محاضرات قانون دستوري .pdf



Nom original: محاضرات قانون دستوري.pdfAuteur: SWEET

Ce document au format PDF 1.5 a été généré par Microsoft® Word 2013, et a été envoyé sur fichier-pdf.fr le 15/12/2016 à 14:51, depuis l'adresse IP 154.111.x.x. La présente page de téléchargement du fichier a été vue 2197 fois.
Taille du document: 642 Ko (35 pages).
Confidentialité: fichier public


Aperçu du document


‫قانون دستوري ‪ :‬توفيق الغناي‬

‫نائل سليماني‬

‫قانون دستوري‪ :‬النظرية العامة‬
‫مقـدّمـة‪ :‬تعريف القانون الدستوري‬
‫تكتسي دراسة مادة القانون الدستوري أهمية على الصعيدين النظري والعملي‪:‬‬
‫فعلى المستوى األول سنتبين أن القانون الدستوري مثّل وال يزال موضوع دراسات ومواقف تقاربت أحيانا وتباعدت‬
‫أحيانا أخرى‪ ،‬مما أثرى هذا الفرع من فروع القانون داخل الدولة وساهم في تطور مفهومه وموضوعه ومصادره وتبعا لذلك‬
‫مناهج دراسة الظواهر السياسية التي يؤطرها‪ .‬ثم إنه على نفس المستوى النظري سنتبين العالقة الوطيدة بين القانون الدستوري‬
‫وباقي الفروع القانونية األخرى داخل الدولة وهي عالقة نحوصلها بالقول أن الدستور وهو أهم و أعلى مصادر القانون‬
‫الدستوري يمثل أساس مختلف هذه القوانين مما يكسبه نوعا من التميز وهو تميز كما سنرى شكلي ومادي في أغلب األنظمة‬
‫الدستورية ‪.‬‬
‫أما على المستوى العملي أو التطبيقي فمن اليسير أن نلمس تواجد القانون الدستوري تقريبا في مختلف مجاالت الحياة‬
‫باعتبار أن الدستور وهو أهم مصدر للقانون الدستوري يمثل كما قلنا أساس ومرجع كل القوانين الوضعية الداخلية والدولية‪ .‬كما‬
‫يتواجد أم امنا يوميا من خالل بعض تقنياته ومالمحه ومن ذلك االنتخاب واالستفتاء واألحزاب والحريات الفردية والعامة وغير‬
‫ذلك من الظواهر السياسية مما يجد كإطار منظم له أحكام القانون الدستوري‪.‬‬
‫إن أهمية القانون الدستوري بمظهريها النظري والتطبيقي تستدعي منا تعريف هذا الفرع من فروع القانون‪ .‬وهى مسالة‬
‫لن تكون يسيرة ناهيك وانه ال يوجد الى اليوم تعريف مستقر وجامع‪ .‬مما يحتم علينا االستئناس بعدة عناصر للتعريف ببيان‬
‫مرجعية القانون الدستوري قبل ضبط موضوعه فمفهومه وأخيرا مصادره‪.‬‬
‫إن هذا التعريف الذي سيمثل موضوع هذه المقدمة‪ ،‬سيمثل مدخال لدراسة المعطيات األساسية للقانون الدستوري‪:‬‬
‫ونعني الدولة والدستور والسيادة‪.‬‬
‫الفرع االول‪ :‬مرجعية مادة القانون الدستوري‪:‬‬
‫إن دراسة مادة القانون الدستوري حديثة نسبيا مقارنة ببعض فروع القانون األخرى مثل القانون اإلداري حيث يعود‬
‫تدريسها ألول مرة لسنة ‪ 1797‬بايطاليا وسنة ‪ 1834‬بكلية الحقوق بباريس لغاية تحليل أحكام الدستور الفرنسي‪.‬‬
‫أما في تونس‪ ،‬فتم اقرار هذه المادة بمناسبة إنشاء كلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس سنة ‪ 1960‬لتدرس تحت عنوان‬
‫" القانون الدستوري والنظم السياسية" لطلبة األولى حقوق‪ .‬وكانت وال تزال هى الحال ايضا في كلية الحقوق بسوسة منذ احداثها‬
‫سنة ‪.1985‬‬
‫بقطع النظر عن هذه الملحوظات التاريخية التي لها بعض الدالالت التي سنعود إليها‪ ،‬فان بحث مرجعية القانون‬
‫الدستوري يقتضي النظر في جانبها اللغوي قبل بحث ظهور فكرة القانون الدستوري تاريخيا وفلسفيا وسياسيا ‪.‬‬
‫الفقرة االولى‪:‬المرجعية اللغوية للقانون الدستوري ‪:‬‬
‫لغويا‪ :‬تبدو عبارة القانون الدستوري مركبة من لفظة القانون وصفة الدستوري وهى نسبة الى الدستور وهو اهم مصدر‬
‫الدستوري‪.‬‬
‫للقانون‬
‫فما معنى القانون و ما معنى الدستور؟ و أين القانون الدستوري من المنظومة القانونية داخل الدولة ؟‬
‫‪ - I‬القانون الدستوري بالمقام األول قانون‪:‬‬
‫دون محاولة للحسم النهائي‪ ،‬فالقانون بصفة عامة هو مجموعة القواعد العامة والمجردة التي تهدف لتنظيم السلوك الفردي‬
‫والجماعي داخل الدولة وتكفل سلطاتها العمومية احترامها بواسطة ما تحتكم عليه من وسائل إكراه مادي مما يضفي على هذه القواعد‬
‫صفة اإللزامية‪.‬‬
‫فالقاعدة القانونية بصفة عامة والقاعدة القانونية الدستورية على وجه الخصوص تتصف مبدئيا بالخصائص التالية ‪:‬‬
‫‪ ‬قاعدة عامة ومجردة‪ :‬فعند وضعها ال تتجه القاعدة القانونية لشخص باسمه بل تصاغ بتجرد عن االشخاص و تطبق بصفة‬
‫عامة على كل شخص أو واقعة توفرت فيها شروط تطبيقها‪ .‬إال أن العمومية ال تعني أن القاعدة القانونية تطبق على كل أفراد الدولة‬
‫فقد تستهدف شخصا واحدا أو فئة من االشخاص ومثال ذلك األحكام القانونية المتعلقة برئيس الجمهورية أو رئيس المجلس التاسيسي‬
‫أو االحزاب السياسية‪.‬‬
‫إن العمومية والتجريد صفتان تعكسان المساواة في الخضوع ألحكام القانون دون تمييز بحسب العرق او الجنس او االنتماء‬
‫الطبقي او المهني أو الجهوي او غيره‪ .‬هذه المساواة تعتبر اليوم من الحقوق الكونية لالنسان أكدتها مختلف التشريعات و منها دستور‬

‫قانون دستوري ‪ :‬توفيق الغناي‬

‫نائل سليماني‬

‫تونس لسنة ‪ 1959‬بفصله ‪ 5‬و دستور ‪ 2014‬بفصله ‪ 21‬والذي جاء فيه " المواطنون و المواطنات متساوون في الحقوق و الواجبات‬
‫و هم سواء أمام القانون من غير تمييز"‪ .‬غال أن المساواة و إن كانت المبدأ فقد يقر القانون نفسه بعض التمييز الذي ينعت أحيانا‬
‫بااليجابي‪.‬‬
‫إن العمومية والتجريد وإن تمثالن المبدأ فال تمثالن االطالقية ألن بعض القواعد القانونية تصدر أحيانا من أجل شخص محدد‬
‫باالسم ويرتبط نفاذها بوجوده على غرار القواعد القانونية المتعلقة بالتعيين في الوظائف العليا للدولة مثل أمر تعيين وزير أو قرار‬
‫بالترخيص لنشاط حزب سياسي‪.‬‬
‫‪ ‬القاعدة القانونية تهدف لتنظيم السلوك الفردي والجماعي داخل الدولة ‪:‬‬
‫فاعتبارا للمدنية الطبيعية لإلنسان‪ ،‬ال بد من قواعد قانونية يحتكم إليها األفراد تنظم عالقاتهم وتحكم منازعاتهم داخل الدولة‬
‫تفاديا للتعسف وسلب الحقوق والتناحر ليكون القانون أداة للسلم االجتماعية‪.‬‬
‫مبدئيا‪ ،‬يختلف هكذا القانون عن بعض القواعد السلوكية األخرى مثل القواعد األخالقية أو الدينية أو قواعد المجامالت الن‬
‫النص القانوني يحكم العالقات داخل الدولة أي داخل المجتمع السياسي الذي تدير شؤونه سلطة سياسية عليا على خالف تجمعات‬
‫أخرى داخل نفس الدولة مثل العائلة‪ .‬وعلى هذا المستوى تحديدا تتميز قواعد القانون الدستوري من حيث انها تنظم العالقات و‬
‫الظواهر السياسية داخل الدولة على خالف قواعد قانونية اخرى تهتم باصناف اخرى من العالقات مثل القانون االداري الذي يهتم‬
‫بالعالقات االدارية والقانون التجاري الذي يهتم بالعالقات التجارية‪ .‬هذا التميز ال يحجب التعاون والتجاوب بين مختلف القواعد‬
‫القانونية داخل الدولة وهى عالقات فرضت خاصة بفعل الدور المحوري الذي يلعبه القانون الدستوري‪.‬‬
‫‪‬‬

‫القاعدة القانونية ملزمة‪:‬‬

‫فهي واجبة االحترام كلما توفرت الشروط الشكلية واالجرائية والمادية لتطبيقها أما خرقها فيبرر الخضوع لعقوبات تنفذها‬
‫سلطات مختصة داخل الدولة وتعبر عن االكراه المادي‪ .‬هنا أيضا ما يميز القانون عموما والقانون الدستوري خصوصا بعض‬
‫القواعد السلوكية االخرى من حيث ان هذه االخيرة وان كانت ملزمة فإلزاميتها ادبية او دينية او اخالقية مما يعني ان جزاء خرقها‬
‫ليس الجزاء المتعارف في حال خرق القواعد القانونية الوضعية‪ ،‬أى تلك التي وضعها السلطات العمومية داخل الدولة‪ ،‬ونعني مثال‬
‫السجن او الخطايا او االشغال الشاقة او االعدام‪.‬‬
‫إن جزاء خرق القانون يختلف بحسب طبيعة القواعد القانونية و مجال تدخلها و من هنا فالجزاء في حاالت خرق أحكام‬
‫القانون الدستوري يتنوع حيث نجد إلغاء النصوص التشريعية المخالفة للدستور في إطار مراقبة دستورية القوانين‪ ،‬نجد ايضا‬
‫المساءلة السياسية للحكومة أو للنواب أو لرئيس الجمهورية قصد اإلقالة الفردية أو الجماعية أو ايضا عقوبة حل الحزب السياسي‪.‬‬
‫هذه الجزاءات الخاصة ال تمنع تسليط العقوبات العادية على القائمين على الشؤون السياسية كلما تعلقت تصرفاتهم بخرق للقانون في‬
‫معناه الواسع و شريطة احترام أحكام الحصانة القضائية التي تنظمها عادة الدساتير‪.‬‬
‫إن التسليم بأن القانون الدستوري قاعدة أو قواعد قانونية ال يفي بغرض تعريفه الن المنظومة القانونية داخل الدولة متعددة‬
‫الفروع وبهذا نتساءل عن خصوصيات القاعدة الدستورية؟‬
‫‪ -II‬القانون الدستوري قاعدة قانونية ذات طبيعة دستورية ‪:‬‬
‫تحيلنا عبارة القانون الدستوري لغويا على مصطلح الدستور وهو مجموعة القواعد القانونية المضمنة في وثيقة تسمى‬
‫الدستور تضعها وتعدلها سلطة خاصة وفقا إلجراءات متميزة عما تخضع إليه بقية القوانين داخل الدولة‪ .‬هذا التعريف الشكلي ال‬
‫يحيط بكل حقيقة الدستور ألنه يتغافل عن الدساتير العرفية الغير مدونة مثل الدستور البريطاني‪.‬‬
‫كما أنه يؤكد بصفة مطلقة على علوية شكلية للدستور من خالل مميزاته اإلجرائية عند الوضع والتعديل والحال أن هذا‬
‫التميز ال يشمل الدساتير العرفية كما أنه ال يتماشى مع مفهوم الدستور في البلدان االشتراكية حيث يتساوى الدستور في المرتبة و‬
‫االجراءات مع القوانين العادية االخرى‪ .‬عالوة على أن الدستور قد تعلوه في بعض البلدان أحكاما قانونية دولية أو دينية أو غيرها‪.‬‬
‫أمام قصور ا لمعيار الشكلي‪ ،‬تم تعريف الدستور استنادا الى معيار مادي اى بالرجوع إلى محتوى القاعدة الدستورية و‬
‫بقطع النظر عن شكلها ليكون الدستور مجموعة القواعد القانونية التي تهتم بالسلطة السياسية داخل الدولة من حيث نشأتها وانتقالها‬
‫وممارستها إلى جانب عالقاتها بالفرد داخل الدولة‪ .‬و هذا هو موضوع القاعدة القانونية الدستورية‪.‬‬
‫هذا التعريف المادي لئن يميز بين الدستور والقواعد القانونية األخرى داخل الدولة من حيث مراكز االهتمام فإنه يفضي الى‬
‫الخلط بين القانون الدستوري والدستور والنتيجة التطابق بينهما وهو تطابق ال يستقيم باعتبار ان القانون الدستوري يستوعب الدستور‬
‫ويتجاوزه فالعالقة بينهما عالقة الكل وهو القانون الدستوري بالجزء وهو الدستور‪ .‬ومن هنا كانت الحاجة للجمع بين المفهومية‬
‫المادي والشكلي ليستقيم تعريف القانون الدستوري الذي يمثل الدستور اهم مصادره ولكنه ليس المصدر الوحيد‪ .‬وليتموقع القانون‬
‫الدستوري وخاصة الدستور في مكانة محورية داخل المنظومة القانونية للدولة‪.‬‬
‫‪ – III‬تميز موقع القانون الدستوري داخل المنظومة القانونية للدولة ‪:‬‬
‫تتبلور المنظومة القانونية داخل الدولة من خالل مجموعة القواعد القانونية التي تهتم بالسلطة السياسية وبالحقوق‬
‫وبالحريات على نحو القانون الدستوري والتي تهتم أيضا بالتجارة على غرار القانون التجاري وباألحوال الشخصية على نحو قانون‬

‫قانون دستوري ‪ :‬توفيق الغناي‬

‫نائل سليماني‬

‫األحوال الشخصية والجرائم والعقوبات على غرار القانون الجزائي وباالدارة والنشاط االداري على غرار القانون االداري‪.‬‬
‫فالمنظومة القانونية داخل الدولة متعددة اإلهتمامات و الفروع وما القانون الدستوري إال فرع منها ولكنه الفرع األهم‪.‬‬
‫إن مجموعة فروع القانون داخل الدولة تمثل ما تسمى بالقانون الوضعي الذي ينقسم تقليديا و مع بعض االحتراز إلى‬
‫فرعين‪ :‬القانون الخاص و القانون العام‪.‬‬
‫* القانون الخاص‪ :‬هو القا نون الذي ينظم مبدئيا العالقات بين األفراد وبعض أنشطة الدولة عندما تتصرف تصرف االفراد العاديين‬
‫وال تتلبس بامتيازات السلطة العامة ومن هذا الفرع نذكر القانون المدني‪ ،‬القانون التجاري‪ ،‬القانون الدولي الخاص‪...‬‬
‫* القانون العام‪ :‬الذي يحكم مبدئيا العالقات التي تكون السلطة العامة طرفا فيها و تستهدف المصلحة العامة من خالل ما لها من‬
‫امتيازات سلطة عامة تجعلها في عالقات غير متوازنة مع المتعاملين معها من االفراد مثل القانون اإلداري‪ ،‬القانون الدولي العام‪،‬‬
‫القانون الدستوري‪...‬‬
‫إن هذا التقسيم الذي يحشر القانون الدستوري داخل القانون العام يبقى نسبيا الن بعض األنظمة ال تعترف به عالوة على‬
‫صعوبة إدماج بعض القوانين في هذا الجانب أو ذاك مثل القانون الجزائي الذي يهتم على حد سواء بالسلطة العامة و األفراد ويتصل‬
‫بالمصلحة العامة و الخاصة كذلك الشأن بالنسبة للقانون الجبائي‪ ،‬لهذا تعرض النتقاد ورفض من قبل بعض فقهاء القانون ولكنه يبقى‬
‫تقسيما مهما من الناحية االكاديمية باعتباره ييسر دراسة مختلف فروع القانون داخل الدولة‪.‬‬
‫بقطع النظر عن هذا الجدل النظري‪ ،‬يبدو القانون الدستوري فرعا من فروع القانون العام الوضعي إال انه فرع متميز ألنه‬
‫و تحديدا من خ الل أحكام الدستور يمثل أساس باقي فروع القانون العام و الخاص على اعتبار أن محتواها يستند إلى األحكام و‬
‫المبادئ العامة التي نجدها خاصة داخل الدستور كأهم مصدر للقانون الدستوري‪ .‬لهذا نقول مبدئيا أن كل فروع القانون تخضع‬
‫بالتطابق والتالؤم ألحكام الدستور الذي نجد داخله قواعد تتعلق بالعالقات السياسية والعالقات االدارية والعالقات االجتماعية و‬
‫التجارة و الجرائم والعقوبات‪ ...‬هذه االهمية ثابتة مع البروز التاريخي التدريجي للقانون الدستوري و انتشاره و تطوره‪.‬‬
‫الفقرة الثانية‪ :‬بروز فكرة القانون الدستوري‪:‬‬
‫منذ ظهور اإلنسانية‪ ،‬اهتم بعض الفالسفة والدارسين بالقواعد القانونية التي تنظم السلطة السياسية واستنبطوا من خاللها‬
‫تقسيمات لألنظمة السياسية‪ .‬في هذا االطار وتاريخيا يعتبر أرسطو أول دارس للقانون الدستوري حيث رتب في كتابه "الدساتير"‬
‫أبجديا دساتير المدن اإلغريقي ة‪ .‬وهى دراسة تشبه الدراسات المعاصرة للقانون الدستوري‪ .‬حيث تعرضت في جزء أول للتاريخ‬
‫الدستوري ألثينا وفي الجزء الثاني لدراسة المؤسسات السياسية للمدنية (الدولة) مع بيان اختصاصها والعالقات بينها‪.‬‬
‫إال أن أرسطو لم يستعمل عبارة القانون الدستوري التي استعملت في ايطاليا سنة ‪ 1797‬ثم فرنسا منذ ‪ 1834‬ليعم‬
‫اعتمادها مع انتشار مصطلح القانون الدستوري انطالقا من بروزه كقانون منظم للسلطة و ضامن للحقوق والحريات‪.‬‬
‫في أواخر القرون الوسطى ظهرت مدرسة القانون الطبيعي التي أراد من خاللها منظروها وضع حد للحكم المطلق مع‬
‫إيجاد ضمانا ت للحقوق والحريات اعتقدوا انها قواعد القانون الطبيعي التي تعرف تقليديا على أنها أحكام يقبلها العقل السليم وتنشأ مع‬
‫اإلنسان مثل حق الملكية والحق في الحياة‪.‬‬
‫إن نظرية القانون الطبيعي وإن اندثرت لغياب ما يؤكدها ماديا فإنها مثلت مصدر الهام العديد من الفالسفة الذين ربطوا بين‬
‫القانون الدستوري عموما والدستور خصوصا وبين الحرية ونبذ االستبداد معتبرين الدستور انسب إطار قانوني لضمان هذا المبتغى‬
‫ولهذا جاء مثال على لسان ‪ " benjamin constant‬ال دستور بدون حرية و في المقابل ال حرية بدون دستور"‪.‬‬
‫إن فكرة دستور منظم للسلطة و حامي للحريات برزت في الدول الغربية أساسا فهي وليدة التطور السياسي البريطاني و‬
‫عصور النور األمريكية والفرنسية‪.‬‬
‫ففي بريطانيا ظهرت عديد النصوص القانونية التي تحد من سيطرة الحكام وتعترف بحريات األفراد مثل الشرعة الكبرى‬
‫‪ 1215‬و عريضة الحقوق ‪ 1628‬إلى جانب تكريس فكرة الفصل بين شخص الحاكم والسلطة التي صارت تتجسد من خالل هياكل‬
‫متعددة تكريسا لمبدأ الفصل بين السلط الذي بلوره خاصة مونتاسكيو واستوحاه من النظام السياسي البريطاني‪.‬‬
‫أما التجربة األمريكية فتبلورت من خالل عديد الوثائق الدستورية مثل إعالن الحقوق الذي أكد خاصة على المشروعية‬
‫الشعبية للسلطة السياسية مما يوحى بفكرة االنتخاب الدوري للحكام‪ ،‬كما أن الواليات المتحدة األمريكية شهدت وضع أول دستور‬
‫مكتوب في العالم سنة ‪ 1787‬وضعته جمعية تاسيسية تمثل احد نماذج السلطة التاسيسية في العالم إلى جانب التنظيم الفدرالي للدولة‬
‫وعلوية الدستور ومراقبة دستورية القوانين التي ظهرت الول مرة سنة ‪.1803‬‬
‫وفي فرنسا أكد إعالن حقوق اإلنسان والمواطن سنة ‪ 1787‬في فصله ‪ 16‬أن "الدولة التي ال تضمن الحقوق والحريات وال‬
‫تكرس الفصل بين السلط هي دولة من دون دستور"‪ ،‬كما عرفت فرنسا ثاني دستور مكتوب في العالم سنة ‪ 1791‬وفيها برز نموذج‬
‫آخر للسلطة التاسيسية االصلية‪.‬‬

‫قانون دستوري ‪ :‬توفيق الغناي‬

‫نائل سليماني‬

‫إن مختلف هذه األفكار والنصوص برزت في الغرب لتؤكد في إطار ليبرالي على االرتباط الوثيق بين الدستور خصوصا‬
‫والقانون الدستوري عموما وفكرة ضمان الحريات‪ .‬وقد ساهمت عوامل اقتصادية وثقافية في ذلك ونعني أساسا بروز الطبقة‬
‫البرجوازية التي انتقدت استبداد اإلقطاعيين ورجال الدين في القرن السادس عشر والسابع عشر وتحالفت مع الملوك للوصول إلى‬
‫السلطة مع التأكيد على مبادئ الليبرالية وخاصة فكرة الحرية وكان لزاما استحداث إطار قانوني يحمي هذه المكتسبات فكان الدستور‬
‫المكتوب كأهم مصدر للقانون الدستوري‪.‬‬
‫كما أكد عديد الفقهاء مثل "أندري أريو" على أن ما تميزت به البلدان الغربية من وحدة لغوية و دينية وعرقية وخاصة‬
‫ارتباطها بالمسيحية شجع الربط بين القانون الدستوري والحرية الن هذه الديانة حسب رأيه تعترف بالحرية المسؤولة‪.‬‬
‫إن هذا التوجه ا لغربي في بلورة القانون الدستوري تبناه عديد الفالسفة والسياسيين في عديد الدول األخرى مما شجع ظهور‬
‫الدساتير المكتوبة في عديد دول العالم‪ :‬السويد ‪ 1809‬اسبانية ‪ 1812‬النرويج ‪ 1814‬بلجيكا ‪ 1821‬تونس ‪ 1861‬مصر ‪ 1876‬هولندا‬
‫‪ 1888‬وتدعم التطور الدستوري مع انهيار اإلمبراطوريات العثمانية والروسية واالسبانية والنمساوية وحصول عديد الدول على‬
‫استقاللها على غرار تونس من خالل وضع دستور ‪ 1959‬هذا الى جانب تراجع الفكر االشتراكي وتطور أفكار العولمة منذ بضعة‬
‫سنوات لتتجاوز جانبها االقتصادي إلى الجانب السياسي من خالل عولمة القيم الديمقراطية في مفهومها الغربي الليبرالي وما افرزته‬
‫من معايير دولية لالنظمة الديمقراطية ولمفهوم الحوكمة الرشيدة وهو مبادئ حكم ساهمت في بعض الثورات و كرستها بعض‬
‫الدساتير منها الدستور التونسي لسنة ‪.2014‬‬
‫هكذا برزت فكرة القانون الدستوري في الغرب وتجاوزت إطارها االقتصادي والثقافي و االجتماعي لتحافظ خارجه على‬
‫بعض المبادئ وتشهد بعض التطورات على مستوى موضوع القانون و مفهومه مما يعني ان القانون الدستور ككل القوانين هو قانون‬
‫اطاره التاريخي وااليديولوجي والثقافي واالقتصادي يتغير كليا او جزئيا بتغير هذا االطار بما يؤشر على ميزة التنوع والتعدد داخله‪:‬‬
‫تنوع على المستوى المادي والشكلي‪.‬‬
‫الفرع الثاني‪ :‬موضوع القانون الدستوري‪:‬‬
‫يقصد بموضوع القانون الدستوري محتواه و مادته فاإلجابة عن الموضوع هي اإلجابة عن السؤال التالي‪ :‬بماذا يهتم‬
‫القانون الدستوري؟ و اإلجابة محدد من محددات التمييز بين القانون الدستوري وباقي فروع القانون داخل الدولة‪.‬‬
‫إن نفس هذا السؤال مرتبط بتساؤل آخر حول المواد التي تعتبر دستورية بطبيعتها هل هي فقط السلطة السياسية أم كل‬
‫شأن له بعد سياسي و مساسا بالسلطة السياسية و يمكن أن يكون ثقافيا أو اجتماعيا و اقتصاديا ؟ ثم هل أن القانون الدستوري ال يهتم‬
‫بالضرورة إال بماهو دستوري بطبيعته ؟‬
‫إن اإلجابة تراوحت بين اتجاهين تقليدي و حديث نستخلص من دراستهما تطور موضوع القانون الدستوري مع انتشار هذا‬
‫الفرع من فروع القانون العام ومع تطور المقاربات حوله كما نستخلص التنوع والتعددية في تعريف القانون الدستوري‪.‬‬
‫الفقرة األولى ‪ :‬موضوع القانون الدستوري حسب االتجاه التقليدي‪:‬‬
‫يعرف األستاذ "مارسال بريلو" القانون الدستوري على أنه‪" :‬مجموع القواعد القانونية التي بموجبها تنشأ السلطة وتمارس‬
‫وتنتقل داخل الدولة"‪ .‬وحسب األستاذ "كاري دمالبارغ" فهو "جزء من القانون العام الذي يحتوي على مجموعة من القواعد‬
‫والمؤسسات التي تشكل في محيط الدولة دستور الدولة"‪.‬‬
‫من خالل مختلف هذه التعريفات سنبين االلتقاء حول ثوابت تقبل النقاش فالقانون الدستوري هو قانون الدستور و قانون‬
‫السلطة السياسية و قانون الدولة‪.‬‬
‫‪ – I‬ربط القانون الدستوري بالقانون عموما و بالدستور خصوصا ‪:‬‬
‫اتفق أنصار الفكر التقليدي ونعني فقهاء المدرسة الدستورية الذين تزعموا ظهور القانون الدستوري في الفضاء الفكري‬
‫الغربي‪ ،‬على أن القانون الدستوري هو بالمقام األول قانون ولذلك فهو يهتم بما يجب أن يكون بما هو قواعد قانونية وال يهتم‬
‫بتطبيقاتها والممارسة المرافقة لها‪.‬‬
‫هذا التوجه التضييقي تدعم بالربط بين القانون الدستوري و الدستور المكتوب لتقوم معادلة بينهما حتى أن كل المؤلفات‬
‫التي صدرت في القرن ‪ 19‬وخالل النصف الثاني من القرن ‪ 20‬كانت تحمل فقط عنوان القانون الدستوري لتؤكد على هذا التوجه‬
‫التقليدي الضيق‪.‬‬
‫إن هذا الموقف للفقه التقليدي يقبل االنتقاد على مستويات عديدة‪:‬‬
‫ فبالنسبة للربط بين القانون الدستوري والنص القانوني وإن صح القول بأن القانون الدستوري هو قانون بالمقام األول فان النص‬‫القانوني ينشأ في إطار إيدي ولوجي واقتصادي وسياسي معين فينطبع بهذا الواقع قبل أن يؤثر فيه بل إن الواقع قد يكون وراء سن‬
‫النص القانوني‪ .‬ثم أن فهم النص القانوني يتيسر بوضعه في إطاره والمقاربة بينه وبين الممارسة ‪ .‬فدراسة ظاهرة سياسية معينة‬
‫مثل توازن السلط داخل الدولة أو االنتخاب او ح رية االحزاب او حرية الصحافة ال تكتمل فقط بالرجوع إلى النص القانوني بل ال بد‬

‫قانون دستوري ‪ :‬توفيق الغناي‬

‫نائل سليماني‬

‫من البحث عن هذه الظاهرة السياسية في الواقع أي في الممارسة قصد استخالص النتائج خاصة أن الممارسة قد تخالف النص‬
‫الصريح وقد تنشا بذاتها قاعدة دستورية غير مكتوبة (عرفية)‪ .‬ولهذا قال الفقيه "مرسال بريو"‪ " :‬هناك الدستور الذي اعتقد‬
‫واضعوه أنهم وضعوه و الدستور الذي تبرزه الحوادث فعال" ألنه وكما أكد ذالك "جورج بيردو" ‪" :‬من النادر إن تسير الحياة‬
‫السياسية في الحياة العملية طبقا لما نص عليه الدستور"‪.‬‬
‫ أما بالنسبة للربط بين القانون الدستوري والدستور المكتوب فهذا أيضا يقبل االنتقاد‪.‬‬‫* فالدستور المكتوب قد يتضمن قواعد قانونية ال صلة لها مباشرة بموضوع القانون الدستوري أي ال تتعلق بالسلطة السياسية‬
‫وبالحقوق والحريات ولكن القصد من تضمينها داخل الدستور هو حمايتها من التعديل او اإللغاء المتسرع خاصة وأن الدستور عادة‬
‫ما يتميز بالجمود الذي يضمن ألحكامه االستقرار‪ .‬ومن هذا القبيل ما كان يتضمنه الدستور التونسي لسنة ‪ 1861‬بفصوله ‪ 78‬إلى ‪89‬‬
‫من أحكام تتعلق بالنظام األساسي للوظيفة اإلدارية التي تعتبر من موضوعات القانون االداري‪ .‬كما نصت المادة ‪ 100‬من الدستور‬
‫األسترالي لسنة ‪ 1901‬على طريقة استعمال مياه األودية وفي ذالك تجاوز من وثيقة الدستور للقانون الدستوري‪ .‬اما دستور ‪2014‬‬
‫في تونس فتعرض لبعض المسائل التي ال صلة لها مباشرة بالسلطة السياسية على غرار الفصالن ‪ 7‬و ‪ 8‬اللذان أشارا تباعا لالسرة و‬
‫للشباب و الفصل ‪ 15‬الذي تعر ض لمبادئ التنظيم و العمل االداري وهذا من مواضيع القانون االداري أو الفصول ‪ 27‬الى ‪ 30‬الذين‬
‫يتعلقون بمبادئ القانون الجزائي و الفصل ‪ 44‬الذي يتعلق باهمية الماء و ترشيد استعماله‪ .‬ما يبرر أيضا هذه الموضوعات العالقة‬
‫الوطيدة بين الدستور و مختلف فروع القانون حيث أنه يؤطرها من خالل المبادئ والخيارات االساسية‪ .‬هذا يؤكد تجاوز الدستور‬
‫للقانون الدستوري من حيث مضمونه‪.‬‬
‫* الدستور المكتوب مهما بلغ عدد فصوله فال يمكنه اإللمام بكل المواضيع القانونية في تفاصيلها و لهذا نجده يحيل صراحة على‬
‫النصوص التشريعية الصادرة عن السلطة التشريعية لتكمل تفاصيل ما ضبطه من أحكام عامة على غرار الفصول ‪ 18‬و ‪ 22‬و ‪ 34‬و‬
‫‪ 38‬و ‪ 49‬و غيرها من دستور ‪ 2014‬في تونس‪.‬‬
‫كما أن الدستور قد يلتزم الصمت حول بعض المسائل التي تنظمها قواعد قانونية أخرى مكتوبة أو غير مكتوبة هى باقي مصادر‬
‫القانون الدستوري كما سنحللها الحقا‪.‬‬
‫كما قد يعلق او يلغي العمل بالدستور على غرار ما حصل بالنسبة للدستور التونسي لسنة ‪ 1959‬سنة ‪ . 2011‬ومع ذالك تتواجد‬
‫نصوص قانونية تنظم بعض الظواهر السياسية و لو في غياب الدستور‪ .‬ولهذا فان الدستور مصدر أساسي للقانون الدستوري ولكنه‬
‫ليس المصدر الوحيد بل هناك عدة مصادر تعبر عن تجاوز القانون الدستوري للقانون‪.‬‬
‫* إن حصر القانون الدستوري في وثيقة الدستور يجانب الواقع‪ .‬فالدستور المكتوب لم يظهر تاريخيا إال سنة ‪ 1787‬فهل يعقل غياب‬
‫كلي للقانون الدستوري قبل ذلك التاريخ والحال أن أرسطو منذ ‪ 325‬ق‪.‬م أحصى عشرات الدساتير التي كانت تحكم المدن اإلغريقية‬
‫كما يذكر التاريخ الدستور القرطاجي الذي مجده ارسطو و كان من الدساتير االولى في التاريخ التي ارست بعض مبادئ الديمقراطية‬
‫وان كانت ديمقراطية نخبوية عالوة على ان الدولة في مفهومها الحديث ظهرت منذ القرن ‪ 16‬واالكيد ان السلطة السياسية التي تمثل‬
‫احد اركانها كانت تخضع لقواعد دستورية وان كانت عرفية‪.‬‬
‫أما اليوم فال يعقل ان ننكر على دولة مثل بريطانيا بما لها من عراقة في التجربة الدستورية احتكامها على قانون دستوري لمجرد أنها‬
‫تمتلك دستورا عرفيا أي غير مكتوب‪ ،‬فالدستور إذا إما مكتوب و إما عرفي و في الحالتين هو مصدر من مصادر القانون الدستوري‪.‬‬
‫‪ - II‬ربط القانون الدستوري بالسلطة السياسية‪:‬‬
‫تعني السلطة لغة القوة والقهر والعلوية ويمكن تعريفها اصطالحا وفقا لمعيارين واسع وضيق ففي مفهوم موسع تعني‬
‫السلطة الضبط والتسيير فهي تتواجد كلما تواجدت مجموعة تخضع لنفوذها وتسييرها وتنظيمها بقطع النظر عن طبيعة هذه‬
‫المجموعة البشرية ومن هنا فالسلطة في العائلة والقبيلة والمؤسسة االقتصادية واإلدارية وغيرها‪.‬‬
‫في مثل هذا المفهوم الموسع ال يمكن أن يتواجد القانون الدستوري الن خالف هذا القول يعني ان السياسة تتمثل في مشاغل‬
‫كل المجموعات البشرية وان مشاغل كل المجموعات البشرية داخل الدولة هى مشاغل سياسية‪ .‬لذلك ركز الفقه التقليدي على صواب‬
‫على السلطة السياسية دون غيرها من أصناف السلطة لتكون موضوعا للقانون الدستوري‪ .‬والسلطة السياسية‪ ،‬هي اعلي سلطة داخل‬
‫المجتمع السياسي تنصهر فيها وتخضع لها كل أصناف السلطة األخرى وكل أصناف التجمعات البشرية داخل كل دولة من الدول‪.‬‬
‫إن كلمة سياسة من فعل ساس أي عالج األمر ويقابلها في اللغة الفرنسية مصطلح ‪ Politique‬المشتق من اللفظ الالتيني‬
‫‪ Polis‬ويعني المدينة ليهتم القانون الدستوري هكذا بالسلطة السياسية التي تحكم المدنية أو الدولة وتدير شؤونها‪ .‬فالسلطة السياسية‬
‫تجسد فكرة القيادة واالمر ال فكرة الحياة االجتماعية بما يجعل اهتمامات القانون الدستوري تختلف عن اهتمامات باقي فروع القانون‬
‫على غرار قانون االحوال الشخصية والقانون التجاري والقانون الجزائي وغيرها وبالرغم ايضا من ان بعض المشاغل االجتماعية‬
‫لها ابعاد وخلفيات سياسية مما حتم العالقة بين القانون الدستوري وباقي فروع القانون‪.‬‬
‫إن التأطير القانوني للسلطة السياسية وللظواهر السياسية لم يكن دائما باألمر البديهي حيث استندت السلطة السياسية أحيانا‬
‫على المشروعية الدينية وأحيانا على مشروعية القوة بما هى قوة الشخصية والقوة المادية في مفهوم العنف‪ .‬في كل هذه الحاالت كان‬

‫قانون دستوري ‪ :‬توفيق الغناي‬

‫نائل سليماني‬

‫االستبداد والظلم‪ .‬ولهذا اعتبر الدستور خصوصا والقانون الدستوري عموما قانون السلطة أو القانون المنظم للسلطة السياسية منعا‬
‫لتعسفها وضمانا بالمناسبة ذاتها للحريات ولو ان هذا ليس باالمر البديهي في كل االحوال‪ .‬من هنا ال بد من التاكيد على أن القانون‬
‫الدستوري يتواجد حيث السلطة السياسية وبقطع النظر عن تنظيم مؤسساتها و طبيعة نظام الحكم ديمقراطيا كان أو استبداديا ملكيا‬
‫أو جمهوريا أو غيره‪ .‬ومن هنا ايضا برز التمييز بين االنظمة الدستورية واالنظمة التي بها دساتير‪ .‬فمجرد وجود الدستور وهو‬
‫موجود بالضرورة في كل دولة ال يعني ان النظام السياسي نظام دستوري تكفل فيه الديمقراطية وتحصن فيه الحقوق والحريات من‬
‫استبداد الحكام‪.‬‬
‫‪ – III‬ربط القانون الدستوري بالدولة ‪:‬‬
‫حسب الفقيه "كاري دمالبارق"‪" :‬كل دراسة للقانون العام عموما والقانون الدستوري خصوصا تفترض مفهوم الدولة "‪.‬‬
‫هذا يعني ان ال دولة بدون قانون دستوري و في المقابل ال قانون دستوري خارج إطار الدولة‪ .‬إن هذه النتيجة تبدو ظاهريا‬
‫منطقية‪ .‬إال أن الفقه التقليدي ضيق نطاق القانون الدستوري بان ربطه بالدولة المؤسساتية‪ ،‬الدولة التي تقوم على شؤونها مؤسسات‬
‫تستقل عن أشخاص الحكام و تنظم وفقا لمبدأ الفصل بين السلطات‪.‬‬
‫إال أن الدولة بهذا المفهوم لم تظهر إال في القرن ‪ 16‬وفي الفكر الغربي ليحصر القانون الدستوري في إطار جغرافي‬
‫وإيديولوجي ضيق وهو توجه قابل لالنتقاد فاالرتباط بين القانون الدستوري والدولة ليس خطئا في حد ذاته بل الخطأ في أن نربط‬
‫القانون الدستوري بمفهوم للدولة لم يظهر إال حديثا مقارنة بظهور القانون الدستوري‪.‬‬
‫فإذا ثبت تاريخيا أن القانون الدستوري تواجد منذ القديم فال يمكن أن يتواجد إال في إطار دول و إن كان تنظيمها بدائيا‬
‫مقارنة بالتنظيم الحديث للدولة‪.‬‬
‫لهذا نقول بأن القانون الدستوري يحكم السلطة السياسية داخل الدولة في مفهومها القانوني بمعنى تجمع ألركان ثالثة هيهه‬
‫اإلقليم والسلطة السياسية والمجموعة البشرية مع التمتع بالسيادة بقطع النظر عن شكل الدولة بسيطة أو فدرالية و شكل و نظام الحكم‬
‫فيها‪ .‬فالقانون الدستوري يفترض الدولة والدولة تفترض القانون الدستوري ولكن تطور هذا األخير يواكب تطور الدولة شكال‬
‫ومضمونا‪.‬‬
‫أمام هذه االنتقادات التي وجهت لالتجاه التقليدي في تعريف القانون الدستوري وبالرغم من بعض الثوابت التي ال تقبل‬
‫النقاش‪ ،‬ظهر اتجاه حديث وسع من موضوع القانون الدستوري وتجاوز نقائص االتجاه التقليدي و عبر عن التعددية في تعريف‬
‫القانون الدستوري‪.‬‬
‫الفقرة الثانية‪ :‬موضوع القانون الدستوري حسب االتجاه الحديث‪:‬‬
‫يمكن أن نستخلص هذا االتجاه الحديث مما أكده العميد الصادق بلعيد من أن "موضوع القانون الدستوري هو دراسة التنظيم‬
‫اإليديولوجي و القانوني لحياة المجتمع السياسي" فالقانون الدستوري وإن كان بالمقام األول قانون فاهتمامه يشمل أيضا الظواهر‬
‫السياسية في واقعها االيديولوجي داخل كل مجتمع سياسي بما يفترض أوال االهتمام بالسلطة السياسية ولكن في عالقتها بمحيطها‬
‫المتنوع‪ :‬الثقافي و الديني واالجتماعي واالقتصادي و ثانيا االهتمام بالظواهر السياسية من خالل النص القانوني والممارسة الواقعية‬
‫لها‪.‬‬
‫‪ – I‬موضوع القانون الدستوري التنظيم القانوني واإليديولوجي‪:‬‬
‫لقد أثرى االتجاه الحديث موضوع القانون الدستوري من خالل تجاوز االقتصار على النص القانوني واالهتمام عالوة عليه بالظواهر‬
‫السياسية في واقعها مما ساهم في تطور مناهج دراسة موضوعات القانون الدستوري‪.‬‬
‫أ‪ -‬إثراء دراسة النص القانوني بدراسة الظواهر السياسية في واقعها‪:‬‬
‫إذا لم ينكر االتجاه الحديث أن ال قانون الدستوري هو القانون الذي يهتم بالظواهر السياسية من خالل نصوصه القانونية فإنه‬
‫تجاوز االرتباط المطلق بالنص المؤطر للظواهر السياسية فقط بصورة نظرية الى المؤثرات الجانبية للنص القانوني والتي نحوصلها‬
‫في عبارة التنظيم اإليديولوجي بما هو واقع سياسي واقتصادي واجتماعي وديني وغيره وهو أيضا سلوك يبلور كل هذه المعطيات و‬
‫يختلف في الزمان والمكان ويؤثر في الظاهرة السياسية وفي النص القانوني المنظم لها ويتأثر به أحيانا‪ .‬هنا نتحدث عن المصادر‬
‫المادية للقواعد القانونية من جهة و عن محيط النص القانوني من جهة أخرى‪.‬‬
‫إن هذا ا لتطور تكرس في بداية الخمسينات على مستوى تسمية مادة القانون الدستوري لتصبح القانون الدستوري واألنظمة‬
‫السياسية‪ .‬كما ورد في مرسوم فرنسي بتاريخ ‪ 27‬مارس ‪ 1954‬و كما كرسته المؤلفات الفقهية التي اعتمدت العبارة ذاتها أو ما‬
‫شابهها بل إن بعضها اعتمد عبارة األنظمة السياسية قبل عبارة القانون الدستوري‪.‬‬
‫إن دراسة الظواهر السياسية من خالل واقعها يعتبر أمرا حتميا لتنقل صورة الظاهرة السياسية بكل تفاصيلها وجوانبها‬
‫النظرية القانونية ولكن أيضا الواقعية العملية‪ .‬وهو ما يمكن من تقييم العالقة بين محتوى النص الدستوري ومتطلبات الممارسة‬
‫السياسية و من خالل ذلك استخالص مدى التقيد بالنص كعنوان من عناوين دولة القانون اى الدولة التي يسود فيها القانون‪ .‬ولكن‬

‫قانون دستوري ‪ :‬توفيق الغناي‬

‫نائل سليماني‬

‫بنفس المناسبة استكشاف مدى مشروعية محتوى القاعدة الدستورية من خالل مدى قبولها عمليا مما يمكن من الوقوف عند ضرورة‬
‫تعديلها او الغائها احيانا استباقا المكانية حصول ثورة يتهاوى معها النظام السياسي بمختلف مكوناته ومنها الدستور كما حصل مع‬
‫ثورة ‪ 2011‬في تونس والغاء دستور ‪ 1959‬سنة ‪.2011‬‬
‫ولكن دراسة الظاهرة السياسية في واقعها ليس هدفا في ذاته بل وسيلة مكملة لدراسة حقيقية ومتكاملة للظواهر السياسية‬
‫مثل ظاهرة االنتخاب أو األحزاب من خالل إطارها القانوني أوال وإطارها الواقعي ثانيا وهو ما برر تطور مناهج دراسة‬
‫موضوعات القانون الدستوري‪.‬‬
‫ب‪ -‬تطور مناهج دراسة القانون الدستوري ‪:‬‬
‫اعتبارا إلى أن القانون الدستوري بالمقام األول قانون فإن دراسة موضوعاته تكون بالرجوع إلى أحكامه القانونية في‬
‫مختلف مصادر ها كالدستور والنصوص التشريعية بناءا على مناهج العلوم القانونية التي تفيد قراءة النص القانوني وشرح ألفاظه‬
‫الواضحة وفي حال الغموض تتم مقارنة النصوص ببعضها مع اعتماد األعمال التحضيرية المرافقة لسنها لنبقى دائما في إطار‬
‫النصوص‪ .‬إن هذا المنهج ال غنى عنه ألنه يتماشى مع الطبيعة القانونية للقانون الدستوري‪.‬‬
‫إال أن دراسة ظاهرة االنتخاب مثال من خالل ما نصت عليه النصوص الدستورية من شروط وطرق رقابة وغير ذلك من‬
‫األحكام ال يمكن أن يجيب عن كل من التساؤالت المتعلقة بتلك الظاهرة السياسية‪ .‬فالنص ال يتعرض للسلوك االنتخابي على غرار‬
‫ظاهرة العزوف عن المشاركة في االقتراع أ و تعدد األصوات الملغاة‪ ،‬فمثل هذه الظواهر ال يمكن فهمها إال في إطار دراسة واقعية‬
‫مكملة لدراسة النصوص القانونية استنادا أساسا إلى مناهج العلوم السياسية وهي متعددة نخص بالذكر منها‪:‬‬
‫* المنهج التاريخي ‪ :‬ويعني دراسة الظاهرة السياسية من خالل تتبع مسارها التاريخي متى نشأت وفي أي إطار كان ذالك‬
‫وكيف تطورت وما هي عوامل ذلك واتجاهاته‪ .‬وهل استقرت أم ال‪ .‬ففهم الحاضر يمر حتما عبر فهم الماضي لبناء المستقبل‪.‬‬
‫*المنهج المقارن ‪ :‬يمكن فهم الظواهر السياسية من خالل مقارنتها بين دول مختلفة الستجالء االختالف والتشابه و بحث‬
‫النقائص وتبرير كل ذالك‪ .‬فغموض بعض األنظمة قد يفسره وضوح أنظمة أخرى‬
‫* منهج المالحظة ‪ :‬ويعني دراسة الظاهرة السياسية في واقعها من خالل مالحظة تصرفات السلطة السياسية مثال أو‬
‫الناخب‪ .‬وكيف أن هذه التصرفات مطابقة للقانون الدستوري أم ال ومدى استمرارها وتكرارها وغير ذالك مما يستنتج‬
‫بالمالحظة واالستعانة مثال باإلحصائيات وسبر اآلراء والتحليل الكمي واالستجوابات‪.‬‬
‫إن مختلف هذه التقنيات التي بدأ العمل ببعضها بعد ثورة ‪ 2011‬في تونس يفترض اوال المهنية وثانيا االستقاللية و خاصة‬
‫التأطير القانوني لتكون الدراسة موضوعية خاصة اذا علمنا ان موضوع الدراسة ظاهرة سياسية وان نتائج الدراسة قد تؤثر في‬
‫سلوك السلطة كما في سلوك المواطن في تعامله مع السلطة‪.‬‬
‫‪ -II‬المجتمع السياسي إطار للقانون الدستوري ‪:‬‬
‫حسب العميد الصادق بالعيد " ال أساس من الصحة لتأكيد "كاري دو مالبارغ" من أن كل دراسة للقانون العام على وجه‬
‫العموم وللقانون الدستوري على وجه الخصوص تستوجب وتفترض وجود الدولة إذ هي ليست سوى إطار من جملة اطر أخرى "‪.‬‬
‫هذا القول ال ينفى اعتبار الدولة اطارا ضروريا وطبيعيا للقانون الدستوري‪ .‬والدولة هنا تؤخذ بمعناها القانوني أي بتوفر‬
‫أركانها الثالثة‪ ،‬االقليم والمجموعة البشرية والسلطة السياسية‪ ،‬و بقطع النظر عن نظام الحكم فيها ان كان فرديا مشخصنا ديكتاتوريا‬
‫أو جماعيا مؤسساتيا وديمقراطيا‪.‬‬
‫فالمجتمع الفرعوني لم يعرف ال فرق بين شخص الحاكم والسلطة ومع ذالك يحدثنا المؤرخون عن و جود قانون دستوري‪ .‬كذالك‬
‫الحال بالنسبة للمدن اإلغريقية التي لم تكن تعرف التنظيم المعاصر للدولة كذالك عرفت األنظمة المستبدة مثل النازية والفاشية‬
‫دساتير و قانون دستوري اما تونس فعرفت دستورا في العهد القرطاجي بالرغم من ان مفهوم الدولة الحديث لم يكن حاضرا آنذاك‬
‫كما انها عرفت دستورا سنة ‪ 1861‬في ظل نظام حكم ملكي استبدادي و مع دستور ‪ 1959‬تبلور مفهوم حديث للدولة ومع ذلك‬
‫تواصل النظام السياسي غير الديمقراطي‪.‬‬
‫فالقانون الدستوري يتواجد اذا كلما تواجد المجتمع السياسي أى المجموعة البشرية التي تدير شؤونها سلطة سياسية أو ما‬
‫يعرف اصطالحا بالدولة‪ ،‬و لنا أن نتساءل عن الهدف منه مما يجرنا للبحث عن مفهومه في ظل تعدد و تنوع أطره‪.‬‬
‫الفرع الثالث‪ :‬مفهوم القانــــــون الدستـــــوري‪:‬‬
‫المقصود بالمفهوم الهدف من القانون وهنا نقول أن القانون موجود لتنظيم السلوك داخل الدولة و باعتبار طبيعته الدستورية‬
‫فهو موجود لتنظيم سلوك السلطة السياسية في تعاملها مع محيطها الخارجي ولهذا ارتبط القانون الدستوري وكما أبرزنا سلفا بفكرة‬
‫الحرية ومنع االستبداد إال أن هذا المفهوم التقليدي تطور مع تطور القانون الدستوري خارج اإلطار اإليديولوجي و الجغرافي‬
‫الغربي لتظهر له مفاهيم جديدة تلونت بخصوصيات أطرها ولكن قد تكون بفعل العولمة القانونية و االنفتاح على الغرب متقاربة‪.‬‬
‫الفقرة األولى ‪:‬المفهوم التقليدي للقانون الدستوري ‪ :‬فكرة الحرية‬
‫نقصد بالمفهوم التقليدي ذالك الذي رافق ظهور فكرة القانون الدستوري و تزعمه أنصار المدرسة الدستورية وتمحور حول‬
‫فكرة الحرية باعتبار انطالق المدرسة الدستورية من إطار إيديولوجي غربي أساسه فكر ليبرالي يدعو للحرية االقتصادية و لكن‬

‫قانون دستوري ‪ :‬توفيق الغناي‬

‫نائل سليماني‬

‫أيضا إلى الحرية السياسية‪ .‬هذا التوجه عبر عنه خاصة "بنجمان كون ستون" بقوله "ال دستور بدون حرية وفي المقابل ال حرية بدون‬
‫دستور"‪ .‬والحرية حسب رأي بنجامن كونسيتون صنفان حرية المشاركة بمعنى حق الشعوب في ممارسة السلطة داخل الدولة عبر‬
‫اختيار نوابهم و عزلهم إن هم اخطئوا‪.‬‬
‫وحرية االستقاللية ‪ :‬وتعني االعتراف للمواطن بمجموعة من الحقوق والحريات الفردية تحميه من االستبداد واالضطهاد‪.‬‬
‫و قد تبلورت فكرة الحرية عند عديد الفالسفة في الغرب مثل "مونتاسكيو" و "جون لوك" إال أن أنصار المدرسة الدستورية‬
‫انقسموا إلى ‪ 3‬اتجاهات تبدو في النهاية متكاملة وتتفق على أن الحرية كهدف للقانون الدستوري تحتاج لجملة من الوسائل‪.‬‬
‫‪ -I‬تعدد اتجاهات المدرسة الدستورية دون تناقص المواقف‪:‬‬
‫يمكن أن نجمل هذه االتجاهات في أجيال ‪ 3‬للمدرسة الدستورية‪:‬‬
‫‪ ‬جيل أول اعتبر أن القانون الدستوري هو دستور الحريات بل هو موجود لغاية تكريس وضمان الحرية وقد استند‬
‫أنصار هذا االتجاه إلى وقائع تاريخية لتأكيد موقفهم ومن ذالك ارتباط وضع الدساتير باستقالل الدول أي حصولها على حريتها على‬
‫غرار وضع الدستور التونسي لسنة ‪ 1959‬أو أيضا ارتباط الدساتير كما سبقت دراسته بفكرة الحرية و التصدي لالستبداد في الغرب‬
‫ولكن خارجه أيضا على غرار وضع دستور الثورة التونسية لسنة ‪.2014‬‬
‫إن فكرة الحرية مقبولة في حد ذاتها ولك ن عيب هذا االتجاه المغاالة في التأكيد على الحرية ألن القانون الدستوري يكرس الحرية‬
‫و آليات حمايها ولكنه ينظمها بوضع شروط للتمتع بها و لممارستها على غرار ما نستخلضه مثال من الفصل ‪ 49‬من دستور ‪2014‬‬
‫حتى ال تؤول إلى فوضى ومن هذا المنطلق كان لزاما وجود سلطة تكفل الحرية المتوازنة‪.‬‬
‫‪ ‬أما الجيل الثاني للمدرسة الدستورية فربط القانون الدستوري بالسلطة السياسية و جعله قانون السلطة ومن أنصار‬
‫هذا التوجه "مارسال بريبلو" و "جورج فودال" إال أن ما يعاب على هذا الموقف أيضا المغاالة‪ .‬فالقانون الدستوري وجد لالهتمام‬
‫بالسلطة السياسي ة على مستوى تكوينها وصالحياتها على غرار أحكام البابين الثالث والرابع من دستور ‪ 2014‬والمتعلقين تباعا‬
‫بالسلطة التشريعية والسلطة التنفيذية‪ ،‬وهذا صحيح إال انه وجد أيضا لحمايتها وتنظيمها بوضع الضوابط لمنع االستبداد والتعسف‬
‫حماية للحرية‪.‬‬
‫‪ ‬ما نالحظه إذا هو أن االختالف بين الجيلين ليس من قبيل التناقض‪ .‬لهذا برز اتجاه ثالث تزعمه "اندري هوريو"‬
‫الذي اعتبر أن القانون الدستوري يهدف لضمان التعايش السلمي بين السلطة والحرية‪ .‬منطلقا من أن كل سلطة تولد بالضرورة‬
‫االحتجاج والمعارضة وبما أن السلطة ضرورية للوجود القانوني للدولة و الشعب كذلك بمزيجه من المواالة والمعارضة‪ ،‬كان لزاما‬
‫إيجاد إطار قانوني يضمن تعايشهما معا ودون تعسف من هذا الجانب أو ذاك فالسلطة تحمي الحرية وتمنع الفوضى والحرية تراقب‬
‫السلطة وتمنع تعسفها وهي وضعية حسب الفقيه المذكور تميز المجتمعات الغربية من خالل مظاهر متعددة أهمها التعددية الحزبية‬
‫ووجود معارضة تراقب السلطة و مشاركة المواطن في ممارسته السلطة عبر االقتراع العام السري والمباشر وكذلك االستفتاء‪ .‬كما‬
‫يتمتع المواطنون على قدر من المساواة بجملة من الحقوق االقتصادية واالجتماعية والسياسية‪.‬‬
‫إن هذه المركزية الغربية للفقيه المذكور ال يمكن قبولها ألن هذا التعايش غاب ويغيب في عديد الدول الغربية ويكفي‬
‫االستدالل بألمانية النازية وإيطاليا الفاشية عالوة على انهيار االشتراكية وانتشار القيم الليبرالية وبروز العولمة مما ساهم في تبني هذه‬
‫المبادئ للتعايش السلمي بين السلطة والحرية خارج اإلطار الغربي وفي عدد من دول العالم باعتبارها نماذج ديمقراطية كونية و‬
‫يكفي الرجوع مثال الى مضمون دستور تونس لسنة ‪.2014‬‬
‫إن الحديث عن التعايش السلمي بين السلطة والحرية كهدف للقانون الدستوري مرادف لما نعته الفقيد عبد الفتاح عمر‬
‫بالتوازن بين السلطة والحرية الن التوازن ال يمكن أن يكون استبداد لطرف على حساب الطرف األخر‪.‬‬
‫إال أن هذا التوازن ال يمكن أن يكون إال نسبيا فأحيانا تعطي األولوية للحرية على حساب السلطة باالعتماد على بعض‬
‫التقنيات مثل االنتخابات واالستفتاء وحرية التعبير ومراقبة الشعب لنوابه‪ .‬و أحيانا و في الغالب تعطي األهمية للسلطة على حساب‬
‫الحرية ومن ذالك ما يتمتع به رئيس الدولة في بعض البلدان من سلطات استثنائية في ظروف طارئة كما أقره الفصل ‪ 46‬من‬
‫الدستور التونسي لسنة ‪ 1959‬و الفصل ‪ 80‬من دستور ‪ .2014‬هذه السلطات االستثنائية و إن تمكن رئيس الجمهورية من صالحيات‬
‫واسعة عنوانها تقييد الحريات فهى تمارس وفقا لضوابط الغرض منها عدم التعسف و حماية الحريات و هنا أيضا يبدو البحث عن‬
‫التوازن بين السلطة والحرية‪.‬‬
‫هكذا إذا بطرق مختلفة ولكنها متكاملة ارتبط وجود القانون الدستوري بالحرية وهو ما يحتم جملة من الضمانات لتحقيق‬
‫الحرية‪.‬‬
‫‪ -II‬وسائل تحقيــــق الحريــــــــة ‪:‬‬
‫أكدت المدرسة الدستورية على عدة وسائل لتحقيق الحرية تعتبر اليوم من المعايير النموذجية لالنظمة الديمقراطية‬
‫في العالم ولو ان فكرة النموذج الديمقراطي ال يمكن اخذه بصورة بديهية لخصوصيات داخل المجتمعات وهى تختلف في‬
‫الزمان ايضا‪ .‬من اهم وسائل تحقيق الحرية حسب المدرسة الدستورية‪:‬‬

‫قانون دستوري ‪ :‬توفيق الغناي‬

‫نائل سليماني‬

‫أ‪ -‬وجود دستور مكتوب يمثل عقدا اجتماعيا بين الحكام والمحكومين ‪ :‬ذلك أن وضوح نصوصه و جموده و ثبات أحكامها‬
‫و علويتها كل هذه الخصائص تيسير الرجوع اليها ومجابهة الحكام بها ‪ .‬إال أن الدستور بمثل هذه الخصائص ال بد أن ينص على‬
‫ضوابط تكبح جموح السلط ة نحو التعسف مع التنصيص على ضرورة الحقوق المتساوية للمحكومين بصورة واضحة و دون قيود‬
‫تعيق الحرية من كل فائدة عملية إلى جانب التأكيد على الفصل المتوازن بين السلط في اطار دولة تبنى على المؤسسات ضمانا لمنع‬
‫شخصنة السلطة‪ .‬فالدستور بذالك ينظم العالقة بين السلطة والحرية فيكفل التوازن بينهما‪.‬‬
‫إال أن هذا التوجه المحبذ يبقى نظريا ألنه يحتاج لوعي السلطة ووعي األفراد بضرورة احترام المكتسبات التي اقرها‬
‫واضعو الدستور على مستوى تطبيقها و هنا نميز بين األنظمة ذات الدساتير وهى كل الدول بقطع النظر عن شكل الدستور وطبيعة‬
‫نظام الحكم فيها واألنظمة الدستورية التي تتقيد فيها السلطة والحرية بمضمون ديمقراطي للدستور‪ .‬فالعبرة ليست بالدستور فقط بل‬
‫بمضمونه خاصة‪.‬‬
‫ب – ضرورة خضوع الحكام لرقابة المحكومين‪ :‬يمثل الحكام المحكومين داخل الدولة فهم يختارون ممثلين عنهم في‬
‫ممارسة السلطة باسمهم ولحسابهم وفق ما يحدده القانون الدستوري‪ .‬كما أنهم يراقبون الحكام و يحاسبونهم كلما اخلوا بمتطلبات‬
‫الوكالة‪.‬‬
‫هذه الرقابة تتخذ عدة أشكال منها االنتخاب الدوري والديمقراطي إلى جانب وجود فعلي وفعال للمعارضة وحرية النقد و‬
‫االنتقاد و التعبير والمشاركة في الحياة السياسي ة دون تمييز او اقصاء و وجود تعددية سياسية فعلية ال شكلية في مستوى مؤسسات‬
‫الدولة‪.‬‬
‫هكذا إذا هدف القانون الدستوري بمنظار ليبرالي غربي لضمان الحرية حتى أن األستاذ "البرادال" اعتبر أن الدولة التي‬
‫تتميز بحكم مطلق ال دستور لها وعبر عن ذلك الفقيه "موريس اوريو" بالقول " الدستور ال يكون جديرا بهذا االسم إال إذا كان‬
‫معبرا عن سيادة األمة و صادرا باسمها عن طريق سلطة تأسيسية منتخبة ومقررا لمبدأ الفصل بين السلط فإذا تخلف فيه شيء من‬
‫هذا فال يصح أن يحمل وصف الدستور " بما من شانه أن يحصر القانون الدستوري في األنظمة الديمقراطية‪.‬‬
‫إن هذا المفهوم التقليدي للقانون الدستوري يفسر بالعوامل التاريخية التي بررت ظهور القانون الدستوري و كان عنوانها‬
‫مقاومة االستبداد و حماية الحرية‪.‬‬
‫لكن هذا التوجه التقليدي قابل لالنتقاد اوال لمركزيته الغربية الليبرالية وثانيا لغموض مفهوم االنظمة الديمقراطية و ثالثا ألن الدساتير‬
‫ال تضمن بنفس الكيفية التوازن بين السلطة والحرية أو لنقل أن مضمون التوازن يختلف في المكان والزمان مع اختالف إطار‬
‫القانون الدستوري و نعني االطار الثقافي والديني واالجتماعي واالقتصادي والسياسي وغيره‪ ،‬خاصة مع انتشار القانون الدستوري‬
‫خارج اإلطار الغربي مما يفسر ظهور مفاهيم جديدة له ولو استقرت بعض المفاهيم الغربية‪.‬‬
‫الفقرة الثانية ‪ :‬المفاهيم الجديدة للقانون الدستوري ‪:‬‬
‫أكد الفقيه مارسال بريلو أن " موضوع القانون الدستوري يجب أن يكون ظاهرة السلطة العامة في ذاتها و في مظاهرها‬
‫القانونية ليس من المهم وجود دساتير استبدادية تسلطية أو معتدلة ليبرالية أو ديمقراطية‪ .‬إن هذه جميعها فصائل مختلفة من دستور‬
‫نموذج يشمل التنظيم الحكومي لمجموعة الدول"‪.‬‬
‫من خالل هذه القولة نستنتج بداهة أن القانون الدستوري بصفة عامة ال يمكن أن تكون له غاية واحدة وهى الحرية انطالقا‬
‫من المفهوم الغربي الليبرالي‪ .‬الن هذا المفهوم لم يكن دائما حاضرا داخل بعض الدول اللبرالية التي اختلفت بينها االنظمة السياسية‬
‫ودرجة الحرية التي كانت تكرسها‪.‬‬
‫كما أن الخروج عن اإلطار الغربي يفرز بالضرورة مفاهيم مختلفة و إن تطابقت مع المفهوم الغربي احيانا نتيجة التقليد أو‬
‫العولمة وهو ما سنتبينه من خالل دراسة مفهوم القانون الدستوري في الدول االشتراكية و الدول العربية اإلسالمية‪.‬‬
‫‪ – I‬مفهوم القانون الدستوري في األنظمة االشتراكية ‪:‬‬
‫حسب الفكر االشتراكي فان الحرية الغربية مزاعم وهمية الن الحرية الحقيقية تحتم محو الطبقية و إقرار المساواة المطلقة‬
‫بين أفراد الشعب وهو ما ال يتحقق إال في مرحلة االشتراكية و قيام دكتاتورية البلوريتاريا حيث تضمحل الدولة و ينتهي الوجود‬
‫القانوني‪ .‬أما في غير ذالك ‪ ،‬فالدولة والقانون وسائل قمع بيد الطبقة البرجوازية والقمع ال يحقق الحرية‪ .‬نستنتج من هنا أن الحرية في‬
‫الفكر الغربي الليبرالي مكسب يرافق وجود اإلنسان الذي يولد حرا‪ .‬أما في الفكر االشتراكي‪ ،‬فالحرية مطمح يتحقق بالمرور‬
‫بمراحل نضالية يسجلها الدستور تباعا ليكون دور القانون الدستوري تحقيق التحرر ال الحرية‪ .‬في حين انه في الفكر الليبرالي أداة‬
‫تهدف لضمان الحرية وحمايتها فالدستور في الفكر االشتراكي ال يهتم بالتنظير لما يجب أن يكون بل يحوصل ويصف ما تحقق وهو‬
‫ما أكده ستالين نفسه‪:‬‬
‫» ‪« La constitution a pour objet d’exposer ce qui est déjà, ce qui est déjà obtenu‬‬
‫و هو بذالك ال يختلف في المرتبة مع القوانين األخرى داخل الدولة على خالف تميزه داخل الدول الغربية الليبرالية‪.‬‬

‫قانون دستوري ‪ :‬توفيق الغناي‬

‫نائل سليماني‬

‫‪ -II‬مفهوم القانون الدستوري في الدول العربية اإلسالمية‪:‬‬
‫لم تكن الدول العربية اإلسالمية تعرف مصطلح القانون الدستوري بل تعتمد األحكام السلطانية التي تهدف لضمان العدل‬
‫داخل المجتمع كهدف ال يرادف بالضرورة مصطلح الحرية المتعارف عليها في الفكر الليبرالي و لكنه ال يختلف عنه أيضا بصورة‬
‫مطلقة الن العدل يمر بإقرار حقوق الرعية من قبل الراعي‪ .‬ثم أن الحرية اعتبرت مناقضا للعبودية وأحيانا أخرى بمثابة الزندقة‬
‫التي تعتني إباحة المحرمات بما يناقض األحكام الشرعية الدينية‪.‬‬
‫إال أن العرب و المسلمين تأثروا إراديا و ال إراديا بالفكر الغربي فبرزت فكرة الحرية والدستور التي كانت تعني في‬
‫البداية اإلنعتاق من االستعمار وال غرابة مثال في أن الحزب الذي ساهم في استقالل تونس سمي الحزب الحر الدستوري ورفع عدة‬
‫شعارات منها وضع الدستور للبالد وكان ذلك مع االستقالل الداخلي بصدور امر ‪ 1955/12/29‬الذي اقر انتخاب مجلس وطني‬
‫تاسيسي لوضع دستور للمملكة‪.‬‬
‫ومع االرتقاء إلى االستقالل امتزجت داخل الدساتير عدة مفاهيم‪ :‬الحرية بمفهومها الليبرالي نظريا على األقل أيضا التنمية‬
‫الشاملة في مختلف ميادينها االقتصادية واالجتماعية والسياسية كما نفهمه من توطئة الدستور التونسي لسنة ‪ . 1959‬نستخلص كذلك‬
‫أهدافا أخرى من خالل توطئة دستور ‪ 2014‬منها االعتدال‪ ،‬العدل بين الجهات‪ ،‬الوحدة الوطنية‪ ،‬التكافل‪ ،‬العدالة االجتماعية‪ ،‬التنمية‬
‫المستديمة‪ ...‬هذا المزيج من حيث األهداف يؤكد أن اهتمامات القانون الدستوري متعددة ال تقتصر على السلطة السياسية في المباشر‬
‫بل تتجاوزها لكل محيطها الثقافي واالجتماعي واالقتصادي ال لكل هذا عالقة مباشرة أو غير مباشرة بالسلطة والمواطن داخل‬
‫الدولة‪.‬‬
‫هكذا إذا تطور القانون الدستوري على مستوى الموضوع والمفهوم ألنه انتشر فخرج من إطار اديولوجي الى أخر مختلفا‬
‫جزئيا او كليا مما أفرز تنوعا ضروريا ومبررا على مستوى تعريف القانون الدستوري وكذلك على مستوى مصادره‪ .‬هذا التنوع‬
‫يفيد التعددية في تعريف القانون الدستوري على مستوى مادي أوال و مستوى شكلي ثانيا‪.‬‬
‫الفرع الرابع‪ :‬تنوع مصادر القانــــــون الدستـــــوري‬
‫قبل استعراض هذه المصادر ال بد ان ننوه بوجود صنفين من مصادر القانون المصادر المادية والمصادر الشكلية‪.‬‬
‫بالنسبة للصنف االول يتمثل في المرجعيات االيديولوجية للقاعدة القانونية على غرار المرجعية الدينية او اللبرالية او‬
‫االشتراكية‪ .‬وبعبارة اخرى المصادر التي تجد فيها القاعدة القانونية محتواها‪ .‬اما الصنف الثاني فيتمثل في مختلف المصادر التي تجد‬
‫القاعدة القانونية داخلها وجودها على غرار الدستور والنصوص التشريعية وغيرها‪ .‬هذا الصنف الثاني هو الذي سنركز عليه‪.‬‬
‫و بالنسبة للقانون الدستوري فمصادره الشكلية عديدة ومختلفة من حيث الخصائص واألهمية منها ما هو مكتوب ومنها ما‬
‫هو غير مكتوب‪ ،‬عالقتها هرمية تقتضي خضوع القاعدة القانونية الدنيا للقاعدة التي تعلوها‪.‬‬
‫الفقرة األولى ‪ :‬المصادر المكتوبة للقانون الدستوري‪:‬‬
‫تتنوع هذه المصادر وتتدرج حيث نميز بحسب األهمية بين الدستور كمصدر اساسي للقانون الدستوري وبقية المصادر‬
‫المكتوبة االخرى التي يمثل الدستور اساسا لها‪.‬‬
‫‪ -I‬الدستور المكتوب مصدر اساسي من مصادر القانون الدستوري ‪:‬‬
‫يعتبر الدستور المكتوب المصدر األساسي للقانون الدستوري حتى أن الفقه التقليدي ربطه بالقانون الدستوري ربطا مطلقا‬
‫وهو ربط لئن كان عرضة لالنتقاد‪ ،‬فإنه يعكس تميز الدستور المكتوب عن باقي المصادر فهو الوثيقة المرجعية للقانون داخل الدولة‬
‫يمكن المحاججة بها تجاه السلطة وتجاه منظوريها كما تضبط داخله المبادئ األساسية التي يتعين احترامها عند وضع القوانين‬
‫األخرى على اختالف أصنافها‪ .‬ومن هنا فالدستور المكتوب يتميز بالعلوية المادية والموضوعية على باقي القوانين التي عليها‬
‫التطابق مع أحكامه وفلسفته العامة التي تتضمنها التوطئة ومختلف فصوله‪.‬‬
‫كما يتميز شكليا مقارنة بباقي القوانين حيث تضعه عادة وليس بالضرورة سلطة مختصة هي السلطة التأسيسية التي تتميز بالعلوية‬
‫وتأسس مختلف السلطات األخرى داخل الدولة كما أن إجراءات تعديله تتميز بالتعقيد وهو ما يضمن له االستقرار واالستمرارية دون‬
‫أن يعني ذالك الخلود‪.‬‬
‫إن هذا التميز المادي والشكلي للدستور يبوئه مكانة أعلى من باقي القوانين ولو أنها ليست بالعلوية المطلقة فبعض الدول‬
‫اقرت الحكام الشريعة االسالمية مثال مكانة اعلى من الدستور الذي ال يمثل في كل االحوال المصدر الوحيد للقانون الدستوري‪.‬‬
‫‪ -II‬المصادر المكتوية األخرى للقانون الدستوري ‪:‬‬
‫تتعدد هذه المصادر التي تحلل مبادئ الدستور وتكملها وسنستعرضها بحسب أهميتها وتدرجها‪.‬‬
‫أ‪ -‬المعاهدات الدولية ‪:‬‬

‫قانون دستوري ‪ :‬توفيق الغناي‬

‫نائل سليماني‬

‫هي اتفاقات بين الدول أو بينها وبين المنظمات الدولية و تمثل مصدرا من مصادر القانون الدستوري عندما تندرج وفقا‬
‫لشروط معينة ضمن المنظومة القانونية للدولة في هذا االطار وحسب الفصل ‪ 20‬من دستور ‪ : 2014‬المعاهدات الموافق عليها من‬
‫قبل المجلس النيابي و المصادق عليها أعلى من القوانين و أدنى من الدستور" و حسب الفصل ‪ : 65‬تتخذ شكل قوانين‪ ...‬اساسية‬
‫النصوص المتعلقة ب‪ ...‬الموافقة على المعاهدات" واضح من خالل هذه االحكام أن المعاهدات الدولية التي تبرمها السلط التونسية ال‬
‫تكون نافذة داخل الدولة غال باحترام شروط اجرائية أهمها موافقة المجلس النيابي في حاالت نص عليها الفصل ‪ 67‬و مصادقة رئيس‬
‫الجمهورية في حاالت أخرى كما يفهم من الفصل ‪ 78‬من دستور ‪ .2014‬فمجرد إمضاء المعاهدة من قبل ممثل الدولة ال يفي بغرض‬
‫نفاذها القانوني‪.‬‬
‫إن المعاهدات و كما صرح بذلك الدستور أعلى من النصوص التشريعية و أدنى من الدستور‪ .‬وفي هذا اإلطار جاء في قرار المحكمة‬
‫اإلدارية تحت عدد ‪ 3643‬بتاريخ ‪ 21‬ماي ‪ 1996‬الرابطة التونسية لحقوق اإلنسان ضد وزير الداخلية حيث نص الفصل ‪ 32‬على‬
‫أن "المعاهدات المصادق عليها أقوي نفوذا من القوانين"‪.‬‬
‫إن المعاهدات الدولية يمكن أن تكون مصدرا للقانون الدستوري خاصة عندما تتمحور حول الحقوق و الحريات ومن ذلك العهد‬
‫الدولي الخاص بالحقوق المدنية و السياسية و ذلك المتعلق بالحقوق االقتصادية و اللذان و ضعتهما الجمعية العامة لألمم المتحدة سنة‬
‫‪ 1966‬إلى جانب اإلعالن العالمي لحقوق اإلنسان المؤرخ في ‪ 10‬ديسمبر‪.1948‬‬
‫ب – النصوص التشريعية ‪:‬‬
‫المقصود بالقانون في مفهومه الضيق أي مجموعة القواعد القانونية العامة والمجردة و الملزمة الصادرة عن السلطة‬
‫التشريعية او استثنائيا في غياب السلطة التشريعية عن السلطة التاسيسية االصلية على غرار المجلس الوطني التاسيسي في تونس‬
‫فحسب الفصل ‪ 4‬من القانون التاسيسي عدد ‪ 6‬لسنة ‪ " 2011‬يمارس المجلس الوطني التأسيسي السلطة التشريعية طبقا لهذا القانون"‪.‬‬
‫ولكن يجوز للمجلس الوطني التاسيسي تفويض صالحياته التشريعية للرؤساء الثالث فحسب الفصل ‪ 7‬من القانون التاسيسي " إذا‬
‫طرأ ظرف استثنائي يمنع السير العادي لدواليب السلط العمومية ويجعل من المتعذر على المجلس الوطني التأسيسي مواصلة عمله‬
‫ويفوض اختصاصه التشريعي أو جزء منه لرئيس المجلس الوطني‬
‫يصرح بتحقق ذلك الظرف‬
‫العادي‪ ،‬فله بأغلبية أعضائه أن‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫التأسيسي ورئيس الجمهورية ورئيس الحكومة"‪.‬‬
‫أما في ظل دستور ‪ 2014‬و حسب الفصل ‪" 50‬يمارس الشعب السلطة التشريعية عبر ممثليه بمجلس نواب الشعب أو عن‬
‫طريق االستفتاء"‬
‫والنصوص التشريعية ادني مرتبة من الدستور والمعاهدات الدولية‪ .‬و هى أصناف ثالثة‪:‬‬
‫‪ -1‬القوانين األساسية ‪ :‬تتميز من حيث إجراءات المصادقة عليها كما حددها الفصل ‪ 64‬من دستور ‪ 2014‬و من حيث مجالها كما‬
‫حدده الفصل ‪ 65‬على غرار الموافقة على المعاهدات‪ ،‬تنظيم العدالة والقضاء‪ ،‬تنظيم االعالم و الصحافة والنشر‪ ،‬تنظيم االحزاب‬
‫والجمعيات و النقابات‪ ،‬القانون االنتخابي‪ ،‬الواجبات االساسية للمواطنين‪.‬‬
‫هنا نالحظ أن القوانين االساسية تتميز بمساسها بالحقوق والحريات و عالقتها المباشرة بالسلطة السياسية ولهذا فالمصادقة عليها‬
‫تخضع الجراءات و أغلبية متميزة مقارنة بالقوانين العادية‪ .‬ولعل هذا التميز اإلجرائي والمادي الذي كان معتمدا في ظل دستور‬
‫‪ 1959/6/1‬الملغى دفع المجلس الدستوري التونسي لإلقرار ضمنيا بعلوية هذه القوانين األساسية على العادية وذالك بموجب رأيه‬
‫عدد ‪ 71‬لسنة ‪ 2005‬المتعلق بمشروع قانون المالية لسنة ‪.2006‬‬
‫‪ -2‬القوانين العادية ‪Les lois ordinaires :‬‬
‫تصدر عن السلطة التشريعية حسب االجراءات التي نظمها الفصل ‪ 64‬من دستور ‪ 2014‬و في المجاالت التي حددها فصله‬
‫‪ 65‬و منها ما يتعلق بالجنسية وااللتزامات واالجراءات امام مختلف المحاكم و العفو العام و نظام إصدار العملة و ضبط الوظائف‬
‫العليا و التصريح بالمكاسب‪...‬‬
‫وفي نفس السياق وحسب نفس الفصل ‪ 65‬يختص المجلس النيابي بضبط المبادئ االساسية في بعض المجاالت على غرار‬
‫نظام الملكية والحقوق العينية‪ -‬التعليم والبحث العلمي والثقافة – الصحة العمومية و البيئة والتهيئة الترابية و العمرانية‪ .‬في مثل هذه‬
‫المجاالت يكتفي المجلس النيابي بصياغة المبادئ العامة واالساسية فاسحا المجال للسلطة الترتيبية لضبط التفاصيل التي تتجاوب مع‬
‫تلك المبادئ العامة مما يعني ان هذه المجاالت التشريعية مشتركة بين السلطة التشريعية والسلطة الترتيبية‪.‬‬
‫‪ -3‬القوانين االستفتائية ‪:‬‬
‫وهي الصادرة عقب استفتاء شعبي ومن هذا القبيل ما كان ينص عليه الفصل ‪ 47‬من دستور ‪ 1959‬الملغى "لرئيس‬
‫الجمهورية أن يستفتي الشعب مباشرة في مشاريع القانون ذات األهمية الوطنية " و حسب الفصل ‪ 82‬من دستور ‪ " 2014‬لرئيس‬
‫الجمهورية استثنائيا خالل أجل الرد أن يقرر العرض على االستفتاء مشاريع القوانين المتعلقة بالموافقة على المعاهدات أو بالحريات‬

‫قانون دستوري ‪ :‬توفيق الغناي‬

‫نائل سليماني‬

‫و حقوق االنسان أو باالحوال الشخصية و المصادق عليها من قبل مجلس نواب الشعب‪ "...‬هذا االستفتاء قد يتمخض عنه نص‬
‫تشريع يتخذ مرتبة أحد صنفي القانون االساسي او العادي بحسب موضوعه‪ .‬في كل الحاالت فالنصوص التشريعية أعلى مرتبة من‬
‫المراسيم ولو إلى حين‪.‬‬
‫ج‪ -‬المراسيم‪ :‬هى نصوص قانونية تصدر بحسب ما ينص عليه الدستور و بحسب طبيعة النظام السياسي داخل الدولة‪ ،‬إما عن‬
‫رئيس الحكومة أو رئيس الجمهورية عادة في حاالت غياب السلطة التشريعية بسبب العطلة السنوية أو بسبب تفويضها بعض‬
‫صالحياتها أو أخيرا عند حلها‪.‬‬
‫هذه الحاالت الثالث كان ينص عليها دستور ‪ 1959‬الملغى بفصوله ‪ 28‬و ‪ 31‬و ‪. 63‬‬
‫أما وفي ظل القانون التاسيسي عدد ‪ 6‬لسنة ‪ 2011‬فهناك مجال للمراسيم في حالة واحدة وهى تعذر ممارسة المجلس الوطني‬
‫التاسيسي لصالحياته التشريعية وتفويضها اياها للرؤساء الثالث حيث وحسب الفصل ‪ 7‬من هذا القانون التاسيسي " إذا طرأ ظرف‬
‫استثنائي يمنع السير العادي لدواليب السلط العمومية ويجعل من المتعذر على المجلس الوطني التأسيسي مواصلة عمله العادي‪ ،‬فله‬
‫ويفوض اختصاصه التشريعي أو جزء منه لرئيس المجلس الوطني التأسيسي ورئيس‬
‫بأغلبية أعضائه أن‬
‫ّ‬
‫يصرح بتحقق ذلك الظرف ّ‬
‫المفوض إليهم عبر إصدار مراسيم بالتوافق بينهم‪ .‬ويجتمع‬
‫الجمهورية و رئيس الحكومة‪ .‬ويمارس الرؤساء الثالثة االختصاص‬
‫ّ‬
‫المجلس بدعوة من رئيسه أو من ثلث أعضائه عند تيسّر اجتماعه إلعالن إنهاء التفويض بأغلبية أعضائه‪ ،‬ثم ينظر في المراسيم‬
‫الصادرة للمصادقة عليها أو تعديلها أو إلغائها‪".‬‬
‫من خالل هذه االحكام نتبين ان المراسيم التشريعية تصدر في مجال التشريع ولكن بتوفر مجموعة من الشروط وهى‪:‬‬
‫ وجود ظرف طارئ يجعل من المتعذر على المجلس الوطني التاسيسي ممارسة وظيفته التشريعية بصورة عادية‪.‬‬‫ يصوت المجلس الوطني التاسيسي باغلبية اعضائه على تحقق هذا الشرط مما يعني ان تقدير الظرف الطارئ والعجز عن‬‫ممارسة النشاط يخضعان لتقدير مطلق العضاء المجلس الوطني التاسيسي‪.‬‬
‫ يفوض المجلس الوطني التاسيسي بناء على التصويت للرؤساء الثالث كل او جزء من الوظيفة التشريعية ضمانا لتواصل‬‫العمل التشريعي وتواصل دواليب الدولة‬
‫ يمارس الرؤساء الثالث الصالحيات التشريعية بالتوافق ويصدرون بالمناسبة مراسيم‪.‬‬‫ عند انتها ء موجبات التفويض يجتمع المجلس الوطني التاسيسي بدعوة من رئيسه او من ثلث اعضائه لوضع حد للتفويض‬‫باالغلبية من االعضاء ثم ينظر في المراسيم الصادرة عن الرؤساء الثالث ليصادق عليها او يعدلها او يلغيها‪.‬‬
‫أما حسب أحكام دستور ‪ 2014‬و بالرجوع للفصل ‪ 70‬نتبين أنه لرئيس الجمهورية و في حال حل السلطة التشريعية‪ ،‬أن‬
‫يصدر مراسيم بالتوافق مع رئيس الحكومة تعرض وجوبا على مصادقة السلطة التشريعية في الدولة العادية التالية النتخاب مجلس‬
‫نيابي جديد‪.‬‬
‫و حسب نفس الفصل يمكن لمجلس نواب الشعب أن يفوض بأغلبية ثالثة أخماس اعضائه و بقانون لمدة معينة و محدودة ال‬
‫تتجاوز الشهرين و لغرض معين ‪ ،‬إلى رئيس الحكومة إصدار مراسيم تدخل في مجال القانون و تعرض وجوبا حال انقضاء أجل‬
‫الشهرين على مصادقة المجلس‪.‬‬
‫و دائما حسب نفس الفصل يستثنى النظام الداخلي من مجال المراسيم‪.‬‬
‫واضح أن المراسيم هى الحل لتالفي غياب الب رلمان و ضمان تواصل العمل التشريعي داخل الدولة‪ .‬هذه المراسيم اتفق‬
‫الغالب من الفقه على طبيعتها الترتيبية قبل المصادقة و طبيعتها التشريعية بعد المصادقة‪ .‬هذه المصادقة الحقة قد تطرح مشاكل‬
‫عملية في حال رفضها من قبل مجلس نواب الشعب والحال أنه وقع الشروع في تنفيذها و تمخضت عنها نتائج قانونية‪ .‬ولهذا يمكن‬
‫القول بأن المصادقة المجعولة أصال لمراقبة البرلمان للسلطة التنفيذية حتى ال تتعسف في إصدار المراسيم‪ ،‬قد تكون عمليا شكلية ال‬
‫غير‪.‬‬
‫و إذا أصبحت للمراسيم الطبيعة التشريعية تتخذ مكانتها بحسب موضوعها إن كان من موضوعات القوانين األساسية أو‬
‫العادية‪.‬‬
‫د‪ -‬األنظمة الداخلية للمجالس النيابية ‪:‬‬
‫يمثل النظام الداخلي للبرلمان نصا قانونيا ينظم العمل الداخلي للمجالس النيابية ببيان طرق سيرها وتنظيمها الداخلي‬
‫واإلجراءات التي تعتمدها‪ .‬في هذا اإلطار وفي خصوص النظام الداخلي للمجلس الوطني التاسيسي فقد اعدته لجنة خاصة صلب‬
‫المجلس وقع انتخابها بتاريخ ‪ 2012/11/23‬وهى لجنة النظام الداخلي ثم عرض على الجلسة العامة للمجلس التأسيسي للنقاش لتقع‬
‫المصادقة عليه باالجماع بتاريخ ‪ 20‬جانفي ‪ .2012‬و من اهم ما جاء فيه احكاما تتعلق بتنظيم افتتاح جلسات المجلس الوطني‬
‫التاسيسي‪ ،‬احكاما تتعلق بسير عمليات االنتخاب داخل المجلس‪ ،‬احكاما تتعلق بمختلف هياكل المجلس مكتب المجلس‪ ،‬اللجان‬
‫التشريعية والتاسيسية والخاصة والجلسة العامة وغيرها واختصاصاتها‪ ،‬احكاما قصد حفظ النظام داخل الجلسة العامة‪ ،‬احكاما تتعلق‬

‫قانون دستوري ‪ :‬توفيق الغناي‬

‫نائل سليماني‬

‫بالنظر في مشاريع القوانين وفي مشروع الدستور‪ ،‬احكاما تتعلق بوسائل مراقبة العمل الحكوميا احكاما تتعلق بحصانة النواب‬
‫واحكاما تتعلق بالوضعية االدارية والمالية للمجلس الوطني التاسيسي‪.‬‬
‫من ه نا نستخلص ان النظام الداخلي للمجلس الوطني التاسيسي تنظيم داخلي للمجلس ولكنه ينظم عالقاته ببقية اطراف‬
‫السلطة السياسية وهو ما يكسيه بالطبيعة الديتورية من حيق الموضوع ويجعله مكمال ومفسرا للتنظيم المؤقت للسلط العمومية بل اكثر‬
‫من ذلك لقد تجاوز هذا االخير من حيث انه نظم وسائل لمراقبة الحكومة من قبل المجلس الوطني التاسيسي لم ترد ضمن التنظيم‬
‫المؤت للسلط العمومية وهنا يكون فعال مصدرا للقانون الدستوري‪.‬‬
‫هذا هو المنتظر من مضمون النظام الداخلي الذي سيضعه مجلس نواب الشعب عند مباشرة مهامه‪.‬‬
‫هـ‪ -‬اللوائح و التراتيب ‪:‬‬
‫هي نصوص قانونية تصدر عن الجهاز التنفيذي للدولة (السلطة التنفيذية ‪ +‬أجهزة أخرى تابعة لها الحكومة‪ ،‬الوالة‪ ،‬رؤساء‬
‫البلديات‪ )....‬ونعنى به السلطة التنفيذية وتوابعها داخل العاصمة وخارجها‪.‬‬
‫وتصنف هذه النصوص إلى ‪ 3‬أصناف ‪:‬‬
‫* األوامر ‪ :‬كانت في ظل دستور ‪ 1959‬تصدر عن رئيس الجمهورية في مجاالت اختصاصه وتتفرع إلى أوامر‬
‫فردية تتوجه الى األشخاص بذواتهم وأخرى ترتيبية ألنها عامة ومجردة‪ .‬ويمكن لألوامر الترتيبية خاصة أن تكون مصدرا‬
‫للقانون الدستوري من ذالك األمر ‪ 400‬المؤرخ ‪ 7‬نوفمبر ‪ 1969‬والذي أحدث الوزارة األولى‪ ،‬في حين لم يكن الدستور قبل‬
‫تعديله سنة ‪ 1976‬ينص عليها وكذالك األمر عدد ‪ 1414‬المؤرخ في ‪ 1987/12/16‬والقاضي بإحداث المجلس الدستوري‪.‬‬
‫و مع القانون التاسيسي عدد ‪ 6‬لسنة ‪ 2011‬اصبحت االوامر بصنفيها تصدر عن رئيس الحكومة المؤهل بنفس المناسبة‬
‫بتعديل كل االوامر التي صدرت سابقا عن رئيس الجمهورية الذي اصبح يتخذ قرارات جمهورية يمكن ان تكون فردية وهو‬
‫الغالب ولكن ايضا ترتيبية احيانا‪.‬‬
‫أما في ظل دستور ‪ 2014‬فقد وقع التمييز بين األوامر الرئاسية الصادرة عن رئيس الجمهورية في مجاالت تدخله كما‬
‫حددها الدستور و األوامر الحكومية وهى إما فردية أ و ترتيبية والتي تصدر عن رئيس الحكومة كذلك في مجال تدخله علما وأن‬
‫رئيس الحكومة بموجب الدستور الجديد هو المؤهل لممارسة السلطة الترتيبية العامة المستقلة بمعنى اتخاذ أوامر ترتيبية خارج‬
‫مجاالت النصوص التشريعية‪.‬‬
‫* القرارات ‪ :‬قد تصدر عن الوزراء أو رؤساء البلديات أو الوالّة أو المجالس البلدية والجهوية وغيرها من مكونات‬
‫وتوابع السلطة التنفيذية‪ .‬وهةى إما ترتيبية أو فردية‪ .‬وقد تكون كذلك مصدرا للقانون الدستوري إذا تعلقت بأحد موضوعاته ومن‬
‫ذالك القرار والمتعلق بقبول أو رفض تأسيس حزب سياسي أو قرار بقبول أو رفض عقد اجتماع سياسي‪.‬‬
‫* المناشير‪ :‬تعتبر من وثائق العمل الداخلية لإلدارة فدورها هو تفسير كيفية تنفيذ القوانين من قبل أعوان اإلدارة‬
‫وتوجه إليهم عادة‪ .‬فدورها المبدئي التفسير ولهذا فهي ال تعد من حيث المبدأ مصدرا للقانون عموما وللقانون الدستوري خصوصا‬
‫إال إذا أضافت على محتوى النص موضوع التفسير وفي هذه الحالة تنقلب إلى مناشير ترتيبية وتصبح مصدرا للقانون ‪.‬‬
‫و‪ -‬اإلعالنات الدستورية‪:‬‬
‫هي بيانات سياسية تصدر عقب انقالب سياسي أو عسكري يقطع مع الشرعية الدستورية القائمة ويعد بنظام جديد يعلن عنه‬
‫كليا أو جزئيا داخل البيان السياسي ومن ذلك في تونس إعالن الجمهورية بتاريخ ‪ 25‬جويلية ‪ 1957‬الذي ألغي الملكية وأعلن قيام‬
‫نظام جمهوري‪ .‬كذلك يمكن القول أن بيان ‪ 7‬نوفمبر ‪ 1987‬مثل مصدرا للقانون الدستوري لتأكيده إلغاء الرئاسة مدى الحياة والخالفة‬
‫اآللية للوزير األول كذلك بيان رئيس الجمهورية المؤقت بتاريخ ‪ 2011/3/3‬الذي صرح من خالله بتوقيف العمل بدستور ‪1959‬‬
‫وضرورة انتخاب مجلس وطني تأسيسي لوضع دستور جديد لتونس يجسد مبادئ الثورة ‪.‬‬
‫الفقرة الثانية ‪ :‬المصادر الغير مكتوبة‪:‬‬
‫يمكن أن نميز بين المصادر العرفية والمصادر غير العرفية أو التفسيرية‪.‬‬
‫‪ -I‬المصادر العرفية ‪:‬‬
‫المقصود مجموع القواعد القانونية غير المدونة والتي تنشأ بتوفر أركان العرف وتهتم بموضوعات القانون الدستوري‪.‬‬
‫ونالحظ أن العرف ظل المصدر األساسي للقانون الدستوري حتى القرن ‪ 18‬حيث برزت فكرة تدوين الدساتير مع دستور الواليات‬
‫المتحدة األمريكية ثم مع انتشار التدوين الحقا لذلك التاريخ‪.‬‬

‫قانون دستوري ‪ :‬توفيق الغناي‬

‫نائل سليماني‬

‫وال بد من التمييز بين الدستور العرفي وهو دستور غير مكتوب وال يحتاج إلى دستور مكتوب إلى جانبه‪ ،‬والعرف‬
‫الدستوري وهو قاعدة قانونية تهتم بموضوعات القانون الدستوري وغير مكتوبة ولكنها تتواجد في دول تمتلك دساتير مكتوبة فهي‬
‫تتواجد بالضرورة إلى جانب الدستور المكتوب‪ .‬ذلك أنه وبالرغم من اعتماد جل الدول اليوم على دساتير مكتوبة فان انتشار التدوين‬
‫لم يلغ تواجد أعراف دستورية ألن النصوص القانونية ال يمكن أن تحيط بكل شيء عالوة أن على ديناميكية الحياة السياسية وتغيرها‬
‫السريع يجعل من ا ألحداث تتجاوز وضع النص أحيانا مما يمكن العرف بما يتميز به من بساطة في البروز من التواجد قصد سد هذا‬
‫الفراغ‪ .‬بصفة عامة يمكن أن نعرف العرف الدستوري على أنه قاعدة قانونية غير مدونة تهتم بموضوعات القانون الدستوري تنشأ‬
‫بإتباع السلطات السياسية داخل الدولة لسلوك م عين تستقر عليه مما يكسيه بنوع من اإللزامية التي تأهله للتواجد ضمن القواعد‬
‫القانونية داخل الدولة‪.‬‬
‫هكذا ينشأ العرف الدستوري ولكن أيضا الدستور العرفي من تالقي ركنين أحدها مادي واآلخر معنوي ليلعب العرف‬
‫الدستوري إلى جانب الدستور المكتوب أدوارا ثالثة قابلة للنقاش‪.‬‬
‫أ‪ -‬أركان العرف الدستوري ‪:‬‬
‫نميز بين الركن المادي والركن المعنوي ‪:‬‬
‫الركن المادي ‪ :‬عادة مستقرة‪،‬‬
‫ينشأ العرف عن تواجد عادة أي سلوك تتبعه السلطة السياسية ويتصف بجملة من الخصائص‪:‬‬
‫التكرار و االطراد‪ :‬فإتباع السلطة السياسية لتصرف مرة واحدة ال يمكن أن يمهد لعرف فالتكرار يعكس‬
‫‪‬‬
‫االستقرار على ذالك التصرف والرضاء به فالتصرف الوحيد يمكن أن يعد سابقة ألنه مستحدث ولكنه ال يمكن أن‬
‫ينقلب بذاته لعرف إال إذا استقرت على إتباعه السلطة السياسية مرتين على األقل حسب الراجح لدى الفقهاء وكما‬
‫أكدته المحكمة الفيدرالية السويسرية سنة ‪.1917‬‬
‫‪ ‬العمومية‪ :‬تعنى أن يقع إتباع تصرف من قبل كل السلطات السياسية التي يهمها موضوعه وبذلك نفهم أنه محل‬
‫اجتماع األغلبية إن لم يكن توافق الكل‪ .‬فالتصرف الشاذ الذي لم يلق القبول يعد موضوع احتجاج ورفض صريح‬
‫أو ضمني لمجرد عدم إتباعه‪ .‬ومن هذا القبيل رفض الرئيس الفرنسي " ديغول" سنة ‪ 1960‬دعوة البرلمان‬
‫لالنعقاد تطبيقا للفصل ‪ 29‬من الدستور‪ .‬بحيث القى هذا الرفض احتجاج الغالبية البرلمانية وهو ما لم يسعفه‬
‫ليكون عادة ممهدة للعرف الدستوري‪.‬‬
‫‪ ‬االستقرار والثبات‪ :‬يشترط في العادة الممهدة للعرف أن تستقر في الزمان بحيث تتبع دون انقطاع طويل ألن‬
‫االنقطاع وعدم االستقرار يعكس التذبذب حيالها وحتى رفضها أو على األقل عدم االقتناع بها‪ .‬على أن الفقه لم‬
‫يحدد مدة زمنية محددة تتواصل خاللها العادة إلتباع العرف والرأي الغالب‪ ،‬تواصل التصرف لمد معقولة تختلف‬
‫من تصرف إلى آخر بحسب موضوعه‪.‬‬
‫‪ ‬الوضوح ‪ :‬البد أن تكون العادة المتبعة واضحة في مختلف خصائصها وتفاصيلها ومكوناتها تجنبا لغموض يبرر‬
‫كثرة التأويالت واالختالفات مما قد يولد االحتجاج والرفض‪.‬‬
‫‪ -2‬الركن المعنوي أو الركن النفساني ‪:‬‬
‫ويتمثل في حصول قن اعة لدى الجهات التي استقرت على تلك العادة بإلزامية إتباعها‪ .‬إن هذا الركن المعنوي ضروري‬
‫ليرتقي بالعادة إلى عرف بمعنى قاعدة قانونية وهي نتيجة منطقية لما سلف من شروط أو مميزات‪ .‬هكذا إذن ينشأ العرف الدستوري‬
‫والدستور العرفي‪.‬‬
‫إال أن هذا األخير يتواجد إلى جانب نصوص قانونية أخرى مكتوبة أدنى منه درجة ألنه دستور‪ ،‬أما العرف الدستوري‬
‫فيتواجد الى جانب الدستور المكتوب ليكون أدنى منه درجة وهنا نتساءل عن موقعه إذا دخل المنظومة القانونية للدولة‪.‬‬
‫ب‪ -‬موقع العرف الدستوري داخل المنظومة القانونية للدولة ‪:‬‬
‫ذهب بعض الفقهاء إلى إنكار كل قيمة قانونية للعرف معتبرين النص المكتوب المصدر الوحيد للقانون عموما وللقانون‬
‫الدستوري خصوصا ومن هؤالء الفقيه "كاري دي مالبارق" وغيره ممن فاعتبروا العرف مجرد قواعد آداب ال يمكن أن توصف‬
‫بالقواعد القانونية‪ .‬هذا التوجه لم يحض بإجماع الفقهاء فالرأي الغالب مع الطبيعة القانونية للعرف الذي يلعب أدوارا ‪ 3‬إلى جانب‬
‫الدستور المكتوب كانت في مجملها عرضة للنقاش‪.‬‬
‫‪ -1‬العرف المفسر ‪ :‬دوره فقط توضيح ما يشوب الدستور المكتوب من غموض فهو ال يضيف جديدا على الموجود صلب‬
‫الدستور‪ ،‬وهو بذلك يتمتع بنفس القيمة القانونية للدستور‪ ،‬كما ذهب إلى ذلك الفقيه "مورس ديفرجيه" ‪:‬‬
‫‪"La coutume interprétative fait corps avec la constitution écrite qu’elle interprète, elle‬‬
‫" ‪possède la même valeur juridique‬‬

‫قانون دستوري ‪ :‬توفيق الغناي‬

‫نائل سليماني‬

‫ومن األمثلة التقليدية للعرف المفسر منح رئيس الجمهورية الفرنسية سلطة إصدار التراتيب تفسيرا لمحتوى الفصل ‪ 3‬من‬
‫دستور ‪ 1875‬الذي منحه صراحة سلطة تنفيذ القوانين دون توضيح إضافي‪.‬‬
‫‪ -2‬العرف المكمل ‪ :‬ينشأ هذا العرف ليكمل نقصا في محتوى الدستور المكتوب‪ ،‬ومن أمثلة ذلك في تونس العرف المكمل‬
‫للفصل ‪ 42‬من دستور ‪ 1959‬الملغى والمتعلق باليمين الذي يؤديها رئيس الجمهورية‪.‬‬
‫وجد هذا العرف منذ ‪ 1861‬وتمثل في أن يتلو الرئيس اليمين واضعا يده اليمنى على المصحف الشريف‪ .‬أما عن القيمة‬
‫القانونية لهذا العرف المكمل فقد أقر جل الفقهاء أن له نفس قيمة الدستور‪ ،‬وبما انه ال يتعارض معه بل انه بدوره التكميلي وكأنه‬
‫يفسر سكوت الدستور المكتوب‪ ،‬إال أن المحكمة اإلدارية بتونس في قضية "فاطمة بنت بشير ضد الوزير األول بتاريخ‬
‫‪ 1990/12/11‬رفضت أن يكمل العرف قاعدة قانونية مكتوبة وقد يكون في هذا الموقف الرافض ما يبرره بالنظر إلى أن القواعد‬
‫الدستورية تمس بحقوق وحريات األفراد عادة وال معنى إلنشاء مثل هذه الحقوق بقواعد عرفية يصعب التمسك بها وإثباتها عالوة‬
‫على أن العرف ينشأ بمرور زمن قد يسمح طوله بتعديل الدستور قصد إكمال ما به من نقص وهو تعديل يخضع بالضرورة ألحكام‬
‫مادية وإجرائية وضعها الدستور صراحة وال معنى لمخالفها بمجرد عرف‪.‬‬
‫‪ -3‬العرف المعدل‪ :‬هـو الذ ي يدخل تعديال أي تغييرا على محتوى الدستور المكتوب بإضافة أحكام جديدة أو بحذف ما تم‬
‫إقراره ومن قبيل العرف المعدل باإلضافة استقرار السلطة التنفيذية الفرنسية خالل المدة ‪ 1948‬و ‪ 1957‬على اتخاذ مراسيم دون أن‬
‫تكون قد فوضت صراحة لهذا الغرض صلب دستور ‪ .1946‬ومن أمثلة العرف المعدل استقرار الرئيس الفرنسي على االمتناع عن‬
‫ممارسة صالحية حل البرلمان بالرغم من أن دستور ‪ 1958‬صرح بها‪.‬‬
‫إن العرف المعدل يمكن أن يضر بقدسية الدستور وعلويته وتبعا لذلك قد يضر بالتوازنات الضرورية بين السلطة والحرية‬
‫ولكن بعض الفقهاء أقر له نفس مرتبة الدستور المكتوب معتبرين أن العرف نتاج ضمير الجماعة التي تعود لها السلطة وتعلو‬
‫إرادتها إرادة بقية السلط التي تسن القوانين بما في ذلك تلك التي وضعت الدستور ومن هذا االتجاه الفقيه "موريس ديفرجيه"‪.‬‬
‫إال أن فريقا آخر من الفقهاء ينكرون على العرف المعدل كل قيمة قانونية ألنه يتعارض مع إرادة السياسية التأسيسية‬
‫االصلية التي وضعت الدستور والتي تتميز بالعلوية مقارنة بباقي السلطات التي أسسها الدستور نفسه والتي ستمارس عادات مخالفة‬
‫لهذا الدستور لتنشأ بتراكمها وتواترها أعراف مخالفة هي األخرى للدستور‪ .‬وال يمكن أن يعتبر ذلك نتاج ضمير األمة ألنه نتاج إرادة‬
‫السلطة السياسية التي ال تعتبر به وبالضرورة عن ضمير الجماعة كما أنه ال يعبر عن مجرد تأويل ألحكام الدستور المكتوب ألنه‬
‫يعارضها بالزيادة ويلغيها كليا أو جزئيا وهو ما يتعارض مع اإلجراءات التي يقرها الدستور صراحة ومسبقا قصد تعديله أو إلغائه‬
‫وهو ومن هذا التوجه نذكر الفقيه "جورج بيردو"‪.‬‬
‫‪ -II‬المصادر التفسيرية ‪:‬‬
‫ونعني المصادر التي دون أن تنشأ قاعدة قانونية تتعامل مع القواعد الموجودة بالتفسير والتعديل والتطبيق لتكون أحيانا‬
‫مصدر إلهام للمشرع‪ ،‬وهنا نميز بين الفقه وفقه القضاء‪.‬‬
‫أ‪ -‬الفقـــه ‪:‬‬
‫دور الفقهاء هو دراسة النصوص القانونية وشرح محتوياتها وبيان نقائصها والدعوة بالتالي لتعديلها أو إثرائها وهذه‬
‫الدعوات قد يستلهم منها المشرع الدستوري بعض القواعد القانونية ومن ذلك مثال " مبدأ الفصل بين السلط" الذي يعود إلى اجتهادات‬
‫خاصة "مونتسكو" و مبدأ سيادة الشعب الذي بلوره ج‪.‬ج‪.‬روسو وهى مبادئ تأخذ بها صراحة جل الدساتير في العالم وتبلور من‬
‫خاللها طبيعة نظامها السياسي‪.‬‬
‫ب‪ -‬فقه القضاء ‪: la jurisprudence‬‬
‫يعني مجموعة األحكام القضائية التي تمثل حلوال استقر عليها القضاء واستنبطها باجتهاده في غياب نص قانوني صريح‪.‬‬
‫هذه الحلول القضائية يمكن كذلك أن تلهم المشرع ليتبناها صراحة ففي الواليات المتحدة األمريكية ظهرت رقابة دستورية‬
‫القوانين عن طريق الدفع باجتهاد من القاضي "مارشال" في قضية "ماربوري" ضد "ماديسون" سنة ‪.1803‬‬
‫إن الحديث عن فقه القضاء بمثل هذا الدور في مجال القانون الدستوري يتطلب قضاءا دستوريا مستقال وقضاة على قدر من‬
‫الجرأة للمساهمة في تطوير القانون الدستوري من خالل البحث وكلما سمحت الفرصة في مختلف معطياته األساسية‪.‬‬
‫الباب االول‪ :‬الدستــــــور‬
‫هو مصدر ولكنه مصدر مميز للقانون الدستوري بل هو أهم المصادر التي تنظم السلطة و الحرية داخل الدولة ومن هنا‬
‫سنتولى دراسته من خالل تعريفه‪ ،‬مراحل حياته و موجبات وسبل حماية‪.‬‬
‫الفصل األول‪ :‬تعريف الدستور‬

‫قانون دستوري ‪ :‬توفيق الغناي‬

‫نائل سليماني‬

‫ظهرت الدساتير وتطورت وهو ما انعكس على مفهومها حيث ثار جدل حول معايير تعريفها (الفرع األول) واختلفت الخيارات في‬
‫خصوص أصنافها (الفرع الثاني)‪.‬‬
‫الفرع األول‪ :‬تعدد معايير تعريف الدستور‪:‬‬
‫نميز عادة في هذا المستوى بين المعيار الشكلي والمعيار المادي وكل منهما يقبل النقاش ليفترض التكامل بينهما‬
‫الفقرة االولى‪ -‬المفهوم الشكلي للدستور‬
‫من هذه الزاوية تعرف الدساتير على أنها تلك الوثيقة التي تنعت بالدستور تضعها وتعدلها هيئة مختصة تسمى السلطة التأسيسية‬
‫األصلية وفقا إلجراءات متميزة تميزها عن باقي القوانين داخل الدولة تتميز هكذا بالعلوية الشكلية بهدف تنظيم السلطة السياسية‬
‫وعالقتها بالفرد داخل الدولة‪.‬‬
‫إن لهذا التعريف الشكلي عديد المبررات أهمها انتشار ظاهرة تدوين الدساتير ودورها في ضمان الحرية وتنظيم السلطة‬
‫حتى أن الفقه التقليدي انتهى الى الربط بين القانون الدستوري والدستور إال أن هذه المبررات ال يمكن أن تحجب سلبيات ونقائص‬
‫هذا التعريف الشكلي والتي سبقت اإلشارة إليها صلب مقدمة هذا الدرس ونضيف إليها أن علوية الدستور ومهما كانت مزاياها فهي‬
‫ميزة للدستور وليست عنصرا من عناصر تعريفه‪ ،‬عالوة على أنها ال تهم الدساتير العرفية و المرنة وقد تكون هناك احكام اعلى من‬
‫الدستور بمنطوق الدستور نفسه‪ .‬أمام هذه االنتقادات كان لزاما اعتماد مفهوم مادي‪.‬‬
‫الفقرة الثانية‪ -‬المفهوم المادي للدستور ‪:‬‬
‫حسب هذا المفهوم‪ ،‬فان الدستور عبارة عن مجموعة من القواعد القانونية التي تنظم السلطة السياسية في عالقتها بالحرية‬
‫داخل الدولة بقطع النظر عن شكلها وعن إجراءات وضعها أو تعديلها‪ .‬هذا التعريف يتجاوز سلبيات التعريف الشكلي‪ ،‬إال أن عيبه انه‬
‫يفضي الى إقرار ضمني بالتطابق بين القانون الدستوري والدستور والحال ان العالقة بينهما عالقة الكل بالجزء على اعتبار أن‬
‫القانون الدستوري يستوعب الدستور ويتجاوزه عالوة على ان الدستور قد يتضمن قواعد ال عالقة لها بالقانون الدستوري من حيث‬
‫الموضوع كما سبقت دراستها‪ .‬نضيف إل ى كل هذا أن تعريف المواد التي تعتبر دستورية بطبيعتها ليس من المسائل الهينة أحيانا وال‬
‫أدل على ذلك من الجدل حول بعض المسائل داخل المجلس الوطني التاسيسي بمناسبة اعداد مشروع الدستور على غرار بعض‬
‫االحكام المتعلقة باالحوال الشخصية وقانون العائلة او تجريم التطبيع مع الكيان الصهيوني‪.‬‬
‫إن نقائص المعيارين الشكلي والمادي في النهاية القول بأن تعريف الدستور يمر عبر التقاء المفهومين الشكلي والمادي مما يعكس‬
‫التواجد المتنوع للدستور في واقع الدول‪.‬‬
‫الفرع الثاني‪ :‬أصناف الدساتير‬
‫تختلف الدساتير من حيث مصدر أحكامها فنميز بين الدساتير العرفية والدساتير المكتوبة ‪،‬ومن حيث طبيعة إجراءات‬
‫بالنسبة للدساتير المكتوبة (تسمى الدستور ‪ /‬القانون األساسي‪ /‬العهد‬
‫وضعها وتعديلها فنميز بين الدساتير المرنة والجامدة‪.‬‬
‫األساسي)‪ ،‬توضع وتعدل وفقا إلجراءات شكلية وهي الصورة الغالبة اليوم بعد أن انتشرت ظاهرة تدوين الدساتير تأثرا بأفكار فلسفية‬
‫وسياسية تمحورت حول ايجابيات الشكل الكتابي بالرغم من بعض المعارضة‪.‬‬
‫أما الدساتير العرفية فغير مكتوبة تنشا وتعدل دون حاجة إلجراءات شكلية بل تستوجب توفر أركان العرف كما سبقت‬
‫دراستها‪.‬‬
‫إن التميز اإلجرائي للدستور المكتوب مقارنة بالدستور العرفي ولكن أيضا بالمقارنة مع القواعد القانونية االخرى داخل الدولة يبرر‬
‫نعته بالدستور الجامد في مقارنة بالدستور المرن الذي إما أن يكون عرفيا أو مكتوبا ولكنه يعدل بنفس إجراءات تعديل القوانين‬
‫العادية األخرى داخل الدولة ومن أمثلة الدستور المرن دساتير فرنسا ‪ 1814‬و ‪ 1830‬والدستور السوفياتي ‪ 1918‬وايرلندا ‪.1922‬‬
‫إن مرونة الدستور تمكن من تعديله بسهولة وبسرعة تتماشى و تطور األحداث مما يمكنه من مجاراة نسقها‪ .‬إال أن هذه المرونة تفقد‬
‫الدستور االستقرار وال تضع أحكامه في مأمن من التعديالت المتكررة والتي قد تجانب حماية الحرية‪ .‬أما جمود الدستور ومن‬
‫أنصاره جون جاك روسو فيضمن نوعا ما من استقرار الدساتير ويضفي على الدستور علوية وقدسية تحمي ما بداخله من أحكام وفي‬
‫المقابل فان نفس هذا الجمود قد يقطع بين الدستور و الواقع المتغير بسرعة مما يشجع ظاهرة األعراف الدستورية ويفسر التناقض‬
‫بين المكتوب والممارس‪.‬‬
‫الفصل الثاني‪ :‬مراحل حياة الدستور‬
‫ونعني النشأة والتعديل والنهاية‪.‬‬
‫الفرع‪ :1‬نشأة أو وضع الدساتير‪:‬‬
‫كنا تعرضنا سابقا لنشأة الدساتير العرفية لهذا سنركز هنا على وضع الدساتير المكتوبة لنبين خصائصه قبل دراسة وضع‬
‫الدستور التونسي‪.‬‬
‫الفقرة األولى‪ :‬خصائص وضع الدستور‬
‫تتمحور هذه الخصائص حول السلطة المكلفة بوضع الدستور وأساليب الوضع‪.‬‬
‫أ‪ -‬خصائص السلطة المكلفة بوضع الدستور ‪ :‬يوضع الدستور من قبل السلطة التأسيسية األصلية التي تتميز تقليديا‬
‫بالخصائص التالية‪:‬‬
‫ سلطة منتخبة‪ :‬هذه الخاصية‪ ،‬و كلما كانت االنتخابات ديمقراطية ( عامة‪ ،‬حرة‪ ،‬نزيهة‪ ،‬مباشرة و شفافة)‪ ،‬مهمة ألنها تمنح السلطة‬‫التأسيسية مشروعية شعبية تؤهلها لتمثيل الشعب و تمهد لبقية خصائصها و تمنح الدستور الحقا مشروعية تيسر قبوله واحترامه‪ .‬هذا‬
‫يفترض أن تضع السلطة التأسيسية الدستور بطريقة ديمقراطية يفترض فيها التعددية و التشاركية كما وضع دستور ‪ 2014‬في تونس‬

‫قانون دستوري ‪ :‬توفيق الغناي‬

‫نائل سليماني‬

‫و يفترض خاصة أن يتضمن الدستور مبادئ النظام السياسي الديمقراطي و خاصة إقرار و حماية الحقوق والحريات‪ ،‬ضمان الفصل‬
‫المتوازن بين السلط‪ ،‬تصور سلطة قضائية مستقلة و ناجعة و تمكين الشعب من المشاركة في تسيير الشأن العام في إطار ما يعرف‬
‫اليوم بالديمقراطية التشاركية‪.‬‬
‫ السلطة األولى ‪ :‬يوضع الدستور عادة عند ميالد دولة باالستقالل أو بانفصالها عن دولة أخرى أو اتحاد دول في شكل فدرالي أو‬‫عند إلغاء الدستور القائم والقطع مع الشرعية الدستورية التي كان يتضمنها بمفعول الثورة قصد إحالل شرعية دستورية أخرى محلها‬
‫عن طريق دستور جديد‪ .‬إن مختلف هذه المبررات لوضع الدستور تبرر أيضا اعتبار السلطة التأسيسية األصلية أولى ألنها ستضع‬
‫الدستور في نسخته األصلية و تؤسس من خاللها لوجود كل سلطات الدولة‪ ،‬ولهذا فهي السلطة المؤسسة مقابل السلطات المؤسسة‬
‫على غرار السلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية‪.‬‬
‫إن اعتبار السلطة ا لتأسيسية أولى يعني أن دورها المبدئي هو دور تأسيسي أي فقط وضع الدستور والنتيجة اآللية انقضاء وجودها‬
‫بالفراغ من هذه المهمة إال انه حصل أن تجاوزت السلطة التأسيسية األصلية هذه الصالحية المبدئية لتقوم بوظائف أخرى فالجمعية‬
‫التأسيسية األصلية بالجزائر صاغت دستور ‪ 1976‬وعينت حكومة مؤقتة ومارست مؤقتا صالحيات تشريعية وهى الحال بالنسبة‬
‫للمجلس الوطني التأسيسي الذي تكفل بوضع دستور ‪ 2014‬في تونس حيث و عالوة على العمل التأسيسي مارس مهام أخرى‬
‫تشريعية و أسس السلطات المؤقتة و مارس عليها الرقابة‪.‬‬
‫ سلطة عليا ‪ :‬هذه الخاصية نابعة من الخاصية السابقة فاعتبارها أولى ومؤسسة فهي أعلى من باقي سلطات الدولة وتتجسد علويتها‬‫من خالل إرادتها المضمنة صلب الدستور والتي تنشا باقي السلطات وتنظمها هيكليا ووظيفيا وتضع لها أحكاما تلزمها هيكليا‬
‫ووظيفيا‪.‬‬
‫ سلطة مطلقة ‪ :‬يعني أنها تتمتع بحرية في صياغة نص الدستور فال تتقيد من حيث المبدإ بأحكام قانونية تسبقها ولو أنها ترتبط بإطار‬‫وضع الدستور االقتصادي واالجتماعي و االيديولوجي و السياسي على غرار استحقاقات الثورة بالنسبة للمجلس الوطني التأسيسي‬
‫عند وضعه لدستور ‪ .2014‬كما تتأثر بالنسق الدولي في إطار عولمة القيم الديمقراطية واالنفتاح على التجارب الدستورية األجنبية‬
‫مما يبرر التقليد والمحاكاة لهذه التجارب بما فيها من ايجابيات وسلبيات قد تتعارض مع خصوصيات الدول‪ .‬و يمكن للسلطة‬
‫التأسيسية أن تتقيد ذاتيا على غرار المجلس القومي التأسيسي في تونس والذي تقيد في وضع دستور ‪ 1959‬بقرار إعالن الجمهورية‬
‫الذي أصدره بتاريخ ‪.1957/7/25‬‬
‫ب ‪ -‬أساليب وضع الدستور ‪:‬‬
‫يتأثر وضع الدستور بإطاره الفكري والسياسي المتغير في الزمان والمكان ولهذا تنوعت أساليب وضع الدساتير وتراوحت‬
‫بين المنح كأسلوب غير ديمقراطي والعقد كأسلوب شبه ديمقراطي وأخيرا األساليب الديمقراطية‪.‬‬
‫‪ -1‬المنح أسلوب غير ديمقراطي ‪:‬‬
‫الدستور الممنوح هو الذي يهبه أو يمنحه الملك صاحب السلطان المطلق لرعيته بعد أن يكون قد أعده بنفسه أو أوكل‬
‫إعداده لشخص أو لمجموعة انتقاها ليصادق عليه في النهاية ويكسيه بالطابع اإللزامي دون أن يكون في ذلك للشعب أي دور مباشر‬
‫أو غير مباشر ودون أن يكون للديمقراطية أي مظاهر في مختلف هذه المراحل ومن أمثلة ذلك دستور فرنسا ‪ 1814‬دستور تونس‬
‫‪ 1861‬دستور اليابان ‪ 1889‬دستور مصر ‪.1923‬‬
‫إن المنح االنفرادي للدستور قد يبرر بضغوطات أجنبية أو داخلية تمارس على الملك وهذا هو الغالب كما كان حال منح‬
‫دستور تونس ‪. 1861‬كما قد يبرر بإرادة الملك الحرة وفي كل الحاالت فالدستور فقط تعبير عن إرادة الملك وهبة منه‪ ،‬له تحديد‬
‫محتواه بحرية وبما ال يحد من سلطته بل قد يدعم سلطانه كما له أن يسحبه متى شاء‪.‬‬
‫‪-2‬العقد أسلوب شبه ديمقراطي ‪:‬‬
‫تحت تأثير فلسفة العقد االجتماعي‪ ،‬اعتبر بعض المفكرين أن الدستور بمثابة العقد بين الحاكم والمحكوم يمنح للطرفين‬
‫حقوقا ويلزمهما بواجبات ولهذا ومع تدني سلطان الملوك دون أن يندثر ومع تعاظم قوة الشعوب دون أن تهيمن‪ ،‬ظهر أسلوب جديد‬
‫في وضع الدساتير بطريقة غير مباشر ة يشارك في وضعه نواب ينتخبهم يمثلونه في عملية صياغة مشروع الدستور الذي يعرض‬
‫الحقا على الحاكم للمصادقة عليه أو رفضه فتجتمع بذلك إرادة الشعب وإرادة الحكام داخل الدستور مما يعبر عن اتجاه نحو‬
‫الديمقراطية وهذا هو الحال في خصوص دساتير فرنسا ‪ 1830‬والعراق ‪ 1825‬والكويت ‪ 1860‬وهي الطريقة التي كان سيوضع‬
‫بها دستور تونس لسنة ‪ 1959‬قبل إعالن الجمهورية في ‪ 1957‬واسترجاع المجلس القومي التأسيسي كل نفوذ السلطة التأسيسية‬
‫األصلية‪.‬‬
‫ج‪ -‬األسلوب الديمقراطي‪ :‬نميز بين طريقتين الجمعية التاسيسية واالستفتاء التاسيسي‪:‬‬
‫‪ -1‬وضع الدستور عن طريق الجمعيّة التأسيسيّة ‪ :‬حسب هذه الطريقة ينتخب الشعب نوابا عنه يكونون السلطة التأسيسيّة األصليّة‬
‫نص الدّستور األصلي وإمضائه ليدخل بذلك حيز التنفيذ دون حاجة لتدخل الحاكم وهذا هو مثال دساتير‬
‫التي تقوم باسمه بصياغة ّ‬
‫الواليات المتحدة األمريكيّة ‪ 1787‬وفرنسا ‪ 1791‬و ‪ 1848‬و ‪ 1875‬واليابان ‪ 1947‬والهند ‪ 1949‬والجزائر ‪ 1963‬و سوريا‬
‫‪1950‬و تونس ‪ 1959‬و دستور ثورة ‪ 2011‬الذي صدر بتاريخ ‪.2014/1/27‬‬
‫نص الدّستور من قبل الحاكم أو من‬
‫ب‪ -‬وضع الدستور عقب إستفتاء تأسيسي ‪ :‬بموجب هذه الطريقة األكثر ديمقراطية يت ّم إعداد ّ‬
‫طرف لجنة يعينها أو ينتخبها الشعب للغرض ليعرض المشروع بعد ذلك على الشعب للمصادقة بال أو بنعم وموافقة الشعب تخول‬
‫الدّستور الدخول حيز التنفيذ أما رفضه فيفشل المشروع‪ .‬ومثال ذلك دساتير فرنسا ‪ 1793‬و ‪ 1946‬و إيرالندا ‪ 1938‬ومصر ‪1956‬‬
‫و العراق ‪.2005‬‬

‫قانون دستوري ‪ :‬توفيق الغناي‬

‫نائل سليماني‬

‫إن أسلوب االستفتاء التأسيسي مثل موضوع جدل سياسي في تونس بمناسبة وضع دستور ‪ 2014‬بين مناصر لالستفتاء و مناد به و‬
‫رافض له‪ .‬أما النصوص القانونية التي سبقت المجلس الوطني التأسيسي فاختلفت ألفاظها بين عبارة اإلعداد في األمر عدد ‪1089‬‬
‫لسنة ‪ 2011‬الذي دعا الناخبين النتخاب المجلس التأسيسي و عبارة الوضع في المرسوم عدد ‪ 35‬لسنة ‪ 2011‬المتعلق بانتخاب هذا‬
‫المجلس وجاء القانون التأسيسي عدد ‪ 6‬لسنة ‪ 2011‬ليحسم المسالة بصورة ترضي كل اإلطراف تقريبا‪ .‬فمهمة المجلس الوطني‬
‫التأسيسي صياغة مشروع الدستور وإقراره بأغلبية معينة وفي قراءتين ليعبر بذلك بنفسه عما كلفه به الشعب من وضع الدستور وإذا‬
‫لم تحصل األغلبية‪ ،‬وخالفا لوضع دستور ‪ ،1959‬يقع المرور لالستفتاء ليكون الشعب حكما حيث فشل نوابه في تحقيق نوع من‬
‫التوافق كما حدده القانون‪ .‬وهنا يصبح الدستور نافذا فقط بموافقة الشعب عليه‪ .‬فاالستفتاء يعتبر في إطار العمل التأسيسي عن تقاسم‬
‫المهام بين الشعب كسلطة ت أسيسية هي األصل وممثليه كسلطة تأسيسية مفوضة من قبله لنفس الغرض وثانوية مقارنة به مما يقيد‬
‫نفوذها‪.‬‬
‫لالستفتاء التأسيسي ايجابيات باعتباره مشاركة شعبية في السلطة وهو على خالف طريقة الجمعية التأسيسية التي تعبر أكثر‬
‫عن منطق سيادة األمة يقترب أكثر من نظرية سيادة الشعب فهو تعبير عن الديمقراطية شبه المباشرة على خالف الديمقراطية النيابية‬
‫التي تترجمها طريقة الجمعية التأسيسية‪ .‬وباعتبار أن الدستور من أهم الوسائل القانونية لالنتقال الديمقراطي فعبر االستفتاء يشارك‬
‫الشعب صاحب الثورة في االنتقال الديمقراطي من خالل مراقبته لإلطار القانوني لهذا االنتقال و من وراء ذلك يحمي مكتسبات‬
‫واستحقاقات ثورته‪ .‬ولهذا هناك شبه اتفاق على أن االستفتاء التأسيسي أكثر الطرق ديمقراطية ألنه تعبير مباشر عن إرادة صاحب‬
‫السيادة‪ .‬أما السلطة التأسيسية فتعبر في الواقع عن إرادة النواب الذين ينشطون داخلها بألوان حزبية وتوجهات إيديولوجية خاصة ال‬
‫تعبر بالضرورة عن تطلعات كل الشعب‪ .‬أما انبثاق الدستور عن الشعب فيجعله محل قبول باعتباره صار دستور كل الشعب بمختلف‬
‫أطيافه ولم يكن دستورا فرضته أغلبية سياسية معينة داخل المجلس التأسيسي الن الدستور ليس بتشريع عادي يتضمن سياسة معينة‬
‫قد تكون ظرفية بل هو إطار عام لكل التشريعات والسياسات العمومية و مفترض فيه الدوام‪.‬‬
‫ولكن االستفتاء ال يلعب هذا الدور حقيقة إال إذا كان وحوبيا كما أقرته بعض القوانين المقارنة على غرار القانون الدستوري الفرنسي‬
‫لسنة ‪ 1945‬و اإلعالن الدستوري في ليبيا لسنة ‪ 2011‬وقانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة االنتقالية لسنة ‪.2004‬‬
‫وبالرغم من هذه المزايا فقد اعتبر جانب من الفقه انه ال مبرر لالستفتاء باعتبار أن السلطة التأسيسية األصلية منتخبة من‬
‫الشعب لتعبر عن إرادته من خالل وضع الدستور كما يفهم من بعض النصوص القانونية التي مهدت لوجود المجلس الوطني‬
‫التأسيسي في تونس‪ .‬هذا الموقف مرده سلبيات االستفتاء عموما واالستفتاء التأسيسي بصفة خاصة والتي نحوصلها فيما يلي‪:‬‬
‫ فاالستفتاء التأسيسي في المطلق ال يرتبط بالضرورة بإعداد ديمقراطي لمشروع الدستور فقد يعرض على الشعب مشروع أعده‬‫ا لحاكم الفرد أو لجنة اختارها هو للغرض وهى ليست الحال في تونس اليوم باعتبار أن مشروع الدستور الدائم كلفت بصياغته اللجان‬
‫القارة التأسيسية المنتخبة صلب المجلس الوطني التأسيسي والتي تتمتع هكذا بالشرعية االنتخابية بالرغم من أن تركيبتها أفرزت‬
‫أغلبية هي المهيمنة داخل المجلس الوطني التأسيسي والحاكمة عبر السلطة التنفيذية‪.‬‬
‫ االستفتاء على الدستور مسالة تقنية وسياسية قد ال يتمكن كل الجسم االنتخابي من استغاللها عن وعى ودراية فيكون التصويت‬‫شكال مفرغا من الجوهر خاصة مع ضعف المعرفة القانونية والسياسية لدى الناخب‪.‬‬
‫ االستفت اء إجابة بال أو بنعم ال تتناغم مع عرض عدة فصول قانونية على الشعب للتصويت عليها إجماليا دون إمكانية المفاضلة بينها‬‫فاإلجابة بهذه الصيغة على نصوص قانونية متعددة ال تعبر عن حقيقة إرادة الناخب‪.‬‬
‫ إذا كانت نسبة التصويت ضعيفة لدى الناخبين بسبب النسبة المرتفعة لالمتناع عن التصويت فهنا يفقد الدستور مشروعية قبوله وقد‬‫يكون مدخال لتوتر سياسي داخل الدولة بين مؤيدي االستفتاء والرافضين له‪ .‬وتجدر المالحظة أن االمتناع عن التصويت له عدة‬
‫أسباب قد يكون من ضمنها التحريض على ذلك من قبل جهة سياسية تأمل في خلق أزمة سياسية داخل البالد قد ال يمكن التنبؤ‬
‫بنتائجها السلبية‪.‬‬
‫ في حال رفض الشعب المشروع فهذا فيه إحراج سياسي للنواب قد يجبرهم على االستقالة تلقائيا مما يفترض انتخاب مجلس‬‫لتأسيسي جديد إال إذا نص القانون صراحة على خالف ذلك ولكن قد ينص القانون على استقالة وجوبية للنواب وفي كل الحاالت‬
‫نكون أمام فراغ سياسي خطير لن يتيسر معه سياسيا تجديد التجربة بعد فشل التجربة األولى وقد يمثل ذلك انتكاسة تعيد البالد إلى ما‬
‫قبل الثورة‪.‬‬
‫ قد يوجه االستفتاء من هذا الطرف أو ذاك في اتجاه التصويت ال على مشروع الدستور بل على األشخاص داخل السلطة وبنفس‬‫ال مناسبة على األشخاص خارجها فيصبح بهذه الشخصنة استباقا لالنتخابات الرئاسية والتشريعية ويكون المدخل عادة لألنظمة‬
‫التسلطية على غرار ارتباط دستور مصر لسنة ‪ 1956‬بشخص الزعيم جمال عبد الناصر و دستور الجزائر لسنة ‪ 1976‬الذي ارتبط‬
‫وضعه بالزعيم هواري بومدين ودساتير المملكة المغربية التي ارتبطت دائما باسم الملك‪.‬‬
‫ّ‬
‫إن ديمقراطيّة اإلستفتاء التأسيسي مشروطة إذا بتجنّب شخصنة اإلستفتاء ولكن أيضا بتوفير اإلطار القانوني و الظروف الديمقراطية‬
‫لسير اإلستفتاء وهي تتمحور حول توفير كل متطلبات الحرية عند إدالء الشعب برأيه بحريّة ودون ضغوطات ماديّة أو معنويّة مع‬
‫التقيّد بإرادة الشعب ولو كانت رافضة لمشروع الدستور‪.‬‬
‫ّ‬
‫إن اتباع أسلوب ديمقراطي عند وضع الدستور من شأنه أن يضمن التعايش السلمي بين السلطة والحرية من خالل القبول بالدستور‬
‫من قبل الشعب والسلطة وتقيد الطرفين مما يصبغ الديمقراطية على نظام الحكم‪.‬‬
‫الفرع الثاني‪ :‬تعديل الدستور‪:‬‬

‫قانون دستوري ‪ :‬توفيق الغناي‬

‫نائل سليماني‬

‫يتمثل تعديل الدستور في إدخال تنقيحات أو تغييرات على أحكامه القانونية لعدة مبررات نخص بالذكر منها اقلمتها مع المتغيرات‬
‫الواقعية و التطورات العالمية في مجال تأطير الظواهر السياسية و تنظيم السلطة السياسية‪ .‬هذا يقطه مع فكرة سادت لزمن مفادها‬
‫جمود الدستور و استقراره حيث اعتقد أنصار المدرسة الدستورية زمن الثورة الفرنسية أن احكام الدستور تتصف بالكمال و تعبر‬
‫عن مبادئ راسخة ال يجوز المساس بها‪ .‬هذه الموقف يمكن تفسيره بما ساد من أهمية للدساتير لضمان الحقوق والحريات و التصدي‬
‫لالستبداد‪.‬‬
‫إال أن نفس هذا الموقف قد يكون مدخال لالستبداد الن مضامين الدساتير ليست بالضرورة ديمقراطية عالوة على ان الدستور ككل‬
‫قاعدة قانونية هى وليدة محيطها و في تفاعل متواصل معه تتحرك بتحركه لتكتسب اهميتها عمليا و تكفل له المشروعية لتي تشجع‬
‫على احترامه‪.‬عالوة ع لى أن القول بجمود الدستور يتعارض مع غرادة السلطة التاسيسية التي وضعت لدستور ولم تعبر عن كماله و‬
‫جموده صراحة‪ .‬و اخيرا فإن االقرار بجمود مطلق للدستور فيه هضم لحقوق االجيال المقبلة التي لها الحق في التغيير والتفكير‬
‫المخالف للجيل الذي سبقها و تصور تنظيما للسلطة السياسية وللعالقات بينها و معها‪.‬‬
‫إن القبول بفكرة تعديل الدستور و إن ساد فلم يكن بنفس المدى و الكيفية‪ .‬حيث اختلفت الدساتير بين القبول المفتوح والقبول المقيد و‬
‫رسمت مالمح العلوية الشكلية للدستور من خالل نظام إجرائي معقد يؤطر عملية التعديل‪.‬‬
‫الفقرة ‪ -1‬موقف الدساتير من التعديل‪:‬‬
‫تراوح الموقف داخل الدساتير بين التزام الصمت و القبول‬
‫تأويل الصمت حول إمكانية تعديل الدستور‪:‬‬
‫‪-I‬‬
‫التزمت بعض الدساتير الصمت حول مسألة تعديلها فال هى قبلت صراحة وال هى رفضت ذلك صراحة على غرار الدستور التونسي‬
‫لسنة ‪ .1861‬فكيف يمكن تأويل هذا الصمت؟‬
‫يرى البعض استنادا الى مبررات تعديل الدستور كما سبق تحليلها أن الصمت ال يمنع التعديل‪ .‬وهو التأويل الذي صدر عن استاذين‬
‫فرنسيين حول صمت دستور تونس لسنة ‪ 1861‬حيث اعتبرا ان التعديل ممكن بشرط عدم المساس بالمبادئ الدستورية الجوهرية‪.‬‬
‫هذا الموقف على أهميته ال يمكن أن يكون من وجهة نظر قانونية صائبا الن تعديل الدستور يفترض تحديدا لسلطة مختصة و‬
‫الجراءات محددة تضمن للتعديل كتصرف قانوني الشرعية الدستورية‪ ،‬ال يمكن ان يفهم من الصمت‪ .‬عالوة على صعوبة التمييز‬
‫داخل الدستور بين المبادئ الجوهرية والمبادئ غير الجوهرية‪ .‬ثم لنا ان نتساءل لماذا ال تعدل لمبادئ الجوهرية اذا حصل من‬
‫المتغيرات ما يبرر تغييرها؟‬
‫لهذا تكاد تجمع الدساتير اليوم حول االقرار لصريح بامكانية تعديلها ولكن بطرق مختلفة‪.‬‬
‫قبول التعديل‪:‬‬
‫‪-II‬‬
‫تجمع الدساتير اليوم على اقرار امكانية تعديل الدستور ولكن تراوح القبول بين المفتوح والمقيد وهذا هو الغالب لضمان استقرار‬
‫الدساتير و حماية لها من التالعب و التسرع في تغيير المكتسبات المنجرة منها‪ .‬هذا التقييد للتعديل إما أن يتعلق بظروف التعديل أو‬
‫بموضوعه‪.‬‬
‫بالنسبة للمستوى االول من التقييد يتعلق بحسب ما تنص عليه الدساتير بضرورة انتظار مدة زمنية قبل تعديل النسخة االصلية من‬
‫الدستور ضمانا الستقرار االختيارات الدستورية‪ .‬هذه المدة تختلف بين الدول على غرار ‪ 10‬سنوات من وضع دستوري فرنسا لسنة‬
‫‪ 1791‬و ‪ 1830‬و و دستور قطر لسنة ‪ 2003‬و ‪ 5‬سنوات بالنسبة للدستور الكويتي لسنة ‪ 1962‬و الدستور اليوناني لسنة ‪ 1927‬و ‪4‬‬
‫سنوات من وضع دستور البرتغال لسنة ‪.1976‬‬
‫أما في تونس فلم يتعرض دستور ‪ 1959‬و دستور ‪ 2014‬لمثل هذا القيد الذي يفسر بمحاولة ضمان حد أدنى من االستقرار لنفاذ‬
‫الدستور و خاصة حماية المكتسبات الدستورية الجديدة عند تعديل دستور حديث أو وضع دستور جديد و حتى ال يقع التعسف في‬
‫الحكم بالفشل على تلك االختيارات‪.‬‬
‫دائما بالنسبة للمستوى االول من التقييد فأحيانا تفترض بعض الدساتير ظروفا مالئمة للتعديل حتى ال يسيس وال يكون مطية لتغليب‬
‫المصالح الخاصة والضيقة التي قد تعصف ببعض المكتسبات الديمقراطية و يكون مدخال لتصفية الحسابات الحزبية بين السلطة‬
‫والمعارضة كلما تغير المشهد الحزبي داخل السلطة‪ .‬في هذا االطار يمنع الدستور الفرنسي لسنة ‪ 1958‬تعديله إذا كان تراب الدولة‬
‫تحت االحتالل‪.‬‬
‫أما في تونس فدستور ‪ 2014‬بفصله ‪ 86‬منع تعديله في حالة وجود رئيس جمهورية مؤقت عند الشغور النهائي لهذا المنصب‪.‬‬
‫بالنسبة للمستوى الثاني من تقييد التعديل تمنع بعض الدساتير أن يشمل التعديل بعض المبادئ واالحكام الدستورية التي تعتبر جوهرية‬
‫و تمثل مكسبا ال محيد عنه‪ .‬هذا الموقف قد ال يتالءم مع تطلعات كل االجيال و يعبر عن تعسف جيل على حرية تفكير و تصور‬
‫اجيال الحقة‪.‬‬
‫من هذا القبيل منع تعديل مبدأ التمثيل المتساوي للواليات داخل مجلس الشيوخ االمريكي و منع المساس بالشكل الملكي للنظام‬
‫السياسي و بالدين االسالمي في المغرب‪ .‬أما الدستور الجزائري لعام (‪ )1976‬فقد نصت المادة (‪ )195‬منه على إن أي مشروع‬
‫لتعديل الدستور ال يمكن أن يمس الصفة الجمهورية للحكم ودين الدولة واالختيار االشتراكي والحريات األساسية لألنسان والمواطن‬
‫ومبدأ التصويت عن طريق االقتراع العام المباشر والسري وال ان يمس مشروع التعديل كذلك بسالمة التراب الوطني‪ .‬ونصت الفقرة‬
‫(ج) من المادة (‪ )104‬من دستور البحرين لعام (‪ )1973‬على عدم جواز اقتراح تعديل مبدأ الحكم الوراثي وكذلك الحرية والمساواة‬
‫كما ال يجوز اقتراح تعديل المادة الثانية من الدستور التي تنص على أن دين الدولة اإلسالم‪ ،‬والشريعة اإلسالمية مصدر رئيس‬

‫قانون دستوري ‪ :‬توفيق الغناي‬

‫نائل سليماني‬

‫للتشريع‪ ،‬ولغتها الرسمية هي اللغة العربية‪ .‬ومن هذا القبيل نصت المادة (‪ )175‬من الدستور الكويتي لعام (‪ )1962‬على عدم جواز‬
‫اقتراح تعديل األحكام الخاصة بالنظام األميري للكويت وبمبادئ الحرية والمساواة المنصوص عليها في الدستور‪.‬‬
‫اما في تونس فقد منع دستور ‪ 1959‬تعديل النظام الجمهوري‪ .‬و الذي يقتضي خاصة االنتخابات الدورية لرئيس الجمهورية‪.‬أما‬
‫دستور ‪ 2014‬فوسع من الموانع المادية فال يجوز تعديل الفصل االول من الدستور والذي جاء فيه "تونس دولة حرة مستقلة ذات‬
‫سيادة االسالم دينها والعربية لغتها والجمهورية نظامها" كذلك ال يمكن تعديل الفصل الثاني الذي جاء فيه "تونس دولة مدنية تقوم‬
‫على لمواطنة و ارادة الشعب و دولة القانون" اما الفصل ‪ 49‬فمنع التعديل الذي " ينال من مكتسبات حقوق االنسان و حرياته‬
‫المضمونة في هذا الدستور"‪ .‬أما الفصل ‪ 75‬فمنع كل تعديل يرفع في عدد الدورات الرئاسية التي حددها نفس الدستور بدورتين‬
‫منفصلتين او متصلتين‪.‬‬
‫إن هذه الموانع تفرض مالحظتين األولى أنها تعكس التفاهمات السياسية التي رافقت وضع الدستور وتصور مضمونه بين مختلف‬
‫القوى الحزبية وغير الحزبية التي شاركت في في ذلك و هنا نخص بالذكر المنعين األول والثاني‪ .‬اما المالحظة الثانية فهى التوسع‬
‫في التقييد مقارنة بدستور ‪ 1959‬و مختلف الدساتير في العالم توسع يعبر عن هاجس حماية المكتسبات التي جاءت بها ثورة ‪ 2011‬و‬
‫فرضت تصورات معينة داخل الدستور الجديد‪ .‬بقي أن هذه الموانع موسعة لدرجة الغموض ولدرجة التساؤل هل بقي مجال لتعديل‬
‫الدستور الن الموانع المذكورة تجر معها حتما عدم المساس بمبادئ و احكام دستورية خارج إطار الفصول المذكورة‪.‬‬
‫الفقرة ‪ -2‬إجراءات التعديل‪:‬‬
‫تتميز إجراءات تعديل الدستور بالتعقيد والتشدد حماية للمكتسبات الدستورية و تعبيرا عن جمود الدستور و منه علويته الشكلية‪ .‬هذه‬
‫الوضعية هى الغالبة اذا استثنينا دساتير الدول االشتراكية حيث للدستور نفس مكانة القوانين االخرى و يعدل بنفس اجراءات تعديلها‬
‫فيتميز اذا مثلها بالمرونة‪.‬‬
‫هذه الخصائص تميز الدستور المكتوب عن الدستور العرفي الذي يتميز بالمرونة على مستوى وضعه ما سبقت دراسته و على‬
‫مستوى تعديله حيث يعدل بنفس مرونة وضعه‪.‬‬
‫إن إجراءات التعديل تختلف جزئيا أو كليا بين الدول لهذا سنركز على إجراءات تعديل دستور تونس لسنة ‪ .2014‬في هذا االطار‬
‫نميز بين مرحلتين‪ :‬المبادرة بمشروع التعديل و البت في المبادرة‪.‬‬
‫في كل الحاالت فالتعديل ال يتقيد من حيث الحجم فقد يشمل بعض الدستور وقد يمس مختلف أحكامه فما دامت العملية قد استندت الى‬
‫اجراءات التعديل فهى ال تمثل وضعا لدستور جديد الن اجراءات الوضع تختلف جوهريا عن اجراءات التعديل‪.‬‬
‫المبادرة بمشروع التعديل‪:‬‬
‫‪-I‬‬
‫لمن تعود المطالبة بتعديل الدستور ‪:‬‬
‫اإلجابة اختلفت بين األنظمة الدستورية‪،‬فمنهم من جعل التعديل حكرا على السلطة التنفيذية كدستور البرتغال ‪،1939‬ومنها‬
‫من منحها للسلطة التشريعية فقط كالدستور األمريكي ومنها من ابتعد أكثر من ذلك في اتجاه الديمقراطية ومنحه لعدد من أفراد‬
‫الشعب مثل دستور ايطاليا ‪ 1947‬الذي يقبل مبادرة ‪ 50‬ألف مواطن على األقل‪ .‬أما اغلب الدساتير فتوزع حق المبادرة بين السلطتين‬
‫التشريعية والتنفيذية مثل الدستور الفرنسي الحالي ‪ 1958‬والدستور البلجيكي وكذلك الدستور التونسي لسنة ‪ 1959‬الذي كان ينص‬
‫بالفصل ‪ 76‬على انه " لرئيس الجمهورية أو لثلث أعضاء مجلس النواب على األقل الحق في المطالبة بتنقيح الدستور ما لم يمس ذلك‬
‫من النظام الجمهوري للدولة"‪ .‬أما حسب الفصل ‪ 143‬من دستور ‪ " 2014‬لرئيس الجمهورية أو لثلث ألعضاء مجلس نواب الشعب‬
‫حق المبادرة باقتراح تعديل الدستور‪ .‬و لمبادرة رئيس الجمهورية أولوية النظر"‪.‬‬
‫هذا الفصل يستوجب المالحظات التالية ‪:‬‬
‫ حق المبادرة بالتعديل يحتكره رئيس الجمهورية بمفرده أو عدد من أعضاء مجلس النواب ال يقل عن ‪ 1/3‬مما يعني رفض‬‫المبادرات الفردية من جانب النواب بحثا عن الجدية وتجنبا لالنفعاالت الحربية أو الشخصية الضيقة في حين أن الجدية مفترضة في‬
‫رئيس الجمهورية‪.‬‬
‫ حق المبادرة بالتعديل يفترض من جانب النواب توفر الثلث على األقل وهى نسبة ليست بالضعيفة تجنبا لمباردات غير الجدية‬‫وليس مرتفعة تجنبا لعرقلة مبادرات النواب‪.‬‬
‫ إذا تزامنت أمان مجلس نواب الشعب مبادرة رئيس الجمهورية و مبادرة النواب تكون االولوية لمبادرة رئيس الجمهورية بحثا عن‬‫المبادرة االكثر حيادية مقارنة بدور مجلس نواب الشعب فرئيس الجمهورية يعتبر منفصال عن البرلمان و محايدا بالنسبة للنواب‬
‫مقارنة بالنواب النهم جزء من البرلمان‪.‬‬
‫ المبادرة قد تتضمن فكرة التعديل وصياغة مشروع التعديل وهو ما نفهمه ضمنيا من الفصل ‪ 143‬من الدستور التونسي على خالف‬‫بعض الدساتير األخرى مثل الدستور اللبناني الذي يمنح حق المبادرة بفكرة التعديل لرئيس الجمهورية أو لـ ‪ 10‬نواب من البرلمان‬
‫أما صياغة المشروع فتعود للحكومة‪.‬‬
‫البت في المبادرة ‪:‬‬
‫‪-II‬‬
‫ميز دستور ‪ 2014‬بين مرحلتين متتاليتين متكاملتين غير متالزمتين من حيث اآلثار ‪ :‬قبول مبدأ التعديل و المصادقة على التعديل‪.‬‬
‫أ‪ -‬قبول مبدأ التعديل‪:‬‬
‫حسب أحكام دستور ‪ 2014‬و تحديدا فصله ‪ " 144‬ك ّل مبادرة لتعديل الدستور تُعرض من قبل رئيس مجلس نواب الشعب على‬
‫المحكمة الدستورية إلبداء الرأي في كونها ال تتعلق بما ال يجوز تعديله حسبما هو مقرر بهذا الدستور ‪.‬‬

‫قانون دستوري ‪ :‬توفيق الغناي‬

‫نائل سليماني‬

‫ينظر مجلس نواب الشعب في مبادرة التعديل للموافقة باألغلبية المطلقة على مبدأ التعديل‪".‬‬
‫من خالل هذه األحكام نتبين أن كل مبادرة بمشروع لتعديل الدستور تعرض وجوبا على المحكمة الدستورية للتثبت في ما إذا لم يكن‬
‫فيها خرق ألحكام الدستور من حيث المضمون‪ .‬هذه الخطة االستباقية ضرورية للتصدي لكل محاولة لخرق الدستور كنص قانوني‬
‫أعلى داخل الدولة‪.‬‬
‫هذه الخطوة تفترض أيضا منطقيا أن ال يقع أي تعديل على مشروع التعديل قبل عرضه على المصادقة احتراما لرأي المحكمة‬
‫الدستورية الملزم لجميع السلطات‪.‬‬
‫و بعد التثبت من دستورية مضمون مقترح التعديل يعرض المقترح على مجلس نواب الشعب باعتباره سلطة تأسيسية فرعية مكلفة‬
‫بتعديل الدستور للموافقة في جلسة عامة على قبول مبدأ التعديل باالغلبية المطلقة وهى أغلبية ليست صعبة التحقيق في ظل المشهد‬
‫السياسي والحزبي داخل مجلس نواب الشعب و هى ايضا أغلبية مريحة تعبر عن بعض جمود عملية تعديل الدستور‪ .‬في هذا‬
‫المستوى من االجراءات يتمتع مجلس نواب الشعب بسلطة تقديرية تجيز له التفاعل االيجابي او السلبي مع مقترح التعديل من حيث‬
‫المبدأ و دون خوض في المضمون‪ .‬هذا يعني أن الرفض يوقف إجراءات التعديل دون أن يكون مجلس النواب مطالبا قانونا بتبرير‬
‫الرفض و دون إمكانية تجاوز رفضه و أن مو افقته على المبدأ ال تعني بالضرورة الموافقة على التعديل من حيث األصل ألن ذلك من‬
‫متعلقات إجراءات المصادقة‪.‬‬
‫ب‪ -‬المصادقة على التعديل‪:‬‬
‫تختلف تقنيات المصادقة حسب دستور ‪ 2014‬قبل أن يخضع التعديل الدستوري إلى إجراءات الختم‪.‬‬
‫‪ -1‬تقنيات المصادقة‪:‬‬
‫حسب الفصل ‪ 144‬من الدستور التونسي "يتم تعديل الدستور بموافقة ثلثي أعضاء مجلس نواب الشعب‪ .‬ويمكن لرئيس الجمهورية‬
‫بعد موافقة ثلثي أعضاء المجلس أن يعرض التعديل على االستفتاء‪ ،‬ويتم قبوله في هذه الحالة بأغلبية المقترعين"‬
‫من خالل هذه األحكام الدستورية ميز المشرع التأسيسي بين طريقتين للمصادقة على مشاريع تعديل الدستور المصادقة المجلسية من‬
‫جهة والمصادقة االستفتائية من جهة أخرى‪.‬‬
‫ المصادقة المجلسية‪:‬‬‫تصدر المصادقة عن مجلس نواب الشعب بوصفه سلطة تأسيسية فرعية و في إطار جلسته العامة وفقا ألحكام النظام الداخلي الذي‬
‫صادق عليه المجلس بتاريخ ‪ . 2015/2/2‬هذه الطرقة في المصادقة تختلف عن الحل الذي يتمثل في انتخاب لجنة خاصة للبت في‬
‫التعديل حيث أن مجلس نواب الشعب يتمتع بالمشروعية االنتخابية التي تؤهله للبت في مشاريع تعديل الدستور كما أن هذا الحل‬
‫يجنب ميزانية الدولة تكلفة انتخاب لجنة خاصة لغرض مغين و مدة محدودة ينتهي معها وجودها‪.‬‬
‫ثم أن المصادقة من قبل الجلسة العامة بتركيبة سياسية و حزبية متنوعة من شأنه مبدئيا أن يكسي المصادقة بالجدية المطلوبة كضمانه‬
‫لحماية الدستور من خالل نقاشات ثرية برؤى مختلفة تعبر عن تطلعات أغلب مكونات الشعب‪.‬‬
‫و تجدر المالحظة أنه و قبل بحث الم شروع من قبل الجلسة العامة لمجلس نواب الشعب تقع دراسة من قبل لجنة برلمانية خاصة‬
‫ينتخبها لهذا الغرض مجلس نواب الشعب و ينتهي دورها بدراسة المشروع و تقديم تقرير ييسر النظر فيه داخل الجلسة العامة‪ .‬في‬
‫هذا االطار جاء بالفصل ‪ 95‬من النظام الداخلي لمجلس نواب الشعب " إذا تلقى مجلس نواب الشعب مبادرة لتعديل الدستور فإنه‬
‫يشكل لجنة خاصة للتعهد بها تنحل بختم مشروع القانون الدستوري أو عدم إقراره‪".‬‬
‫إن مصادقة الجلسة العامة على مشروع تعديل الدستور يكون في قراءة وحيدة تخضع لجملة من الضوابط التي حددها النظام الداخلي‬
‫لمجلس نواب الشعب من أهمها‪:‬‬
‫ الجلسات العامة علنية من خالل النقل المباشر و الحضور االعالمي و حضور مكونات المجتمع المدني و نشر حصيلة المداوالت‬‫بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية حسب الفصل ‪ 103‬من النظام الداخلي بما يكفل الشفافية ويضع كل المسؤولية على عاتق النواب‬
‫من أجل نقاش و تصويت جديين على مشروع تعديل أعلى نص قانوني داخل الدولة‪.‬‬
‫ تحكم رئيس الجلسة في نسق التدخالت والنقاشات من حيث الزمن الممنوح للمتدخلين و خاصة من حيث وجوب االلتزام بموضوع‬‫النقاش تالفيا لالنحراف بالجلسة نحو التجاذيات الشخصية والحزبية و تعطيل المصادقة بما يعبر عن سلوك غير جدي من النواب‪.‬‬
‫و حسب الفصل ‪ 144‬من الدستور تكون المصادقة على مشاريع تعديل الدستور بأغلبية معززة وهى ‪ 2/3‬أعضاء المجلس‪ .‬هذه‬
‫العبارة في غير محلها و كان االسلم القول ‪ 2/3‬االعضاء الحاضرين النهم هم من يقوم بالتصويت أما الغائب فال يدلي بصوته وال‬
‫يمكن أن يعتبر غيابه بالضرورة رفضا للمشروع‪.‬‬
‫إن أغلبية الثلثين مريحة تثمن تعديل أعلى نص قانوني داخل الدولة و تفترض تقاربا بين مختلف الحساسيات الحزبية والسياسية من‬
‫أجل توافق أو شبه توافق حول مشروع التعديل بما يكسيه الحقا بالمشروعية التي تيسر القبول به واحترامه من الجميع‪.‬‬
‫ المصادقة االستفتائية‪:‬‬‫حسب أحكام الفصل ‪ 144‬المذكور يجوز لرئيس الجمهورية دون سواه وهو مخير في ذلك ولكن بعد موافقة ‪ 2/3‬أعضاء مجلس‬
‫نواب الشعب أن يعرض مشروع التعديل على االستفتاء‪.‬‬
‫هذه الفرضية الثانية تفترض المالحظات التالية‪:‬‬
‫ االستفتاء الدستوري إخت ياري يخضع لتقدير رئيس الجمهورية الذي يجتهد في اللجوء اليه أو في عدم اللجوء إليه دون ضوابط و‬‫محددات لهذا االجتهاد بما قد يجعل قرار اللجوء الى االستفتاء مسيسا يتبطن محاولة لهجوم سياسي ضد الجهة التي قدمت المشروع‬
‫أو مشخصنا يتبطن تصويتا على شخص الرئيس خاصة إذا كان المبادر بمشروع التعديل‪.‬‬

‫قانون دستوري ‪ :‬توفيق الغناي‬

‫نائل سليماني‬

‫ االستفتاء الدستوري ال يمكن اللجوء اليه اال بعد موافقة ‪ 2/3‬اعضاء مجلس نواب الشعب وهو شرط يعقلن اعتماد االستفتاء و يحد‬‫من محاوالت رئيس الجمهورية توظيف هذه التقنية لغير أغراضها لكن االغلبية مرتفعة قد يصعب تحقيقها بما يعيق اللجوء‬
‫لالستفتاء‪.‬‬
‫ اللجوء الى االستفتاء الدستوري يفترض مصادقة مجلس نواب الشعب على المشروع قبل ذلك وهذا اختيار قد يحرج النواب سياسيا‬‫في حال صوت الشعب برفض المشروع‪.‬‬
‫ االستفتاء الدستوري له عديد االيجابيات التي سبقت دراستها في إطار االستفتاء التأسيسي كما له عديد المخاطر سبق كذلك بسطها‬‫في نفس اإلطار‪.‬‬
‫ االستفتاء الدستوري و الى جانب هذه الشروط الشكلية واالجرائية التي ذكرها الدستور يخضع الحكام القانون االساسي عدد ‪16‬‬‫لسنة ‪ 2014‬المتعلق باالنتخابات واالستفتاء‬
‫من خالل أحكام هذا القانون نتبين أنه تتم دعوة الناخبين لالستفت اء بأمر رئاسي يلحق به مشروع التعديل و ينشر بالرائد الرسمي‬
‫للجمهورية التونسية‪ .‬يشارك في االستفتاء من تتوفر فيه شروط اكتساب صفة الناخب حسب أحكام الفصلين ‪ 5‬و ‪ 6‬من نفس القانون‪.‬‬
‫و يصاغ السؤال المعروض على الناخبين بالصيغة التالية "هل توافق على مقترح تعديل الدستور‪ ...‬المعروض عليك" لتكون االجابة‬
‫فقط بالموافقة أو الرفض‪ .‬و يفصل بين الموافقة والرفض باغلبية االصوات المصرح بها‪ .‬تعلن الهيئة العليا المستقلة لالنتخابات التي‬
‫تتولى االشراف على عملية االستفتاء النتائج االولية التي يجوز لكل حزب شارك فيها ان يطعن في تلك النتائج أمام الدوائر‬
‫االستئنافية للمحكمة االدارية و يمكن الطعن في االحكام االستئنافية امام الجلسة العامة القضائية للمحكمة االدارية‪ .‬قبل ان تعلن الهيئة‬
‫العليا المستقلة لالنتخابات النتائج النهائية لالستفتاء‪ .‬هذه االحكام من شأنها ضمان شرعية و ديمقراطية و نزاهة االستفتاء الدستوري‪.‬‬
‫‪ -2‬الختم‪:‬‬
‫حسب الفصل ‪ 81‬من دستور ‪" 2014‬يختم رئيس الجمهورية القوانين ويأذن بنشرها بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية"‬
‫يعتبر الختم آخر المسار االجرائي لنفاذ النص القانوني المصادق عليه و هو عبارة عن إمضاء رئيس الجمهورية للنص موضوع‬
‫المصادقة إعترافا بوجوده و استكمال بنائه القانوني واالذن بنشره بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية ليكون نافذا‪.‬‬
‫إال أن الختم والنشر ال يعني أن النص الدستور يكون قابال للتنفيذ حاال وإن كانت هذه هى القاعدة األصلية فقد ينص النص القانوني‬
‫على نفاذ مؤجل‪.‬‬
‫و تجدر المالحظة أنه في إطار وسائل الرقابة المتبادلة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية يجوز لرئيس الجمهورية بمناسبة ممارسته‬
‫لسلطة الختم أن يرد النص القانوني المعني لقراءة ثانية للنواب‪ .‬إال أن هذه السلطة ال تمارس بالنسبة للقوانين الدستورية الصادرة في‬
‫إطار تعديل الدستور ألنها تصدر عن س لطة تأسيسية فرعية إرادتها أعلى من إرادة رئيس الجمهورية‪ .‬فحسب الفصل ‪ " 81‬باستثناء‬
‫مشاريع القوانين الدستورية‪ ،‬لرئيس الجمهورية الحق في رد المشروع مع التعليل إلى المجلس للتداول ثانية‪" ،‬‬
‫و يجوز لرئيس الجمهورية كذلك باعتباره الساهر على احترام الدستور حسب الفصل ‪ 72‬من الدستور أن يحيل مشروع التعديل‬
‫الدستوري المصادق عليه من قبل مجلس نواب الشعب على المحكمة الدستورية للتثبت من دستوريته و احترام كل إجراءات التعديل‬
‫كما فرضها الدستور و سبقت دراستها‪ .‬و يكون ذلك من في أجل ‪ 7‬ايام من تاريخ المصادقة على مشروع القانون‪ .‬و بفوات هذا‬
‫األجل يسقط حق رئيس الجمهورية في اللجوء للمحكمة الدستورية و يكون ملزما بالختم و اإلذن بالنشر بالرائد الرسمي للجمهورية‬
‫التونسية‪ .‬ولكن ما العمل إذا رفض رئيس الجمهورية ختم مشروع القانون الدستوري؟‬
‫الفصل ‪ :2‬حماية الدستور‪:‬‬
‫يعتبر الدستور المصدر األساسي و األول للقانون الدستوري وذلك باعتبار علويته المبررة بما يبرر أيضا حمايته من كل خرق و‬
‫تجاوز‪.‬‬
‫المبحث األول‪ :‬علوية الدستور تبرر حمايته‪:‬‬
‫علوية الدستور تعني أنه يحتل المرتبة األولى في هرم القواعد القانونية داخل الدولة بما يعني أنه يعلو كل مصادر القانون الدستوري‬
‫على اختالفها تليه المعاهدات الدولة و النصوص التشريعية والتراتيب‪ .‬هذه العلوية لها مبررات عديدة بالرغم من أنها تشهد بعض‬
‫االستثناءات‪.‬‬
‫الفرع ‪ :1‬مبررات علوية الدستور‪:‬‬
‫تتعدد مبررات علوية الدستور و تتمثل في مجموع خصائصه الشكلية و اإلجرائية والمادية‪ .‬بما يمتعه بعلوية شكلية و علوية مادية‬
‫أيضا‪.‬‬
‫ فعلى مستوى شكلي إجرائي تنطلق علوية الدستور من علوية السلطة التي تضعه وهى السلطة التأسيسية األصلية بما تتميز به من‬‫خصائص سبقت دراستها فهي أولى عليا و مطلقة تؤسس لكل السلطات و تنبع من خالل انتخابها من مشروعية عليا نابعة من إرادة‬
‫الشعب صاحب السيادة‪.‬‬
‫و تتدعم هذه العلوية خاصة إذا تدخل الشعب مباشرة في وضع الدستور من خالل االستفتاء التأسيسي كما سبقت دراسته‪.‬‬
‫كما أن الدستور يخضع عند وضعه إلجراءات مطولة و متميزة و تتطلب المصادقة عليه المرور بقراءات و نقاشات متعددة و أغلبية‬
‫معززة تؤكد تميزه على باقي النصوص القانونية داخل الدولة و تجعله يعلوها شكليا‪.‬‬

‫قانون دستوري ‪ :‬توفيق الغناي‬

‫نائل سليماني‬

‫هذه العلوية الشكلية تتدعم من خالل جمود الدستور باعتبار أن تعديله يفترض أوال تدخل سلطة تأسيسية فرعية تتميز هي األخرى‬
‫بالعلوية و ال تعلوها إال إرادة السلطة التأسيسية األصلية و ثانيا يخضع لمسار إجرائي معقد تتخلله أغلبية معززة عند المصادقة و‬
‫خاصة إمكانية تدخل الشعب صاحب السيادة عند المصادقة في إطار االستفتاء الدستوري كما سبقت دراسته‪.‬‬
‫هذه العلوية الشكلية األكيد أنها ال تميز إال الدساتير المكتوبة و خارج األنظمة االشتراكية أين تتساوى الدساتير مع مختلف القوانين‬
‫داخل الدولة على مستوى المرتبة و النظام االجرائي لتعديلها‪ .‬فهذه العلوية الشكلية ال تميز الدساتير المرنة و خاصة منها العرفية كما‬
‫سبقت دراستها‪.‬‬
‫ أما على المستوى المادي أى مستوى المضمون فالدستور يمثل بطاقة هوية الدولة الثقافية و السياسية و الجغرافية و اإلطار‬‫القانوني لنشأة مؤسساتها السياسية و غير السياسية و تنظيمها و تحديد العالقات بينها و عالقات األفراد بها كما يرسم المبادئ العامة‬
‫لكل السياسات العمومية في مختلف المجاالت الداخلية والخارجية للدولة و يؤسس للتفاصيل التي تتضمنها مختلف مصادر القانون‬
‫الدس توري‪ .‬هذا التميز المادي يبرر احتالل الدستور مرتبة الصدارة داخل هرم القواعد القانونية باعتباره أساسها و إطارها رغم‬
‫بعض االستثناءات‪.‬‬
‫الفرع ‪ :2‬استثناءات علوية الدستور‪:‬‬
‫يحتل الدستور في األنظمة االشتراكية نفس مرتبة القوانين األخرى داخل الدولة ألنه مجرد وسيلة وقتية لتقييم مراحل التطور نحو‬
‫الشيوعية حيث تتساوى الطبقات و تنتهي الدولة‪.‬‬
‫أما خارج المجال الفلسفي االشتراكي فهناك بعض االستثناءات لعلوية الدستور ال تحد من مبدأ العلوية الذي تكاد تجمع عليه الدول‪.‬‬
‫هذه االستثناءات انطلقت مع نظرية القانون الطبيعي و تواصلت مع استثناءات من القانون الوضعي بعضها من متعلقات القانون‬
‫الدولي و بعضها من األحكام الوضعية الداخلية‪.‬‬
‫ بالنسبة لعلوية القانون الطبيعي نادى بها بعض الفقهاء من أمثال ‪ Léan duguit‬الذي اعتبر أن إعالن حقوق اإلنسان والمواطن‬‫لسنة ‪ 1789‬في فرنسا أعلى مرتبة من دستور ‪ 1875‬باعتبار و حسب رأيه أن الحقوق والحريات تنشأ مع اإلنسان و تسبق الدولة و‬
‫قوانينها ألنها مكتسب إنساني تتفق عليه العقول السليمة و على الدستور التقيد به‪ .‬إال أن نظرية القانون الطبيعي التي حاول أنصارها‬
‫من خاللها التصدي لألنظمة االستبدادية‪ ،‬ال تبدو مؤكدة من حيث إثب اتها خاصة و أن القوانين الوضعية استوعبت صراحة منظومة‬
‫الحقوق والحريات بما جعلها جزءا من القانون الوضعي‪.‬‬
‫ بالنسبة لعلوية القانون الدولي هناك استثناءين عرفهما التاريخ الحديث األول يتعلق بمعاهدة ‪ 1955/5/15‬التي فرضت الحياد‬‫المؤبد على الدولة النمساوية و ألزمتها بشكل ديمقراطي لنظام الحكم‪ .‬أما االستثناء الثاني فيتعلق باالتفاق الدولي الذي جمع بين دول‬
‫التحالف من جهة و ألمانيا من جهة أخرى عقب الحرب العالمية الثانية حيث فرضت على هذه األخيرة جملة من االختيارات‬
‫الدستورية التي تبناها الدستور األلماني لسنة ‪.1949‬‬
‫ بالنسبة لعلوية القانون الداخلي فينص عليها الدستور نفسه مثلما كان ينص عليه الدستور الجزائري لسنة ‪ 1976‬من أن الميثاق‬‫الوطني هو المصدر األساسي لسياسة األمة و لقوانين الدولة و أنه المرجع األساسي لتأويل أحكام الدستور‪.‬‬
‫في نفس السياق يؤكد الفصل ‪ 4‬من الدستور اإليراني الصادر سنة ‪ 1979‬على أنه يجب أن تكون كافة القوانين قائمة على أساس‬
‫الشريعة اإلسالمية‪ .‬أما الدستور السعودي لسنة ‪ 1992‬فنص بمادته ‪ 7‬على انه " يستمد الحكم في المملكة العربية السعودية سلطته‬
‫من كتاب هللا تعالى و سنة رسوله و هما الحاكمان على هذا النظام و جميع األنظمة في الدولة"‪ .‬هذه العلوية قد تطرح مشكل تأويل‬
‫مفهوم الشريعة و مضمونها‪.‬‬
‫في نفس اإلطار نؤكد علوية قرار إعالن الجمهورية بتاريخ ‪ 1957/7/25‬في تونس على دستور ‪ 1959‬حيث صدر عن المجلس‬
‫القومي التأسيسي بوصفه سلطة تأسيسية أصلية و التزم به نفس المجلس عند صياغة الدستور في خصوص التأكيد على النظام‬
‫الجمهوري و تحصينه من كل تعديل أو خرق ولو أن الخروقات تواجدت‪.‬‬
‫و أخيرا نشير إلى أن نظرية القانون الطبيعي تعتبر أن هناك مبادئ سابقة عن اإلنسان و عن كل القاوانين الوضعية يستسيغها العقل‬
‫السليم و تمثل حقوقا أصلية لالنسان تعلو كل القوانين بما فيها الدستور‪ .‬إال أن ضعف نظرية القانون الطبيعي هو ضعف والدة حيث‬
‫ال إثبات لما قيل عنها باإلضافة إلى أن مفهوم العقل السليم ال يمثل إجماعا كما أن الحقوق التي ادعى أنصار هذه النظرية أنها من‬
‫القانون الطبيعي استوعبتها صراحة الدساتير فأصبحت جزءا منها‪.‬‬
‫باستثنا ء هذه االستثناءات القليلة فإن المبدأ العام يبقى علوية الدستور على كل مصادر القانون داخل الدولة بما يبرر توفر وسائل‬
‫متعددة لحمايته‪.‬‬
‫المبحث الثاني‪ :‬تعدد وسائل حماية الدستور‪:‬‬
‫تعني حماية الدستور تحصينه من كل خرق يمكن أن يطاله من أية جهة كانت سياسية أو إدارية أو حتى من مواطني الدولة إلى جانب‬
‫ضمان استقراره و تجنب التعديل العشوائي والتعسفي ألحكامه و التعدي على وجوده من خالل استهدافه بالتعليق أو االلغاء غير‬
‫المشروع‪ .‬فالدستور بدخوله حيز التنفيذ و الذي قد يكون مؤجال جزئيا أو كليا كما هى حال دستور ‪ 2014‬في تونس‪ ،‬يصبح نصا‬
‫قانونيا ملزما لكل المعنيين به‪ ،‬سلطة عمومية و أفراد‪ ،‬يرتب لهم حقوق و يضع على عاتقهم إلتزامات‪.‬‬
‫إن وسائل حماية الدستور متعددة نحوصلها في الحماية السياسية والحماية القضائية‪.‬‬
‫الفرع ‪: 1‬الحماية السياسية للدستور‪:‬‬
‫يقصدر بها كل أصناف الحماية غير القضائية‪ .‬هذه الحماية السياسية قد ال تكون مهيكلة و قد تكون مهيكلة‪.‬‬
‫الفقرة ‪ -1‬الحماية غير المهيكلة‪:‬‬

‫قانون دستوري ‪ :‬توفيق الغناي‬

‫نائل سليماني‬

‫يقصد بها الحماية التي ال تتأطر ضمن هياكل و مؤسسات رسمية وال تخضع في تحركها لحماية الدستور الطر اجرائية تنظمها من‬
‫أجل هذا الدول الحمائي‪ .‬فهى بمثابة التحرك التلقائي لحماية الدستور‪ .‬في هذا االطار نميز بين التقيد الذاتي بالدستور و ضغذ الرأى‬
‫العام من أجل حمايته‪.‬‬
‫‪ -I‬التقيد الذاتي بالدستور‪:‬‬
‫إن االلتزام التلقائي بمضمون الدستور هو األصل في التعامل مع قوانين الدولة في إطار تكريس استحقاقات دولة القانون و منها‬
‫احترام سيادة القانون و طابعه اإللزامي من الحاكم والمحكوم و تفعيل المبدأ الذي يقتضي أنه ال يعذر الجاهل بجهله للقانون بعد توفر‬
‫مقومات نفاذه و كذلك تفعيل متطلبات التكليف بسلطة من سلطات الدولة و الذي يضع على عاتق المكلف مسؤولية ضمان سيادة‬
‫قوانين الدولة‪ .‬هذا االلتزام هو أوال التزام أخالقي تجسده اليمين التي يتلوها كل مكلف بمنصب سياسي مثال داخل الدولة على غرار‬
‫النواب بالمجلس النيابي والوزراء و كذلك رئيس الجمهورية‪ .‬فحسب الفصل ‪ 76‬من دستور ‪ " 2014‬يؤدي رئيس الجمهورية‬
‫المنتخب أمام مجلس نواب الشعب اليمين التالية‪:‬‬
‫"أقسم باهلل العظيم أن أحافظ على استقالل تونس وسالمة ترابها‪ ،‬وأن أحترم دستورها وتشريعها‪ ،‬وأن أرعى مصالحها‪ ،‬وأن ألتزم‬
‫بالوالء لها"‪ .‬هذه اليمين ليست لها تبعات قانونية بل لها استحقاقات أخالقية تعبر عن النزاهة في تقلد المناصب السياسية داخل الدولة‬
‫و من النزاهة احترام قوانين الدولة‪ .‬و في هذا االحترام طمأنة للشعب من جهة و توفير مثال يحتذى به في احترام دولة القانون‪.‬‬
‫إن عدم القبول بالقانون عموما والدستور بصف ة خاصة ال يمكن التعبير عنه بالخرق بل بوسائل متحضرة و شرعية أخرى على غرار‬
‫الندوات والكتابات و المظاهرات القانونية و كل وسائل الضغط التي يبيحها القانون‪.‬‬
‫إال أن االلتزام التلقائي بالدستور ال يمثل القاعدة عمليا لعدة أسباب أولها أن االلتزام بالقوانين ثقافة و تربية مجتمع و قد تكون ضعيفة‬
‫وثانيها الن القوانين عندما تفقد المشروعية منذ نشأتها الن وضعها كان من حيث المضمون و اإلجراءات غير ديمقراطي فذلك يفقدها‬
‫الهيبة و يشجع على خرقها في محاولة لإلطاحة بها وفرض تعديلها أو إلغاءها‪ .‬كما أن من تفسيرات خرق القوانين داخل الدولة سوء‬
‫الصياغة بما يجعل أحكامها مفتوحة على تأويالت متعددة بل و متناقضة أحيانا و مفتوحة بنفس المناسبة على التجاوزات‪ .‬هنا تتأكد‬
‫أهمية جودة النصوص القانونية و الدستور على وجه الخصوص‪ .‬هذه الجودة ال تعني بالضرورة االسهاب واالطالة و الخوض في‬
‫التفاصيل فليست هذه م همة الدساتير بل االقتضاب و حسن اختيار االلفاظ اللغوية والتقنية وبعبارة أخرى ما قل و دل‪ .‬و مع حسن‬
‫الصياغة يفترض لحماية الدستور حسن الفهم والتأويل و هنا يختلف الوضع بحسب مضمون الدستور و ما يمنحه بعباراته من سلطة‬
‫تقديرية و مجال لالجتهاد ك ما أنه يرتبط بمدى التمكن من آليات و قواعد تأويل النصوص القانونية و خاصة الدستور بما فيه من‬
‫ُؤول بعضها البعض‬
‫شحنة قانونية و سياسية و ثقافية‪ .‬في هذا االطار اكد الدستور التونسي بفصله ‪ " 146‬تُفسر أحكام الدستور وي ّ ِّ‬
‫كوحدة منسجمة" و هذا يتطلب مجهودا إضافيا لفهم كامل مضمون الدستور و إتقان الربط بين مختلف قواعده في صريحها وضمنها‪.‬‬
‫كما أن التقيد بالدستور ذاتيا يفترض لنجاحه التأويل مع التشاور للتأكد من حسن الفهم الن التأويل مسألة تقنية أوال و ثانيا قد تكون‬
‫فرصة للتأويل على المقاس بما يشخصن الدستور و يخرق عمومية عباراته‪.‬‬
‫‪ -II‬ضغط الرأى العام‪:‬‬
‫الرأي العام يعني وجهة نظر األغلبية تجاه قضية معينة في زمن معين و يشمل المواطنين و مكونات المجتمع المدني و األحزاب و‬
‫اإلعالم و الباحثين وكل جماعات الضغط خارج المؤسسات السياسية واإلدارية للدولة‪.‬‬
‫هناك عدة أسس تبرر دورا فاعال للرأى العام في حماية الدستور من أهمها ‪:‬‬
‫‪ ‬المشروعية االنتخابية التي تفترض أن يخضع النائب لرقابة الناخب و منها الرقابة على حسن التزامه بالدستور‬
‫‪ ‬الوضع التشاركي للدستور والذي يعطي الحق لالطراف المشاركة من خارج سلطة الدولة في السهر على احترام‬
‫المكتسبات الدستورية التي ساهمت في تضمينها صلب الدستور عند وضعه‬
‫‪ ‬النظام السياسي القائم على الحوكمة الرشيدة كما أكدها دستور ‪ 2014‬منذ التوطئة و التي تفترض جملة من االستحقاقات و‬
‫منها المتابعة والرقابة و المحاسبة مثال في خصوص احترام الدستور‬
‫‪ ‬المواطنة النشيطة التي أقرها الدستور والتي تفترض تحركا متواصال من المواطن و مكونات المجتمع المدني مثل‬
‫الجمعيات والنقابات في إطار الرقابة و اليقضة المواطنية لضمان المكتسبات الدستورية‪.‬‬
‫‪ ‬التوازن بين السلطة والمعارضة التي ال تؤثر داخل مؤسسات الدولة لضعف تمثيلها بما يضطرها لممارسة ضغط خارج‬
‫السلطة من خالل معاضدة الرأى العام بتأطيره و تحريكه من أجل فرض احترام الدستور من قبل مؤسسات الدولة‬
‫‪ ‬الدور البناء لإلعالم كسلطة رابعة تراقب السلط الثالث داخل الدولة و تشهر بالخرق للدستور و تساهم في الكشف عنه من‬
‫أجل فرض احترامه‪.‬‬
‫و يتمثل دور الرأى العام أوال في السهر على عدم خرق االحكام الدستورية و كذلك و عند االختالف حول مضامين الدستور في‬
‫الضغط من أجل فرض تأويل مشروع و أخيرا الضغط من أجل أقلمة الدستور مع المتغيرات حتى يكون مالئما لمحيطه‪.‬‬
‫هذا الضغط للرأى العام يمكن أن يمارس من خالل عدة آليات شرعية و مشروعة و من أهمها‪:‬‬
‫‪ ‬الضغط من خالل المؤسسات التمثيلية للشعب وللمجتمع المدني‬
‫‪ ‬الضغط من خالل االعالم و المنابر الحوارية‬
‫‪ ‬الضغط من خالل الندوات الكتابات من المختصين‬
‫‪ ‬الضغط من خال ما يتيحه القانون من إعتراض شعبي و مبادرة شعبية‬
‫‪ ‬الضغط من خالل التهديد بالتصويت العقابي‬

‫قانون دستوري ‪ :‬توفيق الغناي‬

‫نائل سليماني‬

‫‪ ‬الضغط من خالل التظاهر الشرعي‬
‫‪ ‬الضغط من خالل الثورة لالطاحة بالمؤسسات الالدستورية‬
‫هذا الدور الضاغط للرأى العام يفترض ضمانات قانونية من أهمها حرية التعبير و حرية تكوين الجمعيات و االعتراف بالتعددية و‬
‫حرية اإلعالم و حرية التظاهر و غيرها من الحريات العامة التي تيسر و تشجع الرأى العام على التحرك من أجل فرض احترام‬
‫الدستور‪.‬‬
‫لكن عمليا ال يمكن للرأى العام أن يكون دوره فعاال لعدة معوقات بعضها يتعلق بالمنظومة السياسية التي ال ترقى لمثل هذا الدول‬
‫التشاركي الديمقراطي و بعضها ثقافي اجتماعي يعبر عن ضعف التربية الديمقراطية و المواطنية واستفحال المواطنة الشكلية‬
‫والسلبية و أ خيرا االختراق الحزبي والسياسي للرأى العام و تلهيته أو توجيهه لمآرب شخصية و مصالح حزبية ضيقة تكون مدخال‬
‫للتالعب بالدستور و منح التالعب مشروعية شعبية‪.‬‬
‫الفقرة ‪ -2‬الحماية المهيكلة‪:‬‬
‫هى مهيكلة النها منظمة إجرائيا و مؤطرة ضمن هياكل رسمية‪ .‬هنا نميز بين الحماية غير المباشرة و الحماية المباشرة‪.‬‬
‫‪ -I‬الحماية غير المباشرة‪:‬‬
‫هي غير مباشرة ألنها ال تمارس أصال لحماية الدستور بل يمكن أن توظف لذلك كما توظف ألغراض أخرى‪ .‬و تتلخص في الرقابة‬
‫المتبادلة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية من جهة و التشاور بين المؤسسات السياسية والهيئات الدستورية المستقلة من جهة‬
‫أخرى‪.‬‬
‫أ‪ -‬الرقابة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية‪:‬‬
‫تعتبر تفعيال لمبدأ الفصل المتوازن بين السلط‪ .‬من أهداف هذا المبدأ ضمان دولة القانون و فرض احترام سيادة القانون من قبل‬
‫السلطتين التنفيذية والتشريعية‪ .‬و يكون ذلك من خالل تبادل آليات الضغط والرقابة لتوقف السلطة السلطة كما قال منتسكيو منظر هذا‬
‫المبدأ ولتردع السلطة السلطة في حال انحرفت عن الضوابط الدستورية‪.‬‬
‫آليات الرقابة موزعة في األنظمة البرلمانية و شبه الرئاسية بين السلطتين بالتوازن‪ .‬هذا ما اقره أيضا دستور تونس لسنة ‪ .2014‬في‬
‫هذا ا إلطار يتمتع دور رئيس الجمهورية بىليات متعددة للرقابة والضغط على السلطة التشريعية و من ذلك سلطة الختم و حق الرد‬
‫بالنسبة لمشاريع القوانين‪ ،‬اللجوء لالستفتاء التشريعي‪ ،‬المطالبة بالتصويت على منح الثقة للحكومة‪ ،‬توجيه بيان للنواب‪ .‬من خالل‬
‫مختلف هذه الوسائل يضغط رئيس الجمهورية من أجل احترام الدستور بلفت النظر لتجاوز الدستور أو لفرض تأويل معين للدستور‪.‬‬
‫بالنسبة لمجلس نواب الشعب يستعمل وسائل ضغط على السلطة التنفيذية تمكنه ايضا من نفس الغرض المذكور و من ذلك المصادقة‬
‫على الئحة لوم ضد الحكومة قصد إقالتها‪ ،‬إعفاء رئيس الجم هورية من مهامه في حال خرق جسيم للدستور‪ ،‬توجيه أسئلة كتابية‬
‫وشفوية للحكومة‪ ،‬المصادقة على المراسيم التي يتخذها رئيس الحكومة أو رئيس الجمهورية‪ ،‬المصادقة على مشاريع القوانين التي‬
‫يقترحها رئيس الجمهورية أو رئيس الحكومة‪.‬‬
‫بالنسبة لرئيس الحكومة فيمارس دور الحامي للدستور من خالل رئاسة مجلس الوزراء و مراقبة أعمال الوزراء و تأشير قراراتهم‪.‬‬
‫أما الوزراء فيمارسون نفس الدور من خالل إعادة إمضاء أوامر رئيس الحكومة‪.‬‬
‫هذه الوسائل التي عبر عن الرقابة السياسية المتبادلة بين مختلف مكونات السلطة السياسية داخل الدولة تفترض لنجاحها الفعلية بمعنى‬
‫الممارسة و الفاعلية بمعنى النجاعة والتصدي الحقيقي لخروقات الدستور وفرض احترامه‪.‬‬
‫هذا الدور يتأثر سلبا أو إيجاب بعدة معطيات تختلف من دولة غلى أخرى أهمها المنظومة الحزبية و االنضباط الحزبي والتنافس‬
‫الحزبي و مكانة المعارضة و تأثيرها داخل كل هذه السلط أي في النهاية مدى التوازن بين السلط السياسية و ديمقراطية النظام‬
‫السياسي‪ .‬ولكن ايضا النظام الدستوري لممارسة هذه الوسائل الضاغطة من حيث مرونة اإلجراءات أو شدتها و من حيث وجوبية‬
‫اللجوء إلى هذه الوسائل أو صبغتها االختيارية‪ .‬في هذا االطار نالحظ أن الدستور التونسي و في إطار الترشيد في استعمال وسائل‬
‫الضغط فرض جملة من القيود المتعلقة باالجراءات و خاصة بالمصادقة باغلبية معززة و هى ضوابط قد تعطل تفعيل هذه الوسائل‬
‫بحسب المشهد الحزبي داخل السلطتين التنفيذية والتشريعية‪ .‬كما أن الدستور أقر اللجوء االختياري لتلك الوسائل بما يربط فعليتها‬
‫بإرادة السلطة السياسية المعنية بممارستها و من ذلك ما جاب بالفصل الفصل ‪ ” 97‬يمكن التصويت على الئحة لوم ضد الحكومة‪،‬‬
‫ي‬
‫بعد طلب معلل يقدم لرئيس مجلس نواب الشعب من ثلث األعضاء على األقل‪ .‬وال يقع التصويت على الئحة اللوم إال بعد ُمض ّ‬
‫خمسة عشر يوما على إيداعها لدى رئاسة المجلس‪.‬‬
‫ويشترط لسحب الثقة من الحكومة موافقة األغلبية المطلقة من أعضاء المجلس‪ ،‬وتقديم مرشح بديل لرئيس الحكومة يُصادَق على‬
‫ترشيحه في نفس التصويت‪ ،‬ويت ّم تكليفه من قبل رئيس الجمهورية بتكوين حكومة طبق أحكام الفصل ‪.89‬‬
‫في صورة عدم تحقق األغلبية المذكورة‪ ،‬ال يمكن أن تقدم الئحة اللوم مجددا ضد الحكومة إال بعد ُمضي ستة أشهر"‪.‬‬
‫فالمصادقة على الئحة لوم ضد الحكومة محكوم دستوريا بشروط تعيق نجاح هذه التقنية بالنظر لالنتماء الحزبي الموحد بين الحكومة‬
‫و المجلس النيابي كما يفترضه الدستور نفسه‪.‬‬
‫كما قد يضعف الدستور من هذه الوسائل المؤثرة من خالل ربطها بأسباب غامضة أو بإرادة سلطة ثالثة و من ذلك ما جاء بالفصل‬
‫‪ 88‬من الدستور "يمكن ألغلبية أعضاء مجلس نواب الشعب المبادرة بالئحة معلّلة إلعفاء رئيس الجمهورية من أجل الخرق الجسيم‬
‫للدستور‪ ،‬ويوافق عليها المجلس بأغل بية الثلثين من أعضائه‪ ،‬وفي هذه الصورة تقع اإلحالة إلى المحكمة الدستورية للبت في ذلك‬

‫قانون دستوري ‪ :‬توفيق الغناي‬

‫نائل سليماني‬

‫بأغلبية الثلثين من أعضائها‪ .‬وال يمكن للمحكمة الدستورية أن تحكم في صورة اإلدانة إال بالعزل‪ .‬وال يُعفي ذلك من التتبّعات الجزائية‬
‫عند االقتضاء‪ .‬ويترتب على الحكم بالعزل فقدانه لحق الترشح ألي انتخابات أخرى‪“.‬‬
‫من خالل هذا الفصل ال يمكن تتبع رئيس الجمهورية غال في شأن الخرق الجسيم للدستور و هنا نتساءل ما معنى الخرق الجسيم و ما‬
‫معنى الخرق غير الجسيم؟ كما أن الدستور فرض إجراءات و أغلبية هامة لتفعيل هذه المحاسبة و أخيرا فرض تدخل المحكمة‬
‫الدستورية للبت فيها بما تراه‪.‬‬
‫ب‪ -‬التشاور مع الهيئات الدستورية المستقلة‪:‬‬
‫بالنسبة للهيئات الدستورية المستقلة أحدثها دستور ‪ 2014‬ببابه السادس و هي تتميز بكونها مؤسسات دستورية لها نفس القيمة‬
‫الدستورية كما لباقي المؤسسات التي أحدثها الدستور على غرار السلطتين التنفيذية والتشريعية وهى مستقلة ألنها تتمتع بالشخصية‬
‫القانونية كما يفهم من صريح الفصل ‪ 125‬من الدستور وال تتبع هرميا ال السلطة التنفيذية وال السلطة التشريعية بالرغم من أنها‬
‫تخضع على مستوى التكوين لالنتخاب من قبل مجلس نواب الشعب بأغلبية معززة يضبطها قانون بما يؤهلها لمراقبة هاتين السلطتين‬
‫و المساهمة بذلك في ضمان احترامهما للدستور‪ .‬ولتؤمن درها الدستوري وهو حسب صريح نفس الفصل ‪ " 125‬دعم الديمقراطية"‬
‫و من الديمقراطية احترام قوانين الدولة في مجملها وفي هرميتها‪ .‬في هذا اإلطار أكد واضعوا الدستور على وجوب أن تتمتع هذه‬
‫الهيئات بالتسهيالت الضرورية لقيامها بمهامها من قبل كل مؤسسات الدولة حسب الفصل ‪ 125‬المذكور‪.‬‬
‫لقد أحدث الدستور عديد الهيئات المستقلة التي تنشط في مجاالت مختلفة و حساسة لعالقتها المباشرة و غير المباشرة بالسلطة‬
‫السياسية داخل الدولة ونعني هيئة االنتخا بات‪ ،‬هيئة االتصال السمعي البصري‪ ،‬هيئة حقوق اإلنسان ‪ ،‬هيئة التنمية المستدامة و حقوق‬
‫األجيال القادمة‪ ،‬هيئة الحوكمة الرشيدة و مكافحة الفساد‪ .‬هذه الهيئات يمكنها أن تساعد على حماية الدستور من خالل تدخلها بما لها‬
‫من سلطة ترتيبية لتنظيم المجال الذي تشرف عليه وفقا لمبادئ الدستور كما تسهم في ذلك من خالل دورها االستشاري في خصوص‬
‫مشاريع النصوص التشريعية والترتيبية التي تتعلق بمجاالت اختصاصها و التي قد تكون بالمناسبة مخالفة للدستور‪ .‬كما أن هذه‬
‫الهيئات تسهم في حماية الدستور من خالل نشاطها الميداني و ما يمكنها ذلك من دور تحقيقي واستقصائي و كذلك من خالل‬
‫مقترحاتها لتطوير المنظومة القانونية بمناسبة عرض تقاريرها السنوية على السلطة السياسية داخل الدولة للتداول والتباحث‬
‫واالطالع على ما قد يكون فيه مساس بعلوية الدستور‪ .‬في هذا اإلطار جاء بالفصل ‪ 128‬من الدستور "مثال الفصل ‪ 128‬من الدستور‬
‫” تراقب هيئة حقوق اإلنسان احترام الحريات وحقوق اإلنسان‪ ،‬وتعمل على تعزيزها‪ ،‬وتقترح ما تراه لتطوير منظومة حقوق‬
‫اإلنسان‪ ،‬وتُستشار وجوبا في مشاريع القوانين المتصلة بمجال اختصاصها“‪.‬‬
‫لهذه الهيئة آليات ضغط من خالل عالقتها المباشرة بالبرلمان خاصة و استعمالها لإلعالم و التقرير الذي تعده و تقع مناقشته أمام‬
‫النواب‪.‬‬
‫إن الهيئات الدستورية المستقلة تلعب دورها الحمائي هذا كلما توفرت في أعضائها و كما يؤكده الدستور النزاهة و الحرفية بما‬
‫يضمن للهيئات االستقاللية والنجاعة‪.‬‬

‫‪ -II‬الحماية المباشرة‪:‬‬
‫هى مباشرة الن وجودها و تنظيمها مبرر مباشرة بحماية الدستور‪ .‬و نميز بين جمود الدستور والرقابة على دستورية القوانين‪.‬‬
‫أ‪ -‬جمود الدستور‪ :‬ترشيد التعديالت الدستورية‪:‬‬
‫من وسائل حماية الدستور جموده من حيث إخضاعه لضوابط خاصة و معقدة عند تعديله و فرض تدخل عديد الجهات السياسية التي‬
‫لها عال قة مباشرة بحماية الدستور ( النواب‪ ،‬رئيس الجمهورية‪ ،‬المحكمة الدستورية والشعب) بما يضمن له االستقرار والدوام و‬
‫يحفظ مبادئه األساسية خاصة عند تحصينها من التعديل كما سبقت دراسته‪ .‬هذا الجمود من شأنه ترشيد عملية التعديل دون رفضها‬
‫للتوفيق بين متطلبات االستقرار و متطلبات التأقلم بالنسبة ألحكام الدستور‪.‬‬
‫ب‪ -‬الرقابة على دستورية القوانين‪:‬‬
‫هى حماية مباشرة ألنها تتعلق مباشرة بحماية الدستور‪ .‬و نميز بين الرقابة السياسية و الرقابة القضائية‪.‬‬
‫إن هذه الرقابة التي ال يمكن أن تضمن حماية الدستور اال إذا كانت فعلية و فاعلة‪ .‬وهى تتخذ أشكاال متعددة نحوصلها في الرقابة‬
‫السياسية و الرقابة القضائية و في كل الحاالت ال مجال للتعلل بالفصل بين السلط ألنه ال يعني الفصل المطلق دون رقابة تفرض‬
‫التوازن بين السلط و تدفعها الحترام الدستور عالوة على أن الرقابة ليست فقط بين السلطات السياسية فهناك دور للقضاء‪.‬‬
‫كما ال مجال للتعلل بسيادة البرلمان و سيادة القانون من حيث أنه المعبر عن سيادة الشعب‪ .‬فسيادة البرلمان مفوضة وليست مطلقة و‬
‫تمارس داخل اطار القانون و الدستور الن نفس الدستور اوجد البرلمان و نظم وظائفه التشريعية فكانت ارادة واضعه اعلى من ارادة‬
‫البرلمان وهى ايضا جزء من سيادة الشعب عالوة على أنه ال معنى لبرلمان معصوم من الخطأ و من الخطأ خرق الدستور‪.‬‬

‫قانون دستوري ‪ :‬توفيق الغناي‬

‫نائل سليماني‬

‫‪ -1‬الرقابة السياسية على دستورية القوانين‪:‬‬
‫نميز بين الرقابة غير المباشرة و تتمثل في التزام السلطة السياسية بتحريك الرقابة القضائية على دستورية القوانين و الرقابة‬
‫المباشرة عبر المجالس الدستورية‪.‬‬
‫ تحريك الرقابة القضائية على دستورية القوانين من قبل السلطة السياسية‪:‬‬‫هو دور موكول حصرا لرئيس الجمهورية و رئيس الحكومة و رئيس مجلس نواب الشعب و عدد من النواب‪ .‬فحسب الفصل ‪120‬‬
‫من الدستور "تختص المحكمة الدستورية دون سواها بمراقبة دستورية‪:‬‬
‫مشاريع القوانين بناء على طلب من رئيس الجمهورية أو رئيس الحكومة أو ثالثين عضوا من أعضاء مجلس نواب الشعب يُرفع‬‫إليها في أجل أقصاه سبعة أيام من تاريخ مصادقة المجلس على مشروع القانون أو من تاريخ مصادقته على مشروع قانون في صيغة‬
‫معدّلة بعد أن ت ّم ردّه من قبل رئيس الجمهورية‪،‬‬
‫ مشاريع القوانين الدستورية التي يعرضها عليها رئيس مجلس نواب الشعب حسبما هو مقرر بالفصل ‪ 144‬أو لمراقبة احترام‬‫إجراءات تعديل الدستور‪،‬‬
‫المعاهدات التي يعرضها عليها رئيس الجمهورية قبل ختم مشروع قانون الموافقة عليها‪،‬‬‫‪...‬‬
‫ النظام الداخلي لمجلس نواب الشعب الذي يعرضه عليها رئيس المجلس "‬‫هذا الدور مقيد من حيث الموضوع والزمن حسب نفس الفصل ‪ 120‬من الدستور‪ .‬فمن حيث الموضوع ال يمكن للجهات المذكورة‬
‫اال أن تحيل ما خولها إياه الدستور و نعني مشاريع القوانين العادية واألساسية و االستفتائية والدستورية و التعديالت المتعلقة بها و‬
‫المعاهدات الدولية‪ .‬و هذا يعني أن المحكمة الدستورية ال تنظر بناء على تحريك من السلطات السياسية المذكورة مثال في دستورية‬
‫المراسيم أو التراتيب و خاصة منها التراتيب المستقلة‪.‬‬
‫هذا الدور مقيد من الناحية الزمنية أيضا بآجال حددها الفصل ‪ 120‬بما يعني أنه بفواتها يسقط حق االثارة أمام المحكمة الدستورية بما‬
‫يمنع مراقبتها لدستورية تلك القوانين‪ .‬هذه الفرضية ممكنة خاصة و أن االحالة على المحكمة الدستورية تبدو إختيارية من خالل‬
‫عبارات الفصل ‪ 120‬المذكور و خاصة الفصل ‪ 66‬و الذي جاء فيه ” يجوز لألطراف المشار إليهم بالمطة األولى من الفصل ‪،120‬‬
‫خالل األيام الثالثة الموالية لمصادقة المجلس للمرة الثانية بعد الرد أو بعد انقضاء آجال ممارسة حق الرد دون حصوله‪ ،‬الطعن بعدم‬
‫الدستورية في أحكام قانون المالية أمام المحكمة الدستورية التي تبتّ في أجل ال يتجاوز األيام الخمسة الموالية للطعن‪.‬‬
‫في هذا اإلطار و تأكيدا للصبغة االختيارية لتعهد المحكمة الدستورية جاء بالفصل ‪ 42‬من مشروع القانون األساسي للمحكمة‬
‫الدستورية " لرئيس الجمهورية أن يعرض المعاهدات على المحكمة الدستورية لمراقبة دستوريتها" و جاء بالفصل ‪ 44‬من نفس‬
‫المشروع " لرئيس الجمهورية أو لرئيس الحكومة أو لثالثين نائبا على األقل بمجلس نواب الشعب رفع الطعن بعدم دستورية مشاريع‬
‫القوانين"‬
‫ولكن في بعض الحاالت األخرى يبدو أن التوجه للمحكمة الدستورية وجوبي و من ذلك ما جاء بالفصل ‪ ” 101‬ترفع النزاعات‬
‫المتعلقة باختصاص ك ل من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة إلى المحكمة الدستورية التي تبت في النزاع في أجل أسبوع بناء على‬
‫طلب يرفع إليها من أحرص الطرفين“ هذا ما أكده الفصل ‪ 74‬من مشروع القانون االساسي للمحكمة و من حاالت التعهد الوجوبي‬
‫نذكر الفصل ‪ 144‬في خصوص تعديل الدستور و الفصول ‪ 39‬و ‪ 40‬و ‪ 41‬من مشروع القانون األساسي للمحكمة الدستورية كما‬
‫سبقت دراستها‪.‬‬
‫و كذلك تأويل الفصل ‪ 61‬من مشروع القانون األساسي للمحكمة الدستورية لبعض مضمون الفصل ‪ 120‬من الدستور حيث جاء‬
‫بالفصل ‪ " 61‬يعرض رئيس مجلس نواب الشعب على المحكمة النظام الداخلي للمجلس و جميع التعديالت المدخلة عليه فور‬
‫المصادقة على كل منها و قبل الشروع في العمل بها" و تأكد هذا التأويل بالفصل ‪ 78‬من نفس المشروع في حين أن ال شئ في‬
‫الفصل ‪ 120‬يفيد االلزامية في مواقع و االختيار في مواقع اخرى‪.‬‬
‫في نفس المجال من االحالة الوجوبية نورد األمثلة التالية‪:‬‬
‫ الفصل ‪ 80‬من الدستور المتعلق بتعهد وجوبي للمحكمة الدستورية للبت في تواصل الظروف االستثنائية التي تبرر التدابير‬‫االستثنائية‪ .‬هذا ما تأكد بالفصل ‪ 72‬من مشروع االقانون االساسي للمحكمة‪.‬‬
‫ الفصل ‪ 84‬من الدستور بالنسبة النعقاد المحكمة الدستورية وجوبا للبت في الشغور الوقتي الذي تجاوز االجل القانوني الممكن او‬‫للبت في الشغور النهائي‪ .‬هذا ما أكده الفصل ‪ 68‬من مشروع القانون االساسي المتعلق بالمحكمة‪.‬‬
‫ الفصل ‪ 88‬من الدستور والمتعلق بالئحة اعفاء رئيس الجمهورية من مهامه و هو ما تأكد من خالل الفصل ‪ 64‬من مشروع القانون‬‫االساسي‪.‬‬
‫إن التوجه اختياريا للمحكمة الدسنتورية ال يضمن حماية الدستور وقد يرتهن بحسابات سياسية وحزبية و انتخابية ضيقة‪.‬‬
‫ تجربة المجالس الدستورية‪:‬‬‫إن الرقابة السياسية على دستورية القوانين عرفتها تونس من خالل تجربة المجلس الدستوري الذي أحدث سنة ‪ 1987‬و وقع حله‬
‫بموجب القانون التأسيسي عدد ‪ 6‬لسنة ‪.2011‬‬
‫عموما تتميز الرقابة السياسية على دستورية القوانين بالطبيعة السياسية للهيكل المختص بممارستها حيث يتكون في مجمل أعضائه‬
‫أو الجزء الغالب منهم من غير القضاة و قد يجمع بين القضاة والسياسيين والخبراء من أهل القانون خاصة‪ .‬هؤالء يخضعون للتعيين‬

‫قانون دستوري ‪ :‬توفيق الغناي‬

‫نائل سليماني‬

‫من قبل السلطة التنفيذية او التشريعية او السلطتين معا وقد يعين افراد بصفاتهم و هم عادة ممثلوا الهيئات القضائية العليا في الدولة‪،‬‬
‫أو لالنتخاب من داخل المؤسسات السياسية والمنظمات التي يتبعونها بما ال يضمن لهم عادة االستقاللية عنها و بما يسيس وقد يحزب‬
‫التركيبة و بالتبعية عمل الهيئة المكلفة بمراقبة دستورية القوانين‪.‬‬
‫و تكتسي عادة الرقابة السياسية طابعا وقائيا فهى غالبا رقابة سابقة تتعلق بدستورية مشاريع القوانين وال تشمل كل مصادر القانون بل‬
‫تقتصر على مشاريع النصوص التشريعية التي تحال على الهيئة المختصة عادة من قبل رئيس الجمهورية دون سواه بما يقلل من‬
‫حظوظ الرقابة و يخضع تدخل الهيئة المراقبة الرادة سلطة سياسية قد ال يروق لها أن تخضع للرقابة و يروق لها أن تخرق الدستور‪.‬‬
‫و هى أيضا رقابة اختيارية غالبا وقد تجمع احيانا بين مجاالت للرقابة االختيارية و اخرى للرقابة الوجوبية‪ .‬و هى رقابة مطابقة‬
‫للدستور وتالؤم معه بما يوسع من سلطة الهيئة المختصة في تأويل مدى احترام مشاريع القوانين للدستور ليتوج عملها بإصدار آراء‬
‫اشتشارية تضعف فاعلية الرقابة و قد تكون آراء أو قرارا ملزمة لمؤسسات الدولة بما يضمن فاعليتها‪.‬‬
‫في خصوص التجربة التونسية لم يكن دستور ‪ 1959‬في نسخته األصلية ينص على هيكل مختص بمراقبة دستورية القوانين بل أن‬
‫االعمال التحضيرية التي رافقت وضع الدستور كانت تدل على رفض فكرة مراقبة دستورية القوانين من قبل سلطة متخصصة و من‬
‫أهم مبررات الرفض نذكر‪:‬‬
‫* التركيز على الثقة في المشرع و تنزيهه من خرق الدستور و توسم حسن النية في نواب الشعب و مؤسسات الدولة الفتية‬
‫* نظام رقابة دستورية القوانين ال يتالءم مع بناء مؤسسات فاعلة في إطار بناء دولة حديثة و قوية و مستقرة فالرقابة قد تعيق هذه‬
‫المساعي‬
‫* الدستور اسند لرئيس الجمهورية صراحة مهمة حماية الدستور و تم تأويل ذلك على انه المؤهل دستوريا لرقابة دستورية القوانين‪.‬‬
‫هذه التعالت واهية وقد تكون متبطنة لمحاوالت لالتفاف على الدستور باكثر اريحية مع تغييب هيكل يسهر على حماية النص‬
‫القانوني االعلى داخل الدولة‪ .‬فتنزيه المشرع في غير محله الن البشر خطاء بالضرورة كما أن مؤسسة تحمي الدستور لن تكون اال‬
‫دعامة لبناء الدولة و ضمان استقاللرها و تدعيم مشروعية قوانينها و سياساتها الن بناء الدولة يرتبط بتدعيم مؤسساتها وقوانينها‬
‫ايضا أما القول بان رئيس الجمهورية هو الضامن الحترام الدستور فلئن يمنحه ال محالة دورا سياسيا لحماية الدستور يندرج ضمن‬
‫عالقاته بباقي مؤسسات الدولة فال يمنع من احداث هيكل مختص بمراقبة دستورية القوانين على غرار عديد الدول التي تضمنت‬
‫دساتيرها منح رئيس الدولة مهمة حماية الدستور على غرار فرنسا‪ .‬علىوة على ان رئيس الجمهورية قد يخرق ينفسه الدستور وهنا‬
‫يكون ال معنى لضمانه لحماية الدستور في غياب هيكل مختص‪.‬‬
‫في هذا االطار و بتاريخ ‪ 16‬ديسمبر ‪ 1987‬وقع إحداث المجلس الدستوري للجمهورية وكان ذلك بموجب أمر رئاسي عدد ‪1414‬‬
‫وكان بمثابة المجلس االستشاري التابع لرئيس الجمهورية النه أحدث بارادته التي لم تكن ضمانة كافية الستمرار وجوده‪ .‬ولهذا تطور‬
‫مع صدةر القانون عدد ‪ 39‬بتاريخ ‪ 18‬أفريل ‪ 1990‬النتعلق بتنظيم للمجلس الدستوري وأسند له الشخصية القانونية واالستقالل‬
‫المالي‪ .‬هذا التطور مهم النه جعل اساس وجود المجلس الدستوري مرتبطا بنص تشريعي ال بنص ترتيبي ولكن في نفس الوقت جعله‬
‫مرتهنا بارادة السلطة التشريعية‪ .‬لهذا تطور ليصبح مؤسسة دستورية على قدم المساواة بهذه الصفة مع السلطتين التنفيذية والتشريعية‬
‫و ذلك بموجب القانون الدستوري عدد ‪ 90‬المؤرخ في ‪ 1995/11/6‬حيث ادرج ضمن الدستور باب تاسع مخصص للمجلس‬
‫الدستوري و تضمن الفصول من ‪ 72‬الى ‪ .75‬و تطبيقا لهذه الفصول صدر القانون االساسي عدد ‪ 26‬المؤرخ في ‪ 1996/4/1‬ليتولى‬
‫بدال من قانون ‪ 1990‬تنظيم المجلس الدستوري ليحل محله الحقا القانون االساسي عدد ‪ 52‬المؤرخ في ‪ .2004/7/12‬و من أهم‬
‫المكتسبات لفائدة المجلس اعتباره مؤسسة دستورية تتمته بالشخصية القانونية و االستقالل المالي بما يدعم استقالليته مبدئيا تجاه‬
‫السلطتين التنفيذية والتشريعية‪.‬‬
‫بالنسبة للتركيبة كان المجلس الدستوري يتركب من ‪ 9‬اعضاء كان يحتكر رئيس الجمهورية تعيينهم ثم وبموجب الدستور اصبح‬
‫تعيينهم مشتركا بين رئيس الجمهورية الذي يعين ‪ 4‬اعضاء بمن فيهم الرئيس و عضوان يعينهما رئيس مجلس النواب من ذوي‬
‫الخبرة القانونيةالمتميزة و ‪ 3‬اعضاء يعينون بصفاتهم وهم الرئيس االول لمحكمة التعقيب و الرئيس االول للمحكمة االدارية و‬
‫الرئيس االول لدائرة المحاسبات‪ .‬و يكون التعيين لمدة ‪ 3‬سنوات قابلة للتجديد مرتين‪.‬‬
‫بالنسبة لل مهام مارس المجلس الدستوري بموجب القانون المنظم له و االحكام الدستورية عدة مهام فغلى جانب مراقبة دستورية‬
‫مشاريع القوانين كان مختصا بحماية مجال السلطة الترتيبية المستقلة الى جانب الرقابة على االنتخابات و االستفتاء‪.‬‬
‫أما بالنسبة لرقابة الدستورية و من حيث التعهد وقع تبني مركزية إثارة الرقابة من قبل رئيس الجمهورية دون غيره‪ .‬ولكن ميز‬
‫الدستور بين حاالت التعهد الوجوبي حيث يكون دور رئيس الجمهورية مقيدا و من ذلك مشاريع القوانين األساسية و بعض مشاريع‬
‫القوانين العادية و بعض المعاهدات الدولية‪ ،‬و حاالت التعهد االختياري حيث يتمتع رئيس الجمهورية بجدوى االثارة من عدمها و‬
‫يتحكم في تدخل المجلس الدستوري في خصوص المسائل التي تتعلق بتنظيم المؤسسات الدستورية و سيرها‪ .‬في كل الحاالت كانت‬
‫رقابة المجلس الدستوري وقائية تتسلط على مشاريع القوانين وليست رقابة على القوانين مما جعل القوانين السابقة للمجلس الدستوري‬
‫او التي لم يعرضها عليه رئيس الجمهورية تفلت من الرقابة حتى و ان كانت مخالفة للدستور‪.‬‬
‫و يمارس المجلس الدستوري رقابة مطابقة لنص الدستور و مضمونه و رقابة مالءمة لما يتبطنه النص من افكار ضمنية و من ترابط‬
‫بين مختلف أحكامه و البحث عن الخلفيات الفلسفية واالختيارات الجوهرية داخل نفس الدستور‪.‬‬
‫من حيث اآلثار كانت الرقابة تتمتع بنجاعة قانونية متفاوتة من حيث أن المجلس الدستوري كان يصدر آراء معللة و ملزمة لجميع‬
‫السلط العمومية هدى حاالت العرض االختياري و كانت اآلراء تنشر بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية‪.‬‬

‫قانون دستوري ‪ :‬توفيق الغناي‬

‫نائل سليماني‬

‫‪ -2‬الرقابة القضائية على دستورية القوانين‪:‬‬
‫تتعدد أصناف الرقابة القضائية و يمكن تصنيفها بحسب طبيعة سلطات القاضي إلى رقابة عن طريق الدفع و رقابة عن طريق‬
‫الدعوى‪.‬‬
‫* الرقابة عن طريق الدفع‪ :‬رقابة امتناع‪ :‬تتميز هذه الرقابة بجملة من الخصائص يفترض تحديدها قبل دراسة موقف القضاء‬
‫التونسي من نفس هذه الرقابة‪.‬‬
‫يمكن أن نحوصل أهم خصائص الرقابة عن طريق الدفع في ما يلي‪:‬‬
‫ يراقب القاضي الدفع بعدم الدستورية بصورة عرضية واستثنائية عندما يحاول تطبيق قانون على أحد أطراف دعوى قضائية‬‫موضوعها األصلي ال يتعلق بمراقبة دستورية القوانين فيدفع هذا الطرف بعدم دستورية ذلك القانون الستبعاد تطبيقه عليه‪.‬‬
‫ الدفع يمكن أن يثار أمام كل االجهزة القضائية (القضاء العدلي أو اإلداري أو الجزائي‪ )...‬و في أى طور من أطوار التقاضي‬‫(الطور االبتدائي‪ ،‬الطور االستئنافي والطور التعقيبي) فهو ال يفترض قاض مختص في مراقبة دستورية القوانين‪.‬‬
‫ الدفع بعدم الدستورية ال يتقيد بأجل يسقط بمروره‬‫ الرقابة القضائية عن طريق الدفع ال تحتاج لنص قانوني يجيزها ألنها مسالة إجرائية اعتراضية في إطار السير الطبيعي لدعوى‬‫قضائية وهى من طبيعة عمل القاضي المطالب بتطبق القوانين مع احترام تدرجها الهرمي بما يفيد اولوية التطبيق للنص االعلى على‬
‫النص االدنى في حال التعارض بين النصين‪ .‬هذا ما أكده القاضي مارشال في قضية ماربوري ضد ماديسون بتاريخ ‪ 1803‬في‬
‫الواليات المتحدة األمريكية‬
‫ عند الدفع بعدم الدستورية يوقف قاضي األصل النظر في الد عوى إما للبت بنفسه في الدفع أو إلحالته على المحكمة الدستورية‬‫بحسب ما تنص عليه قوانين الدولة‬
‫ القاضي ال يثير الدفع من تلقاء نفسه و عندما يبت فيه فيلتزم حدود ما اثاره صاحب الدفع‬‫ عندما ينظر القاضي في الدفع و يقر بجديته يبت فيه فإذا تأكدت عدم دستورية القانون موضوع الدفع فغن القاضي ال يلغيه بل فقط‬‫يمتنع عن تطبيقه في تلك القضية بما يلزم فقط أطراف الدعوى ال يلزم الغير كما ال يلزم قاض آخر في دعاوى مماثلة‪.‬‬
‫بالنسبة لموقف القضاء التونسي من الرقابة على دستورية القوانين عن طريق الدفع فقد تميز بالتذبذب و التناقض أحيانا‪ .‬لقد طرحت‬
‫هذه المسالة في خصوص دستورية قانون الجمعيات لسنة ‪ 1959‬و الذي اعتبرته محكمة امن الدولة في قضية تجمع الدراسات و‬
‫العمل االشتراكي التونسي بتاريخ ‪ 1968/6/10‬مطابقا للدستور لتقر بذلك أحقيتها في مراقبة دستورية القوانين عن طريق الدفع‪.‬‬
‫ولكن في قضية الحقة بتاريخ ‪ 1974/8/24‬رفضت إجراء الرقابة حيث جاء على لسانها " حيث ليس من دور القاضي كما يراه‬
‫بعض الفقهاء أن ينتصب للقضاء في عدالة قانون من القوانين أو صبغته االجتماعية أو االقتصادية و ليس من دوره أن يقدر دستورية‬
‫القانون أى أن يقدر ما للنص التشريعي من قيمة سياسي ة فالقانون هو تعبير عن إرادة صاحب السيادة بنفسه إذا كان األمر يتعلق‬
‫بالقوانين االستفتائية أو عن ممثليه إذا كان األمر يتعلق بقوانين أخرى فال صفة للقضاة حينئذ تخولهم تقدير صحة أعمال صاحب‬
‫السيادة وال تدخل هذه البادرة على كل حال في نطاق اختصاصهم فدور القضاة هو تطبيق القانون و تمكين السلطة القضائية من‬
‫مراقبة السلطة التشريعية يؤدي الى تحويل نشاط االولى الى ميدان ليس بميدانها و في ذلك خرق لمبدأ تفريق السلط"‬
‫هذا الموقف ضعيف التعليل على مختلف مستويات التبرير التي اعتمدتها المحكمة‪ .‬ولعل هذا ما يفسر قبولها الرقابة عن طريق الدفع‬
‫ضمنيا في قضية بتاريخ ‪.1977/8/19‬‬
‫و بتاريخ ‪ 1982/12/21‬و أمام محكمة االستئناف بتونس طرحت مسالة مراقبة دستورية القوانين عن طريق الدفع في قضية حركة‬
‫االتجاه االسالمي قبلت المحكمة الرقابة عن طريق الدفع‪.‬‬
‫و بتاريخ ‪ 1987/9/1‬وبقرار متناقض في داخله رفضت محك مة أمن الدولة الرقابة معللة ذلك بالقول " حيث أن مراقبة دستورية‬
‫القوانين ليست من اختصاص المحاكم عمال بقاعدة تفريق السلط و القوانين المقارنة سارت في هذا االتجاه و منها القانون الفرنسي‬
‫الذي حذا على منواله فقه القضاء عالوة على انه ال مخالفة دستورية في قانون محكمة أمن الدولة"‬
‫وبتاريخ ‪ 1987/12/24‬و بعد اسبوع من إحداث المجلس الدستوري للجمهورية صدر قرار عن الدائرة الجناحية للمحكمة االبتدائية‬
‫بالقيروان تحت عدد ‪ 51883‬ذكر في قرار القاضي مارشال سنة ‪ 1803‬حيث اجتهد القاضي في جمع المؤيدات لتأكيد احقيته بالرقابة‬
‫على دستورية القوانين عن طريق الدفع و مما جاء في هذا القرار "إن المحكمة تقر لنفسها بثبوت حق التصدي لبحث دستورية‬
‫القوانين عند الدفع أمامها بعدم الدستورية استنادا الى ان هذه الرقابة انما هى من طبيعة عمل القضاة الذي يقوم على تطبيق القانون‬
‫بمعناه الواسع‪ ...‬فالقضاء ملزم بت طبيق احكام الدستور و احكام القانون بمعناه الضيق على حد السواء غير انه حين يستحيل تطبيقها‬
‫معا لتعارض احكامها فال مناص من تطبيق احكام الدستور عمال بقاعدة تدرج التشريع"‬
‫وقع استئناف هذا القرار الذي انتهى الى دستورية الفصل ‪ 4‬من قانون ‪ 1959/11/7‬المتعلق بالجمعيات أمام محكمة االستئناف‬
‫بسوسة التي و في قرارها عدد ‪ 58519‬بتاريخ ‪ 1987/4/11‬أكدت ايضا اختصاص القاضي بالرقابة على دستورية القوانين عن‬
‫طريق الدفع مستندة الى عدة مبررات تشبه الى حد كبير مبررات محكمة القيروان ولكنها اعتبرت أن الفصل ‪ 4‬من قانون الجمعيات‬
‫مخالف للدستور‪.‬‬
‫وقع تعقيب هذا القرار و صدر القرار التعقيبي عدد ‪ 971/27‬بتاريخ ‪ 1988/6/1‬ليرفض اختصاص القاضي بالرقابة على دستورية‬
‫القوانين عن طريق الدفع مستندة خاصة الى القول أن الرقابة عن طريق الدفع تقرها الدساتير والدستور التونسي لم يقرها صراحة‪،‬‬
‫وان العيوب التي تتسرب ال ى القوانين يصلحها البرلمان‪ ،‬و ان هذه الرقابة تفضي الى حكومة القضاة بما يتعارض مع مبدا الفصل‬

‫قانون دستوري ‪ :‬توفيق الغناي‬

‫نائل سليماني‬

‫بين السلطات و ان البرلمان يستمد نفوذه من المشروعية االنتخابية و من سلطة صاحب السيادة كما أن هذه الرقابة عن طريق الدفع‬
‫تفضي الى تضارب المواقف واالحكام بما يفقد القضاء كل مصداقية‪.‬‬
‫هذه المبررات ضعيفة و مع ذلك تدعم الموقف الرافض لمحكمة التعقيب الحقا في قراراها عدد ‪ 25425‬بتاريخ ‪ .1988/6/23‬ولكن‬
‫من الغرائب أن المحكمة في القرارين اجتهدت الستبعاد الرقابة عن طريق الدفع و مارستها فعليا‪.‬‬
‫* الرقابة عن طريق الدعوى‪ :‬رقابة الغاء‪ :‬سنتناول أهم خصائصها قبل أن ندرس التجربة المؤقتة ثم التجربة الدائمة في تونس‬
‫‪ +‬خصائص الرقابة على دستورية القوانين عن طريق الدعوى‪:‬‬
‫يمكن أن نجمل هذه الخصائص في ما يلي‪:‬‬
‫ تمارس هذه الرقابة على دستورية القوانين في إطار دعوى مباشرة موضوعها االصلي مراقبة دستورية نص قانوني ولهذا فهى‬‫تحتاج لنص قانوني يجيزها و ينظم اجراءاتها و يحدد القاضي المختص واآلجال و اآلثار‬
‫ عادة ما يسند القانون االختصاص لمحكمة مختصة هى المحكمة الدستورية التي تعرفها عديد الدول على غرار النمسا و المانيا و‬‫ايطاليا و اسبانيا ولكن بعض الدول اسندت االختصاص للمحكمة العليا في السلم القضائي على غرار المحكمة االتحادية العليا في‬
‫سوسرا و مجلس الدولة في اللكسمبورغ‬
‫ إثارة الدعوى تسند عادة حسب النصوص القانونية لمؤسسات الدولة على غرار رئيس الدولة و رئيس الحكومة و النواب بالبرلمان‬‫و القضاء ولكن قد تسند ايضا لع دد من المواطنين على قرار القانون االسباني و القانون النمساوي أما القانون االيطالي فقبل الدفع من‬
‫المواطنين أمام محاكم الحق العام ولعى هذه االخيرة احالة الدفع للبت فيه امام المحكمة الدستورية‪ .‬بل أن بعض الدول مكنت المحكمة‬
‫الدستورية من التعهد التلقائي على غرار القانون النمساوي‬
‫ الدعوى تخضع آلجال حيث بفواتها تسقط‬‫ الرقابة عن طريق الدعوى قد تكون رقابة على مشاريع القوانين و قد تكون رقابة على القوانين بحسب ما تجيزه القوانين داخل‬‫مختلف الدول‪ .‬وقد تشمل كل أصناف القوانين على غرار المثال البرتغالي وقد تستهدف فقط بعض القوانين‪.‬‬
‫ من حيث اآلثار تهدف الرقابة عن طريق الدعوى اللغاء النص موضوع الرقابة سواء كان قانون أو مشروع قانون و يكون الحكم‬‫الصادر عن المحكمة الدستورية ملزما لجميع السلطات وال يقبل الطعن فهو حكم بات‪.‬‬
‫‪ +‬التجربة المؤقتة‪:‬الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية مشاريع القوانين‪:‬‬
‫أحدثت هذه الهيئة بموجب الفصل ‪ 148‬من األحكام االنتقالية لدستور ‪ 2014‬بما يؤكد أنها هيئة وقتية انتقالية قبل إرساء الحل الدائم‬
‫المتمثل في المحكمة الدستورية‪ .‬حيث جاء بالفقرة ‪ 7‬من هذا الفصل " يحدث المجلس الوطني التأسيسي بقانون أساسي‪ ،‬خالل األشهر‬
‫الثالث ة التي تلي ختم الدستور‪ ،‬هيئة وقتية تختص بمراقبة دستورية مشاريع القوانين" و أضاف نفس الفصل أنه " تنتهي مهام الهيئة‬
‫بإرساء المحكمة الدستورية"‪ ،‬ليقع تنظيمها الحقا بالقانون األساسي عدد ‪ 14‬المؤرخ في ‪ .2014/4/18‬وبعد أخذ و رد بين مطالب‬
‫بهيكل يسهر على احترام الدست ور الجديد و رافض لذلك في انتظار إرساء مؤسسات الدولة الجديدة و نفاذ كل مضامين الدستور بما‬
‫فيها إحداث المحكمة الدستورية‪ .‬هذا يعني أن ظروف نشأة هذه الهيئة الوقتية لم تكن ظروفا مالئمة لتثمين دورها و منحها الهيبة‬
‫الضرورية ‪,‬إذا اضفنا أن بداية عملها تزامنت مع التعجيل سياسيا بالمصادقة على القانون االنتخابي و المرور لتنظيم االنتخابات‬
‫التشريعية والرئاسية لسنة ‪ 2014‬و كذلك االزمة التي أحدثتها المحكمة االدارية والتي انتصبت لحماية الدستور في غياب هيكل‬
‫مكلف بذبك بما أزعج بعض السياسيين و بعض االحزاب‪ ،‬نفهم أن هذه الهيئة ولدت وسط مصاعب ظرفية تدعمت بتنظيم قانوني فيه‬
‫عديد السلبيات‪.‬‬
‫حسب الفقرة ‪ 7‬من الفصل ‪ 148‬من دستور ‪ 2014‬تتكون الهيئة الوقتية من ‪ 6‬أعضاء‪ :‬ثالثة أعضاء يعينون بالصفة وهم الرئيس‬
‫األول لمحكمة التعقيب رئيسا‪ ،‬الرئيس األول للمحكمة اإلدارية عضوا‪،‬الرئيس األول لدائرة المحاسبات عضوا‪ ،‬وكل هؤالء وقع‬
‫تغييرهم قبل تكوين هذه الهيئة بما يكون دليال على توظيف معين للهيئة و محاصرتها قبل شروعها في العمل‪ ،‬و ثالثة أعضاء من‬
‫ذوي االختصاص القانوني يعينهم تباعا وبالتساوي بينهم كل من رئيس المجلس الوطني التأسيسي ورئيس الجمهورية ورئيس‬
‫الحكومة‪.‬‬
‫وبالنسبة لشروط العضوية و حسب الفصل ‪ 5‬من نفس القانون " يشترط في األعضاء المعينين من ذوي االختصاص القانوني أن ال‬
‫والحياد‪.‬‬
‫واالستقاللية‬
‫النزاهة‬
‫شروط‬
‫فيهم‬
‫تتوفر‬
‫وأن‬
‫سنة‬
‫عشرين‬
‫عن‬
‫خبرتهم‬
‫تقل‬
‫يكون‪:‬‬
‫ال‬
‫أن‬
‫الهيئة‬
‫لعضوية‬
‫يعين‬
‫من‬
‫في‬
‫يشترط‬
‫كما‬
‫تعيينه‪،‬‬
‫عند‬
‫قائمة‬
‫حكومة‬
‫أعضاء‬
‫من‬
‫ـ‬
‫الشعب‪،‬‬
‫نواب‬
‫مجلس‬
‫أو‬
‫التأسيسي‬
‫الوطني‬
‫المجلس‬
‫أعضاء‬
‫من‬
‫ـ‬
‫لتعيينه‪،‬‬
‫السابقة‬
‫الخمس‬
‫السنوات‬
‫طيلة‬
‫حزب‬
‫في‬
‫مسؤولية‬
‫تحمل‬
‫ـ‬
‫ـ من أعضاء حكومات مرحلة ما قبل ‪ 14‬جانفي ‪ 2011‬أو من األعضاء السابقين بمجلس النواب أو بمجلس المستشارين أو من‬
‫الدستوري‪.‬‬
‫بالمجلس‬
‫السابقين‬
‫األعضاء‬
‫ـ ممن تحمل مسؤولية في حزب التجمع الدستوري الديمقراطي المنحل"‬
‫وهي شروط جمعت بين البحث عن االستقاللية والنجاعة و القطع مع النظام السابق و ما تسبب فيه من ضعف و احتواء واختراق‬
‫للمجلس الدستوري بما انحرف به عن مسار حماية الدستور لحماية التوجهات السياسية احيانا للنظام القائم‪.‬‬

‫قانون دستوري ‪ :‬توفيق الغناي‬

‫نائل سليماني‬

‫وقع عمليا تعيين األعضاء من ذوي االختصاص بموجب القرار الجمهوري عدد ‪ 89‬المؤرخ في ‪ 2014/4/22‬وهم االساتذة لطفي‬
‫طرشونة و سامي الجربي و ليلى الشيخاوي‪.‬‬
‫هذه األحكام في التعيين يحترم أيضا عند حصول شغور داخل الهيئة الستقالة أو تخل أو إعفاء أو عجز تام أو وفاة حسب الفصل ‪13‬‬
‫من القانون االساسي عدد ‪ 14‬لسنة ‪.2014‬‬
‫و تدعيما الستقاللية أعضاء الهيئة و ضمان مردودية الرقابة التي يمارسونه فقد منع نفس القانون عليهم أن يطمحوا لرئاسة أو‬
‫عضوية المحكمة الدستورية حتى ال تمارس عليهم ضغوطات تتخذ شكل مساومات تحد من استقاللية الرقابة و نزاهتها‪ .‬وهو شرط‬
‫قابل للنقاش و كان موضوع اختالف بين عديد الدارسين‪.‬‬
‫بالنسبة للتنظيم الوظيفي للهيئة فحسب الفصل األول من القانون األساسي عدد ‪ 14‬لسنة ‪ " 2014‬تحدث بمقتضى هذا القانون األساسي‬
‫هيئة قضائية وقتية مستقلة تختص بمراقبة دستورية مشاريع القوانين تسمى الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية مشاريع القوانين "‪.‬‬
‫واضح أن المشرع كيف الهيئة بالمؤسسة القضائية و بالتبعية كيف ضمنيا رقابتها بالقضائية ضمانا ألكثر استقاللية و تأكيدا على‬
‫نزاهتها وفاعليتها من منطلق استقاللية أصلية للقضاء‪.‬‬
‫هذه االستقال لية الوظيفية الضرورية لضمان الفاعلية ترتبط أوال باالستقاللية الهيكلية و لكن ايضا بضمانات وظيفية أخرى من أهمها‬
‫ما نص عليه نفس الفصل االول من أنه " تتمتع الهيئة باالستقاللية اإلدارية والمالية في إطار ميزانية الدولة"‪ .‬و تتمة لذلك أكد الفصل‬
‫‪ 14‬من هذا القانون أ نه " يتولى رئيس الهيئة تسيير شؤونها ويسهر على سير أعمالها وهو آمر صرفها‪ ،‬وله أن يفوض إمضاءه في‬
‫الصرف وفق اإلجراءات والشروط المنصوص عليها في القوانين الجاري بها العمل‪ .‬تضع الدولة على ذمة الهيئة جميع اإلمكانيات‬
‫البشرية والمادية التي تخول لها القيام بمهامها بكل استقاللية"‪.‬‬
‫كما اقر المشرع لفائدة االعضاء حق التمتع بمنح مالية يضبطها أمر صادر عن رئيس الحكومة لتحفيزهم و ضمان جديتهم في‬
‫ممارسة مهامهم الرقابية‪ .‬و في المقابل و ضمانا للنزاهة فعلى هؤالء واجب التصريح على الشرف بالممتلكات حسب القوانين‬
‫السارية‪.‬‬
‫و يتمتع أعض اء الهيئة بحصانة قضائية تجعلهم يعملون في اريحية و في مأمن من كل ضغط وتهديد‪ .‬في هذا االطار جاء بالفصل ‪10‬‬
‫من القانون االساسي عدد ‪ 14‬لسنة ‪ " 2014‬يمتع رئيس الهيئة وأعضاؤها بحصانة جزائية وال يمكن تتبع أي منهم أو إيقافه ما لم‬
‫ترفع عنه الحصانة‪ ،‬وفي حالة التلبس بجريمة يجوز إيقافه وإعالم الهيئة التي تبت في مطلب رفع الحصانة"‬
‫وضمان لجدية األعضاء عليهم قانونيا واجب حضور الجلسات و يعتبر متخليا كل عضو تغيب عنها ثالث مرات متتالية دون عذر‬
‫شرعي‪ .‬و يمكن التصريح بإعفاء أحد االعضاء كلما ثبت اخالله بكل الواجبات المحمولة عليه بنص اليمين التي يتلوها عند تنصيبه‬
‫أو بموجب القانون و الدستور‪.‬‬
‫من حيث التعهد بمراقبة الدستورية نص الفصل ‪ 3‬من القانون االساسي عدد ‪ 14‬لسنة ‪ 2014‬على انه " تتولى الهيئة مراقبة دستورية‬
‫مشاريع القوانين بناء على طلب من رئيس الجمهورية أو رئيس الحكومة أو ثالثين نائبا على األقل"‪.‬‬
‫وحسب نفس الفصل "يقصد بمشاريع القوانين كافة النصوص التشريعية المصادق عليها من المجلس الوطني التأسيسي أو مجلس‬
‫نواب الشعب والتي لم يتم ختمها بعد"‪.‬‬
‫فرقابتها رقابة استباقية أو وقائية تتسلط عن طريق الدعوى ال الدفع على مشاريع القوانين بما بعني أنها ال تراقب كل اصناف القوانين‬
‫من جهة وال تراقب القوانين النافذة من جهة أخرى و هذا يبرر بانها هيئة وقتية انتقالية دورها تامين االنتقال الديمقراطي و المرور‬
‫الى المرحة الدائمة بما يفترض عدم تكبيلها بجهد ال طاقة لها به في حيز زمني ضيق‪ .‬ولهذا ايضا تم حصر الحق في التوجه للهيئة‬
‫في رئيس الحكومة و رئيس الجمهورية و عدد من النواب دون بقية مؤسسات الدولة و دون إمكانية لتدخل مكونات الرأى العام على‬
‫غرار المواطنين و مكونات المجتمع المدني‪.‬‬
‫وقد منح المشرع الهيئة الوقتية اختصاصا تفردت به حيث نص نفس الفصل ‪ 3‬المذكور أنه " تعتبر سائر المحاكم غير مخولة لمراقبة‬
‫دستورية القوانين" وهو منع مطلق ينسحب على الرقابة عن طريق الدفع و لكنه منع غير منطقي وال يقنع ولهذا تجاوزته المحكمة‬
‫االدارية مستندة الى أن الفصل ‪ 102‬من الدستور ينص على أن " القضاء سلطة مستقلة تضمن اقامة العدل و علوية الدستور و سيادة‬
‫القانون و حماية الحقوق والحريات"‬
‫في هذا االطار و عن المحكمة االدارية جاء بالقرار عدد ‪ 134854‬بتاريخ ‪ 7‬نوفمبر ‪ 2013‬في قضية سنية بن عمر ضدّ رئيس‬
‫المجلس الوطني التّأسيسي بصفته رئيس لجنة فرز التّر ّ‬
‫شحات لعضوية الهيئة العليا المستقلّة لإلنتخابات أنّه" وحيث لئن كان دور‬
‫القاضي اإلداري يتمثّل في التّثبّت من مدى حسن تطبيق القانون‪ ،‬فإنّه من واجبه في غياب محكمة دستورية تبتّ بصفة أصلية في‬
‫مطابقة القانون للدّستور‪ ،‬النّظر في مدى إحترام النّص التّشريعي لمصادر القانون التي تعلوه‪ ".‬بل أن المحكمة ذهبت ابعد من ذلك‬
‫حين قب لت الرقابة عن طريق الدفع في خصوص النصوص التي لم تكن موضوع دفع و بت فيه من قبل الهيئة الوقتية و في مجال‬
‫عمل هذه الهيئة‪ .‬ففي قرارها عدد ‪ 30006‬بتاريخ ‪ " 2014/10/10‬و حيث اقتضى الفصل ‪ 148‬من الدستور في فقرته السابعة أن‬
‫يحدث المجلس الوطني التاسيسي بقانون اساسي خال ل االشهر الثالثة التي تلي ختم الدستور هيئة وقتية تختص بمراقبة دستورية‬
‫مشاريع القوانين‪ ...‬و تعتبر سائر المحاكم غير مخولة لمراقبة دستورية القوانين ‪ .‬وحيث لم يسبق للهيئة الوقتية لمراقبة دستورية‬
‫مشاريع القوانين ان بتت في مسألة التزكيات المتمسك بها من قبل المدعي مما يجوز معه بالتالي لهذه المحكمة النظر فيها"‪.‬‬
‫وحسب الفصل ‪ 18‬من القانون األساسي " تنظر الهيئة في دستورية مشاريع القوانين بناء على طلب من رئيس الجمهورية أو رئيس‬
‫الحكومة أو ثالثين نائبا على األقل يرفع إليها في أجل أقصاه سبعة أيام من تاريخ مصادقة المجلس على مشروع القانون المطعون فيه‬
‫أو المطعون في أحد أحكامه‪".‬‬

‫قانون دستوري ‪ :‬توفيق الغناي‬

‫نائل سليماني‬

‫وترفع الطعون بعريضة كتابية ممضاة من المعنيين بها و معللة تودع لدى كتابة الهيئة مقابل وصل يثبت تسليمها‪ .‬ويتولى رئيس‬
‫الهيئة اعالم الجهات السياسية المعنية بتقديم الطعن و يوجه لهم نسخة منه الرسال ردهم عليه‪.‬‬
‫بالنسبة لجلسات الهيئة و حسب الفصل ‪ 16‬من القانون االساسي " تجتمع الهيئة بدعوة من رئيسها أو أحد نائبيه عند االقتضاء أو‬
‫بطلب من ثلثي أعضائها‪ .‬يترأس الجلسة الرئيس أو أحد نائبيه عند االقتضاء ويحفظ نظامها ويسهر على عملية التصويت"‬
‫الجلسات سرية وال تكون قانونية إال بتوفر النصاب وهو أغلبية االعضاء‪.‬‬
‫تبت الهيئة في مرحلة أولى في قبول أو رفض الطعن شكال و في حالة القبول تبت فيه من حيث االصل‪.‬‬
‫من حيث الفاعلية الوظيفية واآلثار جاء بالفصل ‪ 21‬من القانون االساسي " تتخذ الهيئة قراراتها باألغلبية المطلقة ألعضائها في أجل‬
‫عشرة أيام قابلة للتمديد بقرار معلل مرة واحدة لمدة أسبوع‪ .‬تكون قرارات الهيئة معللة وتصدر باسم الشعب وتنشر بالرائد الرسمي‬
‫للجمهورية التونسية في أجل أسبوع من إصدار القرار ‪ .‬قرارات الهيئة ملزمة لجميع السلطات"‪.‬‬
‫هنا تحديدا يطرح مشكل االغلبية المطلقة داخل تركيبة ال يتجاوز عدد اعضائها الستة بما يعيق التصويت و يعيق بت المحكمة في‬
‫بعض المطاعن وهو ما حصل بالنسبة مثال للطعن في عدم دستورية منع االمنيين والعسكريين من حق االنتخاب حيث لم تحصل‬
‫االغبية و تساوت االصوات و كانت الهيئة مجبرة على احالة الملف لرئيس الجمهورية ليأخذ منحا سياسيا ال قانونيا دستوريا‪.‬‬
‫عمليا نجحت الهيئة الوقتية في فرض جملة من المبادئ الشكلية واالجرائية لقبول الدعاوى أمامها كما فرضت بعض المبادئ لتأويل‬
‫الدستور بما ساهم في حمايته ة تركت بذلك للمحكمة الدستورية إرثا ثريا يمكن االنطالق منه و تدعيمه دائما ضمانا الحترام‬
‫الدستور‪..‬‬
‫‪ +‬التجربة الدائمة‪ :‬المحكمة الدستورية‪:‬‬
‫المحكمة الدستورية هيئة قضائية مستقلة أحدثها دستور ‪ 2014‬و نظمها حسب احكام الفصل ‪ 124‬من نفس الدستور قانون أساسي‬
‫وقعت المصادقة عليه بتاريخ ‪ 2015/11/30‬باغلبية ‪ 130‬نائبا واحتفاظ ‪ 3‬نواب و عدم وجود اعتراض و وقع ختمه من قبل رئيس‬
‫الجمهورية بتاريخ ‪ ،2015/12/3‬لينشر في الرائد الرسمي للجمهورية التونسية تحت عدد ‪ 50‬بتاريخ ‪ 2015/12/3‬و بالرائد الرسمي‬
‫عدد ‪ 98‬بتاريخ ‪ ، 2015/12/8‬وهى دستوريا جزء من السلطة القضائية بما يجعلها تخضع لنفس المبادئ الناظمة للقضاء والضامنة‬
‫الستقالليته وفاعليته‪ .‬و من ذلك ما جاء بالفصل ‪ 102‬من الدستور " القضاء سلطة مستقلة تضمن إقامة العدل‪ ،‬وعلوية الدستور‪،‬‬
‫وسيادة القانون‪ ،‬وحماية الحقوق والحريات‪ .‬القاضي مستقل ال سلطان عليه في قضائه لغير القانون" واالستقاللية هى استقاللية‬
‫شخصية من جهة و وظيفية من جهة أخرى و بعالرة أخرى أكد الدستور على استقاللية القاضي و استقاللية القضاء‪.‬‬
‫و دعما الستقاللية ممارسة القاضي لوظائفه أى لالستقاللية الوظيفية جاء بالفصل ‪ 104‬من الدستور " يتمتع القاضي بحصانة‬
‫جزائية‪ ،‬وال يمكن تتبعه أو إيقافه ما لم ترفع عنه‪ ،‬وفي حالة التلبس بجريمة يجوز إيقافه وإعالم مجلس القضاء الراجع إليه بالنظر‬
‫الذي يبت في مطلب رفع الحصانة"‬
‫و ترجمة لهذه األحكام الدستورية جاء بالفصل ‪ 22‬من القانون األساسي المنظم للمحكمة الدستوري " تمتع كل عضو من أعضاء‬
‫المحكمة الدستورية أثناء مباشرة مهامه بحصانة ضدّ التتبّعات الجزائيّة وال يمكن تتبعه أو إيقافه ما لم ترفع المحكمة عنه‬
‫الحصانة‪.‬وفي حالة التلبس بالجريمة يجوز إيقافه وإعالم المحكمة الدستورية فورا التي تبتّ في طلب رفع الحصانة حال توصلها‬
‫بالطلب‪.‬ويتم رفع الحصانة باألغلبية المطلقة ألعضاء المحكمة وال يشارك العضو المعني في التصويت وال يحضره"‪.‬‬
‫و من مقومات االستقاللية الشخصية الشروط المتصلة بانتداب القضاة والتي جاءت بالفصل ‪ 103‬من الدستور " يشترط في القاضي‬
‫الكفاءة‪ .‬ويجب عليه االلتزام بالحياد والنزاهة‪ ،‬وك ّل إخالل منه في أدائه لواجباته موجب للمساءلة‪".‬‬
‫في نفس هذا االطار من ضمانات استقاللية وفاعلية أعضاء المحكمة الدستورية اقر الفصل ‪ 23‬من القانون االساسي للمحكمة أن‬
‫يتمتع رئيسها بامتيازات و تأجير وزير و يتمتع األعضاء بامتيازات و تأجير كاتب دولة و تصرف االمتيازات المالية من الميزانية‬
‫الخاصة بالمحكمة‪.‬‬
‫و في المقابل و حسب الفصل ‪ 25‬من نفس ال قانون يتعين على األعضاء التصريح بمكاسبهم لدى دائرة المحاسبات في أجل أقصاه‬
‫شهر من تاريخ مباشرتهم لمهامهم‪.‬‬
‫في نفس االتجاه من ضمان استقاللية اعضاء المحكمة منع الفصل ‪ 26‬من القانون االساسي الجمع بين عضوية المحكمة و وظائف او‬
‫مهام اخرى بمقابل او بدونه حتى ال يقع االعضاء تحت ضغط تضارب المصالح مثال او ضغط المشغل بما ينحرف بدورهم في‬
‫ضمان علوية الدستور‪.‬‬
‫إن استقاللية أعضاء المحكمة و نزاهتهم تبرر آداء اليمين التي تمثل التزاما أخالقيا باالخالص واألمانة و النزاهة و حفظ اسرار‬
‫المداوالت حسب الفصل ‪ 15‬من القانون االساسي‪ .‬و من تبعات ذلك حسب نفس القانون بفصله ‪ 27‬واجب قانوني محمول على‬
‫األعضاء باحترام واجب التحفظ و عدم إفشاء السر المهني و اإلدالء باستشارات و آراء لها عالقة بعمل المحكمة عدى التعليق على‬
‫قراراتها بالمجالت القانونية‪ .‬وهنا نتساءل أال يعتبر التعليق وسيلة للخروج عن واجب التحفظ ؟‬
‫و دائما ضمانا الستقاللية و نزاهة األعضاء يجوز التجريح فيهم أمام المحكمة التي تبت في ذلك ألغلبية الثلثين دون إمكانية لمشاركة‬
‫المعني و لكن بعد سماعه حسب أحكام الفصل ‪ 28‬من القانون األساسي‪.‬‬
‫من حيث التركيبة وتناغما مع هذه الضمانات جاء بالفصل ‪ 118‬من الدستور " المحكمة الدستورية هيئة قضائية مستقلة تتر ّكب من‬
‫اثني عشر عضوا من ذوي الكفاءة‪ ،‬ثالثة أرباعهم من المختصين في القانون الذين ال تقل خبرتهم عن عشرين سنة‪ .‬يعيّن كل من‬

‫قانون دستوري ‪ :‬توفيق الغناي‬

‫نائل سليماني‬

‫رئيس الجمهورية‪ ،‬ومجلس نواب الشعب‪ ،‬والمجلس األعلى للقضاء‪ ،‬أربعة أعضاء‪ ،‬على أن يكون ثالثة أرباعهم من المختصين في‬
‫القانون‪ .‬ويكون التعيين لفترة واحدة مدّتها تسع سنوات‪.‬‬
‫يجدَّد ثلث أعضاء المحكمة الدستورية ك ّل ثالث سنوات‪ ،‬ويُسدُّ الشغور الحاصل في تركيبة المحكمة بالطريقة المعتمدة عند تكوينها‬
‫مع مراعاة جهة التعيين واالختصاص‪.‬‬
‫نتخب أعضاء المحكمة من بينهم رئيسا ونائبا له من المختصين في القانون"‬
‫يَ ِّ‬
‫و حسب الفصل ‪ 7‬من القانون األساسي "تتركب المحكمة الدستورية من إثني عشرة عضوا‪ ،‬ثالثة أرباعهم من المختصين في‬
‫القانون" و يضيف الفصل ‪" 18‬يت ّم تعيين أعضاء المحكمة الدستورية لفترة واحدة مدّتها تسع سنوات ‪.‬ويجدد ثلث أعضاء المحكمة‬
‫الدستورية كل ثالث سنوات طبق شروط وإجراءات العضوية المنصوص عليها بهذا القانون"‪.‬‬
‫إن مدة العضوية داخل المحكمة الدستورية محددة و هذا يضمن لألعضاء االستقرار واالستقاللية ويبعدهم عن الضغط ك ما أن‬
‫التجديد من شأنه إدخال ديناميكية جديدة داخل المحكمة ولو انه قد يعيق التواصل على مستوى المنهج خاصة و كان األجدر تحديد مدة‬
‫واحدة مثال ب‪ 6‬سنوات غير قابلة للتجديد‪.‬‬
‫تطبيقا لهذه األحكام وضع المشرع جملة من الشروط لعضوية المحكمة‪ .‬هذه الشروط بعضها عام و مشترك و بعضها خاص‬
‫باألعضاء من ذوي االختصاص في القانون‪ ،‬بعضها دقيق و البعض قابل للتأويل والنقاش كما الحظنا في مداوالت مجلس نواب‬
‫الشعب في خصوص العضوية داخل المحكمة الدستورية‪.‬‬
‫بالنسبة للشروط العامة و حسب الفصل ‪ 8‬من القانون االساسي‪:‬‬
‫‪ ‬الجنسية التونسية منذ ‪ 5‬اعوام على االقل‬
‫‪ ‬السن الدنيا ‪ 45‬سنة‬
‫‪ ‬خبرة ال تقل عن ‪ 20‬سنة‬
‫‪ ‬من ذوي الكفاءة واالستقاللية والنزاهة‬
‫‪ ‬ال يكون قد تحمل مسؤولية حزبية مركزية او جهوية او محلية او كان مرشح حزب او ائتالف النتخابات رئاسية او‬
‫تشريعية او محلية خالل ‪ 10‬سنوات قبل التعيين بالمحكمة الدستورية‬
‫‪ ‬التمتع بالحقوق المدنية والسياسية‬
‫‪ ‬عدم التعرض لعقوبة تأديبية‬
‫‪ ‬نقي السوابق العدلية من الجرائم القصدية‬
‫في خصوص الشروط الخاصة بالمختصين في القانون و حسب الفصل ‪ 9‬من نفس القانون فقد ربطت بين الخبرة و الرتبة العلمية و‬
‫المهنية مع التنوع على مستوى المجاالت المعنية بالتخصص في القانون‪:‬‬
‫‪ ‬من المدرسين الباحثين التابعين للجامعات بخبرة ال تقل عن ‪ 20‬سنة و برتبة استاذ تعليم عالي‬
‫‪ ‬أو قاضيا مباشرا منذ ‪ 20‬سنة على االقل من أعلى رتبة‬
‫‪ ‬أو محاميا مباشرا للمحاماة منذ ‪ 20‬سنة على االقل و مرسما لدى التعقيب‬
‫‪ ‬أو من ذوي التجربة في الميدان القانوني منذ ‪ 20‬سنة على االقل و حامال لشهادة الدكتوراه في القانون او ما يعادلها‬
‫‪ ‬يشترط في العض من غير المختصين في القانون ان يكون حامال لشهادة الدكتوراه او ما يعادلها‪.‬‬
‫وضمانا الستقاللية أعضاء المحكمة الدستورية يح ّجر حسب الفصل ‪ 119‬الجمع بين عضوية هذه المحكمة ومباشرة أي وظائف أو‬
‫مهام أخرى سياسية أو إدارية أو غيرها‪.‬‬
‫و حسب الفصل ‪ 10‬من القانون األساسي يتم التعيين من قبل الجهات التي حددها الدستور "مع السعى إلى احترام مبدأ التناصف"‬
‫تطبيقا للفصل ‪ 46‬من الدستور و الذي جاء فيه "تلتزم الدولة بحماية الحقوق المكتسبة للمرأة وتعمل على دعمها وتطويرها‪.‬‬
‫تضمن الدولة تكافؤ الفرص بين الرجل والمرأة في تحمل مختلف المسؤوليات وفي جميع المجاالت‪.‬تسعى الدولة إلى تحقيق‬
‫التناصف بين المرأة والرجل في المجالس المنتخبة"‪ .‬و السعى يعني بذل الجهد دون إلتزام بتحقيق النتيجة‪.‬‬
‫وقد فصل المشرع بالفصول ‪ 11‬و ‪ 12‬و ‪ 13‬كيفية تعيين االعضاء المحكمة الدستورية من طرف مجلس نواب الشعب باالنتخاب من‬
‫قبل الجلسة العامة و رئيس الجمهورية باالختيار الشخصي المباشر و المجلس األعلى للقضاء باالنتخاب من قبل الجلسة العامة‪ .‬و تقع‬
‫تسمية كل األعضاء بأمر رئاسي ينشر بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية حسب الفصل ‪ 14‬من نفس القانون األساسي المتعلق‬
‫بالمحكمة‪.‬‬
‫و حسب الفصل ‪ 16‬من القانون األساسي يجتمع األعضاء النتخاب رئيس المحكمة و نائبة من ذوي االختصاص في القانون و‬
‫باألغلبية المطلقة على أن يفوز األكبر سنا في حال التساوي في األصوات‪.‬‬
‫ولقد نظم القانون األساسي اإلجراءات المستوجبة في حاالت الشغور النهائي للرئيس و لالعضاء داخل المحكمة الدستورية و ذلك‬
‫بالفصول ‪ 17‬و ‪ 20‬و ‪ 21‬لضمان تواصل عمل المحكمة دون انقطاع‪.‬‬
‫من حيث المهام و إضافة الى ما سبق التعرض إليه عند دراسة دور المحكمة الدستورية في مرحلة تعديل الدستور‪ ،‬وحسب الفصل‬
‫‪ 120‬من الدستور " تختص المحكمة الدستورية دون سواها بمراقبة دستورية‪:‬‬

‫قانون دستوري ‪ :‬توفيق الغناي‬

‫نائل سليماني‬

‫مشاريع القوانين بناء على طلب من رئيس الجمهورية أو رئيس الحكومة أو ثالثين عضوا من أعضاء مجلس نواب الشعب يُرفع‬‫إليها في أجل أقصاه سبعة أيام من تاريخ مصادقة المجلس على مشروع القانون أو من تاريخ مصادقته على مشروع قانون في صيغة‬
‫معدّلة بعد أن ت ّم ردّه من قبل رئيس الجمهورية‪،‬‬
‫ مشاريع القوانين الدستورية التي يعرضها عليها رئيس مجلس نواب الشعب حسبما هو مقرر بالفصل ‪ 144‬أو لمراقبة احترام‬‫إجراءات تعديل الدستور‪،‬‬
‫المعاهدات التي يعرضها عليها رئيس الجمهورية قبل ختم مشروع قانون الموافقة عليها‪،‬‬‫ القوانين التي تحيلها عليها المحاكم تبعا للدفع بعدم الدستورية بطلب من أحد الخصوم في الحاالت وطبق اإلجراءات التي يقرها‬‫القانون‪،‬‬
‫النظام الداخلي لمجلس نواب الشعب الذي يعرضه عليها رئيس المجلس‪.‬‬‫كما تتولى المهام األخرى المسندة إليها بمقتضى الدستور"‬
‫و حسب الفصل االول من القانون االساسي للمحكمة " المحكمة الدستورية هيئة قضائية مستقلة ضامنة لعلوية الدستور و حامية‬
‫للنظام الجمهوري الديمقراطي و للحقوق والحريات في نطاق اختصاصاتها وصالحياتها المقررة بالدستور و المبينة بهذا القانون"‬
‫واضح أن الم حكمة الدستورية ال تتدخل غال في المجاالت التي حددها حصرا الدستور و بينها بالتطابق معه القانون االساسي و نعني‬
‫حماية الدستور في المفهوم التقني لمراقبة دستورية مشاريع القوانين كما تتولى المهام األخرى المسندة إليها بمقتضى نفس النصوص‬
‫القانونية وهى البت في استمرا رية مبررات التدابير االستثنائية التي يتخذها رئيس الجمهورية بناء على مقتضيات الفصل ‪ 80‬من‬
‫الدستور و البت في الشغور الوقتي والنهائي بالنسبة لمنصب رئيس الجمهورية حسب الفصل ‪ 84‬من الدستور و البت في الئحة اعفاء‬
‫رئيس الجمهورية من منصبه بناء على مبادرة من مجلس نواب الشعب حسب الفصل ‪ 88‬من الدستور و أخيرا و حسب الفصل ‪101‬‬
‫من نفس الدستور البت في تنازع االختصاص بين رئيس الجمهورية و رئيس الحكومة‪.‬‬
‫هذه المهام تمارسها المحكمة وفقا لما جاء داخل الدستور و صلب القانون األساسي و أيضا استنادا الى نظام داخلي تعده المحكمة قبل‬
‫الشروع في عملها‪.‬‬
‫و تمارس المحكمة الدستورية الرقابة على دستورية القوانين عن طريق الدعوى المباشرة و عن طريق الدفع غير المباشر‪ .‬في هذه‬
‫الحالة األخيرة تكون المحكمة التي وقع أمامها الدفع ملزمة بتوقيف النظر في أصل القضية وإحالة الدفع على المحكمة الدستورية‬
‫للبت فيه حسب أحكام الفصول ‪ 54‬إلى ‪ 61‬من القانون األساسي‪.‬‬
‫في خصوص مآل الرقابة التي تمارسها المحكمة الدستورية وحسب الفصل ‪ 121‬من الدستور " تصدر المحكمة قرارها في أجل‬
‫خمسة وأربعين يوما من تاريخ الطعن بعدم الدستورية وباألغلبية المطلقة ألعضائها‪.‬‬
‫ينص قرار المحكمة على أن األحكام موضوع الطعن دستورية أو غير دستورية‪ .‬ويكون قرارها معلّال وملزما لجميع السلطات‪،‬‬
‫ّ‬
‫وينشر بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية و بموقع الواب الخاص بها حسب أحكام الفصل ‪ 5‬من القانون األساسي‪.‬‬
‫في صورة انقضاء األجل المقرر بالفقرة األولى دون إصدار المحكمة لقرارها‪ ،‬تكون ملزمة بإحالة المشروع فورا إلى رئيس‬
‫الجمهورية"‪.‬‬
‫و حسب الفصل ‪ " 122‬يُحال مشروع القانون غير الدستوري إلى رئيس الجمهورية ومنه إلى مجلس نواب الشعب للتداول فيه ثانية‬
‫طبقا لقرار المحكمة الدستورية‪ .‬وعلى رئيس الجمهورية قبل ختمه إرجاعه إلى المحكمة الدستورية للنظر في دستوريته‪.‬‬
‫في صورة مصادقة مجلس نواب الشعب على مشروع قانون في صيغة معدّلة إثر ردّه‪ ،‬وسبق للمحكمة أن أقرت دستوريته أو أحالته‬
‫إلى رئيس الجمهورية النقضاء اآلجال دون إصدار قرار في شأنه‪ ،‬فإن رئيس الجمهورية يحيله وجوبا قبل الختم إلى المحكمة‬
‫الدستورية"‪.‬‬
‫و بالنسبة للرقابة عن طريق الدفع و حسب الفصل ‪ " 123‬عند تعهد المحكمة الدستورية تبعا لدفع بعدم دستورية قانون‪ ،‬فإن نظرها‬
‫يقتصر على المطاعن التي تمت إثارتها‪ ،‬وتبتّ فيها خالل ثالثة أشهر قابلة للتمديد لنفس المدة مرة واحدة‪ ،‬ويكون ذلك بقرار معلّل‪.‬إذا‬
‫يتوقف العمل بالقانون في حدود ما قضت به"‪.‬‬
‫قضت المحكمة الدستورية بعدم الدستورية فإنّه ّ‬
‫هذه الرقابة غير المباشرة تأكيد لضرورة حماية الدستور من النصوص التشريعية التي ال تخضع للرقابة عن طريق الدعوى‪.‬‬
‫في هذا اإلطار و حسب أحكام الفصل ‪ 54‬من القانون األساسي للمحكمة الدستورية "للخصوم في القضايا المنشورة في األصل أمام‬
‫المحاكم أن يدفعوا بعدم دستوريّة القانون المنطبق على النزاع" و يقدم الدفع بعريضة معللة من قبل محام مرسم لدى التعقيب‪.‬‬
‫و حسب الفصل ‪" 56‬على المحاكم عند الد ّفع أمامها بعدم دستوريّة القوانين إحالة المسألة فورا على المحكمة الدستوريّة‪ ،‬وال يجوز‬
‫الطعن في قرار اإلحالة بأي وجه من أوجه الطعن ولو بالتعقيب"‪.‬‬
‫من حيث اآلثار و حسب الفصل ‪" 58‬يوقف قرار اإلحالة النظر في القضيّة األصليّة وتعلق اآلجال ابتداء من تاريخ صدوره إلى حين‬
‫صل المحكمة التي أثير أمامها الدفع بقرار المحكمة الدستوريّة أو انقضاء أجل توصلها بقرار المحكمة الدستورية دون وروده"‪.‬‬
‫تو ّ‬
‫وتالفيا للدفوع غير الجدية والتي قد تستهدف تعطيل عمل المحكمة اقر المشرع تقنية االنتقاء لفرز الدفوع الجدية من الدفوع غير‬
‫الجدية‪ .‬فحسب الفصل ‪" 59‬تحدث لدى المحكمة الدستورية بقرار من رئيسها لجنة خاصة أو أكثر تتركب من ثالثة أعضاء من ذوي‬
‫االختصاص في القانون توكل لها مهمة التثبت في مدى احترام مذ ّكرة الدفع بعدم الدستورية لموجباتها الشكلية واإلجرائية‪ .‬ترفع‬
‫اللجنة المذكورة بالفقرة المتقدمة لرئيس المحكمة الدستورية اقتراحاتها القاضية إما بقبول اإلحاالت من الناحية الشكلية واإلجرائية أو‬
‫رفضها‪ .‬تتولى المحكمة الدستورية البت في اقتراحات اللجنة طبق أحكام الفصل ‪ 5‬من هذا القانون‪".‬‬

‫قانون دستوري ‪ :‬توفيق الغناي‬

‫نائل سليماني‬

‫و من حيث آثار البت في الدفع بعدم الدستورية أمام المحكمة الدستورية جاء بالفصل ‪ " 60‬تتع ّهد المحكمة الدستورية بالنظر في‬
‫اإلحاالت المقبولة في حدود ما تمت إثارته من مطاعن فإذا قضت المحكمة بعدم دستوريّة قانون أو أحكام من قانون توقف العمل به‬
‫في حدود ما قضت به تجاه الكافة دون أن يكون له مفعول رجعي على الحقوق المكتسبة أو على القضايا السابق الحكم فيها بصفة‬
‫وأقرت المحكمة بعدم دستوريتها يتوقف العمل باألحكام موضوع‬
‫باتة‪ .‬في حالة الدفع بعدم دستورية القوانين المتعلّقة باالنتخابات‬
‫ّ‬
‫الطعن في حق الطاعن دون سواه بداية من تاريخ صدور قرار المحكمة الدستورية ‪ .‬ويتوقف العمل بأحكام القانون التي أقرت‬
‫المحكمة عدم دستوريتها انطالقا من االنتخابات الموالية‪ .‬تبت المحكمة الدستورية في المطاعن خالل ثالثة أشهر قابلة للتمديد لنفس‬
‫المدة مرة واحدة‪ .‬ويقلّص األجل المذكور بالفقرة السابقة إلى خمسة أيام في صورة الدفع بعدم دستورية تشريع انتخابي بمناسبة‬
‫الطعون االنتخابية‪ .‬كما يقلّص األجل المذكور إلى ثالثين يوما في صورة الدفع بعدم دستورية القوانين المتعلّقة بالمادتين الجبائية أو‬
‫الديوانية ‪".‬‬
‫في كل الحاالت تصدر المحكمة الدستورية في آجال محددة و أحيانا بصورة استعجالية حسب الفصل ‪ 51‬من القانون االساسي‪ ،‬و في‬
‫جلسات علنية أو عند االقتضاء سرية حسب الفصل ‪ ،36‬ال تلتئم إال بحضور أغلبية األعضاء حسب الفصل ‪ ،37‬و بعد التحقيق في‬
‫الملفات المعروضة عليها حسب الفصل ‪ ،38‬و في حدود الطعون المرفوعة أمامها حسب الفصل ‪ 52‬و التي تكون بمذكرات معللة‪،‬‬
‫آراء و قراراتا ملزمة لجميع السلطات حسب الفصل ‪ 5‬من قانونها االساسي‪ ،‬وهى باتة ال تقبل الطعن كما تصدر المحكمة حسب‬
‫الفصل ‪ 3‬من نفس ا لقانون‪ ،‬كل سنة تقريرا تضمنه أعمالها و يوجه الى رئيس الجمهورية و رئيس الحكومة و رئيس مجلس نواب‬
‫الشعب كما ينشر بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية و بموقع الواب الخاص بالمحكمة تكريسا لشفافية أعمال هذه المحكمة وهو ما‬
‫يسهم في إثراء أعمالها و اكسائها الجدية الن النشر سيكون حتما مدخال لتقييم عملها و نقده وانتقاده خاصة من قبل دارسي القانون بما‬
‫يكفل حماية الدستور الذي مثل كل النصوص القانونية ال يمكن ان يكون أزليا فقد تكون له نهاية على غرار ما حصل بالنسبة لدستور‬
‫‪ 1959‬في تونس‪.‬‬
‫الفقرة ‪: 3‬نهاية الدساتير‪:‬‬
‫إذا كانت عملية تنقيح الدستور ترمي إلى تمكين القاعدة الدستورية من التأقلم مع الواقع والظروف االقتصادية واالجتماعية والسياسية‬
‫المحيطة بها‪ ،‬فإنه يحدث أن تحصل قطيعة كليّة بين الدستور والواقع المذكور مما يبرر نهاية الدستور‪.‬‬
‫ويمكن أن تكون هذه النهاية عادية كما يمكن أن تكون غير عادية‪.‬‬
‫‪ -1‬النــهـايـة العـاديــة‪:‬‬
‫يقصد باألسلوب العادي ذلك الذي يعتمد على تعويض دستور جديد لدستور قديم في ظرف يتسم بالهدوء و التفاهم والتوافق بين كل‬
‫الفاعلين داخل الدولة ودون عنف ويت ّم ذلك من خالل انتخاب الشعب لجمعية تأسيسية اصلية أو كذلك من خالل التدخل المباشر عن‬
‫طريق االستفتاء لوضع دستور جديد‪.‬‬
‫‪ -1‬األسلوب الغير عادي‪:‬‬
‫المقصود به أن تتم عمليّة اإلنهاء بصورة قصرية عن طريق االنقالب أو الثورة أو اإلهمال‪.‬‬
‫ اإلنهاء القصري‪ :‬تفيد التجارب أن األسلوب األكثر انتشارا في عملية إنهاء الدساتير هو األسلوب الناتج عن قيام ثورة أو انقالب‪.‬‬‫فالثورة تهدف إلى تحقيق تغيير جذري للنظام السياسي واالجتماعي واالقتصادي السائد في الدولة وإحالل نظام جديد محله يتسم‬
‫بفلسفة ومفاهيم جديدة للحكم‪ .‬ومثال ذلك الثورة التونسية والثورة المصرية‪ .‬أما االنقالب والذي يكون سياسيا او عسكريا بحسب من‬
‫يقوده فيمكن ايضا أن يوقف العمل بالدستور القائم النه يمثل غالبا قطيعة مع النظام السياسي الموجود‪.‬‬
‫نهاية الدساتير عن طريق اإلهمال‪ :‬يمكن في بعض األحيان لدستور أن يصدر دون أن يطبّق خالل فترة طويلة‪ .‬فهل أن االهمال يعبر‬
‫عن الغاء للدستور؟‬
‫المسالة موضوع جدل فقهي‪ .‬فالبعض يعتبر أن اإلهمال أسلوب يتم بمقتضاه إنهاء العمل بالدستور‪ .‬في حين يعتبر شق آخر أن‬
‫اإلهمال ال يؤدي إلى إنهاء العمل بالدستو ر‪ ،‬إذ يمكن متى سمحت الظروف بذلك تطبيق الدستور المهمل‪ .‬وقد طرح هذا اإلشكال في‬
‫اإليالة التونسية في بداية القرن عشرين ذلك أن دستور ‪ 1861‬لم يقع إلغاءه بنص صريح حيث ّ‬
‫قرر على إثر‬
‫أن محمد الصادق باي ّ‬
‫ثورة علي بن غذاهم تعليق العمل بإحدى المؤسسات المنصوص عليه في دستور ‪ 1861‬أال وهو المجلس األكبر وكان ذلك بموجب‬
‫الحر الدستوري‬
‫األمر العلي المؤرخ في ‪ 30‬أفريل ‪ .1864‬وقد اعتبر استاذان فرنسيان بعد استشارتهما سنة ‪ 1920‬بطلب من الحزب‬
‫ّ‬
‫التونسي‪ ،‬أن دستور ‪ 1861‬لم يقع إلغاءه نتيجة لخرقه و عدم العمل به كما وقع تأكيد ذلك من قبل محكمة االستئناف بالجزائر في ‪15‬‬
‫جوان ‪ .1949‬ويمكن القول أن دستور ‪ 1861‬بقي محافظا على وجوده القانوني إلى حين صدور األمر العلي المؤرخ في ‪ 29‬ديسمبر‬
‫‪ 1955‬الذي وقع بمقتضاه دعوة المجلس القومي التأسيسي بوضع دستور للمملكة التونسية‪.‬‬


Aperçu du document محاضرات قانون دستوري.pdf - page 1/35

 
محاضرات قانون دستوري.pdf - page 3/35
محاضرات قانون دستوري.pdf - page 4/35
محاضرات قانون دستوري.pdf - page 5/35
محاضرات قانون دستوري.pdf - page 6/35
 




Télécharger le fichier (PDF)





Documents similaires


umpcnka
document 20170308 090627
argumentaire colloque mai 2016 fr sur entete
droit civil 02 11
le coran et ses gardiens
fiches droit

Sur le même sujet..




🚀  Page générée en 0.015s