إبطالُ فصْل الأصُول .pdf



Nom original: إبطالُ فصْل الأصُول.pdf
Auteur: MED IBNOU ABDELLAH

Ce document au format PDF 1.3 a été généré par http://www.convertapi.com / http://www.convertapi.com , et a été envoyé sur fichier-pdf.fr le 19/10/2016 à 01:06, depuis l'adresse IP 45.216.x.x. La présente page de téléchargement du fichier a été vue 498 fois.
Taille du document: 9.5 Mo (620 pages).
Confidentialité: fichier public


Aperçu du document


‫إبطال فصل األصول‬

‫ي‬
‫الفق ي ه ال ّر با ن ّ‬
‫إب طال فص ل األ ص ول وض الل الم قاص د ي ّين‬

‫األول‬
‫الجزء ّ‬

‫إبطال فصل األصول‬
‫****‬
‫***‬
‫‪‬‬

‫رشيد بلواد‬
‫‪1438‬ه ‪2016 -‬م‬

‫‪1‬‬

‫إبطال فصل األصول‬

‫‪2‬‬

‫إبطال فصل األصول‬

‫مقدّمة الكتاب‬
‫األمين‪ ،‬وعلى آ هل هه وصحبه‬
‫سالم على مح َّمد رسو هل هه النبي األمي ه‬
‫صالة وال َّ‬
‫ب الع ه‬
‫المين وال َّ‬
‫الحمد لله ر ه‬
‫أجمعين‪ ،‬أما بعد‪...‬‬
‫العلم اليقين هو ما نزل به هه الوحي الكريم وما ثبت عن رسو هل هللا صلى هللا عليه وسلم؛ فهو العلم‬
‫ص َّحته‪ ،‬ال يماري فيه إال جهول ض َّل به جهله أو كافر ردَّ أمر ر هبه‬
‫المجيد مجاله‪ ،‬المطلق سريان ه‬
‫ت هللاه إالَّ الَّ هذين‬
‫ورغب عن الحق بكفره؛ يقول الح ُّق سبحانه وتعالى في كتابه المبين‪{ :‬ما يجا هدل فهي آيا ه‬
‫كفروا'}(غافر‪ ،)3‬ويقول َّ‬
‫ت هللاه هبغي هر سلطان آتاهم هإن هفي‬
‫عز همن ق هائل‪{ :‬إه َّن ال هذين يجا هدلون هفي آيا ه‬
‫ورههم هإالَّ هكبر ما هم بهبا هل هغي هه'}(غافر‪)55‬‬
‫صد ه‬
‫َّ‬
‫إن أج َّل حقيقة في الحقائق كلها‪ ،‬وأوالها باللزوم لمن رسخ علمه قبل غيرها‪ ،‬ال يتم هحصن العلم إال‬
‫بها‪ ،‬وال عبرة هب هادعاء من دون استيفائها وتحققها‪ ،‬هو حصول الفقه تمام الفقه واالتباع حق االتباع لقوله‬
‫السالم هدينا'}(المائدة‪)4‬‬
‫تعالى‪{ :‬اليوم أكملت لكم هدينكم وأتممت عليكم نهعمتهي ور ه‬
‫ضيت لكم ه‬
‫قال إمام أهل العلم في هذه األ َّمة أبو جعفر محمد بن جرير الطبري رحمه هللا (‪310-224‬ه)‪:‬‬
‫<اختلف أهل التأويل في ذلك؛ فقال بعضهم‪ :‬يعني جل ثناؤه بقوله {اليوم أكملت لكم دينكم} اليوم‬
‫أكملت لكم أيها المؤمنون فرائضي عليكم وحدودي‪ ،‬وأمري إياكم ونهيي‪ ،،‬وحاللي وحرامي‪ ،‬وتنزيلي‬
‫من ذلك من ذلك ما أنزلت في كتابي‪ ،‬وتبياني ما بينت لكم منه بوحيي على لسان رسولي‪ ،‬واألدلة التي‬
‫نصبتها لكم على جميع ما بكم الحاجة إليه من أمر دينكم‪ ،‬فأتممت لكم جميع ذلك‪ ،‬فال زيادة فيه بعد هذا‬
‫اليوم‪>.‬‬
‫بن صخر رضي هللا عنه قال ‪:‬‬
‫ي ومس هلم في صحيحيهما عن أبي هريرة عب هد َّ‬
‫وروى البخ ه‬
‫ار ُّ‬
‫حمن ه‬
‫الر ه‬
‫سمعت رسول هللاه صلى هللا عليه وسلم يقول‪" :‬ما نهيتكم عنه فاجتنبوه‪ ،‬وما أمرتكم هب هه فأتوا همنه ما‬
‫ه‬
‫َّ‬
‫استطعتم‪ ،‬فإنَّما أهلك الذين همن قب هلكم كثرة مسائه هل ههم واختالفهم على أن هبيائه ههم"‪.‬‬
‫‪3‬‬

‫إبطال فصل األصول‬

‫وروى أحمد وأبو داود‪ :‬عن معاوية‪ :‬أن النبي صلى هللا عليه وسلم نهى عن الغلوطات‪ ،‬وهي‬
‫ليزلوا فيها‪ ،‬فيهيج بذلك شر وفتنة‪ ،‬وإنما نهى عنها ألنها غير نافعة في‬
‫المسائل التي يغالط بها العلماء ه‬
‫الدين‪>.‬‬
‫َّ‬
‫إن هللا تعالى ج َّل جالله وتسامت حكمته تعبدنا بالعقل؛ فالعقل مناط التكليف وال تكليف أصال وال‬
‫خطاب موجه إلى من ال يعقل‪ .‬والعصمة إنَّما هي للوحي كتابا وسنة ثابتة‪ ،‬وكل ما دونه مشروع‬
‫عرضه للتمحيص‪ ،‬فما وافق الحق أ هخذ به وتقرر تداوال ودرسا‪ ،‬وما لم يوافق الحق لزم شرعا طرحه‬
‫ونبذه‪ .‬ومن بقي عليه واستمسك به من بعد ما تبيَّن له أمره واتضح حكمه فقد ضل السبيل ال مراء وكان‬
‫ضلين؛ ولعله ‪ -‬أعاذنا هللا تعالى والصادقين!‪ -‬لعله يضع نفسه فيمن ضل وكان من‬
‫من الم ه‬
‫المستبصرين‪{ :‬وعادا وثمودا وقد تبيَّن لكم همن مسا هكنه ههم وزيَّن لهم ال َّ‬
‫سبهي هل‬
‫شيطان أعمالهم فصدَّهم ع هن ال َّ‬
‫ص هرين'}(العنكبوت‪ ،)38‬وال تحسبن ما يتلى في القرآن قصصا مرت لقوم مضوا ال‬
‫وكانوا مستب ه‬
‫تعدوهم إلى غيرهم‪ ،‬إنما هي السنن شواكل قائمة بالحق إلى يوم يجمع في هللا تعالى األولين واآلخرين‪.‬‬
‫وهذه كلمة لإلمام الشافعي أعظم بنفع أثرها‪ ،‬جامعة و باقية تركها من بعده لعلهم يتذكرون‪:1‬‬
‫<وكان عليهم تكلُّف الدهالالت بما خلق لهم من العقول التي ر َّكبها فيهم‪ ،‬ليقصدوا قصد التو ُّجه للعين‬
‫التي فرض عليهم استقبالها‪.‬‬
‫‪...‬‬
‫َّ‬
‫إن هللا ج َّل ثناؤه م َّن على العباد بعقول‪ ،‬فدلَّهم بها على الفرق بين المخت هلف‪ ،‬وهداهم السبيل إلى‬
‫صا ودهاللة‪>.‬‬
‫الحق ن ًّ‬
‫ى هذا الترسيخ وبذات التأكيد والقوة عند المام أبي‬
‫كلمة ترسخت عند السلف من العلماء‪ ،‬وليتجل َّ‬
‫حامد الغزالي رحمه هللا‪:2‬‬

‫‪ 1‬الرسالة لإلمام محمد بن إدريس الشافعي‪ -‬تحقيق وشرح أحمد محمد شاكر‪ -‬ص‪502-501‬‬
‫‪ 2‬المستصفى من علم األصول لإلمام الغزالي‪ -‬تحقيق وتعليق الدكتور محمد سليمان األشقر‪ -‬ج‪-1‬‬
‫ص‪ -32‬مؤسسة الرسالة ط‪1417 -1‬ه‪1997 -‬م‬
‫‪4‬‬

‫إبطال فصل األصول‬

‫<فقد تناطق على التوافق قاضي العقل‪ ،‬وهو الحاكم الذي ال يعزل وال يبدل‪ ،‬وشاهد الشرع‪ ،‬وهو‬
‫ى المعدل – بأن الدنيا دار غرور‪ ،‬ال دار سرور‪ ،‬ومطية عمل‪ ،‬ال مطية كسل‪ ،‬ومنزل‬
‫الشاهد المزك َّ‬
‫عبور‪ ،‬ال متنزه حبور‪ ،‬ومحل تجارة‪ ،‬ال مسكن عمارة‪ ،‬ومتجرة بضاعتها الطاعة‪ ،‬وربحها الفوز يوم‬
‫تقوم الساعة‪.‬‬
‫والطاعة طاعتان‪ :‬عمل‪ ،‬وعلم‪ .‬والعلم أنجحهما وأربحهما؛ فإنه أيضا من العمل‪ ،‬ولكنه عمل القلب‬
‫الذي هو أعز األعضاء‪ ،‬وسعي العقل الذي هو أشرف األشياء؛ ألنه مركب الديانة‪ ،‬وحامل األمانة‪ ،‬إذ‬
‫عرضت على األرض والجبال والسماء‪ ،‬فأشفقن من حملها وأبين أن يحملنها غاية الباء‪>.‬‬
‫***‬

‫وهللا لقد كنا من كثرة ما يتردد على أفواه من يعلم ومن ال يعلم‪ ،‬من التركيب الجذاب 'نظريّة‬
‫المقاصد عند الشاطبي'!‪ ،‬التركيب الذي أصبح ذكره على اللسان عنوان الفقه ودليل الصدور عن‬
‫الورد‪ . .‬لقد كنا بفعل هذا وأثره‪ ،‬من المرددين‪ -‬غفر هللا لنا!‪ -‬أو لعله كان كذلك من المواضع ما له‬
‫موضوعية في ذكر عالقة األحكام الفقهية بغاياتها والحكمة منها أو مقصوداتها (مقاصدها باللفظ‬
‫الخاطئ الذي شاع عن ترديد وتقليد كما سنبينه في الجزء الثاني) بمستساغ معجمي ‪ -‬وال يحجر‬
‫ضالل من ض َّل ما هو حق ‪.-‬‬
‫لقد كان ترتيبنا بخصوص التصدي لهذا الموضوع العظيم والخطير‪ ،‬موضوع مس َّمى 'علم‬
‫األصول' والفقه‪ ،‬أن نضطلع ابتداء وبسبيل منتظم حسب األطوار العلمية والفقهية‪ ،‬على أهم ما كتهب فيه‬
‫وألشهر رجاله وعلمائه من غير اهتمام أو التفات إلى مراجعات غيرهم وتحقيقاتهم‪ ،‬إال ما كان م هلحا‬
‫ضطرار‪ ،‬وجعل هذه األخيرة مع القراءة الثانية الجمالية حين النظر الكلي المستوعب‬
‫بالضرورة واال‬
‫ه‬
‫الذي يسبق ويكون بين يدي الكتابة والتأليف‪ ،‬كجامع خالصة مستنبطة‪.‬‬
‫هكذا‪ ،‬ومع مسار اضطالعي‪ ،‬بدءا برسالة المام الشافعي‪ ،‬والمستصفى لإلمام الغزالي‪ ،‬وروضة‬
‫الناظر البن قدامة‪ ،‬والفصول في األصول للجصاص رحمهم هللا جميعا‪ ،‬من غير ما كنا قد قرأناه من‬
‫قبل؛ وكنت أكتفي في هذه القراءة األولى بتثبيت نقاط مميزة ومالحظات‪ ،‬قد تمثل وتكون مرتكزات‬
‫في المسالك المنتظمة لنسيج فكر مقول الكتابة وإنشائها‪ .‬غير أنني ما أن بلغت في نقطة المسار‬
‫القراءاتي هذا مع كتاب الموافقات للشاطبي رحمه هللا‪ ،‬وبعد أن صادف أول كالمه وعلى درجة عجبت‬
‫‪5‬‬

‫إبطال فصل األصول‬

‫فيها لما وجدت من اتفاق عجيب مع الدافع الفعلي والحقيقي وراء عزمي على الكتابة‪ ،‬من استشعاري‬
‫ق في اعتباره علما مستقال عن الفقه؛ فالفقه علم له‬
‫أنَّ مس َّمى علم األصول ال علميّة وال وجه للح ّ‬
‫أسس وقواعد ال يمكن أن يعتبر إال بها‪ ،‬وهذا من البديهيات الجليَّات في مشهود الخلق والعلوم كلها‪.‬‬
‫واألمر الثاني هو َّ‬
‫مكونات وموضوع‬
‫أن ج َّل مقول هذا المس َّمى ب'علم األصول' إنّما هو إ ّما من ّ‬
‫الدّرس والتكوين لعلوم مستقلة بذاتها‪ ،‬وتحديدا علم اللغة والبيان وعلم المنطق وعلم الكالم‪ ،‬وإما‬
‫محض الغلوطات والجدل المنهي ه عنه شرعا كما بيناه في الجزء الثاني من 'تذكرة العلماء في الربانية‬
‫والمنهاج'‪:3‬‬
‫<لكن بالطبع هناك كل من التلبيسات والتضليالت الباطلة المعلومة لدى أهل الفكر‬
‫وصناعته؛ فهي ضمن المسالك المراد بها تزييف وتلبيس الحق بالباطل‪ ،‬وسحر العقول‬
‫المفتقدة لمعرفة كنه الحكمة والفقيرة إلى معرفة حقيقتها‪ ،‬وغير المدركة لموازين النسق‬
‫التفكيرية وخاصة منها الجدلية‪.‬‬
‫ليس من طريق ومطية للنسق المستهدف للبنية الداخلية للخطاب وللنص أيسر وأهم من‬
‫الجدل‪ ،‬لهذا نفهم‪ ،‬أو بذلك يفسر‪ ،‬التحذير المؤكد عليه في الوحي الحكيم من المجادلة‬
‫والجدل‪ ،‬والحيطة من سبله ومسالكه ألنها مواطن الشبه واالشتباه‪ ،‬ومظان الضالل ومواقع‬
‫الزلل‪ ،‬وفي ذات الداللة يأتي حكمه وإخباره صلى هللا عليه وسلم‪":‬ما ضل قوم بعد هدى كانوا‬
‫‪4‬‬
‫عليه إال أوتوا الجدل"‬
‫كلمة جامعة واصلة بين الجدل والضالل‪ ،‬وأن ال عذر بجهالة في هذا الوصل واالرتباط‬
‫السنني والبنيوي‪>.‬‬
‫وشين ما فيها من جهة ما كان من‬
‫قلت‪ :‬أو من خليط هذه كلها جميعا‪ ،‬بكل شوائبها وسي ه هء‬
‫ه‬
‫الحكمة في النهي عنها‪.‬‬

‫‪ 3‬مؤلف 'اليمان بين النفي والثبات' الجزء الثاني من 'تذكرة العلماء في الربانية والمنهاج'‪ -‬ص‪91‬‬
‫‪ 4‬رواه الترمذي وقال حسن صحيح ومسلم في مقدمته وابن ماجة وابن أبي عاصم في السنة‪ :‬موقع الشيخ‬
‫عبد العزيز بن عبد هللا الراجحي‬
‫‪6‬‬

‫إبطال فصل األصول‬

‫فالذي ينبغي هو الشروط التأهيلية األولية للمتصدين لهذا الحيز من العلوم‪ ،‬الذي هو أشرفها‬
‫وأعالها؛ وهذه المكونات هي من هذه الشروط‪.‬‬
‫فالعقل الفقهي لزم أن يكون األكمل في التكوين والتأهيل كما أعطينا البيان بشأنه في كتابنا 'تفصيل‬
‫الخلق واألمر' بجزأيه األول والثاني؛ وبذلك يصبح أكثر علمية وأقل عنتا وتكلفا‪ ،‬وأوضح مقوال‪ ،‬وذلك‬
‫بحصول الشرطين‪ :‬شرط القصد وشرط الوضوح‪ ،‬وبه يصبح أحبَّ إلى العقول ال تنفر منه‪ ،‬ومرغوبا‬
‫فيه‪ ،‬يتسارع المتسارعون إلى نواله والظفر بعظيم فضله توافقا مع ندب الشارع الحكيم إليه كما حديث‬
‫الرسول النبي األمين صلى هللا عليه وسلم الصحيح‪" :‬من يرد به هللا خيرا يفقهه في الدين"‪ .5‬ثم َّ‬
‫إن‬
‫األمر هنا ال يخرج عن إطار البنيات المنهاجية المنسقة للمعارف والمدارك العقلية والعلمية‪ ،‬غير‬
‫ق للعلم‪ ،‬الذي هنا علم الفقه‪ ،‬ككيان كامل ومتكامل ال يعتبر إال كالّ‬
‫علمي الح ّ‬
‫المنفصلة عن المفهوم ال ّ‬
‫بمادّته وبيانه وقوانينه‪.‬‬
‫قلت‪ :‬وبعد هذا الذي سرني وعجبت له في كتاب الموافقات للشاطبي من التوافق‪ ،‬ما عتم أن رأيت‬
‫من ضالل القول عجبا‪ ،‬ومن مغرر المذهب ليس أشدَّ منه نكرا‪ ،‬ومن فاسد التصور ما جاوز حدود ك َّل‬
‫ما لوحظ على غيره‪ ،‬من عدم التوازن في بعض الجوانب‪ ،‬كالمالحظ على الغزالي في الجانب‬
‫المنطقي‪ ،‬وعلى الجصاص في الجانب البياني حيث ينساق مع المعجمي انسياقا مطبقا‪ ،‬فيغيب عنده‬
‫المنطق أو هو يغيب عنه‪ ،‬ليصيح االشتراك اللغوي هو أصل كل التقسيمات والتفريعات‪ ،‬وعلى‬
‫الشافعي‪ ،‬ونظرا لكونه المهد أو في جوار المهد ومن طوره‪ ،‬فمؤلفه ورسالته هي المنبه والمثير للسؤال‬
‫أعاله‪ ،‬خاصة وأن المكون األغلب كان فيه البيان والمنطق‪..‬‬
‫َّ‬
‫إن ما ز هين للناس بزخرف من اللفظ 'نظرية المقاصد لإلمام الشاطبي' ز هين سماع لفظها رددته‬
‫األلسن ترديدا والكته لوكا‪ ،‬إن هي في الحق إال فتنة ركام أقوال خاطئة خطئا فاحشا وبعيدة عن الحق‬
‫وبصفة متفاقمة ومخلة بضوابط الموضوعية والعلمية‪ ،‬ببروز واضح لإلسهاب والطناب‪ ،‬بل لتفقد هذه‬
‫المعاني سريانها وحقيقتها‪ ،‬ليصبح لغوا قادحا في شرط العقل العلمي وموضوعيته‪ .‬ويظهر هذا بشكل‬

‫‪ 5‬عن معاوية بن أبي سفيان‪ ،‬متفق عليه‬
‫‪7‬‬

‫إبطال فصل األصول‬

‫فاحش في كالمه عن المباح‪ ،‬ولينتهي إلى تعريف عجب ينقضه الدين كله في نصوصه وحقيقته؛ يقول‬
‫الشاطبي‪:6‬‬
‫<فالجواب أن القاعدة المقررة؛ أن الشرائع إنما جيء بها لمصالح العباد؛ فاألمر‪ ،‬والنهي‪،‬‬
‫والتخيير‪ ،‬جميعا راجعة إلى حظ المكلف ومصالحه؛ ألن هللا غني عن الحظوظ‪ ،‬منزه عن األغراض؛‬
‫غير أن الحظ على ضربين‪:‬‬
‫أحدهما داخل تحت الطلب‪ ،‬فللعبد أخذه من جهة الطلب‪،‬؛ فال يكون ساعيا في حظه‪ ،‬وهو مع ذلك‬
‫ال يفوته حظه‪ ،،‬لكنه آخذ له من جهة الطلب ال من حيث باعث نفسه‪ ،‬وهذا معنى كونه بريئا من الحظ‪،‬‬
‫وقد يأخذه من حيث الحظ؛ إال أنه لما كان داخال تحت الطلب فطلبه من ذلك الوجه صار حظه تابعا‬
‫للطلب‪ ،‬فلحق بما قبله في التجرد عن الحظ‪ ،‬وس همي باسمه‪ ، ،‬وهذا مقرر في موضعه من هذا الكتاب‪،‬‬
‫وبالل التوفيق‪.‬‬
‫والثاني‪ :‬غير داخل تحت الطلب؛ فال يكون آخذا له إال من جهة إرادته واختياره؛ ألن الطلب‬
‫مرفوع عنه بالفرض‪ ،‬فهو قد أخذه إذا من جهة حظه‪ ،‬فلهذا يقال في المباح‪ :‬إنه العمل المأذون فيه‪،‬‬
‫المقصود به مجرد الحظ الدنيوي خاصة‪>.‬‬
‫ويكفي هنا ورود وثبوت هذا المكون من قوله‪:‬‬
‫'مج َّرد الحظ الدنيوي خاصة'!‬
‫تصور الشاطبي‪ ،‬الذي هو‬
‫يكفي هذا القول وهذه المادَّة لوجوب التوقف وتحت َّم التمحيص لك ّل‬
‫ّ‬
‫تصور المقاصديين كلهم جميعا!‬
‫ّ‬
‫ق هلل‬
‫ولسنا في حاجة للتذكير بأن هذا ال صلة له‪ ،‬أو لنقل هو مباين تمام المباينة لتقرير ح ّ‬
‫ق العباد على مستوى سريان األحكام وإسقاطها‪ ،‬مما سوف نبينه إن شاء هلل تعالى في‬
‫سبحانه وح ّ‬
‫الخاص بضالل المقاصديين وانحرافهم عن الشّريعة أصوالا ومنهاجا ا‪.‬‬
‫الجزء الثاني‬
‫ّ‬

‫‪ 6‬الموافقات ألبي إسحاق الشاطبي (ت‪790‬ه)‪ ،‬ضبط وتعليق أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان‪،‬‬
‫المجلد‪ -1‬دار ابن عفان‪ ،‬ص‪234‬‬
‫‪8‬‬

‫إبطال فصل األصول‬

‫ولئن كان لكل م ّمن سبق من رجال وعلماء هذا الحيّز لمس َّمى 'علم األصول' جانب من ضعف ووهن‬
‫واختالل في ناحية ما كما أشرنا إليه‪ ،‬فإنَّ الشاطبي في مجال األحكام هو مخالف لميزان العقل يقيناا‪،‬‬
‫وقوله فيه فاسد كليّة‪ ،‬قول باطل غير صحيح ‪..‬‬

‫الدين كلَّه‪ ،‬يخالفه في مبادئه‪ ،‬ويخالفه في مقتضياته‪ ،‬مثل‬
‫إنَّنا في واقع األمر أمام قول وكالم يخالف ه‬
‫ما أراده الشاطبي أن يكون بناء مستوعبا للفقه واألحكام‪ ،‬وتحديدا في المسألتين الثالثة والرابعة في‬
‫النوع األول من القسم األول لكتاب المقاصد‪' :‬في بيان قصد الشارع في وضع الشّريعة'‪ ،‬المسألتين‬
‫قاعدتي هذا البناء الذي اشتهر بين الناس عالمهم وجاهلهم وذاعت شهرته؛ وذلك كله كما سوف سنبينه‬
‫بعضهم‬
‫بهدي الحق المبين‪ ،‬ذلك علته التقليد واستحكامه في النفوس‪ ،‬واتباع الناس علمائهم ومتعلميهم ه‬
‫لبعض في الحكم على الرجال والمصنفات واألعمال؛ وهذا أمر سائد أثره كما هو وظيفة العالم‬
‫وغايته بشتى طرقه قديمها وحديثها يسعى إليها ويجد فيها‪ .‬فربَّ فكر ورجل جاء بأسمى العمل والعلم‬
‫قضى ولم يعرف وال كانت له شهرة بين الناس‪ ،‬وما وجد له في أوساط العلم ذكر إال أن يشاء هللا‬
‫تعالى‪ .‬أو سخر بما يعلم هللا تعالى أنه خير وأقوم مما في علوم الناس فكان جزاؤه من قومه السوء وال‬
‫خير ‪ -‬وال خير يرجى من الجاهل‪ . -‬وربَّ محض اللغو والخلط اشتهر ذكر صاحبه كأنه العالم الذي‬
‫ليس في العلماء من أتى بمثله؛ تالل لهذا مثل الذي نحن فيه‪!. .‬‬

‫‪‬‬

‫‪9‬‬

‫إبطال فصل األصول‬

‫األول‬
‫الجزء ّ‬
‫إبطال فصل الفقه عن أصوله‬
‫‪‬‬
‫«مباحث األصوليّين في علم األصول ال تخرج عن أصول األدلة الموصلة إلى األحكام الشرعيّة‬
‫وأقسامها واختالف مراتبها وكيفية استثمار األحكام الشرعيّة منها على وجه كلّي» وعلى هذا يظهر‬
‫التالزم واالرتباط بين الفقه وعلم أصول الفقه‪ 7'.‬وال فصل جائز بين أيّة ممارسة عمليّة وقواعدها؛‬
‫ويقول ّ‬
‫صل بها إلى‬
‫الزهاوي المصري مع ّرفا ا مس َّمى علم األصول ب«أنّه العلم بالقواعد التي يتو ّ‬
‫ا ‪8‬‬
‫صال قريبا»‬
‫استنباط األحكام الشرعيّة العمليّة (الفرعيّة) عن أدلتها التفصيليّة تو ّ‬

‫عرفناك إسرافهم في هذا الخلط‪ ،‬فإنا ال نرى أن نخلي هذا المجموع عن شيء منه‪ ،‬ألن‬
‫«وبعد أن ّ‬
‫‪9‬‬
‫الفطام عن المألوف شديد‪ ،‬والنفوس عن الغريب نافرة‪».‬‬

‫‪( 7‬الحكام في أصول األحكام ج‪ 1‬ص‪ :)8‬بين يدي الرسالة للشافعي– محمد نبيل غنايم – ص‪41‬‬
‫‪( 8‬حاشية الزهاوي على شرح المنار – ص‪ : )117‬ن م – محمد نبيل غنايم – ن ص‬
‫‪ 9‬ن م – ص‪43‬‬
‫‪10‬‬

‫إبطال فصل األصول‬

‫‪11‬‬

‫إبطال فصل األصول‬

‫األول‬
‫الباب ّ‬
‫الرسالة’‬
‫استقراء‬
‫موضوعاتي لمؤلف اإلمام الشافعي ’ ّ‬
‫ّ‬
‫المنطق والبيان فطرة عند اإلنسان‬

‫‪12‬‬

‫إبطال فصل األصول‬

‫ترجمة اإلمام الشافعي‪:‬‬
‫هو محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن‬
‫المطلب بن عبد مناف بن قصي‪ ،‬وكنيته أبو عبد هللا‪ ،‬أمه من األزد‪ ،‬وقيل قرشية‪ .‬واألرجح عند معظم‬
‫المؤرخين أنه ولد بغزة سنة ‪150‬ه حيث كانت وفاة جده‪ ،‬وبها توفي والده وهو في الرضاع‪ ،‬فحملته أمه‬
‫بعد فطامه لإلقامة عند أخواله بين مكة والبادية حيث نشأ في عيشة الفقراء يتيما‪.‬‬
‫تفجرت مواهب الشافعي في سن جد مبكرة؛ حفظ القرآن وهو ابن سبعه سنين‪ ،‬وحفظ الموطأ وهو‬
‫ابن عشر‪ .‬ثم لزم مسلما بن خالد الزنجي مفتي مكة في ذلك الحين‪ ،‬وتفقه به حتى أذن له بالفتاء ولم‬
‫يتجاوز الخامسة عشرة من عمره‪.‬‬
‫حفظ الكثير من الشعر العربي فاجتمع له كل ذلك‪ ،‬وظهر أثره في فصاحة عبارته وقوة بيانه‬
‫وشعره‪ .‬فاعتبره اللغويون والنحاة مصدرا من أهم مصادرهم حتى أن ابن هشام كان يجلس إليه ويأخذ‬
‫عنه؛ وحتى قال ثعلب‪ :‬إن اللغة ال تؤخذ عن الشافعي‪ ،‬وإنما يجب أن تؤخذ منه‪.‬‬
‫تتلمذ على المام مالك‪ ،‬إمام دار الهجرة‪ ،‬حيث ظهرت في هذا الطور المبكر أيضا أمارات تميزه‬
‫العلمي وملكاته الفذة‪ ،‬وامتدت مالزمة الشافعي لإلمام مالك إلى وفاته سنة ‪179‬ه‪.‬‬
‫ثم كانت مرحلة ثالثة‪ :‬وفيها ارتحل المام الشافعي إلى العراق طلبا للفقه الحنفي‪ .‬وكان ذلك سنة‬
‫‪184‬ه بعد أن تولى القضاء باليمن فترة ثم فصل عنه بفعل بعض الوشايات بتهمة التشيع‪ ،‬وحمل إلى‬
‫الخليفة ببغداد‪ ،‬فكان سببا مقدرا ألخذ الفقه الحنفي على يد إمام المذهب آنذاك محمد بن الحسن الشيباني‪.‬‬
‫وفي رحلة تالية من مكة إلى العراق سنة ‪195‬ه سوف يجتمع بالمام أحمد بن حنبل‪ .‬ثم يرحل إلى مصر‬
‫سنة ‪199‬ه فمكث بها بعلم الناس الفقه والعلم إلى وفاته بها سنة ‪204‬ه‪.‬‬
‫قال عبد الرحمان بن مهدي بعد أن قرأ كتاب الرسالة الذي ألفه الشافعي بناء على طلب منه‪« :‬لما‬
‫نظرت الرسالة لإلمام الشافعي أذهلتني‪ ،‬ألنني رأيت كالم رجل عاقل فصيح ناصح‪ ،‬فإني أكثر له‬
‫الدعاء»‪.‬‬

‫‪13‬‬

‫إبطال فصل األصول‬

‫قال السنوي‪« :‬الشافعي أول من صنف في أصول الفقه بإجمال‪ ،‬وأول من قرر ناسخ الحديث من‬
‫منسوخه‪ ،‬وأول من صنف في أبواب كثيرة من الفقه معروفة»‪.10‬‬
‫لإلمام الشافعي مؤلفات كثيرة همت كل فروع العلم من التفسير والفقه واألدب وغيرها‪ ،‬اختلفت‬
‫أساميها‪ ،‬ومنها ما جمعه تالميذه؛ أشهرها األم في نحو عشرين مجلدا‪ ،‬وجامع المزني الكبير والصغير‪،‬‬
‫وكتاب حرملة‪ ،‬وكتاب الحجة وهو القديم والرسالة القديمة والرسالة الجديدة واألمالي والمالء‪.‬‬
‫يقول الشيخ أبو زهرة رحمه هللا‪:‬‬
‫'فلما جاء الشافعي كان هو الوسط الذي التقى فيه فقه أهل الرأي وأهل الحديث معا‪ ،‬فلم يأخذ بمسلك‬
‫أهل الحديث في قبولهم لكل األخبار ما لم يقم دليل على كذبها‪ ،‬ولم يسلك مسلك أهل الرأي في توسيع‬
‫نطاق الرأي‪ ،‬بل ضبط قواعده وضيق مسالكه وعبدها وسهلها وجعلها سائغة‪ ،‬قال الدهلوي‪« :‬نشأ‬
‫الشافعي في أوائل ظهور المذهبين وترتيب أصولهما وفروعهما‪ ،‬فنظر في صنيع األوائل فوجد فيه‬
‫أمورا كبحت عنانه عن الجريان في طريقهم»‪.11‬‬
‫ثم أخذ الدهلوي في كتابه "حجة هللا البالغة" يبين هذه األمور ويوضحها فقال‪« :‬منها‪ :‬أنه وجدهم‬
‫يأخذون بالمرسل والمنقطع فيدخل فيهما الخلل‪ ،‬فإنه إذا جمع طرق الحديث يظهر أنه كم من مرسل ال‬
‫أصل له‪ ،‬وكم من مرسل يخالف مسندا فقرر أال يأخذ بالمرسل إال عند وجود شروط ‪. . .‬‬
‫ومنها‪ :‬أنه لم تكن قواعد الجمع بين المختلفات مضبوطة عندهم فكان يتطرق بذلك خلل في‬
‫مجتهداتهم فوضع لها أصوال‪ ،‬ودونها في كتاب‪ ،‬وهذا أول تدوين كان في أصول الفقه‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬أن بعض األحاديث الصحيحة لم يبلغ علماء التابعين ممن وسد إليهم الفتوى فاجتهدوا‬
‫بآرائهم أو اتبعوا العمومات أو اقتدوا بمن مضى من الصحابة فأفتوا حسب ذلك‪ ،‬ثم إذا ظهر عليهم‬
‫الحديث بعد رجعوا من اجتهادهم إلى الحديث‪.‬‬

‫‪ 10‬شذرات الذهب ج‪ 2‬ص‪10‬‬
‫‪ 11‬الشافعي ألبي زهرة ص‪ 82‬وحجة هللا البالغة للدهلوي ج‪ 1‬ص‪146‬‬
‫‪14‬‬

‫إبطال فصل األصول‬

‫ومنها‪ :‬أن أقوال الصحابة جمعت في عصر الشافعي‪ ،‬فتكثرت واختلفت وتشعبت‪ ،‬ورأى كثيرا‬
‫منها يخالف الحديث الصحيح حيث لم يبلغهم‪ ،‬ورأى السلف لم يزالوا يرجعون في مثل ذلك إلى‬
‫الحديث‪ ،‬فترك التمسك بأقوالهم ما لم يتفقوا‪ ،‬وقال‪ :‬هم رجال ونحن رجال‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬أنه رأى قوما من الفقهاء يخلطون الرأي الذي لم يسوغه الشرع بالقياس الذي أثبته فال‬
‫يميزون واحدا منها من اآلخر‪ ،‬ويسمونه تارة باالستحسان‪ ،‬وأعني بالرأي أن ينصب مظنة حرج أو‬
‫مصلحة علة حكم‪ ،‬وإنما القياس أن تخرج ال هعلَّة من الحكم المنصوص ويدار عليها الحكم‪ .‬فأبطل هذا‬
‫‪13 12‬‬
‫النوع أتم إبطال وقال‪ :‬من استحسن فإنه أراد أن يكون شارعا ‪'» . . .‬‬
‫***‬
‫الرسالة'‪:‬‬
‫مؤلف ' ّ‬
‫[لما ظهر الشافعي ولفت إليه األنظار في مجالسه بالمسجد الحرام‪ ،‬ثم في لقاءاته بالعراق‪ ،‬أرسل‬
‫إليه بعض علمائها‪ ،‬وهو عبد الرحمان بن مهدي (ت‪198‬ه)‪ ،‬أن يكتب لهم كتابا يبين فيه معاني القرآن‬
‫ويجمع فيه قبول األخبار‪ ،‬أي شروط قبول الحديث ويبين فيه حجية الجماع والناسخ والمنسوخ من‬
‫القرآن والسنة‪ .‬وأكد هذا الطلب من الشافعي علي بن المديني العالم والمحدث شيخ البخاري‪« :‬أجب‬
‫عبد الرحمان بن مهدي عن كتابه فقد كتب إليك يسألك وهو متشوق إلى جوابك‪ ،‬قال‪ :‬فأجابه الشافعي‪،‬‬
‫‪14‬‬
‫وهو كتاب الرسالة الذي كتب عنه بالعراق‪ ،‬وإنما هي رسالته إلى عبد الرحمان بن مهدي»‪.‬‬
‫فهذا أصل التسمية‪ ،‬وكان الشافعي يسمي مصنفه هذا ب'الكتاب' أو ب'كتابي'‪.‬‬
‫ومهما اختلفت الروايات في كونها كتبها أول مرة بمكة وهو الراجح وهي المشار إليه في كتب‬
‫التراجم بالرسالة القديمة‪ ،‬أو ببغداد‪' ،‬فإنه لما قدم مصر أعاد تأليفها‪ ،‬وأمالها على أصحابه يضيف حينا‬

‫‪ 12‬حجة هللا البالغة ج‪ 1‬ص‪147‬‬
‫‪ 13‬انظر‪ :‬الرسالة ص‪ 28..18‬والمفيد في تراجم الشعراء واألدباء والمفكرين ج‪ 2‬ص‪ 208‬دار الثقافة الدار البيضاء‬
‫‪1414‬ه ‪1993‬م‬
‫‪ 14‬االنتقاء في فضائل الثالثة األئمة الفقهاء – ابن عبد البر ص‪( 72/73‬الرسالة أسفل ص‪)29‬‬
‫‪15‬‬

‫إبطال فصل األصول‬

‫ويختصر حينا آخر حسب ما تسعفه الذاكرة والحفظ الذي كان اعتماده في إمالء كتبه'‪ .‬وهذه هي‬
‫الرسالة الجديدة التي هي الباقية دون األولى‪.‬‬
‫'نحن إذن أمام ثالثة مستويات‪ :15‬مستوى الناس قبل الشافعي‪ :‬حيث لم يكن لهم قانون كلي وال نظام‬
‫صحيح في أصول الفقه‪ ،‬ثم مستوى الشافعي‪ :‬الذي ابتكر هذا العلم العظيم ووضع أصوله وقعد قواعده‬
‫وأرسى كلياته‪ .‬ومستوى الناس بعد الشافعي‪ :‬وه عيال على الشافعي ألنهم لم يضيفوا شيئا وإنما‬
‫‪16‬‬
‫وضحوا وفسروا ما اختصر الشافعي أو اختصروا وأوجزوا ما أطنب فيه الشافعي‪]'.‬‬

‫‪‬‬

‫‪ 15‬اللفظ األنسب هو 'مراحل' أو 'أطوار'‬
‫‪ 16‬الرسالة لإلمام الشافعي‪ :‬إعداد ودراسة د محمد نبيل غنايم‪ ،‬إشراف ومراجعة د عبد الصبور شاهين‪،‬‬
‫ص‪32..30‬‬
‫‪16‬‬

‫إبطال فصل األصول‬

‫األول‬
‫الفصل ّ‬
‫البيان عند الشافعي هو الخطاب الشّرع ّي‬
‫و استجالء فطرة البيان والمنطق عند اإلنسان‬

‫‪ - 1‬البيان عند الشافعي هو الخطاب الشّرع ّي‬
‫األول ـ الفقرة األولى ـ باب كيف البيان‪:17‬‬
‫الجزء ّ‬
‫<قال الشافعي‪ :‬والبيان اسم جامع لمعاني مجتمعة األصول‪ ،‬متشعبة الفروع‪ ،‬فأقل ما في تلك‬
‫المعاني المجتمعة المتشعبة‪ ،‬أنها بيان لمن خوطب بها ممن نزل القرآن بلسانه متقاربة االستواء عنده‬
‫وإن كان بعضها أشد تأكيد بيان من بعض‪ ،‬ومختلفة عند من يجهل لسان العرب‪ ،‬قال الشافعي فجماع‬
‫ما أبان هللا لخلقه في كتابه مما تعبدهم به‪ ،‬لما مضى من حكمه جل ثناؤه من وجوه‪ :‬فمنها‪ :‬ما أبانه‬
‫لخلقه نصا‪ ،‬مثل جمل فرائضه في أن عليهم صالة وزكاة وحجا وصوما‪ ،‬وأنه حرم الفواحش ما ظهر‬
‫ونص الزنا والخمر وأكل الميتة والدم ولحم الخنزير‪ ،‬وبين لهم كيف فرض الوضوء‬
‫منها وما بطن‪،‬‬
‫ه‬
‫مع غير ذلك مما بين نصا‪.‬‬
‫صالة والزكاة ووقتها‬
‫ومنه‪ :‬ما أحكم فرضه بكتابه وبين كيف هو على لسان نبيه‪ ،‬مثل عدد ال َّ‬
‫وغير ذلك من فرائضه التي أنزل في كتابه‪.‬‬
‫ومنه‪ :‬ما س َّن رسول هللا صلى هللا عليه وسلم مما ليس لل فيه نص حكم‪ ،،‬وقد فرض هللا في كتابه‬
‫طاعة رسوله صلى هللا عليه وسلم‪ ،‬واالنتهاء إلى حكمه‪ ،‬فمن قبل عن رسول هللا فبفرض هللا قبل‪.‬‬
‫ومنه‪ :‬ما فرض هللا على خلقه االجتهاد في طلبه‪ ،‬وابتلى طاعتهم في االجتهاد كما ابتلى طاعتهم‬
‫ولنبلولكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين‬
‫في غيره مما فرض عليهم‪ ،‬فإنه يقول تبارك وتعالى‪« :‬‬
‫َّ‬

‫‪ 17‬ن م‪ ،‬ص‪49‬‬
‫‪17‬‬

‫إبطال فصل األصول‬

‫ونبلو أخباركم»(محمد‪ ،)29‬وقال‪« :‬وليبتلي هللا ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم»(آل‬
‫عمران‪ ،)154‬وقال‪« :‬عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في األرض فينظر كيف‬
‫تعملون»(األعراف‪>.)129‬‬
‫≈‬
‫ال شك هنا في خطإ الشافعي اعتبار حقيقة ومعنى التمحيص ضمن البيان وصال بالعنصر‬
‫االجتهادي‪َّ ،‬‬
‫ألن العنصر االجتهادي البياني حده تحديد حكمه باالجتهاد‪ ،‬وتعيين خطابه الشرعي على‬
‫صيغة وماهية أمر بياني‪ .‬وأما التمحيص فهو أمر وجودي ليس العبد الذي يحدده؛ وإنما العبد محدد‬
‫لكلمته‪ ،‬هو موقفه من أمر ربهه وطاعته إياه‪ .‬وهنا نجد التقرير والتنصيص لإلمام للكتاب والسنة أمرا‬
‫من هللا تعالى "فبفرض هللا قبل" وكذلك لالجتهاد‪.‬‬
‫***‬

‫‪ - 2‬استجالء الملكة البيانيّة والخطابيّة‬
‫األول‪ :‬وفيه يطرح الشافعي ويعتبر ويورد التساؤل التالي‪:18‬‬
‫الفقرة الثانية ـ البيان ّ‬
‫<قال هللا تبارك وتعالى في المتمتع‪« :‬فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد‬
‫فصيام ثالثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد‬
‫الحرام»‪ .‬فكان بينا عند من خوطب بهذه اآلية أن صوم الثالثة في الحج والسبع في المرجع عشرة أيام‬
‫كاملة‪ ،‬قال هللا‪« :‬تلك عشرة كاملة» فاحتملت أن تكون زيادة في التبيين‪ ،‬واحتملت أن يكون أعلمهم أن‬
‫ثالثة إذا جمعت إلى سبع كانت عشرة كاملة‪ .‬وقال هللا‪« :‬وواعدنا موسى ثالثين ليلة وأتممناها بعشر فتم‬
‫ميقات ربه أربعين ليلة» فكان بينا عند من خوطب بهذه اآلية أن ثالثين وعشرا أربعون ليلة‪ .‬وقوله‪:‬‬
‫«أربعين ليلة» يحتمل ما احتملت اآلية قبلها‪ ،‬من أن تكون إذا جمعت ثالثون إلى عشر كانت أربعين‬
‫وأن تكون زيادة في التبيين‪.‬‬

‫‪ 18‬نفس المصدرـ ص‪52‬ـ‪53‬‬
‫‪18‬‬

‫إبطال فصل األصول‬

‫وقال هللا‪« :‬كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون أياما معدودات فمن كان‬
‫منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر»‪ ،‬وقال‪« :‬شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس‬
‫وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدم من أيام‬
‫أخر» فافترض عليهم الصوم ثم بين أنه شهر‪ ،‬والشهر عندهم ما بين الهاللين‪ ،‬وقد يكون ثالثين أو‬
‫تسعا وعشرين‪ .‬فكانت الداللة في هذا كالداللة في االيتين وكان في اآليتين قبله زيداة تبيين جماع العدد‪،‬‬
‫وأشبه األمور بزيادة تبيين جملة العدد في السبع والثالث وفي الثالثين والعشر أن تكون زيادة في‬
‫التبيين ألنهم لم يزالوا يعرفون هذين العددين وجماعه‪ ،‬كما لم يزالوا يعرفون شهر رمضان‪>.‬‬
‫≈‬
‫سقنا هذا القول بحذافيره ليكون أبلغ في البيان لما نحن بصدده؛ فإنَّ هذه المادَّة من القول ال تقبل إال‬
‫األولية‪ ،‬كمادة إيضاح لقاعدة علميّة ال كمادّة من ذات علم‬
‫أول العهد للتأسيس لقواعد الفقه ّ‬
‫سوغ ّ‬
‫بم ّ‬
‫الفقه‪َّ ،‬‬
‫ألن غايتها استجالء الحقيقة الفطرية للملكة البيانية عند النسان مما نتلوه في قوله‬
‫تعالى‪{:‬الرحمان علم القرآن’ خلق النسان علمه البيان’}ه(صدر سورة الرحمان)‪ ،‬وتقرير حقيقة ما‬
‫أسماه الفارابي رحمه هللا باألسس العقلية األولى‪ .‬واستلزام هذا المسوغ جلي‪ ،‬وهو أن ال ت هرد هذه المادَّة‬
‫من بعدها‪ .‬بيد أنه ولألسف يرى أن شطرا كبيرا من مس َّمى 'علم األصول' هو من هذه المادَّة عينها‪ ،‬مما‬
‫أوليّين في فطرة اإلنسان خلق الرحمان‬
‫موضعه الحقيقي والح ّ‬
‫ق هو البيان والمنطق أساسين َّ‬
‫سبحانه‪ ،‬الذي خلق كل شيء فقدره تقديرا‪ .‬وهذه الحقيقة هي التي نوهنا من قبل كونها خير ما تضمنه‬
‫وظيف العقل في تلقي‬
‫كالم الشافعي‪ ،‬ومن خير ما جاء عند جميع العلماء في هذا الشأن‪ ،‬بالشارة إلى‬
‫ه‬
‫الخطاب الشرعي‪ ،‬بملكة التمييز بين المختلف من السياقات والمتباين من العبارات‪.‬‬
‫***‬

‫سنة تبيان للكتاب وأصوليّة الحكمة‬
‫‪ - 3‬ال ّ‬
‫البيان الثاني‪ ،‬أي الفقرة الثالثة‪ ،‬في كون السنة تبيانا لما نزل من الكتاب‪ ،‬وذلك من خالل مثل‬
‫آيات الوضوء والميراث‪.‬‬

‫‪19‬‬

‫إبطال فصل األصول‬

‫الرابع‪ 19‬باستثناء تحديد معنى الحكمة وتقرير مكونيتها في األصول‪ ،‬هو‬
‫البيان الثالث وجل البيان ّ‬
‫نفسه مفاد البيان الثاني في تبيان ودليل مرجعية األصول‪ ،‬وكون السنة النبوية الشريفة تبيانا لما أنزل‬
‫من الكتاب‪.‬‬
‫***‬

‫األولية‬
‫‪ - 4‬شروط االجتهاد بين الفقهيّة و ّ‬
‫في البيان الخامس‪ 20‬ـ الفقرة السادسة ـ يحدد الشافعي أنساق االجتهاد ـ القياس حسب مسماه عنده‬
‫ـ ويقسمه إلى نسق ال هعلَّة ونسق المثل أو الشبه‪ .‬ويذكر فيه شرط األهلية العلمية وأركانها األساس‪:‬‬
‫اللسان العربي‪ ،‬والعلم بالناسخ والمنسوخ‪ ،‬وفقه الكتاب‪ ،‬ومعرفة الخاص والعام‪ ،‬إلخ‪..‬‬
‫سياق وغيره‪ ،‬إنَّما هو من‬
‫والذي يجب التنبيه عليه أنَّ معرفة العا ّم و‬
‫ّ‬
‫الخاص والمطلق والمقيّد وال ّ‬
‫نساني عامة‪ ،‬من جهة أنه مرتبط وموصول بالعقل ونسقه وملكة التمييز عنده‪،‬‬
‫حقيقة اللسان اإل‬
‫ّ‬
‫فطرة وميزانا‪ ،‬خلق هلل تعالى وفطرة العقل والبيان التي خلق هلل اإلنسان عليها‪ .‬وإنَّ عدم ضبط هذه‬
‫الحقيقة الكبرى هو الذي جعل المصنفين في مس َّمى 'علم األصول' يطيلون ويسهبون مما ضاعف‬
‫مقولهم أضعافا كثيرة‪ .‬وهي الحقيقة التي يجليها ويؤكدها كالم الشافعي من أوله إلى آخره‪ ،‬كقوله الذي‬
‫سبق ذكره في المقدمة‪:21‬‬
‫<وكان عليهم تكلُّف الدهالالت بما خلق لهم من العقول التي ر َّكبها فيهم‪ ،‬ليقصدوا قصد التو ُّجه‬
‫للعين التي فرض عليهم استقبالها‪.‬‬
‫‪...‬‬

‫‪ 19‬نفس المرجع ـ ص‪58..56‬‬
‫‪ 20‬نفس المرجع ـ ص‪69..61‬‬
‫‪ 21‬الرسالة‪ -‬تحقيق محمد أحمد شاكر‪ -‬ص‪502 -501‬‬
‫‪20‬‬

‫إبطال فصل األصول‬

‫َّ‬
‫إن هللا ج َّل ثناؤه من على العباد بعقول‪ ،‬فدلَّهم بها على الفرق بين المخت هلف‪ ،‬وهداهم السبيل إلى‬
‫صا ودهاللة‪>.‬‬
‫الحق ن ًّ‬
‫وقوله‪:22‬‬
‫<فإنما خاطب هللا بكتابه العرب بلسانها‪ ،‬على ما تع هرف من معانيها‪ ،‬وكان مما تعرف من معانيها‬
‫اتهساع لسانهها‪َّ .‬‬
‫أول هذا‬
‫وأن فهطرته أن ي ه‬
‫خاطب بالشيء منه عا ًّما ظاهرا يراد له العا ُّم الظاهر‪ ،‬ويستغنى ب َّ‬
‫آخره‪ .‬وعا ًّما ظاهرا يراد به العا ُّم ويدخله الخاص‪ ،‬فيستد ُّل على هذا ببعض ما خوطب له فيه‪.‬‬
‫منه عن ه‬
‫وعا ًّما ظاهرا يراد به الخاص‪ .‬وظاهرا يعرف في سياقه أنه يراد به غير ظاهره‪ .‬فك ُّل هذا موجود علمه‬
‫في أول الكالم أو وسطه أو آخره‪>.‬‬
‫لكن ورغم هذا‪ ،‬أي رغم تقرير الشافعي فطرية هذه الملكة البيانية المنطقية عند النسان‪ ،‬كشرط‬
‫خلقي مكفول في خلق الرحمان الحكيم الخبير سبحانه‪ ،‬الذي أنزل الكتاب مفصال‪ ،‬والذي خلق النسان‬
‫سابعة‪' ،‬باب ما نزل من الكتاب عاما يراد به العام‬
‫كما كل شيء فقدره تقديرا؛ رغم ذلك نجد الفقرة ال ّ‬
‫ويدخله الخصوص' وأيضا الفقرة الثامنة‪' ،‬باب بيان ما أنزل من الكتاب عام الظاهر وهو يجمع العا َّم‬
‫وضح لهذه الحقيقة ويجليها‪ ،‬همما يجعل الدرس في معايير الموضوعية‬
‫والخصوص' ما هو إال مثال م ه‬
‫والتناسب التركيبي يكون هو هذه الملكة البيانية المنطقية الفطرية عند النسان‪ ،‬أو يكون هو الدرس‬
‫البالغي؛ الشيء الذي يشير إشارة واضحة ويدل داللة بادية على اختالل هذا التناسب‪ ،‬ألن المراد‬
‫والمعتبر هو الدرس الفقهي ومس َّمى الدرس األصولي‪.‬‬
‫هذا االختالل يتضح أكثر في الفقرة التاسعة‪' ،‬باب بيان ما نزل من الكتاب عام الظاهر يراد به كله‬
‫الخاص'‪:23‬‬
‫<قال هللا تبارك وتعالى‪« :‬الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا‬
‫وقالوا‪ :‬حسبنا هللا ونعم الوكيل»(آل عمران‪.)154‬‬

‫‪ 22‬نفس المصدر‪ -‬ص‪52 -51‬‬
‫‪ 23‬نفس المصدر – ص‪76‬‬
‫‪21‬‬

‫إبطال فصل األصول‬

‫قال الشافعي‪ :‬فإذا كان من مع رسول هللا صلى هللا عليه وسلم ناسا غير من جمع لهم من الناس‪،‬‬
‫وكان المخبرون لهم ناسا غير من ج همع لهم وغير من معه ممن جمع عليه معه‪ ،‬وكان الجامعون لهم‬
‫ناسا‪ ،‬فالداللة بينة مما وصفت‪ :‬من أنه إنما جمع لهم بعض الناس دون بعض‪ .‬والعلم يحيط أن لم يجمع‬
‫لهم الناس كلهم‪ ،‬ولم يخبرهم الناس كلهم‪ ،‬ولم يكونوا هم الناس كلهم ولكنه لما كان اسم الناس يقع على‬
‫ثالثة نفر‪ ،‬وعلى جميع الناس وعلى من بين جميعهم وثالثة منهم كان صحيحا في لسان العرب أن‬
‫يقال‪« :‬الذين قال لهم الناس» وإنما الذين قال لهم ذلك أربعة نفر «إن الناس قد جمعوا لكم» يعنون‬
‫المنصرفين عن أحد‪ .‬وإنما هم جماعة غير كثير من الناس‪ ،‬الجامعون منهم غير المجموع لهم‪،‬‬
‫والمخبرون للمجموع لهم غير الطائفتين‪ ،‬واألكثر من الناس في بلدانهم غير الجامعين‪ ،‬وال المجموع‬
‫لهم وال المخبرين‪.‬‬
‫وقال‪« :‬يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون هللا لن يخلقوا ذبابا ولو‬
‫اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا ال يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب»(الحج‪ .)73‬قال‪:‬‬
‫فمخرج اللفظ عام على الناس كلهم‪ ،‬وبين عند أهل العلم بلسان العرب منهم‪ ،‬أنه إنما يراد بهذا اللفظ‬
‫العام المخرج بعض الناس دون بعض ألنه ال يخاطب بهذا إال من يدعو من دون هللا إلها‪ ،‬تعالى عما‬
‫يقولون علوا كبيرا‪ ،‬ألن فيهم من المؤمنين المغلوبين على عقولهم وغير البالغين من ال يدعو معه إلها‪.‬‬
‫قال‪ :‬وهذا في معنى اآلية قبلها عند أهل العلم باللسان‪ ،‬واآلية قبلها أوضح عند غير أهل العلم لكثرة‬
‫الدالالت فيها‪>.‬‬
‫≈‬
‫الموضوع إذا هو تقرير الملكة البيانية الفطرية عند النسان وموصول بالدرس البالغي‪ .‬وال‬
‫علمي‬
‫يمكن بحال أن يعتبر الدرس درسا فقهيا وال أصوليا على مس َّماهم‪ .‬والدّليل والمستند الشّرع ّي وال ّ‬
‫لكتابنا هذا‪ ،‬يكفي فيه أن هذا المثل وهذا الباب‪ ،‬وهذه هي حقيقة مادته‪ ،‬لم يزل يساق بحذفوره كما هو‪،‬‬
‫له موضع في كل ما سيؤلف ويصنف من بعد الشافعي‪ ،‬تقريبا عند كل من أتى من بعده من المصنفين‪،‬‬
‫بنفس اللفظ وذات التعبير‪.‬‬
‫والفقرة العاشرة‪ ،‬باب الصنف الذي يتحدد معناه من سياقه؛ فهذا إلى الدرس البالغي أقرب وصال‪.‬‬
‫استنباط‪:‬‬

‫‪22‬‬

‫إبطال فصل األصول‬

‫استبان لنا إذا أن الفقرات العشر األولى (‪ )10..1‬كانت جلها في استجالء وتمثيل لفطرة البيان‬
‫العلمي‪ ،‬فهي في‬
‫والمنطق عند اإلنسان‪ .‬وبناء واقتضاء لمعيار التناسب التركيبي لمادة البناء‬
‫ّ‬
‫بالغي‪ ،‬بإبراز األنساق البالغيّة وصور المجاز تشبيهيه‬
‫أوال ث َّم ال‬
‫خلقي ال‬
‫موضوع األساس ال‬
‫فطري َّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫فقهي وال المس َّمى‪-‬‬
‫واستعاريه‪ .‬ومنه يستنبط أنَّ هذه المادَّة ليست وال ينبغي أن تعتبر من الدّرس ال‬
‫ّ‬
‫ولي‪.‬‬
‫أص ّ‬

‫‪‬‬

‫‪23‬‬

‫إبطال فصل األصول‬

‫الفصل الثاني‬
‫سنة من الكتاب وأصوليّة النّاسخ والمنسوخ‬
‫موضع ال ّ‬

‫الفقرات الحادية عشرة‪' ،‬باب ما نزل عاما ودلت السنة خاصة على أنه يراد به الخاص' والثانية‬
‫عشرة‪' ،‬بيان فرض هللا في كتابه اتباع سنة نبيه'‪ ،‬والثالثة عشرة‪' ،‬باب ما أبان هللا لخلقه من فرضه‬
‫على رسوله اتباع ما أوحى إليه‪ ،‬وما شهد له به من اتباع ما أمر به‪ ،‬ومن هداه‪ ،‬وأنه هاد لمن اتبعه‪'.‬‬
‫أي‪:‬‬
‫استنباط‪:1‬‬
‫سنة الشريفة تبيانا لما ن ّزل من الكتاب‪ ،‬تفصيال للعام‬
‫إنَّ الفقرات (‪ )13..11‬داللتها تبيان كون ال ّ‬
‫أو تقييدا للمطلق أو غيرهما مما كان على هذا البعد‪ -‬وهذا من علم الكتاب‪ -‬مع داللة األخيرتين على‬
‫أن الحكمة مقترنة بالكتاب يراد بها سنة رسول هللا صلى هللا عليه وسلم‪.‬‬
‫بيد أنه البد من التحفظ بشأن قوله وتعبيره‪< :‬فلو آمن عبد به ولم يؤمن برسوله لم يقع عليه اسم‬
‫كمال اليمان أبدا حتى يؤمن برسوله معه>‪24‬؛ فهذا خطأ بين‪ ،‬إذ ال يحق إضافة ما ليس مذكورا بيانا‬
‫في الكتاب والسنة‪ ،‬نعني إضافته صفة 'الكامل'‪ .‬فاليمان هنا سياقا ال يكون إما نفيا أو إثباتا‪ ،‬هو يزيد‬
‫وينقص‪ ،‬ولكن ال تبعيض فيه ولحقيقته‪ .‬اليمان له أركان ال يكون إال بها مجتمعة؛ وال حقيقة وال كون‬
‫له بتخلف ركن واحد منها‪.‬‬
‫استنباط‪:2‬‬

‫‪ 24‬الرسالة‪ -‬إعداد ودراسة الدكتور محمد نبيل غنايم – إشراف ومراجعة الدكتور عبد الصبور شاهين‪ -‬ص‪85‬‬
‫‪24‬‬

‫إبطال فصل األصول‬

‫محوري فيها هو النّاسخ‬
‫سابعة عشرة (‪ )17..14‬الموضوع ال‬
‫الرابعة عشرة إلى ال ّ‬
‫من الفقرة ّ‬
‫ّ‬
‫والمنسوخ‪ ،‬وهو من صلب علم الكتاب‪ ،‬مع مالحظة الخطإ البين لإلمام الشافعي في قوله‪:25‬‬
‫<فإن قال قائل‪ :‬هل تنسخ السنة بالقرآن؟‬
‫قيل‪ :‬لو نسخت السنة بالقرآن‪ ،‬كانت للنبي فيه سنة تبين أن سنته األولى منسوخة بسنته اآلخرة حتى‬
‫تقوم الحجة على الناس بأن الشيء ينسخ بمثله‪>.‬‬
‫وكذلك يالحظ أنَّ قوله‪:26‬‬
‫<وكتاب هلل البيان الذي يشفى به من العمى ومنه الدّاللة على موضع رسول هلل صلى هلل عليه‬
‫وسلم من كتاب هلل ودينه واتباعه له وقيامه بتبيينه عن هلل‪>.‬‬
‫األول‪ ،‬شطر الفقرات العشر األولى‪،‬‬
‫هذا القول وهذه الكلمة هي جامع وخالصة ما بعد الشّطر ّ‬
‫المتعلق بفطرة البيان والعقل عند اإلنسان؛ أي خالصة الفقرات السبعة بعدها (‪.)17..11‬‬
‫صالة الذي د َّل الكتاب ثم السنة على من تزول‬
‫كذلك قوله في الفقرة السادسة عشرة‪' ،‬باب فرض ال َّ‬
‫عنه بالعذر وعلى من ال تكتب صالته بالمعصية'‪:27‬‬
‫صالة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون وال جنبا إال عابري سبيل حتى‬
‫<قال هللا‪« :‬ال تقربوا ال َّ‬
‫تغتسلوا»(النساء‪.)43‬‬
‫فقال بعض أهل العلم‪ :‬نزلت هذه اآلية قبل تحريم الخمر‪ ،‬فدل القرآن – وهللا أعلم ‪ -‬على أن ال‬
‫صالة وذكرمعه الجنب فلم يختلف أهل العلم أال‬
‫صالة لسكران حتى يعلم ما يقول إذ بدأ بنهيه عن ال َّ‬
‫صالة قبل تحريم الخمر‪ ،‬فهو حين ح هرم الخمر‬
‫صالة لجنب حتى يتطهر‪ .‬وإن كان نهي السكران عن ال َّ‬
‫أولى أن يكون منهيا بأنه عاص من من وجهين‪:‬‬

‫‪ 25‬نفس المصدر –ص‪100‬‬
‫‪ 26‬نفس المصدر‪ -‬ص‪101‬‬
‫‪ 27‬نفس المصدر‪ -‬ص‪108‬‬
‫‪25‬‬

‫إبطال فصل األصول‬

‫صالة قول وعمل‬
‫أحدهما‪ :‬أن يصلي في الحال التي هو فيها منهى‪ ،‬واآلخر أن يشرب الخمر‪ ،‬وال َّ‬
‫صالة‪ ،‬كما أمر فال تجزئ عنه وعليه إذا أفاق‬
‫وإمساك‪ ،‬فإذا لم يعقل القول والعمل والمساك فلم يأت ال َّ‬
‫القضاء‪ ،‬ويفارق المغلوب على عقله بأمر هللا الذي ال حيلة له فيه‪ :‬السكران ألنه أدخل نفسه في السكر‬
‫فيكون على السكران القضاء دون المغلوب على عقله بالعارض الذي لم يجتلبه على نفسه فيكون‬
‫عاصيا باجتالبه‪>.‬‬
‫≈‬
‫هذا الكالم أو قل هذا االختالط للشافعي ال يفسر إال عن سهو وقع منه وغفلة ألمت به؛ فإنه حين‬
‫ح هرمت الخمر نسهخت اآلية‪.‬‬
‫سابعة عشرة ففيها‬
‫الرابعة عشرة إلى ال ّ‬
‫عالوة على موضوع النّاسخ والمنسوخ في الفقرات من ّ‬
‫سنة وإعمال‬
‫أيضا بعض البيان في طريقة تأطير وتحديد الحكم الشّرع ّي من خالل معطيات الكتاب وال ّ‬
‫الحكمة والعقل كما هو مثال الوصيّة وحدّ ّ‬
‫الزنا‪.‬‬

‫‪‬‬

‫‪26‬‬

‫إبطال فصل األصول‬

‫الفصل الثالث‬
‫سنة‬
‫فقه القرآن وال ّ‬

‫الفقرة الثامنة عشرة‪' ،‬الفرائض التي أنزل هللا نصا'‪ ،‬محتواها مطابق العنوان مع استجالء وظيفة‬
‫السنة أنها تبيان لما أنزل من الكتاب‪)13..11( .‬‬
‫الفقرة التاسعة عشرة‪' ،‬الفرائض المنصوصة التي س َّن رسول هللا معها' فيها دليل ومثال بيان السنة‬
‫لما أنزل من الكتاب من خالل آية الوضوء‪)13..11( .‬‬
‫الفقرة العشرون‪' ،‬الفرض المنصوص الذي دلت السنة على أنَّه إنَّما أراد الخاص' فيها بيان أن‬
‫السنة تقيد نص القرآن‪ ،‬أي أنها ال تفصل فقط‪ ،‬بل تخصص وتقيد النص‪ ،‬وذلك من خالل آيات الميراث‬
‫وذكر موانع الرث‪ ،‬كاختالف الدين واالسترقاق والقتل العمد وغيرها من الموانع‪ ،‬وأيضا من خالل ما‬
‫أثبته النبي صلى هللا عليه وسلم من القيود في البيوع وشتى ضروب المعامالت‪)13..11( .‬‬
‫الفقرة الحادية والعشرون‪' ،‬جملة الفرائض'‪ ،‬فيها نفس الغرض من تبيان أن السنة بيان تفصيل‪ ،‬أو‬
‫بيان قيود وتخصيص‪ ،‬أو سنة فرض ابتداء‪)13..11( .‬‬
‫الفقرة الثانية والعشرون في الزكاة‪ ،‬نفس الغرض‪)13..11( .‬‬
‫الفقرة الثالثة والعشرون في الحج‪ ،‬نفس الغرض (‪ )13..11‬مع التأكيد على دليل لزومية وفرضية‬
‫صالة فيها ما يدل على فرضية السنة‪:28‬‬
‫السنة‪ ،‬وأن الحج كما الزكاة وال َّ‬
‫<فلو أن أمرا لم يعلم لرسول هللا سنة مع كتاب هللا إال ما وصفنا مما س َّن رسول هللا صلى هللا عليه‬
‫وسلم فيه معنى ما أنزله جملة‪ ،‬وأنه إنما استدرك ما وصفت من فرض هللا األعمال‪ ،‬وما يحرم وما‬
‫يحل‪ ،‬ويدخل به فيه ويخرج منه ومواقيته‪ ،‬وما سكت عنه سوى ذلك من أعماله‪ ،‬قامت الحجة عليه بأن‬

‫‪ 28‬نفس المصدر –ص‪142‬‬
‫‪27‬‬

‫إبطال فصل األصول‬

‫سنة رسول هللا صلى هللا عليه وسلم إذا قامت هذا المقام مع فرض هللا في كتابه مرة أو أكثر قامت كذلك‬
‫أبدا‪>.‬‬
‫الرسالة‪ ،‬والخامسة والسادسة والعشرون‪ ،‬في‬
‫الرابعة والعشرون نهاية الجزء ّ‬
‫األول من ّ‬
‫الفقرات ّ‬
‫العدد ومحرمات النساء ومحرمات الطعام‪ ،‬لنفس الغرض (‪ ،)13..11‬من تبيان وتفصيل ما لم يرد‬
‫التنصيص عليه لفظا وتعيينا في الكتاب‪ ،‬كالمحرمات من الطعام أو كيفية وتحقق معنى التربص للنساء‬
‫المعتدات أن غير ذلك من أمور وأحكام الشريعة التي بعث هللا تعالى بها نبيه محمدا صلى هللا عليه‬
‫وسلم‪ .‬لكن لئن كان فقه آية المحرمات من النساء يجلي كون السنة والقرآن كليهما شرع هللا تعالى ال‬
‫ينفصالن‪ ،‬وذلك من خالل تشريع حرمة الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها من خالل السنة؛ فإن هذا‬
‫الوجه الداللي ليس في آيات العدة‪ ،‬فقوله‪:29‬‬
‫<فقال بعض أهل العلم‪ :‬قد أوجب هلل على المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرا وذكر أن‬
‫أجل الحامل أن تضع‪ ،‬فإذا جمعت أن تكون حامال متوفى عنها أتت بالعدّتين معا‪ ،‬كما أجدها في كل‬
‫فرضين جعال عليها أتت بهما معا‪>.‬‬
‫هذا القول ليس يستقيم وميزان األساس األولي للمنطق والبيان؛ فآية سورة الطالق‪{ :‬والالئي يئسن‬
‫من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثالثة أشهر والالئي لم يحضن' وأوالت األحمال أجلهن أن‬
‫يضعن حملهن' ومن يتق هللا يجعل له من أمره يسرا'}(الطالق‪ )4‬فيها تخصيص لآلية‪{ :‬والذين يتوفون‬
‫منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا' فإذا بلغن أجلهن فال جناح عليكم فيما فعلن‬
‫في أنفسهن بالمعروف' وهللا بما تعملون خبير'}(البقرة‪ )232‬الناسخة آلية الحول‪{ :‬والذين يتوفون منكم‬
‫ويذرون أزواجا وصية ألزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج' فإن خرجن فال جناح عليكم في ما‬
‫فعلن في أنفسهن من معروف' وهللا عزيز حكيم'}(البقرة‪)238‬؛ وإنه ال وجه في األسس العقلية األولى‬
‫أساس فطرة وملكة البيان التي خلق هللا عليها النسان وعلمه البيان‪ ،‬وبها نتلقى خطاب الكتاب‪ ،‬ذلك أن‬
‫الجمع بين الخاص والعام أمر فاسد وباطل بالبداهة والفطرة‪ ،‬ولو جمعا ما بقي لهما معنى أصال وال‬

‫‪ 29‬نفس المصدر‪ -‬ص‪144‬‬
‫‪28‬‬

‫إبطال فصل األصول‬

‫للنَّسخ والتقييد؛ ولهذا كان عبد هللا بن مسعود رضي هللا عنه يقول‪" :‬من شاء باهلته أن قوله تعالى‪:‬‬
‫‪30‬‬
‫{وأوالت األحمال أجلهن أن يضعن حملهن} نزل بعد قوله تعالى {أربعة أشهر وعشرا}"‬
‫سالم وبيانه لسبيعة بنت الحارث األسلمية رضي هللا عنها‪" :‬قد حللت‬
‫صالة وال َّ‬
‫وأما قوله عليه ال َّ‬
‫فتزوجي" حين وضعت بعد وفاة زوجها بأيام‪ ،‬فهو تحقق عملي باآلية الكريمة‪ .‬ولهذا نجد المام‬
‫الشوكاني يقول‪< :‬والجمع بين العام والخاص على هذه الصفة ال يناسب قوانين اللغة وال قواعد الشرع‪،‬‬
‫‪31‬‬
‫وال معنى لخراج الخاص من بين أفراد العام إال بيان أن حكمه مغاير لحكم العام ومخالف له‪>.‬‬
‫في ختام الفقرة السادسة والعشرين نجد كلمة تعتبر بحق عدل شطر كل ما سبقها من الفقرات‬
‫(‪ ،)26..11‬أي كل الصنف ما بعد البالغي‪ ،‬الذي غرضه تقرير حقيقة بيان السنة لما أنزل من‬
‫الكتاب‪:32‬‬
‫<فلما س َّن رسول هللا صلى هللا عليه وسلم على المعتدة من الوفاة المساك عن الطيب وغيره‪ ،‬كان‬
‫عليها المساك عن الطيب وغيره بفرض السنة‪ ،‬والمساك عن األزواج والسكنى في بيت زوجها‬
‫بالكتاب ثم بالسنة‪ ،‬واحتملت السنة في هذا الموضع ما احتملت غيره من أن تكون السنة بينت عن هللا‬
‫نص‬
‫صالة والزكاة والحج‪ ،‬واحتملت أن يكون رسول هللا س َّن فيما ليس فيه ُّ‬
‫كيف إمساكها‪ ،‬كما بينت ال َّ‬
‫حكم لل‪>.‬‬
‫فهذه الكلمة‪ ،‬وبعد التسديد باعتبار السنة تبيانا لما أنزل من الكتاب بمعنى الشريعة‪ ،‬أي بإزاحة‬
‫وإبعاد قوله <واحتملت أن يكون رسول هللا س َّن فيما ليس في نص حكم لل‪ >.‬وباعتبار أن ‪:‬السنة بينت‬
‫صالة والزكاة والحج‪ ،‬بدليل األحرى واألولى‪ ،‬ولقوله تعالى‪:‬‬
‫عن هللا تعالى كيف إمساكها كما بينت ال َّ‬
‫{وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما ن هزل إليهم ولعلهم يتفكرون'}(النحل‪ )44‬وقوله عز وجل‪{ :‬نزلنا‬

‫‪ - 30‬وتخريجه كذلك‪ -‬الفصول في األصول لإلمام الجصاص‪ -‬دراسة وتحقيق للدكتور عجيل جاسم النشمي‪ -‬ج‪-1‬‬
‫ط‪ -2‬ص‪ :43‬وزارة الشؤون السالمية‪ ،‬دولة الكويت‪ ،‬التراث السالمي ‪1414 -14-‬ه ‪1994‬م‬
‫‪ 31‬فتح القدير‪ -‬سورة البقرة‬
‫‪ 32‬الرسالة‪ -‬ص‪150‬‬
‫‪29‬‬

‫إبطال فصل األصول‬

‫صالة‬
‫عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين'}(النحل‪ )89‬ولقوله عليه ال َّ‬
‫والسالم‪" :‬أال إني أوتيت الكتاب ومثله معه"‪..33‬‬
‫استنباط‪:‬‬
‫سنة؛ فذلكم‬
‫من حيث المعياريّة العلميّة‪ ،‬وحيث كانت الفقرات (‪ )26..11‬موضوعها فقه القرآن وال ّ‬
‫الربانيّة‪ ،‬آية المنهاج‪{ :‬ولكن كونوا ربَّانيّين بما كنتم‬
‫هو المنطبق بيانا بحقيقة علم الكتاب في آية ّ‬
‫تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون}(آل عمران‪)79‬‬
‫وال يص ّح إطالقا استبدال مبتدع من البيان 'علم األصول' بما هو بيان دال على مدلوله 'علم‬
‫لرب العالمين سبحانه!‬
‫الكتاب' بيانا بالح ّ‬
‫ق تنزيال وبيانا ّ‬
‫ويكفي بدليل األحرى استحضار قول ابن قيم الجوزية رحمه هلل‪ ،‬قوله في القياس‪:‬‬
‫«األولى تسمية القياس بما س َّماه هلل به»‪ 34‬أي الميزان على ما ذهب إليه‪.‬‬
‫ني في المنهاج‬
‫وجدليا فالحقيقة المرادة عندهم ب'علم األصول' هي أحد‬
‫الربانيّة‪ ،‬و ّ‬
‫شرطي ّ‬
‫الربا ّ‬
‫ّ‬
‫والدين هو الفقيه‪ .‬فال فصل بين ما ال ينفصل‪ ،‬أي بين الحقيقة وشرطها‪ ،‬بين الفقه وشرطه أو‬
‫شروطه؛ ذلك و'إن اآلمدي يقول‪« :‬مباحث األصوليّين في علم األصول ال تخرج عن أصول األدلة‬
‫الموصلة إلى األحكام الشرعيّة وأقسامها واختالف مراتبها وكيفية استثمار األحكام الشرعيّة منها‬
‫على وجه كلي» وعلى هذا يظهر التالزم واالرتباط بين الفقه وعلم أصول الفقه‪ 35'.‬وال فصل جائز‬
‫بين أيّة ممارسة عمليّة وقواعدها؛ ويقول الزهاوي المصري معرفا مس َّمى علم األصول ب«أنه العلم‬

‫‪ 33‬من حديث رواه أحمد في مسنده (‪ )8/410‬و(‪ )1717‬وأبو داود في سننه (‪ )4/200‬و(‪ )4604‬وغيرهما‪ :‬ملتقى‬
‫االنتصار للقرآن الكريم‬
‫‪ 34‬إعالم الموقعين عن رب العالمين‪ :‬ابن قيم الجوزية (ت‪751‬ه)‪ ،‬دار ابن الجوزي‪ ،‬المجلد الثاني‪ ،‬ص‪251‬‬
‫‪( 35‬الحكام في أصول األحكام ج‪ 1‬ص‪' :)8‬الرسالة'‪ :‬بين يدي الرسالة – محمد نبيل غنايم – ص‪41‬‬
‫‪30‬‬

‫إبطال فصل األصول‬

‫بالقواعد التي يتوصل بها إلى استنباط األحكام الشرعيّة العمليّة (الفرعيّة) عن أدلتها التفصيليّة‬
‫ا ‪36‬‬
‫توصال قريبا»‬
‫ّ‬
‫صنف‪ ،‬وتكفي مع مثالها إلى جانب‬
‫والكلمة األخيرة بالتصويب المشار إليه‪ ،‬هي قانون هذا ال ّ‬
‫علمي‪ ،‬ال أن تكون مادة التصنيف جلها أو كلها أمثلة‪ ،‬فهذا‬
‫أمثلة معدودة‪ ،‬تكفي في الدّرس ال‬
‫فقهي ال ّ‬
‫ّ‬
‫علمي‪.‬‬
‫ليس من ماهية القانون ال‬
‫فقهي وال ّ‬
‫ّ‬

‫‪‬‬

‫‪( 36‬حاشية الزهاوي على شرح المنار – ص‪ )117‬ن م‪ :‬بين يدي الرسالة – محمد نبيل غنايم – ص‪41‬‬
‫‪31‬‬

‫إبطال فصل األصول‬

‫الرابع‬
‫الفصل ّ‬
‫علل الحديث مدخال إلى ضوابط القياس‬
‫وتجليات الحكمة والقياس في علم الكتاب‬

‫‪ - 1‬علل الحديث مدخال إلى ضوابط القياس‬
‫سابعة والعشرون‪' ،‬باب العلل في الحديث'‪ ،‬بداية ومدخل الكالم في القياس على أربعة‬
‫الفقرة ال ّ‬
‫حقائق وضوابط مرتكزات هي‪:‬‬
‫‪ -1‬مبدئهيَّة الشرط البالغي‪ ،‬ملكة بيانية منطقية أساسا خل هقيا َّأوليًّا عند النسان‪.‬‬
‫‪ -2‬عدم اختالف السنة استقالال أو ضمن عالقتها ومجموعها بالكتاب‪.‬‬
‫‪ -3‬الشرط النساني في الرواية والتحمل‪.‬‬
‫‪ -4‬الحكمة في الحق والشريعة ملزمة لشرط الحكمة في القراءة واالعتبار‪.‬‬
‫وهذا ما يجمعه قوله‪:37‬‬
‫<ورسول هللا عربي اللسان‪ ،‬والدار ‪ ،‬فقد يقول القول عاما يريد به العام‪ ،‬وعاما يريد به الخاص‪،‬‬
‫كما وصفت لك في كتاب هللا وسنن رسول هللا قبل هذا‪ ،‬ويسأل عن الشيء فيجيب على قدر المسألة‪،‬‬
‫صى‪ ،‬والخبر مختصرا‪ ،‬والخبر فيأتي ببعض معناه دون بعض‪ ،‬ويحدث‬
‫ويؤدى المخبر عنه الخبر متق َّ‬
‫عنه الرجل الحديث قد أدرك جوابه ولم يدرك المسألة‪ ،‬فيدله على حقيقة الجواب بمعرفته السبب الذي‬
‫يخرج عليه الجواب‪>.‬‬

‫‪ 37‬الرسالة – ص‪154‬‬
‫‪32‬‬

‫إبطال فصل األصول‬

‫سنة'‪ ،‬وبعد إيراد وتثبيت ح ّجية ودليل القياس‪ ،‬يكمل‬
‫وهكذا في الفقرة الموالية‪' ،‬القياس على ال ّ‬
‫ويضيف إلى شرط علم الكتاب المكون اآللياتي والعقلي فيه؛ ويستخلص ذلك في قوله‪:38‬‬
‫<وأما القياس فإنما أخذناه استدالال بالكتاب والسنة واآلثار‪ ،‬وأما أن نخالف حديثا عن رسول هللا‬
‫ثابتا عنه فأرجو أال يؤخذ ذلك علينا إن شاء هللا‪ ،‬وليس ذلك ألحد‪ ،‬ولكن قد يجهل الرجل السنة فيكون له‬
‫قول يخالفها‪ ،‬ال أنه عند خالفها وقد يغفل المرء ويخطئ في التأويل‪>.‬‬
‫***‬

‫سنة‬
‫سنة لنسخ ال ّ‬
‫‪ - 2‬تحكم الشافعي في لزوم ال ّ‬
‫سنة'‪ ،‬فيها إعادة‬
‫الفقرة التاسعة والعشرون‪' ،‬أمثلة للعلل في األحاديث في العالقة بين القرآن وال ّ‬
‫لما سبق من بيان في عالقة السنة بالكتاب (‪ ،)13..11‬وبنفس األمثلة والمسائل واآليات الكريمة‪،‬‬
‫الوضوء‪ ،‬الربا‪ ،‬التحريم إلخ ‪. .‬‬
‫لكن الذي وجب التوقف عنده هو هذا التحكم والتمسك بالرأي بغير دليل‪ ،‬في تمسكه بأن نسخ‬
‫الكتاب للسنة كما هو في آية القبلة‪ ،‬يستوجب سنة من بعده‪:39‬‬
‫<قال الشافعي‪ :‬فقال لي قائل فمثل لي كل صنف مما وصفت مثاال تجمع لي فيه التيان على ما‬
‫سألت بأمر ال تكثر علي فأنساه‪ ،‬وابدأ بالناسخ والمنسوخ من سنن النبي صلى هللا عليه وسلم واذكر‬
‫منها شيئا مما معه القرآن‪ ،‬وإن كررت بعض ما ذكرت‪.‬‬
‫فقلت له‪ :‬كان أن أول ما فرض هللا على رسوله في القبلة أن يستقبل بيت المقدس للصالة‪ ،‬فكان بيت‬
‫المقدس القبلة التي ال يحل ألحد أن يصلي إال إليها‪ ،‬في الوقت الذي استقبلها فيه رسول هللا صلى هللا‬
‫عليه وسلم‪ ،‬فلما نسخ هللا قبلة بيت المقدس‪ ،‬ووجه رسوله والناس إلى الكعبة‪ ،‬كانت الكعبة القبلة التي ال‬

‫‪ 38‬نفس المصدر –ص‪157‬‬
‫‪ 39‬نفس المصدر – ص‪161‬‬
‫‪33‬‬

‫إبطال فصل األصول‬

‫يحل لمسلم أن يستقبل بيت المقدس أبدا‪ ،‬وكل كان حقا في وقته‪ ،‬بيت المقدس من حين استقبله النبي‬
‫صلى هللا عليه وسلم إلى أن حول عنه الحق القبلة‪ ،‬ثم البيت الحرام الحق في القبلة إلى يوم القيامة‪.‬‬
‫وهكذا كل منسوخ في كتاب هللا وسنة نبيه‪ ،‬قال‪ :‬وهذا مع إبانته لك الناسخ والمنسوخ من الكتاب‬
‫والسنة‪ ،‬دليال لك على أن النبي صلى هللا عليه وسلم إذا سن سنة حوله هللا عنها إلى غيرها‪ ،‬سن أخرى‬
‫يصير إليها الناس بعد التي حول عنها‪ ،‬لئال يذهب على عامتهم الناسخ فيثبتون على المنسوخ‪ ،‬ولئال‬
‫يشبَّه على أحد بأن رسول هللا صلى هللا عليه وسلم يس ُّن فيكون في الكتاب شيء يرى من جهل اللسان‬
‫أو العلم بموقع السنة مع الكتاب أو إبانتها معانيه أن الكتاب ينسخ السنة‪>.‬‬
‫≈‬
‫فهذا كالم خاطئ يقينا‪ ،‬وخطؤه وتفاقمه ظاهر في بيانه‪ .‬ومقتضاه َّ‬
‫أن القرآن وحده ال يكفي أبدا إال‬
‫بالسنة لزوما؛ وهذا ال يقوله عالم حاضر الفكر والقلب‪ .‬فمن جهة ميزان الحق ال يعتبر كالمه هذا‬
‫استدالال‪ ،‬وذلك الفتقاد االستلزام بين المقدمة ودعواه‪ ،‬إن هو إال زعم واستدالل باطل وفاسد‪.‬‬
‫وأما من جهة البيان‪ ،‬فقوله أو نطقه وتركيبه‪< :‬إذا سن سنة حوله هللا عنها إلى غيرها‪ ،‬سن أخرى‬
‫يصير إليها الناس بعد التي حول عنها> فجوهر 'أخرى' هو ذات جوهر 'غيرها'‪ .‬وإذن فالتحويل وقع‬
‫بالقرآن‪ ،‬ألن التحويل هو حقيقة النسخ مما سيأتي تفصيل القول فيه وتبيانه على نحو موسع فيما يلي من‬
‫الفصول‪.‬‬
‫***‬

‫‪ - 3‬تجليات الحكمة والقياس في علم الكتاب‬
‫وكذلك الفقرتان الثالثون 'وجه آخر من الناسخ والمنسوخ في صالة الخوف' والحادية والثالثون‬
‫'وجه آخر من الناسخ والمنسوخ في حد الزاني' إعادة على التوالي في متضمن الفقرتين الحادية‬
‫والعشرين (‪ )13..11‬والسادسة عشرة ( ‪.)17..14‬‬
‫صالة قياما وراء إمام قاعد ناسخة‬
‫الفقرة الثانية والثالثون 'وجه آخر من الناسخ والمنسوخ' في ال َّ‬
‫صالة قعودا‪)17..14( .‬‬
‫لوجوب االقتداء بالقاعد بال َّ‬
‫‪34‬‬

‫إبطال فصل األصول‬

‫الفقرة الثالثة والثالثون 'من األحاديث المختلفة في كيفية صالة الخوف' إفادة الحكمة مكونا فقهيا‬
‫تشريعيا‪ ،‬اعتبارا لجواز صيغ صالة الخوف حسب شروط الحال‪)28..27(.‬‬
‫الرابعة والثالثون 'وجه آخر من االختالف في صيغة التشهد'‪ ،‬إفادة إهمال الفروق في‬
‫الفقرة ّ‬
‫الصيغ المختلفة‪)28..27( .‬‬
‫الفقرة الخامسة والثالثون 'اختالف الرواية على وجه غير الذي قبله في الربا'‪ ،‬هنا مثال للخبرين‬
‫والحديثين أو األحاديث التي ال ينسخ بعضها بعضا‪ ،‬وإنما قد تكون على التعدد النازالتي‪ ،‬أي متعددة‬
‫تعدد اختالف تبعا لمسالكها وشروط نوازلها‪ ،‬أو يكون جائزا األخذ بها جميعا أو بعضها‪ ،‬أو يرجح‬
‫بعضها إلى بعض‪ ،‬من خالل وجوه الرواية وتأطيرها‪)28..27( .‬‬
‫الفقرة السادسة والثالثون 'وجه آخر مما يعد مختلفا وليس عندنا بمختلف‪ ،‬الوقت األفضل في‬
‫صالة الفجر'‪ ،‬نفس البعد الفقهي المشترك للفقرتين ‪ 33‬و‪)28..27( .34‬‬
‫سابعة والثالثون 'وجه آخر مما يعد اختالفا في آداب قضاء الحاجة' نفس إفادة الفقرة ‪.35‬‬
‫الفقرة ال ّ‬
‫(‪)28..27‬‬
‫الفقرة الثامنة والثالثون 'وجه آخر من االختالف في أحكام القتال'‪ ،‬نفس البعد للفقرات السابقة‪.‬‬
‫وكذلك الفقرات ‪' 39‬في غسل الجمعة' و‪' 40‬النهي عن معنى دل عليه معنى في حديث غيره‪ :‬الخطبة‬
‫صالة‪،‬‬
‫على الخطبة'‪ ،‬و‪' 41‬البيعان بالخيار ما لم يتفرقا'‪ ،‬والفقرة ‪ 42‬في األوقات المنهي فيها عن ال َّ‬
‫مثال للتوجيه الواسع للذي قبلها من الفقرات‪ ،‬بإضافة أو اعتبار حقيقة اختالف الصحابة رضي هللا‬
‫عنهم في شروط التلقي للخبر وصيغه المختلفة المفيدة للحكم وضده من النهي وعدمه‪ ،‬وكذلك الفقرة‬
‫‪ 43‬باب آخر يشبه الذي قبله في بيع التمر بالتمر‪ ،‬ومن ذات الصنف في جمع المختلف بتوجيه المعنى‪،‬‬
‫ومثلها كذلك الفقرة ‪' 44‬وجه يشبه المعنى الذي قبله في بيع السلم <بيع ما ليس عند البائع>'‪)28..27( .‬‬
‫الفقرة الخامسة واألربعون 'صفة نهي هللا ونهي رسوله <الحرام والمكروه>‪ ،‬فيها بيان الفارق بين‬
‫نهي التحريم ونهي الكراهة‪ ،‬وظاهر خطأ الشافعي في جعله وطء المرأة أو الجارية وهي صائمة مثاال‬
‫لنهي الكراهة‪)28..27( .‬‬

‫‪35‬‬

‫إبطال فصل األصول‬

‫الفقرة السادسة واألربعون 'باب العلم' تقسيم العلم‪ ،‬علم التنزيل إلى عام لزم علمه للجميع كأركان‬
‫السالم وما تقوم به‪ ،‬وعلم خاص علمه للخاصة فرض كفاية‪ ،‬شطر الكالم في الباب في أمثلة الفرض‬
‫الكفائي لبيانه‪)28..27( .‬‬
‫***‬

‫‪ - 4‬علم الحديث من صلب علم الكتاب وخبريَّة اإلجماع عند الشافعي‬
‫سابعة واألربعون 'باب خبر الواحد' تأصيل علم الحديث ومصطلحه ومعاييره‪ .‬وبه انتهى‬
‫الفقرة ال ّ‬
‫الجزء الثاني‪.‬‬
‫الفقرة ‪' 48‬في الفرق بين الشهادة وخبر الواحد' نفس الفادة لسابقتها‪)47( .‬‬
‫مكون وعنصر الراوي أو الرواة‪ .‬وفيه‬
‫وكذلك الفقرة ‪' 49‬حكم الخبر المرسل' ويؤكد خاصة على ّ‬
‫يظهر رد الشافعي ألغلب المرسل‪)47( .‬‬
‫الفقرة الخمسون 'باب اإلجماع' وهو عنده بالتأطير الك ّمي الجماعي في نقل الخبر متداخال‬
‫االصطالحي إنما‬
‫ومنطبقا على هذا البعد بحقيقة التواتر‪ .‬والمشترك مع موضوع اإلجماع بمفهومه‬
‫ّ‬
‫هو في ح ّجية اتباع الجماعة‪ ،‬من غير تض ّمن لحقيقته االجتهادية في أحكام النوازل المستجدة‪)47( .‬‬
‫ومن حيث التصنيف هنا ال يمكن إخراج علم الحديث باعتبار موضوعه المنطبق بحديث وسنة‬
‫رسول هللا صلى هللا عليه وآله وسلم تبيانا لما أنزل من الكتاب‪ ،‬ال يمكن إخراجه عن علم الكتاب‪ .‬وأما‬
‫اآللية فيه والوسيلة؛ فذلك من صنف المنطق والبيان شرطا في األهلية العلمية‪ ،‬تربو على األصل‬
‫الشرطي في التكليف وتلقي الخطاب‪ ،‬مما يندرج تحته كل ما يخص القياس وآلية االجتهاد‪ ،‬مما سيأتي‬
‫في الفقرات التالية‪.‬‬
‫***‬

‫‪36‬‬

‫إبطال فصل األصول‬

‫‪ - 5‬مفهوم القياس عند الشافعي االجتهاد وردّه لالستحسان‬
‫الفقرة الحادية والخمسون 'باب القياس ومشروعيته' يجلي ويفيد كون معنى القياس ومفهومه‬
‫عند الشافعي هو معنى ومفهوم االجتهاد‪)54( .‬‬
‫الفقرة ‪' 52‬باب االجتهاد وأدلته'(‪ )54‬وجامعه كلمته وقوله‪:40‬‬
‫<وكان عليهم تكلُّف الدّالالت بما خلق لهم من العقول التي ركَّبها فيهم‪ ،‬ليقصدوا قصد التو ُّجه‬
‫للعين التي فرض عليهم استقبالها‪ .‬فإذا طلبوها مجتهدين بعقولهم وعلمهم بالدالئل‪ ،‬بعد استعانة هلل‪،‬‬
‫والرغبة إليه في توفيقه – فقد أدَّوا ما عليهم‪>.‬‬
‫الفقرة الثالثة والخمسون 'باب االستحسان' الشافعي يردُّه‪.‬‬
‫الرابعة والخمسون 'مواصفات القياس الصحيح وكيفيته' وفيه يشير ويقول بأن دليل األولى‬
‫الفقرة ّ‬
‫واألحرى الذي تدركه العامة‪ ،‬ويس هميه هو قياس العامة‪ ،‬هذا ال يعتبره أهل العلم قياسا‪ .‬إنما القياس‬
‫عندهم ما انبنى على الشبه والمحاكاة ولو من جانب دون آخر‪ ،‬كمثال نفقة الولد على والده في كبره‪.‬‬
‫هذه الفقرة‪ ،‬الفقرة ‪ ،54‬هي أه ّم ما لزم اعتباره كمختصر في تحديد أصول األحكام وآلية القياس‬
‫ق‪.‬‬
‫الربانيّة وحقيقتها ومفهومها الح ّ‬
‫(االجتهاد) مع األمثلة‪ .‬وهذا هو بالتحديد إطار ّ‬
‫الفقرة الخامسة والخمسون 'باب االختالف' االختالف في تأويل المتن‪ ،‬كما في القرء واليالء‪،‬‬
‫واالختالف في العدة‪ ،‬وقد سبق التعرض إليه من قبل‪ ،‬وفي بعض أقضية الميراث‪ .‬وقول الشافعي في‬
‫ورث الجد‪ ،‬وما أتى به من تعليل‪ ،‬فإنه قول خاطئ ومردود‪ .‬بل إن قوله‪< :‬وإنما‬
‫كون أنه ليس باألبوة ي َّ‬
‫فعلنا هذا كله اتباعا>‪ 41‬أي المنصوص كتابا وسنة‪ ،‬فالمتبع والنص له حكمة أعالها وضوحا هي عالقة‬
‫األبوة‪ ،‬على نحو وجوب نفقة البن على الوالد كما بينه هو نفسه‪ .‬والتعليل كله عنده غير منطقي‪ ،‬وال‬
‫يثبت عقال وال ميزانا نسقيًّا‪.‬‬

‫‪ 40‬نفس المصدر –ص‪285‬‬
‫‪ 41‬نفس المصدر –ص‪337‬‬
‫‪37‬‬

‫إبطال فصل األصول‬

‫أما قوله‪< :‬ال أن حكم الجد إذا وافق حكم األب كان مثله في كل معنى>‪ ،42‬فهذا ال يقول به الميزان‬
‫والحق في المنطق والعقل‪ ،‬وإنما هو مقدمة خاطئة ال يبنى عليها حق من المقول و الحكم‪.‬‬
‫وبيان عدم صحة مقوله المقدماتي‪ ،‬هو أن األبوة هنا تعامل للحجب ليس في ذاتها وإنما في المسافة‬
‫العالقاتية بالموروث وفي عامل وبعد أو أبعاد القرابة االجتماعية وغيرها التي ليس علمها الكامل‬
‫وبالتالي مقتضاها في الحكمة‪ ،‬إال هللا سبحانه وتعالى العليم الحكيم‪ .‬وإذن فاألبوة هي العامل باعتبار‬
‫تمثيلها لمسافة وقرب عامالتي وسلَّم له مقياسه التفاضلي‪)28..27( .‬‬
‫وبناء عليه يستنبط ويتقرر عدم الصحة في تعليله وقوله‪:43‬‬
‫<وأما حجبنا به بني األم فإنما حجبناهم به خبرا ال باسم األبوة وذلك أنا نحجب بني األم ببنت ابن‬
‫ابن متسفلة‪>.‬‬
‫الفقرة السادسة والخمسون 'أقاويل الصحابة'‪ ،‬واألهم فيه قوله‪:44‬‬
‫<فقلت‪ :‬نصير منها إلى ما وافق الكتاب أو السنة أو الجماع‪ ،‬أو كان أصح في القياس‪>.‬‬
‫بالطبع فاالجتهاد هنا ليس بمعناه االصطالحي‪ ،‬وإنَّما يريد به إجماع التقرير والنقل‪)28..27( .‬‬
‫سابعة والخمسون‪ ،‬الفقرة األخيرة ونهاية الجزء األخير‪ ،‬الجزء الثالث من الرسالة التي‬
‫الفقرة ال ّ‬
‫كتبها بخطه وأجازها الربيع بن سليمان في ذي القعدة من عام ‪256‬ه‪ ،‬فيها ما يعتبر ترتيب الدليل‪،‬‬
‫والمرجع الفقهي مقدما الكتاب فالسنة المتواترة والحكم بهما‪ ،‬كما جاء في تعبير الشافعي حكم بالظاهر‬
‫والباطن‪ ،‬ثم خبر اآلحاد بالظاهر الحتمال عدم ثبوتية النص والحكم‪ ،‬ثم الجماع حسب مفهومه عنده‬
‫والقياس‪ ،‬وذلك عند الضرورة؛ فهما دون األصول األولى‪.‬‬
‫وإذا ت َّم االعتبار لمعنى الجماع عنده‪ ،‬أمكن حين التقسيم والتصنيف حسب اآلية من سورة آل‬
‫عمران‪ ،‬آية المنهاج والربانية‪{ :‬ولكن كونوا ربَّانيهين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون'}(آل‬

‫‪ 42‬نفس المصدر –نفس ص‬
‫‪ 43‬نفس المصدر –نفس ص‬
‫‪ 44‬نفس المصدر –ص‪340‬‬
‫‪38‬‬

‫إبطال فصل األصول‬

‫عمران‪)78‬؛ فاالمصادر والمراجع األربعة األولى هي الممثل والمكافئ للكتاب في اآلية والقياس هو‬
‫ممثل ومكافئ الدراسة‪ .‬وفي عموم القول واالصطالح لإلجماع فإنه ضمن الشرط الثاني للربانية‪.‬‬
‫بالتسديد والتقريب‪:‬‬
‫األولي لكل العلوم‪ ،‬ومنها سبقيته واستقالله‪.‬‬
‫‪ 10..1‬البالغة والمنطق الشّرط اآللي ّ‬
‫‪ 26..11‬و‪ 32..29‬علم الكتاب األساس المعطياتي إلنجاز الممارسة أو العمليّة الفقهيّة؛ فال يمكن‬
‫أي معنى بميزان الرحمان‬
‫تصور فقيه في الح ّ‬
‫ّ‬
‫ق دون األساس المعطياتي المنطبق بعلم الكتاب‪ ،‬ثم هو ّ‬
‫صحابة رضي هلل عنهم 'كانوا متفقين على القول بالقياس‪ ،‬وهو أحد‬
‫في البيان لقول ابن القيم‪ :‬إنَّ ال ّ‬
‫‪46 45‬‬
‫أصول الشّريعة‪ ،‬وال يستغني عنه فقيه ‪ '.‬؟!‬
‫‪ 28 -27‬و‪ 46..33‬و‪ 56..54‬مختزلة في ‪ 54- 28- 27‬الحكمة والقياس في فقه علم الكتاب؛ هي‬
‫نماذج للممارسة الفقهيّة‪.‬‬
‫‪ 50..47‬علم الحديث وهو من علم الكتاب‬
‫عقلي‬
‫‪ 54- 52- 51‬االجتهاد‪ :‬العمل بالحكمة والقياس مختزلة في ‪ 54‬ضمن الشّرط‬
‫اآللي ال ّ‬
‫ّ‬
‫استنباط خالصة‪:1‬‬
‫مكونات شرطيّة وأساسيّة من‬
‫الرسالة للشافعي ّ‬
‫ّ‬
‫مكونات مس َّمى علم األصول توافقا مع مؤلف ّ‬
‫الربانيّة‪{ :‬ولكن كونوا ربَّانيّين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم‬
‫ذات علم الفقه المحدّد تنزيال ب ّ‬
‫ني‪.‬‬
‫الربانيّة‪ ،‬والفقيه هو ّ‬
‫تدرسون'}(آل عمران‪)78‬؛ فالفقه هو ّ‬
‫الربا ّ‬

‫‪‬‬

‫‪ 45‬التسطير مني‬
‫‪ 46‬إعالم الموقعين‪ ،‬المجلد‪ ،2‬ص‪248‬‬
‫‪39‬‬

‫إبطال فصل األصول‬

‫‪40‬‬

‫إبطال فصل األصول‬

‫الباب الثاني‬
‫صاص‬
‫استقراء‬
‫موضوعاتي لمؤلف 'الفصول في األصول' للج ّ‬
‫ّ‬
‫بلورة المفاهيم الفقهيّة وسلبيّة المذهب ّية‬

‫‪41‬‬

‫إبطال فصل األصول‬

‫صاص‪:‬‬
‫اإلمام الج ّ‬
‫هو أبو بكر أحمد بن علي الرازي الجصاص‪ ،‬يرد ذكره في كتب الحنفية بلفظ‪ :‬الجصاص‪،‬‬
‫والرازي الجصاص‪ ،‬وأبو بكر الرازي‪ ،‬وأبو بكر الرازي الجصاص‪ ،‬وأبو بكر الرازي الحنفي‪،‬‬
‫وأحمد بن علي‪ .‬ولقب الجصاص نسبة للعمل في الجص‪ .‬والرازي نسبة إلى مدينة الري تم فتحتها على‬
‫عهد عمر بن الخطاب رضي هللا عنه على يد رجل من رجال الفتوح في صدر السالم‪ ،‬القائد الشاعر‪،‬‬
‫عروة بن زيد الخيل الطائي‪.‬‬
‫و هلد أحمد بن علي سنة خمس وثالثمائة بمدينة الري التي مكث فيها حتى سن العشرين‪ ،‬حيث رحل‬
‫إلى بغداد؛ فالتقى بالشيخ أبي الحسن الكرخي‪ .‬ورحل إلى األهواز‪ .‬كما خرج إلى نيسابور مع الحاكم‬
‫النيسابوري؛ وكان خروجه برأي ومشورة شيخه الكرخي‪ .‬وبموت هذا األخير سنة أربعين وثالثمائة‬
‫سوف يعود إلى بغداد بعد أربع سنين ليأخد مجلس شيخه في الدرس والفتوى‪.‬‬
‫اشتملت مؤلفات الجصاص على كتب وشروح لمختصرات المذهب الحنفي‪ ،‬كانت هي المرجع‬
‫المعتمد في حل معضالت مسائل الفقه وأصوله‪ .‬ومن أهم ما نسب إليه من المؤلفات في كتب التراجم‬
‫والسير‪:‬‬
‫ شرح الجامع الكبير و‪ -‬شرح الجامع الصغير و‪ -‬شرح المناسك لمحمد بن الحسن الشيباني‪.‬‬‫ شرح آثار الطحاوي و‪ -‬شرح مختصر الفقه و‪ -‬شرح اختالف الفقهاء للطحاوي أيضا‪.‬‬‫ شرح أدب القاضي للخصاف‪.‬‬‫ شرح مختصر الكرخي‪.‬‬‫ شرح األسماء الحسنى‪.‬‬‫ جوابات المسائل‪.‬‬‫ أحكام القرآن‪.‬‬‫‪42‬‬

‫إبطال فصل األصول‬

‫ أصول الفقه‪.‬‬‫ومما اشتهر به المام الجصاص وأجمعت عليه المصادر التاريخية هو تقواه وزهده وورعه‪ .‬توفي‬
‫رحمه هللا سنة سبعين وثالثمائة عن خمس وستين سنة‪.‬‬
‫***‬
‫مؤلف 'أصول الفقه'‪:‬‬
‫كتاب 'الفصول' أو 'أصول الفقه' هو من آخر ما كتبه الجصاص؛ فقد كتبه قبل 'أحكام القرآن' معتبرا‬
‫إياه مقدمة له‪ .‬فجاء 'خالصة مرانه وتجاربه العلمية ورحالته وتأليفه للشروح والمختصرات‪ ،‬فكان درة‬
‫في مفرق أصول فقه الحنفية‪ ،‬بما لم يسبق بمثله‪ ،‬فلما طبقه على «أحكام القرآن» صار جوهرة على‬
‫رأس أصول فقه الحنفية‪ ،‬يقصده العلماء والطالب'‬
‫هذا‪' ،‬وقد اطلع الجصاص على كتاب الرسالة لإلمام الشافعي – رحمه هللا‪ -‬ودخل معه في مناقشات‬
‫‪47‬‬
‫طويلة حادة األسلوب في بعض المواضع خصوصا في باب البيان'‪.‬‬

‫‪‬‬

‫‪ 47‬انظر 'المام الجصاص'‪ :‬الفصول في األصول‪ ،‬ج‪ ،1‬دراسة وتحقيق للدكتور عجيل جاسم النشمي‪ -‬ط‪1414 -2‬ه‪-‬‬
‫‪1994‬م تمهيد‪ ،‬ص‪26..7‬‬
‫‪43‬‬

‫إبطال فصل األصول‬

‫األول‬
‫الفصل ّ‬
‫البالغة والمنطق من حقيقة الحكيم‬

‫األول من فصول 'باب العام'‪' ،‬فصل في الظواهر التي يجب‬
‫ك ُّل كالم الجصاص في الفصل ّ‬
‫اعتبارها' إال الستة أسطر األولى‪ ،‬أي كل قوله‪:‬‬
‫<ومن الظواهر التي يجب اعتبارها‪ :‬أن يرد لفظ عموم معطوف ‪ . . .‬وهذا ال يجوز‪>.‬‬

‫‪48‬‬

‫هذا كله محض اللغو في القول‪ ،‬ال قيمة علمية له‪ ،‬بل هو مما صنفناه من كتاب ومؤلف الرسالة‬
‫للشافعي ضمن األوليات والمبدئيات البديهيات في فطرة النسان من ملكة العقل والبيان‪ .‬وذلك بالمعايير‬
‫التصنيفية للعلوم ال موضع له في علم الفقه بما هو إطار لألصول وآليات استنباط أحكام الشرع في‬
‫المستخلف فيه إلى يوم الدين‪ ،‬ال موضع له فيه؛ إنما هو منه شرط األهلية األولي الضروري‪ ،‬حقه‬
‫االعتبار كمبادئ أوليه جامعة ال ينبغي بذات المعايير أن تتجاوز نسبتها التكوينية في القول العلمي‪ ،‬هي‬
‫بالنهج الحكيم بضعة أسطر ال تعدوها وال تتجاوزها‪.‬‬
‫هذه المبدئهيَّة وكذلك عدم الفصل لألصول عن حقيقة علم الفقه‪ ،‬ذلك ليس من هوى االختيار‪ ،‬إنما هو‬
‫الحق من هللا تعالى الذي نزل الكتاب ومن أصدق من هللا حديثا‪ .‬فالفقيه ليس هو الحافظ‪ ،‬إنما الفقيه‬
‫الذي جمع إلى الحفظ وعلم األصول شرط الحكمة وأهليّة االستنباط؛ يقول سبحانه وتعالى‪{ :‬ولكن‬
‫كونوا ربَّانيهين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون'}(آل عمران‪ )78‬فالفقيه ليس هو الحافظ‪،‬‬
‫الفقيه هو الرباني‪ ،‬الحافظ أو العالم الحكيم كما جاء في تفسير ترجمان القرآن عبد هللا بن عباس رضي‬
‫َّانيين} مما قد سبق ترسيخه من العلم في كثير من المواضع مما كتبناه‪،‬‬
‫هللا عنهما في تفسير معنى {رب ه‬
‫وخاصة في الجزء األول من سلسلة المنهاج 'نقض مقولة التقسيم وتصحيح النحو العربي'‪.‬‬

‫‪ 48‬نفس المصدر –ص‪45..41‬‬
‫‪44‬‬

‫إبطال فصل األصول‬

‫أما مبدئهيَّة المكون المنطقي والبالغي فالحكيم ذلك من حقيقته ومقتضاه‪ ،‬فمن أوتهي الحكمة فقد أوتي‬
‫الفضل خير الفضل في ملكة العقل والبيان‪ .‬والتأصيل لذلك‪ ،‬أي للمنطق والبيان‪ ،‬بمعايير التصنيف‬
‫العلمي ومادة مقوله‪ ،‬ليس ينبغي وال هو من األصل في ماهية مادة الفقه أو ما اعتبر عندهم مفصوال‬
‫عنه خطأ من مس َّمى 'علم األصول'؛ فكيف والحال هذه أنه الشطر منه بل جله؟!‬
‫فالصالح والمالئم تناسبا بيانيا مع عنوان الباب هو قوله في أوله‪:49‬‬
‫<من الظواهر التي يجب اعتبارها‪:‬‬
‫ما روى في خبر ابن عمر أن النبي صلى هللا عليه وسلم‪ :‬سئل عن الماء يكون في فالة من‬
‫األرض‪ ،‬وما ينوبه من الدواب والسباع‪ ،‬فقال‪( :‬إذا كان الماء قلتين لم يحمل خبثا)‪ ،‬فسئل عن حكم‬
‫النجاسات‪ ،‬فأجاب عن الدواب والسباع بجواب مطلق‪ ،‬فدل على نجاسة سؤر السباع‪ ،‬لوال ذلك لبينه‬
‫عليه السالم‪ ،‬وفصل حكمه في الجواب‪.‬‬
‫فهذا وما جرى مجراه‪ ،‬هو من الظواهر التي يجب اعتبارها في إيجاب األحكام بها‪>.‬‬
‫والكالم بعد هذا كله مختلط‪ ،‬غاب فيه انحفاظ الوصل بالميزان بين الحقائق الفكرية والتعبير عنها‬
‫باللسان؛ ذلك أن االشتراك اللفظي في 'العطف' هو مكمن هذا الخلط‪ .‬وكان يكفي العمل بالتمييز بين‬
‫بياني األ ّولي‬
‫عقلي وال‬
‫ّ‬
‫عطف الجمع وعطف االستئناف‪ ،‬مما هو من الفروق البديهية في األساس ال ّ‬
‫لإلنسان‪ ،‬مما أكد الشافعي بقوة على وجوب تقريره كما سلف ذكره‪ ،‬هي الحقيقة التي عبر عنها‬
‫الجصاص نفسه بقوله‪:50‬‬
‫<فإن قال قائل‪ :‬وقوله تعالى‪« :‬وأوالت األحمال أجلهن أن يضعن حملهن»(الطالق‪ )4‬غير مكتف‬
‫بنفسه في إفادة الحكم ألن معناه غير مفهوم من ظاهره إذ ليس األجل مختصا بال هعدد دون غيرها‪ .‬قيل‬
‫له‪ :‬هذا المعنى الذي ذكرناه كان معقوال من ظاهر اآلية عند المخاطبين بها ولم يكونوا مفتقرين عند‬
‫سماعها في معرفة حكمها إلى بيان يرد من غيرها‪>.‬‬

‫‪ 49‬انظر تخريج الحديث الوارد في المرجع أعاله أسفل ص‪42‬‬
‫‪ 50‬نفس المصدر‪ -‬ص ‪42‬‬
‫‪45‬‬

‫إبطال فصل األصول‬

‫≈‬
‫فالواو أو العطف من قوله تعالى {والالئي يئسن من المحيض‪ }..‬عطف استئناف‪ .‬أ ّما من قوله‬
‫تعالى {والالئي لم يحضن'} فعطف جمع وربط‪ ،‬ال يحق فصل ما بعدها عما قبلها كالما ومنطقا ونصا‬
‫قانونيا وتشريعيّا‪ ،‬بخالف االستئناف‪.‬‬
‫ف التعبير عنه باستشكال؛ فساق من أجله حديث ابن مسعود رضي هللا‬
‫وهذا ما نرى محاولة المصنه ه‬
‫عنه في كون آية الطالق نزلت بعد آية أربعة أشهر وعشرا‪ ،‬وكان يكفيه القول بأن آية الطالق نسخ‬
‫بالتخصيص‪ .‬وقد سبق نفس الشكال عند المام الشافعي في الفقرة الرابعة والعشرين 'في العدد وفي‬
‫محرمات النساء' وذلك حين اعتبر نصوص القرآن جميعا وآية الطالق مفتقرة لبيان وحديث سبيعة بنت‬
‫الحارث األسلمية رضي هللا عنها‪ .‬وهو اعتبار ال يصح في معرض العلم والتمحيص؛ فآية الطالق‬
‫ناسخة بالتخصيص‪ ،‬وحديث سبيعة تحقق وتالوة عملية لمضمون الحكم‪.‬‬
‫أما قوله أو كالمه أو تفصيله بأي ه المعنى شئنا من هذه المعاني‪:51‬‬
‫<ومن نظائر ذلك قول هللا تعالى‪« :‬والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا»(المائدة‪)38‬‬
‫إلى قوله «فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح»(المائدة‪ )39‬كالم مكتف بنفسه لو ابتدئ الخطاب به صح‬
‫معناه‪ ،‬وال يجوز أن يجعله مضمنا لبيان السرقة‪.‬‬
‫فنستدل به على سقوط القطع بالتوبة‪ ،‬وليس هذا كقوله تعالى في شأن المحاربين‪ :‬إال الذين تابوا‬
‫من قبل أن تقدروا عليهم (المائدة‪ ،)34‬ألن قوله تعالى راجع إلى المذكورين ألن فيه كناية ال بد أن‬
‫يكون له مظهر يرجع إليه وهم من تقدم ذكرهم‪ ،،‬وألنه استئناف غير مكتف بنفسه إال بتضمينه بما‬
‫قبله‪.‬‬
‫وكل معطوف على غيره ال يستقل بنفسه إال بتضمينه بما قبله وجب رده إليه وتضمينه به‪ ،‬نحو‬
‫قوله تعالى‪« :‬فواحدة أو ما ملكت أيمانكم»(النساء‪ ،)3‬هذا خطاب لو ابتدأ لم يفد معنى‪ ،‬فصح أنه‬
‫معطوف على ما تقدمه‪ ،‬وأن النكاح المبدوء بذكره مضمر فيه‪ ،‬فصار تقدير اآلية‪« :‬فانكحوا ما طاب‬

‫‪ 51‬نفس المصدر‪ -‬ص‪45-44‬‬
‫‪46‬‬

‫إبطال فصل األصول‬

‫لكم من النساء»(النساء‪ )3‬وانكحوا ما ملكت أيمانكم‪ ،‬ويكون النكاح المضمر في ملك اليمين هو النكاح‬
‫المبدوء بذكره وهو العقد القتضاء اللفظ إضماره بعينه‪.‬‬
‫ومن حمله على الوطء فإنما أضمر فيه معنى لم يجر له ذكر في الخطاب وترك ما هو مذكور فيه‬
‫وهذا ال يجوز‪>.‬‬
‫≈‬
‫علمي‪ ،‬أن مذهب القول‬
‫فهذا من البدائه‪ ،‬وقيمته العلميّة بمعيار الموضوعاتيّة‪ ،‬أو مادة المقول ال ّ‬
‫نطقي‬
‫فيه هو التأصيل لملكة المنطق والبيان الفطريّة في اإلنسان والتأصيل ألوليات الدّرس الم‬
‫ّ‬
‫بالغي‪ .‬وكما قلنا فإن لإلمام الشافعي رحمه هلل تعالى عذرا أن كان في طور أولي في هذا الشأن‬
‫وال‬
‫ّ‬
‫والتصنيف ألوليات علم الفقه‪ ،‬غير مفصول لزم اعتباره عن األصول‪ ،‬فكان من األولى استنباط‬
‫شرطيّتهما‪ ،‬أي المنطق والبالغة‪ ،‬ال كونهما من مادة علم الفقه‪.‬‬
‫إننا نسوق هذا القول بمجمله ليكون أوضح لحقيقة الغاية والمقصد من كتابنا هذا‪ ،‬وليكون فيه الكفاء‬
‫لكل الصنف من مثاله وقبيله مما سيلي من غالب وجل مادة مس َّمى 'علم األصول'‪.‬‬
‫أما كالمه عن المراد من لفظ 'النكاح' العقد أو الوطء فال إضافة يفيدها ويضيفها‪ ،‬فبعضه تابع‬
‫لبعض‪ .‬وقوله َّ‬
‫إن النكاح المضمر في ملك اليمين هو النكاح المبدوء بذكره ليس صحيحا‪ .‬ودليله أن‬
‫تركيب اآلية وأسلوبها منبن على اختالف ما بعد الفاء عما قبلها‪.‬‬
‫وكذلك قوله‪:52‬‬
‫صريح دون الكناية حتى تقوم الداللة على أن المراد الكناية‪،‬‬
‫<ومتى ورد مطلقا وجب حمله على ال َّ‬
‫وذلك نحو قوله تعالى‪ :‬أو المستم النساء‪.‬‬
‫فاللمس حقيقة باليد ونحوها فهو كناية عن الجماع فغير جائز أن يكون المراد به المعنيين جميعا في‬
‫حال واحدة‪.‬‬

‫‪ 52‬نفس المصدر‪ -‬ص ‪50..48‬‬
‫‪47‬‬

‫إبطال فصل األصول‬

‫ويدل على انتفاء إرادة المعنيين جميعا َّ‬
‫أن الصحابة لما اختلفت في مراد اآلية أن كل من أثبت‬
‫المراد أحد المعنيين نفى المعنى اآلخر أن يكون مرادا‪ ،‬وذلك أن أمير المؤمنين عليا وابن عباس رضي‬
‫هللا عنهما قاال المراد الجماع‪ ،‬وكان عندهما أن اللمس باليد غير مراد‪ ،‬وقال عمر وعبد هللا بن مسعود‬
‫رحمة هللا عليهما المراد اللمس باليد دون الجماع‪ ،‬فكانا من أجل ذلك ال يريان للجنب أن يتيمم فحصل‬
‫من اتفاقهم انتفاء إرادة المعنيين جميعا بلفظ واحد وهذا يدل على أنهم كانوا ال يجيزون إرادة المعنيين‬
‫بلفظ واحد على الحد الذي بيناه‪>.‬‬
‫≈‬
‫فهذا القول يحمل ثالثة عناصر؛ اثنين من البداهة واألولية في البالغة والبيان كون هيكلتهما الحق‬
‫والميزان؛ أولهما أن ال اعتبار للمتناقضين في ذات اآلن المنطقي العقلي‪ .‬والثاني‪ ،‬فقوله حمل اللفظ‬
‫صريح من الداللة دون الكناية؛ هذا من البديهيات المسلمات‪ .‬لكن يبقى أهم قانون في قوانين‬
‫على ال َّ‬
‫البالغة والبيان أن ال داللة للفظ إال مع السياق‪ .‬والسياق هنا بارز المنحى واضح حال القول والمقام‪ ،‬ال‬
‫يوضع فيه لفظ المالمسة إال على معنى الجماع‪ ،‬ولوال هذا القانون التأطيري الفطري لما كان حقيقة‬
‫للحقيقة والمجاز‪ ،‬ولما كان ذلك للكناية وال للتأويل‪ ،‬ولما كان للبيان النساني متسع المناحي واالنفتاح‬
‫البداعي في تصريف عناصر معجمه اللغوي‪ .‬ومنه يتجلى العنصر الثالث‪ ،‬وهو المكون الفقهي الذي‬
‫وجب اعتباره مبدءا علميا فقهيا‪ ،‬وهو أن ال عصمة إال للوحي الكريم كتابا وسنة ثابتة‪ .‬ومراجعة‬
‫الصحابة رضي هللا عنهم في أقوالهم وتخطئتهم بعضا لبعض ثابتة‪.‬‬
‫وقوله‪:53‬‬
‫<ومن الظواهر ما يقضي عليه داللة الحال فينقل حكمه إلى ضد موجب لفظه في حقيقة اللغة محو‬
‫قوله تعالى‪« :‬اعملوا ما شئتم»(فصلت‪« )40‬فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر»(الكهف‪« )29‬واستفزز‬
‫من استطعت منهم»(السراء‪ )64‬ونحو ذلك‪.‬‬
‫فلو ورد هذا الخطاب مبتدئا عاريا عن داللة الحال لكان ظاهره يقتضي إباحة جميع األفعال وهو‬
‫في هذه الحال وعيد وزجر بخالف ما يقتضيه حكم اللفظ المطلق العاري عن داللة الحال‪>.‬‬

‫‪ 53‬نفس المصدر –ص‪50‬‬
‫‪48‬‬

‫إبطال فصل األصول‬

‫≈‬
‫فهذا التوجيه لمنحى الخطاب من خالل داللة الحال‪ ،‬هو عينه وهو بالضبط القانون النظماتي‬
‫الفطري في األساس الخلقي لإلنسان‪ ،‬فطرة هللا الذي خلق النسان وعلمه البيان‪ .‬وهو الذي يعين معنى‬
‫المالمسة في اآلية الجماع‪ .‬وهو من أوليات الدرس البالغي كما سلفت الشارة إليه‪.‬‬
‫***‬

‫صالة في الدار المغصوبة بخبر "من أحدث في‬
‫وبخصوص إلحاق ووصل االختالف بشأن ال َّ‬
‫أمرنا ما ليس فيه فهو رد"‪ 54‬فال يستقيم وال يتناسب‪ ،‬ألن الخبر بتوجيه مادة الفعل 'أحدث' بمعنى ابتدع‪،‬‬
‫و'أمرنا' بمعنى الدين مباين في موضوعه لموضوع االختالف‪ ،‬الذي هو محض مبحث خاص ومسألة‬
‫محددة في نازلة معينة‪ .‬والوضع الناجع في المسألة هو‪< :‬إن مجال الدار المغصوبة ليس مجاال مهيمنا‬
‫على غيره وجميع ما دونه من المجاالت الوجودية‪ ،‬بل مجال الدار المغصوبة هو داخل ومهيمن عليه‬
‫بمجال الحق الذي هو مجال الكون كله‪ ،‬وكل ما في السماوات وما في األرض إال آتي الرحمان عبدا‪.‬‬
‫فعالقة العبودية وأمر الحق هو سار مهيمن على كل نقاط الوجود والكون‪ ،‬فالدار المغصوبة ليست‬
‫صالة واألمر‬
‫خارج هذا القهر والمجال واألمر‪ .‬العبد ال يخرج عن كونه عبدا في الدار المغصوبة‪ ،‬وال َّ‬
‫كله سار فيها‪ .‬أما القبول ففيه قوله تعالى‪ {:‬إنما يتقبل هللا من المتقين'}(المائدة‪ ،)29‬وأما كونه اغتصب‬
‫الدار فقط ليصلي فهذا من شر الغلوطات‪ ،‬فإن شرط التكليف أصال العقل‪ ،‬ثم يوجهه نص اآلية السابقة‬
‫‪55‬‬
‫ونص حديث الرسول صلى هللا عليه وسلم‪" :‬ال صالة لمن لم تنهه صالته عن الفحشاء والمنكر" >‬

‫‪‬‬

‫‪ 54‬رواه الشيخان وغيرهما عن عائشة رضي هللا عنها‪ ،‬واللفظ للبخاري‪( .‬أسفل ص ‪ 55‬للفصول في األصول)‬
‫‪ 55‬سيأتي تفصيله فيما بعد‬
‫‪49‬‬

‫إبطال فصل األصول‬

‫الفصل الثاني‬
‫صاص في نظمة المفاهيم‪ :‬المبهم – المعجمي ‪ -‬العا ّم – المجمل‬
‫اختالط الج ّ‬

‫صاص حصل لديه تداخل معنى المجمل بالمبهم‪ .‬والذي ينبغي‬
‫في 'باب في المجمل' يالحظ أنَّ الج ّ‬
‫ضبطه بدءا هو تمييز المجمل عن العام‪ .‬فنقول‪:‬‬
‫المجمل ما يحتاج إلى تفصيل وبيان‪ ،‬والعا ُّم ممث ّل لما تحته من غير حاجة لبيان أو تفصيل أو تعيين‪.‬‬
‫فقوله‪:56‬‬
‫<فنحو قوله تعالى‪« :‬قل هللا يفتيكم في الكاللة»(النساء‪«)176‬وآتوا حقه يوم حصاده»(األنعام‪)141‬‬
‫و«حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون»(التوبة‪«)29‬فقد جعلنا لوليه سلطانا» وقول النبي صلى‬
‫هللا عليه وسلم «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا ال إله إال هللا‪ ،‬فإذا قالوها عصموا مني دماءهم‬
‫وأموالهم إال بحقها»‪ .‬وقوله صلى هللا عليه وسلم «يأتي على الناس زمان يؤتمن فيه الخائن ويخون فيه‬
‫األمين ويتكلم فيه الرويبضة‪ ،‬قيل يا رسول هللا وما الرويبضة‪ ،‬قال سفيه القوم يتكلم في أمر العامة»‬
‫وقد كان السامعون له من أهل اللغة ولم يعرفوا معناه حتى بينه لهم بعد سؤالهم إياه‪ .‬وكقول القائل اعط‬
‫زيدا حقه فهذا هو المجمل الذي إجماله في نفس اللفظ وال سبيل إلى استعمال حكمه إال ببيان من‬
‫غيره‪>.‬‬
‫≈‬
‫نعم إن' إال بحقها' و'حقه' في الحديث الشريف واآلية الكريمة‪ ،‬هو من المجمل‪ .‬أما حديث‬
‫"سيأتي زمان على أمتي ‪ "...‬و'الكاللة' في اآلية الكريمة فذلك ليس منه‪ ،‬إنما هو من المبهم‪ .‬وكذلك‬
‫ما ورد عنده من لفظ 'الربا'‪:57‬‬

‫‪ 56‬نفس المصدر –ص‪64‬‬
‫‪50‬‬




Télécharger le fichier (PDF)

إبطالُ فصْل الأصُول.pdf (PDF, 9.5 Mo)

Télécharger
Formats alternatifs: ZIP







Documents similaires


fichier pdf sans nom 2
8dm8jg7
50qesfa
hcpj3ru
771aac5

Sur le même sujet..