ،‬سواء كانوا عاملني‬
‫أو مزاولني لدراساتهم‪ :‬فبعضهم يبدي االرتياح ومل يشبع نهمه‪ ،‬واآلخرون‬
‫ويتحصنون بالالمباالة التي رسيعا ما تؤول إىل معارضة‪.‬‬
‫يبدون الغضب‪،‬‬
‫ّ‬
‫وهناك ظاهرة مامثلة‪ ،‬وان كانت يف معانيها أكرث عمقا‪ ،‬وهي التي تتعلق‬
‫بالبلوغ إىل املسؤوليات السياسية‪ :‬فجلّ الشبان الذين عرضوا حياتهم‬
‫املهنيّة‪ ،‬وبعض األحيان أرواحهم للخطر بنضالهم يف صفوف الحزب‬
‫أثناء دراستهم الثانوية‪ ،‬أو العالية‪ ،‬والذين تربوا يف الحزب وتحملوا فيه‬
‫جسيم املسؤوليات طيلة سنوات‪ ،‬ابتعدوا عنه اليوم‪ ،‬أو عل األكرث مل يبقوا‬
‫مشدودين إليه‪ ،‬إال بانخراط صوري يف إحدى الشعب بدون أن يبذلوا‬
‫جهدهم املعهود‪ .‬فبعضهم يسخّر كلّ طاقاته لعمله الح ّر بينام البعض‬
‫اآلخر يقبل بعمل عادي يف إدارة أو مؤسسة‪ .‬وهكذا خرسهم الحزب‪.‬‬
‫والحقيقة هي ان هذا الصنف من الشبان الذين كسبوا‪ ،‬مع شهاداتهم‬
‫الجامعيّة‪ ،‬تكوينا سياسيا متينا صقلته سنوات النضال الطويلة‪ ،‬فضّ ل‬
‫عليهم – يف الحزب‪ -‬ش ّبان آخرون من جيلهم أو حتى يفوتونهم س ّنا‪،‬‬
‫جاؤوا من خارج الحزب وينتمون إىل آفاق مختلفة‪ ،‬وتفسري هذه الظّاهرة‬
‫هو األيت‪:‬‬
‫مبا أن الحزب تحول إىل جهاز تعينّ القيادة العليا موظّفيه‪ ،‬مل يعد به‬
‫مكان للمثقّفني املناضلني الراغبني يف العمل فيه وال ّناشدين الربوز أل ّن‬
‫اآلفاق س ّدت بإحكام‪ .‬وترك املجال مفتوحا لآلخرين‪ ،‬ومن ضمنهم بعض‬
‫السابق هؤالء – هم‬
‫اآلتني من أحزاب أخرى‪ ،‬وحتى بعض العمالء للعهد ّ‬
‫يعتقدون أنفسهم أكرث فطنة من األ ّولني – يعتربون أنّه من ال ّدهاء أن‬
‫ينسجموا مع الواقع الجديد بالدخول يف هياكل ال ّنظام كام هي‪ ،‬إلرضاء‬
‫مطامحهم املاديّة واألدبيّة‪ ،‬وذلك بدون أن يؤمنوا بال ّنظام أو برجاله‪ ،‬بل‬
‫يفكّرون يف إزاحتهم يف أول فرصة مناسبة‪ .‬هذا يف الوقت الذي مازال‬
‫الصنف األ ّول يحتفظون – رغم ابتعادهم عن الحزب – بيشء‬
‫الشبّان من ّ‬
‫من التعلّق والحنني إىل ما كان عليه حزبهم واىل قادته القدامى‪.‬‬
‫باختصار فإن كلّ املعطيات اليوم بالنسبة ملشكل الشباب تغيرّ ت‪ ،‬وال ب ّد‬
‫من مراجعة األمر برسعة مراجعة كاملة‪ ،‬وعميقة بدون إهامل أي عنرص‬
‫من العنارص التي تنتمي إليه من قريب أو بعيد‪ .‬عىل أ ّن هذا املشكل‬
‫العويص ال ميكن فضّ ه ما مل يتوفّر العزم عىل منح كلّ الشبّان حظوظا‬
‫متساوية يف تنافس رصيح ونزيه‪ ،‬مع اتخاذ الحكم ملوقف عادل وغري‬
‫منحاز‪ ،‬موقف من األكيد أن يوفّر للشبّان أكرث ما ميكن من الحريّة‪ .‬ان‬
‫هذه القواعد يفرتض تطبيقها يف كلّ مجاالت الحياة العموم ّية مبا فيها‬
‫املجال النقايب العماّ يل‪.‬‬

‫لقد عرفت الحركة النقاب ّية العامل ّية التونس ّية ثالث أزمات عطّلت سري‬
‫انطالقتها يف أقل من ‪ 9‬سنوات من االستقالل‪ .‬وتعود األزمة األوىل إىل‬
‫سنة ‪ .1956‬وقد تسبب فيها بصورة علن ّية الحكم الذي مل ميض طويل‬
‫وقت عىل ميالده إذ تدخل هذا الحكم يف خالف داخيل ليحدث االنشقاق‬
‫ويشجعه عالن ّية‪ .‬مدفوعا من ذلك بعوامل ال ميكن تربيرها‪ ،‬مبا أن هذا‬
‫الخالف كان ميكن فضّ ه داخل املنظّمة النقابيّة بالذات ومن طرف النقابيني‬
‫أنفسهم‪ .‬وحدثت األزمة الثانية يف سنة ‪ ،1963‬حيث تدخل الحكم م ّرة‬
‫أخرى ليغيرّ تركيبة الهيئة املديرة للمنظّمة بطرق ا ّدعى أنّها دميقراطيّة‪.‬‬
‫وأخريا يف جويل ّية ‪ ،1965‬فقد االتحاد العام التونيس للشغل ح ّرية عمله‬
‫ومظهره‪.‬إن التفسري املفصل لهذه األزمات ومواجعها وأسبابها العميقة‪،‬‬
‫وكيف ّية جريانها‪ ،‬ومسؤول ّية كلّ فرد طيلة األعوام التسعة يعني كتابة‬
‫تاريخ الحركة النقابيّة التونسيّة يف جزئه األثري أحداثا‪ .‬لذلك يكون من‬
‫األجدى االقتصار عىل التأكيد م ّرة أخرى بأ ّن املصائب التي عرفتها الحركة‬
‫النقابيّة التونسيّة ترجع إىل الوضع العام املتميّز بانعدام ال ّنقاش حتى‬
‫يف أعىل مستوى بني القادة السياسيني الوطن ّيني‪ .‬وترجع هذه األزمات‬
‫الثالث يف األصل إىل تواجد جامعات تح ّركها مصالح‪ ،‬جامعات تتغيرّ كثريا‬
‫لكن لها صفة مشرتكة‪ :‬تقديم املصلحة الشخص ّية عىل حساب املصلحة‬
‫العليا لأل ّمة‪.‬‬
‫إن أي تربير آخر ال ميكن أخذه مأخذ الج ّد‪ .‬ومن السهل تبيني ذلك إذا‬
‫أردنا التوسع يف هذا املوضوع‪ .‬فكلّ املؤاخذات العلن ّية التي و ّجهت‬
‫للحركة النقابيّة بتونس ال ميكن أن تصمد‪ .‬بل أن كلّ دميقراطي أصيل‪ ،‬وكلّ‬
‫سيايس متبصرّ ‪ ،‬يعترب‪ ،‬عكس ذلك‪ ،‬إن احرتام املنظّمة النقاب ّية التونس ّية‬
‫أمر ال ب ّد منه‪ .‬ذلك ألنّها ترضب بجذورها يف الحركة النقابيّة األملانيّة يف‬
‫الفرتة البطول ّية للحركة االشرتاك ّية الدميقراطية التي ظهرت يف بداية القرن‪.‬‬
‫وأنّها أخذت عن املنظّامت النقابيّة األوىل يف العامل الثّالث أسلم طريقة‬
‫لتحرير اإلنسان من كلّ املك ّبالت السياس ّية‪ ،‬واالقتصادية‪ ،‬ولضامن تق ّدمه‬
‫االجتامعي‪ .‬وقد قامت بعملها دامئا بدون حقد وال مركّبات‪ .‬وكلّ الحكام‬
‫امللصقة بها ال تتامىش والواقع املعاش‪.‬‬
‫األخرى ّ‬
‫وهذا الواقع هو مساهمة االتحاد العام التونيس للشغل يف التحرير‬
‫الوطني‪ ،‬وهو سعيه إىل العمل إلكساب تونس املستقلّة إدارة عرصيّة‪،‬‬
‫وهو مساهمته الفعل ّية االيجاب ّية يف بناء اقتصاد وطني دميقراطي أكرث‬
‫ما ميكن‪ ،‬وهو عمله املتواصل يف تحقيق السعادة والسلم والحريّة لكلّ‬
‫الناس بدون أي ميز بينهم‪ .‬والواقع أيضا بالنسبة لتونس الحديثة هو‬
‫السلم االجتامع ّية املستق ّرة بفضل الحركة النقاب ّية‪ ،‬رغم انعدام التفاوض‬
‫مع األعراف‪ ،‬ورغم األخطاء التي ارتكبتها الحكومة يف امليدان االقتصادي‪.‬‬
‫فتشبيه االتحاد بالنقابات املسامة بالثوريّة التي تريد فرض ديكتاتوريّة‬
‫الربوليتاريا‪ ،‬ح ّجة ال ميكن أخذها بعني االعتبار‪ ،‬ألنها ال عالقة لها بفلسفة‬
‫االتحاد بامل ّرة‪ .‬بل ال ميكن أخذها بعني االعتبار إال من طرف الذين يريدون‬
‫تحويل االتحاد إىل جهاز تبليغ فقط‪ .‬كام هو الشأن يف البلد الذي يسود‬
‫فيه هذه الديكتاتوريّة املزعومة للطبقة العاملة‪ .‬إن االتحاد العام التونيس‬
‫للشغل الذي كان الق ّوة الثانية يف األ ّمة بعد الحزب‪ ،‬عرف نفس املصري‬
‫الذي تر ّدت فيه بقيّة املنظّامت القوميّة األخرى‪ .‬إن النتائج ستكون خطرية‬
‫ج ّدا أل ّن املآل الذي آلت إليه هاتان الق ّوتان خلّف فراغا كبريا‪ ،‬والطبيعة‬
‫التي متقت الفراغ الذي ميكن أن يس ّد من حني آلخر‪.‬‬
‫السهل التأكيد بأ ّن‬
‫فإذا أثرنا موضوع التمثيل الوطني‪ ،‬فإنّه يكون من ّ‬
‫مجلس األ ّمة ليس إالّ صورة مش ّوهة ملا أق ّره الدستور‪ .‬إ ّن متثيل املواطنني‬
‫يعكسه شعور الخيبة والحزن‪ ،‬بعد اآلمال التّي غذّاها االستقالل‪ .‬لقد كان‬
‫املجلس التأسييس يتمتّع بثقة أكرث من طرف الشّ عب رغم كونه انتخب‬
‫يف ظروف صعبة يف ظروف صعبة بالنسبة للبالد‪ .‬فقد متّت عمليّة انتخاب‬
‫سنة ‪ 1956‬يف نطاق تع ّدد األحزاب‪ ،‬ويف ج ّو من الحريّة الواسعة‪ .‬فقوائم‬
‫الجبهة الشعبيّة أع ّدت بطريقة جامعيّة‪ ،‬وبعد استشارة دميقراطية‬
‫للقاعدة يف كلّ منظّمة قوم ّية‪ .‬وإىل جانب ذلك‪ ،‬ق ّدمت قامئات منافسة‬
‫يف كثري من ال ّدوائر‪ .‬ث ّم كانت االنتخابات الترشيعيّة األوىل التي متّت يف‬
‫ظروف أسوأ من انتخابات املجلس التأسييس عىل اثر التقسيم اإلداري‪،‬‬
‫تغيري القانون االنتخايب يف اتجاه الرصامة‪ .‬فالقامئات تم إعدادها من طرف‬
‫الحزب‪ ،‬لكن الديوان السيايس ناقشها وان مل تقع استشارة املنظامت‬
‫القوميّة أو القاعدة بصورة ج ّدية‪ .‬أما االنتخابات الترشيعيّة الثانية التي‬
‫جرت يف نوفمرب ‪ ،1964‬فإنّها كانت نهاية الدميقراط ّية‪ .‬ومل تتق ّدم أيّة‬
‫قامئة منافسة بعد حلّ األحزاب‪ .‬وحتى الديوان السيايس مل يستطع درس‬
‫القامئات املرشّ حة بإسم الحزب‪ .‬فكان يجهل أين أع ّدت هذه القامئات‪،‬‬
‫وكيف أع ّدت ومن أع ّدها‪ .‬ومل تقع استشارة املرشّ حني رؤساء القامئات‬

‫يف تشكيلها‪ .‬وهكذا أصبحنا ننظّم أغرب انتخابات يف الدنيا بعد ‪ 9‬أعوان‬
‫من االستقالل‪ ،‬كان أوىل أن تس ّجل أثناءها الدميقراطيّة أشواطا يف طريق‬
‫التق ّدم‪ ،‬بعد تد ّرب الشعب عىل مامرستها‪.‬‬
‫كان بعض الحزبيني‪ ،‬ومن ضمنهم مرشّ حون‪ ،‬يتساءلون فيام بينهم ملاذا‬
‫تنظّم الحكومة انتخابات؟ ملاذا كلّ هذه املصاريف‪ ،‬وكلّ هذه املشاق‬
‫لإلتيان بالناخبني‪ ،‬ودعوتهم إىل وضع الورقة الوحيدة التي عىل ذ ّمتهم يف‬
‫صندوق االقرتاع بدون أ ّي إمكانية االختيار؟ فاعتبارا إىل أن اختيار الن ّواب‬
‫يت ّم مس ّبقا‪ ،‬فإنّه من األجدى تعيينهم بأمر وبربح الوقت واملال والجهد‬
‫ملا فيه خري الشعب بأرسه‪ .‬وذهب بعضهم أثناء هذه الحديث إىل وصف‬
‫احد األنظمة العسكريّة بالتعقّل ألنّه يرتك ألعضاء حزبه الواحد حريّة‬
‫التنافس يف االنتخابات النيابيّة قصد التع ّرف عىل األكرث متثيال من بينهم‪.‬‬
‫وهم بالطّبع يربزون هكذا الفارق بني ال ّنظامني لفائدة ال ّنظام اآلخر‪ ،‬ال‬
‫لفائدة ال ّنظام التونيس‪.‬‬
‫وقد رأيت شخص ّيا مشهدا يدلّ بوضوح كامل عىل الكيف ّية التي يحكم‬
‫الشعب عىل انتخاباتنا‪ .‬حدث ذلك يف مكتب اقرتاع نسايئ بإحدى قرى‬
‫دائريت‪ :‬دخلت امرأة مكتب االقرتاع‪ ،‬وبعد التح ّية واالنتظار‪ ،‬جاء دورها‬
‫فوضعت عىل املكتب بطاقات لخمسة ناخبني«جئت ألص ّوت لنفيس‪،‬‬
‫وألربع جارات يل‪ .‬فقد اضطررن للبقاء باملنزل إلعداد الطّعام قبل عودة‬
‫أزواجهن من الحقل‪ ،‬باإلضافة أ ّن له ّن أطفاال»‪.‬‬
‫فأجابتها رئيسة املكتب‪« :‬التصويت فردي‪ ،‬وال يجب أن يص ّوت إنسان‬
‫إال لنفسه»‪.‬‬
‫فقالت املرأة‪« :‬ليس هناك أي فرق»‪.‬‬
‫أجابت الرئيسة‪« :‬ال األمر ليس نفس الشيئ‪ ،‬فاالنتخاب واجب وطني عىل‬
‫كلّ تونيس أن يقوم به شخص ّيا‪ ،‬فيجب عىل جاراتك أن يتعلّمن التصويت‬
‫فقويل له ّن بأن يأتني مثلك»‪.‬‬
‫فقالت املرأة‪« : :‬لكنه ّن ص ّوتن من قبل يا‬
‫س ّيديت مثلام نص ّوت اليوم‪ .‬إنهن يعرفن وضع‬
‫الصندوق‪ ،‬وأنا سأفعل ذلك نيابة‬
‫ورقة يف ّ‬
‫عنه ّن»‪.‬‬
‫قالت الرئيسة‪« :‬ال يا سيّديت‪ ،‬القانون مينع‬
‫ذلك‪ ،‬ويجب عىل جاراتك أن يؤ ّدين واجبه ّن‬
‫الوطني»‪.‬‬
‫قالت املرأة‪« :‬واجبنا الوطني‪ ،‬نحن نعرفه‪،‬‬
‫ومنذ زمان أما تذكرين‪ ،‬ملا قام الجيش‬
‫الفرنيس باخرتاق حيّنا‪ ،‬فأحرقت منازلنا‪،‬‬
‫واستنطقنا من قبل أعوان الجندرمة‪ ،‬أنا‬
‫وجارايت بينام كان أبناؤنا يبكون»‪.‬‬
‫قالت الرئيسة‪ « :‬نعم يا س ّيديت‪ ،‬هذا واجب‬
‫آخر يجب القيام به»‪.‬‬
‫قالت املرأة‪« :‬أ ّي واجب؟ ينادوننا ويح ّملوننا‬
‫مشاق ال فائدة منها‪ ،‬ألين نفيس لن آيت يف‬
‫املستقبل مثل ما فعلت األخريات»‪.‬‬
‫ث ّم نظرت إ ّيل وأضافت قائلة‪« : :‬إين ارفض أن أقوم بهذا العمل حتى‬
‫هذه امل ّرة»‪ .‬وأخذت البطاقات الخمس و انرصفت‪ .‬وخرجت بدوري‬
‫من املكتب مضطربا وق ّررت إنهاء جولتي‪ .‬والتقيت بصديق يف طريق‬
‫فقصصت عليه املشهد الذي عشته‪ .‬فضحك ّن هناك من يص ّوت يف مكانها‬
‫إذا مل تتول هي التصويت بنفسها»‪.‬‬
‫فقلت له كيف ذلك‪« :‬األمر عىل غاية البساطة‪ .‬إذ كان عدد املقرتعني‬
‫الصناديق لتظهر النسبة طيّبة»‪.‬‬
‫ضعيفا متأل ّ‬
‫وتو ّجهت يف الحني إىل الوايل وطلبت منه أن تعطى التعليامت لئال تقع‬
‫مثل هذه العامل‪ .‬فطأمنني وقال أن األمر حدث عىل نطاق ض ّيق وانه ن ّبه‬
‫السابقة‪ ،‬وأنّه‬
‫كلّ مكاتب االقرتاع بوجوب عدم تكرار أخطاء االنتخابات ّ‬
‫ال يعتقد أن العمل ّية ستتج ّدد‪ .‬ويف املساء رويت كلّ ما حدث يف النهار‬
‫لرفاقي املسؤولني بالشعب‪ ،‬وكان ذلك يف نادي الحزب‪.‬‬
‫فقالوا‪ّ :‬‬
‫«انك حقّا تجهل كلّ يشء»‪.‬‬
‫قلت‪« :‬ما األمر إذن‪.» :‬‬
‫قالوا‪« :‬حشو الصناديق عمل ّية كثريا ما تحدث‪ ،‬مبا أن النواب املرشحني‬
‫ال يريدون حضور عمليّة ع ّد األصوات‪ .‬وملاذا هم يضيعون وقتهم مبا انه‬

‫ال وجود لقامئة منافسة؟ أتذكر مل ّا ق ّدمت قامئة شيوع ّية يف جهتنا‪ ،‬رابط‬
‫أصدقاؤنا باملكتب ومل يبارحوه بامل ّرة‪ .‬ك ّنا وخصومنا ننظر بعضنا البعض‬
‫نظرة املتنازعني‪ .‬أما اآلن فقد زال ال ّنزاع بزوال املتنازعني »‪.‬‬
‫وأراد مخاطبي ‪ -‬والذي يتح ّدث بلهجة ال هي ج ّدية وال هي هزل ّية –‬
‫أن يزيد يف مضايقتي‪ ،‬فقال‪« :‬هناك أيضا تكييف نتائج االنتخابات‪ ،‬وهو‬
‫يتحصل يف مستوى الوالية‪ ،‬عىل أغلب ّية‬
‫يتمثّل يف جعل السيد الرئيس ّ‬
‫تتحصل‪ ،‬ألنّك عىل رأس القامئة‪ ،‬عىل أكرث‬
‫األصوات ويف جعلك آنت مثال ّ‬
‫من رفاقك يف القامئة»‪.‬‬
‫كان لهذا الكالم أسوأ الوقع ع ّيل‪ .‬وبينام واصل رفاقي حديثهم‪ ،‬وكنت‬
‫ال أفقه ما يقولون رجعت يب الذّاكرة إىل ذات يوم ك ّنا أنا وبعض اإلخوة‬
‫من الديوان السيايس مجتمعني حولكم بقرص الرئاسة‪ ،‬وقد أثرنا موضوع‬
‫الثورة الجزائريّة التي كانت يف بداياتها‪ .‬لقد الحظتم وقتها بعد فرتة من‬
‫الصمت قائلني‪ « :‬ولنذكر أن هذه الحرب اندلعت أل ّن الجزائريني خدعوا‬
‫ّ‬
‫وخاصة بتزييف االنتخابات»‪.‬إن هذه العبارة مازال صداها يرت ّدد‬
‫دامئا‪ّ ،‬‬
‫يف ذهني‪.‬‬
‫ومنذ أسبوعني تقريبا‪ ،‬وعىل اثر محارضة ألقيتها بجامعة كاليفورنيا‬
‫الجنوب ّية حول األحزاب الواحدة يف العامل الثالث‪ ،‬تهاطلت ع ّيل األسئلة‬
‫وكنت أجيب عنها كلّها بسهولة‪ .‬وملا اقرتبنا من النهاية‪ ،‬قام احد‬
‫الحارضين – وقد الزم الصمت م ّدة النقاش – وألقى ع ّيل سؤاال وعالمة‬
‫االنتصار بادية عل وجهه‪ ،‬انتصار الذي يلقي سؤال تعجيزيا‪ ،‬قال‪« :‬أخربت‬
‫وكاالت األنباء هذا الصباح عن حدوث مؤامرة تبعها انقالب يف نيجرييا‬
‫تفسون‬
‫أكرث البلدان دميقراطية يف إفريقيا‪ ،‬ورمبا يف العامل الثالث‪ .‬كيف رّ‬
‫هذا الحدث والحال أن نظام الحكم بنيجرييا ليس نظام الحزب الواحد»‪.‬‬
‫أجبته‪« :‬لست عىل علم بهذه األحداث التي ذكرتها يل‪ ،‬لكن الجواب عن‬
‫سؤالك سهل‪ .‬لقد وقع تزوير االنتخابات منذ‬
‫عام ونصف تقريبا يف نيجرييا‪ ،‬وتواصلت‬
‫أعامل التزوير منذ ذلك الوقت‪ ،‬إن خداع‬
‫الشعب ال ميكن أن يدوم إىل ما النهاية»‪.‬‬
‫ولرنجع اآلن إىل مجلس األمة التونيس‪ ،‬ولنق ّر‬
‫أنّه ال ميلك شيئا من السلطة الترشيع ّية‬
‫الحقيقيّة‪ .‬فهو مورد ارتزاق بالنسبة للبعض‬
‫ومكافأة للبعض اآلخر‪ ،‬لك ّنه ميثّل بالنسبة‬
‫لبعض الن ّواب األمل يف إحالل الدميقراطيّة‪،‬‬
‫وهو مل يتالىش من يوم إىل يوم ولألسف‬
‫نصا‬
‫الشديد‪ .‬فاملجلس النيايب مل يناقش ّ‬
‫واحدا ق ّدمه ببادرة منه‪ ،‬والحال أ ّن له أن‬
‫يفعل ذلك متاما مثل الحكومة‪ .‬ومع ذلك هو‬
‫ق ّدم يف البداية ثالثة مشاريع‪ ،‬لكن السلطة‬
‫التنفيذيّة مل تتابعها‪ .‬والحظ الن ّواب الذين‬
‫لقوا نسخة من تلك املشاريع الحظوا سكوت‬
‫الحكومة‪ ،‬وفهموا جيّدا وأدركوا غاية اإلدراك‬
‫خاصة وا ّن أخطر القوانني‪ ،‬وأه ّمها حيويّة‬
‫ّ‬
‫بالنسبة للبالد اتخذت بكل عجلة يف املجلس التأسييس الذي مل تكن له‬
‫صالحيات تشمل عمل الترشيع‪ .‬وفهموا أيضا ملا الحظوا أن جلّ القوانني‬
‫تس ّن أثناء عطلة املجلس يف صيغة األوامر – قوانني‪ ،‬وتت ّم املصادقة عليها‬
‫فيام بعد لقد رفض نص حكومي واحد منذ أن وجدت الحياة النياب ّية‪.‬‬
‫ورغم ذلك‪ ،‬كان هذا املوقف فرصة للّوم والعتاب‪.‬‬
‫رشع بصورة‬
‫الواقع أن مجلسا صغريا يرتكّب من ‪ 90‬نائبا ال يستطيع أن ي ّ‬
‫خاصة وان ما يقرب من خمسة ينتمون إىل السلطة التنفيذيّة‬
‫مجدية ّ‬
‫(وزراء‪ ،‬سفراء‪ ،‬رؤساء دواوين‪ ،‬شيخ مدينة تونس املعينّ ‪ ،‬الخ‪ .)...‬فوجود‬
‫أعضاء السلطة التنفيذية بصفتهم مسؤولني أمام الرئيس فقط‪ ،‬أمر يفسد‬
‫نزاهة التصويت‪ ،‬وليس هنالك إذن ما يدعو إىل االستغراب من كون‬
‫املجلس مل يأخذ أي قرار جريء واقترص دامئا عىل التسجيل وعىل املصادقة‬
‫خاصة يف املسائل الها ّمة‪.‬‬
‫عىل القرارات الحكوميّة‪ّ ،‬‬
‫السائد يف البالد حيث‬
‫وميكن تفسري هذه السلب ّية كذلك بالج ّو العام ّ‬
‫انعدام السلطة الثالثة‪ ،‬يجعل النائب تحت رحمة السلطة التنفيذيّة‪ ،‬شأنه‬
‫يف ذلك شأن أي مواطن‪ .‬وما يزيد هذه الحقيقة تأكيدا هو أن الفضل‬
‫يف ارتقاء النائب إىل هذه املسؤوليّة‪ ،‬يعود عىل السلطة التنفيذيّة‪ .‬وقد‬
‫كانت الجلسة األخرية التي عقدها املجلس مبناسبة رفع الحصانة الربملان ّية‪،‬‬
‫والتي حرضتها كانت منوذجا مثاليا لعمل املجلس‪ .‬فكلّ اإلجراءات األصليّة‬

‫في تونس يمنع‬
‫اإلنسان من العمل‬
‫حسب ذوقه‪ .‬ذلك‬
‫أن أي جاهل تكون‬
‫له أ ّية صفة سياس ّية‬
‫التدخل‬
‫له ّ‬
‫الحق في ّ‬
‫في األنشطة الفن ّية‪.‬‬

‫الخميس ‪ 13‬أكتوبر ‪ - 2016‬املوافق لـ ‪ 11‬محرم ‪ - 1438‬الذاكرة النقابية‬

‫‪14‬‬
‫املعروفة‪ ،‬واملعمول بها يف هذا األمر‪ ،‬وقع إهاملها بإمعان‪ .‬ومل يقع حتى‬
‫احرتام النظام الداخيل للمجلس‪ ،‬لجعل الحملة املنظّمة تربز بوضوح‪ .‬لكن‬
‫هذا ليس إال جزئ ّية ال قيمة لها باملقارنة مع هذا املشكل األسايس يف كلّيته‪.‬‬
‫املؤسسات‪ ،‬ميكن التأكيد بأنّه عمل ّيا ال توجد حال ّيا إال‬
‫وتلخيصا ملا يه ّم ّ‬
‫رصف‬
‫السلطة التنفيذيّة لتسيري البالد‪ ،‬ومن حولها الفراغ الكامل‪ .‬وهي تت ّ‬
‫حسب مشيئتها‪ .‬وما يزيد يف جعل هذه الحالة محزنة هو أن الشعب‬
‫أخذ يف االنفصال عنها حني أن الحالة تزداد سوءا من يوم إىل يوم يف كلّ‬
‫الحاالت‪.‬‬
‫انه ليس من الفائدة يف يشء أن نصف هذه املظاهر يف امليدان االقتصادي‪،‬‬
‫فاملأزق ج ّيل واضح ال يستوجب رشحا قد يأخذ حيزا واسعا هنا إن وقع‬
‫تناوله‪ .‬ولهذا املأزق أسباب معلومة جيّدا (التسرييّة الصارمة املصحوبة‬
‫باالرتجال‪ ،‬وبريوقراط ّية ال مسؤولة ألنها ليست مراقبة من طرف الرأي‬
‫العام‪ ،‬عالقات ال تعرف االستقرار مع الدول األجنبية التي نتعامل معها‬
‫فتتأثر بها مبادالتنا‪ ،‬الخ‪ .)...‬ويضاف إىل هذه األسباب فتور العامل ورجال‬
‫األعامل بعد ما تبينّ أن جهودهم ذهبت سدى‪ .‬فلوال اإلعانة األجنبية‬
‫لعرفت البالد املجاعة باإلضافة إىل البطالة التي تنترش باستمرار‪.‬‬
‫ويف نفس الوقت‪ ،‬تتكون طبقة جديدة ترثي عىل حساب الشعب الذي‬
‫يغرق يف الفقر والبؤس والرشوة‪ ،‬وقد عادت إىل السطح بعد ما اضمحلّت‬
‫الست األوىل من االستقالل‪ .‬انه السباق نحو تجميع الرثوات‬
‫يف السنوات ّ‬
‫ببناء القصور الحقيقيّة وامتالك الضيعات‪ ،‬وبالنسبة للحذرين‪ ،‬تهريب‬
‫األموال إىل الخارج‪ .‬وبدون أن نعمم‪ ،‬نالحظ أن هذا الوباء أصاب موظّفني‬
‫ومسؤولني سامني يف الدولة‪ .‬وبذلك هم يعطون املثال للشعب الذي‬
‫يراقبهم‪ .‬هل بهذا يعربون عن ثقتهم يف النظام الذي هم يف خدمته؟‬
‫انه سلوك يدل عىل انعدام الثقة يف مستقبله‪ .‬وعند اإلشارة األوىل لخطر‬
‫يه ّددهم‪ ،‬سيكونون يف حالة هلع‪ ،‬وستكون أوىل حركة يقومون بها هي‬
‫الركض نحو رشكات الطريان أو الحدود كام حدث ذلك ذات م ّرة‪.‬‬
‫كل هذا ورئيس الجمهوريّة هو الوحيد أو احد القليلني الذين يعتقدون‬
‫أن كلّ يشء يسري عىل أحسن ما يرام يف البالد‪ ،‬وان تسيري األمور سليم‪،‬‬
‫وان البالد تتق ّدم يف كلّ املجاالت‪ .‬انه ال ميكن أن ننكر أ ّن قلّة من ال ّناس‬
‫الصالح العام‪ .‬وميكن أن نذكر من بينهم‬
‫يسخّرون كلّ قواهم لخدمة ّ‬
‫بعض املناضلني القدماء‪ ،‬وقدماء القادة الذين ما انفكّوا يعملون منذ‬
‫بداية الكفاح التحريري إىل اليوم‪ ،‬مبا يف ذلك القضاء عىل مشاكل عودة‬
‫الث ّوار ومقاومة الفوىض وإرساء اإلدارة عىل أسس صحيحة‪ ،‬إدارة معركة‬
‫أو معارك الجالء وتركيز سمعة تونس يف الخارج وحرب الجزائر الخ‪ ...‬أن‬
‫العمل عند هؤالء عادة أو لعلّه «روتني»‪ ،‬كام هو شان شاريل شابلني يف‬
‫احد أفالمه‪.‬‬
‫لكن البقيّة‪ ،‬أي عموم ال ّناس‪ ،‬فإنهم توفّقوا إىل مسلك آخر بعد ما اكتشفوا‬
‫أن ال فائدة ترجى من تحمل املشاق مبا أن املجازاة ليست من نصيب‬
‫من يستحقّونها بل أن األقل استحقاقا واألكرث تالعبا هم الذين ينالون‬
‫املكافآت يف أكرث األحيان‪ .‬إن الطباع تغريت متاما حسب معطيات املرحلة‪.‬‬
‫فالعمل أصبح إهامل تام يف املكاتب‪ ،‬واملعامل حيث ينقيض الوقت يف‬
‫قراءة الجرائد يف الصباح‪ ،‬ويف التعليق عليها بعد الظّهر‪ .‬واالعتقاد السائد‬
‫إن الرأي العام ال يعلم شيئا من ذلك‪ ،‬وانه حتى إذا ما علم – والجميع‬
‫يعلم انه يعلم – فانه ال يقدر عىل يشء ألنه مك ّمم‪ .‬بقي الرئيس‪ ،‬لكن‬
‫ال يستطيع تبليغه األمر؟ فحتى املخلصون من الذين يتصلون به ال‬
‫يستطعون مفاتحته يف عيوب النظام‪ ،‬ألنه يغضب لعلم مثل هذه األمور‪.‬‬
‫وبذلك سادت الالمسؤولية وعها الالعقاب‪.‬‬
‫ولنتوقف قليال عند موضوع الصحافة وحريّة التعبري‪ .‬كل الجرائد تتقاىض‬
‫منحا‪ ،‬ولذلك فهي مك ّبلة‪ ،‬وهي عىل أية حال قليلة‪ ،‬إذ ال متثّل ربع ما‬
‫كان موجودا سنة ‪ .1937‬ومع ذلك فهي فارغة‪ ،‬تنرش نفس النصوص‬
‫التي تز ّوده بها الوكالة الرسم ّية لألنباء‪ .‬فعندما نقرأ جريدة عرب ّية‬
‫وأخرى باللغة الفرنس ّية‪ ،‬نكتشف مدرسة ممتازة للرتجمة بالنسبة لكل‬
‫من يريد إتقان اللغتني‪ .‬لكن ال احد يقرؤها رغم االشرتاكات التي تكاد‬
‫تكون إجبارية ورغم مجهودات الحزب والحكومة‪ .‬ولذلك تفضّ ل الجرائد‬
‫األجنبية التي ميكن التعليق عىل إخبارها كام ذكرت منذ حني‪.‬‬
‫ويف امليدان الثقايف‪ ،‬تسود الجدانوفيّة‪ ،‬أي توجيه اآلداب والفنون‪ .‬وهذا يف‬
‫ح ّد ذاته ضعيف‪ ،‬وهو ضعيف ج ّدا بالنسبة إىل ما ميكن أن تخلقه نخبة‬
‫تنتمي لبلد ذي حضارة عريقة وثقافة مزدوجة كتونس‪ .‬إن التعبري مدح‬
‫فقط‪ .‬وبالتايل يقع االرتداد إىل املنشورات األجنبية التي متثل أكرث من‬
‫ثلث االستهالك‪ ،‬وهكذا تخرس البالد مقادير هامة من العملة حسب ما‬

‫الخميس ‪ 13‬أكتوبر ‪ - 2016‬املوافق لـ ‪ 11‬محرم ‪ - 1438‬الذاكرة النقابية‬

‫أثبتت ذلك دراسات ج ّدية يف هذا املجال‪ .‬ويف حني تبقى صناعة الكتاب‬
‫محرومة من عرشة آالف موطن شغل بصورة إجاملية‪ ،‬وهو رقم ال بأس به‬
‫بالنسبة لبلد كتخلّف كتونس‪ .‬عىل إن املظهر األكرث أهمية لهذه املسالة‪،‬‬
‫هو بطبيعة الحال الذي يتعلق بامليدان السيايس‪ ،‬وتط ّور نفس ّية الحكومة‪،‬‬
‫املسؤولة الوحيدة عىل تسيري الشؤون‪ .‬ذلك أن هذا النقص يف اإلعالم عن‬
‫املعطيات الحقيق ّية للبالد يعود بالوبال عىل الحكومة بالدرجة األوىل‪،‬‬
‫فتجد نفسها تتخذ مواقف ال تعتمد عىل املعطيات الحقيق ّية التي من‬
‫شأنها أن تحتّمها‪.‬‬
‫بدون أي رغبة يف التهويل‪ ،‬واعتامدا عىل املالحظة فقط‪ ،‬بات من الثابت‬
‫إن النظام اليوم يف عزلة يف الداخل والخارج‪ .‬ويجدر أن نرتك موضوع‬
‫العزل يف الخارج جانبا هنا وال نتعرض إليه‪ .‬لكن يف الداخل‪ ،‬ال وجود ألية‬
‫عالقة متينة ومتواصلة بني الشعب وحكومته‪ .‬هناك ال محالة بعض األفراد‬
‫وبعض املجموعات يحومون حول الرئيس الذي ميسك كل السلط‪ .‬لكن‬
‫جلّهم تح ّركهم مطامحهم‪ .‬فالتدبري األكمل يتمثل يف التقرب من الرئيس‬
‫يف عهدنا لحارض‪ .‬ويف سبيل تحقيق هذا الهدف تقام األحالف‪ ،‬وتتكون‬
‫املجموعات عىل أنقاض مجموعات أخرى‪ .‬فكل شخص مبقدوره االقرتاب‬
‫من الرئيس يستنجد به‪ .‬واملعروفون من الناس باتصالهم به هم محل‬
‫مجاملة وتوسل مغر‪ ،‬وحتى محل مالحقة مضجرة من طرف مختلف‬
‫املجموعات‪ .‬كذلك لهم أصدقاء كثريون‪ ،‬وكل صديق منهم يداعبه األمل‬
‫يف أن تقال عنه كلمة خري مبناسبة حديث مع الرئيس‪ .‬ميكن أن تكون الن ّية‬
‫املس من خصم‪ .‬وهكذا استق ّرت النميمة والوشاية بدون‬
‫سيّئة‪ ،‬وتتمثّل يف ّ‬
‫أن يقع إثبات االفرتاء بطريقة املواجهة‪ .‬وبطبيعة الحال‪ ،‬فان الكفّة متيل‬
‫لفائدة من يتف ّنن أكرث يف مثل هذه املناورات‪.‬‬
‫وتتواصل املرسحيّة باطراد‪ .‬لقد بدا هذا السلوك يربز منذ تأكد االنتهازيون‬
‫عىل اختالف فئاتهم من أن االستقالل أصبح‬
‫حقيقة ملموسة‪ ،‬ثابتة ال رجوع فيها وال‬
‫تراجع‪ .‬عندها رأيناهم كالحلزون بعد نزول‬
‫املطر يربزون قرونهم باحتشام‪ ،‬ثم يزحفوا‬
‫بهدوء ليواصلوا سريهم‪ .‬وكان الرئيس يف‬
‫البداية يالزم الحذر ألنه وقع تنبيهه وألنه‬
‫اعترب من تجاربه‪ ،‬لكنه فيام بعد‪ ،‬ترك‬
‫نفسه من حيث ال يشعر‪ ،‬يقع تحت تأثري‬
‫لهجة الصدق لهؤالء املتسولني املتنكرين يف‬
‫شكل ناصحني متطوعني‪ .‬فأمكن لهم بحكم‬
‫املثابرة عىل الدناءة‪ ،‬أن يطبعوا بطابعهم‬
‫اخطر القرارات التي اتخذها الرئيس‪.‬‬
‫وهكذا خرجت سياسة الحكومة تدريجيا‬
‫عن املنطق الذي يفرض أن تتخذ به‬
‫القرارات يف هذا املستوى بعد النقاش‪،‬‬
‫ومكافحة اآلراء يف مجتمع مسؤول وله‬
‫الصالحيات لذلك‪ .‬وهكذا متلك الرئيس‬
‫الشعور بل اليقني بأنه هو الحاكم وان‬
‫حكمه صالح‪ ،‬دون أن يلمح القوى الخف ّية واملتضاربة يف كثري من األحيان‪،‬‬
‫التي يستوحي منها عمله بصورة غري مبارشة‪ .‬هذا الشعور‪ ،‬أال تؤكده‬
‫اليوم مظاهر االرتياح والتأييد التي يشاهدها دامئا ويف كل مكان‪ .‬ها هي‬
‫الصحافة واإلذاعة والتصفيق واالنجازات والتدشينات‪...‬إن كل يشء يسري‬
‫عىل أحسن ما يرام واملستقبل وردي‪ .‬لكنه ال يقف هان الناس أصبحوا‬
‫عىل بيّنة‪ .‬فبينام يراقب الشعب ويعلم الحقيقة امل ّرة للواقع الذي يدور‬
‫أمام عينيه يف هذه ال ّدار البلوريّة‪ ،‬ال يرى اآلخرون‪ ،‬أي الذين يسعون إىل‬
‫الخاصة فقط‪ ،‬إال جهازا عظيام للمغالطة‪ .‬وهؤالء ما يه ّمهم‪،‬‬
‫قضاء مآربهم ّ‬
‫تجميل سمعتهم ليصل خربها إىل الرئيس‪.‬‬
‫وهنا تأيت املظاهرات التلقائ ّية والقصائد الشعريّة والندوات الصحف ّية حول‬
‫كلّ يشء وال يشء‪ ،‬وبناء ما ت ّم بناؤه بعد‪ ،‬وتدشني ما دشّ ن م ّرتني أو ثالث‪،‬‬
‫والجوالت التفقّدية وما يتبعها من ضجيج‪ ،‬فاإلجراءات التأديب ّية املتف ّرقة‬
‫إلرجاع الضّ الني إىل الجا ّدة‪ ،‬والترصيحات يف املطار وهل ّم ج ّرا‪ .‬لكن هذه‬
‫املظاهر كلّها ال تخلو من نقطة زيف‪ ،‬إذ نكاد نجد يف كلّ الترصيحات‬
‫نفس الكالم تقريبا‪ :‬عمال بأوامر السيّد الرئيس الذي كلّفني بتبليغكم‪ ...‬أن‬
‫هذه الجمل تعبرّ عن كون املتكلّم‪ ،‬ألنه غري مقتنع مبا يقول‪ ،‬ومبا يفعل‪،‬‬
‫يتج ّنب تح ّمل أيّة مسؤوليّة حرصا منه عىل ضامن املستقبل‪ .‬فإذا جاء‬
‫اليوم الذي يحاسب فيه عىل أعامله‪ ،‬يستطيع أن يقول انه كان مج ّرد‬
‫منفّذ‪ ،‬وقد يدخل ذلك عىل األقل يف اعتبار ظروف التخفيف‪.‬‬

‫س ّيدي الرئيس‪،‬‬
‫أردت بهذه الرسالة تبليغ صوت مناضل تعرفونه ج ّيدا وال تجهلون أفكاره‬
‫التي ليست جديدة عليكم‪ .‬إن املجال ضيّق وال يسمح يل يف وثيقة كهذه‪،‬‬
‫مع األسف‪ ،‬بتدعيم ما جاء يف هذه الرسالة القصرية باألرقام والتواريخ‬
‫والتوضيحات األخرى يف شان هذا التط ّور لألوضاع الذي أثرته والذي‬
‫أخذت منه موقفا مخلصا مبناسبة قطع كل مرحلة من مراحلها‪ ،‬لتقويم‬
‫االتجاه‪.‬‬
‫واعتقد صادقا أنني تابعت األحداث يف مظاهرها بوضوح كامل يف الرأي‪.‬‬
‫لقد انبثقت من الشعب وارتقيت إىل كل املستويات النقابية والسياسية‬
‫بوسائيل الخاصة‪ ،‬وبقيت عىل اتصال دائم بالشعب رغم مكانتي‬
‫االجتامعية العالية واالنتقادات واالفرتاءات التي أثارتها وضعيتي حويل‪،‬‬
‫ووجدت نفيس قادرا عىل اإلجابة عن كل األسئلة التي كانت تطرح ع ّيل‬
‫يف املستوى العمومي‪ ،‬إال سؤال واحد فقط وهو‪ :‬هل حقّا يحتاج الس ّيد‬
‫بورقيبة إىل كلّ هذا؟ كثريا ما ألقيت هذا السؤال عىل نفيس‪ ،‬ومل أجد له‬
‫جوابا رغم كل االفرتاضات التي رسمتها‪.‬‬
‫فلو افرتضنا أن بورقيبة يرى من الرضوري أن يبقى يف الحكم أطول وقت‬
‫ممكن لبناء مستقبل البالد عىل قواعد متينة‪ ،‬إلميانه برسالتها لتاريخ ّية‪،‬‬
‫وللدور الذي يرى من واجبه أن يقوم به‪ .‬فهل مينعه ذلك من توخي‬
‫سياسة الدميقراط ّية؟‬
‫هل هذه الطريقة األسلم والتي من شانها أن تبقيه برئاسة الجمهوريّة؟‬
‫وهل من الرضوري‪ ،‬لضامن ذلك‪ ،‬أن يلتجئ إىل طرق بالية تتمثل يف تحوير‬
‫التشكيلة الحكومية أو تغيري اعضاده من حني ألخر باالعتامد عىل تنظيم‬
‫املناورات مع بعض الجم وعات وعىل إهانة اعضاده بعزلهم أو إقصائهم‬
‫ثم إرجاعهم ملا ينتهي أمرهم؟ أو بالتدخل يف الشؤون الداخلية للمنظّامت‬
‫القوميّة التي لها ضلع يف مسك الحكم لجعلها‬
‫بال روح؟‬
‫إن هذه الطرق التي يذكرنا أسلوبها بالقرن‬
‫التاسع عرش ال ميكن أن تتصف اليوم بالشجاعة‬
‫إال يف بعض البلدان الكبرية التي تفي نفسها‬
‫بنفسها‪ ،‬والتي ال ميثّل فيها مثل هذه التكتيك‬
‫إال قطرة من محيط‪ .‬إنها بال قيمة يف بلد صغري‬
‫مثل تونس حيث ال يخفى يشء عن معرفة‬
‫الناس أل ّن كلّ الناس يعرفون بعضهم البعض‪.‬‬
‫إنها بالعكس تغذّي االنتهازيّة والفساد بكل‬
‫أنواعه‪ ،‬وانحالل األخالق السياسية يف مستوى‬
‫الشعب بأرسه‪ ،‬وبالتايل تح ّط من قيمة النظام‪،‬‬
‫واىل جانب ذلك يلتقي الشعور بالضيق يف‬
‫املستوى الشعبي مع الحقد الذي ال ينمحي‬
‫لدى اإلطارات املهانة حتى وان وقع تأهيلهم‬
‫وترشيفهم‪.‬‬
‫إن تدهور وضعيتنا التي كانت عىل أحسن ما‬
‫يكون يف البداية ينذر حاليّا بالخطر‪ ،‬يف هذه الظّرف الذي يعيش فيه العامل‬
‫وخاصة يف إفريقيا‪ .‬وقد حملنا بعد مسؤول ّية ثقيلة ج ّدا‬
‫بأرسه غليانا كامال ّ‬
‫يف تط ّور القا ّرة اإلفريقية حيث دشّ نا النظام الرئايس املعتمد عىل الحزب‬
‫الواحد‪ .‬فنحن يف عرص الرتانزيستور والعدوى ترسي برسعة‪ .‬فإذا مل نصلح‬
‫أحوالنا يف اإلبان‪ ،‬فإنّنا نخىش أن يجرفنا نحن بذاتها التيّار الذي سطّرنا‬
‫خاصة وان حدودنا سهلة العبور‪.‬‬
‫نحن أنفسنا طريقه إلفريقيا‪ّ ،‬‬
‫إن التعويل عىل سلب ّية الشعب التونيس ال يعدو أن يكون وهام ملن‬
‫يتص ّوره‪ .‬ذلك أن الشعب التونيس معدنه من الني ما يكون لكن اصلب‬
‫ما يكون‪ .‬ويجب أن ال ننىس انه التجأ أكرث من م ّرة‪ ،‬عرب تاريخه‪ ،‬عندما‬
‫انس ّدت أمامه األفق‪ ،‬إىل حرب العصابات التي يرجع الفضل يف اخرتاعها‬
‫إليه‪.‬‬
‫ما العمل إذن؟‬
‫مام ّ‬
‫الشك فيه أنكم تعرفون أحسن مني ما يجب عمله نظرا لكونكم اكرب‬
‫مني س ّنا وتحتلّون مركزا يؤهلكم أكرث مني ملعرفة ذلك‪ .‬عىل إنني سأرشح‬
‫لكم رأي علّكم تأخذونه باالعتبار‪ .‬إن بورقيبة رجل ارتقى إىل رئاسة الدولة‬
‫برصيد عظيم من الثقة الشعب ّية‪ .‬وكان يف اإلمكان اإلبقاء عىل هذا الرصيد‬
‫ابدأ لو قابلتموه من جانبكم بثقة مامثلة يف الشعب وإطاراته‪ .‬لكن هذا‬
‫مل يحصل‪ .‬بل كان أن تح ّدثتم عىل نقص يف درجة ال ّنضج يف األرياف‬
‫وعن النزعة الجهويّة‪ ،‬وهو ما يتضارب مع مواقفنا يف العهد االستعامري‪.‬‬

‫انه السباق نحو‬
‫تجميع الثروات ببناء‬
‫القصور الحقيق ّية‬
‫وامتالك الضيعات‪،‬‬
‫وبالنسبة‬
‫للحذرين‪ ،‬تهريب‬
‫األموال إلى الخارج‪.‬‬

‫‪15‬‬
‫وحتى إذا افرتضنا أن هذا الحكم صحيح‪ ،‬فامذا صنعنا إلزالة هذه النقائص‬
‫ولتعليم الشعب مامرسة الدميقراط ّية بصورة تدريج ّية؟ إن ما حصل هو‬
‫العكس‪ ،‬والدميقراط ّية ما انفكّت تضيق حدودها‪.‬‬
‫وكان رجل الشارع يف ذلك الوقت يتساءل‪« :‬هل الس ّيد الحبيب مطّلع‬
‫كام يجب عىل الحالة؟ ّ‬
‫خاصة عندما‬
‫الشك أنّهم يغالطونه»‪ .‬يقول هذا ّ‬
‫يسمع خطبكم املتفائلة وما فيها من جزئ ّيات‪ ،‬وأرقام وتوضيحات خاطئة‬
‫ألنّها مع ّدة من طرف موظّفني ال أخالق لهم‪ .‬أ ّما اآلن ومنذ ثالث سنوات‪،‬‬
‫أصبح رجل الشّ ارع ال يؤول هذا التأويل‪ .‬بل اللهجة تب ّدلت وأصبح يقول‪:‬‬
‫«أصبحنا نعلم اآلن إىل أين يسري‪ .‬إن قصده هو الضغط املتواصل دوما»‪.‬‬
‫انه باستطاعتكم تكذيب هذه التك ّهنات واملبادرة بالتفتّح بتمكني‬
‫االتجاهات الفكريّة من التعبري عن نفسها ومتكني الكفاءات من الربوز‪،‬‬
‫بكامل الحريّة‪ .‬بذلك تستطيعون‪ ،‬عىل مراحل مضبوطة بناء دميقراطيّة‬
‫حقيقية يف البالد تضمن لها االستقرار‪ .‬فيزيد مركزكم وسمعتكم تد ّعام‪،‬‬
‫وتكونون باملناسبة نفسها‪ ،‬م ّهدتم لخالفتكم لتكون سهلة وتت ّم بال امل‪،‬‬
‫وإال‪ ،‬فستكون الفوىض بعدكم‪ ،‬وعندها يكون عملكم الحارض‪ ،‬مهام كان‬
‫نبل دوافعه‪ ،‬محلّ حكم قاس لدى أجيال املستقبل‪ ،‬ويكون ماضيكم‬
‫املجيد محلّ تنكّر‪ ،‬وذلك أل ّن النهاية يف حكم التاريخ تتناول دامئا مشاهري‬
‫ال ّرجال من خالل نتائج عملهم بدون اعتبار لنواياهم أو ألعاملهم األوىل‪.‬‬
‫إن هذه األفكار ال تؤدي إىل مأزق‪ ،‬وليس أمامنا اليوم خيار آخر‪ ،‬وإمكانية‬
‫إرساء تونس دميقراطية ومستق ّرة دوما إمكانية قابلة للتحقيق‪ .‬وما تقدم‬
‫ليس من رضوب الحلم والخيال واو دان أوضح أن دعويت للدميقراطية ال‬
‫تعني فتح كل املنافذ بصورة فجئية ويف نفس الوقت‪.‬‬
‫ومن األجدى الرشوع يف هذا العمل انطالقا من الحزب واملنظامت‬
‫القومية حتى تصبح كام يجب أن يكون‪ ،‬ركائز النظام من الصلب ال من‬
‫الطوب‪ .‬وتتجسم العملية يف إحيائها من جديد فالسامح لها بتجديد بنائها‬
‫بكل ح ّرية انطالقا من القاعدة‪ ،‬حسب مقاييس أخرى – بالنسبة لكل‬
‫منظمة يكون النقاش حرا وتؤخذ القرارات بكامل الحرية‪ ،‬مع إمكانية‬

‫صورة من الذاكرة‬

‫التعبري عن اآلراء أو رشح الربامج حتى عموميا بواسطة الجرائد – حرية‬
‫اختيار املسؤولني يف مختلف الدرجات بطريقة االنتخاب – فض مشاكلها‬
‫الداخلية بواسطة مجالسها املنتخبة بحرية لهذا الغرض‪ ،‬مع إمكانية‬
‫اللجوء إىل القضاء يف حالة استئناف‪.‬‬
‫وليك تكون هذه اإلجراءات ناجعة‪ ،‬يجب أن تكون مقرونة باملنع املطلق‬
‫املجسمني للسلطة (الرشطة‪ ،‬الحرس الوطني‪ ،‬الوالّة‪،‬‬
‫لكلّ املوظّفني‬
‫ّ‬
‫املعتمدون‪ ،‬الخ‪ ،)...‬وللقضاء باالنخراط يف الجمعيّات السياسيّة ويف‬
‫النقابات املهن ّية باإلضافة إىل القضاء‪ .‬وحتى أعضاء الحزب الذين ينتمون‬
‫إىل األصناف املذكورة أعاله يجب أن يغادروه‪ .‬أما الوزراء فانه يجب أن‬
‫يوضعوا يف حالة عطلة بالنسبة للحزب‪.‬‬
‫هكذا‪ ،‬وبهذه الطريقة فقط‪ ،‬يزول الخوف والريبة‪ ،‬مع كل ما يحمالنه من‬
‫نفاق‪ ،‬وحسابات خسيسة‪ ،‬ويحلّ محلّها التنافس الرصيح السليم النزيه‪،‬‬
‫حتى زان كانت دوافعه يحركها اإلميان الصادق‪ .‬وان حدث تشكيك ما‬
‫يف حسن استعامل الح ّريات من طرف هذه املنظّامت‪ ،‬فإنه ميكن‬
‫تحكني=م القوانني الجاري بها العمل يف هذه املادة مع إدخال تنقيحات‬
‫عليها تستم ّد من األجهزة الترشيعيّة الواسعة والكثرية التنوع يف البلدان‬
‫الدميقراطية العريقة‪.‬‬
‫يخصني ال اشعر بأي تخ ّوف من هذه الناحية ألنني متيقن من‬
‫وأنا فيام ّ‬
‫أن بالدنا تزخر باإلطارات الكفأة‪ ،‬املخلصة واملستقيمة‪ .‬ويجب أن تشتمل‬
‫هذه املرحلة األوىل‪ ،‬بطبيعة الحال عىل إلغاء كلّ القوانني االستثنائيّة التي‬
‫متنح الحكّم سلطات واسعة عىل ح ّرية األفراد‪ .‬ويجدر بالخصوص تناول‬
‫القانون األسايس املتعلق مبجلس الدولة‪ ،‬وتركيز هذا املجلس يف أقرب‬
‫اآلجال‪ .‬فليس رجال القانون أو املسريون السياسيون املح ّنكون يعوزوننا‬
‫لتسيري هذه املؤسسة بالطريقة التي تتامىش واملصلحة العليا للبالد‪.‬‬
‫وميكن يف املرحلة الثانية بعد حوايل سنتني‪ ،‬أن نفكر يف تنظيم انتخابات‬
‫جديدة لنفرز متثيال وطنيا أصلح‪ .‬ويف انتظار ذلك ميكن أن متثل االنتخابات‬
‫البلديّة املق ّررة ملاي ‪ 1966‬تجربة‪ ،‬عىل رشط أن تحاط بكلّ الضامنات‬

‫الدميقراط ّية الرضوريّة‪ .‬وإذا مل تتوفر الرشوط يف ذلك التاريخ فانه ميكن‬
‫تأجيلها ملدة من الزمن واخذ ما يكفي من الوقت لتوفري تلك الرشوط‪.‬‬
‫ومهام كان من أمر‪ ،‬فان املصلحة الوطنية التي نريدها تقتيض أن تزول‬
‫الطريقة املتمثّلة يف إعداد االنتخابات يف أعىل مستوى لتوجيهها ومراقبتها‬
‫وتفسريها‪.‬‬
‫وميكن لهذا الغرض وللقطع مع مواصلة خداع املواطنني‪ ،‬ميكن تحديد‬
‫القامئات إىل ثالث أو حتى إىل اثنتني‪ ،‬وهذا اإلجراء يف حالة اتخاذه يكون‬
‫مخالفا للدستور الحايل‪ .‬لكن ليس مث ّة ما مينع من تغيري الدستور يف اتجاه‬
‫ترشيع يسمح بوجود ثالثة أحزاب أو حتى حزبني‪ ،‬ونكون بذلك أتينا‬
‫بابتكار تونيس ال ّ‬
‫شك انه سيؤيت أكله يف الوقت الذي يتس ّبب الحزب‬
‫الواحد – الذي كثريا ما يكون دستوريا – يف اخطر املصائب يف بلدان‬
‫أخرى‪.‬‬
‫المرحلة الثالثة‪ :‬العفو العام‬
‫أخريا‪ ،‬ويف مرحلة ثالثة‪ ،‬ميكنكم إعالن العفو العام لفائدة كل السياسيني‬
‫املحكوم عليهم املوجودين داخل البالد وخارجها‪ ،‬لتمكني أولئك الالجئني‬
‫املنترشين يف جهات عديدة من العامل من العودة إىل ارض الوطن وخدمة‬
‫البالد‪ .‬وكل هذا يكون عملكم املأثور وكل هذا يكون أجمل اثر لحياتكم‪،‬‬
‫األثر الذي يبوئكم مكانة ممتازة يف التاريخ‪ .‬وبذلك تكونوا قد حقّقتم‬
‫معجزتني‪ .‬وتكونوا برهنتم للعامل ولنفسكم انه ميكن إرساء الدميقراطية يف‬
‫بلد فتي‪ ،‬رغم اآلراء املخالفة للخرباء املزيّفني‪.‬‬
‫وأنا شخصيّا متيقّن من النجاح ألنني أومن راسخ اإلميان بهذه األفكار التي‬
‫فكرت فيها مل ّيا والتي من اجلها سأواصل الكفاح إىل آخر رمق يف حيايت‪.‬‬
‫ويل األمل يف أن متثل هذه الرسالة همزة وصل بيننا وتحي من جديد‬
‫الوحدة الحقيقية يف الشعور والتفكري التي جمعتنا م ّدة طويلة‪ ،‬وأعطت‬
‫أحسن النتائج لفائدة تونسنا العزيزة‪.‬‬

‫مع اخلص عواطفي أحمد التليلي‬

‫الخميس ‪ 13‬أكتوبر ‪ - 2016‬املوافق لـ ‪ 11‬محرم ‪ - 1438‬الذاكرة النقابية‬

‫‪16‬‬

‫صورة من الذاكرة‬

‫الخميس ‪ 13‬أكتوبر ‪ - 2016‬املوافق لـ ‪ 11‬محرم ‪ - 1438‬الذاكرة النقابية‬




Télécharger le fichier (PDF)

1-16.pdf (PDF, 11.3 Mo)

Télécharger
Formats alternatifs: ZIP







Documents similaires


liste legislatives france1 v3
1 1
mekati moh echaab 1
cv lettre motivation arnault gaillard
2016 03 07 annonce resp support produit formateur tracteur mb mars
book  on line

Sur le même sujet..