أدب أبي حيّان التوحيدي .pdf



Nom original: أدب أبي حيّان التوحيدي.pdfAuteur: الأشــ عماد اللحام ــهـب

Ce document au format PDF 1.5 a été généré par Microsoft® Office Word 2007, et a été envoyé sur fichier-pdf.fr le 25/12/2016 à 21:04, depuis l'adresse IP 197.2.x.x. La présente page de téléchargement du fichier a été vue 675 fois.
Taille du document: 327 Ko (8 pages).
Confidentialité: fichier public


Aperçu du document


‫العوامل المؤثرة في أدب أبي حيّان التوحيدي‪:‬‬
‫‪ü‬فساد اإلدارة الحاكمة مما أوجد تدهورا سياسيا و أخالقيا و اجتماعيا‪...‬و فتح الباب لتهديدات الرّوم‪.‬‬
‫* نشأته في أرقى العصور اإلسالمية حضارة و ثقافة‪.‬‬
‫*بصيرة نافذة و خيال خصب إلى جانب فكر يقظ و حاسّة فنية ذ ّواقة للجمال‪.‬‬
‫*نزعة عقلية لمحاولة فهم أحوال مجتمعه و عصره‪.‬‬
‫*إحساس مرهف مع صراحة في القول و ميل إلى تتبع العيوب‪.‬‬
‫* حياة الخصاصة والفقر التي جعلته ناقما‪.‬‬
‫* تتلمذه على يد مجموعة من مشائخ عصره ‪ :‬السبرافي –الرماني –أبو سليمان المنطقي‪...‬‬
‫* مطالعته و رحالته الكثيرة و مخالطته لمجالس العلماء‪.‬‬
‫* إعجابه بالجاحظ‪.‬‬
‫*تفرّغه للعلم م ّما جعله غزير المعرفة واسع الثقافة‪.....‬‬

‫التوحيدي و استاذه أبو سليمان المنطقي‪:‬‬
‫أبو سليمان المنطقي ‪,‬هو محمد بهرام السجستاني ‪,‬جاء إلى بغداد و عرف بلقب المنطقي ‪ .‬و كان التوحيدي من أش ّد‬
‫الناس إعجابا بسعة معرفته و شمولية علمه مما اثر في أبي حيّان أدبا و تكوينا ‪ ,‬و قد د ّون له التوحيدي كثيرا من‬
‫اآلراء المستطرفة في النفس و في ما وراء الطبيعة و في الفلسفة اإللهية و في أمور أخرى ‪ .‬و قد وصفه بأنّه كان‬
‫غزير المعرفة واسع الصّدر ‪ ,‬و ال ينغلق أمامه باب من األمور الرّوحية و األسرار الغيبية‪.‬‬
‫لقد اختار أبو سليمان " السيرة الفاضلة " التي يمثلها "سقراط" و هي سيرة تجمع بين ال ّزهد و الفلسفة ‪,‬فرضي‬
‫بحالة الفقر و قنع بالقليل من الطعام غير أنّه لم يكن محروما من عطايا الكبراء و خاصة عضد الدولة البويهي‪.‬‬
‫التوحيدي و ابن سعدان ‪:‬‬
‫لئن حقق التوحيدي في اتصاله بابن سعدان شيئا من الرّاحة النفسية و اليسر المادي فان صلته بالوزير لم تحقق له‬
‫كل ما كان يصبو إليه ‪ ,‬و هذا ما جعله يتوسط من جديد بصديقه أبي الوفاء المهندس و هو يعتذر ّ‬
‫بان الوزير‬
‫مشغول و ال يجد لديه متسعا من الوقت لينظر في أمره ‪ ,‬و لع ّل ابن سعدان كان يقصد هذا المنع عن أبي حيّان و‬

‫كأنّه كان يريد أن يشركه دائما في حاجة إليه ‪ ,‬و قد تفطن ابن سعدان إلى نقطة ضعف أبي حيّان فأراد أن يستغلّها‬
‫و أن يعيّنه جاسوسا بين الرّعية ينقل األخبار و يص ّور األحوال و يعيد عليه الشائعات ‪.‬‬
‫و ل ّما أحسّ التوحيدي بخلفيات مطالب الوزير امتنع أن يكون عينا له فرفض الخروج صحبة أحد رجال الوزير في‬
‫مهمة فهم من خاللها غاية الوزير ابن سعدان و هي أن يجعل منه مراقبا و جاسوسا‪.‬‬
‫هكذا يفرّق التوحيدي في عالقته بابن سعدان بين المشورة و النصح و بين التجسّس و نقل األخبار ألنه كان يعتقد‬
‫أنه أرفع من أن ينقلب عينا لمخدومه بل انه ال ينقل خبرا االّ و هو يعتقد في إمكانية إصالح ما هو موجود و توعية‬
‫الوزير بمواضع الخلل في دولته‪.‬‬
‫و نتيجة لهذا اإلخالص عمل التوحيدي على أن يرسم للوزير خطوطا عريضة تساعده على تيسير حكمه في ما‬
‫ينفع و يعود عليه باألمن و االستقرار ‪ .‬و هنا يكمن التوجه اإلصالحي في كتاب اإلمتاع و المؤانسة‪.‬‬

‫المنزع العقلي في كتاب اإلمتاع و المؤانسة ‪:‬‬
‫إن الحديث عن المنزع العقلي في كتاب اإلمتاع و المؤانسة يستوجب إعادة النظر في موضوعات الكتاب و فيما‬
‫دار بين أبي حيّان و الوزير من مسامرات و أحاديث و تساؤالت و تعليقات‪.‬‬
‫غير أننا نحتاج إلى تحديد مفهوم العقل لدى أبي حيّان خاصّة و ّ‬
‫أن الرجل قريب في أدبه من الفلسفة ال سيما و انه‬
‫" أديب الفالسفة و فيلسوف األدباء‪" .‬‬
‫و ألن اتجه التوحيدي في كتابه وجهة أدبية فنية فان الكتاب ال يخلو من عمق التفكير الدال على امتالك صاحبه‬
‫قدرة عقلية فائقة جعلته يحول متعة السمر إلى مواقف فكرية و إفرازات عقلية ثابتة و دقيقة و لربّما احتاج دارس‬
‫هذا الموضوع إلى مراجعة مؤلفات أخرى ألبي حيّان ك" الهوامل و الشوامل" و "البصائر و الذخائر " ليظفر‬
‫بفهم متكامل لمدلول العقل لدى أبي حيّان‪.‬‬
‫إن دراسة مؤلفات التوحيدي تبين أن العقل في أدبه نوعان‪:‬‬
‫ـ عقل مف ّكر في مشاغل الخاصة الفكرية و الفلسفية و اللغوية و األدبية و المساهمة في تدارس القضايا الثقافية‬
‫العامة المطروحة في األوساط الفكرية في عصره‪.‬‬
‫ـ عقل ناقد متفحص لحياة الناس بمختلف وجوهها السياسية و االجتماعية و العقائدية‪...‬و هو عقل يحلل الموجود و‬

‫يشير إلى مواضع الخلل مقترحا أوجه إصالحه‪.‬‬
‫بهذا يكون العقل في اإلمتاع و المؤانسة ضربان ‪ :‬عقل مفكر و منظر وعقل ناقد مصلح‪.‬‬
‫‪I‬منزلة العقل عند التوحيدي ‪:‬‬‫يعتبر التوحيدي أن للعقل منزلة متميزة متفرّدة و ذلك من خالل القرائن التالية‪:‬‬
‫‪1‬العقل بما هو هبة إلهية ‪ :‬يرى التوحيدي أن العقل هبة ربانية و ق ّوة تميّز اإلنسان عن سائر المخلوقات‪ .‬يقول‪":‬‬‫"وهب اإلنسان الفطرة‪ ,‬و أعين بالفكرة و رفد بالعقل‪"...‬و يقول أيضا" العقل قوة إلهية و هو خليفة هللا"‬
‫‪2‬العقل بما هو أساس التفاضل بين الناس ‪ :‬اعتبر التوحيدي أن الناس ال يتفاضلون بالمال أو الجاه أو باالنتماء‬‫العرقي و إنما بالعقل ال غير‪ .‬يقول ‪":‬فهو الذي يتفاضل به المتفاضلون و المدار عليه‪".‬‬
‫‪3‬العقل بما هو أساس الغنى الحقيقي ‪ :‬يقرر التوحيدي أن الغنى الحقيقي هو الغنى العقلي و أن الفقر الحقيقي هو‬‫الفقر من العقل و العلم ‪ .‬يقول ‪ ":‬من حرمه فهو أنقص من كل فقير‪".‬‬
‫‪4‬العقل بما هو مصدر الحقيقة‪ :‬يرى التوحيدي أن الحكمة و العلم و الحقيقة مصدرها العقل ال غير ‪ .‬يقول‪":‬‬‫العقل ينبوع العلم" و يقول ‪ ":‬صواب بديهة الفكرة من سالمة العقل " و يقول ‪ ":‬من ق ّل نصيبه من العقل كثر‬
‫نصيبه من الحمق‪".‬‬
‫‪5‬العقل بما هو أفضل من المال يؤكد التوحيدي أن العلم أفضل من المال و أن جوهر التفضيل للعلم على المال‬‫أرجعه إلى أفضليّة النفس العاقلة على النفس ال ّشهوية يقول "‪ :‬حظّ اإلنسان من المال إنما هو من قبيل النّفس‬
‫الشهوية‪....‬و حظّه من العلم إنما هو من قبيل النفس العاقلة‪".‬‬
‫و ينتهي التوحيدي إلى اعتبار ّ‬
‫أن ضياع المال يورث مالكه الضياع و الحسرة بينما صاحب العلم ال خشية عليه‬
‫حيث يقول ‪ ":‬ال ترى عالما سرق علمه و ترك فقيرا‪ ..‬و قد رأيت جماعة سرقت أموالهم و نهبت و بقي أصحابها‬
‫محتاجين ال حيلة لهم‪".‬‬

‫– ‪II‬مظاهر المنزع العقلي في اإلمتاع و المؤانسة‪:‬‬
‫‪1-‬مظاهر المنزع العقلي في القضايا السياسية و االجتماعية و الثقافية و الدينية‪:‬‬

‫‪1‬ـ‪ -1‬في القضايا السياسية ‪ :‬تصوير التوحيدي لفساد الحكم و الحاشية و لرداءة الوزراء إضافة إلى رسم مالمح‬
‫العالقة بين الرّاعي و الرعية‪...‬‬
‫*ـ مثال في فساد الرّاعي ‪ :‬يقول التوحيدي ّ انهمكوا في القصف و العزف و أعرضوا عن المصالح ال ّدينية و‬
‫الخيرات السياسية"‬

‫*‪ -‬مثال في فساد الحاشية ‪:‬يقول ‪ ":‬و منابع الفساد و منابت التّخليط كلّها من الحاشية التي ال تعرف نظام ال ّدولة و‬
‫ال استقامة المملكة‪".‬‬
‫*‪ -‬مثال في رداءة الوزراء ‪ :‬يقول متحدثا عن الوزير ابن عبّاد ‪ ":‬ال يرجع إلى الرقة و الرأفة و الرحمة ‪ ,‬و النّاس‬
‫كلّهم محجمون عنه لجرأته و سالطته و اقتداره و بسطته ‪ ,‬شديد العقاب طفيف الثّواب‪".‬‬
‫*‪ -‬دعوته الساسة إلى االستنارة بآراء العقالء و مراقبة الحاشية و االقتصاد في الشهوات و النّزوات و النّظر في‬
‫أمور الرّعية و رفع مظالم الحاشية عنها ‪ .‬يقول التوحيدي موجّها الكالم إلى ابن سعدان ‪ ":‬و آخر ما أقول أيها‬
‫الوزير ‪ :‬مر بالصدقات فإنها مجلبة ال ّسالمات و الكرامات و مدفعة للمكاره و اآلفات ‪ ,‬و اهجر ال ّشراب و أدم‬
‫النظر في المصحف و افزع إلى هللا في االستخارة و الثقات باالستشارة‪".‬‬
‫*‪ -‬دعوة السّاسة إلى اصطفاء حاشية نصوحة قادرة على توجيههم نحو الحلول السّليمة ‪ .‬يقول مخاطبا ابن سعدان‬
‫‪ ":‬ال تبخل على نفسك برأي غيرك ‪....‬فان الرّأي كال ّدرة التي ربّما وجدت في الطّريق و المزبلة"‬
‫*‪ -‬دعوة السّاسة إلى النّظر في شؤون الرّعية و تخفيف المحن و الشقاء و الفقر عنها ّ‬
‫الن تعمق الفاقة يولّد الثورة‬
‫و التمرّد‪.‬‬
‫*‪ -‬دعوة السّاسة إلى مراقبة الحاشية ّ‬
‫الن التوحيدي يراها أصل الفساد و البالء و المحن ألنّهم "قوم ه ّمهم أن يأكلوا‬
‫رغيفا و يشربوا قدحا‪ ,‬ال هم م ّمن يقتبس من علمهم و ال هم يتكلّفون له نصحا"‬
‫‪2 - 1‬ـ القضايا االجتماعية‪ :‬إن متابعة أبي حيّان للظاهرة االجتماعية ليست مجرد وصف أو نقل لما يدور في‬
‫األوساط االجتماعية أو تصوير لحياة الناس كما شاهدها و عايش أوضاعها ‪ ,‬و إنما هي متابعة واعية تحاول فهم‬
‫الظاهرة في مختلف مك ّوناتها تحديدا لعواملها و انعكاساتها على العا ّمة و الخاصّة ‪,‬انّه فهم متبصّر ال يكتفي‬
‫بالمعاينة بل يسعى إلى تتبع المعطيات تتبعا عميقا ‪ ,‬و بهذا تسنّى ألبي حيّان أن يكون شاهدا واعيا معاينا مدركا‬

‫ألسرار ما شاهدته حضرته و بذلك كانت أجوبته على أسئلة الوزير دقيقة وعميقة‪.‬‬
‫و يتسم وصف التوحيدي لمجتمعه بإتباع منهجية مقنعة ت ّدل على أنه تمكن من رصد جميع المعطيات التي يحتاجها‬
‫تحليله‪.‬‬
‫لذلك كان حديثه شافيا رسم من خالله الحالة االجتماعية ‪ ,‬فقد تعّرض التوحيدي الى ما تعانيه العّامة من فقر و‬
‫خصاصة باإلضافة إلى ظاهرة التفاوت الطبقي المجحف التي أحدثت خلال في العالقات االجتماعية م ّما ولّد تناحرا‬
‫بين األجناس( ظاهرة الشعوبية )‬
‫و هذه األوضاع أدت إلى ع ّدة ثورات و انتفاضات احتجاجا على سياسة الرّاعي و ما نتج عنها من رداءة في الواقع‬
‫االجتماعي‪.‬‬
‫يقول متح ّدثا عن ظاهرة الفقر" إنها تشكو غالء القوت و عوز الطعام و ّ‬
‫تعذر الكسب و غلبة الفقر و تهتك صاحب‬
‫العيال‪..." .‬‬
‫و يعلّق على رداءة التجّار قائال‪ ":‬أما أصحاب األسواق فانّا ال نعدم من أحد منهم خلقا دقيقا و دينا رقيقا و حرصا‬
‫مسرفا و دناءة معلومة‪ ...‬قد تعاطوا المنكر حتى عرف و تناكروا المعروف حتى نسي"‪.‬‬
‫و يشير إلى مسألة رداءة العالقات االجتماعية قائال ‪ ":‬أرى واحدا في فتل حبل و آخر في حفر بئر و آخر في‬
‫نصب ف ّخ و آخر في دسّ حيلة و آخر في تقبيح حسن و آخر في شحذ حديد و آخر تمزيق عرض و آخر في‬
‫اختالق كذب ‪ "...‬و هذا ما كان سببا في انهيار صرح المجتمع ‪ .‬و يقول " سفكت ال ّدماء و استبيح الحريم و شنّت‬
‫الغارات و خرّبت ال ّديارات و فشا الكذب و المحال و أصبح طالب الحق حيران و محبّ السالمة مقصودا بك ّل‬
‫لسان"‪..‬‬
‫‪1‬ـ ‪3‬ـ األوضاع الثقافية‪:‬‬
‫لم تكن الحياة الثقافية بمعزل عن تناقضات المجتمع و محاور الصّراع و أمراض السلطة ‪ .‬و إذا كان للمجالس‬
‫الثقافية و الفكرية التي أقامها الوزراء و األعيان فائدة في تنشيط الحركة الثقافية االّ أن المثقف في مثل هذه‬
‫المجالس يكو ن مسلوبا في حرية الرأي و التفكير المغاير ألهداف صاحب المجلس‪.‬‬
‫و يعترف التوحيدي بمصادرة الفكر و تبعية األديب في عصر كان القلم فيه أداة للتكسّب و البيع في سوق الكساد ‪.‬‬
‫و يقول ‪ّ ":‬‬
‫إن العاجلة محبوبة و الرّفاهية مرغوبة و المكانة عند الوزراء مطلوبة و الدنيا خضرة حلوة ‪ ,‬و من‬
‫التهب طعمه ظهر عجزه و العزلة محمودة إال أنها محتاجة إلى الكفاية‪".‬‬

‫و قد ح ّدد التوحيدي طبقات المثقفين و حصرها في العلماء و األدباء و المتكلمين و القضاة و الصّوفية ‪ .‬و قد ن ّدد‬
‫بالفالسفة الذين احتكروا المعرفة و استخدموها للمكاسب المادية و يورد رأي ابن يعيش اليهودي الذي يشكو من‬
‫الفالسفة قائال‪ ":‬بأنهم ص ّدوا عن الطريق و طرحوا الشوك فيه ‪ ,‬و اتخذوا من نشر الحكمة ف ّخا للمثالية"‬
‫إال أن ذلك لم يثن التوحيدي عن اإلشارة إلى الحركة الثقافية التي ازدهرت في عصره و التي تجسّدها مجالس‬
‫المناظرات و المحاورات بين المذاهب إضافة إلى المشاغل الفكرية و الفلسفية والكالمية و البالغية و الفقهية و‬
‫النحوية‪.‬‬
‫مثال في المشاغل األدبية‪ ( :‬المقارنة بين النثر و النّظم –الموازنة بين البحتري و أبي تمام) يقول ابن سعدان "‬‫ح ّدثني في اعتقادك في أبي تمام و البحتري"‬
‫المشاغل الفكرية (قضية الجبر و االختيار ‪ /‬الحق و الباطل ‪ /‬النفس و الجسد‪...).‬‬‫المجالس و المناظرات ( المناظرة بين ابن يونس القناني و أبي سعيد السيرافي)‬‫‪1‬ـ ‪ 4‬ـ رسم الواقع الديني و العقادي ‪ :‬سأل ابن سعدان أبا حيّان عن سبب اختالف المذاهب و تباينها بقوله ‪ ":‬من‬
‫أين دخلت اآلفة على أصحاب المذاهب حتى افترقوا هذا االفتراق و تباينوا هذا التباين ‪ ,‬و خرجوا إلى التكفير و‬
‫التفسيق و إباحة ال ّدم و المال ‪ "..‬فكان الجواب " ّ‬
‫ان المذاهب فروع األديان ‪ ,‬و األديان أصول المذاهب ‪ ,‬فإذا ساغ‬
‫االختالف في األديان –و هي األصول – فلم ال يسوغ في المذاهب و هي الفروع"‬
‫بهذا التفسير المنطقي يرّد التو حيدي على تساؤل ابن سعدان و يجيبه جوابا ربط فيه األسباب بمسبّباتها على طريقة‬
‫الجاحظ في أساليبه المنطقية‪.‬‬
‫لقد كشف التوحيدي عن كثرة المذاهب و الصّراع بين الفرق و التناحر بينها مما كان سببا في تراجع ال ّدين و‬
‫انقالب القيم و اإلفالس األخالقي‪...‬‬
‫يقول متعرّضا لمسألة انقالب القيم " صار المنكر معروفا و المعروف منكرا" و يقول بارت البضائع و غارت‬
‫البدائع و كسد سوق العلم و خمد ذكر الكرم و صار الناس عبيد ال ّدرهم بعد ال ّدرهم"‬
‫و يقول متح ّدثا عن كثرة المذاهب و الفرق ‪ ":‬صار الناس أحزابا في النّحل و األديان‪ ,‬فهذا نصيري و هذا أشجعي‬
‫و هذا جارودي و هذا قطعي و هذا جبّائي و هذا أشعري و هذا خارجي و هذا شعيبي‪ ....‬و من ال يحصي عددها‬
‫إالّ هللا"‪...‬‬

‫و هذا التن ّوع المذهبي ولّد صراعا و نستحضر هنا قول ابن سعدان آنفا من أين دخلت اآلفة على أصحاب المذاهب‬
‫‪....‬و إباحة ال ّدم و المال"‬
‫هكذا نرى ّ‬
‫أن احتفال التوحيدي بالعقل في المستوى المضموني تجلى من خالل و وظائف العقل التالية‪:‬‬
‫العقل الناقد ‪ :‬اضطالع العقل في اإلمتاع و المؤانسة بنقد األوضاع السّائدة اجتماعيا و سياسيا و ثقافيا و عقائديا ‪.‬‬
‫فانتهى إلى أن الزمان الذي يعيش فيه " زمان تدمع له العين " و العقل الناقد تحقق من دون تعصّب أو مذهبية و‬
‫إنما بجرأة و موضوعية و حرية ‪ .‬لذلك يقول ماجد يوسف ‪ ":‬كان التوحيدي مف ّكرا حرّا لم ينتم لمذهب و لم ينضو‬
‫في جماعة و لم يتح ّزب لرأي‪".‬‬
‫العقل المصلح ‪ :‬سعى التوحيدي إلى تقديم حلول إصالحية من شأنها أن تنقل الموجود المتدهور إلى عالم أجمل و‬
‫ال ّزمان الذي تدمع له العين إلى مدينة فاضلة و ذلك من خالل‪:‬‬
‫دعوته السّاسة إلى االستنارة بآراء العقالء و مراقبة الحاشية و االقتصاد في الشهوات و النّظر في أمور الرعية و‬
‫ّ‬
‫سعدان" و آخر ما أقول أيّها الوزير ‪ :‬م ّر بالصدقات فإنها‬
‫رفع مظالم الحاشية عنها ‪...‬يقول التوحيدي مخاطبا ابن‬
‫مجلبة السالمات و الكرامات و مدفعة للمكاره و اآلقات و اهجر الشراب و أدم النظر في المصحف و افزع إلى‬
‫هللا في االستخارة والى الثقات باالستشارة‪.‬‬

‫العقل المف ّكر‪:‬‬
‫اضطلع العقل في اإلمتاع و المؤانسة بالتفكير في قضايا حارقة و معارف صعبة و أسئلة ماهوية في مجاالت‬
‫متع ّددة فقد ف ّكر عقل التوحيدي في علم التنجيم وعلم السّحر و الكهانة و علم السّماع والغناء و علم الطّب و الحيوان‬
‫و النبات و اإلنسان و علم األخبار و النجوم و السّحب و علم تعبير الرؤيا و األحالم و علم اللّغة و البالغة و‬
‫المنطق و الفلسفة و علم الكالم‪...‬‬
‫المصحح‪ :‬كثيرا ما يتوسّل التوحيدي العقل من أجل ممارسة الرّوح النقدية على بعض الرؤى أو األفكار أو‬
‫العقل‬
‫ّ‬
‫األطروحات أو التص ّورات لينتهي إلى دحضها و تصحيحها بعيدا في كل ذلك عن منطق التعصّب أو الوثوقية و‬
‫ملتزما الى أبعد الحدود بالرّوح الموضوعية من ذلك ‪ :‬اعتراضه على بعض آراء أستاذه أبي سليمان المنطقي أو‬
‫دحضه لتصّورات بعض المتكلّمين الذين قال عنهم " إن الطّريقة التي قد لزموها و سلكوها ال تقضي بهم االّ إلى‬
‫الشك و االرتياب"‬

‫العقل الحجاجي ‪ :‬توسّل أبو حيان العقل في ممارسة الحجاج و خاصّة في مجال‪:‬‬
‫المناظرات مثل المناظرة بين النثر و ال ّشعر‪....‬‬‫المفاضالت مثل المفاضلة بين العرب و العجم أو بين شعر أبي تمام والبحتري‪.‬‬‫و العقل الحجاجي في اإلمتاع و المؤانسة اقتضى من التوحيدي أن ين ّوع المسارات الحجاجية ( حواري –برهاني‬
‫–عرضي) مثلما أملى عليه تنويع الحجج (واقعية –منطقية –تاريخية)‪.‬‬
‫العقل المؤ ّرخ أو التسجيلي‪:‬‬
‫توسّل التوحيدي العقل ليؤرخ لبعض مالمح العصر أو ليسجّل بعض األحداث أو المظاهر و قد تميّز التوحيدي في‬
‫هذا المجال‪:‬‬
‫االلتزام بصرامة التاريخ و ذلك بذكر األسماء و األعالم و التواريخ و نقل األخبار الصحيحة بعد معاينة "يقول‬‫معلقا عن ثورة الرّوم ‪ » :‬ذلك أن ال ّروم تهايجت على المسلمين فصارت إلى نصيبين بجمع عظيم زائد على ما‬
‫عهد على م ّر السنين و كان هذا آخر سنة ‪ 363‬هجري فخاف الناس بالموصل و ما حولها "‪.‬‬
‫الحرص على الموضوعية و األمانة العلمية و من مظاهر ذلك تحليل أحاديثه بشواهد من النّقل أو الواقع أو‬‫التّجربة ‪ ,‬تحقيق النصوص و توثيقها و نسبتها إلى أصحابها ‪ ,‬و إذا اختصر الكالم الذي سمعه نبّه على اختصاره ‪,‬‬
‫و إذا حكى معنى و عبّر عنه بأسلوبه صرّح بذلك ‪ .‬من ذلك قوله ‪ :‬فقال كالما كثيرا أنا أحكيه على وجهة من‬
‫وجهة المعنى و إن انحرفت عن أعيان لفظه و أسباب نظمه ‪ ,‬و اجتهد أن ألتزم متن المراد و سمت المقصود‪".‬‬


Aperçu du document أدب أبي حيّان التوحيدي.pdf - page 1/8
 
أدب أبي حيّان التوحيدي.pdf - page 3/8
أدب أبي حيّان التوحيدي.pdf - page 4/8
أدب أبي حيّان التوحيدي.pdf - page 5/8
أدب أبي حيّان التوحيدي.pdf - page 6/8
 




Télécharger le fichier (PDF)


أدب أبي حيّان التوحيدي.pdf (PDF, 327 Ko)

Télécharger
Formats alternatifs: ZIP



Documents similaires


fichier pdf sans nom 2
recrutement maitre class b annee 2014
recrutement maitre class b annee 2014 1
fichier pdf sans nom 4
2017
publication arabe traduction

Sur le même sujet..