bdroitn.attasarrofat addara... .pdf



Nom original: bdroitn.attasarrofat addara....pdf

Ce document au format PDF 1.4 a été généré par / iTextSharp™ 5.5.9 ©2000-2016 iText Group NV (AGPL-version); modified using iTextSharp™ 5.5.9 ©2000-2016 iText Group NV (AGPL-version), et a été envoyé sur fichier-pdf.fr le 16/01/2018 à 18:40, depuis l'adresse IP 41.249.x.x. La présente page de téléchargement du fichier a été vue 224 fois.
Taille du document: 474 Ko (34 pages).
Confidentialité: fichier public


Aperçu du document


‫الت�صرفات ال�ضارة يف‬
‫الو�صية‬
‫�إعداد‬
‫د‪�.‬أحمد بن �صالح �آل عبد ال�سالم‬
‫ع�ضو هيئة لبتدري�س بكلية امللك خالد الع�سكرية للحر�س الوطني‬

‫الت�صرفات ال�ضارة يف الو�صية الو�صية‬

‫املقدمة‬

‫�إن احلمد هلل‪ ،‬نحمده ون�ستعينه‪ ،‬ون�ستغفره ون�ستهديه‪ ،‬ونعوذ باهلل من �رشور‬
‫�أنف�سنا‪ ،‬ومن �سيئات �أعمالنا‪ ،‬من يهده اهلل فال م�ضل له‪ ،‬ومن ي�ضلل فال هادي‬
‫له‪ ،‬و�أ�شهد �أن ال �إله �إال اهلل وحده ال �رشيك له‪ ،‬و�أ�شهد �أن حممداً عبده ور�سوله‪،‬‬
‫�صلى اهلل عليه وعلى �آله و�صحبه و�سلم ت�سليماً كثرياً �إلى يوم الدين‪� ..‬أما بعد‪:‬‬
‫ف�إن �أولى ما يتناف�س فيه املتناف�سون‪ ،‬و�أحرى ما يت�سابق يف حلبة �سباقه املت�سابقون‪،‬‬
‫ما كان ب�سعادة العبد يف معا�شه ومعاده كفي ًال‪ ،‬وعلى طريق هذه ال�سعادة دلي ًال‪ ،‬وذلك‬
‫العلم النافع والعمل ال�صالح اللذان ال �سعادة للعبد �إال بهما‪ ،‬وال جناة له �إال بالتعلق‬
‫ب�سببهما‪ ،‬فمن رزقهما فقد فاز وغنم ‪ ,‬ومن حرمهما فاخلري كله حرم‪ ،‬وانطالقاً من‬
‫هذا املبد�أ فقد جاءت الكتابة يف هذا املو�ضوع املهم والذي من �أهم �أ�سباب اختياره‬
‫ما يلي‪:‬‬
‫‪ 1‬حاجة النا�س �إلى درا�سة متخ�ص�صة مبو�ضوع الت�رصف ال�ضار يف الو�صية‪ ،‬يدل‬
‫على ذلك كرثة �أ�سئلتهم عن كثري من م�سائل الو�صية‪� ،‬أ�ضف �إلى ذلك �أن املحاكم‬
‫تكرث فيها الق�ضايا التي تتعلق مبو�ضوع الو�صية والت�رصف فيها‪.‬‬
‫‪ 2‬جهل القائمني على الو�صايا‪ ،‬وت�رصفهم فيها ت�رصفاً �ضاراً‪ ،‬وخارجاً عن حدود‬
‫امل�صلحة‪.‬‬
‫‪ 3‬اعتداء بع�ض الأو�صياء‪ ،‬و�أولياء املو�صي على �أعيان الو�صية‪.‬‬
‫‪ 4‬ما وجد من م�شاكل بني الأقارب ب�سبب الت�رصف اخلاطئ يف الو�صية‪.‬‬
‫فلهذه الأ�سباب وغريها‪ ،‬ا�ستعنت باهلل عز وجل يف كتابة هذا البحث‪ ،‬و�إين‬

‫‪170‬‬

‫العدد ‪ - 55‬رجب ‪1433‬هـ ‪ -‬ال�سنة الرابعة ع�شرة‬

‫د‪�.‬أحمد بن �صالح �آل عبد ال�سالم‬

‫�أ�س�أل اهلل �أن �أكون قد وفقت يف عملي هذا‪ ،‬و�أن يجعله خال�صاً لوجهه‪� ،‬صواباً على‬
‫�سنة نبيه �صلى اهلل عليه و�سلم ‪ ،‬و�آخر دعوانا �أن احلمد هلل رب العاملني‪.‬‬
‫املطلب الأول‪ :‬تعريف الو�صية‬

‫تعريف الو�صية لغة‪ :‬م�أخوذة يف اللغة من و�صيت ال�شيء �آ�صيه‪� ،‬إذا و�صلته‪،‬‬
‫و�سميت بذلك؛ لأن امليت و�صل ما كان فيه من �أمر حياته مبا بعده من �أمر مماته‪.‬‬
‫و�صى‪ ،‬و�أو�صى‪ ،‬مبعنى واحد‪ ،‬واال�سم الو�صية‪ ،‬والو�صاة(((‪ ،‬ثم �إن‬
‫ويقال‪َّ :‬‬
‫الو�ص ِّية تطلق يف اللغة على الأمر‪ ،‬كما قال تعالى‪ :‬ﮋ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮊ((( ‪.‬‬
‫وقوله‪ :‬ﮋﯾ ﯿ ﰀ ﮊ((( �أي �أمركم به‪.‬‬
‫و�صى‪ ،‬و�أو�صى �إليه‪� ،‬أي‪ :‬عهد �إليه(((‪.‬‬
‫وتطلق الو�صية كذلك على العهد‪ ،‬يقال‪َّ :‬‬
‫الو�صية ا�صطالحاً‪ :‬عرفها الفقهاء بتعاريف خمتلفة‪ ،‬وباعتبارات خمتلفة‪ ،‬حتى‬
‫�إننا جند لفقهاء املذهب الواحد �أكرث من تعريف‪.‬‬
‫تعريف احلنفية‪:‬عرفها احلنفية بتعاريف‪ ،‬من �أ�شهرها هذا التعريف ب�أنها‪ :‬متليك‬
‫م�ضاف �إلى ما بعد املوت على �سبيل التربع‪ ،‬عيناً كان �أو منفعة(((‪.‬‬
‫وعرفها املالكية ب�أنها‪ :‬عقد يوجب حقاً يف ثلث مال عاقد يلزم مبوته(((‪.‬‬
‫وعرفها ال�شافعية ب�أنها‪ :‬تربع بحق‪ ،‬م�ضاف ولو تقديراً ملا بعد املوت(((‪.‬‬
‫((( انظر‪ :‬ل�سان العرب ‪ ،395/15‬والقامو�س املحيط �ص‪ ،1731‬وامل�صباح املنري ‪.262/2‬‬
‫((( �سورة البقرة من الآية ‪.132‬‬
‫((( �سورة الأنعام من الآية ‪.151‬‬
‫((( انظر‪ :‬املطلع �ص‪.264‬‬
‫((( انظر ‪ :‬فتح القدير ‪ ،416/8‬وحا�شية ابن عابدين ‪ ،648/6‬والبحر الرائق ‪.459/8‬‬
‫((( انظر ‪ :‬تبيني امل�سالك ‪ ،554/4‬وحا�شية الد�سوقي على ال�شرح الكبري ‪.422/4‬‬
‫((( انظر ‪ :‬مغني املحتاج ‪ ،38/3‬ونهاية املحتاج ‪ ،39/6‬واملهذب ‪.704/3‬‬

‫العدد ‪ - 55‬رجب ‪1433‬هـ ‪ -‬ال�سنة الرابعة ع�شرة‬

‫‪171‬‬

‫الت�صرفات ال�ضارة يف الو�صية الو�صية‬

‫وعرفها احلنابلة ب�أنها‪ :‬الأمر بالت�رصف بعد املوت‪� ،‬أو التربع باملال بعده(((‪.‬‬
‫فالتعريف الأول والثاين اقت�رص على الو�صية مبعنى التربع باملال‪� ،‬إذا �أ�ضيف �إلى‬
‫ما بعد املوت‪ ،‬وال ت�شمل جعل الغري و�صياً على �أوالده مبوته‪ ،‬وال ت�شمل الو�صية‬
‫ب�أداء الواجبات عليه كاحلج والزكاة ورد الودائع‪.‬‬
‫والتعريف الثاين والرابع ي�شمل الو�صية والإي�صاء‪ ،‬ويجمع بينهما(((‪.‬‬
‫وميكن �أن ن�ستخل�ص من هذه التعاريف تعريفاً للو�صية وهو‪ :‬ت�رصف يف الرتكة‬
‫م�ضاف �إلى ما بعد املوت‪ ،‬فهذا التعريف ي�شمل التعاريف ال�سابقة كلها‪ ،‬لأنه ي�شمل‬
‫كل �رضوب الو�صايا‪ ،‬فهو ي�شمل ما �إذا كان املو�صى به ما ًال‪� ،‬أو منفعة‪ ،‬واملو�صى‬
‫له من �أهل التملك كالو�صية للأ�شخا�ص املعينني باال�سم‪� ،‬أو بال�صفة‪� ،‬أو مل يكن من‬
‫�أهل التملك كالو�صية للجهات اخلريية مثل امل�ساجد وغريها‪ ،‬وي�شمل ما �إذا كان‬
‫املو�صى‬
‫املو�صى به �إ�سقاطاً حم�ضاً كالو�صية ب�إبراء الكفيل من الكفالة‪ ،‬وما �إذا كان‬
‫َ‬
‫به حقاً من احلقوق التي لي�ست ما ًال وال منفعة‪ ،‬وال �إ�سقاطاً‪ ،‬ولكن حق مايل لتعلقه‬
‫باملال‪ ،‬كالو�صية بت�أجيل الدين ّ‬
‫احلال‪� ،‬أو الو�صية ب�أن يباع ماله من فالن‪ ،‬وكالو�صية‬
‫بتق�سيم الرتكة(‪.((1‬‬
‫املطلب الثاين‪ :‬م�شروعية الو�صية‪ ،‬و�أدلتها‬

‫الو�صية م�رشوعة‪ ،‬ودل على م�رشوعيتها الكتاب‪ ،‬وال�سنة‪ ،‬والإجماع‪.‬‬
‫‪ -1‬فمن �أدلة الكتاب‪:‬‬
‫�أ‪ -‬قوله تعالى‪ :‬ﮋ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ‬
‫((( انظر ‪ :‬املغني ‪ ،389/8‬وال�شرح الكبري ‪ ،514/3‬واملبدع ‪ ،3/6‬واملطلع �ص‪.294‬‬
‫((( انظر ‪ :‬كتاب الفرائ�ض واملواريث والو�صايا د‪/‬حممد الزحيلي �ص‪.401‬‬
‫(‪ ((1‬انظر ‪� :‬أحكام الو�صايا يف الفقه الإ�سالمي د‪/‬علي الربيعة �ص‪.41‬‬

‫‪172‬‬

‫العدد ‪ - 55‬رجب ‪1433‬هـ ‪ -‬ال�سنة الرابعة ع�شرة‬

‫د‪�.‬أحمد بن �صالح �آل عبد ال�سالم‬

‫ﯨ ﯩﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﮊ(‪. ((1‬‬
‫ب ‪-‬وجعل اهلل تعالى اعتبار الو�صية قبل املرياث فقال تعالى‪ :‬ﮋ ﭦ ﭧ ﭨ‬
‫ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﮊ(‪.((1‬‬
‫وجه اال�ستدالل بهذه الآية‪� :‬أنه �سبحانه وتعالى قرن الو�صية بالدين الواجب‬
‫الأداء‪ ،‬فدل ذلك على االهتمام بها‪ ،‬ولأن النف�س قد ال ت�سمح بها لكونها تربعاً‪� ،‬أو‬
‫لأنها كانت على وجه الرب وال�صلة‪ ،‬وقد تكون من حظ الفقري‪� ،‬أما الدين ف�إنه من‬
‫حظ الغرمي‪ ،‬ويطلبه بالقوة‪ ،‬و�إال ف�إن الدين مقدم عليها �رشعاً بعد م�ؤونة التجهيز بال‬
‫نزاع(‪.((1‬‬
‫‪- 2‬من ال�سنة‪:‬‬

‫عن ابن عمر ر�ضي اهلل عنهما قال‪ :‬قال ر�سول اهلل �صلى اهلل عليه و�سلم‪« :‬ما حق‬
‫امرئ م�سلم له �شيء يريد �أن يو�صي فيه يبيت ليلتني �إال وو�صيته مكتوبة عنده»‪.‬‬
‫علي ليلة منذ �سمعت ر�سول اهلل ‪� -‬صلى اهلل عليه‬
‫قال عبداهلل بن عمر‪ :‬ما مرت َّ‬
‫و�سلم ‪ -‬قال ذلك‪� ،‬إال وعندي و�صيتي (‪.((1‬‬
‫وجه اال�ستدالل من احلديث‪:‬كما قال النووي(‪ :((1‬فيه احلث على الو�صية (‪.((1‬‬
‫‪- 3‬الإجماع‪:‬‬

‫وقد �أجمع العلماء على م�رشوعيتها‪ ،‬وممن نقل �إجماعهم ابن قدامة(‪ ،((1‬كما يف‬
‫(‪� ((1‬سورة البقرة من الآية ‪.180‬‬
‫(‪� ((1‬سورة الن�ساء من الآية ‪.12‬‬
‫(‪ ((1‬انظر ‪ :‬تف�سري القر�آن العظيم البن كثري ‪ ،199/2‬واجلامع لأحكام القر�آن للقرطبي ‪50/5‬‬
‫(‪� ((1‬أخرجه البخاري يف الو�صايا برقم ‪ 2738‬وم�سلم يف �أول كتاب الو�صية برقم ‪.1627‬‬
‫(‪ ((1‬النووي هو‪ :‬حميي الدين �أبو زكريا النووي‪ ،‬ولد بنوى عام ‪631‬هـ له ت�صانيف كثرية منها‪� :‬شرح �صحيح م�سلم‪،‬‬
‫وريا�ض ال�صاحلني‪ ،‬تويف �سنة ‪676‬هـ‪ .‬انظر ترجمته يف‪ :‬طبقات ال�شافعية الكربى ‪ ،395/8‬وتذكرة احلفاظ ‪.1470/4‬‬
‫(‪ ((1‬انظر ‪� :‬شرح �صحيح م�سلم للنووي ‪.74/11‬‬
‫(‪ ((1‬ابن قدامة هو ‪ :‬عبداهلل بن �أحمد بن حممد بن قدامة املقد�سي‪� ،‬أبو حممد‪ ،‬موفق الدين‪ ،‬ولد �سنة ‪541‬هـ من كبار فقهاء‬
‫احلنابلة‪ ،‬من م�صنفاته‪ :‬املغني‪ ,‬والكايف‪ ،‬واملقنع‪ ،‬والعمدة‪ ،‬تويف �سنة ‪620‬هـ‪.‬انظر ترجمته يف‪� :‬سري �أعالم النبالء ‪.165/22‬‬

‫العدد ‪ - 55‬رجب ‪1433‬هـ ‪ -‬ال�سنة الرابعة ع�شرة‬

‫‪173‬‬

‫الت�صرفات ال�ضارة يف الو�صية الو�صية‬

‫املغني(‪ ،((1‬حيث قال‪« :‬و�أجمع العلماء يف جميع الأم�صار على جواز الو�صية» �أ‪.‬هـ‬
‫وقال النووي‪« :‬وقد �أجمع امل�سلمون على الأمر بها(‪.»((1‬‬
‫املطلب الثالث‪ :‬حكم الو�صية‬

‫اختلف العلماء يف حكم الو�صية على قولني‪:‬‬
‫القول الأول‪:‬‬

‫ذه��ب جماهري �أه��ل العلم من احلنفية(‪ ،((2‬وامل��ال��ك��ي��ة(‪ ،((2‬وال�شافعية(‪،((2‬‬
‫واحلنابلة(‪� ،((2‬إلى �أن الو�صية مندوبة ولي�ست بواجبة‪� ،‬إال �إذا كان عند املو�صي‬
‫ودائع‪� ،‬أو عليه ديون‪ .‬مبعنى عنده حق �أو عليه حق‪.‬‬
‫وقد ا�ستدل �أ�صحاب هذا القول بعدة �أدلة منها‪:‬‬
‫‪ 1‬ما روته عائ�شة ‪ -‬ر�ضي اهلل عنها ‪ -‬قالت‪ :‬ما ترك ر�سول اهلل ‪� -‬صلى اهلل عليه‬
‫و�سلم ‪ -‬ديناراً‪ ،‬وال درهماً‪ ،‬وال �شاة‪ ،‬وال بعرياً‪ ،‬وال و�صى ب�شيء(‪.((2‬‬
‫وجه الداللة من هذا احلديث‪:‬‬

‫�إن الو�صية لو كانت واجبة ما تركها ر�سول اهلل �صلى اهلل عليه و�سلم ‪ ،‬وكذلك‬
‫حديث ابن عمر املتقدم‪ ،‬وفيه قوله �صلى اهلل عليه و�سلم ‪« :‬له �شيء يريد �أن يو�صي‬
‫(‪ ((1‬انظر‪ :‬املغني ‪.390/8‬‬
‫(‪ ((1‬انظر‪� :‬شرح �صحيح م�سلم للنووي ‪.74/11‬‬
‫(‪ ((2‬انظر‪ :‬املب�سوط ‪ 142/27‬وبدائع ال�صنائع ‪.330/7‬‬
‫(‪ ((2‬انظر‪ :‬مواهب اجلليل ‪ ،364/6‬والإ�شراف ‪ ،316/2‬والذخرية ‪.5/7‬‬
‫(‪ ((2‬انظر‪ :‬احلاوي الكبري ‪ ،186/8‬ورو�ضة الطالبني ‪ ،97/6‬ومغني املحتاج ‪.39/3‬‬
‫(‪ ((2‬انظر‪ :‬الهداية ‪ ،213/1‬والإف�صاح ‪ ،70/‬واملغني ‪ 390/8‬و‪.391‬‬
‫(‪ ((2‬رواه م�سلم يف �صحيحه يف كتاب الو�صية‪ ،‬يف باب ترك الو�صية ملن لي�س له �شيء يو�صي فيه‪.‬‬

‫‪174‬‬

‫العدد ‪ - 55‬رجب ‪1433‬هـ ‪ -‬ال�سنة الرابعة ع�شرة‬

‫د‪�.‬أحمد بن �صالح �آل عبد ال�سالم‬

‫فيه»(‪� ((2‬إذ لو كانت الو�صية واجبة ملا علقت على �إرادة املو�صي(‪.((2‬‬
‫القول الثاين‪:‬‬

‫�أن الو�صية واجبة ملن ترك ما ًال‪ ،‬وهو قول داود الظاهري(‪ ،((2 ((2‬وابن جرير‬
‫الطربي(‪ ،((3 ((2‬واجل�صا�ص(‪ ،((3 ((3‬وهو قول لل�شافعي يف القدمي(‪.((3‬‬

‫�أدلة هذا القول‪:‬‬

‫‪ 1‬قوله تعالى‪:‬‬

‫ﮋﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ‬

‫ﯨ ﯩﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﮊ(‪. ((3‬‬
‫‪ 2‬ا�ستدلوا بحديث ابن عمر ر�ضي اهلل عنهما ‪� ،‬أن النبي �صلى اهلل عليه و�سلم‬
‫قال‪« :‬ما حق امرئ م�سلم له �شيء يريد �أن يو�صي فيه يبيت ليلتني �إال وو�صيته‬
‫مكتوبة عنده»(‪.((3‬‬
‫وقد �أجاب �أ�صحاب القول الأول على هذه الأدلة فقالوا‪:‬‬
‫‪- 1‬بالن�سبة للآية التي ا�ستدلوا بها وهي قوله تعالى‪ :‬ﮋ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ‬
‫(‪� ((2‬سبق تخريجه يف �ص ‪.11‬‬
‫(‪ ((2‬انظر ‪ :‬جامع �أحكام الو�صايا وفقهها �ص‪.28‬‬
‫(‪ ((2‬كما يف املحلى ‪.312/6‬‬
‫(‪ ((2‬داود الظاهري هو‪ :‬داود بن علي بن خلف‪ ،‬الأ�صبهاين‪ ،‬الظاهري‪� ،‬أبو �سليمان‪� ،‬إمام �أهل الظاهر‪ ،‬ولد �سنة ‪202‬هـ تويف‬
‫�سنة ‪270‬هـ‪ .‬انظر ترجمته يف‪� :‬سري �أعالم النبالء ‪.97/13‬‬
‫(‪ ((2‬كما يف تف�سري الطربي ‪.396/3‬‬
‫(‪ ((3‬ابن جرير هو‪ :‬حممد بن جرير بن يزيد الطربي‪� ،‬أبو جعفر �صاحب الت�صانيف البديعة‪ ،‬ولد �سنة ‪244‬هـ تويف رحمه‬
‫اهلل تعالى �سنة ‪310‬هـ‪ .‬انظر ترجمته يف‪� :‬سري �أعالم النبالء‬
‫(‪ ((3‬اجل�صا�ص هو‪� :‬أحمد بن علي �أبو بكر الرازي‪ ،‬املعروف باجل�صا�ص‪ ،‬ولد �سنة ‪305‬هـ من ت�صانيفه ‪� :‬أحكام القر�آن‪،‬‬
‫وغريه‪ ،‬تويف �سنة ‪370‬هـ انظر ترجمته يف‪ :‬البداية والنهاية ‪.256/11‬‬
‫(‪ ((3‬كما يف �أحكام القر�آن للج�صا�ص ‪.200/1‬‬
‫(‪ ((3‬انظر ‪ :‬احلاوي الكبري ‪.186/8‬‬
‫(‪� ((3‬سورة البقرة من �آية ‪.180‬‬
‫(‪� ((3‬سبق تخريجه‪.‬‬

‫العدد ‪ - 55‬رجب ‪1433‬هـ ‪ -‬ال�سنة الرابعة ع�شرة‬

‫‪175‬‬

‫الت�صرفات ال�ضارة يف الو�صية الو�صية‬

‫ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﮊ‪ ،‬فقد‬
‫ن�سختها �آية املواريث‬
‫كما ذكر ذلك ابن عبا�س ر�ضي اهلل عنهما (‪.((3‬‬
‫‪- 2‬و�أما حديث ابن عمر ر�ضي اهلل عنهما ف�إن قول النبي �صلى اهلل عليه و�سلم‪:‬‬
‫«له �شيء يريد �أن يو�صي فيه» �إذ لو كانت الو�صية واجبة ملا ع ّلقت على �إرادة‬
‫املو�صي‪ ،‬ولكان ذلك الزماً على كل حال‪ ،‬ولكن املق�صود من احلديث احلث على‬
‫املبادرة بكتابة الو�صية(‪.((3‬‬
‫وبهذا يتبني �أن الراجح ‪ -‬واهلل �أعلم ‪ -‬هو قول جماهري �أهل العلم‪ ،‬ب�أن الو�صية‬
‫مندوبة ال واجبة‪.‬‬
‫يقول احلافظ ابن كثري(‪ ((3‬رحمه اهلل يف قوله تعالى‪ :‬ﮋ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ‬
‫ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯮ ﮊ(‪ ((3‬ا�شتملت الآية الكرمية على الأمر‬
‫بالو�صية للوالدين والأقربني‪ ،‬وقد كان ذلك واجباً على �أ�صح القولني قبل نزول‬
‫�آية املواريث‪ ،‬فلما نزلت �آية الفرائ�ض ن�سخت هذه‪ ،‬وجاءت املواريث املقدرة‬
‫فري�ضة من اهلل ي�أخذها �أهلوها حت ًما من غري و�صية»(‪� .((4‬أ‪.‬هـ‪.‬‬
‫وقد نقل الإجماع على �أن الو�صية م�ستحبة ابن عبد الرب(‪ ((4‬كما يف التمهيد‬
‫حيث قال‪ :‬وقد �أجمع العلماء على �أن الو�صية غري واجبة على �أحد‪� ،‬إال‬
‫(‪ ((3‬كما يف البخاري كتاب الو�صايا برقم ‪.2747‬‬
‫(‪ ((3‬انظر ‪� :‬أحكام الو�صايا يف الفقه الإ�سالمي �ص‪.406‬‬
‫(‪ ((3‬ابن كثري هو ‪� :‬إ�سماعيل بن عمر بن كثري‪� ،‬أبو الفداء‪ ،‬الب�صروي ثم الدم�شقي‪ ،‬ولد ‪701‬هـ وتويف �سنة ‪774‬هـ من‬
‫ت�صانيفه‪ :‬تف�سري القر�آن العظيم‪ ،‬والبداية والنهاية‪ .‬انظر ترجمته يف‪� :‬شذرات الذهب ‪ ،231/6‬والبداية والنهاية ‪،125/22‬‬
‫ومعجم امل�ؤلفني ‪.283/2‬‬
‫(‪� ((3‬سورة البقرة من الآية ‪.180‬‬
‫(‪ ((4‬انظر ‪ :‬تف�سري القر�آن العظيم البن كثري ‪.302/1‬‬
‫(‪ ((4‬انظر‪ :‬التمهيد ‪.292/14‬‬

‫‪176‬‬

‫العدد ‪ - 55‬رجب ‪1433‬هـ ‪ -‬ال�سنة الرابعة ع�شرة‬

‫د‪�.‬أحمد بن �صالح �آل عبد ال�سالم‬

‫�أن يكون عليه دين‪� ،‬أو تكون عنده وديعة و�أمانة فيو�صي بذلك ……‬
‫ثم قال‪ :‬وقد �شذت طائفة ف�أوجبت الو�صية‪ ،‬ال يعدون خالفاً على اجلمهور‪�.‬أ‪.‬هـ‬
‫املبحث الثاين‪ :‬تعريف الت�صرف و�أنواعه‬

‫وفيه مطلبان‪:‬‬
‫املطلب الأول‪ :‬تعريف الت�صرف‬
‫�أو ًال‪ :‬معنى الت�صرف لغة‪:‬‬

‫الت�رصف‪ :‬م�صدر ت� ّرصف‪ ،‬يت�رصف‪ ،‬ت�رصفاً‪ ،‬وهو من ال� ّرصف‪ ،‬وهو يف اللغة‬
‫يطلق عليه احليلة والتجربة‪ ،‬ومن قولهم‪� :‬أن فالناً يت�رصف يف الأمور(‪.((4‬‬
‫ويطلق كذلك على التقلب يف الأمور وطلب الك�سب يقال‪� :‬رصفته يف الأمر‬
‫ت�رصيفاً فت�رصف‪ ،‬قلبته فتقلب‪ ،‬وا�صطرف ت�رصفاً يف طلب الك�سب لعياله(‪،((4‬‬
‫ويطلق كذلك على التبيني والتو�ضيح‪ ،‬ﮋﯴﯵﮊ(‪� ((4‬أي بيناها‪ ،‬وت�رصيف‬
‫الآيات تبيينها‪ ،‬وت�رصيف الدراهم �إنفاقها‪ ،‬وت�رصيف الكالم ا�شتقاق بع�ضه من‬
‫بع�ض‪ ،‬وت�رصيف الرياح حتويلها من وجه �إلى وجه(‪.((4‬‬
‫ثاني ًا‪ :‬تعريف الت�صرف يف اال�صطالح‪:‬‬

‫مل �أجد يف كتب الفقهاء املتقدمني تعريفاً للت�رصف فيما اطلعت عليه‪ ،‬و�إن كانوا‬
‫قد تعر�ضوا لتق�سيمه وبيان �أنواعه كما فعل القرايف(‪.((4‬‬
‫(‪ ((4‬ال�صحاح للجوهري ‪ 1385/4‬مادة �صرف‪.‬‬
‫(‪ ((4‬القامو�س املحيط ‪ ،167/3‬ول�سان العرب ‪90/12‬ـ‪.91‬‬
‫(‪� ((4‬آية ‪ 27‬من �سورة الأحقاف‪.‬‬
‫(‪ ((4‬ل�سان العرب ‪ ،91/12‬وتهذيب اللغة ‪.161/12‬‬
‫(‪ ((4‬القرايف‪ :‬هو �أحمد بن �إدري�س بن عبدالرحمن‪ ،‬القرايف‪ ،‬تويف �سنة ‪674‬هـ من ت�صانيفه الفروق يف القواعد الفقهية‪.‬‬
‫انظر ترجمته يف الديباج �ص‪ ،62‬والأعالم ‪.94/1‬‬

‫العدد ‪ - 55‬رجب ‪1433‬هـ ‪ -‬ال�سنة الرابعة ع�شرة‬

‫‪177‬‬

‫الت�صرفات ال�ضارة يف الو�صية الو�صية‬

‫وقد تعر�ض لتعريف الت�رصف كثري من املعا�رصين منهم ال�شيخ حممد �أبو زهرة‬
‫حيث قال‪� :‬إن الت�رصف ال�رشعي هو‪ :‬كل ما يكون من ت�رصفات ال�شخ�ص القولية‪،‬‬
‫ويرتب عليه ال�شارع �أثراً �رشعياً(‪.((4‬‬
‫ويقول الدكتور ح�سن ال�شاذيل يف تعريف الت�رصف‪ :‬يراد بالت�رصف يف‬
‫اال�صطالح‪ ،‬ما ي�صدر عن الإن�سان من قول �أو عمل ويرتب عليه ال�شارع �أثراً من‬
‫الآثار‪� ،‬سواء كان ذلك مت�ضمناً �إرادة �إن�شاء حق من احلقوق �أم ال‪ ،‬و�سواء كان الأثر‬
‫املرتتب يف �صالح من �صدر عنه القول �أو العمل‪� ،‬أم يف �صالح غريه‪� ،‬أو كان فيه‬
‫�رضر له(‪.((4‬‬
‫ويقول الدكتور �أحمد فراج يف تعريف الت�رصف‪ :‬ب�أنه ما ي�صدر من ال�شخ�ص‬
‫املميز ب�إرادته قو ًال وفع ًال‪ ،‬ويرتب عليه ال�شارع نتيجة ما‪ ،‬وهو ي�شمل االلتزام‬
‫والعقد ؛ لأنه قد يكون فيه التزام ب�إن�شاء حق كما يف الوقف والبيع والهبة‪ ،‬وقد‬
‫يت�ضمن �إ�سقاط حق من احلقوق الثابتة كما يف الإبراء من الدين والتنازل عن حق‬
‫ال�شفعة‪ ،‬وقد يكون خالياً من كل ذلك كاليمني والإقرار بحق �سابق‪ ،‬ف�إنه �إخبار‬
‫بثبوت حق ولي�س �إن�شاء االلتزام �أو �إ�سقاط له(‪.((4‬‬
‫ومن جمموع هذه التعاريف ن�ستطيع �أن نقول‪:‬‬
‫�أن الت�رصف هو‪ :‬ما ي�صدر عن ال�شخ�ص ب�إرادته‪ ،‬ويرتب عليه ال�شارع �أثراً‬
‫�رشعياً‪� ،‬سواء كان من جانب واحد �أو من جانبني‪ ،‬نق ًال �أو �إ�سقاطاً‪ ،‬قو ًال �أو فع ًال‪،‬‬
‫نافعاً لهذا ال�شخ�ص �أو �ضاراً له(‪.((5‬‬
‫(‪ ((4‬امللكية ونظرية العقد ملحمد �أبو زهرة �ص‪.201‬‬
‫(‪ ((4‬نظرية ال�شرط يف الفقه الإ�سالمي د‪.‬ح�سن ال�شاذيل �ص‪.39‬‬
‫(‪ ((4‬امللكية ونظرية العقد د‪�.‬أحمد فراج �ص‪.141‬‬
‫(‪ ((5‬يراجع يف اختيار هذا التعريف ر�سالة الت�صرف يف الوقف د‪.‬الغ�صن ‪.49/1‬‬

‫‪178‬‬

‫العدد ‪ - 55‬رجب ‪1433‬هـ ‪ -‬ال�سنة الرابعة ع�شرة‬

‫د‪�.‬أحمد بن �صالح �آل عبد ال�سالم‬
‫املطلب الثاين‪� :‬أنواع الت�صرف‬

‫�أ ‪ -‬الت�رصف الفعلي‪ :‬ما كان م�صدره عم ًال فعلياً غري الل�سان‪ ،‬مبعنى �أنه يح�صل‬
‫بالأفعال ال بالأقوال‪ ،‬ومن �أمثلته‪ :‬الغ�ضب فهو فعل ولي�س بقول‪ ،‬ومن الأمثلة‬
‫كذلك‪ :‬قب�ض البائع الثمن من امل�شرتي وت�سلم امل�شرتي املبيع من البائع‪ ،‬وهكذا‬
‫�سائر الت�رصفات التي يعتمد املت�رصف يف مبا�رشتها على الأفعال دون الأقوال‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الت�رصف القويل هو‪ :‬الذي يكون من�ش�أه اللفظ دون الفعل وما يقوم مقامه‬
‫من الكتابة والإ�شارة(‪.((5‬‬
‫ويق�سم القرايف الت�رصفات يف احلقوق والأمالك �إلى ق�سمني هما‪:‬‬
‫الق�سم الأول‪ :‬النقل‪ :‬وهو ت�رصف يفتقر �إلى القبول‪ ،‬وينق�سم �إلى ثالثة �أمور‪:‬‬
‫‪ _1‬نقل بعو�ض يف الأعيان‪ ،‬كالبيع والقر�ض‪.‬‬
‫‪ _2‬نقل بعو�ض يف املنافع كالإجارة‪ ،‬وامل�ساقاة‪ ،‬واملزارعة‪ ،‬والقرا�ض‪ ،‬واجلعالة‪.‬‬
‫‪ _3‬نقل بغري عو�ض‪ ،‬كالهدايا‪ ،‬والو�صايا‪ ،‬والعمرة‪ ،‬والوقف على معني‪،‬‬
‫والهبات‪.‬‬
‫الق�سم الثاين‪ :‬الإ�سقاط‪ :‬وهو ت�رصف ال يفتقر �إلى القبول‪ ،‬وينق�سم �إلى ق�سمني‬
‫‪�1)1‬إ�سقاط بعو�ض‪ :‬كاخللع‪ ،‬والعفو على مال‪ ،‬والكتابة‪ ،‬وبيع العبد من نف�سه‪،‬‬
‫وال�صلح على الدين‪ ،‬والتعزير‪ ،‬فجميع هذه ال�صور ي�سقط فيها الثابت‪ ،‬وال‬
‫ينتقل �إلى الباذل ما كان ميلكه املبذول له من الع�صمة‪ ،‬وبيع العبد‪.‬‬
‫‪�2)2‬إ�سقاط بغري عو�ض‪ :‬كالإبراء من الديون‪ ،‬والق�صا�ص‪ ،‬والتعزير‪ ،‬وحد‬
‫القذف‪ ،‬والطالق‪ ،‬والعتاق‪ ،‬و�إيقاف امل�ساجد وغريها‪ ،‬فجميع هذه ال�صور‬
‫ي�سقط فيها الثابت وال ينتقل لغري الأول(‪.((5‬‬
‫(‪ ((5‬انظر ‪ :‬املنثور يف القواعد للزرك�شي ‪.300،301،302/1‬‬
‫(‪ ((5‬الفروق للقرايف ‪ 110/2‬الفرق التا�سع وال�سبعون‪.‬‬

‫العدد ‪ - 55‬رجب ‪1433‬هـ ‪ -‬ال�سنة الرابعة ع�شرة‬

‫‪179‬‬

‫الت�صرفات ال�ضارة يف الو�صية الو�صية‬

‫وبعد هذا العر�ض ال�رسيع لتعريف الت�رصف وبيان �أنواعه و�أق�سامه يت�ضح لنا‬
‫�أن هناك ت�رصفات �ضارة وت�رصفات نافعة‪.‬‬
‫و�سوف �أتناول يف بحثي هذا بع�ض الت�رصفات ال�ضارة التي تقع على الو�صية‬
‫الو�صي‪.‬‬
‫�إما من املو�صي نف�سه �أو من‬
‫ِّ‬
‫املبحث الثالث‪� :‬أهم الدرا�سات والبحوث يف مو�ضوع الو�صية‬

‫‪�- 1‬أحكام الو�صايا والأوقاف للدكتور‪ :‬بدران �أبي العينني بدران‪ ،‬النا�رش‬
‫م�ؤ�س�سة �شباب اجلامعة يف م�رص‪.‬‬
‫‪�- 2‬أحكام الو�صايا والأوقاف ملحمد م�صطفى �شلبي‪ ،‬مطبعة دار الت�أليف‬
‫مب�رص‪.‬‬
‫‪�- 3‬أحكام الو�صايا يف الفقه الإ�سالمي للدكتور علي الربيعة‪ ،‬ر�سالة دكتوراه‬
‫من جامعة الإمام حممد بن �سعود الإ�سالمية‪.‬‬
‫‪�- 4‬أحكام الو�صية يف الفقه الإ�سالمي‪ ،‬ل�سعود الع�سكر‪ ،‬ماج�ستري من‬
‫جامعة الإمام حممد بن �سعود الإ�سالمية‪.‬‬
‫‪�- 5‬أحكام الو�صية يف الإ�سالم ملحمد الهاليل‪ ،‬ماج�ستري من جامعة الإمام‬
‫حممد بن �سعود الإ�سالمية‪.‬‬
‫‪- 6‬جامع �أحكام الو�صايا وفقهها ملحمد بن عبده‪ ،‬دار الفاروق مب�رص‪.‬‬
‫‪- 7‬الو�صية و�أحكامها يف الفقه الإ�سالمي ملحمد جعفر‪ ،‬دار الرتاث‪ ،‬لبنان‪.‬‬
‫‪- 8‬الو�صية يف القر�آن‪ ،‬لأن�س طباره ‪ ,‬ر�سالة دكتوراه يف جامعة �أم القرى‪.‬‬
‫‪- 9‬الو�صية باملنافع يف الفقه الإ�سالمي خلالد ال�شربمي‪ ،‬ر�سالة ماج�ستري من‬
‫جامعة الإمام حممد بن �سعود الإ�سالمية‪.‬‬

‫‪180‬‬

‫العدد ‪ - 55‬رجب ‪1433‬هـ ‪ -‬ال�سنة الرابعة ع�شرة‬

‫د‪�.‬أحمد بن �صالح �آل عبد ال�سالم‬
‫الف�صل الأول‬
‫الت�صرفات ال�ضارة يف الو�صية من جهة املو�صي‪.‬‬

‫وفيه �ستة مباحث‪:‬‬
‫املبحث الأول‪ :‬الو�صية بجميع املال يف مر�ض املوت‬

‫وفيه مطلبان‪:‬‬
‫املطلب الأول‪ :‬الو�صية بجميع ماله يف مر�ض املوت‪ ،‬من �أجل الإ�ضرار بالورثة‪.‬‬

‫وهذه الو�صية و�صية جنف وظلم ولذلك فهي باطلة ومما يدل على ذلك‪:‬‬
‫قول النبي �صلى اهلل عليه و�سلم ل�سعد بن �أبي وقا�ص ر�ضي اهلل عنه حينما‬
‫�أو�صى مباله كله يف مر�ضه الذي ظن �أنه �سيموت فيه‪ ،‬قال له النبي �صلى اهلل عليه‬
‫و�سلم ‪« :‬ال» قال‪ :‬ال�شطر قال‪« :‬ال»‪ ،‬قال‪« :‬الثلث»‪ ،‬قال‪« :‬الثلث‪ ،‬والثلث كثري‪،‬‬
‫�إنك �أن تذر ورثتك �أغنياء خري من �أن تذرهم عالة يتكففون النا�س»(‪.((5‬‬
‫ولهذا يقول ابن عبا�س ‪-‬ر�ضي اهلل عنه‪ -‬كما يف البخاري‪« :‬لو �أن النا�س غ�ضوا‬
‫�إلى الربع ؛ لأن النبي ‪� -‬صلى اهلل عليه و�سلم ‪ -‬قال‪« :‬الثلث‪ ،‬والثلث كثري»(‪.((5‬‬
‫ومما يدل لذلك �أي�ضاً حديث عمران بن ح�صني ‪-‬ر�ضي اهلل عنه‪� -‬أن رج ًال �أعتق‬
‫�ستة مملوكني له عند موته‪ ،‬مل يكن له مال غريهم فدعا بهم ر�سول اهلل ‪� -‬صلى اهلل‬
‫عليه و�سلم ‪ -‬فجز�أهم �أثالثاً‪ ،‬ثم �أقرع بينهم‪ ،‬ف�أعتق اثنني‪ ،‬و�أرق �أربعة‪ ،‬وقال له‬
‫قو ًال �شديداً‪ ،‬ويف رواية �أن النبي �صلى اهلل عليه و�سلم قال‪«:‬لو علمت ما �صليت‬
‫(‪ ((5‬رواه البخاري يف الو�صايا‪ ،‬يف باب �أن يرتك ورثته �أغنياء خري من �أن يتكففوا النا�س‪ ،‬برقم ‪ ،2742‬وم�سلم يف الو�صية‪،‬‬
‫يف باب الو�صية بالثلث برقم ‪.1628‬‬
‫(‪� ((5‬صحيح البخاري كتاب الو�صايا برقم ‪.2743‬‬

‫العدد ‪ - 55‬رجب ‪1433‬هـ ‪ -‬ال�سنة الرابعة ع�شرة‬

‫‪181‬‬

‫الت�صرفات ال�ضارة يف الو�صية الو�صية‬

‫عليه»(‪.((5‬‬
‫ولذلك كان ال�سلف يحر�صون على النزول عن الثلث يف الو�صية‪.‬‬
‫يقول النخعي(‪ ((5‬رحمه اهلل ‪ :‬لأن �أو�صي باخلم�س �أحب �إ ّ‬
‫يل من �أن �أو�صي بالربع(‪.((5‬‬
‫وعلى ذلك فلوا �أو�صى بجميع ماله يف مر�ضه املخوف ثم مات‪ ،‬ف�إنه ال ينفذ �إال‬
‫الثلث‪ ،‬وهذا قول جماهري �أهل العلم من‪ :‬احلنفية(‪ ،((5‬واملالكية(‪ ،((5‬وال�شافعية(‪،((6‬‬
‫واحلنابلة(‪ ،((6‬بل �إن ابن املنذر(‪ ((6‬حكى الإجماع على ذلك حيث قال رحمه اهلل ‪:‬‬
‫«و�أجمعوا على �أن الو�صايا مق�صورة بها على ثلث مال العبد»(‪.((6‬‬
‫وكذلك قال احلافظ(‪ ((6‬يف الفتح‪« :‬وا�ستقر الإجماع على منع الزيادة ب�أكرث من‬
‫الثلث»(‪�.((6‬أ‪.‬هـ‬
‫املطلب الثاين‪ :‬الو�صية بجميع املال ملن ال وارث له‬

‫�إذا �أو�صى بجميع ماله �أو ب�أكرثه‪ ،‬وال وارث له‪.‬‬
‫(‪� ((5‬أخرجه م�سلم‪ ،‬يف كتاب الأميان ‪ ،1668‬و�أبو داود يف العتق ‪ ،3951‬والن�سائي يف ال�سنن ‪ ،187/3‬والرتمذي يف �أبواب‬
‫الأحكام ‪1380‬‬
‫(‪ ((5‬النخعي هو‪� :‬إبراهيم بن يزيد بن قي�س بن الأ�سود النخعي‪� ،‬أبو عمران ولد �سنة ‪46‬هـ تويف �سنة ‪96‬هـ‪ .‬انظر ترجمته‬
‫يف‪� :‬سري �أعالم النبالء ‪.520/4‬‬
‫(‪� ((5‬أخرجه عبد الرزاق يف م�صنفه برقم ‪.16365‬‬
‫(‪ ((5‬انظر‪ :‬خمت�صر الطحاوي �ص‪ ،159‬والدر املختار مع حا�شية ابن عابدين ‪.660/6‬‬
‫(‪ ((5‬انظر‪ :‬عقد اجلواهر الثمينة ‪ ،404/3‬والذخرية ‪.147/7‬‬
‫(‪ ((6‬انظر‪ :‬احلاوي الكبري ‪ ،319/8‬ورو�ضة الطالبني ‪ ،123/6‬واملنهاج مع مغني املحتاج ‪.47/3‬‬
‫(‪ ((6‬انظر‪ :‬الهداية ‪ ،214/1‬والإف�صاح ‪ ،72/2‬واملغني ‪.474/8‬‬
‫(‪ ((6‬ابن املنذر هو‪ :‬حممد بن �إبراهيم بن املنذر الني�سابوري‪ ،‬ولد ‪242‬هـ وتويف �سنة ‪318‬هـ‪ .‬انظر ترجمته يف‪� :‬سري �أعالم‬
‫النبالء ‪.490/4‬‬
‫(‪ ((6‬انظر‪ :‬الإجماع البن املنذر �ص‪.89‬‬
‫(‪ ((6‬ابن حجر هو‪� :‬أحمد بن علي بن حممد‪ ،‬الع�سقالين‪� ،‬أبو الف�ضل �شهاب الدين ابن حجر‪ ،‬ولد بع�سقالن �سنة ‪773‬هـ‬
‫تويف �سنة ‪852‬هـ‪ ،‬من م�صنفاته‪ :‬فتح الباري �شرح �صحيح البخاري‪ ،‬وغريها انظر ترجمته يف‪ :‬ال�ضوء الالمع ‪ ،36/2‬والبدر‬
‫الطالع ‪.87/1‬‬
‫(‪ ((6‬انظر‪ :‬فتح الباري البن حجر ‪.369/5‬‬

‫‪182‬‬

‫العدد ‪ - 55‬رجب ‪1433‬هـ ‪ -‬ال�سنة الرابعة ع�شرة‬

‫د‪�.‬أحمد بن �صالح �آل عبد ال�سالم‬

‫اختلف العلماء يف هذه امل�س�ألة على قولني‪:‬‬
‫القول الأول‪ :‬قالوا بجواز ذلك‪ ،‬وهو قول احلنفية(‪ ،((6‬واحلنابلة(‪ ،((6‬وهو قول‬
‫ابن م�سعود(‪ ((6‬وعبيدة ال�سلماين(‪ ،((7 ((6‬وم�رسوق(‪ ((7 ((7‬و�إ�سحاق(‪.((7 ((7‬‬
‫القول الثاين‪ :‬قالوا بعدم جواز الو�صية ب�أكرث من الثلث‪ ،‬و�أنه لو �أو�صى ب�أكرث‬
‫من الثلث‪� ،‬أو بجميع ماله‪ ،‬ردت الو�صية �إلى الثلث‪ ،‬والباقي لبيت املال‪ ،‬وبه قال‬
‫املالكية(‪ ،((7‬وال�شافعية(‪ ،((7‬وهو رواية عند احلنابلة(‪.((7‬‬
‫ا�ستدل �أ�صحاب القول الأول ب�أدلة منها‪:‬‬
‫الدليل الأول‪:‬‬
‫‪� -1‬أن النبي �صلى اهلل عليه و�سلم ملا منع �سعداً من الزيادة على الثلث قال له‪:‬‬
‫«�إنك �أن تذر ورثتك �أغنياء خري من �أن تذرهم عالة يتكففون النا�س»(‪.((7‬‬
‫(‪ ((6‬انظر‪ :‬النتف ‪ ،829/2‬وبدائع ال�صنائع ‪ ،370/7‬والدر املختار ‪.625/6‬‬
‫(‪ ((6‬انظر‪ :‬كتاب الروايتني والوجهني ‪ ،24/2‬والهداية ‪ ،231/1‬واملغني ‪.516/7‬‬
‫(‪ ((6‬كما يف م�صنف عبدالرزاق ‪.69/9‬‬
‫(‪ ((6‬عبيدة ال�سلماين هو‪ :‬عبيدة بن عمرو بن ناجية بن مراد ال�سلماين‪ ،‬الفقيه الكويف‪ ،‬تويف �سنة ‪72‬هـ‪ .‬انظر ترجمته‬
‫يف‪ :‬تاريخ بغداد ‪ ،117/11‬و�سري �أعالم النبالء ‪.40/4‬‬
‫(‪ ((7‬كما يف م�صنف عبدالرزاق ‪ ،69/9‬واملغني ‪.516/8‬‬
‫(‪ ((7‬م�سروق هو‪ :‬بن الأجدع بن مالك بن �أمية الهمداين‪� ،‬أبو عائ�شة‪ ،‬تابعي ثقة من �أهل اليمن تويف �سنة ‪63‬هـ‪ .‬انظر‬
‫ترجمته يف‪� :‬أ�سد الغابة ‪ ،254/4‬والإ�صابة ‪.492/3‬‬
‫(‪ ((7‬كما يف م�صنف عبد الرزاق ‪ ،69/9‬واملغني ‪.516/8‬‬
‫(‪ ((7‬كما يف املغني ‪.516/8‬‬
‫(‪� ((7‬إ�سحاق هو‪� :‬إ�سحاق بن �إبراهيم بن عبداهلل بن �إبراهيم التميمي‪ ،‬احلنظلي‪ ،‬املعروف بابن راهويه‪� ،‬أبو يعقوب‪ ،‬ولد‬
‫�سنة ‪ 161‬هـ تويف �سنة ‪238‬هـ‪ .‬انظر ترجمته يف‪ :‬الثقات ‪ ،115/8‬وحلية الأولياء ‪ ،234/9‬واملنهج الأحمد ‪ ،173/1‬و�سري �أعالم‬
‫النبالء ‪.308/11‬‬
‫(‪ ((7‬انظر‪ :‬الإ�شراف ‪ ،323/2‬وبداية املجتهد ‪ ،363/2‬وعقد اجلواهر الثمينة ‪.403/3‬‬
‫(‪ ((7‬انظر‪ :‬احلاوي الكبري ‪ ،195/8‬وحلية العلماء ‪ ،69/6‬واملنهاج ‪.47/3‬‬
‫(‪ ((7‬انظر‪ :‬املغني ‪ ،516/8‬والإن�صاف مع ال�شرح الكبري ‪.217/17‬‬
‫(‪� ((7‬سبق تخريجه‪.‬‬

‫العدد ‪ - 55‬رجب ‪1433‬هـ ‪ -‬ال�سنة الرابعة ع�شرة‬

‫‪183‬‬

‫الت�صرفات ال�ضارة يف الو�صية الو�صية‬

‫فجعل املنع من الزيادة حقاً للورثة‪ ،‬ف�إذا مل يكن له وارث �سقط املنع(‪.((7‬‬
‫‪ -2‬وا�ستدلوا ب�أثر عن ابن م�سعود ‪-‬ر�ضي اهلل عنه‪� -‬أنه قال‪� :‬إنكم �أحرى حي‬
‫بالكوفة �أن ميوت �أحدكم وال يدع ع�صبة وال رحماً‪ ،‬فال مينعه �إذا كان كذلك �أن ي�ضع‬
‫ماله يف الفقراء وامل�ساكني(‪.((8‬‬
‫وا�ستدل �أ�صحاب القول الثاين مبا يلي‪:‬‬
‫‪- 1‬ما روي �أن النبي �صلى اهلل عليه و�سلم قال‪� :‬إن اهلل ت�صدق عليكم بثلث‬
‫�أموالكم عند مماتكم زيادة يف ح�سناتكم(‪.((8‬‬
‫‪- 2‬قالوا‪ :‬ب�أن هذا املو�صي له من يعقل عنه‪ ،‬فلم تنفذ و�صيته يف �أكرث من ثلثه‪،‬‬
‫كما لو ترك وارثاً(‪.((8‬‬
‫وقد �سئل �شيخ الإ�سالم ابن تيمية رحمه اهلل عن امر�أة ماتت ومل يكن لها وارث‬
‫�سوى ابن �أخت لأم‪ ،‬وقد �أو�صت ب�صدقة �أكرث من الثلث‪ ،‬فهل للو�صي �أن ين ّفذ‬
‫ذلك‪ ،‬ويعطي ما يبقى البن �أختها؟‪.‬‬
‫و�صى له الثلث‪ ،‬وما زاد على ذلك �إن �أجازه الوارث جاز‬
‫ف�أجاب رحمه اهلل ُيعطى امل َ َ‬
‫و�إال بطل(‪ .((8‬ولعل ال�صواب ‪ -‬واهلل �أعلم ‪� -‬أال يزاد على الثلث وذلك حلديث �سعد‬
‫املتقدم‪ ،‬وحديث الذي �أعتق �ستة مملوكني و�أي�ضاً خروجاً من اخلالف ‪ -‬واهلل �أعلم ‪.-‬‬
‫(‪ ((7‬انظر‪ :‬املغني ‪ ،516/8‬ور�ؤو�س امل�سائل اخلالفية ‪.1112/3‬‬
‫(‪ ((8‬رواه عبد الرزاق يف م�صنفه‪ ،‬برقم ‪ ،16371‬ورواه �سعيد بن من�صور يف �سننه ‪ ،81/3‬والطحاوي يف الآثار برقم ‪785‬‬
‫والأثر فيه عنعنة �أبي �إ�سحاق وهو مدل�س‪.‬‬
‫(‪ ((8‬احلديث رواه �أحمد يف امل�سند ‪ ،40/6‬والطربي كما يف جممع الزوائد‪ ،‬والبزار كذلك كما يف الك�شف برقم ‪ 1382‬عن‬
‫�أبي الدرداء‪ ،‬ولفظه ‪� « :‬إن اهلل ت�صدق عليكم بثلث �أموالكم عند وفاتكم » ولي�س عندهما بقية احلديث‪ .‬فعلى هذا يكون‬
‫هذا احلديث �ضعيفاً‪.‬‬
‫(‪ ((8‬انظر ‪ :‬املغني ‪.516/8‬‬
‫(‪ ((8‬انظر ‪ :‬فتاوى �شيخ الإ�سالم ‪� ،312/31‬شيخ الإ�سالم هو‪� :‬أحمد بن عبد احلليم بن عبد ال�سالم احلراين‪� ،‬أبو العبا�س‬
‫تقي الدين ابن تيمية‪� ،‬شيخ الإ�سالم‪ ،‬ولد �سنة ‪661‬هـ تويف رحمه اهلل �سنة ‪728‬هـ‪.‬انظر ترجمته يف‪ :‬ذيل طبقات احلنابلة‬
‫‪ ،387/2‬وتذكرة احلفاظ ‪ ،196/4‬والبداية والنهاية ‪.142/14‬‬

‫‪184‬‬

‫العدد ‪ - 55‬رجب ‪1433‬هـ ‪ -‬ال�سنة الرابعة ع�شرة‬

‫د‪�.‬أحمد بن �صالح �آل عبد ال�سالم‬
‫املبحث الثاين‪ :‬الو�صية لوارث‬

‫ذهب جماهري �أهل العلم �إلى �أن الو�صية ال ت�صح لوارث‪ ،‬وحكى الإجماع على‬
‫ذلك ابن املنذر(‪ ،((8‬واملوفق يف املغني(‪ ،((8‬وابن ر�شد(‪ ،((8 ((8‬ويدل لهذا قول النبي‬
‫�صلى اهلل عليه و�سلم ‪« :‬ال و�صية لوارث»(‪.((8‬‬
‫وقد ا�ستثنى جمهور �أهل العلم حالة يجوز فيها الو�صية للوارث‪ ،‬وهي �إذا‬
‫�أجازها بقية الورثة‪ ،‬فقالوا ب�صحة الو�صية حينئذ‪ ،‬وهذا قول جماهري �أهل العلم من‬
‫احلنفية(‪ ،((8‬واملالكية(‪ ،((9‬وال�شافعية(‪ ،((9‬واحلنابلة(‪.((9‬‬
‫وقد ا�ستدل اجلمهور بعدة �أدلة منها‪:‬‬
‫قول النبي �صلى اهلل عليه و�سلم ‪« :‬ال و�صية لوارث �إال �أن جتيز الورثة»(‪.((9‬‬
‫وذهب الظاهرية(‪ ،((9‬وبع�ض ال�شافعية(‪ ،((9‬واحلنابلة يف رواية �أخرى(‪� ،((9‬إلى �أن‬
‫الو�صية باطلة و�إن �أجازها الورثة‪� ،‬إال �أن يعطوه عطية مبتد�أة‪.‬‬
‫(‪ ((8‬انظر‪ :‬الإجماع البن املنذر�ص‪.89‬‬
‫(‪ ((8‬انظر‪ :‬املغني ‪.396/8‬‬
‫(‪ ((8‬ابن ر�شد هو‪ :‬حممد بن �أحمد بن حممد بن ر�شد‪� ،‬أبو الوليد فقيه مالكي‪ ،‬ولد �سنة ‪520‬هـ مات مبراك�ش �سنة ‪595‬هـ‬
‫انظر ترجمته يف‪ :‬التكملة البن الأبار ‪269/1‬‬
‫(‪ ((8‬انظر‪ :‬بداية املجتهد ‪.334/2‬‬
‫(‪ ((8‬احلديث رواه اخلم�سة �إال الن�سائي‪ ،‬فقد رواه �أحمد يف امل�سند ‪ ،267/5‬و�أبو داود يف �سننه ‪ 2867‬والرتمذي يف جامعه‪،‬‬
‫برقم ‪ 2713‬وقال احلافظ يف التلخي�ص عند هذا احلديث‪ :‬ح�سن الإ�سناد‪�.‬أ‪ .‬هـ‪.‬‬
‫(‪ ((8‬انظر‪ :‬رو�ضة الق�ضاة ‪ ،674/2‬وبدائع ال�صنائع ‪.370/7‬‬
‫(‪ ((9‬انظر‪ :‬عقد اجلواهر الثمينة ‪.40/3‬‬
‫(‪ ((9‬انظر‪ :‬الأم ‪ ،142/4‬واحلاوي الكبري ‪.190/8‬‬
‫(‪ ((9‬انظر‪ :‬املغني ‪ ،396/8‬والإن�صاف مع املقنع ‪.219/17‬‬
‫(‪ ((9‬رواه الدار قطني يف ال�سنن ‪ ،98/4‬قال الألباين يف الإرواء ‪�: 96/6‬إنه منكر؛ لأن فيه عطاء اخلرا�ساين �أ‪ .‬هـ‬
‫(‪ ((9‬انظر‪ :‬املحلى ‪.316/9‬‬
‫(‪ ((9‬انظر‪ :‬احلاوي الكبري ‪ ،190/8‬ورو�ضة الطالبني ‪108/6‬‬
‫(‪ ((9‬انظر‪ :‬املغني ‪.396/8‬‬

‫العدد ‪ - 55‬رجب ‪1433‬هـ ‪ -‬ال�سنة الرابعة ع�شرة‬

‫‪185‬‬

‫الت�صرفات ال�ضارة يف الو�صية الو�صية‬

‫�أدلة القول الثاين‪:‬‬
‫‪ -1‬ا�ستدل �أ�صحاب هذا القول بظاهر ما روي عن النبي �صلى اهلل عليه و�سلم‪:‬‬
‫«ال و�صية لوارث»‪.‬‬
‫وعللوا ذلك ب�أن اهلل تعالى منع من ذلك‪ ،‬فلي�س للورثة �أن يجيزوا ما �أبطله اهلل‬
‫تعالى على ل�سان ر�سول اهلل �صلى اهلل عليه و�سلم‪ ،‬ف�إذا �أجاز الورثة ذلك فابتداء‬
‫عطية من عند �أنف�سهم‪ ،‬فهو مالهم(‪.((9‬‬
‫ونوق�ش هذا الدليل‪ ،‬ب�أنه قد ورد فيه «�إال �أن يجيز الورثة» واال�ستثناء من النفي‬
‫(‪((9‬‬
‫�إثبات‪ ،‬فيكون ذلك دلي ًال على �صحة الو�صية عند الإجازة‪.‬‬
‫ولذلك فيكون ال�صواب ‪ -‬واهلل �أعلم ‪ -‬هو قول جماهري �أهل العلم وهو �أن‬
‫الو�صية �صحيحة �إذا �أجازها الورثة‪.‬‬
‫يقول احلافظ يف الفتح‪ :‬ال يخلو �إ�سناد كل منها من مقال ‪،‬ثم رجع فقال‪ :‬لكن‬
‫جمموعها يقت�ضي �أن للحديث �أ�ص ًال(‪.((9‬‬
‫قال القرطبي رحمه اهلل يف �أثناء كالمه على هذه امل�س�ألة‪ :‬ونحن و�إن كان هذا‬
‫اخلرب بلغنا �آحاداً‪ ،‬لكن قد ان�ضم �إليه �إجماع امل�سلمني �أنه ال يجوز و�صية لوارث(‪.((10‬‬
‫يقول ابن قدامه‪« :‬واال�ستثناء من النفي �إثبات‪ ،‬فيكون ذلك دلي ًال على �صحة‬
‫الو�صية عند الإجازة‪ ،‬ولو خال من اال�ستثناء كان معناه‪ :‬ال و�صية نافذة‪� ،‬أو الزمة‬
‫�أو ما �أ�شبه هذا‪� ،‬أو يقدر فيه‪ :‬ال و�صية لوارث‪ ،‬عند عدم الإجازة من غريه من‬
‫الورثة»(‪� .((10‬أ‪.‬هـ‪.‬‬
‫(‪ ((9‬انظر ‪ :‬املحلى البن حزم ‪.386/9‬‬
‫(‪ ((9‬انظر ‪ :‬املغني ‪.396/8‬‬
‫(‪ ((9‬انظر ‪ :‬فتح الباري ‪.372/5‬‬
‫(‪ ((10‬انظر ‪ :‬اجلامع لأحكام القر�آن ‪.363/2‬‬
‫(‪ ((10‬انظر ‪ :‬املغني ‪.396/8‬‬

‫‪186‬‬

‫العدد ‪ - 55‬رجب ‪1433‬هـ ‪ -‬ال�سنة الرابعة ع�شرة‬

‫د‪�.‬أحمد بن �صالح �آل عبد ال�سالم‬

‫و�أي�ضاً لأن هذا ال�شيء يعترب ت�رصفاً �صدر من �أهله يف حمله‪ ،‬ف�صح‪ ،‬كما لو‬
‫و�صى لأجنبي ‪ ,‬واهلل �أعلم ـ‬
‫َّ‬
‫املبحث الثالث‪ :‬الو�صية مبع�صية �أو ب�أمر حمرم‬

‫وفيه مطلبان‪:‬‬
‫املطلب الأول‪ :‬حكم الو�صية مبع�صية‬

‫اتفق جماهري �أهل العلم(‪ ((10‬على �أن من �أو�صى مبع�صية‪� ،‬أو ب�شيء فيه مع�صية‪،‬‬
‫تبدل �إلى الأف�ضل ؛ وذلك لأن الق�صد من الو�صية هو تدارك‬
‫ف�إن و�صيته ال تنفذ‪ ،‬بل ّ‬
‫ما فات يف حال احلياة من الإح�سان‪ ،‬فال يجوز �أن تكون مع�صية‪.‬‬
‫وقال جماهري �أهل العلم �أن قوله تعالى‪ :‬ﮋ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﮊ(‪� ((10‬إمنا هو‬
‫خا�ص بالو�صية العادلة دون اجلائرة ومما يدل على ذلك‪:‬‬
‫‪ -1‬قوله تعالى‪ :‬ﮋﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﮊ(‪.((10‬‬
‫‪ -2‬قوله تعالى بعد ذكر حترمي التبديل يف الو�صية‪ :‬ﮋ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ‬
‫ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜﭝ ﭢ ﮊ(‪. ((10‬‬
‫‪ -3‬ومن ال�سنة حديث عمران ر�ضي اهلل عنه‪� :‬أن رج ًال �أعتق �ستة مملوكني عند‬
‫موته مل يكن له مال غريهم‪ ،‬فدعا بهم النبي �صلى اهلل عليه و�سلم فجز�أهم �أثالثاً‪،‬‬
‫ثم �أقرع بينهم‪ ،‬ف�أعتق اثنني و�أرق �أربعة‪ ،‬وقال له قو ًال �شديداً‪ ،‬ويف لفظ قال‪« :‬لو‬
‫(‪ ((10‬كما يف بدائع ال�صنائع ‪ ،341/7‬واجلامع للقرطبي ‪ ،269/2‬واملغني ‪.513/8‬‬
‫(‪� ((10‬سورة البقرة من الآية ‪.181‬‬
‫(‪� ((10‬سورة املائدة من الآية ‪.2‬‬
‫(‪� ((10‬سورة البقرة من الآية ‪.182‬‬

‫العدد ‪ - 55‬رجب ‪1433‬هـ ‪ -‬ال�سنة الرابعة ع�شرة‬

‫‪187‬‬

‫الت�صرفات ال�ضارة يف الو�صية الو�صية‬

‫علمت ما �صليت عليه»‪.‬‬
‫قال ابن عبد الرب يف التمهيد‪ :‬وقد حمل جمهور العلماء حديث‪ :‬امليت يعذب مبا‬
‫نيح عليه(‪ ((10‬على من �أو�صى بذلك(‪.((10‬‬
‫املطلب الثاين‪� :‬أمثلة للو�صية املحرمة عند �أهل العلم‬

‫من املعلوم �أن الو�صية مبع�صية حمرمة وباطلة عند �أهل العلم‪ ،‬ولذلك يقول ابن‬
‫عبد الرب‪ :‬وال خالف �أنه �إذا �أو�صى مبا ال يجوز مثل �أن يو�صي بخمر �أو خنزير‪ ,‬وال‬
‫يجوز �إم�ضائه(‪.((10‬‬
‫ويقول ابن قدامة‪ :‬وال ت�صح الو�صية مبع�صية وفعل حمرم وهي باطلة(‪.((10‬‬
‫و�صى يف غري طاعة فال تنفذ و�صيته(‪.((11‬‬
‫وقال �شيخ الإ�سالم‪� :‬إن ّ‬
‫وقال ابن حزم(‪ :((11‬وال حتل و�صية يف مع�صية ال من م�سلم وال من كافر(‪.((11‬‬
‫وهذه الو�صية املحرمة لها �أمثلة عند جماهري العلماء‪.‬‬
‫‪ -1‬فمن �أمثلتها عند احلنفية‪ :‬الو�صية بطعام جتتمع له النائحات بعد موته‪� ،‬أو‬
‫بتطيني القرب‪� ،‬أو ب�رضب قبة فيه‪� ،‬أو ت�شييد بناء عليه‪� ،‬أو دفنه يف داره‪� ،‬أو الو�صية‬
‫بقراءة القر�آن على القبور(‪.((11‬‬
‫(‪� ((10‬أخرجه البخاري برقم ‪ ،1393‬وم�سلم برقم ‪ ،927‬من حديث عمر ر�ضي اهلل عنه‪.‬‬
‫(‪ ((10‬انظر‪ :‬التمهيد ‪.318/8‬‬
‫(‪ ((10‬انظر‪ :‬تف�سري القرطبي ‪.269/2‬‬
‫(‪ ((10‬انظر‪ :‬املغني ‪.513/8‬‬
‫(‪ ((11‬انظر‪ :‬جمموع الفتاوى ‪.315/31‬‬
‫(‪ ((11‬وابن حزم هو‪ :‬علي بن �أحمد بن �سعيد بن حزم‪ ،‬الظاهري‪� ،‬أبو حممد‪ ،‬ولد �سنة ‪384‬هـ‪،‬وتويف �سنة ‪ .456‬من‬
‫م�صنفاته‪ :‬املحلى‪ ،‬والإحكام يف �أ�صول الأحكام‪ ،‬وغريها‪ ,‬انظر ترجمته يف‪� :‬سري �أعالم النبالء ‪ ،184/18‬والبداية والنهاية‬
‫‪91/12‬‬
‫(‪ ((11‬انظر‪ :‬املحلى ‪.327/9‬‬
‫(‪ ((11‬انظر‪ :‬بدائع ال�صنائع ‪ ،341/7‬وحا�شية رد املختار ‪.711/6‬‬

‫‪188‬‬

‫العدد ‪ - 55‬رجب ‪1433‬هـ ‪ -‬ال�سنة الرابعة ع�شرة‬

‫د‪�.‬أحمد بن �صالح �آل عبد ال�سالم‬

‫‪ -2‬ومن �أمثلتها عند املالكية‪� :‬أن يو�صي مبال ي�شرتى به خمر ملن ي�رشبها‪� ،‬أو‬
‫ُيدفع ملن يقتل نف�ساً بغري حق‪� ،‬أو الإي�صاء ملن ي�صلي عنه‪� ،‬أو الإي�صاء كذلك باتخاذ‬
‫القناديل من الذهب لتعليقها على القبور(‪.((11‬‬
‫‪ -3‬ومن �أمثلتها عند ال�شافعية‪ :‬الو�صية للكني�سة‪ ،‬والو�صية بال�سالح لأهل‬
‫احلرب‪ ،‬والو�صية كذلك ببناء �أماكن للمع�صية كاخلمارات(‪.((11‬‬
‫‪ -4‬ومن �أمثلتها عند احلنابلة‪ :‬الو�صية ب�آالت اللهو‪ ،‬وكتب الكالم ون�رشها‪،‬‬
‫والو�صية كذلك بن�رش البدع وال�سحر(‪.((11‬‬
‫املبحث الرابع‪ :‬عدم �إي�ضاح م�صرف الو�صية‬

‫ك�أن يقول‪� :‬أو�صيت بثلث مايل وي�سكت‪ ،‬وهذا مما ي�سبب التالعب يف الو�صية‬
‫من قبل الأو�صياء‪� ،‬أو الورثة‪ ،‬وهذا املبحث فيه مطلبان‪:‬‬
‫املطلب الأول‪� :‬إذا قال املو�صي للو�صي‪� :‬ضع مايل حيث �شئت‪ ،‬هل يدخل الو�صي معهم ؟‬

‫اختلف �أهل العلم يف هذه امل�س�ألة على قولني‪:‬‬
‫القول الأول‪� :‬أنه لي�س له �أخذ �شيء من الو�صية‪ ،‬وهذا قول املالكية(‪،((11‬‬
‫وال�شافعية(‪ ،((11‬واحلنابلة(‪.((11‬‬
‫القول الثاين‪� :‬أنه له �أن ي�أخذ لنف�سه وولده ومن �شاء‪ ،‬وهذا هو املذهب عند‬
‫(‪ ((11‬انظر‪ :‬ال�شرح الكبري مع حا�شية الد�سوقي ‪.427/4‬‬
‫(‪ ((11‬انظر‪ :‬مغني املحتاج ‪ ،40/3‬واحلاوي الكبري ‪.194/8‬‬
‫(‪ ((11‬انظر‪ :‬املغني ‪ ،513/8‬والإن�صاف مع املقنع ‪.329/17‬‬
‫(‪ ((11‬انظر ‪ :‬الإ�شراف للقا�ضي عبدالوهاب ‪ ،1013/2‬والذخرية ‪.178/7‬‬
‫(‪ ((11‬انظر ‪ :‬احلاوي الكبري ‪ ،273/8‬ورو�ضة الطالبني ‪.6172‬‬
‫(‪ ((11‬انظر ‪ :‬املغني ‪ ،561/8‬والهداية ‪ ،224/1‬والإن�صاف ‪.76/2‬‬

‫العدد ‪ - 55‬رجب ‪1433‬هـ ‪ -‬ال�سنة الرابعة ع�شرة‬

‫‪189‬‬

‫الت�صرفات ال�ضارة يف الو�صية الو�صية‬

‫احلنفية(‪ ،((12‬وهو احتمال عند احلنابلة(‪.((12‬‬
‫وا�ستدل اجلمهور على قولهم ب�أنه لو �أو�صى بثلث ماله �إلى رجل ي�ضعه حيث ر�آه‬
‫مل يكن له �أن ي�أخذ لنف�سه �شيئاً و�إن كان حمتاجاً؛ لأنه �أمره ب�رصفه ال ب�أخذه‪.‬‬
‫وقالوا �أي�ضاً‪ :‬ولأنه متليك ملكه بالإذن‪ ،‬فال يجوز �أن يكون قاب ًال له‪.‬‬
‫�أ�صله �إذا وكل رج ًال يف بيع �سلعة مل يجز له �أن ي�شرتيها من نف�سه‪ ،‬فيكون قاب ًال‬
‫وموجباً يف وقت واحد(‪.((12‬‬
‫وا�ستدل �أ�صحاب القول الثاين الذين يقولون بجواز �أن ي�أخذ لنف�سه وولده‬
‫ومن �شاء ؛ لأنه يتناوله لفظ املو�صي ؛ ولأنه قد يكون من جملة امل�ستحقني لهذه‬
‫الو�صية(‪.((12‬‬
‫ولعل الراجح واهلل �أعلم بال�صواب‪� :‬أنه لي�س له الأخذ من هذه الو�صــية و�إن كان‬
‫حمتاجاً‪ ،‬وذلك لأن �أمره ب�أن ي�رصفها ال �أن ي�أخذها‪� ،‬إال �إذا علم عن قرائن �أحواله �أنه‬
‫يجيز ذلك ‪ ،‬واهلل �أعلم(‪.((12‬‬
‫و�صى امليت بو�صية بخري ومل ي�سم‬
‫املطلب الثاين‪� :‬إذا ّ‬

‫و�صورة ذلك‪� :‬أن يقول‪� :‬ضع ثلثي يف وجوه اخلري‪� ،‬أو نحو ذلك ومل يحدد‪،‬‬
‫الو�صية يف �أقارب املو�صي غري الوارثني‪ ،‬وكذلك تكون‬
‫فهنا الأولى �أن تكون ّ‬
‫الو�صية يف �أهل احلاجة من قرابته‪ ،‬ويف الفقراء وامل�ساكني‪ ،‬وهذا باتفاق جماهري‬
‫�أهل العلم(‪.((12‬‬
‫(‪ ((12‬انظر ‪ :‬املب�سوط ‪ ،79/28‬و�أدب الأو�صياء ‪.331/2‬‬
‫(‪ ((12‬انظر ‪ :‬املغني ‪.561/8‬‬
‫(‪ ((12‬انظر ‪ :‬احلاوي الكبري للماوردي ‪ ،273/2‬ور�ؤو�س امل�سائل اخلالفية للعكربي ‪.1151/3‬‬
‫(‪ ((12‬انظر ‪:‬املغني ‪ ،561/8‬واملب�سوط ‪.79/8‬‬
‫(‪ ((12‬انظر ‪ :‬املغني ‪ ،561/8‬واملجموع ‪372/16‬‬
‫(‪ ((12‬انظر ‪ :‬املب�سوط ‪ ،28/79‬والذخرية ‪ ،178/7‬واحلاوي الكبري ‪273/8‬‬

‫‪190‬‬

‫العدد ‪ - 55‬رجب ‪1433‬هـ ‪ -‬ال�سنة الرابعة ع�شرة‬

‫د‪�.‬أحمد بن �صالح �آل عبد ال�سالم‬

‫ويدل لذلك‪� :‬أن �أبا طلحة حينما ت�صدق ب�صدقة هلل ومل يحدد ملن تكون‪� ،‬أ�شار‬
‫عليه النبي �صلى اهلل عليه و�سلم �أن تكون يف قرابته(‪.((12‬‬
‫وقال احلافظ ابن حجر يف الفتح‪� :‬إذا قال‪ :‬داري �صدقة هلل ومل يبينّ للفقراء �أو‬
‫لغريهم‪ ،‬فهو جائز‪ ،‬ويعطيها للأقربني‪� ،‬أو حيث �أراد‪ ،‬قال النبي ‪� -‬صلى اهلل عليه‬
‫و�سلم ‪ -‬لأبي طلحة حني قال‪�« :‬أَ َح ُب �أموا ِّ‬
‫يل �إ ّل َّى بريحاء‪ ،‬و�إنها �صدقة هلل»‪ ،‬ف�أجاز‬
‫النبي ‪� -‬صلى اهلل عليه و�سلم ‪ -‬ذلك‪ ،‬وقال‪� :‬أرى �أن ت�ضعها يف الأقربني فجعلها يف‬
‫ح�سان بن ثابت و�أبي بن كعب(‪.((12‬‬
‫و�سئل الإمام �أحمد ‪ -‬رحمه اهلل ‪ -‬عن رجل �أو�صى بثلثه يف امل�ساكني‪ ،‬وله �أقارب‬
‫حماويج‪ ،‬قال‪� :‬إن مل يو�ص لهم ب�شيء ومل يرثوه‪ ،‬يبد�أ بهم هم �أحق(‪.((12‬‬
‫املبحث اخلام�س‪ :‬الو�صية ملن ال يرث مبا يرجع نفعه على من يرث‬

‫و�صورة ذلك‪ :‬كمن �أو�صى لزوج ابنته ليعود املرياث على ابنته‪ ،‬وهي ال ت�صح لها‬
‫الو�صية ؛ لأنها وارثة‪ ،‬وهذه الو�صية باطلة باتفاق جماهري �أهل العلم(‪.((12‬‬
‫قال طاوو�س بن كي�سان(‪ - ((13‬رحمه اهلل ‪ -‬يف قوله تعالى‪ :‬ﮋ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ‬
‫ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜﭝ ﭢ ﮊ (‪.((13‬‬
‫قال جنفاً �أو �إثماً‪�« :‬أن يو�صي الرجل لبني ابنه ليكون املال لأبيهم‪ ،‬وتو�صي املر�أة‬
‫(‪ ((12‬حديث �أن�س بن مالك ر�ضي اهلل عنه ‪� :‬أخرجه البخاري يف �صحيحه يف الو�صايا‪ ،‬برقم ‪ ،998‬وم�سلم يف �صحيحه يف‬
‫الزكاة‪ ،‬برقم ‪.2316‬‬
‫(‪ ((12‬كما يف م�سلم يف كتاب الزكاة برقم ‪ ،2316‬وانظر‪ :‬فتح الباري البن حجر ‪.452/5‬‬
‫(‪ ((12‬انظر‪ :‬م�سائل الإمام �أحمد لأبي داود �ص‪.219‬‬
‫(‪ ((12‬انظر ‪ :‬املب�سوط ‪ ،176/27‬واجلامع لأحكام القر�آن للقرطبي ‪ ،181/2‬واحلاوي الكبري ‪ ،187/8‬واملغني ‪،408/8‬‬
‫والذخرية ‪.27/7‬‬
‫(‪ ((13‬طاوو�س بن كي�سان اليماين احلمريي موالهم‪ ،‬ولد �سنة ‪33‬هـ‪� ،‬أبو عبدالرحمن‪ ،‬تويف مبكة �سنة ‪106‬هـ‪ .‬انظر‬
‫ترجمته يف‪ :‬تذكرة احلفاظ ‪ ،90/1‬وطبقات ابن �سعد ‪.537/5‬‬
‫(‪� ((13‬سورة البقرة من الآية ‪.182‬‬

‫العدد ‪ - 55‬رجب ‪1433‬هـ ‪ -‬ال�سنة الرابعة ع�شرة‬

‫‪191‬‬

‫الت�صرفات ال�ضارة يف الو�صية الو�صية‬

‫لزوج ابنتها ليكون املال البنتها»(‪� .((13‬أ‪ .‬هـ‬
‫وقال العالمة القرطبي رحمه اهلل يف قوله‪ :‬فمن خاف من مو�ص جنفاً … �أي‪� :‬إن‬
‫مو�ص مي ًال يف الو�صية‪ ،‬وعدو ًال عن احلق‪ ،‬ووقوعاً يف �إثم‪ ،‬ومل يخرجها‬
‫خفتم من ٍ‬
‫باملعروف‪ ،‬وذلك ب�أن يو�صي باملال �إلى زوج ابنته‪� ،‬أو لولد ابنته لين�رصف املال �إلى‬
‫ابنته‪� ،‬أو �إلى ابن ابنه‪ ،‬والغر�ض �أن ين�رصف املال �إلى ابنه‪� ،‬أو �أو�صى لبعيد وترك‬
‫القريب‪ ،‬فبادروا �إلى ال�سعي يف الإ�صالح بينهم‪�.‬أ‪.‬هـ(‪.((13‬‬
‫املبحث ال�ساد�س‪ :‬الو�صية للفا�سق‬

‫اختلف الفقهاء يف الو�صية للفا�سق على قولني‪:‬‬
‫القول الأول‪� :‬أنه ال ت�صح الو�صية �إلى الفا�سق‪ ،‬وهو قول جماهري �أهل العلم من‬
‫املالكية(‪ ،((13‬وال�شافعية(‪ ،((13‬واحلنابلة(‪.((13‬‬
‫القول الثاين‪� :‬أنه ت�صح الو�صية �إليه‪ ،‬وينفذ ت�رصفه‪ ،‬ما مل يخرجه احلاكم عن‬
‫الو�صية وهو قول احلنفية(‪.((13‬‬
‫�أدلة القول الأول‪ :‬وقد ا�ستدل اجلمهور على ذلك بقوله تعالى‪ :‬ﮋ ﮮ ﮯ ﮰ‬
‫ﮱ ﯓ ﯔﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﮊ(‪. ((13‬‬
‫قال يف احلاوي الكبري(‪ :((13‬فكان منع امل�ساواة بينهم‪ ،‬موجباً ملنع امل�ساواة يف‬
‫(‪� ((13‬أخرجه الطربي يف تف�سريه ‪ 73/25‬برقم ‪ ،2700‬و�أخرجه عبد الرزاق يف تف�سريه ‪ ،69/1‬و�أخرجه ابن �أبي حامت يف‬
‫تف�سريه ‪ ،115/1‬و�أخرجه �سعيد بن من�صور يف �سننه ‪.673/2‬‬
‫(‪ ((13‬انظر ‪ :‬اجلامع لأحكام القر�آن للقرطبي ‪.181/2‬‬
‫(‪ ((13‬انظر‪ :‬الذخرية ‪ ،159/7‬وال�شرح الكبري مع حا�شية الد�سوقي ‪.452/4‬‬
‫(‪ ((13‬انظر‪ :‬احلاوي الكبري ‪ ،331/8‬وحلية العلماء ‪ ،147/6‬واملنهاج مع مغني املحتاج ‪.74/3‬‬
‫(‪ ((13‬انظر‪ :‬الهداية ‪ ،217/1‬والإف�صاح ‪ ،73/2‬واملغني ‪.554/8‬‬
‫(‪ ((13‬انظر‪ :‬النتف ‪ ،815/2‬واجلوهرة النرية ‪ ،392/2‬وحا�شية ابن عابدين ‪.701/6‬‬
‫(‪� ((13‬سورة ال�سجدة من الآية ‪.18‬‬
‫(‪ ((13‬انظر‪ :‬احلاوي الكبري للماوردي ‪.331/8‬‬

‫‪192‬‬

‫العدد ‪ - 55‬رجب ‪1433‬هـ ‪ -‬ال�سنة الرابعة ع�شرة‬

‫د‪�.‬أحمد بن �صالح �آل عبد ال�سالم‬

‫�أحكامهم؛ ولأنه ملا منعه الف�سق من الوالية على �أوالده‪ ،‬كان �أولى �أن مينعه من‬
‫الوالية على �أوالد غريه ‪�.‬أ‪.‬هـ‪.‬‬
‫وقال اجل�صا�ص يف �أحكام القر�آن‪ :‬ف�أما الفا�سق واملتهم من الآباء‪ ،‬واملرت�شي من‬
‫احلكام والأو�صياء غري امل�أمونني‪ ،‬ف�إن واحداً من ه�ؤالء غري جائز له الت�رصف على‬
‫ال�صغري وال خالف يف ذلك(‪.((14‬‬
‫وقال القرطبي‪ :‬وثم �شيء �آخر وهو �أن الو�صي الفا�سق �سي�شهد فيما بعد على‬
‫�إعطاء اليتيم �أموا ًال‪ ،‬وال جتوز �شهادة الفا�سق بالإجماع(‪.((14‬‬
‫وا�ستدل �أ�صحاب القول الثاين بهذا التعليل النظري فقالوا‪� :‬إن الفا�سق يكون‬
‫و�صياً؛ لأنه من �أهل الوالية واخلالفة �إرثاً وت�رصفاً‪ ،‬حتى لو ت�رصف نفد ت�رصفه‪،‬‬
‫ولكن القا�ضي يخرجه من الو�صية‪ ،‬ويجعل مكانه و�صياً �آخر(‪.((14‬‬
‫والراجح هو القول الأول ‪ ,‬واهلل �أعلم بال�صواب‪.‬‬
‫املبحث ال�سابع‪ :‬و�صية الفقري‬

‫ذهب �أكرث الفقهاء �إلى �أن ال�شخ�ص �إذا كان فقرياً‪ ،‬ف�إن و�صيته غري م�ستحبة‬
‫وخا�صة �إذا كان ورثته بحاجة �إلى هذا املال‪ ،‬وقد نقل الإجماع على �أنه ال يندب‬
‫ل�صاحب املال القليل الو�صية ابن عبد الرب كما يف التمهيد حيث قال‪ :‬وقد �أجمع‬
‫العلماء على �أن من مل يكن عنده �إال الي�سري التافه من املال‪� ،‬أنه ال يندب �إلى الو�صية‬
‫�أ‪.‬هـ(‪.((14‬‬
‫(‪ ((14‬انظر‪� :‬أحكام القر�آن للج�صا�ص ‪.86/2‬‬
‫(‪ ((14‬انظر‪ :‬تف�سري القرطبي ‪.350/6‬‬
‫(‪ ((14‬انظر‪ :‬املب�سوط ‪25/28‬و‪ ،26‬وحا�شية ابن عابدين ‪.699/6‬‬
‫(‪ ((14‬انظر ‪ :‬التمهيد ‪.391/14‬‬

‫العدد ‪ - 55‬رجب ‪1433‬هـ ‪ -‬ال�سنة الرابعة ع�شرة‬

‫‪193‬‬

‫الت�صرفات ال�ضارة يف الو�صية الو�صية‬

‫وقد قال بذلك جماهري �أهل العلم من احلنفية(‪ ،((14‬واملالكية(‪ ،((14‬واحلنابلة(‪،((14‬‬
‫�أما الإمام ال�شافعي فقد ر�أى ا�ستحباب الو�صية يف قليل املال وكثريه‪� ،‬إال �أنه قيد‬
‫ا�ستحبابها يف املال القليل‪� ،‬أن ال ي�ستوعب �صاحبه الثلث يف و�صيته‪� ،‬إذا كان ورثته‬
‫فقراء‪ ،‬فقد قال يف الأم‪ :‬ف�إذا تركهم �أغنياء اخرتت له �أن ي�ستوعب الثلث‪ ،‬و�إذا مل‬
‫يدعهم �أغنياء‪ ،‬كرهت له �أن ي�ستوعب الثلث‪ ،‬و�أن يو�صي بال�شيء حتى يكون ي�أخذ‬
‫باحلظ من الو�صية‪ ،‬وال وقت يف ذلك �إال ما وقع عليه ا�سم الو�صية ملن مل يدع كثري‬
‫مال‪ ،‬ومن ترك �أقل مما يغني ورثته و�أكرث من التافه زاد �شيئاً يف و�صيته‪ ،‬وال �أحب‬
‫بلوغ الثلث �إال ملن ترك ورثته �أغنياء(‪.((14‬‬
‫وا�ستدل اجلمهور بعدة �أدلة منها‪:‬‬
‫‪ -1‬قوله تعالى‪ :‬ﮋ ﯣ ﯤ ﯥ ﮊ(‪ ((14‬واملراد به املال الكثري عرفاً‪ ،‬كما �أن املتو�سط‬
‫يف املال هو املعروف يف عرف النا�س بذلك‪ ،‬ومن ترك �أقل من ذلك‪ ،‬ف�إنه يعترب يف‬
‫حكم الفقري‪ ،‬فال ت�ستحب يف حقه الو�صية(‪.((14‬‬
‫‪ -2‬حديث �سعد املتقدم وفيه‪�« :‬إنك �أن تذر ورثتك �أغنياء خري من �أن تذرهم‬
‫عالة يتكففون النا�س»(‪.((15‬‬
‫فقد ا�ستكرث من الثلث مع �إخباره �إياه بكرثة ماله‪ ،‬وقلة عياله‪ ،‬فمن باب �أولى �أن‬
‫قليل املال ذي العيال‪ ،‬ال ت�ستحب يف حقه الو�صية(‪.((15‬‬
‫وبهذا يتبني �أن الفقري امل�ستحب له عدم الو�صية‪ ،‬واهلل �أعلم‪.‬‬
‫(‪ ((14‬انظر ‪ :‬بدائع ال�صنائع ‪.840/10‬‬
‫(‪ ((14‬انظر ‪ :‬اخلر�شي على خمت�صر خليل ‪ ،168/8‬وجواهر الإكليل ‪.320/2‬‬
‫(‪ ((14‬انظر ‪ :‬املغني ‪ ،392/8‬والإن�صاف ‪.191/7‬‬
‫(‪ ((14‬انظر ‪ :‬الأم ‪.106/4‬‬
‫(‪ ((14‬من الآية ‪ 180‬من �سورة البقرة‪.‬‬
‫(‪ ((14‬انظر ‪ :‬الأم ‪ ،106/4‬واملغني ‪ ،392/8‬والإن�صاف ‪.189/7‬‬
‫(‪� ((15‬سبق تخريجه‪.‬‬
‫(‪ ((15‬انظر ‪ :‬الكايف ‪.471/2‬‬

‫‪194‬‬

‫العدد ‪ - 55‬رجب ‪1433‬هـ ‪ -‬ال�سنة الرابعة ع�شرة‬

‫د‪�.‬أحمد بن �صالح �آل عبد ال�سالم‬
‫الف�صل الثاين‬
‫الت�صرفات ال�ضارة يف الو�صية من جهة الو�صي‬

‫وفيه مبحثان‪:‬‬
‫املبحث الأول‪ :‬عدم تنفيذ و�صية املو�صي‬

‫وهذا قد يكون �إما من الورثة‪� ،‬أو من الو�صي‪ ،‬والواجب على الو�صي‪ ،‬والورثة‬
‫تنفيذ الو�صية بقدر الإمكان �إذا كانت م�رشوعة‪.‬‬
‫ومما يدل على وجوب تنفيذ الو�صية وعدم ت�أخريها قوله تعالى‪ :‬ﮋ ﯯ ﯰ ﯱ‬
‫ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸﯹ ﯾ ﮊ(‪.((15‬‬
‫ووجه الداللة من الآية‪� :‬أن وقوع الإثم على من ّبدل الو�صية ‪،‬يدل على وجوب‬
‫تنفيذها‪ ،‬و�إال مل يكن لرتتيب الإثم على التبديل معنى‪.‬‬
‫أو�صت ب�أن يخرج من ثلث‬
‫وقد قال �شيخ الإ�سالم ابن تيمية ‪ -‬رحمه اهلل ‪� :-‬إذا � ْ‬
‫مالها ما ي�رصف يف قربة هلل وطاعته‪ ،‬وجب تنفيذ و�صيتها‪�.‬أ‪.‬هـ‪.‬‬
‫وقد ذكر ذلك يف وجوب تنفيذ الو�صية عر�ضاً‪ ،‬يف عدة موا�ضع من الفتاوى(‪.((15‬‬
‫وقال ال�شوكاين(‪ ((15‬رحمه اهلل يف ال�سيل اجلرار يف وجوب تنفيذ الو�صية‪ :‬و�إنفاذ‬
‫الو�صي‪� ،‬أو على الوارث‪� ،‬أو على الإمام واحلاكم؛ لأن يف �إهماله‬
‫ذلك واجب على‬
‫ِّ‬
‫�إهما ًال حلق امرئ م�سلم‪ ،‬وهو منكر يجب �إنكاره‪ ،‬وما عرف من الق�صد فله حكم‬
‫(‪� ((15‬سورة البقرة من الآية ‪.181‬‬
‫(‪ ((15‬فتاوى �شيخ الإ�سالم ‪.383،320 ،315/31‬‬
‫(‪ ((15‬ال�شوكاين هو‪ :‬حممد بن علي بن حممد ال�شوكاين‪ ،‬ولد بهجرة �شوكان‪ ،‬من بالد خوالن‪� ،‬سنة ‪1173‬هـ ون�ش�أ‬
‫ب�صنعاء‪ ،‬وويل ق�ضاءها �سنة ‪1229‬هـ من م�صنفاته‪ :‬نيل الأوطار �شرح منتقى الأخبار‪ ،‬وفتح القدير يف التف�سري‪ ،‬وال�سيل‬
‫اجلرار يف الفقه‪ ،‬وغريها‪.‬‬
‫انظر ترجمته يف ‪ :‬البدر الطالع ‪ ،214/2‬ومقدمة نيل الأوطار ‪ ،3/1‬والأعالم للزركلي ‪.298/6‬‬

‫العدد ‪ - 55‬رجب ‪1433‬هـ ‪ -‬ال�سنة الرابعة ع�شرة‬

‫‪195‬‬

‫الت�صرفات ال�ضارة يف الو�صية الو�صية‬

‫اللفظ‪� ،‬إذ لي�س املراد باللفظ �إال جمرد الداللة على املعنى الذي يريده الالفظ‪ ،‬وقد‬
‫ح�صل هذه الداللة بالق�صد �أ‪.‬هـ(‪.((15‬‬
‫املبحث الثاين‪ :‬الأكل من مال اليتيم‬

‫وفيه مطلبان‪:‬‬
‫املطلب الأول‪ :‬حكم الأكل من مال اليتيم‬

‫للو�صي �أن ي�أكل من مال يتيمه عند احلاجة‪ ،‬بقدر عمله ولكن هل يرد ما �أكله من‬
‫مال اليتيم �أم ال؟ �أو مبعنى �آخر هل ي�أكل من مال اليتيم على �سبيل اال�ستقرا�ض؟‬
‫اختلف العلماء يف هذه امل�س�ألة على قولني‪:‬‬
‫‪ 1‬القول الأول‪� :‬أن للو�صي �أن ي�أكل من مال اليتيم �إذا كان يقوم عليه‪ ،‬ب�رشط‬
‫�أن يكون فقرياً وحمتاجاً‪ ،‬وال يرد ما �أكله من مال اليتيم‪ ،‬وهذا قول ال�شافعية(‪،((15‬‬
‫واحلنابلة(‪ ،((15‬وهو قول جماعة من ال�سلف منهم عطاء(‪ ،((15 ((15‬وعكرمة(‪،((16 ((16‬‬
‫والنخعي(‪ ،((16‬والب�رصي(‪ ،((16 ((16‬رحمهم اهلل ‪.‬‬
‫(‪ ((15‬انظر‪ :‬ال�سيل اجلرار لل�شوكاين ‪، 479/4‬‬
‫(‪ ((15‬انظر ‪ :‬تف�سري القر�آن العظيم البن كثري ال�شافعي ‪.190/2‬‬
‫(‪ ((15‬انظر ‪ :‬املبدع ‪.346/4‬‬
‫(‪ ((15‬عطاء بن �أبي رباح‪ ،‬بن �أ�سلم من �صفوان املكي‪ ،‬القر�شي‪ ،‬تويف �سنة ‪114‬هـ‬
‫(‪ ((15‬انظر قوله يف ‪ :‬م�صنف عبدالرزاق ‪ ،148/1‬وتف�سري ابن جرير ‪.587/70‬‬
‫(‪ ((16‬عكرمة �أبو عبداهلل القر�شي موالهم املدين تويف �سنة ‪105‬هـ انظر ترجمته يف‪ :‬طبقات ابن �سعد ‪ ،287/5‬و�سري �أعالم‬
‫النبالء ‪.12/5‬‬
‫(‪ ((16‬انظر قوله يف ‪ :‬م�صنف عبدالرزاق ‪ ،148/1‬و�سنن �سعيد بن من�صور ‪.1154/3‬‬
‫(‪ ((16‬انظر قوله يف ‪ :‬م�صنف عبدالرزاق ‪.148/1‬‬
‫(‪ ((16‬احل�سن بن احل�سن بن ي�سار الب�صري مولى زيد بن ثابت‪� ،‬شيخ �أهل الب�صرة‪ ،‬كان عابداً فقيها رحمه اهلل‪ .‬انظر‬
‫ترجمته يف‪ :‬البداية والنهاية ‪.266/9‬‬
‫(‪ ((16‬انظر قوله يف‪ :‬م�صنف عبدالرزاق ‪ ،148/1‬وتف�سري ابن جرير ‪587/7‬‬

‫‪196‬‬

‫العدد ‪ - 55‬رجب ‪1433‬هـ ‪ -‬ال�سنة الرابعة ع�شرة‬

‫د‪�.‬أحمد بن �صالح �آل عبد ال�سالم‬

‫وقد ا�ستدل �أ�صحاب هذا القول مبا يلي‪:‬‬
‫‪ -1‬قوله تعالى‪ :‬ﮋﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﮊ(‪.((16‬‬
‫عن عائ�شة ر�ضي اهلل عنها قالت‪�« :‬أنزلت يف ويل اليتيم‪� ،‬أن ي�صيب من ماله‪،‬‬
‫�إذا كان حمتاجاً بقدر عمالته باملعروف»(‪ ،((16‬وقالوا‪� :‬إن الآيات التي وردت بجواز‬
‫الأكل من مال اليتيم باملعروف‪� ،‬أباحت الأكل من غري بدل‪.‬‬
‫‪ -2‬كذلك ف�إن اهلل نهى الو�صي عن التبذير عند جواز الأكل من �أموال اليتامى‬
‫فقال �سبحانه‪ :‬ﮋ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﮊ(‪ ، ((16‬مما يدل على جواز الأكل‬
‫عند احلاجة بدون بدل(‪.((16‬‬
‫‪ -3‬عن عمرو بن �شعيب عن �أبيه عن جده‪� ،‬أن رج ًال �أتى النبي �صلى اهلل عليه‬
‫و�سلم فقال‪ :‬لي�س يل مال‪ ،‬ويل يتيم ؟ فقال له الر�سول �صلى اهلل عليه و�سلم ‪« :‬كل‬
‫من مال يتيمك غري م�رسف»(‪.((16‬‬
‫القول الثاين‪� :‬أن الو�صي ي�أكل من مال اليتيم �إذا كان حمتاجاً لذلك‪ ،‬ولكنه ي�ؤدي ويق�ضي‬
‫ما �أكل م�ستقب ًال‪ ،‬وهذا القول يروى عن عبيدة(‪ ((17‬ال�سلماين‪ ،‬و�سعيد بن جبري(‪،((17 ((17‬‬
‫(‪� ((16‬سورة الن�ساء من الآية ‪.6‬‬
‫(‪� ((16‬أخرجه البخاري يف �صحيحه يف كتاب التف�سري برقم ‪ 4575‬وم�سلم يف التف�سري برقم ‪.3019‬‬
‫(‪� ((16‬سورة الن�ساء من الآية ‪.6‬‬
‫(‪ ((16‬انظر‪ :‬تف�سري القرطبي ‪.41/5‬‬
‫(‪� ((16‬أخرجه الن�سائي يف �سننه يف الو�صايا‪ ،‬و�أحمد يف م�سنده ‪ ،186/2‬و‪ ،215‬و�أبو داود يف �سننه يف الو�صايا برقم ‪،2872‬‬
‫وابن ماجه يف �سننه يف الو�صايا‪ ،‬وهذا احلديث يتقوى بحديث عائ�شة املتقدم فهو ح�سن الإ�سناد‪.‬‬
‫(‪ ((17‬انظر قول عبيده يف ‪� :‬سنن �سعيد بن من�صور ‪ 1163/3‬برقم ‪ ،574‬وتف�سري ابن جرير ‪ ،583/7‬وابن �أبي �شيبة يف‬
‫امل�صنف ‪ 380/6‬برقم ‪.1420‬‬
‫(‪� ((17‬سعيد بن جبري بن ه�شام‪� ،‬أبو عبداهلل الأ�سدي الوالبي‪ ،‬موالهم‪ ،‬الكويف‪ ،‬الإمام احلافظ املقرئ املف�سر ال�شهيد كما‬
‫ذكر ذلك الذهبي يف ال�سري ‪ ،321/4‬وقد روى عن ابن عبا�س ف�أكرث وج ّود‪ ،‬وعن عائ�شة وجماعة من ال�صحابة‪ ،‬وح ّدث عنه‬
‫�أبو �صالح ال�سمان و�أيوب ال�سختياين وجماعة من التابعني‪ ،‬وقد قتله احلجاج يف �سنة ‪95‬هـ ‪ -‬رحمه اهلل ‪.-‬‬
‫انظر ترجمته يف ‪ :‬طبقات ابن �سعد ‪ ،256/6‬وتذكرة احلفاظ ‪ ،71/‬و�سري �أعالم النبالء ‪.321/4‬‬
‫(‪ ((17‬انظر قوله يف ‪ :‬تف�سري الطربي ‪ ،584/7‬و�سنن �سعيد بن من�صور ‪ ،1164/3‬برقم ‪.575‬‬

‫العدد ‪ - 55‬رجب ‪1433‬هـ ‪ -‬ال�سنة الرابعة ع�شرة‬

‫‪197‬‬

‫الت�صرفات ال�ضارة يف الو�صية الو�صية‬

‫وجماهد(‪ ،((17 ((17‬والأوزاعي(‪.((17 ((17‬‬
‫وهو قول �أ�صحاب الر�أي(‪.((17‬‬
‫وا�ستدل �أ�صحاب هذا القول مبا يلي‪:‬‬
‫الدليل الأول‪� :‬أن عمر ر�ضي اهلل عنه قال‪� :‬إين �أنزلت نف�سي من هذا املال‬
‫منـزلة وايل اليتيم‪� ،‬إذا احتجت �أخذت منه‪ ،‬ف�إذا �أي�رست رددته‪ ،‬و�إن ا�ستغنيت‬
‫ا�ستعففت(‪.((17‬‬
‫الدليل الثاين‪ :‬قالوا �إن مال اليتيم على احلظر‪ ،‬و�إمنا �أبيح للحاجة‪ ،‬فريد بدله‪،‬‬
‫ك�أكل مال الغري للم�ضطر عند احلاجة(‪.((17‬‬
‫الرتجيح‪ :‬الذي يظهر ‪ -‬واهلل �أعلم بال�صواب ‪� -‬صحة القول الأول وهو الأكل‬
‫باملعروف ملن كان حمتاجاً‪ ،‬وال يرد ما �أكل‪ ،‬وال ي�أكل على �سبيل اال�ستقرا�ض؛ وذلك‬
‫لأن الآيات والأحاديث التي جاءت لي�س فيها �أن الو�صي يرد ما �أكله‪ ،‬وهي ن�ص يف‬
‫امل�س�ألة‪ ،‬وقد علم �أن ت�أخري البيان عن وقت احلاجة ال يجوز‪.‬‬
‫و�أما �أثر عمر ر�ضي اهلل عنه فهناك من �ض ّعفه من الأئمة لأمور منها‪:‬‬
‫عنعنة �أبي �إ�سحاق ومل ي�رصح هنا بال�سماع‪ ،‬وعلى �صحة هذا اخلرب ف�إنه حممول‬
‫(‪ ((17‬جماهد بن جرب املكي‪ ،‬الأ�سود املخزومي موالهم‪ ،‬مولى ال�سائب بن �أبي ال�سائب املخزومي‪ ،‬وهو �شيخ القراء‬
‫واملف�سرين‪ ،‬وقد �أخذ عن ابن عبا�س القر�آن والتف�سري والفقه‪ ،‬قال عنه �أبو نعيم ‪ :‬مات جماهد وهو �ساجد‪ ،‬وكان ذلك‬
‫�سنة ‪.102‬‬
‫انظر ترجمته يف ‪ :‬حلية الأولياء ‪ ،279/3‬وتذكرة احلفاظ ‪.92/1‬‬
‫(‪ ((17‬انظر قوله يف ‪� :‬سنن �سعيد بن من�صور ‪ ،1164/2‬وتف�سري ابن جرير ‪.584/7‬‬
‫(‪ ((17‬عبدالرحمن بن عمرو بن يحمد الأوزاعي ولد �سنة ‪88‬هـ وهو عامل �أهل ال�شام‪ ،‬وهو فقيه فا�ضل جليل‪ ،‬تويف �سنة‬
‫‪157‬هـ‪.‬انظر ترجمته يف ‪ :‬طبقات ابن �سعد ‪ ،488/7‬وحلية الأولياء ‪ ،135/6‬و�سري �أعالم النبالء ‪.107/7‬‬

‫(‪ ((17‬انظر قوله يف ‪ :‬تف�سري القر�آن العظيم البن كثري ‪.190/2‬‬
‫(‪ ((17‬انظر ‪ :‬خمت�صر اختالف العلماء ‪ ،79/5‬وحا�شية ابن عابدين ‪.713/6‬‬
‫(‪� ((17‬أخرجه ابن �سعد يف الطبقات ‪ ،209/3‬والبيهقي يف ال�سنن ‪ ،504/6‬من طريق �سعيد بن من�صور عن �أبي الأحو�ص‪،‬‬
‫عن �أبي �إ�سحاق‪ ،‬عن الرباء قال ‪ :‬قال عمر … احلديث‪.‬‬
‫(‪ ((17‬انظر ‪ :‬جامع �أحكام الو�صايا وفقهها �ص‪.213‬‬

‫‪198‬‬

‫العدد ‪ - 55‬رجب ‪1433‬هـ ‪ -‬ال�سنة الرابعة ع�شرة‬

‫د‪�.‬أحمد بن �صالح �آل عبد ال�سالم‬

‫على التورع واالحتياط‪ ،‬ولذلك ف�إن عمر ر�ضي اهلل عنه قال‪� :‬إين �أنزلت نف�سي فقد‬
‫جعل هذا ال�شيء لنف�سه ومل يلزم به بقية امل�سلمني‪.‬‬
‫املطلب الثاين‪ :‬حكم �إف�ساد مال اليتيم‬

‫�أجمع �أهل العلم على حترمي الأكل من مال اليتيم لغري حاجة‪ ،‬كما �أجمعوا كذلك‬
‫على حترمي �إف�ساد ماله ‪ ،‬والعبث به(‪ ،((18‬ويدل لذلك‪:‬‬
‫‪ - 1‬قوله تعالى‪ :‬ﮋ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎﮏ‬

‫ﮐﮑﮒﮊ‬

‫(‪((18‬‬

‫قال القرطبي يف تف�سريه‪ :‬قال اجلمهور‪� :‬إن املراد الأو�صياء الذين ي�أكلون يف‬
‫بطونهم ما مل يبح لهم من مال اليتيم(‪.((18‬‬
‫‪ - 2‬قال �سبحانه‪:‬ﮋﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﮊ (‪.((18‬‬
‫قال القرطبي‪ :‬فدل الكتاب وال�سنة على �أن �أكل مال اليتيم من الكبائر(‪.((18‬‬
‫‪ - 3‬عن �أبي هريرة ر�ضي اهلل عنه عن النبي �صلى اهلل عليه و�سلم قال‪« :‬اجتنبوا‬
‫ال�سبع املوبقات»‪ ،‬قالوا‪ :‬يا ر�سول اهلل وما هن؟ قال‪« :‬ال�رشك باهلل‪ ،‬وال�سحر‪ ،‬وقتل‬
‫النف�س التي حرم اهلل �إال باحلق‪ ،‬و�أكل الربا‪ ،‬و�أكل مال اليتيم‪ ،‬والتويل يوم الزحف‪،‬‬
‫وقذف املح�صنات الغافالت امل�ؤمنات»(‪.((18‬‬
‫(‪ ((18‬وحكى الإجماع ابن عبدالرب‪ ,‬اال�ستذكار برقم‪،3986‬انظر‪:‬مو�سوعة الإجماع ‪1191/3‬‬
‫(‪� ((18‬سورة الن�ساء من الآية ‪.10‬‬
‫(‪ ((18‬انظر‪ :‬تف�سري القرطبي ‪.53/5‬‬
‫(‪� ((18‬سورة الأنعام من الآية ‪.152‬‬
‫(‪ ((18‬انظر‪ :‬تف�سري القرطبي ‪.53/5‬‬

‫(‪� ((18‬أخرجه البخاري يف الو�صايا‪ ،‬باب قوله تعالى‪ :‬ﮋ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮊ برقم‬
‫‪،2767‬وم�سلم يف الإميان يف باب الكبائر و�أكربها برقم ‪.262‬‬
‫العدد ‪ - 55‬رجب ‪1433‬هـ ‪ -‬ال�سنة الرابعة ع�شرة‬

‫‪199‬‬

‫الت�صرفات ال�ضارة يف الو�صية الو�صية‬

‫وكان طاوو�س �إذا �سئل عن �أمر اليتامى قر�أ‪« :‬واهلل يعلم املف�سد من امل�صلح»(‪.((18‬‬
‫املطلب الثالث‪ :‬حكم خلط مال الو�صي مبال اليتيم‬

‫للو�صي �أن يخلط مال اليتيم يف ماله‪ ،‬وطعامه‪ ،‬و�رشابه‪ ،‬ونحو ذلك‪ ،‬ولكن‬
‫ِّ‬
‫يحذر من الإف�ساد(‪.((18‬‬
‫ويدل لذلك قوله تعالى‪ :‬ﮋ ﭕ ﭖ ﭗﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜﭝ ﭞ ﭟ‬
‫ﭠ ﮊ(‪.((18‬‬
‫قال الإمام ابن جرير الطربي ‪ -‬رحمه اهلل ‪ -‬يف ت�أويل قوله تعالى‪ :‬ﮋ ﭕ ﭖ‬
‫ﭗﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﮊ(‪.((18‬‬
‫فت�أويل الآية �إذاً‪ :‬وي�س�ألك يا حممد �أ�صحابك عن مال اليتامى‪ ،‬وخلطهم �أموالهم‬
‫بها يف النفقة واملطاعمة وامل�شاربة‪ ،‬وامل�ساكنة واخلدمة‪ ،‬فقل لهم‪ :‬تف�ضلكم عليهم‬
‫ب�إ�صالحكم �أموالهم‪ ،‬من غري مرزئة(‪� ((19‬شيء من �أموالهم‪ ،‬وغري �أخذ عو�ض من‬
‫�أموالهم على �إ�صالحكم ذلك لهم ـ خري لكم عند اهلل‪ ،‬و�أعظم لكم �أجراً‪ ،‬ملا لكم يف‬
‫ذلك من الأجر والثواب‪ ،‬وخري لهم يف �أموالهم يف عاجل دنياهم‪ ،‬ملا يف ذلك من‬
‫توفر �أموالهم عليهم‪ ،‬و�إن تخالطوهم فت�شاركوهم ب�أموالكم �أموالهم يف نفقاتكم‬
‫ومطاعمكم وم�شاربكم وم�ساكنكم‪ ،‬فت�ضموا من �أموالهم عو�ضاً من قيامكم ب�أمورهم‬
‫و�أ�سبابهم‪ ،‬و�إ�صالح �أموالهم‪ ،‬فهم �إخوانكم‪ ،‬والإخوان يعني بع�ضهم بع�ضاً‪ ،‬ويكنف‬
‫(‪� ((18‬أخرجه البخاري تعليقاً ب�صيغة اجلزم يف الو�صايا‪ ,‬باب‪ :‬وي�س�ألونك عن اليتامى رقم ‪.2767‬‬
‫(‪ ((18‬انظر ‪ :‬املب�سوط ‪28/28‬و‪ ،29‬واجلامع لأحكام القر�آن للقرطبي ‪ ،43/3‬واحلاوي الكبري ‪344/8‬و‪ ،345‬واملبدع ‪.337/4‬‬
‫(‪� ((18‬سورة البقرة من الآية ‪.220‬‬
‫(‪� ((18‬سورة البقرة من الآية ‪.220‬‬
‫(‪ ((19‬مرزئة ‪� :‬أي نق�صان‪ ،‬وانظر‪ :‬ل�سان العرب ‪.1634/3‬‬

‫‪200‬‬

‫العدد ‪ - 55‬رجب ‪1433‬هـ ‪ -‬ال�سنة الرابعة ع�شرة‬

‫د‪�.‬أحمد بن �صالح �آل عبد ال�سالم‬

‫بع�ضهم بع�ضاً‪ ،‬فذو املال يعني ذا الفاقة‪ ،‬وذو القوة يف اجل�سم يعني ذا ال�ضعف‪،‬‬
‫يقول جل ذكره‪ :‬ف�أنتم �أيها امل�ؤمنون‪ ،‬و�أيتامكم كذلك‪� ،‬إن خالطتموهم ب�أموالكم‪،‬‬
‫وخلطتم طعامكم بطعامهم‪ ،‬و�رشابكم ب�رشابهم‪ ،‬و�سائر �أموالكم ب�أموالهم‪ ،‬ف�أ�صبتم‬
‫من �أموالهم ف�ضل مرفق مبا كان منكم من قيامكم ب�أموالهم ووالئهم‪ ،‬ومعاناة �أ�سبابهم‬
‫على النظر منكم لهم نظر الأخ ال�شفيق لأخيه‪ ،‬العامل فيما بينه وبينه مبا �أوجب اهلل‬
‫عليه‪ ،‬و�ألزمه‪ ،‬فذلك لكم حالل؛ لأنكم �إخوان بع�ضكم لبع�ض(‪� .((19‬أ‪.‬هـ‪.‬‬
‫وينبغي �أن يراعى يف هذه املخالطة ما هو �أ�صلح لليتيم‪ ،‬ولذلك يقول �شيخ‬
‫الإ�سالم ابن تيمية رحمه اهلل تعالىو�إذا كان خلط طعامه بطعام الرجل �أ�صلح لليتيم‪،‬‬
‫فعل ذلك‪ ،‬كما قال تعالى‪ :‬ﮋﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡ‬
‫ﭢﭣﭤﭥﭦﮊ(‪ ((19‬ف�إن ال�صحابة كانوا ملا توعد اهلل على من ي�أكل مال‬
‫اليتيم بالعذاب العظيم‪ ،‬كانوا مييزون طعام اليتيم عن طعامهم فيف�سد‪ ،‬ف�س�ألوا عن‬
‫ذلك النبي ‪� -‬صلى اهلل عليه و�سلم ‪ -‬ف�أنزل اهلل هذه الآية(‪� .((19‬أ‪.‬هـ‪.‬‬
‫اخلامتة‬

‫احلمد هلل الذي بنعمته تتم ال�صاحلات‪ ،‬كما �أحمده على �أن ي�رس و�أعان على كتابة‬
‫هذا البحث‪ ،‬ويف النهاية‪� ،‬أخل�ص ما ظهر يل من هذا البحث‪ ،‬وذلك يف �ضوء‬
‫النقاط التالية‪:‬‬
‫‪� - 1‬أن الو�صية م�رشوعة على �سبيل اال�ستحباب‪ ،‬وعلى �سبيل الوجوب‪ ،‬فمن‬
‫(‪ ((19‬انظر‪ :‬جامع البيان للطربي ‪218/2‬ــ‪ ،219‬وقد ذكر الطربي هناك عدة �آثار بنحو ذلك فلرتاجع‪.‬‬
‫(‪� ((19‬سورة البقرة من الآية ‪.220‬‬
‫(‪ ((19‬انظر‪ :‬جمموع فتاوى �شيخ الإ�سالم ‪.331/31‬‬

‫العدد ‪ - 55‬رجب ‪1433‬هـ ‪ -‬ال�سنة الرابعة ع�شرة‬

‫‪201‬‬

‫الت�صرفات ال�ضارة يف الو�صية الو�صية‬

‫كان عليه دين‪� ،‬أو عنده وديعة‪ ،‬فيجب �أن يو�صي بذلك براءة لذمته‪ ،‬ووفاء مبا عليه‬
‫من حقوق الآخرين‪ ،‬ويجوز له على �سبيل اال�ستحباب‪� ،‬أو الإباحة �أو �أن يو�صي‬
‫بجزء من ماله‪ ،‬ملن يراه �أه ًال لها‪� ،‬سواء كان ذلك على �سبيل التمليك‪� ،‬أو كان على‬
‫�سبيل الوقف املعلق بالوفاة‪.‬‬
‫‪� - 2‬أن امل�رشوع يف الو�صية �أن ال تزيد على الثلث‪ ،‬ف�إن زادت عن الثلث‪ ،‬بطل‬
‫ما زاد عنه ـ �إال ب�إجازة الورثة‪.‬‬
‫‪� 3‬أن الو�صية ال تكون لوارث‪ ،‬ف�إن �أو�صى بذلك بطلت �إال ب�إجازة الورثة‪.‬‬
‫‪� - 4‬أن تكون الو�صية مبا يجوز متلكه‪ ،‬فال ت�صح الو�صية ب�أمر حمرم‪� ،‬أو مبع�صية‪.‬‬
‫‪� - 5‬أن الو�صية جائزة مادام املو�صي حياً‪ ،‬فله حق الرجوع عنها ‪�،‬أو تغيريها‪� ،‬أو‬
‫تبديلها‪ ،‬ف�إذا مات لزمت‪ ،‬وتعينَّ �إنفاذها ب�رشوطها‪.‬‬
‫‪� - 6‬أنه يجب على الو�صي �أن ينفذ الو�صية ما دامت م�رشوعة‪.‬‬
‫‪ - 7‬ينبغي على طلبة العلم والعلماء تعليم النا�س ب�أحكام الو�صية‪ ،‬وبيان‬
‫الت�رصفات ال�ضارة فيها‪.‬‬
‫و�أخر دعوانا �أن احلمد هلل رب العاملني‪ ،‬و�صلى اهلل و�سلم على نبينا حممد وعلى‬
‫�آله و�صحبه �أجمعني‪.‬‬

‫‪202‬‬

‫العدد ‪ - 55‬رجب ‪1433‬هـ ‪ -‬ال�سنة الرابعة ع�شرة‬


Aperçu du document bdroitn.attasarrofat addara....pdf - page 1/34
 
bdroitn.attasarrofat addara....pdf - page 2/34
bdroitn.attasarrofat addara....pdf - page 3/34
bdroitn.attasarrofat addara....pdf - page 4/34
bdroitn.attasarrofat addara....pdf - page 5/34
bdroitn.attasarrofat addara....pdf - page 6/34
 




Télécharger le fichier (PDF)


bdroitn.attasarrofat addara....pdf (PDF, 474 Ko)

Télécharger
Formats alternatifs: ZIP



Sur le même sujet..