الاسلام بين العروبة والقومية .pdf



Nom original: الاسلام بين العروبة والقومية.pdf
Auteur: SBOUI

Ce document au format PDF 1.7 a été généré par Foxit Software Inc. / Foxit PDF Creator Version 8.2.1.0112, et a été envoyé sur fichier-pdf.fr le 31/07/2017 à 17:24, depuis l'adresse IP 41.226.x.x. La présente page de téléchargement du fichier a été vue 446 fois.
Taille du document: 478 Ko (19 pages).
Confidentialité: fichier public


Aperçu du document


‫االسالم بين العروبة والقومية ‪.‬‬
‫د‪.‬عصمت سيف الدولة ‪.‬‬

‫(‪)1‬‬

‫أريد أن أتدخل فيما نشر من حوار حول العروبة والقومية بين الشيخ‬
‫محمد حسين فضل الله وبين متحدث باسم جريدة الخليج ‪ ،‬ولكني لست‬
‫واثقا من أني سأجيد التدخل ‪ ،‬وذلك ألسباب عدة ‪ .‬أولها وأهمها أن‬
‫التدخل في حوار انقطع هو مشاركة فيه تتم في غيبة المتحاورين ‪ ،‬هذه‬
‫الغيبة قمينة بان توهم المشارك المتأخر بأنه صاحب الكلمة األخيرة ‪.‬‬
‫فيظلم نفسه حينما ال يعصمها من ظلم صاحبي الكلمات األولى وال يجد‬
‫منهما حاضرا يرده عن الظلم في الحالتين ‪ .‬وقد يكون المنزلق الى‬
‫الظلم مجرد عجز المحاور األخير عن فهم دالالت األلفاظ المقروءة بعيدا‬
‫عن وسائل التعبير المساعدة في حوار الحاضرين حيث قد تكون‬
‫اإلشارة أوضح داللة من العبارة ‪ .‬والواقع أنني قد وجدت كثيرا من‬
‫األسئلة واألجوبة المنشورة غامضة الداللة ألفاظا وغائمة الداللة‬
‫مضمونا ‪ .‬فال األسئلة تريد أن تفصح عما يراد السؤال عنه محددا ‪ ،‬وال‬
‫األجوبة تفصح عما يريده المجيب تحديدا ‪ .‬انه حوار أصدقاء ‪ ،‬او‬
‫كحوار األصدقاء ذوي األلفة بأفكارهم ومواقفهم حيث تكفي الهمهمات‬
‫اللفظية وأنصاف الجمل واألفعال مجهولة الفاعل ليعرفوا جميعا فيم‬
‫يتحاورون ‪.‬‬
‫ثم يرد سبب مانع للتدخل وهو غير منكور ‪ .‬ذلك هو االختالف بين‬
‫المتحاورين في استعمال الكلمات ذاتها للداللة على مضامين مختلفة ‪.‬‬
‫وقد نبه الشيخ فضل الله إلى متاعب هذا األسلوب حين رد على أكثر‬
‫األسئلة فصاحة بقوله ‪ ” :‬لسنا متفقين على المصطلح ‪ ،‬وعندما ال نتفق‬
‫على المصطلح عند ذلك أنت تفهم الكلمة بمعنى فتثبته او تنفيه ‪ ،‬وانا‬

‫افهم الكلمة بمعنى آخر فتصبح أمام كلمتين متضادتين ‪ .‬اللغة العربية‬
‫تمتاز بوجود اللفظ المشترك وهو اللفظ الواحد ألكثر من معنى ‪ .‬مثال‬
‫كلمة عين تطلق على الباصرة والنابعة ‪ .‬هذا اللفظ المشترك الذي يحمل‬
‫أكثر من معنى ال يمكن إدراك ما تريد منه اال بقرينة تدل عليه وإال‬
‫يكون مجمال ومبهما ‪ .‬المسألة أن كلمة القومية او كلمة العروبة ‪ ،‬مرة‬
‫تطلقها كحركة ومرة تطلقها كهوية ‪ ،‬فيختلط عند ذلك جانب الهوية‬
‫بجانب الحركة بجانب المضمون السياسي … الخ ” كل هذا وأكثر منه‬
‫كان مقدمة لرد متوقع على سؤال عن تضمين جماعة ” اإلخوان‬
‫المسلمين ” برنامجهم الدعوة الى الوحدة العربية ‪ ..‬ثم لم يرد الرد ‪.‬‬
‫هذا المثال المتكرر في الحوار يجعل من االختالف في داللة األلفاظ‬
‫مصدرا لمتاعب في الفهم المتبادل على مستويين ‪ .‬مستوى عدم إدراك‬
‫الداللة المقصودة الالزمة للجواب ‪ .‬ومستوى قصد عدم إدراك الداللة‬
‫حتى ال يكون الجواب ملزما ‪ .‬وكلها من فنون الحوار بين األذكياء‬
‫خاصة ‪ ،‬اذ يجدون فيها متعة الرياضة الفكرية ‪ ..‬وهي ‪ ،‬ككل رياضة‬
‫ممتعة ‪ ،‬لها وقتها المناسب وظروفها المواتية ‪ .‬لكن ‪ ،‬لسوء حظ هواة‬
‫تلك الرياضة ‪ ،‬رياضة اللعب بدالالت الكلمات ‪ ،‬أن هموم األمة العربية ال‬
‫تسمح ألبنائها الجادين بمتعة التفنن الذكي في الحوار الفكري خاصة‬
‫وان من بين أبناء هذه األمة شبابا يبذلون دماءهم الزكية دفاعا عن‬
‫أمتهم في جنوب لبنان ‪ ،‬ويضيئون من أرواحهم الطاهرة مصابيح أمل‬
‫في ظلمة اليأس المدلهمة ‪ .‬فيصبح فرضا علينا ‪ ،‬نحن الذين ندعوهم‬
‫إلى القتال وال نقاتل ‪ ،‬ونفتيهم بما يحبب إليهم الموت وال نموت ‪ ،‬نحن‬
‫المشايخ والشيوخ ‪ ،‬فرض علينا دينيا وقوميا وأخالقيا إن نؤجل‬
‫رياضة الكلمات المتشابهات إلى ما بعد النصر حتى ال يحيط بمسيرة‬
‫الشهداء أي قدر من الشك في صدق المنطلقات ونبل الغايات وسالمة‬
‫األسلوب ‪.‬‬
‫لهذا بالذات ‪ ،‬لبقاء سمو االستشهاد فوق نطاق االجتهاد نتدخل في هذا‬
‫الحوار ‪.‬‬

‫لقد كان جميال من الشيخ فضل الله قوله ‪ ” :‬مثال قد يدعى احد انه في‬
‫حالة إسالمية وهو يسرق بنك ‪ ..‬يسرق من خالل اإلسالم ” ‪ .‬إذا كان‬
‫هذا يحدث ولإلسالم حرمته المقدسة فما بالنا بالعربية والقومية‬
‫والوحدة ‪ ..‬الخ ‪ .‬إن بعضهم ارتكب ويرتكب جرائم الخيانة العظمى‬
‫المته العربية وهو يدعى انه في ” حالة قومية ” ‪ ،‬فلندع ‪ ،‬إذن ‪،‬‬
‫الشكوى ممن يزيفون الكلمات النبيلة أصال ‪ ،‬او يفرغونها من‬
‫مضامينها فتصبح كالما فارغا ‪ .‬ندعها فال نتخذها حجة لنا وال نقبلها‬
‫حجة علينا ‪ .‬العبرة بما نقوله نحن ‪ .‬المهم ما نعنيه بالعروبة وما نعنيه‬
‫بالقومية نحن ‪ .‬المهم من نحن ؟‬
‫تفضل الشيخ فضل الله فأجاب عن نفسه فقال ‪ ” :‬إنني من عائلة فضل‬
‫الله من بلدة عيناتا من جنوب لبنان” ‪ (.‬بيت جودة ‪ .‬هكذا يقولون في‬
‫صعيد مصر تحية لمن يقدم نفسه منسوبا إلى عائلته أو قريته ‪ .‬يعنون‬
‫ـ طبعا ـ انه كريم من بيت كريم ‪ .‬والكرم قيمة عربية فصلحت تحية‬
‫وبها نحييه ) ‪ .‬وبعد ؟ اعتقد أن كثيرين من عائلة فضل الله ‪ ،‬من بلدة‬
‫عيناتا ‪ ،‬من جنوب لبنان ‪ ،‬ال يتفقون مع الشيخ فضل الله في موقفه من‬
‫العروبة ومن القومية ‪ .‬إن هذا يعنى أن مجرد أن يكون الشيخ من عائلة‬
‫فضل الله من بلدة عيناتا من جنوب لبنان ال يكفى لمعرفة موقفه من‬
‫العروبة ومن القومية ‪ .‬فتفضل وقال ‪ :‬إن العروبة قومية “و” هي إطار‬
‫لوضع بشرى يجمع فريقا من الناس كما هي أي قومية أخرى ‪“ .‬و”‬
‫هي داخلة في المعنى الواقعي الذي يتميز بخصائص وعناصر مثل ما‬
‫تتميز به أي قومية أخرى ‪“ .‬و” هي هوية مثل الفارسية والتركية ‪.‬‬
‫“و” أنهم يعترفون بالهوية العربية في مضمونها اإلنساني ‪ ” .‬و ”‬
‫هي بالنسبة اليه واقع يدخل فى تكوينه الذاتي ‪ .‬وتساءل فضيلته‬
‫مستنكرا ‪ ”:‬هل تستطيع ان تخرج من جلدك ؟ ” ‪ ..‬طبعا ال يا موالنا ‪..‬‬
‫ال هو وال أنت وال انأ ‪.‬‬
‫كنت أتمنى أال اعلق على هذا القول ‪ .‬إذ أنه ‪ ،‬في مجمله ‪ ،‬تعبير عن‬
‫قناعة بأن ” القومية ” او ” العروبة ” اسم يطلق على واقع بشرى ال‬
‫يستطيع احد ينتمي إليه أن يفلت من االنتماء إليه ( يتجرد من هويته ) ‪.‬‬
‫وانه على وجه أو على آخر يدخل فى التكوين الذاتي لمن ينتمي اليه‬

‫(تكوين شخصيته) وان القوميات متعددة فمنها العربية ومنها الفارسية‬
‫ومنها التركية ‪ ،‬وإنما تتمايز بخصائص كل قومية ‪ .‬ومن خصائص‬
‫القومية أو العروبة إنها ذات تراث تختزن فيه اإلسالم ‪.‬‬
‫لم يقل احد من المفكرين والكتاب والقادة العرب القوميين ما هو أكثر‬
‫صحة من هذا الذي قيل ‪ ،‬بل إن التعبير عن العروبة أو القومية بأنها‬
‫واقع ال يستطيع أحد ان ينسلخ منه حتى لو أراد ‪ .‬ينطوي على إدراك‬
‫لحقيقة القومية أكثر صحة من عشرات االجتهادات التي حاول فيها‬
‫بعض الكتاب العرب تحديد العالقة بين األمة والشعب ‪ .‬وليس من‬
‫المنكور أن فريقا كبيرا من أوائل الذين كتبوا في القومية أو دعوا إليها‬
‫وتالميذهم حتى اآلن ما يزالون يرددون نظرية في القومية مستعارة من‬
‫الفيلسوف الفرنسي رينان وخالصتها ان القومية إرادة حياة مشتركة‬
‫وبالتالي إن االنتماء إلى األمة أو عدم االنتماء إليها موقف إرادي ‪.‬‬
‫وهى نظرية ” سياسية ” في القومية استهدف بها رينان خدمة دولته‬
‫وليست نظرية علمية أو شبه علمية في فهم وتفسير ظاهرة األمة ‪ .‬أيا‬
‫ما كان النظر أو كانت النظرية فاني والشيخ فضل الله على مذهب واحد‬
‫في العروبة عبرت عنه بما قلته في كتاب ” عن العروبة واالسالم ” من‬
‫” إن العروبة عالقة انتماء إلى وضع تاريخي تدرك العربي منذ مولده‬
‫وتصاحبه حتى وفاته ولو لم يكن مميزا ‪ ،‬ولو لم يدركها ‪ ،‬ولو كفر بها‬
‫‪ .‬ال يستطيع أي انس أن ينتمي إلى العروبة أو أن ينسلخ منها ولو أراد‬
‫”‪.‬‬
‫من حقي إذن أن اعتبر الشيخ محمد حسين فضل الله واحدا من قادة‬
‫الحركة العربية القومية وان اعتبر ” حزب الله ” فصيال من القوى‬
‫العربية القومية ‪ ،‬واعتبر شهداء جنوب لبنان شهداء العروبة ‪ .‬هذا من‬
‫حقي سواء أعجب أصحابه أم لم يعجبهم ‪ ،‬الن العبرة بحقيقة المواقف‬
‫وليس بما يفضله كل واحد من أسماء لموقفه ‪ .‬وألننا نعتبر هذا حقا لنا‬
‫فإننا نعتبر أن لهم علينا حق الرأي فيما يرونه من مواقف ويروونه‬
‫من حكايات ال تتفق مع موقفهم القومي األصيل ‪ ،‬وبالتالي يضعف من‬
‫آثار نضالهم القومي البطولي ‪ .‬والخطأ ـ بعد ـ شائع في كثير من كتابات‬
‫ومواقف القوميين ‪ .‬انه التوحيد في الداللة بين ” العروبة ” وبين ”‬

‫القومية ” ‪ .‬وقد تكرر في الحوار المنشور هذا التوحيد بصيغة ‪ ” :‬إن‬
‫كلمة القومية أو العروبة ” ‪ ،‬من أن الكلمة منها ذات داللة متميزة ‪.‬‬
‫ويؤدى عدم إدراك هذا التمايز أو التساهل في االعتداد به إلى مواقف‬
‫فكرية وعلمية ضارة بصاحبها موقفا وفكرا ‪.‬‬
‫المسألة ‪ ،‬باختصار شديد ‪ ،‬إن العروبة نسبة إلى العرب وهم فرع من‬
‫الجنس السامي يتميز بلغة عن بقية الفروع ‪ .‬ولقد كان العرب أسرا ثم‬
‫عشائر ثم قبائل و هي أطوار من التكوين البشرى وردت ويرد على كل‬
‫البشر فيتحولون خالل التفاعل بينهم وبين ظروفهم من اسر إلى عشائر‬
‫إلى قبائل حتى إذا ما استقرت القبائل على األرض أصبحوا شعوبا قبل‬
‫أن يتطوروا ليصبحوا أمما ‪ (.‬امة ـ رجاء ـ بالمعنى االجتماعي الحديث‬
‫لكلمة األمة ) ‪ .‬ولقد مر العرب بكل تلك األطوار قبل اإلسالم ولكنهم لم‬
‫يبدأوا التطور إلى امة إال بعد الهجرة من مكة إلى المدينة ‪ .‬فبالهجرة‬
‫وفي المدينة اجتمع المسلمون من قبائل كثيرة مهاجرين وأنصارا مع‬
‫غير المسلمين من أهل المدينة لينشئوا معا مجتمعا موحد القيادة (‬
‫الرسول عليه الصالة والسالم ) موحد النظام األساسي ( الصحيفة )‬
‫موحد الوطن ( المدينة) مطهرا تماما من االحتكام إلى العالئق األسرية‬
‫أو العشائرية أو القبلية ‪ .‬فكانت ثمة نواة تكوين بشرى جديد ‪ ،‬سينمو‬
‫باإلسالم بشرا وأرضا وينمو به اإلسالم دينا ودنيا ‪ ،‬فينموان حضارة‬
‫وبها يصبح العرب امة عربية أسهم اإلسالم في وجودها ولم تكن‬
‫موجودة من قبله ‪ ،‬وان كانت العروبة سابقة عليه زمانا ‪ .‬فيقال العروبة‬
‫التي تطورت إلى امة ” قومية ” وتكون القومية دالة ‪ ،‬دون غيرها ‪،‬‬
‫على أن البشر في وضعهم العروبي قد اكتمل تكوينهم امة ‪ .‬ومن هنا‬
‫تنسب العروبة الى العرب وتنسب القومية إلى األمة العربية وليس إلى‬
‫” القوم ” العرب ‪ .‬ويصبح من الجوهري إلمكان تحديد وفهم المواقف‬
‫واألفكار معرفة ما إذا كانت متعلقة بالعربية أم بالقومية ‪ .‬لماذا يصبح‬
‫من الجوهري إلمكان تحديد وفهم المواقف واألفكار معرفة ما إذا كانت‬
‫متعلقة بالعروبة أم بالقومية مع انه ‪ ،‬منذ إن اكتملت األمة العربية‬
‫تكوينا ‪ ،‬انقضت مرحلة العروبة قبل القومية ( األسرية والعشائرية‬
‫والقبلية والشعوبية ) فاكتسبت كلمة العروبة دالل قومية ‪ .‬لماذا ال‬

‫تتوحد الكلمتان في الداللة على الواقع العربي مادام ال يوجد في هذا‬
‫الواقع ما تدل عليه أيهما إال امة عربية واحدة ؟‪.‬‬
‫لقد كان هذا ممكنا لوال ما طرأ على الوجود القومي من تجزئة األمة‬
‫العربية الواحدة إلى دول مستقلة بعضها عن بعض وامتداد العمر بتلك‬
‫التجزئة ( أكثر من نصف قرن ) حتى ولدت الحياة فيها مصالح إقليمية‬
‫تحرسها قوى إقليمية في رؤوسها أفكار إقليمية تستثمرها دعاوى ضد‬
‫القومية ‪ .‬بالتجزئة ـ إذن ـ ولدت ظاهرة اإلقليمية في التاريخ العربي‬
‫كنقيض لظاهرة القومية التي ولدت منذ إن اكتملت االمة العربية تكوينا‬
‫( منذ نحو سبعة قرون ) فأصبحت كلمة العروبة حمالة وجهين‬
‫متناقضين ‪ .‬إذ اإلقليمية إقليمية عربية ‪ ،‬والقومية قومية عربية ‪.‬‬
‫األولى تعبر عن تجزئة األمة وتنفى وحدتها ‪ .‬والثانية تعبر عن وحدة‬
‫األمة وتنفى تجزئتها ‪ .‬وكالهما واقع في التاريخ العربي المعاصر ‪.‬‬
‫اإلقليمية واقع ملموس والقومية واقع تاريخي محسوس ‪ ،‬وليس‬
‫التاريخ العربي المعاصر ولن يكون ـ لمدى قد يطول في المستقبل ـ اال‬
‫تاريخ الصراع الذي ال توفيق فيه وال تلفيق بين اإلقليمية ( وحلفائها ‪)..‬‬
‫والقومية (وحلفائها ‪ )..‬وقد يكون الحلفاء عربا أو غير عرب ‪ .‬ولكن‬
‫قوى الصراع قوى عربية والصراع عربي المنطلقات ‪ ،‬عربي‬
‫الغايات ‪ ،‬ألنه يدور حول المصير العربي هل يكون إقليميا أو يكون‬
‫قوميا ‪ .‬كل القضايا األخرى التي يدور حولها الصراع في الوطن‬
‫العربي هي فروع للصراع األساسي بين االقليمية والقومية ‪ .‬ولما كانت‬
‫التجزئة االقليمية هي ردة الى طور مختلف عن الطور القومي ‪ ،‬طور‬
‫شعوبي في بعض الدول ‪ ،‬وفى بعض الدول طور قبلي ‪ ،‬وفى بعضها‬
‫عشائري ‪ ،‬فان االقليمية كثيرا ما تتستر ” بالعروبة ” التي تتسع‬
‫داللتها لغويا لألسر والعشائر والقبائل والشعوب ” العربية ” ‪ ،‬وذلك‬
‫لتحقيق هدفين ‪ :‬االول استبعاد دالالت وايحاءات كلمة القومية من‬
‫الفكر العربي ” وغسل” ادمغة الشباب منها ‪ .‬والهدف الثاني ‪ ،‬رئاء‬
‫الشعب العربي واختالس قبوله االقليميين ظنا بانهم ما داموا ”‬
‫عروبيين ” والعروبة تساوى القومية منذ ان كان العرب امة فهم‬
‫قوميون ‪.‬‬

‫ازاء هذا اصبح واجبا ـ اخالقيا على االقل ـ بالنسبة الى كل عربي ان‬
‫يختار موقفا واضحا يجيب علنا بدون لبس او غموض او ابهام او‬
‫“لعب باأللفاظ ” عما اذا كان هو قوميا ينطلق من وحدة االمة الى‬
‫دولة الوحدة ‪ ،‬ام انه إقليمي ينطلق من تجزئة االمة الى استقالل دولته‬
‫‪ .‬كما اصبح واجبا قوميا على الكتاب والمفكرين والدعاة والدارسين‬
‫القوميين ان ينبهوا الناشئة من الجيل العربي الجديد الى ما يحصنهم‬
‫ضد المحاوالت االقليمية لكسب ثقتهم عن طريق االستعمال المنافق‬
‫لتعبير ” العروبة “ ‪.‬‬
‫ان الموقف ” العربي ” المعادي للقومية قد يقوم على واحد او اكثر من‬
‫ثالثة اسس‪ .‬اولها ‪ ،‬واقلها خطرا ‪ ،‬موقف الذين ينكرون وجود امة‬
‫عربية اصال ‪ ،‬او يقولون انها لم تزل فى سبيل التكوين ‪ .‬يقف هذا‬
‫الموقف بعض الماركسيين الذين يستبدلون بالوحدة العربية وحدة‬
‫الطبقة العاملة في العالم كله ‪ .‬ويقفه بعض العرب الشعوبيين الذين‬
‫يتصورون ان شعوبهم الدارسة مثل االشورية والفرعونية ماتزال قابلة‬
‫لألحياء ‪ ..‬لتبعث امما ‪ .‬انهم يحملون في رؤوسهم ذات الفكرة‬
‫الصهيونية ‪ .‬فكرة عدم شرعية ” االحتالل ” العربي وتحرير ارض‬
‫االباء واالجداد من االجانب الذين عاشوا فيها اربعة عشر قرنا ‪ .‬ولم‬
‫تكن المحاولة الصهيونية اال نموذجا للعداء الشعوبي ‪ ،‬ظل الشعبيون‬
‫ينتظرون نهايتها ‪ ،‬حتى اذا ما اعترفت مصر الفرعونية بأحقية اليهود‬
‫في فلسطين بدأت المحاولة الطائفية في لبنان وفى ا لمغرب وفى مصر‬
‫وفى السودان ‪ .‬ومن هنا نرى كيف تستطيع الشعوبية ان تستر موقفها‬
‫الصهيوني بكلمة ” العروبة ” ويصبح متعينا هت سترها بإلزامهم ‪ ،‬او‬
‫ارغامهم ‪ ،‬على ان يحددوا موقفهم من القومية العربية ‪ ،‬خاصة وان‬
‫عروبيين كثيرين يتسلون على استحياء الى الموقف الشعوبي‬
‫الصهيوني ” االن“ ‪.‬‬
‫االساس الثاني لموقف العربي المعادي للقومية هو الهرب الى ما هو‬
‫اوسع من االمة العربية شعبا ووطنا ‪ :‬الشرق اوسطية ‪ ،‬االسالمية ‪،‬‬
‫االفريقية ‪ ،‬العالمية ‪ .‬لكل واحدة من هذه الكلمات داللة على واقع متعين‬
‫ولكنه ليس موازيا وال مناقضا للواقع القومي العربي ‪ .‬ومن الوحدة‬

‫العربية الى الوحدة العالمية وما بينهما طريق متصل وممتد ‪ ،‬واذا ظلت‬
‫الظروف العربية واالسالمية والدولية على ما هي عليه االن فيمكن‬
‫القطع ـ بدون ترددـ بان القوى القومية العربية ما ان تنتهى من توحيد‬
‫امتها حتى تستأنف مسيرتها الى الوحدة االسالمية بحكم انها ” تختزن‬
‫تراث االسالم في حضارتها ” ‪ .‬ويستطيع القوميون منذ االن ان يبشروا‬
‫باستئناف رسالتهم بمجرد ان يحطموا اسوار التجزئة االقليمية التي‬
‫تجزئ طاقات االمة ثم تحبس كل جزء منها في دولة او دويلة ‪ .‬ويواجه‬
‫انصار ودعاة الوحدة االسالمية ‪ ،‬او الوحدة االفريقية ‪ ،‬او الوحدة‬
‫العالمية ـ هنا ـ سؤاال حاسما ‪.‬هل وحدة االمة العربية مرحلة اولى فى‬
‫خططكم الطموحة ام انكم تقبلون تجزئة امة واحدة وتزعمون الجهاد‬
‫في سبيل توحيد عدة امم ؟ وفى االجابة على هذا السؤال يمكن‬
‫اكتشاف الموقف المعادي للقومية الذى يخفى ” إقليمية ” الع ربية‬
‫تحت ستار الدعوة الى وحدة تتجاوز الوحدة القومية وتسبقها في الوقت‬
‫ذاته باسم رسالة ” العروبة” الخالدة ‪.‬‬
‫األساس الثالث للموقف العربي المعادي للقومية موقف ” بهلواني ”‬
‫فكريا وسياسيا وحركيا ‪ ،‬انه االحتفاظ في ” خرج” الحاوي بكلمتين ‪” :‬‬
‫العروبة” و” القومية ” واستعمال كل منهما استعماال ال اخالقيا ‪ .‬ان‬
‫كان ذا مصلحة مع قوة قومية فهو قومي ‪ .‬وان كان ضد تجربة قومية‬
‫فهو عروبي ‪ .‬وان كان يحلم بما هو غير هذا وذاك ويحتفظ في الوقت‬
‫ذاته بهذه وتلك فهو ‪ ..‬وال نزيد ‪.‬‬
‫المهم ان عدم تحديد وفهم المواقف واالفكار المتعلقة بالعروبة او‬
‫بالقومية خاصة اذا ما كان االسالم مطروحا كموقف او كفكر ‪ ،‬يؤدى‬
‫في كثير من الحاالت الى اخطاء فادحة في المواقف واالفكار جميعا ‪.‬‬
‫وهى ال تتحدد وتفهم اذا ما تجاهلنا ان ورود التجزئة على االمة مع‬
‫اسناد االمرين الى العروبة يفرق تفرقة دقيقة بين داللة العروبة‬
‫وداللة القومية حينما يكون الحديث دائرا حول القضايا المصيرية مثل‬
‫عالقة العروبة باإلسالم ‪ ،‬والموقف القومي من الدول العربية‬
‫وصراعاتها ‪ ،‬والموقف الصحيح من القضية الفلسطينية ‪.‬‬

‫فمثال ‪ ،‬حين يقال ان القومية تختزن االسالم في تراثها يكون القول‬
‫مفهوما الن االمة العربية ولدت مع االسالم وشبت معه وتكونت‬
‫حضاريا من خالل تفاعلها في ظله دينا ودنيا فيكون من المفهوم او‬
‫القابل للفهم ان يقال ان القومية تختزن االسالم في تراثها ‪ .‬وال يكون‬
‫مفهوما على أي وجه ان تسند اية عالقة بتراث اال سالم الى العروبة‬
‫مع انكار الوجود القومي العربي و التنكر لهدف الوحدة العربية أي من‬
‫موقف اقليمي ‪ .‬ذلك الن العروبة ‪ ،‬من ناحية ‪ ،‬سابقة تاريخيا على‬
‫االسالم كما ابلغ به محمد رسول الله (ص) في القر ن السابع‬
‫الميالدي ‪ .‬ومن قبل االسالم لم يكن لإلسالم تراث ‪ ،‬وبالتالي ال يكون‬
‫مفهوما او قابال للفهم ان يقال ان العروبة تختزن االسالم في تراثها‬
‫قبل ان يتطور العرب الى امة ذات وعاء حضاري تختزن فيه التراث ‪.‬‬
‫ومن ناحية اخرى فان العروبة قبل االسالم كانت اسما على مطلق فرع‬
‫من جنس بشرى متناثر اسرا وعشائر وقبائل ال يجمعها تراث‬
‫حضاري واحد وتتناثر على السنة الناس منها لهجات شتى لم تسد‬
‫احداهما لتكون لغة العروبة ‪ ،‬الى ان جاء االسالم فجمعهم امة واحدة‬
‫وامدهم بلغة واحدة فأنشأوا به وفى ظله تراثا حضاريا واحدا ‪ .‬فيبدو‬
‫لنا بالغ الغرابة وعصيا على الفهم القول الذي يتحدث عن االسالم كما‬
‫لوكان دين العروبة او الصيغة االلهية لتراثها اال ان يكون تعبيرا عن‬
‫موقف ” خجل” من الجهر بالعداوة لإلسالم دينا وتراثا ‪.‬‬
‫هذا مثال من االخطاء التي يؤدى اليها التوحيد بين العروبة والقومية‬
‫في الداللة ‪ .‬وثمة امثلة كثيرة اخرى ‪ .‬منها موقف الدول العربية جملة‬
‫وفرادى بدون تفرقة بينها ‪ .‬انها جميعا قائمة على ارض لوطن العربي‬
‫‪ ،‬ويكون مجموع مواطنيه جملة الشعب العربي ‪ ،‬فهي مؤسسات ”‬
‫عروبية ” ال شك في هذا ‪ ..‬وبه يمكن ان تفهم داللة االخوة العرب ‪،‬‬
‫والدول العربية الشقيقة ‪ ..‬لكنها جميعا وبدون استثناء واحد دول غير‬
‫قومية ‪ .‬انها تجسيد سيأسى لتجزئة الوطن العربي الواحد ‪ .‬من اين‬
‫جاءت ” فكرة ” وحدانية الوطن ؟ من وحدة االمة كتكوين بشرى ‪،‬‬
‫أي من القومية ‪ ،‬فالقومية تتضمن في داللتها وحدة الشعوب ‪ ،‬ووحدة‬
‫الوطن ‪ ،‬ووحدة الحضارة التي صنعتها وحدة التاريخ ‪.‬يرحب القوميون‬

‫بكل تفاهم او تقارب او تضامن بين ” االخوة العرب” او بين ” الدول‬
‫العربية الشقيقة “‪ ،‬ويدافعون عن العرب افرادا ضد القهر الداخلي‬
‫والعرب دوال ضد العدوان الخارجي النهم يدافعون عن الشعب القومي‬
‫الموزع افرادا بين الدول العربية ‪ ،‬والوطن القومي الموزع اقطاعا بين‬
‫الدول العربية ولكن القوميين ال ينحازون ألية دولة عربية ضد اية دولة‬
‫عربية اخرى ‪ ،‬الن معارك الدول العربية فيما بينها حفاظا لوجودها او‬
‫حدودها التهم في ذاتها أي قومي ‪.‬‬
‫المثال االكثر تأكيدا لضرورة االنتباه الى التفرقة في المواقف واالفكار‬
‫بين العروبة والقومية يتعلق بقضية فلسطين ‪ .‬فمنذ عام ‪ 1491‬وجزء‬
‫من ارض فلسطين قد اغتصبه الصهاينة عنوة ‪ .‬ومنذ ‪ 1491‬اغتصبوا‬
‫ما بقي من ارض فلسطين وزادوا عليها فاغتصبوا سيناء والمرتفعات‬
‫السورية ‪ .‬ان كثيرا من ” العروبيين ” دافعوا عن فلسطين قبل ان‬
‫تغتصب ارضا ‪ ،‬ويدافعون عنها االن سياسيا ودعائيا بل ونقول ان كل ”‬
‫ابناء العروبة ” ـ معدا الخونة ـ يدافعون عن فلسطين ‪ .‬اال يقال انها‬
‫قضية العرب المركزية ؟ بلى ‪ .‬اين الفارق اذن بين الدفاع عن فلسطين‬
‫من موقف قومي ‪ ،‬والدفاع عنها من موقف عروبي ؟‪.‬‬
‫الفارق ان العروبي يدافع عن فلسطين انحيازا الى ” الفلسطينيين” ضد‬
‫الصهاينة ‪ ،‬او دفاعا ضد مخاطر التوسع الصهيوني الى ارضه ‪ ،‬او‬
‫تفاديا لسيطرة الصهاينة اقتصاديا و ماليا على اقتصاده او ماله ‪ ،‬او‬
‫انقاذا لبيت المقدس اول القبلتين وثاني الحرمين ‪ ،‬او حتى تخلصا من‬
‫عبئ االنحياز الى الفلسطينيين الالجئين بتسكينهم جزءا من ارض‬
‫فلسطين ‪ ..‬وطبيعي ان االهداف النهائية لهؤالء العروبيين تختلف تبعا‬
‫الختالف مواقفهم فبعض العرب يقبلون الوجود الصهيوني في فلسطين‬
‫‪ ،‬وبعضهم يناضل من اجل تقسيم فلسطين مع الصهاينة ‪ ،‬وبعضهم يقبل‬
‫ما يقبله العرب المطرودون من فلسطين‪ ،‬وبعضهم يقبل مبادلة ارض‬
‫فلسطين بالسالم مع الصهاينة ‪ ..‬كل هذه مواقف عروبية ‪ ،‬وكلها عند‬
‫القوميين عار عربي ولكنه على أي حال ليس عارا قوميا اال ان يكون‬
‫عار الصبر على هؤالء العروبيين اذ القومي ال يقبل الوجود الصهيوني‬
‫فى فلسطين ‪ ،‬وال يقبل مبادلة ارض فلسطين بالسالم الصهيوني ‪ ،‬وال‬

‫يعترف بان من حق احد ان يتنازل عن شبر واحد من ارض فلسطين‬
‫لسبب بسيط هو ان القومي يتعامل مع ارض فلسطين باعتبارها جزءا‬
‫من وطنه هو ‪ ،‬وطنه القومي الذى ال يملك حتى هو ان يتنازل عن شبر‬
‫منه ‪..‬‬
‫وما هذه اال أمثلة ” عامة ” ‪..‬‬
‫اما االمثلة الخاصة بآراء الشيخ فضل الله في العروبة والقومية ‪،‬‬
‫ومدى نصيبها من الخطأ والصواب ‪ ،‬ومرجع الخطأ والصواب فيها‬
‫فتحتاج الى مداخلة مستقلة ‪.‬‬
‫للحديث ـ اذن ـ بقية ‪...‬‬
‫القاهرة ‪ 11 :‬اكتوبر ‪. 1411‬‬

‫***‬
‫(‪)2‬‬

‫حينما قال الشيخ محمد حسين فضل الله ” العروبة قومية ” لم يعد ثمة‬
‫أي وجه لينسب اليه انه يستعمل كلمة ” العروبة ” بداللتها السابقة‬
‫على التكوين القومي العربي ‪ ،‬أي بداللتها االسرية او العشائرية او‬
‫القبلية او الشعوبية ‪ .‬ويصبح حقا له ان تؤخذ كلمة العروبة في أي‬
‫موضع استعملها على انها تعني القومية العربية ‪ .‬ولكن هذا ال يعني ان‬
‫يكون من حق احد ان يسند اليه مفهوما معينا للقومية لم يصرح هو‬
‫به ‪ .‬ثم انه حينما قال فضيلته ان العروبة او القومية اطار لوضع‬
‫بشرى يجمع فريقا من الناس وانها داخلة في تكوينه الذاتي الذي ال‬

‫يستطيع ان يخرج منه ‪ ،‬فقلنا ان فضيلته ونحن على مذهب واحد في‬
‫القومية فان هذا الفهم المشترك لظاهرة القومية كواقع بشري غير‬
‫اختياري ال يعني اننا متفقان على مفهوم القومية الذي عبر عنه في‬
‫حديثه ‪ .‬بالعكس ‪ .‬اننا مختلفان جذريا في هذه الجزئية ‪ .‬هذا الخالف‬
‫هو موضوع هذه المداخلة في الحوار ‪ .‬سنبين كيف ان فضيلة الشيخ‬
‫قد اسقط االثار الحتمية للقومية كما عرفها ‪ .‬نقول الحتمية أي التي ال‬
‫تتوقف على اختياره وارادته ‪ .‬فتركنا ‪ ،‬نحن قراء الحديث ‪ ،‬أمام‬
‫معضلة منطقية ‪ .‬ان اخذنا بالمقدمات التي طرحها فضيلته أصبح محاال‬
‫ان نقبل النتائج التي انتهى إليها ‪ .‬وان قبلنا ما طرحه كنتائج استحال‬
‫علينا اكتشاف العالقة بينها وبين المقدمات ‪ ،‬بل استحال علينا ان نفهم‬
‫لماذا يتبنى فضيلته تلك المقدمات ‪ ..‬لماذا ـ مثال ـ يقول ان العروبة‬
‫قومية وانها واقع دخل في تركيب ذاته ال يستطيع ان يخرج منه ثم يقول‬
‫ان ليس لها مضمون يمآل فكره ‪.‬‬
‫على أي حال نتمنى ‪ ،‬وسنحاول ‪ ،‬ان يكون الحوار سهال ‪ .‬ذلك ألننا اذا‬
‫قلنا فيما بعد لقد اخطأ الشيخ فضل الله في بعض ما قاله في العروبة‬
‫فإننا ال نحاكم قوله بل نرد اليه قضية اثارها ونحتكم فيما قاله الشيخ او‬
‫فيما لم يقله عن مسائل منهجية او تفصيلية الى ما قاله عن القومية‬
‫كهوية ثم نكمل من مصادر العلم ما لم يقله ليكون كل القول قابال للفهم‬
‫‪.‬‬
‫قال الشيخ عن العروبة ” ‪ :‬اننا نعتبر العروبة حالة فكرية ” و” ان‬
‫العروبة لم تكن حركة تحمل مضمونا محددا يمآل فكر االنسان العربي ”‬
‫و” مسلمون عرب على اساس ان ال تكون صفة العروبة داخلة في‬
‫المعنى الفكري” و” كيف يمكن ان تكون العروبة فكرة الى جانب‬
‫االفكار” و” العروبة هي شعب ‪ .‬هي ناس ‪ .‬الناس ليسوا فكرة ‪ .‬الناس‬
‫يحتاجون الى فكر “…‪ .‬الخ ‪ .‬إن أول ما يلفت في هذا القول المنهج‬
‫”المثالي” المفرط في فرديته حتى انه ال يتوقف عند سنن الله التي‬
‫تربط حركة الظواهر حتما ثم ال تتبدل ‪ .‬فها هو الشيخ محمد حسين‬
‫فضل الله يقدم لنا العروبة كواقع ‪ .‬ظاهرة ‪ .‬جزء من الكون ‪ .‬شعب ‪.‬‬
‫ناس ‪ .‬ويبلغنا بانها ليست فكرة ‪ .‬وقد كان المتوقع ان يقول لنا لماذا‬

‫ال تكون القومية فكرة لنعرف ـ على االقل ـ كيف تكون القومية في‬
‫عقله المدرك وهو ” يتفكر ” فيها فيدرك انها واقع من ناس فينقلها‬
‫الى القراء بعد ان يرمز اليها بكلمات منشورة ‪ .‬او كيف يكون الناس‬
‫وهم يطيعون الله فيتفكرون في” انفسهم ” ( الروم ‪ . )1 :‬الناس هنا‬
‫هم المتفكرون وهم موضوع التفكر ففي أي الحالتين كانوا فكرة ‪ .‬او‬
‫لنعرف ما الذى يقصده ” بالفكر” على وجه التحديد لعله ان يكون قد‬
‫حل تلك المعضلة الفلسفية التي لم تحل منذ ثالثة قرون من الجدل‬
‫الفلسفي ‪ ..‬المهم ‪ ،‬اننا نتوقع ممن يقول لنا ” هذه امة ” وهي” قومية‬
‫” وهي ” واقع” وهي ” ناس” ولكنها ليست فكرة ‪ ،‬ان يقول لنا لماذا‬
‫؟ ال ان يبلغنا حكم اصدره منفردا على ظاهرة طبيعية او ظاهرة بشرية‬
‫بانها ليست فكرة وليست متضمنة في فكرة كما لو كان يملك على‬
‫ظواهر الكون سلطانا واستغفر الله ‪ .‬الم نقرأ له صيغة االمر على‬
‫االشياء ان تكون كما يريد ‪ .‬ال تهم ماهية العروبة كما هي واقع الن‬
‫فضيلته ال يعتبرها فكرة ‪ .‬انه مسلم عربي بشرط اال تكون العروبة‬
‫داخله في المعنى الفكري … لقد كان السلف الصالح من االئمة‬
‫يبدعون مجلدات من الفكر البديع ثم يقولون في النهاية ” الله اعلم ” ‪،‬‬
‫فما ضر الشيخ فضل الله اال يكون محيطا بماهية الفكر او بماهية‬
‫القومية وان يكتفى بما قاله ” كيف يمكن ان تكون العروبة فكرة الى‬
‫جانب االفكار …” انه سؤال الى أهل الذكر يستحق الجواب في أي‬
‫حوار جاد لوال ان سبقه رفض ألي جواب ‪.‬‬
‫نتغاضى عن الرفض ليبقى الحوار متصال ‪ ،‬ونتساهل مع التساهل في‬
‫استخدام كلمة ” الفكر” ونأخذ بمدلولها كما يبدو من حديثه انه يقصده‬
‫‪ .‬فهو يتحدث عن ” مضمون الفكر الذي تتحرك القيادة في ضوئه ”‬
‫ألنه ” من الناس الذين يحاولون ان يتحركوا فكريا ” و” الناس‬
‫يحتاجون الى فكر يحرك العناصر المبدعة والعناصر القومية لكي‬
‫تنطلق ‪ ”..‬انه يقصد بالفكر ـ اذن ـ العقيدة او المذهب او النظرية‬
‫التي تحدد الغاية او الغايات التي يتحرك الناس من اجل تحقيقها في‬
‫الواقع ‪..‬‬

‫قياسا على هذا قال ان العروبة ليست فكرة ‪ .‬يعني ان العروبة او‬
‫القومية ليست عقيدة وال مذهبا وال نظرية تحدد الغاية او الغايات التي‬
‫يتحرك العرب من اجل تحقيقها في الواقع ‪ .‬انها واقع وهوية ‪.‬‬
‫وهذا حق ال شك فيه ‪.‬‬
‫الم نقل اننا وهو على مذهب واحد في القومية ؟‬
‫كل ما في االمر هو ان ” القومية العربية ” ان لم تكن عقيدة او مذهبا‬
‫او نظرية ‪ ،‬اال انها تؤثر ايجابيا في كل االفكار ( العقائد والمذاهب‬
‫والنظريات ) القادرة على ان تقود الشعب العربي ‪ ،‬القابلة للتحقق في‬
‫الوطن العربي ‪ .‬ومن هنا يمكن القول ان القومية العربية تلعب دورا‬
‫اساسيا في نجاح او فشل المشروعات الفكرية المعدة لصيغ الحياة في‬
‫الوطن العربي ‪ .‬وهو ما يعني تماما ان كل ” االفكار والمشروعات”‬
‫المضادة للقومية العربية مصيرها الى الفشل مهما حسنت نوايا‬
‫اصحابها ومهما بذلوا في سبيلها من جهد ‪ .‬ونماذجها الصارخة االفكار‬
‫االقليمية التي تقود الناس لتحقيق مشروعات تحرر او تقدم او‬
‫ديموقراطية في الدول العربية ‪ .‬كل الدول العربية ‪ .‬ومثل القومية‬
‫العربية في هذا مثل اية قومية اخرى ‪ .‬مثل تأثير أي واقع في أي فرد‬
‫قادر على قيادة الواقع وقابل للتحقق فيه ‪ .‬مثل توقف نجاح او فشل أي‬
‫مشروع لصياغة الواقع ‪ ،‬أي واقع ‪ ،‬على مالئمة المشروع لخصائص‬
‫ذاك الواقع ‪.‬‬
‫لو كنت حاضرا الحوار لطلبت من الشيخ فضل الله ان يدلني من تاريخ‬
‫البشر ‪ ،‬كل البشر ‪ ،‬على ” فكرة” غير متأثرة بواقع ‪ ،‬وان يدلني على‬
‫فكرة ـ أي فكرة ـ خارج عقل االنسان ‪ ،‬وكان ال بد لنا من ان نتفق‬
‫على ان كال من المطلبين محال ‪ .‬حينئذ كنت سأجيبه عن السؤال ‪ :‬كيف‬
‫يمكن ان تكون العروبة فكرة الى جانب االفكار؟‬
‫الجواب هو ان ” العروبة ـ القومية ” تصوغ العرب وتنقل اليهم‬
‫خصائصها حتى قبل ان تكتمل فيهم ملكة التفكير ( قبل سن التمييز )‬
‫اوال ‪ ،‬ثم تحدد لهم ابعاد افكارهم فى الزمان والمكان ثانيا ‪ ،‬ثم تساهم‬

‫في تحديد مضامين تلك االفكار ثالثا ‪ ،‬ثم توقع بمن يخرج عليها فكرا‬
‫عقوبة الفشل رابعا ‪.‬‬
‫وفيما يلي ايها الشيخ العربي تفصيل الجواب مختصرا ‪.‬‬
‫اوال ‪ :‬قلت فأحسنت القول ان صفة العروبة ” داخلة في المعنى‬
‫الواقعي الذي يتميز بخصائص وعناصر مثل ما تتميز به أي قومية‬
‫اخرى ” ‪ ”,‬ان كلمة شعوبا وقبائل لتعارفوا معناها ان كل واحد ينقل‬
‫تجربته للطرف االخر ليحاول ان يستفيد منها حتى يكون هناك تفاعل‬
‫بين الخصائص ” و” ان االسالم ال يلغي خصوصيتك الذاتية ” و”‬
‫خصوصيتك تعني فكرك ” ‪ ”,‬انا مسلم اتحرك في الساحة العربية‬
‫بصفتي االسالمية … بما ال يبتعد بالعروبة عن خصائصها الذاتية ” و”‬
‫القومية العربية تختزن في تراثها االسالم ” …‪ .‬الخ“ ‪.‬‬
‫عظيم ‪ ،‬ما هي هذه الخصائص ؟‪.‬‬
‫لم تقل انت ولن اقول انا اذ ال حصر للخصائص المميزة لكل امة عن‬
‫االمم االخرى المتميزة هي بدورها بخصائصها ‪ .‬وهناك بضعة علوم‬
‫متقدمة تعنى بدراسة تلك الخصائص ‪ .‬علم تاريخ االنسان ‪ ،‬وعلم‬
‫الحضارة ‪ ،‬وعلم الحضارات المقارن وكلها تسمي التمايز " تمايز‬
‫حضاري " ( وفى بعض المراجع يسمونه " تمايز ثقافي " ) ‪ ..‬ال يهمنا‬
‫اال التذكير بان بضعة علوم متقدمة تؤيد قولك بان لكل قومية‬
‫خصائصها المميزة وتسمية تمايزا حضاريا ‪ .‬يهمنا حقا ما يترتب على‬
‫هذا ‪ .‬ومن اجله ننتقل الى حقول العلوم االجتماعية والنفسية لنعرف‬
‫من هناك تأثير كل حضارة في ” شخصية ” المنتمين اليها ‪ .‬فنجد يا‬
‫موالنا عجبا ‪ .‬نجد ان تلك العلوم تقرر باإلجماع ( واسألوا اهل الذكر ان‬
‫كنتم ال تعلمون ) ان الهيكل االجتماعي األساسي للشخصية يتكون من‬
‫مجموعة من الضوابط الذاتية أي الداخلة في تكوين الشخصية ذاتها (‬
‫كما قلت عن العروبة ) التي تتحكم وتحدد لكل فرد موقفه واتجاهه‬
‫وسلوكه في مواجهة الغير من االشياء والظواهر ولناس ‪ ،‬وان‬
‫المجتمع هو مصدر تلك الضوابط ‪ ،‬وانه يدس بذورها في نفس الطفل‬
‫وهو بعد كائن بيولوجي لم يميز حتى ذاته ‪ ،‬ثم يتابع الطفل في نموه‬

‫الفسيولوجي والعقلي داسا في تكوينه بذور ضوابطه بذرة بذرة ‪،‬‬
‫راعيا لها ومنميها ‪ .‬حتى اذا ما بلغ الطفل اشده واكتمل تكوينه كان‬
‫ذلك الكائن الذي خلقه الله انسانا قد خلقه المجتمع شخصية متميزة‬
‫عن غيره من بني االنسان بما يميز مجتمعه من خصائص حضارية‬
‫‪ .‬فنقول ـ تطبيقا ـ حين يبلغ الطفل لعربي أشده ويكتمل تكوينه‬
‫يكتشف انه متميز بانه ” عربي” ال يدرى كيف ‪ .‬العلماء يدرون‬
‫فيقولون ” الطفل ال ينتقي أساسا اال ما يعتبر من اساسيات حضارة‬
‫مجتمعه مقودا في ذلك باللغة التي خلقها أسالفه االقدمون للتعبير عن‬
‫تلك األوجه المنتقاة من العالم ‪ ،‬ورث الطفل السوي من مجتمعه ايضا‬
‫عددا كبيرا من المعتقدات المتعلقة بما انتهى الى اكتشافه من اشياء ‪.‬‬
‫وسيبقى الطفل حامال تلك المعتقدات طوال حياته كلها بدون تساؤل‬
‫عن صحتها ‪ ،‬وال حتى بحث كيف اصبحت معتقداته “ ‪.‬‬
‫ولكن أي مجتمع ؟‬
‫مجتمع العشيرة في الطور العشائري ( ثمة حضارات عشائرية ) او‬
‫مجتمع القبلية في الطور القبلي ( فثمة حضارات قبلية ) او مجتمع‬
‫االمة في الطور القومي كما هو الحال بالنسبة المتنا العربية حيث‬
‫حضارتنا حضارة قومية ‪.‬‬
‫وهكذا نرى ‪ ،‬يا شيخ فضل الله ان العربي على السجية ‪ ،‬بدون تغريب‬
‫او بدون تخريب ‪ ،‬لن يختار من االفكار اال ما يتفق مع هويته العربية‬
‫القومية ‪ ،‬بدون ان يعرف حتى لماذا اختار هذه االفكار بالذات ‪ ،‬او ما‬
‫معنى الهوية او ما معنى القومية ‪ .‬وانك لترى آية هذا في ثالثة اجيال‬
‫من اطفال العرب ما ان يكتملوا شبابا حتى يقاتلوا الصهاينة من اجل‬
‫استرداد فلسطين مع انهم الهم وال آباؤهم وال اجدادهم رأوا فلسطين او‬
‫يأملون في رؤيتها او لهم مصالح فيها ‪..‬انهم اطفال بسطاء العرب في‬
‫القرى العربية من موريتانيا حتى الخليج ومن جنوب السودان حتى‬
‫شمال سورية ‪ ..‬البعيدون عن بؤر التخريب في عواصم الدول العربية ‪.‬‬
‫انهم العرب على السجية ‪ .‬الذين صاغتهم االمة قوميين فما يفكرون اذ‬
‫يفكرون اال قوميا ‪ .‬الذين ما يزالون يحلمون بالوحدة العربية بدون ان‬

‫يعرفوا من العلم انهم ينزعون الى الوحدة واعين وغير واعين الن بها‬
‫تتحقق ذواتهم ‪ .‬لقد قلت ان العروبة ” اخذت من االسالم االجواء‬
‫الحميمة ‪ ،‬وأنها ” زحفت ” نحو الماركسية ‪ ،‬وعندما شعرت ان‬
‫الماركسية تختلف في بعض جذورها ” حاولت ان تختار ” ‪ ..‬الم تر يا‬
‫شيخنا انك قد جعلت من العروبة فاعال بإرادة حرة مدركة ‪ ،‬وهو حق‬
‫‪ ،‬ولكن كيف يكون ذلك في الواقع ؟ ‪ ..‬يكون متمثال في ارادة الجماهير‬
‫العربية المتحررة التي تدرك فتفعل على السجية ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬تصوغ ” العروبة ـ القومية ” اذن الشعب العربي الذي يختار‬
‫االفكار التي تقود مسيرته ‪ ،‬ولن يختار ‪ ،‬وهو على السجية ‪ ،‬بدون‬
‫تغريب او تخريب ‪ ،‬اال ما يتفق مع هويته القومية ‪ ،‬ولكن دور القومية‬
‫في صياغة االفكار ال يقف عند حدود هذا التأثير غير المباشر ‪ .‬هناك‬
‫حدود الواقع القومي شعبا ووطنا ‪ .‬وهذا ينطبق على كل قومية ‪ .‬ينطبق‬
‫على القومية العربية والقومية الفارسية والقومية التركية تماما كما‬
‫قلت انت يا شيخ فضل الله ‪ .‬اذن ‪ ،‬فالمشروعات الفكرية ‪ ،‬او االفكار‬
‫القائدة لشعب أية امة لن تكون لها فرصة النجاح ـ أي لن تتحقق في‬
‫الواقع ـ اال اذا كانت متضمنة الشعب القومي كقوة حركة ‪ ،‬والوطن‬
‫القومي كساحة تطبيق ‪ .‬هذا ال يعنى انه محال على مجموعة من االمم‬
‫او القوميات او الشعوب ان تشترك في افكار قائدة لتحقيق مشروع‬
‫مشترك ‪ .‬ال ‪ .‬هذا ممكن بشرط اال يكون انقضاضا ‪ ،‬او انتقاصا من‬
‫المشروع القومي لكل امة ‪ .‬ان تجهيل او تجاهل الشركاء خصائص كل‬
‫شريك كما هو في الواقع هو جهل لن يفيد اصحابه شيئا ‪ .‬وهكذا ترى‬
‫مثال ‪ ،‬القومية كواقع تحدد للفكر القومي الوطن العربي كما هو على‬
‫الطبيعة ‪ ..‬وليس مترا مربعا أكثر من هذا وليس سنتيمترا مربعا اقل من‬
‫هذا ولو كره اعداء االمة العربية ‪ .‬كما تحدد للحركة القومية قواها فهي‬
‫الشعب العربي ال مرتزقة من الخارج وال اعفاء في الداخل ‪ .‬ثم تحدد‬
‫للفكر القومي االعداء واالصدقاء والحلفاء والمؤلفة قلوبهم على‬
‫ضوء مواقفهم من وحدة االمة العربية وسالمة وطنها وشعبها ‪..‬‬
‫وهكذا ‪..‬‬

‫في منتصف الستينات اشتعلت في مصر معركة فكرية ضارية حول‬
‫وصف االشتراكية بانها عربية وكانت المعركة اساسا بين القوميين‬
‫وبين الماركسيين ‪ .‬االولون يصرون على ان توصف االشتراكية التي‬
‫يسعون اليها بانها عربية ‪ ،‬واالخرون يسخرون ويرددون ان ال توجد‬
‫اال اشتراكية واحدة هي االشتراكية العلمية ( يعنون الماركسية ) ‪ .‬ولقد‬
‫كان لي شرف االشتراك في تلك المعركة مدافعا عن ضرورة وصف‬
‫االشتراكية بانها عربية لنقبل اقامتها نظاما في االرض العربية ‪.‬‬
‫انقضت السنون وال احد يتحدث االن عن االشتراكية ‪ .‬لقد عدنا الى‬
‫نقطة البداية ‪ :‬التحرر بعد ان سلبنا الحرية التي كانت قد تحققت ‪..‬‬
‫على أي حال عاد الشيخ فضل الله يسأل “ ‪ :‬ما معنى ان تأخذ‬
‫االشتراكية معناها العربي ؟ ” ‪ .‬ذلك ألنك يا موالنا ال تدري النتائج‬
‫التي تؤدي اليها منطلقاتك الفكرية ‪ .‬من يقول مثلك ان العروبة واقع‬
‫وهوية ال بد يميز االفكار التي تقود الواقع بهوية الواقع ‪ .‬والواقع ان‬
‫المعركة الفكرية التي اشتعلت في الستينات لم تكن دائرة حول‬
‫االشتراكية ‪ ،‬كانت دائرة حول الوحدة المنتكسة بعد االنفصال ‪ .‬كنا نقول‬
‫اشتراكية عربية أي نظاما اشتراكيا في كل الوطن العربي المتجسد في‬
‫دولة الوحدة ‪ ،‬وكانوا يقولون ” تطبيق عربي لالشتراكية ” ليترك لكل‬
‫دولة عربية ان تطبق االشتراكية بدون حاجة الى الوحدة ‪ .‬انه مثال‬
‫لدور القومية في فرض حدود على االفكار‪.‬‬
‫ثالثا ‪ :‬ليس هذا كل ما تؤثر به القومية تأثيرا ايجابيا في االفكار‬
‫والمشروعات ‪ .‬انها تفرض على تلك االفكار عناصر معينة ‪ .‬هذا في‬
‫رايي على االقل ‪ .‬وال بأس بان اقول اننى ـ فيما اعلم ـ انفرد بادعائه ‪.‬‬
‫اقول هذا ألستطيع ان اعبر عن قبولي اية مناقضة ‪ .‬والمسالة ببساطة‬
‫انه الى ما قبل عام ‪ 1491‬كانت كل الدراسات في القومية تنصب على‬
‫وصف االمم وتحديد خصائصها ‪ ،‬وانفرد الماركسيون بطرح السؤال‬
‫لماذا نشأت االمم وقدموا لها سببا سياسيا يتفق مع مصالح‬
‫البورجوازية في وحدة ” السوق” تطبيقا لمنهجهم المادي الجدلي في‬
‫فهم الظواهر ‪ .‬فلما تناولت بالدراسة ظاهرة االمة كان ال بد من‬
‫االجابة على السؤال لماذا نشأت وانتهيت الى ما نشر عام ‪ 1491‬من‬

‫ان االمم تنشأ كآخر مرحلة معاصرة من مراحل تطور تكوين الجماعات‬
‫البشرية من االسرة ‪ ،‬الى العشيرة ‪ ،‬الى القبيلة ‪ ،‬الى الشعب ‪ ،‬الى‬
‫االمة ‪ ،‬وهو تطور لم يحدث اتفاقا بين البشر بل حال لمشكالت حية‬
‫وصراعات وحروب مألت التاريخ في نطاق بحث البشر في كل عصر‬
‫عن حياة افضل ‪ ،‬وبالتالي فان المجتمع القومي (االمة) هو المجتمع‬
‫المشترك الذي يحقق للناس فيه افضل حياة ممكنة ‪ .‬من هنا يفرض‬
‫مفهوم االمة هذا على كل االفكار والمشروعات التي تستهدف صياغة‬
‫الحياة في الوطن العربي ‪ ،‬الحفاظ على وحدته والغاء تجزئته وعدم‬
‫جواز تنازل الشعب العربي او أي جزء من الشعب العربي عن حقه‬
‫القومي في المشاركة في امكانات وطنه القومي وكيفية توظيف تلك‬
‫االمكانيات ‪ ..‬من هنا ال تقبل القومية افكارا ذات مضامين فرديه او‬
‫عشائرية او طائفية او اقليمية وال نظاما يحمي او ينمي تلك االفكار‪..‬‬
‫رابعا ‪ :‬واخيرا فان جزاء الذين ال يفكرون تفكيرا قوميا اال يستجيب‬
‫لهم الواقع القومي فيفشلون وهو جزاء توقعه القومية بما ال يتفق‬
‫معها من افكار‪.‬‬
‫الى هذا الحد تصوغ العروبة االفكار مع ان العروبة ليست فكرة ‪.‬‬
‫وعند هذا الحد نتوقف وبه نكتفي ‪.‬‬
‫فهل من مدكر؟‬
‫القاهرة فى ‪ 21‬كتوبر ‪. 1411‬‬




Télécharger le fichier (PDF)

الاسلام بين العروبة والقومية.pdf (PDF, 478 Ko)

Télécharger
Formats alternatifs: ZIP







Documents similaires


fichier pdf sans nom 1
1 1
2 1
fichier pdf sans nom 1
2