Fichier PDF

Partage, hébergement, conversion et archivage facile de documents au format PDF

Partager un fichier Mes fichiers Boite à outils PDF Recherche Aide Contact



orca share media1541626425736 .pdf



Nom original: orca_share_media1541626425736.pdf
Auteur: Khaled Smaiili

Ce document au format PDF 1.7 a été généré par Microsoft® Word pour Office 365, et a été envoyé sur fichier-pdf.fr le 02/12/2018 à 23:03, depuis l'adresse IP 194.187.x.x. La présente page de téléchargement du fichier a été vue 260 fois.
Taille du document: 3.3 Mo (431 pages).
Confidentialité: fichier public




Télécharger le fichier (PDF)









Aperçu du document


‫المؤلّف‪ :‬يوف ال نواح هراري‬

‫موجز لتاريخ‬
‫البشر‬
‫‪.....................................‬‬

‫السابيانس‬
‫ترمجة‪ :‬خادل اسامعييل‬

‫المحتويات‬

‫الجزء األول‪ :‬الثورة المعرفية‬

‫‪ :1‬حيوان اعزل‬
‫‪ :2‬شجرة المعرفة‬
‫‪ :3‬يوم من أيام ادم وحواء‬
‫‪ :4‬الطوف ان‬

‫الجزء الثاني‪ :‬الثورة الزراعية‬

‫‪ :5‬اكبر عملية نصب في التاريخ‬
‫‪ :6‬بناء االهرامات‬
‫‪ :7‬الذاكرة الطافحة‬
‫‪ :8‬ال توجد عدالة في التاريخ‬

‫الجزء الثالث‪ :‬توحيد الجنس البشري‬

‫‪ :9‬سهم التاريخ‬
‫‪ :10‬رائحة المال‬
‫‪ :11‬الرؤى اإلمبراطورية‬

‫‪ :12‬ناموس الدين‬
‫‪ :13‬سر النجاح‬

‫الجزء الرابع‪ :‬الثورة العلمية‬

‫‪ :14‬اكتشاف الجهل‬
‫‪ :15‬اقتران العلم باالميراطورية‬
‫‪ :16‬العقيدة الراسمالية‬
‫‪ :17‬عجلة االقتصاد‬
‫‪ :18‬إنّها ثورة دائمة‬
‫‪ :19‬و عاشوا بسعادة دائمة منذ ذلك الحين‬
‫‪ :20‬نهاية الهوموسابيانس‬

‫الجزء االول‬

‫الثورة المعرفية‬

A human handprint made about 30,000 years ago, on the wall of the
Chauvet-Pont-d’Arc Cave in southern France. Somebody tried to say, ‘I was
here!’

‫‪1‬‬
‫حيوان اعزل‬
‫قبل حوالي ‪ 13.5‬مليار سنة مضت‪ ،‬ظهر الى حيز الوجود رباعي المادة‬
‫والطاقة والزمن وكذلك الفضاء ضمن ما يعرف باسم االنفجار الكبير‪.‬‬
‫وتروي لنا الفيزياء قصة هذه السمات األساسية لكوننا‪.‬‬
‫بعد حوالي ‪ 300،000‬سنة من ظهورهما‪ ،‬بدأت المادة والطاقة في االندماج‬
‫في بنيات معقدة‪ ،‬أطلق عليها اسم الذرات‪ ،‬حيث اتحدت الحقا لتتشكل منها‬
‫جزيئات‪ .‬وتعتني الكيمياء برواية قصة الذرات والجزيئات وتفاعالتها‪.‬‬
‫منذ ما يناهز ‪ 3.8‬مليار سنة‪ ،‬على كوكب يسمى األرض‪ ،‬اتحدت جزيئات‬
‫يعينها لتشكيل لبنات كبيرة ومعقدة بشكل خاص تسمى الكائنات الحية‪.‬‬
‫ويروي لنا علم االحياء قصة هذا النوع من الكائنات‪.‬‬
‫قبل حوالي ‪ 70،000‬سنة‪ ،‬نشأت الكائنات التي تنتمي إلى جنس اإلنسان‬
‫العاقل في بنى أكثر اتقانا أطلق عليها الحقا اسم الثقافات‪ .‬ويعالج التاريخ‬
‫تطور هذه الثقافات البشرية عبر الزمن‪.‬‬
‫هناك ثالث ثورات هامة شكلت مسار التاريخ‪ :‬الثورة المعرفية والتي بدأت‬
‫منذ ‪ 70،000‬سنة مضت ‪ .‬والثورة الزراعية التي سرعت في نمو سابقتها‬
‫وذلك حوالي ‪ 12،000‬سنة قبل الميالد‪ .‬واخيرا الثورة العلمية التي ما تزال‬
‫تسلك سبيلها منذ خمس قرون وقد تحسم هذه الثورة االخيرة التاريخ لتفتح‬
‫صفحة جديدة ومختلفة كلية عن سابقتها‪ .‬وهذا الكتاب يروي قصة هذه‬
‫الثورات الثالث وكيف اثرت على البشر وعلى محيطهم‪ .‬لقد وجد البشر‬
‫قبل صناعة التاريخ‪ .‬وقد ظهرت الحيوانات مثلها مثل االنسان العصري‬
‫منذ زهاء ‪ 2.5‬مليون سنة خلت‪ .‬وألجيال كثيرة لم يتمايز وضع االنسان‬
‫عن بقية جيرانه من الكائنات التي تقاسمه محيطها‪.‬‬
‫ومن المحتمل ان تعترضك وانت تغامر في ادغال أفريقيا الشرقية منذ ‪2.5‬‬

‫مليون سنة زمرة من البشر المألوفين لديك‪ .‬أمهات حريصات على‬
‫احتضان أطفالهن اللهين وقد أغرقوا اظافرهم في الطين‪ .‬وهناك الفتيان‬

‫ذووا االمزجة المتقلبة يحاولون االفالت من اكراهات المجتمع‪ .‬وفي‬
‫زاوية أخرى تجد الشيوخ المتهالكين الذين يبحثون عن السكينة فحسب؛‬
‫كذلك الفتى الوسيم الذي يحاول اغراء حسناوات القرية وبجانبه شيخ خبر‬
‫السنين وتقلباتها ولم يعد يعبأ بشيء‪.‬‬
‫لقد كان هؤالء البشر االقدمون يقضون اوقاتهم في الخالعة واللهو‬
‫ويشرعون كذلك في تشكيل صداقات وثيقة بين بعضهم البعض‪ .‬كما كانوا‬
‫يتنافسون على الجاه والقوة ‪ -‬تماما مثل الشمبانزي‪ ،‬والبابون والفيلة‪ .‬ولم‬
‫يكن يميزهم عنا شيء‪ .‬ال أحد في ذلك الزمن‪ ،‬ناهيك عن البشر أنفسهم‬
‫كان بمقدوره التنبئ بأن أحفاد هؤالء سوف يسيرون يوما ما على سطح‬
‫القمر‪ ،‬او يشطرون الذرة‪ ،‬او يسبرون اغوار الشفرة الوراثية او ربما‪،‬‬
‫يؤلفون كتبا في التاريخ‪.‬‬
‫ان أهم شيء تجب معرفته عن فترة بشر ما قبل التاريخ تتعلق بكونهم‬
‫كانوا حيوانات غير ذات خلق ولم تكن لهم القدرة على التأثير في بيئتهم‬
‫أكثر مما لدى الغوريال او اليراعات او حتى قنديل البحر‪.‬‬
‫يصنف البيولوجيون عادة الكائنات الحية إلى أنواع‪ .‬ويقال أن الحيوانات‬
‫التي تنتمي إلى نفس النوع تميل عادة إلى التزاوج فيما بينها‪ ،‬لتنجب‬
‫صغارا يكونون اكثر خصوية من ابويهما‪ .‬فالخيول والحمير مثال لديها‬
‫سلف مشترك وتتقاسم العديد من السمات الجسدية‪ .‬غير انها ال تبدي اي‬
‫نزوع جنسي تجاه بعضها البعض‪ .‬وإذا ما صادف ان تزاوجت فان نسلها‪،‬‬
‫وتسمى البغال‪ ،‬تكون في الغالب عقيمة‪ .‬حيث ان طفرات الحمض النووي‬
‫للحمار ال تيسر عملية التهجين مع الخيول‪ ،‬والعكس بالعكس‪ .‬اذ ان هذين‬
‫النوعين من الحيوانات يعتبران متمايزان عن بعضهما البعض ذلك انهما‬
‫يتحركان على طول مسارات تطورية منفصلة‪ .‬وعلى النقيض من ذلك‪،‬‬
‫نجد ان الكلب بدلوق والسبانيال يبدوان مختلفان جدا ومع ذلك فهما ينتميان‬
‫الى النوع نفسه ويتقاسمان نفس مجموعة الجينات الخاصة بهما وبالتالي‬
‫فأنهما سوف يتزاوجان فيما بينهما وسوف تكبر جراؤهما لتقترن مع كالب‬
‫اخرى لتنجب مزيدا من الجراء‪.‬‬
‫ان األنواع التي تطورت من سلف مشترك يتم حشدها سوية تحت مسمى‬
‫"جنس" (الجمع اجناس)‪ .‬فاألسود والنمور والفهود هي انواع مختلفة‬

‫داخل جنس اسمه " بانثيرا" ولقد اعتاد علماء االحياء على افراد الكائنات‬
‫الحية باسمين التينيين‪ :‬اسم الجنس يليها اسم النوع‪ .‬األسود‪ ،‬على سبيل‬
‫المثال‪ ،‬تسمى بانثيرا ليو‪ ،‬ليو للجنس وبانتيرا للنوع‪ .‬ومن المحتمل ان كل‬
‫من يطالع هذا الكتاب ينضوي تحت فئة اإلنسان العاقل ‪ -‬نوع سابينز‬
‫(الحكيم) من جنس هومو (انسان)‪.‬‬
‫واالجناس بدورها يتم جمعها في عائالت مثل السنانير (االسود والفهود‬
‫والقطط) او الكلبيات (كالذئاب والثعالب وابن اوى) والفيليات (كالفيل‬
‫والمأموت والماستودنت)‪.‬‬
‫جميع أفراد األسرة تتبع نسبها إلى المؤسس أو البطريرك‪ .‬كل القطط‪ ،‬على‬
‫سبيل المثال‪ ،‬من أصغر هريرة المنزل وصوال الى االسد الشرس‪ ،‬تتبادل‬
‫جميعها سلفا مشتركا من السنوريات الذي عاش قبل ‪ 25‬مليون سنة مضت‪.‬‬
‫وبالمثل ينتمي جنس الهوموسابيانس أيضا الى أسرة‪ .‬وإذا كانت هذه‬
‫الحقيقة ال تثير االهتمام فإنها بقيت مع ذلك من أكثر األسرار المحفوظة‬
‫عبر التاريخ‪ .‬ولقد كان اإلنسان العاقل مياال منذ حقبة طويلة من الزمن‬
‫الى اعتبار نفسه جنسا منفصال عن الحيوانات‪ ،‬يتيم األسرة‪ ،‬ليس له إخوة‬
‫وأخوات أو أبناء عمومة‪ ،‬وال سيما يتيم االبوين‪ .‬ولكن ليست هذه حاله‪.‬‬
‫فنحن احببنا ام كرهنا أعضاء في عائلة كبيرة تتسم بالظرف تسمى القردة‬
‫الكبيرة‪ .‬وتشمل أقرب أقربائنا األحياء الشمبانزي والغوريال واألورانج‬
‫اوتان‪ .‬ويعتبر الشمبانزي اكثرها قرابة من االنسان‪ .‬ويحتمل ان احدى‬
‫اناث القرود قد انجبت منذ ‪ 6‬ماليين سنة انثيين أصبحت أحداهما سلفا‬
‫لجميع الشمبانزي‪ ،‬في حين غدت شقيقتها جدة لبني البشر‪.‬‬

‫هياكل عظمية في الخزانة‬
‫من الراجح ان اإلنسان العاقل قد حجب سرا آخر يبدو أكثر اثارة‪ .‬حيث‬
‫اتضح اننا ال نملك كثيرا من ابناء العمومة الهمجيين فحسب ولكن حصل‬
‫ان كان لدينا اخوة واخوات وان كانوا نزرا‪.‬‬
‫لقد اعتدنا على التفكير كوننا النوع الوحيد من البشر الذي انجبته االرض‪،‬‬
‫ولقد كنا بالفعل كذلك على مدى ال ‪ 10000‬سنة الماضية‪ .‬غير ان االمر‬
‫على خالف ذلك‪ ،‬اذ ان المعنى الخاطئ لكلمة اإلنسان هو اعتباره حيوان‬

‫ينتمي الى الجنس "هومو"‪ .‬غير انه ظهر ان هناك العديد من األنواع‬
‫األخرى عاشت الى جانب اإلنسان العاقل‪ .‬وعالوة على ذلك‪ ،‬كما سنرى‬
‫في الفصل األخير من هذا الكتاب‪ ،‬قد نضطر مرة أخرى في مستقبل غير‬
‫بعيد جدا إلى التعامل مع نوع من البشر من غير السابيانس‪ .‬لتوضيح‬
‫وانارة هذه النقطة‪ ،‬سوف استخدم غالبا مصطلح "سابينس" للداللة على‬
‫أعضاء من جنس اإلنسان العاقل‪ ،‬مع االحتفاظ بمصطلح "البشر" لإلشارة‬
‫إلى جميع أعضاء موجودة من جنس هومو‪.‬‬
‫تطور البشر في شرق أفريقيا قبل حوالي ‪ 2.5‬مليون سنة من قبل جنس من‬
‫القرود دعي أسترالوبيثكس‪ ،‬وهو ما يعني "القرد الجنوبي"‪ .‬وحوالي ‪2‬‬
‫مليون سنة مضت ترك بعض هؤالء الرجال والنساء االوائل وطنهم في‬
‫رحلة مغامرة بغاية استيطان مناطق شاسعة من شمال أفريقيا وأوروبا‬
‫وآسيا‪ .‬وبما ان قانون البقاء على قيد الحياة في الغابات الثلجية في شمال‬
‫أوروبا يتطلب صفات مختلفة عن الصفات المرغوبة للبقاء على قيد الحياة‬
‫في ادغال اندونيسيا الرطبة‪ ،‬فقذ تأقلمت الجماعات االنسانية بطرق مختلفة‪.‬‬
‫وكانت النتيجة ان ظهرت عدة أنواع بشرية متمايزة‪ ،‬ابتكر لها العلماء‬
‫اسماء التينية رنانة‪.‬‬

‫‪2. Our siblings, according to speculative reconstructions (left to right):‬‬
‫‪Homo rudolfensis (East Africa); Homo erectus (East Asia); and Homo‬‬
‫‪neanderthalensis (Europe and western Asia). All are humans.‬‬

‫وتطور البشر في أوروبا وغرب آسيا إلى إنسان نياندرتالنسيس (اإلنسان‬
‫من وادي نياندر)‪ ،‬ويشار إليها شعبيا ببساطة باسم "إنسان نياندرتال"‪.‬‬
‫يعتبر هذا النوع أكبر حجم وأضخم عضالت مما لدى سابينس‪ ،‬االمر الذي‬

‫يجعله أكثر تكيفا مع المناخ البارد للعصر الجليدي الذي ساد غرب‬
‫أوراسيا‪ .‬اما الهومو ايريكتوس المدعو بالرجل المنتصب فقد كان يستوطن‬
‫جل المناطق الشرقية في اسيا والذي يحتمل انه عاش هناك لما يناهز ‪2‬‬
‫مليون سنة مضت‪ ،‬مما يؤهله ان يكون أكثر انواع االنسان التي داومت‬
‫على الحياة دون انقطاع‪ .‬ومن غير الوارد ان ينتهك هذا السجل الزمني‬
‫الطويل من قبل الهومو سابيانس‪.‬‬
‫ومن المشكوك فيه ايضا فيما إذا كان بمقدور نوعنا البقاء زهاء االلف سنة‬
‫أخرى‪ .‬وهذا ما يجعل سجل النيانتردال يتجاوز قدرتنا على التأقلم بما ال‬
‫يقارن‪.‬‬
‫في جزيرة جاوة‪ ،‬الواقعة في إندونيسيا‪ ،‬عاش هومو سولنسيس‪" ،‬رجل من‬
‫وادي السولو "‪ ،‬وقد كان مؤهال للحياة في المناطق المدارية‪ .‬وعلى جزيرة‬
‫اندونيسية أخرى ‪ -‬وهي جزيرة صغيرة من فلوريس ‪ -‬خضع البشر‬
‫البائدون لعملية القصرنة (من قصير)‪ .‬وقد انتهى البشر الى جزيرة‬
‫فلوراس حينما كان مستوى البحر جد منخفض وحيث كان االبحار الى‬
‫الجزيرة سهال نسبيا‪ .‬وعندما ارتفع مستوى البحار مرة أخرى‪ ،‬كان بعض‬
‫الناس الذين استوطنوها في البداية قد حوصروا في الجزيرة‪ .‬وإذا كانت‬
‫الجزيرة تشكو من قلة في الموارد االساسية فان السكان الذين يتصفون‬
‫بضخامة الهياكل لقوا حتفهم أوال ولم يصمد اال النحيفين الذين تأقلموا جيدا‬
‫مع المحيط‪ .‬وبمرور الزمن أصبح قوم فلوراس اقزاما نتيجة لندرة الموارد‬
‫االساسية وقلتها‪ .‬وقد كان هذا النوع الفريد من البشر االوائل والمعروف‬
‫من قبل العلماء بالهومو فلورانزيس‪ ،‬يتسم بالقصر الذي لم يتجاوز المتر‬
‫وبنحافة الجسم التي لم تتجاوز العشرين كيلو غرام‪ .‬ومع ذلك كان قادرا‬
‫على إنتاج ادوات حجرية‪ ،‬وربما تمكن في بعض األحيان من مطاردة‬
‫بعض من الفيلة التي تستوطن الجزيرة‪ .‬وحتى تكون المعركة عادلة فان‬
‫الفيلة كذلك كانت تشاطرهم صفة كونهم اقزاما هم أيضا‪.‬‬
‫في عام ‪ 2010‬جرى إنقاذ أحد اشقاء االنسان من النسيان‪ ،‬حيث عثر علماء‬
‫االثار على بقايا إصبع عضمي متحجرة في كهف دينيسوفا الواقع في‬
‫سيبيريا‪ .‬وقد أثبت التحليل الوراثي أن العظم ينتمي إلى نوع انساني غير‬
‫معروف من قبل تم وسمه بالهومو دينيسوفا‪ .‬ولربما ما يزال هناك الكثير‬

‫من اقارب االنسان يرقدون في الكهوف او الجزر او يعيشون في مناخات‬
‫متمايزة يترقبون اكتشافهم من قبل العلماء‪.‬‬
‫وفي حين كانت احدى سالالت البشر تخضع الى عملية تطورية في‬
‫مناطق أوروبا وآسيا‪ ،‬نجد في المقابل نظيرتها في مناطق شرق أفريقيا‬
‫تواكب نفس العملية التطورية‪ .‬واستمر مهد اإلنسانية في احتضان تطور‬
‫العديد من األنواع الجديدة من النظراء كالهومو رودولفنسيس‪" ،‬رجل من‬
‫بحيرة رودولف"‪ ،‬والهومو إرغاستر‪" ،‬رجل العمل"‪ ،‬بما في ذلك تطور‬
‫األنواع الخاصة بنا‪ ،‬والتي وسمناها بشكل اعتباطي الهومو سابينس‪ ،‬اي‬
‫''الرجل الحكيم "‪.‬‬
‫وقد اتسمت طائفة من هذه االنواع بالضخامة في حين تميزت البقية ببنيات‬
‫االقزام‪ .‬هذا اضافة الى ان بعضها عرف عنه براعته في صيد الطرائد في‬
‫حين استقل الباقون في جني الثمار من االشجار المختلفة‪.‬‬
‫وقد كانت تلك االنواع المنقرضة تنتمي الى نفس ساللة "الهومو" ومن هنا‬
‫اعتبار سوادهم ذووا خواص يشريه‪.‬‬
‫ومن المغالطات الشائعة االعتقاد بان كل هذه االنواع البشرية خضعت‬
‫لتطور خطي صاعد ومن ثمة اعتبار انها ذات أصل مشترك مع نوع‬
‫الهومو ايرقاستار القائم والذي انحدر بدوره من انسان النياندرتال والذي‬
‫تطور بدوره الى الهومو سابيانس‪ .‬يؤدي هذا النموذج الخطي للتطور الى‬
‫انطباع خاطئ يفيد انه كان هناك نوع واحد فقط من البشر يستوطنون‬
‫االرض في حقبة معينة من التاريخ التطوري واعتبار بقية االنواع مجرد‬
‫نماذج تليدة لنوعنا‪ .‬لكن الثابت ان االرض كانت مأهولة بجميع هاته‬
‫االنواع التي تعايشت في نفس الفترة الممتدة منذ مليوني سنة وحتى‬
‫العشرة االف سنة قبل الميالد‪ .‬وهذا الزعم مقبول على اعتبار اننا ما نزال‬
‫نشاهد تعايش انواع مختلفة من الثعالب والدببة والخنازير (التي ليس لها‬
‫سلف مشترك)‪ .‬ويتفق العلماء على ان االرض كان يقطنها ستة انواع من‬
‫البشر على اقل تقدير وهذا منذ ‪ 100‬ألف سنة مضت‪ .‬غير ان الجرم‬
‫المشهود الذي وقع فيه نوعنا يرتهن بميزة تفردنا واستعالئنا وليس‬
‫باكتشاف تعدد انواعنا في التاريخ وهذا ما قادنا الى نكران ذاكرة اسالفنا‬
‫االشقاء‪.‬‬

‫تكلفة التفكير‬
‫بالرغم من االختالفات الكثيرة بين االنواع البشرية فأنها تتقاسم مع ذلك‬
‫العديد من السمات أبرزها ضخامة االدمغة مقارنة ببقية الحيوانات‪.‬‬
‫فالثدييات التي تزن ‪ 60‬كلغ يكون لديها متوسط حجم الدماغ ما يعادل ‪200‬‬
‫صم مكعب‪ .‬وفيما يتعلق بسلفنا البشري الذي عاش منذ ‪ 2.5‬مليون سنة فقد‬
‫كان يملك دماغا بحجم ‪ 600‬صم مكعب في حين يبلغ متوسط حجم دماغ‬
‫انسان عصرنا ما بين ‪ 1200‬و‪ 1400‬صم مكعب‪ .‬ويزداد حجم الدماغ‬
‫ضخامة لدى ساللة النيانترتال‪.‬‬
‫ويحتمل ان االنتخاب الطبيعي لألدمغة الكبرى كان حال ناجحا بغاية‬
‫التأقلم‪ .‬والظاهر اننا مزهوون جدا بذكائنا خاصة إذا تعلق االمر باستعمال‬
‫ادمغتنا بأكثر نجاعة‪ .‬وإذا كان االمر على هذه الشاكلة فمن المفروض ان‬
‫تنجب عائلة السنوريات صغارا ماهرين في الحساب‪ .‬ولكن لماذا استطاع‬
‫النوع البشري الوحيد في المملكة الحيوانية ان يطور آلة تفكير جبارة من‬
‫بين كل الحيوانات؟‬
‫الواقع ان ضخامة الدماغ تستنزف كثيرا طاقة الجسد‪ .‬اذ انه ليس من‬
‫اليسير طواف االنسان حامال على عاتقه دماغا كبيرة في جمجمته كما انه‬
‫من العسير امداده بالطاقة االزمة وبخاصة إذا عرفنا ان الدماغ لدى‬
‫الهوموسابيانس يشكل ‪ 2‬الى ‪ 3‬بالمائة من الوزن الكلي للجسم ويستهلك ‪25‬‬
‫بالمائة من نسبة ما يستهلكه كامل الجسم من الطاقة في حالة السكون‪.‬‬
‫ولغاية المقارنة فأننا نجد ان ادمغة القردة االخرى ال تستهلك سوى ‪8‬‬
‫بالمائة من الطاقة في حالة هجوعها‪ .‬لقد كان على البشر االوائل ان يتحملوا‬
‫وزر ضخامة ادمغتهم وكان ذلك بوسيلتين تتمثل االولى في قضائهم لكثير‬
‫من الوقت بحثا عن الغذاء اما الثانية فنتج عنها ضمورا في عضالتهم وهذا‬
‫االمر يشبه لما تقوم به الحكومة حينما تحول نفقات الدفاع لفائدة التربية‬
‫وهذا ما فعله البشر االقدمون حين حولوا طاقة عضالتهم لفائدة خالياهم‬
‫العصبية‪ .‬واتباع مثل هاذ الحل التكيفي لم يكن بمنأى عن الفشل خصوصا‬
‫في مناطق السافانا وما تكتنفه من اخطار جمة‪ .‬ففي حالة الشمبانزي الذي‬
‫ال يمكن ان يضاهي االنسان فيما يتعلق بملكة التفكير اال ان االنسان لم يكن‬
‫بمقدوره مجابهة قوة القرد وجها لوجه ففي ذلك موته المحتوم‪.‬‬

‫في عصرنا الراهن غدت ادمغتنا تشتغل بإتقان حتى اننا صرنا نصنع‬
‫العربات التي تيسر لنا تنقالتنا بسرعة أكثر مما تقدر عليه القرود وكذلك‬
‫البنادق التي تساعدنا على صيد الطرائد الكبيرة عوض مصارعتها وجها‬
‫لوجه‪.‬‬
‫لقد استمرت شبكة الخاليا العصبية لدى البشر في النمو لما يزيد عن ‪2‬‬
‫مليون سنة وباستثناء تمرسه في صناعة السكاكين والخناجر الصوانية لم‬
‫يكن البشر االوائل يملك القدرة على اكتشاف المزيد خصوصا إذا أدركنا‬
‫ان ابتكار العربات والبنادق يعتبران ظاهرتين حديثتين‪ .‬ويبقى السؤال الذي‬
‫ال نملك له اجابة لحد االن هو ما الذي دفع دماغ االنسان األبكر الى‬
‫التطور بهاذ الشكل الحالي‪ .‬صراحة نحن ال نعرف جلية االمر‪.‬‬
‫ومن السمات البشرية الفريدة تلك المتعلقة بالسير على قدمين‪ .‬لقد سهل لنا‬
‫انتصابنا قدرتنا على سبر محيط السافانا سواء بغاية صيد الطرائد او‬
‫مجابهة عدو يتربص بنا‪ .‬اما االذرع التي لم تعد الزمة لتحركاتنا فقد عتقت‬
‫وعدت ألغراض اخرى كالرشق بالحجارة او اتخاذها اداة لإليعاز او‬
‫االرشاد‪ .‬وهكذا أصبح نجاح البشر االقدمون رهين ما يكتسونه من‬
‫مهارات يدوية أكثر اتقانا‪ .‬وقد نتج عن الضغط التطوري عبر الزمن حشد‬
‫مطرد في مستوى الخاليا العصبية وكذلك ربط العضالت الدقيقة بكل من‬
‫االصابع وكف القدم‪ .‬وبالمحصلة غدى البشر قادرين على تأدية اعقد‬
‫االعمال من ذلك صنع واستخدام ادوات دقيقة جدا‪ .‬وتدل الحفريات على‬
‫ان انتاج االدوات نشا حوالي ‪ 2.5‬مليون سنة مضت علما وان صناعتها‬
‫واستعمالها هما من المعايير التي يعتمدها علماء االثار للتعرف على البشر‬
‫االقدمين‪.‬‬
‫وال يجب ان نغفل ان السير بشكل منتصب لدى البشر قد نتجت عنه اثار‬
‫سلبية‪ .‬ذلك ان تطور هياكل اسالفنا الرئيسيات استغرق ماليين من السنين‬
‫وكان يهدف فقط الى دعم الهيكل على اربعة أرجل مع وجود راس صغيرة‬
‫نسبيا لذلك كانت عملية التكيف بالنسبة للبشر في مواجه تحد جدي اذ كان‬
‫لزوما على الهيكل ان يدعم جمجمة كبيرة‪ .‬لقد قايضت االنسانية مقابل ما‬
‫حصلت عليه من ميزة حدة النظر وبراعة االيدي ان أصبحت تعاني من‬
‫علة آالم الظهر وتصلب الرقية‪ .‬كما دفعت اناث البشر كذلك الثمن باهظا‬
‫من ناحية ان سيرها منتصبة كان يتطلب ان تكون اوراكها ضيقة وهذا‬

‫بدوره يقلص من قناة الوالدة في زمن بدأت فيه ادمغة الصغار تكبر شيئا‬
‫فشيئا‪ .‬وأصبحت الوفاة أثناء الوالدة خطرا كبيرا على اإلناث‪ .‬وفي المقابل‬
‫فان النساء االتي تلدن مبكرا حين يكون دماغ الوليد وراسه صغيران نسبيا‬
‫ولينان باستطاعتها التعافي من االزمة لتعيش اطول وتنجب أبناء‪ .‬وهكذا‬
‫يغدو االنتخاب الطبيعي مكرسا لظاهرة الوالدات المبكرة باعتبارها أنجع‬
‫وسيلة للبقاء‪ .‬ومضارعة للحيوانات االخرى فان البشر يولدون قبل االوان‬
‫والحال ان الكثير من نظمهم الحياتية ماتزال في طور النمو او لم تكتمل‬
‫بعد‪.‬‬
‫وبخالف صغار البشر فان مهر الفرس يمكنه ان يخب لحظات بعيد والدته‬
‫وباستطاعة الهر ان يترك امه بحثا عن الطعام خالل بضع اسابيع من‬
‫والدته‪ .‬في حين ان صغار البشر يولدون ال حول لهم وال قوة معتمدين‬
‫كلية ولسنوات على الكبار من اجل الطعام والحماية والتعليم‪.‬‬
‫وقد ساهمت هذه الحقيقة إسهاما كبيرا في تمظهر قدرات اجتماعية غير‬
‫اعتيادية للبشرية وكذلك في بروز مشاكل اجتماعية خصوصية‪ .‬ذلك ان‬
‫األمهات الوحيدات بالكاد يستطعن أن يبحثن عن طعام لهن ولذريتهن‬
‫ولبعض األطفال المحتاجين الذين هم في الكفالة‪ .‬لذلك اصبحت تربية‬
‫األطفال تحتاج إلى مساعدة مستمرة من أفراد األسرة اآلخرين وكذلك‬
‫الجيران‪ .‬والحقيقة ان تربية طفل تتطلب تظافر مجهود قبيلة باسرها‪ .‬ومن‬
‫ثمة‪ ،‬فإن التطور قد يصطفي القادرين على ابتداع روابط اجتماعية قوية‪.‬‬
‫وباإلضافة إلى ذلك‪ ،‬وبما أن البشر يولدون غير مكتملي النمو‪ ،‬فانه يمكن‬
‫ان نعلمهم التربية وحسن المعاشرة أكثر بكثير مما يحصل لدى الحيوانات‬
‫األخرى‪ .‬فالثدييات مثال تولد مكتملة التكوين مثلها مثل الخزف الخارج من‬
‫الفرن كل محاولة إلعادة تشكيله قد تخدشه او تكسره‪ .‬في حين ان البشر‬
‫يبزغون من الرحم مثل الزجاج المصهور‪ ،‬باإلمكان ان نصنع منه خيوطا‬
‫وان نشكله مع قدر كبير من الحرية‪ .‬ألجل هذا السبب يمكننا اليوم تلقين‬
‫أطفالنا ليصبحوا مسيحيين أو بوذيين‪ ،‬ذووا نزعة رأسمالية أو اشتراكية‪،‬‬
‫محاربين أو عاشقين للسالم‪.‬‬
‫ونحن نفترض أن سمة الدماغ الكبير‪ ،‬واستخدام األدوات‪ ،‬وقدرات التعلم‬
‫المتفوقة والبنيات االجتماعية المعقدة هي ميزات عظيمة‪ .‬يبدو من الجلي‬
‫أنها جعلت من البشر أقوى الحيوانات على وجه األرض‪ .‬وبالرغم من بقاء‬

‫البشر ضعيفين وهامشيين على امتداد مليوني سنة اال انهم استثمروا جيدا‬
‫تلك الفوائد‪ .‬ونتيجة لذلك عاش البشر منذ مليون سنة في خوف دائم من‬
‫الحيوانات المفترسة على الرغم من أدمغته الكبيرة وصناعته لألدوات‬
‫الحجرية‪ .‬ونادرا ما كانوا يصطادون الطرائد الكبيرة‪ ،‬بل كانوا يعتمدون‬
‫أساسا على جمع النباتات‪ ،‬وجمع الحشرات‪ ،‬ومطاردة الحيوانات الصغيرة‬
‫‪ ،‬وأكل الجثث المتبقية التي خلفتها الحيوانات االخرى آكلة اللحوم أكثر‬
‫قوة‪.‬‬
‫ان أحد أكثر االستخدامات شيوعا لألدوات الحجرية كان من أجل الحصول‬
‫على نخاع عظام بقايا الفرائس‪ .‬ويعتقد بعض الباحثين أن هذه هي البيئة‬
‫المالئمة لعيشنا‪ .‬تماما كما نقار الخشب متخصص في استالل الحشرات‬
‫من جذوع األشجار‪ ،‬فان البشر االولين كانوا قد مهروا في استخراج نخاع‬
‫العظام‪ .‬لكن لماذا النخاع بالتحديد؟ حسنا‪ ،‬لنفترض أنك تشاهد زمرة من‬
‫األسود هوت على زرافة لتلتهمها‪ .‬انت االن ما زلت تنتظر االسود بأناة‬
‫حتى تنتهي من وجبتها‪ .‬لكن دورك ما زال لم يحن بعد فقد سبقتك الضياع‬
‫وابن اوى وانت ال تستطيع ان تجرا على العبث معها‪ .‬عندها فقط سوف‬
‫تدنو بمعية النفر الذين يصحبونك من الجيفة‪ ،‬متطلعا من حولك بحذر شديد‬
‫ومن ثمة تغرس اصابعك فيما تبقى من االنسجة الصالحة لألكل‪.‬‬
‫هذا هو المفتاح لفهم تاريخنا ونفسيتنا‪ .‬لقد كان جنس "الهومو" يحتل‬
‫برسوخ والى وقت قريب جدا‪ ،‬منتصف السلسلة الغذائية‪ .‬وضل البشر‬
‫لماليين السنين يصطادون الطرائد الصغيرة ويلتقطون النباتات في طريقهم‬
‫معرضين أنفسهم الى خطر الحيوانات المفترسة‪ .‬ومنذ حوالي ‪ 400‬ألف‬
‫سنة فقط طفقت كثير من انواع البشر في قنص الطرائد الكبيرة بشكل‬
‫مألوف‪ .‬ولم يدرك البشر قمة الهرم الغذائي اال مع بزوغ نوع‬
‫الهوموسابيانس منذ ما يقرب ‪ 100‬ألف سنة مضت‪.‬‬
‫لقد كان لتلك الطفرة المذهلة عواقب جسيمة والتي لم يكن باستطاعة بقية‬
‫الحيوانات االخرى نظير االسد والقروش ان يدركوها اال بشكل تدريجي‬
‫عبر ماليين السنين‪ .‬وحيث ذلل هذا االمر (التطور التدريجي لألسود‬
‫والقروش) للنظام البيئي الطريق نحو تطوير جملة من الضوابط‬
‫والتوازنات التي منعت االسود والقروش من احداث الكثير من الدمار‪ .‬ففي‬
‫الوقت الذي غدت فيه االسود أكثر فتكا طورت الغزالن في المقابل‬

‫مقدرتها على الركض السريع في حين اكتسبت الضباع قدرة أكبر على‬
‫التعاضد بين افرادها وغدى حيوان وحيد القرن أكثر طبعه فضاضة‪.‬‬
‫وفي المقابل أمكن للبشرية ان يتسنم القمة بانسياب االمر الذي حال دون‬
‫قدرة النظام البيئي على التكيف‪ .‬وعالوة على ذلك فقد فشل البشر أنفسهم‬
‫في التكيف خالفا ألغلب الضواري الضخمة التي اكتسبت غريزة السيطرة‬
‫اعتمادا على ذاتها نتيجة لتطور ماليين السنين‪ .‬وعلى النقيض من ذلك فان‬
‫الهوموسابيانس يعتبر في حكم دكتاتور جمهورية الموز‪ .‬واذ كان الى زمن‬
‫قريب معتبرا من فئة المستضعفين الذين يستوطنون السافانا فقد صاحبه‬
‫كثير من الخوف والهلع تجاه وضعه‪ .‬االمر الذي جعله ذو طبع قاس وغير‬
‫مؤتمن الجانب‪ .‬وعالمة ذلك فيما اقترفه عبر تاريخه من نوازل مبتدئا‬
‫بالحروب المبيدة ومنتهيا الى الحاقه اضرارا بالمحيط وهذا االمر سببه تلك‬
‫الطفرة التطورية المفرطة‪.‬‬

‫سباق الطهاة‬
‫تعتبر مرحلة اكتشاف النار وتذليلها أحد الخطوات العمالقة في طريق‬
‫البشر الى القمة‪ .‬ومن المحتمل ان طائفة من االنواع البشرية قد اعتمدت‬
‫على النار في مناسبات عابرة منذ حوالي ‪ 800‬ألف سنة خلت‪ .‬وقبل حوالي‬
‫‪ 300‬ألف سنة أصبح االنتفاع بالنار امرا مألوفا بمجيئ االنسان المنتصب‬
‫وانسان النيانتردال واخيرا نوعنا الهوموسابيانس‪ .‬ومنذئذ اصيح االنسان‬
‫يتحوز بمصدر مجد لإلنارة والتدفئة واستعمالها كسالح مميت ضد االسود‬
‫التي قد تهاجمه‪ .‬ولربما استعمل االنسان النار لحرق بيوت جيرانه من يني‬
‫جلدته‪ .‬وإذا أمكن له ترويض النار بعناية الزمة فقد كان بمستطاعه تحويل‬
‫اجمات عقيمة يشق المرور عبرها الى مروج تزدحم بالطرائد‪ .‬وبعد ان‬
‫يخمد الحريق يكون ساعتها بمقدور المهرة من العصر الحجري الولوج‬
‫الى مثوى النار ليلتقطوا بقايا الفرائس المتفحمة وكذلك الجوز والدرنات‬
‫(نبات من فصيلة البطاطس‪ :‬المترجم)‪.‬‬
‫غير ان أثمن استخدامات النار كان بغاية الطهي‪ .‬فاألطعمة التي ال يستطيع‬
‫البشر هضمها بحسب طبيعتها ‪ -‬مثل القمح واألرز والبطاطا ‪ -‬أصبحت‬
‫غذاء اساسيا لحميتنا بفضلها‪ .‬فالنار لم تغير فقط من كيمياء المواد الغذائية‪،‬‬
‫لقد غيرت ايضا من مكوناتها البيولوجية‪ .‬وساعد الطبخ على قتل الجراثيم‬

‫والطفيليات التي تغزوا عادة الغذاء‪ .‬وهكذا وخالفا للقردة التي تقضي‬
‫خمس ساعات يوميا في مضغ الغذاء فان فعل الطبخ قد فلل من عملية‬
‫الهضم لدى البشر فلم يتجاوز ساعة في اليوم سواء تعلق االمر بمضغ‬
‫الفواكه او الجوز او الحشرات‪.‬‬
‫وقد مكن ظهور الطبخ البشر من تناول المزيد من أنواع الطعام‪ ،‬وتكريس‬
‫وقت أقل لتناوله وأصبح بإمكانه ان يعتمد فقط على اسنان صغيرة وامعاء‬
‫قصيرة‪ .‬ويعتقد بعض العلماء أن هناك صلة مباشرة بين ظهور الطبخ‪،‬‬
‫وتقصير مسار األمعاء البشرية من جهة‪ ،‬ونمو الدماغ البشري من جهة‬
‫اخرى‪ .‬خاصة إذا وضعنا في الحسبان ان كل من االمعاء الطويلة‬
‫واالدمغة الكبيرة يعتبران عضوين شرهين في استهالك الطاقة ولم يكن‬
‫بمقدور الجسم ان يتعايش مع كليهما‪ .‬فكان ان تقلصت االمعاء ونقص بذلك‬
‫مستوى استهالكها للطاقة لفائدة الدماغ الذي ساهم الطبخ في فتح شهيته‬
‫ليغدو ضخما ويفتح الطريق امام بزوغ النياندردال ومن خلفه‬
‫الهوموسابيانس‪.‬‬
‫كما شقت النار أول فجوة معتبرة بين اإلنسان والحيوانات األخرى‪ .‬فاذ‬
‫كانت الحيوانات تعتمد تقريبا على أجسادها من جهة قوة عضالتها وحجم‬
‫اسنانها ورحابة أجنحتها‪ .‬وبالرغم من قدرتها على استغالل الرياح‬
‫والتيارات الهوائية‪ ،‬اال انها غير قادرة على السيطرة على هذه القوى‬
‫الطبيعية‪ ،‬بحكم خضوعها الى اكراهات تصميمها الجسدي‪ .‬فالنسور مثال‬
‫حين تميز االعمدة الحرارية الصاعدة من االرض تمدد اجنحتها الكبيرة‬
‫لتترك للهواء الحار يحملها الى األعلى‪ .‬ولكنها ال تستطيع السيطرة على‬
‫موقع األعمدة الحرارية‪ ،‬حيث ان قدرة الرفع القصوى لديها تتناسب‬
‫حصريا مع جناحيها‪ .‬فالبشر على خالف النسور‪ ،‬أصبح بإمكانهم اختيار‬
‫زمان اشعال النار ومكانه وكذلك استغاللها ألي شاو‪ .‬والجدير بالمالحظة‬
‫ان قوة النار لم تعد مرتهنة بشكل او ببنية البشر الجسدية اذ ان امرأة واحدة‬
‫كان بمقدورها ان تشعل غابة كاملة في لحظات قليلة بقبس واحد من نار‪.‬‬
‫لقد كان تدجين النار مبشرا بقدوم امر جلل‪.‬‬

‫اشقاؤنا الحراس‬
‫لقد ظل البشر قبل حوالي ‪ 150‬ألف سنة كائنات هامشية بالرغم مما وفرته‬
‫لهم النار من فوائد‪ .‬لم يزالوا يهابون االسود وان كانوا يستعملون النار في‬
‫مواقدهم ذات ليالي قارسة‪ .‬كما كانوا يحرقون الغابات في بعض االحايين‪.‬‬
‫وباكتشاف النار فان البشر لم يتجاوز في تلك الحقبة تعداد انواعهم المليون‬
‫يستوطنون المناطق الواقعة بين االرخبيل االندونيسي والجزيرة االبيرية‪.‬‬
‫حيث لم يكونوا يمثلون سوى نزر قليل في المشهد االيكولوجي‪ .‬لقد كان‬
‫نوعنا الهوموسابيانس حاضرا على الساحة العالمية غير انه كان منزو في‬
‫ركن ما من القارة االفريقية‪.‬‬
‫نحن ال نعرف على وجه اليقين اين ومتى استهلت الحيوانات من فصيلة‬
‫الهوموسابيانس تطورها اول مرة ابتداء من صنف مبكر من اآلدميين‪ .‬اال‬
‫ان غالبية العلماء يجمعون على ان االمر قد حصل حوالي ‪ 150‬الف سنة‬
‫خلت‪.‬‬
‫لقد حصل ان استوطن الهوموسابيانس مناطق شرق افريقيا‪ .‬ولو حدث‬
‫ان عثر على أحد افرادهم محفوظ في مشرحة فمن المحتمل ان الطبيب لن‬
‫يقدر على مالحظة فوارق بعينها‪ .‬وبفضل نعمة النار‪ ،‬غدى للبشر أسنانا‬
‫أصغر وفكوكا اقل بروزا من أسالفهم‪ ،‬وبالمقابل أصبح لديهم أدمغة‬
‫ضخمة تشبه احجام ادمغتنا‪ .‬ويتفق العلماء أيضا على أن سابينس قد انتقل‬
‫من شرق أفريقيا إلى شبه الجزيرة العربية قبل حوالي ‪ 70‬ألف سنة‪،‬‬
‫وسرعان ما اجتاح كامل مساحة اليابسة األوراسية‪.‬‬
‫وعندما نزل اإلنسان العاقل على الجزيرة العربية‪ ،‬كان هناك طائفة اخرى‬
‫من البشر قد استقرت في معظم منطقة اوراسيا‪ .‬فما كان خبرهم؟ اقترح‬
‫المختصون نظريتين لحل هذا اإلشكال‪.‬‬
‫النظرية االولى وتدعى نظرية التهجين ‪ interbreeding theory‬حيث‬
‫تلجا هذه االخيرة الى عناصر االنجذاب والجنس وكذلك االختالط لتفسير‬
‫ظاهرة انقراض ذلك النوع البشري‪ .‬فحين تفرق سكان افريقيا حول العالم‬
‫تزاوجوا مع السكان المحليين وهكذا يكون نوعنا اليوم سليل عملية التهجين‬
‫تلك‪ .‬عندما وصل سابينس على سبيل المثال‪ ،‬إلى الشرق األوسط وأوروبا‪،‬‬
‫واجه نياندرتال الذي كان يمتلك عضالت اشد متانة مما لدى سابيانس‬

‫وكان يحتكم ايضا على ادمغة كبيرة اضافة الى اكتسابه قدرة تكيفية للعيش‬
‫في المناخات الباردة‪.‬‬
‫لقد كان النياندرتال يستخدم االدوات الحجرية والنار‪ .‬وكان صيادا ماهرا‪.‬‬
‫واغلب الضن انه كان يرعى مرضاه وافراده العجزة (لقد اكتشف علماء‬
‫االثار بقايا عظمية ألنسان النياندرتال تحمل اضرارا مما توحي بان‬
‫اصحابها قد تمتعوا برعاية اقربائهم في مدة حياتهم)‪ .‬ورغم ذلك فهناك من‬
‫يصر على رسمه بطريقة مضحكة تجعل منه انسانا أحمق وعضروط‪.‬‬
‫غير ان تظافر االدلة االثرية فد غيرت من هذه النظرة‪.‬‬
‫وبحسب نظرية التهجين فقد حصل التزاوج بين النياندرتال‬
‫والهوموسابيانس حينما هبط هذا األخير في المناطق التي يسكنها االوائل‬
‫حتى افضى االمر في نهاية المطاف الى تمازج العرقين‪ .‬وإذا كان االمر‬
‫على هذه الحال فمن المرجح ان سكان اوراسيا في يومنا هذا ليسوا من‬
‫نوع الهوموسابيانس الصرحاء‪ .‬بل االحرى اعتبارهم خليط بين كال‬
‫العرقين‪ .‬وعلى نحو مماثل يمكن اعتبار الصينيين والكوريين ورثاء‬
‫لتزاوج الهوموسابيانس مع شبيهه االنسان المنتصب‪.‬‬
‫اما وجهة النظر المعارضة فتدعى "نظرية االستبدال" ‪replacement‬‬
‫‪ theory‬وهي تحكي قصة معاكسة تماما لما حدث‪ .‬حيث تتحدث عن‬
‫عناصر عدم المؤالفة وكذلك البغضاء التي ربما وصلت حد االبادة‬
‫الجماعية‪ .‬ووفقا لهذه النظرية‪ ،‬توجد هناك اختالفات بين الهومو سابيانس‬
‫واالنواع البشرية االخرى من حيث التشريح وعادات التزاوج وحتى‬
‫رائحة اجسادهم‪ .‬ونتيجة لذلك لم يكن بوسعهم ان يظهروا ميوالت جنسية‬
‫تجاه بعضهم البعض‪ .‬وإذا ما حصل ان وقع روميو من نوع نياندرتال في‬
‫غرام جوليات من نسب سابيانس فلم يكن من المحتمل ان ينجبا ابناء‬
‫ولودون بسبب ان هناك هوة جينية تفصل بين الرهطين يستحيل جسرها‪.‬‬
‫وظلت الجماعتان منفصلتين تماما عن بعضهما الى الوقت الذي انطفئ فيه‬
‫نياندرتال او تعرض لإلبادة حامال معه جميع مورثاته‪.‬‬
‫وفي زعم هذا الراي فان نوع السابيانس قد حل محل جميع من سبقوه من‬
‫السكان دون ان يختلط بهم‪ .‬و اذا كان االمر على هذا النحو فان نسب بني‬
‫البشر الحاليين قد يعود الى سكان شرق افريقيا حصريا الذين عاشوا‬

‫حوالي ‪ 70‬الف سنة خلت‪ .‬وهكذا نكون جميعنا من ساللة السابيانس‬
‫الصرحاء‪.‬‬
‫‪.‬‬

‫‪Map 1. Homo sapiens conquers the globe.‬‬

‫والكثير من االمور يتوقف مآلها على هذا النقاش‪ .‬ذلك ان فاصل ‪ 70‬ألف‬
‫سنة يعتبر قصيرا نسبيا من منظور تطوري‪ .‬فاذا ظهر ان نظرية‬
‫االستبدال صحيحة‪ ،‬يكون لكل البشر األحياء نفس التركة الوراثية‪ ،‬ويغدو‬
‫التمييز العنصري بينهم ضئيال جدا‪ .‬ولكن إذا ظهر على العكس من ذلك‬
‫صحة نظرية التهجين‪ ،‬فقد تكون هناك فوارق جينية بين األفارقة‬
‫واألوروبيين واآلسيويين تعود الى مئات اآلالف من السنين‪ .‬وهذا االمر‬
‫يعتبر ديناميت سياسي‪ ،‬ويمكنه أن يوفر المواد الالزمة النفجار النظريات‬
‫العنصرية في اي وقت‪.‬‬
‫لقد كانت "نظرية االستبدال " خالل العقود المنصرمة بمثابة الحكمة‬
‫المشتركة بين اهل االختصاص وذلك من خالل المدعمات االثرية التي‬
‫تكون عادة متماشية مع االتجاه السياسي المقبول ‪.politically correct‬‬
‫(ال يرغب العلماء في فتح صندوق باندورا نحو العنصرية من خالل‬
‫المطالبة بالتنوع الوراثي الكبير بين السكان البشريين الحديثين)‪ .‬وبنهاية‬

‫العام ‪ 2010‬كان علماء الوراثة قد فرغوا من وضع خريطة جينية ألنسان‬
‫النياندرتال استغرقتهم اربعة سنوات من العمل المضنى‪ .‬وبعد ان جمعوا‬
‫الحمض النووي من احفورات النياندرتال قاموا بعدئذ بمقارنتها بإنسان‬
‫عصرنا الحالي‪ .‬وقد ذهل المجتمع العلمي بالنتائج المتحصل عليها‪.‬‬
‫لقد تبين انه من ‪ 1‬الى ‪ 4‬في المئة من الحمض النووي للسكان الحديثين‬
‫الذين يقطنون الشرق االوسط وارويا متماثل جدا مع مورثات النياندرتال‬
‫ومثل هذا االمر ينطوي على اهمية كبرى رغم ضآلته للوهلة األولى‪ .‬وقد‬
‫تلتها صدمة ثانية بعد بضع أشهر حينما فرغ علماء الوراثة من وضع‬
‫خريطة من احفورة إصبع تابعة إلنسان دينيسوفيا‪ .‬وقد بينت النتائج حينها‬
‫ان أكثر من ‪ 6‬في المئة من الحمض النووي لسكان ماليزيا واستراليا في‬
‫عصرنا الحالي يرجع نسبه الى انسان دينيسوفيا‪.‬‬
‫فاذا كانت هذه النتائج صالحة ‪ -‬وإذا كان من المهم أن نضع في اعتبارنا‬
‫أن مزيدا من البحوث الجارية قد تعزز أو تعدل هذه االستنتاجات ‪ -‬فان هذا‬
‫االمر قد يعطي مزيدا من االحقية ل "نظرية التهجين"‪ .‬لكن هذا ال يعني ان‬
‫نظرية االستبدال خاطئة تماما‪ .‬فاذا ما سلمنا بان انسان دينيسوفيا ونظيره‬
‫نياندرتال قد ساهما بنزر قليل في مورثات انسان عصرنا الحالي فان هذا‬
‫االمر ال يدفعنا الى االعتقاد بحصول اندماج بين الهوموسابيانس واالنواع‬
‫األخرى‪ .‬اذ بالرغم من أن االختالفات بينهما لم تكن كبيرة بما فيه الكفاية‬
‫لتعطيل عملية التزاوج تماما‪ ،‬اال انها كانت كافية لجعل االتصال نادرا‬
‫جدا‪.‬‬
‫كيف ينبغي لنا إذن أن نفهم الصلة البيولوجية بين السابينس وانسان‬
‫نياندرتال ودينيسوفيا؟ من الواضح أنها لم تكن أنواعا متمايزة كليا كما‬
‫الحال بالنسبة للخيول والحمير‪ .‬وعالوة على ذلك لم تكن البشرية‬
‫مجموعات مختلفة من نفس النوع مثلما هو الشأن بالنسبة لكلب البولدوق‬
‫او السبانيال‪ .‬فعلم االحياء ال يشتغل وفق مبدا الثالث المرفوع (ابيض او‬
‫اسود‪ :‬المترجم)‪ .‬حيث توجد أيضا مناطق بينية مهمة‪ .‬كل نوعان تطورا‬
‫من سلف مشترك مثل الحمير والبغال كانا في وقت ما مجموعتين من نفس‬
‫النوع على غرار كلب البولدوق والسبانيال‪ .‬ومن الضرورة ان تكون قد‬
‫مرت فترة من الزمن كانت فيه المجموعتان متمايزتين تجاه بعضهما‬
‫البعض ومع ذلك ما تزال تتمتع بالقدرة على التزاوج وان يكن التمر نادرا‬

‫وكذلك على إنجاب ذرية ولودة‪ .‬ولكن بحصول طفرة وراثية اخرى جعلت‬
‫التمايز بين المجموعتين نهائيا لتترك الطريق لكليهما في القدرة على ان‬
‫يتطور مستقال عن االخر‪.‬‬
‫ومن المحتمل ان يكون كل من سابيانس ونياندرتال وكذلك دينيسوفا قد‬
‫عاشوا في خطوط تماس مع بعضهم البعض منذ ‪ 50‬ألف سنة مضت‪.‬‬
‫كانوا حينها يشكلون انواعا منفصلة غالبا وليس دائما‪ .‬وكما سنرى في‬
‫هذه الورقة‪ ،‬كان الهوموسابيانس قد تحوز على سمات جعلته مختلفا تماما‬
‫عن كل من النياندرتال وكذلك الدينيسوفا‪ .‬وذلك ليس فقط من جهة مالمحه‬
‫الجسدية او شفرته الوراثية ولكن ايضا فيما يتعلق بمكتسباته المعرفية‬
‫واالجتماعية‪ ،‬وهذا االمر لم يمنع كل من السابيانس والنياندرتال من‬
‫التزاوج فيما بينهما وإنجاب نسل خصبا‪ .‬لكن هذا التزاوج الظرفي لم ينجح‬
‫في مزج العرقين غير انه ساعد في انتقال بعض مورثات النياندرتال الى‬
‫الهوموسابينس‪ .‬ومن المثير لالنزعاج ‪ -‬وكذلك االثارة ان نتصور ان‬

‫الهوموسابيانس قد مر عليه زمن مارس فيه الجنس مع حيوان من نوع‬
‫مغاير له وأنجب منه نسل‬

‫‪A speculative reconstruction of a Neanderthal child. Genetic evidence hints‬‬
‫‪that at least some Neanderthals may have had fair skin and hair.‬‬

‫ولكن لماذا اختفت جميع االنواع البشرية االخرى التي لم تتزاوج مع‬
‫الهوموسابيانس؟ احدى االجوبة تقول ان انقراضهم كان سببه السابيانس‪.‬‬
‫تخيل ان طائفة من السابيانس قد هبطت في وادي البلقان حيث يسكن‬

‫النياندرتال لمئات االالف من السنين‪ .‬لقد شرع الوافدون الجدد حينها في‬
‫اصطياد االيائل وجني المكسرات والتوت التي تعتبر الغذاء الرئيسي‬
‫للنياندرتال‪ .‬وكان الهوموسابيانس من أكثر الكائنات مهارة في الصيد كما‬
‫في الجني بسبب ما اخترعه من ادوات حجرية وكذلك ما اكتسبه من‬
‫قدرات اجتماعية متطورة ادت الى تكاثرهم وانتشارهم‪ .‬وهذا االمر عجل‬
‫في اندثار النياندرتال لنقص مؤونتهم ولم يبقى منهم اال القليل من افرادهم‬
‫اضطروا الى االلتحاق بجيرانهم السابيانس‪.‬‬

‫اما الفرضية الثانية فتزعم ان التنافس بين النياندرتال والهوموسابيانس‬
‫على الموارد ادى الى عنف بين المجموعتين افضى الى عملية ابادة‬
‫ارتكبها الهوميوسابيانس في حق النياندرتال (بحكم امتالكه للتقنية‬
‫والقدرات االجتماعية‪ :‬المترجم)‪ .‬وما يدعم هذا الراي هو ما نالحظه اليوم‬
‫من ان قيمة التسامح ليست من ميوالت الهوموسابيانس‪ .‬اذ ان اي اختالف‬
‫طفيف في اللون او اللهجة او الدين بإمكانه ان يقدح شرارة الحرب بين‬
‫الفرقاء ليبيد أحدهما االخر‪ .‬فهل كان السابيانس االقدمون يميلون الى‬
‫المسامحة تجاه االنواع البشرية المتنوعة؟ من المحتمل ان هذا االمر لم‬
‫يكن من شمائله‪ .‬فأول تالقي بينه وبين النياندرتال كان نتيجته حملة تصفية‬
‫عرقية‪ .‬اول ما عرف في التاريخ‪.‬‬
‫وبغض النظر عن الطريقة التي حدث بها االمر‪ ،‬فإن نياندرتال (واألنواع‬
‫البشرية األخرى) تطرح واحدة من اهم االسئلة في التاريخ ‪...‬ماذا لو؟‬
‫تخيل كبف كان االمر سيؤول لو تعايش النياندرتال بمعية نظيره الدينيسوفا‬
‫جنبا الى جنب مع الهوموسابيانس‪ .‬أي نوع من الثقافات والمجتمعات‬
‫والهياكل السياسية كانت ستظهر في عالم تتعايش فيه عدة أنواع بشرية‬
‫مختلفة؟ كيف كانت االديان ستتصرف مع تعدد االنواع البشرية؟ هل كان‬
‫االنجيل ليعلن ان النياندرتال ينحدرون بدورهم من ادم وحواء؟ وهل كان‬
‫المسيح ليصلب من اجل خطايا الدينيسوفا؟ وهل كان بمقدور القران ان‬
‫يدخل جنته كل من عمل صالحا بغض النظر عن النوع المنتمي له؟ ولربما‬
‫قدر لنياندرتال ان يشارك في الجحافل الرومانية او لربما عمل في‬
‫بيروقراطية امبراطورية الصين‪ .‬وهل كان من الممكن ان تكون حقيقة‬
‫بديهية ما جاء به اعالن االستقالل االمريكي من ان جميع افراد جنس‬

‫البشر خلقوا متساوين؟ وهل كان على كارل ماركس ان يحرض جميع‬
‫عمال كافة االنواع البشرية على الوحدة؟‬
‫لقد اعتاد الهوموسابيانس خالل ال ‪ 10‬االف سنة الماضية على االعتقاد‬
‫بانه النوع االنساني الوحيد االمر الذي أصبح من الصعب علينا تصور ما‬
‫يخالف هذه العادة‪ .‬ان فقداننا ألشقاء وشقيقات يجعلنا نفكر باننا المثال‬
‫الفريد للخلق االمر الذي نشأت معه هوة فصلتنا عن المملكة الحيوانية‪.‬‬
‫وحينما لمح داروين اول مرة الى كون الهوموسابيانس هو مجرد نوع آخر‬
‫من الحيوانات شعر الكثيرون بالغبن‪ .‬وحتى يوم الناس هذا ما يزال‬
‫معظمنا يرفض هذه الفكرة‪.‬‬
‫هل كان لزوما ان نضع اللوم على الهوموسابيانس الذي ادى هبوطه في‬
‫مستوطنات السكان االصليين الى انقراضهم؟ تعود آخر بقايا هومو‬
‫سولونزيس إلى حوالي ‪ 50،000‬سنة مضت‪ .‬اختفى على أثره هومو‬
‫دينيسوفا بعد ذلك بوقت قصير‪ .‬ثم تاله جالء نياندرتال قبل ما يقرب من‬
‫‪ 30،000‬سنة‪ .‬ثم باد نسل البشر األقزام م لجزيرة فلوراس حوالي ‪ 12‬ألف‬
‫سنة قبل الميالد‪ .‬وقد خلفوا وراءهم نزر من بقايا العظام واألدوات‬
‫الحجرية‪ ،‬ونتف من الجينات تقبع في حمضنا النووي واألهم من ذلك‬
‫الكثير من األسئلة التي تبحث عن اجوبة‪ .‬وعقبهم الهوموسابيانس مبلغ‬
‫األنواع االنسانية‪ .‬ولسائل ان يسال عن سر تفوق نوعنا السابيانس‪ .‬كيف‬
‫تمكنا ابتداء من االستقرار في العديد من المثاوي البيئية المتعددة؟ وكيف‬
‫قدرنا على دحر معظم االنواع البشرية االخرى نحو النسيان؟ لماذا عجز‬
‫النياندرتال عن الصمود تجاه بطشنا رغم ما يتمتع به من شدة الباس‬
‫والذكاء واكتسابه مناعة ضد القر؟ ما زال السجال قائما‪ .‬ان الجواب األكثر‬

‫رجحانا والذي يجعل من النقاش امرا متاحا يكمن في القول ان غزو‬
‫الهوموسابيانس جميع اركان المعمورة يعزى قبل كل شيء الى اكتسابه‬
‫للغة فريدة‪.‬‬

‫‪2‬‬
‫شجرة المعرفة‬
‫في الفصل السابق رأينا أنه على الرغم من ان سابينس كان قد هبط بالفعل‬
‫في مناطق شرق أفريقيا قبل حوالي ‪ 150‬ألف سنة‪ ،‬غير انه استأنف‬
‫اكتساحه بقية المعمورة ملجئا في االن نفسه بقية االنواع البشرية نحو‬
‫االنقراض وذلك حوالي ‪ 70‬ألف سنة من االن‪ .‬وفي غضون آالف السنين‬
‫وبالرغم من الشبه بين كل من ادمغتهم الكبيرة وتلك التي نمتلكها اليوم‬
‫فإنهم لم يستأثروا بميزات خاصة مقارنة ببقية االنواع البشرية كما لم يؤثر‬
‫عنهم انهم ابتدعوا اية ادوات حجرية دقيقة الصنع‪ .‬اضافة لكونهم لم تعرف‬
‫عنهم مآثر بعينها‪،‬‬
‫وتخبرنا الحفريات انه جرت اول مواجهة بين الهوموسابيانس والنياندرتال‬
‫كانت فيها الغلبة لهذا األخير‪ .‬ومنذ ‪ 100‬ألف سنة خلت هاجرت زمرة من‬
‫افراد الهوموسابيانس الى الشرق االوسط التي كانت مهبط انسان‬
‫النياندرتال غير انها اخفقت في تثبيت اقدامها‪ .‬قد يكون مرد ذلك الى‬
‫امزجة السكان االصليين السيئة او قساوة المناخ وربما كذلك بسبب‬
‫الطفيليات التي لم يألفها المهاجرون‪ .‬ومهما يكن من امر فقد اضطر‬
‫الهوموسابيانس الى التقهقر تاركين النياندرتال يسودون منفردين منطقة‬
‫الشرق األوسط‪.‬‬
‫وفي غياب ادلة أحفوريه حاسمة لجا علماء االثار الى االفتراض بان بنية‬
‫دماغ السابيانس قد تكون مختلفة عنا تماما‪ .‬لقد كانوا يشبهوننا غير ان‬
‫قدرتهم المعرفية في مستوى التعلم والتذكر وكذلك التخاطب كانت محدودة‬
‫في الغالب‪ .‬ان تعليم الهوموسابيانس اللغة اإلنجليزية او جعله يعتقد في‬
‫االيمان المسيحي او دعوته الى استيعاب نظرية التطور مثل هذه الممارسة‬
‫كانت لتتعرض الى الفشل الذريع‪ .‬وبالمقابل فقد كنا سنواجه نفس الصعوبة‬
‫لو حاولنا ان نتعلم لغته اوان نفهم اوجه تفكيره‪.‬‬
‫وابتداء من حوالي ‪ 70،000‬سنة مضت‪ ،‬شرع اإلنسان العاقل بمزاولة‬
‫نشاطات متميزة‪ .‬واثناء تلك الحقبة غادرت عصبة من الهوموسابيانس‬
‫افريقيا للمرة الثانية‪ .‬وفي هذا الطور دحروا انسان النياندرتال وبقية‬

‫االنواع البشرية االخرى ليس فقط من منطقة الشرق االوسط بل من على‬
‫وجه البسيطة‪ .‬وتمكن الهوموسابيانس في غضون فترة قصيرة جدا من‬
‫اكتساح ارويا وكذلك اسيا الشرقية‪ .‬وحوالي ‪ 45‬ألف سنة قبل الميالد‬
‫عبرت تلك العصبة من الهوموسابيانس البحر ونزلت مناطق استراليا التي‬
‫كانت الى ذلك الحين ارضا بكرا لم تطأها قدم انسان قط‪ .‬وقد شهدت‬
‫الحقبة الممتدة من ‪ 70‬الف سنة الى حدود ‪ 30‬الف سنة خلت اختراع‬
‫الزوارق و المصابيح الزيتية و كذلك األقواس والسهام واإلبر (التي كانت‬
‫ضرورية لخياطة المالبس الدافئة)‪ .‬وخالل هذه الفترة ظهرت اول‬
‫المصنوعات التي يمكن القول انها ذات سمة فنية‪ .‬كما عثر ايضا على‬
‫دالئل تشير بوضوح الى ممارسة دينية والى وجود تداوالت تجارية‬
‫باإلضافة الى ضهور الطبقات االجتماعية‪.‬‬
‫ويعتقد معظم الباحثين أن هذه اإلنجازات غير المسبوقة كانت نتاج ثورة‬
‫في القدرات المعرفية للسابيانس‪ .‬ويشددون على كون البشر الذين قادوا‬
‫نياندرتال إلى االنقراض‪ ،‬واستقروا أستراليا‪ ،‬وصقلوا منحوتة الرجل االسد‬
‫في كهف " ستادل " كانوا خالقين وذووا مشاعر مثلنا‪ .‬لو صادف ان‬
‫اعترضك أحد فنانيهم المكن لكليكما ان يتعلم لغة صاحبه‪ .‬ولكان بمقدورك‬
‫ان تعرب له عن كل ما تعرفه ابتداء من مغامرات اليس في بالد العجائب‬
‫وانتهاء بمفارقات الفيزياء الكمومية‪ .‬ومن جهته كان بمقدوره ان يفصح لك‬
‫عن منظوره لرؤية الكون‪.‬‬
‫وفي اواسط الفترة الممتدة من ‪ 70‬ألف سنة الى حدود ‪ 30‬ألف سنة قبل هذا‬
‫اليوم ساهم ظهور عادات جديدة في التفكير وفي التخاطب في صياغة‬
‫الثورة المعرفية‪ .‬ولسائل ان يسال ما كان مصدرها‪ .‬الحقيقة اننا لسنا‬
‫واثقين من االمر‪ .‬غيران معظم النظريات المقبولة حاليا تجادل بانه ربما‬

‫اتفق ان حصلت طفرة وراثية ساهمت في تغيير شبكة الخاليا العصبية‬
‫لدماغ الهوموسابيانس‪ .‬جعلت بمستطاعه ان يفكر بطرائق جد مستحدثة‪.‬‬
‫مستخدما نوع جديد كلية من اللغة للتخاطب‪ .‬بإمكاننا ان نطلق عليها اسم "‬
‫طفرة شجرة المعرفة «‪ .‬ولنا ان نتساءل عن السبب الذي جعل تلك الطفرة‬
‫تنتاب الحمض النووي لنوع السابيانس دون انسان النيندرتال‪ .‬لقد كان‬
‫االمر مصادفة خالصة على ما نعتقد‪ .‬ولكن األهم من ذلك يكمن في فهم‬

‫عواقب طفرة شجرة المعرفة أكثر من التعلق بأسبابها‪ .‬ثم ما هو االمر‬
‫المميز في لغة السابيانس المستحدثة الذي مكن عرقنا من غزو العالم؟‬
‫لم يكن االمر رهين اكتسابنا اللغة فحسب‪ .‬ذلك ان معظم الحيوانات تتمتع‬
‫بنوع ما من وسائل التواصل‪ .‬فخاليا النحل وبيوت النمل مثال تعرف كيف‬
‫تتواصل فيما بينها بطريقة غاية في االحكام كأن تخبر بعضها البعض عن‬
‫مكان وجود الغذاء‪ .‬كما ال تعزى فرادتنا الى الميزة الصائتة للغة‪ .‬فكثير‬
‫من الحيوانات بما في ذلك القردة والسعادين تمتلك حباال صوتية‪ .‬فالقرد‬
‫االخضر على سبيل المثال يستخدم العديد من االصوات المتنوعة حين‬
‫يتواصل مع افراد عشيرته‪ .‬وقد استطاع علماء الحيوان ان يميزوا تعبيرا‬
‫من مجمل تلك الصرخات وكان يقصد به " حذار هناك نسور " وفي‬
‫صرخة اخرى مختلفة قليال يكون المعنى " حذار هناك اسود"‪ .‬وحينما‬
‫اعيد تسجيل النداء "حذار هناك نسور "على مسامعها كفت عن مزاولة‬
‫نشاطها وتطلعت فزعة بعيونها الى األعلى‪ .‬وعندما ردد الباحثون على‬
‫اذانها النداء "حذار هناك اسود " سارعت نفس زمرة القرود الى تسلق‬
‫الشجرة‪.‬‬
‫وإذا كان متاحا للهوموسابيانس ان ينتج اصواتا أكثر وضوحا مما لدى‬
‫القردة الخضراء فان الحوت والفيلة يمتلكان أيضا قدرات مثيرة لإلعجاب‪.‬‬
‫ان الببغاء بمقدوره ان يعيد على مسامعنا مقالة ألينشتاين او ان يقلد رنات‬
‫جرس الهاتف او اصوات صفق األبواب وصفارات اإلنذار‪ .‬ومهما تكن‬
‫افضلية اينشتاين عن الببغاء فال يمكن عزوها الى القدرات الصوتية‬
‫فحسب‪ .‬اذن ما الذي يميز لغتنا بالتحديد؟‬
‫الراي السائد ان لغتنا ذات طبيعة مرنة االمر الذي يدعو الى الدهشة‪.‬‬
‫بوسعنا الربط بين عدد محدود من األصوات والعالمات إلنتاج عدد ال‬
‫حصر له من الجمل تحمل كل واحدة منها معنا مغايرا‪ .‬وبالتالي بمقدورنا‬
‫استيعاب وتخزين كمية جبارة من المعلومات وشحنها نحو ارجاء العالم‪.‬‬
‫إذا كان القرد األخضر ليس امامه من وسيلة غير ان يصرخ محذرا رفاقه‬
‫من ان هناك اسدا في الجوار‪ ،‬فان االنسان العصري أصبح بمقدوره ان‬
‫يروي ألقرانه قصة مشاهدته ألسد يلحق قطيع من البيزون قرب الوادي‪.‬‬
‫ثم يمكنه أن يصف الموقع بدقة‪ ،‬بما في ذلك المسارات المختلفة المؤدية‬

‫إلى المنطقة ليتمكن افراد عشيرته من االجتماع والتحاور حول ما اذا كان‬
‫بمقدورهم محاذات الوادي من اجل طرد االسد لالستفراد بصيد البيزون‪.‬‬
‫هناك نظرية ثانية تنسجم مع الراي القائل ان لغتنا تطورت بسبب حاجتنا‬
‫الى تقاسم المعلومات حول المحيط‪ .‬لكن اغلب الظن ان المعلومات االكثر‬
‫تداوال كانت ذات صلة بمشاغل االفراد وليس تلك التي تحكي قصة االسود‬
‫مع للبيزون‪.‬‬
‫فتكون لغتنا وفق هذه النظرية قد تطورت كوسيلة لالغتياب ‪ .gossip‬ووفقا‬
‫لهذ الراي فان اإلنسان العاقل هو في المقام األول حيوان اجتماعي‪.‬‬
‫والتآزر االجتماعي ‪ social cooperation‬هو مفتاحنا للبقاء والتكاثر‪.‬‬
‫وال يكفي أن يعرف الرجال والنساء مكان وجود األسود والبيسون‪ .‬بل‬
‫االحوط لهم معرفة من الذي يحمل ضغينة تجاه جاره ومن الذي زنى‬
‫بامراة اخيه وبالجملة اختبار الشرفاء وفرز الخونة‪.‬‬

‫‪An ivory figurine of a ‘lion-man’ (or ‘lioness-woman’) from the Stadel Cave‬‬
‫‪in Germany (c.32,000 years‬‬

‫ان كمية المعلومات التي يجب على المرء الحصول عليها وتخزينها القتفاء‬
‫أثر مجموع العالقات الدينامية لبضع عشرات من االفراد لهي مذهلة حقا‬
‫(في عشيرة تضم ‪ 50‬فردا هناك ‪ 1225‬عالقة مختلفة تربط االفراد زوجين‬
‫زوجين) معظم القردة تبرز عناية كبيرة بمقاسمة المعلومات غير ان‬
‫وسائل االتصال لديها ليست فعالة في مستوى السلوك االغتيابي‪.‬‬

‫والمرجح ان النياندرتاليين وكذلك الهوموسابيانس االوائل قد كانا يمارسان‬
‫االغتياب في االوقات العصيبة‪ .‬وإذا كانت هذه الممارسة منكرة لكنها تفسر‬
‫مع ذلك القدرة على التعاون بأعداد كبيرة‪ .‬ان المهارات اللغوية الجديدة‬
‫التي اكتسبها السابينس العصري حوالي سبعين ألف سنة خلت مكنته من‬
‫ممارسة االغتياب لساعات دون كلل او ملل يتم خاللها جمع المعلومات‬
‫الموثوقة حول معرفة من نثق بهم وهذا يعني ان الجماعات الصغيرة‬
‫بإمكانها ان تتوسع لتغدو طائفة كبيرة‪ .‬ويمكن للسابينس حينئذ أن يطور‬
‫انماطا من التعاون أكثر تعقيدا‪.‬‬
‫نظرية االغتياب قد تبدو وكأنها مزحة‪ ،‬غير ان العديد من الدراسات تدعم‬
‫ذلك‪ .‬وحتى في يومنا هذا فان الغالبية العظمى من االتصاالت اإلنسانية ‪-‬‬
‫سواء في شكل رسائل البريد اإللكتروني‪ ،‬اوالمكالمات الهاتفية أو أعمدة‬
‫الصحف ‪ -‬تعتبر اغتيابا بشكل او باخر ويبدو اننا ألفنا كون لغتنا قد‬
‫تطورت لتلبي نزوعنا لالغتياب‪ .‬هل تعتقد أن أساتذة التاريخ حينما يلتقون‬
‫لتناول طعام الغداء يتحدثون عن أسباب الحرب العالمية األولى او أن‬
‫الفيزيائيين يقضون فواصلهم في المؤتمرات العلمية يتكلمون عن‬
‫الكواركات‪ .‬ولكن في كثير من االوقات هم يغتابون االستاذة التي اكتشفت‬
‫خيانة زوجها‪ .‬او يخوضون في الشجار الذي حصل بين العميد ورئيس‬
‫القسم‪ .‬او يثرثرون حول االشاعة التي تزعم ان احد زمالئهم قد سرق من‬
‫اموال البحث ليقتني سيارة فارهة‪ .‬الواقع ان االغتياب يركز على افعالنا‬
‫الشنيعة‪ .‬فالشائعات تعد السلطة الرابعة في الدولة ذلك ان دور الصحفي‬
‫ينحصر في اعالم المجتمع وحمايته من براثن الخونة واالنتهازيين‪.‬‬
‫ومن الراجح ان كال من نظرية االغتياب ونظرية التواصل صائبتان‪ .‬وان‬
‫كان من غير الممكن حصر ميزات لغتنا في قدرتها على تبليغ خبر‬
‫الصيادين مع االسود فمن االحرى عزو االمر الى قدرتها في سرد احداث‬
‫غير حقيقية‪ .‬وعلى حد معرفتنا فان الهوموسابيانس هم الوحيدون الذين‬
‫بمقدورهم اإلخبار عن كيانات لم يشاهدوها او لم يلمسوها وكذلك لم‬
‫يستنشقوا رائحتها على االطالق‪.‬‬
‫لقد ظهرت االساطير والخرافات وكذلك االلهة واالديان اول مرة مع بزوغ‬
‫الثورة المعرفية‪ .‬فاذا كان بإمكان الكثير من الحيوانات بما في ذلك األنواع‬
‫البشرية ان تحذر اقرانها من خطر األسود‪ ،‬فان الثورة المعرفية قد امهرت‬

‫الهوموسابيانس بقابلية ابتداع اسطورة تقول ان االسد هو الروح الحامية‬
‫للقبيلة‪ .‬وقد باتت هذه القدرة على صنع االساطير من الميزات الفريدة للغة‬
‫السابيانس‪.‬‬
‫من السائغ نسبيا ان نتفق على كون الهوموسابيانس هو الكائن الوحيد الذي‬
‫بمستطاعه االخبار عن امور غير حقيقية وكذلك سرد حكايات مستحيلة‬
‫اثناء تناوله لوجبته‪.‬‬
‫وإذا كان فوق طاقتك اقناع أحد القردة ان ينعم عليك بموزة في هذي الحياة‬
‫مقابل ترغيبه بالفوز بموز كثير في آخرته‪ .‬فلماذا تحوزت اسطرة االشياء‬
‫لدى السابيانس على كل هذه االهمية خاصة إذا علمنا ان الخرافة ذات سمة‬
‫مضللة وصارفة ‪ misleading and distracting‬بطريق خطيرة‪.‬‬
‫فاألفراد الذين يقصدون الغابة طلبا للجنيات واالحصنة وحيدة القرن تكون‬
‫لهم فرص اقل للبقاء احياء مقارنة باألشخاص الذين ينبشون عن الفطر‬
‫ويقتفون أثر األ َ ِّيل‪ .‬و اذا كان هؤالء االفراد يقضون ردحا من الزمن في‬
‫الصالة ألرواح خرافية أال يعد ذلك هدرا لوقت ثمين كان من االجدر‬
‫صرفه في البحث عن الطعام او القتال و ربما المجون‪.‬‬
‫لكن الوهم لم يمكنا فقط من تخيل االمور بل االحرى مزاولتها بشكل‬
‫جماعي‪ .‬اذ يمكننا أن نحيك خرافات مشتركة مثل قصة ابتداع الكتاب‬
‫المقدس‪ ،‬واسطورة دجوكوربا‪ Jukurpa‬وهي معتقد السكان األصليين‬
‫ألستراليا بما في ذلك الخرافات القومية للدول الحديثة‪ .‬مثل هذه االساطير‬
‫مكنت السابيانس من قدرة ال تضاهى للتآزر بسالسة ضمن مجموعات‪.‬‬
‫وإذا كان بإمكان خاليا النحل او بيوت النمل ان تكدح متضافرة غير انها ال‬
‫تستطيع فعل ذلك اال ضمن اقربائها وفي نطاق نظام شديد الصرامة‪.‬‬
‫بخالف قطيع الذئاب والقرود التي بمقدورها التعاون بأكثر ليونة مما تفعله‬
‫بيوت النمل لكنها ال تقوم باألمر اال داخل عدد صغير من االفراد الذين‬
‫يألفونهم عن قرب‪ .‬وفيما يتعلق يالهوموسابيانس فبمقدوره التعاون مع‬
‫اقربائه وكذلك مع الغرباء يشكل فيه درجة عالية من المرونة‪ .‬وألجل ذلك‬
‫غدى السابيانس يسيطر على العالم في حين ضلت بيوت النمل تتغذى على‬
‫فضالتنا واكرهت بعض القرود على العيش في حديقة الحيوانات او نذر‬
‫بعضها لصالح مخابر البحث‪.‬‬

‫اسطورة بيجو‬
‫يعيش أبناء عمومتنا الشمبانزي عادة في مجموعات صغيرة تتكون من‬
‫بضع عشرات من األفراد‪ .‬ينشؤون ضمنها صداقات حميمية تمكنهم من‬
‫الصيد معا وكذلك مقاتلة اعدائهم من البابون والفهود‪ .‬ويميل نظامهم‬
‫االجتماعي إلى أن يكون هرميا يحكمه عادة الذكر المسيطر ويدعى‬
‫«الذكر الفا"‪ .‬وضمن طقس والئي تعرب فيه بقية االناث والذكور عن‬
‫اذعانها للذكر الفا عن طريق الركوع أمامه مصدرين بعض القهقهات وهذا‬
‫بخالف السجود الذي تؤديه رعية السابيانس ازاء ملكها‪ .‬ويكافح الذكر‬
‫المسيطر عادة على حفظ التجانس داخل جماعته‪ .‬فاذا ما حصل شجار بين‬
‫فردين من القرود اجتهد الذكر الفا الى الجام المتخاصمين‪ .‬وبسبب جشعة‬
‫فقد يلجا الذكر المسيطر الى االستئثار بألذ االطعمة واستحواذه على االناث‬
‫لخاصته دونا عن غيره‪.‬‬
‫وإذا ما صادف ان نازع ذكران من القرود مركز القرد الفا‪ ،‬فانهما يلجآن‬
‫عادة الى انشاء تحالفات واسعة من األنصار اناثا وذكورا من داخل‬
‫الجماعة‪ .‬وتستند تلك العالقات بين اعضاء االئتالف في الغالب الى‬
‫االتصاالت الحميمية اليومية التي تبرز من خالل ممارسة اللمس والتقبيل‬
‫وتنقية ابدان بعضهم البعض من الحشرات وكذلك اسداء المعروف من‬
‫الجانبين مثلما يقوم به رجال السياسة في الحمالت االنتخابية حين يطوفون‬
‫بين الجماهير تراهم تارة يشدون على ايدي الناس واخرى يقبلون الصغار‪.‬‬
‫فان الطامحين الى ازاحة القرد الفا من مركزه من بين افراد مجموعة‬
‫القرود تمضي وقتا كثيرا في تملق انصارها من خالل معانقة صغارها‬
‫وتقبيلها ومالطفتها‪ .‬وغالبا ما يفلح الذكر ألفا في تعزيز مركزه‪ .‬وال يعزى‬
‫هذا االمر لقوته البدنية فقط وانما لقدرته على زعامة ائتالف كبيرا‬
‫ومستقر‪ .‬هذه التحالفات تلعب دورا مركزيا ليس فقط خالل الصراعات‬
‫العلنية حول مركز ألفا‪ ،‬يل تستمر أيضا في الظهور من خالل االنشطة‬
‫اليومية للقرود‪ .‬حيث يقضي اعضاء التحالف معظم اوقاتهم بمعية بعضهم‬
‫فيتقاسمون الغذاء ويأزر بعضهم بعضا‪.‬‬
‫هناك حدود واضحة لحجم المجموعات التي يمكن انشاؤها والحفاظ عليها‬
‫في مثل هذا الحال‪ .‬وحتى يعمل كل أعضاء المجموعة بانسجام فانه من‬
‫الضروري ان تحصل بينهم الفة وتحابب‪ .‬وفي صورة عدم حصول لقاء‬

‫بين فردين من القرود تشاجرا اثناؤه او فلى أحدهما االخر فلن يقدرا على‬
‫الوثوق في يعضهما البعض وفيما اذا كان من المثمر مساعدة كل منهما‬
‫صاحبه ألحراز مركز الذكر المسيطر‪ .‬وفي ظل الظروف الطبيعية‪،‬‬
‫يتراوح تعداد زمرة افراد الشمبانزي النموذجية من عشرين إلى خمسين‬
‫فرد‪ .‬وكلما ارتفع عدد افرادها‪ ،‬يتزعزع استقرار النظام داخل الجماعة‪،‬‬
‫مما يؤدي في النهاية إلى تمزقه ومن ثمة يتشكل قطيع جديد من القردة‪.‬‬
‫وباستثناء مائة من الحاالت التي الحظ خاللها علماء الحيوان ان هناك‬
‫مجموعات يتجاوز عدد افرادها المائة عنصر فالقاعدة تؤكد ان‬
‫المجموعات المنفصلة حديثا نادرا ما تتعاون فيما بينها والشائع انها تتنافس‬
‫على التملك بالمجال والغذاء‪ .‬وقد وثق الباحثون حصول حرب طويلة األمد‬
‫بين جماعات القرود‪ .‬حتى انهم سجلوا حالة واحدة من اعمال االبادة حين‬
‫قامت فيها إحدى المجموعات بذبح معظم أعضاء الجماعة المجاورة‪.‬‬
‫وربما هيمنت أنماط مماثلة من العنف على الحياة االجتماعية لإلنسان في‬
‫وقت مبكر‪ ،‬بما في ذلك اإلنسان القديم سابينس‪ .‬ان البشر‪ ،‬مثل الشمبانزي‪،‬‬
‫لديهم الغرائز االجتماعية التي مكنت اسالفنا من تكوين صداقات (بين‬
‫االفراد) وتنظيمات هرمية (داخل الجماعة)‪ ،‬وممارسة الصيد واالغارة‬
‫سوية‪ .‬وان كانت هذه الغرائز يشترك فيها كل من الشمبانزي والبشر اال‬
‫اننا نجد اثارها لصيقة بمجموعات بشرية صغيرة ذات قرابة وطيدة‪.‬‬
‫وحينما تتضخم المجموعة ويتزعزع نظامها االجتماعي يحدث فيها انقسام‪.‬‬
‫حتى في الهضاب الخصبة التي بمقدورها ان تزود ‪ 500‬سابيانس بالغذاء‬
‫فليس ثمة من حل لفهم كيف لمثل هذا العدد من الغرباء االتعايش فيما‬
‫بينهم‪ .‬كيف لهم ان يتفقوا على زعيم او يقسموا اماكن الصيد أو يحددوا من‬
‫هي االسر التي ينبغي أن تتزاوج معهم‪.‬‬
‫في أعقاب الثورة المعرفية‪ ،‬ساعدت النميمة اإلنسان العاقل على انشاء‬
‫أكبر الجماعات واكثرها استقرارا‪ .‬ولكن حتى االغتياب له حدود‪ .‬فقد‬
‫أظهرت البحوث االجتماعية أن الحجم "الطبيعي" لمجموعة تربطها عالئق‬
‫اغتياب هو قرابة ‪ 150‬شخص‪ .‬ذلك ان معظم الناس ال يمكن لهم ان‬

‫يتعارفوا عن كثب من خالل ممارسة االغتياب ضمن مجموعة فيها أكثر‬
‫من ‪ 150‬فرد‪ .‬وحتى في يوم الناس هذا فان التنظيمات البشرية لم تتجاوز‬
‫عتبة هذا الرقم السحري‪.‬‬

‫ونجد أسفل هذه العتبة‪ ،‬الجماعات‪ ،‬والشركات‪ ،‬والشبكات االجتماعية‬
‫وكذلك الوحدات العسكرية التي يمكن ان توطد اقدامها من خالل الروابط‬
‫الحميمية بين افرادها وحماية نفسها من زراع االشاعة‪ .‬اذ ليس هناك حاجة‬
‫للرتب الرسمية‪ ،‬واالوسمة وكتب القانون للحفاظ على النظام‪ .‬ففصيلة من‬
‫ثالثين جنديا أو حتى سرية من مئة جندي يمكن أن تشتغل بشكل جيد‬
‫معتمدة فقط على العالقات الخاصة بين عناصرها‪ ،‬مع توفر الحد االدنى‬
‫من االنضباط العسكري‪ .‬حتى انه يمكن الحد الرقباء الشرفاء أن يصبح‬
‫قائدا للسرية وبمقدوره ان يمارس سلطته على ضباط اعلى منه رتبة‪.‬‬
‫وبإمكان الشركات العائلية الصغيرة ايضا ان تبقى قائمة وتزدهر في غياب‬
‫مجلس إدارة او ورئيسها التنفيذي أو قسم المحاسبة‪.‬‬
‫ولكن بمجرد تخطي عتبة ‪ 150‬شخصا‪ ،‬تفقد األمور عملها الطبيعي اذ ال‬
‫يمكنك تشغيل فرقة تتركب من اآلالف من الجنود بنفس الطريقة التي تسير‬
‫بها فصيلة من بضع ثالثين جندي‪ .‬كذلك االمر بخصوص الشركات‬
‫العائلية الناجحة التي تواجه عادة أزمة عندما تنمو أكثر من االزم وتوظف‬
‫المزيد من العاملين فقد تواجه اإلفالس إذا لم تستطع تأهيل نفسها‪.‬‬
‫كيف تمكن اإلنسان العاقل من عبور هذه العتبة الحرجة‪ ،‬ليؤسس في نهاية‬
‫المطاف مدنا يسكنها عشرات االالف من االفراد وصوال الى‬
‫امبراطوريات تسود مئات الماليين من البشر‪ .‬يبدو ان السر وراء هذا‬
‫االمر يكمن في بروز ظاهرة الخيال‪ .‬لقد اصيح بمقدور عدد كبير من‬
‫الغرباء ان يتعاونوا معا بمجرد اعتقادهم في اسطورة مشتركة‪.‬‬
‫ان أي تعاون إنساني واسع النطاق ‪ -‬سواء كان ضمن دولة حديثة‪ ،‬او في‬
‫كنيسة من القرون الوسطى‪ ،‬او مدينة غابرة أو قبيلة بائدة ‪ -‬تجده متجذرا‬
‫في األساطير الشائعة التي توجد فقط في الخيال الجماعي للشعوب‪ .‬كذلك‬
‫نجد ان مفهوم الكنائس متغلغال في اساطير االديان الشعبية‪ .‬وهذا االمر‬
‫يتيح لشخصين كاثوليكيين لم يحصل ان تالقى سابقا ان ينخرطا معا في‬
‫الحرب الصليبية وان يتبرعا بأموالهما لتشييد مشفى لمجرد انهما يؤمنان‬
‫بان الرب قد تجسد في المسيح وصلب ليخلص البشر من آثامهم‪ .‬وبهذه‬
‫الوسيلة يتم غرس معنى الدولة القومية في االساطير‪ .‬وقد يخاطر اثنان من‬
‫الصرب لم يتصادفا قط بحياتهما لنجدة بعضهما بعضا ألنهما يؤمنان‬
‫بوجود األمة الصربية والوطن الصربي والعلم الصربي‪ .‬كذا االمر بالنسبة‬

‫للنظم القضائية التي تجد لها صدى في األساطير القانونية المشتركة‪ .‬وهذا‬
‫ما يدفع محاميين لم يتالقى قط في حياتهما ان يحشدا جهودهما للدفاع عن‬
‫شخص غريب عنهما تماما النهما يقران فحسب بوجود مفاهيم من مثل‬
‫القانون والعدالة وحقوق االنسان وال ننسى اجرة اتعاب المحامي‬
‫ومع ذلك‪ ،‬ال يوجد أي من هذه األشياء خارج القصص التي يخترعها‬
‫الناس ويروونها لعضهم البعض‪ .‬كما ال توجد آلهة في الكون وال دول وال‬
‫مال وال مفهوم حقوق االنسان‪ ،‬وال قوانين‪ ،‬وال عدالة خارج الخيال‬
‫المشترك للبشر‪.‬‬
‫يفهم الناس بسهولة أن الشعوب الغابرة ‪ primitives‬كانت تعتمد على‬
‫ترسيخ نظامها االجتماعي على اإليمان باألشباح واألرواح‪ ،‬وكذلك خالل‬
‫خالل اجتماعها في كل ليلة يكتمل فيها القمر للرقص معا حول البحيرة‪.‬‬
‫ولكن ما نفشل في تقديره‪ ،‬نحن‪ ،‬هو أن مؤسساتنا الحديثة تعمل بالتحديد‬
‫على نفس األساس‪ .‬لنأخذ على سبيل المثال عالم الشركات التجارية‪،‬‬
‫ورجال األعمال والمحامون المعاصرون هم في الواقع سحرة أقوياء‪.‬‬
‫والفرق الرئيسي بينهم وبين الشامان القبليين يكمن في أن المحامين‬
‫الحديثين يروون الكثير من القصص الغريبة‪ .‬وتمنحنا أسطورة بيجو مثاال‬
‫جيدا‪.‬‬
‫تبرز ايقونة تشبه الى حد ما منحوتة الرجل االسد التي عثر عليها في‬
‫كهف "ستادل " في مقدمة السيارات والشاحنات وكذلك الدراجات النارية‬
‫التي تباع في باريس وبقية انحاء العالم‪ .‬انها زخرفة لغطاء محرك السيارة‬
‫التي تزدان بها مركبات من صنع بيجو وهي واحدة من أقدم وأكبر‬
‫شركات صناعة السيارات في اروبا‪ .‬استهلت بيجو ايامها بوصفها شركة‬
‫عائلية في قرية فالوتينيي ‪ Valentigney‬التي تبعد حوالي ‪ 300‬كيلومتر‬
‫عن كهف ستادل‪ .‬وبمرور الزمن اصبحت تشغل قرابة ‪ 200‬ألف موظف‬
‫موزعين على كامل انحاء المعمورة‪ .‬معظمهم غرباء عن بعضهم البعض‪.‬‬
‫وبالرغم من ذلك فانهم يتعاونون بشكل فعال بحيث ان شركة بيجو‬
‫استطاعت ان تنتج سنة ‪ 2008‬مليون وخمسمائة ألف سيارة وبلغت عائداتها‬
‫حوالي ‪ 55‬مليار يورو‪.‬‬
‫كيف يمكن لنا ان نفهم ان شركة بيجو لها كيان خاص ومستقل؟‬

‫نحن نصادف الكثير من مركباتها في الطرقات ولكنها ال تمثل الشركة‪ .‬فلو‬
‫افترضنا ان بعنا كامل مصنوعات شركة بيجو كخردة فان الشركة بحد‬
‫ذاتها لن يختفي كيانها‪ .‬سوف تستمر في تصنيع مركباتها ونشر تقاريرها‬
‫السنوية‪ .‬تمتلك الشركة عادة مصانعها الخاصة واالتها ودور عرضها‬
‫ومهندسيها وكذا محاسبيها وسكرتاريتها‪ .‬لكن كل هؤالء الحشد ال يؤلف‬
‫شركة بيجو‪ .‬فقد تلم بجميعهم كارثة تودي بحياتهم وتتلف مكونات المصنع‬
‫تماما‪ .‬ومع ذلك تستمر شركة بيجو في الوجود فبإمكانها ان تقترض المال‬
‫لتنشا به مصنعا جديدا وتجلب له عمالة اخرى مختصة‪ .‬وإذا كان بمقدور‬
‫بيجو ان يكون لها مديروها ومساهميها غير انهم ال يكونون عناصر‬
‫هويتها بمفردهم‪ .‬اذ باإلمكان ان يتم طرد جميع مديريها وبيع جميع اسهمها‬
‫ومع ذلك يستمر كيانها في الوجود‪.‬‬
‫وهذا ال يعني أن شركة بيجو منيعة وسرمدية‪ .‬فاذا حصل ان عرض على‬
‫القاضي دعوى في حلها فان مصانعها ستستمر في العمل واما عمالها‬
‫ومحاسبيها ومدراءها والمساهمين في رأسمالها فسوف يداومون على‬
‫التكسب منها‪ .‬لكن كيان الشركة سيختفي من الوجود بحكم القانون‪.‬‬
‫مختصر الحديث يبدو ان بيجو كيان ال يشده الى العالم المادي اي وثاق‪.‬‬
‫فهل هي موجودة فعال؟‬
‫ان شركة بيجو تعد من هذا المنظور اختالق ابتدعته مخيلتنا يدعوه‬
‫المحامون ب "الكيان القانوني " حيث ال يمكن االشارة اليه باعتباره كيان‬
‫مادي بل يستمد شرعية وجوده من القانون‪ .‬كشأن العالقة بين االفراد فان‬
‫قانون الدولة هو الذي يمكن هذا الكيان من اهلية العمل داخل حدودها‪.‬‬
‫فبمقدورها ان تفتح حسابا بنكيا او ان تتملك عقارات ومنقوالت‪ .‬وان تدفع‬
‫ضرائبها الحالة ويمكن كذلك رفع دعوى قضائية ضدها‪ ،‬بل ومحاكمتها‬
‫بشكل مستقل عن أي من األشخاص الذين يساهمون في رأسمالها أو الذين‬
‫يعملون لصالحها‪.‬‬
‫تنتمي بيجو إلى نوع معين من الكيانات القانونية تسمى شركة خفية االسم‬
‫وتعتبر الفكرة الكامنة وراء هذا النوع من الشركات من بين أكثر‬
‫االبتكارات اإلنسانية ابداعا‪ .‬وقد عاش الهوموسابيانس دهرا بدون ان يكون‬
‫له فيها غرض‪ .‬وبتفحص التاريخ المدون نكتشف ان الملكية كان يتداولها‬

‫االشخاص الطبيعيين فقط اي هؤالء الذين يسيرون على قدمين ويمتلكون‬
‫دماغا كبيرة‪ .‬فاذا صادف ان انشا أحد الفرنسيين ورشة لصناعة العربات‬
‫خالل القرن الثالث عشر وكان يدير عمله بنفسه وحصل ان تعطلت العربة‬
‫في االسبوع االول الذي تلي االقتناء فان للمتضرر حينها الحق في طلب‬
‫جبر الضرر من البائع استنادا الى مسؤوليته الشخصية رغم انه لم يتسبب‬
‫مباشرة في الضرر المزعوم‪ .‬وإذا حصل ان اقترض صاحب الورشة‬
‫‪ 1000‬ليرة ذهبية إلقامة مشروعه ثم اعسر بعد مدة‪ .‬لزمه حينئذ ان يسدد‬
‫القرض عن طريق بيع ممتلكاته الخاصة كأن يكون منزال او بقرة او‬
‫ارضا وان لم يستوفى القرض قد يضطر إلى بيع أبنائه في سوق النخاسة‪.‬‬
‫وإذا لم يستطع رغم كل ذلك ان يسدد دينه سيجد نفسه امام خيارين ال ثالث‬
‫لهما اما ان تلقي به الدولة في السجن بطلب من غرمائه او ان يصبح عبدا‬
‫لهم‪ .‬لقد كان الدائن ضامنا بصوره شخصية وبدون حدود عن االضرار‬
‫الناشئة عن مصنوعات ورشته‪.‬‬
‫لو تتاح لك الفرصة ان تعيش في تلك الحقبة من الزمن لكان لزاما عليك‬
‫ان تفكر مرات قبل ان تنوي بعث مشروع خصوصا في ظل هذا الوضع‬
‫القانوني المثبط للعزائم في ريادة األعمال‪ .‬لقد كان الناس يخشون بعث‬
‫مشاريع جديدة وتحمل المخاطر االقتصادية التي اودت بإفالس عائالتهم‪.‬‬
‫ولغاية اجتياز تلك العقبة اهتدت قريحة البعض الى ابتكار كيان أطلق عليه‬
‫"شركة ذات مسؤولية محدودة " حيث بات هذا الكيان مستقال عن ارادة كل‬
‫من المؤسسين والمساهمين في راس ماله وكذلك المنوط بهم تسييره‪ .‬وعلى‬
‫مدى القرون القليلة الماضية أصبحت هذه الشركات تحتل مركز الريادة في‬
‫المجال االقتصادي‪ .‬وأصبحنا نالف العيش مع هذه الكيانات حتى كدنا ان‬
‫ننسى ان ال وجود لها اال في مخيلتنا‪ .‬وفي الواليات المتحدة‪ ،‬يطلق‬
‫المصطلح الفني على الشركة ذات المسئولية المحدودة اسم ‪corporation‬‬
‫وهو أمر مثير للسخرية‪ ،‬ألن المصطلح مشتق من الكلمة ‪( corpus‬التي‬
‫تعني في الالتينية الجسد) وعلى الرغم من عدم وجود هيئات حقيقية‬
‫(مادية)‪ ،‬فإن النظام القانوني األمريكي يعامل الشركات كأشخاص ماديين‪،‬‬
‫اي كما لو كانوا من البشر‪.‬‬
‫وكذلك فعل االمر نفسه النظام القانوني الفرنسي في عام ‪ ،1896‬وذلك حينما‬
‫قرر أرماند بيجو‪ ،‬الذي ورث من والديه متجرا لبيع المعادن والذي كان‬

‫ينتج النوابض والمناشير والدراجات‪ ،‬أن ينتقل إلى تجارة السيارات‪.‬‬
‫وألجل تحقيق هذه الغاية‪ ،‬أنشأ شركة ذات مسؤولية محدودة‪ .‬وقد اطلق‬
‫على الشركة اسمه‪ ،‬ولكنها كانت مستقلة عنه‪ .‬فاذا حصل ان تلفت أحد‬
‫السيارات فان المشتري يقوم ضد شركة بيجو في التعويض وليس ضد‬
‫مالكها‪ .‬وإذا اقترضت الشركة الماليين من الفرنكات ثم اشهرت افالسها‬
‫فلن يقدر الدائنون الرجوع على السيد ارمان بيجو بالتعويض‪ .‬ذلك ان مبلغ‬
‫القرض قد تحصلت عليه الشركة وليس صاحبها الشخص الطبيعي‪ .‬لقد‬
‫وافى االجل السيد ارمان بيجو سنة ‪ 1915‬وماتزال شركته مستمرة في‬
‫النشاط‪.‬‬
‫كيف أمكن للسيد ارمان بيجو الشخص المادي ان ينشأ شركة بيجو‬
‫باعتبارها ذات معنوية؟ بنفس الطريقة التي انشا بها الكهنة والسحرة اآللهة‬
‫والشياطين على مر التاريخ والتي ما يزال يتبعها االف من الخوارنة‬
‫الفرنسيين عبر طقس احياء جسد المسيح في ابرشيات الكنيسة كل يوم أحد‪.‬‬
‫غاية ما في االمر ان الفريقين يسردان قصصا اسطورية ويدفعان الجمهور‬
‫الى االيمان بها‪ .‬ففي حالة الخوري الفرنسي فانه يقص على الناس حكاية‬
‫حياة المسيح وموته بحسب ايمان الكنيسة الكاثوليكية‪ .‬ووفقا لهذه القصة‬
‫فانه بإمكان خبزنا اليومي وكذلك خمرتنا المعتادة ان يتحوال الى لحم‬
‫المسيح ودمه بمجرد ان يرتدي الخوري زيا رسميا وان يردد يشكل مهيب‬
‫كلمات بعينها وفي اوقات محددة‪ .‬يهتف الخوري بهذه الكلمات ‪hoc est‬‬
‫‪ corpus meum‬والتي تعني بالالتينية " هذا جسدي"‪ ،‬ثم يصرخ مرة‬
‫ثانية" ابراكادابرا" ليتحول الخبز في الحين الى جسد المسيح‪ .‬وفي اعتقاد‬
‫الكثير من الفرنسيين فان اكلهم للخبز وشربهم للخمر يرمزان فعليا لجسد‬
‫المسيح ودمه‪.‬‬
‫وفي حالة شركة بيجو فان طقوس والدتها قد كرستها مجلة الشركات‬
‫التجارية مثلما قرره البرلمان الفرنسي‪ .‬ووفقا للمشرع الفرنسي‪ ،‬إذا اتبع‬
‫المحامي المعتمد كل الليتورجيا والطقوس المناسبة‪ ،‬وكتب كل التعويذات‬
‫المطلوبة على قطعة من ورق مزينة بشكل رائع‪ ،‬ثم مهرها بتوقيعه‬
‫المزخرف في الجزء السفلي من الوثيقة ونطق الكلمة السحرية‪( .‬سيم‬
‫سالبيم) تخرج شركة جديدة الى الحياة‪ .‬وعندما عزم أرماند بيجو على‬
‫تأسيس شركته في عام ‪ ،1896‬دفع الحد المحامين للقيام بكل االجراءات‬

‫الطقسية‪ .‬وبمجرد ان نفذ المحامي جميع الطقوس الصحيحة وتمتم تعويذته‬
‫أصبح ماليين من المواطنين الفرنسيين يتصرفون تجاه الشركة وكأنها‬
‫شخص طبيعي من لحم ودم‪.‬‬

‫ان اقناع عامة الناس باالعتقاد في االسطورة لهو فعال مشقة كبيرة‪ .‬معظم‬
‫التاريخ يحوم حول هذا السؤال‪ :‬كيف باستطاعة المرء ان يقنع الماليين من‬
‫االشخاص باإليمان بقصص تحكي عن االلهة او القوميات او الشركات‬
‫خفية االسم؟ ولكن حينما ينجح االمر فانه يهب نوع سابينس قوة هائلة‪ ،‬ألنه‬
‫يمكن الماليين من الغرباء من التعاون والعمل على تحقيق أهداف مشتركة‪.‬‬
‫حاول فقط أن تتخيل مدى صعوبة إنشاء دول أو كنائس أو أنظمة قانونية‬
‫إذا كان بإمكاننا أن نتكلم فقط عن األشياء الموجودة بالفعل‪ ،‬مثل األنهار‬
‫واألشجار واألسود‪.‬‬
‫وعلى مر السنين‪ ،‬نسج الناس شبكة معقدة من القصص بشكل ال يصدقه‬
‫أحد وضمن هذه الشبكة‪ ،‬أمكن لكيان مثل بيجو ان يراكم قوة اقتصادية‬
‫جبارة بالرغم من عدم وجوده ماديا في الواقع‪ .‬ويطلق األكاديميون على‬
‫هذه الكيانات التي ينشئها الناس من خالل شبكة من القصص اسم "الصور‬
‫" او " البنى االجتماعية " وايضا «الحقائق االفتراضية"‪ .‬والجدير‬
‫بالمالحظة ان الحقيقة المتخيلة ليست كذبا‪ .‬اذ ان الكذب هو ان ازعم ان‬
‫هناك اسد حذو النهر والحال انه ليس ثمة من اسد اطالقا‪ .‬فاألمر إذا ال‬
‫يتصل بمشكلة الكذب‪ .‬فهذا السلوك نجد له اثارا لدى القردة الخضراء‬
‫وكذلك الشمبانزي‪ .‬فقد الحظ الباحثون ان القرد االخضر يلتجئ أحيانا الى‬
‫الكذب على اقرانه ويبث فيهم الرعب حينما يصرخ محذرا اياهم من قدوم‬
‫اسد ألجل ان يغنم وحده من لقيا ثمار الموز‪.‬‬
‫وبخالف مفهوم الكذب فان الواقع االفترتضي يستدعي من الجميع االيمان‬
‫به‪ .‬وطالما ترسخ هذا االعتقاد في وعي الجماعة يصبح بمقدور الحقائق‬
‫المتخيلة ان تمارس تأثيرها في الواقع‪ .‬وهذا ما يدعونا الى االعتقاد بان‬
‫مبدع منحوتة " شبح حارس االسد " التي عثر عليها في كهف" ستادل"‬
‫كان يؤمن بحق بوجود الشبح الحامي‪ .‬وإذا حصل ان وجد قلة من السحرة‬
‫المشعوذين فهذا االمر ال يمنع بقيتهم من االيمان حقا بوجود االلهة‬
‫والشياطين‪ .‬ونفس االمر ينسحب على الموسرين الذين يصدقون ايضا‬
‫بوجود الدراهم وبالشركات خفية االسم‪ .‬كذلك الشأن بخصوص نشطاء‬

‫حقوق االنسان الذين يؤمنون بصدق بوجود مثل هذه الحقوق االساسية‬
‫للفرد‪ .‬ولم يدر بخلد ممثلي االمم المتحدة انهم أفاكون حينما طالبوا الحكومة‬
‫الليبية بضرورة احترام حقوق مواطنيها سنة ‪ .2011‬بالرغم من كون‬
‫كيانات مثل االمم المتحدة او ليبيا او مفهوم حقوق االنسان ال تعدو كونها‬
‫طوائف ابتدعتها مخيلتنا‪.‬‬
‫ومنذ استهالل الثورة المعرفية ما فتئ نوع السابيانس يعيش ضمن ثنائية‬
‫الحقيقة‪ .‬فمن ناحية توجد حوله الحقائق المادية كاألنهار واالشجار واالسود‬
‫وفي مخيلته تسكن كيانات االلهة والقوميات والشركات‪ .‬وبمرور الزمن‪،‬‬
‫أصبحت سطوة الواقع المتخيل اشد وطأة مما كانت عليه ابتداء‪ ،‬وغدى‬
‫المحيط المادي تحت رحمة هذه الكيانات الوهمية كاآللهة والهويات‬
‫والشركات‪.‬‬

‫مدارات الشفرة الوراثية‬
‫ان القدرة على خلق واقع متخيل من الكلمات مكنت أعدادا كبيرة من‬
‫الغرباء من التعاون فيما بينهم على نحو فعال‪ .‬ثم ظهر امر جديد كل الجدة‬
‫على مسرح االحداث يتمثل في امتالك الناس القدرة على تحويل مجرى‬
‫اساطيرهم خاصة ونحن نعلم قيمة تلك الخرافات التي يعتمد عليها الجمهور‬
‫في العمل ضمن دوائر عريضة من االشخاص‪ .‬ويتمثل هذا التغيير في‬
‫ابتداع قصص مبتكرة مختلفة عن سابقتها‪ .‬ففي ظل ظروف مناسبة يمكن‬
‫أن تتغير األساطير بسرعة مثل ما حصل في عام ‪ 1789‬حين تحول معظم‬
‫السكان الفرنسيين بين عشية وضحاها من االعتقاد في أسطورة الحق‬
‫اإللهي للملوك إلى االعتقاد في أسطورة سيادة الشعب‪ .‬وهذه الممارسة‬
‫نشأت مع بزوغ الثورة المعرفية للهوموسابيانس الذي أصبح مضطرا‬
‫لتعديل سلوكه سريعا استجابة لتبدل االحوال‪ .‬وقد فتح هذا االمر‬
‫للهوموسابيانس افاقا كبيرة نحو تأسيس ثورة ثقافية تمكنت من تجاوز‬
‫عملية التطور الجيني البطيء ومهرته قدرة على التعاون تخطي بها بقية‬
‫نظرائه من البشر والحيوانات‪.‬‬
‫يتم عادة تحديد سلوك الحيوانات االجتماعية األخرى اعتمادا على وظيفة‬
‫جيناتها‪ .‬واعتبارا لكون الحمض النووي ليس هو العنصر الحاسم في تحديد‬
‫سلوك الحيوان فانه يبقى لهذا االخير فرصة المناورة الفردية متأثرا‬

‫بالعوامل البيئية‪ .‬وبالرغم من ذلك فإن الحيوانات التي تنتسب لنفس النوع‬
‫تميل في الغالب إلى التصرف بطريقة مماثلة في بيئة معينة‪ .‬ال يمكن أن‬
‫تحدث‪ ،‬بشكل عام‪ ،‬تغييرات جذرية في السلوك االجتماعي دون طفرات‬
‫جينية‪ .‬فعموم الشمبانزي على سبيل المثال‪ ،‬لديها ميل وراثي للعيش ضمن‬
‫مجموعات هرمية يرأسها "الذكر ألفا"‪ .‬وبالمقابل يعيش أفراد من البونوبو‬
‫الذين تصلهم قرابة بالشمبانزي ضمن زمر تتميز بالمساواة بين افرادها‬
‫تهيمن عليها اناث تجمعها تحالفات مشتركة‪ .‬وليس من المتاح لعموم اناث‬
‫الشمبانزي ان تحذو حذو اقربائها البونوبو وتشرع في القيام يثورة انثوية‪.‬‬
‫كما انه ليس بمقدور ذكور الشمبانزي االجتماع في مجلس البرلمان‬
‫للتصويت على الغاء منصب "الذكر الفا " معلنين من اليوم فصاعدا على‬
‫وجوب معاملة جميع افراد الشمبانزي على قدم المساواة‪ .‬مثل هذه‬
‫التغييرات الدرامية ال تحصل اال إذا حصلت لهم طفرة في حمضهم‬
‫النووي‪.‬‬
‫وألسباب مماثلة‪ ،‬لم يتهيأ للبشر االقدمين استهالل اي نوع من الثورات‪.‬‬
‫وعلى قدر معرفتنا يمكننا القول ان التغيرات في األنماط االجتماعية‪،‬‬
‫واختراع التكنولوجيات الجديدة وبناء مساكن صناعية تعزى الى حصول‬
‫طفرات في جيناتنا وكذلك اكراهات المحيط أكثر من كونها ناتجة عن‬
‫مبادرات ثقافية‪ .‬ولهذا السبب استمر االنسان مئات االف من السنين على‬
‫بدائيته قبل ان يتمكن من انجاز تلك الخطوات‪ .‬فقبل مليونا سنة خلت‬
‫ساعدت الطفرات الجينية على ظهور نوع جديد من البشر دعي االنسان‬
‫المنتصب‪ .‬وقد رافق هذا الظهور تطويره الدواة حجرية جديدة والتي‬
‫يعتمدها العلماء في يومنا هذا كمعيار يميز هذا النوع البشري‪ .‬واستمر هذا‬
‫النوع من البشر لفترة قدرت بمليوني سنة من تصنيع نفس االدوات‬
‫الحجرية نتيجة لعدم تعرضه لطفرات جينية‪.‬‬
‫وفي المقابل استطاع الهوموسابيانس منذ الثورة المعرفية ان يغير سريعا‬
‫من عادات سلوكه ليورثها الحقا الى نسله دون ان ينتظر حدوث تغيرات‬
‫في المحيط من تلقاء نفسها‪ .‬وكمثال على ذلك فلننظر الى تكرر ضهور‬
‫النخب التي ال عقب لها مثل الكهنوت الكاثوليكي‪ ،‬ونظام الرهبنة البوذي‬
‫وبيروقراطيات الخصيان الصينية‪ .‬إن وجود مثل هذه النخب يتنافى مع أهم‬
‫المبادئ الطبيعية ألن هؤالء األعضاء المهيمنين في المجتمع يتخلون طوعا‬

‫عن اإلنجاب‪ .‬ففي حين يستخدم ذكور الشمبانزي " ألفا " سلطتهم‬
‫لممارسة الجنس مع أكبر عدد ممكن من اإلناث وعلى قدر اإلمكان ‪ -‬بغية‬
‫الفوز بزعامة أكبر عدد من صغار القطيع ‪ -‬يمتنع في المقابل ذكر‬
‫الكاثوليك "الفا " عن الجماع ورعاية الصغار‪ .‬هذا االمتناع عن ممارسة‬
‫الجنس ال يعزى فقط الى ظروف بيئية كالنقص الحاد في الطعام او الرغبة‬
‫في تزاوج محتمل او يسبب بعض الطفرات العشوائية‪ .‬لقد ضلت الكنيسة‬
‫قائمة لعدة قرون ليس بتوريث جين التبتل من أحد الباباوات لخلفه بل بنقل‬
‫تراث العهد الجديد والقانون الكنسي‪.‬‬
‫وبعبارة اخرى استطاع الهوموسابيانس خالل عقد او عقدين من الزمن‬
‫تغيير بنياته االجتماعية وطبيعة عالقاتهم الشخصية وانشطته االقتصادية‬
‫وطائفة اخرى من السلوكيات ضلت االنواع االخرى من البشر محافظة‬
‫على ممارساتها الثابتة لزهاء العشرة االف سنة‪ .‬خذ لك مثال أحد سكان‬
‫برلين الذي ولد سنة ‪ 1900‬وكان متوسط عمره المتوقع ‪ 100‬سنة‪ .‬قضى‬
‫طفولته في ضل إمبراطورية هوهنزولرن بقيادة فلهلم الثاني؛ وأمضى‬
‫اعوام كهولته تحت حكم جمهورية فإيمار‪ ،‬والرايخ الثالث تحت النازية‬
‫مرورا بمرحلة الشيوعية التي حكمت ألمانيا الشرقية ووافاه اجله بوصفه‬
‫مواطنا ينتمي الى المانيا الديمقراطية الموحدة‪ .‬وقد نجح صاحبنا في أن‬
‫يكون مواطنا لخمسة أنظمة متعافية ومتمايزة جدا اجتماعيا وسياسيا‬
‫على الرغم من أن حمضه النووي لم يصبه تغيير يذكر‪.‬‬
‫وهذا هو سر نجاح الهوموسابيانس‪ .‬لكن لو اتيح له مبارزه انسان‬
‫النياندرتال وجها لوجه لهزم شر هزيمة‪ .‬اما لو تمت المواجهة بينهما مائة‬
‫فرد لكل فريق فلسوف يحرز السابيانس قصب السبق بدون منازع‪ .‬وتعزى‬
‫محدودية النياندرتال الى امتالكه فقط القدرة على تبادل المعلومات‬
‫بخصوص اماكن تواجد االسد ومن الراجح انهم لم تكن لديهم ملكة ابتداع‬
‫القصص التي تروي حكايات القبيلة وارواحها ومن ثمة تكييفها وفق‬
‫المتغيرات‪ .‬فبدون القدرة على اختالق االوهام‪ ،‬صار نياندرتال غير قادر‬
‫على التعاون بفعالية وبأعداد كبيرة بين افراده كما لم يتمكن من تكييف‬
‫سلوكه االجتماعي مع تحديات المحيط المتغير بسرعة‪.‬‬
‫وعلى الرغم من كوننا ال نستطيع ان نغوص في عقل النياندرتال لنفهم‬
‫كيف كان افراده يفكرون اال اننا نملك ادلة غير مباشرة على حدود ادراكهم‬

‫مقارنة بغرمائهم السابيانس‪ .‬اذ يصادف ان يعثر علماء االثار ‪ -‬بمناسبة‬
‫تنقيبهم عن مواقع تقع في وسط ارويا تبلغ من العمر ‪30‬الف سنة تابعة‬
‫للهوموسابيانس ‪-‬على اصداف متأتية من سواحل البحر االبيض المتوسط‬
‫ومن المحيط االطلسي‪ .‬واغلب الظن انه تم جلب تلك االصداف الى داخل‬
‫القارة من مسافات طويلة بفضل التجارة التي كانت قائمة بين مختلف‬
‫طوائف الهوموسابيانس‪ .‬ونجد ان المواقع التي تعود الى النياندرتال تفتقر‬
‫الى المبادالت التجارية بين مجموعاته حيث اكتفت كل واحدة بما انتجته‬
‫من ادوات باستخدام المواد المحلية‪.‬‬

‫‪The Catholic alpha male abstains from sexual intercourse and childcare,‬‬
‫‪even though there is no genetic or ecological reason for him to do so.‬‬

‫مثال آخر يأتي هذه المرة من جنوب االطلسي‪ .‬حيث اكتشف علماء االثار‬
‫ان رهطا من الهوموسابيانس ‪ -‬الذي عاش في جزيرة إيرلندا الجديدة‬
‫الواقعة شمال غينيا ‪ -‬قد استعمل زجاجا بركانيا يقال له السبج لصناعة‬
‫ادوات معينة تتسم بقوتها وحدتها معا‪ .‬علما وان الجزيرة تفتقر الى‬
‫رواسب زجاج السيج (زجاج بركاني)‪ .‬وقد اظهرت تحليالت مخبرية بان‬
‫الزجاج المستعمل قد تم جلبه من منطقة بريطانيا الجديدة التي تبعد عن‬
‫الجزيرة زهاء ‪ 400‬كلم‪ .‬ضرورة ان بعض سكان هذه الجزر كانوا من‬
‫المالحين المهرة الذين يتاجرون من جزيرة إلى أخرى على مسافات‬
‫طويلة‪.‬‬

‫قد تبدو التجارة للناظر نشاطا نفعيا للغاية‪ ،‬ال يحتاج إلى أساس من الوهم‪.‬‬
‫ولكن الحقيقة هي أنه ليس ثمة من ينافس سابيانس في النشاط التجاري‪.‬‬
‫ونحن اليوم نملك شواهد من ذلك العصر تشير الى كون الهوموسابيانس قد‬
‫اعتمد في تجارته على عامل الخيال‪ .‬فالنشاط التجاري ال يمكن ان يستمر‬
‫من دون وجود مبدا الثقة وكان من الصعوبة بمكان ان نضع ثقتنا في‬
‫الغرباء‪ .‬ان التجارة ال يمكن أن توجد من دون ثقة‪ ،‬وأنه من الصعب جدا‬
‫أن نثق بالغرباء‪ .‬وفي يوم الناس هذا تعتمد التجارة العالمية على الثقة التي‬
‫نضعها في كيانات وهمية مثل الدوالر و بنك االحتياط الفدرالي و كذلك في‬
‫العالمات التجارية للشركات ‪ .‬فحينما يرغب شخصان غريبان عن‬
‫بعضهما تداول المنافع ضمن شركة قبلية فانهما يكونان عادة مشتركان في‬
‫االيمان بااله او سلف او طوطم مشترك‪.‬‬
‫واذا كان االمر كذلك فبإمكانهما ان يتقايضا االصداف و السبج (زجاج‬
‫بركاني) كما يستطيعان بالمناسبة تبادل األخبار وهكذا ينشآن شبكة‬
‫معلومات واسعة بين بعضهما البعض اكثر مما يقوم به النياندرتال و‬
‫االنواع البشرية االخرى لصالحهم‪.‬‬
‫وتوفر لنا تقنيات الصيد مثاال توضيحيا اخر لتلك االختالفات بين‬
‫السابيانس والنياندرتال‪ .‬فالنياندرتال كان يصطاد غالبا بمفرده او في‬
‫مجموعات صغيرة‪ .‬في حين ان الهوموسابيانس قد طور وسائل تعتمد على‬
‫التعاون بين عشرات من االفراد وربما ايضا بين كثير من العصابات‪.‬‬
‫وكانت إحدى الطرق الفعالة بشكل خاص تلك المتعلقة بتطويق قطيع كامل‬
‫من الحيوانات‪ ،‬كالخيول البرية مثال‪ ،‬ثم اضطرارها الى ممر ضيقة حيث‬
‫كان من السهل ابادتها على بكرة ابيها‪ .‬وإذا نجحت الخطة‪ ،‬يستطيع‬
‫الصيادون ان يغنموا اطنانا من اللحم والشحم وجلود الحيوانات على إثر‬
‫غارة صيد جماعية واحدة‪ .‬ويتم استهالك هذا الكسب الحقا بعد تجفيفه او‬
‫شيه وتجميده بالنسبة لقاطني المناطق الثلجية‪ .‬لقد اكتشف علماء اآلثار‬
‫مواقع حيث كان يتم فيها تقديد جميع القطعان سنويا بهذه الطريقة كما عثر‬
‫ايضا على مواقع اخرى اقيمت حولها األسوار والعقبات من أجل إنشاء‬
‫الفخاخ االصطناعية وكذلك بلطت االرض يقصد ذبح الحيوانات فيها‪.‬‬
‫من الممكن االفتراض بان نياندرتال لم يكن قانعا بمشاهدة منطقة صيده‬
‫التقليدية وقد أصبحت تحت سيطرة الهوموسابيانس لتغدو مسلخا له‪ .‬وربما‬

‫اندلعت احيانا اعمال عنف بين الفريقين للدفاع عن مجال كليهما تجاه‬
‫غريمه‪ .‬وإذا حصل ان ربح افراد النياندرتال جولة فال يمكنهم الفوز دائما‬
‫على السابيانس الذين يتمتعون بمقدرة استراتيجية خالقة االمر الذي ال‬
‫يتوفر عليه النياندرتال باعتبار غياب القدرة لديه على االبداع والتكيف‬
‫السريع مع متغيرات المحيط‪.‬‬

‫ماذا حدث في الثورة المعرفية‬
‫نتائج عريضة‬
‫قدرات جديدة‬
‫القدرة على نقل كميات ضخمة من تخطيط وتنفيذ عمليات معقدة مثل‬
‫المعلومات تتعلق بالمحيط الذي تجنب األسود وصيد ثيران البيزون‬
‫يعيش فيه الهوموسابيانس‬
‫بروز مجموعات أكبر وأكثر‬
‫القدرة على نقل كميات كبيرة من‬
‫المعلومات تتعلق بعالقات سابيانس تماسك يصل عددها الى زهاء ‪150‬‬
‫االجتماعية‬
‫فرد‬
‫ا‪ :‬التعاون بين اعداد عريضة من‬
‫القدرة على نقل معلومات حول‬
‫الغرباء‬
‫أمور ال توجد في الواقع مثل‬
‫أرواح القبيلة او األمة او الشركات ب‪ :‬ابتكار سريع ألنماط سلوكية‬
‫جديدة‬
‫محدودة المسؤولية او حقوق‬
‫االنسان‬

‫التاريخ والبيولوجيا‬
‫ان التنوع الهائل للواقع المتخيل الذي ابتكره سابينز‪ ،‬وكذلك ما نتج عنه من‬
‫تعدد أنماط السلوك‪ ،‬تعتبر المكونات الرئيسية لما نسميه "الثقافات"‪.‬‬
‫وبمجرد ظهور الثقافات‪ ،‬فإنها لم تكف أبدا عن التغيير والتطور‪ ،‬وتلك‬
‫التعديالت التي تطرأ عليها هي ما نطلق عليه 'التاريخ'‪.‬‬
‫تعتبر الثورة المعرفية حجر االساس الذي دشن به التاريخ استقالله عن‬
‫البيولوجيا‪ .‬والى الوقت الذي ظهرت فيه الثورة الثقافية كان سلوك النوع‬
‫البشري ينتمي الى مملكة البيولوجيا او ان شئت الى مرحلة ما قبل التاريخ‬
‫(واذ كنت اميل الى تجنب مصطلح ما قبل التاريخ ذلك ان البشر كانوا‬
‫يحتلون بالرغم من ذلك مكانة خاصة حتى قبل بزوغ الثورة المعرفية)‪.‬‬

‫فمنذ فجر الثورة المعرفية أصبحنا نعتمد التاريخ لتفسير تطور نوع‬
‫السابيانس بدال من اللجوء الى التفسيرات البيولوجية‪ .‬اذ انه لكي نفهم نشأة‬
‫المسيحية او احداث الثورة الفرنسية لم يعد من المجدي فهم تفاعالت‬
‫الجينات او الهرمونات في الجسم‪ .‬بل من الضروري لنا ان نضع في‬
‫اعتبارنا صراع االفكار وكذلك الصور والرغبات على حد سواء‪.‬‬
‫وهذا ال يعني أن اإلنسان وكذلك ثقافته أصبحا مستقلين عن القوانين‬
‫البيولوجية‪ .‬نحن ما نزال نقاسم الحيوان في كثير من مميزاته‪ .‬اذ ان‬
‫اجسامنا وعواطفنا وكذلك قدراتنا المعرفية ما تزال تحت رحمة جيناتنا‪.‬‬
‫كما ان مجتمعاتنا قد تشكلت من نفس العناصر التي بنيت بها مجتمعات‬
‫النياندرتال والقرود‪ .‬وكلما فحصنا هذه اللبنات ‪ -‬مثل األحاسيس والعواطف‬
‫والروابط األسرية ‪ -‬كلما ضعفت التمايزات بيننا وبين القردة األخرى‪.‬‬
‫غير أنه من الخطأ البحث عن التفاوتات على مستوى الفرد أو األسرة‪ .‬ذلك‬
‫ان هناك تجانس مربك جدا ومذهل بيننا وبين القردة‪ .‬اال ان هذه الفوارق‬
‫سرعان ما تظهر للعيان حينما يتعلق االمر بجماعة من القردة تتجاوز عتبة‬
‫‪ 150‬فردا لتغدو مجموعة متكونة من ألف او الفي فرد‪ .‬فلو اجتهدت ان‬
‫تحشد االف من القردة في ساحة وول ستريت (موقع بورصة امريكا) او‬
‫الفاتيكان او في مقر منظمة االمم المتحدة لحصلت على فوضى عارمة‪.‬‬
‫والحال ان الهوموسابيانس قادر على التجمهر باأللف في مثل هذه االماكن‪.‬‬
‫وفي تجمعهم ينشؤون انماطا من النظام ‪ -‬مثلما نجده في شيكات التجارة او‬
‫االحتفاالت الجماعية وكذلك داخل مقرات المنظمات السياسية ‪ -‬لم يكن‬
‫بمقدورهم ان يبدعوه فرادى‪ .‬فاالختالف الحقيقي بيننا وبين الشمبانزي‬
‫يكمن في وجود غراء ميثولوجي يشد الحشود واالفراد واالسر وكذلك‬
‫الطوائف بعضها ببعض‪ .‬وقد جعل منا هذا الغراء االسطوري اسياد‬
‫المعمورة‪.‬‬
‫هذا ال يمنع من احتياجنا لمهارات اخرى مثل ابتداع االدوات واستعمالها‪.‬‬
‫غير ان صنع االدوات له جدوى ضعيفة باستثناء ان يقع استخدامها بشكل‬
‫جماعي (في الصيد مثال او في الدفاع عن المجموعة) فما هو السر الكامن‬
‫وراء امتالكنا رؤوسا نووية والحال اننا لم نتوفر اال على رماح حادة من‬
‫حجر الصوان منذ ثالثين ألف سنة خلت خاصة وانه لم يحدث اي تغيير‬
‫في مستوى ينيتنا الفيزيولوجية منذ ذلك الزمن السحيق‪ .‬لقد كان ألبرت‬

‫أينشتاين أقل براعة في استخدام يديه من سلفه الذي اعتمد الصيد والقطف‬
‫في حياته‪ .‬غير ان تفوقنا في التعاون مع الغرباء قد تحسن بشكل ملحوظ‪.‬‬
‫لقد كان بمقدور شخص واحد فقط ان يصنع راسو حربة صوان واحدة في‬
‫دقائق قليلة معتمدا على مشورة بعض اصدقائه ومساعدتهم‪ .‬غير ان‬
‫صناعة راس نووية تستدعي التعاون بين فئات كثيرة من الغرباء موزعين‬
‫على كافة انحاء العالم بدءا من العمال الذين يستخرجون االورانيوم من‬
‫المناجم وصوال الى الفيزيائي الذي يعمل على كتابة المعادالت الرياضية‬
‫لوصف التفاعالت التحت ذرية‪.‬‬
‫ولتلخيص العالقة بين علم األحياء والتاريخ الذي تال الثورة المعرفية نورد‬
‫العناصر التالية‪.‬‬
‫ا‪ .‬يضع علم األحياء المعايير األساسية لسلوك وقدرات اإلنسان العاقل‪.‬‬
‫كل االحداث التاريخية تحدث داخل حدود المجال البيولوجي‪.‬‬
‫ب‪ .‬ومع ذلك‪ ،‬فان هذا المربع كبير للغاية‪ ،‬مما يسمح لنوع سابيانس ان ‪.‬‬
‫يناور بمرونة كبيرة جدا‪ .‬وبفضل قدرته على اختراع "الوهم " أصبح‬
‫بمستطاعه ان يبتكر قواعد أكثر تعقيدا لمناورته‪.‬‬
‫ج‪ .‬ومن أجل فهم كيف يتصرف السابيانس‪ ،‬يجب علينا تبعا لذلك أن‬
‫نصف التطور التاريخي لممارساتهم‪.‬‬
‫فاإلشارة فقط إلى القيود البيولوجية التي نواجهها سوف تكون بمثابة‬
‫"الراديو الرياضي" الذي يواكب بطولة كأس العالم لكرة القدم وبدال من‬
‫وصف ما يفعله الالعبون اثناء المباراة يكتفي ينقل وصف تفصيلي‬
‫للملعب‪.‬‬
‫ما هي األلعاب التي كان أسالفنا يمارسونها في حقبة العصر الحجري؟‬
‫على حدود معرفتنا فان الناس الذين صنعوا منحوتة "الرجل االسد (وجدت‬
‫في كهف ستادل ‪ :‬المترجم) منذ ‪ 30‬ألف سنة كانوا يشبهوننا تماما من‬
‫حيث امتالكهم مهارات ذهنية وعاطفية وكذلك جسدية‪ .‬ماذا تراهم كانوا‬
‫يفعلون حينما يستفيقون في الصباح‪ .‬وماذا كانوا يأكلون في فطورهم‬
‫وعشاءهم؟ والى اي شيء تشبه مجتمعاتهم؟ هل كانوا يتبعون احادية‬

‫الزواج والعائلة النووية؟ هل كان لديهم احتفاالت او قواعد أخالقية؟ هل‬
‫كان لديهم مسابقات رياضية وطقوس دينية؟ هل غزى بعضهم بعضا؟‬
‫سوف نلقي في الفصل التالي نظرة من وراء حجاب الزمن لنتفحص طبيعة‬
‫حياة من سبقونا خالل الحقبة التي تلت الثورة المعرفية وسبقت الثورة‬
‫الفالحية‪.‬‬

‫‪3‬‬
‫يوم من أيام ادم وحواء‬
‫لفهم ذواتنا‪ ،‬وتاريخنا وكذلك نفسيتنا‪ ،‬يجب ان ننفذ الى داخل ادمغة اسالفنا‬
‫"الصيادين ‪-‬القاطفين"‪ .‬لقد عاش نوعنا السابيانس زهاء تاريخه كله‬
‫يحترف النبش في الهضاب والجبال‪ .‬ولم يتغير حاله اال منذ قرابة القرنين‬
‫حينما أصبح فيهما االنسان يكسب قوت يومه بكد يمينه او بعمله في مكاتب‬
‫االدارة‪ .‬ولكن قبل هذا الزمن بعشر االف سنة ظل معظم نوعنا يعمل‬
‫بالزراعة وتربية الماشية‪ .‬لكن هذه الفترة ال تمثل اال طرفة عين مقارنة‬
‫بالحقبة التي بقي االنسان فيها مشتغال بالصيد والقطف‪ .‬ويشير "علم النفس‬
‫التطوري" إلى أن العديد من خصائصنا االجتماعية والنفسية في الوقت‬
‫الحاضر قد تشكلت خالل هذه الحقبة الطويلة قبل الزراعة‪.‬‬
‫وما يزال المختصون في علم النفس التطوري يؤكدون على كون أدمغتنا‬
‫وعقولنا قد تكيفت جميعها مع حياة الصيد واللقط مثل ذلك عاداتنا الغذائية‬
‫ونزاعاتنا وحياتنا الجنسية التي كانت ثمرة لطريقة تكيف االنسان وتفاعله‬
‫مع ذلك المحيط‪ .‬ومع ذلك ظللنا نتفاعل اليوم مع بيئة ما بعد المرحلة‬
‫الصناعية بكل منتجاتها من مدن ظخمة وطائرات وهواتف وأجهزة‬
‫الكمبيوتر بنفس عقلية وروح اسالفنا الصيادين الالقطين‪ .‬صحيح ان هذه‬
‫البيئة اعطتنا وال تزال المزيد من الموارد المادية وحياة أطول من تلك التي‬
‫تمتع بها أي جيل سابق‪ ،‬لكن غالبا ما تجعلنا نشعر بالغربة واالكتئاب‬
‫والضغوط ولفهم السبب‪ ،‬يجادل علماء النفس التطوريون من كوننا اليوم‬
‫بحاجة إلى تقصي حياة (الصياد ‪-‬الالقط) الذي أبدع لنا رؤيتنا واحاسيسنا‬
‫اليوم‪ .‬تلك الحقبة التي ما تزال تسكن فينا منذ غياهب الزمن‪.‬‬

‫لماذا على سبيل المثال يتخم الناس من اكل طعام عالي السعرات بالرغم‬
‫من االثار المضرة على صحتهم؟ فالمجتمعات تعاني اليوم من انتشار داء‬
‫السمنة الذي بدا ينتشر حتى في البلدان النامية‪ .‬تعتبر شراهتنا واكلنا بنهم‬
‫شديد فعال معضلة ما لم نفحص قبل كل شيء العادات الغذائية التي ميزت‬
‫اسالفنا النباشين‪ .‬ففي مناطق السافانا والغابات اين مسكنهم كان وجود‬
‫الفاكهة عالية السعرات من االشياء النادرة جدا اما الغذاء فقد كان توفيره‬
‫نفيس ايضا‪ .‬كما لم يكن بمقدور سلفنا النباش ان يتوفر اال على نوع واحد‬
‫فاذا حصل ان عثرت احدى اناث من الفاكهة وهي‪ -‬الفاكهة الناضجة‪.‬‬
‫السابيانس على شجرة تين وقد نضجت كان لزام عليها حينها ان تأكل قدر‬
‫طاقتها قبل ان تغلبها عليها قرود البابون‪ .‬ولقد تم طبع هذا السلوك في‬
‫جيناتنا مذ ورثناه من اسالفنا‪ .‬وفي ايامنا هذه من المرجح ان غالبيتنا‬
‫يقيمون في شقق فاخرة بها ثالجة متخمة بما لذ وطاب‪ .‬غير ان جيناتنا ما‬
‫تزال تفكر كما لو انها تقطن في السافانا‪ .‬وهذا ما يجعلنا نشعر كأننا غصنا‬
‫في حوض مثلجات بان وبري حين نعثر على مثلج واحد في المبرد‬
‫ونكرع معه قنية كوكة كبيرة‪.‬‬
‫تعتير نظرية "جين الشراهة " مجمع عليها من قبل المختصين‪ .‬هناك ايضا‬
‫نظريات اخرى مثيرة للجدل‪ .‬من ذلك ان بعض المختصين في علم النفس‬
‫التطوري يجادلون بكون زمرة " النباشين " لم يعرفوا مفهوم االسرة‬
‫النووية التي يوجد بها زوجين فقط‪ .‬وبدال من ذلك‪ ،‬استمرت العالقات‬
‫ضمن تجمعات محلية (كومونات) خلوة من الملكية الخاصة‪ ،‬والعالقات‬
‫االحادية‪ ،‬ولم تعرف مفهوم األبوة‪ .‬حيث يمكن للمرأة في هذا النوع من‬
‫الكومونات ان تمارس الجنس او تعقد روابط حميمية مع العديد من الرجال‬
‫(والنساء) وفي صورة االنجاب يساهم جميع الذكور البالغين في تربية‬
‫اطفالها‪ .‬ولما كان الذكر ال يعرف اطالقا اي من االطفال يصله بالقرابة‬
‫فان جميع الذكور يتساوون في الرعاية باألطفال‪.‬‬
‫مثل هذا الهيكل االجتماعي ليس يوتوبيا مستحيلة التحقق في الواقع‪ ،‬ذلك‬
‫انها موثقة بشكل جيد في عالم الحيوانات‪ ،‬وال سيما أقرب أقربائنا‪،‬‬
‫الشمبانزي والبونوبو‪ .‬هناك حتى عدد من الثقافات البشرية الحالية التي‬
‫تمارس فيها األبوة بشكل جماعي‪ ،‬مثل ما يحصل داخل هنود الباري‬
‫(أمريكا الالتينية)‪ .‬وفقا لمعتقدات هذه القبائل فان الطفل يتخلق ليس فقط‬

‫من جماع المرأة لرجل واحد بل انه ثمرة امتزاج ماء كثير من الرجال في‬
‫رحم المرأة‪ .‬وتعتبر هذه المعتقدات ان االم الصالحة هي التي تجامع العديد‬
‫من الرجال خصوصا في مرحلة حملها بالجنين‪ .‬بحيث يرث طفلها مستقبال‬
‫أفضل صفات الصياد او المحارب او الحكواتي واكثرهم حنانا من االباء‬
‫المشاركين في مجامعة االم‪ .‬وإذا كان االمر يبدو سخيفا في اعيننا فيجب‬
‫ان نضع في اعتبارنا أن الناس قبل تطور علم االجنة لم يكونوا يملكون‬
‫دالئل دامغة تجعلهم ينسبون الطفل الب واحد عوض الكثير من اإلباء‪.‬‬
‫يجادل أنصار نظرية "الكومونة القديمة" أن الخيانات المتكررة التي تميز‬
‫مؤسسة الزواج في عصرنا الحالي وكذلك علو معدل الطالق ناهيك عن‬
‫تفشي العقد النفسية بين فئتي االطفال والكهول ناتجة حصريا عن اكراه‬
‫الناس على العيش ضمن اسر نووية ذات عالقات احادية والتي تظهر انها‬
‫غير منسجمة مع برمجية جيناتنا‪.‬‬
‫مازال العديد من العلماء يرفضون بشدة هذه النظرية‪ ،‬ويصرون على أن‬
‫الزواج األحادي وتشكيل األسر النووية تعتبر سلوكيات اساسية ألسالفنا‪.‬‬
‫وعلى الرغم من أن مجتمعات الصيادين االقدمين تميل إلى أن تكون أكثر‬
‫طائفية ‪ communal‬ومساواة من المجتمعات الحديثة‪ ،‬فإن هؤالء‬
‫الباحثين يجادلون من كونها كانت تتألف من خاليا منفصلة كل خلية تتكون‬
‫من انثى و ذكر و اطفالهما ‪.‬و هاذا السبب يفسر كيف ان جميع الثقافات في‬
‫عصرنا الحالي تتبع نهج العالقات االحادية و االسرة النووية باعتبارهما‬
‫القاعدة العامة ‪.‬و تشرح لنا كذلك ظاهرة االستمالك التي تميز الرجال و‬
‫النساء تجاه بعضهما و تجاه اطفالهما اضافة ايضا لسبب انتقال السلطة من‬
‫االب نحو ابنه الذكر حتى في الدول التي تقول عن نفسها انها عصرية مثل‬
‫كوريا الشمالية او سوريا ‪.‬‬
‫من أجل حل هذا الجدل وفهم حياتنا الجنسية والمجتمع والسياسة‪ ،‬نحن‬
‫بحاجة إلى معرفة شيء عن الظروف المعيشية ألسالفنا‪ ،‬لدراسة كيف‬
‫عاش السابيانس في الفترة الممتدة من الثورة المعرفية منذ ‪ 70،000‬سنة‪،‬‬
‫حتى بدء الثورة الزراعية قبل حوالي ‪ 12،000‬سنة‪ .‬لسوء الحظ‪ ،‬هناك‬
‫عدد قليل من اليقين فيما يتعلق بحياة أجداد أسالفنا‪ .‬ويستند النقاش بين‬
‫"الكومونة القديمة" و "مدارس الزواج األحادي األبدي" على أدلة واهية‪.‬‬
‫ومن الواضح أنه ليس لدينا سجالت مكتوبة من عصر النباشين‪ ،‬واألدلة‬


Documents similaires


Fichier PDF vision in autism spectrum disorders
Fichier PDF newsdec2012 english
Fichier PDF 1 s2 0 s0022030208709998 main
Fichier PDF post doc embl rome rm 00067 1
Fichier PDF ad
Fichier PDF gaechter schulz nottinghameprints


Sur le même sujet..