a .pdf



Nom original: a.pdfTitre: ?????? ? ????? ?????? ??? ????? ????? ? ?????? ????? ??????? – ???? ?? ?????: ??????? ???? ?????? Auteur: poste1

Ce document au format PDF 1.3 a été généré par http://www.convertapi.com / http://www.convertapi.com , et a été envoyé sur fichier-pdf.fr le 20/01/2017 à 17:27, depuis l'adresse IP 196.70.x.x. La présente page de téléchargement du fichier a été vue 584 fois.
Taille du document: 950 Ko (16 pages).
Confidentialité: fichier public


Aperçu du document


‫األسرة و تحرير المرأة بين أحكام الدين و نظريات القيم الكونية –‬
‫ندوة من إنجاز‪ :‬األستاذ معاذ الصمدي‬

‫بسم هللا الرحمن الرحيم ‪ ،‬و الصالة و السالم األتمان األكمالن على النبي األميـــــن و على‬
‫آله و صحبه أجمعين ‪ ،‬فما أسعدني حينما أجتمع بصفوة من العلماء و المتتبعين و الباحثين‬
‫من أمثال حضراتكم ‪ ،‬فإنني أحب أن أسمع منكم كثيرا ألن لكل تعبير عبير و لكل زهرة‬
‫أريج ‪ ،‬كما أريد أن أدلي بدلوي في هذا المقام و بهذا المقال ‪ ،‬الذي هو من المواضيع‬
‫المطروقة بكثرة عالميا و إعالميا و دوليــــــا و وطنيا و محليا ‪ ،‬و قد يعده البعض من نافلة‬
‫الكالم ‪ ،‬لكن أمره عند العقالء عظيم ‪ ،‬ألن مدار الحياة بصفة عامة تدور رحاها حول‬
‫المرأة التي هي منبت الرجال ‪ ،‬ومنبع األبطال ‪..‬و ُمربية العلماء‪ ..‬كيف ال و قد كان أول‬
‫من آمن بموالنا رسول هللا صلى هللا عليه و سلم – امرأة ‪ -‬و كان سبب إسالم عمر بن‬
‫الخطاب رضي هللا عنه – امرأة – خديجة أم المؤمنين ‪ ،‬والشافعي ربته امرأة ‪ ،‬فأصبح‬
‫إمام الفقهاء‪ ..‬والبخاري ربته امرأة ‪ ،‬فأصبح أمير المحدثين بال منازع‪ ..‬و إمامنا مالك –‬
‫إمام دار الهجرة ‪ -‬ذكر ألمه أنه يريد أن يذهب فيكتب العلم ‪ ،‬فألبسته أحسن الثياب وعممته‬
‫ثم قالت " اذهب إلى ربيعة فتعلم علمه قبل أدبه"‪.‬‬
‫إن الحديث عن المرأة و حقوقها في اإلسالم ‪ -‬و ما صاحبها من إشكاالت عصرية تزداد‬
‫توالدا كلما تطورت الحياة ‪ ،‬حيث أصبحنا نسمع اليوم ما لم نكن نسمعه من ذي قبل –‬
‫فحديثنا عن المرأة هو حديث عن األسرة بصفة عامة و شاملة ‪ ،‬ألن المرأة هي اللبنة‬
‫األولى ‪ ،‬و النواة األساسية لتكوين األسرة ‪ ،‬ولذا ارتأيت أن أتناول في هذه الندوة العلمـــية‬
‫و في هذا العرس الثقافي الذي يعد ثمرة من بركات مجلسنا الموفق الذي ال يألو جهدا في‬
‫تناول ما ينبغي تناوله عبر كل ما يملك من وسائل و على مختلف األصعدة ‪ ،‬اخترت‬
‫المحور األول و المتكون من شقين ‪ :‬الشق األول " مفهوم األسرة بين المنظومة اإلسالمية‬
‫و القيم الكونية " و الشق الثاني ‪" :‬الدعوة إلى تحرير المرأة بين خصوصيات الهويــــــــة‬
‫و مقتضيات الحداثة " ‪ ،‬و اخترت كعنوان لمداخلتي المتواضعة ‪":‬األسرة و تحرير المرأة‬
‫بين أحكام الدين و نظريات القيم الكونية " و غايتي من ذلك ‪ :‬جالء األفهام و إبراز ما‬
‫منحه ديننا اإلسالمي من حقوق للمرأة غفل عنها كثير ممن ينادي بتحريرها ‪.‬‬

‫القاموس اللغوي لمصطلح أسرة‬
‫سرة ‪:‬‬
‫إنه و من خالل تتبعي لكلمة " أسرة " في قواميس اللغة العربية ‪ ،‬وجدت ‪ :‬أ ُ ْ‬
‫سر ‪ ،‬واأل ُ ْسرة ‪ :‬الدِّرع الحصينة ‪ ،‬جمع ‪:‬‬
‫(اســــــــــم) و الجمع ‪ :‬أ ُ‬
‫ُسُرات و أ ُ ْ‬
‫سرات و أ ُ َ‬
‫‪1‬‬

‫األسرة و تحرير المرأة بين أحكام الدين و نظريات القيم الكونية –‬
‫ندوة من إنجاز‪ :‬األستاذ معاذ الصمدي‬
‫األم َمعا ً و ت َْح ِم ُل‬
‫س ٌر ‪ ،‬نقول ا ِْجت َ َم َع ِ‬
‫ت األ ُ ْس َرة ُ في َي ْو ِم العي ِد ‪ :‬أ َ ْفراد ُ العا ِئ َل ِة ‪ِ ،‬م ْن أ َ ْه ِل األ ِ‬
‫أُ َ‬
‫ب َو ِ‬
‫األ ُ ْس َرة ُ الَّتي ت َ ْنت َِمي إلى َج ٍّد ُم ْشت ََر ٍّك ا ْسما ً ُم ْشت ََركا ً ‪ ،‬و هي جماعة يربطها أمر مشترك كأ ُ ْسرة‬
‫الجمعية و التَّعاونية ‪ ،‬و األ ُ ْسرة التعليميَّة أي العاملون في حقل التعليم ‪ ،‬و األ ُ ْسرة المالكة ‪:‬‬
‫رب األ ُ ْسرة ‪ :‬عائلها والمسئول عنها ‪ ،‬و أ ُ ْسرة عمل ‪ :‬فريق عمل ‪.‬‬
‫أهل الملك أو الملكة ‪ ،‬و ُّ‬
‫وعلى ما سبق ‪ ،‬فاألسرة مفهوم واسع وشامل ‪ ،‬ولم يرد لفظها صري ًحا في القرآن الكريم ‪،‬‬
‫ولكن جاءت مرادفاتها ‪ ،‬ولقد عرف كل علماء تخصص معين ‪ -‬األسرة ‪ -‬بحسب منظورهم‬
‫لذلك التخصص ‪ ،‬و عموما فاألسرة هي الوحدة االجتماعية األولى التي يتكون منها‬
‫المجتمع ‪ ،‬فنواة هذه البشرية التي تصل المليارات ‪ ،‬هي تلك الخلية األولى التي تكونت من‬
‫يقره المجتمع ‪ ،‬سواء كان ذلك الرباط مست َمد ًّا من‬
‫األم واألب اللذان ارتبطا برباط شرعي ُّ‬
‫تعاليم الوحي ‪ ،‬كما في مجتمعات المسلمين وأتباع األديان السماوية األخرى ‪ ،‬أو من‬
‫أعراف المجتمعات الكونية ‪.‬‬

‫األسرة في المنظومة اإلسالمية‬
‫و أقصد بالمنظومة اإلسالمية جملة القيم و األخالق و اآلداب و ما اطوت عليه الشريعة‬
‫اإلسالمية التي تستمد أسسها و أصولها من الوحيين ‪ ،‬القرآن و السنة و ما يعد منهما و‬
‫ما ينسب إليهما و ما يتفرع عنهما كاألعراف و العادات التي ال تتخالف و الجوهر األصل‬
‫و حينما أُنزل القرآن الكريم على سيدنا محمد صلى هللا عليه وسلم ‪ ،‬كانت العالقاتُ األسريَّة‬
‫في فوضى وانحالل عظيمين ‪ ،‬كما بيَّن ْ‬
‫َت كتب التاريخ ‪ ،‬فكان من بين أهداف القرآن السامية‬
‫‪ :‬إنقاذ البشرية من هذا السوء وهذا التفسخ الصارخ ‪ ....‬كانت تنتشر في الناس قبل‬
‫مجيء اإلسالم أنكحة فاسدة من سفاح و استبضاع و شغار و زنا و اختالط لألنساب و إلى‬
‫جوارها كان يوجد نظام شريف نظيف عفيف على ما عليه المسلمون من زواج شرعــي ‪،‬‬
‫و من هذا الطريق العفيف و لإلشارة و االستئناس كانت نطفة سيدنا رسول هللا صلى هللا‬
‫عليه و سلم تتقلب في الساجدين من لدن آدم عليه السالم إلى أن خرج إلى الوجود ‪ ،‬و لذلك‬
‫قال عليه الســـــــــــالم " خرجت من نكاح و لم أخرج من سفاح " ‪.‬‬
‫و إذا ما دققنا النظر في القرآن الكريم ‪ ،‬نجده يجعل األسرة َ هي وحدة بناء المجتمع ‪،‬‬
‫أحاطها بسياجٍ كبير من التشريعات واألخالق التي تضمن لها الجديةَ والنجاح ‪،‬‬
‫واالستمرارية في تحقيق االستقرار للمجتمع بأكمله ‪ ،‬فالقرآن الكريم جعل السبي َل الوحيد‬
‫األنساب و األعراض‬
‫ت و يحفظ‬
‫لتكوين األسرة هو الزواج ‪ ،‬بالشكل الذي يحفظ ال ُح ُرمـــــا ِ‬
‫َ‬
‫وي ُ ِلبي الغرائزَ الطبيعية في إطار من العفَّة والخصوصية ‪ ،‬ويحقق لطرفي الزواج ما يبحثان‬
‫عنه من السكن واالستقرار‪ ،‬وامت َّن عليهما بإسباغ المودة والرحمة على تلك العالق ِة الشريفة‬
‫وقد نبَّه القرآن على ذلك في قوله تعالى " َو ِم ْن آ َيا ِت ِه أ َ ْن َخلَقَ لَكُ ْم ِم ْن أ َ ْنفُ ِسكُ ْم أ َ ْز َوا ًجا ِلت َ ْسكُنُوا‬
‫ت ِلقَ ْو ٍّم َيتَفَكَّ ُرونَ " سورة الروم ‪ ،‬اآلية ‪ - 21‬قال‬
‫ِإلَ ْي َها َو َج َع َل بَ ْينَكُ ْم َم َودَّة ً َو َر ْح َمةً ِإ َّن ِفي ذَ ِل َك آليَا ٍّ‬
‫المفسرون ‪":‬والناس يعرفون مشاعرهم تجاه الجنس اآلخر ‪ ،‬وتشغل أعصابَهم ومشاعرهم‬
‫المشاعر المختلفة ُ‬
‫وتحرك نشا َ‬
‫األنماط‬
‫طهم تلك‬
‫تلك الصلة ُ بين الجنسين ‪ ،‬وتدفع ُخطاهم‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫واالتجاهات بين الرجل والمرأة ‪ ،‬ولكنهم قلَّما يتذكَّرون يد هللا التي خلقتْ لهم من أنفسهم‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫وجعلت في تلك الصلة سكنًا للنفس‬
‫العواطف والمشاعر‪،‬‬
‫سهم هذه‬
‫أزوا ًجا ‪،‬‬
‫َ‬
‫وأودعت نفو َ‬
‫‪2‬‬

‫األسرة و تحرير المرأة بين أحكام الدين و نظريات القيم الكونية –‬
‫ندوة من إنجاز‪ :‬األستاذ معاذ الصمدي‬
‫سا لألرواح‬
‫والعصب ‪ ،‬وراحةً للجسم والقلب ‪،‬‬
‫واستقرارا للحياة والمعاش ‪ ،‬وأُن ً‬
‫ً‬
‫والضمائر‪ ،‬واطمئنانًا للرجل والمرأة على حد سواء" والتعبير القرآني اللطيف الرفيق ‪،‬‬
‫تصويرا موحيًا ‪ ،‬وكأنما يلتقط الصورة من أعماق القلب وأغوار‬
‫يصور هذه العالقة‬
‫ً‬
‫ت ِلقَ ْو ٍّم َيتَفَكَّ ُرونَ }‬
‫الحس‪ِ { :‬لت َ ْسكُنُوا ِإلَ ْي َها} ‪َ { ،‬و َج َع َل َب ْي َنكُ ْم َم َودَّة ً َو َر ْح َمةً}‪ِ { ،‬إ َّن ِفي ذَ ِل َك آليَا ٍّ‬
‫كل من الجنسين على نح ٍّو يجعله موافقًا لآلخر‪ ،‬ملبيًا‬
‫فيدركون حكمة الخالق في خ َْلق ٍّ‬
‫لحاجته الفطرية ‪ :‬نفسية ‪ ،‬وعقلية ‪ ،‬وجسدية ‪ ،‬بحيث يجد عنده الراحةَ والطمأنينة‬
‫واالستقرار‪ ،‬ويجدان في اجتماعهما السكنَ واالكتفاء ‪ ،‬والمودة والرحمة ‪ ،‬ألن تركيبهما‬
‫كل منهما في اآلخر‪ ،‬وائتالفهما‬
‫النفسي والعصبي والعضوي ‪ ،‬ملحوظٌ فيه تلبية ُ رغبات ٍّ‬
‫وامتزاجهما في النهاية ‪ ،‬إلنشاء حياة جديدة ‪ ،‬تتمثل في جيل جديد ‪.‬‬
‫من هنا ‪ ،‬فإن واقعنا الذي نعيشه ‪ ،‬يفرض علينا إعادة النظر في تكوين األسرة المسلمة‬
‫الحقة ‪ ،‬بعد تعرضها لهجمات من شتى الجهات ‪ ،‬جعلتــــــــــــــــــها تفقد دورها المنوط بها‬
‫( السكـــــــــــــن و االستقرار ) – تسليط الضوء على ما يجري من قضايا الشقاق و‬
‫الخالف و النزاع و التدابر و الطالق بين األسر مرد ُّه انعدام المودة و الرحمة ‪...‬‬
‫إن األسرة في المنظور اإلسالمي ‪ ،‬هي خلية اجتماعية تتكون في ظل شروط معينة ‪،‬‬
‫وتستلزم منظومة من الواجبات والحقوق بين أطرافها ‪ ،‬ليست منحصرة في التكاثر‬
‫البشري ‪ ،‬بل أهميتها تتجاوز ذلك إلى الضبط السلوكي ‪ ،‬وإقامة المعيار األخالقي ‪ ،‬في ظل‬
‫تعاهد مستمر من ركنَي األسرة لألبناء ‪ ،‬حيث يشرب األبناء األخالق والمبادئ‪ ،‬ويُغذوا‬
‫بالثقافة التي توجههم في سلوكهم المستقبل حينما يتعاملون مع بقية أفراد المجتمع ‪ ،‬و لربما‬
‫كانت هذه المهمة الثانية ‪ -‬األخالق والمبادئ ‪ -‬لألسرة تفوق المهمة األولى ‪ -‬التكاثر‬
‫البشري‪ ، -‬فإن قلة األفراد مع وجود التوجهات السليمة واألخالق المنضبطة ‪ ،‬خي ٌر من‬
‫تظللها األبوة ‪ ،‬وال ترعاها األمومة ‪ ،‬فتنشأ نشأة سيئة ‪ ،‬فتكون مصدر‬
‫كثرة منحرفة ‪ ،‬ال ِ‬
‫شقاء وإفساد في المجتمعات ‪ ،‬والمهمتان المذكورتان مركوزتان في الفطرة البشرية ‪.‬‬
‫صلت في‬
‫إن المتتبع آليات القرآن الكريم في حديثها عن أصول تكوين األسرة ‪ ،‬يجد أنها ف َّ‬
‫نشأة األسرة ‪ ،‬وبينت بيانًا ال يدع لاللتباس مجاالً ‪ ،‬بل نرى القرآن الكريم يتحدث عن أصل‬
‫اس اتَّقُوا َربَّكُ ُم الَّ ِذي َخلَقَكُ ْم‬
‫البشرية وبداياتها األولى ‪ ،‬وفي هذا يقول هللا تعالى " يَا أَيُّ َها النَّ ُ‬
‫احدَةٍّ َو َخلَقَ ِم ْن َها زَ ْو َج َها َو َب َّ‬
‫سا َءلُونَ‬
‫ِم ْن نَ ْف ٍّس َو ِ‬
‫ث ِم ْن ُه َما ِر َج ًاال َك ِث ً‬
‫اَّلل الَّ ِذي ت َ َ‬
‫يرا َو ِن َ‬
‫سا ًء َواتَّقُوا َّ َ‬
‫قيبًا " النساء ‪- 1 -‬‬
‫علَ ْيكُ ْم َر ِ‬
‫اَّلل َكانَ َ‬
‫ام ِإ َّن َّ َ‬
‫ِب ِه َو ْاأل َ ْر َح َ‬
‫فهذه اآلية تبين وتوحي "بأن قاعدة الحياة البشرية هي ‪ :‬األسرة ‪ ،‬فقد شاء هللا أن تبدأ هذه‬
‫سا واحدة ‪ ،‬وخلق منها زوجها ‪ ،‬فكانت‬
‫النبتة في األرض بأسرة واحدة‪ .‬فخلق ابتدا ًءا نف ً‬
‫أسرة من زوجين ‪ ،‬و شاءت قدرة هللا تعالى ألمر يعلمه ‪ ،‬ولحكمة يقصدها ‪ ،‬أن "يضاعف‬
‫وأو ُل الوشائج ‪ ،‬ثم يُ ِثني بوشيجة‬
‫الوشائج ‪ ،‬فيبدأ بها من وشيجة الربوبية ‪ ،‬وهي أص ُل َّ‬
‫الرحم ‪ ،‬فتقوم األسرة األولى من ذكر وأنثى ‪ ،‬هما من نفس واحدة ‪ ،‬وطبيعة واحدة ‪،‬‬
‫وفطرة واحدة ‪ ،‬ومن هذه األسرة األولى يبث رجاالً‬
‫كثيرا ونسا ًء ‪ ،‬كلهم يرجعون ابتدا ًء إلى‬
‫ً‬
‫وشيجة الربوبية ‪ ،‬ثم يرجعون بعدها إلى وشيجة األسرة ‪ ،‬التي يقوم عليها نظام المجتمع‬
‫اإلنساني ‪ ،‬بعد قيامه على أساس العقيدة ‪.‬‬

‫‪3‬‬

‫األسرة و تحرير المرأة بين أحكام الدين و نظريات القيم الكونية –‬
‫ندوة من إنجاز‪ :‬األستاذ معاذ الصمدي‬
‫وعلى ما سبق ‪ ،‬ندرك سر اعتناء المنظومة اإلسالمية باألسرة ورعايتها من شتى عوامل‬
‫الهدم ‪ ،‬وهذه العناية بتوثيق عراها ‪ ،‬وتثبيت بنيانها ‪ ،‬وحمايتها من جميع المؤثرات التي‬
‫توهن هذا البناء ‪ ،‬وفي أول هذه المؤثرات مجانبة الفطرة ‪ ،‬وتجاهل استعدادات الرجل‬
‫واستعدادات المرأة ‪ ،‬وتناسق هذه االستعدادات مع بعضها البعض ‪ ،‬وتكاملها إلقامة األسرة‬
‫من ذكر وأنثى ‪ ،‬ولذلك عندما ندقق النظر في سورة النساء مثالً ‪ ،‬وفي غيرها من سور‬
‫القرآن الكريم ‪ ،‬نلمح حشدًا من مظاهر تلك العناية باألسرة في المنظومة اإلسالمية ‪ .‬وما‬
‫كان يمكن أن يقوم لألسرة بناء قوي ‪ ،‬والمرأة تلقى تلك المعاملة الجائرة ‪ ،‬وتلك النظرة‬
‫الهابطة التي تلقتها في الجاهلية ‪ ،‬كل جاهلية حتى و إن كانت في القــــــــــــــــرن الواحد‬
‫و العشرين ‪.‬‬
‫وزيادة على ما مضى ‪ ،‬فإن أصل تكوين األسرة واضح من خالل النصوص القرآنية التي‬
‫ب ث ُ َّم ِم ْن نُ ْ‬
‫ة" [فاطر‪]11 :‬‬
‫طفَ ٍّ‬
‫تبرز تلك األصول ‪ ،‬وفي ذلك يقول تعـــــالى ‪ ":‬وا ََّّلل ُ َخلَقَكُ ْم ِم ْن ت ُ َرا ٍّ‬
‫أي ‪ :‬ابتدأ خلق أبيكم آدم من تراب ‪ ،‬ثم جعل نسله من ساللة من ماء مهين‪{ ،‬ث ُ َّم َجعَلَكُم‬
‫ذكرا وأنثى ‪ ،‬لطفًا منه ورحمة أن جعل لكم أزوا ًجا من جنسكم ‪،‬‬
‫أ َ ْز َوا ًجا[ }فاطر‪ ]11 :‬أي ‪ً :‬‬
‫ض ُع ِإ َّال ِب ِع ْل ِم ِه} [فاطر‪ ]11 :‬أي ‪ :‬هو‬
‫لتسكنوا إليها ‪ ،‬وفي قوله تعالى‪َ { :‬و َما ت َْح ِم ُل ِم ْن أ ُ ْنثَى َو َال ت َ َ‬
‫عالم بذلك ‪ ،‬ال يخفى عليه من ذلك شيء ‪ ،‬بل " َو َما ت َ ْسقُطُ ِم ْن َو َرقَ ٍّة ِإ َّال يَ ْعلَ ُم َها َو َال َحبَّ ٍّة ِفي‬
‫ض َو َال َر ْ‬
‫ين} [األنعام‪ ،]59 :‬والمعنى يزداد وضو ًحا‬
‫ظُل ُ َما ِ‬
‫ب َو َال َيا ِب ٍّس ِإ َّال ِفي ِكت َا ٍّ‬
‫ط ٍّ‬
‫ت ْاأل َ ْر ِ‬
‫ب ُم ِب ٍّ‬
‫ش ْي ٍّء‬
‫يض ْاأل َ ْر َحا ُم َو َما ت َْزدَاد ُ َوكُ ُّل َ‬
‫وتأكيدًا في قوله تعالى" َّ‬
‫اَّلل ُ َي ْعلَ ُم َما ت َْح ِم ُل كُ ُّل أ ُ ْنثَى َو َما تَ ِغ ُ‬
‫ير ْال ُمتَ َعا ِل"الرعد‪]. 9 ،8 :‬وال غرو ‪ ،‬والحال على ما‬
‫ب َوالشَّ َهادَ ِة ْال َك ِب ُ‬
‫عا ِل ُم ْالغَ ْي ِ‬
‫ِع ْندَه ُ ِب ِم ْقدَ ٍّار * َ‬
‫ذكرت ‪ ،‬أن نلمح الشريعة اإلسالمية تعتني باألسرة غاية العناية في تكوينها ‪ ،‬ورعايتها‬
‫بعد ذلك التكوين ‪ ،‬من خالل منظومة تشريعية دقيقة مفصلة ‪ ،‬حتى إننا لنرى آيات تنظيم‬
‫ت المعامالت المالية ‪ ،‬مع‬
‫برمته تفوق من حيث العدد آيا ِّ‬
‫الشأن األسري في القرآن الكريم ُ‬
‫كثرة تلك المعامالت وتنوعها ‪ ،‬وفي ذلك برهان ج ِّلي على أن هذه الخلية البشرية تستحق‬
‫كل هذه العناية والرعاية من الشريعة المطهرة ‪ ،...‬و األسرة في اإلسالم ال تقتصر على‬
‫الزوجين واألوالد فقط ‪ ،‬وإنما تمتد إلى شبكة واسعة من ذَ ِّوي الق ُ ْربى من األجداد والجدات‬
‫‪ ،‬واإلخوة واألخوات ‪ ،‬واألعمام والعمات ‪ ،‬واألخوال والخاالت ‪ ،‬وغيرهم ممن تجمعهم‬
‫رابطة النسب أو المصاهرة أو الرضاع ‪ ،‬أينما كان مكانهم ‪ .‬ومن لطائف الشريعة‬
‫المباركة ‪ :‬إغراء األبناء بتقدير هذه العالقة ‪ ،‬وتوقير هذه األسرة ‪ ،‬من خالل الوعد‬
‫بحصول البركة والخير في أغلى ما يملك اإلنسان من مت َع الحياة الدنيا ‪ ،‬وهما ‪ :‬متعة‬
‫سط له في رزقه ‪،‬‬
‫العمر والمال ‪ ،‬يقول النبي صلى هللا عليه وسلم ‪ " :‬من‬
‫أحب أن يُب َ‬
‫َّ‬
‫ويُنسأ له في أثره ‪ ،‬فليصل رحمه‪".‬‬
‫وكما هو معلوم ‪ ،‬فإن اإلسالم دين الفطرة ‪ ،‬يالئم دائ ًما طبيعة اإلنسان وغرائزه ‪ ،‬ويلبي‬
‫هذه الغرائز بوضعها في إطار مشروع ‪ .‬وغريزة الجنس ‪ ،‬مقارنة بالغرائز األُخرى ‪ ،‬من‬
‫أقوى الغرائز البشرية ‪ ،‬لذلك اهتم بها اإلسالم ‪ ،‬ووضع لها الطريق الطبيعي واألمثل‬
‫للتنفيس عنها ‪ ،‬وهو الزواج ‪ ،‬فهو الطريق الوحيد كما أشرت لبناء المجتمع الفاضل ‪،‬‬
‫والعالقة الوحيدة المشروعة بين الرجل والمرأة ‪.‬‬

‫‪4‬‬

‫األسرة و تحرير المرأة بين أحكام الدين و نظريات القيم الكونية –‬
‫ندوة من إنجاز‪ :‬األستاذ معاذ الصمدي‬
‫و بناءا عليه ‪ ،‬فقد أمر القرآن الكريم بالزواج ‪ ،‬قال تعالى" َوأ َ ْن ِك ُحوا ْاأل َ َيا َمى ِم ْنكُ ْم‬
‫م"النور ‪32‬‬
‫اَّلل ُ ِم ْن فَ ْ‬
‫ض ِل ِه َو َّ‬
‫صا ِل ِحينَ ِم ْن ِعبَا ِدكُ ْم َو ِإ َما ِئكُ ْم ِإ ْن َيكُونُوا فُقَ َرا َء ي ُ ْغ ِن ِه ُم َّ‬
‫َوال َّ‬
‫اَّلل ُ َوا ِس ٌع َ‬
‫ع ِلي ٌ‬
‫وحث الرسول صلى هللا عليه وسلم على الزواج ‪ ،‬وجعله نصف الدين ‪ ،‬فقال " إذا تزوج‬
‫العبد ‪ ،‬فقد استكمل نصف الدين ‪ ،‬فليتق هللا في النصف الباقي" ويسَّر صلى هللا عليه وسلم‬
‫زوج أحد الصحابة على ما يحفظه من كتاب هللا على أن يُحفظه‬
‫طريق الزواج ‪ ،‬فقد َّ‬
‫سا كان أحسن منه‬
‫لزوجته ‪ ،‬وعن جابر قال‪" :‬حض َْرنا عرس علي ٍ وفاطمة ‪ ،‬فما رأينا ع ُْر ً‬
‫حشونا الفراش ‪ ،‬يعني الليف ‪ ،‬وأُتِّينا بتمر وزبيب فأكلنا ‪ ،‬وكان فرشها ليلة عرسها إهاب‬
‫كبش "‪ .‬هكذا ُجهزت بنت رسول هللا صلى هللا عليه وسلم ‪ ،‬لكي تكون سلفًا ومثالً للمسلمين‬
‫‪.‬‬
‫شر الوقوع في‬
‫وأما الذين ال يستطيعون الزواج ‪ ،‬فقد وجههم اإلسالم وجهات أخر تكفيهم َّ‬
‫الخطأ ‪ ،‬ومن هنا كان قول الرسول صلى هللا عليه وسلم للشباب‪ " :‬يا معشر الشباب ‪ ،‬من‬
‫استطاع منكم الباءة فليتزوج ‪ ،‬وإال فعليه بالصوم ‪ ،‬فإنه له وجاء" ‪ ،‬كما أمر القرآن‬
‫ض ِل ِه"‬
‫اَّلل ُ ِم ْن فَ ْ‬
‫ف الَّذِينَ َال َي ِجد ُونَ ِنكَا ًحا َحتَّى ي ُ ْغ ِن َي ُه ُم َّ‬
‫باالستعفاف والطُّهر‪ ،‬فقال " َو ْل َي ْست َ ْع ِف ِ‬
‫النور ‪ ، 33‬ثم رسم القرآن الكريم المثل األعلى لعفة الشباب في هذه البطولة النفسية ‪ ،‬التي‬
‫تتجلى في قصة يوسف عليه السالم ‪ ،‬وجعلها أنموذ ًجا رائعًا النتصار العقل على الهوى ‪،‬‬
‫ي ِم َّما‬
‫الس ْج ُن أ َ َح ُّ‬
‫ب ِ‬
‫حيث استعصم بدينه وتقواه ‪ ،‬بعد أن راودته امرأة العزيز‪ ،‬وقال " َر ِ‬
‫ب ِإلَ َّ‬
‫ه "[يوسف‪: 33].‬‬
‫يَ ْدعُونَ ِني ِإلَ ْي ِ‬
‫حرم السفاح ‪ ،‬وحذر من مجرد االقتراب منه بقول هللا‬
‫إذا كان اإلسالم قد شرع النكاح ‪ ،‬فقد َّ‬
‫س ِبيالً " اإلسراء‪ ،]32 :‬وسد اإلسالم كل األبواب‬
‫اح َ‬
‫الزنَا ِإنَّه ُ َكانَ فَ ِ‬
‫سا َء َ‬
‫شةً َو َ‬
‫تعالى " َوال ت َ ْق َربُوا ِ‬
‫التي تؤدي إليه ‪ ،‬فوجه المسلمين إلى غض البصر‪ ،‬ومن هنا ‪ :‬فال يحل للمسلم أن ينظر إلى‬
‫المحرمات بملء العين ‪ ،‬وعليه أن يكف النظر عما ال يحل له ‪ ،‬قال تعالى " ق ُ ْل ِل ْل ُمؤْ ِم ِنينَ‬
‫ضضْنَ‬
‫{وق ُ ْل ِل ْل ُمؤْ ِمنَا ِ‬
‫ت َي ْغ ُ‬
‫يَغُضُّوا ِم ْن أ َ ْب َ‬
‫ص ِ‬
‫ار ِه ْم َو َي ْحفَظُوا ف ُ ُرو َج ُه ْم ذَ ِل َك أ َ ْزكَى لَ ُه ْم" [النور‪َ ،]30 :‬‬
‫ار ِه َّن َو َي ْحف ْ‬
‫َظنَ ف ُ ُرو َج ُه َّن[ }النور‪ ،]31 :‬وقال رسول هللا‪" :‬ثالثة ال ترى أعينهم النار‪ :‬عين‬
‫ِم ْن أ َ ْب َ‬
‫ص ِ‬
‫حرست في سبيل هللا ‪ ،‬وعين بكت من خشية هللا ‪ ،‬وعين كفت عن محارم هللا" وذلك سد ًّا‬
‫كثيرا ما توقع اإلنسان في‬
‫للذرائع ‪ ،‬فإن النظرة بريد الزنا ‪ ،‬وهي سهم من سهام الشيطان ‪،‬‬
‫ً‬
‫الخطايا ‪ .‬واإلسالم يريد أن يسد هذا الباب ‪ ،‬لكي يحيا المجتمع المسلم حياة طاهرة نقية ‪،‬‬
‫يأمن فيها على بناته وزوجاته وأخواته ‪ ،‬وكان ال بد‪ ،‬والوضع كما ذكرت ‪ ،‬أن تكون‬
‫تحقق تلك الغايةَ ‪ ،‬وقد راعى اإلسالم ذلك بالفعل ‪ ،‬فجعل إلتمام الزواج‬
‫إجراءات الزواج ِّ‬
‫الخطبة ‪ ،‬ثم عقد الزواج ‪ ،‬فالبناء (الزفاف) ‪ ،‬وكل هذه مراحل‬
‫مراح َل ومراس َم ‪ ،‬فهناك ِّ‬
‫من باب تكريم هذا العقد ‪ ،‬وإعطائه قوة ً ونفوذًا في المجتمع ‪ ،‬فإذا جئنا لتفاصيل تلك‬
‫إجبار أحد طرفي الزواج عليه ‪ ،‬بل ال بد‬
‫عرف اإلسالم‬
‫المراحل ‪ ،‬نجد أنه قبل ِّ‬
‫َ‬
‫الخطبة لم َي ِ‬
‫من تحقُّق القَبول والموافقة التامة ‪ ،‬المبنيَّة على المعرفة الكاملة ‪ ،‬والرضا التام ‪ ،‬لذا شرع‬
‫رسول هللا صلى هللا عليه وسلم رؤيةَ الرجل َمن يريد خطبتها ‪ ،‬فعن المغيرة بن شعبة قال‪:‬‬
‫خطبتُ امرأة ً على عهد رسول هللا صلى هللا عليه وسلم ‪ ،‬فقال النبي صلى هللا عليه وسلم‪:‬‬
‫((أنظرتَ إليها ؟)) قلت‪ :‬ال ‪ ،‬قال‪(( :‬فانظر إليها ؛ فإنه أجدر أن يؤدم بينكما))‪ .‬وكذلك‬
‫جعل الرسول صلى هللا عليه وسلم من حق الفتاة أن تَقبَل أو ترفض ‪ ،‬وال سلطةَ ألحد ‪،‬‬
‫‪5‬‬

‫األسرة و تحرير المرأة بين أحكام الدين و نظريات القيم الكونية –‬
‫ندوة من إنجاز‪ :‬األستاذ معاذ الصمدي‬
‫مهما كان ‪ ،‬في أن يفرض عليها َمن ال ترغبُه ‪ ،‬فعن أبي هريرة رضي هللا عنه ‪ ،‬عن النبي‬
‫الثيب حتَّى تُستَأ َمر))‪ ،‬فقيل‪ :‬يا‬
‫صلى هللا عليه وسلم قال‪(( :‬ال تُنكَح البِّ ْك ُر حتى تُستَأذَن‪ ،‬وال‬
‫ُ‬
‫أم َر َمن‬
‫رسول هللا ‪ ،‬كيف إذنها ؟ قال ‪ :‬إذا سكتتْ "‪ .‬وقد رد َّ الرسول صلى هللا عليه وسلم ْ‬
‫ْ‬
‫"جاءت فتاة ٌ إلى‬
‫أجبرها أبوها على الزواج إلى نفسها ‪ ،‬فعن عائشة رضي هللا عنها قالت‪:‬‬
‫زو َجني ابنَ أخيه ‪ ،‬يرفع‬
‫رسول هللا صلى هللا عليه وسلم فقالت‪ " :‬يا رسول هللا ‪ ،‬إ َّن أبي َّ‬
‫بي خسيستَه"‪ ،‬فجعل األمر إليها ‪ ،‬قالت‪" :‬فإني قد أجزتُ ما صنع أبي ‪ ،‬ولكن أردتُ أن‬
‫تعلم النسا ُء أن ليس لآلباء من األمر شيء " كل هذه الشروط من أجل أن يقوم بنا ُء األسرة‬
‫على التراضي ‪ ،‬فيكون الطرفان مهيآن إلقامة عالقة زوجية ناجحة سعيدة ‪ ( ،‬توثيق عقود‬
‫الزواج ) ‪ -‬إشارة إلى بعض األعراف الفاسدة من الزواج دون توثيق أو ما يسمى بزواج‬
‫الفاتحة ‪./.‬‬

‫من حقوق المرأة في اإلسالم‬

‫و لقد جاءت رحمة اإلسالم لتحفظ حقوقا ً عظيمةً لألسرة في شخص الزوجة و البنت و األم‬
‫ت هي في أشد الحاجة إلى الرحمة‪ ..‬فقد حفظ اإلسالم حقها وهي جنين في بطن أمها‬
‫في وق ٍّ‬
‫ُ‬
‫فإن طُلقت أمها وهي حامل بها فقد أوجب لها نفقة طيلة فترة الحمل ‪ ،‬قال تعالى‪َ ﴿ :‬و ِإ ْن كُ َّن‬
‫ض ْعنَ َح ْملَ ُه َّن ﴾‪..‬وحفظ حقها في الميراث ‪ ،‬صغيرة كانت‬
‫أُوال ِ‬
‫علَ ْي ِه َّن َحتَّى يَ َ‬
‫ت َح ْم ٍّل فَأ َ ْن ِفقُوا َ‬
‫يب ِم َّما‬
‫َص ٌ‬
‫َص ٌ‬
‫س ِ‬
‫اء ن ِ‬
‫ان َواأل َ ْق َرب ُونَ َو ِل ِلن َ‬
‫أم كبيرة ‪ ،‬قال تعالى‪ِ " :‬ل ِلر َجا ِل ن ِ‬
‫يب ِم َّما ت ََر َك ْال َوا ِلدَ ِ‬
‫علَى ْال َم ْولُو ِد‬
‫ان َواأل َ ْق َرب ُونَ ﴾‪..‬وحفظ حقها وهي مولودة صغيرة ‪ ،‬قال تعالى‪َ " :‬و َ‬
‫ت ََر َك ْال َوا ِلدَ ِ‬
‫وف"‪..‬وحفظ حقها وهي ُمطلقة ‪ ،‬قال تعالى‪َ ﴿ :‬و ِل ْل ُم َ‬
‫ت َمت َاعٌ‬
‫طلَّقَا ِ‬
‫لَه ُ ِر ْزق ُ ُه َّن َو ِك ْس َوت ُ ُه َّن ِب ْال َم ْع ُر ِ‬
‫علَى ْال ُمت َّ ِقينَ ﴾‪..‬وحفظ حقها في حياتها االجتماعية ‪ ،‬بسالمة صدرها وقلبها‬
‫ِب ْال َم ْع ُر ِ‬
‫وف َحقًّا َ‬
‫على أقاربها ‪ ،‬فَ َحرم الجمع بينها وبين أُختها وعمتها وخالتها كما نصت على ذلك‬
‫النصوص الشرعية ‪ ،‬كما حفظ حقها في ُمعاقبة من رماها بالفاحشة دون َبينة‪ ..‬فقال تعالى‬
‫اج ِلد ُوهُ ْم ث َ َما ِنينَ َج ْلدَة ً َوال ت َ ْقبَلُوا لَ ُه ْم‬
‫ت ث ُ َّم لَ ْم يَأْتُوا ِبأ َ ْربَ َع ِة شُ َهدَا َء فَ ْ‬
‫صنَا ِ‬
‫" َوالَّذِينَ يَ ْر ُمونَ ْال ُم ْح َ‬
‫ش َهادَة ً أَبَدًا َوأُولَ ِئ َك هُ ُم ْالفَا ِسقُونَ " ‪ ،‬وحفظ حقها في صحتها ‪ ،‬فأسقط عنها الصيام في حال‬
‫َ‬
‫ضعفها من حمل أو إرضاع‪ ..‬أما في حال حيضها فقد اعتبرها غير المسلمين نجسة ‪ ،‬بينما‬
‫سيدنا و موالنا رسول هللا صلى هللا عليه و سلم وهو ا ْل ُمشَرع كان يقرأ القرآن وهو ُمتكئ‬
‫في حجر عائشة رضي هللا عنها وهي حائض‪ .....‬كما حفظ اإلسالم حق المرأة في الملكية‬
‫والتملك ‪ ،‬والتصرف في ممتلكاتها‪ ،‬والتوكيل في المعامالت ‪ ،‬وحق العمل ‪...‬و قد أكرم هللا‬
‫تعالى بالدنا برعاية أمير المومنين لشؤون المرأة في كل مجاالتها تحقيقا لما نصت عليه‬
‫شريعتنا السمحة‪ ،‬فأصبحنا نرى المرأة إلى جانب الرجل في كل األعمــــــــــال و‬
‫األشغـــــــــــال و المهمات ‪.‬‬
‫و لقد حكى القرآن عن أحوال الجاهلية فقال " َو ِإذَا ب ُ ِش َر أ َ َحدُهُ ْم ِب ْاأل ُ ْنثَى َ‬
‫ظ َّل َو ْج ُهه ُ ُم ْس َود ًّا‬
‫ب أَال‬
‫ارى ِمنَ ْالقَ ْو ِم ِم ْن سُ ِ‬
‫ُون أ َ ْم َيدُسُّه ُ ِفي الت ُّ َرا ِ‬
‫وء َما ب ُ ِش َر ِب ِه أَي ُ ْم ِسكُه ُ َ‬
‫َوه َُو ك َِظي ٌم * يَت ََو َ‬
‫علَى ه ٍّ‬
‫سا َء َما يَ ْحكُ ُمونَ ﴾‪. .‬وعندما جاءت رحمة اإلسالم إلى البشرية جمعاء ‪ ،‬غيرت هذه النظرة‬
‫َ‬
‫ق ُمزهر‪ ..‬فأصبحت المرأة غالية عند هللا ؛ ولقد‬
‫الكالحة المظلمة الظالمة ‪ ،‬إلى وجه ُمشر ٍّ‬
‫أوصى موالنا رسول هللا صلى هللا عليه و سلم في أعظم موقف ‪ ،‬في حجة الوداع قائال‬
‫"استوصوا بالنساء خيراً"‬
‫‪6‬‬

‫األسرة و تحرير المرأة بين أحكام الدين و نظريات القيم الكونية –‬
‫ندوة من إنجاز‪ :‬األستاذ معاذ الصمدي‬

‫صور من تكريم اإلسالم للمرأة‬
‫و ال غرو أن يلحظ كل واحد منا تكريم اإلسالم للمرأة في كل مراحلها ‪ ،‬فلقد كرمها أما ‪ :‬و‬
‫جعل نصيبها من البر والرعاية أوفر من نصيب األب روى البخاري ومسلم عن أبي‬
‫هريرة أن رجالً جاء إلى النبي صلى هللا عليه وسلم يسأله ‪ :‬من أحق الناس بحسن‬
‫صحبتي يا رسول هللا ؟ قال‪ :‬أمك ‪ ،‬قال‪ :‬ثم من ؟ قال ‪:‬أمك ‪ ،‬قال‪ :‬ثم من ؟ قال ‪ :‬أمك‪،‬‬
‫قال‪ :‬ثم من ؟ قال ‪ :‬أبوك ‪ .‬قال ابن حجر العسقالني في فتح الباري ‪ :‬األم لها ثالثة أمثال‬
‫ما لألب من البر ‪ ،‬دعوني هنا أعبر لكم بلغة األرقام ‪ %75 :‬من البر لألم ‪ ،‬و‪ %25‬لألب‬
‫لماذا ؟؟ قال ‪:‬لصعوبة الحمل ‪ ،‬والوضع ‪ ،‬والرضاع ‪ ،‬وهي أمور لم يشاركها الرجل فيها‬
‫ب ِّل َم ْن‬
‫ب ِّل َم ْن يَشَا ُء إِّنَاثًا َو َي َه ُ‬
‫‪.....‬كما كرمها بنتا ‪ ،‬فاعتبرها القرآن هبة الرحمن فقال " يَ َه ُ‬
‫ُور" فقدم األنثى على الذكر‪ ،‬تقديما يدل على التقدير‪ ،‬وجعل رسول هللا صلى هللا‬
‫َيشَا ُء الذُّك َ‬
‫عليه و سلم الجنة جزاء األب الذي يحسن صحبة بناته ويصبر على تربيتهن ‪ ،‬ويحسن‬
‫تأديبهن ‪ ،‬وجعل منزلته في الجنة بجواره ‪ ،‬فقال " َمن عال جاريتين دخلت أنا وهو الجنة‬
‫كهاتين'' رواه الترمذي ‪ ،‬وتصف بعض الروايات أن الجزاء بالجنة ِّل َمن يعول أخواته ‪،‬‬
‫لذلك وجدنا هذا األمر متجذ ًرا في مجتمعنا المغربي ‪ ،‬فكثير من الناس ضحى بحياته‬
‫وشبابه من أجل أن يُربي أخواته اليتيمات‪ ...‬كما كرمها زوجا ‪ ،‬فاعتبر القرآن الزوجية آية‬
‫من آيات هللا ‪ ،‬و قد أشرت إلى هذا سابقا‬
‫و عموما ‪ ،‬فقد جاء اإلسالم ليولي العنايةً الكبيرة ً باألُسرة التي تُش َِكل اللَّ ِبنة األولى في بناء‬
‫المجتمعات ‪ ،‬والتي يبدأ ال َخلَل المجتمعي منها ‪ ،‬حيث اعتبر أ َّن رابطة األسرة رابطة مقد َّسة‬
‫وأ َّن ك َّل محاولة لإلخالل بها أو تقويضها هي جريمة ‪ ،‬بل هي مجموعة من الجرائم ‪ ،‬إذ‬
‫َيت ََرتَّب على ذلك تشريد األطفال ‪ ،‬وإيقاد نار العداوة والبغضاء بين أفراد المجتمع ‪ ،‬لهذا فقد‬
‫وأسس‬
‫دعائم‬
‫اهت َّم اإلسال ُم باألسرة اهتما ًما عظي ًما ‪ ،‬ووضع لها نظا ًما حكي ًما يرتكز على‬
‫ٍّ‬
‫َ‬
‫كبير منَ اإلرشادات والتوجيهات ‪ ،‬التي‬
‫قوية ‪ ،‬فلم يترك شأنًا من شؤونها إال ودعمه‬
‫ٍّ‬
‫بقسط ٍّ‬
‫ْ‬
‫لسارت في طريقها راشدة‪...‬هذه نظرة مقتضبة عن األسرة في مفهوم‬
‫لو أخذت األمة بها‬
‫المنظومة اإلسالمية أي في الشريعة اإلسالمية‬

‫األسرة و القيم الكونية‬
‫و أما مفهوم األسرة على ضوء القيم الكونية ‪ ،‬و أقصد بالقيم الكونية تلكم المصطلحات‬
‫واألكثر استهالكا لدى طائفة من السياسيين والمثقفين المعاصرين‬
‫األكثر رواجا ولمعانا ‪،‬‬
‫ِّ‬
‫ولدى عامة المنظمات الحقوقية و َمن يس َّم ْون بالنشطاء الحقوقيين ‪ ،‬بل أصبحت عبارة‬
‫«القيم الكونية» تمثل عندهم مرجعية عليا ‪ ،‬مسلمة ومقدسة‪ .‬وعلى الرغم من كون‬
‫سلَّمة‬
‫مصطلح «القيم الكونية» أصبح يحيل على عدد من المعاني اإليجابية والممتازة ‪ ،‬والم َ‬
‫في مجملها ‪ ،‬فإن التأمل فيه والتمحيص النقدي لمضامينه يكشفان عن جملة من اإلشكاالت‬
‫والثغرات ما زالت قائمة في هذا المصطلح وفي مضامينه ‪ ،‬مما يسمح بسوء استخدامه‬
‫وتوظيفه‪ .‬من ذلك ما يلي ‪:‬‬

‫‪7‬‬

‫األسرة و تحرير المرأة بين أحكام الدين و نظريات القيم الكونية –‬
‫ندوة من إنجاز‪ :‬األستاذ معاذ الصمدي‬
‫ما معنى وصف «الكوني» و«الكونية» ؟ وما حدود هذه الكونية ؟ وهل هي فعال نسبة‬
‫إلى «الكون» ‪ ،‬بمعنى الوجود كله بأرضه وسماواته و َم َج َّراته‪ ،...‬أم أن الكون هنا ليس‬
‫سوى الكوكب األرضي الصغير ومن عليه من الناس ؟؟؟ إذا تساهلنا وقلنا « ال مشاحة في‬
‫االصطالح » وأن المقصود بالقيم الكونية هو ما كان مقبوال و ُمتَّبعا لدى كافة شعوب الكرة‬
‫جمع على اإليمان بها والعمل بمقتضاها كل األمم‬
‫األرضية ‪ ،‬فهل القيم الكونية هي التي ت ُ ِّ‬
‫والشعوب ؟؟ أم أن المقصود أغلبيتها فقط ؟؟ أم يكفي أن تكون تلك القيم شائعة ومقبولة‬
‫عند «الدول العظمى اليوم ‪ ،‬صانع ِّة الحداثة والحضارة وقائد ِّة البشرية»؟ وهل كونية القيم‬
‫تقاس بتقبل الشعوب ومعتقداتها وثقافاتها لتلك القيم وانبثاقها منها ؟ أو بمواقف الحكومات‬
‫والتزاماتها الوطنية والدولية ‪ ،‬أو بعدد األفراد ونسبة المؤمنين منهم طواعية بتلك القيم‬
‫المسماة كونية؟؟ ثم ما هي تلك النسبة ‪ :‬هل هي األغلبية المطلقة ‪ ،‬أم ال بد في ذلك من‬
‫أغلبية ساحقة ؟؟‪ .‬ثم ما هي الجهات المرجعية التي لها صالحية إعطاء صفة الكونية لقيمة‬
‫من القيم أو نزعها عنها ؟ ‪ :‬هل هم قادة الدول ‪ ،‬أم الجمعية العامة لألمم المتحدة ؟ أم‬
‫الفالسفة والمفكرون؟ أم علماء األخالق واألديان؟ أم المنظمات الحقوقية ؟ أم وسائل‬
‫اإلعالم وآلة الدعاية العابرة للقارات‪...‬؟ هذه جملة من األسئلة واإلشكاالت ‪ -‬وهناك غيرها‬
‫يتعين على أصحابنا دعاة المرجعية الكونية أن يجيبوا عنها بعلمية ووضوح وتدقيق ‪،‬‬‫وقبل ذلك أن يناقشوها مع القريب منهم والبعيد عنهم‪ .‬وال شك أن الوصول إلى إجابات‬
‫ق عليها ‪ -‬دوليا ووطنيا‪ -‬عن األسئلة المذكورة ‪ ،‬سيفتح الباب نحو توافقات‬
‫مدققة متواف ٍّ‬
‫تاريخية في حياة البشرية وعالقات مكوناتها الدولية والداخلية‪ .‬وبالمقابل ‪ ،‬فإن االستمرار‬
‫في ترديد عبارات جاهزة ومكررة عن «القيم الكونية»‪ ،‬وبقا َء تلك األسئلة المحيط ِة بها‬
‫بدون إجابات واضحة محسومة ‪ ،‬سيجعل ‪ ،‬أو سيُبقي‪ ،‬هذه «القيم الكونية» مجــــــــــــردَ‬
‫زاد و وقو ٍد في المعارك اإلديولوجية ‪ ،‬أو مجرد شعارات فضفاضة قابلة لكل تلوين‬
‫وتفسير ولف ودوران‪ ،‬حسب متطلبات الوقت والمناخ والسوق‪.‬‬
‫وعلى هذا األساس‪ ،‬ف َمن أراد سحق إرادة الشعوب وطمس كياناتها سيرفع عليها راية‬
‫القيم الكونية ومن أراد محاربة الفضائل واألخالق التي ال تعجبه سيشهر علينا سيف القيم‬
‫الكونية ‪ ،‬ومن أراد الدفاع عن شهواته ونزواته سيعتصم بالقيم الكونية ‪ ،‬و من أراد‬
‫تمييع اإليمان والتدين سيرفع الفتة «مؤمنون كونيون بال حدود" ‪.‬‬
‫قيم الكرامة والحرية والعدالة والمساواة هي قيم جميلة جليلة مقبولة محترمة‬
‫و ال شك أن َ‬
‫عند كافة األمم والشعوب‪ ...‬ولكن هل هي وحدها القيم الكونية ؟ وهل التفسير الغربي لهذه‬
‫القيم وحده التفسير الكوني واجب االتباع ؟ وهل التطبيق الغربي لتلك القيم هو النموذج‬
‫المرجعي الوحيد لتطبيقها عبر العالم ؟ و هنا يأتي مفهوم األسرة حسب القيم الكونية و ذلك‬
‫من خالل ما نطلع عليه في الواقع الغربي اليوم حيث خرج الدين من المعادلة اإلجتماعية‬
‫الكونية إلى إيجاد أنماط حياتية جديدة ومسلكيات إجتماعية متحررة ال عالقة لها البتة ال‬
‫بالقيم الدينية وال بالقيم الفلسفية ‪ ،‬وتحولت األسرة من كيان إجتماعي قوامه التداخل‬
‫الروحي والمادي بين رجل و امرأة يجمع بينهما عقد شرعي عند المسلمين أو حتى عند‬
‫غير المسلمين في الكنيسة ‪ -‬إلى مؤسسة تجارية أو شركة قوامها المنفعة والقيم المادية‬
‫دون غيرها ‪ ،‬و بأشكال مخلة كالشذوذ و اللواط و المثلية ( و نقصد بذلك االستمتاع‬
‫‪8‬‬

‫األسرة و تحرير المرأة بين أحكام الدين و نظريات القيم الكونية –‬
‫ندوة من إنجاز‪ :‬األستاذ معاذ الصمدي‬
‫الجنسي بأي شكل بين أشخاص من الجنس نفسه‪ .‬والشاذ جنسيا ً ‪ :‬هو الشخص الذي‬
‫يستمتع جنسيا ً مع أناس من نفس جنسه و يسمى الفعل للرجال (لواطاً) وللنساء (سحاقاً)‬
‫وهو نسبة إلى فعل قوم لوط ‪ ،‬و قس على ذلك و هلم جرا‪ ...‬والنقلة الملحوظة التي حدثت‬
‫في الغرب هي أن النظام األسري الذي كان يقوم على ضرورة مباركة الكنيسة تخلى عن‬
‫ذلك وأصبح يكفي أن يطلب الرجل من المرأة أو العكس المعاشرة في بيت واحد وتحت‬
‫سقف واحد ودون أن يقيدا هذه المعاشرة وقد يلجآن إلى إنجاب األوالد ‪ ،‬وهنا يحثهما‬
‫النظام المدني الكوني على ضرورة تسجيل األبناء بأسماء األم المعاشرة أو األب المعاشر ال‬
‫فرق بل يتم ذلك بتوافق المتعاشرين ‪ ،‬وقد يحلو لهذين المتعاشرين أن يلجآ إلى الزواج‬
‫الكنسي بعد إنقضاء عشرات السنين على عشرتهما وبعد أن يكونا قد أنجبا األطفال ‪ ،‬و‬
‫يحدث ذلك باستمرار في العواصم الغربية‪.‬‬
‫وقد أدى خروج الدين من النظام األسري الغربي إلى التحرر الكامل والمطلق من كل‬
‫االلتزامات فالرجل يعيش مع زوجته بمنطق الشراكة ‪ ،‬فكثيرا ما يقسمان حياتهما ‪ :‬الرجل‬
‫يدفع اإليجار والمرأة تدفع فواتير الكهرباء والهاتف ‪ ،‬ويتم تقسيم الحياة تقسيما دقيقا يخضع‬
‫للمنطق الرياضي في أدق التفاصيل ‪ ،‬وحتى في البيت يجرى تقييد الممتلكات باسم مشتريها‬
‫وكثيرا ما يحدث أن تكون األدوات الكهربائية للرجل واألرائك على سبيل المثال للمرأة ‪،‬‬
‫وهذا ما يفسر سهولة االنفصال ‪ ،‬حيث يكون معلوما أن هذه األشياء للرجل وتلك األشياء‬
‫للمرأة فيتم االنفصال بدون معضالت‪ .‬وكثيرا ما تحب المرأة رجال غير عشيرها فتخبر‬
‫عشيرها بذلك ويقع االنفصال تلقائيا وبدون كثير عناء ‪ ،‬ويتوافقان على أمر األوالد حيث‬
‫إذا تم رفض رعايتهما من الجانبين تقوم المحاكم عندها بالتدخل لتوزع األوالد على الرجل‬
‫والمرأة وفق حصص متكافئة ‪ ،‬وإذا لم يكونا أهال لرعاية األوالد فعندها يتم توزيع األوالد‬
‫على األسر الراغبة في رعاية األطفال بإشراف كامل من المؤسسات االجتماعية التي لها‬
‫سلطة كبيرة في الغرب ‪.‬‬
‫باإلضافة إلى ذلك فإن المنطق العائلي الغربي يقضي بأن الرجل ليس مكلفا بإعالة زوجته‬
‫اقتصاديا ‪ ،‬ألنه يجب عليها كالرجل الخروج إلى أسواق العمل والبحث عن عمل وإذا كانت‬
‫محتاجة فهناك مؤسسات اجتماعية تقدم مساعدات اجتماعية للمحتاجين ‪ .‬وينعكس خروج‬
‫المرأة إلى أسواق العمل وقضائها وقتا طويال في الخارج إلى تعريض األوالد إلى الضياع‬
‫حيث أصبح هذا الوضع محفزا باتجاه تعاطي األوالد للمخدرات وبقية المفاسد ‪.‬‬
‫ومما بدأ ينتشر في الغرب هو التمتع بالمحرمات حيث كثيرا ما تكتب بعض الصحف‬
‫الغربية عن بنت ولدت من أبيها وما شابه ذلك من العناوين المثيرة‪ ، .‬و ليس هذا في‬
‫الغرب لوحده بل في كل موطن سار المنتمي إليه متمسكا بتوجه الغرب ‪ ،‬وكثيرا ما يلجأ‬
‫األبناء إلى ترك ذويهم إذا بلغوا سن الثامنة عشر ‪ ،‬وعندها يستقل االبن بنفسه ماديا وسكنيا‬
‫وحياتيا واجتماعيا وال تصبح له أي عالقة بوالديه – و أحكي لكم قصة ‪ :‬أحد الجالية‬
‫بأروبا و بالضبط بفرنسا حضر خطبة الجمعة التي ألقيتها في شهر رمضان فجاء يبكي و‬
‫يسأل عن حكم الشريعة في أبنائه الذين تفلتوا منه و تزوجوا باألجنبيات و هم في رمضان‬
‫ال يصلون و ال يصومون ‪... "...‬كما يحدث أن يتوفى أحد الوالدين في الغرب ‪ ،‬فيكلف هذا‬
‫االبن إحدى مؤسسات الدفن لتتولى نقل هذا الميت إلى مثواه األخير ‪ ،‬و سبب ذلك يعود إلى‬
‫‪9‬‬

‫األسرة و تحرير المرأة بين أحكام الدين و نظريات القيم الكونية –‬
‫ندوة من إنجاز‪ :‬األستاذ معاذ الصمدي‬
‫أن الطفل ينشأ وسط قيم مادية خالصة ويعيش بين أبوين يتقاسمان الحياة ويحاسب‬
‫الواحد منهما األخر على قطعة خبز ‪.‬‬
‫و إنني من هذا المنبر ألدق ناقوس الخطر عن وضع أبناء جاليتنا المغربية الذين هم في‬
‫أمس الحاجة إلى الطاقات المؤهلة بكل اإلمكانيات و الوسائل و المعارف و التجارب حتى‬
‫نحصنهم وفق الضوابط الشرعية و الثوابت المرعية حتى ال يكونوا عرضة للهالك و‬
‫االنسالخ من هويتهم الثقافية و المعرفية فضال عن الدينية ‪.‬‬
‫إنني ال أعني أن النظام األسري الكوني في الغرب كله على هذه الشاكلة بل إن هناك أسر‬
‫مازالت محافظة على القيم المسيحية وتطالب بضرورة العودة إلى شرعنة مؤسسة العائلة‬
‫بالقيم المسيحية وتطالب بطرد كل دخيل شهواني على الحياة الغربية وهذا ما أشار إليه‬
‫بوضوح الباحث االجتماعي األمريكي السليت بيتر في كتابه " العالم الذي فقدناه "‬
‫هذه حضرات السيدات و السادة إطاللة عن منظور الشريعة اإلسالمية و القيم الكونية‬
‫لألسرة ‪ ،‬و شتان بينهما و هيهات هيهات بين الثرى و الثريا‬
‫َوقَافِّ َية ٌ فِّي ا ْل َعالَ ِّمينَ‬
‫ش ُرود ُ**‬
‫هللا ُم ْن َز ٌل ***‬
‫ي ِّمنَ ِّ‬
‫َ‬
‫** َوال َي ْ‬
‫ست َ ِّوي َو ْح ٌ‬
‫و هذا يقودني حتما إلى طرح السؤال العريض الذي حير األذهان في دعوى تحرير المرأة‬
‫حتى اختلط الحق بالباطل على ضعاف اإليمان ‪ ،‬و يستدعي ذلك توضيح الفوارق بين‬
‫النموذج الغربي في الدعوة إلي حقوق وحريات المرأة وبين النموذج اإلسالمي الذي جاء به‬
‫سيدنا محمد بن عبد هللا ‪ -‬صلى هللا عليه وسلم‬

‫الدعوة إلى تحرير المرأة بين خصوصيات الهويــــــــــــــــة‬
‫و مقتضيات الحداثة‬
‫إن تاريخ الميالد الحقيقي لحقوق اإلنسان وحرياته وكرامته رجال كان أم امرأة هو وحي‬
‫السماء ‪ ،‬وآخره القرآن الكريم وسنة سيدنا محمد عليه الصالة والسالم ‪ ،‬فاإلسالم منع‬
‫وحرم االتجار بالمرأة وحرم توريثها كسلعة ‪ ،‬وحرم وأدها ‪ ،‬وأكد إنسانيتها وأنها خلق من‬
‫خلق هللا خلقها هللا من ضلع آدم‪ ..‬لها نفس حقوق آدم وحرياته وكرامته‪ -‬يقول تعالي( ولقد‬
‫كرمنا بني آدم) ويقول تعالى ‪(:‬ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف) ويؤكد الرسول عليه‬
‫الصالة والسالم أن(النساء شقائق الرجال)وقال عليه السالم( خيركم خيركم ألهله وأنا‬
‫خيركم ألهلي)‪ .‬وأكد القرآن والسنة حق المرأة في الحياة والتعليم والعمل وتقلد أعلى‬
‫المناصب القيادية في المجتمع ‪ ،‬وحقها في المشاركة االجتماعية والسياسية واالقتصادية‬
‫ومنح المرأة ذمة اقتصادية مستقلة تماما عن الرجل ‪ ،‬لها الحق في البيع والشراء‬
‫والتملك والرهن والهبة والوقف ‪ ،‬و حقها في الكد و السعاية ‪ ،‬لها كل حرياتها في اختيار‬
‫زوجها بمحض إرادتها ‪ ،‬وفي اختيار فكرها وعقيدتها وحرية التنقل والتجمع ‪ ،‬كل هذا‬
‫بالطبع في إطار معايير اإلسالم وقيم السماء التي تحول دون االنجراف أو الفساد أو‬
‫اإلفساد‪.‬‬
‫أما في الغرب ‪ ،‬فقد عُقد في روما القديمة مؤتمر المرأة دارت أبحاثه حول سؤال‬
‫غريـــــب( هل المرأة إنسان ؟) و خرج بأنها ليست إنسانا‪ .‬و في اسكتلندا أصدر البرلمان‬
‫عام‪ 1567‬م قرارا بعدم منح المرأة أية سلطة على أي شيء من األشياء ‪ ،‬وفي عصر‬
‫‪10‬‬

‫األسرة و تحرير المرأة بين أحكام الدين و نظريات القيم الكونية –‬
‫ندوة من إنجاز‪ :‬األستاذ معاذ الصمدي‬
‫هنري الثامن ملك إنجلترا أصدر البرلمان االنجليزي قرارا يحظر على المرأة أن تقرأ‬
‫اإلنجيل ألنها رجس من عمل الشيطان ‪ ،‬ومن أحدث القوانين في فرنسا قانون صدر‬
‫سنة‪ 1941‬يعتبر أن الزوجة ال يحق لها التصرف في خاصة ملكها إال بإذن زوجها‪ .‬هذا‬
‫وغيره مما يجعلنا وبحق نرفض أن يزايد علينا الغرب بأنه هو الذي أطلق صيحة تحرير‬
‫المرأة وطالب بحقوقها وحرياتها وكرامتها ‪ ،‬فهذا هو الغرب اليزال يمتهن المرأة حتي‬
‫اآلن ‪ ،‬مما يجعلنا نقول ‪ :‬إن دعوى تحرير المرأة في الغرب هي حق أريد به باطل فأعلى‬
‫نسبة اغتصاب النساء خاصة المحارم في الغرب ‪ ،‬وقس على هذا ما هو أفظع و أكــثر ‪.‬‬
‫و بالمقابل فإن الفكر اإلسالمي فكر منفتح يتفاعل مع كل ما من شأنه إعالء كرامة اإلنسان‬
‫وحرياته ‪ ،‬ولهذا نحن نرحب بكل قرارات األمم المتحدة والمنتديات الدولية والمؤتمرات‬
‫العالمية ‪ ،‬و النظم الكونية بصفة عامة ‪ -‬وكل دعوة لتحرير وحقوق المرأة ألنها أصل‬
‫ثابت من أصول الدين اإلسالمي ‪ ،‬لكن بشرط عدم التصادم مع معايير شرعية أو مع قيم‬
‫األديان السماوية الصحيحة أو مع المنطق العقلي السليم والفطرة اإلنسانية السوية كما‬
‫خلقها هللا تعالي‪.‬‬
‫إن هناك محاوالت مستميتة لتسويق النموذج الغربي لحقوق اإلنسان داخل العالم‬
‫اإلسالمي‪ ....‬والشك أن هذا النموذج له ايجابياته الكثيرة لكن أيضا له سلبياته التي يجب‬
‫التنبيه إليها وتوضيح الفرق بينه وبين النموذج اإلسالمي في التحرير نوجزها فيما يلي‪:‬‬
‫ إن فلسفة تحرير المرأة في النموذج الغربي تنطلق من النموذج الليبرالي الذي يعلي من‬‫قيمة المادة واالقتصاد ‪ ،‬فرجال الصناعة واالقتصاد أرادوا للمرأة أن تخرج ألداء وظيفتين‬
‫أساسيتين في حياة المجتمع ‪ :‬األولى اإلسهام في اإلنتاج االقتصادي بأقل األجور مقارنة‬
‫بالرجل ‪ ،‬وساعات عمل أطول ‪ ،‬والثانية استخدامها في كل عمليات التسويق واإلعالن‬
‫لفتح شهية المستهلك واستنزافه من خالل إبراز مفاتن األنثى وتعريتها ‪ ،‬دون نظر إلي قيم‬
‫دينية أو عقيدة أو أخالق‪ .‬ففلسفة الربح و اإلنتاج وتشجيع االستهالك وهي قيم ليبرالية‬
‫كانت وراء استثمار جهد المرأة وجسدها وجمالها ومفاتنها في تحقيق أهداف الليبرالية أو‬
‫الرأسمالية المتوحشة ‪ ،‬وكان أصحاب المصانع في أوروبا يستغنون عن عمالة الرجال‬
‫ويطالبونهم بإرسال أزواجهم وبناتهم للعمل في المصانع ألنهن أقل أجورا وأكثر صبرا‬
‫وأقل تمردا من الرجال ولم يكن هدف تحرير المرأة احترامها كإنسان شقيقة للرجل ‪ ،‬ولم‬
‫يكن لها حقوق الرجل في أوروبا حتي عهد قريب جدا ‪.‬‬
‫و إذا ما نظرنا إلى المطالبة بتحرير المرأة المغربية في ضوء الهوية المغربية المتجذرة ‪،‬‬
‫و أقصد بالهوية مجموع ما يك ِّون الشيء أو الشخص أو الجماعة من صفات تجعله هو هو‬
‫دائما ‪ ،‬أي مجمل السمات التي تميـزنا عن غيرنا و تجعلنا مشتركين في ‪ :‬الدين و األرض‪،‬‬
‫اللغة‪ ،‬التاريخ‪ ،‬الحضارة‪ ،‬الثقافة‪ ،‬العادات ‪،‬التقاليد و الطموح وغيرها‪....‬‬

‫تحرير المرأة و الهوية المغربية‬
‫و أقصد بالهوية المغربية كل ما يجعل المغاربة متقاربين فكريا في تنشئتهم االجتماعية‬
‫وفي مجموع العناصر المعنوية والمادية التي توحدهم وتجعلهم كتلة بشرية متجانسة‬
‫مشت ركة في عناصر دينية تاريخية حضارية لغوية فنية سلوكية حقوقية ‪ ،‬و هذا بالطبع ما‬
‫‪11‬‬

‫األسرة و تحرير المرأة بين أحكام الدين و نظريات القيم الكونية –‬
‫ندوة من إنجاز‪ :‬األستاذ معاذ الصمدي‬
‫ذهب إليه دستور مملكتنا الشريفة أعز هللا أمرها حيث جاء فيه " المملكة المغربية دولة‬
‫إسالمية ذات سيادة كاملة ‪ ،‬متشبثة بوحدتها الوطنية والترابية ‪ ،‬وبصيانة تالحم مقومات‬
‫هويتها الوطنية ‪ ،‬الموحدة بانصهار كل مكوناتها ‪ ،‬العربية – اإلسالمية‪ ،‬واألمازيغية‪،‬‬
‫والصحراوية الحسانية ‪ ،‬والغنية بروافدها اإلفريقية واألندلسية والعبرية والمتوسطية‪.....‬‬
‫إذا ما وضعنا المرأة و الدعوة لتحريرها من منظور هويتنا المغربية فإننا نكاد نجمع أن‬
‫المنطق ال يختلف عن المنظومة الدينية التي تحفظ للمرأة كرامتهـــــــــا و لألسرة مكانتها‬
‫دون غلو و ال تطرف ‪ ،‬إذ المنظومة الدينية بالنسبة للمغاربة ليست مجرد دين‪ ،‬وإنما هي‬
‫ثقافة وعقيدة وتاريخ وحضارة ولغة وقيم وعادات ‪ ،‬ومن اليسير أن نكتشف أثر اإلسالم‬
‫في القيم السائدة والعادات االجتماعية ‪ ،‬واإلسالم هو سالح المغاربة األقوى واألمضى…‬
‫وهو الهوية الحقيقية التي تميز الشخصية المغربية في مواقفها وسلوكها وتجسد ثقافتها‬
‫وقيمها…‪.‬‬
‫و في وقتنا الحاضر‪ ،‬وأمام ما ي ْعتَ ِو ُر الساحة العالمية من تغيرات سريعة ‪ ،‬وأمام زحف‬
‫أمواج العولمة بقوة ‪ ،‬والذي تحاول فيه القوى الكونية العظمى فرض رؤيتها وثقافتها ونمط‬
‫اقتصادها كنمط أحادي و وحيد ‪ ،‬وتسوقه على أنه النموذج األصلح لكل المجتمعات ‪ ،‬أمام‬
‫هذا الوضع ‪ ،‬علينا جميعا كل من زاويته تحصين الهوية المغربية والحفاظ على‬
‫الخصوصيات الثقافية المكونة لها ‪ ،‬لنتتفادى آليات هذا النظام العولمي الهادف إلى تفكيك‬
‫الثقافات الوطنية عبر زرع االنشقاقات والصراعات داخلها ‪ ،‬والذي يرمي من وراء ذلك‬
‫إلى أن تتحول هذه المجتمعات الباحثة عن ترسيخ هويتها إلى مجتمعات ضعيفة يسهل‬
‫اختراقها والتحكم فيها بعد ذلك ‪ ،‬و هما يأتي دور التشبع بالتوابث المغربية الرصينة التي‬
‫تعد حرزا و صمام أمان لألمة المغربية في ماضيها و حاضرها و مستقبلها ‪.‬‬
‫إن المرأة المسلمة تواجه اليوم عددا ً من التحديات الخطيرة ولهذا فإنها بحاجة ماسة إلى‬
‫التسلح بالعلم والمعرفة بهذا الدين العظيم الذي تدين هللا به لتعرف فضله عليها من سائر‬
‫األديان والملل األخرى وما قدمه لها هذا الدين من عقيدة وشريعة وعدل وأمن ورحمة‬
‫ومساواة وما أثبته لها من خصائص وسمات في الحقوق والواجبات وما قدمه لها من‬
‫ضمانات دنيوية وأخروية‪.‬‬
‫إن بعض الداعين إلى تحرر المرأة ال يناضلون من أجل حريتها وإنما يناضلون من أجل‬
‫حرية الوصول إليها ‪ .‬و المرأة العربية أقول المسلمة أينما كانت و حيثما وجدت ليست‬
‫بحاجة إلى مدافعين عن حقوقها ‪ ،‬بقدر ما هي بحاجة إلى فهم منطلقات تلك الحقوق‬
‫وتبعاتها ‪ ،‬وأوجه ممارستها ‪ ،‬في إطار إنساني اجتماعي ‪ ،‬تشعر فيه بإيجابية دورها في‬
‫الحياة ‪.‬‬
‫إننا نطالع باستمرار دعاوى للمدافعين عن حقوق األنوثة ‪ ،‬يدعون فيها إلى تحرير المرأة‬
‫من الموروث الديني ‪ ،‬باعتباره قيدا لها ولفاعليتها ‪ ،‬ومعرقال لحركيتها في المجتمع ‪،‬‬
‫ويضربون المثال غالبا بالحجاب ‪ ،‬بدعوى أنه مانع من ممارسة األنثى لنشاطاتها الخارجية‬
‫بحرية ‪ ،‬و هلل ذر الشيخ محمد الغزالي القائل " إن تعرية المرأة حينا ً ‪ ،‬وحشرها فى مالبس‬
‫ضيقة حينا آخر‪ ،‬عمل لم يشرف عليه علماء األخالق وإنما قام به تجار الرقيق"‪...‬‬
‫‪12‬‬

‫األسرة و تحرير المرأة بين أحكام الدين و نظريات القيم الكونية –‬
‫ندوة من إنجاز‪ :‬األستاذ معاذ الصمدي‬
‫إن اإلسالم ال يقيم‪ -‬فى سباق الفضائل وزنا لصفات الذكورة واألنوثة ‪ ،‬فالكل سواء في‬
‫العقائد والعبادات واألخالق ‪ ،‬الكل سواء فى مجال العلم والعمل والجد واالجتهاد‪.‬‬
‫و أمام ما أسلفت و حتى أكون منصفا في توجهي فال أحد ينكر وجود درجات متفاوتة من‬
‫التعسف ضد المرأة في مجتمعاتنا العربية واإلسالمية ‪ ،‬واألدهى من ذلك واألكثر خطورة‬
‫أن يتم إقحام الدين بشكل تعسفي من خالل لي أعناق النصوص الشرعية لالنتقاص من‬
‫المرأة ‪ ،‬يظهر ذلك جليا في االحتجاج بقوامة الرجل على المرأة وأن له درجة عليها ‪،‬‬
‫وبالحديث الذي يعتبر فيه النبي صلى هللا عليه وسلم النساء ناقصات عقل ودين‪ .‬وفي كلتا‬
‫الحجتين يتم بتر سياق النصين عن سابقهما و الحقهما ‪ ،‬من دون وعي لخطورة األمر في‬
‫زيادة التوتر والصراع بين الطرفين ‪ ،‬هما في األصل وحدة إنسانية مشتركة‪ .‬إنهم يحاولون‬
‫طي أعناق النصوص ولي زمامها ‪ ،‬وإفراغها من محتواها ‪ ،‬بل و يتعاملون مع هذه‬
‫النصوص بمنطق ( وال تقربوا الصالة ) وال يكملون اآلية حتى يستقيم المعنى وتتضح‬
‫الصورة ‪ .‬و قد يسلك المسلك ذاته بعض أبناء جلدتنا ممن ال فقه لديهم ‪ ،‬وال علم شرعي‬
‫يحرسهم ويهديهم ‪ ،‬ومن ذلك الطعن ‪ :‬ما ينسبونه خطأ وجهال من أن اإلسالم قد أهان‬
‫المرأة وحقر من شأنها ‪ ،‬مستشهدين بالحديث المذكور‪ -‬النساء ناقصات عقل ودين‪-‬‬
‫فيقفون عند هذه الجملة من الحديث وال يكملون الحديث إلى نهايته ‪ ،‬ولو أنهم أكملوه‬
‫التضح لهم المعنى والستقام لهم الفهم‪ ،‬كذا الشأن في الفهم الخاطى لبعض نصوص القرآن‬
‫وف ۚ َو ِّل ِّلر َجا ِّل َ‬
‫الكريم كقوله تعالى " " َولَ ُه َّن ِّمثْ ُل الَّذِّي َ‬
‫علَ ْي ِّه َّن بِّا ْل َم ْع ُر ِّ‬
‫علَ ْي ِّه َّن د ََر َجة ٌ ۗ َو َّ‬
‫اَّلل ُ‬
‫ع َِّزي ٌز َح ِّكي ٌم" يقول صاحب الضالل إن الدرجة في آية سورة البقرة السالفة مقيدة في هذا‬
‫الموضع وليست مطلقة الداللة كما يفهمها الكثيرون ‪ ،‬ويستشهدون بها في غير‬
‫موضعها"‪...‬هذا االستشهاد الذي يأخذ أحيانا منحى التنقيص من شخص الطرف اآلخر‬
‫والتندر به‪ .‬حتى صار أمثاال و شعرا و نثرا نهجه الغاوون و هو مما نهى الشرع عنه كقول‬
‫أحدهم‪ :‬رأيت الهم في الدنيا كثير * * *وأكثره يكون من النساء‬
‫فال تأمن ألنثي قط يومــــــــــــــــــــا * * * * و لو قالت نزلت من السمـــــاء‬
‫و قول آخر‪:‬‬
‫لقد كنت محتاجا إلى موت زوجتي* * * * ولكن قرين السوء باق معمر‬
‫فيا ليتها صارت إلى القبر عاجال* * *وعذبها فيه نكير ومنكر‬

‫و قال الحطيئة يخاطب زوجه‪:‬‬
‫تنحى فاجلسي منى بعيدا* * *أراح هللا منك العالمينا‬
‫أغرباال إذا استودعت سرا* * *وكانونا على المتحدثينا‬
‫حياتك ما علمت حياة سوء* * *وموتك قد يسر الصالحينا‬

‫‪13‬‬

‫األسرة و تحرير المرأة بين أحكام الدين و نظريات القيم الكونية –‬
‫ندوة من إنجاز‪ :‬األستاذ معاذ الصمدي‬
‫وال نقول كما قال أحدهم أيضا ‪:‬‬
‫إن النساء شياطين خلقن لنا * * * نعوذ باهلل من شر الشياطين‬
‫فهن أصل البليات التي ظهرت * * * بين البرية في الدنيا وفي الدين‬
‫بل نقول كما قال الشاعر المنصف‪:‬‬
‫إن النساء رياحين خلقن لنا * * * وكلنا يشتهي شم الرياحين‬
‫بل نقول ما قاله موالنا تعالى ‪:‬‬
‫سكُنُوا إِّلَ ْي َها َو َجعَ َل بَ ْينَكُ ْم َم َودَّةً َو َر ْح َمةً إِّ َّن فِّي‬
‫ق لَكُ ْم ِّم ْن أ َ ْنف ُ ِّ‬
‫َو ِّم ْن آيَاتِّ ِّه أ َ ْن َخلَ َ‬
‫سكُ ْم أ َ ْز َوا ًجا ِّلت َ ْ‬
‫ت ِّلقَ ْو ٍم َيتَفَكَّ ُرونَ‬
‫ذَ ِّلكَ آليَا ٍ‬
‫و على ضوء ما ذكرت ‪ :‬نحن بحاجة إلى مراجعة ممارساتنا تجاه تراثنا اإلسالمي ‪ ،‬وليس‬
‫إلى مراجعة التراث نفسه ‪ ،‬ألن مشاكلنا مع الدين كامنة في تبني سلوكيات نلبسها ثياب‬
‫الدين والدين منها براء ‪ ،‬براءة الذئب من دم ابن يعقوب‪...‬‬
‫على المرأة المسلمة المغربية أن تحصن نفسها من هذه المشاريع الهدامة والمخططات‬
‫المشبوهة التي يروج لها المغرضون ويسمون أنفسهم بدعاة تحرير المرأة فيدغدغون‬
‫عواطف النساء ويستغلون حاجتهن وظروفهن ويلبسون عليهن باسم الدين والمصلحة‬
‫ليصلوا بهن إلى الفوضى االجتماعية والحياة البهيمية فتصبح المرأة ألعوبة بأيديهم وأداة‬
‫لتحقيق مآربهم ‪ ،‬و لنحذر من وأد المرأة في هذا الزمان ‪ ....‬إذا كان الناس في الجاهلية‬
‫عرفوا وأد البنات ‪ ،‬فهناك اليوم وأْد آخر لهن ‪ ،‬بتضييق الخناق عليهن ووأد مواهبهن‬
‫وعزلهن عن اإلسهام الفاعل في بناء المجتمع ‪ ،‬وهذا ليس من اإلسالم في شيء ‪.‬‬
‫ولقد مر بنا في الثامن من هذا الشهر اليوم العالمي للمرأة و هو من األيام المطروقة بقوة‬
‫إعالميًا ومؤسساتيًا و يمكن أن نشيح أوجهنا عنه أو نتجاهله بل ينبغي أن نتعامل معه‬
‫بإيجابية و نغتنم هذه الفرصة لنبين للدنيا بأكملها التصور اإلسالمي لقضايا المرأة ‪ ،‬من‬
‫خالل مكانتها ومركزها وحقوقها وواجباتها في اإلسالم ‪ ،‬و هو ما حاولت إبرازه في مقامكم‬
‫الكريم و استغلها مناسبة أن أتوجه بالنداء للدرة الغالية ‪:‬أماً‪ ،‬أختًا‪ ،‬بنتًا‪ ،‬زو ًجا‪ ،‬ألقول لكن ‪:‬‬
‫فمن حقكن أن‬
‫تعالوا إلى رحاب اإلسالم ‪ ،‬إلى التقدير واالحترام ‪ ،‬واإلكرام ورفعة المقام ‪ِ .‬‬
‫الدين العظيم الذي كرمكن أيما تكريم ‪،‬‬
‫تشعرن باالعتزاز واالفتخار على نساء الدنيا بهذا ِ‬
‫وأنصفكن أعظم إنصاف ‪ ،‬و يكفينا فخرا‪ :‬أن أول َمن آمن ودخل اإلسالم كانت امرأة ‪..‬‬
‫خديجة بنت خويلد ‪ ،‬وأول شهيدة في اإلسالم سمية زوجة ياسر وأم عمار ‪ -‬إن كان صبر‬
‫الرجال المسلمين على العذاب الشديد عجيبًا ‪ ،‬فأعجب منه أن تصبر عليه امرأة ‪ ،‬وصبرها‬
‫على التمسك بدينها يهون إلى جانبه الصبر على األلم ‪ ،‬مهما زاد واشتد ‪ ،‬ذات يوم مر‬
‫عليها أبو جهل فسمعها تردد كلمات اإليمان‪ :‬أحد‪ .‬أحد‪ .‬هللا أكبر‪ .‬هللا أكبر‪ .‬فأمرها أن تكفر‬
‫بمحمد ودينه ‪ ،‬فامتنعت ‪ ،‬فأخذ حربة فطعنها في قُبلها ‪ ،‬فسقطت شهيدة ‪ ،‬وكانت ‪-‬رضى‬
‫ً‬
‫رمزا للصمود ‪،‬‬
‫هللا عنها‪ -‬كبيرة السن ‪ ،‬عظيمة اإليمان ‪ ،‬ضعيفة الجسم ‪ ،‬قوية اليقين ‪،‬‬
‫وأمارة على قوة العقيدة ‪ ،‬رضي هللا عنها و عن سائر أمهاتنا ‪ ،‬كما إن أول َمن ائتُمنت على‬
‫المصحف الشريف حفصة بنت عمر‪ ،‬فضالً على مواقف كثيرة للمرأة في اإلسالم ‪.‬كموقف‬
‫‪14‬‬

‫األسرة و تحرير المرأة بين أحكام الدين و نظريات القيم الكونية –‬
‫ندوة من إنجاز‪ :‬األستاذ معاذ الصمدي‬
‫أسماء في الهجرة حتى لقبت بذات النطاقين ‪..‬ونقرأ في القرآن سورة النساء ‪ ،‬وسورة‬
‫مريم‬
‫‪.....‬نريدك أختي المسلمة من خالل ما ذكرت أما ً تربي لنا األجيال ‪.‬نريدك أختي المسلمة‬
‫عونًا لنا في حماية األسرة وتماسكها ‪ ،‬وبناء المجتمع و لتكن منكن الطبيبة والمعلمــــــــــة‬
‫و العالمة والباحثة والصحفية والبرلمانية‪...‬‬
‫إن مجتمعنا المغربي اليوم بحاجة إلى المرأة المومنة الطاهرة النقية التقية التي تسهم في‬
‫بناء مجتمعها ‪ ،‬و قد أكرم هللا تعالى بالدنا برعاية موالنا أمير المومنين لشؤون المرأة في‬
‫كل مجاالتها تحقيقا لما نصت عليه شريعتنا السمحة‪ ،‬فتحقق بذلك للمرأة المغربية في ظل‬
‫هذه الرعاية و العناية المنبثقة من ثوابت األمة المغربية و المحاطة بإمارة المومنين أن‬
‫أخرجت المرأة المغربية من ركن التهميش و االستغالل و تعززت أدوارها داخل المجتمع‬
‫من خالل ‪ :‬احترام خصوصياتها و حاجياتها أثناء توزيع األدوار المجتمعية ‪ ،‬و أنسنة‬
‫النصوص القانونية بشكل ينصفها أكثر ‪ ،‬خاصة مدونة األسرة و قانون الشغل ‪ ،‬و حظر و‬
‫تجريم جميع أنواع العنف ضدها ‪ ،‬و تعزيز االلتزام والعمل على المستوى الدولي والوطني‬
‫والمحلي نحو مأسسة حقوقها ‪ ،‬و االعتراف بالعمل المنزلي لها أثناء تقاسم األمالك‬
‫المشتركة بين الزوجين خالل فترة زواجهم ‪ ،‬و االهتمام المستمر بتعليمها و تكوينها في‬
‫جميع المجاالت ‪ ،‬و تشجيع النساء على تولي مناصب المسؤولية داخل اإلدارات العمومية‬
‫و داخل الشركات‪.‬‬
‫هذه مداخلتي حضرات السيدات و السادة – المتواضعة ‪ -‬أرجو أن أكون قد ُو ِف ْقتُ و لو قليال‬
‫فإن أصبت فمن هللا و إن جانبت المبتغى فمن نفسي و ما توفيقي إال باهلل عليه توكلت و إليه‬
‫أنيب ‪ -‬ربنا هب لنا من أزواجنا و ذرياتنا قرة أعين و اجعلنا للمتقين إماما –‬
‫و الحمد هلل رب العالمين ‪ ،‬و السالم عليكم و رحمة هللا و بركاته ‪.‬‬

‫‪15‬‬

‫األسرة و تحرير المرأة بين أحكام الدين و نظريات القيم الكونية –‬
‫ندوة من إنجاز‪ :‬األستاذ معاذ الصمدي‬

‫‪16‬‬


Aperçu du document a.pdf - page 1/16
 
a.pdf - page 2/16
a.pdf - page 3/16
a.pdf - page 4/16
a.pdf - page 5/16
a.pdf - page 6/16
 




Télécharger le fichier (PDF)


a.pdf (PDF, 950 Ko)

Télécharger
Formats alternatifs: ZIP



Documents similaires


spreading
pdf
test
hx9hunw
document 3
testpdf