خيول الظلام .pdf


À propos / Télécharger Aperçu
Nom original: خيول الظلام.pdf
Titre: خيول الظلام
Auteur: علي الصراف

Ce document au format PDF 1.4 a été envoyé sur fichier-pdf.fr le 21/11/2018 à 14:03, depuis l'adresse IP 102.159.x.x. La présente page de téléchargement du fichier a été vue 822 fois.
Taille du document: 3.1 Mo (222 pages).
Confidentialité: fichier public


Aperçu du document


‫علي الصراف‬

‫ك‪N - ----‬‬

‫سم‬
‫‪.‬‬

‫‪.‬‬

‫‪.‬‬

‫‪-.‬‬

‫خيول الظلامم‬
‫قطر والإخوان‬
‫والشرق الأوسط الجديد‬
‫(الطبعة الثانية)‬

‫وي)‬

‫قطر والإخوان والشرق الأوسط الجديد‬

‫علي الصراف‬

2

‫و»‬

‫و»‬

‫خيول ‪oo‬اللاظعلا‬
‫قطر والإخوان والشرق‬
‫الأوسط الجديد‬

‫علي الصراف‬

‫(الطبعة الثانية)‬
‫إصدارات إي‪-‬كتب‪ ،‬لندن ‪2017‬‬

‫‪3‬‬

‫‪DarkneSS Horses‬‬
‫‪Author: Ali Alsarraf‬‬

‫‪Copyright: The author‬‬
‫‪Published by: E-Kutub Ltd‬‬

‫& ‪Distribution: Amazon, Google Books, Play Store‬‬
‫‪e-kutub.com‬‬
‫‪ISBN : 9781780581347‬‬
‫ملا‬

‫بد من مد يد‬

‫الطبعة الثانية‪ ،‬لندن‪ ،‬حزيران‪-‬يونيو ‪2017‬‬

‫تأليف‪ :‬علي الصراف‬
‫‪ ،‬شركة بريطانية مسجلة في انجلترا برقم‪7513024 :‬‬
‫‪E-kutub‬‬
‫الناشر‪dtL :‬‬
‫موزعون‪ :‬أمازون‪ ،‬غوغل بوكس‪ ،‬بلاي ستور‪ ،‬إي‪-‬كتب‬
‫جميع الحقوق محفوظة للمؤلف‪.‬‬
‫لا تجوز إعادة طباعة أي جزء من هذا الكتاب إلكترونيا أو على ورق‪ .‬كما لا‬
‫يجوز الاقتباس من دون الإشارة الى المصدر‪.‬‬

‫أي محاولة للنسخ أو إعادة النشر تعرض صاحبها الى المسؤولية القانونية‪.‬‬
‫إذا عثرت على نسخة عبر أي وسيلة أخرى غير موقع الناشر (إي‪ -‬كتب) أو‬
‫غوغل بوكس‪ ،‬أو بلاي ستور‪ ،‬أو أمازون‪ ،‬نرجو اشعارنا بوجود نسخة غير‬
‫مشروعة بالكتابة الينا‪:‬‬

‫‪ekutub.info@gmail.com‬‬

‫يمكنك الكتابة الى المؤلف على العنوان التالي‪:‬‬
‫‪alialsarraf@hotmail.com‬‬

‫لا يهدف هذا الكتاب الى المس بحصانة أمير أو وزير‬
‫ولا ينظر اليها إلا بعين الخير والأمل‬
‫ولكنه نقد لإنقياد أعمى وراء خيارات ظالمة‬
‫إنه "كلمة حق عند ذي سلطان جائر"‬
‫ونأمل أن يُصغى اليها‬

‫تلرسرات‬

‫م منا‬

‫بيته‪ ،‬ب‬

‫يعنيه تدار‬
‫ل "ذي‪.‬ن‬

‫لأبناء اهل اذي‬

‫هه‬

‫‪.‬‬

‫حاددلو‬

‫هو‬

‫ا ترب ابا‬

‫بما اكتسب‬

‫ه من‬

‫تنمية‪.‬‬

‫كتسبو‬

‫ثقافة و علم‪.‬‬

‫المحتويات‬
‫‪ -‬مقدمة الطبعة‬

‫الثانية ‪9 ..........................................‬‬

‫‪ -‬مدخل ‪15 ..........................................................‬‬

‫الفصل ‪:‬لوألا مقدمات الوهم والخطيئة‬
‫‪ -‬قطر والنفاق والإسلام السياسي‬

‫‪19 .......................‬‬

‫‪ -‬الدور والقوة بالمال‬

‫‪ -‬قناة الجزيرة‪ ،‬منبر الفوضى‬

‫ الاستثمار القطري في الخارج‪ :‬قصة إفلاس‬‫الفصل ‪:‬ىناثلا خيارات الشر‬

‫‪47 ...................................‬‬

‫ نبع الجريمة وشوكة الشيطان‬‫ "كلا انه ليس بمسلم"‬‫ الديمقراطية والعنف‬‫‪ -‬صناعة التعصب‬

‫ "نهاية التاريخ" والانسان الطائفي الأخير‬‫ الإسلام السياسي‪ ،‬حزب بلا دين‬‫ نموذج الإخواني الجديد‬‫‪ -‬شخصنة الحرب فى سوريا‪ ،‬ماذا تعنى؟‬

‫الفصل ‪:‬ثلاثلا الشرق الاوسط الجديد‬

‫‪133 ...................... .‬‬

‫ أفكار الجريمة‬‫‪" -‬حدود الدم"‪ :‬استراتيجية التفتيت والتمزيق‬

‫‪ -‬تغيير الهويات‪ :‬مشروع لتحطيم أمة‬

‫ ما حصل في يونيو‬‫‪ -‬أمريكا الغبية‬

‫الفصل ‪:‬عبارلا الخيارات الضائعة‬
‫‪ -‬الخير الذي لا جدال فيه‬

‫‪173 ...........................‬‬

‫‪ -‬لن تأخذ منها أكثر من قطعة قماش‬

‫ أن تكون مسلما بين المسلمين‬‫ ماذا يعني أن تعمل لحساب غيرك؟‬‫خاتمة ‪199 .........................................................‬‬

‫ملاحق‬

‫‪203 ........................................................‬‬

8

‫مقدمة الطبعة الثانية‬
‫لم يتبدل الكثير بين عامي صدور الطبعة الأولى (‪،)4102‬‬
‫وصدور هذه الطبعة (‪ ،)7102‬سوى أن صوت "جماعة الإخوان‬
‫المسلمين" قد خفت قليلا‪ ،‬ليوحي بنوع من "الإنحناء المؤقت أمام‬
‫العاصفة"‪ ،‬وهذا ليس بجديد‪ .‬بينما عمدت قطر الى أن تمتثل الى‬
‫مطالب الأشقاء الخليجيين الذين أعتبروا "الجماعة" تنظيما‬

‫إرهابيا‪ ،‬كما عمدت الى الحد من دعمها المكشوف لهم‪ ،‬وأن توفر‬
‫ضمانات تحول دون أن ينقلب نشاطهم الى تحد أمني‪ .‬وذلك رغم‬
‫أنها بقيت توفر ملاذا آمنا لبعض قياداتهم‪.‬‬
‫ومن الصحيح تماما القول إن تولي الأمير الشاب تميم بن حمد‬
‫آل خليفة زمام المسؤولية قد رسم أفقا جديدا للعلاقات بين الدوحة‬
‫والرياض وباقي العواصم الخليجية‪ ،‬وكان ذلك تعبيرا عن حرص‬
‫نزيه على التخلي عن استراتيجية الهدم الشامل‪ ،‬التي تبنتها قطر‪،‬‬

‫على الأقل في محيطها الخليجي‪ ،‬إلا أن العنصر الأهم في تلك‬
‫الاستراتيجية لم يتغير‪.‬‬

‫القناعة بأن هناك شيء يدعى "إسلام سياسي" معتدل‪ ،‬ظلت‬
‫كما هي‪ .‬وهذه مجرد خرافة مطلقة‪.‬‬
‫كما ظلت جماعة الإخوان تمثل من وجهة النظر الرسمية‬

‫القطرية ذلك "الإعتدال" الخرافي الذي يتعين حمايته وإتاحة‬

‫الفرصة له‪ ،‬لكيلا يتم الدفع به الى صفوف الإرهاب‪ ،‬والنظر اليه‬
‫كبديل سياسي قابل للتطويع‪.‬‬
‫الإيمان بالخرافات أمر مكلف عادة‪ .‬ولقد ثبت على مدار‬

‫الوقت‪ ،‬أن "الإسلام السياسي" (بمعنى الجماعات التي تتخذ من‬
‫الإسلام ستارا لممارسة السياسة)‪ ،‬لا يمكنه أن يكون معتدلا‪.‬‬
‫أولا‪ ،‬لأنه تكفيري بطبيعته‪.‬‬

‫وثانيا‪ ،‬لأن إعتداله المزعوم لم يتأسس على قبول الآخر‪ ،‬ولا‬
‫على قيم التعددية‪ ،‬ولا احترام حقوق الإنسان‪ ،‬ولا احترام الأقليات‪،‬‬
‫ولا حتى على قبول مبدأ إن الإسلام يقبل الاختلاف فيه كما يقبل‬
‫التعايش حتى مع الكفر‪( .‬وقل الحق من ربكم‪ ،‬فمن شاء فليؤمن‬

‫ومن شاء فليكفر)‪ .‬كما أنه ظل ينظر الى قيم الديمقراطية نظرة‬
‫احتقار وريبة‪ .‬وظل يتطلع الى استخدامها كعمل انتهازي فحسب‪،‬‬
‫ومشروعه النهائي (إقامة دولة الخلافة) ظل كما هو طبعا‪.‬‬

‫وثالثا‪ ،‬لأنه منتج‪ ،‬بطبيعته‪ ،‬للتطرف‪ .‬فما من مدرسة فكرية‬
‫غلبت أو سادت‪ ،‬إلا وكان من طبيعتها أن تنتج تطرفا على يمينها‬
‫وآخر على يسارها‪ .‬وتطرف "الاعتدال" الإسلامي ظل صفة‬
‫ملازمة لوجود مختلف التنظيمات الإسلاموية‪ ،‬وفي مقدمتها تنظيم‬

‫الإخوان الذي (وليس من باب الصدف أبدا) كان جهاز التوليد‬
‫الطبيعي لكل الإرهابيين‪ ،‬والتنظيمات الإرهابية الأخرى‪.‬‬
‫رابعا‪ ،‬لا يمكن النظر الى هذا "الإسلام السياسي" بمعزل عن‬

‫تاريخه‪ ،‬ولا بمعزل عن أصوله الفكرية‪ .‬وهذه لم تعرف فكرا‬
‫إصلاحيا حقيقيا‪ ،‬ولا ثورة تحرره من إرثه الدموي‪ ،‬ولا من‬
‫خامسا‪ ،‬ظل "الإسلام السياسي" تهديدا عقائديا مباشرا لمفهوم‬
‫الوطن ولوجود الدولة الحديثة‪ ،‬وللوحدة الاجتماعية القائمة على‬

‫أسس المواطنة والمساواة حيال القانون‪.‬‬
‫ولئن دافع هذا الكتاب عن الفكرة القائلة إن "الإسلام السياسي"‬
‫يعمل كقنبلة نووية لتفجير المجتمعات العربية من داخلها ولتدمير‬

‫نموذج "الدولة الوطنية" القائم‪ ،‬فقد أثبتت الحقائق المادية‪ ،‬في‬
‫سوريا كما في ليبيا كما في العراق‪ ،‬كم كان ذلك "الإسلام‬
‫السياسي" (بشقيه "السني" و"الشيعي" على حد سواء) مشروعا‬
‫فعليا للدمار الشامل‪.‬‬

‫‪10‬‬

‫وهذا إنما يفضي الى معنى واحد‪ ،‬هو أنك لا تملك إلا أحد‬
‫خيارين لا ثالث لهما‪ :‬إما أن تواصل الإيمان بتلك الخرافة‪ ،‬لتضع‬
‫رهاناتك على تفجير المجتمع وتفجير الدولة‪ ،‬لحساب نشوء كيانات‬

‫همجية تنفصل عن التحضر الإنساني برمته‪ .‬أو أن تحارب‬
‫الإرهاب من منبعه "المعتدل" بالذات‪ ،‬كما من كل منابعه الأخرى‪.‬‬
‫ملاحظتان لا بد منهما‪:‬‬

‫الأولى‪ ،‬لا أحد يمكنه القول إن نموذج "الدولة الوطنية" القائم‬
‫هو نموذج صحيح أو مكتمل‪ .‬وفي الحقيقة‪ ،‬فان بروز الإرهاب‬
‫كظاهرة هو تعبير صريح على فشل هذا النموذج‪ ،‬الذي غالبا ما‬
‫انتهى بنا الى دول ذات طبيعة استبدادية‪ ،‬تعيش على مستويات‬

‫قبيحة من الفساد‪ ،‬وعلى انتهاك دائم لقيم القانون‪ ،‬وانعدام تام‬

‫للاعتراف بحق الشعوب في أن تمارس الحد الأدنى من الحقوق‬
‫والحريات‪.‬‬

‫ولكن‪ ،‬وحيث أن "الدولة الوطنية" (في معانيها‪ ،‬وفي هيكلها‬
‫المؤسسي على الأقل) هي وحدها النموذج الذي يمكنه أن يضعنا‬
‫في مصاف الكيانات القابلة للتطور‪ ،‬وفي بيئة دولية لا تسمح بأي‬
‫شيء آخر أصلا‪ ،‬فلا خيار أمامنا إلا إعادة تأسيس هذا النموذج‬
‫على ركائز العدل والمساواة واحترام الحقوق والحريات‪ .‬وعلى‬
‫رأسها الحق‪ ،‬بأن نتفاوت وأن نختلف‪ ،‬ونبقى أحياء وأحرارا‪.‬‬

‫لقد آن الأوان لكي نعترف بأن نموذجنا الراهن للدولة الدولة‬
‫الوطنية كان نموذجا فاشلا‪ ،‬وأن هذا الفشل بالذات كان واحدا من‬

‫أهم منابع الإرهاب التي يتعين تجفيفها‪.‬‬
‫وهذا ما يشير الى أن الفشل هو فشلنا نحن‪ ،‬لا فشل المفهوم‬
‫نفسه الذي أنتج دولا متحضرة ومتقدمة وقادرة على مواصلة‬
‫التطور‪.‬‬

‫‪11‬‬

‫لقد أعطينا "ماكينة" للبناء‪ ،‬تعمل على أسس (من قبيل‬
‫"الفصل بين السلطات"‪ ،‬و"سيادة القانون"‪ ،‬و"المساواة بين‬

‫المواطنين" و"المحاسبة والمساءلة"‪ )...‬لكي تنتج تقدما‬
‫وتحضرا‪ ،‬فقمنا بتحويرها‪ ،‬لتأتي على مقاس كل دكتاتور أو‬

‫أحمق‪ ،‬فتحولت الى ماكينة تنتج تخلفا وهمجية‪.‬‬
‫والثانية‪ ،‬هي أن مؤلف‬

‫هذا‬

‫الكتاب لا "يُعادي" قطر‪ ،‬ولا‬

‫قياداتها‪ .‬إن الأخذ بزعم كهذا ينمّ عن فكرة سطحية تماما‪.‬‬
‫ويختارها من لا يريد أن يُفكر‪ ،‬أو أن يقرأ أصلا‪.‬‬

‫قطر في عيني المؤلف‪ ،‬دولة عربية عزيزة‪ .‬ومجتمعها‬
‫مجتمع كريم‪ ،‬وقياداتها تستحق‪ ،‬حتى وإن أخطأت الخيار‪ ،‬كل ما‬
‫تستحقه القيادات العربية الأخرى من التبجيل والاحترام‪.‬‬
‫إن من يحترم مفهوم "الدولة الوطنية" يتعين عليه أن يحترم‬
‫رموزها أيضا‪ ،‬ويخاطب فيها الخير والأمل‪.‬‬

‫وإذا كان من دعوة يستطيع المؤلف توجيهها لصناع القرار في‬

‫على أسس سليمة‪ ،‬بدلا من دعم عصابات "دولة الخلافة"‪ ،‬فتكسبوا‬
‫أنتم‪ ،‬كما تكسب الأمة العربية والإسلامية برمتها‪.‬‬
‫مع ذلك‪ ،‬فان هذا لا يمنع‪ ،‬ولا يفترض أن يمنع‪ ،‬من القول إن‬
‫خيارات قطر الاستراتيجية الراهنة غير مقدسة‪ .‬وإنها كغيرها قابلة‬

‫للنقد‪ ،‬بل أنها واجبة النقد حتى على الذين يقومون بصناعتها‪ ،‬وإنها‬
‫إذا اختارت دعم جماعات "الإسلام السياسي" فإنما تدعم بناء قنبلة‬
‫نووية لتفجير مجتمعات ودول بأسرها‪ ،‬بل وتدعم ما يهدد بقاءها‬

‫هي نفسها‪ ،‬دونما فائدة ولا طائل‪ ،‬غير خدمة أولئك الذين يُسعدهم‬
‫دمارنا الشامل‪.‬‬

‫‪12‬‬

‫ولسوف يلاحظ القارى‪ ،‬أنه حتى النقد هنا‪ ،‬إنما يتعلق‬
‫بـ"فلسفة الخيارات"‪ ،‬وليس بأصحابها‪ .‬والمرء إنما يفعل ذلك‬

‫مع من يحب ويحترم بالدرجة الأولى‪.‬‬
‫وعندما يتعلق الأمر بكارثة كبرى تحيق بنا من كل جانب‪ ،‬فان‬
‫المفارقة في تلك الفلسفة لا تعود مجرد "حكاية" اختلاف في‬
‫وجهات النظر‪ .‬ولهذا السبب‪ ،‬فان هذا الكتاب ما يزال يتمسك‬

‫بالقول إنه "كلمة حق عند ذي سلطان جائر"‪ ،‬حتى يدرك ذو‬

‫السلطان أنه يستحق في أنفسنا مكانة أفضل بما لديه من قدرة على‬
‫الفعل الآخر‪.‬‬

‫وحسبي أني اجتهدت‪ ،‬أما الكمال فـ لله وحده‪.‬‬

‫‪13‬‬

14

‫مدخل‬
‫يمكن لرجال السياسية أن يبرروا كل ما يفعلون‪ .‬لهذا السبب‬
‫كل شيء مما يفعلون صحيح‪ .‬يقتلون‪ ،‬يدمرون‪ ،‬ويفسدون‪،‬‬
‫ويظلون على حق دائما‪.‬‬

‫لقد اقتضى الأمر نحو أربعين عاما من ارتكاب الجريمة لكي‬
‫يقدم روبرت مكنمارا وزير الدفاع الاميركي السابق نوعا من‬
‫إعتذار في كشف حساب ذاتي‪ ،‬عما حصل في اليابان وفيتنام‪ ،‬قائلا‬
‫‪" ،‬اننا لو لم نكن‬
‫‪Ther‬‬
‫‪Foga‬‬
‫في الفيلم الوثائقي الشهير ‪of W‬‬
‫خرجنا من الحرب ضد اليابان منتصرين لكنا قد انتهينا كمجرمي‬
‫حر لب ‪.‬‬

‫‪https://www.youtube.com/watch?v=NOp3pUCHGow‬‬

‫ولكن ما النصر وما الهزيمة‪ ،‬في أي حساب شخصي‪ ،‬عن‬
‫حرب أسفرت عن قتل الملايين؟‬

‫إنهما صفر أخلاقي تام؛ إذ لا النصر نصر فعلا‪ ،‬ولا الهزيمة‬
‫تأنيب ضمير‪.‬‬
‫إنهما ضحايا وتكاليف‪.‬‬

‫إنهما بشر يتم سحقهم من أجل خدمة مصالح يجدر بكل إنسان‬
‫أن يتساءل ما هي؟ وما قيمتها على وجه الحقيقة؟‬
‫في دوامة الصراعات والنزاعات على مصالح‪ ،‬عادة ما تنخرط‬

‫الأمم في سفك دماء أحداها الأخرى‪ ،‬تحت مسميات كثيرة‬
‫وتبريرات مروعة وشعارات فارغة‪.‬‬

‫إلا أن تاريخ الشعوب‪ ،‬بكل مراراته‪ ،‬يشهد على حقيقة لا راد‬
‫لها‪ ،‬هي أنه لا نصر يدوم‪ ،‬ولا هزيمة تدوم‪ ،‬وأنه ما من مصلحة‬
‫إلا ويمكن تحقيقها بوسائل أخرى‪.‬‬
‫‪15‬‬

‫لقد حاول هتلر أن يحتل أوروبا‪ .‬وقتل من أجل ذلك عشرات‬

‫الملايين‪ ،‬في أعمال تحوّل الكثير منها الى إبادة وحشية ستظل‬
‫خالدة أمام التاريخ‪.‬‬
‫ألمانيا اليوم "تحتل" اوروبا بقدرتها على مد يد العون! وعلى‬
‫تحويل الشراكة المثمرة الى مكسب مشترك للجميع‪ .‬وآخر ما‬

‫تحتاجه هو أن ترسل جنديا ليموت في النورماندي‪.‬‬
‫لقد اكتشفنا‪ ،‬واكتشفت المانيا‪ ،‬انه ما من شيء أكثر حماقة في‬
‫التاريخ من الحرب‪ ،‬مهما بدت عادلة!‬

‫مواجهة الظلم والعدوان تبدو وكأنها الشيء الوحيد الذي يبرر‬
‫الحرب‪ .‬ولكن المظلومين هم من يجب أن ينهضوا بها‪ ،‬أولا‪.‬‬
‫وعندما تنصرهم‪ ،‬تحاشى أن يتحولوا هم أنفسهم الى ظالمين‪.‬‬
‫فما أن يتحول المظلوم الى ظالم‪ ،‬حتى لن يعود شيء عادلا‪.‬‬
‫فإذا كان من الصعب‪ ،‬بمنطق التاريخ‪ ،‬تبرير أي حرب‪ ،‬فكيف‬
‫سيمكن تبرير حرب أهلية؟‬
‫قد تعثر على حرب عادلة‪ ،‬يخوضها شعب دفاعا عن وجوده‬

‫وكيانه‪ ،‬إلا أنك لن تعثر على حرب أهلية عادلة!‬

‫وعندما يتعلق الأمر بأي نزاع داخلي‪ ،‬فانه ما أن ينطوي على‬
‫قتل أبرياء حتى لن يعود مقدسا‪.‬‬

‫والحروب الأهلية ليست أهلية إلا لأنها تتوجه‪ ،‬في الأصل‬
‫والضرورة‪ ،‬لقتل أبرياء‪ .‬لهذا السبب‪ ،‬فان البحث عن تلك‬

‫"الوسائل الأخرى"‪ ،‬هو أول السبيل لرفع الظلم‪.‬‬
‫والظلم بدوره لا يدوم‪ .‬ولو تكفلت التنمية البشرية به‪ ،‬فان‬
‫"دوامه" لن يطول‪.‬‬
‫المعالجات المسالمة للمشكلات السياسية تبدو ضعيفة وقليلة‬

‫الفاعلية في الظاهر‪ .‬إلا أنها‪ ،‬إذ توفر أسسا أمتن للتغيير‪ ،‬فإنها‬
‫أبقى من غيرها وأقرب الى الإنصاف‪.‬‬

‫‪16‬‬

‫فما بالك بمن يرخص نفسه وماله في خدمة مشروع للظلم‬
‫والتدمير؟‬

‫تمويل ودعم الإخوان المسلمين‪ ،‬وغيرهم من خيول الظلام‪،‬‬
‫من أجل أن يخوضوا حروبا أهلية هنا وهناك وهنالك‪ ،‬ليس من‬
‫العدل في شيء‪ .‬وليس له صلة بالحقوق ولا بالحريات ولا‬

‫بالديمقراطية‪ .‬إنه جزء من مشروع لاعادة رسم الخرائط في‬
‫المنطقة وفقا لرؤية عنصرية وحاقدة‪ ،‬يغذيها "خبراء" وأكاديميون‬
‫وسياسيون مصابون بالهستيريا‪.‬‬

‫قطر ليست بحاجة الى هذا أبدا‪ .‬وهذا الكتاب إنما يستعرض‬

‫جانب الحقيقة الذي لا يراه أولئك الذين يدفعوننا الى الهاوية‪ ،‬دون‬
‫أن تعرف من أجل ماذا يفعلون‪.‬‬
‫لم يجلب الامريكيون إلا الدمار للعراق الذي زعموا أنهم سوف‬
‫يزرعون الديمقراطية فيه‪ ،‬فزرعوا الفوضى والفشل والخراب‪،‬‬
‫وهو ما كان كافيا لتحويل حياة الملايين الى بؤس مطلق‪.‬‬

‫كان التبرير "الديمقراطي" قمينا بالاعتبار‪ .‬ولكن كل الأدلة‬
‫أظهرت أنه كان مجرد "تبرير" وغطاء مهلهل لواحد من أعنف‬
‫أعمال الإبادة الهمجية‪.‬‬
‫أما النتيجة‪ ،‬فكانت كارثة متعددة الأبعاد‪ ،‬بل وباهظة الكلفة‬
‫على الولايات المتحدة نفسها‪ ،‬فضلا عن العراق الذي تحوّل الى‬

‫حقل اختبار لمشروع "الشرق الأوسط الجديد"‪ .‬فما بالك بمن يريد‬
‫للمنطقة بأسرها أن تتحول الى عراق جديد؟ وما بالك بمن يدفع‬
‫المال لكي نغرق في حروب أهلية لا تنتهي؟ بل وما بالك بمن يريد‬
‫أن يجعل من خيول الظلام‪ ،‬قوة السياسة الرئيسية في عالم عربي‪،‬‬

‫مسحوق أصلا بالفقر والظلم والحرمان؟‬

‫‪17‬‬

‫هل نحن بحاجة الى المزيد؟ وهل نقدر على المزيد من الفشل؟‬
‫وهل يمكن للقتل والفساد والفوضى‪ ،‬باسم الدين والمذهب‬

‫والطائفة‪ ،‬أن يكون شيئا أكثر من مشروع لدمار شامل؟‬

‫هل يمكن للإسلام السياسي‪ ،‬أن يكون أقل من قنبلة نووية‪،‬‬
‫تفجر من حولها كل شيء‪ :‬المجتمعات والأوطان والدول معا‪.‬‬
‫حتى القنبلتين النوويتين اللتين ألقيتا على هيروشيما وناكازاكي‪،‬‬
‫لم تفعلا باليابان‪ ،‬كأمة‪ ،‬ما يفعله الإسلام السياسي بهذه المنطقة!‬
‫نحن نعرف ماذا يقول العراقيون اليوم في الجريمة التي حاقت‬
‫ببلدهم‪ ،‬تحت مسمى الديمقراطية‪ ،‬ولكن ماذا سيقول "ماكنمارا‬
‫تمويل" الإخوان المسلمين بعد أربعين عاما من تفتيت المنطقة؟‬
‫وكم سيحمل من الضحايا على كتفيه؟ كم سيبكي؟ وكم سيُبكي؟‬

‫ع‪ -‬صلى‪.‬‬

‫لندن‪ ،‬أغسطس‪ -‬آب ‪2014‬‬

‫‪18‬‬

‫مقدمات الوهم والخطيئة‬
‫ قطر والنفاق والإسلام السياسي‬‫‪ -‬الدور والقوة بالمال‬

‫‪ -‬قناة الجزيرة‪ ،‬منبر الفوضى‬

‫‪ -‬الاستثمار القطري في الخارج‪ :‬قصة إفلاس‬

‫‪19‬‬

20

‫قطر والنفاق والإسلام السياسي‬
‫سرا وعلانية‪ ،‬تدعم قطر حركات "الإسلام السياسي" في‬
‫المنطقة‪ ،‬بالمال والسلاح والترويج الدعائي‪.‬‬

‫ولكن‪ ،‬ماذا يعني هذا الدعم؟ ما أهميته بالنسبة لقطر؟ وما هو‬
‫الهدف منه؟‬

‫أسئلة بسيطة يحتاج كل‬

‫إنسان أن يتأمل فيها من دون تفلسف‬

‫زائد‬

‫هل تتعلق المسألة بدعم "الديمقراطية" مثلا؟‬
‫تعالوا ندقق‪.‬‬

‫هل الإسلام السياسي "ديمقراطي" أصلا؟ وهل‪ ،‬تتفشى‬
‫الديمقراطية في قطر الى ذلك الحد الذي يجعلها تنفق الأموال من‬
‫أجل نشر الديمقراطية أو الدفاع عنها في العالم العربي؟‬
‫عندما ينشر المرء رسالة الصدق‪ ،‬أفلا يحتاج أن يكون هو‬
‫نفسه صادقا؟ وعندما يطلب المرء من الناس أن يلتزموا بمعايير‬

‫سياسية أو دينية أو أخلاقية‪ ،‬أفليس من الأولى به أن يلتزم بها‬
‫أو لا؟‬

‫ما من دليل واحد‪ ،‬في مرجعيات وأفكار وسياسات كل حركات‬
‫الإسلام السياسي‪ ،‬يمكنه أن يثبت أن هذه الحركات تنتهج‬
‫الديمقراطية أو تقبلها‪.‬‬
‫في الواقع‪ ،‬فان كل مبرر وجود "الإسلام السياسي" يقوم في‬
‫الأصل‪ ،‬على مناهضة الديمقراطية بوصفها منهجا "ليبراليا‬
‫غربيا" يتناقض‪ ،‬في تصورهم‪ ،‬مع الإسلام‪.‬‬
‫ودع عنك الكتب والمحاضرات والمجادلات الكثيرة التي‬
‫خاضها ممثلو هذا "الإسلام السياسي" عن الديمقراطية بوصفها‬

‫كفرا‪ ،‬فإن أكثر خطاباتهم اعتدالا‪ ،‬في ظل الحملات الانتخابية‬
‫‪21‬‬

‫نفسها‪ ،‬تقول إن الديمقراطية ليست سوى وسيلة‪ ،‬يمكن استخدامها‬

‫مرة‪ ،‬لكي لا يتم استخدامها في أي مرة بعد ذلك‪ ،‬حيث يجب أن‬
‫تعود الحاكمية الى الله وشريعته‪.‬‬

‫وهؤلاء الناس لا يخفون شيئا من نواياهم المناهضة‬
‫للديمقراطية‪.‬‬

‫فإذا كان الأساس الأول للديمقراطية يقتضي مبدأ القبول‬
‫بالتداول السلمي للسلطة‪ ،‬فان هؤلاء الناس إذا تسلموا سلطة فانهم‬

‫لا يعتزمون تركها‪ ،‬لأنهم يعتقدون أن سلطتهم هي سلطة الله‪ ،‬والله‬
‫لا يجوز أن يسلم سلطته لأي أحد‪ .‬والله لا يعترف بحق أي أحد‬
‫أن يتسلمها منه (أي منهم‪ ،‬باعتبارهم وكلاء الله على الأرض)‪.‬‬
‫والديمقراطية في نظرهم صنؤ للعلمانية‪ ،‬والعلمانية كفر‪.‬‬

‫وإذا كانت الديمقراطية تعني قبولا بتعددية الفكر والرأي‪ ،‬فكل‬
‫فكر غير فكرهم كافر‪ ،‬وكل رأي غير رأيهم في النار‪.‬‬
‫وإذا كان "الإخواني لا يتزوج إلا من إخوانية" حسب شريعة عصام‬

‫العريان‪ ،‬فمحمد (صلى الله عليه وسلم)‪ ،‬لم يكن إلا كافرا عندما‬
‫تزوج من قباطية!‬

‫ر‬

‫هذا هو "الإسلام السياسي"‪ .‬إنه شريعة تكفير وتجريم للاخر‪.‬‬
‫كما إنه شريعة نفاق صريح‪ ،‬وفصيح‪.‬‬

‫وهذا ما لا علاقة له لا من قريب ولا من بعيد‪ ،‬بأي‬
‫ديمقراطية‪ ،‬ولا بأي قيمة من قيمها‪.‬‬
‫وواقع "الديمقراطية" في قطر‪ ،‬يقول انه لا توجد احزاب‪ ،‬ولا‬
‫توجد تعددية‪ ،‬ولا توجد انتخابات‪ ،‬ولا يوجد برلمان‪ ،‬ولا توجد‬

‫منافسات سياسية في أي مركز من مراكز السلطة أو المسؤولية‪،‬‬
‫ولا يوجد فكر يناقش فكرا على طول البلد وعرضه‪.‬‬

‫فبأي آلاء ربكما تكذبان؟‬

‫‪22‬‬

‫إذا لم تكن الديمقراطية هي الهدف من دعم "الاسلام السياسي"‪،‬‬

‫فما هو الهدف؟ هل يمكن أن يكون الإسلام نفسه هو الهدف؟‬
‫تعالوا ندقق‪.‬‬

‫هناك ما يبثت‪ ،‬بالدليل القاطع‪ ،‬أن الإسلام هو دين التعددية‬
‫الأول‪ .‬أما دين "الإسلام السياسي" فانه ينبذ التعددية ويرفض‬
‫الاختلاف‪.‬‬

‫وهناك ما يثبت‪ ،‬بالدليل القاطع أيضا‪ ،‬إن الإسلام لا يقبل من‬
‫رسول الله نفسه‪ ،‬أن يحساب الناس حتى ولو كفروا‪ .‬أما دين‬
‫"الإسلام السياسي" فانه دين الحساب والعقاب والقتل والترويع‪.‬‬

‫وهناك ما يبثت‪ ،‬بالدليل القاطع أيضا وأيضا‪ ،‬أن الإكراه غير‬
‫مقبول في الدين نفسه فما بالك بكل شيء آخر؟ بينما الإكراه (في‬
‫الدين وغيره) هو دين "الإسلام السياسي"‪.‬‬

‫فهل دين أهل الإسلام السياسي من الإسلام في شيء؟ بل هل‬
‫قرأوا كتاب الله فعلا؟ هل تمعنوا في دلالاته ومعانيه؟‬
‫يقول تعالى‪:‬‬
‫"وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر" (الكهف ‪)92‬‬

‫"قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها" (الأنعام‬
‫‪(104‬‬

‫"من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر وازرة‬
‫وزر أخرى" (الإسراء ‪)51‬‬

‫"يضل من يشاء ويهدي من يشاء" (فاطر ‪)8‬‬
‫"ولو شاء ربك لجعل النّاس أمّة واحدة ولا يزالون مُختلفين" (هود‪)811:‬‬
‫"ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا‪ ،‬أفأنت تكره الناس حتى‬
‫يكونوا مؤمنين" (يونس ‪)99‬‬

‫ثم‪" :‬لا إكراه في الدين" (البقرة ‪)652‬‬

‫ويقول سبحانه وتعالى‪" :‬فذكر إنما أنت مُذكز (‪ )12‬لست عليهم‬
‫بمُصيطر (‪ )22‬إلا مَن تَوَلى وَكفَرَ (‪ )32‬فَيُعَذِّبُهُ ا لَّهُ العذاب الأكبر (‪ )42‬إنّ‬
‫إلينا إيّابهمْ (‪ )52‬ثمّ إنّ علينا جسابهم"‪( .‬الغاشية)‪.‬‬
‫‪23‬‬

‫(وهو ما يعني أن حسابهم ليس على الرسول نفسه‪ ،‬فما بالك‬
‫بمحمد مرسي‪ ،‬رسول الإخوان الذي صلت عليه قطر وسلمت‬
‫تسليما)‪.‬‬

‫فبأي آلاء ربكما تكذبان؟‬
‫هل يمكن لأناس يُكفرون حتى المسلمين‪ ،‬وحتى أولئك الذين‬

‫يشهدون بشهادة ألا إله إلا الله‪ ،‬أن تكون لهم أي صلة بالإسلام؟‬
‫وماذا عن شريعته التي ظلوا ينقضون تحت شعار "الضرورات‬

‫تبيح المحظورات"‪ .‬ولقد أجازوا حتى الاقتراض بالربا تحت هذا‬
‫الشعار‪ .‬ولقد تغاضوا عن شريعته كلما كان ذلك في مصلحتهم أو‬
‫في مصلحة نفاقهم‪ .‬ولكنهم يريدون لغيرهم أن يلتزموا حدود تلك‬
‫الشريعة‪ ،‬إنما من دون أن يلتزموا بها هم أنفسهم‪.‬‬
‫وهو نفاق قديم ومكشوف‪ ،‬إلا أنه ظل يتكرر‪.‬‬
‫ذات يوم سخر الرئيس جمال عبد الناصر من دعوة المرشد‬
‫العام للاخوان بالنسبة للحجاب‪ ،‬الذي كان يريده لكل النساء‪ ،‬إلا‬
‫بناته‪ .‬انظر في هذا الرابط‪:‬‬
‫‪0Fg9uFn‬ل ‪https://www.youtube.com/watch?v=OWC‬‬

‫وما هذا إلا نموذج واحد من نماذج النفاق الذي يتبعون‪.‬‬
‫وبمقدار ما يتعلق الأمر بقطر‪ ،‬فالسؤال الجدير بالاعتبار هو‪:‬‬
‫هل تقيم الدوحة شيئا من شريعة الإخوان المسلمين؟ هل تراها‬

‫مفيدة لنفسها لكي تدفع بفرضها على الأخرين؟‬

‫فإذا كان الأمر نفاقا‪ ،‬فهل يمكن للنفاق المكشوف أن يؤدي الى‬
‫تحقيق أي غرض؟‬
‫وإذا لم تكن الديمقراطية ولا شريعة الإسلام هما الهدف من‬
‫دعم الإسلام السياسي بالمال والسلاح والترويج‪ ،‬فما هو الهدف؟‬
‫سؤال بسيط‪.‬‬

‫وهو لا يحتاج تفلسفا زائدا للاجابة عليه‪.‬‬

‫‪24‬‬

‫ولكن عندما تعرف الجواب‪ ،‬أرجوك ألا تصاب بالدهشة أو‬
‫الذعر‪.‬‬

‫لأن النهايات المقصودة‪ ،‬ربما كانت أبعد من أن تخطر على‬

‫بال أي أحد‪.‬‬

‫‪25‬‬

26

‫الدور والقوة بالمال‬
‫تملك قطر الكثير من المال‪ .‬الكثير جدا حتى أنها لا تعرف أين‬
‫تنفقه‪ .‬ولكن المال وحده لا يصنع مكانة ولا دورا‪.‬‬

‫المال نسبي‪ ،‬من حيث المبدأ‪ .‬وقيمته الحقيقية تكمن في طريقة‬
‫توظيفه‪ ،‬وليس في كميته!‬
‫قد تملك تريليونات الدولارات‪ ،‬ولكنك عندما تبددها على طاولة‬

‫روليت‪ ،‬فان قيمتها أقل بكثير من بضعة ملايين توظفها في بناء‬
‫أسرة قادرة على أن تنمو وتتطور‪.‬‬
‫بوضعها الرهان على الإخوان المسلمين لتمزيق دول المنطقة‪،‬‬
‫فقد اختارت قطر طاولة الروليت لتحرق ليس المال وحده‪ ،‬وانما‬

‫لتحرق مجتمعات وأوطاناً بأسرها‪.‬‬

‫وبدلا من أن تختار قطر‪ ،‬بأموالها الفائضة‪ ،‬أن تبني جامعات‪،‬‬
‫أو أن تمول مشاريع زراعية‪ ،‬أو صناعية تمتص الأيدي العاطلة‬
‫في عالم عربي فقير وجائع‪ ،‬فقد اختارت أن تمول جماعات‬
‫جهادية!‬

‫وليس ثمة ما يبرر أن تسأل‪ :‬ماذا أنتجت تلك الجماعات؟‬

‫يكفي أن تأخذ مثلا في أي بلد‪ ،‬من تونس الى سوريا‪.‬‬
‫والكارثة قد تبدو كبيرة في سوريا‪ ،‬ولكنها ليست أقل كبرا في‬
‫ليبيا‪ ،‬كما أنها ليست أقل خطرا في مصر‪ .‬أما في تونس‪ ،‬فحدث‬
‫ولا حرج‪ .‬فهذا بلد نجح الإخوانيون في تحويله‪ ،‬في غضون‬

‫سنتين‪ ،‬الى بلد مفلس‪ ،‬لا تقدر حكومته أن تدفع رواتب موظفيها‪.‬‬
‫نعم‪ ،‬لقد كان النظام في سوريا يستحق التغيير‪ .‬ولكن بما يتوافق‬
‫مع طبيعة البلد الاجتماعية التعددية‪ ،‬وليس بما يتوافق مع قدرات‬
‫المال على تجنيد الارهابيين‪ ،‬وليس بقدرة المال على تمويل‬

‫مشروع طائفي (سني) يتحدى طوائف البلد الأخرى‪.‬‬
‫‪27‬‬

‫مشروع التغيير في سوريا‪ ،‬لمَن يمكنه أن يثق بحكمة التاريخ‪،‬‬
‫كان يجب أن يتم سلميا وتدريجيا فقطإ‪ ،‬كما كان يجب أن يتم بأيدي‬
‫مثقفين‪ ،‬لا بأيدي أصوليين!‬
‫فالى ماذا قادنا مزيج المال بسوء الفهم؟‬

‫لقد قاد الى دمار شامل‪ ،‬من دون أن يحدث أي تغيير! ولقد قاد‬
‫الى تهجير تسعة ملايين انسان‪ ،‬والى تدمير حياة كل الباقين في‬

‫بلد كان يمكنه أن يجد سبيلا أفضل لاصلاح نفسه‪ ،‬وتعديل خياراته‬
‫الاستراتيجية‪ ،‬من دون سفك دماء‪.‬‬

‫فهل نقول "ألف مبروك" للعبقرية التي ينتجها الجهل المدجج‬
‫بالمال‪ ،‬أو المال المدجج بالجهل؟‬
‫وما أدراك ما مصر‪.‬‬

‫إنها حجر الزاوية التي أراد المال القطري أن يهدمها لكي تنهدم‬
‫على رؤوسنا جميعا‪.‬‬

‫لقد اختارت قطر‪ ،‬بالرهان على الإخوان المسلمين‪ ،‬أن تمول‬
‫عصابة‪ ،‬بعقليات شديدة التحجر‪ ،‬لكي تحكم البلد الذي قدم لنا طه‬

‫حسين‪ ،‬وتوفيق الحكيم‪ ،‬وعباس محمود العقاد‪ ،‬وأحمد شوقي‪،‬‬
‫وحافظ ابراهيم‪ ،‬ولويس عوض‪ ،‬وسلامة موسى‪ ،‬ونجيب محفوظ‪،‬‬
‫و‪ ...‬الكثير ممن يستحيل ذكرهم‪.‬‬
‫عصابة من السطحية بحيث أنها ما كانت قادرة على أن تعرف‬

‫طبيعة البلد الذي تحكمه؛ عصابة أخذتها العزة بالإثم حتى أنها لم‬
‫تكن مستعدة لتصغي لأي أحد؛ عصابة نظرت الى مجتمع يعتبر‬
‫نفسه مسلما قبل الإسلام‪ ،‬على أنه كافر‪ ،‬وعلى أنها وحدها التي‬
‫تمثل الإسلام فيه‪.‬‬

‫لقد وضعت قطر أموالها على طاولة الروليت هذه‪ ،‬لكي تطحن‬
‫بها بلدا يبلغ تعداد سكانه نحو تسعين مليون نسمة‪.‬‬

‫‪28‬‬

‫ولو حدث وأنهم تنازعوا أو تشردوا‪ ،‬كما يحدث في سوريا‪،‬‬
‫فلا أدري كم قطر كنا سنحتاج لايوائهم؟ ولا أدري كم من الاموال‬
‫كنا سنحتاج لإطعامهم؟ ولا أدري إن كانت قطر ستقدر على أن‬
‫تقدم لمخيمات اللاجئين منهم غطاء أو طعاما (لاسيما ونحن‬
‫نعرف‪ ،‬أن ملايين اللاجئين السوريين‪ ،‬لا يرفلون بالدمقس‬
‫وبالحرير بفضل تمويلات قطر‪ ،‬التي قررت الإطاحة بالرئيس‪،‬‬

‫فأطاحت بشعبه)‪.‬‬
‫ومثلما قاد الإخوان المسلمون تونس الى الإفلاس (وهي التي‬
‫بالكاد ينوف عدد سكانها عن ‪ 10‬ملايين نسمة)‪ ،‬فانهم قادوا مصر‬

‫بالفعل الى الإفلاس أيضا‪ .‬ولولا رحمة الباري‪ ،‬وعطف الأشقاء‬
‫في السعودية والإمارات‪ ،‬لكنا نقف اليوم أمام مجزرة بشرية ما‬
‫بعدها مجزرة‪.‬‬

‫مصر بلد‪ ،‬حتى مجرد التدخل في شؤونه‪ ،‬يجب أن يثير الذعر‬
‫قبل الإقدام على أي شيء فيه‪ .‬فما بالك بتمويل الشر؟‬
‫إنظر في معدلات العيش تحت خط الفقر في العالم العربي‬
‫وستجد انها تشمل نحو ‪ 100‬مليون انسان (من مجموع السكان‬

‫البالغ ‪ 370‬مليون نسمة‪ ،‬حسب تقرير التنمية البشرية للامم‬
‫المتحدة‪ ،‬بينهم ‪ 40‬مليون إنسان يعانون من نقص في التغذية)‪،‬‬
‫وانظر الى عدد العاطلين عن العمل وستجد أنه يشمل ‪ 96‬مليون‬

‫عاطل‪ %04 ،‬منهم من النساء‪ ،‬وانظر الى معدلات الأمية وستجد‬

‫أنها تشمل ‪ 97‬مليون انسان (حسب منظمة التربية والثقافة والعلوم‬
‫ الألكسو)‪ ،‬أكثر من ‪ %06‬منهم من النساء‪ .‬وانظر الى سوق‬‫العمل وستجد أنها تجتاج الى ‪ 1.5‬مليون فرصة عمل في العام‬
‫لاستقبال الوافدين الجدد‪ ،‬وإلا فانهم سيركبون قطار البطالة‪.‬‬
‫انظر الى كل هذا وغيره‪ ،‬وستعرف كيف كان يمكن للمال أن‬

‫يبني مكانا ودورا إقليميا تاريخيا لقطر‪ ،‬وكم كان سيجعلها أكبر‬
‫‪29‬‬

‫من قارة في عين كل إنسان‪ ،‬وكم كان سيحيطها باحترام وتقدير‬

‫أمة بكاملها‪ ،‬وكم كان سيجعلها قبلة للمحبين‪.‬‬
‫ولكنها اختارت طاولة الروليت‪ ،‬لأنها لم تفهم‪ ،‬أن المال لا يمنح‬
‫الإنسان قيمة‪ ،‬بل أن الإنسان هو الذي يمنح القيمة للمال‪.‬‬
‫فهل تملك قطر الكثير من المال؟ أم أنها تملك الكثير من‬
‫الإفلاس فيه؟‬

‫‪30‬‬

‫قناة الجزيرة‪ ،‬منيرالفوضى‬
‫لا تُذكر قطر إلا وقناة "الجزيرة" معها‪.‬‬
‫والحال‪ ،‬فان هناك الكثير من المنطق وراء القول القائل إن‬

‫"الجزيرة" هي التي جعلت من قطر مركزا ذا معنى في الإعلام‬
‫وفي المكانة‪.‬‬

‫هناك شيء آخر لا يقل أهمية عن ما يبدو وكأنه "اختراع بلد"‬
‫لقد كان لتلك القناة سبق الفضل الأول‪ ،‬بأنها أخرجت الكلام‬
‫الذي كان يقال همسا‪ ،‬الى العلن‪.‬‬
‫للمرة الأولى‪ ،‬أصبحت‬

‫الخلافات‬

‫تصدح‪ .‬وللمرة الأولى‪،‬‬

‫أصبح الجدل مكشوفا‪ .‬وللمرة الأولى أصبح للحقيقة وجهان‪.‬‬
‫وللمرة الأولى‪ ،‬صار الإعلام سباقا نحو الخبر‪ ،‬بالصوت‬
‫والصورة‪ .‬وبدلا من القالب الخشبي للإعلام الرسمي (الذي ظل‬

‫يرزح تحت القيود والكليشهات المقدسة) فقد أصبح الإعلام حار‬
‫اللغة‪ . . . 9 ،‬للمرة الأولى لم يعد للرقابة ما تفعله‪ ،‬فخرجت مع‬
‫كل هذا صحيح‪.‬‬
‫لقد كانت "الجزيرة" تستحق‪ ،‬بالجرأة على كشف المستور‪،‬‬
‫وباطلاق العنان للمسكوت عنه‪ ،‬أن تحتل المكانة الأرقى بين كل‬

‫وسائل الإعلام العربية‪ .‬وظلت تملك التاج‪ ،‬حتى بعدما نشأت‬
‫محطات أخرى حاولت أن تنافسها فيما ذهبت اليه‪.‬‬
‫ولكن !‬

‫شيء واحذ ظل ناقصا‪.‬‬

‫شيء واحد‪ ،‬حوّل كل ذلك السبق الى رماد‪ .‬وأطاح بالتاج‪،‬‬
‫وجعله تاج خشب لا أكثر‪.‬‬
‫‪31‬‬

‫شيء كان كل المعنى من وجود هذه القناة يكمن خلفه‪ .‬ولما‬

‫اكتشفنا أن غيابه مقصوذ‪ ،‬عيناً وليس سهوا‪ ،‬صار من الواضح‬
‫أن لهذه المحطة دورا آخر؛ دورا لا قيمة فيه‪ .‬يقصد اثارة‬

‫الضجيج‪ ،‬حتى أصبحت القناة‪ ،‬مجرد "ظاهرة صوتية" أخرى‪،‬‬
‫من ظواهر العرب الصوتية‪.‬‬

‫سأحاول تبسيط الأمر‪.‬‬
‫جميل أن نتجادل‪ .‬وجميل أن نكشف عن خلافاتنا واختلافاتنا‪.‬‬

‫وجميل أن نعرّي عيوبنا‪ .‬بل وجميل أن نعرّي صمتنا بشأنها‪.‬‬
‫هذا يشكل نصف المعادلة‪.‬‬

‫ولكن‪ :‬من أجل ماذا نتجادل؟‬

‫في الإجابة على هذا السؤال يتحدد نصف المعادلة الأخر‪ .‬وفي‬
‫هذا النصف بالذات يتحدد ما إذا كان تاج "الجزيرة" تاجا من ذهب‪،‬‬
‫أو خشبا مطليا بماء الترهات‪.‬‬
‫لقد اختارت "الجزيرة" أن تجعل من الضوضاء مكسبا إعلاميا‪.‬‬
‫ونجحت‪ .‬ولكنها فشلت في توظيف تلك الضوضاء في اتجاه‬

‫مثمر‪ ..،‬أياً كان‪.‬‬

‫بيوتنا‪ ،‬قبل أن نثير ضجيج الاختلاف المعلن‪ ،‬كانت منخورة‬
‫بفساد الصمت والطغيان‪ .‬وكان من الواجب أن نهدم المعبد‪ .‬ولكن‪،‬‬
‫ألم يكن من المنطقي بعد هذا‪ ،‬أن نعيد بناء معبد آخر‪ ،‬وفقا لفلسفة‬
‫ما تلائم العصر؟‬

‫كان يكفي أن يكون لأصحاب الدار فلسفتهم‪ ،‬التي يضعون من‬
‫أجلها حجر بناء فوق ما نهدمه من حجر الطغيان‪.‬‬
‫فماذا اختاروا؟‬

‫لقد اختاروا الاكتفاء بالضجيج‪ .‬وحولوه من صراع أفكار‬
‫وخيارات وبدائل‪ ،‬الى صراع شتائم وعراك وضرب بالأحذية‪.‬‬

‫‪32‬‬

‫وعندما تحاول أن تتأمل‪ ،‬لماذا اختار رعاة هذه القناة أن يتوقفوا‬

‫عند حدود تبادل الضرب بالأحذية (أو بالكلام الذي يشبه تبادل‬
‫الأحذية)‪ ،‬فإنك سرعان ما سوف تكتشف السبب‪.‬‬
‫لقد كانت فلسفة "الجزيرة" هي هذه على وجه التحديد‪ :‬أن‬
‫نتصارع‪ ،‬أن نهدم‪ ،‬وأن نتشاتم‪ ،‬وأن نجعل التعايش مستحيلا بين‬
‫الفكرة والفكرة‪ .‬إنما لكي تغذي فكرة التخريب والقتل وإشاعة‬

‫الفوضى‪ ،‬والعجز عن التوافق على أي شيء‪.‬‬
‫وهذا ما لا علاقة له بأي ديمقراطية‪.‬‬
‫الديمقراطية مشروع تعايش وبناء‪ .‬انها مشروع لأرض‬
‫مشتركة بين الرأي والرأي الأخر‪ .‬وليست مشروعا للقذف والشتم‬
‫بين الرأيين‪ .‬كما أنها ليست مشروعا للتناحرات "الفضائية" التي‬
‫تنقلب الى تناحرات دموية في الميدان‪ .‬إنها اتجاه مشترك نحو‬
‫هدف عقلاني ما‪ .‬وليست صراعا بيزنطيا في لا اتجاه‪.‬‬
‫لقد تم صنع "الجزيرة" لتحقق ما حققت‪ .‬ومن ثم لتقف في‬
‫مكانها الفوضوي بالذات‪ ،‬باعتباره خيارا مقصودا بذاته‪ ،‬لكي‬
‫تكون منبرا للتناحرات‪ ،‬وممثلا للجدل الفارغ‪.‬‬

‫ولم يمض وقت طويل‪ ،‬حتى بات واضحا أنها اصبحت منبرا‬
‫رسميا للاخوان المسلمين‪ ،‬لأن هذه العصابة المافياوية كانت هي‬
‫"المرشد" الذي سيأخذنا الى التمزق والتفتيت؛ هي "مكتب‬
‫الإرشاد" الذي سيكفل جعل التناحرات حربا أهلية تدور في كل‬
‫بيت‪ ،‬بين المسلم والمسلم‪ ،‬كما بين المسلم والمسيحي‪.‬‬
‫ولكن‪ ،‬ما السبب وراء ذلك؟‬

‫الفكرة بسيطة للغاية‪.‬‬

‫وطنيا كنت أم قوميا‪ ،‬فان صراعك التقليدي هو مع "الآخر"‬
‫(الخارجي)‪ .‬والأخر هذا‪ ،‬هو إما أن يكون مصالح الاستعمار‬
‫الجديد أو الامبريالية أو الصهيونية‪ ،‬أو كلها مجتمعة‪.‬‬

‫‪33‬‬

‫منذ نشأة إسرائيل‪ ،‬ونحن نتصارع مع عدو خارجي‪ .‬ومنذ أن‬
‫حاولنا‬

‫الاستقلال‪ ،‬ونحن‬

‫نتصارع‪،‬‬

‫من أجل حمايته‪ ،‬مع عدو‬

‫خارجي‪.‬‬

‫طبعا‪ ،‬أخطأنا كثيرا في كل وجه من وجوه هذا الصراع‪ ،‬ولكن‬
‫الخارج ظل في الخارج! وبقينا نحاول أن نجد سبيلا لكي نتوحد‬
‫ولكن‪ ،‬جاء الإسلام السياسي ليطرح علينا عدوا من نوع‬

‫مختلف‪ .‬إنه الداخل‪ .‬إنه "الآخر" (الداخلي)؛ الذي يُصلي ضد‬
‫"الآخر" الذي لا يُصلي؛ الذي يصوم ضد "الآخر" الذي لا يصوم‪،‬‬

‫أو الذي يلبس الحجاب ضد الأخر الذي لا يلبس الحجاب‪ ...‬وهكذا‪.‬‬
‫لقد كان الهدف من نقل المعركة الى (الداخل) هو حماية‬

‫إسرائيل‪ .‬واتاحة الفرصة لها لكي تتفرج على "أمراء الطوائف"‬
‫كيف يتناحرون‪.‬‬

‫وما أكثر فقهاء الزور والبهتان المؤهلون لنقل الحرب الى‬
‫الداخل !‬

‫لقد ؤجدت "الجزيرة" لكي تكون جزءا من هذا المشروع الذي‬
‫ظهر الإخوان المسلمون ليكونوا رأس الحربة فيه‪.‬‬

‫وبالنظر الى خارطة "الشرق الأوسط الجديد" فان مشروع‬
‫"الفوضى الخلاقة"‪ ،‬كان بحاجة الى منبر للفوضى التي يتبادل‬

‫المتحاورون فيها الشتائم‪ ،‬لا الأفكار‪ .‬وبدلا من البحث عن أرضية‬
‫مشتركة للعيش المشترك‪ ،‬فقد كان من طبيعة "الجزيرة" ومن‬

‫واجبها "الإخواني" هدم الأرض وتخريب المكان‪.‬‬
‫ودافعت قطر‬

‫على دور‬

‫"الجزيرة" الفضائي‪ ،‬لان مشروع‬

‫التخريب و"التصغير" صار مشروعها الأوحد‪ ،‬حتى بات من‬

‫الصعب التمييز ما إذا كانت قطر هي "الجزيرة" أو ما إذا كانت‬
‫"الجزيرة" هي قطر‪.‬‬

‫‪34‬‬

‫وهذه‪ ،‬مأساة وطنية حقيقية؛ مأساة تكاد تبلغ حد الإهانة‪ .‬لأن‬
‫الأوطان لا يمكنها أن تصغر الى هذا الحد‪.‬‬

‫الشيء الذي لم تعرفه قطر عن نفسها‪ ،‬هو أنها تخسر إذا قدمت‬
‫نفسها كبرنامج فضائي‪ ،‬وتخسر أكثر إذا كان هذا البرنامج من‬
‫انتاجها‪ .‬ليس لأنه فضيحة سياسية‪ ،‬بل لأنه فضيحة سوء فهم‬
‫حقيقي لمعنى التاريخ وللوسائل التي تحركه‪.‬‬

‫لو كانت البلدان تنشأ‪ ،‬في القيمة والدور والمكانة‪ ،‬من وراء‬
‫محطات فضائية‪ ،‬فان الأمم المتحدة كان يجب أن تكون قمرا‬
‫صناعيا‪.‬‬

‫ولو كانت قطر تعول على قناة تلفزيونية لكي تغير مجرى‬
‫التاريخ‪ ،‬في مجتمعات عميقة التاريخ‪ ،‬وعميقة الثقافات‪ ،‬فيحسن‬

‫بها‪ ،‬أن تعود لتفهم‪.‬‬
‫فالتاريخ والمجتمعات لا يتحركان عبر التلفزيون‪.‬‬
‫وظيفة التلفزيون المثالية هي الإخبار والتنوير والتسلية‪ ،‬وليس‬

‫الترويج لفوضى أو إرهاب أو زرع تناحرات من أجل التناحرات‪.‬‬
‫حتى انه لا يصلح لصنع ثورات‪ .‬لأن الثورات‪ ،‬مهما كانت‬
‫طبيعتها‪ ،‬تحتاج أن تعود لتستقر على أرض الثقافة التي تنشأ‬
‫فيها‪ .‬ولكي نصنع ثورة عبر التلفزيون وتصمد‪ ،‬فيجب أن تتغير‬
‫الثقافة أولا‪ ،‬وأن تصمد أمام امتحان التاريخ‪.‬‬
‫لو كان التاريخ يتحرك عبر الفضائيات‪ ،‬لكانت "سي‪.‬أن‪.‬أن"‬
‫و"بي‪.‬بي‪.‬سي" و"سكاي نيوز" كافية تماما لاختراع كوكب آخر‪،‬‬
‫"على قد" الرؤية العنصرية والاستعلائية للغرب "الديمقراطي"؛‬
‫كوكب لا "جزيرة" فيه‪ ،‬ولا قطر‪.‬‬

‫‪35‬‬

36

‫الاستثمار القطري في الخارج‪ :‬قصة إفلاس‬
‫إذا أرادت قطر أن تستثمر في فرنسا‪ ،‬فانها تشتري نادي سان‬
‫جيرمان‪ ،‬أما إذا أرادت أن تستثمر في العالم العربي‪ ،‬فانها تشتري‬
‫نادي "داعش" والإخوان !‬
‫قد تبدو هذه مجرد خلاصة‪ ،‬قسرية‪ ،‬القائمة استثمارات طويلة‪،‬‬

‫إلا انها شديدة الواقعية في الوقت نفسه‪.‬‬

‫ولكن قبل النظر في التوظيف السياسي للمال‪ ،‬أنظر في‬
‫الخارطة الجغرافية للاستثمارات القطرية في الخارج‪ ،‬وسترى‬

‫انها محكومة بـ"عقدة الخواجا" أيضا‪ .‬ثم أنظر في الفرق بين قيمة‬
‫ما تستثمره قطر لدى "الخواجا"‪ ،‬وبين القليل مما تستثمره في‬
‫البلدان العربية‪ ،‬ولسوف تصاب بالحنق والاكتئاب‪.‬‬

‫الاستثمارات في الخارج ليست مجرد عملية اقتصادية‬

‫"ناشفة"‪ .‬بكلام آخر‪ ،‬انها ليست قصة تحقيق أرباح فقط‪ ،‬بهدف‬
‫توفير احتياطات للمستقبل عندما تنضب ثروة النفط والغاز‪.‬‬
‫إنها قصة سياسة واقتصاد واستراتيجيات متداخلة‪.‬‬

‫وما لم تكن كذلك‪ ،‬فانها ستكون نكتة‪ ،‬في أفضل الاحوال‪،‬‬
‫وستكون مأساة في كل الأحوال‪.‬‬
‫أنظر في استثمارات قطر في الخارج‪ ،‬وسترى أنها مدفوعة‬
‫بعامل رئيسي واحد‪ :‬تحقيق أرباحا من دون أن يكون وراء المال‬
‫أي توظيف تنموي آخر‪ .‬وبالأحرى فان هذا التوظيف يقصد خدمة‬
‫الطرف المستفيد من الاستثمار‪ ،‬بينما يجني المستثمر‪" ...‬أرباحا"‪.‬‬
‫في أفضل الصور تجري الأمور على النحو التالي‪ :‬تمر‬
‫شركات غربية كبرى بأزمات‪ ،‬أو تنقصها الإمكانيات للتوسع‪،‬‬
‫فتتقدم الأموال القطرية لنجدتها‪ .‬المستفيد الرئيسي من "صفقة"‬

‫‪37‬‬

‫الاستثمار هذه‪ ،‬هو تلك الشركات‪ .‬تمر بضع سنوات‪ ،‬فترتفع قيمة‬

‫أسهم تلك الشركات‪ ،‬ليحقق حملة الأسهم القدامى والجدد أرباحا‪.‬‬
‫و‪ ...‬خلصت القصة! (أو هكذا يعتقد "عباقرة" الاستثمار في‬
‫قطر)‪.‬‬

‫المليار أصبح مليارا ونصف!‬
‫السؤال الأول الذي لا بد من مواجهته هو‪ :‬ما هو العائد الحقيقي‬
‫الذي تجنيه قطر؟ أما السؤال الثاني فهو‪ :‬أين ستذهب الأرباح؟ أما‬
‫السؤال الثالث‪ ،‬وربما الأهم‪ ،‬فهو‪ :‬إذا كانت مقاييس الأرباح‬
‫(الكمية)‪ ،‬تشتغل مع الأفراد‪ ،‬أفهل تراها تشتغل مع الدول؟‬
‫صحيح تماما‪ ،‬من الناحية الحسابية على الأقل‪ ،‬أن قطر سوف‬
‫تجني عائدا‪ ،‬ولكنه يقتصر على الزيادة في المال! ولكن صحيح‬

‫أيضا أن العائد الحقيقي إنما يذهب لحساب تمكين تلك الشركات‬
‫وزيادة قوتها‪ .‬هذا أولا‪ .‬كما أنه يذهب‪ ،‬في وجه عام‪ ،‬لحساب‬
‫إقتصاد البلد الذي يتم الإستثمار فيه‪ .‬الشيء الآخر‪ ،‬هو أن المليار‬
‫ونصف ستظل تدور في رحاب الدوائر الاقتصادية داخل البلد‬

‫الذي تم الاستثمار فيه‪ .‬والأموال لن يمكن سحبها‪ ،‬حتى لكأنها‬
‫غرقت في دوامة لا قرار لها‪ .‬ومصيرها لن يتقرر إلا في الدوائر‬

‫السيادية العليا للبلد‪ ،‬التي لا تعطي القليل إلا لتأخذ أكثر!‬
‫العنصر الأهم في النمط القطري للاستثمار‪ ،‬هو أن المال لا‬
‫يخدم تطلعا اقتصاديا محددا‪ ،‬ولا يدور في دائرة يمكن التحكم بها‬

‫داخليا‪ ،‬ليبقى مجرد أرقام تدور في فلك يبتعد كلما زادت ! لاسيما‬
‫وأن تأثير سحبها سيكون أخطر على الاقتصاد العام للبلد المستثمر‬
‫لهذا السبب‪ ،‬فان القرش الذي يدخل الى بلد لا يخرج منها!‬
‫ويبقى يدور هناك ليؤدي دوره في خدمة الاقتصاد‪ ...‬هناك!‬

‫‪38‬‬

‫وهكذا‪ ،‬فان المال الذي لا يدور في إطار اقتصادي محدد‪ ،‬لكي‬
‫يخدم توجها تنمويا محددا‪ ،‬في دائرة مصالح داخلية‪ ،‬لن يعدو كونه‬

‫هباء‪ .‬إنه مال خاضع لسلطة الأخرين ومصالحهم فحسب‪ .‬وكلما‬
‫زاد أكثر‪ ،‬كلما أصبحت السيطرة الخارجية عليه أكثر‪.‬‬

‫فاذا كان استثمار المال يمضي من أجل اكتناز المزيد من المال‪،‬‬
‫فالحقيقة النهائية هي‪ ،‬أن الورق ورق‪ ،‬والأرقام أرقام! وهذه توجد‬
‫مصارف مركزية تعرف كيف تتحكم بها‪ .‬وبذلك فإنك ما لم تكن‬
‫قادرا على تدويرها في دائرة توظيف استراتيجي يمكنك التحكم‬
‫فيها‪ ،‬فان الورق تمكن طباعته‪ ،‬بغطاء من المال العشوائي نفسه!‬

‫والأرباح التي جعلت المليار‪ ،‬مليارا ونصف (كقيمة نقدية)‪ ،‬لن‬
‫يعود قرش واحد منها على الإطلاق‪ .‬أولا‪ ،‬لأنها دخلت في دائرة‬
‫خدمة لا دخل لك فيها‪ .‬وثانيا‪ ،‬لأن مليارا ونصف مثلها تمت‬
‫طباعته بضمانات مما جلب "المستثمر" الخارجي‪ .‬وحتى ولو‬
‫أمكن سحب بعض الورق‪ ،‬فانه يظل ورقا من دون اتجاه‪ ،‬تنخفض‬
‫قيمته النقدية باستمرار‪.‬‬

‫قد يستطيع الأفراد أن يهنأوا بما يكسبوه من مال في بورصة‬
‫الاستثمار‪ ،‬إلا أن الأمر مختلف تماما بالنسبة للدول‪.‬‬
‫لماذا؟‬

‫لأن صفقة سلاح واحدة‪ ،‬على سبيل المثال‪ ،‬سوف تكون كفيلة‬
‫بامتصاصه‪ ،‬وامتصاص أضعاف أضعافه‪.‬‬

‫بهذه السهولة‪ ،‬وبوسائل أخرى مثلها‪ ،‬يتم امتصاص ما قد يُزعم‬
‫أنه "أرباح" تحققها دول !‬
‫وعندما تكون العشوائية هي سمة الاستثمار في المال من أجل‬
‫المال ! فان هذه الصفة تكفي بمفردها لكي تحدد "شخصية"‬
‫الاستثمار‪ ،‬من ناحية‪ ،‬وتقتله من ناحية أخرى‪.‬‬
‫لماذا؟‬

‫‪39‬‬

‫لأنها تعني أن الاستثمار لا يخدم هدفا استراتيجيا‪ .‬ولا يخدم‬
‫مشروعا اقتصاديا يجري التوجه اليه بعناصر بناء داخلية‪ .‬وبدلا‬

‫من أن تكون تمكينا للذات (كما تفعل الاستثمارات الصينية)‪ ،‬فانها‬
‫تكون تمكينا للاخر على الذات !‬

‫من هنا بالذات‪ ،‬فالكل يعرف أن هذا النمط من الاستثمارات‬

‫الخارجية ينضب أسرع مما تنضب الثروة في الداخل! وبالتالي‪،‬‬
‫فان التعويل على توفير "ضمانات لمستقبل الأجيال"‪ ،‬ليس سوى‬
‫خدعة سمجة‪ ،‬وغبية‪ ،‬بل وترقى الى واحدة من أكبر عمليات‬
‫النصب والاحتيال في التاريخ‪.‬‬
‫المال في الخارج لا تحميه إلا قوة الاقتصاد في الداخل حيث‬
‫لا يمكن أن تطاله يد الابتزاز والمصادرة والاستيلاء والتآمر‪.‬‬
‫والمال في الخارج لا تحميه إلا دائرة التوظيف والانتاج في‬
‫الداخل‪ ،‬وإلا عندما يكون مكملا لتلك الدائرة ويدور في فلكها‪.‬‬
‫من دون دائرة توظيف داخلية فعالة‪ ،‬فان المال في الخارج‪ ،‬لا‬

‫قيمة فيه‪ .‬إنه مجرد وهم‪ ،‬في أفضل الأحوال‪ ،‬أو مجرد عملية‬
‫نهلب وتهريب‪.‬‬

‫الصين تملك استثمارات ضخمة في الولايات المتحدة! وهي‬

‫أكبر حائز في العالم على سندات الخزانة الاميركية‪ ،‬في حافظة‬
‫يبلغ مجموع قيمتها نحو ‪ 800‬مليار دولار‪.‬‬

‫الصين تعرف أن قيمة هذه السندات تتضاءل عاما بعد عام‪،‬‬
‫مع الانخفاض المتواصل لقيمة الدولار‪ ،‬ومع التراجع المتواصل‬
‫لمكانة الولايات المتحدة الاقتصادية في العالم‪ ،‬ومع كلفة التضخم‬

‫التي تجعل المال يتآكل تدريجيا‪ ..،‬إلا أن الصين تضع أموالها‬
‫هناك‪:‬‬

‫‪ -1‬من أجل دعم صادراتها الى الولايات المتحدة‪.‬‬
‫‪ -2‬من أجل امتلاك ذراع قوية في المفاوضات التجارية‪.‬‬
‫‪40‬‬

‫‪ -3‬من أجل تغطية النمو الاقتصادي المحلي‪.‬‬
‫‪ -4‬من أجل التوسع في الاستثمارات والمشاريع التجارية‬
‫والتنموية في بقية أرجاء العالم‪.‬‬
‫‪ -5‬من أجل ممارسة ضغط سياسي‪-‬اقتصادي مزدوج على‬
‫الإدارة الامريكية للحد من عواقب وتداعيات الأزمات الاقتصادية‬
‫والجيو‪-‬استراتيجية‪.‬‬

‫‪ -6‬من أجل امتلاك نفوذ اقتصادي عالمي‪.‬‬
‫وهكذا‪ ،‬فحتى ولو انتهى الأمر بتلك السندات الى الإفلاس‪ ،‬وهو‬

‫أمر سيظل متوقعا‪ ،‬إذا عجزت الولايات المتحدة عن دفع أقساط‬
‫ديونها‪ ،‬البالغة ‪ 12‬تيريليون دولار‪ ،‬فان الصين تكون قد حققت‪،‬‬

‫حتى ذلك الحين‪ ،‬عوائد اقتصادية واستراتيجية تكاد لا تقدر بثمن‪.‬‬

‫العنصر الرئيسي في الاستثمار الصيني في الولايات المتحدة‬
‫هو‪ :‬التنمية في الصين‪.‬‬
‫هذا هو المفتاح!‬

‫بعبارة اخرى‪ :‬الاستثمار في الخارج يجب أن يمضي لدعم نمو‬
‫اقتصادي حقيقي في الداخل‪.‬‬
‫والنمو الاقتصادي‪ ،‬ليس مالا يوضع فوق مال‪ .‬إنه مشاريع‬
‫عمل وانتاج وخدمات وتنمية بشرية وصناعة تقدم علمي‬
‫واجتماعي‪.‬‬

‫وبفضل استراتيجية التنمية المحلية‪ ،‬أصبحت الصين ثاني أكبر‬
‫قوة اقتصادية في العالم‪.‬‬
‫من دون تنمية اقتصادية في الداخل‪ ،‬فان كل استثمار في‬
‫الخارج لن يعدو كونه "لعب قمار" سوف ينتهي بالخسارة‬

‫والافلاس في آخر المطاف‪.‬‬

‫‪41‬‬

‫نعم‪ ،‬تحقق الاستثمارات في الخارج عائدات تبدو ضخمة‪.‬‬

‫ولكن هذا هو الحال مع كل "عملية نصب"‪ .‬تبدأ بالاغراء وتنتهي‬
‫بالافلاس‪.‬‬

‫وعندما يبدأ الكنس والشفط‪ ،‬بذرائع وأساليب شتى‪ ،‬فان‬
‫الثروات في الخارج لن يترك لها المجال للانسحاب‪.‬‬

‫فقد يكون قرارا "سياديا" أن تأتي بأموال شعبك الى الخارج‪.‬‬
‫ولكن سحبها قرار "سيادي" آخر‪ ،‬ليس قرارك!‬
‫ما من أحد‪ ،‬إلا ويعرف ذلك‪.‬‬

‫والحال‪ ،‬فانه من دون مشروع تنموي قادر على أن يحمي‬
‫نفسه‪ ،‬ويمضي الى الأمام‪ ،‬فان الاستثمارات الخارجية لن تكون‬
‫أكثر من طاولة روليت‪ ،‬يضع فوقها المقامرون دماء شعوبهم‪،‬‬
‫وتنتهي بسحقهم وركلهم‪ ،‬بأرخص مما يُركل الشخاذون‪ ،‬خارج‬
‫الكازينو‪.‬‬

‫ولك أن تتأمل في هذا المثال‪:‬‬
‫فقد كانت أزمة واحدة من قبيل الاجتياح العراقي للكويت‪ ،‬كفيلة‬
‫بجعل "صندوق الاجيال الكويتي" يبلغ حافة الإفلاس ! عشرات‬

‫المليارات‪ ،‬ذهبت هباء في رمشة عين‪ .‬فالكويتيون الذين أرادوا‬
‫تحرير حاضرهم‪ ،‬دفعوا الفاتورة من مستقبلهم‪ .‬وبعد أن وضعوا‬
‫آمالهم في صندوقهم الاستثماري‪ ،‬الذي كان من بين أوائل‬
‫الصناديق الاستثمارية السيادية في العالم‪ ،‬إن لم يكن من أكبرها‬
‫أيضا على عتبة عام ‪ ،0991‬فقد انتهوا الى خسارة كل شيء من‬
‫ذلك الوهم‪ ،‬ولم يكسبوا إلا بلدهم نفسه! الثوب الأخير على‬
‫أجسادهم‪ .‬وبقيت لهم بضع ثروات تحت الأرض لم تتحول بعد‬
‫الى حسابات في باركليز بنك ! وإلا لكانت قد طارت وتبخرت هي‬
‫الأخرى‪.‬‬
‫وقال الحمد لله !‬

‫‪42‬‬

‫لقد حدث ذلك‪ ،‬حتى ليجوز للمرء أن يعتقد أن الاجتياح كان‬
‫عراقيا‪ ،‬بالجنود والمدرعات‪ ،‬إلا أنه كان في الواقع اجتياحا‬
‫بريطانيا أميركيا بالفواتير التي اضطرت الكويت أن تبيع من أجل‬
‫تسديدها حصصا استثمارية كثيرة كانت تملكها هنا وهناك‪.‬‬

‫فهل كان الذين أغروا العراق بالاجتياح غافلين عما يعنيه من‬
‫ناحية الأموال الكويتية التي كانوا يرونها تكبر في مصارفهم؟!‬
‫وما من أحد‪ ،‬إلا ويعرف انه لا يستطيع أن يأتمن الثعلب على‬
‫دجاجاته‪.‬‬

‫إلا أنهم ما يزالون يتمنون!‬
‫ولكن ليس لأنهم لا يعرفون‪ ،‬بل لانهم‪ ،‬بكل بساطة‪ ،‬يتصرفون‬
‫كعملاء‪ ... ،‬إنما من دون رواتب!‬

‫عملاء‪ ،‬بالقلم العريض‪ .‬يخدمون مصالح الأجنبي على حساب‬
‫مصالح شعوبهم‪ ،‬وعلى حساب دماء ملايين الأبرياء‪ ،‬خدمة‬
‫لأغراضهم الخاصة‪ ...‬الخاصة فقط!‬
‫يملك الصندوق الاستثماري القطري رأسمالا يقدر بنحو ‪200‬‬
‫مليار دولار (حسب تقديرات عام ‪.)4102‬‬

‫فأين توضع أموال هذا الصندوق؟‬
‫دقق في التفاصيل وسترى أن قطر تستثمر‪..،‬‬
‫‪ -1‬لخدمة اقتصاد "الخواجا"‪،‬‬

‫‪ -2‬في خارطة جغرافية عشوائية‪،‬‬
‫‪ -3‬في خارطة صناعات عشوائية‪،‬‬
‫‪ -4‬من دون هدف ذي مدلول تنموي محلي‪.‬‬
‫لقد اشترى جهاز الاستثمار القطري‪ ،‬على سبيل المثال‪،‬‬
‫حصصا في (جنرال موترز) و(بورشه) و(فولكسفاغن)‪ ،‬ولكن‬

‫ليس لأن قطر تريد أن تتحول الى صانع سيارات‪ ،‬وليس لان‬

‫‪43‬‬

‫الدوحة تنتج براغي ولا أجزاء من المحركات لكي تفرضها لدى‬
‫أولئك المنتجين‪.‬‬
‫واشترى الجهاز فنادق هنا وهناك‪ ،‬ولكن ليس للترويج للسياحة‬
‫في قطر‪ ،‬ولا لضمان حجوزات في فنادقها‪.‬‬
‫واشترى الجهاز متاجر (ساينزبري) و(هارودز)‪ ،‬ولكن ليس‬

‫لأن قطر تنتج بضائع للمستهلكين لكي تجد سوقا لنفسها هناك‪.‬‬
‫وعقب شراء متجر "هارودز"‪ ،‬قال الشيخ حمد بن جاسم بن‬

‫جبر آل ثاني رئيس الوزراء القطري وزير الخارجية (آنذاك)‪،‬‬
‫الذي شغل منصب نائب رئيس مجلس إدارة هيئة قطر للاستثمار‬

‫ورئيسها التنفيذي‪ ،‬إن المستثمرين في قطر "سيبذلون قصارى جهدهم‬
‫لتحديث هذا المتجر وجعله أجمل مما هو عليه وبالتالي أفضل للسياحة‬
‫وللبريطانيين بشكل خاص"‪( .‬نقلا عن‪:‬‬
‫‪WWW.Cop18.qa/ar-Cla‬‬

‫انظر في مقال‪ :‬شراكات واسعة النطاق في الخارج حرصاً على تحقيق الازدهار على‬
‫المدى البعيد)‪.‬‬

‫"أفضل للسياحة"‪ ،‬ولكن أين ولمن؟‬

‫الجواب‪ :‬أفضل للسياحة في بريطانيا!‬
‫بمعنى آخر‪ :‬قطر تشتري من أموال شعبها مركزا‪ ،‬وتُنفق عليه‬
‫لكي يكون أفضل للسياحة في بريطانيا‪ ،‬وليس للسياحة في قطر‪،‬‬
‫ولخدمة "البريطانيين بشكل خاص"‪ ،‬وليس لخدمة القطريين‪.‬‬

‫وهذا هو الحال في كل استثمارات الفنادق الفخمة في أوروبا‪.‬‬
‫فالأموال القطرية تذهب الى هناك لخدمة اقتصاد السياحة‪ ...‬هناك!‬
‫ويقول تقرير نشر في صحيفة "الشرق" القطرية (يوم ‪8-11‬‬
‫‪ )3102‬إن "حجم الاستثمارات القطرية في بريطانيا بلغ ‪ 33,3‬مليار‬
‫دولار‪ ،‬وتشمل‪ :‬برج (شارد) في لندن وحصة "مهمة" في بنك (باركليز)؛‬
‫‪20‬و في المائة في الشركة المالكة لمطار هيثرو‪ ،‬وحصة ‪ 20‬في المائة من‬
‫ملكية سوق (كامدن)‪ ،‬وحصة ‪ 26‬في المائة من متاجر (سينسبري)‪.‬‬

‫‪44‬‬

‫ويضيف التقرير أن قطر "أصبحت أكبر دولة تزود بريطانيا بالغاز‬
‫الطبيعي المسال بنسبة ‪ 85‬في المائة"‪( .‬نقلا عن‪:‬‬
‫‪http://www.menara.ma/ar/2013/11/08/872362‬‬

‫هل لاحظت ماذا يعني ذلك؟‬

‫هل لاحظت أن عائدات الغاز لا تخرج من بريطانيا!‬
‫هل لاحظت أن المال الذي تجنيه قطر من بريطانيا‪ ،‬يتم‬
‫استثماره لخدمة "التنمية" في بريطانيا!‬
‫الشيء نفسه يحصل بالنسبة لاستثمارات قطر في فرنسا‪ ،‬التي‬

‫تقدر بنحو ‪ 16,5‬مليار دولار‪ ،‬وفي ألمانيا‪ ،‬التي تقدر بـ ‪15,7‬‬
‫مليار دولار‪( .‬حسب نفس التقرير)‪.‬‬
‫فما تدفعه شركات غربية لقاء الغاز‪ ،‬تعود شركات غربية‬

‫أخرى لتأخذه‪ ،‬مقابل أسهم!‬

‫هل يمكن أن يوجد سخف استثماري‪ ،‬أقبح من هذا؟‬
‫كان الشاعر اليمني الكبير عبدالله البردوني في القصيدة التي‬
‫مطلعها‪" :‬فظيع جهل ما يجري‪ ..‬وأفظع منه أن تدري"‪ ،‬يشكو كيف يتمدد‬

‫الاستعمار ليجدد غزوه بأيد "وطنية"‪ .‬حتى قال في قمة من مشاعر‬
‫الخزي‪:‬‬

‫ترقى العار من بيع‪ ..‬الى بيع بلا ثمن‬
‫ومن مستعمر غاز‪ ..‬الى مستعمر وطني‬

‫ولكن البردوني ما كان ليتوقع أن يترقى العار‪ ،‬في بعض‬
‫أوطاننا الى هذا الحد‪ .‬فحتى "البيع بلا ثمن" صار بيعا نحن ندفع‬
‫ثمنه!‬

‫وبينما كانت قطر تتفاوض لشراء نادي مانشستر يونايتد‬
‫البريطاني‪ ،‬بمبلغ مليارين ونصف المليار دولار‪ ،‬كان رئيس‬

‫مجلس مفوضي هيئة الاستثمار في الأردن الدكتور خالد أبو ربيع‬
‫يقول إن حجم الاستثمارات القطرية في المملكة بلغ ‪ 1.540‬مليار‬
‫دولار‪.‬‬

‫‪45‬‬

‫هذا المسؤول المسكين لم يلاحظ أن الأردن‪ ،‬بشعبه كله‪،‬‬
‫وبمكانته في بيئته‪ ،‬أقل قيمة‪ ،‬في عين قطر‪ ،‬من قيمة نادي كرة‬
‫قدم في بريطانيا‪.‬‬

‫ولكن‪ ،‬إذا كان كل ذلك سيئا بما يكفي‪ ،‬فهناك ما هو أسوأ‪.‬‬
‫أنظر الى ما تنفقه قطر من أموالها لخدمة مشروع التمزيق‬
‫والتفتيت والإرهاب الذي ترعاه داعش والإخوان‪ ،‬وسترى أن‬
‫التوظيف السياسي للمال‪ ،‬لا ينتج بضائع‪ ،‬ولا يقصد امتصاص‬
‫بطالة‪ ،‬ولا يتجه الى دعم مشاريع للتنمية في دول الجوار العربي‪،‬‬
‫ولا رعاية خدمات‪ ،‬وإنما نشر الخراب‪ ،‬وزرع القتل والفوضى‪،‬‬
‫بقصد تحويل المنطقة برمتها الى بركان يتفجر من الداخل‪.‬‬

‫ويا ريت‪ ،‬لو اقتصر الإفلاس التجاري على الاستثمار في سان‬
‫جيرمان!‬

‫على الأقل‪ ،‬كان يمكن لهذا النادي أن يجد مشجعين عربا لم‬
‫يقتلهم نادي داعش والإخوان‪.‬‬

‫فاذا كان فظيعا جهل ما يجري‪ ،‬فخيز للبردوني أنه مات‪ ،‬دون‬
‫أن يدري!‬

‫‪46‬‬

‫الفصل الثاني‬
‫خيارات الشر‬

‫ نبع الجريمة وشوكة الشيطان‬‫ "كلا انه ليس بمسلم"‬‫‪ -‬الديمقراطية والعنف‬

‫ "نهاية التاريخ" والانسان الطائفي الأخير‬‫ الإسلام السياسي‪ ،‬حزب بلا دين‬‫‪ -‬نموذج الإخواني الجديد‬

‫‪47‬‬

48

‫نبع الجريمة وشوكة الشيطان‬
‫لقد نشأت جماعة "الإخوان المسلمين" عام ‪ 1928‬في مدينة‬
‫الاسماعيلية‪ .‬وللتاريخ والمكان معنيان‪.‬‬

‫أما بالنسبة للتاريخ‪ ،‬فان نشأة الجماعة جاءت في خضم نضال‬
‫تحرري كان يقوده الوطنيون المصريون‪ ،‬وفي مقدمتهم‬

‫"الوفديون"‪ ،‬من أجل جلاء الاستعمار البريطاني واستقلال مصر‪.‬‬
‫أما بالنسبة للمكان‪ ،‬فقد كانت الاسماعيلية مقرا لشركة قناة‬
‫السويس الاستعمارية وقاعدة عسكرية بريطانية‪.‬‬

‫لا ذنب للشيخ حسن البنا‪ ،‬مؤسس الجماعة‪ ،‬في أنه كان هناك‬
‫في ذلك التاريخ‪ .‬فذلك قدر من أقدار المصادفات التي لا ذنب فيها‬
‫لأحد‪ ،‬وهي لا تعني بحد ذاتها أي شيء‪.‬‬
‫ولكن‪ ،‬ثمة من الحقائق ما يكفي ليرفع عن "القدر" عامل‬
‫الصدفة فيه‪.‬‬

‫تقتضي الحاجة أن نتعرف على البيئة التي نشأت فيها الجماعة‪،‬‬
‫لنعرف خياراتها في تلك البيئة‪ .‬وهذا ما لا مصادفات ولا أقدار‬
‫إنه خيارات‪.‬‬

‫يقول مؤرخ الحركة الوطنية المصرية البارز الدكتور رفعت‬
‫السعيد في كتابه‪" :‬حسن البنا‪ ..‬متى‪ ،‬كيف‪ ،‬ولماذا"‪( ،‬دار الطليعة‬

‫الجديدة‪ ،‬دمشق‪ ،‬الطبعة العاشرة)‪ ،‬إن شخصية حسن البنا نشأت في خضم‬
‫عدة صراعات كانت تطغى على الحياة في مصر في ذلك الوقت‪.‬‬
‫الأول‪ ،‬الصراع بين العلم وحركة التنوير عامة وبين القوى المحافظة‪.‬‬
‫والثاني‪ ،‬الصراع بين الوطنية المصرية وبين دعاة الخلافة الاسلامية‪.‬‬
‫والثالث‪ ،‬الصراع بين التبشير والتبشير المضاد‪.‬‬
‫والرابع‪ ،‬التناقض بين دعاة الغربية والمتوسطية وبين رافضيها‪.‬‬
‫والخامس‪ ،‬الصدام بين التجديد والتقليد‪.‬‬
‫‪49‬‬


Aperçu du document خيول الظلام.pdf - page 1/222

 
خيول الظلام.pdf - page 2/222
خيول الظلام.pdf - page 3/222
خيول الظلام.pdf - page 4/222
خيول الظلام.pdf - page 5/222
خيول الظلام.pdf - page 6/222
 




Télécharger le fichier (PDF)




Sur le même sujet..





Ce fichier a été mis en ligne par un utilisateur du site. Identifiant unique du document: 01898265.
⚠️  Signaler un contenu illicite
Pour plus d'informations sur notre politique de lutte contre la diffusion illicite de contenus protégés par droit d'auteur, consultez notre page dédiée.