محاضرات قانون دستوري.pdf


Aperçu du fichier PDF fichier-pdf-sans-nom.pdf - page 4/35

Page 1 2 3 45635



Aperçu texte


‫قانون دستوري ‪ :‬توفيق الغناي‬

‫نائل سليماني‬

‫إن مختلف هذه األفكار والنصوص برزت في الغرب لتؤكد في إطار ليبرالي على االرتباط الوثيق بين الدستور خصوصا‬
‫والقانون الدستوري عموما وفكرة ضمان الحريات‪ .‬وقد ساهمت عوامل اقتصادية وثقافية في ذلك ونعني أساسا بروز الطبقة‬
‫البرجوازية التي انتقدت استبداد اإلقطاعيين ورجال الدين في القرن السادس عشر والسابع عشر وتحالفت مع الملوك للوصول إلى‬
‫السلطة مع التأكيد على مبادئ الليبرالية وخاصة فكرة الحرية وكان لزاما استحداث إطار قانوني يحمي هذه المكتسبات فكان الدستور‬
‫المكتوب كأهم مصدر للقانون الدستوري‪.‬‬
‫كما أكد عديد الفقهاء مثل "أندري أريو" على أن ما تميزت به البلدان الغربية من وحدة لغوية و دينية وعرقية وخاصة‬
‫ارتباطها بالمسيحية شجع الربط بين القانون الدستوري والحرية الن هذه الديانة حسب رأيه تعترف بالحرية المسؤولة‪.‬‬
‫إن هذا التوجه ا لغربي في بلورة القانون الدستوري تبناه عديد الفالسفة والسياسيين في عديد الدول األخرى مما شجع ظهور‬
‫الدساتير المكتوبة في عديد دول العالم‪ :‬السويد ‪ 1809‬اسبانية ‪ 1812‬النرويج ‪ 1814‬بلجيكا ‪ 1821‬تونس ‪ 1861‬مصر ‪ 1876‬هولندا‬
‫‪ 1888‬وتدعم التطور الدستوري مع انهيار اإلمبراطوريات العثمانية والروسية واالسبانية والنمساوية وحصول عديد الدول على‬
‫استقاللها على غرار تونس من خالل وضع دستور ‪ 1959‬هذا الى جانب تراجع الفكر االشتراكي وتطور أفكار العولمة منذ بضعة‬
‫سنوات لتتجاوز جانبها االقتصادي إلى الجانب السياسي من خالل عولمة القيم الديمقراطية في مفهومها الغربي الليبرالي وما افرزته‬
‫من معايير دولية لالنظمة الديمقراطية ولمفهوم الحوكمة الرشيدة وهو مبادئ حكم ساهمت في بعض الثورات و كرستها بعض‬
‫الدساتير منها الدستور التونسي لسنة ‪.2014‬‬
‫هكذا برزت فكرة القانون الدستوري في الغرب وتجاوزت إطارها االقتصادي والثقافي و االجتماعي لتحافظ خارجه على‬
‫بعض المبادئ وتشهد بعض التطورات على مستوى موضوع القانون و مفهومه مما يعني ان القانون الدستور ككل القوانين هو قانون‬
‫اطاره التاريخي وااليديولوجي والثقافي واالقتصادي يتغير كليا او جزئيا بتغير هذا االطار بما يؤشر على ميزة التنوع والتعدد داخله‪:‬‬
‫تنوع على المستوى المادي والشكلي‪.‬‬
‫الفرع الثاني‪ :‬موضوع القانون الدستوري‪:‬‬
‫يقصد بموضوع القانون الدستوري محتواه و مادته فاإلجابة عن الموضوع هي اإلجابة عن السؤال التالي‪ :‬بماذا يهتم‬
‫القانون الدستوري؟ و اإلجابة محدد من محددات التمييز بين القانون الدستوري وباقي فروع القانون داخل الدولة‪.‬‬
‫إن نفس هذا السؤال مرتبط بتساؤل آخر حول المواد التي تعتبر دستورية بطبيعتها هل هي فقط السلطة السياسية أم كل‬
‫شأن له بعد سياسي و مساسا بالسلطة السياسية و يمكن أن يكون ثقافيا أو اجتماعيا و اقتصاديا ؟ ثم هل أن القانون الدستوري ال يهتم‬
‫بالضرورة إال بماهو دستوري بطبيعته ؟‬
‫إن اإلجابة تراوحت بين اتجاهين تقليدي و حديث نستخلص من دراستهما تطور موضوع القانون الدستوري مع انتشار هذا‬
‫الفرع من فروع القانون العام ومع تطور المقاربات حوله كما نستخلص التنوع والتعددية في تعريف القانون الدستوري‪.‬‬
‫الفقرة األولى ‪ :‬موضوع القانون الدستوري حسب االتجاه التقليدي‪:‬‬
‫يعرف األستاذ "مارسال بريلو" القانون الدستوري على أنه‪" :‬مجموع القواعد القانونية التي بموجبها تنشأ السلطة وتمارس‬
‫وتنتقل داخل الدولة"‪ .‬وحسب األستاذ "كاري دمالبارغ" فهو "جزء من القانون العام الذي يحتوي على مجموعة من القواعد‬
‫والمؤسسات التي تشكل في محيط الدولة دستور الدولة"‪.‬‬
‫من خالل مختلف هذه التعريفات سنبين االلتقاء حول ثوابت تقبل النقاش فالقانون الدستوري هو قانون الدستور و قانون‬
‫السلطة السياسية و قانون الدولة‪.‬‬
‫‪ – I‬ربط القانون الدستوري بالقانون عموما و بالدستور خصوصا ‪:‬‬
‫اتفق أنصار الفكر التقليدي ونعني فقهاء المدرسة الدستورية الذين تزعموا ظهور القانون الدستوري في الفضاء الفكري‬
‫الغربي‪ ،‬على أن القانون الدستوري هو بالمقام األول قانون ولذلك فهو يهتم بما يجب أن يكون بما هو قواعد قانونية وال يهتم‬
‫بتطبيقاتها والممارسة المرافقة لها‪.‬‬
‫هذا التوجه التضييقي تدعم بالربط بين القانون الدستوري و الدستور المكتوب لتقوم معادلة بينهما حتى أن كل المؤلفات‬
‫التي صدرت في القرن ‪ 19‬وخالل النصف الثاني من القرن ‪ 20‬كانت تحمل فقط عنوان القانون الدستوري لتؤكد على هذا التوجه‬
‫التقليدي الضيق‪.‬‬
‫إن هذا الموقف للفقه التقليدي يقبل االنتقاد على مستويات عديدة‪:‬‬
‫ فبالنسبة للربط بين القانون الدستوري والنص القانوني وإن صح القول بأن القانون الدستوري هو قانون بالمقام األول فان النص‬‫القانوني ينشأ في إطار إيدي ولوجي واقتصادي وسياسي معين فينطبع بهذا الواقع قبل أن يؤثر فيه بل إن الواقع قد يكون وراء سن‬
‫النص القانوني‪ .‬ثم أن فهم النص القانوني يتيسر بوضعه في إطاره والمقاربة بينه وبين الممارسة ‪ .‬فدراسة ظاهرة سياسية معينة‬
‫مثل توازن السلط داخل الدولة أو االنتخاب او ح رية االحزاب او حرية الصحافة ال تكتمل فقط بالرجوع إلى النص القانوني بل ال بد‬