fini 1 .pdf



Nom original: fini-1.pdf

Ce document au format PDF 1.4 a été généré par Adobe InDesign CS5 (7.0) / Adobe PDF Library 9.9, et a été envoyé sur fichier-pdf.fr le 09/11/2017 à 07:45, depuis l'adresse IP 197.27.x.x. La présente page de téléchargement du fichier a été vue 367 fois.
Taille du document: 12.5 Mo (16 pages).
Confidentialité: fichier public




Télécharger le fichier (PDF)










Aperçu du document


‫الجهل المقدس‬
‫المعتقد ‪.‬‬
‫و«خصخصة»‬
‫ُ‬
‫محمد الجاب ّلي‬
‫الملحق الثقافي لجريدة الشعب‬

‫القاضي والمفتي‬
‫والرد‬
‫اسماعيل التميمي ّ‬
‫الوهاب ّية‬
‫على الضاللة ّ‬
‫بقلم‪ :‬ج ّلول ع ّزونة‪.‬‬

‫الخميس ‪ 2‬نوفمرب ‪ - 2017‬املوافق لـ ‪ 15‬صفر ‪ - 1438‬العدد ‪65‬‬

‫الدين والدولة يف الوطن العريب‪.‬‬
‫مالسبيل لتحرير الفضاءين ؟‬
‫حوار مع علية عمرية الصغي‬

‫ما كان خافيا في ثورات الربيع العربي هي اإلرادة الخارجية‬
‫وخاصة إرادة الدولة المتحكمة في العالم‪.‬‬
‫حوار منارات مع محمد الخالدي‪:‬‬

‫السلطة الوحيدة التي أؤمن بها‬
‫وأتعامل معها هي سلطة اللغة‬

‫‪2‬‬

‫الخميس ‪ 2‬نوفمرب ‪ - 2017‬املوافق لـ ‪ 15‬صفر ‪ - 1438‬العدد ‪65‬‬

‫الجهل المقدس‬
‫المعتقد ‪.‬‬
‫و«خصخصة» ُ‬
‫محمد الجابلّي‬

‫بني الحدود الرشعية والحدود الذهنية صالت‬
‫ووشائج‪ :‬منذ قرون ونحن نعاين – كمسلمني‪-‬‬
‫ُ‬
‫أسوارا ذهنية تُس ّيج الوعي الفردي كام‬
‫الوعي الجامعي‪ ،‬العتقادنا أن الحقيقة داخل‬
‫الرشيعة‪ ،‬وأن العقل خادم ملوجبات الرشع‪...‬‬
‫لقد سعى البعض لطرق األبواب دون فتحها‬
‫وكانت ُمحاوالت املعتزلة أوىل تلك الطرقات ‪...‬‬
‫منذ عقود ونحن ندور ضمن الحلقات امل ُفرغة‪،‬‬
‫نُقر العقل دون أن نُوظفه‪ ،‬ونعترب أن الخيال هو من جميل الكذب وزينته‬
‫يف الخروج وامل ُروق‪...‬‬
‫حنطنا مباحث اللغة‪ ،‬وسلبنا الحياة من ُمعجمنا الرتباطه بامل ُقدس العقائدي‪،‬‬
‫وما تكفري صاحب كتاب يف «يف الشعر الجاهيل» إال خ ُري دليل عىل ما نقول ‪...‬‬
‫انبهر رواد حداثتنا بالغرب ونستحرض املقولة الشهرية لرفاعة رافع الطهطاوي‬
‫بعد رحلته إىل فرنسا حني قال ما معناه « وجدت هناك إسالما ومل أجد‬
‫مسلمني ويف مرص وجدت مسلمني ومل أجد إسالما « ويف املقولة اختزال ملعاناة‬
‫الرواد وتطلعهم إىل رضورة التحديث والتجديد انطالقا من ُمعادلة قدمية‬
‫متجددة تصل بني الدين والخري العام للبرشية‪...‬‬
‫إن أكرب ُمعضلة يف اعتقادنا‪ ،‬هي خصخصة امل ُعتقد من خالل ادعاء فرقة تعترب‬
‫نفسها من الفرق الناجية لتخوض غامر األرض مبعادلة السامء‪ ،‬فمنذ حرب‬
‫الخالفة تلك التي شُ حذت فيها السيوف ودُنست فيها املصاحف‪ ،‬سقط قناع‬
‫النقاء أمام التنازع وأحقية الخالفة مبا هي سلطة دنيوية لصالح الفئة دون‬
‫الجامعة‪...‬‬
‫ولو تتبعنا الخيط الواصل يف ذلك التنازع لوجدناه مؤثرا يف تاريخنا القريب‬
‫والبعيد‪ ،‬فكل السلطات تركب املعتقد وتوظفه باعتباره إرثا جامعيا إىل‬
‫حني تجرأ البعض عىل مصادرته كريع خاص يخوض به غامر الحياة مبناقعها‬
‫ومنافعها‪ ،‬ولنا يف الفكر الوهايب خ ُري دليل عىل استغالل ذلك املخزون وتوظيف‬
‫ذلك اإلرث‪ ،‬حيث كان االلتقاء بني الديني والسيايس ُمؤسسا مل ُلك ينطلق من‬
‫«الدرعية» ليتوسع برعاية ذوي املصالح والنفوذ ليكون إمارة ثم مملكة‪...‬‬
‫ويبسط نفوذا من خالل املال واملصالح الخاصة والعامة ثم يتشظى ضمن‬
‫متاس أكيد بني ما يُسمى بالعلمية والجهادية‪...‬‬
‫مقوالت سلفية فيها ّ‬
‫وتلك األرضية هيأت لحراك ُمستجد تشحذه قوى التدافع اإلقليمي والدويل‬
‫ليفرخ اإلخوان املسلمني وما نشأ منهم وعنهم من جبهات وغُرف وقواعد‬
‫وأنصار‪ ...‬بعضها يتقي بالسلم ويُعد ُعدة الحرب وبعضها يخوض غامرها‬
‫لريتبط الحريق بالحريق ضمن عرقلة شاملة لكل ُممكنات النامء والنهوض عرب‬
‫آليات الوعي الوطني مبمكناته املتعددة يف كل األقطار حسب الخصوصيات‬
‫املحلية امل ُتكاثرة‪...‬‬
‫ولنا يف سوريا خ ُري دليل عىل ما أسلفنا‪ ،‬حتى باتت ُمستنقعا للجبهات واألنصار‬
‫واجتمع فيها القتلة من بقاع األرض بعضهم بارتزاق املال وبعضهم بغواية‬
‫الجهل والحقد عىل مسارات حياتية يائسة‪ ،‬ومل يشهد اإلسالم يف تاريخه‬
‫كارثة حاقت به كام الحال يف بالد الشام عرصنا املشهود‪ ،‬كارثة صنعتها دعاية‬
‫إعالمية قاتلة وانعكست ظاللها سلبا ونهبا وخروجا من دوائر االنسانية‪ ،‬كارثة‬
‫خطتها أجهزة استخباراتية تهدف اىل عرقلة املمكنات وأوقدت قوادح امل ُعتقد‬
‫واملذهب يف بيئات يباب وتج ّمعات ُمحبطة تنتظر الفتيل حتى يستعر‪...‬‬
‫ونعتقد أن الحاصل الكاريث هو من مثار اسرتاتيجيات العوملة تلك التي تعتمد‬
‫كرس النواتات التقليدية العاملة يف تجميع الجامعات‪ ،‬النواتات العملية أو‬
‫الرمزية تلك التي تشحن الروح الجامعية لتحقق التالؤم واالنسجام ومن‬
‫أهمها امل ُعتقد‪ ،‬فكان السؤال امل ُعومل كيف ميكن أن نغريه ليتح ّول من عامل‬
‫ائتالف إىل عامل فرقة وتنازع؟؟‬
‫ففي كتابه «األفكار لها نتائج» أشار «رتشارد ويفر» إىل أهم خطط العوملة‬
‫التي تُخظ منذ عقود يف معاهد الدراسات االسرتاتجية‪ ،‬ومن أهمها تغيري‬
‫الصلبة العاملة يف ائتالف‬
‫العامل عرب كرس بؤره الرمزية والروحية واملادية ّ‬
‫الجامعات والعمل عىل إضعافها وكف فعلها‪ :‬منها إضعاف الحكومات وتقوية‬
‫العصابات ‪...‬ورضب املركزيات الظاهرة والخفية يف االقتصاديات التي تحقق‬
‫االستقرار والطأمنينة وخلق بدائل ُمستجدة شديدة التأثري والحركة لتتقبل‬
‫الجديد ضمن االستسالم لعقلية زوال الحدود يف اإلنتاج واالستهالك والطاقة‬
‫لصالح االحتكارات الكربى امل ُسيطرة عىل األقدار وفتح السبيل أمامها ‪...‬‬
‫ونعتقد أن ال نجاة من هذه الحدود إال بتحطيمها‪...‬أن تتحرر الطاقات‬
‫العقلية واإلبداعية معرفة وخياال وأن تخرج من السياج حتى تبدع‪ ،‬ولن يكون‬
‫ذلك إال بإعادة االعتبار للفكر واملعرفة ومنهام التعلم والقدرات واملهارات‬
‫ومن ذلك إعادة اعتبار لإلنسان ومواطنته السليمة امل ُتحللة من عقد املايض‬
‫وإكراهات الحارض‪...‬‬

‫ذكرى رحيل شاعر‬
‫الوطن‪ 9 :‬أكتوبر ‪1934‬‬

‫عاش الشايب محنا ذاتية وموضوعية بني املرض والجحود ووزر املحتلّ ‪...‬لكنه ترك‬
‫يف حياته القصرية بصمة تتجاوز املحلية لترضب يف آفاق االنسانية ‪...‬كلامت خالدة‬
‫تصاعدت من معاناة واعية وعمق رؤية ‪...‬وان عرف بشعره فإن رؤيته النقدية ال تقل‬
‫عمقا عن باقي مدونته وأصدق مثال عىل ذلك محارضته الشهرية "الخيال الشعري‬
‫عند العرب" تلك التي رام القاءها عىل أصدقائه يف مقر الخلدونية لكنه وجده مقفال‬
‫فغادره خائبا ليشكو ذلك الجحود والتجاهل لحديقة البلفيدير بأشجارها وطيورها‬
‫‪"...‬منارات"‬

‫اليوم العالمي للمرأة الريفية‬
‫‪ 15‬أكتوبر‪ :‬متى يلتفت المشرع التونسي إلى‬
‫منتجات قوتنا اليومي ؟؟‬
‫املرأة الريفية هي امرأة عاملة يف املناطق الريفية‪،‬‬
‫يعتمد غالبيتهم عىل املوارد الطبيعية والزراعة‬
‫لكسب عيشهم‪ ،‬ويشكلن أكرث من ربع مجموع‬
‫سكان العامل‪ .‬ويف البلدان النامية‪ ،‬متثل املرأة الريفية‬
‫حوايل ‪ 43‬يف املائة من القوة العاملة الزراعية‪،‬‬
‫وينتجون الكثري من املواد الغذائية املتوفرة‬
‫ويعدونها‪ ،‬مام يجعلهم املسؤولني األساسيني عن‬
‫األمن الغذايئ‪ .‬وإذ وضع يف االعتبار أن ‪ 76‬يف املائة‬
‫من الذين يعيشون يف فقر مدقع‪ ،‬يتواجدون يف‬
‫املناطق الريفية‪ ،‬فأن ضامن وصول املرأة الريفية‬
‫إىل املوارد اإلنتاجية الزراعية يسهم يف خفض الجوع‬
‫والفقر يف العامل‪ ،‬ويجعل املرأة الريفية عنرصا هاما‬
‫لنجاح جدول أعامل التنمية املستدامة الجديد لعام‬
‫‪"...2030‬منارات"‬

‫محور العدد القادم‬

‫محور العدد القادم ‪:‬‬
‫بتجدد اإلستعمار هل تجددت آليات‬
‫المقاومة ؟؟‬
‫البريد االلكتروني ‪manaratculturel@gmail.com :‬‬

‫المدير المسؤول‬

‫نورالدين الطبوبي‬

‫المدير‬

‫أسرة التحرير‬

‫سامي الطاهري‬

‫كمال الزغباني ‪ -‬منتصر الحملي ‪ -‬رشيدة الشارني ‪ -‬حسني عبد الرحيم ‪ -‬سعدية بن سالم‬
‫إشراف وتنسيق ‪ :‬محمد الجابلي‬
‫اإلخراج الفني ‪ :‬محمد كريم السعدي‬
‫السحب ‪ :‬مطبعة دار األنوار ‪ -‬الرشقية ‪ -‬تونس‬

‫املقر ‪ 41 :‬شارع عيل درغوث ‪ -‬تونس ‪ - 1001‬الهاتف ‪ / 71 330 291 - 71 255 020 :‬الفاكس ‪- 71 355 139 :‬‬
‫العنوان االلكرتوين ‪ - manaratculturel@gmail.com :‬الحساب الجاري بالربيد ‪300 - 51 :‬‬

‫‪3‬‬

‫وطن القصيد‬
‫منور صمادح‬
‫أنــت إنسان لـــدى الناس رسول الكلامت‬
‫فتكلــــــم وتألـــــــم ولتمــــت يف الكلامت‬
‫وإذا مـــا عشــــت فيــهم فلتكــــن للكلامت‬
‫شاهــــــد أنت عليهــــم وعليــــك الكلامت‬
‫يهدر الشاعر يف الناس وتحيا الكلامت‬
‫وميوتون بالذكروتبقى الكلـــــــــــــامت‬

‫خمسون عاما على إعدام النجمة‬
‫المتوهجة‬
‫جيفارا ‪ :‬ارنستو تيش جيفارا اغتاله‬
‫العمالء ‪ 14‬اكتوبر ‪ 67‬كان رمزا من‬
‫رموز املقاومة والصمود ‪. .‬ألهم الثوار‬
‫وامتد أثره للمرسح والغناء ‪..‬بل‬
‫للمالعب وصناعات املالبس وااليقونات‬
‫الدعائية ‪..‬إنه العدو األلد لإلمربيالية‬
‫ترك وصايا وأشعارا ومحارضات يف‬
‫الفكر السيايس ‪..‬تربهن ذكراه عىل‬
‫أن الرمز يستعيص عىل املحو ألنه‬
‫مخزون البرشية يعيش مع األنفاس‬
‫ويتجدد كام الرتاب واملياه واألشجار‬

‫لورانس العرب وأحفاده ؟‬
‫توماس إدوارد لورنس (‪ 19 - 1888‬مايو ‪ )1935‬ضابط بريطاين‬
‫اشتهر بدوره يف مساعدة القوات العربية خالل الثورة العربية‬
‫عام ‪ 1916‬ضد الدولة العثامنية عن طريق انخراطه يف حياة‬
‫العرب الثوار وعرف وقتها بلورنس العرب‪ ،‬وقد ُصور عن‬
‫حياته فيلم شهري حمل اسم لورنس العرب عام ‪ .1962‬الحقا‬
‫كتب لورنس سريته الذاتية يف كتاب حمل اسم اعمدة الحكمة‬
‫السبعة‪ ،‬قال عنه ونستون ترششل‪" :‬لن يظهر له مثيل مهام‬
‫كانت الحاجة ماسه له" لقي مرصعه نتيجة سقوطه من عىل‬
‫دراجته النارية يف ‪ 19‬مايو ‪1935‬م ‪..‬ال زال أحفاد لورانس يف‬
‫الخليج العريب ينتهجون النهج القديم يف السعي اىل تفتيت‬
‫ما ميكن تفتيته من بنى األوطان وما حصل يف بالد الشام وما‬
‫يحصل يف اليمن السعيد خري دليل عىل ذلك (منارات)‬

‫الخميس ‪ 2‬نوفمرب ‪ - 2017‬املوافق لـ ‪ 15‬صفر ‪ - 1438‬العدد ‪65‬‬

‫هل الدين للناس أم للدولة ؟‬
‫أبو بكر العيادي‬
‫ارتبط مفهوم السلطة منذ القدم باملقدّس‪ ،‬إذ كان أول شكل من أشكال السلطة السياسية تيوقراطيا‪ ،‬سواء بتأليه العاهل‪ ،‬أو بعاهل يزعم‬
‫أنه مكلف من الرب‪ .‬فقد كان فرعون مثال يزعم أنه معينّ من قبل اآللهة‪ ،‬يحكم مرص باسمها‪ ،‬ويضع نفسه يف مقام أعىل من عامة البرش‪.‬‬
‫وكان إمرباطور الصني يُنظر إليه كوسيط بني السامء واإلنسان واألرض‪ ،‬ويدعي أنه ال يستطيع أن يأيت أمرا دون تكليف من السامء‪ .‬كذلك‬
‫امللوك الذين تعاقبوا عىل فرنسا من ‪ 987‬إىل ‪ ،1789‬تاريخ اندالع الثورة الفرنسية‪ ،‬فقد كانوا هم أيضا يزعمون أنهم يحكمون باسم الرب‪.‬‬
‫ومل يش ّذ العرب عن تلك القاعدة‪ ،‬إذ قالوا منذ بداية العرص األموي بالجرب الديني‪ ،‬وسار عىل نهجهم العباسيون يف اعتبار الخالفة قضاء من‬
‫القضاء‪ .‬ولكن مل تكن طريق الحاكم باسم الرب دامئا سالكة‪ ،‬فقد حفل التاريخ بالصدام بني الالئيك ‪ laikos‬والديني ‪ klerikos‬منذ اإلمرباطور‬
‫الروماين ماركوس أوريليوس (‪ )121-180‬واملسيحيني األوائل الذين رضوا بحكمه واعرتضوا عليه خليفة للرب عىل األرض‪ ،‬ثم الربوتستانت‬
‫خالل الحروب الدينية‪ ،‬وكانوا ينادون بحقهم يف اعتناق ديانة غري دين امللك‪ .‬وأخريا الثورة الفرنسية‪ ،‬التي رأى بعض املؤرخني يف دعوتها‬
‫إىل العلامنية حربا موجهة باألساس ضد رجال الدين‪ .‬وظلت األساطري الثقافية والرسديات العقدية مع ذلك محافظة عىل استمراريتها يف‬
‫الالوعي الجمعي‪ ،‬تحمل يف طياتها فكرة الله‪ ،‬ومهام كان متثلنا للسلطة السياسية فإنها تحتفظ دامئا بداللة دينية‪.‬‬
‫ورغم التنظريات املتعددة‪ ،‬منذ جون لوك وديدرو وفولتري ومن حذا حذوهم‪ ،‬فإن للعلامنية عرب العامل أوجها متعددة ميكن إجاملها يف ثالثة مناذج تتوسل بها أنظمة دميقراطية‪:‬‬
‫منوذج الفصل بني الدين والدولة كام هو قائم يف فرنسا والواليات املتحدة واملكسيك‪ ،‬وإن بأمناط وفلسفات مختلفة‪ .‬منوذج إقرار الدولة بالدين كام يف أملانيا‪ .‬ومنوذج دين‬
‫الدولة‪ ،‬كام يف الدامنارك‪ .‬ولنئ استطاعت فرنسا فصل الدين عن الدولة بداية من الجمهورية الثالثة التي شنت حربا ال هوادة فيها عىل املؤسسة الدينية‪ ،‬حتى صدور قانون‬
‫‪ ،1905‬الذي حرص الدين يف الكنيسة ال يتعداها ومنع عنه املجال السيايس‪ ،‬فإن دوال غربية أخرى مل تعرف مثل هذا الفصل‪ .‬فأملانيا التي تُع ّد مركز الثقل يف االتحاد األورويب‬
‫وأكرث أعضائه انفتاحا وتسامحا‪ ،‬ال تستجيب ألهم مبدأ من مبادئ ال َعلامنية‪ ،‬ونعني به فصل الدين عن الدولة‪ ،‬وإن ورد يف الدستور منذ عام ‪ ،1949‬فالعنرص الديني حارض منذ‬
‫الديباجة‪" :‬إن الشعب األملاين‪ ،‬خالل مامرسته لسلطته التأسيسية‪ ،‬إذ يدرك مسؤوليته أمام الله والبرش‪...‬إلخ"‪ ،‬والفصل بني الفضاء املدين والفضاء الديني هو مجرد فص ٍل شك ّيل‪،‬‬
‫فالكنائس املسيحية (بروتستانتية بنسبة ثالثة أرباع) هي عبارة عن مؤسسات لخدمة الصالح العام‪ ،‬متارس السياسة‪ ،‬وتنشئ املدارس الخاصة واملستشفيات ومراكز تكوين رجال‬
‫األمن‪ ،‬وتفرض رضائب عىل دخل أتباعها تبلغ ُعرش أجورهم‪ ،‬وتوجه الرأي العام عرب وسائل إعالمها‪ ،‬وتتدخل يف شؤون البالد االقتصادية وحتى يف توجيه سياستها الخارجية‪ .‬بل‬
‫إن الكنيسة اإلنجيلية‪ ،‬مبا لها من قوة مالية‪ ،‬تعترب من كبار أرباب العمل‪ ،‬كام أن القادة‪ ،‬من رئيس الدولة‪ ،‬إىل املستشارة أنجيال مريكل‪ ،‬ال يخفون تديّنهم‪ .‬وقس عىل ذلك دوال‬
‫أوروبية أخرى جعلت املعتقد ديانة رسمية كالكاثوليكية يف إيرلندة واألرثوذكسية يف اليونان واللوثرية يف الدامنرك والرنويج واألنغليكانية يف إنكلرتا‪ .‬فالدين حارض يف مؤسسات‬
‫الدولة‪ ،‬بشكل أو بآخر‪ ،‬سواء يف مامرسة السلطة عرب أحزاب الدميقراطية املسيحية‪ ،‬أو يف تدبري شؤون املجتمع (كالحالة املدنية مثال)‪ .‬ورغم ذلك‪ ،‬استطاعت تلك البلدان أن‬
‫تضمن املبادئ التي ال تكون الدولة دميقراطية إال بها‪ ،‬أي حرية الضمري واملعتقد‪ ،‬وحرية التعبري‪ ،‬ومساواة األفراد أمام القانون أيّا ما تكن معتقداتهم وقناعاتهم‪ ،‬فضال عن‬
‫التعددية والتداول عىل السلطة‪ .‬وما من عاقل ميكن أن يصف تلك الدول بالتيوقراطية‪.‬‬
‫وغني عن القول إن ال َعلامنية ليست نفيا لوجود الله وال صن ًوا للكفر واإللحاد‪ ،‬كام يشاع يف بالد العرب‪ ،‬وإمنا هي مذهب فكري ينترص لتحييد مؤسسات الدولة‪ ،‬ويدافع‬
‫ّ‬
‫عن منظومة تكون فيها املؤسسات الدينية مستبعدة من مامرسة‬
‫السلطة السياسية واإلدارية‪ .‬أي أنها ترشع للفصل بني الدين والدولة‪،‬‬
‫دون أن تلغي الدين من حياة الناس‪ ،‬وحتى من شعائر الدولة كام‬
‫أسلفنا‪ .‬ذلك أنه من الصعب أن تتغاىض السلطة السياسية عن اإلرث‬
‫الديني ألمة من األمم‪ ،‬فقد ظل الدين والسياسة متالزمني وإن بنسب‬
‫متفاوتة‪ ،‬كام يف علامنية النظام البورقيبي‪ ،‬التي أخذها عن مثله األعىل‬
‫مصطفى أتاتورك‪ ،‬وكان الزعيم الرتيك قد فرض منذ سقوط اإلمرباطورية‬
‫العثامنية عام ‪ 1924‬منوذجا علامنيا استوحاه من األنوار ومن املاسونية‬
‫الفرنسية‪ ،‬ينص عىل أن اإلسالم هو دين الدولة‪ ،‬وبعث "مكتب الدولة‬
‫الرتيك لشؤون املعتقدات" (ديانات) كانت مهمته تعيني األمئة وتحرير‬
‫الخطب التي يلقونها يف املساجد يوم الجمعة‪ .‬وقد عدّها املؤرخون‬
‫علامنية توجيهية فوقية تفرض التعاليم بقرارات شخصية‪ ،‬دومنا‬
‫استشارة‪ ،‬شأن بورقيبة من بعده‪ .‬وما زالت املؤسسات الدينية الرسمية‬
‫يف سائر البلدان العربية واإلسالمية‪ ،‬سواء املحا ِفظة منها أو من تدعي العلامنية‪ ،‬خاضعة ألهواء الحاكم‪ ،‬فإن سطّح األرض سطّحته‪ ،‬وإن ك ّورها ك ّورته‪ ،‬كام يف مثال حق املرأة‬
‫السعودية يف قيادة السيارة‪ .‬فوجود تلك املؤسسات يكاد ينحرص يف إضفاء رشعية دينية عىل خيارات الساسة‪ ،‬وتأويلها بفتاوى توهم باستجابتها للرشيعة‪ .‬واملعلوم أن اإلفتاء‬
‫الذي ظهر يف العهد األموي عندما فقد املسلمون الثقة يف طبقة حاكمة اتسم عهدها بالتفسخ والفساد اإلداري فصاروا يلجؤون إىل أهل الحديث لتفسري ما يلتبس عىل الفهم‬
‫رشع به ما قد يصدم إميان املؤمنني‪ ،‬مع الحرص عىل عدم الغلو يف مخالفة التقاليد واألعراف يف بعض املجتمعات‬
‫من أمور دينهم ودنياهم‪ ،‬تح ّول تدريجيا إىل أداة بيد السلطة ت ّ‬
‫املتزمتة‪.‬‬
‫بعد تجربة اإلخوان يف مرص وتونس‪ ،‬ومرشوعهم الرجعي الذي يسعى إىل تحويل الدين إىل أيديولوجيا يحكمها منطق القوة والغلبة‪ ،‬ودعاتهم الذين يباهون باإلعجاز العلمي‬
‫للقرآن وهم أعجز عن صنع إبرة‪ ،‬ويكابرون بخري أمة أخرجت للناس والحال أنها خارج الدورة العلمية ومبتكراتها منذ قرون‪ ،‬من السهل أن يرفع املثقفون العرب عقريتهم‬
‫بالدعوة إىل فصل الدين عن الدولة عىل املنوال الفرنيس بخاصة‪ ،‬ولكن "ما نيل املطالب بالتمني" كام يقول شوقي‪ .‬يف حديث ملجلة "الجديد" اللندنية كان جالل صادق العظم‬
‫قد رصح قبيل وفاته‪" :‬ليس للدولة دين‪ ،‬الدين للناس"‪ ،‬لكون الدين يف نظره يسكن كائنا ذا عواطف وأحاسيس‪ ،‬بينام الدولة عبارة عن مؤسسات خالية من األحاسيس الرضورية‬
‫للوازع الديني‪ .‬وقال رضا الشنويف بعد صدور كتابه "تونس الدين أو الدولة"‪ :‬إن "الفصل بني التيولوجيا والدولة ضامنة إجرائية ضد استبداد األشخاص الطبيعيني" ألن "الخلط بني‬
‫التيولوجيا والدولة يؤذي الدين فيَفقد روحانيتَه‪ ،‬ويؤذي الدولة فتفقد حيادَها‪ ".‬وهذا يف املطلق ال جدال فيه‪ ،‬بيد أن هذا الفصل الذي ينافح عنه املفكران السوري والتونيس‬
‫وسواهام ال ميكن بلوغه يف مجتمعات ذات جذور دينية ضاربة يف القدم ما مل تسبقه قراءة علمية للرتاث العريب اإلسالمي تستفيد مام يستجيب للراهن‪ ،‬وتستبعد ما تقادم مبرور‬
‫الزمن‪ ،‬مع مراجعة النص الديني بفكر عقالين يؤمن بالنسبية وينبذ الدغامئية‪ ،‬للتمييز بني ما ميثله من قيم أخالقية وروحية وإنسانية‪ ،‬وهي قيم متواصلة يف الزمان واملكان‪،‬‬
‫وبني الترشيعات التي جرى وضعها عىل امتداد التاريخ اإلسالمي‪ ،‬للتعاطي معها كأجوبة ملسائل متصلة بزمنها‪ ،‬وال ميكن إسقاطها عىل زمننا الحايل‪ ،‬حتى ال تحتكم الدولة يف‬
‫سن ترشيعاتها أو إصدار أحكامها إىل مرجعية دينية تجاوزها الزمن‪ ،‬بل إىل قوانني وضعية تناسب مجتمعاتها وتستجيب ملقتضيات العرص‪.‬‬
‫لقد كانت املجتمعات األوروبية خاضعة للدين خضوع املجتمعات اإلسالمية لدينها‪ ،‬ومل تكن الكاثوليكية أكرث ترحيبا بالتقدم العلمي والنمو االقتصادي من اإلسالم‪ ،‬وال أكرث رضا ًء‬
‫الديني"‪ ،‬أي بأن يكون لقيرص ما لقيرص‪ ،‬ولله ما لله‪ ،‬عمال بشعار كان يرفع يف فرنسا‬
‫بفصلها عن السياسة منه‪ .‬ولكن أوروبا‪ ،‬يف معظمها‪ ،‬مل تحقق نهضتها إال بـ"الخروج من ّ‬
‫الديني‪ ،‬بل حرصه يف موقعه‬
‫عند إعالن الفصل بني الكنيسة والدولة‪" :‬املعلّم يف املدرسة‪ ،‬والراهب يف الكنيسة‪ ،‬ورئيس البلدية يف قرص البلدية‪ ".‬والخروج هنا ليس مبعنى إلغاء ّ‬
‫الذي ُجعل له‪ ،‬حتى يكف عن التصادم مع السلطة السياسية‪ ،‬ألن "نزوع السلطتني السياسية والدينية إىل الهيمنة‪ ،‬كام بينّ ماكس فيرب‪ ،‬هو مبعث نزاع كامن‪ ،‬ظاهر أو باطن‪،‬‬
‫بني قوى سياسية علامنية وقوى تيوقراطية‪ ،‬سواء يف شكل رصاع عىل السلطة‪ ،‬أو يف شكل أزمة ثقافية تضع الطرفني وجها لوجه‪ ،‬أو يف هيئة تصادم بني القيم الدينية والقيم‬
‫السياسية‪ ".‬وهو ما ملسناه مؤخرا يف قضية املساواة بني املرأة والرجل يف املرياث‪ ،‬وحق التونسية يف الزواج من أهل الكتاب‪.‬‬
‫وال يعني الفصل بني الدين والسياسة أن تتخىل الدولة عن دورها يف جعل القانون ساريا عىل جميع املؤسسات‪ ،‬مبا فيها املؤسسة الدينية‪ .‬يقول سبينوزا يف هذا الشأن‪" :‬إن من‬
‫حق كل فرد أن يفكر يف ما يشاء ويعرب عام يفكر‪ ،‬ومن حق كل فرد أن ميارس شعائره بحرية‪ ،‬ولكن هذا التسامح الذي تجعله الدولة ممكنا يفرتض أال يكون القانون راجعا‬
‫لسلطة أخرى غري سلطة الدولة‪ ،‬فال ميكن قطعا القبول بفضاء خارج عن القانون بني جدران جمعية دينية‪ ،‬بدعوى أن اإلميان ال يخضع إال للعقيدة الفردية‪ .‬فلكل فرد‪ ،‬بوصفه‬
‫مواطنا‪ ،‬حقوق مامثلة لبقية أفراد املجتمع‪ ،‬وإذا وقعت جرائم تحت غطاء سلطة دينية دون محاسبة‪ ،‬فمعنى ذلك أن الدولة ال تؤدي دورها‪ ".‬فل‬
‫لجمعيات أمر باملعروف ونهي عن املنكر تطارد املفطرين‪ ،‬وال لنقابة أمئة تقايض الفنانني‪ ،‬ألن ذلك من شأن الدولة وحدها‪.‬‬

‫‪4‬‬

‫الخميس ‪ 2‬نوفمرب ‪ - 2017‬املوافق لـ ‪ 15‬صفر ‪ - 1438‬العدد ‪65‬‬

‫نوبة‬

‫ال ّندوة الفكر ّية لمهرجان االتحاد لإلبداع بتوزر‬

‫«اإلرهاب‪ :‬التحديات‪ ،‬الرهانات»‬

‫أو من أجل استراتيجيا شاملة لمقاومة العنف واإلرهاب‬
‫تغطية املنترص الحميل‬

‫عاللة حوايش‬
‫أرصف الرؤية أعمى فأرى‬
‫أسجن البوح كتوما أنفجر‬
‫ث ّم يغريني عمقي‬
‫أتباهى ‪ ،‬أمتاهى واإلله‬
‫حني صيدي فرحي‬
‫فأغوص يف كياين أمال‬
‫أرصد الغيم بسهمي‬
‫خلّبا مييض‬
‫فأجني من ذهويل نوبة‬
‫ترتاءى يف فاليت القافلة ‪:‬‬
‫طيف أنثى خائنة‬
‫و فراخ نائية‬
‫وبالد مقربة‬
‫وأماين كاذبة‬
‫رسمدي‬
‫وشتاء‬
‫ّ‬
‫وشعاب موحشة‬
‫وصحارى‬
‫و بحار ‪...‬‬
‫ليس يل فيها دليل‬
‫ليس يل من بوصلة‬
‫تنتهي رحلة صربي فأرى‬
‫حجريت ضاقت بحزين واحتاميل‬
‫وبحبل املشنقة‬
‫أميل يف قلمي‬
‫يستحيل مقصلة‬

‫ف‬
‫يف دورته الخامسة هذه السنة بالجريد التونيس وتحديدا‬
‫مبدينة توزر من ‪ 28‬إىل ‪ 31‬أكتوبر‪ ،‬التأمت ندوة فكرية‬
‫تحت عنوان‪« :‬اإلرهاب‪ :‬التح ّديات‪ ،‬ال ٌرهانات»‪ .‬أثث هذه‬
‫الندوة التي حرضها عدد محرتم من النقابيني وشباب الجهة‬
‫ثالث خرباء بارزين يف هذا املجال وهم عىل التوايل العقيد‬
‫الجزائري رمضان حمالت والخبري التونيس رياض الصيداوي‬
‫والكاتب اإلعالمي الهادي يحمد‪.‬‬
‫أما الضيف الجزائري فكانت مداخلته‬
‫بعنوان‪»:‬التعاون األمني لدول املغرب العريب‪ :‬حالة‬
‫تونس والجزائر» وقد توقف يف جزئها األول عند‬
‫حتمية التعاون والتنسيق بني البلدين يف املجالني‬
‫األمني واالستخبارايت ليس فقط بسبب عامل‬
‫الجوار الجغرايف بل أساسا ألن اإلرهاب يستمد‬
‫قوته من حالة الفوىض واالتفكك واالنتكاسات‬
‫التي تعيشها املنطقة منذ ثورات ما يسمى‬
‫بالربيع العريب ومن تدخل أطراف وجهات أجنبية‬
‫ترعاه ومتوله‪ ،‬بحيث تستعيص مقاومته والقضاء‬
‫عليه دون تنسيق محكم بني بلدان الجوار‪ .‬ويف‬
‫هذا السياق اعترب العقيد أن التونسيني ميكنهم أن‬
‫يستلهموا من تجربة الجزائر الطويلة والناجحة‬
‫يف حربها عىل اإلرهاب خالل العرشية السوداء‬
‫يف تسعينات القرن املنرصم‪ .‬ولعل أهم ما ورد‬
‫يف حديث العقيد الذي كان ضمن أول وحدت‬
‫تشكلت يف الجزائر يف بداية التسعينات يف مجال‬
‫مكافحة اإلرهاب هو تأكيده عىل أن التغلب‬
‫عىل إرهاب الجامعات الدينية املتطرفة ال يكون‬
‫من خالل التعاطي األمني الرصف بل من خالل‬
‫مقاربة اسرتاتيجية شاملة تطال جميع العوامل‬
‫التي تساهم يف تفريخ اإلرهاب سواء منها‬
‫االجتامعية أو السياسية أو االقتصادية أو الرتبوية‬
‫التعليمية أو الثقافية‪.‬‬
‫ويف هذه النقطة تحديدا رصح العقيد رمضان‬
‫مللحق منارات بأن الجزائر قد انطلقت منذ‬
‫السنة الفارطة يف إصالح املنظومة الرتبوية‬
‫إصالحا شامال اعتبارا بأن الصد األول لإلرهاب هو‬
‫التعليم‪ ،‬وعندما الحظنا له أن الكثري من املثقفني‬
‫الجزائرين قد نبهوا يف اآلونة األخرية إىل محاولة‬
‫عودة اإلرهاب من باب ٱخر هو باب فرض الرؤية‬
‫األخالقية املتعصبة يف املجال االجتامعي أجاب‬

‫بأن الحرية مكفولة للجميع مبجب الدستور‬
‫والقانون وأال أحد أو جهة أو طرف يحق له فرض‬
‫تصوره الشخيص وسلوكه عىل اآلخرين‪ ،‬والدولة‬
‫املدنية هي الضامن لتحقيق الحريات الفردية‬
‫والجامعية‪.‬‬
‫لنئ طغت عىل مداخلة العقيد املقاربة‬
‫األمنية التسجيلية‪ ،‬وهذا أمر مفهوم اعتبارا‬
‫ملهنته ومشاغله وتجربته‪ ،‬فإن رياض الصيداوي‬
‫اختار أن تكون مداخلته التي وسمها بالعنوان‬
‫التايل‪»:‬اإلرهاب ظاهرة إنسانية» مقاربة نظرية‬
‫باألساس‪ .‬ورمبا لهذا السبب بدت كالسيكية يف‬
‫منهجها الثاليث األبعاد؛ فعدد أوال أسباب اإلرهاب‬
‫وأىت عليها كلها‪ ،‬وثنى مبظاهره وثلّث بأهدافه‬
‫واختتم يف تدخل مقتضب بوسائل محاربته‪.‬‬
‫وعىل الرغم من املعلومات الكثرية واالستشهادات‬
‫املتعددة التي اكتظت بها مداخلته إال أن الخبري‬
‫يف الجامعات اإلرهابية والتيارات الدينية املتطرفة‬
‫مل يأت بجديد يف طريقة تناوله للموضوع من‬
‫زاوية التحليل البسيكو سوسيولوجي‪ .‬فبدت‬
‫مداخلته عرضا أكرث منه تحليال وتحقيقا‪ ،‬ورسدا‬
‫للمصطلحات والنظريات أكرث منه تعرية‬
‫للظاهرة‪ .‬ومع ذلك مل تخل مقاربته تلك من‬
‫جانبني مهمني‪ :‬أولهام توضيحه بالحجة والربهان‬
‫دور الوهابية الحاسم بالتحالف مع اإلمربيالية‬
‫األمريكية أساسا والغربية عموما يف نشأة اإلرهاب‬
‫اإلسالموي وترعرعه وانتشاره تنظريا وتشجيعا‬
‫ومتويال وتسفريا بغاية وأد الثورات العربية يف‬
‫املهد وتحريفها عن مسارها األصيل وعن أهدافها‬
‫يف التحرر واالنعتاق والتقدم وتحقيق العدل‬
‫والعدالة‪ .‬وثانيهام تأكيده عىل أن القضاء عىل‬
‫اإلرهاب لن يتحقق فقط بتحقيق الدميقراطية‬
‫السياسية التي ستظل قارصة وغري ذات قيمة دون‬
‫ضلعها الثاين وهي الدميقراطية االجتامعية‪.‬‬
‫املداخلة األخرية يف هذه الندوة املهمة أمنها‬
‫اإلعالمي والباحث التونيس املتخصص يف‬
‫الجامعات اإلسالمية هادي يحمد وكانت تحت‬
‫عنوان‪»:‬املعالجة اإلعالمية التونسية للظاهرة‬
‫اإلرهابية»‪ .‬توقف فيها عند كيفية معالجة‬
‫اإلعالم التونيس لظاهرة اإلرهاب طوال العقدين‬
‫السابقني‪ .‬ويف هذا السياق قارن بني تعاطي‬
‫اإلعالم معه قبل الثورة أي خالل فرتة حكم بن‬
‫عيل وبعدها‪ .‬فالحظ أن األوىل اتسمت بالتعتيم‬
‫واملغالطات بحكم أن اإلعالم كان خاضعا بالكامل‬
‫لسلطة القرص‪ ،‬حتى أن أحداثا إرهابية خطرية‬

‫كعملية تفجري الغريبة بجربة وعملية سليامن مل‬
‫يكد أحد يسمع بها وحتى من سمع بها وصلته‬
‫أخبار مغلوطة متاما عنها‪ .‬وقد اتضح اليوم أن‬
‫التعتيم اإلعالمي سلوك خطري ألنه يغطي عىل‬
‫العيوب عوضا عن كشفها لتحليلها ومعالجتها‪.‬‬
‫أما ما بعد الثورة فقد اتسم التعاطي اإلعالمي‬
‫مع العمليات اإلرهابية بالفوىض والتسيب إىل‬
‫درجة أن بعض وسائل اإلعالم قد لعبت دورا‬
‫سلبيا بل خطريا يف تغطيتها لبعضها مام مكن‬
‫بعض اإلرهابيني من الفرار يف حاالت معينة أو‬
‫أوصل رسالة محبطة إىل املتلقي يف حاالت أخرى‪.‬‬
‫وهذه أخطاء مهنية بعضها عن قصد وبعضها‬
‫عن جهل‪ .‬ويف هذا السياق نبه هادي يحمد إىل‬
‫خطورة استغالل الحكومات الحرب عىل اإلرهاب‬
‫ذريعة للتضييق عىل الحريات عموما والحرية‬
‫اإلعالمية خصوصا داعيا اإلعالميني يف نفس الوقت‬
‫إىل احرتام الضوابط اإلثنني وثالثني التي حددتها‬
‫اليونسكو لتغطية األحداث اإلرهابية‪.‬‬
‫عموما؛ كانت الندوة مفيدة للحارضين إذ تناول‬
‫املتدخلون فيها جوانب مختلفة ملحارصة ظاهرة‬
‫اإلرهاب‪ .‬كام متكن الحارضون من مناقشتهم‬
‫ومساءلتهم مبا زاد يف التعمق يف الظاهرة من‬
‫زوايا أخرى مل يتطرق إليها الخرباء يف مداخالتهم‪.‬‬
‫وال بد هنا من التنويه بوعي النقابيني والشباب‬
‫الحارض بظاهرة اإلرهاب وإدراكهم لرهاناتها‬
‫وخلفياتها وتعقداتها وقد برز ذلك سواء يف‬
‫تعرضهم لألسباب أو كذلك عند تطرقهم إىل‬
‫الحلول‪ .‬كام يجدر بنا التنويه بالحضور املحرتم‬
‫واملتميز للشباب املعطلني عن العمل وذلك من‬
‫منطلق وعيهم بأن البطالة وبالتايل القهر واإلقصاء‬
‫االجتامعيني هام من العوامل األساسية النتشار‬
‫اإلرهاب واستقطاب الجامعات الدينية املتطرفة‬
‫لهم ولظاهرة «الحرقة» وما يرتتب عنها مت‬
‫ضحايا ومٱيس‪ .‬وما ميكن كذلك أن نستخلصه‬
‫من جميع املداخالت والتعقيبات والتعليقات‬
‫هي الخالصة التالية‪ :‬ليس اإلرهاب ظاهرة‬
‫إسالموية بل هي ظاهرة إنسانية تاريخية مركبة‬
‫األسباب واألبعاد‪ .‬وال ميكن القضاء قضاء نهائيا‬
‫ومربما عليه إال بالقضاء كونيا عىل عوامل التفرقة‬
‫والتمييز والظلم بني األفراد والطبقات والجامعات‬
‫واألعراق واألجناس والشعوب والبرش‪..‬العدالة‬
‫إذن هي الضامن الوحيد للنجاة مستقبال من دمار‬
‫العنف واإلرهاب‪.‬‬
‫توزر يف ‪ 31‬أكتوبر ‪. 2017‬‬

‫‪5‬‬

‫الخميس ‪ 2‬نوفمرب ‪ - 2017‬املوافق لـ ‪ 15‬صفر ‪ - 1438‬العدد ‪65‬‬

‫القاضي والمفتي اسماعيل التميمي‬
‫الوهاب ّية‬
‫والرد على الضاللة ّ‬
‫ّ‬
‫بقلم‪ :‬جلّول ع ّزونة‪.‬‬

‫تقديم‪:‬‬
‫يّ‬
‫توف اسامعيل التميم سنة ‪1832‬م‬
‫عن س ّن فاق الثامنني‪ .‬وهو أصيل‬
‫منزل متيم‪ ،‬ومولود بالضبط بهنشري‬
‫الصقالبة ال ّتي تبعد عن منزل متيم‬
‫حوايل ثالثة كم‪ .‬ولهذا يُنسب للرشف‬
‫ويُنعت بالرشيف – واسم عائلته‪:‬‬
‫باشه والتميمي لقّب به بعد استقراره‬
‫بتونس العاصمة واشتهاره بها بعد أن صار مد ّر ًسا بجامع الزيتونة‬
‫ثم ْ‬
‫باش مفتي وهي أعىل الدرجات‬
‫ثم مفت ًيا ّ‬
‫وبعد أن س ّمي قاض ًيا ّ‬
‫العلم ّية والدين ّية‪.‬‬
‫وقد عرف اسامعيل التميمي محنة سياس ّية وذلك سنة ‪ 1816‬يف‬
‫محاولة انقالب ّية من طرف جيش االنكشاريّة بتونس ضدّ الباي‬
‫محمود ابن مح ّمد الرشيد بن حسني بن عىل‪ ،‬وسبب املحاولة‬
‫االنقالب ّية هو اضطرار الباي عىل إمضاء اتّفاق ّية مع انكلرتا إلنهاء‬
‫املتوسط (اثرقرار مؤمتر في ّنا ذلك سنة ‪)1815‬‬
‫القرصنة بالبحر‬
‫ّ‬
‫وكانت القرصنة مصدر رزق كبري للجيش االنكشاري الرتيك بتونس‬
‫والجزائر وطرابلس‪.‬‬
‫وقد حمل اإلنقالبيّون القايض اسامعيل التميمي ليلاً من منزله‬
‫(الكائن بنهج سوق البالط عدد ‪ )26‬وأمروه بأن مييض أم ًرا‬
‫بعزل الباي محمود‪ ،‬وهو ما فعل تحت الضغط‪.‬‬
‫وبعد فشل االنقالب (بعد يومني فقط) ُعزل اسامعيل التميم‬
‫من منصبه‪ ،‬بعد أشهر قليلة (وقد كان الباي يرتبّص به) و ُحمل‬
‫وبقي بها م ّدة شهر‪ ،‬قبل أن يعفو عنه‬
‫عىل ك ّريطة إىل ماطر‪َ ،‬‬
‫الباي ويرجع أ ّولاً ملنزله‪ ،‬ث ّم بعد م ّدة للتدريس بجامع الزيتونة‬
‫ث ّم لخطّة القضاء مج ّد ًدا‪ .‬وكان الباي ح ّمودة (توفيّ سنة ‪)2014‬‬
‫قد تلقّى آخر القرن الثامن عرش‪ ،‬رسالة أوىل ث ّم رسالة ثانية من‬
‫مح ّمد بن عبد الو ّهاب من الجزيرة العرب ّية‪ ،‬يدعوه فيها وكافّة‬
‫سكّان اململكة التونس ّية لالستجابة لدعوته املتش ّددة‪ ،‬واملكفّرة‬
‫لكافّة املسلمني الذّين ميتنعون عن اتّباع مذهبه‪ ،‬معت ًربا كافّة‬
‫املسلمني قد حادوا عن الدعوة املح ّمديّة الحقيقيّة وأنّهم‬
‫صاروا – رغم ا ّدعائهم اإلسالم – يف جاهل ّية جديدة – لذلك‬
‫وجبت دعوتهم لإلسالم مج ّد ًدا‪.‬‬
‫وجمع ح ّمودة باي علامء الزيتونة وطلب منهم الر ّد عىل‬
‫مح ّمد بن عبد الو ّهاب‪.‬‬
‫أجوبة علامء الزيتونة عىل رسالتي مح ّمد بن عبد الو ّهاب‪:‬‬
‫تولىّ فريق من مد ّريس الزيتونة هذه امله ّمة ونذكر منهم‪:‬‬
‫مح ّمد بن صالح الك ّواش‪ ،‬ومل نعرث عىل هذه الرسالة بعد‪! ‬‬
‫القايض أبو حفص عمر ابن املفتي قاسم املحجوب املساكني‪،‬‬
‫وهي رسالة قصرية نسب ًّيا (حوايل عرش صفحات) ولذلك أوردها‬
‫كاملة املؤ ّرخ أحمد ابن أيب الضياف يف تاريخه‪ :‬اإلتحاف وقد‬
‫أعيد طبهعا يف كتيب عىل حدة‪.‬‬
‫القايض اسامعيل التميمي‪ ،‬نحو مائة وعرشين صفحة (‪120‬‬
‫ص) – وقد طبعتها الحكومة التونس ّية سنة ‪( 1910‬طبعة‬
‫أوىل) – وصدرت أخ ًريا يف طبعة ثانية (‪ )2013‬برعاية د‪.‬‬
‫أحمد الطوييل‪ ،‬وقمت بتلخيصها يف حوايل ‪ 30‬صفحة يف‬
‫كتايب األخري عن اسامعيل التميمي ور ّده عن الوهاب ّية‪.‬‬
‫وقد جاء عنوان ر ّد اسامعيل التميمي كاملاً ‪ :‬املِ َن ُح اإلالهية‬
‫يف الر ّد عىل الضاللة الو ّهابيّة وتوجد نسخ عديدة من‬

‫هذا الر ّد املخطوط يف املكتبة الوطن ّية بباريس‬
‫والخاصة بتونس والجزائر‬
‫ويف املكتبات العا ّمة‬
‫ّ‬
‫واملغرب وبالطبع يف دار الكتب الوطنيّة بتونس‪.‬‬
‫كام جاءت ردود عديدة عىل مح ّمد بن عبد الو ّهاب‬
‫من طرف علامء مشارقة ومغاربة‪ ،‬جمعها األستاذ‬
‫حماّ دي الردييس يف كتابني اثنني‪( :‬ردود مرشقيّة‪،‬‬
‫ومنها ر ّد مستنكر ورافض من أخ مح ّمد عبد الو ّهاب‬
‫نفسه) وردود مغرب ّية ملح ّمد بن كريان الفايس – ور ّد من طرف‬
‫مفتي الجزائر ‪ :‬أحمد بن عماّ ر‪ ،‬ولكن األستاذ الردييس مل يذكره‬
‫ومل يورده‪ ،‬رغم وجود عديد املخطوطات من ر ّده يف دار الكتب‬
‫الوطنيّة التونسيّة)‪.‬‬
‫ملحة موجزة عن تاريخ الدعوة الو ّهاب ّية وتاريخ الدولة‬
‫السعوديّة‪:‬‬
‫ت ّم ما يس ّمى بعقد نجد ما بني الداعية املتش ّدد مح ّمد بن‬
‫عبد الو ّهاب (توفيّ سنة ‪1792‬م) وبني حاكم الدرعيّة (املنطقة‬
‫الوسطى من الجزيرة العرب ّية = منطقة نجد) مح ّمد ابن‬
‫ىّ‬
‫(املتوف سنة ‪1765‬م)‪ ،‬وجوهر هذا العقد هو التحالف‬
‫السعود‬
‫السيايس الديني‪ ،‬القائم إىل اليوم بني قراءة للدين اإلسالمي من‬
‫وجهة نظر بدويّة جافّة قوامها اإلقرار بجاهليّة جديدة تطال‬
‫لب اإلسالم‬
‫كافّة املسلمني الحال ّيني‪ ،‬باعتبارهم انحرفوا عن ّ‬
‫"الصايف الحقيقي"‪ ،‬ولذلك وجب اعتبارهم خرجوا عن اإلسالم‬
‫ويحق بالتايل محاربتهم وأموالهم وأعراضهم وأرواحهم مباحة‪،‬‬
‫ّ‬
‫انطالقَا من تسلسل تاريخي يجمع بني تش ّدد الخوارج ومذهب‬
‫اإلمام أحمد بن حنبل من جهة ومذهب ابن تيم ّية من جهة‬
‫أخرى‬
‫تأسست الدولة السعوديّة األوىل منذ أواسط القرن‬
‫وقد ّ‬
‫الثامن عرش ميالدي ووقع القضاء عليها سنة ‪1818‬م من طرف‬
‫ابراهيم باشا ابن مح ّمد عىل‪ ،‬حاكم مرص‪ ،‬وذلك بالقبض عىل‬
‫عبد الله بن سعود بن عبد العزيز بن مح ّمد بن سعود وقطع‬
‫رأسه باسطمبول عند احتالل الدولة السعوديّة األوىل ملدينة‬
‫البرصة (جنوب العراق) وقعت مجزرة كبرية للسكّان من طرف‬
‫السعوديّني‪.‬‬
‫وأعيد تأسيس الدولة السعوديّة الثانية يف ثالثينات القرن‬
‫التاسع عرش والتّي انتهت سنة ‪.1884‬‬

‫ا ملد ن‬

‫وأسس عبد العزيز بن‬
‫ّ‬
‫عبد الرحامن بن عبد الله‬
‫بن سعود الدولة السعوديّة‬
‫الثالثة سنة ‪ 1901‬باحتالل‬
‫مدينة الرياض‪ ...‬وصولاً الحتالل‬
‫مكّة سنة ‪ 1924‬واملدينة وج ّدة‬
‫كل هذه‬
‫سنة ‪(1925‬عند احتالل ّ‬
‫وقعت مجازر رهيبة)‪.‬‬

‫جوهر ردود القاضي اسماعيل التميمي على‬
‫الوهاب ّية‪:‬‬
‫ّ‬
‫إ ّن أه ّم فصول كتاب اسامعيل التميمي هي األوىل وفيها إلحاح‬
‫كل عقيدة‪ .‬انطالقًا من‬
‫كبري عىل الن ّية يف ال ّدين اإلسالمي ويف ّ‬
‫املبدإ األسايس "إنمّ ا األعامل بالنيّات" متّهماً مح ّمد بن عبد‬
‫الو ّهاب بعدم التع ّمق يف جوهر ال ّدين اإلسالمي وبقراءته له‬
‫قراءة سطح ّية ال تعترب املقاصد العليا له‪ ،‬داع ًيا إيّاه إىل إعادة‬
‫وخصوصا ضعف تكوينه يف أصول‬
‫كل ما كتب‪،‬‬
‫النظر يف ّ‬
‫ً‬
‫ال ّدين‪ ،‬لذلك يدعوه للتتلمذ عىل مشائخ الزيتونة لرضورة‬
‫رسعه يف الحكم‬
‫جلوسه عندهم حتّى يق ِّوموا إعوجاجه وت ّ‬
‫وكل من نطق بالشهادتني‪ ،‬أل ّن من نطق بهام‬
‫ِب ُكفْر املسلمني ّ‬
‫يصري د ّمه وماله و ِعرضه حرا ًما‪ .‬وإ ّن ا ّدعاءات مح ّمد بن عبد‬
‫الو ّهاب ‪ ،‬هي بالتايل باطلة متا ًما ويجب التخليّ عنها والتنديد‬
‫وبكل من ينادي بها‪.‬‬
‫بها ّ‬
‫وكانت الفقرات التّي هاجم بها القايض واملفتي اسامعيل‬
‫التميمي مح ّمد بن عبد الو ّهاب وطريقته يف بناء حججه‪،‬‬
‫حا ّدة ج ًّدا ومعريّة الدعاءاته املعرفيّة‪ ،‬مبيّ ًنا هزالة بنائها‬
‫رسع صاحبها يف إطالق األحكام‪.‬‬
‫وت ّ‬
‫للتوسل‬
‫ه‬
‫م‬
‫آخر‬
‫لاً‬
‫ص‬
‫ف‬
‫التميم‬
‫اسامعيل‬
‫ص‬
‫خص‬
‫وقد ّ‬
‫ماّ‬
‫ّ‬
‫باألنبياء وبآل أهل البيت وباألولياء الصالحني‪ ،‬مب ّي ًنا أ ّن‬
‫مباح مستشه ًدا بلجوء عمر ابن الخطّاب والصحابة‬
‫ّ‬
‫التوسل ٌ‬
‫إىل ع ّم الرسول ﷺ العبّاس زمن القحط وصالة االستسقاء‬
‫املتوسل بالصالحني‬
‫وإمامته للمسلمني‪ ...‬وأ ّن املسلم الجاهل‬
‫ّ‬
‫ومبقاماتهم‪ ،‬إنمّ ا يفعل ذلك وهو متيقّن بوحدان ّية الله تعاىل‬
‫ولذلك فال ميكن اعتباره مرشكًا وهو املر ّدد دامئًا وعن قناعة‪:‬‬
‫الشهادتني‪!! ‬‬
‫ويعيب اسامعيل التميمي عىل مح ّمد بن عبد الو ّهاب االكتفاء‬
‫مبظاهر كلامت القرآن ومبظاهر حياة املسلمني اليوم ّية دون‬
‫التع ّمق ال يف املعاين وال يف بواطن املظاهر اإلجتامعيّة وبالتايل‬
‫رسع يف إصدار األحكام القاطعة والتّي ال تصمد أمام النقد‬
‫بالت ّ‬
‫والتحليل املع ّمقني‪.‬‬
‫الخامتة‪:‬‬
‫إ ّن موقف اسامعيل التميمي يتامىش متا ًما مع مواقف كافّة‬
‫علامء املسلمني املالكيّني والحنفيّني والشافعيّني‪ ،‬مرشقًا ومغربًا‪،‬‬
‫وقراءاتهم كلّها للقرآن الكريم وتأويالتهم واجتهاداتهم تتامىش‬
‫مع تط ّور املعارف وحياة املسلمني عىل م ّر العصور‪ ،‬ويدخلون‬
‫يف اعتباراتهم حتّى ما يس ّمى "بالعرف الجاري" والتقاليد‬
‫والعادات‪ .‬وهي كلّها مقاربات اجتهاديّة إلسالم متسامح‬
‫ومتفتّح عكس قراءة ابن عبد الو ّهاب املتح ّجرة والنص ّية‬
‫النقل ّية واملتش ّددة ج ًّدا والتّي انبثقت عنها الجامعات املتش ّددة‬
‫املتن ّوعة والتّي وجدت دعام لها من بعض الدول كالسعوديّة‬
‫وقطر وغريها‪ ،‬بالدعاية واألموال‪ ،‬ونرش كتيباتها املختزلة يف‬
‫بعض الشعارات ال ّرباقة والدمويّة يف آن‪ ،‬وما آل إليه وضع كثري‬
‫من الدول اإلسالم ّية من إراقة دماء املسلمني وتشويه عاملي‬
‫لسمعة الدين اإلسالمي‪.‬‬

‫‪6‬‬

‫الخميس ‪ 2‬نوفمرب ‪ - 2017‬املوافق لـ ‪ 15‬صفر ‪ - 1438‬العدد ‪65‬‬

‫المدارات الحزينة [‪]1‬‬
‫« اهلل ‪ ...‬الملك ‪ ...‬الشعب»‬
‫حسني عبد الرحيم‬

‫‪I‬‬

‫مل يكن وجود اإلنسان عىل األرض اختياريا ولكنه وقد حدث يف أزمنة سحيقة‬
‫فقد طرح عىل هذا الكائن املتميز بالتفكري وللغة مشكالت كربى عن هويته و‬
‫‪.‬أصله ومصريه‬
‫تعلّم اإلنسان أن يحاور الطبيعة ويعيش فيها ويتعلّم منها‪ ،‬وكانت معيشته‬
‫األوىل تعتمد عىل التقاط الثامر ثم قنص الحيوانات وبالتدريج أدرك أن هناك‬
‫نواميس تتعلق برشوق الشمس وغروبها وبسقوط املطر و إزهار النبات‬
‫وهبوب الرياح و األعاصري واكتامل القمر ومسارات النجوم و أعطى لكل ذلك‬
‫معاين سحرية وروحانية وكانت الروحانية التي تعتقد بأن لكل املوجودات‬
‫واملظاهر الطبيعية "روح"‪ .‬وكانت الطوطمية هي بداية الطريق إىل الدين‪.‬‬
‫كانت األسئلة حول حياته ثم مامته ومصريه بعد املامت والتفكري يف محركات‬
‫القوى الطبيعية هي الدافع األول للتفكري يف اآللهة التي تحرك كل هذه األمور‬
‫بدقة متناهية وبقوة تتجاوز قوة االنسان وتبعا لذلك تعددت اآللهة يف شكلها‬
‫ووظائفها فكانت هناك آلهة لكل ظاهرة طبيعية وقام اإلنسان البدايئ بتقديس‬
‫‪.‬موجودات كالشجر والصخور و األنهار‬
‫االستقرار والزراعة والرعي كانت مرحلة تالية من املسرية البرشية خاللها تكون‬
‫املجتمع الذي مل يكن طبقيا لكنه كان يحتاج للتنظيم ‪ ،‬وظهرت بواكري رجال‬
‫الدين يف السحرة الذين يقومون بالطقوس لجلب املطر وطرد األرواح الرشيرة‬
‫‪.‬وحامية املواليد وكانت الطقوس السحرية ال’لية هي بواكري الدين‬
‫للدين أصول انرتبولوجية حتى قبل التكوين االجتامعي يف املشاعات القدمية‬
‫إنه يعرب عن قلق وخوف اإلنسان إزاء الكون الواسع واملصائر املجهولة ويهدف‬
‫إىل تهدئة الشعور باملحنة واإلبراء من الجروح التي تسببها رصاعات الوجود‬
‫‪.‬والخوف من العدم والفناء‬
‫مع الزراعة والرعي والتطور الفالحي واالستقرار وتقسيم العمل وبناء القرى‬
‫ابتدأت املامرسة الدينية الجمعية تأخذ أشكالها الطقسية ويقوم عليها‬
‫متخصصون وتبنى لها معابد ويف أحيان كثرية كان زعيم القبيلة هو نفسه القائم‬
‫بأعامل هذه الطقوس والتي يستمد منها رشعيته يف إعطاء األوامر وتوزيع‬
‫‪.‬األرزاق ورمبا توقيع العقوبات عىل الخارجني‬
‫التحول الجوهري جاء مع الكتابة ‪ ،‬ففي مرص القدمية والصني تشكلت طوائف‬
‫من الكهنة القامئني عىل تدوين املعتقدات و إقامة الصلوات وتدشني املعابد و‬
‫أصبحت القوة املوازية للملك الذي يقود الجيش ويجمع الفائض يف مخازنه‬
‫والذي يعتمد ليس فقط عىل جنوده ولكنه يستمد الرشعية من هؤالء الكهنة‬
‫الذين يحصلون عىل نصيبهم من الفائض ليقيموا معابدهم ويدونوا عىل‬
‫حوائطها نصوص مق ّدسة ويقومون بالشعائر ملباركة الحصاد والوالدة وترشيع‬
‫الحروب وتحديد العدو والسهر عىل تربية األمراء والوارثني املفرتضني‪ .‬كان امللك‬
‫الفرعون والحاكم يف الصني من سالالت ملكية وهو يف نفس الوقت من ساللة‬
‫اآللهة ومل تكن الرشعية هي فقط القوة العسكرية بل أيضا املنزلة الدينية‪ .‬كان‬
‫هو من يسن القوانني وقود االحتفاالت الدينية وكنت تكريسه بواسطة مؤسسة‬
‫دينية تعمل بها كتائب من الكهنة و أنشئت املعابد الهائلة التي يقوم عليها‬
‫رجال دين متفرغني يحصلون عىل جزء هام من اإلنتاج االجتامعي ‪ ،‬ومل تكن‬
‫إنشاءات عظيمة كاألهرامات وسور الصني العظيم ممكنة دون تعبئة دينية‬
‫‪.‬لتقديس القامئني عىل الحكم‬
‫يف الدولة املدنية االغريقية قام الفالسفة بعقلنة األساطري وكتابتها (هومريوس)‬
‫وكانت" الدولة املدنية" بآلهتها املتنوعة الحامية للملك ‪ ،‬وكان الخروج عىل‬
‫املوروثات العقائدية يعني الخروج من الرشعية ويعترب انتهاكا للحرمات‪ .‬وعندما‬
‫استطاع االسكندر األكرب غزو العامل القديم وتحقيق حلم "ارسطو" االمرباطوري‬
‫كنت عليه أن يذهب ليك يتم تكريسه ابنا آلمون عىل يد الكهنة املرصيني فلم‬
‫يكن ممكنا حكم اإلمرباطورية دون الحصول عىل تكريس من إله شامل ومن‬
‫سلطة دينية لحكم امرباطورية عاملية‪ ،‬وت ّم ذلك بواسطة هرياركية دينية يف معبد‬
‫‪...‬أمون يف صحراء مرص ويف واحة سيوة‬
‫االنتقال األكرب يف التاريخ الديني حدث بالديانات االبراهيمية املن ّزلة (أهل‬
‫الكتاب) فموىس حمل الوصايا العرش مكتوبة عىل لوحني بإصبع االله لبني‬
‫إرسائيل والتي قام امللك سليامن ببناء الهيكل لحفظها وليستمد منها سلطته‬
‫اإللهية ‪ ،‬وتأيت املسيحية ليك تندمج مع السلطة اإلمرباطورية الرومانية وألن‬
‫املسيح مل يأت بكتاب فيقوم حوارييه بكتابة تعاليمه ويقوم "سان بول" بوضع‬
‫أسس الكنيسة الجامعة (الكاثوليكية) التي تأخذ شكل البناء االمرباطوري‬

‫الروماين وتؤسس األبرشيات ويستمد منها‬
‫امللوك طوال العرص الوسيط رشعيتهم‪ ،‬ويقوم‬
‫الباباوات بتجميع الجيوش وامللوك للقيام‬
‫‪.‬بالغزو يف الرشق والغرب باسم املسيح‬
‫اإلسالم كان نقطة تحول أخرى يف عالقة الدين‬
‫بالحكم ‪ ...‬فموىس مل يدخل أرض امليعاد‬
‫بعد التيه واملسيح تم صلبه عيل يد الحرس‬
‫الروماين لكن "نبي االسالم" أىت بكتاب وحارب‬
‫وانترص وحكم سواء يف املدينة أو بعد الفتح‬
‫‪ ،‬فعالقة الدين اإلسالمي بالحكم هي عالقة‬
‫تأسيسية ومل تحدث عرب اندماج تاريخي كام‬
‫حدث للمسيحية واليهودية فكان منذ البداية‬
‫"دين ودولة " كان الحكام املسلمون بعد وفاة‬
‫نبي اإلسالم هم "الخلفاء" سواء األربعة (أبو‬
‫بكر وعمر وعثامن وعيل) أو امللوك األمويني‬
‫‪ .‬والعباسيني حتى الخالفة العثامنية‬
‫االنشقاق ثم اإلصالح الديني حدث أوال‬
‫يف انجلرتا ثم يف أملانيا وكان االنفصال عن‬
‫السلطة الدينية البابوية هو عالمة لتشكل برجوازية قزمية وكنائس قومية‬
‫وكانت الكنيسة اإلنجليزية من ضمن القوى املتمردة عىل امللك املستمر‬
‫لرشعيته منذ تكريس "بابا روما" وعندما قام القس "مارتني لوثر" بوضع‬
‫احتجاجاته عىل أبواب الكنيسة التي كان هو راعيها ابتدأت حركة اإلصالح‬
‫الربوتستانتي والتي حولت االميان إىل شأن شخيص ومل يكن هذا ممكنا دون‬
‫كرس احتكار رجال الدين ملعرفة النصوص املقدسة ‪ ،‬وهذا ما أتاحته الطباعة‬
‫والكتاب األول املطبوع يف "نومنربج" كان الكتاب املق ّدس (االنجيل) ووقفت‬
‫الربجوازية التجارية والصناعية والفالحني الفقراء مع حركة اإلصالح يف حرب‬
‫‪).‬دموية بني الكاثوليك والربوتستانت (حرب الفالحني يف أملانيا‬
‫فرنسا التي مل تشهد حركة اإلصالح اضطلعت بثورة برجوازية مهد لها‬
‫املوسوعيون والتنويريون وكانت نتيجتها عىل يد اليعاقبة بفصل الدين عن‬
‫‪.‬الدولة‬
‫يف العامل الجديد يف أمريكا الشاملية التي استعمرها املضطهدون من الكنيسة‬
‫الكاثوليكية يف أروبا و شكلوا أمة جديدة تضم كنائس عديدة منشقّة وال‬
‫تجمعها كنيسة واحدة‪ ...‬الخطابات املختلفة لآلباء املؤسسني للواليات املتحدة‬
‫أغلبها مسكون مبحتوى سيايس وديني ‪ ،‬وخيضت حرب االستقالل والحرب‬
‫األهلية األمريكية بشعارات دينية وحمل الدوالر العالمة األوضح للسيادة شعار‬
‫"نحن نثق يف الله" لكن الدولة األمريكية يف دستورها وخاصة يف التعديل الثاين‬
‫له اتخذت موقع حياد تجاه كل الفرق واملذاهب الدينية و أقرت يف نفس‬
‫الوقت حرية االنتامء والشعائر لكل الديانات دون حصو أيا منهم عىل دعم من‬
‫الدولة عىل الرغم من أن كل املنتخبني رؤساء ألمريكا قاموا بالقسم ويدهم عىل‬
‫الكتاب املقدس بينام قام نائب واحد بالقسم ويده عىل "القرآن الكريم" وهو‬
‫نائب أسود من "كاليفورنيا" وتم له ذلك ضمن حقه الذي يتيحه له التعديل‬
‫!!الثاين للدستور‬
‫‪II‬‬
‫الدولة القومية والشعب من مستجدات العرص الحديث فلم يكن من املمكن‬
‫إنشاء دواوين بريوقراطية لها قواعد معقلنة دون ارتكاز ذلك عىل منو للمدن‬
‫والصناعة والتجارة واستتبع ذلك تطور املدن وتكون "املجال العام" مبا يحتويه‬
‫من مناقشات ومنازعات تأخذ يف أحيان كثرية شكل الخطابات الدينية ‪ ،‬واستتبع‬
‫ذلك حقوق التمثيل ـ ال رضيبة دوت متثيل ـ(انجلرتا) وصياغة القوانني والدساتري‬
‫باسم "الشعب" الذي كان مفهوما "ملتبسا" يف البداية حتى أن "ماكسيميالن‬
‫روبيسبيري" تردد يف توقيع مرسوم إعدام "لويس السادس عرش" ألنه باسم‬
‫!! الشعب‬
‫كان الكهنة الذين يحتفظون يف أدريتهم بالكتاب املقدس ويفرسونه لجمهور‬
‫العامة ميثلون الله الذي يسكن يف السامء واآلن بعد انتقال الرشعية إىل كيان‬
‫غامض آخر "الشعب" ينبغي معرفته ثم متثيله‪ ،‬يف البدء كان استبعاد النبالء‬
‫النبالء السابقني ورجال الكنيسة من الشعب و أصبح هذا الخليط من سكان‬
‫املدن والفالحني و أصحاب الحرف هم من يطق عليهم "الشعب" وكان حق‬
‫االقرتاع من البدء محددا بامللكية ومستبعدا منه املرأة واملهاجرين فكان واقعيا‬

‫حق اقرتاع للرجال الربجوازيني ليك يشكلوا هيئات متثيلية تتحدث باسم الشعب‬
‫‪.‬وتنوب عنه‬
‫قام الفالسفة التعاقديون بتقديم نظريات للدولة بأنها تعاقدية "األمة"‬
‫(الشعب) والحاكم (الدولة) ـ هوبز ولوك ومنتسكيوـ بينام تصورها "هيجل"‬
‫‪.‬كتحقق للعقل يف صورة البريوقراطية الربوسية‬
‫قامت املاركسية بتوجيه سهام النقد تجاه موضوعة "الشعب" الذي اعتربته‬
‫متصارع وغري "مقدس" فهو يتكون من طبقات متنازعة وال تجمعها إرادة‬
‫واحدة‪ ،‬وكذلك "الدولة" التي اعتربتها جهاز الدراة مصالح الطبقة السائدة‬
‫وليست ممثلة لكل "الشعب" وهي يف املحل األخري "حرس خاص من رجال‬
‫مسلحني وسجون" (فريدريك أنجلزـ أصل العائلة وامللكية الخاصة والدولة ـ‬
‫!! ) وهي ليست نتاج تعاقد حر بني الطبقات املست ِغلة و الطبقات املستغَلة‬
‫االختزال "املاركيس" و "اللينيني " للدولة يف جهاز مسلح يغفل الرضورات‬
‫االجتامعية للدولة يف مرحلة البزوغ والنمو الرأساميل ليك تحافظ عىل القومية‬
‫يف رصاعات دولية حول السيادة وكذلك ليك تقوم مبنع الرصاعات الداخلية‬
‫املنفلتة وهي رصاعات "الكل ضد الكل" وتقوم بتطبيق القانون الذي وضعه‬
‫ممثلو الشعب (الربجوازية ) وتسهر عىل املصالح العامة وتفرض الرضائب ليك‬
‫‪.‬تقوم باإلنفاق عليها وعىل الجيش والبوليس والحاكم‬
‫تكونت للدولة القومية طقوس شبه دينية (نشيد وطني وعلم و أعياد وطنية‬
‫ومزارات وطنية ونصب مقدسة ) لكن كل هذه الطقوس مل تكن كافية‬
‫فاستعادت الدولة الوطنية كثريا من الرشعيات الدينية يف صورة "الدين الرسمي‬
‫للدولة" واملشاركة يف االحتفاالت الدينية واالنفاق عىل دور العبادة ومشاركة‬
‫رجال الدين يف تسويغ القرارات اإلدارية !! حتى يف الدميقراطيات العلامنية‬
‫الحديثة كام فرنسا أثيتت املناقشة بشأن "حجاب التلميذات" عدم حياد الدولة‬
‫تجاه كل األديان ويف الواليات املتحدة كانت محاوالت اليمني بدمغ "باراك‬
‫أوباما" باإلسالم يف مضامر بعيد عن السياسة املعارصة وهو الدين مام دفع‬
‫بعض األقالم العلامنية املستقيمة للسؤال وماذا لو كان رئيس الواليات املتحدة‬
‫مسلام؟ هل يتناقض ذلك مع "الدستور األمرييك" ؟‬
‫التفاؤل الذي طبع املفكرين والباحثني يف النصف الثاين من القرن التاسع عرش‬
‫واملصف األول من القرن العرشين بأفول الدين من "املجال العام" وانفصاله‬
‫نهائيا عن السياسة وسيادة العلم والنظرة غري السحرية للعامل (العلمية) وجد‬
‫كذلك تأكيدا هائال يف انتصار الثورة الروسية وإعالن الدستور السوفييتي الذي‬
‫عمل عىل إخراج أكرب قوم دينية محافظة يف العامل "الكنيسة األرثودوكسية" من‬
‫التأثري يف "املجال العام" وكذلك املؤسسات الدينية اإلسالمية واليهودية األخرى‬
‫"فيام كان يعرف باسم "اتحاد الجمهوريات السوفياتية‬
‫كانت "األيديولوجيات" سواء تلك الشيوعية أو اللربالية تحتل املواقع التي كان‬
‫يحتلها يف السابق الدين حتى حكومات ما بعد االستقالل يف العامل الثالث والتي‬
‫تبنت يف معظمها أنواعا مختلفة من االشرتاكية ورغم طابعها الديكتاتوري فقد‬
‫بقيت بعيدة عن املؤسسات الدينية العتيقة وقامت مبواجهات دموية دموية‬
‫مع دعوات "عودة الخالفة " رغم استعانتها برجال دين دولتانيني بني الحني و‬
‫!!اآلخر لتسويغ قرارات هامة وتسويقها بني صفوف العامة‬

‫‪7‬‬

‫الخميس ‪ 2‬نوفمرب ‪ - 2017‬املوافق لـ ‪ 15‬صفر ‪ - 1438‬العدد ‪65‬‬

‫ال َالئكية وإيتيقا فن الوجود‬
‫كامل الزغباين‬

‫ ‬

‫لنئ كانت الالئكية باألساس رؤية‬
‫ومامرسة للسيايس قامئة عىل الفصل‬
‫الجذري والحاسم بني الديني‬
‫والدنيوي باعتبار األول شأنا خاصا‬
‫يهم ضمري الفرد يف عالقته بالغيب‬
‫والثاين شأنا عاما مرتبطا بعالقات‬
‫الذوات داخل كل سيايس واجتامعي‪ ،‬فإن لها أيضا بعدا إيتيقيا عميقا‬
‫متأسسا عىل مسألة الفرق باعتباره رشطا أنطولوجيا لإلقامة املبدعة يف‬
‫العامل‪ .‬وإذا كان البعد األول قد تحقق مع الفلسفات التعاقدية (من‬
‫هوبس إىل روسو مرورا بسبينوزا ولوك وغروتيوس) عرب تنزيل الديني‬
‫يف املدين واستبعاد املقدس من املجال العام ثم مع فلسفات األنوار (من‬
‫مونتسكيو واملوسوعيني إىل كانط و»األوفكلريونغ») فإن البعد اإليتيقي‬
‫كان منذ البدء متالزما مع بعد إستيتيقي نجده حارضا سواء يف فن‬
‫الرسم خالل عرص النهضة (خصوصا يف كل من إسبانيا وإيطاليا) وكذلك‬
‫من خالل بدايات الفن الروايئ كام جسدها سريفنتيس ومن بعده فولتري‬
‫‪.‬وديدرو‬
‫يقول الفيلسوف التعاقدي‪ :‬ال إمكان لفهم السيايس إال إذا نظرنا إليه‬
‫من جهة عالقته بالطبيعة اإلنسانية يف انفعاالتها كام يف أفعالها‪ .‬أي‬
‫باعتبار اإلنسان يف اآلن ذاته رغبة وعقال‪ .‬تسعى الرغبة إىل توسيع‬
‫حيوزات تحققها إىل أقىص الحدود املمكنة‪ .‬وتصطدم ضمن ذلك السعي‬
‫ذاته برغبات أخرى ال تقل عنها نزوعا إىل التوسع وإىل التوسيع األقىص‬
‫ملجاالت تحقيقها‪ .‬وضمن هذا السياق تحديدا يتدخل العقل (باعتباره‬
‫شكال أعىل من الرغبة) من أجل ابتكار التنظيامت واملؤسسات التي متنع‬
‫توسع مجاالت تحقق الرغبة من أن تنقلب إىل كيفيات لتحطيم الكيانات‬
‫الراغبة (األفراد) عرب تصادم الرغبات (واإلرادات) الفردية‪ .‬مبعنى آخر‪،‬‬
‫إن العقل وإن كان يف ظاهره إلجاما للرغبة عرب تنظيمها وتقنينها فإنه‬
‫يف الواقع الضامنة الوحيدة لتحققها (وإن كان هذا التحقق نسبيا)‬
‫ولحاميتها من األخطار التي تحملها يف ذاتها‪ .‬العقل‪ ،‬مثل املجتمع‪ ،‬مثل‬
‫التنظيم السيايس‪ ،‬هي اصطناعات‪ .‬لكن هذه االصطناعات هي الرشط‬
‫الذي من دونه ينقلب الطبيعي عىل ذاته ويدمرها بفعل نزوعاته‬
‫األصلية‪ .‬ألن قانون الرغبة الوحيد هو كام يؤكد هوبس «التحقق الدائم‬
‫للرغبة املقبلة» وهو القانون الذي يؤدي رضورة (إذا مل يتم إخضاعه‬
‫‪.‬إىل مقتضيات العقل) إىل «حرب الكل ضد الكل» التي ال تبقي وال تذر‬
‫من مثة جاءت الالئكية حال وحيدا وحاسام لكل أشكال الرصاع التي‬
‫يرتتب عنها تدمري الفرد واملجموعة‪ .‬ألن إضفاء القداسة عىل أفكار ما‬
‫أو مبادئ ما هو املنطلق األول لفسح املجال واسعا أمام أشكال من‬
‫التعصب والتناحر والحروب الداخلية والخارجية‬
‫التي ال حدود لها‪ .‬هذا التعصب باسم الدين ميكن‬
‫أن يكون مصدره الدولة نفسها أو املناوئون لها‪.‬‬
‫الدولة‪ ،‬حني تدعي استمداد سلطتها ونفوذها من‬
‫«حق إلهي» مفرتض‪ .‬واملناوئون‪ ،‬حني يستندون يف‬
‫مقاومتهم لطغيان الدولة إىل مرجعية دينية يج ّيشون‬
‫باسمها الناس ويبيحون ألنفسهم أبشع املامرسات‬
‫بالرجوع إىل قدسية ما يحيلون إليه أفعالهم‪ .‬ويف‬
‫كلتا الحالتني تكون املرجعية الدينية غطاءا لكل‬
‫صنوف العسف والقتل والتنكيل (محاكم التفتيش‬
‫يف الداخل والحروب الصليبية – أو «الفتوحات»‬
‫اإلسالمية يف الخارج)‪ .‬لذلك فإن السبيل األوحد‬
‫لضامن ازدهار األمم (يف كافة أصعدته االقتصادية‬
‫والسياسية والثقافية) هو استبعاد الدين نهائيا من‬

‫املجال العام لجعله شأنا فرديا محضا يخص ضمري الفرد واعتقاده الحر‬
‫والطوعي‪ .‬ألن كل إكراه (مبا هو عنف سالب لإلرادة) يتولد عنه (عاجال‬
‫أو آجال) عنف مضاد من أجل استعادة اإلرادة السليبة‪ .‬ومن مثة تدخل‬
‫املجموعة يف حلقة جهنمية من رد الفعل ورد الفعل املضاد الذين يغذي‬
‫‪.‬كل منهام اآلخر ليفضيا إىل تدمري األفراد والجامعة معا‬

‫لذلك يؤكد جون لوك مثال (خصوصا يف رسالة يف التسامح ويف مقالة يف‬
‫التسامح) أن التسامح ليس مجرد قيمة أخالقية‪ ،‬بل إن له بعدا سياسيا‬
‫(و‪ ،‬لنضف من جهتنا‪ ،‬إيتيقيا) عميقا‪ .‬إذ ليست للحاكم أية مصلحة يف‬
‫فرض معتقدات (أو طقوس) عىل األفراد‪ ،‬ألنه ال سلطة له عىل ضامئرهم‬
‫وعىل الكيفية التي يتصورون بها سبل خالصهم وميارسون عىل ضوءها‬
‫تعبداتهم‪ .‬ما الذي يضري الحاكم إذا كنت أعتقد بالتثليث أم بالوحدانية‪،‬‬
‫أو أن أؤمن بيهوه أم بالرب أم بالله؟ أي تأثري لكوين أصليّ يف جامع أم‬
‫يف كنيس أم يف معبد بوذي أم يف كنيسة‪ ،‬أو أال أصليّ أصال عىل عالقايت‬
‫باملحيطني يب وبالدولة التي أنتمي إليها؟ ال عالقة عىل اإلطالق‪ ،‬يجيب‬
‫لوك‪ .‬ذلك أنه مييز بني ثالثة أنواع من املبادئ ليقيسها مبقياس التسامح‬
‫‪ 1- :‬املبادئ النظرية املحضة (التي تدخل ضمنها االعتقادات املتعلقة‬
‫باأللوهة)‪ 2- ،‬املبادئ العملية التي ال عالقة لها بالشأن العام وال تأثري‬
‫لها عىل عالقات األفراد فيام بينهم (وتدخل ضمنها املسائل العملية‬
‫اليومية وكذلك التعبدات والطقوس)‪ 3- ،‬وأخريا املامرسات العملية ذات‬
‫املساس املبارش بالشأن الجامعي والسيايس‪ .‬بالنسبة للنوعني األولني من‬
‫املبادئ فإن تسامح الحاكم ينبغي أن يكون كليا وبال حدود (اللهم إذا‬
‫كان مبدأ ما يتضمن يف ذاته مساسا مببدأ التسامح ذاته)‪ .‬أما فيام يخص‬
‫البعد الثالث فإن الحاكم مدعو إىل الترصف بحسب املصالح (الخاصة‬
‫منها واملشرتكة) لألفراد بحيث ال متس حرية أي منهم بحرية اآلخر‬
‫يف حياته أو يف ممتلكاته أو يف معتقداته‪ .‬فالحاكم هو أصال مف ّوض‬
‫(بفعل العقد الفعيل أو االفرتايض) لحامية حقوق األفراد ومصالحهم‬
‫ودفع اعتداءاتهم بعضهم عىل بعض‪ .‬تلك االعتداءات التي متليها عليهم‬
‫نزوعاتهم الطبيعية ذاتها‪ .‬لكن ما ينبغي عىل الحاكم أن يكون حازما يف‬
‫السهر عليه هو عدم السامح ألي فئة أو ملّة أو نحلة أن تح ّول مبادئها‬
‫ومعتقداتها الخاصة إىل مبادئ كلية ترى وجوب فرضها عىل الجميع‬
‫باسم تصور كيل شمويل هو املقدمة الرضورية لكل طغيان ومن مثة لكل‬
‫أشكال التعصب والتناحر (تلك التي عاىن منها لوك نفسه وحرمته حتى‬
‫‪).‬من نرش بعض مؤلفاته‬
‫هذا القول العميل يف التعاقد والتسامح ويف تالزمهام متأسس عىل‬
‫قول نظري مفاده أن «ال وجود مطلقا ألفكار أو مبادئ فطرية يف الذهن‬
‫البرشي»‪ .‬فاإلنسان يولد «صفحة بيضاء» والتجربة (مبستوياتها الحسية‬

‫والتخيلية والعقلية) هي التي تنقش عليها كل األفكار واملبادئ‪ ،‬البسيط‬
‫منها واملركّب‪ ،‬النظري منها والعميل‪ .‬هذه القاعدة النظرية التي هي‬
‫منطلق الفلسفة التج ُربية (أو األمبرييقية التي سيميض بها هيوم فيام‬
‫بعد إىل أقىص ممكناتها النقدية عىل الصعيدين النظري والعميل) يف‬
‫نقدها الحاسم للعقالنية الديكارتية وللمثالية األفالطونية‪ .‬ذلك أن‬
‫دحض الفطروية هو الرشط النظري إلنشاء فهم جديد (ذو طابع نقدي)‬
‫يف الذهن البرشي ومن مثة لتأسيس فلسفة عملية مسكونة بالنسبية‬
‫‪.‬وقامئة عىل التسامح‬
‫قبل أن يصوغ فالسفة التعاقد هذه األطروحات‪ ،‬كان هناك ّرسامون من‬
‫عرص النهضة قاموا بدنينة املق ّدس عرب إبداعات ن ّزلته يف قلب النسبي‬
‫وجزمت بالتايل (قبل فويرباخ بقرون) أن اإلنسان هو الذي خلق‬
‫الله وليس العكس‪ .‬فكانت الرسوم العمالقة التي تص ّور مشاهد من‬
‫الفردوس أو من الجحيم أو من الربزخ يف حاالت من الحركة الداخلية‬
‫بني مك ّونات اللوحة ذاتها متحدية بذلك ثبوتية التصورات الالهوتية‬
‫للقيم األخالقية وملستنداتها امليتافيزيقية ذات األصول األفالطونية‬
‫أساسا والتي كانت تبكّت الجسد واملادة باعتبارهام قامئني يف التغي‬
‫والصريورة يف حني أن الحقيقة قوامها الثبات واألبدية (ومن مثّة جاءت‬
‫إدانة أفالطون للفن باعتباره «محاكاة» أي حقيقة من درجة دنيا)‪ .‬مع‬
‫الفن التشكييل لعرص النهضة تحققت حدسيا الفكرة التي ستشكل ّأس‬
‫الرؤية اإللحادية املبدعة للكيان ‪ :‬ال حقيقة إال حقيقة الجسد يف التعدد‬
‫الالمتناهي إلمكاناته ومستطاعاته (تلك الفكرة التي ستشكل منطلق‬
‫نقد سبينوزا للميتافيزيقا وللتيولوجيا السالبتني يف افتقارهام لإليتيقا ويف‬
‫وقوعهام ضمن الرؤية األخالقوية للعامل ‪ :‬عدم وضعهام للسؤال اإليتيقي‬
‫الحاسم املتعلّق مبستطاع الجسد والنظر إىل هذا األخري باعتباره مج ّرد‬
‫‪«).‬خادم» تسيرّ أمره النفس العاقلة تسري الربّان للسفينة‬
‫غري أن التعبرية الكربى عن الالئكية مبا هي فن وجود وإيتيقا‪-‬إستيتيقا‬
‫إقامة يف العامل ستتحقق يف جذريتها من خالل بدايات الفن الروايئ كام‬
‫سينجزها سريفنتيس من خالل شخصيته الفذّة ‪ :‬دون كيخوتة‪ .‬يخرج‬
‫دون كيخوته عىل العامل بإثبات وحيد مفاده أن ال يشء ثابت يف العامل‪.‬‬
‫إنه اإلنسان وقد أدرك يقينيا أن الله قد غادر العامل نهائيا (أو أنه مل يكن‬
‫فيه أصال) وأنه عليه هو ذاته أن يهب املعنى لهذا العامل‪ .‬كان وجود الله‬
‫يف العامل مريحا عىل نحو كبري ألنه كان يعفينا من مشقة البحث عن‬
‫معنى وقيمة حياتنا وفعلنا فيها‪ .‬كانت القيم مسطّرة جاهزة ومل يكن‬
‫علينا سوى االنخراط فيها وتعديل مجريات وجودنا حسب مقتضياتها‬
‫ومؤدياتها‪ .‬ولكن ماذا عندما يخلو العامل من إله؟ يتح ّول قطيع الخرفان‬
‫إىل جيش يحاربنا وطواحني الهواء إىل عاملقة علينا مقارعتنها مبثل ما‬
‫أن الفالّحة القذرة والقبيحة تتح ّول إىل أمرية يضوع املسك من أعطافها‪.‬‬
‫ملاذا؟ ألن خيالنا قد انفتح بشكل ال رجعة فيه عىل املطلق‬
‫القائم فيام وراء الثنائيات ‪ :‬الخري والرش‪ ،‬الجامل والقبح‪،‬‬
‫اإلميان والكفر‪ ،‬الحب والكراهية‪ ،‬الكينونة والعدم‪...‬عىل‬
‫هذا الكائن املدرك إلطالقية نسبيته أن ينخرط فيها عىل نحو‬
‫جذري ليقتطع من النهائية العدم قبسا ممكنا لكينونة مقبلة‪.‬‬
‫لحظتها يكون الفعل يف عرسه وامتناعه إبداعا‪ .‬ولحظتها‬
‫يتح ّول الله نفسه إىل شخصية طريفة ميكن لخالقه اإلنساين‬
‫‪.‬معابثته وإعادة توزيع كيفيات وجوده‬
‫تلك إذن حكمة الرواية واإلبداع الفني عموما التي عىل‬
‫الفيلسوف كام عىل السيايس الالئيك أن يدركها ‪ :‬اتساع‬
‫مخيّلة امللحد لتقبل من داخل رشوطها الخاصة وجود املؤمن‬
‫والتزاماته‪ .‬والقدرة خصوصا عىل امليض بعيدا يف مناطق‬
‫الحرج والخطر مبا هي رشط لإلقامة املبدعة يف العامل بكل ما‬
‫يتهددها من أخطار املوت الذي ال حياة بعده والجنون الذي‬
‫‪...‬ال شفاء منه‬

‫‪8‬‬

‫الخميس ‪ 2‬نوفمرب ‪ - 2017‬املوافق لـ ‪ 15‬صفر ‪ - 1438‬العدد ‪65‬‬

‫حوار مع علية عمرية الصغي‬

‫ما كان خافيا في ثورات الربيع العربي هي اإلرادة الخارجية‬
‫وخاصة إرادة الدولة المتحكمة في العالم‪.‬‬
‫حوار «سعدية بن سامل»‬

‫الحاكم ّية اإللهية والرشيعة التي وضعها الفقهاء لزمن غري هذا الزمن‬
‫و ال تؤمن بالحريات الفردية وال بال ّدميقراطية أصال حتى وإن ا ّدعت‬
‫وقت ّيا وشكل ّيا من منطق التّق ّية أنّها مؤمنة بها‪.‬‬

‫الصغي‪ ،‬أستاذ تعليم عال‪ ،‬مؤ ّرخ وباحث تونيس باملعهد العايل‬
‫عمرية علية‬
‫رّ‬
‫لتاريخ تونس املعارص‪ ،‬اعتنى بالحركة الوطن ّية حركات التح ّرر يف املجتمع‬
‫التونيس املعارص‪ ،‬ولذلك تعلّقت أعامله باملقاومة املسلحة يف تونس‪ ،‬وهو‬
‫بحث يف جزأين‪ ،‬واعتنى باملقاومة الشعبية يف تونس يف الخمسينات‪ ،‬وكتب‬
‫يف التح ّرر االجتامعي والوطني واإلهاب يف تونس اآلباء واألبناء‪ ،‬فضال عن عدد‬
‫كبري من البحوث واإلصدارات األخرى التي ال تبتعد كثريا عن مجال االهتامم‬
‫الصغي نفسه به‪.‬‬
‫الذي طبع األستاذ عمرية علية رّ‬
‫وإىل جانب البحوث واإلصدارات عرف عمرية علية الصغري مبقاالته الغزيرة‬
‫التي تعالج الوضع الراهن يف تونس كام عرف مبواقفه املبدئ ّية من مسألة‬
‫اإلسالم السيايس وهو أحد األسباب التي جعلتنا نن ّزله ضيفا عىل محور هذا‬
‫العدد‪.‬‬
‫شهدت فترة ما بعد ثورات الربيع العربي صعود حركات‬
‫اإلسالم السياسي‪ ،‬فكيف يرى المؤ ّرخ األستاذ عل ّية‬
‫خاصة؟‬
‫الصعود في تونس ّ‬
‫الصغ ّير هذا ّ‬
‫فعال مبارشة بعد اندالع «الثورة» التونسية يف ‪ ،2010‬و خاصة بعد‬
‫سقوط ابن عيل يف ‪ 14‬جانفي ‪ ، 2011‬كانت موجة «الثورات العربية»‬
‫أو ما سامه اآلخرون ب «الربيع العريب» قد عمت عديد البلدان‬
‫فمست املوجة مرص و ليبيا و سوريا و اليمن وحتى‬
‫عالوة عىل تونس ّ‬
‫أقل ح ّدة‪ .‬وكانت األسباب الظاهرة‬
‫اململكات العربية ولو بدرجات ّ‬
‫والحقيقية لهذه «الثورات» هي انتفاضة الناس ومتردهم عىل‬
‫أوضاعهم االجتامعية وعىل األنظمة االستبدادية و أنظمة الفساد و‬
‫اإلرتشاء و املحسوبية و تهميش رشائح واسعة من املجتمع و خاصة‬
‫فئاته الشبابية‪ .‬فكان السبب املبارش للربيع العريب»داخيل» و كان‬
‫فاعلوه الرئيسيون محلّيون باألساس و كان بإرادة أهل البلد‪ .‬فقط ما‬
‫كان خافيا وهو اإلرادة الخارجية وخاصة إرادة الدولة املتحكمة يف‬
‫العامل التابع وبالخصوص العامل العريب أي الواليات املتحدة األمريكية‬
‫‪ ،‬والتي كان اسرتاتيجيوها ومنذ تسعينات القرن املايض يخططون‬
‫إلعادة تشكيل الخريطة السياسية للمنطقة العربية وحصلت لهم‬
‫قناعة انطالقا من دراسات مراكز بحوثهم من أ ّن أنظمة الفساد‬
‫واالستبداد يف الدول العربية ومنها تونس أضحت غري قادرة عىل‬
‫ضامن أمن بلدانها واستقرارها ا وأ ّن السلطة يجب أن تتغري وكانت‬
‫لألمريكيني بالخصوص قناعة أ ّن شعوب البلدان العربية هي يف درجة‬
‫متدنّية من ال ّنضج الحضاري لتُحكم بأنظمة دميقراطية علامنية وأنها‬
‫مهيأة أكرث أن تحكمها أحزاب إسالمية قادرة عىل استيعاب «الثورات‬
‫االجتامعية» و السيطرة عىل «اإلسالم الرادكايل» أي اإلرهاب‪ .‬لذا‬
‫وقعت الرتتيبات واالتصاالت مع األحزاب اإلسالمويّة وخاصة األحزاب‬
‫املتف ّرعة عن حركة اإلخوان املسلمني و منها جامعة النهضة يف تونس‪،‬‬
‫عن طريق املنظامت األمريكية الدولية كـ» فريدم هاوس» وضخّت‬
‫أمواال ضخمة عن طريق األنظمة التابعة لها والعاملة يف خدمة‬
‫اسرتاتجياتها باملناولة كدويلة قطر وغريها لتكوين السياسيني البدائل‪.‬‬
‫فتم اإلعداد اإلعالمي عن طرق قناة «الجزيرة» خاصة و غريها والنفخ‬
‫يف صورة «مرشحي النظام الجديد» و تم اختطاف «الثورات الشعبية»‬
‫و تحويلها إىل «ثورات إسالمية» و إعادة إحياء و تنشيط الخاليا النامئة‬
‫لإلسالم السيايس بكل فصائله األصولية ودرجات تش ّدده لتحويل وجهة‬
‫«الثورات أو االنتفاضات» وتشجيع التنظيامت اإلرهابية عىل لجم‬
‫وقطع الطريق أمام القوى التقدمية ومنع املسار الثوري املبتدئ من‬
‫بلوغ نهايته املفرتضة وحرفه عن مساره ‪ ،‬أي دولة العدالة االجتامعية‬
‫والدميقراطية والكرامة الوطنية‪ .‬فكان وصول اإلسالميني للحكم يف‬
‫كل من تونس ومرص واملغرب األقىص وليبيا ودخول هذه األخرية‬
‫وسوريا واليمن يف حروب داخلية مل تنته بعد‪ ،‬أداتها األساسيّة اإلخوان‬
‫املسلمني وبدعم من ال ّدول الخادمة لالسرتاتيجيا األمريكية ( قطر ‪،‬‬
‫تركيا‪.)...‬‬

‫ الذين يدعون أ ّن بلدان «الربيع‬‫العربي» كانت «خرابا» ولنبقى‬
‫في حالة تونس ‪ ،‬فان من‬
‫يصدحون بهذا االدعاء هم‬
‫خاصّة من جانب اإلسالميين‬
‫وبعض القوميين هو موقف‬
‫ليس فقط فيه عماء تاريخي‬
‫بل عدم نزاهة‪.‬‬
‫السياسي وبين األحزاب الدين ّية‬
‫ما فرق بين اإلسالم ّ‬
‫الحاكمة في الغرب؟‬
‫الفرق شاسع ويف الواقع ليس هنالك أحزب دينية حاكمة يف الغرب حتى‬
‫وإن تس ّمت بأحزاب «دميقراطية مسيحية» كام هو الشّ أن يف أملانيا‬
‫حاليا مثال‪ .‬هي يف الواقع أحزاب علامنية كبقيّة األحزاب األخرى التي‬
‫تنشط يف الدول ال ّدميقراطية‪.‬هذه األحزاب التي تسمى» مسيح ّية»‬
‫هي أحزاب علامنية لكن مرجعيتها الفكريّة تعود لتيار فكري سيايس‬
‫ظهر يف القرن التاسع عرش وهي تؤمن بالدولة الدميقراطية وترسيخ‬
‫التع ّددية فيها ونرش و احرتام قيم تتبناها الكنيسة املسيحية أيضا و‬
‫هي قيم الحرية واحرتام الذات البرشية وحقوق اإلنسان واإلخاء بني‬
‫البرش وإعانة ضعفاء الحال‪ ،‬والعمل عىل تدخل الدولة يف االقتصاد‬
‫لتعديل النظام اللّيربايل‪ .‬فهذه األحزاب ليست دينية وهي تؤمن‬
‫مبعرفات الدولة املدنية من أن السلطة تنبثق من اإلرادة العامة‬
‫والخاصة‬
‫وتسري حسب القوانني الوضع ّية واحرتام الحريات العامة‬
‫ّ‬
‫‪ ،‬بينام األحزاب اإلسالمية يف البلدان العربية هي أحزاب مرجعيتها‬

‫أين يكمن اإلشكال؟ في الدين السياسي أم في‬
‫اإلسالم السياسي في ذاته؟‬
‫يكمن اإلشكال يف كليهام‪ ،‬يف الدين اإلسالمي ( ألنه مل يط ّوره‬
‫منتسبوه) ويف متعاطي السياسة باسمه وقد كنت تعرضت يف‬
‫نصا‬
‫كتايب «اإلرهاب يف تونس‪ .‬اآلباء واألبناء» لهذا املوضوع وكتبت ّ‬
‫«الّنظام السيايس الذي تنادي به هذه الجامعات اإلسالمية‪ ،‬وتعمل‬
‫عىل إرسائه‪« ،‬معتدلة» كانت أو»متشددة»‪« ،‬و ّهاب ّية» أو «إخوان ّية»‬
‫‪،‬رافعة للسالح أو يف الكمون ‪،‬هو «النظام االسالمي» الذي تراه‬
‫اإلسالمي يف‬
‫يتناقض مع األنظمة القامئة يف بلدانها ويف العامل‪ ،‬وال ّنظام‬
‫ّ‬
‫عقيدتها هو يف عداء مع الدميقراطية ال ّن الدميقراطية مرفوضة رشعا‬
‫عندهم مبا أنّها تؤ ّدي إىل «االعرتاف والعمل بقواعد أحكام وضع ّية‬
‫غري الشرّ يعة اإلسالم ّية « حتى وإن قبل البعض بها‪ ،‬تخفّيا‪ ،‬كسلّم‬
‫للسلطة يُستعمل مرة واحدة‪ .‬فهم يرفضون مبدأ «سيادة الشّ عب»‬
‫ّ‬
‫الذي تقوم عليه األنظمة الدميقراطية وما ينج ّر عنها من تنافس حز ّيب‬
‫الذي يعترب عندهم تفتيتا لوحدة األ ّمة‪ ،‬وانتخابات حرة يرونها تفتح‬
‫الباب للت ّيارات» املعادية لإلسالم « من علامنيني وملحدين وشيوعيني‬
‫و قوميني‪. ...‬وال ّدميقراط ّية مرفوضة أصال ألنها يف تناقض مع «الحاكم ّية‬
‫رشعه الله ‪ ،‬وألنها تخرج سلطة الترشيع من عند‬
‫اإللهية» أي مع ما ّ‬
‫الله إىل سلطة البرش وكام يكفر كذلك اإلسالم ّيون مببدأ «السيادة‬
‫العامة» ألنها تساوي بني املواطنني ( عالوة عىل جنسهم أو دينهم)‬
‫عرب االنتخابات بينام هذا غري وارد عند كل السلفيني ( علم ّيني أو‬
‫جهاديني ال فرق) الذين يف رأيهم يجب أن يبقى أمر التّرشيع» املك ّمل‬
‫لرشع الله» محصورا يف أيدي «أهل الحل و العقد « من الفقهاء و‬
‫العلامء‪ ،‬ودور العامة يقترص عىل تزكية ما يفتون به هؤالء فحسب‪،‬‬
‫و الدميقراطية مرفوضة كذلك ألنها تق ّر بحرية الضمري‪ ،‬مام يفتح الباب‬
‫السيايس إىل الر ّدة والكفر‪. ‬كذلك ال ّدميقراطية‬
‫يف رأي جامعات اإلسالم ّ‬
‫مرفوضة عندهم أل ّن الفلسفة الليربالية وقيم التنوير والحداثة التي‬
‫السيايس ) وحريّات‬
‫تقوم عليها من علامن ّية ( فصل ال ّديني عن ّ‬
‫وحقوق ومساواة بني املواطنني وبني املرأة وال ّرجل تتناقض يف عقيدة‬
‫كل التيارات اإلسالمويّة املؤمنة بـ»ال ّدولة اإلسالم ّية» ‪ ،‬دولة املسلمني‬
‫فقط ‪ ،‬أ ّما باقي املتساكنني من غري املسلمني هم «أهل الذمة»‪ .‬دولة‬
‫التيارات اإلسالمويّة ليست «ال ّدولة املدن ّية الحديثة» التي تساوي‬
‫بني مواطنيها دون اعتبار لدينهم أو لجنسهم ذكر أم أنثى‪ .‬فجامعات‬
‫السيايس»معتدلة» أو «متش ّددة» ترى يف اإلسالم نظاما شامال‬
‫اإلسالم ّ‬
‫فهو «دين ودنيا» ومن هنا فإ ّن «قيم األنظمة الدميقراطية « مثرة‬
‫أربعة قرون من الثورات الفكرية والعلم ّية واالجتامعية والسياسية‬
‫ستتناقض حتام مع «القيم اإلسالمية» التي تك ّرر و تج ّرت قيم مجتمع‬
‫رصح نفاقا اإلسالميون‬
‫وثقافة مجال صحراوي بدايئ ‪ ،‬لذلك حتى وإن ّ‬
‫باعتناقهم للدميقراطية وس ّموها «شورى» أو املواثيق الدولة لحقوق‬
‫اإلنسان وسموها «مواثيق إسالمية « فهم ليفرِغوا قيم الدميقراطية‬
‫الحديثة وحقوق اإلنسان من محتواها األصيل و ِ‬
‫يفصلُونها عن القيم‬
‫الكونية املبنية عليها ‪ ،‬حيث تتحول الدولة املدنية املنشودة إىل دولة‬
‫تيوقراطية يحكمها الفقهاء و حراس الدين باسم املجالس اإلسالمية أو‬
‫مجالس اإلفتاء أو مرشدي الجمهورية اإلسالمية ‪.‬‬
‫ففصل الدين عن الدولة ( العلامنية ) هو عند التيارات اإلسالمية‬
‫من اكرب الكبائر والجرائم التي يجب محاربتها أل ّن اإلسالم يف مسلّامتهم‬
‫هو «دين ودنيا» ‪»،‬عبادة ومعامالت « ‪ »،‬عقيدة ورشيعة»‪ ،‬حكمه‬
‫شمويل وخالد‪ .‬فالح ّريات عند كل الت ّيارات اإلسالمية يجب أن تبقى يف‬
‫إطار ما يسمح به اإلسالم قرآنا و سنة و ما يضعه الفقهاء و مجتهدو‬
‫العرص‪ ،‬هديًا مبا سار عليه السلف الصالح ‪.‬فدور املسلمني و دور‬
‫الدولة اإلسالمية هو « تطبيق رشع الله يف كل أبعاده عقيدة و سياسة‬
‫و اقتصادا و اجتامعا و قواني ًنا وأخالقًا و سلوكًا يك تقوم الحاكم ّية‬

‫‪9‬‬
‫لكل الت ّيارات اإلسالمويّة‬
‫اإللهية» كام أق ّره و فسرّ ه أحد املراجع الكربى ّ‬
‫و الجهاديّة و اإلرهابية‪ ،‬القيادي اإلخواين املرصي سيد قطب (‪1906-‬‬
‫‪ )1966‬يف مؤلفه «معامل يف الطريق « والذي كفّر فيه املجتمعات‬
‫اإلسالمية واعتربها مجتمعات الجاهلية ونادى بالجهاد فيها « لتحرير‬
‫اإلنسان من الجاهلية»‪ .‬مع املالحظ أ ّن سيد قطب شأنه شأن بقية‬
‫مفكري وقيادي اإلخوان املسلمني والجهاديني شأن ابن تيمية (‪1263-‬‬
‫‪ )1328‬ومحمد بن عبد الوهاب (‪ )1703-1791‬وحسن الب ّنا (‪1906-‬‬
‫‪ )1949‬و أبو األعىل املودودي(‪ )1903-1979‬هم مراجع لحركة‬
‫النهضة يف تونس‪ ،‬كفرع تونيس لحركة اإلخوان املسلمني‪ ،‬وقد تب ّنت‬
‫السلفي الجهادي وبلورته‬
‫رسم ّيا حركة االتجاه اإلسالمي هذا الفكر ّ‬
‫يف مؤمترها يف سليامن سنة ‪ 1984‬يف وثيقة سمتها « الرؤية الفكرية‬
‫تتخل عنها حركة النهضة إىل ح ّد اآلن‪« .‬‬
‫واملنهج األصويل» والتي مل ّ‬
‫تعالت األصوات لتصحيح تاريخ الحركة الوطن ّية‪ .‬هل‬
‫أن هذا التاريخ يحتاج إعادة‬
‫تعتقد بصفتك مؤ ّرخا‬
‫مختصا ّ‬
‫ّ‬
‫قراءة؟‬
‫بالفعل بعد ‪ 2011‬هنالك من طالب بإعادة كتابة تاريخ الحركة‬
‫كل ما كتب فيها إىل ح ّد اآلن هو مجانب للحقيقة‬
‫الوطنية وكأ ّن ّ‬
‫التاريخ ّية وهذا ليس صحيحا البتة ‪ ،‬فقط العا ّمة من ال ّناس ليسوا‬
‫مطّلعني عىل ما كتبه املؤ ّرخون يف املوضوع لذاك بعض الت ّيارات‬
‫وخاصة من اإلسالميني ( جامعة الزيتونة ودوائرها) ومن‬
‫السياس ّية‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫أنصار عائلة البايات ‪ ،‬ألنهم كانوا يف صف املهزومني عند استقالل‬
‫للسطح بعد سقوط ابن عيل أضحوا يطالبون‬
‫تونس وألنهم عادوا ّ‬
‫بالثأر من التاريخ ويبحثون عن تكريس مرشوعيتهم التاريخية بإعادة‬
‫كتابة التاريخ ليصنعوا ألنفسهم أمجادا وأبطاال تاريخيني‪ .‬فقط ما‬
‫يجب اإلقرار به حقيقة هو أ ّن الكتب املدرس ّية أجحفت يف تضخيم‬
‫دور الحزب الح ّر الدستوري الجديد و دور رئيسه الحبيب بورقيبة‬
‫وهو يف الواقع كان هذا الطّرف يف الحركة الوطنية رأس الحربة يف‬
‫مقاومة االستعامر‪ ،‬كام ه ّمشت الكتب املدرس ّية نسب ّيا دو َر تنظيامت‬
‫أخرى كالحزب الدستوري القديم أو الحزب الشيوعي أو منظامت‬
‫جامهريّة كاالتحاد العام التونيس للشغل وأغفلت أخرى كدور‬
‫الصيغة الرسمية لتاريخ الحركة‬
‫الكشافة التونسية وكذلك أجحفت ّ‬
‫الوطنية يف تغييب زعامء حقيقيني للحركة الوطنية كتغييب دور األمني‬
‫العا ّم للحزب ال ّدستوري الجديد صالح بن يوسف ألن اسمه ارتبط‬
‫باملعارضة اليوسفية ‪ ،‬كذلك من نقائص الكتب املدرسية إهاملها للدور‬
‫وخاصة يف‬
‫بالسالح طيلة فرتة الحامية ّ‬
‫الكبري الذي قام به املقاومون ّ‬
‫خمسينات القرن املايض فمثال أسامء كلزهر الرشايطي والطّاهر لسود‬
‫السايس لسود أو حسن بن عبد العزيز أو بلقاسم البازمي ومحمد‬
‫أو ّ‬
‫جاليلة وعامر سلوغة والربين الب ّناين ولعجيمي بن املربوك وغريهم‬
‫كثريين بقوا مغمورين يف التاريخ املتداول‪.‬‬
‫تشهد دول ال ّربيع العربي حمالت تشكيك في مكتسبات‬
‫حد اعتبارها مرحلة خراب؟‬
‫«الدولة الوطنية» وصلت إلى ّ‬
‫تفسر هذا الموقف؟‬
‫فبم ّ‬
‫َ‬
‫الذين يدعون أ ّن بلدان «الربيع العريب» كانت «خرابا» ولنبقى‬
‫خاصة من‬
‫يف حالة تونس ‪ ،‬فان من يصدحون بهذا االدعاء هم ّ‬
‫جانب اإلسالميني وبعض القوميني هو موقف ليس فقط فيه عامء‬
‫تاريخي بل عدم نزاهة‪ .‬فلو بقينا يف حالة بالدنا وقارنّا أوضاعها‬
‫سنة االستقالل وما صارت عليه يف آخر حكم ابن عيل لعرفنا حجم‬
‫التقدم الكبري الذي عرفته تونس وأهلها عىل كل املستويات املادية‬
‫والثقافية واالجتامعية‪ ،‬حتى و إن كان حكم بورقيبة استبداديا وكان‬
‫حكم خلفه فاسدا ومستبدا كذلك فإ ّن مكتسبات عدة تحققت‬
‫للتونس ّيني بفضل مجهودات أبنائها ونضاالتهم ومنها االتحاد العام‬
‫التونيس للشغل‪ ،‬مكتسبات يف التعليم ويف املعيشة ويف الص ّحة وقوانني‬
‫التغطية االجتامعية ويف البنية التحت ّية‪ .‬أ ّما حمالت التشكيك يف ما‬
‫راكمه التونس ّيون فان غايتها «تسويد وجه» من كانوا يحكمون ألنهم‬
‫خصومهم وهو غباء سيايس ألن الواقع أصدق من اإلدعاء‪.‬‬
‫ص ّرحت لجريدة الشروق بتاريخ ‪ 22‬مارس ‪،2012‬‬
‫«الشعوب الواعية تبني على المكتسبات لتتح ّرر أكثر»‪،‬‬
‫ّ‬
‫فأين تضع الشعب التونسي من هذا الفهم؟‬
‫فعال هنالك مكتسبات عديدة تحققت للتونسيني كام سبق وذكرنا‪،‬‬
‫مثال مجلة األحوال الشخصية‪ ،‬أو التغطية الصحية‪ ،‬أو التّعليم‬
‫اإلجباري‪ ،‬كلّها مكتسبات ها ّمة يجب تدعيمها والتق ّدم بها ملا هو‬

‫الخميس ‪ 2‬نوفمرب ‪ - 2017‬املوافق لـ ‪ 15‬صفر ‪ - 1438‬العدد ‪65‬‬

‫أرقى كفرض املساواة يف املرياث بني الجنسني أو مقاومة الرتاجع الفعيل‬
‫يف مجانية الصحة أو التّعليم ‪ ،‬واملجتمع املدين وحتى عديد األحزاب‬
‫السياسية واعية بهذا الواقع وتعمل عىل تطويره وتصارع من أجل‬
‫مقاومة الهجمة اللّيربال ّية عىل املكتسبات وإرادة فرض الخوصصة يف‬
‫كل القطاعات وإخراج ال ّدولة من واجب ال ّرعاية االجتامع ّية‪.‬‬
‫الدول‬
‫تحتل تونس لألسف مرتبة‬
‫ّ‬
‫متقدمة في الئحة ّ‬
‫ّ‬
‫المصدرة لإلرهابيين في السنوات األخيرة‪ .‬كيف يقرأ‬
‫ّ‬
‫األستاذ علية الصغ ّير هذا الواقع؟ وماذا يقترح؟‬
‫تناولت هذا املوضوع يف كتايب «اإلرهاب يف تونس ‪.‬اآلباء واألبناء»‬
‫وحاولت أن أقف عند استفحال اإلرهاب يف تونس وكيف أضحت‬
‫بالدنا من ال ّدول األوىل املصدرة لإلرهابيني وتابعت تاريخ ّيا انغراس‬
‫الظاهرة يف تونس باملراجع واإلحاالت واملعطيات الدقيقة والثّابتة‬
‫وملخص ما كتبته هو أ ّن استفحال اإلرهاب بهذه ال ّدرجة يف بلدنا‬
‫يعود ألسباب موضوعية خاصة النسداد األفق أمام رشائح واسعة من‬
‫شبابنا الذي أضحى ضح ّية للبطالة والحرمان وأسباب ثقافية تعود‬
‫لفشل النظام التعليمي عندنا وعدم نجاحه يف تحصني النشء أمام‬
‫الفكر التكفريي مماّ س ّهل استدراج نسبة ها ّمة منه من التنظيامت‬
‫اإلرهاب ّية باملال وبتجميل شعار «اإلسالم هو الحل» و الجنة املوعودة‬
‫هي يف قيام» دولة الرشيعة «أو الشّ هادة يف سبيلها وربح الج ّنة‬
‫وحور العني‪ .‬ومن األسباب املبارشة اشتداد الشّ عور باإلحباط عند‬
‫السبب امله ّم اآلخر‬
‫الناس بعد ‪ 2011‬وتدهور حالتهم املاديّة ولك ّن ّ‬
‫السابقة يف تقديري وهو إن‬
‫وال ّرديف الذي ال ّ‬
‫يقل قيمة عن الرشوط ّ‬
‫اإلرهاب وجد الحاضنة السياسية يف حركة النهضة واألحزاب اإلسالم ّية‬
‫األخرى التي رعت اإلرهاب وأعطته الغطاء السيايس واألمني وص ّدرته‬
‫لسوريا والعراق وغريها يف إطار برنامج رعاة اإلرهاب الدول ّيني وخاصة‬
‫الواليات املتحدة األمريكية وعرب من يشتغلون باملناولة لصالحها شأن‬
‫قطر وتركيا‪.‬‬
‫تم‬
‫ص ّرحت لبوابة إفريقيا اإلخبار ّية إثر سؤالك إن كان ّ‬

‫ وكانت لألمريكيين بالخصوص‬‫قناعة أ ّن شعوب البلدان العربية‬
‫هي في درجة متدنّية‬
‫من النّضج الحضاري لتُحكم‬
‫بأنظمة ديمقراطية علمانية‬
‫وأنها مهيأة أكثر أن تحكمها‬
‫أحزاب إسالمية قادرة على‬
‫استيعاب «الثورات االجتماعية»‬
‫و السيطرة على «اإلسالم‬
‫الرادكالي» أي اإلرهاب‪.‬‬
‫مخطط احتالل بن قردان بالقول «إن‬
‫بالفعل إحباط ّ‬
‫فإن إرادة اإلرهابيين ستبقى‬
‫المحاوالت‬
‫فشلت هذه‬
‫ّ‬
‫أن الخطر ما يزال قائما؟‬
‫قائمة»‪ ،‬فهل تعتقد ّ‬
‫يف نظري إن الخطر اإلرهايب مازال قامئا يف تونس فعال و الدليل أنّه ال‬
‫يخلو يوم دون أن نسمع بخرب إلقاء القبض عىل مجموعة تكفريية ‪،‬‬
‫وهذا ّ‬
‫يدل عىل حجم الخطر الذي استفحل وانغرس يف البالد وذاك أل ّن‬
‫داعمي اإلرهاب مازالوا متنفّذين يف املجتمع ويف ال ّدولة ذاتها وليس‬
‫ّ‬
‫أدل عىل ذلك من عدم الكشف اىل حد اآلن عىل قتلة الشهيدين بلعيد‬
‫والرباهمي ‪ ،‬زد عىل ذلك ما ميثله اإلرهابيون العائدون حاليا باملئات‬
‫رسا وعلنا بعد فشل مرشوعهم يف سوريا ويف ليبيا وإ ّن هنالك‬
‫لتونس ّ‬
‫من يس ّوق الستقبالهم باسم التوبة» أو أ ّن «اللّحم عندما ينتان عليه‬
‫با ّمليه» ‪.‬‬
‫ملف اإلرهاب في تونس‬
‫فإن ّ‬
‫رغم بعض ال ّنجاحات ّ‬
‫يفسر األستاذ عميرة هذا‬
‫فكيف‬
‫ال يكاد يراوح مكانه‪،‬‬
‫ّ‬
‫الوضع؟‬
‫خطر اإلرهاب ما يزال قامئا فعال‪ ،‬رغم تعايف الجهاز األمني وإرادة‬

‫القامئني عليه محاربته فعل ّيا‪ ،‬لكن التدخالت السياس ّية يف القضاء‬
‫والضّ غوطات العديدة لعدم كشف العديد من الحقائق تعيق‬
‫املقاومة الناجعة‪ ،‬زد عىل ذلك فان نفس األسباب تؤدي إىل نفس‬
‫النتائج كام هو معلوم‪ ،‬ونتساءل هل أصلحنا الوضع االجتامعي‬
‫للشباب الذي تستهويه «الدولة اإلسالمية» والجهاد؟ وهل أعطينا‬
‫األمل للمه ّمشني و للعاطلني؟ هل أصلحنا الربامج التعليمية لتحصني‬
‫النشء؟ وهل تابعنا وأوقفنا املدارس الحرة التي انترشت وتدرس خارج‬
‫منطق الدولة وتبث أفكار متخلفة؟ وهل راقبنا األمئّة الذين ينرشون‬
‫الفكر التكفريي والكراه ّية وتقسيم التونسيني؟ وهل تت ّبعنا مسؤويل‬
‫الجمع ّيات املتورطة يف اإلرهاب؟ وهل أصلحنا برامجنا التعليمية؟‬
‫وهل أوقفنا كل من عادوا من بؤر اإلرهاب وتذوقوا ال ّدم والقتل‬
‫واالغتصاب؟ وهل أحكمنا السيطرة عىل حدودنا كام ينبغي؟‬
‫الشباب من االنزالق في‬
‫ما اإلجراءات الممكنة لتحصين ّ‬
‫هوة اإلرهاب؟‬
‫ّ‬
‫تحصني الشباب من االنزالق يف ورطة اإلرهاب مي ّر عرب سياسة حازمة‬
‫من ال ّدولة ‪ ،‬يف سياستها الثقاف ّية واإلعالم ّية وقدرتها عىل ضامن حريّة‬
‫التّعبري واإلبداع ويف اآلن ذاته مراقبة ومنع زجر بالقانون كل من‬
‫ينرش أفكار الكراهية وعقيدة الجهاد وتكفري املجتمع والدولة و‬
‫يف سياستها التعليمية عىل الدولة مراجعة الربامج خاصة يف املواد‬
‫االجتامع ّية يف اتجاه غرس قيم التّسامح وحقوق اإلنسان وتكوين‬
‫ملكة ال ّنقد وتكوين العقل املؤمن بالعلم وليس بالخرافة وتقديس‬
‫حرية الفكر والضمري وإعادة رسكلة املدرسني وطرد كل العنارص‬
‫املشتبه فيها والفالتة من مق ّررات الربامج الرسمية والتي استحلّت‬
‫املدارس والجوامع والجمعياّت تفعل ما تريد وتس ّمم عقول منظوريها‬
‫هذا طبعا مع واجب تغيري املنوال االقتصادي لضامن الكرامة للجميع‬
‫وخاصة للمه ّمشني وللعاطلني‪ ،‬ألن «العطالة هي أم الخبائث» كام‬
‫يقول املثل الفرنيس ‪ ،‬وأه ّم الخبائث هو االندراج يف اإلرهاب‪.‬‬
‫المدة األخيرة مأساة تمثلت في‬
‫شهدت البالد في ّ‬
‫غرق مركب للمهاجرين غير الشرعيين أعقبتها حركات‬
‫احتجاجية‪ ،‬كيف ترون تنامي ظاهرة «الحرقة»؟ وهل‬
‫وأن أطفاال بين‬
‫يمكن اختزالها في البطالة خاصة ّ‬
‫المهاجرين؟‬
‫فعال منذ ‪ 2011‬بصورة خاصة يهاجر آالف الشّ باب من التونسيني‬
‫بصورة غري قانونية ‪.‬ومنهم كثريون لقوا حتفهم غرقى‪ .‬وظاهرة‬
‫«الحرقة» هذه استفحلت أخريا وكان من افرازاتها املأساة األخرية وقد‬
‫كنت شخصيا كتبت تحت عنوان «ليس هنالك إنسان يف ّر من وطنه‬
‫إذا وجد فيه سعادته»‪.‬‬
‫صحيح هنالك من «يحرق» وهو كان يشتغل وهنالك من «يحرق»‬
‫ويرفض الشغل يف املتوفر( فالحة‪ ،‬بناء‪ )...‬ويه ّزه السرّ اب لبالد الغرب‬
‫‪ ،‬لكن أغلب ّية الح ّراقة هم من فضاءات ال ّنسيان يف األرياف وال ّدواخل‬
‫و من أحزمة املدن من الذين فعال انس ّدت أبواب الشغل يف وجوههم‬
‫مؤسساتنا التعليم ّية شهائد دون فائدة‬
‫ومن أولئك الذين منحتهم ّ‬
‫فخلقنا منهم برجوازيني صغارا يتكربون عىل العمل اليدوي والجهد‬
‫وصنعنا منهم اتكاليني‪ .‬نعم لهم مسؤول ّية يف ما هم عليه لكن‬
‫املسؤولية األكرب هي يف من بيدهم الحكم الذين يص ّمون آذانهم عىل‬
‫رصون عىل منوال تنمية لن يفرز إالّ مزيدا من‬
‫ما يطلبه مواطنوهم وي ّ‬
‫التهميش ومزيدا من البطالة ومزيدا من الحرمان ومزيدا من اإلجرام‬
‫وحتّى اإلرهاب‪...‬الذين يف ّرون من تونس ليسوا فقط من العاطلني‬
‫بل بينهم أصحاب الشهادات وحتى بعض املشتغلني منهم من أطباء‬
‫ومهندسني وأساتذة‪ ،‬لكن عرب الطّائرات‪...‬ال أدري كم من سيجيب‬
‫بنعم من التونسيني لو سئل «هل يطيب لك العيش يف تونس؟» ‪،‬ال‬
‫أتص ّورهم كثرّ ‪...‬يبقى أن تكون تونس حارسة لحدود أروبا يف البحر أل ّن‬
‫االتّحاد األرويب يريد ذلك فهذا موضوع آخر‪ .‬نعم نحمي حدودنا ‪ ،‬و‬
‫نعم نحمي أبناءنا‪...‬وخاصة نحمي وطننا ونعيده ألهله‪.‬‬
‫كلمة الختام‬
‫املجتمع التونيس له من الطاقات و من اإلمكانات الفعلية ألن يرتقي‬
‫ببلده اىل مستوى يضمن الكرامة الفعلية ألهلها و يجد الحلول لكل‬
‫الصعاب ‪ ،‬عىل رشط عودة الوعي لنخبه الفكرية والسياسية وإحياء‬
‫ّ‬
‫الضمري فيها وخروجها من انزوائها وأنانيتها واقتناعها بأ ّن األفراد‬
‫يزولون واألوطان تبقى وتبقى ذكرى من خدموها وضحوا من أجلها‬
‫خالدة أبد ال ّدهر‪.‬‬

‫‪10‬‬

‫الخميس ‪ 2‬نوفمرب ‪ - 2017‬املوافق لـ ‪ 15‬صفر ‪ - 1438‬العدد ‪65‬‬

‫كيف يمكن معالجة عالقة الدين‬
‫بالسياسة والعكس بالعكس؟‬
‫محمد الكيالين‬

‫مل ينفك الجدل حول عالقة الدين بالسياسة‬
‫وعالقة الدين بالدولة والعكس بالعكس‬
‫متواصال وقد ازداد توترا وح َدة منذ «الصحوة‬
‫اإلسالمية»‪ ،‬أي منذ أن ظهرت الحركات‬
‫اإلسالمية عىل املرسح السيايس وأصبحت‬
‫تطلب السلطة مبارشة من أجل إقامة «الدولة‬
‫اإلسالمية»‪ ،‬التي تأخذ عنوانا لها‪« ،‬الخالفة»‬
‫أو «دولة الخالفة» أو «الخالفة السادسة» أو‬
‫«الجمهورية اإلسالمية»‪ .‬وأمام هذا الضغط‬
‫الذي تسلطه عىل املجتمع من خالل العمل عىل فرض مظاهر «التدين»‪ :‬خامرات‪ ،‬أقنعة‪،‬‬
‫لحي‪ ،‬دعوات للصالة الجامعية‪ ،‬خيامت دعوية‪ ،‬أدعية وعذاب القرب‪،‬‬
‫أقمصة‪ ،‬كساء أفغاين‪َ ،‬‬
‫‪....‬إلخ‪ .‬وأمام الضغط الذي تسلطه عىل الدولة أيضا من خالل العمل عىل فرض طقوس‬
‫وخيارات وإجراءات ومسك مبفاصلها والسيطرة عىل دواليبها‪ ،‬فقد أجربت عىل اتباع «سنة»‬
‫رؤية هالل رمضان لصيامه ولحلول العيد‪ ،‬وعىل اتباع صيغ من تنظيم الحج يكون لها فيها‬
‫مقاما معلوما وعىل توفري األضاحي يف أعياد اإلضحى بالرغم من الظروف الصعبة التي‬
‫متر بها البالد‪ ،‬وعىل اتباع سياسة املحاور يف السياسة الخارجية‪ ،‬والسامح للدعاة مبامرسة‬
‫أنشطتهم الهدامة‪ ،‬وقطع العالقات مع سوريا‪ ،‬والسامح للسلفية الجهادية بالنشاط الح َر مبا‬
‫فيه التمركز يف الجبال التي حولتها إىل حصون لعملها اإلرهايب‪ .‬زيادة عىل عملها الدؤوب‬
‫للترسب إىل صفوف األمن والجيش والعدل‪ ،‬فكونت أمنها املوازي وهي بصدد محاولة‬
‫الترسب ملؤسسة الجيش الوطني مع العلم أنها قد وضعت يدها بعد عىل القضاء‪...‬إلخ‪.‬‬
‫وبهذا الشكل ومبثل هذا الهجوم املركز ألسلمة الدولة واملجتمع عاد الجدل من جديد بني‬
‫دعاة الدولة الدينية والعلامنيني يف املجتمع الدين مبفهومه الغراميش ليأخذ أبعاد جديدة‪.‬‬
‫لقد أضحى هذا الجدل أكرث راهنية‪ ،‬خاصة بعد االرتباك والغموض اللذان أحدثتهام سياسة‬
‫التوافق التي اتبعاها «النداء» و»النهضة»‪ ،‬الواحد حيال اآلخر‪ ،‬إذ بعرثت الخطوط التي‬
‫كان قد رسمها الرصاع الذي خاضته النخب النرية والتقدمية املدعومة بالشعب الجمهوري‬
‫حول الدستور وحول أسلوب إدارة الشأن العام‪ .‬فقد تصدت ملحاولة فرض حركة النهضة‪،‬‬
‫املدعومة من الحركة السلفية وحزب التحرير‪ ،‬أسلوبها االستبدادي يف الحكم (اغتيال‬
‫بلعيد ومحمد الرباهمي‪ ،‬محاولة تشديد القبضة عىل الشارع يف ‪ 9‬أفريل وعىل الشعب‬
‫املحتج يف أحداث الرش بسليانة‪...،‬إلخ)‪ .‬وقد أخذ هذا الجدل كل أبعاده يف الرصاع حول‬
‫مكاسب الجمهورية وبصورة خاصة حول املساواة التامة بني املرأة والرجل وحول الدستور‬
‫وبالتحديد فيام يتعلق مبدنية الدولة وتظمني الحريات مبا فيها حرية الضمري يف الدستور‪،‬‬
‫زيادة عىل التنصيص عىل العدالة االجتامعية وعىل التمييز اإليجايب للجهات املحرومة‪.‬‬
‫وتجدر اإلشارة إىل أنه ما كان بإمكان الحركات اإلسالمية أن تأخذ مكانها عىل‬
‫املرسح لو مل تتجه أمريكا إىل دعم حركات "اإلسالم السيايس املعتدل" لدحر‬
‫الوجود السوفيايت من أفغانستان ورضب "الدول املارقة"‪ .‬ولبلوغ هذا الهدف‬
‫اعتمدت اإلدارة األمريكية عىل قلب نابض لإلسرتاتيجيتها تلك‪ ،‬التي وضعها‬
‫صقور البيت األبيض أيام بوش اإلبن‪ ،‬هو نظرية "الفوىض الخالقة" التي برروا‬
‫بها دعمهم للحركات اإلرهابية باسم الدين لرضب االستقرار يف هذه الدول من‬
‫أجل تغيري نظم الحكم فيها ورضب الدولة الوطنية‪ ،‬يك يسهل عليها تنصيب‬
‫حكام جدد طيعني وقابلني تنفيذ كل إمالءاتها‪ .‬وإلحداث تغيريات جوهرية‬
‫جيوسياسية يف املنطقة العربية ابتدع صقور البيت األبيض واإلدارة األمريكية‬
‫نظرية "رصاع الحضارات" لوضع كافة البلدان العربية واإلسالمية تحت نريان‬
‫مدفعية "التغيري" و"اإلصالح" الذي قدمته كوندوليسا رايس لوزراء الخارجية‬
‫العرب سنة ‪ 2000‬يف وثيقة رسمية تحت عنوان "مرشوع الرشاكة من أجل‬
‫إصالح الرشق األوسط وشامل إفريقيا"‪ .‬وقد استهدف هذا املرشوع الخطوط‬
‫التي وضعتها الحركة الدميقراطية متييزا بني الدين والسياسة وبني الدين‬
‫والدولة‪ .‬وبعد أحداث ‪ 11‬سبتمرب وإعالن الحرب عىل اإلرهاب اتجهت اإلدارة‬
‫األمريكية نحو إنشاء استقطاب يستوعب اإلرهاب ويعود به إىل دياره ويكون‬
‫قادرا عىل أن ميثل بديال للدولة املارقة ولغريها من باقي دول املنطقة العربية‪.‬‬
‫ويتأسس هذا القطب عىل "الوفاق" بني حركات "اإلسالم السيايس املعتدل" من‬
‫ناحية وحركات "العلامنية املعتدلة" من ناحية أخرى‪ .‬وهي التوجهات التي‬
‫سارت عىل هيديها كل الندوات الفكرية والدورات التكوينية الخاصة باإلعالم‬
‫وبالقادة الشبان وبالتحالفات السياسية والحركات التي نشأت عىل أساسها مثل‬
‫حركة "كفاية" وحركة "‪ 18‬أكتوبر" وغريهام‪.‬‬
‫إن عودة الجدل اليوم من جديد بني دعاة املزج بني الدين والسياسة والدين‬
‫والدولة وبني الداعني للفصل بينهام‪ ،‬بعد الدمار والخراب الذي أحدثه اإلرهاب‬
‫باسم الدين وعدد الضحايا والشهداء الذين خلفهم‪ ،‬تأيت لتضع من جديد‬
‫خطوط الفصل بني هذه وتلك‪ .‬فاملزج أصبح بطبيعته من عداد املايض‪ .‬لنضع‬

‫النقاط عىل األحرف حول املوضوع‪.‬‬
‫حول املزج والفصل بني الدين والسياسة وبني‬
‫الدين والدولة‬
‫نشأ الدين منفصال عن الرجال الذين أداروا‬
‫الشأن العام يف بعض التجمعات وكان متصال يف‬
‫البعض اآلخر وعاد من جديد لينفصل وليتصل‪.‬‬
‫إنها حركة لها صلة متينة بالتاريخ اإلنساين وبسائر التطورات التي شهدها يف‬
‫ظروفه املعيشية ويف بنيته الفيزيولوجية والذهنية واملعريفية‪.‬‬
‫لقد حصل "اإلنسان ـ الحيوان" عىل معارفه األولية ملَا كان يف طور التوحش‬
‫باعتباره "هوموفابيان"‪ ،‬يلتقط الثامر ويصطاد يك يتمكن من مواصلة العيش‪.‬‬
‫وبرتاكم هذه املعارف وتعددها وتنوع املواقع التي يعيش فيها والحاالت التي‬
‫وجد نفسه فيها شهد دماغه تغيريا فيزيولوجيا هيئه لنقلة نوعية يف وجوده‪.‬‬
‫وهكذا أصبحت هذه املعارف األولية قاعدة تفكري وأصبح تبعا لذلك "اإلنسان‬
‫املتوحش" "إنسانا مفكرا" "هوموسابيانس"‪ .‬والجدير بالذكر أن النقالت النوعية‬
‫التي شهدها اإلنسان‪ ،‬الفيزيولوجية والعقلية‪ ،‬مل تأت بني عشية وضحاها‪،‬‬
‫بل حدثت بعد ماليني السنني‪ .‬حيث مرت املعارف لديه من طورها الغريزي‬
‫والحيس لتصبح عقلية‪ ،‬والشأن نفسه بالنسبة ملناهجها وتفرعاتها واختصاصاتها‬
‫ووسائل تحصيلها‪ .‬ومل تكن التشكيلة االجتامعية لتختلف عن الطور الذي‬
‫م َر به‪ .‬فقد كان قطيعا ثم أصبح مجتمعا أموميا وأبويا‪ ،‬عبوديا ثم إقطاعيا‬
‫فرأسامليا‪ ،‬ومل يتوقف عند هذا الحد بل المس املجتمع االشرتايك‪ ،‬وظل يتطلع‬
‫إىل ما هو أفضل‪ .‬وهكذا حصل الفصل والجمع بني الدين والسياسة يف حاالت‬
‫عديدة يف تاريخ الديانات التوحيدية‪ ،‬حيث نشأت املسيحية منفصلة عن‬
‫اإلمرباطورية الرومانية ومل يكن لها دين ث َم تبنت الدولة الرومانية املسيحية‬
‫فأصبح لها دين‪ .‬وقد حدث أن نشأ اإلسالم منفصال يف طور األول عن الشأن‬
‫العام وبالتايل عن السياسة وعن الدولة‪ .‬وملَا تطورت الدعوة املحمدية أصبح‬
‫"صاحب أمة" ونبيا صاحب رسالة‪ ،‬ثم قائدا سياسيا وعسكريا ونبيا‪ .‬وهي حالة‬
‫نادرة قلَ وأن تجمعت يف شخص واحد‪ .‬ألن هذه الوحدة كانت األساس التي‬
‫نشأت عىل أساسه األمة والدولة العربية اإلسالمية‪ ،‬بينام الوحدات السابقة التي‬
‫حصلت يف عهد الرسل واألنبياء مل تخرج من إطار القبيلة الدولة ومن زعامة‬
‫القبيلة السياسية والدينية والعسكرية‪ .‬لكن يف الغالب كانت زعامة القبيلة‬
‫والقبيلة ـ الدولة السياسية والعسكرية منفصلة عن الزعامة الدينية التي ترتقي‬
‫إىل مستوى التوحيد‪ ،‬بل كان الزعيم الديني مبثابة العراف وقارئ الكف لألفراد‬
‫والقبيلة والناظر يف املستقبل والكاشف عنه‪ ،‬باعتباره كليم اآللهة وكليم الله‪.‬‬
‫وحتى يف مثل هذه الحاالت فقد تحصل الوحدة بني الزعامة الدينية والسياسية‪،‬‬
‫وبالتايل بني الدين والسياسة‪ .‬وقد حدث ذلك مع الكاهنة األمازيغية‪.‬‬

‫وملَا م َرت املجتمعات إىل طور أعىل وظهرت الديانات التوحيدية باعتبارها‬
‫ديانات عاملية وتقاسمت اإلمرباطوريات العامل املتمدن وبدأت تغزو "العامل‬
‫املتوحش" تو َحد الدين بالسياسة وبالدولة ومل ينفصل عنهام إال مع الثورة‬
‫البورجوازية الفرنسية‪ .‬بينام مل يحصل مثل هذا االنفصال يف البلدان العربية‬
‫وظل التأويل الديني مسيطر حينا عىل السياسة وتوظف السياسة والدولة‬
‫الدين حسب هواها لخدمة مصالحها وأغراضها‪ .‬وظلت هذه الوحدة متامسكة‬
‫ومل تضعف سوى يف بعض البلدان التي اتخذت إجراءات تطورية اجتامعية‬
‫وثقافية‪ ،‬عىل إثر حصولها عىل استقاللها‪ ،‬أخذت بعدا حضاريا‪ ،‬متاما كام وقع‬
‫يف تونس‪ .‬يف مثل هذه البلدان أصبحت الدولة والسياسة يوظفان الدين‬
‫ويستغالنه‪ ،‬ومل تبدأ العودة إىل قلب الوازنة إال مع ظهور الحركة اإلسالمية عىل‬
‫املرسح السيايس باعتبارها متثل األغلبية النسبية يف املجلس التأسييس واآلن يف‬
‫مجلس النواب وحفاظها عىل مواقعها يف الحكومة‪.‬‬
‫وأمام املخاطر التي ميثل تواصل خلط املجاالت والخطوط بني الدين والسياسة‬
‫والدولة‪ ،‬فإن الجدل يأخذ اآلن وهنا بعدا تأسيسيا‪ ،‬فإما الدولة العلامنية وإما‬
‫الدولة الدينية والدولة التي تستغل الدين وتوظفه‪ .‬لذلك نحن أمام تحديد‬
‫املفاهيم وضبطها‪ .‬ويف هذا الصدد نحن مع فكرة هيغل التي أعطت للذات‬
‫إمكانية تحقيق حريتها باعتبارها ملبدأ للعامل (لألزمنة الحديثة)‪ ،‬إذ قال‪":‬إن ‪...‬‬
‫أهمية وعظمة عرصنا هو االعرتاف بالحرية "‪ ،‬ووصفها "بالروح" وبأنها "حقيقة‬
‫بذاتها"‪ .‬وكان ديكارت أول من وضع خط الفصل بني عامل اآللهة املطلق والعامل‬
‫الذايت كقيمة مطلقة تسمو باإلنسان لتجعله مركز الكون بشعر "أنا أفكر أنا‬
‫موجود"‪.‬‬
‫ينبغي أن ندرك أوال أن العقيدة هي مجال الحريات الفردية وحرية الضمري‪،‬‬
‫لذلك فهي تدخل دون أدىن شك يف املجال الذايت وهو مجال املطلق الذي‬

‫تتحدد فيه العالقة بني اإلنسان الفرد ومعتقده‪ .‬وثانيا‪ ،‬فإن السياسة والدولة‬
‫ليستا شأنا إالهيا وعقيديا‪ ،‬بل هو شأن جامع بني الناس ومن مثَت فهو نسبي‬
‫وقابل للتغيري والرتك والتعديل‪ .‬ومبا أن الدولة والسياسة ليست شأنا إلهيا ال‬
‫يقبل التغري فمؤسساتها خاضعة لالنتخاب والتجديد بحسب دورات التناوب‪.‬‬
‫ويستمد الحكام رشعيتهم من صندوق االقرتاع‪ ،‬بينام الحكم املطلق يستمد‬
‫رشعيته من الحاكمية التي هي لله وحده‪ ،‬وهو بذلك يضفي عىل السياسة‬
‫والدولة طابعا قدسيا‪ ،‬بحيث أن كل من يعارضها وكأنه ميس من املقدس أو‬
‫يعارضة‪ .‬وتجنبا لكلَ مصادمة مع دعاة الدولة الدينية فإن عدد من النخب‬
‫التقدمية هي أميل إىل استعامل مصطلح "الدنيوية"‪ ،‬أي ‪la sécularisation‬‬
‫بدال عن الالئكية‪ ،‬أي ‪. la laicitée‬‬
‫إن "الدولة الدينية" ال توجد يف الواقع‪ ،‬وهي بطبيعتها دنيوية تستغل وتوظف‬
‫الدين‪ .‬هذا ما ينبغي إدراكه يك يسهل رد دعاوي أصحاب الخلط بني الدين‬
‫والسياسة وبني الدين والدولة‪ ،‬خاصة وأنهم مل يدركوا بعد أن الدين هو موطن‬
‫"السيادة العليا" ال يقبل أن يتدحرج إىل مستوى "السيادة السفىل" السيادة‬
‫السياسية لإلنسان التي ال تجد مجاال لها يف امليتافيزيقيا أو يف الالهوت إال‬
‫إذا اتجهت متعالية ساعية للمطلق‪ ،‬الذي يستحيل عليها إدراكه إال باإلدعاء‬
‫أنها هو‪.‬‬
‫لكن ينبغي القول أن طوماس هوبز هو حقق االنتقال من السياسة الدينية أو‬
‫من الدين السيايس إىل الليبريالية السياسية التي وضع بها أسس الرشعية التي‬
‫تقوم عليها السياسة الحديثة‪ .‬وأتت التطويرات الالحقة للنظام البورجوازي مبا‬
‫فيه الفصل بني املجال النسبي واملجال املطلق‪ ،‬بني دائرة الوجود اإلنساين ودائرة‬
‫ملكوت الالهوت‪ ،‬فتحقق مع هذا التطور الفصل بني الدين والدولة‪ .‬ومن‬
‫الغرابة مبكان أن النخب الليبريالية وحتى الدميقراطية منها والتقدمية ظلت‬
‫عىل موقف وسطي بني الدولة الدينية والدولة السياسية بأتم معنى الكلمة‬
‫وهو موقف مل يتجاوز ما كان يطرحه ابن رشد والفرايب من إمكانية "ترشيد"‬
‫للسياسة بالدين وتوفري اإلمكانية "للحاكم املستبد" من أن يكون عادال‪ .‬ويعود‬
‫السبب األصيل لهذا الرتدد إىل عدم فهم الفرق بني املجالني اإلنساين والالهويت‬
‫اللذين يتحرك فيهام العام والخاص وتصاغ فيهام العالقة بني الديني والسيايس‪.‬‬
‫وليس لنا اآلن من مخرج ملعالجة العالقة بني املسألتني الدينية والسياسية غري‬
‫الفصل بينهام‪ ،‬ربطا بالفكر التنويري وتقليده‪ ،‬خاصة وأننا نشهد ثورات علمية‬
‫وتكنولوجية واتصالية وفرت لإلنسان إمكانيات مل تتوفر مل سبقه‪ ،‬ومع ذلك فقد‬
‫تخلص من قوى الشد إىل الوراء ومىض قدما يبحث عن مستقبل أفضل يصنعه‬
‫بعقله ويديه‪ ،‬فام بالكم بنا نحن وما بلغناه يف العرص الراهن‪ .‬ومن القصور‬
‫مبكان أن ينفي املرء مكتسبات التقدم العلمي والحضاري من جاب وينفيها‬
‫من جانب آخر‪ ،‬يقبلها يف االقتصاد والعلوم والتكنولوجيا والصناعة والثقافة‬
‫وغريها وينفيها يف السياسة وبالتحديد يف شكل الدولة وبالذات يف عالقة الدين‬
‫بالسياسة وبالدولة‪ .‬ملَا يعترب سيايس أو مثقف أن الئكية الدولة منجز غريب‬
‫وخصوصية غربية ال ينبغي األخذ بها ومواصلة القبول بالخلط بني السياسة‬
‫والدين بدعوى خصوصية الدين اإلسالمي باعتباره "دين ودولة"‪ ،‬وأي دين مل‬
‫يكن "دين ودولة" مبا يف ذلك "األديان الطبيعية"‪.‬‬
‫وهنالك ثلة من املثقفني الذين أخذتهم مقولة هابرماس التي تجنبت االعتامد‬
‫عىل املفهوم النظري للعالقة بني الدين والدولة والدين والسياسة لينجذب‬
‫للفضاء املدين الذي يتحرك فيه املتدينون والعلامنيون‪ ،‬حتى أن البعض‬
‫يفكر حلَ تنافيس بني السياسة والدين يف إطار "املنظومة املفاهمية الغربية‬
‫املعارصة"‪.‬‬
‫وتأسيسا عىل ما تقدم يتأكد مبا ال يرتك مجاال للشك بأننا يف حاجة إىل نقاش‬
‫معمق حول عالقة الدين بالسياسة وحول عالقة الدين بالدولة مبا يسمح لنا‬
‫بإيجاد حلَ لهذه املسألة التي تتواصل لقرون من الزمن وستتواصل إىل أن‬
‫يتأهل املجتمع ويرتقي حضاريا ويصبح قادرا عىل التفريق بني مجايل الشأن‬
‫العام‪ ،‬شأن الدولة والسياسة والشأن الخاص‪ ،‬شأن الحريات الفردية مبا فيها‬
‫حرية املعتقد مبعنى حرية الضمري‪ ،‬حتى يصبح ممكنا لنا النظر يف اإلجراءات‬
‫العملية التي تيرس صياغة العالقة بني املسألة يف إطار من التنمية الدميقراطية‬
‫التي تحرتم الحريات وتطورها وتصونها‪.‬‬

‫‪11‬‬

‫الخميس ‪ 2‬نوفمرب ‪ - 2017‬املوافق لـ ‪ 15‬صفر ‪ - 1438‬العدد ‪65‬‬

‫اإلسالم ّيون والدولة في تونس‪:‬‬
‫من الجمهور ّية الديمقراطية االجتماعية إلى الخالفة السادسة‬
‫مصطفى القلعي*‬

‫لقد «تضافرت عوامل تاريخيّة عديدة لظهور‬
‫ولعل من أبرزها انهيار‬
‫حركات اإلسالم السيايس‪ّ ،‬‬
‫الخالفة العثامن ّية عقب الحرب العامل ّية األوىل وقيام‬
‫مصطفى كامل أتاتورك بتأسيس جمهوريّة تركيا عىل‬
‫النمط األورويب وإلغائه ملفهوم الخالفة اإلسالميّة‬
‫سنة ‪ 1924‬وما رافق ذلك من وقوع العديد من‬
‫الدول اإلسالم ّية تحت انتداب الدول الغرب ّية‬
‫املنترصة يف الحرب العامل ّية األوىل» (د‪ .‬مصطفى بن‬
‫متسك‪ :‬الديني والسيايس وإشكاليّة الحريّة‪ ،‬قراءة يف‬
‫ّ‬
‫تح ّوالت اإلسالم السيايس الراهن‪ ،‬ضمن كتاب جامعي «مقاربات يف إشكاليّة الدولة يف‬
‫خطاب اإلسالم السيايس‪ ،‬منشورات املركز الثقايف العريب‪ ،‬بريوت‪ /‬ومؤسسة مؤمنون بال‬
‫حدود‪ ،‬الدار البيضاء‪ ،‬ط‪ ،2014 ،1‬ص ‪)262‬‬
‫وقد دام حكم اإلسالم ّيني يف تونس سنتني وشهرا من ‪ 26‬ديسمرب ‪ 2011‬إىل‬
‫‪ 27‬جانفي ‪ 2014‬بعد أن كان األمر االنتخايب القايض بتنظيم انتخابات ‪23‬‬
‫مخصصة‬
‫أكتوبر ‪ 2011‬واضحا يف تحديد الفرتة التأسيسيّة بسنة واحدة تكون ّ‬
‫لكتابة دستور جديد لتونس‪ ،‬فلقد تسلّمت الرتويكا السلطة بعيْد االنتخابات‬
‫التأسيس ّية لـ ‪ 23‬أكتوبر ‪ .2011‬واستم ّرت عىل رأسها إىل حني اإلعالن عن‬
‫تصويت املجلس الوطني التأسييس عىل الدستور الجديد ليلة ‪ 26‬جانفي‬
‫‪.2014‬‬
‫وبالتوازي مع كتابة الدستور‪ ،‬كان هناك حوار وطني سيايس يدور بإرشاف‬
‫املنظامت الوطن ّية األربع الكربى بقيادة االتحاد العام التونيس للشغل الختيار‬
‫مستقل‪ .‬وبعد مفاوضات عسرية‪ ،‬وقع االتفاق يف اللحظات‬
‫ّ‬
‫رئيس حكومة‬
‫األخرية عىل اسم املهدي جمعة وزير الصناعة يف حكومة الرتويكا لريأس‬
‫الحكومة املستقلّة‪.‬‬
‫دس اإلسالم ّيون أعضاء غري مستقلّني يف هذه الحكومة‪،‬‬
‫وبشكل غري أخالقي ّ‬
‫مثل وزير التشغيل نوفل الجماّ يل ووزير العدل النذير بن ع ّمو اللذين ترشّ حا‬
‫يف االنتخابات الترشيعيّة لسنة ‪ 2014‬ضمن قامئات حركة النهضة‪ ،‬وهام اآلن‬
‫نائبان مبجلس ن ّواب الشعب ضمن الكتلة اإلسالميّة‪ .‬وما كان لهذا أن يحدث‬
‫ولك ّنه مخطّط اإلسالم ّيني‪.‬‬
‫التعارض الكبري األ ّول بني متطلّبات الدولة املدن ّية وبني طبيعة اإلسالم ّيني‬
‫نظرتهم للدولة وللحكم كان يف طبيعة الن ّواب الذين رشّ حتهم حركة النهضة‬
‫النتخابات املجلس التأسييس‪ .‬فلقد رشّ حت الحركة شخصيّات متشدّدة مثل‬
‫املؤسسة‬
‫صادق شورو وحبيب اللوز وأعضاء من مجلس الشورى‪ ،‬تلك ّ‬
‫الخارجة عن التاريح‪ ،‬رشّ حتهم لتوليّ مه ّمة كتابة دستور مدين اجتامعي‬
‫دميقراطي تح ّرري عادل لتونس يكون أفضل وأكرث تقدّمية من دستور ‪1959‬‬
‫الذي ق ّرر التونسيّون التخليّ عنه‪ .‬وكانت هذه مفارقة كربى ألنّها حملت‬
‫لكل القيم الحديثة والحداث ّية لكتابة‬
‫إىل املجلس التأسييس أشخاصا معادين ّ‬
‫دستور حديث وحدايث‪.‬‬
‫التعارض الكبري الثاين متثّل يف مفهوم الدميقراطيّة بني ما يؤمن به التونسيّون‬
‫وما رسخ للمصطلح من مفهوم وبني مفهوم اإلسالميّني للدميقراطيّة‪.‬‬
‫فالدميقراط ّية هي التمظهر املعارص لتص ّور حكم الشعب نفسه عرب آل ّية‬
‫االنتخابات التي هي تفرز من يختاره الشعب لخدمته ويكون تحت املراقبة‬
‫وال يعلو عىل املحاسبة‪ .‬بينام نظر اإلسالميّون إىل االنتخابات باعتبارها طريقا‬
‫للتمكني والتمكّن من مفاصل الدولة لخدمة املرشوع األكرب‪ .‬ولهذا رسعان ما‬
‫ينص عىل مدّة السنة‬
‫أعلنوا عن رفضهم االعرتاف بالقانون االنتخايب الذي ّ‬
‫الواحدة لعمر املجلس التأسييس‪.‬‬
‫وكأداة ملحاولة فرض األمر الواقع عىل التونسيّني‪ ،‬عمل اإلسالميّون عىل ملء‬
‫الفضاء العام برجم الجميع بالرشعيّة متناسني أ ّن "اإلسهاب يف الحديث عن‬
‫الرشعية يف فضاء املناقشة ال يرادفه التزام تا ّم مبقتضياتها يف فضاء العمل‬
‫حيث يكون السعي بشكل حثيث إىل إخضاع اآلخر له ال إقناعه‪( ".‬د‪ .‬زكريّا‬
‫الرسيت‪ ،‬الحجاج يف الخطاب السيايس املعارص‪ ،‬ص ‪)177‬‬
‫مؤسسة الحكم الرئيسيّة‬
‫واإلخضاع هو قرار مجلس شورى حركة النهضة ّ‬
‫يف تونس زمن الرتويكا‪ .‬وقد كانت لإلخضاع مظاهر وأحداث طالت أفرادا‬
‫ومنظّامت وحتى جهات بأكملها‪ .‬فعىل مستوى األفراد كان التعنيف‬
‫للصحفيّني واملناضلني الحقوقيّني واملعارضني السياسيّني تجلىّ يف أكرب صوره‬
‫يف اغتيال املناضلني لطفي نقض وشكري بلعيد ومحمد الرباهمي‪ ،‬واملنظامت‬
‫تلقّت نصيبها أيضا من العنف اإلخضاعي وتجلىّ ذلك يف موقعات كثرية‬
‫أشهرها أحداث ‪ 9‬أفريل ‪ 2012‬واالعتداء عىل املق ّر املركز االتحاد العام‬
‫التونيس للشغل يوم ‪ 4‬ديسمرب ‪ ،2012‬أ ّما بالنسبة إىل الجهات فكانت مدينة‬
‫سليانة املناضلة التمظهر األعظم للصلف العنفي بغاية اإلخضاع لإلسالميّني‬

‫الرش يف أحداث شتاء ‪.2012‬‬
‫حيث ت ّم رشقها بسالح ّ‬
‫كام الب ّد من التنويه إىل أ ّن اإلسالم ّيني يرون يف الشورى أصال للدميقراط ّية‬
‫باملؤسسة الرئيس ّية صلب حركتهم باسم‬
‫وبديال عنها‪ .‬ولهذا يحتفظون‬
‫ّ‬
‫كل األبحاث التي أثبتت منذ‬
‫"مجلس الشورى" وهم يص ّمون آذانهم عن ّ‬
‫القديم أ ّن الشورى تق ّر بأ ّن الشعوب غري مؤ ّهلة لحكم نفسها ليست آليّة‬
‫دميقراط ّية باعتبارها تعتمد عىل الحاكم ّية اإلله ّية وعىل االعتامد فقط عىل‬
‫حق اتخاذ‬
‫مصادر الترشيع الثالثة لكربى وترتك للحاكم ذي الهالة اإلله ّية ّ‬
‫بكل حريّة دون أن يعود‬
‫رصف يف شؤون األ ّمة ويف رقاب الناس ّ‬
‫القرارات والت ّ‬
‫إىل أحد إالّ متى ع ّن له ذلك‪.‬‬
‫يقول راشد الغنويش مع ّرفا الدميقراط ّية‪" :‬إذا استطعنا هذه األداة من‬
‫املضمون الفلسفي املادّي فغمرها اإلميان بقيمه و ُع ّمرت بالتقوى‪ ،‬عندئذ‬
‫نستطيع أن نقول إ ّن الدميقراطيّة هي بضاعتنا التي ردّت إلينا‪ ،‬هي الشورى‪،‬‬
‫باعتبار أ ّن الشورى باعتبار أ ّن الشورى ظلّت يف معظم عهودها قيمة أخالقيّة‬
‫تصلح للوعظ واإل رشاد يف أيّام الجمعة‪ ،‬ومل تتح ّول إىل نظام سيايس‪ ،‬يف حني‬
‫أ ّن العامل الغريب قد ط ّور الشورى وح ّولها إىل نظام سيايس"‪( .‬راشد الغنويش‪:‬‬
‫حوارات‪ ،‬أعدّها للنرش‪ :‬درويش قيص صالح‪ ،‬دار قرطبة‪ ،‬الدار البيضاء‪،1993 ،‬‬
‫ص ‪)63‬‬
‫نعود إىل حكومة الرتويكا األوىل التي شكّلها األمني العام لحركة النهضة‬
‫اإلخوان ّية وقتها حامدي الجبايل لنقول إنّها كانت حكومة إسالم سيايس لها‬
‫برنامج تابع ومتع ّجل ضمن مرشوع إقليمي إخواين كبري‪ ،‬عوض أن تك ّون‬
‫حكومة مدنيّة انتقاليّة وظيفتها تسيري الدولة وتهيئة الظروف املالمئة‬
‫للمجلس التأسييس لينجز مه ّمته الرئيس ّية التي عىل أساسها قامت انتخابات‬
‫ينص عىل ذلك األمر االنتخايب وكام كان يأمل الشعب‬
‫‪ 23‬أكتوبر ‪ ،2011‬كام ّ‬
‫التونيس‪ .‬يعني ذلك أ ّن حكومة الجبايل كان يجب أن تكون يف خدمة‬
‫املجلس التأسييس وعىل ذ ّمته ال أن تنفّذ أجندا غري وطنيّة تابعة ملراكز نفوذ‬
‫إيدولوج ّية مدعومة مال ّيا وإعالم ّيا من دول الريع النفطي‪.‬‬
‫نقول كانت حكومة الجبايل حكومة إسالم سيايس لسببني؛‬
‫السبب األ ّول أ ّن الجبايل هو أ ّول من أعلن رصاحة عن هذا املرشوع مبارشة‬
‫بعيْد فوز حركة النهضة باألغلبيّة الربملانيّة يف املجلس التأسييس‪ ،‬وذلك يف‬
‫اجتامع عام أمام أنصار حركته يف فضاء عام مفتوح مبدينة سوسة أين اعترب‬
‫فوز حركة النهضة باألغلب ّية يف انتخابات مدن ّية دميقراط ّية إشارات ربّانية‬
‫لحركته الستئناف نظام دولة الخالفة وتأسيس نواة الخالفة السادسة يف‬
‫تونس‪ .‬و"الخالفة هي حمل الكافة عىل مقتىض النظر الرشعي يف مصالحهم‬
‫األخرويّة والدنيويّة الراجعة إليها‪ ،‬إذ أحوال الدنيا ترجع كلّها عند الشارع‬
‫إىل اعتبارها مبصالح اآلخرة‪ ،‬فهي يف الحقيقة نيابة عن صاحب الرشع يف‬
‫حراسة الدين وسياسة الدنيا‪( ".‬ابن خلدون‪ ،‬كتاب العرب‪ ،‬الجزء‪ ،2‬ص ‪)244‬‬
‫فام أبعد الخالفة عن الجمهورية الدميقراطية املدنية العادلة التي يحلم بها‬
‫التونس ّيون‪.‬‬
‫لقد فاجأت ترصيحات الجبايل التونس ّيني بل صدمتهم فعن أ ّي خالفة يتحدّث‬
‫إذ عرص الخالفة هو عرص املؤامرات واالغتياالت والالتوافق والقالقل الكربى‪.‬‬
‫كام أ ّن حركة النهضة فازت باالنتخابات وموكول لها تسيري دواليب الدولة‬
‫بينام "الخالفة ليست يف يشء من الخطط الدين ّية كالّ وال القضاء وال غريهام‬
‫من وظائف الحكم ومراكز الدولة‪ .‬وإنمّ ا تلك كلّه خطط سياس ّية ال شأن‬
‫للدين بها‪ .‬فهو مل يعرفها ومل ينكرها وال نهى عنها‪ .‬وإنمّ ا تركها لنا لرنجع‬
‫فيها إىل أحكام العقل وتجارب األمم وقواعد السياسة‪ .‬كام أ ّن تدبري الجيوش‬
‫اإلسالم ّية وعامرة املدن والثغور ونظام الدواوين ال شأن للدين بها‪ ،‬وإنمّ ا‬
‫يرجع فيها إىل العقل والتجريب أو إىل قواعد الحروب أو هندسة املباين وآراء‬
‫العارفني" (عيل عبد الرازق‪ :‬اإلسالم وأصول الحكم‪ ،‬ص ‪)182‬‬
‫والسبب الثاين يتمثّل يف تركيبة حكومة الجبايل وطبيعتها وبرنامجها إذ‬
‫تك ّونت من ‪ 16‬وزيرا وكاب دولة من حركة النهضة من جملة ‪ 31‬عضوا‬
‫حكوم ّيا إضافة إىل رئيس الحكومة‪ .‬وبدأت مظاهر ترييف الدولة املدن ّية‬
‫العرصيّة بصور الوزراء يؤ ّمون املصلّني يف مكاتب وزارتهم‪ .‬وض ّمت حركة‬
‫النهضة الحقائب السياديّة باستثناء الدفاع وكان برنامجها متع ّجال يتمثّل يف‬
‫ست نقاط رئيس ّية؛‬
‫ّ‬
‫كل اإلدارات والقطاعات ومفاصل‬
‫األوىل تشغيل أبناء الحركة وبناتها وبثّهم يف ّ‬
‫كل األطر القانونيّة أو بتوظيف هذه األطر والتالعب بها‪.‬‬
‫الدولة خارج ّ‬
‫الثانية استصدار قانون العفو الترشيعي العام وإغداق املكافآت والرتقيات‬
‫والحوافز عىل املتمتّعني به من جامعة اإلسالم ّيني وإعادة إدماجهم يف خطط‬
‫كربى يف الوظيفة العموم ّية والقطاع العام دون كفاءة وال خربة مماّ أصاب‬
‫هذين املجالني بشلل مل يربآ منه وال أعتقد أنّهام سيربآن‪ .‬وقد كشف تقرير‬
‫لدائرة املحاسبات أ ّن عدد املنتفعني بالعفو الترشيعي العام املنتدبني بوزارة‬
‫الرتبية إىل حدود ماي ‪ 2016‬بلغ ‪ 6768‬عونا بنسبة ‪ 21%‬من مجموع‬

‫االنتدابات يف القطاع العام‪ .‬وبلغت كتلة أجورهم ‪ 73‬مليون دينار إضافة إىل‬
‫‪ 114‬مليون دينار تح ّملتها الوزارة لتغطية ما تأخّر لهؤالء من مساهامت يف‬
‫الصناديق االجتامع ّية‪.‬‬
‫الثالثة إغراق املجتمع املدين باألحزاب والجمعيّات واملدارس القرآنيّة التي‬
‫تع ّد األذرع الرئيسيّة للتواصل مع الخارج واستالم الهبات واملساعدات وتنفيذ‬
‫املخطّط التابع القايض بتحقيق حلم الهالل اإلسالمي املبارك‪.‬‬
‫الرابعة العمل الرسيع عىل تغيري طبيعة املجتمع التونيس من مدين إىل أهيل‬
‫وترييفه مبظاهر مخلّة بتقاليده املدنيّة العرصيّة كالخيامت الدعويّة واألزياء‬
‫األفغانيّة واحتالل الساحات والشوارع للصالة‪.‬‬
‫الخامسة فتح الباب أمام جمع ّيات التجنيد لتسفري الشباب التونيس نحو بؤر‬
‫التوتّر ومناطق النزاع والحرب ضمن التنظيامت اإلرهاب ّية املجرمة للمشاركة‬
‫يف املؤامرة الدوليّة يف تفتيت الدول العربيّة وتعطيل حركاتها التح ّررية‬
‫وتنصيب القوى الرجعيّة الظالميّة املعادية للتاريخ‪.‬‬
‫السادسة هي الدخول الرسيع يف األلعاب الدول ّية وتوريط تونس يف مواقف‬
‫غريبة عن ديبلوماس ّيتها تقوم عىل التموقع ضمن أحالف معادية للشعوب‬
‫العربيّة ولطموحها يف التح ّرر واالنعتاق‪.‬‬
‫هذه السياسات ليست طارئة أغوت بها السلط ُة حركة النهضة وإنمّ ا هي‬
‫مخطّطات معدّة سلفا كشفت عالماتها يف الخطب املسجديّة ويف االجتامعات‬
‫الجامعات ّية‪ .‬وكانت مسنودة طبعا بامل ّد السلفي وبعنف رابطات حامية‬
‫الثورة‪ .‬واملجموعات السلفيّة والروابط كانت األدوات األوىل ملامرسة سياسة‬
‫اإلخضاع التي مارسها اإلسالميّون عىل خصومهم السياسيّني واإليديولوجيّني‬
‫وعىل عا ّمة الشعب التونيس قبل الفوز االنتخايب‪ .‬وبعد الفوز باالنتخابات‬
‫بقيت هذه األدوات ف ّعالة مضافة إليها أجهزة الدولة من بوليس ومخابرات‬
‫ومطارات وإدارة وغريها‪.‬‬
‫تخصصت أصوات من داخل حركة النهضة يف تربير تسفري الشباب‬
‫ورسعان ما ّ‬
‫التونيس إىل مناطق النزاع وبؤر التوتّر‪ .‬بل إ ّن حبيب اللوز أحد أكرب صقور‬
‫الحركة ورئيسها األسبق وعضو مجلس شوراها ونائبها باملجلس التأسييس‬
‫قال‪" :‬لو كنت شابّا لسافرت للجهاد يف سوريا"‪ .‬فـ "عندما تصطدم هذه‬
‫الحركات بالعقبات الواقعيّة تلتجئ إىل العنف وتتح ّول إىل حركات جهاديّة‬
‫لعجزها عن اإلقناع واملحا ّجة أو باألحرى الفتقارها لربنامج عمل ينخرط ضمن‬
‫متسك‪ :‬الديني والسيايس‬
‫الهموم اليوم ّية للمواطن العريب‪( ".‬د‪ .‬مصطفى بن ّ‬
‫وإشكاليّة الحريّة‪ ،‬قراءة يف تح ّوالت اإلسالم السيايس الراهن‪ ،‬نفسه‪ ،‬ص ‪)273‬‬
‫يفهم من هذا أ ّن عالقة اإلسالميّني بالدولة وبالنظام املدين الدميقراطي الذي‬
‫يقيض بالتداول السلمي عىل السلطة عرب االنتخابات ليست إالّ عالقة براغامت ّية‬
‫بل انتهازيّة كانت الغاية منها هي التمكّن والتمكني لتحويل الدولة من دولة‬
‫ومؤسسات وحقوق‬
‫مستقلّة ذات سيادة تقوم عىل دستور مدين وقانون ّ‬
‫وواجبات إىل إمارة تابعة إىل خالفة مرشقيّة ومجتمع أهيل عريف يقوم عىل‬
‫الرشيعة وتطبيق الحدود ونظام الشورى‪" :‬إ ّن هذا التط ّور التوحيدي لإلسالم‬
‫يلغي بج ّرة قلم املراجعة التحديثية الليربالية للفكر اإلسالمي التي قام بها‬
‫محمد عبده عند نهاية القرن التاسع عرش وبداية القرن العرشين (تـ ‪)1905‬‬
‫كام يسعى إىل تحويل األنظار عن العلمنة‪ ".‬برتراند بادي و هريمت غي‪،‬‬
‫السياسة املقارنة‪ ،‬ترجمة‪ :‬د‪ .‬عز الدين الخطايب‪ ،‬املنظمة العربية للرتجمة‪،‬‬
‫بريوت‪ ،‬ط‪ ،2013 ،1‬ص ‪.139‬‬
‫لقد حدّد هيجل (‪ )1770-1830‬مفهوم الدولة وما تقوم عليه من عالقات‬
‫بني األفراد املنتمني إليها‪ ،‬وهو يتحدّث عن أملانيا املفكّكة واملج ّزأة املتناحرة‬
‫مقاطعاتها وإماراتها‪" :‬إ ّن األساس األ ّول يف قيام الدولة هو اتحاد األفراد‬
‫جميعا للدفاع املشرتك عن ملك ّيتها كلّها‪ ،‬أعني أن يتضامن جميع املواطنني‬
‫ككل‪ ،‬وهذا التضامن هو بطبيعته مقياس جيّد‬
‫يف الدفاع عماّ متلكه الدولة ّ‬
‫ملدى متاسك الدولة‪ ،‬ومبلغ تخليّ الفرد عن الجانب الذايت واملصالح الشخصية‬
‫كل ٍ‬
‫واحد يش ّد بعضه بعضا‪ ".‬أورده إمام‬
‫الخاصة ليدخل مع املواطنني يف ٍّ‬
‫عبد الفتاح إمام‪ ،‬هيجل(املجلّد األ ّول‪ :‬املنهج الجديل عند هيجل‪ ،‬دراسات‬
‫هيجليّة‪ ،‬دراسات يف الفلسفة السياسيّة)‪ ،‬مكتبة مدبويل‪ ،‬القاهرة ‪ ،1996‬ص‬
‫‪.900-9001‬‬
‫ملخّص كالم هيجل أ ّن االتحاد والتضامن واإليثار هي القيم التي يجب أن‬
‫كل مواطن يعيش داخل دولة ته ّمه وحدتها وأمنها واستقرارها‬
‫ميتلئ بها ّ‬
‫وتقدّمها‪ .‬ولكن هذه القيم غابت كليّا عن أعني اإلسالميّني وهم يقودون‬
‫الدولة ويتحكّمون يف مفاصلها إبّان حكم الرتويكا‪ .‬فعوض االتحاد مارسوا‬
‫تسدْ"‪ .‬وبدل التضامن بني التونس ّيني م ّيزوا جامعتهم وفرقتهم‬
‫سياسة "ف ّرقْ ُ‬
‫وقسموا التونس ّيني إىل إسالم ّيني (أح ّبة الله) وعلامن ّيني (أعداء الدين)‪ .‬وعوض‬
‫ّ‬
‫اإليثار كانوا فاغري األفواه والجيوب البتالع تونس دون أن يكون لهم أ ّي‬
‫إحساس بشعارات الثورة املطالبة بالعدالة الجهويّة والتنمية والتشغيل‬
‫والكرامة والخبز‪.‬‬

‫الخميس ‪ 2‬نوفمرب ‪ - 2017‬املوافق لـ ‪ 15‬صفر ‪ - 1438‬العدد ‪65‬‬

‫لسطينية‬

‫ورقات ف‬

‫‪12‬‬

‫ال لقيام جبهة للمطبعين في تونس‬

‫د منري السعيداين*‬

‫المقاطعة في مواجهة التطبيع‬

‫‪...‬أما إبان حرب ‪ 1973‬فقد التعاطف الجامهريي الطاليب والتلمذي والشعبي عامة مع‬
‫الجيوش العربية واضحا خاصة وأن الجيش التونيس كان يشارك يف املعارك وإن بصفة‬
‫رمزية‪ .‬وقد كان لألجواء الرمضانية حينها وقع كبري عىل مشاعر االعتزاز بانتصارات معارك‬
‫العبور وتحطيم خط بارليف واجتيازه عىل الرغم من االستثامر السيايس املتسبب يف‬
‫إهدار جهد الجنود املتعطشني للثأر من النكبة فالنكسة فالهزمية‪ .‬وقد اتضح مدى ذلك‬
‫التعاطف عىل أعمدة الصحف أيضا يف مقاالت كانت موقفا ولهجة مع التضامن العريب‬
‫األدىن املطلوب والذي ترجم يف شعارات عديدة منها االبتهاج بالتنسيق املرصي السوري يف‬
‫الحرب‪ ،‬واالعتزاز باشرتاك الجيوش العربية ومنها التونسية واملغربية والليبية والطيارين‬
‫العراقيني‪ ...‬لقد كان املوقف املساند للحرب تعبريا عن مدى تعلق الجامهري باملوقف‬
‫املعادي للصهيونية ولكيانهم ورفضهم الستيطانهم االستعامري يف فلسطني‪.‬‬
‫وقد تجسم نفس املوقف ثانية غداة رحلة السادات إىل القدس حيث‬
‫عمت املظاهرات الطالبية العاصمة خاصة معربة عن موقف مبديئ رافض‬
‫للزيارة وللمنطق السيايس الذي كانت تستند إليه‪.‬‬
‫وعىل الرغم من عمل القيادات النقابية يف االتحاد العام التونيس للشغل‬
‫سواء منها املرتبطة بالحزب الحاكم أو باملجموعات اليسارية اآلخذة‬
‫بالتنامي حينها عىل عدم انخراط االتحاد انخراطا جديا يف مقاومة‬
‫الصهيونية بل وتعمد رأس القيادة ممثلة يف الحبيب عاشور حينها استفزاز‬
‫املشاعر الوطنية بالتعبري عن مواقف فيها تفضيل لإلرسائيليني عىل العرب‬
‫فإن الوعي تنامى برضورة أخذ الشغالني التونسيني لنصيبهم من املعركة‬
‫القومية ضد الصهيونية ورفضها للمنطق املستسلم‪.‬‬
‫وبعد هيمنة واضحة لألطروحات السياسية اليسارية املتغربة والبعيدة‬
‫عن الهم القومي أو حتى املتعاطفة مع املواقف الشيوعية العربية‬
‫التقليدية املعرتفة بالكيان الصهيوين عىل الساحة السياسية املعارضة بدأت‬
‫قوى يسارية وقومية رافضة للتطبيع يف الربوز فيها بأطروحات فيها اقرتاب‬
‫تدريجي من املوقف املبديئ من الصهيونية‪ .‬ومنذ منتصف سبعينات القرن‬
‫العرشين بدأت هذه القوى يف التوجه نحو الحركة النقابية والعاملية‬
‫مبوقف يستعيد املوقف املبديئ الذي كان لالتحاد العام التونيس للشغل‬
‫إبان زعامة فرحات حشاد له‪ .‬وبدأت البيانات واللوائح والعرائض تتجه‬
‫تدريجيا خالل املؤامرات واالجتامعات القطاعية والوطنية والجهوية نحو‬
‫إفراد الرصاع العريب الصهيوين باهتامم خاص ترجم يف لوائح مخصوصة‬
‫بالوضع‪ .‬ومنذ بداية الثامنينات كان ذلك االتجاه آخذا باالزدياد وخاصة‬
‫منذ أن بدأت نقابة التعليم الثانوي تنظم األنشطة الدعائية والتحريضية‬
‫والتثقيفية وتصدر البيانات والنرشيات يف الغرض‪ .‬وفضال عن متحور كل‬
‫تلك النضاالت حول تأكيد التمسك بشعارات أن ال صلح وال تفاوض وال‬
‫اعرتاف من جامهري النقابيني والشغالني بالكيان الصهيوين فقد بينت‬
‫دراسات عديدة أن الشعور القومي واالعتزاز باالنتامء إىل األمة العربية‬
‫ومساندة النضال الوطني الفلسطيني بوصفه نضاال تاريخيا من أجل‬
‫اسرتجاع األرض من مغتصبيها شعور واعتزاز راسخان يف وجدان العامل‬
‫والشغالني التونسيني‪ .‬وفضال عن النضاالت املتكررة تقام ندوات مخصصة‬
‫جهوية ووطنية وقطاعية مخصصة ملناهضة التطبيع ‪ ،‬يعرب االتحاد‬
‫العام التونيس للشغل منذ بداية التسعينات عن موقف رافض للتطبيع‬
‫مع العدو الصهيوين وهو موقف مبديئ تتبناه هياكله جميعها وموثق‬

‫يف لوائح عديدة منها لوائح املؤمترات واجتامعات الهيئات ذات السلطة‬
‫التقريرية من مجالس وطنية وهيئات إدارية وذلك عىل املستويات‬
‫الوطنية والقطاعية والجهوية كام أن بيانات عيد العامل العاملي يوم غرة‬
‫ماي وكذلك بيانات ذكرى تأسيس االتحاد يف ‪ 20‬جانفي من كل سنة تؤكد‬
‫يف كل مرة عىل ذلك املوقف‪.‬‬
‫وقد عرفت العديد من األحزاب السياسية املعرتف بها وذات التمثيل يف‬
‫مجلس النواب مبواقف مبدئية مناهضة للتطبيع ومؤكدة عىل رضورة‬
‫مقاطعة الكيان الصهيوين والصهاينة جميعهم‪ .‬وقد شهد مجلس النواب‬
‫مثال مساءلة النائب أحمد الخصخويص عن حزب حركة الدميقراطيني‬
‫االشرتاكيني لوزير الخارجية عن لقاءات متت بينه وبني مسؤولني صهاينة‪.‬‬
‫كام أن أحزاب الوحدة الشعبية والدميقراطي التقدمي واالتحاد الوحدوي‬
‫الدميقراطي تعرب يف لوائحها وبياناتها وصحفها الرسمية الوحدة واملوقف‬
‫والوطن عىل التوايل عن موقف مبديئ رافض للتطبيع‪ .‬وهي نفس األحزاب‬
‫والصحف التي عربت عن نفس املوقف مبناسبة إعالن صحيفة الصباح‬
‫اشرتاكها يف مسابقة السالم املزعومة‪ .‬وقد شهدت سنة ‪ 2005‬وخالل‬
‫انعقاد القمة العاملية للمعلومات سلسلة من اإلرضابات واالعتصامات‬
‫وتنظيم سلسلة من املسريات وظهور البيانات املنددة بزيارة شارون‬
‫املفرتضة لتونس يف العاصمة ويف عديد املدن الداخلية‪ ،‬فعىل الرغم من‬
‫التعتيم وتعويض شارون بسيلفان شالوم فإن التعبري عن رفض التطبيع‬
‫كان قويا وحازما‪.‬‬
‫ويشارك العديد من املدونني التونسيني والباحثني واآلكادمييني والصحفيني‬
‫والكتاب يف الحمالت املتتالية التي تشهدها البالد مناهضة للتطبيع‬
‫ويوالون كتابة املقاالت املنددة باملطبعني والكاشفة ألخطار التطبيع عىل‬
‫األمة وعىل مصالحها‪ .‬وزيادة عىل تكون هيئات قطاعية مثل محامون‬
‫مناهضون للتطبيعينشط العديد من التونسيني يف إطار هيئات شعبية‬
‫ومدنية يف مقاومة التطبيع ومواجهة كل ما ميكن أن يكون من مشموالته‬
‫من النشاطات الرسمية وغري الرسمية‪.‬‬
‫‪ 2-2‬يف باقي الوطن العريب‪:‬‬‫مل يكن موقف املقاطعة الذي مارسته الحركة الوطنية يف تونس موقفا‬
‫منفردا بل كان يف انسجام تام مع املوقف السائد يف الحركة التحررية‬
‫العربية عامة وذلك حتى من دون وجود تنسيق دائم بني فصائلها‬
‫ومكوناتها‪.‬‬
‫فلقد بدأت فكرة مقاطعة العرب الفلسطينيني لليهود تتبلور يف خضم‬
‫النضاالت التي كان يخوضها الفلسطينيون ضد طالئع الحركة الصهيونية‬
‫ونواتات االستيطان التي بدأ زرعها منذ نهايات القرن التاسع عرش‪ .‬لقد‬
‫نشأت املقاطعة بوصفها أسلوبا نضاليا وسالحا من أسلحة الحرب ضد‬
‫الصهيونية من رحم نضاالت الفلسطينيني ضد املجموعات اليهودية‬
‫الوافدة من كل حدب وصب إىل أرض فلسطني‪ .‬ففي سنة ‪ 1920‬ويف‬
‫مؤمتر الجمعية اإلسالمية املسيحية املنعقد يف نابلس دعي تجار فلسطني‬
‫ومزارعوها وحرفيوها إىل مقاطعة اليهود مقاطعة تامة بحيث ال تباع‬
‫لهم األرايض ألنهم كانوا يعدون لالستيطان فيها وال يشغلون يف املزارع‬
‫حتى مينعوا من االستقرار وال تتبادل معهم أية أنواع من السلع حتى‬
‫ال يتسللوا إىل أعصاب االقتصاد الفلسطيني وال يتاجر معهم حتى ال‬
‫يحتلوا مواقع احتكارية تنمي أمواال لهم يستخدمونها يف رشاء العقارات‬
‫واألرايض‪ .‬لقد كان شعار املقاطعة شعارا مناضال ونابعا من إرادة حرة لدى‬
‫املسلمني واملسيحيني عىل حد السواء ومستجيبا لرضورة تطوير مواجهة‬
‫رؤوس حراب االستيطان الصهيوين وتضييق الخناق عىل االنتداب الربيطاين‬
‫الذي كان يسعى بكل جهد إىل تيسري ذلك االستيطان وألن ذلك القرار‬
‫كان ينم عن وعي حاد بطبيعة الحركة الصهيونية وتفطن لكيفية تسلل‬
‫إرهابييها وأعوان استخباراتها ومرتزقتها الذين كان ميولهم كبار أثريائهم‬
‫فقد تعزز بقرار ثان صدر عن مندوبني من سوريا ورشق األردن ولبنان‬
‫وفلسطني يف مؤمتر القدس الذي عقدوه بتاريخ ‪ 27-11-1929‬والذي‬
‫أكد عىل عدم جواز بيع األرايض لليهود ومقاطعة املصنوعات والسلع‬
‫ذات املصدر اليهودي‪ .‬وقد حملت ثورة فلسطني الكربى التي اتصلت‬
‫من ‪ 1936‬إىل ‪ 1939‬تطورا آخر يف استخدام سالح املقاطعة‪ .‬فعىل خلفية‬
‫اإلرضاب العام الذي تواصل لستة أشهر إضافة إىل العصيان العام قامت‬
‫انتفاضات وثورات فلسطينية مسلحة ضد االنتداب الربيطاين ومن رحمها‬

‫نشأت اللجان القومية العربية للمقاطعة يف كل من فلسطني طبعا وسوريا‬
‫واألردن ولبنان ومتثلت مهمتها يف منع إرسال البضائع إىل فلسطني ما مل‬
‫تكن تحت مراقبة اللجان ومبوافقة منها بحيث متنع املنظامت والعصابات‬
‫الصهيونية وباقي الجامعات اليهودية من التأثري يف حركة انسياب السلع‬
‫يف إطار اقتصاد الحرب الذي أقامه الفلسطينيون وجريانهم العرب‪ .‬وكان‬
‫من سامت تلك اللجان توسعها إىل أعداد غفرية من الوطنيني من التجار‬
‫واملزارعني والصناعيني ورجال األعامل وحتى الصحفيني ورجال السياسة‬
‫وحملت السنة املوالية‪ ،1937،‬تطورا مهام آخر بني مدى اتساع رقعة‬
‫منتهجي مقاطعة الصهيونية وأعوانها ومساعديها من االستعامريني‪.‬‬
‫فقد ضم املؤمتر القومي العريب‪ ،‬الذي انعقد يف ببلودان والذي ضم إىل‬
‫جانب من اعتاد املشاركة من الوفود السورية والفلسطينية واألردنية‬
‫واللبنانية‪ ،‬وفودا من كل من العراق ومرص والعربية السعودية‪ .‬وفضال‬
‫عن اتخاذها بعدا نضاليا عربيا يف مراعاتها شملت املقاطعة التي تأكد‬
‫العمل بها يف قرارات ذلك املؤمتر بضائع الدول التي تدعم االستيطان‬
‫الصهيوين يف فلسطني‪ .‬وقد كان من شأن ذلك االتساع من جهة و التعمق‬
‫من جهة أخرى أن أثر يف السياسات الرسمية العربية بحيث مل يكن عىل‬
‫مندويب الدول العربية إىل مجلس الجامعة العربية الناشئة حديثا وامللتئم‬
‫يف جلسته الثانية بتاريخ ‪ 02-12-1945‬إال اتخاذ قرار مقاطعة البضائع‬
‫و املصنوعات اليهودية أي تلك التي كانت تنتج يف األحياء والتجمعات‬
‫السكنية املقفلة‪ -‬الغيتوهات‪ -‬واملستوطنات التي أنشأها الصهاينة‬
‫بالحديد والنار والخداع وكانوا يحرسونها مبجرمي العصابات اإلرهابية‬
‫ويسوقون منتجاتها تحت تهديد الحراب الغاشمة‪ .‬ولكن القرار األهم يف‬
‫تلك الجلسة كان تشكيل مكتب دائم للمقاطعة مقره دمشق ترتبط به‬
‫لجان يف جميع األقطار العربية تتكفل مبتابعة سياسة املقاطعة‬
‫مثل ذلك القرار النواة التي انطلقت منها الجامعة العربية يف تطوير‬
‫القواعد القانونية واألساليب التنظيمية واملجريات العملية لسياسة‬
‫املقاطعة العربية قبل سنتني فقط من إقامة الكيان الصهيوين ويف غمرة‬
‫التوجه نحو تصعيد النضال ضد الصهيونية بوصفها عدوا لألمة العربية‬
‫كافة‪ .‬وعل الرغم من هزمية الجيوش التي حاولت التصدي‪ ،‬فقد استوجب‬
‫تركيز ذلك الكيان الغاصب تطوير التحركات خاصة وأن حركة التحرر‬
‫العربية قد وجدت لها يف مرص النارصية‪ ،‬منذ ‪ ،1952‬سندا جديدا متعاظم‬
‫القوة والتأثري‪ .‬وكان من شأن ذلك التأثري الدفع يف اتجاه تطوير مقاطعة‬
‫الكيان الصهيوين بحيث متثل سياسة مبدئية تتبنى رسميا من قبل الحكام‬
‫العرب ويكون قوامها فرض حظر شامل عىل إرسائيل‪ .‬وقد تم ذلك مبوجب‬
‫قرار من مجلس الجامعة العربية يف دورته الثانية والعرشين املنعقدة‬
‫بتاريخ ‪ .11-12-1954‬وقد نص القرار عىل وجوب تطبيقه‪ ،‬وتحت طائلة‬
‫العقاب‪ ،‬من قبل األشخاص الطبيعيني واالعتباريني العرب وبوصفه‬
‫موجها ضد كل األشخاص الطبيعيني واالعتباريني اإلرسائيليني سواء أأقاموا‬
‫بفلسطني املحتلة أو انتموا إىل إرسائيل بالجنسية أو عرف عنهم أنهم‬
‫يعملون لصالحها وصالح الحركة الصهيونية بجميع مكوناتها السياسية‬
‫واإلعالمية والعسكرية واالستخباراتية ومبا ال يستثني الرشكات التي تديرها‬
‫إرسائيل أو تساهم فيها أو لها فيها نفوذ ما وحتى تلك التي تدعمها‬
‫عن بعد‪ .‬ويشمل الحظر جميع أشكال املعامالت االقتصادية واملالية‬
‫والتجارية‪.1‬‬
‫لقد كان التطور األهم الذي دفع باتجاهه ذلك القرار هو إقامة مكتب‬
‫دائم للمقاطعة العربية إلرسائيل يكون مقره دمشق يديره مفوض عام‬
‫تتمثل مهمته يف تأمني االتصال والتنسيق بني املكاتب املختصة بشؤون‬
‫املقاطعة الواجب فتحها وتنشيطها وتطوير عملها ورفع تقارير دورية عنه‬
‫يف كل دولة عربية‪ .‬ومن أجل إحكام التنسيق بني املكاتب وبني الجامعة‬
‫ككل ومكتب املقاطعة الرئييس ينعقد مرتني يف كل سنة وكلام دعت‬
‫الحاجة مؤمتر للمرشفني عىل شؤون املكاتب ويسمون ضباط اتصال‪.‬‬
‫ومبوجب القرار‪ ،‬عد من بني املهام املوكولة بكل دولة عربية عىل حدة‬
‫توسيع املقاطعة وتحويلها إىل سياسة رسمية عرب إصدار ترشيعات خاصة‬
‫وتنفيذها مبا يعزز العمل عىل عزل إرسائيل ومجابهة ضغوط الدول‬
‫االستعامرية املساندة لها وخاصة منها فرنسا وبريطانيا والواليات املتحدة‬
‫األمريكية‪.‬‬
‫*جامعي وباحث‬

‫‪ 1‬‬

‫‪.‬‬

‫‪13‬‬

‫لسطينية‬

‫ورقات ف‬

‫الخميس ‪ 2‬نوفمرب ‪ - 2017‬املوافق لـ ‪ 15‬صفر ‪ - 1438‬العدد ‪65‬‬

‫تركيا تعجيل وتأجيل وال تغيير‬
‫د ‪ :‬عادل سامرة "رام الله "‬

‫من البساطة مبكان ومن املهادنة مبكان‪،‬‬
‫وهذا أخطر‪ ،‬أن يُنظر إىل تركيا وكأن موقفها‬
‫يتغري من سوريا والعرب‪ ،‬وال نقصد اردوغان‬
‫حرصا‪ .‬فرتكيا كعدو حقيقي مل تختلف‬
‫منذ ‪ 1516‬وصوال إىل أتاتورك فمندريس‬
‫وتورجوت أوزال فأردوغان‪ .‬استعامر‪ ،‬وعدو‬
‫ومحتل أرض وعشيقة مزدوجه للكيان وأمريكا‪ .‬وموضع استثامرات‬
‫للعدو الغريب وخاصة أوروبا‪ .‬أما وتركيا كل هذا‪ ،‬فهل ميكن أن تكون‬
‫صديقة للعرب‪ ،‬أن تتحول؟‪ ‬‬
‫يف املستوى االقتصادي‪ ،‬تركيا ورشة استثامرات غربية يك تنتج‬
‫للمتخلفني العرب ويك تساهم يف تخليد تخلفهم عرب غمر األسواق‬
‫وعرب تركيز التذرير العريب واالحتالل إن أمكن‪ .‬ولذا تركيا الراساملية‬
‫أي الطبقة الربجوازية الرتكية حريصة عىل السيطرة بأي شكل عىل‬
‫اوسع رقعة ممكنة من الوطن العريب وخاصة ألنه محكوم من أنظمة‬
‫يف معظمها خائنة وتابعة وبالتايل تطمح تركيا يف دور المتطاء هذه‬
‫املطايا‪ .‬ولذا تطربش تركيا أي راس املال الرتيك رأسها بالطربوش‬
‫اإلسالمي منذ قرابة ستة عرش عاماً‪ .‬وهذا التطربش هو نتاج طفرة‬
‫إنتاجية بيد عاملة تركية ووكاالت برجوازية تركية ورأسامل اورويب‪,‬‬
‫وهذا يفرس موقع تركيا يف الوسط بني العرب والغرب ويفرس التوكيل‬
‫األورويب لرتكيا بأن يتم تشغيلها لتسويق منتجات أباها غريب وأمها‬
‫تركية ولكن دون أوربة تركيا نفسها‪ .‬وهذا التقاسم مفهوم من تركيا‬
‫وأوروبا وكليهام يغض الطرف عنه ولكن يقبله‪.‬‬
‫صحيح أن وكيل الغرب يف تركيا كان حتى صعود اإلخوان املسلمني‬
‫هو الجيش الرتيك مبا هو جيش امرييك االنتامء ناتوي العقيدة صهيوين‬
‫الخدمات‪ ،‬ولكن ما حصل بوصول اإلخوان إىل السلطة هو الحفاظ‬
‫عىل عقيدة الجيش الرتيك وتقوية اإلخوان يف السلطة ولكن يف الحالتني‬

‫بقيت تركيا رأس املال‪ ،‬اي الطبقة الربجوازية أل‪-‬نصف تابعة هي‬
‫املوجه الحقيقي للسياسة الرتكية ‪ ،‬ببساطة ألنها االقتصاد‪.‬‬
‫وهذه الطبقة هي خدماتية بامتياز طبعا‪ ،‬ال سيام وتركيا تعترب دولة‬
‫جاذبة للسياحة من الرشق والغرب‪ .‬هناك يتالقى السواح من روسيا‬
‫إىل بريطانيا إىل مكة واملستوطنة الصهيونية وحتى قرى رام الله! وهذا‬
‫مدر دخل وطبعا تجميالً ما لرتكيا كبائعة هوى مسلمة وسنية معاً!‬
‫لوال الدور ومن ثم املوقع الخطريين لرتكيا ملا كان للعدوان املعومل‬
‫عىل سوريا أن يأخذ هذا الخطر واالمتداد والدوام والعمق‪ .‬أي أن‬
‫العدوان أساسه تريك وإن كان خالقه امرييك‪-‬صهيوين‪ .‬مل يكن ل لبنان‬
‫او األردن أن يتمكن من لعب هذا الدور كام هي تركيا‪ ،‬وبالتايل مل‬
‫يكن سهال ترسيب اإلرهابيني من هذين البلدين مقارنة بتدفق نهر‬
‫اإلرهاب من تركيا‪ .‬‬
‫وإذا كان هذا دور تركيا وهدفها أ بتدمري سوريا لتكون محطة انطالق‬
‫تريك يجدد احتالل ‪ 1516‬ومعركة مرج دابق‪ ،‬فهل ميكن أن يتغري‬
‫دور وهدف تركيا بهذه البساطة ال سيام وأن هذا الدور وصل قمته‬
‫متواكبا مع أحط فرتات التاريخ العريب الحديث‪.‬‬
‫لنتذكر أن مجلة داعش اسمها "دابق"‪ .‬وهذا الدور الرتيك يفتح عىل‬
‫االستخدام األمرييك والصهيوين لرتكيا ضد العرب جميعاً‪ .‬فهي رشاكة‬
‫خطرية بغض النظر عن الحصص‪ .‬‬
‫مل تدخر تركيا جهدا ً يف تدمري سوريا وهزميتها‪ .‬وتعرثت السياسة‬
‫الرتكية كثريا خالل السبع سنوات العجاف‪ ،‬ودخلت تركيا يف تناقضات‪/‬‬
‫توافقات مع روسيا وإيران لكنها تجاه سوريا والعراق بقيت عدو‬
‫استعامري بوضوح‪ ،‬وهذا يعني انها ستبقى‪ ،‬ولذا علينا أن نبقى عدو‬
‫ضدها‪.‬‬
‫إن ما يبدو بانه تراجع نسبي يف املوقف الرتيك تجاه سوريا وإىل حد‬
‫ما العراق بسبب تغذية امريكا للعمالء من الكرد يف دول اإلقليم‬
‫األربعة‪ ،‬ال يعني تغريا قي الدور األسايس واملصريي لرتكيا كعدو للعرب‬
‫وأداة ضدهم وكمحتل لإلسالم باسم الخالفة‪.‬‬

‫ذكرى وعد بلفور‪:‬‬

‫وال شك ان تركيا تعلم بأن األمرييك قد ذهب عميقاً إىل حضن‬
‫عشيقته الكردية الستغاللها ضد محور املقاومة واملامنعة بل وضد‬
‫السياسة الروسية املتوازنة دوليا‪ ،‬لكنها تعلم ايضا أن توافقا ال بد منه‬
‫مع العراق وسوريا وإيران لوضع حد لطموحات املخدع الكردي ومن‬
‫ثم النيل ‪/‬الظفر ثانية بالعشيق األمرييك‪-‬الصهيوين‪ .‬‬
‫وخالل هذه املناورة ال بد لرتكيا‪ ،‬كعاشقة عجوز أن تتحمل الوضع وأن‬
‫تزجج نفسها أكرث وأن تُظهر لألمرييك ان لها عشاقا كثار (كام قالت‬
‫املطربة صباح‪ -‬حوايل العشاق كثار)‪.‬‬
‫وهذا يعني أن تركيا تصرب قليال وال تتغري‪.‬‬
‫ومع ذلك‪ ،‬فدخول تركيا إىل إدلب‪ ،‬هو تأكيد بأن رشهها االستعامري‬
‫يفرض نفسه عليها‪ ،‬واحتوائها لعمالئها السوريني باسم الجيش الحر‬
‫ودعمها للنرصة وغريها تؤكد هذه جميعا ان تركيا تحاول أو ال تزال‬
‫تحاول اإلمساك مبختلف الخيوط‪.‬‬
‫وهي يف عدوانها عىل إدلب إمنا تقدم ألمريكا سياسة حسن سلوك‬
‫مفادها‪ :‬إذا كان الهدف ليس إقامة دولة لربجوازية وإقطاع الكرد‪ ،‬بل‬
‫حامية الكيان الصهيوين وتفتيت اعمق لألمة العربية‪ ،‬وهذا يشرتط‬
‫اساسا سحق سوريا‪ ،‬فها انذا‪ ،‬تركيا‪ ،‬مل أتوقف عن ذلك!‬
‫نختم بان هذا الطرح املوجز واملكثف ال يهدف ‪،‬وال ميكننا‪ ،‬الدخول‬
‫يف تفاصيل سري العدوانات عىل األرض يف سوريا‪ ،‬وإمنا الهدف فقط‬
‫توضيح أمرين‪:‬‬
‫األول‪ :‬إن الراساملية الرتكية التابعة أو نصف التابعة هي الحاكم‬
‫الحقيقي للسياسات الرتكية‬
‫والثاين‪ :‬إن اية مرونة تركية تجاه سوريا‪ ،‬هي مؤقتة وخطرية وخبيثة‬
‫وأحياناً وقحة انظر حالة إدلب كمرشوع اغتصاب أرض‪.‬‬
‫وعليه‪ ،‬فإن من ينىس العدو الرتيك هو أغبى ممن ينىس العدو‬
‫الصهيو‪-‬أمرييك‪ .‬ولكن‪ ،‬أي عدو هو الرتيك؟ إنه املرشوع اإلخواين الذي‬
‫يرتبط باملرشوع الرأساميل‪/‬اإلمربيايل املعومل وضمنه الصهيوين عىل‬
‫األمة العربية والعامل‪.‬‬

‫‪ 2‬نوفمبر ‪ " 1917‬وعد من اليملك لمن اليستحق"‬
‫وعد بلفور‪ :‬هو ذلك الوعد الذي أصدرته الحكومة الربيطانية‬
‫بإنشاء الوطن القومي اليهودي يف فلسطني‪ ،‬وذلك يف الثاين‬
‫من نوفمرب عام ‪1917‬م‪ .‬وكان مبثابة الخطوة األوىل للغرب‬
‫عىل طريق إقامة كيان لليهود عىل أرض فلسطني؛ استجابة مع‬
‫رغبات الصهيونية العاملية عىل حساب شعب متجذر يف هذه‬
‫األرض منذ آالف السنني‪.‬‬
‫وجاء الوعد عىل شكل ترصيح موجه من قبل وزير خارجية‬
‫بريطانيا آنذاك‪ ،‬آرثر جيمس بلفور يف حكومة ديفيد لويد‬
‫جورج يف الثاين من ترشين الثاين عام ‪ ،1917‬إىل اللورد‬
‫روتشيلد‪ ،‬أحد زعامء الحركة الصهيونية العاملية‪ ،‬وذلك‬
‫بعد مفاوضات استمرت ثالث سنوات دارت بني الحكومة‬
‫الربيطانية من جهة‪ ،‬واليهود الربيطانيني واملنظمة الصهيونية‬
‫العاملية من جهة أخرى‪ ،‬واستطاع من خاللها الصهاينة إقناع بريطانيا بقدرتهم عىل تحقيق أهداف بريطانيا‪ ،‬والحفاظ عىل‬
‫مصالحها يف املنطقة‪...‬‬
‫"منارات"‬

‫‪14‬‬

‫الخميس ‪ 2‬نوفمرب ‪ - 2017‬املوافق لـ ‪ 15‬صفر ‪ - 1438‬العدد ‪65‬‬

‫حوار منارات مع محمد الخالدي‪:‬‬

‫السلطة الوحيدة التي أؤمن بها‬
‫وأتعامل معها هي سلطة اللغة‬
‫حوار «رشيدة الشارين»‬

‫ال يشء يؤسس لعمق التجربة األدبية مثل اإلرصار عىل مغامرة الرحيل مكانا وزمانا‬
‫ولغة‪ ،‬إن البحث عن األرض املستحيلة والحلم املمكن يرسم يف ثناياه أسئلة التيه‬
‫اإلنساين يف أبعادها الوجودية العميقة وييضء جانبا من املجهول ‪،‬الشاعر والروايئ‬
‫وامليض نحو أفق الحداثة‪،‬عرف‬
‫التونيس مح ّمد الخالدي مبدع ممتلئ بتجربة الرحيل‬
‫ّ‬
‫املنفى مرشقا ومغربا ألسباب سياسية ونهل من ثقافات نهضت عىل القيم الكونية‬
‫الكربى وعندما عاد كان أشبه بالغريب داخل وطنه‪ ...‬عاىن اإلقصاء واإلساءة ولكنه مل‬
‫يعامل كتّاب البالط باملثل مل ّا عينّ مديرا لبيت الشعر بل دعاهم إليه وأكرم وفادتهم‬
‫نصه جغرافيا مفتوحة عىل تضاريس الروح ورحلة عرب طبقات الذات األش ّد كثافة‬
‫‪ّ ،...‬‬
‫يخوضها مسلحا مبعاول لغة سخية مدهشة تث ّور الصامت وتثري الغامض وتط ّوع املعاين‬
‫املنفلتة وتنرث غبار األسئلة امللحة ‪ ،‬هو صوت متف ّرد ممتلئ بذاته وبعيد عن الرنجسية‬
‫املريضة واإلدعاء ‪ ،‬سكن القصيدة والرواية واتخذ منهام موطنا ‪ ،‬يف جميع أعامله‬
‫الروائية حرضت مدينة املتلوي ‪،‬مسقط رأسه بتفاصيلها الصغرية ويف ّكل م ّرة يعيد‬
‫تشكيلها تشكيال فنيا مختلفا ويبعث املفقود يف مفاصلها ‪ ،‬صدرت له أخريا رواية‬
‫«املالمية» عن دار ضفاف يف بريوت ومن خاللها يقتحم موضوع الدين ويزعزع الكثري‬
‫من املفاهيم السائدة‪ ،‬بل يقلبها ويخلطها ويدخلها منطقة الشك ‪ ،‬مح ّمد الخالدي‬
‫الذي يحتفي اآلخر يف الرشق والغرب بتجربته نقدا وترجمة مازال كغريه من الكتاب‬
‫التونسيني الكبار يعاين الغياب فيام يجد أشباه املبدعني الحظوة الفائقة ‪،‬عرب تجربته‬
‫والسفر واألمل أيضا ‪ ،‬كم سننتظر حتى تنتبه تونس‬
‫الرثية املتميزة كانت يل متعة الحوار ّ‬
‫إىل مبدعيها الكبار ؟‬
‫صدرت لك مؤخرا عن منشورات ضفاف في بيروت روايتك‬
‫«المالمية»‪ ،‬قال عنها الناقد المصري حمزة قناوي «إنها‬
‫ملحمة استبطان روح اإلنسان»‪ .‬المفارقة أنك تناولت‬
‫مسائل روحانية انطالقا من الخمارات فهل من توضيح‬
‫لذلك؟‬
‫ج‪« :‬املالمية» رواية نؤت بها طيلة عرشين عاما أو أكرث‪ .‬فقد نبتت فكرتها‬
‫األوىل عندما كنت يف جينيف بداية التسعينيات من القرن املايض‪ .‬لكنني‬
‫مل أجرؤ عىل وضعها عىل الورق إالّ عامي ‪ .1999-2000‬ومع ذلك ظللت‬
‫أتهيّب العودة إليها لصياغتها صياغة أخرية وانتظرت خمس عرشة سنة‬
‫أخرى أنجزت خاللها أربع روايات‪ ،‬صدرت ثالث منها حتى اآلن‪ ...‬ولعل‬
‫ما جعلني أتهيّب إخراجها هو موضوعها الشائك واملثري للجدل‪ .‬هو‬
‫إمكانية التحقق ال ّروحي عن طريق امللذات الجسدية والحسية ال عن‬
‫طريق ال ّزهد وإماتة الحواس‪ .‬وإليصال هذه‬
‫الفكرة استعرت صورة املالمية أو املالمتية‬
‫وهي فرقة صوفية يُظهر أفرادها عكس‬
‫مايبطنون لبلوغهم درجة عالية من التحقق‬
‫ال ّروحي حتى سقطت عنهم الفرائض‪.‬‬
‫تدور أحداث ال ّرواية ككل روايايت يف مدينة‬
‫املتلوي مطلع السبعينيات من القرن املايض‪،‬‬
‫لكنها تتفتح عىل فضاءات وأصقاع أخرى‬
‫شاسعة‪ .‬وأما شخصياتها فمتنوعة بتن ّوع‬
‫النسيج املجتمعي للمدينة يف تلك الفرتة‬
‫عندما كانت يف أزهى عصورها حتى لقّبت‬
‫«بباريس الصغرى»‪.‬‬

‫وهذا طبيعي‪ ،‬ذلك أن املكان عادة ما يستبد بنا كلام نأينا عنه‪ .‬وكذلك‬
‫الطفولة‪ .‬وقد يرتبطان ببعضهام أحيانا كام يف مجموعتي «وطن الشاعر»‪،‬‬
‫وال شك أن الفرتة الطويلة التي قضيتها خارج الوطن (أكرث من عرشين‬
‫عاما) كانت القادح األول لالهتامم باملوطن األول أي مسقط ال ّرأس‪ .‬ومن‬
‫خالل اهتاممي باملكان برزت تيمة أخرى هي العودة إىل األصل أو ال ّرحم‪.‬‬
‫فهناك دامئا غريب أو أكرث يف روايايت وحتى يف بعض قصائدي يعود إىل‬
‫موطنة بعد سنوات من الغربة ليصطدم بالتح ّوالت التي حصلت يف غيابه‪.‬‬
‫وبالطّبع‪ ،‬فإن استدعاء املكان هو استدعاء للذاكرة أيضا‪ ...‬إن املتلوي‬
‫مدينة روائية بامتياز‪ ،‬فقد آوت‪ ،‬باعتبارها مدينة منجمية أصنافا شتى‬
‫من البرش قادمني من جميع أنحاء البالد أو من وراء البحار كام حصل يف‬
‫العقود األوىل التي أعقبت اكتشاف الفسفاط‪ .‬ووسط هذا الخليط من‬
‫البرش كث ًريا ما تربز شخصيات طريفة أو غريبة األطوار اهتممت بها بصفة‬
‫خاصة يف جميع أعاميل الروائية‪.‬‬

‫فباإلضافة إىل شعرية اللغة هناك شعرية املناخ أيضا وهي أشمل‪.‬‬
‫على ذكر الشعر وال ّرواية هناك جدل حول كتابة بعض‬
‫الشعراء لل ّرواية‪ .‬فما تعليقك على ذلك؟‬
‫ج‪ :‬هذا صحيح‪ ،‬هناك من أشباه ال ّروائيني ومن األكادمييني من يستكرث‬
‫عىل الشاعر كتابة ال ّرواية‪ .‬ألنه يف نظرهم غري مؤهل لذلك‪ .‬وهم بهذا‬
‫يفضحون أنفسهم ويكشفون عن جهلهم وبالتايل عن خوائهم املعريف‪.‬‬
‫فاألصل هو أن يكتب الشاعر ال ّرواية ولو كان لهؤالء اطالع ولو بسيط‬
‫عىل آداب العامل ملا ر ّوجوا ملثل هذه املقولة السخيفة‪ .‬فكبار ال ّروائيني‬
‫يف العامل هم يف األصل شعراء كبار أيضا‪ .‬واألمثلة عىل ذلك من الكرثة‬
‫حتى ليتعذّر حرصها‪ .‬وأكتفي هنا ببعضها‪:‬‬
‫فكازنتزايك هو شاعر اليونان األعظم يف‬
‫النصف األول من القرن العرشين حتى‬
‫أنه أعاد كتابة األوديسة شع ًرا‪ ،‬والعظيم‬
‫أستورياس صاحب رائعة «السيد الرئيس»‬
‫والحائز عىل جائزة نوبل هو شاعر‬
‫غواتيامال القومي‪ ،‬بل إن همنغواي نفسه‬
‫كان شاع ًرا هو اآلخر‪ .‬لكن ما حصل هو‬
‫أن هؤالء تُرجموا إىل العربية باعتبارهم‬
‫روائيني فقط‪ .‬وملعرفة أعاملهم األخرى ال‬
‫بد من االطالع عليها يف لغة أجنبية‪ ،‬لكن‬
‫املصيبة أن الغالبية العظمى من روائينا‬
‫وشعرائنا ال يقرؤون من اآلداب العاملية إال‬
‫املرتجم‪ ،‬وإذا علمنا بأن ما يرتجمه العرب هو قطرة من بحر أدركنا هول‬
‫املأساة‪ ،‬بل أكرث من ذلك هناك من أشباه ال ّروائيني عندنا من يسخر من‬
‫الشعر والشعراء ومثل هؤالء ال ميكن أن يكونوا روائيني‪.‬‬

‫االنتهازيون‬
‫والقادمون من‬
‫وراء البحار غ ّيروا‬
‫مسار الثورة‬

‫تحمل رواياتك وخاصة «سيدة‬
‫البيت العالي»‪ ،‬نفسا شعر ّيا ّأخاذا‪ .‬هل تكتب ال ّرواية بروح‬
‫الشاعر؟‬
‫ج‪ :‬أشري أ ّوال‪ ،‬رف ًعا ألي التباس‪ ،‬إىل أنني ال أكتب ما يسمى برواية اللغة‬
‫ألنها خالية من أي بناء يذكر‪ ،‬فهي إما نصوص متجاورة أو مج ّرد تداعيات‬
‫وتدوينات لغوية ال تقول شيئًا‪ .‬أما أن تتض ّمن روايايت نفسا شعريًّا فهذا‬
‫أمر طبيعي‪ .‬فالشاعر هنا هو من يكتب ال ّرواية وللعلم فإن الشعر مل‬
‫يرتاجع كام ير ّوج البعض‪ ،‬بل لجأ إىل أشكال تعبريية أخرى أهمها ال ّرواية‪.‬‬

‫تدور مناخات رواياتك والعديد من قصائدك في مسقط‬
‫رأسك المتلوي‪ .‬هل تحلل المكان في الذاكرة وبت تنشده‬
‫عشقا وأسئلة ورموزا؟‬
‫ج‪ :‬املكان تيمة مركزية يف كتابايت الرسدية منها والشعرية عىل ح ّد سواء‪.‬‬

‫يغلب على شعرك الطابع الصوفي‪ ،‬هل يعود ذلك إلى‬
‫تأثرك بديانات الشرق أم إلى قدرة اللغة الشعرية على‬
‫مالمسة الجوهر اإلنساني في أعمق تجلياته؟‬
‫ج‪ :‬التجربة الصوفية أو ال ّروحية‪ ،‬هي تجربة خاصة‪ .‬وقد بدأ اهتاممي‬
‫بالتصوف اإلسالمي لجزء من اهتاممي باألدب العريب‪ .‬وهو اختصايص‬
‫الجامعي‪ .‬لكنني مل ألبث أن انبهرت بنصوص بعض املتص ّوفة‪ .‬فهم‪ ،‬يف‬
‫نظري أول من ف ّجر اللغة وح ّملوها طاقة شعرية هائلة تتجاوز أحيانا‬
‫تخوم الشعر ذاته‪ ،‬كام نجد ذلك عند الجالج يف طواسينه والنفري يف‬
‫مواقفه وأيب حيان يف إشاراته اإللهية ومبعارشيت لهذه النصوص‪ ،‬تح ّول‬
‫اإلعجاب إىل التأثر والتأثر إىل تجربة معيشة‪ ،‬بعد مروري بأزمة قد ينعتها‬
‫البعض بالوجودية خلخلت الكثري من القيم والقناعات التي كنت أؤمن‬
‫بها كغريي من أبناء جييل‪.‬‬
‫وقد قادين اهتاممي بالتصوف إىل التع ّرف عىل الديانات والفلسفات‬
‫الرشقية بعد انتقايل لإلقامة يف جينيف‪ ،‬كالبوذية والهندوسية الطاوية‪.‬‬
‫فانبهرت بتعاليمها وقد كتبت عنها وترجمت منها نصوصا كثرية‪ .‬وقد‬
‫توصلت‪ ،‬من خالل معايشتي لها نظرا ومامرسة إىل حقيقة جوهرية هي‬
‫أن التجارب ال ّروحية الكربى يف كل العصور والحضارات تنهل جميعها من‬
‫مصدر واحد هو املعرفة أو الحكمة األوىل (‪،)la sagesse primordiale‬‬
‫مبا يف ذلك الرساالت النبوية وإنه ملن املؤسف أن نجهل‪ ،‬نحن العرب‬
‫حضارة ثلثي البرشية تقريبا‪ ،‬متخذين من الغرب النموذج األوحد‪ ،‬مع‬
‫أن الرشق هو األقرب إلينا روحيّا‪ ،‬وقد جمعت ما نرشته من دراسات‬
‫ومقاالت يف هذا املجال يف كتاب صدر قبل ثالث سنوات (‪ )2015‬تحت‬
‫عنوان «اإلبداع والتجربة ال ّروحية‪ -‬رؤية مغايرة»‪.‬‬
‫أقمت في بغداد لسنوات طويلة ثم في جينيف‪ .‬ماذا‬
‫وغربا؟‬
‫أضافت إليك تجربة الترحال ً‬
‫شرقا ً‬
‫ج‪ :‬إقامتي يف بغداد كانت املحطة الكربى األوىل يف مسرييت األدبية ويف‬
‫حيايت ككل‪ .‬فقد كانت بغداد يف السبعينيات عاصمة للثقافة العربية‬
‫دون منازع‪ .‬ومل ألبث أن انخرطت يف املشهد الثقايف الزاخر ألصبح جز ًءا‬
‫ال يتجزأ منه‪ ،‬متأث ًرا به ومؤثرا فيه من خالل ترجاميت خاصة‪ ...‬كنت‬
‫أعرف الخارطة الشعرية العراقية جي ًدا وأهم رموزها الذين تع ّرفت عليه‬
‫شخصيا بعد ذلك‪ ،‬لكن ما مل أكن أعرفه هو ذاك الزخم الهائل يف مجاالت‬
‫الفنون التشكيلية واملرسح واملوسيقى‪ .‬وقد ارتبطت بصداقات كثرية مع‬
‫فنانني كبار‪ ،‬رسامني وموسيق ّيني ومرسح ّيني‪.‬‬
‫كام تع ّرفت أيضا عىل مثقفني عرب اتخذوا من بغداد مق ّرا ً إلقامتهم بعد‬
‫أن ضاقت بهم بلدانهم وأنظمتهم‪.‬‬
‫لكن كان البد‪ ،‬بعد أحد عرش عا ًما يف بغداد من البحث عن آفاق جديدة‬
‫لتعذّر عوديت إىل تونس ألسباب سياسية‪ ،‬فانتقلت لإلقامة يف جينيف عرش‬
‫سنوات أخرى‪ ،‬وهي املحطة الكربى الثانية يف مسرييت‪ .‬وهناك انغمست‬
‫يف دراسة الديانات والفلسفات الرشفية التي أرشت إليها سابقًا‪ .‬وهكذا‬

‫‪15‬‬
‫تس ّنى ما مل يتس ّن إال للقليلني أال وهو العيش‬
‫يف مناخني مختلفني لكل منهام خصوصيته‬
‫وثراؤه‪ .‬وقد أودعت كل ذلك يف روايتي‬
‫األخرية «األوتاد» التي من املؤ ّمل أن تصدر‬
‫مطلع العام القادم‪.‬‬
‫عانيت اإلقصاء والتهميش في‬
‫عهد الدكتاتورية وواجهت مثقفي‬
‫السلطة ولكنك لم تعاملهم‬
‫بالمثل عندما استلمت إدارة بيت‬
‫الشعر‪ .‬هل أنت مطمئن لتغليب‬
‫الروح المتسامية فيك؟‬
‫ج‪ :‬من الطبيعي جدا أن أتع ّرض لكل أشكال‬
‫التنكيل يف زمن الدكتاتورية لرفيض االنصياع‬
‫ودخول بيت الطاعة واالنضامم‪ ،‬بالتايل‬
‫إىل القطيع‪ .‬لكن ما مل يكن يعرفه ثقفوت‬
‫املخلوع آنذاك هو أنهم كانوا يثريون شفقتي‪.‬‬
‫فهم مهزوزون وجبناء وإالّ ملا احتموا بالسلطة‬
‫واستقووا بها ليحاربوا كل من يخالفهم ال ّرأي‬
‫وليظهروا‪ ،‬وهذا هو املهم والءهم السلطة‪.‬‬
‫وما مل يكن يعرفه هؤالء أيضا هو أن السلطة‬
‫الوحيدة التي أتعامل معها هي سلطة اللغة‪.‬‬
‫وبالطبع‪ ،‬ما كان يل‪ ،‬عند استالمي إدارة بيت‬
‫الشعر أن أنهج نهجهم ألنني‪ ،‬ببساطة لست‬
‫من طينتهم‪ .‬وقد دعوت من كانوا يكتبون‬
‫ّيف التقارير األمنية واستقبلتهم مبا يليق‬
‫بالضيوف من حفاوة‪.‬‬
‫اهتممت في بيت الشعر بالشعراء‬
‫الشبان واحتضنت تجاربهم األولى‪.‬‬
‫هل هناك معالم جديدة في الشعر‬
‫التونسي شكال ومضمونا؟‬
‫ج‪ :‬كان برنامجي هو إخراج الشعر من عزلته‬
‫وإعادة الجسور بينه وبني األشكال التعبريية‬
‫األخرى فحرضت املوسيقى واملرسح وال ّرسم‬
‫والسينام وحتى ال ّرقص يف متا ٍه مع الشعر‪.‬‬
‫وكان الهدف من ذلك هو االبتعاد عن‬
‫السائد واملألوف‪ .‬وقد القت التجربة نجا ًحا‬
‫باه ًرا بشهادة الجميع‪ .‬وكان من نتيجة‬
‫ذلك أن كسبنا جمهو ًرا عريضا ومتن ّو ًعا‪ .‬كام‬
‫انفتحنا عىل الشباب من خالل بعث تظاهرة‬
‫«تشويش» لتمكينه من إطالق مواهبه يف‬
‫جميع الفنون‪ .‬وقد أدركت حتى اآلن طبعتها‬
‫السادسة وبفضل هذه التظاهرة برز عدد‬
‫من املواهب مت ّيز أصحابها من فتيان وفتيات‬
‫بقدرة فائقة عىل اجرتاح نصوص أقل ما يُقال‬
‫عنها إنها خارج سياق الكتابة املتعارف عليها‪.‬‬
‫وأنا سعيد مبا حققه البيت يف هذا املجال‬
‫وهو يواصل احتضانه لهؤالء ورعايتهم‪.‬‬
‫كنت حام ًال لمشروع كبير في بيت‬
‫الشعر‪ .‬ما هي أهم العراقيل التي‬
‫واجهتها؟‬
‫ج‪ :‬املشاريع الثقافية الجادة محكوم عليها‬
‫بالفشل وبالتايل املوت ألن السائد منذ أكرث‬
‫من ربع قرن هو ثقافة املشهد ‪.le spectacle‬‬
‫كان لدينا مرشوع طموح فأصدرنا يف السنوات‬
‫الثالث األوىل ست مجموعات شعرية وبدأنا‬
‫اإلعداد إلصدار مجلة عىل غرار بيوت الشعر‬
‫يف العامل‪ .‬لكن املرشوع سقط برمته يف املاء‬
‫بعد صدور قانون املالية الجديد عام ‪.2015‬‬
‫فبموجب هذا القانون ال يحق لبيت الشعر‬
‫إصدار ولو ورقة لعدم متتعه‪ ،‬كمعظم‬
‫املؤسسات التابعة لوزارة الثقافية بالشخصية‬
‫القانونية‪ .‬وهذا ما ال يعرفه الشعراء‪ ،‬مع‬

‫الخميس ‪ 2‬نوفمرب ‪ - 2017‬املوافق لـ ‪ 15‬صفر ‪ - 1438‬العدد ‪65‬‬

‫األسف الذين ال يعنيهم سوى األمسيات‬
‫والحصول بالتايل عىل املكافأة‪ .‬ونتيجة لهذا‬
‫الوضع وتعطل املؤسسات ال ّرسمية‪ ،‬انترشت‬
‫الجمعيات لتمأل هذا الفراغ‪ ،‬وهي جمعيات‬
‫يسعى أصحابها وصاحباتها إىل التموقع‬
‫االجتامعي وربط عالقات مع أطراف خارجية‬
‫بفضل التمويالت العمومية التي تتلقاها من‬
‫الوزارة واملؤسسات التابعة لها‪ .‬أمت ّنى أن‬
‫تُس ّوى اإلشكاالت املالية والقانونية لتتمكّن‬
‫إدارة البيت الجديدة املتمثلة يف الشاعر‬
‫الشاب النشيط أحمد شاكر بن ضية من‬
‫مواصلة ما خططنا له منذ عام ‪.2012‬‬
‫تفسر تغييب المثقف عن‬
‫كيف ّ‬
‫المسار الثوري واقتصار حضوره في‬
‫جزء من قصيدة؟‬
‫ج‪ :‬املثقف التونيس مل يُغ ّيب ألنه غائب‬
‫من تلقاء نفسه‪ .‬فخالل ربع قرن من حكم‬
‫الطاغية بن عيل‪ ،‬قلة هم املثقفون الذين‬
‫تج ّرؤوا عىل مواجهته‪ ،‬أما األغلبية الساحقة‬
‫فكانوا جز ًءا ال يتجزأ من بطانة املخزن‪ ،‬كل‬
‫همهم هو إظهار الوالء وال يشء غري الوالء‪.‬‬
‫وعندما ه ّبت رشائح واسعة من الشعب‬
‫وسط موجة من الغضب العارم أدت إىل‬
‫سقوط النظام تخلف املثقفون‪ .‬بدليل افتقار‬
‫ما ُس ّمي بالثورة إىل طليعة تقودها لتتسلم‬
‫السلطة بعد ذلك كام حدث يف جميع ثورات‬
‫العامل‪ .‬ولذلك رسقها االنتهازيون والقادمون‬
‫من وراء البحار وغيرّ وا مسارها ليجيرّ وها‬
‫لحسابهم الخاص‪ .‬فامذا فعل املثقفون؟‬
‫ال يشء‪ .‬إنهم يكتفون‪ ،‬يف أحسن الحاالت‬
‫بالرصاخ والضجيج‪ ،‬وهذا دليل آخر عىل أن‬
‫مثقفي املخزن أعجز من أن يسايروا ثورة فام‬
‫بالك بقيادتها‪.‬‬
‫واجه المجتمع التونسي في السنوات‬
‫األخيرة محاوالت لتغيير نمط حياته‬
‫وأسلوب تفكيره‪ .‬هل تثق في‬
‫الثقافة وسيلة جادة لمواجهة هذا‬
‫االرتداد؟ أم تراها نخبوية معزولة؟‬
‫ج‪ :‬يفرتض يف الثقافة أن تكون س ّدا منيعا أمام‬
‫الهجامت الظالمية‪ ،‬لكنها‪ ،‬بالصورة التي نراها‬
‫عليها اليوم غري قادرة عىل القيام مبهمة كهذه‪.‬‬
‫فالثقافة السائدة اليوم هي ثقافة املشهد‪.‬‬
‫وشخصيا ال أرى أي مرشوع ثقايف جاد ميكن‬
‫أن يوقف امل ّد الظالمي بأشكاله املختلفة‪.‬‬
‫ما ظهر منها وما بطن وهو األخطر كام ال‬
‫ميكن للحرضة وحدها أن تفعل ذلك‪ ،‬وعليه‪،‬‬
‫ال بد من إيجاد ثقافة بديلة حقيقية من‬
‫خارج األطر ال ّرسمية تقوم عىل قيم الحداثة‬
‫الصحيحة ال عىل الرصاخ وعروض الحرضة كام‬
‫نرى هذه األيام‪.‬‬
‫سؤال أخير يفرض نفسه‪ :‬هل‬
‫ستواصل الجمع بين كتابة ال ّرواية‬
‫والشعر؟‬
‫ج‪ :‬بالتأكيد‪ ،‬فقد جئت إىل ال ّرواية عن طريق‬
‫الشعر‪ ،‬بعد أن غلبت تقنية الرسد عىل الكثري‬
‫من القصائد‪ ،‬فام ال تحتمله القصيدة تتسع له‬
‫ال ّرواية‪ .‬وأنا سعيد باملراوحة بينهام‪ ،‬كام أزعم‬
‫أ ّن الرواية التي أكتبها ال عالقة لها مبا يُكتب‬
‫يف تونس ذلك أنّني أنهل من مصادر ثقافية‬
‫غري التي ينهل منها غريي‪.‬‬

‫مختار اللغماني وكتابة القاع (‪)2‬‬

‫رياض خليف‬
‫‪2‬صوت القاع وكتابة الرفض‬
‫تب ّنت قصائد مختار اللغامين أوجاع‬
‫"الربوليتاريا"والفئات الشعبية وصدحت بآالم‬
‫العماّ ل والفالّحني والجائعني واملظلومني يف‬
‫املدينة‪ ،‬باعتبارهم هامشا مضطهدا يف املركز‪.‬‬
‫فع ّجت مبا يعانيه هؤالء من غربة وضياع‬
‫وكوابيس وحرية وضيق واحتقار وجوع ‪.‬و‬
‫الحقيقة أن كتابة املدينة‪،‬كثريا ما ارتبطت‬
‫يف الشعر املعارص بكتابة االغرتاب والغربة‬
‫خصوصا عند الشّ عراء الذين التحقوا باملدن‬
‫الكربى‪ ،‬قادمني من األرياف والقرى واملدن‬
‫الصغرية ومن الطّبقات االجتامعيّة الفقرية‬
‫ّ‬
‫واملحافظة‪ .‬فقد كانت ألكرثهم حاالت صدمة‬
‫وارتباك وضياع ورصاع مع الواقع الجديد‬
‫ومع الفضاءات الغريبة عن وجدانهم وهو ما‬
‫تكشف عنه املدونة األدبية التونسية الواسعة‬
‫التي متيز جانب منها بحالة تصادم بني املدينة‬
‫واملثقف ‪ .‬ولعلّ مختار اللّغامين أحد هؤالء‬
‫الذين اصطدموا باملدينة باعتباره منسوبا‬
‫إىل االفاقيني القادمني إىل العاصمة من بعيد‬
‫‪،‬لهذا نلمح يف قصائده صورا متوتّرة للمدينة‬
‫فهي قامعة لإلنسان ومد ّمرة له‪،‬فرنى تصويرا‬
‫شعريا يعتمد فضاءات العاصمة ويسميها‬
‫ويرسم معاناته داخلها‪:‬‬
‫*متت ّد فوقي شوارع باب البحر‬
‫*وعىل رج ّيل املربوطتني إىل قيد األمل‬
‫يركب قوس باب فرنسا‬
‫*وعىل صدري الحامل يف زمن تبخّر الحلم‬
‫انتصبت أفريكا‬
‫هذه املقاطع تكشف ح ّدة هذا التّصادم‬
‫بني جسد املدينة وجسد الشاعر‪،‬فجسد‬
‫العاصمة يبدو قامعا لجسد الشاعر ومعذّبا‬
‫له‪،‬إذ شوارع باب بحر متتد فوقه وقوس باب‬
‫فرنسا يركب عىل رجليه املربوطتني ونزل‬
‫أفريكا ينتصب عىل صدره الحامل‪.‬فالعاصمة‬
‫بهذه األمثلة تبدو مصدر ثقل وأمل‪ ،‬مخيّبة‬
‫للحلم ومق ّيدة للشّ اعر كغريب بني شوارعها‬
‫وفضاءاتها وبالتّايل يقطع اللّغامين مع صورة‬
‫ترتسخ يف ذهن األجيال‬
‫العاصمة الحلم التي ّ‬
‫التي تع ّد العاصمة مالذا جميال وتعتربها حلام‬
‫للخروج من العزلة والهامش الجغرايف الطّارد‪.‬‬
‫إ ّن املدينة بهذا املعنى‪ ،‬فضاء ضيق وقلق‬
‫واختناق‪ ،‬لهذا مل يلتقط منها الشّ اعر صور‬
‫الجامل واملباين واملناظر الفخمة املغرية‬
‫وإنمّ ا ع ّجت قصائده بصور شعريّة متوتّرة‬
‫وبائسة حملتنا نحواملصانع والعماّ ل‬
‫البؤساء املظلومني وصور الجوعى والفقراء‬
‫رشدين والباعة املتج ّولني‪ .‬ففي املدينة‬
‫واملت ّ‬

‫وحذو املباين يرصخ الفقري "ياربيّ راين جيعان"‬
‫و"تفتّش القطط الشّ اردة فواضل األغنياء" و‬
‫يعاين العماّ ل"بدالت زرقاء مسو ّدة باملازوط‬
‫الصديد" ويعيشون القهر يف العمل ويف‬
‫و ّ‬
‫األحياء الشّ عبيّة املنسيّة ويف مواطن عملهم‬
‫فهم يقطنون يف ظروف خانقة ويف أحياء‬
‫فقرية‪:‬‬
‫يف الحجرة كانت وكنت أنا‬
‫حي الفقراء‬
‫والحجرة يف بيتي وبيتي يف ّ‬
‫وح ّينا بال أرقام بال أسامء‬
‫حيّنا املطرود من خارطة األحياء‬
‫التعسف ‪:‬‬
‫و ميارس ضدهم أرباب العمل ّ‬
‫زرقاء زرقاء‬
‫السدود‬
‫سقوط‬
‫نهايات‬
‫ّ‬
‫وبدايات البناء‬
‫وأرى البسها املطرود مرتحال يف الخفاء‬
‫أتص ّور وجهه امللعون تطارده كالب العسس‬
‫وعيون الحرس أتخ ّيله عىل أسوار اللّيل‬
‫لقد ص ّور الشاعر أمله فكان صوتا للغرباء‬
‫وللعماّ ل واملظلومني وتب ّني أوجاعهم فق ّدم‬
‫يس مؤمل ولحياة الهامش‬
‫لوحة لواقع تون ّ‬
‫املقهور بعيدا عماّ يتباهى به الخطاب‬
‫السلطة من‬
‫سمي وما ينهمك فيه شعراء ّ‬
‫ال ّر ّ‬
‫مديح لل ّزعيم و انجازاته ولعل الشعر هنا‬
‫يصبح مضادا للخطاب السلطوي القائم عىل‬
‫االحتفال وعىل الفرد العظيم معتمدا خطابا‬
‫قامئا عىل تصوير الهامش وعىل أالم السواد‬
‫األعظم من امله ّمشني‪.‬‬
‫إن مختار اللغامين يفسح املجال يف هذا‬
‫العمل لصوت الهامش يك يرصخ محتجا‬
‫عىل الواقع االجتامعي والسيايس ويك يصبح‬
‫صوت رفض ولك ّنه يتجاوز تصوير الواقع نحو‬
‫الحلم بزواله وهو ما يتجىل يف إميانه بالثورة‬
‫وتلويحه بها ويف روحه االنتصاريّة التي وشّ ح‬
‫بها عمله‪...‬‬
‫‪3‬خطاب الثورة‪...‬خطاب األمل‪:‬‬
‫يعبرّ الشّ اعر مرارا عن مضاددته لواقع‬
‫وإرصاره عىل تح ّديه وهو أمر نستطلعه‬
‫بداية من عنوان العمل وهو عنوان مفعم‬
‫بالروح االنتصارية ‪.‬ولعله يبوح بخطاب‬
‫األمل و اإلميان باملستقبل فتتحول القصائد‬
‫إىل تحريض للجامهري عىل الثورة ووعد لها‬
‫بالنرص ‪.‬فالشاعر يعرب عن إميانه بانتصار‬
‫القوى الشعبية املضطهدة يف نهاية املطاف‪:‬‬
‫"أقسمت بالخماّ س‬
‫مينح األرض شبابه‬
‫الساحل‬
‫أقسمت بزيتون ّ‬
‫بتمر الجريد‬
‫أقسمت بالشّ تاء يف جندوبة‬
‫بالصيف يف مدنني‬
‫ّ‬
‫أقسمت بالعماّ ل وبالفالّحني‬
‫أقسمت باملازقري وبال ّنازحني‬
‫أقسمت بالجبل األحمر واملالّسني‬
‫هذه الشّ مس املصف ّرة خجال‬
‫يرشق وجهها ذات صباح بدم جديد‬
‫متلؤنا أمال‬
‫ومتأل قلوب األشقياء والعبيد‬
‫إنها كتابة مؤمنة بانتصار الحرية وسقوط‬
‫القيود‪:‬‬
‫ألنّني إنسان‬
‫سأعرف كيف أنهض‬

‫السور‬
‫أتح ّدى ّ‬
‫السور‬
‫أتع ّدى ّ‬
‫وأركض‪...‬وأركض‪...‬وأركض‬
‫ألنيّ ال أرىض ألفكاري أن تجهض‬
‫أل ّن كلمة الح ّرية ليست للتّمضمض‬
‫وليست ملن يخلوض‬
‫فكتابة االحتجاج عىل الواقع ونقل معاناة‬
‫القاع تتحول إىل خطاب مؤمن بالثورة ومتبنيا‬
‫لصوت الجامهري حاملا بتونس أخرى‪:‬‬
‫رض عيونك يا خرضاء‬
‫"من أجل أن تخ ّ‬
‫بالحب ومن أجل أن تنفخ فيك‬
‫وتخصب‬
‫ّ‬
‫من روح الشّ عب لتحبيل بالعذراء املوعودة‬
‫مهام طالت األيّام يا أحبايب نرضب موعدا مع‬
‫الخرضاء كلّ مواسم الخصب"‬
‫‪...‬وحاملا بالزعيم الذي سيظهر وينقذ الفقراء‬
‫من بؤسهم‪:‬‬
‫"آه يا منقذة الفقراء‬
‫أشهد أنّك آتية ذات ربيع أو ذات شتاء‬
‫أشهد أنّك آتية ذات صباح أو ذات مساء‬
‫وسيكنس نورك وجه األرض الشرّ ق ّية "‬
‫لقد حاىك مختار اللّغامين جيله وانخرط‬
‫يف تجربة غري العمودي والحر مبا فيها من‬
‫نواميس شكلية وإيديولوجية فحاول إرساء‬
‫نص شعري يشهد عىل العرص‪.‬وال يفوتنا يف‬
‫هذا املجال اإلشارة إىل أ ّن حديثنا عن املحلّيّة‬
‫والهامش يف هذه التّجربة باعتباره حديثا‬
‫يجعل شعره مرجعيّا ومبارشا ال يجب أن‬
‫يحجب ع ّنا ما خاضه الشّ اعر من تجريب‬
‫لغو ّي وتوظيف للرموز الرومنطيقيّة والترّ اثيّة‬
‫وهو ما ال يتّسع له هذا املوضوع فالشاعر‬
‫نهل من ال ّرومنطيقيّة وال ّرمزيّة واستدعى‬
‫ال ّرموز الترّ اث ّية والحضاريّة‪.‬ويبدو أنّه قد بدأ‬
‫يف نهاية تجربته أو لنقل حتّى يف آخر قصائده‬
‫التي وردت يف املجموعة يف تطوير نظرته‬
‫للشعر فقد رأى الهاشمي بلوزة "أ ّن كتاباته‬
‫وإن سقطت يف بداياتها يف بريق شعارات‬
‫الحرة فإنّها يف بعض القصائد حملت مؤشرّ ا‬
‫لبداية مرحلة جديدة مختلفة تبلورت معاملها‬
‫فيام أنتج يف مراحل الحقة" وهو ما ذهب‬
‫إليه حميدة الصويل إذ اعترب أن لغة الشاعر‬
‫انتقلت من العبارة الشعبية إىل العبارة‬
‫الشعرية‪...‬‬
‫صفوة القول أن كتابة القاع يف ديوان"أقسمت‬
‫عىل انتصار الشمس" تتحول من كتابة الواقع‬
‫البائس إىل كتابة األمل واإلميان بالثورة‬
‫القادمة وبأحالم الجامهري الكادحة وهو ما‬
‫يقض خطاب السلطة املتعايل ولعلنا نكتشف‬
‫يف هذا العمل تجربة جريئة ومتصادمة مع‬
‫الواقع متسلحة بالكلمة الشجاعة وهو ما‬
‫جعل قوة املعنى تتغلب عىل بساطة اللغة‬
‫وهو ما وقع فيه الكثري من الشعراء م ّمن‬
‫كان اله ّم ال ّنضايل غايتهم األوىل وكان ه ّمهم‬
‫اإلقناع والتّحريض عىل الواقع وهو يلتقي‬
‫يف هذا مع عديد الشّ عراء الذين ذكرهم‬
‫أحمد الودرين مثل صامدح وحجازي والبيّايت‬
‫الس ّياب وامليداين بن صالح فهؤالء ال معنى‬
‫و ّ‬
‫عندهم ملقولة "الف ّن للف ّن" و"الشّ عر لديهم‬
‫ليس محض احتفاء بالف ّن من أجل تجزية‬
‫الفراغ واالستجابة لنوازع ال ّنفس بل الشّ عر‬
‫عندهم معالجة بواسطة الف ّن لل ّراهن‬
‫الجامعي املرت ّدي"‬

‫‪16‬‬

‫الخميس ‪ 2‬نوفمرب ‪ - 2017‬املوافق لـ ‪ 15‬صفر ‪ - 1438‬العدد ‪65‬‬

‫دارات‬

‫إص‬

‫مكتبة منارات ‪ :‬بقلم سعدية بن سالم‬

‫نق ّدم يف هذا العدد ثالثة أعامل صادرة عن ثالث دور نرش تونسيّة‪ ،‬تتميّز بالتن ّوع وباملستوى العلمي واألديب‪ ،‬أ ّولها رواية مرتجمة ألفونسو كروش‪ ،‬ترجمة عبد الجليل العريب صادرة عن دار مسكلياين للنرش‪ ،‬وثانيها بحث يف التاريخ لألستاذ عبد‬
‫الحميد هنية‪ ،‬تونس العثامن ّية‪ ،‬بناء الدولة واملجال صادر عن دار أوتار‪ ،‬ترب الزمان يف طبعة ثانية سنة ‪ ،6102‬وثالثها دراسة بعنوان زلزلة الحداثة العرب ّية للشاعر والناقد السوري نديم الوزة يف إصدار لدار ديار لل ّنرش سنة ‪ .7102‬وال يفوتنا أن نذكّر‬
‫أ ّن مكتبتنا مفتوحة لكلّ الكتّاب واملبدعني ولكلّ دور ال ّنرش‪.‬‬

‫ه ّيا نشتر شاعرا ألفونسو كروش‪ ،‬ترجمة عبد الجليل العربي‬
‫صدرت عن دار مسكلياين لل ّنرش والتّوزيع‪ ،‬بتاريخ ‪ ،7102‬طبعة‬
‫ثانية من رواية أفونسو كروش «هيّا نشرت شاعرا»‪ ،‬يف ترجمة لعبد‬
‫الجليل العريب‪ .‬والعمل رواية قصرية يف سبع ومثانني صفحة ويف ثالثة‬
‫وثالثني فصال قصريا‪.‬‬
‫وقد ال نجد يف ال ّرواية رسدا كثيفا وال ظاهرا ولك ّنه يرسي يف‬
‫مفاصل الفصول ويؤثّر يف سلوك الشخصيّات ويشكّل من ّوهم الفكري‬
‫والعاطفي‪ .‬وكيف ال يكون وهو رسد ميسك نسقَه شاع ٌر رغم محلّ‬
‫املفعوليّة الذي وضعه فيه الكاتب‪.‬‬
‫هيا نشرتي شاعرا‪ ،‬عنوان مستف ّز‪ ،‬فهل يُشرتى الشّاعر؟ وكيف‬
‫يُشرتى؟ عىل الحقيقة أم عىل املجاز؟ وأ ّي شاعر هذا الذي يُشرتى؟‬
‫يُع َر ُض الشعراء شأن بق ّية الفنانني املبدعني للبيع العيني يف متاجر‬
‫معدة للغرض ويُستعمل ديكورا للبيت حسب مواصفات يح ّددها‬
‫السارد يف الصفحة‬
‫املشرتي تشمل الحجم والشّكل والسلوك‪ ..‬يقول ّ‬
‫‪ « :21‬أو ّد أن يكون يل شاعر‪ ،‬هل تشرتي يل واحدا؟‪ ..‬أ ّمي مل تقل‬
‫شيئا‪ ..‬ث ّم أجاب أيب‪ :‬وملاذا ال يكون ّرساما؟ قالت أ ّمي‪ :‬هذا مستحيل‪،‬‬
‫إنّهم يخلّفون كثريا من األوساخ الناجمة عن استعاملهم‪»..‬‬
‫منح الكاتب شاع َره صورة منط ّية تعكس تص ّور العا ّمة وتؤكّد عىل‬
‫املظهر الخارجي‪ ،‬ويظهر ذلك يف ما ورد يف فصل «اختيار شاعر» كان‬
‫املحلّ يع ّج بشعراء من كلّ األصناف‪ :‬قصار‪ ،‬طوال‪ ،‬شعراء بنظارات‬

‫(وهم األغىل)‪ ،‬علام أ ّن الجزء األكرب منهم كانوا صلعا ومثانية وسبعني‬
‫يف املائة كانوا ملتحني» (ص‪ .)41‬صورة تتك ّرر يف مستوى الهندام‪،‬‬
‫يف الصفحة ذاتها‪« ،‬ينتعل حذاء جلديّا مهرتئا وميسك بكتاب تحت‬
‫ذراعه‪ ،‬ليس ملالبسه رعاية من أيّة ماركة»‪.‬‬
‫حرص الكاتب أن يطابق بني صورة الشاعر وصورة الحيوان األليف‬
‫الذي متلّه العائلة فتتخلىّ عنه متى بدا لها أنّه يقلق راحتها‪ .‬وقد ورد‬
‫هذا التطابق رصيحا يف أربعة مواضع ما عدا اإلشارات الخف ّية‪ .‬أوالها‬
‫حني اختيار الشاعر‪ ،‬إذ يسأل األب البائع «إن كانت تلك ال ّنسخة‬
‫مخ ِّربة (يقصد الشاعر الذي وقع عليه االختيار)‪ ،‬وهي الخاص ّية‬
‫األكرث شيوعا بني الشعراء وتضاهي العنف لدى الكالب‪(».‬ص‪.)51‬‬
‫والثانية يف اختيار مكان إقامة الشّاعر إذ اختار له ّرب األرسة تحت‬
‫الدرج «مق ّرا» مبا يحيل عليه شكل «تحت الدرج» من تشابه مع‬
‫بيوت «الكالب» الخشب ّية تلك‪ .‬يقول ال ّراوي‪« :‬تحت ال ّدرج‪ ،‬قال‪.‬‬
‫هناك ثالثة أمتار مربّعة‪ .‬اشرتينا شاعرا صغريا‪ ،‬وهناك ميكن أن نضع‬
‫كنبة وطاولة صغرية ملامرسة نشاطاته اليوم ّية‪(».‬ص‪.)81‬‬
‫وثالثتها تظهر يف نهر األب الشاعر كلّ م ّرة ليعود إىل مكانه دون‬
‫السابعة والثالثني «اذهب حاال إىل غرفتك‪،‬‬
‫نقاش‪ ،‬ورد يف الصفحة ّ‬
‫رصخ أيب يف وجه الشّاعر»‪ ،‬ويقول يف الصفحة ‪ « :15‬أمره أيب بصوت‬
‫حا ّد بالذهاب إىل غرفته ولك ّني الحظت ال ّرعب يتسلّق وجهه‪...‬‬

‫«ويبقى من دون عشاء» أضاف أيب وقد سقط شعره من‬
‫جهة األذن اليمنى عىل كتفه األيرس»‪.‬‬
‫تح ّول الشاعر حتّى وصل مكانه تحت الدرج فجلس‬
‫عىل السرّ ير‪ ،‬كان رأسه مرفوعا حوايل خمس وأربعني‬
‫درجة‪ ،‬عيناه تائهتني‪ ،‬وفمه نصف مفتوح‪ ،‬أقلّ من نصف‬
‫سنتيمرت يف الوسط‪( ».‬ص‪.)15‬‬
‫الصورة ال ّرابعة واألخرية كانت حني التخليّ عن الشّاعر‬
‫ّ‬
‫وتركه ملصريه مثل حيوان أليف مل يعد له مكان عند األرسة املربية‪،‬‬
‫يقول‪»:‬يف األسبوع املوايل‪ ،‬وضعنا الشاعر يف السيارة‪ ،‬أ ّما هو فلم‬
‫يكن مستوعبا ما يحدث‪ .‬قطعنا طريقا ثانويّة‪ ،‬وقفنا تحت شجرة يف‬
‫حديقة‪ ،‬وأنزلنا الشاعر من الس ّيارة وانطلقنا‪»..‬‬
‫لنئ بدا الشاعر مفعوال به‪ ،‬يباع ويشرتى يف املحالّت وفق مواصفات‬
‫بعينها تختلف من مشرت إىل آخر فإ ّن ذلك مل مينعه من أن يكون‬
‫فاعال عىل امتداد ال ّرواية وغيرّ ما شاء التغيري يف طبيعة الشّخصيّات‬
‫ويف مسار األحداث‪ ،‬فالشّخص ّيات التي كانت عبارة عن آالت حاسبة‬
‫فالساردة تحولت من إحصاء ما حولها‬
‫تح ّولت إىل شخصيات شاعرة‪ّ .‬‬
‫إىل وصفه والشعور به‪ ،‬تقول يف افتتاح ال ّرواية‪« :‬أكلت ثالثني غراما‬
‫من السبانخ هذا اليوم‪ .‬سعر الكيلو باثنني من اليوروهات وثالثني‬
‫سنتا‪ ،‬وحساب ّيا نحتاج يوم ّيا إىل ثالثني سنتا ليك نحصل عىل الفيتامني‬

‫‘ص‪.)57‬‬
‫األخ الذي بدأ ساخرا سخيفا بدرجة فظيعة أصبح رومنسيا‪ .‬تقول‪:‬‬
‫التفت فرأيت أخي واقفا وسط البهو‪ ،‬مىش بخجل‪ .‬أخرج من جيبه‬
‫ّ‬
‫ورقة مطويّة‪ .‬الورقة التي أعطاه إيّاها الشّاعر بكلّ تأكيد‪ ..‬آه بحق‬
‫مامون كم هي جميلة هذه الجملة» (ص‪)94‬‬
‫‪ .‬انفصل األبوان حني اكتشفا عاملا غري الذي عاشا فيه‪ :‬تطلّقت أ ّمي‬
‫من أيب‪ ،‬فقد صارت لها أفكار أعىل من طبخ السباقيتي بالبولونيزا‪..‬‬
‫قالت أليب ذات ليلة‪« :‬أسعد حني أكون غامضة إزاء التواريخ‪،‬‬
‫تعلّمت هذا بفضل الشّعر‪( ..‬ص‪.)07‬‬
‫ه ّيا نشرت شاعرا‪ ،‬رواية استطاعت رغم قرصها‪ ،‬وربمّ ا مخالفتها‬
‫خاصا‪.‬‬
‫لقوانني السرّ د التقليديّة‪ ،‬أن تخلق لنفسها كونا رسديّا ّ‬

‫عبد الحميد هن ّية‪ :‬تونس العثمان ّية‪ ،‬بناء الدولة والمجال‬
‫عن منشورات أوتار‪ ،‬ترب الزمان صدرت الطّبعة‬
‫الثانية من كتاب تونس العثامن ّية‪ ،‬بناء الدولة‬
‫واملجال‪ ،‬لصاحبها عبد الحميد هنيّة‪ ،‬بعنوان سنة‬
‫‪ ،6102‬وهي طبعة منقحة ومزيدة تقع يف تسع‬
‫وأربعني ومائتي صفحة إضافة إىل الفهرس‪ .‬وم ّهد‬
‫«هن ّية» لبحثه بتوطئة‪ ،‬فتوطئة الطبعة األوىل‬
‫الصفحة الحادية عرشة إىل‬
‫فمق ّدمة امت ّدت من ّ‬
‫الصفحة السادسة عرشة أعقبها بخمس أبواب متت ّد‬
‫ّ‬
‫الصفحة السابعة عرشة إىل الصفحة الحادية‬
‫من ّ‬
‫والثالثني بعد املائة تليها خامتة من أربع صفحات‬
‫(‪ .)632-332‬فقامئة املصادر واملراجع فاملرادف‬
‫بالعرب ّية للمصطلحات األجنبية حسب ورودها يف‬
‫النص ث ّم يُختم الكتاب بالفهرس‪.‬‬
‫ّ‬
‫قسمه‬
‫الذي‬
‫ل‬
‫و‬
‫األ‬
‫الباب‬
‫يف‬
‫الباحث‬
‫اعتنى‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫فصلني بـ»األسس املاديّة واالجتامعيّة لبناء ال ّدولة‬
‫الحديثة»‪ ،‬فاعتنى يف الفصل األ ّول بـ»الرتكيبات‬
‫املدينيّة واملناطق الخاضعة لها مبارشة» وفيه‬
‫ح ّد موقع املدن االسرتاتيجي ومميزاتها العا ّمة‪،‬‬
‫وباقتصاد املدن ونسبة التحضرّ يف البالد التونسيّة‬
‫وهرم ّية النظام الحرضي واملنظومة األيديولوجية‬

‫والثقافيّة لسيطرة املدن عىل األرياف ويف هذا‬
‫املجال يقول‪« :‬إىل جانب الوظائف السياس ّية‬
‫والعسكريّة واإلداريّة‪ ،‬احتكرت املدن الوظائف‬
‫الثقاف ّية التي جعلت األيديولوج ّية املدين ّية سائدة‬
‫عموما‪ .‬فاملدينة تحتكر الثقافة الكتابيّة وتستعملها‬
‫لتسيري شؤون البالد بصورة عا ّمة‪ .‬وجميع الشؤون‬
‫القضائيّة والدينيّة هي من اختصاص املدن‪ .‬وعن‬
‫طريق هذه الثقافة تهيمن املدن‪ ،‬ومن خاللها‬
‫الطبقة الحاكمة‪ ،‬عىل األرياف وتبسط سيطرتها‬
‫عليها بطرق غري عسكريّة» (ص‪ .)53‬وخصص‬
‫الفصل الثاين للمجموعات القبلية والريفيّة‪ ،‬ويف‬
‫هذا الفصل اعتنى الباحث‪ ،‬من بني ما اعتنى به‪،‬‬
‫بالتوزيع الجغرايف للمجموعات القبليّة والقبائل‬
‫الصحراويّة وأسس تبع ّية املجموعات‬
‫الر ّحل ّ‬
‫املحليّة يف دواخل البالد للمركز‪.‬‬
‫خصص الباحث الباب الثاين للمركزة السياسية يف‬
‫ّ‬
‫وقسم الباب إىل‬
‫مرحلة التنافس (‪ّ )4071-5751‬‬
‫ثالثة فصول‪ ،‬الفصل األول أزمة الكيان الحفيص‬
‫واملشاريع السياسيّة الجديدة‪ ،‬واعتنى فيه‬
‫السادس عرش وأبعادها عىل الكيان‬
‫بتح ّوالت القرن ّ‬

‫الحفيص‪ ،‬ث ّم تقلّب األوضاع يف الكيان الحفيص‬
‫فتفكّك الرتكيبة الحفص ّية ث ّم القوى املتصارعة‬
‫ومشاريعها السياسيّة فالحركة الشّ ابيّة‪ :‬من ال ّزاوية‬
‫إىل الدولة‪ .‬والفص‪é‬ل الثاين إعادة بناء املركزة‬
‫السياسيّة يف مرحلة التنافس واهت ّم فيه بإرساء‬
‫ّ‬
‫مؤسسات عثامن ّية ومصريها بني ‪ 4751‬و‪،1951‬‬
‫ّ‬
‫فاملرحلة التاريخية األوىل فاملرحلة التاريخيّة الثانية‬
‫فاملرحلة التاريخ ّية الثالثة وعهد الدايات وهشاشة‬
‫السلطة املركزيّة‪ .‬والفصل الثالث البايات‬
‫موارد ّ‬
‫مؤسسة‬
‫ظهور‬
‫فيه‬
‫وتتبع‬
‫(‪)2071-9261‬‬
‫املراديون‬
‫ّ‬
‫السلطة املركزيّة والقبائل‬
‫الباي عىل يد املراديني و ّ‬
‫قبل مجيء األتراك إىل تونس والصرّ اع العائيل‬
‫املرادي من أجل احتكار النفوذ‪.‬‬
‫يف الباب الثالث اهت ّم الكاتب بالحسينيني واحتكار‬
‫مامرسة ال ّنفوذ وجعل فيه فصلني‪ ،‬فصل يف احتكار‬
‫مؤسسة الباي لل ّنفوذ وتأسيس الحكم العائيل‬
‫ّ‬
‫الحسيني وفيه ثالثة أطوار وفصل يف تدعيم‬
‫النفوذ الحسيني وفيه‪ ،‬ازدهار الحياة االقتصاديّة‬
‫(‪ ،)6671-5671‬ث ّم عهد حمودة باشا وبروز طبقة‬
‫عتيدة (‪ .)4181-2871‬وهو عهد سعى الباحث‬

‫زلزلة الحداثة العربيّة من خالل اآلداء‬
‫التّح ّرري ملا بعد الحداثة يف شعر هادي‬
‫السوري‬
‫دانيال‪ ،‬كتاب يف ال ّنقد للشاعر وال ّناقد ّ‬
‫نديم الوزّة‪ ،‬صدر يف طبعته األوىل عن ديار‬
‫للنرش‪-‬تونس ‪ ،7102‬تتبع فيه صاحبه‪ ،‬مظاهر‬
‫ما بعد الحداثة يف شعر هادي دنيال مذ بدأ‬
‫يف س ّن السابعة عرشة من عمره إىل ‪،6102‬‬
‫وسعى إىل موقعة تجربة هادي دانيال‬
‫الشعريّة عامليّا وعربيّا بتتبّع األوارص بني‬
‫شعر هادي دانيال وشعر أعالم الّشعر الذين‬

‫سبقوه والذين عارصوه‪ ،‬بل نجد منذ املق ّدمة‬
‫تلميحا من ال ّناقد إىل تأثري رامبو يف هادي‬
‫دانيال يقول‪« :‬غالبا ما كان هادي دانيال‬
‫يذكر يف مقابالته الصحف ّية أنّه بدأ كتابة‬
‫السابعة عرشة من عمره هذا العمر‬
‫الشّ عر يف ّ‬
‫ذاته الذي انتهى فيه الشاعر الفرنيس آتور‬
‫رامبو من الشّ عر وكتابته‪ ..‬ربمّ ا ليؤكّد بذلك‬
‫رشد التي‬
‫ح ّبه لهذا الشّ اعر‪ ،‬وتأثّره بحياة الت ّ‬
‫عاشها» (ص‪ .)7‬وربمّ ا هي رغبة يف استكامل‬
‫مسار واالنطالق من حيث توقف رامبو‪.‬‬

‫قسم نديم الوزرة كتابه خمسة فصول فضال‬
‫ّ‬
‫عن مق ّدمة وخامتة‪ ،‬واختار أن يض ّمن فصله‬
‫األ ّول مدخال نظريّا تأطرييّا يف الحداثة وما‬
‫بعد الحداثة تد ّرج فيه من تجربة «آرتور‬
‫رامبو» وتريستان تزارا» إىل تجربة هادي‬
‫دنيال‪ .‬واعتنى يف الفصل الثاين مبطاردة املعنى‬
‫وداللته متوقفا عند املعنى الثوري واملعنى‬
‫الفدايئ واملعنى االحتفايئ واملعنى النقدي‬
‫وإجامل املعنى‪ ..‬ث ّم انزاح يف الفصل الثالث‬
‫للحديث عن قيم ما بعد الحداثة ومقوالتها‪،‬‬

‫زلزلة الحداثة العرب ّية لنديم الو ّزة‬

‫«ك»‪ ،‬حسب ما تذكر إحدى ال ّدراسات»‬
‫(ص‪ .)7‬ث ّم تقول يف آخر ال ّرواية‪« :‬مل‬
‫أهجر مطلقا ذلك الشاعر‪ ،‬مازلت أزوره‬
‫يف الحديقة‪ ..‬هو ينظر إ ّيل وال ّدموع يف‬
‫عينه(انقطعت عن إحصاء تلك األشياء) وأنا‬
‫ُ‬
‫أحتفظ باستعارة يف الحلق‪ ،‬أعانقه‪ ،‬فنبقى‬
‫سعيدين مل ّدة ثوان‪ ،‬أو باألحرى مل ّدة أبديّة‪».‬‬

‫إىل تأطريه بالنظر إىل الظرفيّة‬
‫املحل ّية والعاملية وإىل النظر يف‬
‫دعائم االزدهار استنادا إىل املوارد‬
‫الداخل ّية واملوارد الخارج ّية‪ .‬ومن‬
‫املوارد التي يذكرها الباحث نجد‬
‫موارد مألوفة وأخرى مستنبطة‬
‫يقول فيها «إىل جانب املوارد‬
‫املألوفة استنبط البايليك طريقة‬
‫جديدة تؤ ّمن لخزائنه أمواال كثرية‬
‫وتتمثّل يف إسناد لزمة القيادة‬
‫(ج‪ .‬القيادات) يف املناطق الرثيّة بالبالد التونسيّة»‬
‫(ص‪.)981‬‬
‫يف الباب ال ّرابع واألخري اعتنى الكاتب بتح ّوالت‬
‫وفصل القول يف هذا املوضوع‬
‫القرن التّاسع عرش ّ‬
‫يف ثالثة فصول‪ ،‬بداية األزمة بالبالد التونسيّة خالل‬
‫القرن التاسع عرش وفيها طوران‪ ،‬وفردنة املجتمع‬
‫واألبعاد االجتامعيّة والسياسيّة وفيه نشأة وضع‬
‫الرع ّية يف البالد التونسية وجذوره ومجال الرع ّية‬
‫ووضع الفرد يف إطار املجموعات القبليّة الواحيّة‪.‬‬
‫يختص باستفحال األزمة‬
‫وكان ثالث الفصول ّ‬

‫فق ّدم ال ّدادائيّة والفيزيقيّة واأليروسية وغريها‬
‫ليخص املسألة البالغ ّية‬
‫من املذاهب اإلبداع ّية ّ‬
‫بالفصل ال ّرابع فيختار لها من العناوين فائض‬
‫البالغة فينظر يف التح ّول البالغي وبالغة‬
‫الواقع وبالغة األشياء ث ّم يختم باملوسيقى‬
‫والقصيدة يف الفصل الخامس وينظر يف غنائية‬
‫النص الشّ عري مراوحا بني العمودي والنرثي‪.‬‬
‫ّ‬
‫زلزلة الحداثة العرب ّية إضافة للدراسات‬
‫النقدية التطبيقية التي تساعد عىل تطوير‬
‫التجربة وتبسيط النظري‪.‬‬

‫وتأثرياتها العميقة وفيه وقع األزمة‬
‫عىل املجتمع املديني‪ ،‬وتفكّك‬
‫البنية القبليّة وإضعاف نفوذ‬
‫األعيان ث ّم ثورة القبائل بالوسط‬
‫الغريب يف ‪ 4681‬وأبعادها السياسية‬
‫واالجتامع ّية‪.‬‬
‫انتهى الباحث إىل تأصيل الدولة‬
‫الحديثة يف تونس مالحظا أ ّن‬
‫«بناء ال ّدولة الحديثة يف جوهرها‬
‫ال يختلف عن قض ّية أوسع وهي‬
‫خاصة‬
‫ظاهرة الحداثة‪ .‬مل تكن الحداثة ظاهرة ّ‬
‫بالعامل األرويب‪ ,‬لقد ظهرت بشكل متزامن يف مواقع‬
‫عديدة من العامل‪ .‬ولكن بنسق متفاوت حسب‬
‫املناطق‪ ...‬واصل األتراك العثامنيون اإلرث الحفيص‬
‫وأعطوا لعمليّة بناء ال ّدولة الحديثة دفعا جديدا»‬
‫(صص‪.)532-432‬‬
‫يلقي كتاب تونس العثامنيّة الضوء عىل مرحلة‬
‫مفصل ّية من تاريخ البالد التونس ّية ويعيد قراءة‬
‫األحداث بالنظر يف العوامل الخارجية والعوامل‬
‫املحل ّية مفككا األسباب والنتائج‪.‬‬



Documents similaires


flyer
priere du refuge phonetique et traduction
glyphes
conte soul dossier spectacle 2015
cho agenda 2015 t4 1
cho agenda 2015 t4


Sur le même sujet..