ضلال المقاصديين .pdf



Nom original: ضلال المقاصديين.pdf

Ce document au format PDF 1.5 a été généré par Microsoft® Word 2016, et a été envoyé sur fichier-pdf.fr le 19/10/2016 à 01:38, depuis l'adresse IP 45.216.x.x. La présente page de téléchargement du fichier a été vue 267 fois.
Taille du document: 8.8 Mo (417 pages).
Confidentialité: fichier public


Aperçu du document


‫ضالل المقاصديين‬

‫ي‬
‫الفقيه ال ر ّ بان ّ‬
‫إ ْب طال ف ْ‬
‫ص ل األ ص ول و ضَ الل ال َ‬
‫ص د ي ّين‬
‫م قا ِ‬

‫الجزء الثاني‬

‫َ‬
‫صدي ّين‬
‫ضالل المقا ِ‬

‫‪‬‬
‫‪‬‬

‫‪‬‬

‫رشيد بلواد‬
‫‪1438‬ه – ‪2016‬م‬
‫‪1‬‬

‫ضالل المقاصديين‬

‫ضالل المقاصديّين‬

‫رشيد بلواد‬
‫‪1438‬ه – ‪2016‬م‬

‫‪2‬‬

‫ضالل المقاصديين‬

‫د من التّنبيه إلى ّ‬
‫'ولكن ال ب ّ‬
‫أن هذا العلم قد أصبح عند بعض النّاس ليس‬
‫في حالة م ّ‬
‫ّ‬
‫الشريعة‬
‫د فحسب بل في حالة طوفان وفيضان رب ّما أودى ب‬
‫ّ‬
‫والفض‪ ،‬وقادهم إلى التّطاول على‬
‫وبمقاصدها وعاد عليها بالنّقض‬
‫ُّ‬
‫النصوص اإللهية واألحاديث النبوية‪ ،‬والبعض اآلخر ينادي ببناء علم جديد‬
‫‪1‬‬
‫ّ‬
‫الشريعة‪'.‬‬
‫مستقل عن علم األصول هو علم مقاصد‬

‫دين بن المختار الخادمي‪ :‬االجتهاد المقاصِد ّ‬
‫د‪ .‬نور ال ّ‬
‫ي‪ ،‬حجيته‪..‬ضوابطه‪..‬مجاالته‪ ،‬ج‪ ،1‬ص‪ ،144‬كتاب األ َّمة‪،‬‬

‫‪1‬‬

‫جمادى األولى ‪1419‬ه‬
‫‪3‬‬

‫ضالل المقاصديين‬

‫الباب األول‬
‫صد ّ‬
‫ي‬
‫فساد المكوّن البيان ّ‬
‫ي المقا ِ‬
‫ب ْؤرة الجويني‬
‫ل عقدة َّ‬
‫ي في ح ّ‬
‫ال َ‬
‫التعليل‬
‫م ْنظَم الثالث ّ‬

‫‪4‬‬

‫ضالل المقاصديين‬

‫الفصل األول‬

‫ي‬
‫أصحاب المقاصد والبيان العلم ّ‬
‫أو‬
‫صدي ّون وميزان البيان‬
‫المقا ِ‬

‫‪5‬‬

‫ضالل المقاصديين‬

‫ي‬
‫‪ -1‬حقيقة العلم والبيان العلم ّ‬

‫إ ّ‬
‫ن هللا ج َّ‬
‫ّ‬
‫للحق من ذاته‬
‫الحق‪ ،‬وجعل‬
‫ل وعال كفل قيام السماوات واألرض ب‬
‫ِّ‬
‫ّ‬
‫بحق من جنده عزّ وج ّ‬
‫ل‪ -‬وما يعلم جنود‬
‫ذوادا؛ وذلك من خالل قوانينه التي هي‬
‫ربِ ّك إال هو ‪ -‬يقول سبحانه وتعالى‪{ :‬قل هاتوا برهانكم إن كنتم‬
‫صادقين'}(البقرة‪ ،)110‬برهان صدق المقول والدعوى أو الم ّ‬
‫دعى؛ و الصّدق مطابقة‬
‫الح ّ‬
‫ة مجالِه‪.‬‬
‫قِ واالنتظام فِي نظمتِه والتوافق مع دال ّ ِ‬
‫وقصدا في القول لن نستطرد في تفصيل معنى االنتظام والتوافق البنيو ّ‬
‫ي‬
‫ي حقيقة عند أهل العلم والمناطقة؛ فذلك في مظانه ألهله‪،‬‬
‫كخاصّة للبناء العلم ّ‬
‫ومن ابتغى الورد من معينه فلك ّ‬
‫ل مشربه‪ .‬ولقد سبق أن عرضنا لهذا الحي ّز من‬
‫شرط العلمي ّة ووثوقها والرّسوخ فيها في ج ّ‬
‫ل ما شاء هللا لنا بتوفيق وهدي منه أن‬
‫َّ‬
‫وإن من خير‬
‫نعرض له ونكتبه‪ ،‬وخاصّة في كتابنا 'د‪ .‬طه عبد الرحمان في الميزان'‪.‬‬
‫ما قاله أبو حامد الغزالي رحمه هللا‪:‬‬
‫د» و«البرهان»‪ .‬ونذكر شرط الح ّ‬
‫<مدارك العقول‪ ،‬وانحصارها في «الح ّ‬
‫د‬
‫ي‪ ،‬وأقسامهما‪ ،‬على منهاج أوجز مما ذكرناه في‬
‫ي‪ ،‬وشرط البرهان الحقيق ّ‬
‫الحقيق ّ‬
‫كتاب «مح ّ‬
‫ك النظر»‪ ،‬وكتاب «معيار العلم»‪.‬‬
‫وليست هذه المق ّ‬
‫دمة من جملة علم األصول‪ ،‬وال من مقدماته الخاصّة به‪ ،‬بل‬
‫‪2‬‬
‫هي مق ّ‬
‫دمة العلوم كلها‪ ،‬ومن ال يحيط بها فال ثقة له بعلومه أصال‪>.‬‬
‫ورحمة بالذين يعقبون على الغزالي وغيره في هذه الكلمة والمبدإ تحديدا‪،‬‬
‫يقفون ما ليس لهم به علم‪ ،‬فإن ّه إن كان المنطق ليس إال المجموع القوانيني‬
‫الحق؛ فإنا نزيدهم بيانا بأ ّ‬
‫ّ‬
‫ن هذا االنتظام ال يعدو ما‬
‫المنتظم لمقتضيات انتظام‬
‫يتلى في قوله تعالى‪{ :‬الذي خلق سبع سماوات طباقا' ما ترى في خلق‬
‫الرحمان من تفاوت' فارجع البصر هل ترى من فطور' ثم ارجع البصر كرّتين ينقلب‬
‫إليك البصر خاسئا وهو حسير' ولقد زي ّنا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما‬
‫َّ‬
‫السعير'}(الملك‪)5..3‬‬
‫للشياطين وأعتدنا لهم عذاب‬

‫‪2‬‬

‫المستصفى من علم األصول لإلمام الغزالي‪ -‬تحقيق وتعليق الدكتور محمد سليمان األشقر‬
‫ّ‬
‫مؤسسة الرسالة – ج‪ – 1‬ص‪45‬‬
‫‬‫‪6‬‬

‫ضالل المقاصديين‬

‫ّ‬
‫حصنا‪ .‬ومنه‪،‬‬
‫على ميزان ومعيار‬
‫الحق إذا يكون االنتظام لألبنية العلمي ّة جنّة و ِ‬
‫وهذا مسلك أوّلي عند المناطقة والرّياضيين‪ ،‬يكفي فساد إسقاط على أ ّ‬
‫ي اتجاه‬
‫أو دال ّة‪ ،‬للحكم بفساد وخطإ الك ّ‬
‫ل‪.‬‬
‫هكذا وإذا تقدم أحد من النّاس يزعم أنه أتانا يحمل علما ينتفع النّاس به‪ ،‬قلنا‬
‫له هات العلم هذا الذي تزعم‪ ،‬لننظر أعلم هو ح ًّقا‪ ،‬أم أنت واهم فيه من‬
‫دعين؟! ون ِقفه أ ّ‬
‫ّ‬
‫الم ّ‬
‫الحق والمنطق كمنظومة مفاهيميّة ومجموع‬
‫ن العلم في‬
‫ع ْل َ‬
‫م من دون وجود‬
‫ي؛ فال ِ‬
‫ي نظريات ّ‬
‫معرفي مترابط منطقي ًّا‪ ،‬له أساس هيكل ّ‬
‫على األق ّ‬
‫ل ولو نظريّة واحدة يقوم عليها بناؤه وينتظمه هيكلها وال يكون‬
‫ّ‬
‫ي إلى حقيقة النظري ّة‪ ،‬التي أهم أركانها‪:‬‬
‫إال بها‪ .‬ومنه يؤول‬
‫الشرط العلم ّ‬
‫‪ -1‬المسل ّمات‬
‫‪ -2‬الفرضيّة‬
‫‪ -3‬المبرهنات‬
‫‪ -4‬سريان الفرضيّة نتاجا في المجال‬

‫ولهذا ال ينبغي خلقا علمي ّا وأدبي ّا اإلسراف في استعمال لفظ النظري ّة أو النظري ّات‬
‫علما للرّسوم واأللفاظ‬
‫حيث ال وجود لحقيقتها إال في األلفاظ! وكأن َّما العلم أضحى ِ‬
‫ة الرّسو ِم واأللفاظ‪.‬‬
‫ال لح ِقيق ِ‬
‫ي‪ ،‬وهو كذلك متميّز بالتداخل البنيو ّ‬
‫ي المشاكل‪:‬‬
‫ويبقى أهم وجه إسقاط ّ‬
‫ّ‬
‫ي‪ ،‬للبنية‬
‫ي في بنيته الكليّة المشاكلة للعناصر أو‬
‫بأدق التعبير العلم ّ‬
‫الوجه البيان ّ‬
‫ّ‬
‫المنطقي ّة‪ ،‬والمتض ّ‬
‫المختص‪ ،‬الذي ليس يلزم فيه ابتداء سوى خاصّة‬
‫من للقاموس‬
‫االنتظام‪.‬‬

‫‪‬‬

‫‪7‬‬

‫ضالل المقاصديين‬

‫صدي ّين‬
‫‪ - 2‬تطبيق على زعم المقا ِ‬
‫وال زال البحث جاريا عن تعريف المقاصد‪ 3‬المفقود!‬

‫بِ ْنت العجائب كل ّها ألن ّها نالت من عجبها كلها‪ ،‬وإن شئت قلت َّ‬
‫أم‬
‫العجائب كلها ألنها بزّتها جميعا‪ ،‬هي أ ّ‬
‫ّ‬
‫ي‬
‫ن‬
‫الشرط األوّلي في القاموس العلم ّ‬
‫ّ‬
‫ي‬
‫كمعجم أساس في بيان البناء‪،‬‬
‫ي في جوهري ّة العنصر البيان ّ‬
‫الشرط البداه ّ‬
‫ي لفظ‬
‫ي‪ ،‬شرط التّحديد غير متوفّر في المرتكز والمناط البيان ّ‬
‫المنطق ّ‬
‫'المقاصد'‪.‬‬
‫يقول د‪ /‬محمد سعد بن أحمد بن مسعود اليوبي في الفصل األول من الباب األول‬
‫ّ‬
‫الشريعة باعتبارها علما على علم معين'‪:‬‬
‫في المبحث الثاني 'تعريف مقاصد‬
‫<لم أعثر على تعريف للمقاصد بهذا االعتبار في كتب المتقدمين من‬
‫األصوليين حتى عند من له اهتمام بالمقاصد منهم كالغزالي و ّ‬
‫الشاطبي وإنما‬
‫ّ‬
‫الشريعة‪ ،‬أو ال َّتقسيم ألنواعها فنجد مثال‬
‫يكتفون بالتنصيص على بعض مقاصد‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫الشرع من الخلق خمسة وهو أن‬
‫الشريعة بقوله‪« :‬ومقصود‬
‫الغزالي يذكر مقاصد‬
‫يحفظ عليهم دينهم‪ ،‬ونفسهم‪ ،‬وعقلهم‪ ،‬ونسلهم‪ ،‬ومالهم‪ ،‬فكل ما يتضمن حفظ‬
‫هذه األصول الخمسة فهو مصلحة وكل ما يفوّت هذه األصول فهو مفسدة ودفعها‬
‫‪4‬‬
‫مصلحة ‪». . .‬‬
‫ومن الواضح أن الغزالي هنا لم يرد بكالمه أن يعطي تعريفا دقيقا للمقاصد‪،‬‬
‫وإنَّما أراد حصر المقاصد في األمور المذكورة‪.‬‬
‫وقد رأى بعض الباحثين أن الغزالي قد تع َّرض لتعريف المقاصد في «شفاء‬
‫الغليل» حيث قال‪« :‬فرعاية المقاصد عبارة حاوية لإلبقاء ودفع القواطع وللتحصيل‬
‫‪6‬‬
‫على سبيل االبتداء»‪>.5‬‬

‫نحتفظ باللفظ 'مقصد' أو مقاصد' رغم خطأ استعماله ضرورة جدليّة منهجية‬

‫‪3‬‬

‫المستصفى ص ‪2514‬‬
‫شفاء الغليل ص ‪1595‬‬
‫ّ‬
‫الشريعة وعالقاتها باألدلّة الشرعيّة‪ ،‬دار الهجرة والنشر للتوزيع‪ ،‬ط‪ ،1‬الرياض‪ ،‬ص‪ :34..33‬د‪ /‬محمد سعد‬
‫مقاصد‬

‫‪6‬‬

‫بن أحمد بن مسعود اليوبي‬
‫‪8‬‬

‫ضالل المقاصديين‬

‫≈‬
‫بالطّبع فكالمه 'ومن الواضح ‪ . .‬المذكورة' غير سديد؛ فهنا ليس ينبغي إال‬
‫ي الذي تبنى عليه‬
‫ي والمنطق ّ‬
‫النّفي أو اإلثبات لحقيقة التّعريف بمعناه العلم ّ‬
‫ي‪ .‬وكالم الغزالي أعاله من جهة الصّيغة هو صيغة‬
‫العلوم؛ فقوله هذا غير علم ّ‬
‫ي‪ ،‬قسم التّعريف باإلدراك‬
‫تعريفية علمي ّة جامعة بين قسمي التّعريف المنطق ّ‬
‫وقسم التّعريف بالتّفصيل؛ ذلك أنه أتى بتفصيل وذكر العناصر‪ ،‬المنطبقة باألصناف‬
‫المع َّرفة باإلدراك‪{ :‬كل ما يحفظ ال ّ‬
‫دين}‪{ ،‬كل ما يحفظ النفس} ‪ . .‬لكنها غير‬
‫منطبقة بالجوهر موضوع التّعريف كما سوف يتّضح‪.‬‬
‫ّ‬
‫الشريعة'‬
‫كذلك نبدأ تصفحنا لمؤلف أ‪ .‬د‪ /‬أحمد الريسوني 'مدخل إلى مقاصد‬
‫على ما يلي‪:‬‬

‫'المق ّ‬
‫دمة‬
‫وفيها مسألتان‪:‬‬
‫ّ‬
‫الشريعة‪.‬‬
‫األولى‪ :‬في مصطلح مقاصد‬
‫ّ‬
‫الشريعة‪.‬‬
‫الثانية‪ :‬حاجتنا إلى مقاصد‬
‫المسألة األولى‬
‫ّ‬
‫الشريعة»‬
‫في مصطلح «مقاصد‬
‫المقصود أو المقصد‪ :‬هو ما تتعلق به نيتنا وتتجه إليه إرادتنا‪ ،‬عند القول أو‬
‫الفعل‪.‬‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫الشارع – هي المعاني والغايات‬
‫الشريعة – أو مقاصد‬
‫وعلى هذا فمقاصد‬
‫ي‪ ،‬ويريد من‬
‫ي والتّكليف الشرع ّ‬
‫واآلثار والنتائج‪ ،‬التي يتعلق بها الخطاب الشرع ّ‬
‫َّ‬
‫السعي والوصول إليها‪.‬‬
‫المكلَّفين‬
‫ف ّ‬
‫الشريعة تريد من المكلَّفين أن يقصدوا إلى ما قصدت هي‪ ،‬وأن يسعوا إلى‬
‫ما هدفت وتوخت‪.‬‬
‫ّ‬
‫الشرع من جهة‪ ،‬والمكلَّفين من جهة‬
‫وهذا يجعلنا أمام مصدرين للمقاصد‪:‬‬
‫أخرى‪.‬‬
‫ولكن يجمعهما اتحاد المصب‪ ،‬بحيث يجب أن تصب مقاصد المكلَّف حيث تصب‬
‫ّ‬
‫الشارع‪.‬‬
‫مقاصد‬

‫‪9‬‬

‫ضالل المقاصديين‬

‫ّ‬
‫الشريعة ومقاصد المكلَّفين‪ ،‬فإن‬
‫وبالنظر إلى هذا التّرابط والتداخل بين مقاصد‬
‫ّ‬
‫الشاطبي للمقاصد‪ ،‬هو تقسيمها إلى صنفين‪:‬‬
‫أول تقسيم وضعه اإلمام‬
‫ّ‬
‫الشارع ومقاصد المكلَّف‪.‬‬
‫مقاصد‬
‫وإذا كان الصّنف الثاني ال يعنينا كثيرا في هذا المدخل‪ ،‬ويكفينا منه أن نعلم أن‬
‫ّ‬
‫الشرع ال يمكن أن تتحقق إال عبر مقاصد المكلَّف‪ ،‬وبشرط أن تكون الثانية‬
‫مقاصد‬
‫‪7‬‬
‫موافقة لألولى‪ ،‬فلنقف قليال مع الصّنف األول ‪'. . .‬‬
‫≈‬
‫ي من القول والصّحيح من الوصل؛ بل هو‬
‫إنَّنا في مقام ال يسع فيه غير العلم ّ‬
‫مقام من أشرف وأخطر ما يكون من مقامات القول؛ وهل يعقل حقا وهل له من‬
‫حقيقة الرّسوخ في العلم شيئا من ال يخشى الزيغ بعد الهدى ويؤتى من حيث‬
‫يظن أنه يحسن صنعا؟ وإن ّه ما خشي الزيغ وال كان ِم ّ‬
‫من يعقل من عدا قدره‬
‫وتجاوز ما ليس له تجاوزه؛ ف ّ‬
‫الشريعة في أحكامها وبيانها هي من األصول التي ال‬
‫يح ّ‬
‫ق التصرّف فيها؛ ومن فعل ذلك فهو أبعد عند هللا تعالى من أن يكون من أولي‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫الشريعة‪.‬‬
‫الحق يقينا للقول في علم‬
‫الحكمة والرّسوخ في العلم‪ ،‬وليس أهال في‬
‫'أال إن األمر هنا يهم اليقين والمحكم من المسل ّمات التي إن اخت ّ‬
‫ل شرطها‬
‫اختل علم ومقول العالم بعدها مهما بلغ علمه وشأوه! أال إن بيان ال ّ‬
‫دين وتعبير‬
‫هذا البيان وألفاظه هو من األصول العليا للكتاب والس َّنة! فاهلل تعالى اختار للفظه‬
‫من سائر األلفاظ كما اختار أنبياءه ورسله من خلقه؛ فاهلل تعالى نزّل أحسن‬
‫الحديث‪ ،‬وما كان ألحد الخيرة من بعد هللا تعالى ورسوله األمبن الكريم في هذا‬
‫‪8‬‬
‫الشأن العظيم‪ .‬فإن ّما هؤالء يستدركون على الح ّ‬
‫ق وهم ال يشعرون!'‬
‫َّ‬
‫إن العنوان هنا للمسألة مقصده اصطالح المقاصد‪ ،‬العنوان البارز المكرور في‬
‫ّ‬
‫الشريعة'؛ ولكن‬
‫صفحتين متتاليتين‪' :‬المسألة األولى‪ :‬في مصطلح مقاصد‬
‫ما تحته غير ذلك إطالقا‪ .‬ولعل ذلك واضح كل الوضوح إال للكاتب صاحب العنوان وما‬
‫ّ‬
‫الشارع‪ ،‬مقاصد المكلَّف)‪.‬‬
‫كتبه تحته‪ ،‬الذي إفادته تقرير المقولة الفاسدة (مقاصد‬
‫عدم الوضوح هذا سوف يف َّ‬
‫سر وتظهر حقيقته إذا ما عدنا إلى كتابه 'نظريّة‬
‫ّ‬
‫الشاطبي'‪ ،‬وتظهر في النسبية غير المقبول بها منطقيًّا في‬
‫المقاصد عند اإلمام‬
‫التّصوّر للحقائق‪ ،‬غير أن الخطب هنا جلل‪ ،‬ألن هذه الحقائق موضوع التّصوّر‬

‫ّ‬
‫الشريعة – أ‪ .‬د‪ /‬احمد الريسوني‪ ،‬دار الكلمة للنشر والتوزيع‪ ،‬ط‪1434 ،1‬ه ‪2013‬م – ص‪117 ..8‬‬
‫مدخل إلى مقاصد‬
‫انظر كتابنا 'نقض مقولة ال َّتقسيم وتصحيح النّحو العربي' ص ‪274-2758‬‬
‫‪10‬‬

‫ضالل المقاصديين‬

‫ي غير الموضوعي الخاطئ‪ ،‬هي بالذات االصطالح والنظري ّة والعلم؛ إذ يقول‬
‫النّسب ّ‬
‫في أول ما استهل به كتابه‪:‬‬
‫' تمهيد‬
‫في معنى المقاصد ونظريّة المقاصد‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫الشريعة‪ ،‬والمقاصد الشرعي ّة‪ ،‬كلّها عبارات تستعمل‬
‫الشارع‪ ،‬ومقاصد‬
‫'مقاصد‬
‫بمعنى واحد‪ .‬وهو المعنى الذي أريد تعريفه وتحديده في هذا التمهيد‪.‬‬
‫الشاطبي» فإنه لم يحرص على إعطاء ح ّ‬
‫ّ‬
‫أ ّ‬
‫د‬
‫ما شيخ المقاصد «أبو إسحاق‬
‫وتعريف للمقاصد الشرعي ّة‪ .‬ولعلّه اعتبر األمر واضحا‪ ،‬ويزداد وضوحا بما ال مزيد‬
‫عليه بقراءة كتابه المخصص للمقاصد من «الموافقات»‪ .‬ولعل ما ز ّ‬
‫هده في تعريف‬
‫ّ‬
‫الشريعة‪ .‬وقد نب ّه على‬
‫المقاصد كونه كتب كتابه للعلماء‪ ،‬بل للراسخين في علوم‬
‫ذلك بصراحة بقوله‪ . . .« :‬وال يسمح للناظر في هذا الكتاب أن ينظر فيه نظر مفيد‬
‫ّ‬
‫الشريعة أصولها وفروعها‪ ،‬منقولها ومعقولها‪،‬‬
‫أو مستفيد‪ ،‬حتى يكون ريان من علم‬
‫غير مخلد إلى التقليد والتعصيب للمذهب‪.»9‬‬
‫ومن كان هذا شأنه‪ ،‬فليس بحاجة إلى إعطائه تعريفا لمعنى مقاصد‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫الشاطبي بقرون‪.‬‬
‫الشريعة‪ ،‬خاصّة وأن المصطلح مستعمل ورائج قبل‬
‫وكذلك لم أجد تعريفا فيما اطلعت عليه عند األصوليين وغيرهم من العلماء‬
‫‪10‬‬
‫الذين تعرّضوا لذكر المقاصد قديما‪'.‬‬
‫ولم يفت الكاتب الدكتور أحمد الريسوني أن يضيف قائال‪:‬‬
‫ّ‬
‫الشريعة‪ .‬وأعني‬
‫'إال أني وجدت عند بعض علمائنا المحدثين تعريفات لمقاصد‬
‫كال ّ من العالّمة التونسي الشيخ «محمد الطاهر بن عاشور»‪ ،‬والعالّمة المغربي‬
‫األستاذ «عالل الفاسي»‪ ،‬رحمهما هللا‪.‬‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫الشريعة‬
‫للشريعة بقوله‪« :‬مقاصد‬
‫فالشيخ ابن عاشور يعرّف المقاصد العا ّمة‬
‫ّ‬
‫للشارع في جميع أحوال التّشريع أو‬
‫العا ّمة هي المعاني والحكم الملحوظة‬
‫ّ‬
‫الشريعة‪.‬‬
‫معظمها‪ ،‬بحيث ال تختص مالحظتها بالكون في نوع خاص من أحكام‬
‫ّ‬
‫الشريعة‪ ،‬وغايتها العا ّمة‪ ،‬والمعاني التي ال يخلو التّشريع‬
‫فيدخل في هذا‪ :‬أوصاف‬

‫ّ‬
‫الشاطبي)‬
‫الموافقات‪( 1/87 ،‬نظريّة المقاصد عند اإلمام‬

‫‪9‬‬

‫ّ‬
‫ي للفكر اإلسالمي ‪1416‬ه ‪1995‬م‬
‫نظريّة المقاصد عند اإلمام‬
‫الشاطبي‪ :‬أحمد الريسوني‪ ،‬المعهد العالم ّ‬

‫‪10‬‬

‫ ص‪17‬‬‫‪11‬‬

‫ضالل المقاصديين‬

‫عن مالحظتها‪ .‬ويدخل في هذا أيضا معان من الحكم ليست ملحوظة في سائر‬
‫أنواع األحكام‪ ،‬ولكنها ملحوظة في أنواع كثيرة منها‪.»11‬‬
‫وقد ذكر وبيّن من هذه المقاصد العا ّمة‪ :‬حفظ النظام‪ ،‬وجلب المصالح‪ ،‬ودرء‬
‫ّ‬
‫الشريعة مهابة مطاعة نافذة‪ ،‬وجعل‬
‫المفاسد‪ ،‬وإقامة المساواة بين النّاس‪ ،‬وجعل‬
‫األ َّمة قوية مرهوبة الجانب مطمئنة البال ‪. . .‬‬
‫وفي قسم آخر من كتابه‪ ،‬تعرّض للمقاصد الخاصّة‪ ،‬ويعني بها‪« :‬الكيفيات‬
‫ّ‬
‫للشارع لتحقيق مقاصد النّاس النّافعة‪ ،‬أو لحفظ مصالحهم العا ّمة في‬
‫المقصودة‬
‫تصرفاتهم الخاصّة ‪ . . .‬ويدخل في ذلك ك ّ‬
‫ل حكمة روعيت في تشريع أحكام‬
‫تصرفات النّاس‪ ،‬مثل‪ :‬قصد التوثق في عقدة الرهن‪ ،‬وإقامة نظام المنزل والعائلة‬
‫في عقدة النكاح‪ ،‬ودفع ال ّ‬
‫ضرر المستدام في مشروعية الطالق‪.»12‬‬
‫ّ‬
‫الشريعة – العا ّمة منها والخاصّة – في تعريف‬
‫وقد جمع األستاذ عالل مقاصد‬
‫ّ‬
‫الشريعة‪ :‬الغاية منها‪ ،‬واألسرار التي وضعها‬
‫موجز واضح‪ ،‬قال فيه‪« :‬المراد بمقاصد‬
‫ّ‬
‫الشارع عند كل حكم من أحكامها‪ »13‬فشطره األول (الغاية منها)‪ ،‬يشير إلى‬
‫المقاصد العا ّمة‪ .‬وبقيته تعريف للمقاصد الخاصّة‪ ،‬أو الجزئية‪.‬‬
‫وغير بعيد ع ّ‬
‫ما نص عليه ابن عاشور من مقاصد التّشريع العا ّمة‪ ،‬يقرّر عالل‬
‫ّ‬
‫للشريعة اإلسالمية هو عمارة األرض‪ ،‬وحفظ نظام‬
‫الفاسي أن «المقصد العام‬
‫التعايش فيها‪ ،‬واستمرار صالحها بصالح المستخلفين فيها‪ ،‬وقيامهم بما كلفوا به‬
‫من عدل واستقامة‪ ،‬ومن صالح في العقل وفي العمل‪ ،‬وإصالح في األرض‪،‬‬
‫واستنباط لخيراتها‪ ،‬وتدبير لمنافع الجميع‪.»14‬‬
‫وبعد استعراضه لمجموعة من اآليات المتضمنة والمشيرة لمرامي الشرائع‬
‫الرّبّانية‪ ،‬قال‪« :‬فمجموع هذه اآليات القرآنية يبيّن بوضوح أن الغاية من إرسال‬
‫األنبياء والرسل وإنزال الشرائع‪ ،‬هو إرشاد الخلق لما به صالحهم وأداؤهم لواجب‬
‫التّكليف المفروض عليهم‪.»15‬‬
‫ّ‬
‫الشريعة لكل من ابن عاشور‬
‫وبناء على هذه التّعريفات والتوضيحات لمقاصد‬
‫وعالل الفاسي‪ ،‬وبناء على مختلف االستعماالت والبيانات الواردة عند العلماء‬

‫ّ‬
‫الشريعة اإلسالمية‪.50 ،‬‬
‫مقاصد‬

‫‪11‬‬

‫‪12‬‬

‫ن م ‪.154 ،‬‬

‫ّ‬
‫الشريعة اإلسالمية ومكارمها لعالل الفاسي (إضافة مني)‪.3 ،‬‬
‫مقاصد‬

‫‪13‬‬

‫‪14‬‬

‫ن م ‪.41-42 ،‬‬
‫‪15‬‬

‫ن م ‪.43 ،‬‬

‫‪12‬‬

‫ضالل المقاصديين‬

‫ّ‬
‫الشريعة هي‬
‫الذين تحدثوا في موضوع المقاصد‪ ،‬يمكن القول‪ :‬إن مقاصد‬
‫‪16‬‬
‫ّ‬
‫الشريعة ألجل تحقيقها‪ ،‬لمصلحة العباد‪'.‬‬
‫الغايات التي وضعت‬
‫ابن عاشور وعالل الفاسي‬
‫وقد أشار المؤلف إلى التّبنّي الحرف ّ‬
‫ي لتعريفي ِ‬
‫‪17‬‬
‫من طرف الدكتورين وهبة الزحيلي وعمر الجيدي دونما تنويه وتنبيه‪.‬‬
‫≈‬
‫صدي ّين في تصوّرهم للمقاصد مرتكزا ومنواال ينسجون‬
‫هذا هو ما جاء عند المقا ِ‬
‫عليه شيئا يزعمونه علما‪ ،‬هذا هو الذي عندهم ولم نظلم منه شيئا‪.‬‬
‫أال إنَّهم إن كانوا يريدون بألفاظ االصطالح والنظري ّة والعلم حقيقتها العلمي ّة‬
‫والمنطقي ّة‪ ،‬وما نراهم إال أنهم إياها يريدون‪ ،‬فما بهذا يورد إليها‪ ،‬وال هكذا يكون‬
‫إليها الورود!‬
‫واختزاال للجهد وقصدا‪ ،‬والذي يه ّ‬
‫منا هو البرهان‪ ،‬نأخذ المادّة البياني ّة‬
‫َّ‬
‫فإن هذه العناصر البياني ّة‪:‬‬
‫لالستنباط الذي خلص إليه الكاتب؛‬
‫ التّعريفات‬‫ التّوضيحات‬‫ االستعماالت‬‫ البيانات‬‫ي‪ ،‬وهو منها إشهادا في الح ّ‬
‫ق هو‬
‫هذه المواد ال صلة لها باالصطالح العلم ّ‬
‫منها براء‪ .‬وإنَّما هذه كلها من حظيرة ما قبل االصطالح‪ ،‬هي في حظيرة الحقل‬
‫ي‪ ،‬الذي يكون تحديده باستعمال أهل اللغة وقومها‪ِ ،‬م ّ‬
‫ال ّ‬
‫ما هو‬
‫ي المعجم ّ‬
‫دالل ّ‬
‫مستمد من الشواهد والمدونات اللغوية ونحوها‪.‬‬
‫وقبل هذا وذاك‪ ،‬ينبغي التذكّر – والمعرفة تذكّر والجهل نسيان – والبيان جعله‬
‫الرحمان خير معيار في الميزان‪ ،‬فإ ّ‬
‫ي وحده يكفي لحسم هذا‬
‫ن التّحليل الجهات ّ‬
‫ال ّ‬
‫ضالل في تصوّر حقيقة االصطالح‪ ،‬حتى نرى أنه وأسرته القريبة في القاموس‬
‫ي {النظري ّة‪ ،‬العلم} على طرف لسان كثير من الناس من غير استكناه وال‬
‫العلم ّ‬
‫ّ‬
‫حق‪.‬‬
‫تمثّل‬

‫ّ‬
‫الشاطبي‪ ،‬ص ‪18-1916‬‬
‫نظريّة المقاصد عند اإلمام‬
‫ن م ‪ ،‬أسفل ص ‪1917‬‬
‫‪13‬‬

‫ضالل المقاصديين‬

‫َّ‬
‫إن لفظ 'اصطالح' مصدر لفعل 'اصطلح' الطاء مبدلة فيه من التاء؛ فهو في‬
‫سنخه 'اصتلح' بالتاء على وزن 'افتعل'‪ .‬وهذه الصّيغة 'افتعل' من الصّيغ‬
‫االنعكاسية المحددة بقانون االختالف باختالفها عن نظيرها االنعكاسي 'انفعل'‬
‫ّ‬
‫الحق مثاال استشهادا في هذا هو قوله‬
‫االنطواعي باإلرادية‪ .‬وأحسن ما يورد في‬
‫تعالى‪{ :‬والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم'}(محمد‪ )18‬وهو ذاته المعنى‬
‫الجهاتي الوارد في قوله ع َّز وج َّ‬
‫ّ‬
‫الحق‪{ :‬ويزيد هللا الذين اهتدوا‬
‫ل العدل الحكم‬
‫هدى'}'مريم‪ )77‬على تقابل بقوله جل دالله وهو العزيز الحكيم في الجوار القبلي‬
‫السياق القرآني العظيم‪{ :‬قل من كان في ال ّ‬
‫ّ‬
‫ضاللة فليمدد له الرحمان‬
‫من‬
‫مدا'}(مريم‪ )75‬وهذا في حكمنا بال ّ‬
‫ي تفسير جهتي إثبات وسلب التاء‬
‫دليل العلم ّ‬
‫في قوله تعالى في اآلية من سورة الكهف‪{:‬فما اسطاعوا أن يظهروه وما‬
‫استطاعوا له نقبا'}(الكهف‪ )93‬فاإلرادة و َّ‬
‫ي في األولى‬
‫السعي في اإلحداث منف ّ‬
‫(اسطاعوا) لالستيئاس من ظهور الجدار لعلوه وظهور استحالة أمره‪ ،‬ومثبت في‬
‫الثانية (استطاعوا) إلمكانه والطمع فيه‪ .‬وليس كما شائع من القول للتخفيف‬
‫ونحوه‪.‬‬
‫ي‪ ،‬المنطبق بالحقل العملي‬
‫هكذا‪ ،‬وباعتبار بعد أو عنصر الحقل الفاعالت ّ‬
‫ي بالميزان لهذه المادّة 'اصطالح' كونها‬
‫للفاعل المجت ِ‬
‫مع‪ ،‬يتم التّحديد العلم ّ‬
‫االتّفاق‪ ،‬الدال عليه أو المستمد من المكوّن اإلرادي في الصّيغة ومن‬
‫مادة 'صلح' ال ّ‬
‫دالّة على الوفاق المضادّ للخالف‪.‬‬
‫ولهذا كله‪ ،‬ول ّ‬
‫ي أساسه النظري ّة في ماهيتها المنطقي ّة‬
‫ما كان البناء العلم ّ‬
‫والرّياضية‪ ،‬وكل األبنية الرّياضية الصّحيحة منذ ما تجلى التفكير الرّياضي في العقل‬
‫اإلنساني‪ ،‬مبنية على مبدإ االختالف‪ ،‬النسق المخنزل للمنطق كله‪ .‬وهو مبدأ‬
‫الخلق واألمر كله‪ ،‬كان االصطالح عنصرا بماهيته المنطقي ّة‪ ،‬وال يحق في‬
‫السماوات واألرض اعتباره إال بها‪ .‬وما كان غير ذلك فإنما هو عين اقتفاء المرء ما‬
‫ليس له به علم؛ فكيف إذا سيكون الخطر إذا ما تج ِرّئ به في مقام من القول عند‬
‫هللا عظيم‪.‬‬
‫فهذا مثل مما جعله هللا تعالى العزيز الحكيم ج َّنة للح ّ‬
‫ق تدفع عنه ما ليس‬
‫بحق؛ فإذا رأيت رجال يزعم أو يتحدث عن التعدد واالختالف في االصطالح‪ ،‬فليعلم‬
‫أن ما يتحدث عنه ليس باالصطالح العلمي في شيء‪ ،‬ومتى أمكن أن يجتمع‬
‫الضدان؟!‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫أحق أن‬
‫الحق‪ ،‬وهللا تعالى‬
‫وحاصل ما نودّ اإلعراب عنه‪ ،‬والعلم ال يكون إال ب‬
‫يطاع ويخشى ويتقى‪ ،‬وال يؤمن الرجل ًّ‬
‫حقا ح َّتى يكون هللا ورسوله أح َّ‬
‫ب إليه ِم ّ‬
‫ما‬
‫سواهما‪ ،‬ونرجو من هللا تعالى أن ال يجعل في قلوبنا غال ّ للذين آمنوا وأن يغفر لنا‬
‫ي ذلك عز ّوج َّ‬
‫ل وقادر عليه!‬
‫سبحانه‪ ،‬إنه ول ّ‬
‫‪14‬‬

‫ضالل المقاصديين‬

‫أقول حاصل األمر أن ما جاء عند الكاتب الدكتور أحمد الريسوني ليس ينبغي‬
‫ي كما هو عند الراسخين في العلم‪ ،‬وال هو ينبغي له‪ .‬ونعني هنا‬
‫للمجال العلم ّ‬
‫ي ظلم للعباد‪ ،‬أ ّ‬
‫تحديدا وتحييدا أل ّ‬
‫ن ألفاظ 'االصطالح' كما 'النظري ّة' و'العلم'‬
‫فيما يأتي على طول الحديث والكالم‪ ،‬أنها كلها لم تأت إال أماني وال حقيقة لها‪.‬‬
‫بل وهذا هو الذي جعله في تسويغه لهذا ال ّ‬
‫ّ‬
‫الشاطبي يجمع ما‬
‫ي عند‬
‫ضابط العلم ّ‬
‫ال ينجمع وال يجتمع من األحوال واألكوان فيقول‪:‬‬
‫'ومن كان هذا شأنه‪ ،‬فليس بحاجة إلى إعطائه تعريفا لمعنى مقاصد‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫الشاطبي بقرون‪.‬‬
‫الشريعة‪،‬خاصّة وأن المصطلح مستعمل ورائج قبل‬
‫وكذلك لم أجد تعريفا فيما اطلعت عليه عند األصوليين وغيرهم من العلماء‬
‫الذين تعرّضوا لذكر المقاصد قديما‪'.‬‬
‫≈‬
‫ي صريح ال يحتمل إال الحقيقة غير التأويل‪ :‬إنه لم يجد تعريفا‬
‫يقول بلفظ قطع ّ‬
‫وأن المصطلح رائج؛ واالصطالح بميزان الرحمان في البيان ال يكون إال بالتّعريف‬
‫على ات ّفاق؛ فإن كان مجاله حي ّزا علمي ّا كان اصطالحا علمي ّا‪ ،‬وإن كان دون ذلك‬
‫ي‪ ،‬كأسماء األعالم‪.‬‬
‫كان حقيقته اصطالحا لكن غير علم ّ‬
‫هذا بالح ّ‬
‫ق والميزان حاسم‪ ،‬وليس بعده إال التّفصيل والتبيان؛ هو حاسم على‬
‫افتقاد التعريف ل'المقاصد' الذي ال حديث من بعده على العلم والعلمية‪.‬‬
‫نبدأ بالطّبع بما ورد من كالم الكاتب الدكتور الريسوني مما استدرك به على ما‬
‫أقر به من انتفاء إعطاء تعريف للمقاصد؛ استدرك على هذا بالتذكير على أنه عثر‬
‫على شيء ينفي هذا االنتفاء‪ ،‬وهو ما ساقه من تعريفي ابن عاشور وعالل‬
‫الفاسي رحمهما هللا تعالى ألحقنا هللا بهما مسلمين غير مب ِّ‬
‫دلين!‬
‫ي‬
‫لنعتبر عنصري التّعريفين إذا مثنى وفرادى‪ ،‬ثم لننظر بالتّحليل المنطق ّ‬
‫األوّلي ما هما!‬
‫َّ‬
‫ّ‬
‫الشريعة أو معظمها' هو من التّركيب‬
‫إن قول ابن عاشور‪' :‬في جميع أحوال‬
‫الشرطي المنفصل ال يجوز في الح ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫د إال غير‬
‫الشرطي المنفصل؛ والتّركيب‬
‫ي‪ ،‬أي ليس مانعا للجمع‪ ،‬ألن من طبيعة الح ّ‬
‫د التّحديد المنافي لإلبهام‪ .‬أي‬
‫حقيق ّ‬
‫الساعي إلى نفيه‪ .‬وهذا مما جاء متميّزا عند الجويني رحمه هللا في قوله‪:‬‬

‫‪15‬‬

‫ضالل المقاصديين‬

‫'وذوو البصائر ال يودعون مقاصد الحدود إال في عبارات هي قوالب لها‪ ،‬تبلغ‬
‫‪18‬‬
‫الغرض من غير قصور وال ازدياد‪ ،‬يفهمها المبتدئون ويحسنها المنتهون‪'.‬‬
‫ومنه وجب اعتبار إمكان التّعريف ساريا على حالة 'معظمها'‬
‫واعتبارا لقوله‪' :‬بحيث ال يختص مالحظتها بالكون في نوع خاص من أحكام‬
‫ّ‬
‫الشريعة' يهم النوع ال المعين من األحكام‪،‬‬
‫ي 'مقاصد‬
‫فإنه ال يمتنع خروج أحكام عن المجال‪ ،‬وهذا مناقض للعنصر البيان ّ‬
‫ّ‬
‫الشريعة' المفيد التّعريف والتّحديد واالستغراق‪.‬‬
‫ونجد بيانا أو قل تعريفا ثانيا آخر مخالفا عند ابن عاشور كما ساقه مؤلف كتاب‬
‫ّ‬
‫الشريعة عند ابن تيمية' الدكتور البدوي‪ ،‬مردفا إلى التعريف األول‪:‬‬
‫'مقاصد‬
‫'هي األعمال والتصرّفات المقصودة لذاتها‪ ،‬والتي تسعى النفوس إلى‬
‫‪19‬‬
‫َّ‬
‫السعي إليها امتثاال'‬
‫تحصيلها‪ ،‬بمساع شتى أو تحمل على‬
‫وهذا التّعريف في اختالف مبين مع تعريف عالل الفاسي في قوله‪' :‬واألسرار‬
‫ّ‬
‫الشارع عند كل حكم من أحكامها' باعتبار عدم حقيقية االنفصال‬
‫التي وضعها‬
‫ّ‬
‫الشرطي في التّعريف‪ ،‬وقصد النفوس وسعيها إلى التحصيل؛ فإن القصد ال يكون‬
‫إال لمعلوم ال سرّ من األسرار‪.‬‬
‫ثم إنه ال يحتاج إال للبصيرة للوقوف على حقيقة ما يع ّ‬
‫ج به الكالم أعاله من‬
‫االختالل والفساد؛ االختالل والفساد النّاجم عن اقتحام ما ال يحق من الحمى بغير‬
‫علم وال ضابط من تخوف الزيغ وال ّ‬
‫ضالل‪ ،‬كال َّتقسيم في شأن هام من األصول‪ ،‬بل‬
‫ّ‬
‫الحق‪.‬‬
‫أعلى مما هو في اتصال بعلم‬
‫إنه يكفي لتبيان هذا قوله في المقاصد العا ّمة‪' :‬وإقامة المساواة بين النّاس'‬
‫ّ‬
‫للشارع لتحقيق‬
‫ثم قوله في المقاصد الخاصّة‪' :‬ويعني بها الكيفيات المقصودة‬
‫مقاصد النّاس النّافعة'‬
‫وهل يباين 'إقامة المساواة بين النّاس' أو هو خارج عن 'مقاصد النّاس النّافعة'؟!‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫الحق والميزان لما يبنى على‬
‫النص الثاني فاسد‪ ،‬وال قبول في‬
‫إذا فكالمه في‬
‫الباطل؛ فكل ما يبنى على الباطل باطل‪.‬‬
‫البرهان للجويني‪ ،)70( ،‬ص ‪2018‬‬
‫ّ‬
‫الشريعة‪ :‬تحقيق ودراسة محمد الطاهر الميساوي‪ ،‬دار النفائس للنشر والتوزيع‪ ،‬األردن‬
‫ابن عاشور‪ ،‬مقاصد‬

‫‪19‬‬

‫‪ ،‬ص‪146‬‬
‫‪16‬‬

‫ضالل المقاصديين‬

‫‪‬‬

‫‪17‬‬

‫ضالل المقاصديين‬

‫ش ْرك الم َ‬
‫قاصد‪:‬‬
‫‪ - 3‬ضالل ِ‬
‫الشارع‪ ،‬م َ‬
‫(م َ‬
‫ّ‬
‫قاصد المكلَّف)‬
‫قاصد‬

‫ّ‬
‫النص األوّل؛ فقوله‪:‬‬
‫نعود إلى‬
‫'المقصود أو المقصد‪ :‬هو ما تتعلق به نيتنا وتتجه إليه إرادتنا‪ ،‬عند القول أو‬
‫الفعل‪.‬‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫الشارع – هي المعاني والغايات‬
‫الشريعة – أو مقاصد‬
‫وعلى هذا فمقاصد‬
‫ي‪'.‬‬
‫ي والتّكليف الشرع ّ‬
‫واآلثار والنتائج‪ ،‬التي يتعلق بها الخطاب الشرع ّ‬
‫≈‬
‫هذا القول أو المادّة البياني ّة منعدمة القيمة المعلوماتية‪ ،‬وذلك بديهي عند كل‬
‫عاقل من غير لزوم لدراية القواعد المنطقي ّة‪ .‬فالتّعريف على اقتضابه هو معطى‬
‫ّ‬
‫ي لغو ّ‬
‫الشريعة هي إضافة لغوية وبياني ّة ليس إال َّ‪.‬‬
‫ي‪ ،‬وإضافته إلى‬
‫معجم ّ‬
‫وبناء على المقصود المراد‪ ،‬أي ما هو في موضع المسألة‪ ،‬والمنحو قصدا‬
‫ّ‬
‫الشريعة' ال يبقى أمر التقييم‬
‫بالمادّة االستنباطية في قوله‪' :‬وعلى هذا فمقاصد‬
‫منحصرا في عدم الفائدة المعلوماتية‪ ،‬ولكن في حقيقة بطالن الجواب كونه كلية‬
‫محض اللغو والحشو‪.‬‬
‫وكذلك بادئ الحكم في قوله‪' :‬ف ّ‬
‫الشريعة تريد من المكلَّفين أن يقصدوا إلى ما‬
‫قصدت هي‪ ،‬وأن يسعوا إلى ما هدفت وتوخت‪'.‬‬
‫ي عنه‪ ،‬وهو في حقيقته ين ّ‬
‫م عن عدم التّصوّر‬
‫فهذا محض التكل ّف المنه ّ‬
‫َّ‬
‫فإن األمر والتّشريع ال يكون‬
‫ي عموما؛‬
‫ي والقانون ّ‬
‫الصّحيح لحقيقة الخطاب التّشريع ّ‬
‫في سنخه وأصله إال مستوفى البيان والتّحديد‪.‬‬
‫ولنتوقف م ِلي ًّا عند هذه اإلضافة البياني ّة في الح ّ‬
‫ق والمنطق‪ ،‬ولننظر ما إفادتها‬
‫وما حقيقتها!‬
‫َّ‬
‫ّ‬
‫الشارع هنا هو هللا سبحانه وتعالى عالم الغيب والشهادة‪،‬‬
‫إن‬
‫والمقاصد هنا هي مقاصده ع َّز وج َّ‬
‫ل الذي له الخلق واألمر‪ .‬وهذه المقاصد‬
‫لكي يحصل أدنى أو ظاهر التأطير لها عند أهل العلم‪ ،‬بل أعلمها هللا تعالى‬
‫خطابا مجيدا لمن يتدب ّر آياته في قوله سبحانه‪{ :‬جعل هللا الكعبة البيت‬
‫‪18‬‬

‫ضالل المقاصديين‬

‫الحرام قياما للناس والشهر الحرام والهدي والقالئد' ذلك لتعلموا أن هللا‬
‫يعلم ما في السماوات وما في األرض وأن بكل شيء عليم'}(المائدة‪)99‬‬
‫قال القرطبي رحمه هللا في تفسيره‪:‬‬
‫'{ذلك لتعلموا} ذلك إشارة إلى جعل هللا هذه األمور قياما؛ والمعنى‬
‫فعل هللا ذلك لتعلموا أنه يعلم تفاصيل أمور السماوات واألرض‪ ،‬ويعلم‬
‫مصالحكم أيها النّاس قبل وبعد‪ ،‬فانظروا لطفه بالعباد على حال كفرهم‪'.‬‬
‫ولعله من األكثر إفادة في فقه هذه اآلية من القرآن العظيم ما جاء في‬
‫تفسير ابن عاشور رحمه هللا تعالى‪ ،‬تفصيال لما جاء في معرض ذلك من‬
‫قوله‪:‬‬
‫'ووجه جعل داللة الكعبة قياما للناس وما عطف عليها‪ ،‬على كونه‬
‫تعالى يعلم ما في السماوات وما في األرض‪ ،‬أنه تعالى أمر ببناء الكعبة‬
‫في زمن إبراهيم‪ ،‬فلم يدر أحد يومئذ إال أن إبراهيم اتخذها مسجدا‪ ،‬ومكة‬
‫يومئذ قليلة السكان‪ ،‬ثم إن هللا أمر بحج الكعبة وبحرمة حرمها وحرمة‬
‫القاصدين إليها‪ ،‬ووقّت للناس أشهرا القصد فيها‪ ،‬وهدايا يسوقونها إليها‪،‬‬
‫فإذا في جميع ذلك صالح عظيم وحوائل دون مضار كثيرة بالعرب لوال إيجاد‬
‫الكعبة‪ ،‬كما بيناه آنفا‪ .‬فكانت الكعبة سبب بقائهم حتى جاء هللا باإلسالم‪.‬‬
‫فال شك أن الذي أمر ببنائها قد علم أن ستكون هنالك أمة كبيرة‪ ،‬وأن‬
‫ستحمد تلك األ َّمة عاقبة بناء الكعبة وما معه من آثارها‪ .‬وكان ذلك تمهيدا‬
‫لما علمه من بعثة محمد صلى هللا عليه وسلم فيهم‪ ،‬وجعلهم حملة‬
‫شريعته إلى األمم‪ ،‬وما عقب ذلك من عظم سلطان المسلمين وبناء‬
‫حضارة اإلسالم‪'.‬‬
‫≈‬
‫ّ‬
‫الحق وبالفقه‪ ،‬وعلى هدى‪ ،‬وبالكتاب المنير‪ ،‬للمعنى الذي‬
‫هذا إذن تأطير ب‬
‫ينبغي لقول الريسوني‪' :‬المعاني والغايات واآلثار والنتائج‪ ،‬التي يتعلق بها الخطاب‬
‫ي‪'.‬‬
‫ي والتّكليف الشرع ّ‬
‫الشرع ّ‬
‫وجلي لمن يعقل من أهل العلم وغيرهم أن ليس إلبراهيم عليه السالم وما‬
‫ينبغي له أن يعلم كل 'مقاصد' (مقصودات وحكمة) هللا تعالى في أمره ببناء الكعبة‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫الحق؛‬
‫الحق لهي‬
‫ورفع القواعد من البيت وإسماعيل عليه السالم؛ وإن 'مقاصد'‬
‫وإن كل ما احتواه مجال الكعبة البيت الحرام من قيام للناس والدواب والشجر وكل‬
‫لقطة حبة منقار طائر هي من 'مقاصد' آثار وهيمنة حكمة األمر‪.‬‬
‫َّ‬
‫السعي‬
‫وإذا انتبهنا أو تقرّر لدينا أن قول الريسوني‪' :‬ويريد من المكلَّفين‬
‫والوصول إليها' يخرج عن احتمال العلية فيه بالجملة بعدها‪' :‬ف ّ‬
‫الشريعة تريد من‬
‫المكلَّفين أن يقصدوا إلى ما قصدت هي‪ ،‬وأن يسعوا إلى ما هدفت وتوخت‪-'.‬‬
‫‪19‬‬

‫ضالل المقاصديين‬

‫وهذا ما جعلنا نفصله عما قبله‪ -‬وأن الضمير في 'إليها' يعود على المقاصد‪ ،‬أي‬
‫المعاني والغايات واآلثار والنتائج' تبين لنا واتضح على ما تتضح به الواضحات ألولي‬
‫ي مدى هو في ال ّ‬
‫األبصار مدى فساد هذا القول وأ ّ‬
‫ضاللة‪.‬‬
‫وبناء عليه وتوافقا مع شائبية قوله‪' :‬ف ّ‬
‫الشريعة تريد من المكلَّفين أن يقصدوا‬
‫إلى ما قصدت هي‪ ،‬وأن يسعوا إلى ما هدفت وتوخت‪ '.‬وأن المقصد متضمن في‬
‫ّ‬
‫للشارع ال للمكلَّف؛ بل إن المنطق يكفي لوحده ردّ هذا التّناقض‪،‬‬
‫األمر‪ ،‬واألمر‬
‫فالمكلَّف مأمور‪ ،‬والقصد إرادة خارج إرادة الطاعة والعصيان؛ وهما‪ ،‬أي إرادة القصد‬
‫والتّكليف‪ ،‬ضدان متنافيان؛ فهذه شائبة في بنية القول يفقد معها شرط النقاء‬
‫ي‪ ،‬الذي هو ضمان علمي ّته وصبغته العلمي ّة‪ ،‬وهو في كل ذلك‬
‫والقوام المنطق ّ‬
‫ّ‬
‫الحق‪ ،‬التي ليس دونها إال التخرّص‪ .‬وهذا طبعا متناسق‬
‫شرط لقيمة الصّدقية و‬
‫ومفسر منطقيا الفتقاد التعريف ل'المقاصد'‪.‬‬
‫بناء على هذا كله يحكم حكما بات ًّا قطعي ًّا ببطالن ثنائية المقصد في األمر‬
‫ّ‬
‫الشارع‪ ،‬مقاصد المكلَّف)‬
‫ي‪( :‬مقاصد‬
‫التّشريع ّ‬
‫ومنه يستنبط بطالن ك ّ‬
‫صدي ّين وبنائهم؛‬
‫ل على ما بني عليه من مقول المقا ِ‬
‫فهذا يأتي بناءهم من القواعد‪.‬‬
‫وهذا يبين الهراء والفساد البي ّن في قوله‪:‬‬
‫ّ‬
‫الشرع ال يمكن أن تتحقق إال عبر مقاصد‬
‫'ويكفينا منه أن نعلم أن مقاصد‬
‫المكلَّف'‬
‫أوال لما تجلى من حدود إرادة المكلَّف في الطاعة والعصيان‪ ،‬قيمتي موقف‬
‫المكلَّف من األمر الذي المقصد مكوّن جوهر ّ‬
‫ي والقانوني‪.‬‬
‫ي فيه باالعتبار التّشريع ّ‬
‫وثانيا لما يؤول إليه من توقف إرادة هللا تعالى المنطبقة هنا بكل وضوح‬
‫بمقاصده على مقاصد المكلَّف التي هي من إرادته‪.‬‬
‫ّ‬
‫يم‪ ،‬وطاعة أو عصيان‬
‫وإنما النّسق هنا في‬
‫ي الحكِ ِ‬
‫الشريعة هو أمر من العلِ ّ ِ‬
‫َّ‬
‫ّ‬
‫الشارع؛ هو من مكوّنات‬
‫عند المكلَّف‪ .‬أ ّما قصد المكلف هنا فهو غير مساوق لقصد‬
‫الفعل والسلوك‪ ،‬إذ النّي ّة تدخل ضمن جوهر وحقيقة إ ّما موقف الطاعة وإ ّما موقف‬
‫العصيان‪.‬‬
‫ّ‬
‫الشاطبي' رغم وصله حقيقة‬
‫والريسوني في كتابه 'نظريّة المقاصد عند اإلمام‬
‫ي وفعل المكلَّف‪،‬‬
‫مقصد المكلَّف بالنية‪ ،‬لم يبصر بتفاوت وتباين حقلي األمر الشرع ّ‬
‫وأ ّ‬
‫ن النية مكوّن في فعل المكلَّف كموقف إحدى قيمتي الطاعة أو العصيان؛ وهو‬

‫‪20‬‬

‫ضالل المقاصديين‬

‫ّ‬
‫الشاطبي ليس جدة من العلم وإن ّما‬
‫لذلك كله لم يدرك أن ما ذهب إليه‬
‫هو اختالط مبين؛ يقول الريسوني‪:‬‬
‫'مقاصد المكلَّف‬
‫ّ‬
‫الشاطبي‪ ،‬ذلك أن «مقاصد‬
‫وهذا جانب من جوانب اإللهام واإلبداع في نظريّة‬
‫ّ‬
‫الشارع» ال تتم وال تتحقق إال بتصحيح مقاصد المكلَّف‪ .‬فكان من شدة عناية‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫الشارع أن اهتدى لتتويج الكالم فيها بالكالم في مقاصد‬
‫الشاطبي بمقاصد‬
‫المكلَّفين‪ .‬وهذا أمر جديد تمام الجدة في الموضوع‪ ،‬أعني إلحاق الكالم في‬
‫ّ‬
‫الشريعة‪ ،‬وربط هذا بذاك‪ ،‬وبيان ما بينهما من‬
‫مقاصد المكلَّفين بالكالم في مقاصد‬
‫تالزم وتكامل‪.‬‬
‫ولقد تكلم العلماء – علماء التوحيد‪ ،‬وعلماء التربية‪( ،‬أو التخلق)‪ ،‬وعلماء الفقه‬
‫– تكلموا في هذا الموضوع تحت باب النية‪ ،‬واعتنوا به العناية الالزمة‪ ،‬حتى قال‬
‫ابن أبي جمرة‪ ،‬األندلسي المالكي‪« :‬وددت لو كان من الفقهاء من ليس له‬
‫شغل‪ ،‬إال أن يعلم النّاس مقاصدهم في أعمالهم‪ ،‬ويقعد إلى التدريس في أعمال‬
‫النيات ليس إال‪ ،‬فإنه ما أتِي على كثير من النّاس إال من تضييع ذلك»‪.20‬‬
‫ّ‬
‫الشاطبي قد استفاد مما كتبه العلماء في موضوع النيات‬
‫وال شك أن‬
‫‪21‬‬
‫والمقاصد‪ ،‬وبنى عليه‪'.‬‬
‫≈‬
‫ي إلهام وإبداع يتح ّ‬
‫عن أ ّ‬
‫ي‬
‫دث هنا الريسوني؟ ومتى كان اعتبار الال ّزم الجل ّ‬
‫ج ّ‬
‫دة'؟‬
‫للحاصل إلهاما وإبداعا بل و'جديدا تمام ال ِ‬
‫ّ‬
‫الشاطبي‬
‫صدي ّة والمصالحي ّة ترجع إلى ما قبل‬
‫فلئن كانت ال َّتقسيمات المقا ِ‬
‫بعدة مئات السنين بضعة قرون‪ ،‬إلى طو ِر بيان الجويني رحمه هللا تعالى‪ ،‬فإن‬
‫ّ‬
‫الشاطبي في حقيقة األمر لم يكن سوى ناقال حتى اللفظ والحرف بوصل مثبت‬
‫بن محمد اآلمدي شيخ العزّ ابن عبد السالم‬
‫في معايير التوثيق واالتصال لعل ّ‬
‫ي ِ‬
‫صدي ّة‬
‫رحمهما هللا تعالى؛ وإنه لم يضف إلى فاسد ال َّتقسيم أو ال َّتقسيمات المقا ِ‬
‫والمصالحي ّة إال إسرافا في التّفريعات رجعت عليه بكل ما هو في العقل يعد من‬
‫ل ما في معنى الهراء وال ّ‬
‫ضروب الهراء وال ّ‬
‫ضالل‪ ،‬وبك ّ‬
‫ضالل‪ .‬وليتخذ من بعده سجال‬
‫صدي ّين‪ ،‬ألِ ّ‬
‫البن تيمية أم‬
‫لشاطبي أم‬
‫وتنازع إلى من تسند له مشيخة المقا ِ‬
‫ِ‬
‫ّ‬
‫الشريعة‬
‫أورد هذا النص الدكتور عمر سليمان األشقر في كتاب مقاصد المكلَّفين ‪ ،. . .‬ص‪( 97‬عن مقاصد‬
‫ّ‬
‫الشاطبي)‬
‫عند اإلمام‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫الشاطبي – ص ‪241-24221‬‬
‫الشريعة عند اإلمام‬
‫مقاصد‬
‫‪21‬‬

‫‪20‬‬

‫ضالل المقاصديين‬

‫لغيرهما ممن انتهت إليه رؤية مرجع إصدار األحكام كما قال من انتهت رؤيته عند‬
‫العز بن عبد السالم في كتابه القواعد الكبرى‪' :‬هو أوّل من فتح باب نظريّة‬
‫المقاصد في هذا الكتاب الذي ليس أحد مثله‪22'.‬؟ ليتخذ هذا السؤال وجها آخر‬
‫هو حقيقته؛ الحقيقة التي تتحدد وال وقوف عليها إال بالتمييز بين أمرين‪ ،‬األول‬
‫صد ّ‬
‫ي وتقسيماته المتضاربة التي تفي وحدها للحسم‬
‫البيان المقا ِ‬
‫ي والمصالح ّ‬
‫في عدم علمي ّتها؛ والثاني تفاقم هذا األمر وتداعياته وبلوغه بتصوّر ال ّ‬
‫دين وأركانه‬
‫تصوّرا حرجا ليس يبقي على ال ّ‬
‫دين الذي بعث به هللا تعالى رسوله محمدا صلى‬
‫ّ‬
‫الشريعة عن ابن تيمية'‬
‫هللا عليه وسلم حقيقته األولى‪ .‬يقول مؤلف كتاب 'مقاصد‬
‫د‪ .‬يوسف أحمد محمد البدوي‪:‬‬
‫الشاطبي في علم المقاصد‪ ،‬وأنه م ّ‬
‫ّ‬
‫ؤسس‬
‫'لقد أشار أكثر من واحد إلى دور‬
‫هذا العلم وشيخ المقاصد‪.‬‬
‫فأما إنه م ّ‬
‫ؤسس علم المقاصد ومبدعه‪ ،‬فهذا ال يسلم على ما مر في تاريخ‬
‫المقاصد‪.‬‬
‫صدي ّين‪ ،‬فهذا إن سلم من النّاحية النظري ّة التأصيلية‪ ،‬فإنه‬
‫وأما إنه شيخ المقا ِ‬
‫ال يسلم بإطالق‪ ،‬إذ استبان من خالل هذه الرسالة‪ ،‬وما سيأتي في المباحث‬
‫التالية‪ ،‬أن ابن تيمية قد بلغ شأوا بعيدا‪ ،‬وغاية سامية‪ ،‬في تأصيل هذا العلم‪،‬‬
‫وبيان أصوله وأقسامه وإقامة دعائمه وبيان وسائله وضوابطه‪ ،‬وإثرائه بالتطبيقات‪،‬‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫الشاطبي وبالؤه‬
‫الشريعة‪ ،‬ومع كل هذا فال ينكر جهد‬
‫وتوظيفه في شتى مناحي‬
‫العظيم في لم شتات هذا العلم وإخراجه على النّحو الذي نظمه‪ .‬هذا على‬
‫مستوى النّاحية التنظيرية‪ ،‬أما على مستوى النّاحية التطبيقية التوظيفية فابن‬
‫صدي ّين وقائدهم‪ ،‬وهو رائدهم وأستاذهم‪ ،‬ال سيما وأن‬
‫تيمية هو شيخ المقا ِ‬
‫ّ‬
‫الشاطبي قد انتقد من البعض‪ ،‬وممن درس المقاصد عنده خصوصا‪ ،‬بأنه تطوح في‬
‫مسائل المقاصد إلى تطويالت وخلط‪ ،‬وغفل عن مهمات من المقاصد‪ ،‬وأنه‬
‫استطرد كثيرا‪ ،‬وفرع فروعا خارجة عن المقصود‪ ،‬مما سبب تشتت وحدة‬
‫الموضوع‪ ،‬وأضفى على كتابه الموافقات روح الجدل الممل‪ ،‬يسبب االعتراضات‬
‫والردود‪ ،‬مما جعل عمله يتخذ طابعا تعليميا‪ ،‬ال يتيح للعقل أن يفكر‪ ،‬وإنما يتيح‬
‫للذاكرة أن تنقل فتتفخم‪.‬‬

‫مق ّدمة التحقيق للقواعد الكبرى‪ ،‬ج‪ :1‬المح ّققان مزيه كمال ح ّ‬
‫ماد وعثمان جمعة ضميرية‪ ،‬ص‪ – 34‬دار القلم‬

‫‪22‬‬

‫ دمشق‬‫‪22‬‬

‫ضالل المقاصديين‬

‫ّ‬
‫الشاطبي إلى هذه المنزلة في علم المقاصد أنهم لم‬
‫ولعل العذر لمن رفعوا‬
‫ّ‬
‫الشاطبي‬
‫يطلعوا على ما كتبه ابن تيمية وما قعده وأصله في هذا الباب‪ .‬وإذا كان‬
‫‪23‬‬
‫النجم فابن تيمية الشمس‪'.‬‬
‫≈‬
‫فأ ّ‬
‫ما األمر األوّل‪ ،‬أمر تقسيمات وبيان المقاصد فيمثله قوله‪:‬‬
‫'فأما إنه م ّ‬
‫ؤسس علم المقاصد ومبدعه‪ ،‬فهذا ال يسلم على ما مر في تاريخ‬
‫المقاصد‪'.‬‬
‫وهذا التاريخ ليس يرجع إلى ابن تيمية بل يتجاوزه إلى ما قبله مئات من‬
‫السنين عددا‪.‬‬
‫ّ‬
‫للشريعة التي جاء بها‬
‫وأ َّما تفاقم األمر حتى الفسوق عن الحقيقة األولى‬
‫م أمر ال ّ‬
‫الرسول هللا صلى هللا عليه وسلم‪ ،‬وقبض عليه الصّالة والسالم وقد ت ّ‬
‫دين‬
‫ّ‬
‫الشريعة‬
‫واستكمل؛ تفاقم أمر المقاصد وبلوغه الوضع الحرج بالفسوق عن حقيقة‬
‫وال ّ‬
‫دين؛ فهذا قد سلِم منه ابن تيمية بما آتاه هللا تعالى من نظر نفاذ ومن عقل‬
‫ممي ّز وازن بعيد الغور يبلغ مداه البعيد و ال ّ‬
‫دقيق من القول‪ ،‬ليس يلفظ بالكلمة‬
‫حتى يرى موضعها وبيانها في الميزان؛ فال يمكن أبدا لرجل مثل ابن تيمية أن‬
‫والسجود من مك ّ‬
‫ّ‬
‫مالت الصّالة‪ ،‬أو أن‬
‫يخرج من لسانه منكر القول كون الرّكوع‬
‫ّ‬
‫حس من فقدها‬
‫يخاطب النّاس ابتداءا على اإلطالق أن شارب الخمر في الدنيا ال ي‬
‫في اآلخرة من ألم أو حرمان!‬
‫ّ‬
‫السليم والصّحيح‪ ،‬التّصوّر المقرّر‬
‫فابن تيمية إن قال بالمقاصد فعلى التّصوّر‬
‫بداهة في العقول كون ك ّ‬
‫ل منظومة قانونية لها مقصود وغايات وضعت هذه‬
‫القوانين من أجلها؛ وهللا تعالى أحكم الحاكمين ووصف كتابه ع َّز وج َّ‬
‫ل بأن ّه عزيز‬
‫ّ‬
‫للشريعة غايات ح ّقة على أبلغ ما يكون من‬
‫حكيم‪ ،‬مجيد حكمه وبالغة حكمته؛ ف‬
‫وجه العلم والحكمة؛ هي عند العقالء من أول وأعظم المسلمات‪ .‬بل إن القانون‬
‫كما جاء في بعض تعريفاته ليس إال معيار السلوك المناسب لبلوغ غاية معينة‬
‫وأغراض محددة‪ ،‬ومن هنا كانت مقولة توما األكويني أن القانون إنتاج وعمل‬
‫ي‪ ،‬ألن العقل هو الذي تتحدد عنده األهداف والغايات وهو ال ّ‬
‫دليل والمحدد‬
‫عقل ّ‬
‫للوسائل‪ .24‬بل إننا نجد تقريرية المقاصد (المقصودات أو الغايات) القانونية عند‬

‫ّ‬
‫الشريعة عند ابن تيمية‪ ،‬الدكتور يوسف أحمد محمد البدوي‪ ،‬دار النفائس للنشر والتوزيع األردن‪،‬‬
‫مقاصد‬

‫‪23‬‬

‫ص‪505-506‬‬
‫‪24‬‬

‫¶‬

‫‪La loi. Fiche pratique de Philosophie Politique – Renouveau Français‬‬
‫‪23‬‬

‫ضالل المقاصديين‬

‫شيشرون إذ جعل موضوع القانون ووظيفته حفظ المساوات في العالقات‬
‫االجتماعية بين األفراد والعدالة وتمنح كال ما هو أجدر به وأحق مع مراعاة الصالح‬
‫العام‪ .‬وهذا جامع لكل المصالح‪ 25.‬بيد أن ابن تيمية جعل بين المرجعين‬
‫صديين أو قل ال ّ‬
‫داللتين المقاصديتين‪ ،‬جعل بينهما حاجزا؛ وذلك من أهم ما‬
‫المقا ِ‬
‫ّ‬
‫الشريعة عند ابن تيمية' د‪ .‬يوسف أحمد محمد‬
‫سطره صاحب كتاب 'مقاصد‬
‫‪26‬‬
‫البدوي‪ ،‬إذ يقول‪:‬‬
‫'تعريف المقاصد عند ان تيمية‪:‬‬
‫أعرض هنا بعضا من عبارات ابن تيمية توضح مراده بالمقاصد‪ ،‬ومن ثم نخلص‬
‫إلى تعريفه لها‪.‬‬
‫‪ – 1‬الغايات المحمودة في مفعوالته ومأموراته سبحانه – وهي ما تنتهي إليه‬
‫مفعوالته ومأموراته من العواقب الحميدة تدل على حكمته البالغة‪.27‬‬
‫‪ – 2‬إن لفعله سبحانه غاية محبوبة وعاقبة محمودة‪.‬‬

‫‪28‬‬

‫‪ – 3‬الفالسفة أكثر النّاس كالما فيما يوجد في المخلوقات من المنافع‬
‫‪29‬‬
‫والمقاصد والحكم الموافقة لإلنسان وغيره‪.‬‬
‫‪ – 4‬فإن هللا ضرب للناس في القرآن من كل مثل‪ ،‬وبين باألقيسة العقلي ّة‬
‫المقبولة بالعقل الصّريح من بيان المطالب اإللهية والمقاصد الرّبّانية‪ ،‬ما ال تصل‬
‫إليه آراء هؤالء المتكلمين‪.30‬‬
‫‪ – 5‬الحكمة‪ :‬التي هي الغايات والمقاصد في أفعاله سبحانه‪.‬‬

‫‪31‬‬

‫‪25‬‬

‫‪Denis Touret : LES GRANDS IDEOLOGUES et les autres- Ie système normatif de‬‬
‫‪CICERON‬‬

‫ّ‬
‫الشريعة عند ابن تيمية‪ :‬د‪ .‬يوسف أحمد محمد البدوي‪ ،‬دار النفائس للنشر والتوزيع األردن‪،‬‬
‫مقاصد‬

‫‪26‬‬

‫ص‪50-51‬‬
‫ابن تيمية‪ ،‬مجموع الفتاوي‪ ،‬ج‪ ،3‬ص ‪1927‬‬
‫ابن تيمية‪ ،‬منهاج السنة‪ ،‬ج‪ ،1‬ص ‪46528‬‬
‫ابن تيمية‪ ،‬بيان تلبيس الجهمية‪ ،‬ج‪ ،3‬ص ‪20329‬‬
‫ن م‪ ،‬ج‪ ،1‬ص ‪32630‬‬
‫ابن تيمية‪ ،‬شرح الفهانية‪ ،‬ص ‪16131‬‬
‫‪24‬‬

‫ضالل المقاصديين‬

‫‪ – 6‬الحكمة تتضمن ما في خلقه وأمره من العواقب المحمودة والغايات‬
‫المحبوبة ‪ . . .‬فأئمة الفقهاء متفقون على إثبات الحكمة والمصالح في أحكامه‬
‫الشرعي ّة‪.32‬‬
‫‪ – 7‬فإن قيل‪ :‬المقاصد في األقوال واألفعال هي عللها التي هي غاياتها‬
‫ونهاياتها‪ . . . ،‬وهذه العلل التي هي الغايات هي متقدمة في العلم والقصد‬
‫متأخرة في الوجود والحصول‪.33‬‬
‫ّ‬
‫الشريعة من المصالح والمحاسن والمقاصد‬
‫‪ – 8‬ومن أنكر ما اشتملت عليه‬
‫التي للعباد في المعاش والمعاد ‪ . . .‬فهو مخطئ ضال يعلم فساد قوله‬
‫بال ّ‬
‫ضرورة‪.34‬‬
‫‪ – 9‬إن أمره وتشريعه سبحانه مقصوده بيان ما ينفع العباد إذا فعلوه وما‬
‫يضرهم‪.35‬‬
‫‪ – 10‬والخلق صالحهم وسعادتهم أن يكون هللا هو معبودهم‪ ،‬الذي تنتهي إليه‬
‫محبتهم وإرادتهم‪ ،‬ويكون ذلك غاية الغايات ونهاية النهايات‪ ،‬وهو الذي يجب أن‬
‫يكون المقصود بالحركات‪'.36‬‬
‫≈‬
‫صدي ّين وبيان فساد منظارهم وضاللهم أن يكون كله مجموعا‬
‫يكاد إشكال المقا ِ‬
‫في هذه الكلمات أو في بعض منها إذ يالحظ تطابق بينها وتداخل‪ .‬وأيضا هو يكفي‬
‫ي الحسم بناجز الحكم على هذا الفساد العظيم‪ ،‬وال ّ‬
‫ضالل‬
‫على وجه البرهان الجل ّ‬
‫ي الضا ّ‬
‫صد ّ‬
‫ل أكيدا ويقينا‪.‬‬
‫المبين للبناء المقا ِ‬
‫ي على المعنى االصطالح ّ‬
‫ما من مرجع من مراجع الفقهاء القانونيين إال وهو على ضرورة وعادة منهجية‬
‫ي للقانون كمنظومة تنظيمية لكيان م ّ‬
‫ؤسساتي‬
‫من أن يذكر التأصبل الفلسف ّ‬
‫معي ّن سواء أكان دولة أو مجتمعا أو كيانات خاصّة‪.‬‬
‫وليس له أن يم َّر على هذا التأصيل دون يس ِل ّم في نهاية أمره بعالقة القانون‬
‫بنظمة العقل والغاية التي من أجلها يستوجب هذا القانون ال غيره‪ ،‬و ّ‬
‫الشرط في‬
‫ابن تيمية‪ ،‬منهاج السنة‪ ،‬ج‪ ،1‬ص ‪14132‬‬
‫ابن تيمية‪ ،‬بيان ال ّ‬
‫دليل‪ ،‬ص ‪238-23933‬‬
‫ابن تيمية‪ ،‬مجموع الفتاوى‪ ،‬ج‪ ،8‬ص ‪16734‬‬
‫ابن تيمية‪ ،‬منهاج السنة‪ ،‬ج‪ ،3‬ص ‪3635‬‬
‫ابن تيمية‪ ،‬درء التعارض‪ ،‬ج‪ ،9‬ص‪37336 -372‬‬
‫‪25‬‬

‫ضالل المقاصديين‬

‫ّ‬
‫ي‬
‫ذلك العلم والخبرة‪ .‬إذن فهذه النظمة الثالثي ّة هي المنتج‬
‫الحق والمنطق ّ‬
‫للقانون‪ ،‬وليس العقل وحده‪ ،‬وليس العلم وحده‪ ،‬والعقل ليس متضمنا في جوهره‬
‫ي الح ّ‬
‫م‪.‬‬
‫المنطق ّ‬
‫ق لِل ِعل ِ‬
‫هنا ينتهي األمر ويحسم الحكم؛ فإنه ليس ينبغي اإلحاطة العلمي ّة لغير هللا‬
‫سبحانه‪ ،‬بل والسعة األنساقية العقلي ّة؛ فاهلل تعالى هو خالق العقول وهو ع َّز‬
‫وج َّ‬
‫ل أحكم الحاكمين وهو العليم الخبير‪.‬‬
‫وإذن فاإلشكال الحقيقي موضعه وكنهه هو الكفر واإليمان على أول الوضع ثم‬
‫مدى تحقق الرّبّانية في العقل الفقهي‪ .‬ومخطئ يقينا من يزعم أن العقل‬
‫‪37‬‬
‫ّ‬
‫والشرط في االستخالف؛‬
‫اإلسالمي الفقهي اليوم هو محقق لهذا المطلوب‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫الحق ال يجوز فيه إطالقا أن تتخلف فيه أمة ربانية وعقل‬
‫الحق والمنطق‬
‫فميزان‬
‫ي عن شروط التّمكين والحفاظ على هذا التّمكين في األرض‪ ،‬وال‬
‫فقهي ربان ّ‬
‫التخلف عن ركب الحضارة اإلنسانية‪ ،‬بل عن ركب العقل التّمكيني لكل أمم‬
‫األرض‪ ،‬اليهود والنصارى والمجوس وعبدة األوثان‪.‬‬
‫ج ًّدا‪ ،‬وهو أن اإلسالم دين ال يتب ّعض في شريعته وفي‬
‫وهنا يلوح أمر عظيم ِ‬
‫بنائه‪ ،‬فالثلج ال يوجد في غير شروطه الفيزيائية‪ ،‬وهل الكسروية يبقى معها‬
‫معنى لشريعة اإلسالم وال السير بال ّ‬
‫دين على منهاج رباني‪ ،‬كال وكال‪ ،‬فلكل عطل‬
‫في اآللة سبب موضوعي‪ ،‬وما كان الفقه ترفا وزينة وهدفا للتزلف ومرقاة للشهرة‬
‫وال هدفا لذاته؛ فال حقيقة للفقه إال مع كيان مؤ ّ‬
‫سساتي إسالمي يعمل جوهري ّا‬
‫للحق؛ فهذه هي وجهة أعمال النّاس في المجتمع اإلسالمي الذي أرسل هللا‬
‫تعالى رسوله صلى هللا عليه وسلم ليقيمه على واقع األرض والتاريخ‪ ،‬وليس أن‬
‫يكون مركز األعمال مو ّ‬
‫جها لرضى الحاكم؛ فهذا شر ّممن يخدمون لبالدهم فصنعوا‬
‫في بضعة عقود من العدة ومن رباط الخيل ما ليس لمن يزعمون اإلسالم‬
‫ويخدمون حياتهم كلها للقصر‪ ،‬ما ليس لهم إمكان ووضع حتى للتفكير فيه‪ .‬فمن‬
‫لم يصنع سالحه ومن لم يطور علم الصناعة لحظ التّمكين لأل َّمة فال فقه له وكأنما‬
‫حبط كل فقه عنده‪ .‬أي خير في فقهاء هكذا يسمون وبالدهم مستباحة وأعراض‬
‫نسائهم مهتوكة‪.‬‬
‫ّ‬
‫الحق هو في هذا العقل الفقهي‪ ،‬في هذا اإلنسان الذي‬
‫وإذن فاإلشكال‬
‫الشريعة لها نظمتها الم ّ‬
‫ّ‬
‫ؤسساتية التي أنزلت لها‪ .‬هم تكلموا على‬
‫نسي أن‬
‫المناسبة في كل شيء حتى أسرفوا في ذلك أي ّما إسراف‪ ،‬ولم يتكلموا بها فيما‬

‫هذا هو الردّ على السؤال المغرض لد‪ .‬جاسر عودة 'أين هي الشريعة؟' الممثل حقيقة لموقفه واتجاهه‬

‫‪37‬‬

‫الفكري واالنتمائي ككل‪ ،‬كما سيأتي بيانه‪.‬‬
‫‪26‬‬

‫ضالل المقاصديين‬

‫هو أول ما وجب من ذكرها فيه‪ ،‬ما هو المناسب من األنظمة االجتماعية أو لنقل‬
‫للتفهيم على توافق اللسان‪ ،‬ما هو أو ما هي األنظمة السياسية أو النظام‬
‫السياسي المتناسب ومعايير العقل المتفق عليه في عقول اآلدميين وعقول‬
‫الجن وما شئت من العقول‪ ،‬المتناسب وشريعة ر ّ‬
‫ب العالمين؟‬
‫أو بسبيل آخر من القول ما هي األنظمة السياسية والعالقات االجتماعية‬
‫اإلنسانية التي لبعض التجمعات والكيانات البشري ّة ولو هي سميت مجتمعات و‬
‫ّ‬
‫الشريعة اإلسالمية ألنها ال تنبغي‬
‫دول وأوطان التي ال يمكن أن نتحدث فيها عن‬
‫لها وال وجه لالتفاق بينهما وال االتساق؟‬
‫ّ‬
‫الحق‪ ،‬وإن كثيرا ممن يعدون أنفسهم علماء أو أكادميين اتخذوا‬
‫هذا هو الوضع‬
‫إشكاالت فقهية وعقلي ّة وصدقية بل اتخذوا العلم والفقه ترفا‪ ،‬وكأن الشيطان‬
‫وضعهم مدركين أو غير مدركين لتلبيسه‪ ،‬وضعهم وضع من اتخذ آيات هللا هزؤا‪ .‬بل‬
‫ظهر أيضا ما بات له حقا أن يسمى بالمذهب االعتذاري‪ ،‬وكما هو لالعتذار في‬
‫اللغة تع ّ‬
‫ديان ب'من' و'إلى'‪ ،‬فهذا االعتذار يعتذر أصحابه إلى الغرب من شريعة‬
‫اإلسالم‪ ،‬شريعة هللا تعالى ر ّ‬
‫ب العالمين! كما سوف نرى له هنا في الدرس في‬
‫الباب األخير من هذا الكتاب مثال‪.‬‬
‫وابن تيمية إن قال بالمقاصد فإنه لم يكن طوفيًّا (نسبة إلى مذهب نجم ال ّ‬
‫دين‬
‫ّ‬
‫النص‪ ،‬وإن ّما جعل‬
‫الطّوفي كما سيأتي بيانه بعد حين) فقدم المصلحة على‬
‫موضعها وحي ّزها المصالح المرسلة التي معلوم ضيق حيزها في ال ّ‬
‫ي‬
‫دليل الشرع ّ‬
‫عنده‪:‬‬
‫'والقول بالمصالح المرسلة يشرع من ال ّ‬
‫دين ما لم يأذن به هللا [غالبا]‪ .‬وهي‬
‫ي والرأي ونحو ذلك‪.‬‬
‫تشبه من بعض الوجوه مسئلة االستحسان و التّحسين العقل ّ‬
‫فإن االستحسان طلب الحسن واألحسن كالستخراج‪ ،‬وهو رؤية الشيء حسنا‬
‫كما أن االستقباح رؤيته قبيحا‪ ،‬والحسن هو المصلحة‪ ،‬فاالستحسان واالستصالح‬
‫ي قول بأن العقل يدرك الحسن‪ ،‬لكن بين هذه فروق‪.‬‬
‫متقاربان‪ ،‬و التّحسين العقل ّ‬
‫ّ‬
‫الشريعة ال تهمل مصلحة قط‪ ،‬بل هللا تعالى قد أكمل لنا‬
‫والقول الجامع أن‬
‫‪38‬‬
‫ال ّ‬
‫دين وأتم النعمة‪'.‬‬
‫ي على بعد البيان‪ ،‬حيث ليس‬
‫وبناء على هذا‪ ،‬وتوافقا مع االنضباط المنهاج ّ‬
‫ي للمقاصد إال المعنى الطّوفي الضّال؛ فابن تيمية لم‬
‫للمقا ِ‬
‫صدي ّين من إمكان دالل ّ‬
‫يكن طوفيًّا‪ ،‬بله أن يكون شيخا للطوفيّة والضّالل!‬

‫مجموع فتاوى شيخ اإلسالم ابن تيمية‪ ،‬ج‪ ،11‬مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف ‪1415‬ه‪ ،‬ص ‪34438‬‬
‫‪27‬‬

‫ضالل المقاصديين‬

‫صدي ّين‪ ،‬فهذا إن سلم من النّاحية النظري ّة‬
‫كذلك فقوله‪' :‬وأما إنه شيخ المقا ِ‬
‫التأصيلية‪ ،‬فإنه ال يسلم بإطالق‪ ،‬إذ استبان من خالل هذه الرسالة‪ ،‬وما سيأتي‬
‫في المباحث التالية‪ ،‬أن ابن تيمية قد بلغ شأوا بعيدا‪ ،‬وغاية سامية‪ ،‬في تأصيل‬
‫هذا العلم‪ ،‬وبيان أصوله وأقسامه وإقامة دعائمه وبيان وسائله وضوابطه‪ ،‬وإثرائه‬
‫ّ‬
‫الشريعة‪ ،‬ومع كل هذا فال ينكر جهد‬
‫بالتطبيقات‪ ،‬وتوظيفه في شتى مناحي‬
‫ّ‬
‫الشاطبي وبالؤه العظيم في لم شتات هذا العلم وإخراجه على النّحو الذي‬
‫نظمه‪'.‬‬
‫≈‬
‫فهذا فاسد أي ّما فساد‪ ،‬ألننا في إشكال خطير عن سؤال علمي ّة هذا الك ّ‬
‫م‬
‫المتراكم من األقوال إيجابا وسلبا؛ فال يجوز إطالق لفظي العلم والنظري ّة إال على‬
‫ّ‬
‫الشعرية والمجازية؛ ومتى كان عند العلماء والمناطقة طرّا أن‬
‫الحقيقة العلمي ّة ال‬
‫يسبق العلم نظري ّته وتتأخر هذه عنه حتّى يكون لهذا الكالم معنى وموضع قبول؟!‬
‫الشاطبي نظريّة بل هو ال ّ‬
‫ضالل‪ ،‬وال ابن تيمية أصّل لعلم فال ب ّ‬
‫ّ‬
‫د‬
‫فال الذي عند‬
‫للعلم من هيكلة نظريّة!‬
‫والح ّ‬
‫صدي ّون من تداخل الحقول الحقائقي ّة وأبعادها‪ ،‬وهذا ال‬
‫ق إنما أتِي المقا ِ‬
‫ّ‬
‫الشارع ومصالح المكلَّف على االعتبار‬
‫يقتصر على المقولة الفاسدة مصالح‬
‫المتساوق‪ ،‬والتي تكفي ببطالنها على الحكم ببطالن مذهبهم وفساد بنائهم‪ .‬بل‬
‫سوف يتّضح ذلك ويجلّيه البرهان الساطع والح ّ‬
‫ق األبلج المبين في ال َّتعليل‪ ،‬وفي‬
‫َّ‬
‫وإن الباطل كان‬
‫مقولة المصالح والمفاسد‪ ،‬ومسألة الحسن والقبح العقلي ّين‪،‬‬
‫زهوقا‪.‬‬
‫والمفارقة هنا عند الريسوني‪ ،‬مفارقة عجيبة ًّ‬
‫حقا! هو قوله بأنه ال يعنيه كثيرا‬
‫أمر مقاصد المكلَّف في هذا المدخل‪ ،‬والحال أن االرتباط كائن والتداخل حاصل‪ ،‬بل‬
‫ّ‬
‫الشارع كما زعم متوقف عليها!‬
‫وأمر مقاصد‬
‫واالختالط بالوصف المبين الذي أشرنا إليه ليس تدرك حقيقته حتى يعلم َّ‬
‫أن‬
‫صد ّ‬
‫ي‬
‫القرافي‪ 39‬الذي يعتبر عندهم ركنا مرجعا في هذا ال َّتقسيم الثنائي المقا ِ‬
‫الباطل (حق هللا‪ ،‬حق المكلَّف) الموصول بعنصر مقاصد المكلَّف‪َّ ،‬‬
‫أن القرافي كما‬
‫سوف نبينه ال يأخذ أو لم يأخذ هذه المادّة البياني ّة والتّركيب ال َّتقسيمي من‬
‫صدي ّين؛ بل‬
‫شيخه العز بن عبد السالم على ذات المعنى الذي هو عند المقا ِ‬
‫بالمعنى النّاقض والنقيض لزعمهم وضاللهم‪.‬‬

‫القرافي شهاب ال ّ‬
‫دين أبو العباس أحمد بن إدريس المصري المالكي (‪626‬ه‪684 -‬ه)‪،‬‬
‫‪28‬‬

‫‪39‬‬

‫ضالل المقاصديين‬

‫ي في عالقة الدا ّ‬
‫ل‬
‫وإذا كان ما تقدم يخص الفحص من جهة التّحليل البيان ّ‬
‫بالمدلول في مادة 'االصطالح'؛ وهو كما رأينا وتبين كاف كفاء ناجزا للحكم في‬
‫دحض هذا الزعم الضال في مقام ال موضع فيه للزعم؛ وهذا حيزه علم البيان؛ فإن‬
‫الحق إال تجليا ووضوحا؛ ذلك أ ّ‬
‫ّ‬
‫ن‬
‫النظر والفحص على معيار اإلمكان ال يزيد‬
‫االصطالح ليس مطلق اإلمكان‪ ،‬وأبرز ما ليس يصح فيه هو بيان األصول العليا‬
‫ّ‬
‫لل ّ‬
‫الشريعة هو منها‪ .‬ومخالفة هذا الضابط العظيم‪،‬‬
‫دين‪ ،‬والتي ال شك كل ما يهم‬
‫ضابط العلماء ًّ‬
‫حقا‪ ،‬مخالفته ال يخرج قيد أنملة عن حقيقة اللغو في الح ّ‬
‫ق والخوض‬
‫عمها وضالال‪.‬‬

‫‪‬‬

‫‪29‬‬

‫ضالل المقاصديين‬

‫الفصل الثاني‬
‫صدي ّة للجويني‬
‫الب ْؤرة المقا ِ‬
‫وسؤال َّ‬
‫التعليل‬

‫‪30‬‬

‫ضالل المقاصديين‬

‫‪ - 1‬م ْع َ‬
‫جم أصحاب المقاصد مرجعه إلى الجويني‬

‫'وقد أكثر المح ّققون في وجوه ال َّر ِدّ على أصحاب الطرد‪ .‬وحاصل ما ذكروه يئول‬
‫إلى وجوه منها أن أقيسة المعاني لم تقتض األحكام ألنفسها‪ ،‬وإنما ظهر لنا من‬
‫دأب أصحاب رسول هللا صلى هللا عليه وسلم التعلق بها إذا عدموا متعلقا من‬
‫الكتاب والس َّنة؛ فكان مستند األقيسة الصّحيحة إجماعهم على ما سبق تقريره‪.‬‬
‫والذي تحقق لنا من مسلكهم النظر إلى المصالح والمراشد واالستحثاث على‬
‫ّ‬
‫الشريعة؛ فأما االحتكام بطرد ال يناسب الحكم ال يثير شبها‪ ،‬فما‬
‫اعتبار محاسن‬
‫كانوا يرونه أصال‪ .‬فإذا لم يستند الطرد إلى دليل قاطع سمعي‪ .‬بل يتبين أنهم‬
‫كانوا يأبونه وال يرونه‪ .‬ولو كان الطرد مناطا ألحكام هللا تعالى لما أهملوه وعطلوه‪.‬‬
‫فقد استمرت الطريقة قاطعة من وجهين‪:‬‬
‫أحدهما أنا أوضحنا أنه ليس للطرد مستند معلوم وال مظنون‪ ،‬وليس هو في‬
‫نفسه مقتضيا حكما لعينه‪.‬‬
‫واآلخر أنا نعلم إضرابهم عن مثله في النظر في أحكام الوقائع‪ ،‬كما نعلم‬
‫‪40‬‬
‫إكبابهم على تطبيق األحكام على المصالح الشرعي ّة؛ وهذه طريقة واقعة‪'.‬‬
‫≈‬
‫يكفي هذا إثباتا للمادّة البياني ّة ماثلة شاخصة عند الجويني رحمه هللا تعالى‪،‬‬
‫بيانا طافيا يغمر ك ّ‬
‫ل كالم الجويني كما سوف يتراءى ملء أفق الرؤية ويتضح بقوة‬
‫للنّاظر‪.‬‬
‫'وعندي أن األشباه المغلبة على الظن وإن كانت ال تناسب األحكام‪ ،‬فهي‬
‫تناسب اقتضاء تشابه الفرع واألصل في الحكم؛ فهذا هو السر األعظم في الباب‪.‬‬
‫فكأن المعنى مناسب للحكم من غير فرض ذكر أصل نظرا إلى المصالح الكليّة‬
‫ّ‬
‫الشريعة‪ .‬فإن كل مصلحة ال تنتهض‬
‫واألصل؛ يعني النحصار المصلحة في أصول‬
‫‪41‬‬
‫علة‪ ،‬والشبه لو ج ِرّد ال يقتضي الحكم‪'.‬‬
‫الشرع متض َّ‬
‫ّ‬
‫عل ّة‪.‬‬
‫فالمصلحة في أصول‬
‫منة‪ ،‬وكل مصلحة ال تنتهض ِ‬

‫البرهان للجويني – ص ‪175-17640‬‬
‫ن م – ص ‪20141‬‬
‫‪31‬‬

‫ضالل المقاصديين‬

‫‪‬‬

‫‪32‬‬

‫ضالل المقاصديين‬

‫‪ - 2‬تقسيمات أصحاب المقاصد مرجعها عند الجويني‬

‫'الباب الثالث‬
‫في تقاسيم العلل واألصول‬
‫ّ‬
‫الشريعة ونحن نقسمها خمسة أقسام‪:‬‬
‫‪ – 901‬هذا الذي ذكره هؤالء أصول‬
‫أحدها‪ :‬ما يعقل معناه‪ ،‬وهو أصل‪ ،‬ويئول المعنى المعقول منه إلى أمر ضروري‬
‫ال بد منه‪ ،‬مع تقرير غاية اإليالة الكليّة والسياسة العامية‪ .‬وهذا بمنزلة قضاء‬
‫ّ‬
‫الشرع بوجوب القصاص في أوانه؛ فهو معلل بتحقق العصمة في الدماء المحقونة‪،‬‬
‫والزجر عن التهجم عليها‪ .‬فإذا وضح للناظر المستنبط ذلك في أصل القصاص‪،‬‬
‫تصرف فيه وعداه إلى حيث يتحقق أصل هذا المعنى فيه‪ ،‬وهو الذي يسهل تعليل‬
‫أصله‪ .‬ويلتحق به تصحيح البيع فإن النّاس لو لم يتبادلوا ما بأيديهم لجرّ ذلك ضرورة‬
‫ظاهرة‪ .‬فمستند البيع إذا أيل إلى الضّرورة الراجعة إلى النوع والجملة‪ .‬ثم قد تمهد‬
‫ّ‬
‫الشريعة أن األصول إذا ثبتت قواعدها فال نظر إلى طلب تحقيق معناها في‬
‫في‬
‫آحاد النوع‪ .‬وهذا ضرب من الضروب الخمسة‪.‬‬
‫‪ – 902‬والضرب الثاني ما يتعلق بالحاجة العا ّمة‪ ،‬وال ينتهي إلى حد ال ّ‬
‫ضرورة‪.‬‬
‫وهذا مثل تصحيح اإلجارة؛ فإنها مبنية على مسيس الحاجة إلى المساكن مع‬
‫القصور عن تملكها وضنة مالكها بها‪ ،‬على سبيل العارية‪ .‬فهذه حاجة ظاهرة غير‬
‫بالغة ال ّ‬
‫ضرورة المفروضة في البيع وغيره‪ .‬ولكن حاجة الجنس قد تبلغ مبلغ ضرورة‬
‫ّ‬
‫الشخص الواحد من حيث إن الكافة لو منعوا عما تظهر الحاجة فيه للجنس لنال‬
‫آحاد الجنس ضرار ال محالة‪ ،‬تبلغ مبلغ ال ّ‬
‫ضرورة في حق الواحد‪ .‬وقد يزيد أثر ذلك‬
‫في ال ّ‬
‫ضرر الراجع إلى الجنس ما ينا ل اآلحاد بالنسبة إلى الجنس‪ .‬وهذا يتعلق‬
‫بأحكام اإليالة‪ .‬والذي ذكرناه مقدار غرضنا اآلن‪.‬‬
‫‪ – 903‬والضرب الثالث ما ال يتعلق بضرورة حاقة وال حاجة عامة‪ ،‬ولكنه يلوح‬
‫فيه غرض في جلب مكرمة أو في نفي نقيض لها‪ .‬ويجوز أن يلتحق بهذا الجنس‬
‫طهارة الحدث وإزالة الخبث‪ .‬وإن أحببنا عبرنا عن هذا الضرب وقلنا‪ :‬ما الح ووضح‬
‫الندب إليه تصريحا كالتنظيف‪ .‬فإذا ربط الرابط أصال كليا به تلويحا‪ ،‬كان ذلك في‬
‫الدرجة األخيرة والمرتبة الثانية في المقاييس‪ ،‬وجرى وضع التلويح فيه مع االمتناع‬
‫عن التصريح وضع حمل المكلَّفين على مضمونه مع االعتضاد بالدواعي الجبلية‪،‬‬
‫ّ‬
‫السابقة والصور الممثلة‪.‬‬
‫كما سبق تقرير هذا في المسالك‬
‫‪33‬‬

‫ضالل المقاصديين‬

‫‪ – 904‬والضرب الرّابع ما ال يستند إلى حاجة وضرورة‪ ،‬وتحصيل المقصود فيه‬
‫مندوب إليه تصريحا ابتداء وفي المسلك الثالث في تحصيله خروج عن قياس كلي‪.‬‬
‫وبهذه المرتبة يتميّز هذا الضرب من الضرب الثالث‪.‬‬
‫وبيان ذلك بالمثال أن الغرض من الكتابة تحصيل العتق‪ ،‬وهو مندوب إليه‪.‬‬
‫والكتابة المنتهضة سببا في تحصيل العتق تتضمن أمورا خارجة عن األقيسة‬
‫الكليّة كمعاملة السيد عبده‪ ،‬وكمقابلة ملكه بملكه‪ .‬والطهارات قصاراها إثبات‬
‫ّ‬
‫السبب وجوبا إلى إيجاب ما ال تصريح بإيجابه‪ .‬وليس فيها اعتراض على أصل آخر‬
‫ّ‬
‫الشرع النكاح على‬
‫سوى ما ذكرناه من التصريح والتلويح‪ .‬وقد مثلناها بوضع‬
‫تحصين الزوجين‪.‬‬
‫‪ – 905‬والضرب الخامس من األصول ما ال يلوح فيه للمستنبط معنى أصال‪ ،‬وال‬
‫مقتضى من ضرورة أو حاجة أو استحثاث على مكرمة‪ .‬وهذا يندر تصويره جدا؛ فإنه‬
‫إن امتنع استنباط معنى جزئي فال يمتنع تخيله كليا‪ .‬ومثال هذا القسم العبادات‬
‫البدنية المحضة‪ ،‬فإنه ال يتعلق بها أغراض دفعية وال نفعية‪ .‬ولكن ال يبعد أن يقال‪:‬‬
‫تواصل الوظائف يديم مرون العباد على حكم االنقياد‪ ،‬وتجديد العهد بذكر هللا‬
‫تعالى‪ ،‬ينهى عن الفحشاء والمنكر؛ وهذا يقع على الجملة‪ .‬ثم إذا انتهى الكالم‬
‫في هذا القسم إلى تقديرات‪ ،‬كأعداد الركعات وما في معناها‪ ،‬لم يطمع القايس‬
‫في استنباط معنى يقتضي التقدير فيما ال ينقاس أصله‪.‬‬
‫فهذا بيان ضروب األصول على الجملة‪'.‬‬

‫‪42‬‬

‫≈‬
‫من هنا بدأ الضّالل‪:‬‬
‫'وال مقتضى من ضرورة أو حاجة أو استحثاث على مكرمة ‪. . .‬‬
‫ومثال هذا القسم العبادات البدنية المحضة‪ ،‬فإنه ال يتعلق بها أغراض‬
‫دفعية وال نفعية'‬
‫ُّ‬
‫صد ّ‬
‫ي‬
‫فهذه هي البؤرة‬
‫السوء‪ ،‬البؤرة التي سيخرج منها الضّالل المقا ِ‬
‫كما سيأتي تفسيره‪.‬‬
‫ّ‬
‫النص أعاله الذي يعود للجويني‪ ،‬نالحظ ونرصد‬
‫هكذا إذا نالحظ في‬
‫َّ‬
‫صد ّ‬
‫التقسي َ‬
‫ي بحذافيره‪ .‬يقول الدكتور أحمد الريسوني في مؤلفه‬
‫م المقا ِ‬
‫ّ‬
‫الشاطبي'!‪:‬‬
‫'نظريّة المقاصد عند اإلمام‬

‫ن م – ص ‪214-21542‬‬
‫‪34‬‬

‫ضالل المقاصديين‬

‫'استفادته من األصوليين‬
‫لقد رأينا األصوليين – منذ الجويني والغزالي – يقسمون المصالح إلى ضرورية‬
‫وحاجية وتحسيني ّة‪ .‬ويحصرون الضروريات في خمس‪ ،‬وهي‪ :‬ال ّ‬
‫دين‪ ،‬والنفس‪،‬‬
‫ّ‬
‫الشاطبي‪.‬‬
‫والعقل‪ ،‬والنسل‪ ،‬والمال‪ ،‬وعلى هذا سار‬
‫‪...‬‬
‫كما أن األمثلة التي يوردها لتوضيح المراتب الثالث‪ :‬الضروريات والحاجيات‬
‫والتحسيني ّات‪ ،‬ولبيان حفظ الضروريات الخمس ‪ ، . . .‬هي نفسها تقريبا التي‬
‫نجدها عند سابقيه‪ ،‬وخاصّة الغزالي‪.‬‬
‫‪...‬‬
‫أما الجويني – وهو أقدم هؤالء – فقد رأينا سبقه في وضع لبنات أولى لصياغة‬
‫نظريّة المقاصد‪ .‬ف ّ‬
‫الشاطبي – كغيره – مدين له في هذا‪ ،‬بشكل مباشر وغير‬
‫مباشر‪ .‬وباإلضافة إلى هذه االستفادة العا ّ‬
‫مة من أفكار الجويني في المقاصد‪ ،‬فإنا‬
‫ّ‬
‫الشاطبي‪ ،‬يمكن إرجاع أصلها إلى كالم الجويني‪.‬‬
‫نجد مسائل معينة عند‬
‫من ذلك ما سبق من القول بأن أصول الفقه قطعي ّة ال ظنّية‪ .‬وهي المسألة‬
‫ّ‬
‫الشاطبي الموافقات‪ ،‬وهي أيضا في الصّفحات األولى من‬
‫التي افتتح بها‬
‫«برهان» الجويني ‪. . .‬‬
‫ّ‬
‫الشاطبي من كون األحكام تختلف بحسب الكليّة‬
‫ومن ذلك ما تقدم عند‬
‫والجزئية‪ .‬فقد يكون الفعل مباحا بالجزء‪ ،‬لكنه واجب أو مندوب بالكل ‪ . . .‬وبهذا‬
‫الميزان قرر ‪ -‬في كتاب المقاصد – أن مجموع الحاجيات و التحسيني ّات‪ ،‬ينتهض أن‬
‫يكون ك ّ‬
‫ل واحد منهم كفرد من أفراد الضروريات‪.‬‬
‫وشبيه بهذا النظر‪ ،‬نجده عند إمام الحرمين‪ ،‬حيث يرى – مثال – أن البيع يعتبر‬
‫من الضروريات بالنظر إلى العموم‪ ،‬بحيث «إن النّاس لو لم يتبادلوا ما بأيديهم لجرّ‬
‫ذلك ضرورة ظاهرة‪ .‬فمستند البيع إذا‪ ،‬آيل إلى ال ّ‬
‫ضرورة الراجعة إلى النوع‬
‫والجملة»‪ .‬أي إنه من حيث الجزء (بالنسبة للفرد الواحد) إنما هو من الحاجيات‪،‬‬
‫ولكنه بالنسبة إلى مجموع النّاس أمر ضروري‪.‬‬
‫ّ‬
‫الشاطبي صقال وتوضيحا‪ ،‬وتطويرا وتوسيعا‪ .‬فهي‬
‫ولكن هذه الفكرة عرفت عند‬
‫‪43‬‬
‫ّ‬
‫الشاطبي شجرة‪'.‬‬
‫عند الجويني بذرة‪ ،‬وعند‬

‫ّ‬
‫الشاطبي‪ ،‬ص‪32043 ..318‬‬
‫انظر‪ :‬نظريّة المقاصد عند اإلمام‬
‫‪35‬‬

‫ضالل المقاصديين‬

‫يقول الدكتور يوسف أحمد محمد البدوي‪:‬‬
‫ي للعلماء الذين وضعوا أركان‬
‫'الذي يهمنا في هذا المقام االستعراض التاريخ ّ‬
‫هذا العلم وثبتوها ورعوها‪ ،‬فال داعي لدراسة‪ 44‬من جاء على لسانهم ذكر أسرار‬
‫ّ‬
‫الشريعة أو العلل الجزئية‪ ،‬ألن السمة البارزة لعلم المقاصد هي العناية بالمقاصد‬
‫الكليّة الضرورية والحاجية و التحسيني ّة‪ .‬وعلى هذا فدراسة من قبل الجويني هي‬
‫‪45‬‬
‫من باب التّحسين والتزيين ال من باب التأصيل والتقعيد‪'.‬‬
‫≈‬
‫إذا كان المنوال الذي نسج عليه أصحاب المقاصد هو هذا ال َّتقسيم الباطل‬
‫لمس َّ‬
‫مى المقاصد الكليّة الذي تجاوز به أصحابه ما ال ينبغي لهم من الحمى‬
‫المخصوص لشريعة ر ّ‬
‫ب العالمين ‪ -‬وما قدروا هللا حق قدره – وهذا يكفي في‬
‫الح ّ‬
‫ق والميزان لدحض وبطالن ما س ّ‬
‫موه من األسماء من عندهم‪ ،‬إذا كان كذلك‬
‫ّ‬
‫الشاطبي شجرة علم لبذرة فكرة! بل كان ضالال كبرت‬
‫فإنه لم يكن ما جاء به‬
‫زاويته وعظم تفاقمه واتسع خرقه‪ ،‬حتى انتهى بهم األمر جميعا إلى جعل ال ّ‬
‫دين‬
‫بعضه للمكلف بزعمهم وبعضه هلل تعالى هللا عما يقولون! وحتى أمست أركان‬
‫الصّالة من القيّام والركوع والسجود والجماعة كل ذلك عندهم أمسى آية بينة‪،‬‬
‫ّ‬
‫الشاطبي بعد أن كان‬
‫لمن يعقل ويبصر‪ ،‬على تفاقم الضّالل الذي تفاحش عند‬
‫بذرة عند الجويني‪ .‬وكان حقا علينا حجة بالغة أن نأتي على هذا بالبيان‬
‫والبرهان‪ .‬ولنبدأ أوال بما عند إمام الحرمين رحمه هللا في ال َّتعليل‪ ،‬الرّكن األساس‬
‫المعتمد فيما خاض فيه من خاض من أهل المصالح‪ .‬يقول في 'مقاصد‬
‫ّ‬
‫الشريعة عند ابن تيمية'‪:‬‬
‫' المبحث األول‬
‫مسألة َّ‬
‫التعليل‬
‫هذه القضيّة هي ل ّ‬
‫ب علم المقاصد‪ ،‬وركنه الركين‪ ،‬وهي تمثل الرّكن األول‬
‫‪46‬‬
‫ّ‬
‫الشريعة عند ابن تيمية‪ ،‬والرّكن الثاني هو المصالح والمفاسد‪'.‬‬
‫لمقاصد‬
‫ّ‬
‫أدق تحديدا‪:‬‬
‫ويقول على نحو‬

‫ّ‬
‫الشريعة عند ابن تيمية)‬
‫انظر في ذلك‪ :‬الريسوني‪ ،‬نظريّة المقاصد‪ ،‬ص‪( 40-47‬مقاصد‬

‫‪44‬‬

‫ّ‬
‫الشريعة عند ابن تيمية – ص ‪7545‬‬
‫مقاصد‬
‫ّ‬
‫الشريعة عند ابن تيمية – ص ‪13946‬‬
‫مقاصد‬
‫‪36‬‬

‫ضالل المقاصديين‬

‫'فمن الحديث عن المناسب وحقيقته وأقسامه ومراتبه نشأ علم المقاصد‪،‬‬
‫‪47‬‬
‫بقضه وقضيضه‪'.‬‬
‫ي منطقي ّا لتقريره‪:‬‬
‫وذلك مع لزوم ِاعتبار آنِ ّ‬
‫'قال الشوكاني في المناسبة‪« :‬هي عمدة القياس ومحل غموضه‬
‫‪48‬‬
‫ووضوحه»'‬

‫‪‬‬

‫ن م – ص ‪6047‬‬
‫ن م – ص ‪5948‬‬
‫‪37‬‬

‫ضالل المقاصديين‬

‫الفصل الثالث‬
‫الجويني وإشكاله ْ‬
‫ي في َّ‬
‫ج ِّ‬
‫د ّ‬
‫التعليل‬
‫ال ِ‬

‫‪38‬‬

‫ضالل المقاصديين‬

‫ْ‬
‫ي عند الجويني‬
‫‪–1‬‬
‫اإلشكال المنطق ّ‬
‫علّة بمحضِ الباطل‬
‫وجداله في باب ال ِ‬

‫عجيب قول الجويني‪:‬‬
‫<تعليل الحكم بعلتين ليس ممتنعا عقال وتسويغا ونظرا إلى المصالح الكليّة‬
‫ولكنه ممتنع شرعا‪ .‬وآية ذلك أن إمكانه من طريق العقل في نهاية الظهور‪ .‬فلو‬
‫كان هذا ثابتا شرعا لما كان يمتنع وقوعه على حكم النادر؛ والنادر ال بد أن يقع‬
‫على مرور الدهور‪ .‬فإذا لم يتفق وقوع هذه المسألة‪ ،‬وإن لم يتشوف إلى طلبه‬
‫طالب‪ ،‬الح كفلق اإلصباح أن ذلك ممتنع شرعا‪ ،‬وليس ممتنعا عقال وال بعيدا عن‬
‫‪49‬‬
‫المصالح‪ .‬وهذه نهاية ال تتعدى في هذا الفن‪>.‬‬
‫≈‬
‫هذا االستدالل ال يقبل عند أحد من العالمين أبدا‪ ،‬ومتى كان عدم ظهوره‬
‫دليال؟! بل وما معنى وقوعه وطلبه كليهما؟!‬
‫ّ‬
‫الحق‪ ،‬الذي‬
‫والذي يدل ّك على مجرّد تحكّم الجويني وقوله بغير سلطان من‬
‫ك في نفسك من باطل قوله في هذا الباب المحور ّ‬
‫يدلك عليه فال يبقى ش ّ‬
‫ي‪ ،‬باب‬
‫ال ِعلّة مرتكز القياس‪ ،‬ذلك هو كينونته في ال ّ‬
‫دور يدور فيه في كل هذه الصّفحات‪:‬‬
‫<فإن قيل‪ :‬لو أبدى الخصم معنى آخر مخيال‪ ،‬قلنا هذا ال يكون أبدا‪ .‬وإن صح‬
‫فيما أبداه أشعرنا باالختالل لإلخالة األولى؛ إذ لو فرض جريان اإلخالة فيهما أدى‬
‫‪50‬‬
‫إلى تعليل الحكم بعلتين؛ ولو كان ذلك سائغا التفق وقوعه‪>.‬‬
‫فهو هنا يستدل المتناع الوقوع بعدم الوقوع‪ ،‬وضمنه المتناع الحكم بعلتين‬
‫بذاته باعتبار عدم الوقوع على تصوّره!!‬
‫ويظهر لك أن مستند الجويني هنا في باب ال ِعلّة ليس إال مجرّد العناد اللجوج‬
‫وباطل التحكّم هو قوله الذي جعله آخر ما في جعبته وما يركن إليه ومخرجه‪:‬‬

‫البرهان في أصول الفقه لللجويني‪ :‬ص‪18949 ..188‬‬
‫ن م – ص ‪18950‬‬
‫‪39‬‬

‫ضالل المقاصديين‬

‫<ويبقى وراء هذا موقف آخر وهو تجويز تقابل مخيلين مع ترجيح أحدهما على‬
‫الثاني؛ وهذا من أدق مواقف النظر في الترجيح‪ .‬وال ينبغي لإلنسان أن يتعب‬
‫نفسه في هذا التقدير‪ ،‬فإن أرباب النظر‪ ،‬وإن ذكروا في مسألة الربا طرق الترجيح‪،‬‬
‫فذلك شعبة من الكالم في المسألة‪ ،‬ومعظم االعتناء بإبطال كل فريق علة من‬
‫يخالفهم؛ ولكن الترجيح يدل على اعتقادهم امتناع اجتماع العلل‪.‬‬
‫فقد نجز مرادنا من هذا الفصل‪ ،‬وقد ابتدأناه ابتداء من يجوز اجتماع العلتين‪،‬‬
‫ّ‬
‫الحق‬
‫وأردنا أن نفيد الناظر بهذا المسلك كيفية النظر ووجوه ازورار الطرق حتى يقر‬
‫‪51‬‬
‫في نصابه‪ ،‬ويتبين تقرير المختار عندنا والتنصيص على لبابه‪>.‬‬
‫≈‬
‫هذا كالم جلل خطير حقا ًّ‪ ،‬وليس هو فحسب كالما أ ّ‬
‫ي كالم؛ بل هو تصوّر مراد‬
‫به قوال في العلم حكما ناجزا‪.‬‬
‫ك ِري القياس وردّ الجويني تحديدا هو قوله‪:‬‬
‫أال إنَّه إن كان الردّ على من ِ‬
‫<فإن قيل كيف يكون إجماع القائسين حجة وقد أنكر القياس طوائف من‬
‫العلماء‪ ،‬قلنا‪ :‬الذي ذهب إليه ذوو التحقيق أنا ال نعد منكِ ِري القياس من علماء‬
‫ّ‬
‫الشريعة‪ ،‬فإنهم مباهتون أوال على عنادهم فيما ثبت استفاضة‬
‫األ َّمة وحملة‬
‫وتواترا‪ .‬ومن لم يزعه التواتر ولم يحتفل بمخالفته لم يوثق بقوله ومذهبه‪ .‬وأيضا‬
‫ّ‬
‫الشريعة صدر عن االجتهاد‪ .‬والنصوص ال تفي بالعشر من معشار‬
‫فإن معظم‬
‫ّ‬
‫الشريعة‪ .‬فهؤالء ملتحقون بالعوام‪ .‬وكيف يدعون مجتهدين وال اجتهاد عندهم‪،‬‬
‫‪52‬‬
‫وإنما غاية التصرّف التردد على ظواهر األلفاظ‪>.‬‬
‫إذا كان هذا الردّ في منحاه صحيحا وإإلنكار فيه شديدا حتّى جاوز الح َّد‬
‫باعتبار العامل الرئيس في اإلصرار على المواقف ولو من بعد ظهور بطالنها واتضاح‬
‫فسادها‪ ،‬هو المذهبيّة وربوبي ّة المذاهب‪ ،‬وما من عالم وفقيه إال وهو تحت لواء‬
‫مذهب إال من رحم ربك من المخلصين؛ إذا كان هذا اإلنكار على منكِ ِري القياس‬
‫له في الح ّ‬
‫ّ‬
‫الشريعة حتما كما أخطأ في تعبيره‬
‫ق سلطان ومعظم األحكام‪ ،‬وليس‬
‫الجويني‪ ،‬اجتهاد‪ ،‬فما أجدر اإلنكار منه أن يكون مستنده وهو من صلب منهاج‬
‫ّ‬
‫الشريعة تأكيدا‪ ،‬مجرد االعتقاد المصرح لفظا في‬
‫األ َّمة في معظم األحكام وليس‬
‫قوله‪' :‬اعتقادهم امتناع اجتماع العلل'‬

‫نم–نص‬

‫‪51‬‬

‫ن م – ص ‪18452‬‬
‫‪40‬‬

‫ضالل المقاصديين‬

‫ولسنا بحاجة طبعا للتنبيه على فساد بيانه وكأنه يراد به سفسطة مستهدف‬
‫بها أغرار العلم وقاصرو العقول‪ ،‬بالبناء في االستدالل على الخاصّة العا ّمة بالمفرد‬
‫المعي ّن‪.‬‬
‫وجامع القول هنا في إيضاح اإلشكال وحل ّه حتّى يقرّ الح ّ‬
‫ق في نصابه على‬
‫ّ‬
‫الحق وانتظامه‪ ،‬في‬
‫تعبير الجويني‪ ،‬هو بناء القول كله ال بعضه على أساس‬
‫قوانينه ونسقه الح ّقة وفي بيانه؛ وما اختل واحد من هذه األنحاء إال كان االختالل‬
‫في جميعها‪ ،‬وليس يكون بعده إال ما هو مناقض للحق خارج عن إهابه من العناد‬
‫ّ‬
‫الحق وهو أبلج‪ ،‬كما هو الحال والحاصل عند‬
‫والتحكّم إلى درك المجادلة في‬
‫الجويني هنا في ال ِعلّة‪.‬‬
‫َّ‬
‫ي‪ ،‬مركز ثقله في‬
‫ي والمنطق ّ‬
‫إن المشكل عند الجويني‪ ،‬وإن جمع بين البيان ّ‬
‫ي بخالف الجصّاص من قبله‪.‬‬
‫المنطق ّ‬
‫ّ‬
‫الحق َ‬
‫م ْيز‬
‫وقصدا في القول والجهد نقول بأن نسق القياس ال ينبغي في‬
‫ّ‬
‫الحق كون القول بامتناع تعدد‬
‫فيه بحسب موضوعاته وحقوله؛ فلزم اتباع‬
‫العلل مناقض للحق في السماوات واألرض‪ ،‬ويكفي هنا زاجرا التباع التحكّم في‬
‫دين و ّ‬
‫أمر خطير بغير حق‪ ،‬أمر نهج األ َّمة في االجتهاد صلب ال ّ‬
‫الشريعة‪ ،‬يكفي‬
‫ّ‬
‫الحق أهواءهم لفسدت‬
‫زاجرا لمن ينزجر وتذكرة لمن يتذكر قوله تعالى‪{ :‬ولو اتبع‬
‫السماوات واألرض ومن فيهن'}(المؤمنون‪)73‬‬
‫َّ‬
‫إن المنطق ينفي بأن تكون مجموعة القضايا المنتجة لقضية أو حكم معين‬
‫أحادية قصرا‪ .‬وهذا في تنزيله وسريانه في الحقل الفقهي مبطل للطرد‪ ،‬ألن الح ّ‬
‫ق‬
‫ي للنازلة في كليتها وآنها في اعتباره للمق ّ‬
‫دمة‬
‫يعتبر اإلطار المعطياتي والحدوث ّ‬
‫المنتجة للحكم؛ بمعنى أن ال دخول لما ليس مناسبا من الطرد في مجموعة‬
‫العلل‪.‬‬
‫ومنه يستبط أن‪:‬‬
‫السبر و َّ‬
‫ّ‬
‫علّة إال‬
‫ال اإلخالة وال‬
‫التقسيم طريقان ومسلكان في تحديد ال ِ‬
‫مع معطى مجموعة العلل المعدودة المحصورة المنصوصة‪.‬‬
‫وأيضا فإ ّ‬
‫ن األصول المعلّلة تختلف من جهة هذا التّحديد؛ فقد يكون األصل من‬
‫خالل بيانه ونصه داال على أحادية ال ِعلّة أو على انتمائها إلى مجموع متعدد من‬
‫العلل محدد أو غير محدد‪.‬‬
‫وأه ّ‬
‫ي هنا هو أن‪:‬‬
‫م استنباط علم ّ‬

‫‪41‬‬

‫ضالل المقاصديين‬

‫دالّة على الواحدية جامع لل ّ‬
‫علّة' ال ّ‬
‫داللة على إشكال‬
‫إطالق لفظ 'ال ِ‬
‫ل الجهات‪ .‬ف َّ‬
‫ّ‬
‫القوم وخاصّة الجويني من ك ّ‬
‫الحق إنَّما هو‬
‫التعليل في‬
‫بمجموعة العلل كلها كمجموعة ح ّ‬
‫ل للقضايا والمقدمات أو الحوادث‬
‫المنتجة للقضية والحكم‪ ،‬وليس بتعيين واحدة بسبيل اإلخالة ونحوه‪.‬‬
‫ّ‬
‫السبب في هذا اإلطناب والعوج والمجادلة واللجاج‬
‫ومنه‪ ،‬أو هكذا يتبيَّن ويتّضح‬
‫للجويني في سؤال تعدد ال ِعلّة حتى جادل في الح ّ‬
‫ق وهو بيّن؛ فالقتل كحكم‬
‫ليس أحادي ال ِعلّة وشاهده نصّا ‪ -‬ومن أقوم من القرآن إشهادا! ‪ -‬قوله تعالى‪:‬‬
‫{كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في األرض فكأنما‬
‫قتل النّاس جميعا'}(المائدة‪ )34‬فجاء ال َّتعليل هنا بِ ِعل ّتين‪ ،‬أو صنفين من مجموعة‬
‫العلل عامين؛ فالبيان هنا بيان الرّحمان منتظما والح ّ‬
‫ق بالميزان‪ ،‬ثم يمعن الجويني‬
‫في عناده ومجادلته فيقول بخصوص العكس‪:‬‬
‫<فالحكم الثابت مع انتفاء ال ِعلّة إن لم يستند إلى نص أو إجماع فهو مساو‬
‫للحكم األول في االسم ومخالف له في المأخذ والحقيقة‪ .‬وهو كتعليلنا تحريم‬
‫المحرمة بإحرامها‪ ،‬ثم إذا حلت وكانت حائضا فهي محرمة وإن زال اإلحرام‪ .‬ولكن‬
‫تحريم الحيض مخالف لتحريم اإلحرام في وصفه وكيفيته‪ .‬وكذلك إذا علل المعلل‬
‫إباحة الدم بالقتل الموجب للقصاص‪ ،‬ثم لم تنعكس ال ِعلّة لمكان الردة أو غيرها من‬
‫مقتضيات القتل‪ ،‬فليس هذا من عدم االنعكاس‪ ،‬فإن القتل الواجب بالقتل ينتفي‬
‫‪53‬‬
‫بانتفاء القتل‪>.‬‬
‫≈‬
‫فانظر كيف كانت عاقبة عناده أن تكلف تكلفا غير الئق ليقحم مادة بياني ّة‬
‫شعرية 'إن لم يستند إلى نص أو إجماع' وليجعل الشيء غير مساو لنفسه‪،‬‬
‫فجعل الحكم الواحد أحكاما متعددة مخرّقة بزائد مختلق؛ وهو عند هللا تعالى وفي‬
‫ّ‬
‫الحق‬
‫كتابه حكم واحد له حقيقة واحدة‪ .‬وهذا حقيقة ليس إال عين المجادلة في‬
‫ّ‬
‫الحق ال ليستدل به‪ ،‬ولكن ليجادل فيه بنحو‬
‫وهو ب ِي ّن؛ ذلك وأنه أول ما بدأ به ذكر‬
‫ي‪ ،‬فقدم قوله بما يلي‪:‬‬
‫في العناد مصر وقصد في المماراة جل ّ‬
‫'ومما ارتبك فيه الخائضون في هذه المسألة‪ ،‬أن الذين سوغوا تعليق األحكام‬
‫بعلل تعلقوا بتحريم المرأة الواحدة بعلة الحيض واإلحرام للصالة والصيام؛ وقالوا قد‬
‫يجب قتل الرجل بأسباب‪ ،‬كل واحد منها لو انفرد لثبت علة على االستقالل‪.‬‬

‫ن م – ص ‪19653‬‬
‫‪42‬‬

‫ضالل المقاصديين‬

‫وقال من يخالف هؤالء‪ :‬إنما يناط بالمحل تحريمات‪ ،‬ولكن ال يظهر أثر تعددها‪.‬‬
‫وقد يتكلف المتكلف فيجد بين كل تحريمين تفاوتا؛ وهذا بيّن في القتل؛ فإن من‬
‫استحق القتل قصاصا وحدا‪ ،‬فالمستحق قتالن‪ ،‬ولكن المحل يضيق على‬
‫اجتماعهما‪ .‬ولو فرض سقوط أحدهما لبقي الثاني‪.‬‬
‫وال يكاد يصفو تعليق حكم واحد بعلتين تصوّرا‪ .‬فهذا منتهى المطالب في‬
‫‪54‬‬
‫النّفي واإلثبات‪'.‬‬
‫≈‬
‫أليست هذه مجادلة صريحة في ما تلونا من القرآن العظيم وفي قوله صلى‬
‫ّ‬
‫الشيِ ّب الزاني‪،‬‬
‫هللا عليه وآله وسلم ‪" :‬ال يحل دم امرئ مسلم إال بإحدى ثالث‪:‬‬
‫والنفس بالنفس‪ ،‬والتّارك لدينه المفارق للجماعة"‪55‬؟!‬

‫‪‬‬

‫ن م – ص ‪18754‬‬
‫متفق عليه‪ ،‬األربعين النووية‬

‫‪55‬‬

‫‪43‬‬

‫ضالل المقاصديين‬

‫‪ - 2‬مسألة الطرد والعكس بين رسوخ علم القاضي (الباقالني)‬
‫ومجرّد مجادلة وعناد الجويني‬

‫ّ‬
‫الحق بمحض الباطل‬
‫هذا الذي رأيناه من اإلصرار والمجادلة اللجوج في‬
‫والعناد‪ ،‬سيكون له تبعة التمسك بالباطل الصّريح في قضية الطرد والعكس؛ وبعناد‬
‫حاد على غير بصيرة من األمر ال يلوي على شيء‪:‬‬
‫'وما ذكره القاضي من كون الطرد متنازعا فيه‪ ،‬وكون العكس مستغنى عنه‪،‬‬
‫‪56‬‬
‫فمن التشدق والتفيهق الذي يستزل به من ال يعد من الراسخين‪'.‬‬
‫ن ال ّ‬
‫ق هو القاضي‪ ،‬وأ ّ‬
‫دليل بالح ّ‬
‫لكن الذي يشهد له ال ّ‬
‫ن‬
‫ذميمتي ِ‬
‫ن هاتين الصّفتي ِ‬
‫ال وسع لهما إال أن تعودا على صاجبهما‪ .‬وهذا هو القول الذي قال به القاضي كما‬
‫أورده حكاية عنه‪:‬‬
‫'وقال القاضي في معظم أجوبته‪ :‬ال يجوز التعلق بالطرد والعكس في محاولة‬
‫إثبات ال ِعلّة‪ ،‬فإن الطرد ال يعم في صور الخالف على وفاق‪ ،‬إذ لو كان يعم لما ثبت‬
‫الخالف في المحل الذي يدعي الطارد الطرد فيه؛ والعكس ليس شرطا في ال ِعلّة‬
‫التي تجري دليال وعالمة‪ .‬فقد صار الطرد واقعا في محل النزاع وبعد اعتبار العكس‬
‫من جهة أنه غير معتبر كما سنذكره على أثر هذا الفصل‪ .‬ومن التزم نصب شيء‬
‫علما لم يلتزم نصب نفيه علما في نفي مقصوده‪ ،‬كما سيأتي الشرح عليه في‬
‫مسلك العكس إن شاء هللا تعالى‪.‬‬
‫فالطرد إذا متنازع فيه‪ ،‬والعكس ليس من مقتضيات نصب األعالم والعالمات‪.‬‬
‫وقال أيضا‪ :‬معتمدنا في قاعدة القياس تأصيال وفيما يرد ويقبل تفصيال‪ ،‬ما يصح‬
‫عندنا من أمر الصحابة رضي هللا عنهم؛ فما تحققنا ردهم إياه رددناه‪ ،‬وما تحققنا‬
‫به عملهم قبلناه‪ .‬وما لم يثبت لدينا فيه ثبت تعديناه؛ فإنا على قطع نعلم أن‬
‫جميع وجوه النظر ليست مقبولة وال مردودة‪ ،‬والعقول ال تحتكم فيها مصححة وال‬
‫مفسدة؛ فإنها إنما تحكم على األنفس وصفاتها‪ ،‬وما هي عليه من حقائقها‪،‬‬
‫والعلل السمعيّة ال تدل لذواتها‪.‬‬

‫البرهان – ص ‪19156‬‬
‫‪44‬‬

‫ضالل المقاصديين‬

‫فإذا ثبت هذا‪ ،‬فقد رأينا الصحابة رضي هللا عنهم ينوطون األحكام بالمصالح‬
‫على تفصيل لها‪ .‬فأما الطرد والعكس فلم يؤثر عنهم التعلق به‪ ،‬وليس هو من‬
‫معنى طلب المصالح في شيء حتى يقال استرسالهم في طريق الحكم‬
‫‪57‬‬
‫بالمصالح من غير تخصيص شيء منها يقتضي التعلق بالطرد والعكس‪'.‬‬
‫≈‬
‫ّ‬
‫بالطّبع ال ب ّ‬
‫ي بخصوص لفظ‬
‫د من التّنبيه على عدم‬
‫السداد في البيان العلم ّ‬
‫'العكس'؛ ذلك أن هذا اللفظ 'العكس' أو القضيّة العكسيّة في علم المنطق ال يراد‬
‫ي في‬
‫بها المعنى المستعمل فيه هنا؛ فإن القضيّة العكسيّة هي المنحى العكس ّ‬
‫الشرطية بتبادل موقعي المق ّ‬
‫ّ‬
‫دمة والنتيجة‪ .‬وأيضا لزم التّنبيه كون المعنى‬
‫القضيّة‬
‫ّ‬
‫الشرطية بنقيض عكسها‪ ،‬هو‬
‫الموظف فيه هنا هو مكافئ منطقي ّا لتكافؤ القضيّة‬
‫ي‪ .‬لكن نحن هنا عمليا ومنهجيا‬
‫مكافئ للعكس في صحيح االصطالح المنطق ّ‬
‫وللرد‪ ،‬نساوق هذا البيان وإن كان كما بيناه‪.‬‬
‫ي لهذا الكالم أو النص يحدد مقوله الجوهر ّ‬
‫ي في قوله‪:‬‬
‫التّحليل المنطق ّ‬
‫'معتمدنا في القياس ‪ . . .‬ال تدل لذواتها'‬
‫ي مع دليله‪:‬‬
‫فهذا هو النّسق المنهاج ّ‬
‫ن؛‬
‫فالقياس يكون على األصول النصّية‪ ،‬أي ما كان الحكم بمناطه منصوصي ِ‬
‫وهذا موصول بيانا في نهج الصحابة رضي هللا عنهم في قوله‪' :‬ما يصح عندنا ‪. . .‬‬
‫قبلناه'‬
‫ي في‬
‫وما خرج عن هذا كان واردا في القبول والرد على التّفصيل والرأي العقل ّ‬
‫شروط الحالة‪ ،‬التي هي المحددة في الح ّ‬
‫ق وواقع األمر للحكم‪ ،‬وليس العقل؛ إن ّما‬
‫صر وراء‪.‬‬
‫العقل مب ِ‬
‫وأ ّ‬
‫ما قول الجويني فهو‪:‬‬
‫'وهذا الذي ذكره القاضي فيه نظر عندي؛ فإن الغاية القصوى في‬
‫ّ‬
‫الشارع‪ .‬والمصالح التي تعلق بها صحب‬
‫مجال الظنون غلبتها متعلقة بقصد‬
‫الرسول صلى هللا عليه وسلم لم يصادفوا في أعيانهم تنصيصا من رسول‬
‫هللا صلى هللا عليه وسلم وتخصيصا لها بالذكر‪ .‬ولو صادفوا ذلك لما كانوا‬
‫متمسكين بالنظر والرأي؛ فإن معاذا حبر األ َّمة لم يذكر الرأي في القصة‬
‫المشهورة إال بعد فقدان كل ما يتعلق به من الكتاب والس َّنة‪ .‬وال نراهم‬
‫كانوا يرون التعلق بكل مصلحة؛ فالوجه في تحسين الظن بهم أنهم‪ ،‬كانوا‬

‫ن م ‪ -‬ص ‪19057‬‬
‫‪45‬‬

‫ضالل المقاصديين‬

‫يعلقون األحكام بما يظنونه موافقا للرسول عليه السالم في منهاج شرعه‪،‬‬
‫وكانوا يبغون ذلك في مسالكهم‪ .‬وال يكاد يخفى على ذي بصيرة أن الطرد‬
‫ّ‬
‫الشرع‪.‬‬
‫والعكس يغلب على الظن انتصاب الجاري فيهما علما في وضع‬
‫فمن أنكر ذلك في طرق الظنون فقد عاند‪ ،‬ومن ادعى أن الصحابة رضي هللا‬
‫ّ‬
‫الشارع‪ ،‬وكانوا‬
‫عنهم كانوا يأبون التعلق بطريق يغلب على الظن مراد‬
‫‪58‬‬
‫يخصصون نظرهم بمغلب دون مغلب فقد ادعى بدعا‪'.‬‬
‫≈‬
‫فهذا ال يعدو ما قاله القاضي إال قوله‪' :‬وال يكاد يخفى على ذي بصيرة ‪.‬‬
‫‪ . .‬فقد ادعى بدعا' فهذه دعوى خاطئة‪ ،‬وليس النزاع إال فيها!‬
‫والقاضي رحمه هللا لم ينف الطرد إطالقا ولم ينكره‪ ،‬وذلك ما ضمنه‬
‫الجويني كالمه أو قل استدالله وهو سفسطة منطقي ّة‪:‬‬
‫ّ‬
‫الشرع ‪ . .‬فمن أنكر‪'. .‬‬
‫'وال يكاد يخفى ‪ . . .‬الطرد والعكس ‪ . .‬في وضع‬
‫وإنما نفى عمومها في صور الخالف‪ ،‬أي في غير حيز األصول من وضع‬
‫ّ‬
‫الشرع‪:‬‬
‫'الطرد ال يعم في صور الخالف على وفاق'‬
‫ويؤكده قوله‪:‬‬
‫'فإذا ثبت هذا فقد رأينا الصحابة ‪ . . .‬على تفصيل لها ‪ . . .‬بالطرد‬
‫والعكس‪'.‬‬
‫وإذن فمسلك الجويني وخطابه هذا سفسطة جلية يزيدها صبغتها‬
‫السفسطية تردد البيان بذكر الصحابة رضي هللا عنهم مما فيه من المسحة‬
‫ّ‬
‫الشعرية‪ ،‬فكأنهم رضي هللا عنهم أصبحوا طرفا في القضيّة‪ ،‬وإن‬
‫الخطابية‬
‫للبيان سلطانا على المخاطب‪ ،‬وإن من البيان لسحرا‪!.‬‬
‫وإذا كان ظاهر النزاع بارزا في الطرد والعكس على المعنى غير الصّحيح‬
‫عند القوم في اصطالح علم المنطق‪ ،‬والعكس أحد موضعيه‪ ،‬أي موضعي‬
‫النّزاع‪ ،‬فإ ّ‬
‫ن ضالل الجويني ثابت في اشتراط العكس ورسوخ القاضي في‬
‫علم المنطق ظاهر في كالمه ودال عليه كل مقوله‪ ،‬وخاصّة منه اختزاال‬
‫استيعاب حقيقة عدم لزوم العكس في ال َّتعليل بالمعنيين‪ ،‬معنى القوم هنا‬
‫والمعنى االصطالحي الح ّ‬
‫ق ‪ -‬وهما متكافئان‪.-‬‬
‫‪‬‬

‫‪58‬‬

‫نم–نص‬

‫‪46‬‬

‫ضالل المقاصديين‬

‫ّ‬
‫السبر إشكال المنطق‬
‫‪ - 3‬في اإلخالة و‬
‫علّة عند الجويني يتجلى‬
‫وفساد تصوّر ال ِ‬

‫لكن ال ِعلّة أ ّ‬
‫م ال ِعال ّت عندهم جميعا ولئن تحي ّدت وارتفعت تحي ّد شطر‬
‫كالمهم في عموم الفقه وارتفع؛ هذه ال ِعلّة هي مفهوم ال ِعلّة ذاته كما‬
‫هدنا القول فيه‪ .‬وذلك هو المنطوي المكنون في ما يتو ّ‬
‫م ّ‬
‫هم من التّناقض في‬
‫قول القاضي‪' :‬فأما الطرد والعكس ‪ . . .‬التعلق بالطرد والعكس‪'.‬‬
‫أ ّ‬
‫ما القيمة والحقيقة المحوري ّة وخطر مفهوم ال ِعلّة وشأنه العظيم‬
‫والخطير‪ ،‬فليس أد ّ‬
‫ي‪:‬‬
‫ل عليه من قول الجويني في تقاسيم النظر الشرع ّ‬
‫علّة‪:‬‬
‫'القسم الثاني قياس ال ِ‬
‫ي استنباط المعاني المخيّلة‬
‫والقسم الثاني من أقسام النظر الشرع ّ‬
‫المناسبة من األحكام الثابتة في مواقع النصوص واإلجماع‪ .‬ثم إذا وضح ذلك‬
‫على الشرائط التي سنشرحها‪ ،‬وثبتت تلك المعاني في غير مواقع النص‪،‬‬
‫وسلمت عن المبطالت‪ ،‬فهذا القسم يسمى قياس ال ِعلّة؛ وهو على‬
‫التحقيق بحر الفقه ومجموعه‪ ،‬وفيه تنافس النظار‪ .‬وأكثر القول في هذا‬
‫الكتاب يتعلق ببيان صحيحه وفاسده‪ ،‬وذكر االعتراضات الصّحيحة والفاسدة‬
‫‪59‬‬
‫عليه‪'.‬‬
‫وإذا كانت المناسبة تعنى بالبحث عن علة الحكم المناسبة «ويعبر عن‬
‫‪60‬‬
‫المناسبة باإلخالة والمصلحة واالستدالل ورعاية المصالح وتخريج المناط‪».‬‬
‫'فمن الحديث عن المناسب وحقيقته وأقسامه ومراتبه نشأ علم المقاصد‪،‬‬
‫‪61‬‬
‫بقضه وقضيضه‪'.‬‬
‫وذلك مع لزوم اعتبار آني منطقي ّا لتقريره‪:‬‬
‫'قال الشوكاني في المناسبة‪« :‬هي عمدة القياس ومحل غموضه‬
‫‪62‬‬
‫ووضوحه»'‬

‫ن م – ص ‪17559‬‬
‫ّ‬
‫الشريعة عند ابن تيمية‪5960 ،‬‬
‫مقاصد‬
‫ن م – ص ‪6061‬‬
‫ن م ‪5962 ،‬‬
‫‪47‬‬

‫ضالل المقاصديين‬

‫≈‬
‫أوّال ليس في الحقل النظر ّ‬
‫ي حين استنباط المعاني المخيّلة المناسبة وجود‬
‫لعنصري الطرد والعكس‪ ،‬ألنهما ال يتواجدان إال بتواجد ال ِعلّة والحكم معا‪ ،‬كما هو‬
‫في نصوص األصول‪ .‬وهنا نحن في حي ّز ما قبل تواجدهما‪ .‬وهذا هو الذي يرفع ما‬
‫يتوهم من التّناقض في كالم القاضي آنفا‪ .‬ولكن بالطّبع بعد التّواجد يتواجدان‪.‬‬
‫واإلخالة هي عين الحدسِ كطريق للح ّ‬
‫ل في إيجاد ال ِعلّة‪ ،‬عل ّة ضمن مجموع‬
‫العلل الحلول التي قد تكون محصورة أو غير محصورة‪:‬‬
‫'فإذا ظهرت اإلخالة وسلم المعنى من المبطالت‪ ،‬وغلب الظن‪ ،‬كان ذلك من‬
‫سبيل ما يتعلق به األولون قطعا‪.‬‬
‫وأنا أقرب في ذلك قوال فأقول‪ :‬إذا ثبت حكم في أصل‪ ،‬وكان يلوح في سبيل‬
‫الظن استناد ذلك إلى أمر‪ ،‬ولم يناقض ذلك األمر شيء؛ فهذا هو ال ّ‬
‫ضبط األقصى‬
‫الذي ال يفرض عليه مزيد‪'.‬‬
‫≈‬
‫بالطّبع هنا الحدس المثير للوجود الذي يلوح ثم البرهان عليه وتقريره‪.‬‬
‫وكذلك لما كان للحق جند والباطل قريب العطب‪ ،‬فإن الجويني وفداء لعناده‬
‫مجرد العناد في قوله بأحادية ال ِعلّة وبالطّبع موافقتها في وجوب الطرد والعكس‪،‬‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫السوية أن تقبله ما دامت‬
‫السبر وال َّتقسيم ما ليس للعقول‬
‫نجده يقول في طريق‬
‫السماوات واألرض؛ يقول الجويني‪:‬‬
‫ّ‬
‫السبر وجدواه‬
‫'سنبين اآلن معنى‬
‫وإن كان ال َّتقسيم الظني مرسال بين معان ال يضبطها حصر كما ذكرناه في‬
‫المعقوالت ورددناه فيها‪ ،‬فقد قال بعض األصوليين‪ :‬إنه مردود في المظنونات أيضا‪.‬‬
‫فإن منتهاه إحالة السابر األمر على وجدانه؛ وهذا غير سديد‪ .‬فإن هذا الفن من‬
‫ال َّتقسيم إنما يبطل في القطعي ّات من حيث ال يفضي إلى العلم والقطع‪ .‬وإذا‬
‫استعمل في المظنونات فقد يثير غلبة الظن‪ .‬فإن المسألة المعروفة بين النظار إذا‬
‫كثر بحثهم فيها عن معانيها ثم تعرض السابر إلبطال ما عدا مختاره‪ ،‬فقال السائل‪:‬‬
‫لعلك أغفلت معنى عليه التعويل‪.‬‬
‫قيل هذا تعنت؛ فإنه لو فرض معنى لتعرض له طالب المعاني والباحثون عنها‪،‬‬
‫والذي تحصل من بحث السابرين ما نصصت عليه‪ .‬والغالب على الظن أنه لو كان‬
‫للحكم المتفق عليه علة ألبداها المستنبطون المعتنون باالستثارة‪ .‬فتحصل من‬
‫‪48‬‬

‫ضالل المقاصديين‬

‫مجموع ذلك ظن غالب في مقصود السابر؛ وهو منتهى غرض الناظر في مسائل‬
‫‪63‬‬
‫الظنون‪'.‬‬
‫≈‬
‫الجويني هنا ذهب في الخطأ والتّناقض ك ّ‬
‫ل مذهب‪.‬‬
‫ّ‬
‫الحق وال بصيرة‪،‬‬
‫فأما الخطأ الظاهر هو تحكّمه بعين الباطل على غير هدى من‬
‫تحكمه بأحادية ال ِعلّة الموجبة للحكم؛ وهذا بالطّبع بي ّناه‪.‬‬
‫وأما تناقضه فهو أن هذه ال ِعلّة المتوصّل إليها ب ّ‬
‫ة ليست تعني إال‬
‫السبر أو اإلخال ِ‬
‫عدم االسترسال مع المصالح؛‬
‫وهذا هو عينه المعنى المنطبق بالردّ األول القاضي للطرد‪ ،‬ونفيه الشتراط‬
‫العكس معناه عدم اقتصار الحل على هذه ال ِعلّة‪ ،‬وذلك خطأ مبين‪ ،‬الخطأ الذي‬
‫أصرّ عليه الجويني إصرارا ليس يؤدي إال لحقيقة واحدة‪ ،‬وهي ضالل مذهب‬
‫الجويني كله في ال َّتعليل وفساده واختالله‪ .‬وهذه الحقيقة أو قل هذا األمر الخطير‬
‫على مستوى التّصوّر والمنظار الفقهي للجويني‪ ،‬وفيه عظة بينة لمن يتعظ‪ ،‬و‬
‫عبرة بليغة لمن يعتبر؛ هذا األمر في قوله خالصة للباب تجلى وغاية إليها انتهى‪:‬‬
‫ّ‬
‫السبر وتنويعه‪ ،‬وما يفيد منه وما ال يفيد‪ ،‬فنرجع‬
‫'وإذا ثبت ما ذكرناه في معنى‬
‫اآلن إلى غرضنا في إثبات معنى األصل فنقول‪:‬‬
‫ّ‬
‫السبر من أقوى الطرق في إثبات علة األصل؛ وهذا مشكل‬
‫قد عد القاضي‬
‫جدا‪ .‬فإن من أبطل معاني لم يتضمن إبطاله لها إثبات ما ليس يتعرض له بالبطالن‪.‬‬
‫فإنه ال يمتنع أن يبطل ما لم يتعرض له أيضا‪ .‬فإنه ال يتعين تعليل كل حكم‪ .‬فعد‬
‫‪64‬‬
‫ّ‬
‫السبر وال َّتقسيم مما تثبت به العلل بعيد ال اتجاه له‪'.‬‬
‫≈‬
‫ي يعم وليس يف َّرَق فيه بين‬
‫فهذا ضالل وضالل مط ِبق‪ ،‬ألن ّه نسق منطق ّ‬
‫ه لمن يفقه ضالال!‬
‫ظم ب ِ‬
‫ي‪ ،‬وأع ِ‬
‫ي والقطع ّ‬
‫الظن ّ‬

‫‪‬‬

‫البرهان للجويني – ص ‪18363‬‬
‫ن م – ص ‪18464‬‬
‫‪49‬‬

‫ضالل المقاصديين‬

‫س ْنخ الضّالل العظيم‪:‬‬
‫‪ِ -4‬‬
‫علّة إلى َّ‬
‫اِنتقال الجويني من َّ‬
‫التعليل بال َ‬
‫مصالح‬
‫التعليل بال ِ‬

‫لكن األض ّ‬
‫ل من هذا الذي سبق كله هو عدم انتباهه وعدم رجوعه مما أفضى‬
‫إليه قوله بأحادية ال ِعلّة مما قرّره عنده‪:‬‬
‫'وعندي أن األشباه المغلبة على الظن‪ ،‬وإن كانت ال تناسب األحكام‪ ،‬فهي‬
‫تناسب اقتضاء تشابه الفرع واألصل في الحكم‪ .‬فهذا هو السر األعظم في الباب؛‬
‫فكأن المعنى مناسب للحكم من غير فرض ذكر أصل نظرا إلى المصالح الكليّة‬
‫ّ‬
‫الشريعة‪ ،‬فإن كل مصلحة ال تنتهض‬
‫واألصل‪ ،‬يعني النحصار المصلحة في أصول‬
‫‪65‬‬
‫علة‪ ،‬والشبه لو جرد ال يقتضي الحكم‪'.‬‬
‫≈‬
‫هذا كالم كله خبط‪ ،‬وإن من جند الح ّ‬
‫ق حرزا منيعا له‪ ،‬أنه من استنكف عنه‬
‫ركبه الخطأ وخرج عن طور سوي القول‪.‬‬
‫ّ‬
‫لتمسكه بالباطل عنادا‬
‫وبيانه‪ ،‬أي بيان خبطه‪ ،‬ولم يكن له عنه مصرف‬
‫ومجادلة‪ ،‬هو إساره وارتهانه في عالقة التقابل بين العلل واألحكام‪ ،‬مما هو نفس‬
‫سر والمبيِ ّن تحديدا لداللة هذا‬
‫مقول أحادية ال ِعلّة ووجوب العكس‪ .‬وهذا هو المف ّ ِ‬
‫التّركيب المعقد أي ّما تعقيد‪:‬‬
‫'فكأن المعنى مناسب للحكم من غير فرض ذكر أصل نظرا إلى المصالح الكليّة‬
‫ّ‬
‫الشريعة؛ فإن كل مصلحة ال تنتهض‬
‫واألصل‪ ،‬يعني النحصار المصلحة في أصول‬
‫علة'‬
‫فهو في بيانه وتعبيره يعتبر قضيتين متضادتين متنافيتين ممثلتين بياني ّا‪:‬‬
‫(غير فرض ذكر أصل‪ ،‬األصل)‬
‫لكن االعتبار الكلي يقرر الوجود بوجود الحكم للعالقة التقابلية المتحكم فيها؛‬
‫ّ‬
‫يفسر االضطراب واالنتقال من لفظ‬
‫وذلك ما يرتفع أو بأصح التعبير يتّضح و‬

‫ن م – ص ‪20165‬‬
‫‪50‬‬




Télécharger le fichier (PDF)

ضلال المقاصديين.pdf (PDF, 8.8 Mo)

Télécharger
Formats alternatifs: ZIP







Documents similaires


ucxarbt
tartag djamel sos cherif rahmani et zoubida des voleirs 1
catalogue ete mai aout 20141
dossier sponsoring 206
manuel candidat tef canada avril 20141
brochure quartier masui view def 3 2

Sur le même sujet..