bdroitn.alitbat alkadai... .pdf



Nom original: bdroitn.alitbat alkadai....pdf

Ce document au format PDF 1.4 a été généré par / iTextSharp™ 5.5.9 ©2000-2016 iText Group NV (AGPL-version); modified using iTextSharp™ 5.5.9 ©2000-2016 iText Group NV (AGPL-version), et a été envoyé sur fichier-pdf.fr le 15/01/2018 à 19:43, depuis l'adresse IP 105.155.x.x. La présente page de téléchargement du fichier a été vue 353 fois.
Taille du document: 3.4 Mo (270 pages).
Confidentialité: fichier public


Aperçu du document


‫و ازرة التعليم العالي والبحث العلمي‬
‫جامعة محمد خيضر بسكرة‬
‫كلية الحقوق والعلوم السياسية‬
‫قسم القانون العام‬

‫اإلثبات القضائي يف املنازعات اإلدارية‬
‫"دراسة مقارنة"‬
‫أطروحة مقدمة لنيل درجة الدكتوراه في العلوم‬
‫تخصص‪ :‬القانون اإلداري‬

‫إشراف ‪ /‬أ‪ .‬د‪ .‬جلول شيتور‬

‫إعداد ‪ /‬الياس جوادي‬

‫لجنة المناقشة‬

‫اسم ولقب األستاذ‬

‫الدرجة‬

‫المؤسسة‬

‫الصفة‬

‫الدكتور مفتاح عبد الجليل‬

‫أستاذ محاضر ‪-‬أ‪-‬‬

‫جامعة بسكرة‬

‫رئيسا‬

‫األستاذ الدكتور شيتور جلول‬

‫أستاذ التعليم العالي‬

‫جامعة بسكرة‬

‫مشرفا ومقر ار‬

‫الدكتورة مانع سلمى‬

‫أستاذ محاضر ‪-‬أ‪-‬‬

‫جامعة بسكرة‬

‫ممتحنا‬

‫الدكتور مخلوفي عبد الوهاب‬

‫أستاذ محاضر ‪-‬أ‪-‬‬

‫جامعة باتنة‬

‫ممتحنا‬

‫الدكتور دراجي عبد القادر‬

‫أستاذ محاضر ‪-‬أ‪-‬‬

‫جامعة باتنة‬

‫ممتحنا‬

‫الدكتور فريجة حسين‬

‫أستاذ محاضر ‪-‬أ‪-‬‬

‫جامعة المسيلة‬

‫ممتحنا‬

‫السنة الجامعية‪3102 / 3102 :‬‬

‫االهـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــداء‬
‫هذه الحروف لمن يا قلب تهديها‬
‫وذي المودة من يدري أمانيها‬
‫بعمق قلب ملؤه محبة وأمل‬
‫بأن يعطر من دنيا من له فيها‬
‫بخالص الدعوات بالرحمة تبعثها‬
‫لمن أقرب الناس في الدنيا بأهاليها‬
‫عرفت فيها األمومة في أسمى معانيها‬
‫وحياتي بشعاعها ال تزال تضويها‬
‫أمي الغالية‪ ،‬ما أقول فيها‬
‫تلك الحبيبة في الدنيا‪ ،‬أطلب اهلل في الدنيا واآلخرة ينجيها‬
‫ووالدي ما أقول فيه‪ ،‬قد مضى له الرحيل‬
‫ولكن لست أسلوه‪ ،‬في مهجتي ذكراه مدى األيام باق‬
‫الى زوجتي وبناتي مريم ونور الذين عانوا معي تعبا وسه ار أهديها‬

‫شكر وتقدير‬
‫امحلد هلل اذلي عمل الانسان ما مل يعمل‪.‬‬
‫امحلد هلل منري ادلرب‪ ،‬ملهم الصرب‪ ،‬ممتّم الصاحلات وأشكره تعاىل العيل القدير وأتوجه اليه بعظمي امحلد‬
‫عىل نعامئه‪ ،‬علمين ما مل أكن أعمل‪ ،‬فهل امحلد وهل الشكر‪.‬‬
‫يقتيض الاعرتاف ابلفضل و تقدير العطاء اجلزيل‪ ،‬والث ّناء ابلفضل لههل أجد لزاما عيل بعد الانهتاء من‬
‫كتابة هذه الرساةل أن أقدم الشكر والعرفان للك من مد يل يد العون واملساعدة‪ .‬وأخص ابلشكر والتقدير‬
‫الس تاذ ادلكتور ‪ /‬جلول شيتور‪ ،‬اذلي جتشم عناء الرشاف عىل هذه الرساةل ‪ ،‬حفظيت بتوجهياته وارشاداته‬
‫وأفادين بنصاحئه وجتاربه‪ ،‬أسأل هللا تعاىل أن يسدد خطاه‪ ،‬ويبارك هل يف وقته وهجده‪.‬‬
‫كام أتوجه ابلشكر للك العضاء املشاركني يف جلنة املناقشة واحلمك عىل هذه الرساةل عىل تفضلهم‬
‫ابلشرتاك يف هذه اللجنة وبذهلم الكثري من اجلهد والعناء‪ ،‬وأؤكد هلم من الآن أنين سألزتم بلك ما س يطرح‬
‫من مالحظات قمية ‪ ،‬فلهم مين جزيل الشكر وعظمي الامتنان‪.‬‬
‫كذكل أتقدم ابلشكر والتقدير مجليع القامئني عىل ادارة املركز اجلامعي بتامنغست وعىل رأسهم مديرها عىل‬
‫تشجعنا يف مواصةل البحث العلمي‪ ،‬ول أنىس مجيع زماليئ الساتذة يف معهد احلقوق فلهم لك الاحرتام‬
‫والتقدير‪.‬‬
‫والشكر موصول مجليع القامئني عىل ادارة جامعة بسكرة اليت أاتحت يل فرصة الالتحاق مبرحةل ادلكتوراه‬
‫يف لكية احلقوق‪.‬‬
‫وأخريا ل يفوتين أن أبدي خالص التقدير والاحرتام والامتنان والعرفان للك من أسدى يل مشورة أو‬
‫قدم يل مرجعا أو أرشدين اليه‪ ،‬ممن ذكرت أو مل أ ذكر ‪ ،‬فان جعزت عن شكرمه فلن أجعز بعون هللا عن‬
‫ادلعاء هلم يف ظهر الغيب‪ ،‬جزامه هللا عين خري اجلزاء ‪ ،‬وأمد هللا يف أعامرمه ومتعهم ابلصحة والعافية‪ ،‬وحقق‬
‫هلم لك السعادة‪.‬‬

‫دلةل اخملتصات‬
‫ق م ج ‪ :‬القانون املدين اجلزائري‬
‫ق م ف ‪ :‬القانون املدين الفرنيس‬
‫د م ج ‪ :‬ديوان املطبوعات اجلامعية‬
‫ب س ن ‪ :‬بدون س نة نرش‬
‫ب م ن ‪ :‬بدون ماكن نرش‬
‫ب د ن ‪ :‬بدون دار نرش‬
‫ق ا م ا ج ‪ :‬قانون الجراءات املدنية والدارية اجلزائري‬
‫ط ‪ :‬الطبعة‬
‫ص ‪ :‬صفحة‬
‫س ‪ :‬س نة‬
‫ج ‪:‬جزء‬

‫مقدمة‬

‫احلمد هلل احلكيم يف قضائه‪ ،‬العادل يف جزائه‪ ،‬والصالة والسالم على سيدنا حممد (ص) خري‬
‫من حكم فعدل‪ ،‬وقضى فأقسط‪ ،‬وعلى آله وأصحابه الذين اهتدوا هبداه وساروا على منهاجه إىل‬
‫يوم الدين‪ ،‬أما بعد‪:‬‬
‫فإن أدلة االثبات من املوضوعات اليت حتتل أمهية كربى يف جمال البحث‪ ،‬واليت تبحث يف‬
‫احلجج واألدلة الثبوتية اليت تقدمها أطراف املنازعة أمام القضاء‪ ،‬وهي وسائل متكنه من القيام‬
‫مبهامه من أجل حتقيق العدالة وصيانة اجملتمع عن طريق إيصال احلقوق إىل أصحاهبا وتسليط‬
‫العقوبات على مستحقيها‪ ،‬ألنه ال يتهيأ للقاضي أن يتوصل إىل احلقيقة من بني ما يقدم إليه من‬
‫ادعاءات‪ ،‬وال يستطيع أن مييز بني احلق والباطل من بني ما يعرض عليه من قضايا‪ ،‬إال بواسطة‬
‫هذه احلجج والرباهني‪ ،‬اليت يعضد هبا كل واحد من املتقاضني دعواه‪ ،‬ووسائل االثبات خمتلفة‬
‫ومتعددة‪ ،‬منها ما ذكر يف القانون املدين‪ ،‬ومنها ما ذكر يف قانون االجراءات املدنية واالدارية‪،‬‬
‫خصوصا وأنه ال يوجد تقنني لقواعد اإلثبات يف القانون اإلداري على غرار ما هو موجود يف فروع‬
‫القانون األخرى‪ ،‬إذ يعتمد القاضي االداري على القواعد العامة يف االثبات ويقوم بتقديرها على‬
‫طبيعة الدعوى اإلدارية‪ ،‬األمر الذي يضفي على دراسة هذه الوسائل أو األدلة أمهية بالغة يف‬
‫مواضيع املنازعات اإلدارية‪ ،‬وذلك لندرة الدراسات املتصصصة هلذا املوضوع‪.‬‬
‫لذلك تناولت يف هذه األطروحة اإلثبات القضائي يف املنازعات اإلدارية مع مقارنة ذلك‬
‫بقواعد القانون الفرنسي واملصري‪.‬‬
‫وتنشأ الدعوى اإلدارية عادة عن خصومة بني طرفني غري متكافئني‪ ،‬ومها جهة اإلدارة‬
‫بوصفها سلطة عامة والطرف اآلخر غالبا ما يكون الفرد‪ ،‬وهو الطرف ضعيف ال ميلك وسائل‬
‫القوة اليت متلكها االدارة‪.‬‬
‫وتقوم أدلة االثبات على طبيعة الدعوى اإلدارية‪ ،‬ودور القاضي يف تقديرها‪ ،‬باعتبار أن‬
‫املنازعة االدارية هي الوسيلة القانونية اليت يكفلها املشرع لألشصاص سواء كانت طبيعية أم معنوية‬
‫حلماية حقوقهم يف مواجهة االدارة عن طريق القضاء‪.‬‬
‫وتكون املنازعة إدارية إذا توفر فيها عنصران‪ ،‬أوهلما اتصال املنازعة بسلطة إدارية‪ ،‬مبعىن أن‬
‫تكون اإلدارة أحد خصوم الدعوى كمدعي أو مدعى عليه‪ ،‬وثانيهما اتصال الدعوى بنشاط‬
‫مرفقي تباشره السلطة اإلدارية بوسائل القانون العام‪.‬‬
‫واإلدارة يف معظم املنازعات اإلدارية تكون يف مركز املدعى عليه‪ ،‬وإذا كان الطرف اآلخر‬
‫وهو املدعي هو كذلك إدارة عمومية أخرى‪ ،‬فلن تثار أي اشكالية تتعلق باألدلة ومن حيوزها أو‬

‫أ‬

‫التوازن بني األطراف‪ ،‬أما إذا كان املدعي وهو الشصص عادة فإنه يكون خالياً من أي امتيازات‬
‫أو أدلة‪ ،‬وبالتايل تنشأ إشكالية عدم حتقيق التساوي بني أطراف الدعوى اإلدارية‪.‬‬
‫ويرد االثبات على واقعة معينة تكون هي حمل االثبات وعلى من يدعي توافرها إقامة الدليل‬
‫على ذلك‪ ،‬واالثبات يف املنازعات االدارية هو وسيلة للوصول إىل احلقيقة يقوم هبا أساسا القاضي‬
‫االداري والذي يتوىل النظر يف الدعوى من واقع ما يعرض عليه من مستندات و أدلة ثبوتية‪ ،‬ومن‬
‫واقع ما يقدره هو من تلقاء نفسه‪ ،‬فال يقتصر القضاء االداري أثناء تقصيه للحقيقة على الوسائل‬
‫الثبوتية املنصوص عليها يف القانون فقط‪ ،‬بل عليه أن يعتمد يف حل املنازعة املطروحة أمامه على‬
‫كل دليل يوصله إىل احلقيقة ولو كان هذا الدليل غري منصوص عليه يف القانون‪.‬‬
‫أوال‪ :‬إشكالية البحث‪ :‬مما سبق تتضح إشكالية البحث‪ ،‬اليت تكمن يف أن الدعوى اإلدارية‬
‫بطبيعتها اخلاصة ومراكز أطرافها تنشئ إشكالية عدم حتقيق املساواة بني أطرافها‪ ،‬األمر الذي‬
‫يتطلب معاجلة ذلك الوضع ال سيما معاجلة عبء اإلثبات الذي يتحمله الفرد املدعي وتتحلل‬
‫منه اإلدارة (املدعي عليها) ألن الفرد هو املتضرر من قرارات اإلدارة‪ ،‬وهو الذي يطلب احلماية‬
‫القضائية بلجوئه إىل القضاء وهو امللزم بتقدمي البينة باعتباره املدعي‪ ،‬وبالتايل يتعني على القاضي‬
‫تقدير أدلة االثبات وتكييفها حسب طبيعة النزاع املطروح أمامه‪ ،‬وبالتايل يثار أمامنا التساؤل‬
‫اآليت‪ :‬إذا كان املدعي وهو الشصص غالبا ال حيوز أي دليل عادة‪ ،‬واإلدارة حبسب امتيازاهتا‬
‫بالسلطة العامة هي اليت حتوز األوراق واملستندات‪ ،‬ما مدى تقدير القاضي اإلداري ألدلة االثبات‬
‫وهي ضمن القواعد املشرتكة يف ق‪.‬م‪.‬ج و ق‪.‬إ‪.‬م‪.‬إ‪.‬ج‪ -‬وتطبيقها على نزاع إداري ألطراف غري‬‫متساويني؟‬
‫من هذا التساؤل نطرح األسئلة الفرعية اآلتية‪:‬‬
‫باعتبار الدعوى اإلدارية هلا خصوصيتها فما هو املذهب الذي يتبعه القاضي اإلداري يف‬
‫اإلثبات؟ وماهو دوره عند حتقيق الدعوى اإلدارية؟ وما هي األدلة املتبعة يف اثبات الدعوى‬
‫االدارية؟‬
‫يف هذه األطروحة سنقوم باإلجابة على التساؤالت املطروحة‪ ،‬وذلك بالتحليل املبين على‬
‫شرح النصوص املتعلقة بأدلة االثبات مع االجتهادات القضائية واآلراء الفقهية‪ ،‬مع االستناد اىل‬
‫القانونني الفرنسي واملصري‪ ،‬واليت تكمن يف البحث عن مدى مالءمة القواعد العامة لإلثبات‬
‫للدعوى اإلدارية ذات الطبيعة اخلاصة ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬أهمية موضوع الدراسة‪:‬‬
‫إن أي تنظيم قانوين إذا أتت قواعده بعيد ًة عن الوسط الذي ختاطبه ومقتضياته ومكوناته من‬
‫أطراف وأشياء ووقائع‪ ،‬يعد تنظيما عاجزا غري واقعي‪ ،‬سيولد ميتا أو سيحكم عليه بذلك‪ ،‬ولن‬

‫ب‬

‫يأبه املصاطبون به‪ ،‬وتكثر خمالفاتة واخلروج عنه‪ ،‬حىي يستشعر العجز وينحسر‪ ،‬لكونه مل يأخذ يف‬
‫احلسبان احللول الواقعية والفنية للقضايا اليت يعاجلها‪.‬‬
‫فالقانون مل يكن يوما‪ ،‬علما مغلقا أو جامدا‪ ،‬ينشأ بعيدا عن واقعه‪ ،‬فهو علم يستمد سبب‬
‫وجوده ومضمونه ليس من ذاته بل من الظروف الواقعية للمجتمع‪ ،‬وإذا كانت تلك الظروف‬
‫تتغري‪ ،‬فال بد للقانون بدوره أن يتغري ويتطور حىت يأيت ملبيا لكل ما جد وطرأ يف الواقع‪ ،‬لذا‬
‫فاملشرع الوطين ملزم عند وضعه ألي تنظيم قانوين معني أن يسعى إىل حتقيق التوافق بني‬
‫املستجدات واحلاجة إليها وبني القانون‪.‬‬
‫من هنا تأيت أمهية هذه الدراسة وذلك بالنظر إىل الطبيعة اخلاصة ملوضوعها املتعلقة بقواعد‬
‫االثبات من ناحية‪ ،‬وعدم كفاية القواعد القانونية احلالية اليت تنظمها وحتكمها من ناحية ثانية‪،‬‬
‫وأثر ذلك يف إقرار حقوق األطراف وحتقيق العدالة من ناحية ثالثة‪ ،‬وميكن إجياز هذه األمهية يف‬
‫النقاط التالية‪:‬‬
‫‪ -1‬أمهية وخصوصية اإلثبات يف الدعاوى اإلدارية بالنظر إىل أطرافها‪:‬‬
‫إن دراسة نظام اإلثبات يف الدعاوى اإلدارية‪ ،‬يعد من أهم املسائل القانونية اليت تثريها دراسة‬
‫النظام القضائي اإلداري‪ ،‬بوصف أن حتديد هذا النظام ليس املراد به الوقوف على أساس نظام‬
‫اإلثبات على حنو نظري دون أن يأخذ يف احلسبان الطبيعة اخلاصة ألطراف الدعوى اإلدارية‬
‫والنتائج املرتتبة على تلك اخلصوصية‪ ،‬وتبدو اخلصوصية هنا عند حتديد املراكز القانونية لطريف‬
‫الدعوى اإلدارية‪ ،‬اإلدارة بوصفها املدعى عليه‪ ،‬والفرد كونه املدعي‪ ،‬ويف إدعاءات كل منهما‪ ،‬إذ‬
‫حتوز اإلدارة على غالبية أدلة اإلثبات عادة يف حني يقف الفرد أعزل وغري قادر على تعزيز موقفه‬
‫باألدلة املطلوبة ‪ ،‬أي أن الدعوى اإلدارية تتضمن مركز قوي يتمثل يف اإلدارة وامتيازاهتا والفرد‬
‫وموقفه الضعيف‪ ،‬األمر الذي يوجد اختالل التوازن يف مراكز األطراف وعدم تكافؤ أدائهم يف‬
‫امتالك وتقدمي أدلة اإلثبات‪.‬‬
‫‪ - 2‬تبدو أمهية الدراسة بالنظر إىل عدم وجود تنظيم قانوين خاص ومستقل باإلثبات‬
‫اإلداري يف ضوء خصوصية الدعوى اإلدارية أي وجود فراغ تشريعي ينظم االثبات يف الدعاوى‬
‫اإلدارية فيما عدا بعض القواعد اليت ال تفي بالغرض‪ ،‬وبالتايل يتم اللجوء إىل القواعد العامة‬
‫لالثبات دون األخذ يف االعتبار السمات املميزة واخلاصة للدعاوى اإلدارية‪ ،‬األمر الذي يرتب‬
‫آثاراً يف غاية األمهية على جممل سري الدعوى‪ ،‬وتقومي عدالة االلتزامات املتقابلة لألطراف‪.‬‬
‫‪ - 3‬وكذلك فإن أمهية الدراسة تزداد يف ظل وجود نظام إجرائي خاص بالتقاضي‬
‫(ق‪.‬إ‪.‬م‪.‬إ‪.‬ج) كقواعد مشرتكة تطبق يف الدعاوى اإلدارية‪ ،‬وعليه فإن عدم مالئمة القواعد املتبعة‬
‫يف القضاء اإلداري مع القضاء العادي‪ ،‬من شأنه أن يثري إشكالية تقدير القضاء لتلك القواعد‬
‫على املنازعات االدارية‪ ،‬وعدم اطمئنان الطرف الضعيف على مصري حقوقه حمل الدعوى‪.‬‬
‫ت‬

‫ثالثا ‪ :‬األسباب التي دعتني إلى اختيار موضوع هذه الدراسة‬
‫كان وراء اختياري هلذا املوضوع للدراسة البحثية أسباب بعضها نظري والبعض اآلخر عملي‬
‫وهو األكثر‪.‬‬
‫األسباب النظرية‪:‬‬
‫‪ :1‬نُدرة الكتابات الفقهية خاصة يف القانون اجلزائري‪ ،‬على الرغم من أن موضوعات القضاء‬
‫اإلداري قد حظيت باهتمام كبري يف الفقه‪ ،‬إال أن موضوع هذه الدراسة مل حيظى بنفس القدر من‬
‫اإلهتمام رغم أمهيته اخلاصة‪.‬‬
‫‪ :2‬الطبيعة القانونية اخلاصة ملوضوع الدراسة وما تثريه من مشاكل قانونية وواقعية نامجة عن‬
‫فراغ تشريعي وتنظيمي يستدعي الدراسة وتقييم موقف املشرع اجلزائري‪.‬‬
‫‪ :3‬عدم وجود تنظيم خاص باإلثبات اإلداري على ضوء طبيعة الدعوى اإلدارية يف ظل‬
‫معظم التشريعات ومنها التشريع اجلزائري‪.‬‬
‫األسباب العملية‪:‬‬
‫‪ :1‬اختالف التنظيم القانوين يف التقاضي اإلداري من دولة إىل أخرى بني نظام وحدة‬
‫القضاء‪ ،‬ونظام إزدواجية القضاء‪.‬‬
‫‪ :2‬كثرة املنازعات اإلدارية وما تثريه من مسائل فنية ليست هلا حلوالً واحدة‪.‬‬
‫‪ :3‬تضارب أحكام القضاء بشأهنا حبيث مل يساعد على إرساء قواعد أو سوابق قضائية‬
‫ميكن االعتداد هبا‪.‬‬
‫رابعا ‪ :‬الصعوبات التي واجهت الدارسة‬
‫مل يكن البحث يف هذا املوضوع باليسري أو اهلني‪ ،‬وإمنا اكتنفته العديد من الصعوبات لعل‬
‫أمهها‪:‬‬
‫‪ - 1‬بدايةً تلك اليت تستمد أساسها من صعوبة هذه الدراسة بالنظر إىل ندرة الكتابات‬
‫الفقهية املتصصصة‪ ،‬ومن مثة االفتقار إىل قواعد ومبادئ قانونية مستقرة‪.‬‬
‫‪ - 2‬ليس بعيداً عن الفطنة صعوبة البحث يف موضوعات القضاء اإلداري بالنظر إىل الطبيعة‬
‫اخلاصة للدعاوى اإلدارية‪ ،‬فإذا كان هذا وضع القضاء اإلداري بصورة عامة‪ ،‬فما بال البحث يف‬
‫نظام اإلثبات يف الدعاوى اإلدارية‪ ،‬الذي يعد من أدق موضوعات الدراسة والبحث العلمي‪ ،‬إن‬
‫مل يكن أدقها على اإلطالق‪ ،‬وأكثرها مشقة على الباحث‪.‬‬
‫‪ - 3‬عالوةً على ذلك إن دراستنا هذه دعتنا بال شك للبحث والتنقيب عن القواعد‬
‫واألحكام اليت هلا صلة مبوضوعها يف خمتلف فروع القانون "العام واخلاص" ال سيما القانون‬
‫اإلداري‪ ،‬والقانون املدين‪ ،‬وقانون اإلجراءات املدنية‪ ،‬ومن مث فإن الوقوف على األحكام املتعلقة‬
‫ث‬

‫هني‪ ،‬ويتطلب جهداً ال يستهان به‪،‬‬
‫مبوضوع الدراسة يف فروع القانون املصتلفة يلقي عبئاً ليس بالـ ّ‬
‫سواء يف الوصول إىل تلك األحكام أو يف حتليل كل ما يتصل هبا‪.‬‬
‫يعترب موضوع اإلثبات يف الدعوى اإلدارية من أهم املوضوعات اليت حيتويها القضاء اإلداري‪،‬‬
‫وهي من املواضيع اجلديدة اليت تفتقر إىل كثري من الدراسات واألحباث‪ ،‬وهلذا نعتقد أن هذا‬
‫البحث ميكن أن يساهم يف إيضاح بعض الغموض الذي يكتنف هذا املوضوع‪ ،‬من أجل ذلك‬
‫كله آثرنا اختياره موضوعاً للبحث‪ ،‬مع مالحظة أننا قد واجهنا العديد من الصعوبات أمهها قلة‬
‫املراجع يف هذا الشأن‪ ،‬ال سيما فيما خيص إثبات الدعوى اإلدارية يف القانون اجلزائري‪ ،‬وذلك‬
‫لعدم وجود قضاء إداري متصصص وإجراءات خاصة بالتقاضي اإلداري‪ ،‬وكذا نظام خاص‬
‫باإلثبات يف الدعوى اإلدارية‪ ،‬وكذلك لقلة االجتهادات الصادرة من القضاء االداري اجلزائري‬
‫قياساً باألنظمة األخرى‪ ،‬وعدم تدوينها مبجلدات ومراجع خاصة‪ ،‬وعدم نشرها يف موقع جملس‬
‫الدولة‪ ،‬والسبب يف ذلك يرجع إىل أن القاضي غري متصصص يف نظر يف الدعوى اإلدارية ويطبق‬
‫عليها القواعد واإلجراءات العامة يف اإلثبات دون مراعاة خلصوصيتها‪.‬‬
‫خامسا‪ :‬المنهج المتبع في الدراسة‬
‫وقد اتبعنا يف هذه الدراسة أسلوب التحليل مع إجراء مقارنة ببيان اجتاهات القضاء اإلداري‬
‫الفرنسي واملصري مقارنة معاً يف فصل واحد أو مبحث واحد مع إبداء رأينا يف بعض املسائل اليت‬
‫سوف تربز يف موضعها حسبما تقتضي ذلك طبيعة املسألة املطروحة‪ ،‬مع حماولة مقارنتها مع‬
‫االجتهاد القضائي االداري اجلزائري‪ ،‬ألن األخري الزال قضاء فتيا وحديثا‪.‬‬
‫ويف ضوء ما تقدم ال نستطيع عقد مقارنة حقيقية بني النظام املتبع إلثبات الدعوى اإلدارية‬
‫يف اجلزائر ونظام اإلثبات اإلداري يف فرنسا ومصر‪ ،‬نظراً لعدم وجود حد أدىن من املالمح العامة‬
‫املشرتكة بينهما‪ ،‬فنظاما القضاء اإلداري الفرنسي واملصري قد وجدا منذ وقت طويل‪ ،‬وقد‬
‫استطاعا إجياد مبادئ القضاء اإلداري‪ ،‬وكذا إجياد بعض القواعد املتعلقة باإلثبات اإلداري‪ ،‬أما‬
‫القضاء اإلداري اجلزائري فال يزال حيبو يف مراحله األوىل‪ ،‬وبالتايل مل تستقر معامله ومبادئه‪ ،‬إضافة‬
‫إىل ذلك عدم وجود قانون إثبات مستقل يف التشريع اجلزائري‪.‬‬
‫سادسا خطة الدراسة ‪ :‬اشتملت هذه الدراسة على بابني‪:‬‬
‫يف الباب األول‪ :‬ماهية اإلثبات وقواعده األساسية‬
‫الفصل األول‪ :‬ماهية اإلثبات يف املنازعات اإلدارية والعوامل املؤثرة فيه‬
‫املبحث األول ‪ :‬مفهوم اإلثبات ‪ ،‬تعريفه وأمهيته ومتييزه عن القانون اجلزائي‬
‫املبحث الثاين‪ :‬نظم اإلثبات ‪ ،‬احلر و املقيد‪ ،‬و املصتلط وموقف املشرع اجلزائري‬
‫املبحث الثالث‪ :‬العوامل املؤثرة يف إثبات الدعوى االدارية (امتيازات االدارة و آثارها)‬
‫أما الفصل الثاين‪ :‬القواعد األساسية لإلثبات من جهة دور اخلصوم والقاضي‬
‫ج‬

‫املبحث األول‪ :‬دور اخلصوم يف اإلثبات‪ ،‬على من يقع عبء االثبات‬
‫املبحث الثاين‪ :‬دور القاضي يف إثبات الدعوى االدارية‬
‫ويف الباب الثاين‪ :‬أدلة اإلثبات املقبولة أمام القاضي االداري‬
‫الفصل األول‪ :‬أدلة االثبات املباشرة‬
‫املبحث األول‪ :‬الكتابة‬
‫املبحث الثاين‪ :‬اخلربة‬
‫املبحث الثالث‪ :‬شهادة الشهود‬
‫املبحث الرابع‪ :‬االنتقال للمعاينة‬
‫الفصل الثاين‪ :‬أدلة اإلثبات الغري مباشرة‬
‫املبحث األول‪ :‬االقرار‬
‫املبحث الثاين‪ :‬االستجواب‬
‫املبحث الثالث‪ :‬القرائن‬
‫املبحث الرابع‪ :‬اليمني‬
‫الفصل الثالث‪ :‬األدلة العلمية احلديثة‬
‫املبحث األول‪ :‬الكتابة اإللكرتونية‬
‫املبحث الثاين‪ :‬التلكس والفاكس‬
‫املبحث الثالث‪ :‬الربيد اإللكرتوين‬
‫املبحث الرابع‪ :‬التسجيالت‬
‫اخلامتة‬

‫ح‬

‫الباب األول ماهية اإلثبات القضائي وقواعده األساسية‬
‫خيتلف اإلثبات باختالف طبيعة الواقعة حمل النزاع املراد إثباهتا‪ ،‬وتبعا لذلك ختتلف‬
‫طبيعة اإلثبات يف فروع القانون حسب طبيعة كل فرع‪ ،‬حيث يستلزم كل تنظيم قضائي‬
‫وجود نظام إثبات خاص به يتفق مع طبيعته‪ ،‬وال يستغين أي نظام قانوين عن اإلثبات إذ ال‬
‫ميكن لألفراد واجملتمع اقتضاء حقوقهم بغري أدلة اإلثبات‪ ،‬وهو ما أكدته معظم قوانني‬
‫اإلثبات من أن قواعد اإلثبات حتتل أمهية خاصة حيث أن احلق – وهو موضوع التقاضي‪-‬‬
‫يتجرد من كل قيمة إذا مل يقم الدليل على احلادث الذي يستند إليه‪.‬‬
‫وكمدخل لدراسة قواعد اإلثبات يف الدعوى اإلدارية واملالمح القانونية لإلثبات يف‬
‫القانون اإلداري ومن أجل بناء مفهوم واضح وسليم لإلثبات يف املنازعات اإلدارية‪ ،‬ينبغي‬
‫علينا حتديد ماهية اإلثبات والعوامل املؤثرة فيه‪( ،‬الفصل األول)‪.‬‬
‫والقواعد األساسية اليت يربز فيها دور اخلصوم والقاضي يف إثبات الدعوى اإلدارية‬
‫(الفصل الثاين)‪.‬‬

‫‪7‬‬

‫الفصل األول‪ :‬ماهية اإلثبات في المنازعات اإلدارية والعوامل المؤثرة فيه‬
‫يعترب موضوع اإلثبات يف الدعاوى بصفة عامة والدعوى اإلدارية بصفة خاصة ذو أمهية‬
‫كربى وهي يف حقيقتها وجوهرها الدرع الواقي للحقوق األداة الفعالة يف حتقيق العدل‪.‬‬
‫وطرق اإلثبات من أكثر املوضوعات الفقهية تطبيقا وأشدها حيوية وأن األسلوب الذي‬
‫يتبعه املشرع يف اإلثبات يتوقف عليه ميزان العدل‪ ،‬وإحقاق احلق‪ ،‬وأن فساد األسلوب يف‬
‫اإلثبات حيول دون وصول الناس إىل حقوقهم أو يضع العراقيل يف الطريق املوصل إليها‪.‬‬
‫وقبل أن نشرع يف شرح أدلة اإلثبات وحجيتها جيب احلديث عن بعض األمور اليت متهد‬
‫له وتنري الطريق أمامه حيث نتطرق يف هذا الفصل إىل ماهية اإلثبات من خالل بيان‪:‬‬
‫تعريفه‪ ،‬وأمهيته ومكانه يف النظام القانوين ونظم االثبات‪ ،‬مث نوضح العوامل املؤثرة يف اإلثبات‬
‫اإلداري وعلى ذلك نقسم هذا الفصل إىل ثالثة مباحث؛‬
‫املبحث األول ‪ :‬مفهوم اإلثبات‬
‫املبحث الثاين‪ :‬نظم اإلثبات‬
‫املبحث الثالث‪ :‬العوامل املؤثرة يف إثبات الدعوى اإلدارية‬

‫‪8‬‬

‫المبحث األول ‪ :‬مفهوم اإلثبات‬
‫للوصول إىل خصوصية اإلثبات يف املنازعة اإلدارية‪ ،‬ينبغي علينا دراسة حقيقة اإلثبات‬
‫من حيث تعريفه ومكانه يف النظام القانوين وأمهيته‪ ،‬لذلك نقسم هذا املطلب إىل فرعني‬
‫على النحو التايل‪:‬‬
‫املطلب األول ‪ :‬تعريف اإلثبات ومكانته يف النظام القانوين‬
‫املطلب الثاين ‪ :‬أمهية اإلثبات وصعوبته يف املنازعة اإلدارية‬
‫املطلب الثالث‪ :‬مدى تعلق قواعد اإلثبات بالنظام العام‬
‫المطلب األول ‪ :‬تعريف اإلثبات ومكانته في النظام القانوني‬
‫نوضح يف هذا الفرع تعريف اإلثبات يف اللغة واالصطالح‪ ،‬ومن مث حتديد مكانته يف‬
‫النظام القانوين على النحو اآليت‪:‬‬
‫الفرع األول ‪ :‬تعريف اإلثبات‬
‫أوال‪ -‬تعريف اإلثبات لغةً ‪:‬‬
‫اإلثبات من أثبت الشيء‪ ،‬أي عرفه حق املعرفة وثبت ثباتاً وثبوتاً فهو ثابت‪ ،‬والثبات‬
‫والثبوت يعين الدوام واالستقرار ويقال ثبت فالن على موقفه إذا مل يرتاجع عنه‪ ،‬ولذا يسمى‬
‫الدليل ثبتاً؛ ألنه يؤدي إىل استقرار احلق لصاحبه بعد ما كان غري مستقر وقت أن كان‬
‫متأرجحاً بني املتداعني‪ ،‬ويقال أيضاً ال أحكم بكذا إال بثبت أي حبجة‪ ،‬ولذلك فاإلثبات‬
‫يف اللغة هو الدليل أو البينه أو احلجة(‪.)1‬‬
‫وموضوع اإلثبات قدمي‪ ،‬فلم يعنت به رجال القانون أو فقهاء الشريعة االسالمية فقط‬
‫بل حىت الفالسفة وعلماء النفس‪ ،‬ومثال ذلك مؤلف بنتام "‪ "Bentham‬حتت عنوان‬
‫(‪ )1‬الفريوزأبادي‪ :‬جمد الدين حممد بن يعقوب – القاموس احمليط ج ‪ 1‬القاهرة ‪ 1592‬م ص ‪ .111‬الفيومي أمحد بن‬
‫حممد علي املصباح‪ :‬املنري يف غريب الشرح الكبري –ج‪ 1‬القاهرة ‪1591‬م ص ‪.17‬‬
‫‪9‬‬

‫"اإلثبات القضائي" والذي ألفه يف سنة ‪ ،1731‬وكتاب جربيال "‪ "Gabriel‬حتت عنوان‬
‫"حبث حول طبيعة اإلثبات"‪ ،‬وبونييه "‪ "Bonnier‬يف تعريف اإلثبات(‪ .)1‬ومن خالل ذلك‬
‫يربز اإلثبات من الناحية الفلسفية فيعرف بأنه ‪ :‬العملية اليت تؤدي بصفة مقنعة قاطعة إىل‬
‫التسليم بصحة قضية مشكوك فيها بداءة‪ ،‬فاإلثبات كصيغة حمددة للفعالية اإلدراكية خيدم‬
‫يف حل املشاكل اجلزئية لإلدراك واليت تنبثق يف خضم التحقيق واحملاكمة يف قضية من‬
‫القضايا املعروضة أمام احملاكم‪ ،‬على أن هذه املشاكل حتل بواسطة القوانني العامة لإلدراك‬
‫اليت قد حققتها الفلسفة(‪.)2‬‬
‫ثانيا‪ -‬التعريف الشرعي ‪:‬‬
‫يعرف اإلثبات يف الفقه اإلسالمي من خالل التعريف اللغوي السابق بأنه ‪ :‬تأكيد احلق‬
‫بالبينة‪ ،‬والبينة هي الدليل أو احلجة‪ ،‬ولفظة ثبت تطلق جمازاً على من كان حجة أي ثقة يف‬
‫روايته فيقال ‪ :‬فالن ثبت من اإلثبات أي ثقة من الثقات‪ ،‬وقد عرفه القضاء الشرعي بأنه ما‬
‫يكفي وجوده لثبوت الشيء املقام عليه هذا اإلثبات (‪ ،)3‬واإلثبات أو احلجة عند هؤالء هي‬
‫اليت تفرق بني املدعي قبل إقامة البينة وبعد إثباهتا‪ ،‬إذ أن القاضي يسميه مدعياً قبل إقامة‬
‫البينة وبعدها يسميه حمقاً‪ ،‬وهذا هو ما جاء بعد ذلك يف أقوال فقهاء الغرب بأن الدليل‬
‫وحده هو الذي حيي احلق وجيعله مفيداً(‪.)4‬‬
‫ثالثا‪ -‬التعريف القانوين‪:‬‬
‫اإلثبات لدى الفقه القانوين العريب يعين إقامة الدليل أمام القضاء بالطرق اليت حددها‬
‫(‪ )1‬حلسني بن الشيخ أث ملويا‪ :‬مبادئ االثبات يف املنازعات اإلدارية‪ .‬دار هومة للطباعة والنشر‪ .‬اجلزائر ‪.2111‬‬
‫ص‪.11‬‬
‫(‪ )2‬آدم وهيب النداوي‪ :‬شرح قانون اإلثبات‪ .‬الطبعة الثانية‪ .‬مطبعة دار القادسية‪ .‬بغداد‪ 1571 .‬م ص ‪.11‬‬
‫(‪ )3‬علي رسالن‪ :‬نظام إثبات الدعوى وأدلته يف الفقه اإلسالمي والقانون الطبعة األوىل دار الدعوة االسكندرية‬
‫‪ 1551‬م ص ‪ ،13‬صاحل عبد اهلل الظبياين القضاء واإلثبات الشرعي يف الفقه االسالمي والقانون املدين دار‬
‫اجلامعة اليمنية صنعاء ‪ 1551‬م ص ‪.211‬‬
‫(‪ )4‬حممد الزحيلي وسائل اإلثبات يف الشريعة االسالمية ج‪ 1‬مكتبة املؤيد الرياض ‪1551‬م ص ‪ 33‬ومابعده‪.‬‬
‫‪01‬‬

‫القانون على وجود واقعة قانونية ترتبت آثارها(‪.)1‬‬
‫وعرفه الفقه الفرنسي بأنه‪ :‬إقامة الدليل أمام القضاء على حقيقة واقعة معينة يؤكدها‬
‫أحد األطراف يف خصومه وينكرها الطرف اآلخر(‪.)2‬‬
‫واإلثبات من املوضوعات اليت تناوهلا فقهاء القانون بالبحث والتحري سواء يف اجملال‬
‫املدين أو اجلنائي أو اإلداري نظراً ألمهيته ومكانته يف القانون‪ ،‬ولذلك كثرت التعاريف اليت‬
‫ذكرها الفقهاء لإلثبات(‪ )3‬كل منهم عرفه على الوجه الذي يراه متفقاً مع جمال حبثه‪.‬‬

‫(‪ )1‬عبد الرزاق السنهوري‪ :‬الوسيط يف شرح القانون املدين ‪ -‬اإلثبات بآثار االلتزام ‪ -‬اجمللد الثاين ‪-‬منشورات حليب‬
‫احلقوقية‪ ،‬بريوت ‪1557‬م ص ‪ .11‬حممود حممد هاشم القضاء ونظام اإلثبات يف الفقه االسالمي واألنظمة‬
‫الوضعية‪ ،‬الطبعة األوىل منشورات جامعة امللك سعود الرياض ‪ 1577‬م‪ .‬أمحد أبو الوفا التعليق على نصوص‬
‫قانون اإلثبات منشأة املعارف األسكندرية ‪ 1575‬م ص ‪.13‬‬
‫(‪ )2‬أسامة أمحد شوقي املليجي‪ :‬شرح القواعد اإلجرائية يف اإلثبات طبعة ‪ 1551‬ص‪ 2‬وقيل‪:‬‬
‫‪La preuve: est la demonstration de la verite d’un Fait qui affirme’ dans une‬‬
‫‪instance par l’une des parties et qui est nie par l’autre “ vincent (J) et‬‬
‫‪Guinchard (S): procedure civile precis Dalloz 21 ed 1987 N. 1107. P. 910.‬‬
‫وقيل‪:‬‬
‫‪La preuve: est l’effort. a. accomplir une fois l’instance engagee pour‬‬
‫‪obtenir la confirmation Judiciaire d’une, allegation relative aun point‬‬
‫‪de fait “ Pactet: essai d’une theorie de la preuve devant la juridiction‬‬
‫‪administrative ، these paris.1952 N.2.‬‬
‫(‪ )3‬من ذلك على سبيل املثال‪ :‬اإلثبات هو‪ :‬تأكيد حق متنازع فيه له أثر قانوين بالدليل الذى أباحه القانون إلثبات‬
‫ذلك احلق‪ .‬أمحد نشأت رسالة اإلثبات الطبعة السابعة منفتحة ومزيده‪ 11/1 .‬وقيل هو‪ :‬إقامة الدليل على‬
‫حقيقة أمر مدعي به نظراً ملا يرتتب عليه من أثار قانونية‪ .‬سليمان مرقس‪ :‬أصول اإلثبات وإجراءاته يف املواد‬
‫املدنية يف القانون املصري مقارنة بتقنيات سائر البالد العربية‪ ،‬عامل الكتب‪. 11/1 ،‬‬
‫وقيل هو‪ :‬أقامه الدليل أمام القضاء بالطريقة اليت حيددها القانون على وجود حق متنازع فيه‪ .‬عبد املنعم فرج الصدة‪:‬‬
‫اإلثبات يف املواد املدنية شركة مكتبة ومطبعة مصطفي احللىب‪ .‬الطبعة الثانية ‪ 1599‬ص‪.9‬‬
‫وقيل هو‪ :‬إقامة دليل يرجح وجود أو انتفاء واقعة قانونية يتوقف على وجودها أو انتفائها تقرير وجود أو انتفاء أثر‬
‫قانوين متنازع عليه وذلك بالقيود اليت يفرصها القانون‪ .‬جالل العدوي‪ .‬أصول أحكام االلتزام واإلثبات‪ .‬منشأة‬
‫املعارف باإلسكندرية ص‪.293‬‬
‫‪00‬‬

‫ولكن إذا نظرنا إىل جممل هذه التعاريف جند أهنا تشرتك يف عدة أمور حرص اجلميع‬
‫على ذكرها وهي‪:‬‬
‫‪ -1‬اإلثبات يعين إقامة الدليل‪.‬‬
‫‪ -2‬اإلثبات البد وأن يتم من خالل الطرق اليت حددها القانون‪.‬‬
‫‪ -3‬اإلثبات لكي يؤيت مثاره البد وأن ينصب على واقعة قانونية ترتتب عليها أثار‪.‬‬
‫أما كيفية التعبري عن هذه األمور الثالثة فقد اختلف من تعريف آلخر تبعاً الختالف‬
‫األلفاظ‪ ،‬ومن مث فإن هذه التعاريف وإن اختلف يف ألفاظها إال أن مضموهنا واحد‪ ،‬والعربة‬

‫كما تقول احملكمة اإلدارية العليا مبصر باملقاصد واملعاين ال باأللفاظ واملباين(‪ )1‬وفقا ملا قرره‬
‫فقهاء الشريعة اإلسالمية‪.‬‬

‫والتعريف السابق لإلثبات يتضمن أركانه يف عبارة خمتصرة‪ ،‬ويتضح ذلك من شرح‬
‫التعريف وإخراج القيود اليت يشتمل عليها‪.‬‬
‫‪ )1‬قوله‪" :‬إقامة" يف التعريف يشمل كل إقامة سواء كانت للدليل أو لغريه‪ ،‬ومعناها‬
‫التقدمي‪.‬‬
‫‪ )2‬وقوله‪" :‬إقامة الدليل" قيد أخرج به إقامة غري الدليل‪ ،‬واملراد من إقامة الدليل تقدميه‬
‫(‪)2‬‬
‫لإلثبات وليس إنشاؤه‪.‬‬
‫‪ )3‬وقوله‪" :‬أمام القضاء" قيد أخرج به اإلثبات غري القضائي كاإلثبات التارخيي أو‬
‫العلمي(‪ ،)3‬وأفاد أن املقصود هنا ليس اإلثبات مبعناه العام الذي يرد خالياً من أي قيد وال‬
‫يكون أمام القضاء … وإمنا املقصود اإلثبات القضائي وهو موضوع دراستنا‪.‬‬
‫(‪ )1‬حكم احملكمة اإلدارية العليا يف الطعن رقم ‪ 1512‬لسنة ‪ 33‬ق جلسة ‪ 1551/12/1‬مشار إليه يف مؤلف محدى‬
‫ياسني عكاشة‪ :‬املرافعات اإلدارية يف قضاء جملس الدولة‪ .‬منشأه املعارف باإلسكندرية ص‪ 1112‬وما بعدها مبدأ‬
‫‪.717‬‬
‫(‪ )2‬توفيق حسن فرج‪ :‬قواعد اإلثبات يف املواد املدنية والتجارية‪ .‬مؤسسة الثقافة اجلامعية ‪ 1572‬ص‪.3‬‬
‫(‪ )3‬وهو‪ :‬تقدمي األدلة والرباهني بأية وسيلة وبأي طريق للوصول إىل احلقيقة اجملردة سواء كانت حقيقة علمية أو‬
‫حقيقة تارخيية يساهم كل من يريد من األفراد يف البحث عنها حبيث يستطيع تقدمي كل دليل ممكن دون تقييد‬
‫‪01‬‬

‫‪ )1‬وقوله‪" :‬بالطرق اليت حددها القانون" إشارة إىل الوسائل اليت يتم هبا إثبات احلق‬
‫أمام القضاء‪ ،‬كما تشمل من يقع على عاتقه عبء اإلثبات‪.‬‬
‫‪ )9‬وقوله‪" :‬على وجود واقعة قانونية" قد أشار به إىل احملل الذي ينصب عليه اإلثبات‪،‬‬
‫وهو الواقعة القانونية املنشئة للحق‪ ،‬والواقعة املقصودة هنا هي الواقعة باملعىن العام اليت‬
‫تنصرف إىل كل واقعة مادية أو كل تصرف قانوىن يرتب القانون عليه أثرا معينا‪ ،‬وذلك‬
‫كالعمل غري املشروع والعقد‪ ،‬فالعمل غري املشروع واقعة مادية‪ ،‬والعقد تصرف قانوين(‪.)1‬‬
‫‪ )1‬وقوله‪" :‬ترتب آثارها" قيد أشار به إىل الفائدة املرجوة من وراء اإلثبات‪ ،‬وهي إثبات‬
‫الواقعة اليت يرتتب عليها فائدة‪ ،‬أما إذا كانت الواقعة ال ترتتب عليها فائدة فإنه ال حمل‬
‫إلثباهتا ألن إثباهتا يرتتب عليه إضاعة وقت القضاء بال فائدة ترجى من وراء ذلك‪ ،‬وهو أمر‬
‫يتناىف مع اهلدف من وجود القضاء‪.‬‬
‫وبناءاً على ما تقدم يتضح لنا أن الفقه الشرعي والقانوين اتفقا بشأن تعريف اإلثبات‬
‫"بأنه إقامة الدليل أمام القضاء بالطرق القانونية إلثبات حق متنازع عليه أونفيه‪ ،‬وبالتايل‬
‫يوصل القاضي إىل معرفة احلقيقة يف الدعوى املنظورة أمامه"‪.‬‬
‫وال خيتلف تعريف اإلثبات سواء كان ذلك يف املسائل املدنية أو التجارية أو اجلنائية أو‬
‫اإلدارية‪ ،‬وإن كان االختالف يكمن يف الطرق‪ ،‬فالقاضي املدين مقيد باتباع طرق حمدده‬

‫بوسيلة معينة‪ .‬أسامة أمحد شوقي‪ :‬املرجع السابق ص‪.2‬هذا ويشرتك اإلثبات التارخيي أو العلمي واإلثبات‬
‫القضائي يف أن كال منهما ينطوى على تقصى حقيقة أمر من األمور‪ .‬أما وجود االختالف بينهما فتتمثل يف‪:‬‬
‫‪ -1‬يف جمال اإلثبات العلمي‪ :‬للباحث عن احلقيقة العلمية كل احلرية يف حبثه عن هذه احلقيقة‪ ،‬أما يف جمال اإلثبات‬
‫القضائى فأن القاضي يتقيد بعناصر اإلقناع اليت تقدم له يف القضية املعروضة‪.‬‬
‫‪ -2‬يف جمال اإلثبات العلمي‪ :‬لكل من يعنيه األمر من األفراد أن يشرتك يف البحث العلمي‪ ،‬أما يف جمال اإلثبات‬
‫القضائي فأن القاضي ميتنع عليه حبسب األصل أن يساهم يف مجع األدلة يف الدعوى املعروضة عليه‬
‫‪ -3‬يف جمال اإلثبات التارخيي‪ :‬جند أن احلقيقة العلمية تبقى دائما حمل حبث واستقصاء‪ ،‬أما يف جمال اإلثبات القضائى‬
‫فنجد أن احلقيقة القضائية اليت يصل إليها القاضي تعترب صحيحة بصفة هنائية‪.‬‬
‫عبد املنعم فرج الصدة‪ ،‬املرجع السابق ص‪ ،9‬أمحد نشأت‪ :‬املرجع السابق‪.19/1 ،‬‬
‫(‪ )1‬توفيق حسن فرج‪ :‬املرجع السابق‪ ،‬ص ‪.1‬‬
‫‪01‬‬

‫إلثبات الدعوى بوسائل معينة للكشف عن احلقيقة ال حييد عنها(‪ ،)1‬فإن خالفها أو أخطأ‬
‫يف تطبيقها فسد رأيه و عد خمطئاً يف تطبيق القانون وكان حكمه قابالً للطعن‪ ،‬فدور‬
‫القاضي هنا حيادي متاماً إذ ال يعمل من جانبه على إكمال نقص األدلة أو املسامهة يف‬
‫مجعها‪ ،‬ويتعني عليه أن يقضي وفقاً لألدلة املقدمة له من الطرفني ‪،‬ويستعمل سلطته‬
‫التقديرية يف احلدود اليت وضعها القانون‪ .‬وإذا كان القاضي املدين مقيداً بنصوص القانون‬
‫كما سبق‪ ،‬إال أن له‪ -‬مبوجب سلطته ‪ -‬احلق يف تسيري اخلصومة مبراعاته حلقوق الدفاع‪.‬‬
‫وخيتلف األمر يف املسائل التجارية حيث أن إثباهتا غري مقيد يف األصل مامل يرد نص‬

‫من املشرع يقيدها(‪ ،)2‬فالقاضي التجاري غري مقيد بطرق معينة لإلثبات وإمنا يتمتع بسلطة‬
‫تقديرية واسعة يف اإلثبات ومع ذلك قد يرد نص خاص يف القانون يقيد القاضي التجاري‬
‫بطريقة إثبات معينة كما هو احلال يف إثبات عقد الشركات التجارية الذي يشرتط القانون‬
‫فيه أن يكون مكتوباً(‪ .)3‬وبالنسبة للقاضي اجلنائي فله يف املسائل اجلنائية حرية مطلقة يف‬
‫تقدير األدلة‪ ،‬فللصصوم حرية اإلثبات وللقاضي حرية تكوين عقيدته‪ ،‬حيث ال يتقيد بطرق‬
‫معينة لإلثبات‪ ،‬وهذا هو األصل العام يف القانون اجلنائي‪.‬‬
‫د) تعريف اإلثبات لدى فقهاء القانون اإلداري‪:‬‬
‫عرف اإلثبات من قبل بيار باكتيه (‪" :)Pierre Pactet‬هو اجلهد الواجب إبرازه أو‬
‫حتقيقه عندما تتحرك الدعوى للحصول على التصريح القضائي بإدالل متعلق هبذه النقطة‬
‫الواقعية"‪.‬‬
‫كما عرفه أالن بالنيت (‪ )Alain Plantey‬بأنه‪" :‬يتمثل اإلثبات يف تبيني واقعية واقعة ما‬
‫أو صحة خرب ما‪ ،‬وكذا يف تقدمي عناصر االقناعية واليت من شأهنا أن تؤدي إىل اختاذ سلوك‬
‫(‪ )1‬علي رسالن‪ :‬نظام إثبات الدعوى وأدلته يف الفقه اإلسالمي والقانون‪ .‬مرجع سابق ‪ -‬ص ‪ .59‬السنهوري‬
‫الوسيط يف شرح القانون املدين ج ‪ 2‬مرجع سابق ص ‪ 11‬ومابعدها‪.‬‬
‫(‪ )2‬أمحد كمال الدين موسى‪ :‬نظرية اإلثبات يف القانون اإلداري ‪ -‬مؤسسة دار الشعب – القاهرة ‪1511‬م‪.‬‬
‫ص‪.25‬‬
‫(‪ )3‬مسري تناغو ‪ :‬النظرية العامة لإلثبات‪ .‬منشأة املعارف‪ .‬االسكندرية ‪ 1577-‬م ‪ -‬ص ‪.7‬‬
‫‪01‬‬

‫معني‪ ،‬من قبل صديق أو خصم‪ ،‬أو صدور قرار من سلطة سياسية أو إدارية‪ ،‬أو اختاذ‬
‫موقف معني من قبل الرأي العام‪.)1("...‬‬
‫إن اإلثبات يف املسائل اإلدارية وإن كان يتفق يف مضمونه مع اإلثبات يف املسائل‬
‫األخرى‪ ،‬إال أننا نالحظ أن القضاء اإلداري املقارن مل حيدد كأصل عام طرقاً معينة لإلثبات‬
‫أمام القضاء اإلداري كما هو الشأن بالنسبة للنصوص املدنية املعمول هبا أمام القضاء‬
‫العادي‪ ،‬فالقاضي اإلداري هو الذي حيدد طرق اإلثبات املقبولة حبرية كاملة‪ ،‬ويقدر مدى‬
‫قوهتا يف اإلثبات‪ ،‬وبذلك يقوم نظام اإلثبات يف القانون اإلداري على مبدأ االقتناع املطلق‬
‫كما هو احلال أمام القضاء اجلنائي وذلك من حيث االقتناع بالدليل‪ ،‬ولكنه يزيد عنه من‬
‫حيث مجع الدليل وتقدميه‪ ،‬إذ يعترب يف القانون اإلداري أكثر حرية من القانون اجلنائي‬
‫خبصوص إقامة الدليل(‪.)2‬‬
‫وإذا كان اإلثبات القضائي ينصب على صحة واقعة قانونية هي مصدر حلق يدعي به‬
‫أحد األطراف ويكون بطرق نص عليها القانون وما على اخلصوم والقضاء إال اتباعها(‪،)3‬‬
‫فإن اإلثبات أمام القضاء اإلداري – والذي مل جند له تعريف دقيق وخاص به‪ -‬يتميز‬
‫بوجود حرية يف عملية اإلثبات أمام القضاء اإلداري حبيث ال توجد نصوص قانونية حتدد‬
‫طرق معينة جيب التقيد هبا عند اإلثبات أو السري بتسلسل معني واألخذ بوسائل معينة من‬
‫أجل اإلثبات(‪ ،)4‬وإمنا البد من اللجوء اىل مصدرها يف القانون املدين وقانون االجراءات‬
‫املدنية‪.‬‬
‫وبالتايل ميكننا القول بأن نظرية اإلثبات أمام القضاء اإلداري ذات طابع خصوصي‪،‬‬
‫فإذا كان مبدأ حياد القاضي يف املادة املدنية نتيجة للطابع االهتامي لالجراءات‪ ،‬فإن مبادرة‬
‫القاضي اإلداري تنبع يف ميدان اإلثبات من الطابع التحقيقي لالجراءات اإلدارية‪ ،‬فالتحقيق‬
‫‪)1( Alain plantey; La preuve devant le juge administratif . no 3245-1.‬‬
‫(‪ )2‬عبد الرزاق السنهوري ‪ :‬الوسيط يف شرح القانون املدين ج ‪- 2‬مرجع سابق ‪ -‬ص ‪.11‬‬
‫(‪ )3‬مفلح القضاة‪ :‬االثبات يف املواد املدنية والتجارية ط‪ .1‬مطبعة ابن دمسال‪ .‬االمارات ‪ 1551‬ص ‪.17‬‬
‫(‪ )4‬مصطفى أبو زيد فهمي‪ :‬القضاء اإلدارية وجملس الدولة‪ .‬منشأة املعارف االسكندرية‪ .1515 .‬ص‪191‬‬
‫‪01‬‬

‫يف املنازعات اإلدارية ذو طابع إجباري على خالف املواد املدنية اليت ال يلجأ فيها إىل‬
‫التحقيق إال على سبيل االختيار(‪.)1‬‬
‫وبناءً على ما تقدم جند أن اإلثبات القضائي مبعناه القانوين يتميز باخلصائص اآلتية‪:‬‬
‫‪ )1‬أنه إثبات قانوين‪ :‬أي تنظمه قواعد يقررها القانون(‪ ،)2‬وبالتايل ال جيوز اللجوء إىل‬
‫وسيلة أو طريقة مل يقرها القانون‪.‬‬
‫‪ )2‬أنه إثبات قضائي‪ :‬مبعىن أنه ال يكون إال أمام القضاء‪ ،‬غري أنه يف اإلثبات اجلنائي‬
‫يتسع نطاق اإلثبات فال يقتصر على إقامة الدليل أمام قضاء احلكم بل يتسع إلقامته أمام‬
‫سلطات التحقيق بل وسلطات االستدالل كذلك(‪.)3‬‬
‫‪ )3‬يكون القاضي ‪ -‬كأصل عام – يف اإلثبات حمايداً‪ ،‬واخلصوم يقومون فيه بالدور‬
‫اإلجيايب‪ ،‬وهنا قد خيتلف األمر يف اإلثبات العادي عن اإلثبات اإلداري‪ ،‬حيث أن دور‬
‫القاضي اإلداري ال يكون سلبياً‪ ،‬وإمنا له دوراً إجيابياً يف املنازعة اإلدارية‪ ،‬ال سيما فيما يتعلق‬
‫بإثبات املنازعة اإلدارية نظراً لطبيعة هذه املنازعة‪ ،‬غري أن هذا الدور ال ينفي عنه الصفة‬
‫احليادية باعتباره يوازن بني أطراف املنازعة اإلدارية‪ ،‬وبالتايل قد يتدخل أحياناً لتسيري‬
‫إجراءات اإلثبات لتحقيق مبدأ املواجهة واملساواة احرتاماً حلقوق الدفاع(‪.)4‬‬

‫(‪ )1‬حلسني بن الشيخ أث ملويا‪ :‬مبادئ االثبات يف املنازعات اإلدارية‪ .‬مرجع سابق‪ .‬ص‪.11‬‬
‫(‪ )2‬عبد الرزاق السنهوري‪ :‬الوسيط يف شرح القانون املدين ج ‪ 2‬مرجع سابق ‪ -‬ص ‪.21‬‬
‫(‪ )3‬شحاتة عبداملطلب حسن‪ :‬حجية الدليل املادي يف اإلثبات يف الفقه اإلسالمي والقانون الوضعي‪ ،‬دار اجلامعة‬
‫اجلديدة للنشر‪ ,‬القاهرة ‪ .2119‬ص ‪.1‬‬
‫(‪ )4‬راجع تفصيالً يف الدور اإلجيايب للصصوم‪ :‬السنهوري الوسيط يف شرح القانون املدين ج ‪ 2‬مرجع سابق ص ‪32‬‬
‫وما بعدها‪.‬‬
‫‪01‬‬

‫‪ )1‬أنه منطبق على وقائع قانونية متنازع عليها‪ :‬مبعىن أن هذا اإلثبات ال يكون إال‬
‫إلثبات واقعة يرتب عليها القانون أثراً أو آثاراً قانونية شريطة أن تكون هذه الواقعة متنازعاً‬
‫عليها(‪.)1‬‬
‫الفرع الثاني ‪ :‬مكانة اإلثبات القضائي في النظام القانوني‬
‫يشكل اإلثبات الفيصل احلاسم يف حتديد اجتاه املنازعة‪ ،‬والفصل فيها على أساس‬
‫العدالة‪ ،‬وعلى الرغم من أن قواعد اإلثبات ال تتعلق بفرع بذاته من فروع القانون‪ ،‬إال أهنا‬
‫تتصل اتصاالً وثيقاً بني القواعد املوضوعية (مدين‪ ،‬جتاري‪ ،‬إداري) وبني قانون االجراءات‬
‫املدنية واإلدارية‪ ،‬وهلذا يذهب الفقه إىل تقسيم قواعد اإلثبات إىل نوعني من القواعد‬
‫القانونية(‪.)2‬‬
‫القواعد املوضوعية تتمثل يف حتديد أدلة اإلثبات وقوة كل دليل واألحوال اليت جيوز فيها‬
‫تقدمي كل منها‪ ،‬وقواعد إجرائية تتمثل يف القواعد احملددة لإلجراءات الواجب اتباعها عند‬
‫تقدمي الدليل إىل القضاء‪ ،‬ونظراً هلذا االختالف يف قواعد اإلثبات بني موضوعية وإجرائية‪،‬‬
‫اختلفت التشريعات يف خمتلف النظم القانونية يف حتديد مكان قواعد اإلثبات‪ ،‬فمنها من‬
‫ذهب إىل تأكيد استقاللية قواعد اإلثبات ومجعها يف قانون موحد مستقل يسمى قانون‬
‫اإلثبات‪ ،‬حيث ذهبت بعض األنظمة إىل األخذ هبذا االجتاه يف تنظيم قواعد اإلثبات سواء‬
‫أكانت موضوعية أو إجرائية بقانون واحد هو قانون اإلثبات‪ ،‬وهذا ما سار عليه املشرع يف‬
‫النظام األجنلوسكسوين والقانون السوري والقانون العراقي وقانون اإلثبات املصري رقم ‪29‬‬
‫لسنة ‪1517‬م(‪.)3‬‬

‫(‪ )1‬حممود حممد هاشم‪ :‬القضاء ونظام اإلثبات يف الفقه االسالمي واألنظمة الوضعية – مرجع سابق ‪ -‬ص‬
‫وما بعدها‪.‬‬
‫(‪ )2‬حممود حممد هاشم ‪ :‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪ 119‬وما بعدها‪ ،‬د‪ .‬السنهوري الوسيط يف شرح القانون املدين ج ‪2‬‬
‫مرجع سابق ص ‪ 11‬ومابعدها‪.‬‬
‫(‪ )3‬أمحد أبو الوفا‪ :‬التعليق على نصوص قانون اإلثبات‪ ،‬مرجع سابق ‪ -‬ص ‪.17‬‬
‫‪111‬‬

‫‪07‬‬

‫وتربر هذه األنظمة أخذها بقانون مستقل لإلثبات باآليت(‪:)1‬‬
‫‪ -1‬تعذر الفصل بني قواعد اإلثبات وإجراءاته‪.‬‬
‫‪ -2‬يؤدي اجلمع بني قواعد اإلثبات وإجراءاته يف قانون متكامل إىل التيسري على‬
‫صاحب احلق يف التعرف على ما يسند حقه من دليل وطريق تقدميه للقضاء‪.‬‬
‫وذهبت أنظمة أخرى إىل توثيق الصلة بني قواعد اإلثبات وقانون االجراءات املدنية‪،‬‬
‫فأدخلت قواعد اإلثبات يف قانون اجلراءات املدنية‪ ،‬واعتربهتا جزءاً منه ومن هذه األنظمة‪،‬‬
‫النظام اللبناين واألملاين‪ ،‬ويربر هذا االجتاه موقفه بأن قواعد اإلثبات مجيعها تتصل بتنظيم‬
‫العمل أمام القضاء واإلثبات بقواعده ال يكون إال أمام القضاء يف منازعات معروضة عليه‪،‬‬
‫كما أن اإلثبات بقواعده وإجراءاته شعبة من شعاب قاعدة أساسية يف املرافعات تتصل‬
‫بدور القاضي يف نظر الدعوى املدنية وكونه امللزم باحلكم يف الدعوى‪ ،‬وهذا اإللزام يستمد‬
‫من القانون وليس من مشيئة األفراد‪ ،‬فمىت أقام اخلصوم دعواهم إىل القضاء صار من شأن‬
‫القاضي تسيري الدعوى وأداء واجبه فيها‪ ،‬ألن القاضي إمنا يقوم يف هذا الصدد بأداء وظيفة‬
‫عامة(‪ ،)2‬كذلك فإن وضع قواعد اإلثبات يف قانون املرافعات أو االجراءات املدنية ال حيول‬
‫دون القول بأن بعضاً من قواعد اإلثبات تعد قواعد موضوعية‪ ،‬ومن مث ال جيب أن يشملها‬
‫القانون اإلجرائي "قانون املرافعات"‪ ،‬ألن قانون املرافعات وإن كان قانوناً إجرائياً إال أنه‬
‫يشمل أيضاً على قواعد موضوعية مثل تنظيم القضاء وحتديد درجات التقاضي وشروط‬
‫القاضي وقواعد خماصمته وتأديبه‪ ،‬وغري ذلك من القواعد املوضوعية اليت يتضمنها‬
‫ق ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـانون املرافعات(‪.)3‬‬
‫وهناك اجتاه ثالث‪ ،‬يذهب إىل تغليب الصلة بني القواعد املوضوعية وقواعد اإلثبات‪،‬‬
‫وبالتايل إدراجها يف إطار نصوص القانون املدين‪ ،‬يف حني نظمت القواعد اإلجرائية يف قانون‬
‫املرافعات وقد أخذ املشرع اجلزائري هبذا االجتاه حيث نظم قواعد اإلثبات بصفة عامة جلميع‬
‫(‪ )1‬أمحد أبو الوفا‪ :‬التعليق على نصوص قانون اإلثبات‪ .‬مرجع سابق ‪ -‬ص ‪ 15‬ومابعدها‪.‬‬
‫(‪ )2‬أمحد أبو الوفا‪ :‬التعليق على نصوص قانون اإلثبات‪ ،‬مرجع سابق ص ‪.17‬‬
‫حممود هاشم‪ :‬القضاء ونظام اإلثبات يف الفقه االسالمي واألنظمة الوضعية‪ ،‬مرجع سابق‪ ،‬ص ‪.111‬‬
‫(‪ )3‬املرجع السابق ص ‪.111‬‬
‫‪08‬‬

‫املنازعات مدنية – جتارية – جنائية – إدارية‪ ،‬يف القانون املدين(‪ ،)1‬يف حني ترك القواعد‬
‫االجرائية يف قانون االجراءات املدنية واإلدارية (‪ .)2‬وهذا ما أخذ به املشرع الفرنسي واملشرع‬
‫املصري يف ظل التقنني املدين القدمي(‪.)3‬‬
‫وحنن إذ منيل لالجتاه األول الذي يأخذ باستقاللية اإلثبات وتنظيم مجيع قواعده يف‬
‫قانون مستقل لألسباب اآلتية‪:‬‬
‫‪ )1‬إن وضع قانون عام لإلثبات يسهل على القاضي الرجوع إليه‪ ،‬لتطبيقه على النزاع‬
‫املعروض أمامه من الناحية املوضوعية واإلجرائية‪.‬‬
‫‪ )2‬جتميع قواعد اإلثبات يف قانون واحد يسهل للصصوم إثبات الوقائع اليت يطرحوهنا‬
‫على القضاء للحصول على حكم فيها‪.‬‬
‫‪ )3‬رغم خالف الفقه حول الطبيعة القانونية لإلثبات‪ ،‬فالبعض يرى أن له طبيعة‬
‫موضوعية كونه ينظم احلقوق املتنازع عليها(‪ ،)4‬ويذهب الفقه السائد إىل تغليب الطبيعة‬
‫اإلجرائية على مسائل اإلثبات باعتبار عملية اإلثبات ال تكون إال أمام القضاء‪ ،‬وبالتايل فإن‬
‫الطبيعة اإلجرائية هي الغالبة(‪ ،)5‬وهلذا حنن نرى أن طبيعته خمتلطة‪ ،‬بني املوضوعية واالجرائية‪،‬‬
‫وبالتايل فإن ختصيص قانون مستقل لإلثبات يعطيه الصفة املصتلطة ليكون بذلك خادماً‬
‫للحقوق‪.‬‬

‫(‪ )1‬األمر رقم ‪ 97-19‬املورخ يف ‪21‬رمضان عام ‪ 1359‬املوافق ‪ 21‬سبتمرب سنة ‪ ،1519‬املتضمن القانون املدين‪،‬‬
‫املعدل بالقانون رقم ‪ 11-19‬املورخ يف ‪ 21‬يونيو ‪(2119‬ج‪.‬ر‪ 11‬ص‪.)17‬‬
‫مؤرخ يف ‪ 18‬صفر عام ‪ 1429‬املوافق ‪ 25‬فرباير سنة ‪ 2008‬يتضمن قانون‬
‫(‪ )2‬قانون رقم ‪ّ 09 - 08‬‬
‫اإلجراءات املدنية واإلدارية (ج‪.‬ر‪21‬ص‪.)3‬‬
‫(‪ )3‬حممود هاشم‪ :‬القضاء ونظام اإلثبات يف الفقه اإلسالمي واألنظمة الوضعية‪ .‬مرجع سابق ص ‪.111‬‬
‫(‪ )4‬عبد الرزاق السنهوري ‪ :‬الوسيط يف شرح القانون املدين ج ‪ 2‬مرجع سابق ‪ -‬ص ‪ 17‬وما بعدها‪.‬‬
‫(‪ )5‬جنيب أمحد عبداهلل ‪ :‬إجراءات دعوى التزوير الفرعية‪ .‬املكتب اجلامعي احلديث اإلسكندرية ‪ 2111‬م ص ‪ 3‬وما‬
‫بعدها‪.‬‬
‫‪09‬‬

‫المطلب الثاني‪ :‬أهمية اإلثبات وصعوبته في المنازعة اإلدارية‬
‫نتحدث يف هذا الفرع عن أمهية اإلثبات وصعوبته يف املنازعة اإلدارية‪ ،‬وذلك بالنظر إىل‬
‫الطبيعة اخلاصة اليت تتسم هبا هذه املنازعة‪ ،‬على حنو مييزها عن املنازعة العادية‪ ،‬وبيان ذلك‬
‫على النحو اآليت‪:‬‬
‫الفرع األول ‪ :‬أهمية اإلثبات‬
‫حيتل اإلثبات أمهية خاصة بالنسبة للحقوق واملراكز القانونية‪ ،‬إذ هو إحياء هلا‪ ،‬وال‬
‫فائدة عملية هلا من غريه‪ ،‬واحلق دون إثبات يع د غري موجود من الناحية العملية‪ ،‬فاإلثبات‬
‫حيي احلق وجيعله مفيداً وهو قوة احلق(‪ .)1‬واحلق كما نعلم يف املذهب التقليدي هو مصلحة‬
‫حيميها القانون )أي أن غايته هي املصلحة)‪ ،‬وأي مصلحة ال قيمة هلا إذا مل حيمها القانون‪،‬‬
‫واحلق ال قيمة له إذا مل تتوفر وسيلة إثباته‪ ،‬ووسيلة إثباته تكون برده إىل قاعدة يف القانون‪،‬‬
‫وعلى مدعي احلق أن يثبت القاعدة القانونية مصدر حقه ويكفي إلثباهتا أن يبني الواقعة‬
‫القانونية اليت يتطلبها تطبيق تلك القاعدة القانونية‪ .‬ولذا عندما يلجأ إىل القضاء يلزم عليه‬
‫توضيح الوقائع القانونية اليت يدعيها وأدلتها‪ ،‬وبعدئذ يكون على القاضي إذا ما حتققت‬
‫لديه تلك الوقائع أن ينزل حكم القانون عليها(‪.)2‬‬
‫وبذلك تصبح قضية اإلثبات من أهم املعضالت اليت تعرتض القاضي يف عمله على‬
‫استقرار احلقوق وتأمني العدل ملن يطلبه من املتقاضني(‪ ،)3‬فالقاضي يكون عقيدته من‬
‫خالل عناصر اإلثبات اليت قدمت له وفقاً للقانون وطبقاً لإلجراءات املنظمة هلا‪ ،‬ألن مهمة‬
‫القضاء هو تطبيق القانون على واقعة معينة‪ ،‬وهذا التطبيق لكي يكون مؤدياً إىل حتقيق إرادة‬
‫القانون جيب أن ينصب على وقائع حقيقية أي على وقائع ثابتة‪ ،‬وهلذا ال يكفي اخلصم‬

‫(‪ )1‬أمحد كمال الدين موسى‪ :‬نظرية اإلثبات يف القانون اإلداري مرجع سابق ص ‪.32‬‬
‫(‪ )2‬أمحد أبو الوفاء ‪ :‬التعليق على نصوص قانون اإلثبات مرجع سابق ‪ -‬ص ‪.13‬‬
‫(‪ )3‬آدم وهيب النداوي ‪ :‬شرح قانون اإلثبات مرجع سابق ‪ -‬ص ‪.21‬‬
‫‪11‬‬

‫ادعاء واقعة ما‪ ،‬بل جيب عليه إثباهتا‪ ،‬ويرتتب على ذلك أن ميتنع على القاضي أن يكون‬
‫عقيدته وفقاً ملعلوماته الشصصية وإال كان قراره باطالً(‪.)1‬‬
‫وعلى ذلك يتعني على القاضي اختاذ قراره من الوقائع اليت مت إثباته‪ ،‬ومن مث يلتزم بإقناع‬
‫اخلصوم واجملتمع وحمكمة الطعن بذلك من خالل تسبيب حكمه بشكل واضح‪ ،‬أي‬
‫تسبيب احلكم باألدلة ألن األدلة هي العناصر أو املصادر اليت يستمد منها القاضي قناعته‪،‬‬
‫فيذكر يف حكمه مجيع األسباب الواقعية والقانونية اليت يتيقن منها إلصدار احلكم‪ ،‬وإال‬
‫كان حكمه باطالً‪ ،‬فالتسبيب الذي يتضمنه حكم القاضي جيب أن يتضمن تفسرياً يدل‬
‫على أسباب اقتناعه وإصدار قراره على هذا النحو‪ ،‬وعليه تربز أمهية اإلثبات يف أهنا تنري‬
‫الطريق أمام القاضي وصوالً إىل معىن العدالة يف وجدانه‪ ،‬فإن اقتناع القاضي بدرجة اليقني‬
‫إثباتاً أو نفياً للواقعة حمل الدعوى ال مير إال عرب تلك القواعد‪ ،‬ومن مث تعمل هذه القواعد‬
‫على استقامة التفكري الذهين مع األدلة القانونية للوصول إىل قناعته(‪.)2‬‬
‫كما تكمن أمهية اإلثبات يف كونه املعيار يف متييز احلق من الباطل وهو احلاجز أمام‬
‫األقوال الكاذبة والدعاوى الباطلة انطالقاً من حديث ابن عباس أن رسول اهلل صلى اهلل‬
‫اس ِد َما َء ِر َجا ٍل َوأَ ْم َوالَ ُه ْم‪ ،)3( »...‬أي أنه ال يقبل‬
‫َع َوا ُه ْم‪ ،‬ال َّد َعى َن ٌ‬
‫اس ِبد ْ‬
‫عليه وسلم قال‪« :‬لَ ْو ُي ْع َطى ال َّن ُ‬
‫االدعاء بدون دليل‪ ،‬وإال تطاول الناس على األعراض وطالبوا بأموال األخرين‪ ،‬واعتدوا على‬
‫األنفس واألرواح واألموال‪ ،‬فكل ادعاء حيتاج إىل دليل‪ ،‬وكل قول ال يؤخذ به إال باحلجة‬
‫والربهان‪ ،‬وكل حق يبقى ضعيفاً مهدداً بالضياع‪ ،‬جمرداً من كل قيمة إذا مل يدعم باإلثبات‪،‬‬
‫ويصبح احلق عند املنازعة فيه هو والعدم سواء(‪ ،)4‬وأن تنظيم اإلثبات وتقنينه عالمة على‬
‫(‪ )1‬نبيل إمساعيل عمر ‪ :‬سلطة القاضي التقديرية يف املواد املدنية و التجارية – دراسة حتليلية و تطبيقية –دار اجلامعة‬
‫اجلديدة للنشر طبعة ‪ - 2112‬ص ‪ .125‬مسري تناغو ‪ -‬النظرية العامة لإلثبات – مرجع سابق ‪ -‬ص ‪.1‬‬
‫(‪ )2‬نبيل عمر ‪ :‬سلطة القاضي التقديرية املرجع السابق ‪ .‬ص ‪ 111‬وما بعدها‪.‬‬
‫(‪ )3‬صحيح البصاري‪ ،‬حتقيق زهري بن ناصر الناصر‪ ،‬ترقيم حممد فؤاد عبد الباقي‪ ،‬دار طوق النجاة‪ ،‬ط‪1122 ،11‬هـ‪،‬‬
‫حديث رقم‪ 1992 :‬ج‪ ،11‬ص‪ .31‬حيي بن شرف أبو زكريا النووي‪ :‬صحيح مسلم‪ ،‬كتاب األقضية‪ .‬باب اليمني‬
‫على املدعى عليه‪ .‬رقم احلديث ‪.1111‬ج‪1111 .3‬هـ ‪.1551/‬‬
‫(‪ )4‬حممد الزحيلي ‪ :‬وسائل اإلثبات يف الشريعة االسالمية ج ‪ 1‬مرجع سابق ‪-‬ص ‪ 31‬وما بعدها‪.‬‬
‫‪10‬‬

‫تنظيم احلياة االنسانية ودليل على عزوف النظام البدائي والقبلي الذي يعتمد على التقاضي‬
‫الفردي أوالً‪ ،‬والقوة املادية ثانياً(‪.)1‬‬
‫لذلك تتمتع قواعد اإلثبات يف فروع القانون املتعددة بأمهية كبرية إلقامة العدالة مادام‬
‫أن احلق ضعيف القيمة إذا مل ينجح صاحبه يف إقامة الدليل عليه‪ ،‬كما تعد مسائل اإلثبات‬
‫من الناحية العملية يف مقدمة مسائل القانون اليت تلقى تطبيقاً يومياً حيث تلجأ احملاكم على‬
‫اختالف أنواعها إليها يف كل ما يعرض عليها من دعاوى مدنية كانت أو جنائية أو إدارية‪،‬‬
‫التصاهلا القوي بأصول التقاضي وحقوق ومراكز املتقاضني(‪.)2‬‬
‫ويف املسائل املدنية حيتل اإلثبات أمهية كبرية من الناحية العملية‪ ،‬فاحلق يتجرد من قيمته‬
‫ما مل يقم الدليل على احلادث املبدئ له‪ ،‬قانونياً كان هذا احلادث أو مادياً‪ ،‬والواقع أن‬
‫الدليل هو قوام حياة احلق ومعقد النفع فيه(‪ ،)3‬و أن الدليل هو الذي يثبت احلق وجيعله‬
‫مفيداً‪ ،‬وهلذا تلقى قواعد اإلثبات املوضوعية منها واإلجرائية عناية خاصة من الفقه‬
‫والتشريعات املصتلفة إذ أهنا الوسيلة اليت يتوصل هبا صاحب احلق إىل إقامة الدليل على قيام‬
‫هذا احلق وتقدميه للقضاء ليتمكن منه(‪.)4‬‬
‫وتزداد أمهية اإلثبات يف املواد اجلزائية ذلك أن اجلرمية متثل انتهاكاً للمجتمع وتضر‬
‫باملصلحة العامة أي أهنا تعد مبثابة اعتداء على اجملتمع كله(‪ ،)5‬ومن مث فإنه يرتتب على‬
‫ذلك أن ينشأ للدولة سلطة يف تتبع اجلاين لتوقيع العقوبة عليه حتقيقاً للردع العام و اخلاص‪،‬‬
‫وملا كان من احملتمل أن يكون املتهم بريئاً مما أسند إليه‪ ،‬فيجب أن تكفل له قواعد اإلثبات‬
‫الدفاع عن نفسه وإظهار براءته(‪ ،)6‬كذلك تظهر أمهية اإلثبات اجلنائي يف أن اجلرمية واقعة‬
‫(‪ )1‬صاحل الظبياين‪ :‬القضاء واإلثبات الشرعي يف الفقه االسالمي والقانون املدين‪ ،‬مرجع سابق‪ ،‬ص ‪.211‬‬
‫(‪ )2‬أمحد كمال الدين موسى ‪ :‬نظرية اإلثبات يف القانون اإلداري‪ ،‬مرجع سابق‪.33 ،‬‬
‫(‪ )3‬عبدالرزاق السنهوري ‪ :‬الوسيط يف شرح القانون املدين ج ‪ ،2‬مرجع سابق‪ ،‬ص ‪.23‬‬
‫(‪ )4‬أمحد نشأت‪ :‬رسالة اإلثبات ‪ .‬ج ‪ ،1‬ط‪ ،1‬مطبعة دار الفكر العريب‪ ،‬القاهرة‪ ،‬ص ‪.25‬‬
‫(‪ )5‬شحاتة عبداملطلب حسن ‪ :‬حجية الدليل املادي يف اإلثبات‪ ،‬مرجع سابق‪ ،‬ص ‪.9‬‬
‫(‪ )6‬عماد حممد أمحد ربيع ‪ :‬حجية الشهادة يف اإلثبات اجلزائي‪ ،‬ط‪ ،1‬مكتبة دار الثقافة للنشر والتوزيع‪ ،‬عمان‬
‫‪ 1555‬م‪ ،‬ص ‪13‬‬
‫‪11‬‬

‫تنتمي إىل املاضي ومن غري املمكن أن تعاينها احملكمة بنفسها‪ ،‬وتتعرف على حقيقتها‬
‫وتستند إىل ذلك فيما تقضي به يف شأهنا‪ ،‬ومن مث تعني عليها أن تستعني بوسائل تعيد‬
‫أمامها رواية وتفصيل ما حدث وهذه الوسائل هي أدلة اإلثبات(‪.)1‬‬
‫ومن كل ذلك فإن ما يؤرق القضاء هو عدم إمكانية احلصول على دليل قاطع مبقتضاه‬
‫يستطيع القاضي أن يربر اإلدانة أو الرباءة اليت حيكم هبا‪ ،‬ويتجنب االنزالق يف أي أخطاء‬
‫تشوب حكمه‪ ،‬والقاضي عندما يفعل ذلك فإمنا يقوم بواجب يناط به أداؤه هذا من‬
‫جانب‪ ،‬ومن جانب آخر إرضاء للجانب اإلنساين يف الطبيعة البشرية بأن يرضي القاضي‬
‫ضمريه عندما حيكم بالقضية حمل اإلثبات‪ ،‬فعليه أن يوازن بني األدلة اليت مع أو ضد املدعى‬
‫عليه(‪.)2‬‬
‫ويف القانون اإلداري نالحظ بأنه على الرغم من اخلصوصية املوجودة فيه‪ ،‬حيث أن‬
‫قواعد اإلثبات اإلداري تصاغ على أساس ظروف هذا القانون‪ ،‬وطبيعة الدعوى اإلدارية‪،‬‬
‫وهي تتعلق بروابط إدارية تنشأ بني اإلدارة ‪-‬كسلطة عامة‪ -‬تقوم بوظيفتها اإلدارية‪ ،‬وتقوم‬
‫على الصاحل العام‪ ،‬وبني األفراد‪ ،‬مع بروز عدة عوامل تدور حول امتيازات اإلدارة –الطرف‬
‫الدائم يف الدعوى اإلدارية‪ -‬وتتحكم يف تشكيل قواعد اإلثبات يف القانون اإلداري‪ ،‬حيث‬
‫تؤدي هذه العوامل إىل خلق ظاهرة انعدام التوازن العادل بني الطرفني من جهة اإلثبات‪ ،‬مما‬
‫جيعل لإلثبات أمهية خاصة‪ ،‬وجيعل احلاجة ملحة لوضع قواعد خاصه إلثبات الدعوى‬
‫اإلدارية‪ ،‬مبا يتفق وظروف القانون اإلداري‪ ،‬إال أن ذلك ال يعين انقطاع الصلة متاماً بني‬
‫قواعد اإلثبات يف القانون اإلداري وغريها من قواعد اإلثبات يف فروع القوانني األخرى‪،‬‬
‫حيث توجد مثة أصول عامة يف اإلثبات تعترب من أصول التقاضي ومقتضياته‪ ،‬وال ختتلف‬
‫من دعوى إىل أخرى(‪.)3‬‬

‫(‪ )1‬عماد حممد أمحد ربيع ‪ :‬حجية الشهادة يف اإلثبات اجلزائي‪ .‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.11‬‬
‫(‪ )2‬املرجع السابق ص ‪.11‬‬
‫(‪ )3‬أمحد كمال الدين موسى‪ :‬نظرية اإلثبات يف القانون اإلداري‪ .‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.31‬‬
‫‪11‬‬

‫مما سبق يتضح أن مسائل اإلثبات تعد من أهم املسائل القانونية وأخطرها وأكثرها‬
‫تطبيقاً يف احلياة العملية‪ ،‬وتكاد تكون املسائل الوحيدة اليت ال تنقطع احملاكم عن تطبيقها‬
‫كل يوم فيما يعرض عليها من خصومات(‪.)1‬‬
‫ولإلثبات أمهية كبرية يف الفقه اإلسالمي فقد عنيت الشريعة اإلسالمية عناية كبرية‬
‫بإثبات احلقوق(‪ ،)2‬ورسم الطرق املؤدية لذلك سواء أكانت تلك احلقوق حقوقاً هلل سبحانه‬
‫وتعاىل أم حقوقاً للعباد‪ ،‬كما أن الشريعة اإلسالمية مل تغفل تنوع احلقوق واختالفها من‬
‫حيث األمهية فوضعت لكل حق ما يناسبه ويكفي للداللة على ثبوته وتبدو تلك األمهية‬
‫اليت أولتها الشريعة الغراء لقواعد اإلثبات يف أجل صورها يف قوله تعاىل‪:‬‬
‫َّ ِ‬
‫ِ‬
‫ِ ِ‬
‫ِ‬
‫ب‬
‫َجل ُم َس ًّمى فَا ْكتُبُوهُ َولْيَكْتُ ْ‬
‫ين َآمنُوا إ َذا تَ َدايَنتُ ْم ب َديْن إ َىل أ َ‬
‫ب بَـْيـنَ ُك ْم َكات ٌ‬
‫(يَا أَيـُّ َها الذ َ‬
‫بِالْع ْد ِل وال يأْ ِ‬
‫ب َولْيُ ْملِ ْل الَّ ِذي َعلَْي ِه ْ‬
‫احلَ ُّق َولْيَت َِّق اللَّهَ‬
‫َ َ َ َ‬
‫ب َك َما َعلَّ َمهُ اللَّهُ فَـ ْليَكْتُ ْ‬
‫ب َكات ٌ‬
‫ب أَ ْن يَكْتُ َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫احل ُّق س ِفيهاً أَو ِ‬
‫ِ‬
‫ربَّه وال يـبص ِ‬
‫ِ‬
‫يع أَ ْن ُميِ َّل‬
‫ْ َ‬
‫ضعيفاً أ َْو ال يَ ْستَط ُ‬
‫س مْنهُ َشْيئاً فَإ ْن َكا َن الَّذي َعلَْيه َْ َ‬
‫َ ُ َ َْ َ ْ‬
‫ِ ِ‬
‫ِ‬
‫يديْ ِن ِم ْن ِر َجالِ ُكم فَِإ ْن َملْ يَ ُكونَا ر ُجلَ ْ ِ‬
‫ني فَـَر ُج ٌل‬
‫استَ ْش ِه ُدوا َش ِه َ‬
‫ُه َو فَـ ْليُ ْمل ْل َوليُّهُ بِالْ َع ْدل َو ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫(‪)3‬‬
‫ِِ‬
‫ضو َن ِمن الشُّه َد ِاء أَ ْن تَ ِ‬
‫ُخَرى)‬
‫امهَا فَـتُ َذ ِّكَر إِ ْح َد ُ‬
‫ض َّل إِ ْح َد ُ‬
‫امهَا األ ْ‬
‫َو ْامَرأَتَان مم َّْن تَـ ْر َ ْ ْ َ‬
‫الفرع الثاني ‪ :‬صعوبة اإلثبات في المنازعة اإلدارية‬
‫تكمن صعوبة اإلثبات القضائي يف طبيعته اليت تتسم باحلداثة‪ ،‬حيث أن القانون‬
‫اإلداري نشأ يف فرتة متأخرة باملقارنة مع نشأة القانون املدين واجلنائي‪ ،‬وهذا ما جعل املنازعة‬
‫اإلدارية تفتقر حىت اليوم إىل قانون متكامل لإلجراءات اإلدارية باعتبار أن تنظيم القضاء‬
‫اإلداري حديث نسبياً حيث يرجع أساساً يف فرنسا إىل سنة ‪ 1711‬م وهي السنة الثامنة‬
‫للثورة الفرنسية‪ ،‬بإنشاء جملس الدولة وجمالس األقاليم اليت عرفت أخرياً باسم احملاكم‬
‫اإلدارية(‪ .)4‬واحلال كذلك يف مصر فقد أنشئ جملس الدولة املصري سنة ‪ 1511‬م وبدأت‬
‫(‪ )1‬عبد الرزاق السنهوري ‪:‬الوسيط يف شرح القانون املدين‪ ،‬مرجع سابق‪ ،‬ص ‪ 23‬وما بعدها‪.‬‬
‫(‪ )2‬عماد حممد أمحد ربيع ‪ :‬حجية الشهادة يف اإلثبات اجلزائي‪ .‬مرجع سابق‪ ،‬ص ‪.19‬‬
‫(‪ )3‬سورة البقرة ‪ -‬آية رقم ‪.272‬‬
‫(‪ )4‬أمحد كمال الدين موسى ‪ :‬نظرية اإلثبات يف القانون اإلداري‪ ،‬مرجع سابق‪ ،‬ص ‪.31‬‬
‫‪11‬‬

‫اختصاصاته تتوسع تدرجيياً حىت أصبحت له الصالحية التامة يف النزاعات اإلدارية بصورهتا‬
‫الشاملة يف عام ‪1512‬م(‪ ،)1‬يف حني جند أن اجلانب املدين واجلنائي هلما منذ وقت طويل‬
‫تشريعاهتما اإلجرائية وتراكمات اخلربات القضائية‪.‬‬
‫كما تكمن صعوبة اإلثبات اإلداري أيضاً يف الطبيعة اخلاصة للدعوى اإلدارية اليت‬
‫تتعلق بروابط إدارية تنشأ بني اإلدارة ‪-‬كسلطة عامة تقوم بوظيفتها اإلدارية‪ -‬وبني األفراد‪،‬‬
‫وتقوم على الصاحل العام ويسودها مبدأ املشروعية(‪ ،)2‬ذلك أدى إىل بروز عدة عوامل مؤثرة‬
‫يف املنازعة اإلدارية تدور حول امتيازات اإلدارة الطرف الدائم يف الدعوى اإلدارية وتتحكم‬
‫يف تشكيل قواعد اإلثبات يف القانون اإلداري‪ ،‬حيث تؤدي هذه العوامل إىل خلق ظاهرة‬
‫انعدام التوازن العادل بني الطرفني من جهة اإلثبات‪ ،‬ولذلك ينبغي إجياد وسائل خاصة‬
‫لإلثبات اإلداري تتضمن كيفية معاجلة الدعوى اإلدارية من خالل االستفادة من اخلطى‬
‫السابقة للفقه والقضاء اإلداري املقارن‪ ،‬وما أوردته النصوص القانونية من أحكام قليلة هبذا‬
‫الشأن‪ ،‬إال أن ذلك ال يعين انقطاع الصلة متاماً بني قواعد اإلثبات يف القانون اإلداري وبني‬
‫غريها من قواعد اإلثبات يف فروع القوانني األخرى‪ ،‬حيث توجد مثة أصول عامة يف اإلثبات‬
‫تعد من أصول التقاضي ومقتضياته وال ختتلف من منازعة إىل أخرى(‪.)3‬‬
‫وتزداد هذه الصعوبة يف ختلي الفقه عن دراسة أحكام اإلثبات القضائي وعدم اهتمامه‬
‫بذلك فيما عدا بعض اجملهودات املتفرقة اليت تعتمد على السوابق القضائية مما يزيد األمر‬
‫صعوبة‪ ،‬وقد نتج عن هذه الصعوبات أن األنظمة مل تصدر تقنينات متكامله ألحكام‬
‫اإلثبات أمام القضاء اإلداري سواء من الناحية اإلجرائية أو املوضوعية‪ ،‬وإذا كان الكثري من‬
‫أحكام اإلثبات خصوصاً اإلجرائية منها قد نظم أمام احملاكم اإلدارية الفرنسية بالقانون‬
‫(‪ )1‬خالد عمر عبداهلل باجنيد ‪ :‬القضاء اإلداري وخصوصية اخلصومة اإلدارية‪ ،‬دار جامعة عدن للطباعة والنشر‪،‬‬
‫عدن ‪ 2113‬م‪ ،‬ص ‪.111‬‬
‫(‪ )2‬مبدأ املشروعية الذي يعين خضوع اإلدارة يف تصرفاهتا حلكم القانون‪ ،‬ملزيد من التفصيل حول مبدأ املشروعية‪.‬‬
‫راجع طعمية اجلرف‪ :‬مبدأ املشروعية وضوابط خضوع اإلدارة العامة للقانون‪ ،‬دار النهضة العربية‪ ،‬الطبعة ‪،3‬‬
‫القاهرة ‪1511‬م ص ‪ .3‬سامي مجال الدين ‪-‬القضاء اإلداري والرقابة على أعمال اإلدارة‪ .‬أبو العزم للطباعة‪.‬‬
‫الطبعة الثالثة‪ .‬القاهرة ‪ 2112‬م ص ‪ 11‬وما بعدها‪.‬‬
‫(‪ )3‬أمحد كمال الدين موسى ‪ :‬نظرية اإلثبات يف القانون اإلداري‪ ،‬مرجع سابق‪ ،‬ص ‪.91‬‬
‫‪11‬‬

‫الصادر يف ‪ 22‬يوليو ‪ 1775‬م والقواعد املكملة له‪ ،‬فإن احلال على خالف ذلك أمام جملس‬
‫الدولة الفرنسي وغريه من جهات القضاء اإلداري املتصصصة كمحكمة احملاسبات وحماكم‬
‫املعاشات اإلقليمية وحمكمة اإلشراف على تنفيذ امليزانية وجمالس منازعات التجنيد حيث مل‬
‫تنظم أمامها أحكام اإلثبات إجرائية كانت أو موضوعية بصورة شاملة فيما عدا بعض‬
‫اجلزئيات اإلجرائية‪ ،‬واحلال كذلك يف مصر إذ مل تنظم أحكام اإلثبات تشريعياً نتيجة‬
‫لظروف القضاء اإلداري‪ ،‬وهلذا أحالت قوانني جملس الدولة املصري املتعاقبة مبقتضى نص‬
‫املادة الثالثة منها بالنسبة لإلجراءات مبا فيها إجراءات اإلثبات إىل أحكام قانون املرافعات‬
‫فيما مل يرد فيه نص وذلك إىل أن يصدر قانون اإلجراءات اخلاصة بالقسم القضائي متضمناً‬
‫قواعد اإلثبات اإلداري املوضوعية واإلجرائية(‪.)1‬‬
‫وتستهدف القواعد اخلاصة باإلثبات اإلداري أساساً الدعاوى اإلدارية اليت تتضمن‬
‫فصالً يف خصومة أو منازعة إدارية يف صورهتا املألوفة وهي دعاوى اإللغاء ودعاوى القضاء‬
‫الكامل اليت تقوم على منازعات إدارية تتصل حبقوق أو مراكز قانونية وبالتايل نستبعد كما‬
‫سبق من هذه الدراسة الدعاوى التأديبية(‪ ،)2‬وغريها من الدعاوى اجلزائية ذات الطبيعة‬
‫العقابية أو اجلزائية اليت تتميز بظروفها وغاياهتا وأحكامها عن الدعاوى اإلدارية األخرى‪،‬‬
‫األمر الذي يربر عدم االعتماد عليها يف صياغة قواعد خاصة لإلثبات يف القانون اإلداري‬
‫اليت تقوم أساساً على الدعاوى اإلدارية اليت يكون الفرد فيها هو املدعي عادة(‪.)3‬‬
‫وإذا كانت األنظمة السابقة – املصري والفرنسي – قد وضحت إىل حد بعيد معامل‬
‫وخصوصية بعض قواعد اإلثبات اإلداري كما سبق فإن األمر يزداد صعوبةً وتعقيداً يف ظل‬
‫األنظمة اليت تأخذ مببدأ وحدة القضاء‪ ،‬أي اليت ال يوجد فيها قضاء إداري متصصص‬
‫السيما اجلزائر باعتبار أن املشرع مل يقنن ومل يصدر تنظيم خاص ملمارسة إجراءات القضاء‬
‫اإلداري‪ ،‬وبالتايل قواعد خاصة لإلثبات اإلداري‪ ،‬ويظل األمر حمكوماً بإجراءات التقاضي‬
‫(‪ )1‬أمحد كمال الدين ‪ :‬مرجع سابق‪.91 .‬‬
‫(‪ )2‬يقصد بالدعاوى التأديبية ‪ :‬االدعاء املقدم من ممثل اجلهة اإلدارية أمام القضاء التأدييب ضد أحد األفراد للمساءلة‬
‫التأديبية طبقاً لألحكام القانونية‪.‬‬
‫(‪ )3‬أمحد كمال الدين موسى‪ :‬نظرية اإلثبات يف القانون اإلداري‪ ،‬مرجع سابق‪ ،‬ص ‪.11‬‬
‫‪11‬‬

‫طبقاً لقانون املرافعات و القواعد العامة لقانون اإلثبات الساري على معظم املنازعات مبا‬
‫فيها املنازعات اإلدارية وهذا ال يتفق مع طبيعة الدعوى اإلدارية نظراً الختالف قواعد‬
‫اإلثبات يف حاليت املنازعة اإلدارية و املنازعة العادية‪ ،‬فاألمر يتعلق باملدعي الذي يفرض‬
‫عبء اإلثبات على عاتقه يف املنازعة اإلدارية وهو الفرد الطرف الضعيف واملتجرد من األدلة‬
‫واالمتيازات اإلدارية اليت حتوزها اإلدارة املدعى عليها املتمتعة باملركز األقوى‪ ،‬مما يعين صعوبة‬
‫تطبيق قواعد وإجراءات التقاضي املنصوص عليها يف قانون املرافعات والقواعد العامة يف‬
‫اإلثبات‪ ،‬وسنبني الحقاً أوجه االختالف يف هذا اجلانب‪.‬‬
‫وهلذا مل تتضح معامل إجراءات القضاء اإلداري وإثباته يف ظل النظام اجلزائري مما جيعل‬
‫مهمتنا يف هذا البحث صعبة‪ ،‬وذلك من خالل التوفيق بني القواعد العامة يف إجراءات‬
‫التقاضي والقواعد اخلاصة باإلثبات اإلداري أي سنحاول إبراز خصوصية اإلثبات اإلداري‬
‫من خالل القواعد املنصوص عليها يف قانون اإلثبات العام وقانون املرافعات املدنية والتجارية‬
‫اليت تتالءم مع خصوصية الدعوى اإلدارية و إثباهتا‪ ،‬حماولني إبراز السمات األساسية يف أدلة‬
‫اإلثبات واملنازعة اإلدارية‪ ،‬وسنستعني بإذنه تعاىل يف ذلك ببعض أحكام احملاكم اجلزائرية‬
‫الصادرة يف املنازعات اإلدارية وكذا من خالل القضاء والفقه اإلداري املقارن‪ ،‬لنصل بذلك‬
‫إىل إرشاد القاضي إىل ما ينبغي األخذ به من قواعد إثبات هتدف إىل حتقيق التوازن بني‬
‫أطراف املنازعة اإلدارية لنجعله بعيداً عن النقد لعله يفيد القضاة يف احملاكم واخلصوم‬
‫أصحاب العالقة سواءاً كان األفراد أو جهة اإلدارة وكذا املهتمني من حمامني وباحثني‪.‬‬
‫الفرع الثالث‪ :‬التشابه في قواعد اإلثبات بين القانون اإلداري والقانون الجزائي‪:‬‬

‫يعترب موضوع اإلثبات يف املنازعات أيا كانت مدنية أو جزائية من املوضوعات اليت دأب‬
‫الفقه إىل إجياد قواعد تتالئم مع كل خصومة أو نزاع‪ ،‬مما جعل املشرع يتدخل بصياغة كل‬
‫من قانون اإلثبات يف املنازعات املدنية والتجارية وقانون اإلجراءات اجلزائية‪ ،‬وأيا ما كان‬
‫األمر فإن اإلثبات أمر بالغ األمهية بالنسبة للحقوق واملراكز القانونية‪ ،‬بالنظر أن الوصول إىل‬
‫احلق البد أن تساوره أدلة وإثباتات للوصول إىل احلكم الذي يعترب عنواناً للحقيقة ورمزاً‬
‫للعدالة‪ ،‬فحيثما وجد اإلثبات وجد احلق‪.‬‬

‫‪17‬‬

‫ويف ظل عدم وجود قانون مستقل لإلثبات وكذلك عدم عناية الفقه بدراسة موضوع‬
‫اإلثبات يف املنازعة اإلدارية مما فتح اجملال أمام القضاء اإلداري يف االجتهاد‪ ،‬الذي بدوره‬
‫اهتدى إىل الرجوع إىل قانون اإلثبات يف املعامالت املدنية والتجارية بالنسبة لدعويي القضاء‬
‫الكامل وعدم الصحة والرجوع إىل قانون اإلجراءات اجلزائية يف الدعاوى التأديبية‪ ،‬وذلك‬
‫كله ينبغي أن يكون مبا يتفق وطبيعة املنازعة اإلدارية‪.‬‬
‫وبذلك فالتشابه يظهر يف التأديب كأحد فروع القانون اإلداري بينه وبني القانون اجلزائي‬
‫باعتبار أن هناك بعض اإلجراءات واملبادئ اليت تتشابه يف كال القانونني اإلداري واجلزائي‪،‬‬
‫فمثال يف جمال التأديب اإلداري فإن اإلجراءات املتبعة يف شأن املوظف الذي ارتكب‬
‫املصالفة التأديبية من إجراء التحقيق معه واحرتام حق الدفاع ومتهيداً لصدور القرار التأدييب‪،‬‬
‫تتشابه مع اإلجراءات املتبعة يف قانون اإلجراءات اجلزائية من حيث وجود التحقيق االبتدائي‬
‫بعد مجع االستدالالت متهيدا لإلحالة إىل احملاكمة وضمان حق الدفاع للمتهم‪.‬‬
‫وإذا كان اإلثبات له قيمته القانونية يف املسائل اجلزائية ملا تشكلت هذه اآلفة من اجلرائم‬
‫انتهاكا للمجتمع‪ ،‬وإضرارا باملصلحة العامة ومن مث يرتتب على ذلك هنوض سلطة الدولة يف‬
‫تتبع اجلاين‪ ،‬فإنه يف اجملال اإلداري له أمهيته لكون اإلدارة ختضع ملبدأ املشروعية وعلى‬
‫القضاء مراقبة ذلك باستصدام كافة وسائل اإلثبات مبا يتناسب مع طبيعة الدعوى اإلدارية‬
‫وفحص أعماهلا محاية حلقوق وحريات األفراد من جهة وضمان قيام املرافق العامة بانتظام‬
‫حتقيقا للمصلحة العامة من جهة أخرى‪ ،‬وعلى ذلك يوجد تشابه بني قواعد اإلثبات يف‬
‫اجملالني اإلداري التأدييب واجلزائي ميكن لنا إجيازها على النحو اآليت(‪: )1‬‬
‫أوالً ‪ :‬القاضي اإلداري شأنه شأن القاضي اجلزائي ميكنه أن يلجأ إىل كافة الوسائل‬
‫املشروعة يف اإلثبات للوصول إىل احلقيقة‪ ،‬ولكن بعض وسائل اإلثبات قد تتعارض مع‬
‫طبيعة املنازعة اإلدارية كاليمني احلامسة‪.‬‬

‫(‪ )1‬انظر ‪ :‬أمحد كمال الدين موسى‪ :‬نظرية اإلثبات يف القانون اإلداري‪ ،‬مرجع سابق‪ ،‬ص ‪ 32‬وما بعدها‪ .‬حممد‬
‫علي العريان‪ :‬شرح قانون اخلدمة املدنية العماين‪ ،‬دار اجلامعة اجلديدة القاهرة ‪ ،2112،‬ص ‪ 321‬وما بعدها ‪.‬‬
‫‪18‬‬

‫ثانياً ‪ :‬يقوم نطاق اإلثبات يف القانون اإلداري على مبدأ االقتناع املطلق لكون القضاء‬
‫اإلداري املقارن مل حيدد طرقا معينةً لإلثبات‪ ،‬فالقاضي اإلداري هو الذي حيدد طرق اإلثبات‬
‫املقبولة‪ ،‬كما هو احلال أمام القضاء اجلزائي من ناحية االقتناع بالدليل‪.‬‬
‫ومعىن ذلك أن مذهب اإلثبات الذي يالئم القضاء اإلداري ويسري عليه العمل هو‬
‫مذهب اإلثبات احلر كما هو الشأن يف املسائل اجلنائية‪ ،‬حيث ميكن هلما تنظيم عبء‬
‫اإلثبات وبيان األدلة املقبولة وحجيتها ومدى االقتناع هبا دون قيد‪.‬‬
‫ثالثاً ‪ :‬كل من القاضي اإلداري والقاضي اجلزائي عليهما مراعاة املبادئ العامة اليت‬
‫تتصل بأصول التقاضي وضمانة حقوق الدفاع‪.‬‬
‫وهناك بعض اإلجراءات واملبادئ اليت تتشابه يف كال القانونني اإلداري واجلزائي فمثال يف‬
‫جمال التأديب اإلداري فإن اإلجراءات املتبعة يف شأن املوظف الذي ارتكب املصالفة‬
‫التأديبية من إجراء التحقيق معه واحرتام حق الدفاع ومتهيدا لصدور القرار التأدييب‪ ،‬تتشابه‬
‫مع اإلجراءات املتبعة يف قانون اإلجراءات اجلزائية من حيث وجود التحقيق االبتدائي بعد‬
‫مجع االستدالالت متهيدا لإلحالة إىل احملاكمة وضمان حق الدفاع للمتهم‪.‬‬
‫المطلب الثالث‪ :‬مدى تعلق قواعد اإلثبات بالنظام العام‬
‫يذهب كثري من شراح القانون إىل أن النظام العام فكرة مرنة غري حمددة‪ ،‬وإمنا حتدد وفقا‬
‫للزمان واملكان وتبعا للمذاهب والنظريات حسب الغرض منها‪ ،‬وقصدها يف تقدير‬
‫املصلحة‪ ،‬والقوانني املتعلقة بالنظام العام هي تلك القوانني امللزمة اليت ال جيوز لألفراد‬
‫خمالفتها ألهنا وضعت للمحافظة على املصاحل العامة وتنظيم اجملتمع وأمنه وسالمته خبالف‬
‫القوانني املفسرة أو املكملة(‪.)1‬‬

‫(‪ )1‬حممد مصطفى الزحيلي‪ :‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.131‬‬
‫‪19‬‬

‫وقد أحال املشرع اجلزائري معظم وسائل التحقيق منها اخلربة ومساع الشهود واملعاينة‬
‫واالنتقال على األماكن ومضاهاة اخلطوط على أحكام اإلجرائية املطبقة على القضاء‬
‫العادي‪ ،‬إال أنه توجد تدابري خاصة بالقضاء اإلداري يف هذا اجملال ما تعلق منها بإجراء‬
‫تسجيل صويت أو بصري لكل من العمليات أو جزء منها‪ ،‬والتحقيق اإلداري هنا أشبه مبا‬
‫هو مقرر يف املادة ‪ 65‬مكرر ‪ 9‬من قانون اإلجراءات اجلزائية‪.‬‬
‫ما يهمنا من هذه الوسائل هو البحث عن طبيعة هذه الوسائل كقواعد إثبات و ما‬
‫مدى تعلقها بالنظام العام؟‬
‫لإلجابة عن هذه اإلشكالية تقتضي منا التمييز بني طبيعة اإلثبات املتعلقة بالوقائع‬
‫املادية‪ ،‬وطبيعة إثبات اخلاصة بالتصرفات القانونية‪.‬‬
‫الفرع األول ‪:‬الوقائع المادية‪:‬‬
‫جيوز إثباهتا بكافة وسائل اإلثبات ‪ ،‬من أوراق وقرائن وشهادة الشهود‪ ،‬وهي وقائع ال‬
‫ميكن توقعها يف أغلب األحيان‪ ،‬فال يتصور حتضري وسيلة إثبات هلا‪ ،‬مثاهلا‪ ،‬حوادث املرور‪،‬‬
‫حوادث العمل‪...‬إخل‪.‬‬
‫ولقد أضافت احملكمة العليا حىت إمكانية اإلثبات عن طريق حماضر الشرطة أو احملاضر‬
‫اليت حيررها احملضر القضائي‪ ،‬وهذا ما أكده يف قراره الصادر بتاريخ‪/05/05 1551‬يف قضية‬
‫رئيس بلدية تيزي وزو ومن من معه ضد ع‪.‬ع ومن معه‪.‬‬
‫الفرع الثاني ‪:‬التصرفات القانونية‪:‬‬
‫هي تلك التصرفات اليت تأخذ شكل عقود‪ ،‬أو تصرفات منفردة‪ ،‬فاحلالة األوىل جندها‬
‫يف صورة عقد مكتوب‪ ،‬ما بني اإلدارة والفرد‪ ،‬والثانية تتجسد يف شكل قرار إداري تنظيمي‬
‫أو فردي‪ ،‬وال يثار غالبا مشكل الدليل اإلثبايت بشأن هذه التصرفات‪ ،‬وذلك لصياغتها يف‬
‫قالب مكتوب وهو ما يضفي عليها الطابع اإللزامي‪.‬‬

‫‪11‬‬

‫وعليه فاإلثبات يف التصرفات القانونية يعد من النظام العام‪ ،‬لكون القانون أوجب على‬
‫اإلدارة احرتام الشكل الكتايب يف تصرفاهتا‪.‬‬
‫كما جيب على األطراف أثناء حتريك الدعوى اإلدارية احرتام مواعيد اإلثبات أمام‬
‫القضاء اإلداري‪ ،‬وإال فقد اإلثبات مفعوله‪ ،‬إذ أن قواعد اليت حتكم املواعيد ذات صبغة‬
‫ونادرا ما تكون اإلدارة هي املدعية فال ميكن أن حيصل اتفاق مع الفرد حول وسائل‬
‫آمرة‪ً ،‬‬
‫اإلثبات‪.‬‬
‫ولقد اعتربت الغرفة اإلدارية للمحكمة العليا سابقا قواعد اإلثبات املنصوص عليها يف‬
‫‪1553/11/29‬‬

‫القانون املدين من النظام العام يف القرار الصادر يف‬
‫بلدية العلمة فيما يتعلق باإلثبات مبوجب عقد عريف(‪.)1‬‬

‫قضية ب‪.‬ر‪.‬و‪.‬م ضد‬

‫الفرع الثالث‪ :‬التمييز بين القواعد االجرائية والقواعد الموضوعية‪:‬‬
‫إن قواعد اإلثبات منها ما هو موضوعي يتعلق مبحل اإلثبات وأشصاص اإلثبات‬
‫وعبء اإلثبات وطرق اإلثبات وقوهتا ومنها ما هو إجرائي يتعلق بإجراءات تقدمي الدليل إىل‬
‫القضاء‪.‬‬
‫لذلك فإن القواعد االجرائية متعلقة بالنظام العام فهي قواعد آمرة ال جيوز االتفاق على‬
‫خمالفتها أو تعديلها كما ال جيوز التنازل عنها وجيب على القاضي مراعاهتا من تلقاء نفسه‪،‬‬
‫أما القواعد املوضوعية اختلف الفقهاء على مدى تعلقها بالنظام العام‪:‬‬
‫‪ )1‬يذهب رأي إىل تعلقها بالنظام العام على االطالق الرتباط هذه القواعد بتنظيم‬
‫القضاء وحسن سري العدالة وال جيوز االتفاق على خمالفتها‪.‬‬
‫‪ )2‬ورأي آخر يرى عدم تعلقها بالنظام العام الرتباطها مبصاحل االفراد اخلاصة ولذلك‬
‫جيوز االتفاق على خمالفتها وتعديلها‪.‬‬

‫(‪ )1‬حلسني بن الشيخ أث ملويا‪ :‬مبادئ االثبات يف املنازعات اإلدارية‪ .‬دار هومة للطباعة والنشر‪ .‬اجلزائر ‪ .2111‬ص‬
‫‪.111‬‬
‫‪10‬‬

‫‪ )3‬أما الرأي الراجح‪ :‬أن قواعد اإلثبات ليست من النظام العام(‪ )1‬على أساس اعتبارين‬
‫مها‪:‬‬
‫االعتبار األول‪ :‬أن قواعد اإلثبات تتعلق حبق األفراد اخلاصة فإذا كان هلم التنازل عن‬
‫حقوقهم اخلاصة أو تعديلها فال جيوز هلم تعديل طرق إثباهتا‪.‬‬
‫االعتبار الثاين‪ :‬أن اإلثبات حق للصصوم يف الوقت الذي يلتزم فيه القاضي مببدأ احلياد‬
‫يكون هلم االتفاق على القواعد اليت يريناها أقرب إىل أداء العدالة‪.‬‬

‫(‪ )1‬جمموعة أحكام قضائية‪ :‬جلسة ‪ 17‬أبريل سنة ‪ 2111‬الطعن رقم ‪ 1117‬لسنة ‪( 13‬قضائية)‪ :‬قواعد اإلثبات‬
‫ليست من النظام العام ‪ -‬أثر ذلك ‪ -‬السكوت عن التمسك هبا يعد تنازال عن احلق يف اإلثبات بالطريق الذي‬
‫رمسه القانون ‪-‬وعدم جواز التحدي به ألول مرة أمام حمكمة النقض‪.‬‬
‫جلسة ‪ 17‬أبريل سنة ‪ 2111‬الطعن رقم ‪ 1732‬لسنة ‪( 11‬قضائية) قاعدة عدم جواز اإلثبات بالبينة والقرائن يف‬
‫األحوال اليت جيب فيها اإلثبات بالكتابة ليست من النظام العام ‪ -‬أثر ذلك‪ .‬انظر‪:‬‬
‫‪www.kdaiaeldwla.com/nakd/nakd002/nakd03.htm‬‬
‫‪11‬‬

‫المبحث الثاني‪ :‬نظم اإلثبات‬
‫يدور اإلثبات يف القانون الوضعي بني نظم ثالثة هي‪ :‬اإلثبات احلر أو املطلق‪ ،‬اإلثبات‬
‫املقيد‪ ،‬اإلثبات الذي جيمع بني األمرين السابقني أو املصتلط‪ ،‬وبيان كل نظام منهما‬
‫وموقف املشرع اجلزائري منه‪ ،‬وبالتايل ستكون دراستنا لكل نظام مطلب والنظام املصتلط‬
‫وموقف املشرع اجلزائري يف مطلب أخري‪.‬‬
‫المطلب األول ‪ :‬نظام اإلثبات الحر أو المطلق‬
‫يف هذا املذهب ال حيدد املشرع طرقاً معينا لإلثبات ويرتك فيه اإلثبات حراً ويعطي‬
‫الصالحية املطلقة للقاضي‪ ،‬وال يرسم القانون طرقا حمددة لإلثبات يقيد هبا القاضي(‪،)1‬‬
‫حبيث جيوز لألطراف تقدمي أي دليل إلثبات دعواهم والسعي إلقناع القاضي به‪ ،‬كما أن‬
‫القاضي حر يف االرتكان إىل أي دليل يطمئن إليه قلبه‪ ،‬أي أنه جيوز اإلثبات يف هذا‬
‫املذهب بأي وسيلة يطمئن إليها القاضي يف تكوين عقيدته‪ ،‬ويف هذا النظام يكون للقاضي‬
‫دور إجيايب ال سيما يف اإلثبات اجلنائي الذي يتضح فيه دور القاضي حيال الدليل املطروح‬
‫أمامه‪ ،‬بل جند أن القاضي ملزم يف هذا املذهب بالبحث وتكملة الدليل الناقص للكشف‬
‫عن احلقيقة سواء كان ذلك باستدعاء الشهود الذي يرى أن يف مساعهم ضرورة للفصل يف‬
‫الدعوى‪ ،‬كما له الفصل يف الدعوى بناءاً على البينات الظرفية أو القرائن أو بعلمه‬
‫الشصصي وبصفة عامة حيق للقاضي يف هذا املذهب أن يتلمس تكوين اعتقاده من أي‬
‫دليل يطرح أمامه‪ ،‬وله أن يقدر القيمة اإلقناعية لكل دليل حسبما تتكشف لوجدانه‪ ،‬حيث‬
‫ال سلطان عليه يف ذلك إال ضمريه‪ ،‬كما أنه غري مطالب بأن يبني سبب اقتناعه بالدليل‬
‫املعني‪ ،‬ومع كل ذلك فإن هذه احلرية ليست مطلقة فالقانون وإن اعرتف للقاضي بسلطة‬
‫واسعة يف تقدير الدليل‪ ،‬فإنه قد قيده من حيث القواعد اليت حتدد كيفية حصوله عليه‬

‫(‪ )1‬عادل حسن علي‪ :‬أحكام االلتزام‪ .‬مكتبة زهراء الشرقي‪ ،‬القاهرة ‪ ، 1997‬ص‪.11‬‬
‫‪11‬‬

‫والشروط اليت يتعني عليه تطبيقها فيه وخمالفة هذه الشروط قد هتدر قيمة الدليل وتشوب‬
‫قضاءه بالبطالن(‪.)1‬‬
‫ومن فقهاء املسلمني الذين يقولون باإلثبات املطلق أو احلر الفقيه ابن القيم اجلوزية‪،‬‬
‫الذي يرى أن احلق البد أن يثبت بكافة البينات‪ ،‬وأن احلق ال جيوز رده مىت ما ظهر ببينة‬
‫وعرب ذلك بقوله‪" :‬أن الشارع يف مجيع املواضيع يقصد ظهور احلق مبا ميكن ظهوره به من‬
‫البينات اليت هي أدلة عليه وشواهد له‪ ،‬وال يرد حقاً مىت ظهر بدليله أبداً‪ ،‬فيضيع حقوق اهلل‬
‫وعباده ويعطلها وال يقف ظهور احلق على أمر معني ال فائدة يف ختصيصه مع مساواة غريه‬
‫له يف ظهور احلق أو رجحانه عليه ترجيحاً ال ميكن جحده ودفعه(‪ ،)2‬كذلك جند هذا‬
‫املذهب لدى جموزي احلكم بعلم القاضي الشصصي من فقهاء الشريعة اإلسالمية والذي‬
‫سريد شرحه الحقاً‪.‬‬
‫وهكذا يتضح لنا أن هذا املذهب مينح القاضي دورا فعاالً حيال القضية واألدلة‬
‫املقدمة فيه وهذا الدور يبدو جليا يف الدعاوى اجلنائية اليت يستعني فيها القاضي بكافة‬
‫وسائل اإلثبات ليتمكن من استصالصه نتيجة منطقية للفصل يف الدعوى وللوصول للقناعة‬
‫الشصصية بالرباءة أو اإلدانة‪ ،‬وارتباط القضايا اجلنائية باحلق العام واملصلحة العامة هي اليت‬
‫جعلت منها جماالً خصبا لتطبيق ما ينادي به مؤيدو هذا املذهب من إطالق يد القاضي‬
‫حيال األدلة‪ ،‬وهذا بالطبع يرجع بسبب أن القضايا اجلنائية تتعلق بعوامل نفسية ووقائع‬
‫مادية خالفا للدعاوى املدنية اليت تتعلق بتصرفات قانونية حبتة ال يثبت إال بأدلة معينة تكون‬
‫حمددة سلفا وهذا ما جيعل دور القاضي املدين سليب يف بعض األحيان يف هذا املذهب‪.‬‬
‫(‪ )1‬هاليل عبدالاله أمحد‪ :‬النظرية العامة لإلثبات اجلنائى دراسة مقارنة بني النظم اإلجرائية الالتينية واالجنلوسكسونية‬
‫والشريعة اإلسالمية‪ .‬دار النهضة العربية‪ .‬القاهرة‪ .‬ص ‪ 75‬حميالً ‪:‬‬
‫‪Donnesieu de Vabres: "Traite" de droit criminal et le"gislation pe"nale‬‬
‫‪ ، compare"e" 3e ed.1242,P.716‬تأصيل قانون اإلثبات لسنة ‪ 1553‬ـ جلنة تأصيل القوانني‬
‫بالسلطة القضائية السودانية ـ مطبعة السلطة القضائية ص ‪.1‬‬
‫(‪ )2‬مشس الدين بن عبداهلل بن حممد بن بكر (ابن القيم اجلوزية ) ـ إعالم املوقعني ـ ج‪ 1‬دار ابن اجلوزي ـ الدمام‬
‫السعودية ‪ .2113‬ص ‪.19‬‬
‫‪11‬‬

‫الفرع األول‪ :‬مزايا نظام اإلثبات الحر‪:‬‬
‫من مجلة مزاياه أنه جيعل للقاضي دورا يف تسيري الدعوى واستجماع األدلة متكينا له من‬
‫حتري احلقيقة أينما وجدت(‪ .)1‬وأنه حيقق أكرب قسط ممكن من العدالة و يكفل بالتايل‬
‫التطابق بني احلقيقة القضائية واحلقيقة الواقعية‪.‬‬
‫وأخذت هبذا النظام بعض الشرائع القدمية يف بعض مراحل تطورها و كما أنه مازال‬
‫معموال به يف بعض القوانني كالقانون األملاين والقانون السويسري والقانون األجنلو‬
‫أمريكي(‪ ،)2‬ويف كثري من املسائل التجارية يف بعض البالد‪ ،‬كما يأخذ به بعض فقهاء‬
‫االسالم(‪.)3‬‬
‫الفرع الثاين‪ :‬عيوب نظام اإلثبات الحر‪:‬‬
‫يؤخذ على هذا املذهب أو النظام أنه يقوم على افرتاض بأن القاضي مأمون من اجلور‬
‫والتحكم وهذا االفرتاض خيالف طبيعة األشياء وأن القضاة بشر غري معصومني من اخلطأ‬
‫ويعرتيهم القصور‪.‬‬
‫إن هذا النظام يعطي للقاضي سلطة تقديرية واسعة يف تقدير الدليل واإلثبات به‪،‬‬
‫وختتلف هذه السلطة من قاضي إىل آخر األمر الذي يسلب املتقاضني االطمئنان إىل ما‬
‫يكون لديهم من أدلة إثبات على حقوقهم ويشجع الظاملني على املنازعة يف احلق الثابت‬
‫مستندين إىل اختالف القضاة يف التقدير مما يهز بالثقة واالستقرار يف التعامل‪ ،‬وخيشى معه‬
‫احنرافه عن جادة الصواب فهو الذي يتحكم يف تعيني طرق اإلثبات وتقدير قيمتها‪ ،‬فثبوت‬

‫(‪ )1‬سليمان مرقس ‪ :‬مرجع سابق ج‪ 1‬فقرة‪ 1‬ص‪.19‬‬
‫(‪ )2‬عبد الرزاق السنهوري‪ :‬مرجع سابق‪،‬ج‪ 2‬فقرة‪ 22‬ص‪.27‬‬
‫(‪ )3‬نبيل ابراهيم سعد‪ :‬االثبات يف املواد املدنية و التجارية يف ضوء الفقه و القضاء‪ .‬منشأة املعارف االسكندرية‪،‬‬
‫‪.2111‬على رأسهم ابن القيم اجلوزية‪ .‬ص‪.13‬‬
‫‪11‬‬

‫احلق أو عدمه خيضع لتقدير القاضي األمر الذي يزعزع الثقة يف عدالة القضاء(‪.)1‬‬
‫المطلب الثاني ‪ :‬نظام اإلثبات المقيد أو القانوني‬
‫جاء هذا النظام على إثر ما شاب النظام األول من عيوب‪ ،‬وهو يقيد سلطة القاضي‬
‫واخلصوم يف اإلثبات(‪ ،)2‬وذلك بأن املشرع يتوىل حتديد طرق اإلثبات عن طريق ما يرمسه‬
‫القانون من طرق حمددة حتديدا دقيقا إلثبات املصادر املصتلفة للروابط القانونية و جيعل لكل‬
‫طريق قيمته و حيدد أيضا االجراءات اليت يقدم هبا الدليل إىل القضاء‪.‬‬
‫فموقف القاضي يف هذا النظام سليب حمض‪ ،‬وال جيوز له من جانبه أن يكمل ما يف أدلة‬
‫اخلصوم من نقص وال أن يقضي بعلمه الشصصي وال مبا توصل إليه من قناعة شصصية وهو‬
‫غري حر يف اختيار الدليل الذي اطمأن إليه قلبه‪ ،‬وإمنا يتعني عليه أن حيكم بالنتيجة اليت‬
‫يصل إليه وفقاً للقيمة املقدرة من املشرع لكل دليل واملقدمة من اخلصوم يف الدعوى‪ ،‬ويف‬
‫هذا النظام يقوم اقتناع املشرع بصحة اإلسناد أو عدم صحته مقام اقتناع القاضي‪ ،‬وهكذا‬
‫فإن اليقني القانوين يقوم أساسا على افرتاض صحة الدليل بصرف النظر عن حقيقة الواقع‬
‫أو اختالف ظروف الدعاوى(‪.)3‬‬
‫ويضفي املشرع النظام املقيد حجة دامغة لبعض األدلة ونسبية للبعض اآلخر حبيث ال‬
‫جيوز معه للقاضي مناقشة الدليل مبا يقلل من حجيته أو مبا يقوي من حجيتها مىت توفر يف‬
‫الدليل شروطه الشكلية واملوضوعية‪ ،‬أي أن املشرع هو الذي حيدد القيمة اإلقناعية لكل‬
‫دليل‪ ،‬وحيدد الدليل املقبول واملستبعد منه وذلك بإخضاع كل دليل لشـروط معينة‪.‬‬

‫(‪ )1‬قانون اإلثبات لسنة ‪ 1553‬ـ جلنة تأصيل القوانني بالسلطة القضائية السودانية ـ مطبعة السلطة القضائية ص‬
‫حميالً اىل عبداملنعم الصدا ـ االثبات يف املواد املدنية ص ‪ .7‬حممد عبداللطيف‪ :‬قانون االثبات يف املواد املدنية‬
‫ج‪ 2‬عامل الكتاب‪ .‬القاهرة ‪ 1513‬ص ‪.1‬‬
‫(‪ )2‬البصاري عبداهلل اجلعلي‪ :‬قانون اإلثبات تشريعاً وقضاءً ـ مطبعة جامعة النيلني ط‪1551 3‬ص ‪ . 5‬نبيل ابراهيم‬
‫سعد‪ ،‬املرجع السابق ص‪.11‬‬
‫(‪ )3‬هاليل عبدالاله أمحد ‪ :‬مرجع سابق ـص ‪.71‬‬
‫‪9‬‬

‫‪11‬‬

‫وهكذا يتضح لنا أن دور القاضي يف هذا املذهب دور رقايب فقط‪ ،‬رغم أنه هو املباشر‬
‫واللصيق مبجريات القضية وحيثياهتا والذي يكون يقينه وعقيدته من خالل مالبسات‬
‫القضية‪ ،‬وكما ال خيفي على أحد أمهية خربة القاضي والقناعة اليت يكتسبها من أداء الشهود‬
‫لشهادهتم وتعابريهم اليت تبدوا على وجوههم وهلذا اشرتط يف القاضي أن يكون بصريا‪ ،‬كما‬
‫أن هذا النظام خيرج القاضي عن وظيفته الطبيعية اليت حتتم عليه مناقشة الدليل والبحث‬
‫والتحري عن القيمة احلقيقية لألدلة والقناعة اليت يصل إليها من مالبسات وظروف كل‬
‫قضية على حدا فالقالب اجلامد الذي يضعه املشرع للقاضي يف هذا النظام بفرض يقني‬
‫قانوين على ضمريه هو مبثابة إعطاء عيون املشرع اليت مل ترى شيئاً من أحداث الواقعة حمل‬
‫البحث لريى هبا القاضي الذي له عينني أبصرتا كل شيء عن هذه األحداث‪ ،‬وهكذا‬
‫يسلب من احلقيقة جوهرها ويأخذ من العدالة مضموهنا‪ ،‬ويصبح احلكم الفتة مضللة‬
‫للحقيقة والعدالة معاً(‪.)1‬‬
‫الفرع األول‪ :‬مزايا نظام اإلثبات المقيد‪:‬‬
‫حيقق هذا النظام االستقرار يف التعامل إىل حد بعيد حيث يعلم املتصاصمون سلفا‬
‫األدلة اليت ميكن عن طريقها إقناع القاضي وليس للقاضي أن حييلهم إىل أدلة أخرى مل ينص‬
‫عليها القانون كما يبعث الثقة و االطمئنان يف نفوس املتقاضني‪ ،‬و من ناحية أخرى فإن‬
‫هذا النظام يضع حدا حلرية القاضي يف التعسف و التحكم الذي يشيب حكمه و هذا‬
‫لضمان حلسن سري العدالة‪.‬‬
‫الفرع الثاني‪ :‬عيوب نظام اإلثبات المقيد‪:‬‬
‫يعاب عليه أنه جيعل وضيفة القاضي آلية و حيول بينه وبني احلكم باحلقيقة الواقعية رغم‬
‫أهنا واضحة جلية إذا كان ظهورها له من غري طرق اإلثبات اليت عينها القانون و يرتتب على‬

‫(‪ )1‬هاليل عبدالاله أمحد‪ :‬مرجع سابق ص ‪.71‬‬
‫‪17‬‬

‫ذلك أن هذا النظام يباعد بني احلقيقة القضائية و احلقيقة الواقعية(‪.)1‬‬
‫و يغلب هذا النظام يف الفقه االسالمي إذ جيب يف اإلثبات بالبينة شهادة شاهدين وال‬
‫يكتفي بشهادة واحد إال يف حاالت استثنائية وإذا توافرت نصاب الشهادة وجب على‬
‫القاضي األخذ دون أن يكون له حرية التقدير‪.‬‬
‫المطلب الثالث ‪ :‬نظام اإلثبات المختلط وموقف المشرع الجزائري‬
‫يعترب نظام االثبات املصتلط اجلمع بني االثبات املطلق واالثبات املقيد‪ ،‬وذلك نظرا‬
‫لالنتقادات اليت وجهت للنظامني‪ ،‬حيث جاء هذا اجلمع لوضع حد هلذه االنتقادات‪،‬‬
‫وسنتناول يف هذا املطلب نظام اإلثبات املصتلط وموقف املشرع اجلزائري منه‪.‬‬
‫الفرع األول ‪ :‬مفهوم نظام اإلثبات المختلط‬
‫يرتكز هذا النظام على املوازنة بني النظامني السابقني فهو يعتد بكل منهما و ال‬
‫يضحي بأحدمها حلساب اآلخر وجيمع املذهب بني اإلثبات املطلق و اإلثبات املقيد فهو يف‬
‫املسائل التجارية أقرب إىل نظام اإلثبات املطلق أو احلر‪ ،‬إذ األصل يف املسائل التجارية‬
‫السرعة أما يف املسائل املدنية فهو أقرب للتقييد فال يسمح فيها إال بطرق حمددة لإلثبات‪،‬‬
‫مبعىن آخر ميكن القول أن األصل يف املسائل التجارية هو حرية التصرف واألصل يف املسائل‬
‫املدنية هو تقييد اإلثبات‪.‬‬
‫و يعترب املذهب املصتلط أفضل املذاهب ألنه جيمع بني مزايا املذهبني السابقني و يعاجل‬
‫ما يوجه إليهما من نقد‪ ،‬ولكونه جيمع بني إثبات التعامل مبا احتوى عليه من قيود وبني‬
‫االقرتاب من احلقيقة الواقعية واحلقيقة القضائية مبا أفسح للقاضي من حرية يف التقدير‪ .‬وقد‬
‫أخذ هبذا النظام كل من التشريعات الالتينية كالقانون الفرنسي و االيطايل و البلجيكي‪،‬‬
‫والقانون املصري والتشريع اجلزائري‪.‬‬
‫(‪ )1‬ساد هذا املذهب يف الفقه االسالمي‪ ،‬انظر الشيخ‪ :‬أمحد ابراهيم ‪ :‬طرق القضاء يف الشريعة االسالمية املطبعة‬
‫السلفية ط‪ ،3‬القاهرة ‪ .1527‬ص‪ ، 13‬وطرق االثبات الشرعية‪ ،‬ص‪ 5‬وما بعدها‪.‬‬
‫‪18‬‬

‫وإذا كان األصل يف هذا النظام أنه يقيد اإلثبات يف املواد املدنية و أن األصل فيه هو‬
‫سلبية موقف القاضي إال أن له مع ذلك حرية يف التقدير بالنسبة لبعض األدلة اليت ال حيدد‬
‫القانون هلا حجية معينة كشهادة الشهود‪ ،‬فشهادة الشهود خاضعة لتقدير القاضي فيحق له‬
‫أن يأخذ هبا إذا اقتنع و يرتكها إذا مل يقتنع هبا فال يتقيد بعدد الشهود و ال بإمجاعهم على‬
‫أمر من األمور‪ ،‬و جيوز له أن يغلب شهادة القلة على شهادة الكثرة و كذلك احلال بالنسبة‬
‫للقرائن القضائية إذ أن املشرع ينزهلا منزلة الشهود و هي ختضع كذلك لتقدير القاضي(‪،)1‬‬
‫وللقاضي أيضا أن يوجه اليمني املتممة‪ ،‬و هو يقدر ما إذا كانت هناك ضرورة لتوجيهها أم‬
‫ال و يف كل هذا يتصذ القاضي دورا اجيابيا يف تسيري الدعوى و مجع األدلة و ذلك على‬
‫خالف ما يقضي به مبدأ حياد القاضي الذي جيعل دوره سلبيا(‪.)2‬‬
‫الفرع الثاني ‪ :‬موقف المشرع الجزائري‬
‫مبا أن املشرع اجلزائري قد أخذ بالنظام املصتلط يف جمال اإلثبات يف املواد املدنية‬
‫والتجارية وبالتايل يعترب موقفا وسطا بني االطالق و التقييد‪ ،‬و ذلك موازنة بني غاية‬
‫الكشف عن احلقيقة و بني االستقرار يف املعامالت‪ ،‬ومن ذلك ما ذكرته املواد من ‪ 323‬إىل‬
‫‪ 391‬من القانون املدين(‪.)3‬‬
‫فمن حيث التقييد فقد مت حصر األدلة املتاحة لإلثبات حمددا بذلك نطاق وحجية كل‬
‫منهما كدليل الكتابة‪ ،‬البينة‪ ،‬القرائن‪ ،‬اإلقرار‪ ،‬اليمني‪ ،‬وباملقابل منع القاضي من القضاء‬
‫بعلمه الشصصي‪.‬‬
‫يف حني جند أنه من حيث االطالق يظهر لنا دور القاضي االجيايب و ذلك من أجل‬
‫جتسيد روح العدالة وعدم ترك كشف احلقيقة رهنا ملا يقدم أطراف املنازعة الذي يسمح له‬
‫(‪ )1‬انظر املادة ‪ 217‬من أصول احملاكمات اللبناين ‪ ،‬وهي تنص على أن" احملكمة اليت حتكم الوقائع هي اليت تقدر‬
‫قيمة الشهادات‪."...‬‬
‫(‪ )2‬انظر املادة ‪ 111‬من قانون االثبات ‪ ،‬وانظر كذلك املادة ‪ 211‬أصول حماكمات لبناين‪.‬‬
‫(‪ )3‬على سبيل املثال نصت املادة ‪ 323‬من القانون املدين‪" :‬على الدائن إثبات االلتزام‪ ،‬وعلى املدين إثبات التصلص‬
‫منه"‪.‬‬
‫‪19‬‬

‫بأن يأمر مبا يراه من إجراءات اإلثبات الستجالء احلقيقة دون أن يقف موقفا سلبيا يف‬
‫انتظار ما يقدمه اخلصوم من أدلة‪ ،‬فله أن يأمر بإحضار اخلصوم لالستجواب و هذا حسب‬
‫املادة ‪ 2/23‬ق‪.‬ا‪.‬م أو أن يأمر باإلثبات بشهادة الشهود أو القرائن القضائية يف األحوال اليت‬
‫يتعني فيها تقدير الدليل الذي مل يعط له القانون قوة معينة واليت يستنتج ثبوت واقعة غري‬
‫ثابتة من واقعة ثابتة‪.‬‬
‫وبالرغم أنه ليس للنظام املصتلط أي أساس فكري وذلك راجع لكونه جمرد نتيجة‬
‫لعيوب النظام احلر واملقيد‪ ،‬إال أنه كان األكثر مالءمة واألنسب سواء يف املواد املدنية أو‬
‫التجارية أو اجلنائية‪ ،‬وال أدل على ذلك أن معظم التشريعات قد أخذت به منها الالتينية‬
‫والعربية‪.‬‬
‫ولذلك فإن قواعد اإلثبات بعيدة من أن تكون حمل يقني مطلق‪ ،‬وأن قناعة القاضي إمنا‬
‫تبىن يف األساس على احتمال قوي بقدر اإلمكان يكفي لإلقرار بوجود احلق املدعى به‬
‫وهذه هي نظرية الرجحان(‪.)1‬‬

‫(‪ )1‬حيي بكوش‪ :‬أدلة االثبات يف القانون املدين اجلزائري والفقه االسالمي‪ ،‬ص‪ .91-91‬الغوثي بن ملحة ‪ :‬قواعد‬
‫وأنظمة االثبات ومباشرهتا يف النظام القانوين اجلزائري ‪ ،‬الطبعة األوىل‪ ،‬الديوان الوطين لألشغال الرتبوية‬
‫اجلزائر‪.2111،‬‬
‫‪11‬‬

‫المبحث الثالث‪ :‬العوامل المؤثرة في اإلثبات اإلداري‬
‫خيتلف اإلثبات يف الدعوى اإلدارية عن غريه من الدعاوى األخرى‪ ،‬حيث يقوم مبراعاة‬
‫عدة عوامل واعتبارات‪ ،‬هذه العوامل مستمدة من طبيعة الدعوى اإلدارية اليت ينظرها‬
‫القاضي اإلداري‪ ،‬ومجيع هذه العوامل تقوم حول فكرة وجود اإلدارة طرفاً دائماً يف الدعوى‬
‫اإلدارية يف صورة سلطة عامة ومتتعها بامتيازات خاصة واستهدافها للمصلحة العامة ويظهر‬
‫أثر هذه االمتيازات على املنازعة اإلدارية‪ ،‬من حيث وقوف املدعي ‪-‬وهو الفرد غالباً‪-‬‬
‫صاحب املصلحة اخلاصة جمرداً من أية امتيازات؛ األمر الذي يؤثر يف املنازعة اإلدارية وذلك‬
‫النتفاء التوازن العادل بني الطرفني‪ ،‬وهذا يعد تعارضاً بني املصلحتني العامة واخلاصة‪ ،‬على‬
‫الرغم أن الدساتري والقوانني اإلجرائية تلزم القضاء مهما ك ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـان نوع الدعوى مبراعاة مبدأ‬
‫املسـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـاواة لذلك سنـ ـ ـ ـ ـ ـ ـوضح هذه العوامل يف هذا املبحث يف مطلبني على النحو التايل‪:‬‬
‫املطلب األول‪ :‬امتيازات االدارة املؤثرة يف املنازعة اإلدارية‬
‫املطلب الثاين‪ :‬آثار امتيازات االدارة على املنازعة اإلدارية‬
‫المطلب األول‪ :‬امتيازات االدارة المؤثرة في الدعوى اإلدارية‬
‫نتحدث هنا عن امتيازات اإلدارة بوصفها طرفاً يف املنازعة اإلدارية‪ ،‬وذلك ملا هلذه‬
‫االمتيازات من تأثري مباشر يف اإلثبات اإلداري‪ ،‬األمر الذي يؤدي إىل اختالف هذه‬
‫الدعوى عن الدعاوى اليت تنظرها احملاكم العادية‪ ،‬وميكن أن جنملها يف أربعة امتيازات‪،‬‬
‫ونتكلم عنها تباعاً‪:‬‬
‫الفرع األول‪ :‬حيازة األوراق اإلدارية‪:‬‬
‫لإلدارة شصصية مستقلة وحياة متميزة عن احلياة اخلاصة للعاملني هبا‪ ،‬وهذه الشصصية‬
‫ال تتغري وال تنتهي بانتهاء أو تغري حياة العاملني هبا‪ ،‬خبالف اإلنسان الطبيعي الذي يتمتع‬
‫بذاكرة وعقل إنساين مبا حيويه من فكر واملام معرض للنسيان‪ ،‬فهو ‪ -‬أساساً ‪ -‬يدافع عن‬
‫مصلحته اخلاصة‪ ،‬وحياته طالت أم قصرت تعترب حمدودة يف عمومها‪ ،‬ومن مث كانت حاجة‬
‫‪10‬‬

‫اإلدارة إىل تكوين ذاكرهتا املستقلة اليت تتمثل يف إعداد ذاكرة إدارية متميزه هلا تظل باقية‬
‫حمتفظة بالوقائع اإلدارية مجيعها بعيدة عن النسيان‪ ،‬أو الغرض الشصصي حبيث يرجع إىل‬
‫هذه الذاكرة عند اللزوم للكشف عن حقيقة التصرفات اإلدارية وتارخيها ومضموهنا‪ ،‬وتكون‬
‫مرجعاً ثابتاً على مر األيام بغض النظر عن أشصاص العاملني هبا‪ ،‬وهذا العقل اإلداري أو‬
‫الذاكرة عبارة عن السجالت وامللفات واألوراق ومجيع املصنفات واحملررات اليت أعدت من‬
‫خمتلف اجلهات اإلدارية‪ ،‬أو صدرت عن العاملني هبا وتثبت هبا الوقائع املتعلقة بالعمل‬
‫اإلداري‪ ،‬وهي ما ميكن تسميتها باألوراق اإلدارية(‪.)1‬‬
‫وتعد األوراق اإلدارية الطريق الرئيس إلثبات الوقائع اإلدارية وتصرفات العاملني باإلدارة‬
‫العاملة‪ ،‬لذلك تعد الوسيلة األساسية يف اإلثبات أمام القضاء اإلداري‪ ،‬وهذا أمر طبيعي؛‬
‫ألن اإلجراءات اإلدارية القضائية تتميز بأهنا ذات صبغة كتابية باإلضافة إىل أهنا استيفائية‬
‫تتم حتت إشراف وتوجيهات القاضي اإلداري(‪.)2‬‬
‫وهلذا تعد األوراق اإلدارية الوسيلة الرئيسية يف اإلثبات أمام القضاء اإلداري باعتبارها‬
‫الذاكره اإلدارية اليت يرجع إليها عند احلاجة‪.‬‬
‫ومع ذلك تكمن املشكلة يف حيازة اإلدارة على هذه األوراق واملستندات وحفظها وما‬
‫تضمنته من بيانات مدونة يف أرشيفها‪ ،‬وبالتايل يكون من الصعب على املدعي الفرد الذي‬
‫يتحمل عبء اإلثبات احلصول على هذه األوراق‪ ،‬وهلذا استقر الفقه والقضاء اإلداري‬
‫املقارن(‪ )3‬على أن عيب االحنراف بالسلطة من العيوب القصدية يف السلوك اإلداري قوامه‬
‫أن يكون لدى اإلدارة قصد االحنراف بالسلطة‪ ،‬وهذا القصد ال ميكن استيفاؤه إال من‬
‫امللف فإذا مل يقم الدليل من امللف على وجود هذا القصد لدى اإلدارة فال قيام لعيب‬
‫(‪ )1‬أمحد كمال الدين موسى ‪ :‬نظرية اإلثبات يف القانون اإلداري‪ ،‬مرجع سابق‪ ،‬ص ‪ 93‬وما بعدها‪.‬‬
‫(‪ )2‬مصطفى كمال وصفي ‪ :‬أصول إجراءات القضاء اإلداري – دراسة نظرية تطبيقية يف مصر وسوريا – الكتاب‬
‫األول‪ ،‬دار النهضة العربية‪ ،‬القاهرة ‪ 1511‬م ‪ ،‬ص ‪.21‬‬
‫(‪ )3‬أمحد كمال الدين موسى‪ :‬مرجع سابق‪ ،‬ص ‪ 91‬وما بعدها‪ .‬مجال عياش أمحد عثمان‪ :‬العقد اإلداري وقضاء‬
‫اإللغاء‪ ،‬رسالة دكتوراه‪ ،‬حقوق‪ ،‬االسكندرية ‪ 2111‬م ص ‪ 215‬وما بعدها‪.‬‬
‫‪11‬‬

‫االحنراف‪ ،‬كما استقر القضاء اإلداري املصري(‪ )1‬خبصوص تقدير كفاية العاملني باجلهات‬
‫اإلدارية على االعتداد مبا هو ثابت يف األوراق وامللفات استناداً إىل أن الرؤساء ال يعتمدون‬
‫يف تكوين عقيدهتم عن كفاية العامل على جمرد املعلومات الشصصية فقط‪ ،‬بل يعتمدون‬
‫أيضاً على ما هو ثابت يف األوراق‪ ،‬وأن املرجع الرئيسي لكل ما يتعلق مبراحل حياة املوظف‬
‫يف الوظيفة هو ملف اخلدمة‪ ،‬باعتباره الوعاء الطبيعي لكل ما يتعلق مباضي خدمة املوظف‬
‫وأحواله من ناحية الكفاءة والصالحية للوظيفة‪ ،‬كما يكون إثبات مدة اخلدمة السابقة‬
‫للموظف من واقع السجالت وامللفات‪ ،‬كما أن األصل يف إثبات حصول االختبار عند‬
‫تعيني العامل ما هو ثابت بأوراق وسجالت اإلدارة‪.‬‬
‫ومن حيث حجية الورقة اإلدارية‪ ،‬فقد تكون هلا حجية رمسية على الوجه املعروف يف‬
‫القانون اخلاص من حيث ضرورة مراعاة الشكليات املقررة‪ ،‬وقد تكون أوراقاً عرفية صادرة‬
‫من األفراد أو األشصاص العاديني دون أن يتدخل يف حتريرها موظف عام خمتص(‪ ،)2‬ويف‬
‫كلتا احلالتني تعترب أوراقاً إدارية بوجودها يف حوزة اإلدارة مثبتة لوقائع إدارية‪ ،‬وسنتناول ذلك‬
‫بالتفصيل يف الفصل األخري من هذه الدراسة‪.‬‬
‫ومن حيث مضموهنا فقد تكون الورقة اإلدارية مثبتة لتصرف قانوين أو لواقعة مادية‪،‬‬
‫وقد تتعلق بنشاط اإلدارة وسري العمل هبا‪ ،‬أو وقائع تتعلق بالعاملني باإلدارة‪ ،‬أو بغريهم ممن‬
‫تربطهم هبا عالقة أو صلة‪ ،‬سواء أكانت عالقة تعاقدية كما هو الشأن بالنسبة للمتعاقد مع‬
‫اإلدارة بصفة مورد أو مقاول‪ ،‬أم كانت عالقة غري تعاقدية مثل عالقة األشصاص املنزوعة‬
‫ملكيتهم أو احملددة إقامتهم‪ ،‬أو ممن تقرر منحهم اجلنسية أو اإلقامة إىل غري ذلك‪ ،‬وهي يف‬
‫مجيع احلاالت تتضمن وقائع إدارية معينة تدخل يف جمال االختصاصات احملددة للعاملني‬
‫وتتصل بسري العمل اإلداري والوظيفة اإلدارية بصفة عامة(‪.)3‬‬
‫(‪ )1‬راجع األحكام العديدة املشار إليها لدى‪ :‬أمحد كمال الدين موسى ‪ :‬املرجع السابق ص ‪ 91‬ومابعدها‪ .‬راجع‬
‫حكم احملكمة اإلدارية العليا يف ‪ 1512/11/19‬م‪ .‬وكذلك حكمها بتاريخ ‪ ،1512/19/15‬أشار إليهما‪ :‬ماجد‬
‫راغب احللو‪ :‬القضاء اإلداري‪ ،‬مرجع سابق‪ ،‬ص ‪.311‬‬
‫(‪ )2‬أمحد نشأت ‪ :‬رسالة اإلثبات‪ ،‬مرجع سابق‪ ،‬ص ‪.211‬‬
‫(‪ )3‬أمحد كمال الدين موسى ‪ :‬مرجع سابق‪ ،‬ص ‪.91‬‬
‫‪11‬‬

‫والورقة اإلدارية غري مقيدة بشكل أو منوذج‪ ،‬ويتم إثبات الوقائع على حمرر عادي مسطر‬
‫أو غري مسطر سواء مت خبط اليد أو باآللة الكاتبة‪ ،‬وقد تكون الورقة اإلدارية حمررة على‬
‫مناذج معدة لدى اإلدارة سلفاً إلثبات بعض الوقائع اإلدارية مثل أمنوذج بيان حالة املوظف‬
‫املرفق مبلف خدمة كل موظف بالدولة‪ ،‬والذي يثبت به مبعرفة املصتصني‪ ،‬مؤهالت املوظف‬
‫ومدة خدمته وبيان بدرجاته وعالواته ومرتبه وجزاءاته إىل غري ذلك من البيانات املتعلقة‬
‫حبالته الوظيفية‪ ،‬وكذلك وثائق السفر ومناذج الشهادات الدراسية واستمارات احلالة املدنية‬
‫والبطاقات العائلية والشصصية واستمارات التأمني واملعاشات وربط الضرائب واإليصاالت‬
‫املطبوعة وحماضر اإلصابات ورخص السيارات ورخص القيادة‪ ،‬إىل غري ذلك من النماذج‬
‫واألشكال املعدة سلفاً إلثبات خمتلف الوقائع اإلدارية واليت ختتلف من جهة ألخرى وفقاً‬
‫لطبيعة نشاطها اإلداري والوقائع اليت أعدت هذه األوراق إلثباهتا(‪.)1‬‬
‫وقد تأخذ الورقة اإلدارية صورة قرار إداري يف أي مرتبة أو شكل له‪ ،‬كقرار تنظيمي عام‬
‫مجهوري أو وزاري‪ ،‬أو الئحة صادرة من سلطة خمتصة‪ ،‬أو قرار فردي بالتعيني أو الرتقية أو‬
‫الفصل أو نزع امللكية للمنفعة العامة إىل غري ذلك من صور القرارات اإلدارية التنظيمية أو‬
‫الفردية‪ ،‬كما قد تأخذ الورقة صورة عقد حيتفظ به مبلف اإلدارة‪ ،‬وقد تكون الورقة من قبيل‬
‫املنشورات والتعليمات اإلدارية الداخلية لتنظيم سري العمل اإلداري وانضباطه‪ ،‬وميكن أن‬
‫تكون من قبيل احملاضر اإلدارية مثل حماضر اجللسات اخلاصة باحملاكم أو اللجان القضائية‬
‫أو اإلدارية أو حماضر االنتصاب أو حماضر الشرطة‪ ،‬وقد تكون تقارير فنية أو إدارية تتعلق‬
‫بسري العمل اإلداري أو بنشاط إداري أو فين معني‪ ،‬أو بأحد العاملني باإلدارة أو بغريه مثل‬
‫تقارير الكفاية أو التقارير اهلندسية أو احلسابية أو تقارير أجهزة األمن بالدولة‪.‬‬
‫ومن حيث صدورها فقد تصدر الورقة اإلدارية ابتداء من موظف خمتص مبقتضى أعمال‬
‫وظيفته سواء كانت نتيجة ملبادرة أم إجراء إجيايب سابق من شصص آخر‪ ،‬أم كانت من‬
‫قبيل مبادرة اإلدارة املنفردة كما هو الشأن يف القرارات اإلدارية والعقود‪ ،‬وميكن أن تصدر‬
‫الورقة ابتداءً يف صورة طلب من الفرد سواء أكان من العاملني بالدولة أو من غريهم مث تقدم‬
‫(‪ )1‬أمحد كمال الدين موسى‪ :‬مرجع سابق‪ ،‬ص ‪.91‬‬
‫‪11‬‬

‫لإلدارة سواء بالربيد العادي أو املسجل أو باليد إىل غري ذلك من الوسائل اليت تؤدي إىل‬
‫تأشري اإلدارة عليها و إثبات تاريخ ورودها عادة‪ ،‬وغري ذلك من مراحل وإجراءات اختذت‬
‫بشأهنا‪ ،‬مث حفظها ضمن ملفات اإلدارة سواء ارتبطت الورقة مبحررها أو مبقدمها شصصياً‬
‫أو بغريه(‪.)1‬‬
‫وعلى ذلك فإن مجيع الوقائع اإلدارية يتم إثباهتا يف حينها باألوراق اإلدارية‪ ،‬وعلى‬
‫املوظف دوماً إثبات مجيع الوقائع املتصلة بعمله فور حدوثها بدقة‪ ،‬وتسجيل ما يتصل‬
‫بنشاطه أوالً بأول يف األوراق بالطريقة املعدة لذلك‪ ،‬مع عدم االعتماد على ذاكرته‬
‫الشصصية‪ ،‬أو ذاكرة اآلخرين‪ ،‬وهبذا التسجيل تتكون على مر األيام الذاكرة اإلدارية‬
‫املوضوعية اليت يرجع إليها عند اللزوم(‪.)2‬‬
‫وحتفظ األوراق اإلدارية يف ملفاهتا بانتظام وتسلسل‪ ،‬وتتابع وفقاً لتارخيها على حسب‬
‫الوقائع الثابتة‪ ،‬كما أن طريقة احلفظ تستلزم االستعانة باملصتصني ممن هلم خربة ودراية كافية‬
‫مبثل هذا العمل‪ ،‬وعليه تعترب األوراق اإلدارية ذات أمهية بالغة يف إثبات الوقائع اإلدارية‬
‫وحتقيق اقتناع القاضي اإلداري بصحتها يف ظل نظام العمل باجلهاز اإلداري الذي يعتمد‬
‫على امللفات والسجالت‪ ،‬واليت تعترب أساس اإلثبات أمام القضاء اإلداري(‪ ،)3‬وحبسب‬
‫انتظام أوراق امللف وانضباطها وتسلسل أرقامها وتتابع توارخيها وترابط وقائعها تكون‬
‫حجيتها يف اإلثبات‪ ،‬مع مالحظة أن حجية األوراق اإلدارية يف اإلثبات تكون بالنسبة‬
‫للوقائع اليت تدخل العاملني املصتصني يف حتريرها كل يف حدود اختصاصه‪ ،‬مبا تضمنته من‬
‫بيانات وردت على لساهنم أو قاموا بتحريرها و إثباهتا يف نطاق اختصاصاهتم بشرط أال‬
‫تتعلق حبالتهم أو مصاحلهم الشصصية‪ ،‬أما عدا ذلك من البيانات فإهنا ال تكتسب أية‬
‫حجية وال تعد من البيانات الثابتة‪ ،‬كالبيانات الواردة على لسان أصحاب الشأن من األفراد‬
‫واألشصاص العاديني‪ ،‬فبيانات الورقة اإلدارية ال تكتسب حجة إال بالنسبة ملا يدونه املوظف‬
‫(‪ )1‬أمحد كمال الدين موسى ‪ :‬نظرية اإلثبات يف القانون اإلداري‪ .‬مرجع سابق‪ ،‬ص ‪.95‬‬
‫(‪ )2‬مصطفى كمال وصفي ‪ :‬أصول إجراءات القضاء اإلداري‪ .‬مرجع سابق‪ ،‬ص ‪ 335‬وما بعدها‪.‬‬
‫(‪ )3‬أمحد كمال الدين موسى ‪ :‬نظرية اإلثبات يف القانون اإلداري‪ .‬مرجع سابق‪ ،‬ص ‪.11‬‬
‫‪11‬‬

‫املصتص من بيانات عند ورودها إليه مثل تاريخ الوارد ورقمه وإحالتها إىل جهة معينة أو‬
‫املوافقة عليها أو حفظها إىل غري ذلك من التأشريات والتصرفات اليت تدون خبصوصها‪.‬‬
‫وظروف العمل اإلداري ومقتضيات حفظ األوراق اإلدارية حتت يد اإلدارة على هذا‬
‫النحو‪ ،‬جعلت طريق اإلثبات بالكتابة عن طريق األوراق اإلدارية الطريق األول لإلثبات أمام‬
‫القضاء اإلداري‪ ،‬تبعاً ملبدأ الكتابة يف املرافعات اإلدارية وذلك خالفاً ملا هو عليه أمام‬
‫القاضي العادي الذي يعتمد على املرافعات الشفهية واإلقرار واليمني إىل حد كبري(‪.)1‬‬
‫مما سبق يتضح امتياز اإلدارة حبيازهتا لألوراق اإلدارية وحفظها هلا بعيداً عن متناول‬
‫األفراد يف حني أهنا قد متس مراكزهم وأوضاعهم القانونية‪ ،‬وقد تتعلق حبقوقهم ومصاحلهم‬
‫الشصصية‪ ،‬وهي بذلك إذا اكتسبت مركز اخلصم يف الدعوى اإلدارية تكون مزودة سلفاً‬
‫بأدلة اإلثبات سواء بالنسبة هلا أو بالنسبة لغريها‪ ،‬يف الوقت الذي يقف فيه الفرد أمامها‬
‫جمرداً من األوراق اإلدارية‪ ،‬وقد ال يعلم ما سطر فيها من بيانات بصورة واضحة‪ ،‬وما إذا‬
‫كانت تلك البيانات يف صاحله أم ال‪ ،‬وبذلك يكون الفرد بطبيعة احلال أعزالً من أدلة‬
‫اإلثبات بصفة عامة وتكون اإلدارة يف وضع أفضل من حيث القوة واالستعداد عن الفرد‬
‫الذي يقدم ادعاءاته‪ ،‬يف حني ختلو يديه من األوراق اليت هي الدليل الرئيسي يف اإلثبات‪،‬‬
‫على خالف احلال يف القانون اخلاص حيث يعتمد الطرفان فيه على أدلة اإلثبات األخرى‬
‫غري الكتابية كالشهادة واليمني بصورة أساسية ومألوفة جبانب الكتابة‪ ،‬وتتساوى كل‬
‫األطراف يف شأن حصوهلا أو حيازهتا على أدلة اإلثبات‪.‬‬
‫الفرع الثاني‪ :‬امتياز المبادرة‪:‬‬
‫يقصد بامتياز املبادرة(‪ )2‬سلطة اإلدارة يف إصدار قرارات تنفيذية أو حق اإلدارة يف اختاذ‬
‫موقف معني حتدد به مركزها القانوين وحقوقها دون توقف على إرادة األفراد مبقتضى قرارات‬

‫(‪ )1‬أمحد كمال الدين موسى ‪ :‬مرجع سابق‪ ،‬ص ‪.91‬‬
‫(‪ )2‬أمحد كمال الدين موسى‪ :‬مرجع سابق‪ ،‬ص ‪.19‬‬
‫‪11‬‬


Aperçu du document bdroitn.alitbat alkadai....pdf - page 1/270
 
bdroitn.alitbat alkadai....pdf - page 2/270
bdroitn.alitbat alkadai....pdf - page 3/270
bdroitn.alitbat alkadai....pdf - page 4/270
bdroitn.alitbat alkadai....pdf - page 5/270
bdroitn.alitbat alkadai....pdf - page 6/270
 




Télécharger le fichier (PDF)


bdroitn.alitbat alkadai....pdf (PDF, 3.4 Mo)

Télécharger
Formats alternatifs: ZIP



Documents similaires


bibliographie 2015
bulletin 2011 verso
correction seance 1
communique cpcflnks recours 2015 n 2
support02 3
fichier pdf sans nom 3

Sur le même sujet..