تمارى .pdf



Nom original: تمارى.pdfAuteur: HADJAZI MED ZOHEIR

Ce document au format PDF 1.5 a été généré par Microsoft® Office Word 2007, et a été envoyé sur fichier-pdf.fr le 26/04/2017 à 17:29, depuis l'adresse IP 41.100.x.x. La présente page de téléchargement du fichier a été vue 1212 fois.
Taille du document: 350 Ko (48 pages).
Confidentialité: fichier public


Aperçu du document


‫الرواية االقتصادية‬

‫متارى‬
‫حجازي رفيدة مليس‬

‫تقديم ‪:‬‬
‫الدكتور العشعاشي عبداحلق‬

‫قبل ثالث سنوات (‪ )3102-3102‬درست مقياس من مقاييس االقتصاد أال وهو مقياس املالية العامة لطلبة‬
‫السنة الثانية وككل سنة يظهر العديد من الطلبة النجباء والذين تقرأ يف أعينهم األمل والنجاح والتحدي‪ .‬وبعد‬
‫سداسي مليء بالتعلم ومناقشة األفكار واحلوار وكما كان متوقعا برز الطلبة املتفوقون على األقل يف مقياسنا‬
‫وحتصلوا على ما كانوا ي ملونه وتعبوا من أجل احلصول عليه ومن بينهم الطالبة حجازي رفيدة مليس‪.‬‬
‫وبعد العطلة الصيفية‪ ،‬طلبت مين مليس هي وصديقتها أن أكون مؤطرمها ملذكرة الليسانس وقد مت اختيار موضوع‬
‫"دور اجلباية يف متويل اجلماعات احمللية‪ :‬دراسة حالة اخلزينة العموميةابن باديس ‪-‬سيدي بلعباس" ويف احلقيقية‬
‫فقد أعجبين انضباطهما وفضوهلما العلمي وتشوقهما لطلب املعرفة وانتهى العام بإمتام املذكرة على أكمل وجه‬
‫وحتصال على العالمة الكاملة‪ .‬وأثناء العام الدراسي طلبت مليس صداقيت يف الفضاء األزرق (موقع التواصل‬
‫االجتماعي)‪ ،‬ومن وجهة نظري أن شخصية الفرد ميكن أن تظهر على مواقع التواصل االجتماعي مع وجود‬
‫اإلستثناءات‪ .‬ومرت األيام والسنون وكنت كلما دخلت إىل مواقع التواصل االجتماعي إال وأقرأ للصديقة (الطالبة)‬
‫مليس منشورا من إنتاجها الفكري‪ ،‬يف احلقيقة كانت كلماهتا قليلة جدا ويف مجل واحدة أو اثنتني على األكثر إال‬
‫أهنا ذات معان كبرية تعرب عن موهبة يف الكتابة حيث أهنا كانت تبدع يف التعبري عن ما جيول يف خاطرها وقلت يف‬
‫نفسي أظن أن مستقبل مليس مع األدب سيكون أفضل من مستقبلها مع االقتصاد‪.‬‬
‫ومرت سنتني والطالبة الكاتبة تكتب وتبدع ودائما ألتمس حالوة يف كلماهتا وهنا جال يف خاطري فكرة أعتقد أهنا‬
‫حديثة نوعا ما حيث تساءلت يوما ملاذا ال نربط األدب باالقتصاد‪ ،‬أي هل ميكن أن نبسط املفاهيم االقتصادية‬
‫بطريقة أدبية مبسطة‪ ،‬وبقيت هذه الفكرة جتول يف خاطري إىل أن حتني الفرصة‪.‬‬
‫وفعال جاءت تلك الفرصة‪ ،‬فبعد سنتني‪ ،‬جاءتين الطالبة (الصديقة) مليس لكي أؤطرها يف مذكرة املاسرت وعرضت‬
‫عليها الفكرة فتقبلتها بصدر رحب رغم استغراهبا أول األمر باعتبار أن الفكرة جديدة بالنسبة هلا وقد ناقشناها‬

‫باستفاضة خصوصا وأننا علمنا أن والدهتا معلمة غرست فيها حب املطالعة‪ .‬ويف األخري اتفقنا على أن تكون‬
‫"الرواية االقتصادية" كعنوان ملذكرهتا‪.‬‬
‫علمنا أن املشروع ال ميكن أن يكون عنوانا ملذكرة وقررنا أن ننجز مشروعني يف آن واحد وقد قبلت مليس التحدي‬
‫وانطلقت يف كتابة مشروع الرواية إضافة إىل مذكرة يف جمال التخصص‪.‬‬
‫فضلت أن أعطي مليس حرية يف الكتابة فقد اختارت هي شخصيات الرواية وقد مست روايتها "تمارى" فقد‬
‫ساعدهتا فقط يف تنظيم املواضيع وقد اخرتنا مقياس هو "االقتصاد النقدي" باعتبار ختصصها "االقتصاد النقدي‬
‫واملايل" وأحببت أال أغري شيئا من النص حىت يكتشف القارئ موهبة مليس األدبية واإلبداعية‪.‬‬
‫وبعد بضعة أشهر وبعد شد وجذب أرسلت يل الرواية يف صيغتها احلالية ويف احلقيقية بدأت بقراءهتا بعد منتصف‬
‫الليل ورغم تعيب الشديد فقد قرأت نصفها لسالستها ولتناسق أفكارها فقد شدين قوة إبداع مليس وغزارة بضاعتها‬
‫اللغوية واالقتصادية ‪ ،‬ويف الصباح التقيت زميلتها اليت قالت يل أهنا قرأت الرواية يف يوم واحد وقد أعجبت هبا‬
‫جدا‪.‬‬
‫سوف لن أفصل لكم الرواية‪ ،‬س ترككم تكتشفوهنا لوحدكم فهي رواية متزج بني الرواية األدبية ومواضيع االقتصاد‬
‫بطريقة سلسة ومتقنة وس ترك لكم الرواية لتقيموها ب نفسكم‪.‬‬
‫إقرتحت أن أقدم هذا املشروع على طلبيت يف قسم التكنولوجيا إال أن إضراب بعض الطلبة وإغالق الكلية حال‬
‫دون ذلك‪.‬‬
‫هلذا اتفقنا مع الطالبة على نشر هذه الرواية يف شكلها األويل وتشاركها مع القراء بغية اإلستفادة من اقرتاحاهتم‬
‫وهذا من أجل تطويرها وطبعها يف كتاب إن قدر اهلل ذلك‪.‬‬

‫سرتفق الرواية باستبيان وأرجوا من القارئ أن جييب عنه قبل وبعد قراءة الرواية حىت نتعرف هل متكن من ضبط‬
‫املفاهيم االقتصادية أم ال‪.‬‬
‫يف النهاية‪ ،‬أمتىن أن تكون هاته املسامهة بداية ملسامهات أخرى يف هذا امليدان و م ال يكون هناك ختصص مبزج بني‬
‫العلوم‪.‬‬

‫الدكتور‪:‬‬
‫العشعاشي عبداحلق‬
‫تلمسان يف ‪3102/12/32‬‬

‫األب الغني و األب الفقير‬
‫عادت '' متارى يعقوب '' من املدرسة و كانت قد قطعت شوطا من الطريق برفقة '' سارة '' حتدثتا عن‬
‫مستقبليهما ‪ ،‬فكانت سارة ترى نفسها عضو يف منظمة حقوق اإلنسان بعد سنوات بعزمية و اصرار منها ‪،‬‬
‫فظروفها تفوق رغبتها يف ذلك لكوهنا طفلة ذات أربعة عشر خريفا و نيف ‪ ،‬ابنة الشام حتلم بالدفاع عن حقوق‬
‫الشعب املسلوبة يف حرب سوريا اآلنية اليت حرمتها من أبويها و جعلتها تعاين من أ م اهلجرة اليت أتت هبا اىل‬
‫مدينة '' شيكاغو '' حيث جدهتا اليت بقيت هلا من بني كل أفراد عائلتها و هي تعيش برفقتها يف ظروف ميسورة‬
‫احلال ‪ ،‬يف حني متارى حتلم ب ن حتصل على اجملموع الكايف يف شهادة البكالوريا الذي ميكنها من دخول جامعة‬
‫شيكاغو لالقتصاد و تصبح من أشهر معا م هذه املدرسة االقتصادية حبصوهلا على جائزة نوبل أو ميدالية جون‬
‫بتس كالرك كون قسم االقتصاد جبامعة شيكاغو يعترب أحد أهم أقسام االقتصاد يف العا م بتخرجيه أكرب عدد من‬
‫حائزي على اجلوائز‪.‬‬
‫أخذمها احلديث حىت وصال اىل املركز التجاري ‪ ،‬ذهبت كل واحدة منها اىل جهة فقد كانت متارى تسكن زقاقا‬
‫يف آخر احلي سكين ‪ ،‬حتتاج تقريبا لضعفي الوقت اليت حتتاجه سارة للذهاب اىل املدرسة ‪ ،‬منزهلا يبدو و ك نه يف‬
‫آخر العا م ‪.‬‬
‫واصلت متارى املشي مبفردها وهي تفكر فيب حتضريات عيد ميالدها و الذي سوف يكون بعد يومني و كيف‬
‫سيكون قالب احللوى الذي حتضره أمها كل سنة ‪ ،‬اىل أن وصلت إىل حديقة املنزل ‪ ،‬وعند عبورها الباب ألقت‬
‫نظرة على صندوق الربيد كعادهت ا تنتظر وصول الصحف و اجملالت االقتصادية اليت تصدر كل أسبوع ‪ ،‬فهي‬
‫ليست كغريها من الفتيات و الصبيان بعمرها بل طفلة شغوفة هلا تطلع للمستقبل‪ ،‬حريصة على تتبع األخبار‬

‫االقتصادية اليومية سحبت من علبة الربيد الصحف و اجملالت و بعض مظاريف أمها وعادة ما كانت تضع ذلك‬
‫كله على طاولة املطبخ قبل أن تصعد إىل غرفتها للقيام بواجباهتا ‪.‬‬
‫يوم ‪ 30‬سبتمرب ‪ :‬عيد ميالد متارى ‪.‬‬
‫استيقظت متارى كعادهتا بعد حماوالت أمها الروتينية يف إيقاظها ‪ ،‬و مبا انه اليوم يوم ميالدها فلم تكثر الصراخ ‪'' .‬‬
‫امييلي '' انسانة مزاجية و عصبية إىل حد ما و عندما تكون متعكرة املزاج قد حيصل أن تنعت غرفة ابنتها باملطبعة‬
‫احلكومية لكثرة اجملالت و الصحف املبعثرة هنا و هناك و هبذا املعىن كانت متارى فخورة مبطبعتها ‪.‬‬
‫جهزت نفسها ووقفت أمام املرآة كالعادة ترى نفسها قائدة و تبتسم و تقول يف نفسها لدي كل املواصفات‬
‫الشكلية و العملية لكي أصبح كذلك يف جمال االقتصاد‪.‬‬
‫فتمارى طفلة طويلة القامة ‪ ،‬حنيلة اجلسم شعرها أسود و متوسط احلجم ملمسه كاحلرير مسراء هلا عينني لوزيتني‬
‫يربزمها لوهنما األسود‪ ،‬جدية ‪ ،‬جريئة و طموحة يف آن واحد و مثابرة يف دراستها ‪.‬‬
‫يف طريقها مرت على سارة للذهاب سويا اىل املدرسة ‪ ،‬دعتها حلضور حفل عيد ميالدها ‪ ،‬تلعثم لسان سارة يف‬
‫الرد و قالت ‪:‬‬
‫ال أستطيع اجمليئ جديت متعبة بعض الشيء ‪.....‬‬
‫فردت متارى قائلة‪ :‬أعلم أن السبب ليس جدتك و إمنا اهلدية‪! ....‬ف نا يكفيين حضورك ف نت صديقيت و ال‬
‫أحتاج هدايا فمشاعر الود اليت بيننا أمسى من ذلك بكثري و الفقر ليس عيبا‪ .‬اجنرحت سارة قليال مث واصال الطريق‬
‫اىل املدرسة و مها ميشيان بدأت متارى كعادهتا يف حماولة تفسري أمور أكرب من سنها و تساءلت مع نفسها‪ :‬ملاذا‬
‫هناك الغين و الفقري ؟ شاردة الذهن إىل أن مسعت رنني اجلرس ‪.‬‬

‫حاولت متارى الرتكيز مع األستاذ و تفريغ ذهنها لالستيعاب إىل أن انتهى الدوام املدرسي ‪ ،‬فخرجت مسرعة اىل‬
‫البيت متحمسة لعيد ميالدها اخلامس عشر و فستاهنا األمحر الفاقع املرصع بعدسات سوداء المعة ‪ ،‬ركضت اىل‬
‫ان وصلت اىل احلديقة و مرت بصندوق الربيد األصفر كعادهتا ‪ ......‬هذا اليوم م يكون يف صندق الربيد اال‬
‫ظرف بين متوسط احلجم موجه هلا كان الظرف معنون ببساطة‪:‬‬
‫متارى يعقوب‬
‫حي احلرية‬
‫ال شيء آخر أي اشارة عن املرسل وال حىت الطوابع‪.‬‬
‫استعجلت متارى يف اغالق البوابة خلفها و فتحت املغلف وجدت بداخله ورقة مكتوبة خبط اليد ‪،‬بدأت يف‬
‫القراءة وكانت أوىل الكلمات حسب ما ذكر يف الرسالة‪ :‬األب الغين و األب الفقري‪ !...‬بدت عليها الدهشة‬
‫ركضت حنو الباب الرئيسي للمنـ ـ ــزل ‪ ،‬بسرعة متجهة اىل غرفتها ‪ ،‬كان الظرف بيدها متلهفة إلكمال قراءة حمتواه ‪.‬‬
‫أغلقت الباب على نفسها و توسعت بؤر عينيها كاجلاحظ من الفضول وباشرت يف قراءة الورقة من جديد‪ :‬األب‬
‫الغين و األب الفقري‪!.......‬‬
‫ع ـ ـزيــزيت '' متارى ''‬
‫أن يكون اإلنسان غنيا أو فقريا سببه أفكاره و سلوكه وليس مقدار ما ميتلكه من املال ‪ ،‬مبعىن أن الغين أو الفقري‬
‫يف طريقة التفكري ‪ ،‬فمثال األب الفقري ينصح ابنه بالدراسة إلجياد وظيفة متكنه من جتديد حاجياته فاملستقبل ‪ ،‬أما‬
‫األب الغين ينصح ابنه بالدراسة حىت يتمكن من امتالك الشركة ‪ ،‬اضافة اىل ذلك فابن الفقري عند مواجهة‬

‫التحدي يفكر بسلبية أي أنه ال يستطيع مواجهته خلوفه من املخاطرة و ينصح بالبقاء يف األمان ‪ ،‬يف حني ابن‬
‫الغين حياول اجياد طريقة ما لكسب التحدي و يتشجع للتعامل مع املخاطر احملتملة للتعلم ‪.‬‬
‫مبعىن آخر ابن الفقري يعتمد فقط على وهم الوظيفة اآلمنة رمبا تكون املالذ اآلمن و احلصن املنيع و هذا ما يسمى‬
‫بعبودية الوظيفة و يشكا خطر فالبد من التعامل معها على اهنا مرحلة قصرية األجل ‪ .‬فمثال ''جون '' يعمل يف‬
‫شركة منذ خترجه و الشركة حتقق أرباح يوميا و جمهود '' جون '' يتحول اىل ربح لصاحب الشركة وهو ال يستفيد‬
‫من جمهوده و أجره الشهري ثابت ال يتغري ‪.....‬‬
‫هذا يعين اذا درس اإلنسان و خترج و حتصل على وظيفة جيدة ليس بكايف ألن يصبح غنيا بل البد من ت سيس‬
‫عمل خاص مبجهوداختاصة ‪ ،‬فهذا هو الذي ميكن اإلنسان من أن يصبح غنيا ‪ ،‬اذن طريقة التفكري حتدث فرقا‬
‫شاسعا ‪ .‬و االكتفاء بالوظيفة ال جتل الفرد غنيا فيجب االهتمام باألعمال اخلاصة و اخلروج من منطقة الراحة ‪،‬‬
‫زيادة على ذلك البد من التفريق بني األصول و اخلصوم ‪ ،‬فاألصول هي كل شيء ي يت باملال عكس اخلصوم فهي‬
‫كل شيء ينقص املال ‪ ،‬أي الفرد الغين يعمل على حتصيل أكرب عدد من األصول و ال خياف من املخاطرة ‪،‬‬
‫فعدم املخاطرة هي خماطرة يف حد ذاهتا و يبحث عن الفرص الثمينة عن طريقة التجربة واملخاطرة ‪ ،‬اضافة اىل ان‬
‫التعامل مع اخلوف ميكن من التفريق بني الغين والفقري ‪ .‬فالفقري حيرم نفسه من النجاح خلوفه من اخلسارة عكس‬
‫الغين يواجه التحدي و يتوقع اخلسارة ‪ ،‬وبعد فرتة يتمكن من التفريق بني الفرص احلقيقية اليت جيب انتهازها و‬
‫لفرص اليت البد من جتنبها ‪''.‬‬
‫هل ما زلت تتابعينين يا متارى ؟‪.‬‬
‫حاولت التبسيط قدر اإلمكان ‪ ،‬وهذا الشرح مقتبس من الكتاب األب الغين و األب الفقري '' لروبرت كيوساكي‬
‫'' ميكنك االطالع عليه لالستفادة اكثر ‪ .‬و لسؤالك عدة أجوبة و تفاسري على حسب االختصاص ‪،‬‬

‫فالفيلسوف له جواب لسؤالك و االجتماعي ايضا ‪ ...‬وكلها ختتلف و أنا رأيت أن هذا اجلواب األقرب اىل‬
‫ميولك ف نا أعلم باهتماماتك ‪.‬‬
‫وعيد ميالد سعيد‬
‫البقية يف العدد القادم‬
‫كانت متارى قد أصيبت بدهشة عميقة ‪ ،‬اهنا نسيت اهنا تتنفس و هي تقرأ ‪!....‬‬
‫من أرسل هذا الظرف ؟‬
‫حاولت مللمت أفكارها ‪ ،‬حينئذ دخلت امييلي على ابنتها و هي حتضر نفسها بسرعة ‪ ،‬فاألصدقاء يف طريقهم‬
‫اليها ‪ ،‬بعدها نزلت مع امها اىل املطبخ و مرت على الصالون و رأت الزينة و قالب احللوى ‪ ،‬فتغريت مالمح‬
‫وجهها من الدهشة اىل الفرح و عينها اصبحتا تلمعان ‪ ،‬ولكن داخلها كانت تغلي استنكارا و هبجة يف آن واحد‬
‫فهي يف األخري وجدت جواب مقنع اىل حدما على سؤاهلا الذي شغلها طوال اليوم‪.‬‬
‫بدأ احلفل ‪ ،‬اجلميع فرح يرددون أغاين أعياد امليالد واحدة تلوى األخرى ‪ ...‬متنت متارى أمنية و أطف ت الشموع‬
‫‪ ،‬قطعت قالب احللوى و استلمت اهلدايا و التهاين ‪ ،‬وراح أصدقاء متارى ميرحون و يرقصون‪ ،‬حينها أخذت‬
‫صديقاهتا سارة مبعزل عن اجلميع و س لتها ان كان يراقبهما أحد و يتسمع إىل حديثهما و مها يف طريقهما اىل‬
‫املدرسة فردت سارة قائلة‪:‬‬
‫مدينة شيكاغو كبرية و يف الصباح تكتظ باملارة ‪ ،‬فكيف أالحظ ما ان كان أحد يراقبهما ؟‬
‫ م تس ل سارة عن سبب سؤال صديقاهتا‪ ،‬وتوقعت متارى هذا الرد ‪ ..‬وراحت كل واحدة منهما تلهو وترقص مع‬
‫البقية‪.‬‬

‫ما هو االقتصاد ؟‬
‫‪ ...‬استيقظ مصطفى باكرا و جلس وحيدا على الشرفة يف كرسيه اهلزاز الذي حيب اجللوس عليه حيدق يف الشروق‬
‫منتظرا امييلي ‪ ،‬فلم يش إيقاظها باكرا يف يوم عطلتها لكن م ينتظر طويال حىت استيقظت و توجهت اىل املطبخ‬
‫لتحضري الفطور الصباحي امييلي ترى أن وجبة الفطور هي أهم وجبة يف اليوم ‪ ،‬و يف صباح كل يوم سواء كان‬
‫عطلة هناية األسبوع أم خالل األسبوع ‪ ،‬كانت تتوجه اىل املطبخ ‪ ،‬و تقول لنفسها أن وجبة الفطور اجليدة حتدد‬
‫مسار بقية اليوم ‪ .‬فقد قرأت يف احدى اجملالت النسائية أن أفراد األسرة الذين يتناولون وجبة الفطور معا بانتظام‬
‫يكونون أكثر انسجاما و متاسكا من أفراد األسرة الذين خيرجون من البيت نصف جائعني ‪ ،‬ومع أهنا كانت تؤمن‬
‫بذلك ‪ ،‬كان عليها أن تستمتع بتناول الفطور الذي حتدثت عنه اجملالت ‪ .‬لكن جتربتها مع وجبة الفطور يف يوم‬
‫العطلة كانت ناقصة ألن متارى تفسد على أمها حتقيق هذا االنسجام وذلك لنومها حىت وقت الظهرية فكيف‬
‫ميكن أن توجد وحدة على املائدة دوهنا ؟‬
‫قامت امييلي بتحميص شرائح اخلبز و اعداد القهوة و عصري الربتقال و كذا البيض املقلي و قليل من مرىب‬
‫املشمش الذي تفضل تناوله مع اخلبز احملمص ‪ ،‬و جلست مع مصطفى للتناول و جتاذب أطراف احلديث على‬
‫مائدة الصباح كالعادة ‪.‬‬
‫فمصطفى يسر كثريا بطريقة تفكري زوجته وقيامها بواجباهتا على أكمل وجه فبالرغم من أهنا امرأة غريبة من عائلة‬
‫أمريكية اال اهنا حتمل م بادئ الغرب يف تفكريها و هذا ما جعل العائلة منسجمة ‪ ،‬فكان التمرد ال يالئمها منذ‬
‫صغرها و م ي ثر عليها جمتمعها الغريب ‪ ،‬فهي م تدخن احلشيش قط مع فتيان وراء ابواب مغلقة و م هترب من‬
‫املدرسة او تكذب على أمها ‪ ،‬و م تشارك يف احلفالت اليت كان الشباب يقيموهنا حىت عندما كانت يف سن‬

‫املراهقة ‪ ،‬بل كانت تفضل البقاء يف البيت و قراءة كتاب جيد يوم العطلة على أن تشارك شبانا غرباء يف حفلة‬
‫ماجنة‪.‬‬
‫‪ ...‬وبعد انتهاء من الفطور فتحت كتاب الطهو الذي تفضله '' كيف جتعل فن الطهو سهال و ممتعا '' و بعد ان‬
‫درست عدة اختيارات ‪ ،‬اختارت طبقا لتحضريه ‪ ،‬ففي كل يوم عطلة ي يت والديها لتناول الغذاء ابنتهما اليت جتيد‬
‫الطهو اجادة تامة ‪ ،‬و ترى ان املطبخ هو املكان اليت تريح فيه أعصاهبا ‪ ،‬اذ م يكن اعداد وجبة طعام لذيذة‬
‫مصنوعة من مواد عادية يثلج صدرها و يسعدها فقط بل كان ذلك يدخل سعادة حسية غريبة اىل نفسها ‪.‬‬
‫راح مصطفى يشاهد األخبار احمللية يف املطبخ ‪ '' :‬القاء القبض على اربعة طالب ثانوية بتهمة ختريب املمتلكات‬
‫‪،‬بيان عن نسبة جلوء السوريني اىل امريكا ‪ '' ...‬وهز رأسه ازاء األخطار الالهنائية اليت تلوح العا م ‪ ،‬مث عرب لزوجته‬
‫عن امللل الذي بدأ يشعر به بعد التقاعد من عمله يف جريدة '' تريبيون '' وعلى مدى استياءه من الفراغ ‪ ،‬فكان‬
‫خملصا و جادا يف عمله و كان االتصال و اإلعالم مبثابة حياة أخرى يعيشها بعد كل ترقية و جناح كان حيققه‪.‬‬
‫‪ ...‬طرق الباب فقام مصطفى بفتحه و رحب بعائلة زوجته مث جلسوا يف الصالون يف حني كانت امييلي حتضر‬
‫الغذاء ‪ ،‬فقد اعدت مائدة رائعة ‪ ،‬وضعت عليها مناديل متطابقة و باقة من األزهار الربتقالية الرباقة حبيث بدت‬
‫اصطناعية تقريبا و األطباق الشهية واملشروبات الطبيعية اليت البد ان تكون موجودة بدال من املشروبات الغازية‬
‫حفاظا على رشاقتها ‪ ،‬و رائحة اخلبز املخبوز على الطريقة اجلزائرية كانت تصل اىل اخلارج ‪ ،‬و أضافة التحلية‬
‫كلمسة هنائية ‪ .‬كانت املائدة شبه املوائد اليت ترى يف جمالت البيوت األنيقة‪ ،‬شكلوا حلقة حول املائدة ‪ ،‬حينها‬
‫استيقظت متارى و انضمت اليهم بعد التحية و الرتحيب جبدها و جدهتا و معايدهتم هلا كان كل واحد منهم ميأل‬
‫صحنه بالقدر الذي يكتفي به ‪ ،‬وكانت امييلي حتاول أن تعد كم لقمة ميكن أن تتناول لتحصل على ‪ 251‬سعرة‬
‫حرارية يوميا كي ال تفسد نظام محيتها ‪ .‬فعلقت متارى على ذلك قائلة‪:‬‬

‫أمي أنت رشيقة و أنيقة ال عليك من هذا يكفي فقط أن حتاويل من أخرى تعلم طبخ الكسكس كي تكتمل‬
‫أنوثتك ‪.‬‬
‫ضحك اجلميع ضحكة مكتومة وردت امييلي وما عالقة الكسكس باألنوثة ؟‬
‫فابتسمت متارى و قالت ‪ :‬أنت اليت ترددين دائما على مسامعي أن امل زر األبيض و تعلم فن الطبخ يزيدان من‬
‫رقي و أنوثة املرأة و ك نك جزائرية خالصة يف طريقة تفكريك وزيادة على ذلك ف ن الكسكس طبق تقليدي لذيذ و‬
‫صحي و قليل الدسم يساعدك يف نظام احلمية و يوفر عنك عناء كل هذه االطباق و يقلل من حنني أيب إىل‬
‫مسقط رأسه و تقاليده‪ ،‬تعالت أصواهتم ضحكا و قالت أمها ‪ :‬سليطة اللسان كعادتك لكن هذه املرة أوافقك‬
‫الرأي و سوف أحاول مرة أخرى تعلم الكسكس عندما أذهب اىل '' نادي مزح الطهو '' حيث تقوم أعضاء‬
‫النادي مبزج األطباق و األطعمة من خمتلف البلدان ‪.‬‬
‫ امييلي تعمل كممرضة يف مستشفى مرسي '' ‪ '' Mercy‬مبدينة شيكاغو و دائما تلح على ابنتها بدخول كلية‬‫الطب البشري و االهتمام بعلوم األحياء بدال من االقتصاد على عكس أبيها الذي يساندها يف حتقيق حلمها‬
‫بدخول اىل جامعة شيكاغو لالقتصاد و يصغي اىل نقاشاهتا و يبدي هلا رأيه و يتحاور مع ابنته دائما ‪.‬‬
‫و بعد احلديث عن الكسكس س ل مصطفى ابنته ما ان كانت قد أحضرت الصحف و اجلزائر من صندوق الربيد‬
‫‪.‬‬
‫فرمقت متارى ابيها بنظرة الشك و أجابت بـ 'ال' ‪ ،‬مث س لت امها اذا كانت هناك أظرفة بنية متوسطة احلجم يف‬
‫البيت لتت كد ما ان كان ابوها هو املرسل أم ال‪.‬‬
‫فردت امييلي قائلة ‪ :‬ال يوجد و لكن هناك األظرفة البيضاء يف درج املكتب ان كنت حباجة اليها ‪.‬‬

‫وفور اهناء متارى من األكل راحت مسرعة باجتاه الباب الرئيسي لكي ترى ما اذا كانت هناك رسالة أخرها تنتظرها‬
‫من الكاتب اجملهول ‪ .‬فتحت صندوق الربيد و أخرجت الصحف و اجملالت وراحت تبحث حىت وجدت ظرف‬
‫بنفس احلجم واللون الظرف السابق‪ ،‬أحست بقلبها خيفق بشدة عندما رأت امسها على الظ ـ ـ ـرف ‪ ،‬و عندما‬
‫أرادت فتحه قرأت على ظهري الكلمات التالية ‪ '' :‬درس يف االقتصاد ملعرفة األساس '' ركضت يف احلديقة جريا‬
‫اىل خلف املنزل و جلست و التقطت أنفاسها مث فتحت الرسالة و أخذت تقرأ ‪:‬‬
‫عزيزيت متارى ‪:‬‬
‫'' ان للناس كل انواع االهتمامات فبعضهم جيمع القطـ ـ ـ ـع القدمية أو الطوابع ‪ ،‬و بعضهم يهتم األعمال اليدوية أو‬
‫اصالح أشياء قدمية ‪ ،‬بينهما يكرس اآلخرون أوقات فراغهم هلذه الرياضة أو تلك ‪ ،‬كثريون يفضلون القراءة لكن‬
‫كل شيء يتوقف على ماذا نقرأ ‪ ،‬ميكن أال حنب اال الروايات أو نفضل كتب متخصصة مبواضيع خمتلفة كعلم‬
‫الفنك ‪ ،‬حياة احليوانات أو االكتشافات العملية ‪ ،‬وبالنسبة لك تكتفني بقراءة اجلرائد واجملالت ‪ ،‬و شاهدة‬
‫األخبار االقتصادية اليومية ‪ ،‬ف نا أعلم أنك على دراية تامة بوضعية االقتصاد احمللي أو حىت اخلارجي الهتمامك‬
‫باألخبار ذات صلة ‪ ،‬اال ان هذا ال ميكنك من فهم مبادئ و أساسيات االقتصاد اليت جتعلك قادرة على حتليل‬
‫تلك البيانات و املنحنيات املوجودة يف الصحف أو وراء الشاشة و معرفة إن كانت النتائج نسبية أو مطلقة‪.‬‬
‫فالسؤال الذي يشكل موضوع درسي يدور حول ماهية االقتصاد‪ :‬فما هو االقتصاد ؟‬
‫‪ ..‬لالقتصاد عدة مفاهيم و كل عا م أو خبري اقتصادي له تعريف خاص‪ ،‬إال أن مجيعها تصب يف نفس الوعاء‬
‫أال وهو " االستعمال األمثل للموارد بغرض إشباع أكرب قدر من حاجيات اإلنسان"‪ ،‬وعلى هذا األساس جند‬
‫االقتصاد املزدهر‪ ،‬االقتصاد السيئ‪ ،‬اقتصاد سريع النمو‪ ،‬اقتصاد يعاين من املشاكل‪ ..‬وغريها‪ .‬فهناك جمموعة من‬
‫البشر يف مكان ما بكوكبنا هلم القدرة على حتصيل األشياء اليت يرغبون فيها‪ ،‬و جمموعة أخرى هلم القدرة على‬

‫حتصيل القليل فقط ويف هذا السياق يكمن مفهوم االقتصاد‪ .‬برأيك كيف ميكن للمجموعة الثانية من حتسني‬
‫وضعها باحلصول على رغباهتا ؟‬
‫لو أن كل شخص يستطيع حتقيق رغباته يف الوقت الذي يريد باملوارد احملدودة اليت ميتلكها ملا كانت هناك مشكلة‬
‫اقتصادية‪.‬‬
‫ركزي معي‪ :‬مثال "جون" يريد سيارة فماذا يفعل لتحصيلها ؟‬
‫ينزل إىل الصحراء للتنقيب على احلديد و البرتول مث يقوم بإنشاء مصنع الستخراج البالستيك و املطاط وصهر‬
‫احلديد و مجعه قطعة قطعة مث األبواب و بعد وقت يرجع إىل املنزل ومعه سيارة‪ ،‬لألسف األمر أصعب بكثري‪ .‬فهل‬
‫"جون" يستطيع تصنيع سيارة ؟ و إذا كان كذلك‪ ،‬فهل ستكون باجلودة املطلوبة وب قل تكلفة و بالوقت احملدد ؟‪،‬‬
‫و هل بلد "جون" حتتوي على املوارد الطبيعية الالزمة لتصنيع السيارة ؟‪ ،‬هنا تكمن املشكلة االقتصادية‪ .‬هناك‬
‫دول تستخدم الثروات الطبيعية بكفاءة أفضل و حتقق رغباهتا‪ ،‬و دول أخرى تستخدمها بكفاءة أقل‪ ،‬مبعىن بعض‬
‫الدول تقوم بتحويل قطعة حديد إىل جهاز كمبيوتر أو هاتف نقال وأخرى حتوهلا إىل سكاكني أو تقوم ببيع قطعة‬
‫احلديد لشراء اهلاتف و الكمبيوتر ب سعار مضاعفة‪ .‬و هذا يدل على أن املعرفة واإلنتاجية والثروات الطبيعية تلعب‬
‫دورا كبريا يف بناء اقتصاد قوي‪ ،‬يف حني اجلهل و قلة اإلنتاجية و الفقر سبب كايف لتدمري االقتصاد ومنه نستنتج‬
‫أن "االقتصاد هو دراسة استخدام املوارد احملدودة إلشباع الرغبات غري حمدودة"‪.‬‬
‫تنهدت وهي تغلق الباب وتعود أدراجها‪ ،‬وضعت الصحف جانبا على طاولة املطبخ و محلت طبق احللويات و‬
‫توجهت إىل الصالون و احلرية مرسومة على وجهها‪ ،‬و بعد أن قامت جبولة على أفراد عائلتها لتوزيع ما حيمله‬
‫الطبق‪ ،‬اختذت مقعدا وجلست تستمع إىل خمتلف األحاديث اليت يتبادلوهنا يف جو مرح‪ ،‬مث أخذت مواضيع‬
‫السياسة تشغل قسما ال ب س به من أحاديث العائلة واهتماماهتم‪ ،‬وذلك القرتاب موعد االنتخابات الرئاسية يف‬

‫الواليات املتحدة األمريكية و املقرر إجراؤها يوم ‪ 10‬نوفمرب ‪ ، 3102‬حيث لألحداث صدى كبري خصوصا بعد‬
‫تصرحيات "دونالد ترامب" املعادية للمسلمني و استنكار "هيالري كلينتون" هلا‪ ،‬وردود أفعال األمريكيني اجتاه‬
‫املوقف و كذا استياءهم من التسجيل الصويت املسرب "لرتامب" الذي يتضمن تعليقات بذيئة عن النساء و اليت‬
‫أدىل هبا عام ‪ .3115‬فلم تكن متارى يف مزاج يسمح هلا باملشاركة يف النقاش السياسي الذي سيؤدي حتما إىل‬
‫اصط دام ترتفع فيه األصوات‪ ،‬فقررت االنسحاب و ترتيب املنزل و غسل األواين مما أدهش امييلي‪ ،‬فلم تعتد متارى‬
‫على مساعدة والدهتا يف أشغال البيت حبجة حتسيسها بدور األمومة الذي حتبه هربا من العناء و املشقة‪.‬‬
‫أمتت متارى جتفيف األطباق و رمت املنديل على املنضدة وهي تتنهد‪ ،‬أخذت اجمللة االقتصادية األسبوعية و‬
‫انسحبت إىل غرفتها‪ .‬أخريا‪ ..‬استعادت بعض احلماس‪ ،‬لديها الكثري لتفعله هنا‪ .‬بدأت بتصفح اجمللة‪ :‬انضمام‬
‫اليوان الصيين إىل عملة صندوق النقد الدويل ‪ ..‬عنوان يتصدر الصفحة األوىل من اجمللة‪ ،‬لفت انتباهها اخلرب‬
‫وأخذت جهاز الكمبيوتر للبحث فيه‪ ،‬علمت ب ن العملة الصينية انضمت إىل الدوالر األمريكي و اجلنيه‬
‫اإلسرتليين الربيطاين و العملة املوحدة ملنطقة أوروبا و الني اليابان‪ ،‬ورأت تصريح مديرة صندوق النقد الدويل‬
‫"كريستني الغارد" عن هذا املوضوع بقوهلا‪ :‬انضمام اليوان الصيين إىل عملة صندوق النقد الدويل يعكس التقدم‬
‫الذي أحرزته السلطات الصينية يف األعوام األخرية إلصالح نظامها النقدي و املايل‪ .‬و استمرار ذلك سيدعم منو‬
‫اقتصاد الصني و االقتصاد العاملي‪ ،‬حينها تساءلت عن عالقة الدول ببعضها البعض وعن مفهوم االقتصاد العاملي‪.‬‬
‫حبثت إىل أن استنتجت أن مفهوم االقتصاد العاملي هو جمموعة من عمليات البيع والشراء واسعة حول العا م‬
‫حيث يقوم األفراد و الشركات ببيع و شراء البضائع و املنتجات و يعقدون صفقات مع بعضهم البعض‪ ،‬ولكن م‬
‫تفهم ب ي عملة تتم هذه العمليات‪.‬‬

‫أكملت تصفح اجمللة‪ ،‬مث باشرت باجناز واجباهتا املدرسية اىل حني غروب الشمس‪ ،‬وقفت جبانب النافذة تراقب‬
‫االمتزاج التدرجيي أللوان الغروب سارحة بفكرها يف قصة "جون" و رغبته بالسيارة و مشكلة الندرة ومفهوم‬
‫االقتصاد‪.‬‬
‫_______________‬
‫ما معنى السوق ؟‬
‫‪ ..‬م حيمل صباح اليوم أي رسالة لتمارى‪ .‬يف املدرسة أحست طوال اليوم بالضجر وتعمدت أن تكون لطيفة مع‬
‫سارة خالل االسرتاحات‪.‬‬
‫عند عودة امييلي من املستشفى كانت متارى تت رجح يف احلديقة‪ ،‬فصرخت أمها من بعيد‪ :‬متارى هناك رسالة لك‪.‬‬
‫ارتعشت و تركت األرجوحة ببطء و ذهبت حتضر رسالتها‪.‬‬
‫ألن تفتحيها ؟ ‪ -‬س لت أمها –‬
‫ردت متارى‪ :‬س فعل و غريت املوضوع بسرعة جتنبا ألسئلة أمها‪ ،‬مث دخلت البيت برفقتها و استعجلت إغالق‬
‫باب غرفتها‪ ،‬فتحت املغلف فلم جتد يف داخله سوى ورقة صغرية ال تتجاوز مساحتها الظرف و عليها مجلة واحدة‬
‫أو باألحرى سؤال‪ :‬ما معىن السوق ؟‬
‫استخفت متارى بالسوق و قالت بصوت مسموع‪ :‬ما هذا السؤال و ك ين ال أعرف شيئا عن االقتصاد !!؟ ‪،‬‬
‫ببساطة السوق هو مكان التقاء البائع و املشرتي و يتم فيه تبادل املنتجات و اخلدمات ملا التعقيد !‬

‫أتكلمني نفسك ؟ هل جننت ‪ ..‬؟‪ ،‬س لت أمها بعد فتحها الباب فج ة‪ ،‬وكان رد متارى‪ :‬نعم األمر كذلك‪،‬‬
‫وضعت احللق الذي أهديتين إياه يف عيد ميالدي فوق طاولة املكتب و م أجده‪.‬‬
‫ف جابتها أمها‪ :‬وضعته يف اخلزانة خمافة من ضياعه‪ ،‬لو أنك تتعلمني الرتتيب قليال‪ ..‬و أغلقت الباب وراءها‪.‬‬
‫استعادت متارى رشدها وراحت مستلقية على سريرها‪ ،‬عيناها حتدق يف السقف‪ ،‬مالحمها خالية من التعبري‪.‬‬
‫السهم و السند‬
‫‪ 10‬نوفمرب ‪...3102‬‬
‫عزيزيت إميان‪ ..‬ثورة جميدة و سالم دائم ألهلي هناك‪.‬‬
‫هبذه املناسبة أيب طلب مين أخذ إجازة ليوم واحد من املدرسة‪ ،‬ركبت معه السيارة‪ ،‬و م أعرف أي وجهة يسري‬
‫حنوها‪ ،‬رحت عرب زجاج النافذة أترقب املناظر الطبيعية اليت حتف الطريق من اجلانبني‪ ،‬و النشغال ذهين بالتفكري‬
‫بالوجهة م أميز الشيء الكثري من تلك املناظر ولكن مشاهد التالل اليت كستها اخلضرة وتزينت بشىت األلوان‬
‫الساحرة شدت انتباهي بني احلني و اآلخر‪ ،‬لكنين أحسست ب ن الطريق طالت ومتنيت أن أخرتق تفكري أيب‬
‫وأنفذ إىل دخائل نفسه ملعرفة أي مكان ي خذين إليه‪.‬‬
‫سبقت السيارة أفكاري حىت توقفت بعد أن عربت بضعة شوارع‪ ،‬نزلت وأنا ال أزال حتت وقع املفاج ة‪.‬‬
‫‪ ..‬ال ميكنك أن تتصوري كم جامعة شيكاغو واسعة‪ ،‬و كم فيها من أقسام ! لكن الشيء األكثر إثارة هو‬
‫اجلنسيات املختلفة‪ ،‬وك ن شعوب األرض كلها أرسلت سفراءها لتمثيلها يف اجلامعة‪ ،‬صينيون و هنود وأفارقة‬
‫وآخرون من خمتلف اجلنسيات األوروبية مزيج ال يصدق من األلوان و الثقافات و األصول املختلفة‪.‬‬

‫اجلامعة فيها ختصصات كثرية و عدد الطلبة كبري أيضا‪ ،‬وهذا ليس غريبا عن جامعة هبذه الشهرة‪ .‬قاعات الدرس‬
‫رائعة من حيث التهيئة و التجهيز واملدرجات تتسع ملئات الطلبة‪ ،‬حضرت حماضرة "لربوفسور يف كلية االقتصاد"‪،‬‬
‫كان املقياس عن "األسواق املالية" وحدثهم عن السهم و السند‪ .‬رأيت أن األمر معقدا نوعا ما و م أفهم الكثري‪،‬‬
‫رمبا ألهنم طالب و أنا الزلت يف اإلعدادي‪ ،‬طريقة شرح األستاذ توحي باملستوى العايل الذي أطمح إىل بلوغه‪،‬‬
‫استمتعت باحملاض رة رفقة أيب‪ ،‬حىت أنين وجهت سؤال للربوفسور و كان عن الفرق بني السهم و السند فانبهر‬
‫الطالب جبلوسي أمامهم ووجه يل الربوفسور التهنئة النتباهي و عن سؤايل الذي كان يف حمله‪.‬‬
‫وبعد حماضرة اقتصادية حضرهتا بني صفوف الطالب قبل أن حيني أواين‪ ،‬ويف يوم مميز كهذا يزيد من جرعات‬
‫التحدي واإلصرار لدي مبجرد مساع صوت الرصاص على التلفاز احياءا لثورة ليس هلا مثيل اجتهت حنو املكتبة ‪..‬‬
‫أيضا مدهشة ! فضاء واسع حيث رفوف الكتب اليت تعلو إىل السقف حتيط يب من كل جانب‪ ،‬ولقد حرك‬
‫املكان رغبيت يف االستكشاف أكثر غري أن وقت العودة قد حان وهكذا قضيت يومي ‪ ..‬يوم سيبقى عالقا‬
‫بذاكريت‪ ،‬و أحببت أن أشاركك تفاصيله‪.‬‬
‫ابنة خالك متارى‪.‬‬
‫أهنت متارى مراسلة ابنة عمتها وتذكرت صندوق الربيد‪ ،‬يومها احلماسي أنساها تفقده‪ ،‬خرجت من غرفتها متجهة‬
‫إىل الباب الرئيسي خبطى ثقيلة وهي تردد األغاين حىت ال تالحظ أمها ترددها على الصندوق يف كل حلظة‪ .‬فتحته‬
‫فوجدت ظرفا حبجم خمتلف عن سابقيه‪ ،‬كبري ‪ ..‬فرحت و ألقت عليه نظرة فكان يف الظرف ورقتني مطبوعتني‬
‫خبط كبري‪ .‬جلست وسط احلديقة على كرسي خشيب و راحت تقرأ‪:‬‬
‫متارى‪ ..‬س بدأ مباشرة يف درس اليوم وأبسط لك ما استعصى عليك يف حماضرة اليوم‪.‬‬

‫حماضرة اليوم !! انقبضت أنفاسها وس لت نفسها‪ ،‬من أين له علم بذهاهبا إىل اجلامعة حاولت هتدئة نفسها‬
‫وواصلت القراءة برتيث حىت تفهم احملتوى‪.‬‬
‫‪ ..‬السوق هو مكان يتم فيه تبادل السلع و اخلدمات أو هو مكان التقاء البائع و املشرتي وأنت على علم‬
‫بذلك‪ ،‬بديهي‪ ..‬إال أنه ال يشرتط أن يكون هذا املكان حمدد جغرافيا و هذا ما مييز األسواق املالية وهو مقياس‬
‫حماضرة اليوم اليت استعصى عليك فهم جزء منها‪ .‬فعمليات البيع و الشراء يف األسواق املالية تكون عرب آليات‬
‫معينة يف الغالب تداوالت الكرتونية و من خالل شركات وساطة مالية‪ ،‬واألصول املالية اليت يتم التعامل هبا يف هذا‬
‫السوق تتمثل يف األسهم و السندات‪ ،‬وهي عبارة عن أوراق مالية حتمل قيمة مالية معينة وحاهلا حال أي سلعة‬
‫يرتفع سعرها وينخفض حسب السوق‪.‬‬
‫أوال‪ :‬السهم ‪ -‬ظهرت فكرته كحل ملشكلة التمويل الدائم ملشروع –‬
‫فمثال‪" :‬جون" معه جمموعة من املتخصصني يف صناعة األثاث لديهم فكرة مشروع إلنشاء مصنع األثاث وحبسب‬
‫الدراسة يتطلب املشروع مليار دوالر كرأس مال وأن ما لديهم من مال ال يكفي‪ ،‬فبحثوا عن مصدر لتمويل املبلغ‬
‫املتبقي حبيث يكون دائما وليس مؤقتا‪ .‬و من جهة أخرى "مارك" و الذي يعمل موظف و مثله الكثري باجملتمع‬
‫يدخرون من دخلهم و ليس لديهم الفكرة أو الوقت الستثمار مدخراهتم‪ ،‬فحدث تكامل بني الفريقني‪ :‬من لدهبم‬
‫الفكرة و اخلربة و حيتاجون املال‪ ،‬و من لديهم املال ويفتقدون الفكرة و اخلربة ومت هذا التكامل يف عملية تسمى‬
‫االكتتاب‪ ،‬حيث قام "جون" و جمموعته بتقسيم املشروع لوحدات صغرية متساوية القيمة تسمى األسهم‪ ،‬فتم‬
‫تقسيم املليار اىل أسهم حيث قيمة السهم ‪ 01‬دوالرات وتعرف بالقيمة االمسية للسهم وهنا يكون عدد األسهم‬
‫املكونة لرأس املال ‪ 011‬مليون سهم‪ .‬احتفظ "جون" وجمموعته ب سهم تساوي ما لديهم من مال و طرحوا الباقي‬
‫للراغبني يف االستثمار مثل "مارك" حىت جتمع لدى الشركة مبلغ املليار‪ ،‬وطبعت أسهم ورقية تسلمها املسامهون‬

‫مثل "مارك" كصك ملكية على أن حيصل كل مساهم على نسبة من األرباح السنوية املوزعة تعادل نسبة متلكه يف‬
‫رأس مال الشركة وذلك مبرور الوقت وهذه هي فكرة السهم‪.‬‬
‫هل مازلت تتابعينين ؟‬
‫ثانيا‪ :‬السند – فكرته قائمة على الدين و ليس امللكية –‬
‫مبعىن آخر‪ ،‬الشركة ت خذ مبلغ من صاحب املال كدين و تعطيه فائدة سنوية على هذا الدين‪.‬‬
‫مثال‪ :‬أحد الشركات تريد العمل على مشروع معني فإما متول املشروع من رأمساهلا أو تقرتض من البنك‪ ،‬ولكن‬
‫يوجد حاالت أين الشركة متول مشروعها من خالل أخد أموال من عامة الناس كدين‪ ،‬فلما الشركة ت خذ من‬
‫أحدهم ‪ 011‬دوالر سوف تعطيه سند يثبت حقه يف هذا الدين‪ ،‬مبعىن أن هذا السند هو عبارة عن ورقة مالية‬
‫تضمن حق صاحب املال أمام الشركة اآلخذة‪.‬‬
‫شعرت متارى بازدحام املعلومات يف ذهنها ومع هذا ابتسمت لفهم الفكرة وواصلت القراءة ‪ ..‬و بالنسبة للفرق‬
‫بينهما‪ ،‬ي وجد فروق عدة إال أن اجلوهر يكمن يف أن عند شراء سند من شركة تصبح مقرض للشركة يعين فائدة‬
‫ثابتة و ال يوجد خماطرة‪ ،‬أما عند شراء سهم من شركة تصبح شريك يف هذه الشركة أي رمبا يكون هناك عائد و‬
‫رمبا تدخل يف خماطرة‪" .‬عليك بإعادة القراءة"‪.‬‬
‫إىل اللقاء عزيزيت متارى‪.‬‬
‫أعادت متارى الورقتني إىل الظرف وخب ت الظرف يف ثياهبا مث دخلت البيت متجهة حنو غرفتها ويبدو عليها‬
‫احلماس املفرط وطاقة اجيابية حتفزها على معرفة املزيد‪ .‬جلست على مقعد مكتبها وسط كومة األوراق و اجلرائد‬

‫املبعثرة اليت تكتب على بعضها و تطالع اآلخر ‪ ..‬و فتحت جهاز الكمبيوتر رغبة يف التعرف على املصطلحني‬
‫"االستثمار واالدخار" اللذان وردا يف حماضرة املعلم اجملهول‪.‬‬
‫بدأت البحث و القراءة حىت استنتجت مفهوم املصطلحني‪ ،‬حينها أخذت قصاصتني من الورق الوردي و كتبت‬
‫عليها‪:‬‬
‫االدخار‪ " :‬هو حبس جزء من املال احلايل لشراء غرض يف املستقبل؛ أي االحتفاظ جبزء من املال لوقت احلاجة‪،‬‬
‫وهبذا تكون قادرا على شراء ما تتمناه وحمققا ما تريده و مستشرفا لظروف املستقبل وهو أساس االستثمار"‪.‬‬
‫االستثمار‪" :‬هو استغالل املوارد املتاحة ووضع توقعات مستقبلية للزيادة منها"‪.‬‬
‫ألصقت القصاصتني على اجلدار حينها مسعت صوت أبيها ينادي بامسها ‪ ..‬متارى العشاء جاهز ‪..‬‬
‫آتية‪ ،‬انضمت إىل الطاولة وبدأت تسرد ألمها أحداث النهار وكيف بدت هلا اجلامعة يف حني كانت أمها تصغي‬
‫هلا جماملة‪ ،‬فلم تفهم يوما ولع ابنتها باالقتصاد هلذه الدرجة وفشلت كل احملاوالت يف إقناعها بتغيري ميوهلا و‬
‫االهتمام بعلوم األحياء‪.‬‬
‫_________________‬
‫البنك التجاري‬
‫صباح جديد‪ ،‬طلة جديدة‪ ،‬يوم آخر‪ ،‬وأحداث متباينة ‪..‬‬
‫إشعاع الشمس يتدفق حنو متارى وهي نائمة بعمق ليوقظها املنبه املزعج‪ ،‬وذلك ألن امييلي مناوبة يف املستشفى ‪..‬‬
‫لتستيقظ تلك املنزعجة من املنبه ! ضغطت الزر لتوقفه و بقيت مكاهنا تنظر إىل الظرف من بعيد شاردة الذهن‪،‬‬

‫حىت استوعبت أهنا ستت خر‪ ،‬ركضت إىل احلمام مسرعة لتغتسل مث ارتدت ثياهبا ونزلت تعد أدراج السلم‪..‬‬
‫وجدت والدها جيهز فطور الصباح فشربت العصري على عجالة وخرجت حبماس إذ وجدت على باب املخرج‬
‫قصاصة وردية كاليت متلكها متاما مكتوب عليها‪:‬‬
‫وكيف يتم االنتقال من االدخار اىل االستثمار؟‬
‫قصاصة وردية على الباب الرئيسي!!! – قالت متارى بتعجب – فهمت أن اهلدف من السؤال هو هتيئتها ملا يف‬
‫الظرف القادم مث ألقت النظر على والدها عرب النافذة وهو حيتسي قهوته و يتابع النشرة الصباحية وملعت يف رأسها‬
‫فكرة‪ ..‬ملا ال يكون هو املعلم اجملهول !؟‬
‫راحت متشي وبيدها القصاصة وتكلم نفسها‪ :‬لكن ما عالقة والدي باالقتصاد ؟ وهل لديه هذا الكم اهلائل و‬
‫الشرح املبسط منه ؟ فاملعلم يبدو أنه من أهل االختصاص ! ولكن القصاصة وردية ‪! ..‬‬
‫حىت وصلت إىل املدرسة لتجد املدير يوبخ التالميذ على الت خري‪ ،‬خافت أن يكشفها‪ ،‬لتسري ببطء شديد‬
‫وتوجهت إىل الفصل وجلست مكاهنا دون أن يالحظ األستاذ ت خريها‪.‬‬
‫أين كنت ؟ وملا هذا الت خري ؟ ‪ -‬مهست سارة يف أذهنا –‬
‫أجابت متارى‪ :‬أخربك الحقا‪.‬‬
‫و بعد إهناء الدوام املدرسي‪ ،‬حدثت متارى صديقتها سارة عن جولتها مع والدها يوم ‪ 10‬نوفمرب‪ ...‬شغلتها‬
‫الدروس ومر الوقت و م ختربها عن ذلك اليوم‪.‬‬
‫قاطعتها سارة قائلة‪ 10 :‬نوفمرب هو يوم اندالع الثورة اجلزائرية إذن‪ ..‬ومىت كان االستقالل ؟‬

‫ردت متارى‪ 15 :‬جويلية من عام ‪0623‬م‪.‬‬
‫قالت سارة حبسرة‪ :‬هنيئا لكم‪.‬‬
‫رأت متارى صديقتها وهي شاحبة الوجه‪ ،‬يائسة‪ ..‬س لتها‪ :‬مابك ؟ هل لديك مشكلة ؟‬
‫ردت سارة قائلة‪ :‬أ م تشاهدي األخبار احمللية يوم أمس ؟‬
‫ضحكت متارى وكان جواهبا حيمل شيئا من االستغراب‪ :‬ال أملك وقتا للسياسة !‬
‫فضحكت سارة هي األخرى ولكن بسخرية وقالت ب دب منمق‪ :‬وأي دخل لك بالسياسة مادامت حياتك‬
‫مستقرة و أمك أمريكية و ال ضرر عليك‪ ! ..‬ومبا أين ال أمحل اجلنسية األمريكية و أملك صفة الالجئة هنا‪،‬‬
‫فالسياسة ت خذ وقيت واهتمامايت طوعا وليس رغبة‪.‬‬
‫آسفة و لكن ما األمر ؟ ‪ -‬قالت متارى –‬
‫األمر يا صديقيت هو أن ترامب م خيلف وعده لناخبيه بتقييد اهلجرة إىل الواليات املتحدة األمريكية و تشديد‬
‫شروطها ومنع دخول البالد رعايا الدول و املسلمني بشكل خاص‪ ،‬فقام بتوقيع قرار منع تسلل من يعتربهم‬
‫إرهابيون ‪ ،‬إسالميون ومنعت الت شرية عن رعايا سبعة (‪ )12‬بلدان عربية من بينها سوريا‪ ،‬ولقد شرعت املطارات‬
‫األمريكية يف تنفيذ القرار باحتجازها طاليب اللجوء مبجرد نزوهلم من الطائرة‪ ،‬فلقد أعلن عن ختليه عن الالجئني‬
‫السوريني ومجد عملية توطينهم يف الواليات املتحدة األمريكية‪ .‬هذا املرسوم يشكل صدمة عميقة بالنسبة يل كوين‬
‫الجئة‪ ،‬ف نا موجودة اليوم و لكن غدا ال أعلم !‬
‫هذا هو اخلرب الذي ثقب أذين و تالشت أهدايف اليت سطرهتا عند مساعه‪.‬‬

‫يف الوقت الذي حاولت فيه أن أخطط ملستقبل أمجل‪ ،‬لقد ذكرين ترامب ب ن املاضي كان جحيما و احلاضر ليس‬
‫إال مثال للماضي إن م يكن أكثر منه قساوة و ضراوة ! الوضع أصبح ال يطاق‪..‬‬
‫عانقت متارى صديقتها و عربت عن رغبتها الشديدة يف البكاء وقالت هلا‪ :‬ال جتعلي من نفسك كسرة خبز يف‬
‫أفواه جياع الضمري وأحالمنا أمانة على عاتقنا‪ ،‬جيب أن نؤمن هبا و نزرع فيها اإلرادة كلما قاربت من االندثار و‬
‫أن نعمل جبد من أجل جعلها جزءا من واقعنا‪.‬‬
‫ردت سارة قائلة‪ :‬كيف أعمل عليها ؟! هل يعرتف مثال بشهادة ماجستري للحقوق من بلد يسوده احلكم املستبد‬
‫و ال ميلك شعبه أدىن احلقوق ؟ حىت حق العيش مسلوب ‪! ..‬‬
‫قالت متارى حماولة إخفاء اخليبة من صوهتا‪ :‬ابتسمي اليوم وغدا م ي يت بعد‪ ،‬فما ذنب اليوم ؟‬
‫ضحكت سارة ضحكة املستاء قائلة‪ :‬شكرا لك على جهدك املبذول ملواسايت‪ ،‬لكن ال أريد أمال‪ ،‬اريد مواجهة‬
‫احلقيقة هي مؤذية لكنها عميقة ‪ ..‬الظروف اليت ختيم على الوضع تقتضي القبول حىت ال ي يت ذلك اليوم الذي‬
‫أكون فيه ملزمة على اخلضوع‪ ،‬متبوعة بالردع وخيبة األمل‪.‬‬
‫أخذمها احلديث حىت وجدتا نفسهما أمام املكان الذي البد أ يفرتقان فيه‪ ،‬فعانقت متارى صديقتها مث أخذت كل‬
‫واحدة طريقها‪.‬‬
‫عند وصوهلا اىل البيت‪ ،‬توجهت حنو صندوق الربيد فلم جتد أي ظرف بانتظارها ‪ ،‬دخلت املنزل وجدت أمها‬
‫مستلقية بعد تعب املناوبة ووالدها حامال اجلهاز اللوحي حيادث األهل يف اجلزائر‪.‬‬
‫ألقت التحية ‪ ..‬قال والدها‪ :‬متارى ظرف وصل قبل قليل‬

‫يل أنا ! أحقا وصل ‪ ..‬؟ ‪ -‬ردت متارى باستغراب – مث نظرت إىل أبيها نظرة الشك وأقبلت ضاحكة جتنبا‬
‫ألسئلة أمها وس لك كيف حال األهل هناك ؟ بلغ سالمي احلار ‪..‬‬
‫صعدت إىل غرفتها‪ ،‬فتحت الظرف و بدأت تقرأ بدهشة م لوفة كعادهتا‪.‬‬
‫عزيزيت متارى‪..‬‬
‫يوجد أزيد من ‪ 21111‬بنك جتاري حول العا م و ميلكون نسبة هائلة من األموال‪ ،‬و قد يبدو عمل البنوك‬
‫معقدا ولكنه وجد أساسا جلعل احلياة أسهل‪ .‬فالبنك التجاري هو مؤسسة مالية تتعامل مع نوعني رئيسيني من‬
‫العمالء مها املودعني و املقرضني‪.‬‬
‫املودعني هم من لديهم أموال مدخرة يريدون حفظها بطريقة آمنة مع حتقيق عائد عليها‪ ،‬ومنه وعن طريق البنك‬
‫التجاري يتم االنتقال من االدخار إىل االستثمار‬
‫توقفت متارى عن القراءة و تذكرت السؤال و القصاصة الوردية امللصقة على الباب الرئيسي صباح اليوم مث أعادت‬
‫قراءة ما سبق حىت استوعبت وأكملت ‪ ..‬أما املقرتضني فهم من حباجة إىل املال‪ ،‬إما لغرض شخصي أو بغرض‬
‫االستثمار مع العلم أن العمالء (مقرتضني أو املودعني) ميكن أن يكونوا أفرادا أو شركات أو بنوك أو مؤسسات‬
‫حكومية‪ ،‬وبذلك يكون البنك التجاري وسيط بني املودعني و املقرتضني حبيث يقبل األموال من املودعني يف‬
‫شكل ودائع مث يقوم بإقراضها للعمالء املقرتضني يف شكل قروض‪.‬‬
‫رمبا خيطر على ذهنك السؤال التايل‪ :‬إذا كان هذا حال البنك‪ ،‬فمن أين ي يت بالربح ليستمر يف أداء نشاطه ؟‬

‫اجلواب هنا يكون عن آلية عمل البنوك وهي كالتايل‪ :‬يدفع البنك فائدة على الودائع و هي أموال املودعني واليت‬
‫متثل للبنك تكلفة احلصول على األموال أي فائدة مدفوعة‪ ،‬ويف املقابل حيصل فائدة أعلى على القروض املمنوحة‬
‫للمقرتضني‪ ،‬متثل للبنك إيرادا أي فائدة حمصلة‪ ،‬ومنه ينش ربح البنك بالفرق بني الفائدتني احملصلة و املدفوعة‪.‬‬
‫فمثال إذا أودع "جون" ‪ 011.111‬دوالر لدى البنك كوديعة ثابتة ملدة سنة و اتفق على فائدة ‪ 3 %‬من قيمة‬
‫الوديعة‪ ،‬فيتوجب على البنك البحث على مقرتض للمال بدال من االحتفاظ به ليحقق عائدا منه‪ .‬وبفرض أن‬
‫البنك قام بذلك فعال وأقرض املال "ملارك" ملدة سنة وعائده ‪ % 01‬من قيمة القرض‪ ،‬بذلك سيحصل البنك يف‬
‫هناية السنة من "مارك" على مبلغ ‪ 001.111‬دوالر قيمة القرض و الفائدة املستحقة عليه ‪ ،‬و عند حتصيلها‬
‫يسدد منها "جلون" ‪ 013.111‬دوالر أي قيمة الوديعة والفائدة املستحقة عليها‪ ،‬وعليه يتبقى للبنك مبلغ‬
‫‪ 0111‬دوالر‪ ،‬مبعىن ‪ ،0111=013.111-001.111‬وبعد خصم مصاريف البنك كالكهرباء و املاء‬
‫ورواتب املوظفني وغريها من احملصلة يتحقق صايف ربح البنك‪ ،‬وهذا ما يهدف إليه البنك‪.‬‬
‫وبطبيعة احلال فان البنك التجاري خيضع اىل قوانني تنظيمية متنعه من التصرف بكل الودائع اليت لديه بإقراضها‬
‫للمقرتضني بل يتوجب عليه أن حيتفظ بنسبة كاحتياطي لدى البنك املركزي (البنك املركزي ؟؟؟) ‪ ،‬و حيتفظ بنسبة‬
‫أخرى يف خزينة البنك التجاري ملواجهة أي سحب مباشر من املودعني ‪.‬‬
‫متارى أنت هنا ؟ أعيدي القراءة أكثر من مرة‪ ،‬مفيدة لرتسيخ املفاهيم يف ذهنك ‪ ..‬إىل لقاء آخر‪.‬‬
‫مالحظة‪ :‬الوديعة هي عقد بني املودع و البنك حيث مبقتضاها يسلم املودع مبلغا إىل البنك الذي يلتزم برده لدى‬
‫الطلب أو وفقا للشروط املتفق عليها‪.‬‬
‫استوعبت متارى القليل مدركة املالحظة األخرية‪ ،‬وضعت األوراق جانبا فوق طاولة املكتب إلعادة قراءهتا وأخذت‬
‫جهاز الكمبيوتر و بدأت يف تصفح حساهبا‪ ،‬وجدت منشور صديقتها سارة يف أول الصفحة‪:‬‬

‫" أود ذلك لو تعلمون‪" ..‬‬
‫هل ميكننا يوما ما أن ننتقل ب نفسنا لبيئة خمتلفة ملا حنن عليه اآلن !؟ فقط لنطمس الظلم‪ ،‬الكرب‪ ،‬السلطة غري‬
‫عادلة‪ ،‬الفقر‪ ،‬عاهات اخللق‪ ..‬من حياتنا و لنريح مقلتينا من مناظر السفح للربيئة نفوسهم ! عمتم مساءا ‪..‬‬
‫تذكرت متارى م ساة صديقتها و حتسرت على وضعها وتشتتت أفكارها و م تكن متلك أي شيء لتساعدها به‬
‫سوى رفع معنوياهتا وإعطاءها بعضا من األمل الكاذب‪ ،‬ف دلت بتعليق‪" :‬مهما كان أملك لركوب الفضاء و‬
‫اخلوض فيه يقل مع مضي األيام فلن تتخلي عن ذلك اخليال الضئيل يف حتقيقه‪ ،‬أال يكفيك اهلموم اليت تزداد يوما‬
‫بعد يوم عندما تضمحلني يف دوامة الواقع‪ !..‬صدق حديث من أخرب أن "يف اخليال حياة" دمت ساملة‪.‬‬
‫واصلت التصفح لتقرأ رسالة ابنة عمتها "إميان" ختربها عن تدهور حالة جدمها يوما بعد يوم‪ .‬فلم تكن تعرف‬
‫جدها إال وراء شاشات الكرتونية‪ ،‬غري أن تعلقها به كان شديد إىل حد ما‪ ،‬كان كثري املزاح معها وعن لكنتها‬
‫العربية املتلعثمة وصعوبة نطقها لبعض الكلمات الوعرة‪ .‬حس الدعابة ذاك جعلها حتبه وتقرتب منه وك نه مالزما‬
‫هلا‪.‬‬
‫عصف هبا حزن و م تعد لديها الرغبة يف فعل أي شيء سوى النوم يف عتمة‪ ،‬فدفنت وجهها يف الوسادة إال أن‬
‫النوم أصبح يتمنع بلؤم من شدة اهلواجس‪.‬‬

‫"انفعال الشروق‪" ..‬‬
‫عندما فتحت امييلي الباب لتوقظ اب نتها كانت رائحة الشقة تشبه رائحة السردين أو هكذا هتي هلا‪ ،‬ذهبت مسرعة‬
‫إىل احلمام للتقيؤ حينها استيقظت متارى متسائلة إن كانت الغرفة نتنة هلذه الدرجة أم أن يف األمر مبالغة ‪ ،‬حىت‬
‫مسعت صوت أمها لكن هذه املرة ليست كسابقتها وإمنا املوشح الصباحي تعاىل و م يكن يكد يهدأ حىت تدخل‬
‫والدها‪.‬‬
‫مشرت متارى عن ساعديها وأرادت للحظة أن ترتب الغرفة وأن تغري الرطوبة عن وجه املكان و اهلواء اآلسن بعد‬
‫ليلة معتمة ومظلمة حيث كانت رقائق البطاطا تعم الغرفة و البطانية الزرقاء مرمية على األرضية مع وسادتني‬
‫وتكدس األوراق املطبوعة فوق املكتب بشكل عشوائي‪ ..‬أرادت ترتيب ما ينبغي ترتيبه بسرعة فاألمر حمتما لتهدئة‬
‫أمها‪.‬‬
‫رددت مع نفسها‪ :‬ما هذا ليل كئيب وصباح مفزع وك ين أصبت بلعنة !؟‬
‫وبعد مرور نصف ساعة من الوقت‪ ،‬هدأت األم امييلي ونزلت متارى بصوت خافت و هبدوء تام‪ ،‬اجتهت حنو‬
‫الباب الرئيسي للذهاب إىل املدرسة كعادهتا حىت تناهى إىل السمع صوت والدهتا‪ ..‬إىل أين ؟‬
‫إىل املدرسة ‪ -‬أجابت متارى –‬
‫امييلي‪ :‬دون أكل ؟ ! خذي سندويشة فاليوم طويل ‪.‬‬
‫أمسكت متارى علبة األكل اليت حضرهتا أمها‪ ،‬وضعتها داخل احملفظة وراحت دون أن تتلفظ حبرف لكي ال‬
‫تتسبب يف إزعاج آخر‪.‬‬
‫ظلت متارى طوال الدرس شاردة الذهن س لتها سارة‪ :‬ما بك ؟‬

‫هزت كتفها مبعىن ال شيء وراودها القلق خشية من أن يطرح عليها سؤال ما من املدرس و حلسن حظها ليس مثة‬
‫أي أسئلة‪ ،‬وما أن انتهى درس التاريخ حىت محلت حقيبتها و أسرعت يف اجتاه الباب وقد وطنت نفسها على عدم‬
‫حضور حصة الرسم و العودة إىل البيت مبكرا‪.‬‬
‫عندما وصلت البيت كانت الساعة قد جتاوزت الثالثة ونصف‪ ،‬قرعت اجلرس وانتظرت كي يفتح أحدهم الباب‪..‬‬
‫قرعت اجلرس من جديد ولكن ما من جواب ‪ ،‬عجبا ! أين أمي ؟ من املفرتض تكون يف البيت فدوامها ينتهي‬
‫على الساعة احلادية إال ربعا‪ ..‬وأين أيب؟ رمبا هناك أمر قد وقع ‪ ..‬ما هو يا ترى ؟‬
‫جلست متارى على أرجوحة احلديقة تنتظر والديها وأخرجت حماضراهتا السرية من احلقيبة لتعيد قراءهتا‪ ،‬وهي تقرأ‬
‫تذكرت صندوق الربيد فاجتهت حنوه حبماس وأملها كبري يف وجود ظرف آخر‪ .‬فتحت الصندوق‪ ،‬حبثت بني‬
‫اجلرائد واجملالت اليومية و م جتد‪ ،‬أحست بالضجر وظلت واقفة أمام الصندوق حينها توقفت سيارة والدها ومعه‬
‫امييلي‪ ،‬نزال متوجهني حنو ابنتهما‪ ،‬س لتها أمها ضاحكة‪ :‬ال يوجد رسالة أخرى مثل املرة املاضية مبعىن ظرف ال‬
‫يوجد عليه ختم و ال عنوان غامض‪ ..‬عليه فقط "متارى يعقوب"؟‬
‫ردت متارى‪ :‬أريد اسرتضاءك اليوم‪ ،‬لذا لن أرد بشكل غري الئق أو استفزازي كما تقولني‪ ..‬إذن كيف حال أمريتنا‬
‫؟‬
‫وجهت امييلي نظرها حنو زوجها قائلة خبري‪.‬‬
‫دخلوا املنزل فس لتهم متارى‪ :‬أين كنتم ؟‬
‫تظاهرت والدهتا باهنماكها يف حتضري القهوة وترتيب األشياء‪ ،‬أجاب والدها‪ :‬خنربك الحقا‪ ،‬غريي ثيابك و‬
‫اسرتخي اآلن‪.‬‬

‫ختلت متارى عن عنادها تلك اللحظة وذهبت إىل احلمام‪ ،‬فوجدت شيء صغري بالستيكي يبدو مريبا‪ ،‬كتب‬
‫خلف علبته التايل‪ :‬إذا ظهر على الشاشة خطان فهذه عالمة احلمل‪ ،‬و إذا ظهر خط أزرق واحد فهو عالمة‬
‫عدم احلمل‪.‬‬
‫ضحكت متارى وقالت حمدثة نفسها‪ :‬ما ذنب غرفيت إذن !؟ رائحتها مثل العطر الفرنسي فقط أشيائي مبعثرة وال‬
‫دخل هلا‪ ..‬هرمون أمي هو من أعلن عليا احلرب‪ ..‬متدد مصطفى على األريكة جبانبه امييلي وفتح التلفاز كعادته‬
‫مع فنجان قهوة و الصحف على ميينه‪ ،‬فكان صوت التلفاز يتسلل حنيال مزعجا إىل امييلي مثل ابر تقحم رأسها‪،‬‬
‫فقررت الذهاب إىل املطبخ لتحضر طعاما زكيا كالعادة‪ .‬فكرت يف طبخ املعكرونة بصلصة الطماطم و شرائح‬
‫اللحم اليت حتبها متارى‪.‬‬
‫انشغلت متارى يف غرفتها بواجباهتا املدرسية إىل حني مسعت صوت والدها مناديا "انزيل العشاء جاهز"‪.‬‬
‫أمي أعدت املعكرونة وشرائح اللحم ! ماذا حيصل يا أيب ؟ هذا الطبق حيتوي على سعرات حرارية ال يتماشى مع‬
‫الدايت و الرشاقة خاصتك يا أمي‪.‬‬
‫ضحك والدها حينها قالت امييلي‪ :‬اجلسي وكفاك تعليقات‪.‬‬
‫ردت متارى مشرية بيدها حنو فمها‪ :‬حسنا يا أمي سوف أصمت فقط ال تقلقي و أنا جد ممنونة فالرائحة شهية‬
‫جدا وبدأت األكل‪ ..‬للحظة توقفت ونظرت إىل أمها ملا ال ت كلني ! ؟‬
‫راود امييلي القلق وقالت‪ :‬نباتية وال أشتهي اللحوم‪..‬‬

‫أعلم ذلك يا أمي لكن أنت مضطرة ألكل اللحوم ال ملح ‪ ،‬ال سكر‪ ،‬و ال دهون‪ ..‬ما هذا؟ هل حنن هنا يف‬
‫عيادة لتخفيض الوزن؟ أولويتك من اليوم هي األكل‪ ،‬البد أن ت كلي ما يفيد الطفل‪ ،‬ماذا سيجري لو تغري‬
‫مقاسك من ‪ 22‬إىل ‪ 21‬؟‬
‫ماذا !! كيف تعلمني ؟ ! و من أين ؟ ‪ -‬قالت امييلي و هي مندهشة – و نظرت إىل مصطفى فوجدته ينظر إىل‬
‫كالمها بنظرة استغراب‪ .‬أدركت حينها أن مصطفى م خيرب ابنته و كان جالسا طوال الوقت يتابع التلفاز مث‬
‫توجهت بالسؤال للمرة الثانية‪ :‬من أين تعلمني ؟ أجابتها متارى‪ :‬من كاشف احلمل املوجود يف احلمام‪ ..‬وعرفت‬
‫أنكما ذهبتما إىل الطبيب‪.‬‬
‫امحرت وجنتا امييلي من اخلجل‪ ،‬هل ه ي على حق ؟ هل جعلت من مظهري أولوية فوق صحة طفلي ؟ ولكي‬
‫متحو الشعور بالذنب بدأت ت كل اللحم بشراهة‪.‬‬
‫تبادلت متارى النظرات مع والدها وراحوا ضاحكني ‪ ..‬حينها قال مصطفى البنته‪ :‬أمك كانت حتمل عناء إخبارك‬
‫باملوضوع طوال الطريق خمافة من انزعاجك‪.‬‬
‫ردت متارى‪ :‬ملا االنزعاج ؟! مث قالت وهي هتمس ألبيها قبل البدء‪ :‬تعلم يا أيب‪ ..‬أخيت أو أخي حتما سوف‬
‫يكون طبيبا‪ ،‬مسكني حمكوم عليه بتنفيذ رغبة أمي‪ .‬لو تصمتني قليال تليب معروفا‪ ،‬سليطة اللسان كعادتك‪ ،‬ال‬
‫أعرف أي جينات حتملني؟ ‪-‬ردت أمها ‪-‬‬
‫قالت متارى‪ :‬أيب أ م أقل لك !؟ ‪ ،‬اجلنني سوف يت ثر هبذه املصطلحات‪ ..‬قالت امييلي‪ :‬أ م أقل لكي اصميت ؟ !‬
‫ردت متارى‪ :‬حسنا يا سيدة البيت سوف أصمت وأساعدك وأجلي الصحون وأنظف غرفيت‪ ..‬لتعلمي كم ابنتك‬
‫مطيعة‪.‬‬

‫أهنت غسيل األواين و ترتيب الصالون وصعدت غرفتها وجلست أمام النافذة تعيد قراءة احملاضرات مث فكرت ب ن‬
‫املعلم اجملهول يضع األظرف يف وقت مت خر من الليل على األغلب‪ ،‬فاغتنمت الفرصة وراحت تراقب الشارع‪.‬‬
‫عند الساعة الواحدة تغلب عليها النعاس إىل حد جعل عيناها تغمضان‪ ،‬كادت متضي إىل الفراش‪ ،‬حينها مسعت‬
‫صوتا ينبعث من احلديقة‪.‬‬
‫كان الليل معتما لكن ضوء القمر يسمح هلا ب ن متيز شكل الرجل‪ ،‬أحست أنه كبري السن‪ ،‬أكرب منها على أية‬
‫حال‪ ،‬بدا و ك نه رفع نظره حنو املنزل‪ ،‬حلظتها فتحت النافذة‪ ،‬اجته مسرعا بني أشجار احلديقة إىل صندوق الربيد‪،‬‬
‫توقف قليال مث دس فيه ظرفا‪.‬‬
‫أخذ قلب متارى خيفق بشدة‪ ،‬كان عليها أن تتبعه بثياب النوم لكنها ال جترؤ على الركض وراء شخص جمهول‬
‫وسط الليل‪ .‬لكن جيب أن خترج اآلن ألخذ الظرف اجلديد‪.‬‬
‫انتظرت حلظة مث هبطت السلم حبذر و أدارت املفتاح هبدوء لتخرج إىل الصندوق‪ ،‬ويف أقل من دقيقة كانت يف‬
‫غرفتها وظرفها بيدها‪ ،‬جلست على حافة السرير تلتقط أنفاسها و بعد مرور عدة دقائق دون حدوث شيء‬
‫أمسكت الرسالة لرتى على ظهرها مالحظة مكتوبة خبط اليد واخلط ارجتايل‪.‬‬
‫مرحبا‪ ،‬هذا أنا عزيزيت متارى إلجراء ما يلزم‪ ،‬أنبهك حتديدا‪ ،‬عليك أن ال حتاويل التجسس علي‪ ،‬سوف نلتقي يوما‬
‫ما‪ ،‬لكنين أنا من حيدد مىت وأين‪.‬‬
‫أدركت حينها أنه حملها عندما فتحت النافذة و أصدرت ضجيجا يف عتمة الليل‪ ،‬وكتب تلك املالحظة عند توقفه‬
‫أما الصندوق قبل وضع الظرف داخله‪ .‬جلست متارى على كرسي املكتب‪ ،‬فتحت الظرف متشوقة للمحاضرة‬
‫اجلديدة و اليت كانت تتوقع أن تكون حول البنك املركزي‪.‬‬

‫عزيزيت متارى‪..‬‬
‫آمل أن ال تكون احملاضرات االقتصادية تشغلك عن واجباتك املدرسية و االمتحانات على األبواب‪ ،‬عليك‬
‫باحلرص على املرتبة األوىل كعادتك لكي تبلغي هدفك‪ .‬نعود اآلن إىل احملاضرة‪ ..‬لو نظرت إىل أي قطعة نقد‬
‫أمامك سوف جتدين اسم بنك الواليات املتحدة األمريكية املتحدة موجود على كل فئات العملة الوطنية‪ ،‬إذن‬
‫إصدار العملة هو واحد من أدوار أي بنك مركزي بالعا م إىل جانب وظائف أخرى مثل ضخ السيولة عند احلاجة‬
‫مبعىن النقود بشكلها امللموس‪ ،‬و كذلك حتديد معدالت الفائدة صعودا ونزوال حسب املعطيات احمللية و العاملية‬
‫هبدف احملافظة على قيمة العملة الوطنية وتوازن االقتصاد ككل‪ .‬ومن هنا فان سلطة البنك املركزي سلطة قائمة‬
‫حبد ذاهتا وهي اليت تسمى بالسلطة النقدية مبعىن هو الذي يسيطر على املعروض النقدي و الذي نقصد به املال‬
‫املتداول يف السوق‪ ،‬و التحكم يف هذا األخري يكون من خالل معدل الفائدة مثال‪ :‬إذا أردت طلب قرض والبنك‬
‫املركزي يفرض معدل فائدة منخفض ‪ %0‬فالبنك التجاري سيمنحك قرض مبعدل فائدة منخفض‪ ،‬ومن هنا‬
‫يكون زيادة يف املعروض النقدي (املال املتداول) يف السوق‪ ،‬األمر الذي سيخلق التضخم‪ ،‬و العكس إذا كان‬
‫البنك املركزي قد قام برفع معدل الفائدة فكذلك البنك التجاري يقوم بنفس الشيء‪ ،‬و بالتايل يصعب أخذ‬
‫القرض ومنه حيدث اخنفاض يف معدل التضخم‪ .‬ومن خالل هذا يتضح أن هدف البنك املركزي هو استقرار‬
‫األسعار و جتنب حدوث ظاهريت االنكماش و التضخم‪ .‬رمبا تتساءلني اآلن عن ماهية التضخم‪ ،‬سوف نناقشه يف‬
‫املرة القادمة‪.‬‬
‫إىل اللقاء متارى‪.‬‬
‫كانت متارى تقرأ و جتاهد نفسها من شدة النعاس و ما إن أهنت القراءة نامت ماسكة الورقة املطبوعة بيدها‪.‬‬
‫_________________‬

‫‪..‬مرت األيام و اجتازت متارى امتحاناهتا بتفوق كالعادة‪ ،‬ويف يوم ربيعي ال يشبه أيام الربيع يف حني كانت الكآبة‬
‫بادية على مالحمها البارزة النقطاع حماضرات معلمها اجملهول ‪ ،‬جلست حتدث نفسها‪ :‬رمبا غضب ألين حاولت‬
‫التقاط مالحمه تلك الليلة ! يا لفضويل ‪ ..‬ال رمبا بسبب االمتحانات ! ماذا أفعل يف يوم العطلة ؟ حفظت‬
‫احملاضرات السابقة من كثرة التكرار‪ ..‬أريد املزيد‪.‬‬
‫هل حتدثني نفسك – أفزعتها أمها –‬
‫هيا أنا ذاهبة إىل سوبر ماركت لت تني معي‪ .‬يف الطريق تزعم متارى ب ن اجلو لطيف يف حني أمها تتعرق بإفراط‪..‬‬
‫قالت متارى‪ :‬رمبا أعراض احلمل‪ ..‬عند وصوهلما إىل سوبر ماركت ومرورمها جبانب قسم حافظات األطفال‪ ،‬س لت‬
‫متارى فج ة‪ :‬ذكر أم أنثى ؟ أرغب يف ذكر – أجابتها أمها – ملا يا أمي أنا أرغب يف أخت‪ ،‬زيادة على األنثى‬
‫حتمل دوما قضيتها‪ .‬وما هي قضيتك؟ أهي االقتصاد و حماضراتك السرية ! ‪ -‬س لت امييلي ابنتها بسخرية –‬
‫اندهشت متارى ومتالكت نفسها وهي ترد‪ :‬ومن أين لك علم مبحاضرايت‪.‬‬
‫ضحكت امييلي قائلة‪ :‬ال عليك ركزي يف احملاضرات فقط ‪ ،‬أرادت متارى تغيري جمرى احلديث حينها بقوهلا‪ :‬لو‬
‫أتت فتاة فيكون تلبيسها أسهل بكثري و أكثر متعة‪ ،‬ترتدي الطفالت الوردي الباهت‪ ،‬الناعم و الفوشي مع أين ال‬
‫أحب األلوان الفاحتة كثريا لكنها تليق باألنثى وهي طفلة‪ ،‬أما إذا كان ذكرا فيلبس األزرق الداكن و البين ‪..‬ت يت‬
‫للطفالت ا لصغريات بلعبة باريب وجمموعة من أكواب الشاي وأغراض الطبخ‪ ،‬أما األطفال الصغار فت يت هلم‬
‫ب سلحة الكالشنكوف و بالشاحنات‪ ..‬توقفت فج ة سائلة‪ :‬مىت ميكننا معرفة جنس الطفل؟‬
‫بعد أسابيع حمدودة ‪ -‬قالت امييلي ‪-‬‬

‫عند عودهتما إىل البيت كان مصطفى جالسا مع والدي امييلي بانتظار عودهتما‪ ،‬انتفضت والدة امييلي من مكاهنا‬
‫مهنئة ابنتها باحلمل عند دخوهلا سائلة بلهفة‪ :‬كيف هو صنيع احلمل معك ؟‬
‫جيد لكنين أنا طوال الوقت‪ .‬قال مصطفى حينها ضاحكا‪ :‬هذه األيام يبكيها كل شيء و أي شيء‪..‬‬
‫ضحكوا مجيعا‪ ..‬مث قالت والدهتا‪ :‬عليك أن تتعلمي تقنيات التنفس مصرة على أخذها إىل حصص اليوغا‪.‬‬
‫ردت امييلي‪ :‬أنا أتنفس بشكل طبيعي ال تقلقي‪ .‬ولكن والدهتا بقيت مصرة تريد أن تكون الوالدة طبيعية و‬
‫مكتملة‪.‬‬
‫جلسوا على األريكة املقابلة للمطبخ‪ ،‬كانت متارى جتهز القهوة‪ .‬س لت اجلدة مصطفى‪ :‬كيف سيكون االسم‬
‫هذه املرة أمريكي أم عريب؟ جاء صوت متارى من املطبخ تقول‪ :‬هذه املرة قد وكلين أيب بصالحية االسم يا جديت‪،‬‬
‫وقد اخرتت امسني واحد للذكر واآلخر لألنثى‪.‬‬
‫قال اجلد‪ :‬اخرتت أمساء عربية بالت كيد ف صولك تطغى عليك‪.‬‬
‫ردت وهي آتية بالقهوة‪ :‬نعم يا جدي األمساء عربية‪ ،‬فان كانت أنثى أمسيتها "سارة" وهو اسم رفيقيت ومعناه الفرح‬
‫والسرور‪ ،‬ستكون هبجة البيت‪ ،‬وان كان ذكرا فقد أمسيته "برهان" ومعناه احلجة و الدليل‪.‬‬
‫هزوا رؤوسهم تعبريا على موافقتهم وإعجاهبم باألمساء‪ .‬قالت متارى‪ :‬انتقيتها بعناية فامتياز االسم ينعكس على‬
‫الشخصيات‪.‬‬
‫ضحكت امييلي وقالت‪ :‬ال شك يف ذلك ‪ ،‬ال يوجد أحد كثري اجملادلة مثلك‪ ،‬تنطبقني على امسك باحلرف‪.‬‬

‫ردت متارى‪ :‬حسنا وملا ال تس يل كيف سيكون انعكاس اسم برهان عليه‪ .‬أنا س قول لك‪ ،‬اخرتت هذا االسم‬
‫لكي يثبت جمادليت يوما ما ويكون برهان على كالمي وأذكرك إن أتى ذكرا سوف يكون طبيبا رغبة أو غصبا‪،‬‬
‫فامسه حجيت و أراهنك على ذلك‪ .‬اندهشت امييلي وقالت‪ :‬وان أتت "سارة" هي أيضا س خضعها لرغبيت و‬
‫تصبح طبيبة يوما ما‪.‬‬
‫ردت متارى‪ :‬ال يا أمي‪ ،‬قلت لك األنثى ت يت حاملة معها قضيتها‪ ،‬أؤمن هبذا وفكرة كهذه من قبيل املسلمات‬
‫بالنسبة يل‪.‬‬
‫دعينا من فلسفتك هذه اآلن ‪ -‬قالت امييلي ‪-‬‬
‫حسنا يا أمي‪ ،‬أنا ذاهبة كي ال يقلق برهان فالطبيب البد أن يتسم باهلدوء و الرزانة‪.‬‬
‫امييلي‪ :‬اذهيب‪ ..‬ضحك اجلميع‪ ،‬حينها توجهت متارى حنو الباب الرئيسي لتفقد صندوق الربيد على أمل أن‬
‫يتذكرها معلمها اجملهول‪ ،‬فتحت الصندوق‪ ،‬وجدت ظرف صغري احلجم حبجم كف اليد‪ ،‬بدأت بالقفز من شدة‬
‫الفرح‪ ،‬أمسكته يف يدها وتساءلت عن حمتواه‪ ،‬انه بالت كيد سؤال موجه كالعادة‪ ..‬ألرى‪.‬‬
‫فتحت الظرف وجدت داخله قصاصة بيضاء مدون عليها بريد الكرتوين على النحو التايل‪:‬‬
‫‪ ،Eco.Tamarra@Gmail.com‬ومعه الرقم السري ويف ظهر الورقة مالحظة‪ :‬احملاضرة موجودة هنا‪،‬‬
‫افتحي احلساب‪.‬‬
‫ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجهها وقالت وهي تنظر إىل احلساب‪ ،‬مجيل انه رمسي وفكرة جيدة‪ ،‬لكن يا ترى‬
‫فعل هذا ألنه أدرك أنين أجتسس عليه أم ليكون األمر سهال ؟‬

‫أسرعت راكضة إىل غرفتها‪ ،‬جلست على كرسي املكتب‪ ،‬فتحت جهاز الكمبيوتر مث احلساب‪ ،‬وجدت رسالة‬
‫فتحها حينئذ وقعت عيناها على حساب املرسل‪ ،‬تريد معرفة أي شيء عن املعلم اجملهول‪ ،‬وكان احلساب ال حيمل‬
‫أي معىن يف امسه‪ ،‬عادت اىل الرسالة و بدأت تقرأ‪:‬‬
‫عزيزيت متارى‪ ..‬كيف تسري األمور معك ؟‬
‫درسنا اليوم عن "التضخم" ركزي معي‪..‬‬
‫التضخم هو زيادة يف أسعار البضائع و اخلدمات على مر السنني‪ ،‬مثال‪" :‬جون" حصل على بعض املال ويريد‬
‫شراء بعض احلاجيات‪ ،‬ذهب إىل املتجر ومأل سلته بالبضائع اليت يريدها‪ ،‬هذه البضائع كلفت "جون" ‪011‬‬
‫دوالر وبعد سنة كاملة يعود "جون" إىل املتجر نفسه ومعه ‪ 011‬دوالر ويريد شراء نفس بضائع السنة املاضية‪،‬‬
‫لكن أصبحت البضائع نفسها تكلف ‪ 015‬دوالرات‪ ،‬وهنا "جون" يكون قد عان من أسعار التضخم مبقدار‬
‫‪ ، %5‬فقد اضطر إىل رفع مخس دوالرات إضافية ليشرتي البضائع الذي كلفته ‪ 011‬دوالر يف السنة املاضية‪.‬‬
‫ومنه فان التضخم يقود إىل أسعار أعلى وقدرة شرائية أخفض‪ ،‬فهو ظاهرة مالية تسببها أحد الدول حيث تقوم‬
‫بإصدار عدد كبري من األموال وتربر ذلك بزيادة الثروة مبعىن آخر عندما يتم إصدار دوالرات أكثر من أجل كمية‬
‫حمددة من املمتلكات عندها قيمة الدوالر ستنخفض وهذا ما يسمى بالتضخم‪.‬‬
‫إىل اللقاء متارى‬
‫أهنت متارى من قراءة درس التضخم‪ ،‬ألقت نظرة على غرفتها‪ ،‬فوجئت بالفوضى اليت تسودها‪ ،‬فاألرض هبا كتب‬
‫هنا وهناك ودفاتر و جمالت وعلى السرير كومة من املالبس للغسل‪ .‬أحست برغبة قوية يف ترتيب األشياء‪ ،‬وكان‬
‫أول ما فعلته أهنا أفرغت كل أدراج اخلزانة‪ ،‬و مددت كل شيء على األرض‪ ،‬كان من املهم أن تبدأ من الصفر مث‬
‫أخذت تطوي مالبسها قطعة قطعة بعناية و تعيدها إىل الرفوف‪ ،‬وبعدها جاء دور املكتبة‪ ،‬ف نزلت متارى كل ما‬

‫فيها من كتب و دفاتر و جمالت و بدأت الرتتيب وقتها دخل والدها وجلس على السرير شاحب الوجه‪ .‬س لته‪:‬‬
‫ما بك ؟ هل مثة شيء تريد قوله يا أيب ؟‬
‫أجاهبا‪ :‬أتودين زيارة اجلزائر ؟‬
‫بالت كيد ‪ -‬ردت متارى – هل تريد الذهاب لالطمئنان على جدي هناك‪ ،‬أعلم أنه مريض حد الفراش‪.‬‬
‫قال مصطفى‪ :‬نعم أرغب و بشدة للذهاب إىل هناك‪ ،‬إىل اجلزائر‪ ،‬اشتقت إىل أهلي‪ ،‬مدينيت ‪ ،‬كل شيء‪..‬‬
‫قالت متارى‪ :‬نذهب إذن يف عطلة الربيع قد حان أواهنا ولكن هل تستطيع أمي الذهاب وهي حامل؟‬
‫رد مصطفى قائال‪ :‬نستشري طبيبها و إن وافق سوف تذهب‪ ،‬أهنا ترغب يف ذلك هي أيضا‪.‬‬
‫فرحت متارى كثريا معربة عن ذلك‪ :‬أخريا سوف ألتقي ببنات عميت إميان ومرمي وكذا ريان وحممد وجدي و جديت‪،‬‬
‫و أزور املدينة اليت طاملا حدثتين عنها ونطمئن على صحة جدي‪ ،‬مث قبلت والدها وراحت تكمل ترتيب املكتبة‪.‬‬
‫العاصمة‪ 02 ...‬مارس‬
‫أثار النب العظيم بقدوم مصطفى و زوجته األمريكية ردود عائلة "يعقوب"‪ .‬قتمت العمة و بناهتا بتنظيف بيت‬
‫اجلدة برمته وخالل يومني أصبح يشع بالنظافة‪ .‬ت ثرت اجلدة "زبيدة" لدى مساع اخلرب وعندما اقتنعت قررت طهي‬
‫حلوى "البقالوة" اليت يفضلها ابنها وظلت حتضر و تنتظر قدوم ابنها حبفاوة حىت حان وقت االستقبال‪ ..‬فتح‬
‫الباب قليال وبعد ثانية أطلت متارى بشعرها املنسدل مسرعة حنو "إميان" غمرهتا بعناق حار يضم لوعة االشتياق‪.‬‬

‫توجه مصطفى خبطى ثقيلة حنو أمه‪ ،‬ساد صمت ثقيل ويف عيين أمه دمعة م تش النزول و بقيت عالقة حىت‬
‫غمرت ابنها بصالبة و ك هنا ترى حلما‪ ،‬ت ت مصطفى و اعرتته رعدة سرته‪ ،‬فقد كان دائما خيشى برود والدته‬
‫لطول الغياب‪.‬‬
‫بعد الرتحيب س لت متارى عن مكان جدها و ذهبت مسرعة لرؤيته و ك هنا معتادة على البيت‪ ،‬تبعها والديها‪،‬‬
‫وقتها كان اجلد "علي" يف غرفته متعلال باملرض و من شدته أوهن قدرته على الكالم‪ ،‬ال يتحرك‪ ،‬وجهه شاحبا‬
‫وفمه جافا و امحرت عيناه كثريا‪ ،‬أمعن النظر فيهم حىت أدرك أن اجلالس أمامه مصطفى و األخرى متارى‪ ،‬ملعت‬
‫عيناه فرحا وأمسك بيد مصطفى حماوال نطق امسه و لكن خمارج احلروف انسدت‪ .‬ت ثر مصطفى و هنشه ندم‬
‫فظيع بدى على واجهته اخلارجية حيث أصبحت عيناه كالنهر من شدة السيل حىت بكى اجلميع‪.‬‬
‫‪ ..‬بعد يومني من زيارة مصطفى وعائلته اجلزائر‪ ،‬وهم يتناولون الطعام وعلى املائدة أجابوا على أسئلة كثرية‪ :‬كيف‬
‫هي احلياة يف أمريكا ؟ هل صحيح أن األمريكيون يعيشون على كمية كبرية من الطعام اجلاهز ؟ ‪ ...‬وغريها‪،‬‬
‫أخذهم احلديث حىت وقت الظهرية‪.‬‬
‫الحظ مصطفى فضول ابنته الذي م يهدأ وقرر أن خيرج معها يف جولة‪ ،‬فطلبت من إميان مرافقتهم‪ ،‬اعرتضت يف‬
‫بادئ األمر حبجة االمتحانات اليت تعقب العطلة مث وافق‪.‬‬
‫كانت الفرحة متأل صدر مصطفى وهو يسري يف ممرات العاصمة مستنشقا اهلواء‪ ،‬أهو تعطش للذكريات ؟ أم رغبة‬
‫لرؤية التجديد يف بالده ؟‬
‫اقرتحت إميان الذهاب لرؤية علو منارة اجلامع األعظم عن قرب و عند وصوهلم أعربت متارى عن شعورها قائلة‪:‬‬
‫أحس بقلقلة يف أغوار هوييت‪ ،‬طاقة املكان قوية تكفي لكي أبدأ تعلم الصالة لقوى ال أعرفها‪.‬‬

‫س لت امييلي‪ :‬هذا مسجد تقام فيه شعائر الدين اإلسالمي أليس كذلك ؟ أم جامعة لتعلم العلوم اإلسالمية ؟‬
‫أجابتها إميان موضحة هلا بلغتها االجنليزية البسيطة‪ :‬نعم هو كذلك‪ ،‬ولكن ال زالت األشغال مستمرة‪ ،‬رمبا يف آخر‬
‫السنة يكون جاهز‪ .‬فهو واحد من أكرب املساجد يف إفريقيا وصرح ديين حيوي مكاتب و جامعات و هذه هي‬
‫أطول م ذنة يف التاريخ مشرية إليها‪،‬و اهلدف من إنشاءه يكمن يف احلفاظ على الدين اإلسالمي وإتباعه‪ ،‬وقالت‬
‫أيضا معربة عن أملها يف حتقيق اهلدف‪ :‬الرهان هو أن يؤدي هذا الصرح دوره‪ ،‬ألن العربة ليست بالبناء فقط‪،‬‬
‫ت مل أن يكون هذا املكان منارة علمية‪ .‬وأضافت‪ :‬والغريب يف األمر لقد مت اختيار احملمدية أي هذا املكان‬
‫لتجسيد املشروع مصادفة‪ ،‬م تكن مقصودة‪ ،‬ولكن بالتوفيق من اهلل سبحانه و تعاىل‪ ،‬حيث قدر أن يكون هذا‬
‫املكان الذي مت االعتداء فيه على اإلسالم و الدين يف اجلزائر‪ ،‬ومسي باسم الراهب الذي أنش مجعية اآلباء‬
‫البيض‪-‬كنيسة الفيجري‪ -‬آنذاك‪ ،‬والذي كان يهدف إىل حتويل اجلزائريني إىل مسيحيني‪ ،‬وعمل كثريا و بذل‬
‫جهودا جبارة و استعان بالسلطات االستعمارية كثريا حىت يصد اجلزائريني عن دينهم‪ ،‬ف راد اهلل أن يسفه أعماهلم‪،‬‬
‫حيث مسيت املنطقة بعد االستقالل باحملمدية اليت استقبلت اآلن جامع اجلزائر األعظم‪.‬‬
‫مر الوقت بسرعة وهم وسط شوارع اجلزائر من املسجد األعظم اىل مقام الشهيد مث حديقة احلامة ‪ ،‬و من كثرة‬
‫التجول قالت امييلي‪ :‬أشعر بقليل من التوعك‪.‬‬
‫حسنا حنن يف طريقنا إىل البيت ‪ -‬رد مصطفى –‬
‫مث س لت متارى ابنة عمتها إميان‪ :‬هنا يف اجلزائر تقام االمتحانات بعد العطل ؟‬
‫أجابتها إميان‪ :‬حسب التخصصات‪ ،‬بالنسبة للصيدلة تق ام االمتحانات قبل العطلة لكن هذه املرة حالة استثنائية‪،‬‬
‫بسبب اإلضراب ت جلت االمتحانات إىل بعد العطلة‪.‬‬

‫متارى‪ :‬آه فهمت ‪ ،‬و ملا اإلضراب ؟‬
‫إميان‪ :‬هناك جمموعة من املطالب رغبنا يف احلصول عليها و أمهها مناصب العمل بعد التخرج‪ ،‬فالطالب أو‬
‫اجلزائريني بصفة عامة يعانون من مشكل البطالة‪ ،‬هلذا م ندرس تقريبا ملدة شهر وكانت نظرات االحتجاج متأل‬
‫الشوارع‪ ،‬وعزفوا فئة من الطالب عن األكل تعبريا عن مدى أمهية حتقيق املطالب بالنسبة لنا كصيادلة‪ ،‬لكن كانوا‬
‫سوى ضحايا اجلوع‪ ،‬وعقدت عدة اجتماعات متتالية يف اجلامعة ملناقشة املظاهرات و صعوبات املظاهر‬
‫االحتجاجية اليت أدت إىل اصطدام البوليس مع الطالب ورغم كل هذا م يتحقق شيء‪ ،‬عدنا إىل الدراسة وهلذا‬
‫السبب ت جلت االمتحانات‪.‬‬
‫علقت متارى‪ :‬اجلزائر تعاين من مشكل البطالة إذن ؟‬
‫أجابتها إميان‪ :‬نعم‪ ،‬رمبا ألن الوضع قد تدهور بعد اخنفاض أسعار البرتول‪ ،‬أصبح البلد يعاين من التقشف‬
‫ودخلت اجلزائر يف أزمة مالية حىت أهنا قد تلج إىل الديون يف السنوات املقبلة إن ظل الوضع على حاله‪.‬‬
‫وصلوا إىل البيت‪ ،‬جلست اجلدة "زبيدة" إىل جوار امييلي‪ ،‬على الرغم من أهنا ال تستطيع أن تتواصل مع هذه‬
‫الكنة األمريكية واليت تشعر بالقلق جتاهها ألهنا حامل‪ ،‬قدمت هلا مشروب ساخن‪ ،‬حينها كان مصطفى عند‬
‫والده‪ ،‬وبقيت متارى لوحدها بعد ذهاب إميان وعائلتها إىل بيتهم بعد تناول العشاء‪ .‬انفردت يف غرفة مع جهاز‬
‫كمبيوتر‪ ،‬فتحت احلساب‪ ،‬م جتد أي رسالة من معلمها اجملهول‪ ،‬خطرت على ذهنها فكرة وقالت حمدثة نفسها‪:‬‬
‫أكان يعلم ب ين آتية إىل هنا لذا قرر التواصل على الربيد االلكرتوين؟ تزامحت األفكار املتقطعة يف رأسها‪ ،‬مث قررت‬
‫أن ترتك له رسالة ختربه ب هنا يف اجلزائر‪.‬‬
‫أغلقت احلساب‪ ،‬تذكرت احلوار الذي دار بينها و بني إميان‪ ،‬رأت أنه حيمل صدى اقتصادي وراحت تقرأ عن‬
‫الب طالة واألزمة املالية‪ ،‬وهي تبحث بني املقاالت و البحوث العلمية وجدت أن البطالة مبفهومها االقتصادي تعين‬

‫" عدم احلصول على فرصة عمل على الرغم من توفر القدرة عليه ومداومة البحث عنه‪ ،‬وهي ظاهرة اقتصادية تنتج‬
‫عن اختالل التوازن يف سوق العمل الذي يشهد فائضا يف الطلب مقارنة بفرص العمل املوجودة (العرض)‪ ،‬انتقلت‬
‫بعدها إىل األزمة املالية‪ ،‬وهي تبحث وجدت فيديو توضيحي عن آخر أزمة مالية عاملية ‪ 3110‬واليت اعتربت‬
‫أسوأ من نوعها منذ فرتة الكساد الكبري سنة ‪ ،0636‬أمسكت متارى قلما وورقا ابيضا وبدأت تشاهد و تدون‬
‫التايل‪ :‬ابتدأت األزمة ا ملالية أوال بالواليات املتحدة األمريكية‪ ،‬مث امتدت إىل دول العا م لتشمل الدول األوروبية‪،‬‬
‫دول األسيوية والدول اخلليجية والدول النامية اليت ارتبط اقتصادها مباشرة باالقتصاد األمريكي‪ ،‬وصلت عدد‬
‫البنوك اليت اهنارت يف أمريكا فقط خالل سنة ‪ 3110‬إىل ‪ 06‬بنك‪ .‬من أسباهبا‪ :‬فشل الرهن العقاري وفشل‬
‫املدنيني يف تسوية أوضاعهم املالية مما أدى إىل العجز يف السيولة لدى الكثري من املؤسسات املالية وانتهت ب زمة‬
‫عاملية‪.‬‬
‫وبعدها قرأت عدة مقاالت واستنتجت أن األزمة املالية مبفهومها البسيط "تعرب عن حدوث اضطراب فجائي يف‬
‫موازين ومقاييس التوازن االقتصادي‪ ،‬وقد تكون بطيئة وحملية مثل ما هو واقع يف اجلزائر‪ ،‬كما قد تتوسع حىت تصل‬
‫دائرهتا إىل العا م أمجع‪.‬‬
‫تطلعت إىل الساعة القدمية املعلقة على اجلدار وك هنا ترجع إىل العهد الروماين‪ ،‬الساعة احلادية ونصف بعد‬
‫منتصف الليل‪ ...‬مر الوقت بسرعة و م أنتبه !‬
‫______________‬
‫احلزن‪ ،‬الدموع‪ ،‬الغضب‪ .‬كان مصطفى يضع يديه على عينيه‪ ،‬ويشعر مبغص يف معدته‪ ،‬ال‪ ،‬ال ميكن أن يصدق‬
‫ذلك‪ .‬إحدى عشر يوما وهو جيلس قرب فراشه‪ ،‬يراقب احتضاره برعب‪ ،‬لقد خارت قواه‪ .‬ها هو والده ميوت‪ .‬م‬

‫يكن قادرا على حتمل هذا احلدث وال استيعابه‪ .‬كان يشعر برغبة يف أن يعاين من أ م جسدي‪ .‬رمبا ينسيه صراعه‬
‫الداخلي أو خيرجه منه‪.‬‬
‫على الساعة اخلامسة فجرا‪ ،‬صرخت العمة "خدجية" بكل ما متلك من قوة‪ .‬للحظة جتمع حشد من اجلريان يف‬
‫بيت عائلة "يعقوب" ‪ ،‬م تشرق الشمس يومها بل كانت الغيوم تغطي السماء عند طلوع النهار وبدأ رذاذ املطر‬
‫وك ن املطر أراد أيضا أن يشارك يف كل هذا‪.‬‬
‫بقيت امييلي جالسة يف مكاهنا من شدة اهللع حىت ناولتها "مرمي" كوبا من املاء مث انضمت إىل نساء احلي تراقب‬
‫بصمت مت ثرة مبوت والد زوجها برغم من أهنا م تكد تعرفهن فلم تكن تتواصل مع عائلة زوجها بسبب اللغة‪ ،‬يف‬
‫حني مت ارى جلست مكتوفة األيدي دون مقاومة‪ ،‬اكتفت باملراقبة السلبية‪ ،‬وضعت يديها على أذنيها ورأسها بني‬
‫فخذيها النزعاجها من أصوات الصراخ املتعالية وكانت عينها اليسرى محراء منتفخة بشكل رهيب من شدة‬
‫البكاء‪ ،‬أحست بتحرك هاتفها النقال يف جيبها‪ ،‬أخرجته‪ ،‬رسالة من "آن"‪".. .‬سارة عادت إىل وطنها‪ ،‬إىل‬
‫سوريا‪ ،‬من حسن احلظ أنك هناك يف اجلزائر‪ ،‬حلظة الوداع كانت قاسية‪ ،‬ذبح صدري رحيلها م تش إخبارك لكي‬
‫ال تعكر صفوك وأنت وسط عائلتك"‪.‬‬
‫سقط اهلاتف من يدها وبكت حىت نساء القاعة صوهتا مرددة كلمات باالجنليزية م يفهم عليها أحد سوى أمها‬
‫قائلة‪ :‬أي حظ تتحدثني عنه يا "آن"‪ ،‬ت يت املصائب مرة واحدة ال جمال للرتيث‪ ..‬أمسكت امييلي اهلاتف وقرأت‬
‫الرسالة مث عانقت ابنتها بشدة وجلستا جنبا جلنب يبكيان‪.‬‬

‫_____________‬
‫العودة‪ 20 :‬أبريل‪..‬‬
‫عندما حطت الطائرة يف مطار أمريكا‪ ،‬كانت امييلي مرهقة وكانت حترك قدميها املتورمتني حبرص شديد‪ ،‬استغرق‬
‫مصطفى و عائلته نصف ساعة خلتم جواز سفرهم و اجتياز اجلمارك‪ ،‬واستالم حقائبها‪ .‬وعند ركوب السيارة‬
‫متوجهني إىل املنزل‪ ،‬اقرتحت امييلي أن تذهب صباح الغد إىل معاينة الطبيب وأصرت متارى على مرافقتهما ملعرفة‬
‫جنس اجلنني‪ ،‬فقد ت جلت املعاينة إىل ما بعد الدوام املدرسي‪.‬‬
‫وصلوا إىل املنزل مرهقني من تعب السفر‪ ،‬صعدت متارى إىل غرفتها‪ ،‬نامت حىت منتصف الليل وعندما استيقظت‬
‫بقيت يف مكاهنا تفكر وتفكر‪ ...‬شعرت بامللل‪ ،‬فتحت جهاز الكمبيوتر إذ هبا جتد رسالة من معلمها اجملهول‪،‬‬
‫بدأت تقرأ باهتمام شديد وشفتاها تتحركان و ك هنا حتدث نفسها‪:‬‬
‫عزيزيت متارى‪..‬‬
‫أعلم أنك متعبة من السفر‪ ،‬وذهنك مشوش من شدة تزاحم األحداث‪ ،‬عسى أن يكون موت جدك آخر‬
‫األحزان ويف عمرك بقية‪ ..‬ومبا أ ين أعرف قدرتك على الدراسة الذاتية قررت أن أجعلك مساعديت يف البحوث‬
‫العلمية‪ ،‬أرى أن هذا مفيد بالنسبة لك للخروج من الكآبة اليت عايشتها يف األيام األخرية‪.‬‬
‫ماذا ؟؟ من أين يعلم ؟ س فقد صربي حتما ؟ ‪ ...‬أصبح مساعدته !! لكن ال أعرفه‪ ،‬كيف ذلك ؟‬
‫مث أكملت القراءة‪ :‬أنا يف صدد اجناز حبث عن "االقتصاد الريعي يف اجلزائر"‪ ،‬ليس لديك معلومات عن املوضوع و‬
‫املصطلح جديد بالنسبة لك أعلم ذلك‪..‬‬

‫وكمفهوم بسيط "اقتصاد الريع يقصد به اعتماد بعض الدول على مصدر واحد للدخل‪ ،‬و قد يكون هذا املصدر‬
‫بدون أي جمهود فكري‪ ،‬ويف اجملتمعات اليت تعتمد على اقتصاد الريع‪ ،‬حتتكر السلطات و احلكومات امتالك هذه‬
‫املصادر و تتحكم يف كيفية توزيع وبيع هذه املصادر كما هو احلال يف اجلزائر يف اعتمادها على البرتول"‪ .‬وهذه‬
‫جمموعة من املقاالت السابقة و اإلحصائيات احلالية تتعلق باملوضوع‪ ،‬عليك باالطالع عليها والبحث يف‬
‫املوضوع‪.‬‬
‫مالحظة‪ :‬غدا على الرابعة ونصف مساءا‪ ،‬شاهدي أخبار القناة احمللية سوف تعرض حصة تتعلق باملوضوع جتدين‬
‫فيها ما يفيدك ويوسع معرفتك‪.‬‬
‫إىل اللقاء‪..‬‬
‫انغمست متارى وسط تلك املقاالت و املعطيات و األرقام واملنحنيات حىت غلبها النعاس‪.‬‬
‫___________‬
‫وجدت متارى صعوبة يف تركيز انتباهها يف الصف‪ ،‬بدأت تتطلع مشاال و ك ن سارة حقا موجودة أمامها مث بدأت‬
‫الدموع تنهمر على وجنتيه‪ ،‬حاولت أن جتمع أفكارها‪ ،‬لكنها م تكن تصل إىل الرتكيز‪ ،‬ما إن انتهت احلصة‬
‫األخرية حىت اندفعت خارجة بسرعة‪ ،‬اضطرت "آن" إىل الركض لتلحق هبا حىت رأهتا راكبة سيارة والدها كان‬
‫بانتظارها‪ .‬ويف طريقهم إىل الطبيب تذكرت متارى موعدها مع احلصة االقتصادية على الساعة الرابعة و نصف‪..‬‬
‫كيف نسيت ؟‬
‫أحتدثني نفسك ؟ هل وقع شيء – قالت امييلي البنتها –‬
‫ال‪ ،‬م حيدث شيء‪.‬‬

‫وصلوا إىل عيادة طبيب النساء‪ ،‬كانت الساعة الرابعة مساءا‪ ،‬جلسوا يف قاعة االنتظار حىت حان موعدهم‪،‬‬
‫دخلت امييلي وزوجها عند الطبيب للمعاينة و بقيت متارى جالسة تنتظرمها‪ .‬س لت عاملة االستقبال إن كان‬
‫بإمكاهنا استخدام ج هاز التحكم وتغيري القناة‪ ،‬مسحت هلا بذلك ف خذت اجلهاز وغريت القناة‪ ،‬إذ هبا وقفت‬
‫منتصبة تضع يدها على فمها دون حراك‪ ،‬اندهش احلضور ووجهوا بصرهم إىل التلفاز‪ ،‬م جيدوا شيئا ملفتا‬
‫يستدعي وقف تها تلك مث وجهوا نظرهم إليها وعالمات االستغراب بادية على وجوههم‪ ،‬فج ة نطقت بابتسامة‬
‫عريضة‪ :‬الربوفسور "جايدن" أيعقل هذا !!؟ حقا أين حضرت حماضرة له يومها‪ ..‬كيف م أمخن !!‬
‫كان لقاء اقتصادي يناقش أثر اخنفاض البرتول على الدول العظمى و النامية يضم جمموعة من دكاترة االقتصاد و‬
‫كان ضمنهم صديق والدها "جايدن" وجهت إليه املذيعة احلديث وس لته عن مشروعاته أو حبوثه اليت ينوي القيام‬
‫هبا فيما يتعلق باملوضوع وجوابه أفقد متارى عقلها من شدة الفرح‪ ،‬م تنتبه متارى إىل احلضور‪ ،‬ووضعت كفها على‬
‫جبينها ماسكة اجلهاز باليد األخرى وراحت حمدثة نفسها بصوت عال‪ :‬هل أنا أمسع جيدا ؟ هل يقول حقا أنه‬
‫يف صدد إعداد مقالة علمية بالتعاون مع باحثة صغرية "متارى يعقوب"؟‪ ،‬م تكمل اللقاء‪ ،‬دفعت باب غرفة‬
‫املعاينة دون إذن ودخلت تلتقط أنفاسها و ك هنا يف سباق املاراتون‪ ،‬كانت والدهتا مستلقية على السرير و أمامها‬
‫جهاز االيكو ووالدها جبانبها‪.‬‬
‫أيب‪ ،‬انه الربوفسور "جايدن" ! تبادل والداها النظرات بابتسامة خفيفة مرتسمة على وجهيهما‪ .‬بقي الطبيب يتابع‬
‫حىت انتبهوا مجيعهم‪ ،‬مث قالت متارى للطبيب متوجهة حنوه‪ :‬قل يل إهنا طفلة‪ ..‬طفلة أليس كذلك ؟‬
‫أوم الطبيب برأسه اجيابا‪ ،‬فراحت متارى تقفز من شدة الفرح قائلة‪ :‬املصائب مرة واحدة و األفراح كذلك‪..‬‬
‫ضحك والديها مث الطبيب‪ .‬مث قالت‪ :‬أ م أقل لك يا أمي ست يت سارة حاملة معها البهجة‪ ،‬منتشلة اهلم و احلزن ‪،‬‬
‫رأيت ‪ ..‬قلت أن امتياز االسم ينعكس على الشخصيات‪ ،‬السلطة السحرية اليت ميارسها االسم على املسمى‬

‫فظيعة ‪ ..‬قاطعتها أمها وهي تقول بسخرية‪ :‬ومبا أن لديك قدرة رهيبة على توقع جمريات املستقبل وحدسك‬
‫يصيب ‪ ،‬فهل ستكون عازفة غيتار أم راقصة بايل؟‬
‫نظرت إىل أمها نظرة عميقة و بابتسامة جانبية ردت‪ :‬أ م أقل إهنا هبجة البيت‪ ..‬سوف تكون طبيبة ولكن‬
‫برغبتها‪.‬‬
‫___________‬
‫املقالة العلمية‪" :‬االقتصاد الريعي يف اجلزائر"‪.‬‬
‫من إعداد‪ :‬الربوفسور جايدن *** ‪ ،‬متارى يعقوب‪.‬‬
‫جملة***** العدد ‪.03‬‬


Aperçu du document تمارى.pdf - page 1/48

 
تمارى.pdf - page 3/48
تمارى.pdf - page 4/48
تمارى.pdf - page 5/48
تمارى.pdf - page 6/48
 




Télécharger le fichier (PDF)


تمارى.pdf (PDF, 350 Ko)

Télécharger
Formats alternatifs: ZIP Texte



Documents similaires


guide t2
statement angola
xa9vo4y
bl739
soiree chat numero 5 l element eau
mercy

Sur le même sujet..




🚀  Page générée en 0.028s