ديسمبر .pdf



Nom original: ديسمبر.pdf

Ce document au format PDF 1.4 a été généré par Adobe InDesign CS5 (7.0) / Adobe PDF Library 9.9, et a été envoyé sur fichier-pdf.fr le 20/12/2018 à 10:29, depuis l'adresse IP 196.224.x.x. La présente page de téléchargement du fichier a été vue 356 fois.
Taille du document: 12.4 Mo (16 pages).
Confidentialité: fichier public

Aperçu du document


‫حوار العدد مع كلثوم كنو‬

‫الملحق الثقافي لجريدة الشعب‬

‫األنظمة الدكتاتورية املعادية‬
‫الستقالل القضاء تستعمل النقلة‬
‫كطريقة مقنعة للهيمنة‪.‬‬

‫الخميس ‪ 13‬ديسمرب ‪ - 2018‬املوافق لـ ‪ 6‬ربيع الثاين ‪ - 1440‬العدد ‪74‬‬

‫«أصحاب الرايات»‬
‫من التكفير إلى‬
‫التفقير والترذيل؟‬
‫محمد الجاب ّلي‬

‫املرشوع السيايس يف تونس بني‬
‫عوامل النكوص وممكنات التفعيل‬
‫معطيات أولية حول‬
‫ضرورة الثورة الثقافية‬
‫بالمجتمعاتالتوميالعربية‬
‫محمد صالح‬

‫هل يمكن أن نعتبر‬
‫سياسة الدولة‬
‫الحديثة إصالحية؟‬
‫محمد الكيالين‬

‫‪2‬‬

‫الخميس ‪ 13‬ديسمرب ‪ - 2018‬املوافق لـ ‪ 6‬ربيع الثاين ‪ - 1440‬العدد ‪74‬‬

‫«أصحاب الرايات»‬
‫من التكفير إلى‬
‫التفقير والترذيل؟‬
‫محمد الجابلّي‬

‫بات جليا دخولنا ب «القدم اليمنى» زمنا جديدا‬
‫نعني بذلك زمن التوحش‪ ،‬منذ عقود أرشت يف‬
‫مقاالت منسية إىل صلة واضحة – يرعاها الفاعلون‬
‫الكبار‪ -‬بني فيك الكامشة الرهيبة التي بتنا يف أرسها والتي تقودنا يف مسلك واضح‬
‫ووحيد‪ ،‬ال أفق له ينطلق من التجهيل ويتجه إىل التفقري‪ ،‬تأملوا واقعنا وما حصل‬
‫فيه من تسارع سرتون أن الطاقة الفاعلة السلبية تتجمع عند من نسميهم يف‬
‫عاميتنا ب «مهاميز السوء» أعني بهم فاقدي املرجع أولئك املتخففني من كل حمل‬
‫مبديئ أو أخالقي‪« ،‬مالقيط اللحظة» الذين يتلقفون بذكاء انتهازي مسار الريح‬
‫ويستبقون هبتها واليشء يعنيهم غري «املصري املفرد» وممكنات الغنم املادي‪...‬‬
‫الكامشة التي نبهت لها منذ عقود أراها فاعلة ُممسكة بلحظتنا وبرقبة الوطن‬
‫«خناقا» مينع النفس ويوصد امل ُمكنات‪ ،‬ويُبدد الطاقة‪ :‬سلفية التكفري والتجهيل‬
‫وإمربيالية الرهن والتفقري‪ ،‬كالهام يع ّمد اآلخر‪ ،‬منذ عقود «أواخر الثامنينيات»‬
‫نرشت مقاال تحت عنوان «السلفية رهان جديد من رهانات االمربيالية» وها أن‬
‫الحاصل يف ربوعنا يؤكد الكارثة‪ ،‬تأمل ترى الصبية الذين برزوا واشتد عودهم يف‬
‫عرشيتنا «املدخولة» وبات بعضهم يف واجهة الفعل السيايس وبعضهم يف دوائر‬
‫املال واألعامل هم من حملة الرايات «ظاهرها وخفيها» رايات العقاب والتكفري‬
‫ورايات املكيافلية السياسية ‪...‬تذكرت «صاحبات الرايات» يف الجاهلية‪ ،‬عاهرات‬
‫تجاوزن العرف واملحضور والقيم‪...‬‬
‫أذكياؤهم تدربوا يف «فريدم هاوس» والبنوك والرشكات العابرة ‪...‬واملحدودون‬
‫منهم دربتهم الجمعيات السلفية املمولة من نفايات النفط الخليجي وتلقفتهم‬
‫أجهزة االستخبارات الرسية‪...‬‬
‫«مالقيط اللحظة» ال يؤمنون بااليديولوجيا إال كجرس عبور رسيع‪...‬تختلف‬
‫أشكالهم وألسنتهم لكن الغايات واحدة ‪ :‬تقديم الخدمات والسري باتجاه رياح‬
‫السمرسة واملال والوكالة‪...‬‬
‫حكامنا الحاليون «مأمورو رضائب» جيء بهم لغايات شديدة الوضوح‪ ،‬ال يشعرون‬
‫مبا نشعر‪ ،‬مندوبون ساميون سا ّمون يتمعشون ويعيشون يف الحزام األخرض‬
‫لدميقراطيتنا الحفيانة‪...‬‬
‫أزمات كثرية عالقة ومستجدة تفضح مالقيط اللحظة‪ ،‬صبية أو شيوخا‪ ،‬سخروا‬
‫االعالم بأبواقه للتغطية واملغالطة والتهريج لكن حبال الكذب قصرية كام يٌقال‬
‫عندنا‪...‬‬
‫انتقلت الكامشة بفكيها من التكفري والتجهيل إىل التفقري ومن كل ذلك اىل الرتذيل‬
‫والتحقري‪...‬‬
‫وأزمة التعليم هي أم األزمات‪ ،‬وغض الطرف عن حلولها دليل عىل نوعية‬
‫الفاعلني يف واقعنا‪ ،‬وفضح لنزعاتهم الرشيرة وكشف عن مهامهم القذرة ‪...‬ترذيل‬
‫العلم والتعلم واملعرفة والثقافة هو من باب التخريب املمنهج لقدرات الوطن‬
‫ومستقبله‪ ،‬وهو يدخل يف صيم املهام «االسرتاتيجية» ملالقيط اللحظة من خالل‬
‫تدمري بؤر الضوء القليلة يف نفقنا الطويل‪...‬‬
‫رجال التعليم بكل أصنافهم هم أصحاب الرهانات الصعبة‪ ،‬هم حراس القيم‬
‫واملعاين والرموز‪،‬يرممون خراب الذوات ويقفون عىل الحافة الشائكة ‪...‬‬
‫يف محنتهم ووحدتهم دروس ال ميكن ملالقيط اللحظة استيعابها‪ ،‬وهذه الدروس هي‬
‫بارقة أمل يف خطانا القادمة‪ ،‬من أهمها صفارة اإلنذار األخري للفاعلني السياسيني‬
‫الذين يتمعشون من «الفرقة االيديولوجية» وحساباتها القصرية‪ ،‬رجال التعليم‬
‫يقولون بصوت واحد نحن هنا موحدون إزاء ماهو اجتامعي وطني مواطني‪،‬‬
‫قد يعنينا تهريجكم عىل الشاشات وخلف املصادح لكن الواقع له حساب آخر‪،‬‬
‫رجال قدموا الكرامة عىل الخبز‪ ،‬فقراء املال لكنهم أغنياء القيم واملباديء واآلفاق‪،‬‬
‫ح ّراس املواقع األمامية‪ :‬حني تزاحم الجميع عىل الغنم والتموقع بعيد «الثورة»‬
‫كانوا حينها األكرث شجاعة وتضحية عند اختالل السلطات واملوازين‪ ،‬وهم اآلن‬
‫كذلك تضعهم األقدار يف الطليعة دامئا من أجل هذا الوطن‪ ،‬مسريتهم الحالية‬
‫ليست قطاعية بل هي مسرية وجودية‪ ،‬وهي فاتحة تصحيح ملا اختل من حساباتنا‬
‫وواقعنا‪ ،‬رصخة ستطول وستكون لها نتائج ضد التجهيل والتفقري والرتذيل‪ ،‬رصخة‬
‫يف وجه الحاملة والهباطة والسمسارة من الفاعلني السياسيني الذي اعتربوا الوطن‬
‫غنيمة وسوقا مفتوحة للمزادات ‪...‬‬
‫مسرية التعليم تفضح ما يف واقعنا من زيف وانحراف وتضع الح ّد الفارق بني‬
‫الرشعية واملرشوعية ‪...‬تقول للفاعلني جئتم من خدعة الصندوق‪ ،‬عبثتم برشعية‬
‫حلم شعبي‪ ،‬لكن املرشوعية لها شأن آخر‪ ،‬وال ب ّد لألوضاع من تصحيح‪...‬‬
‫مع مسرية التعليم الثانوي تفتح ملفات طي النسيان‪ ،‬ويتجذر النضال امل ٌجتمعي‬
‫ٌمعلنا وحدته بعد تسطيح ُمتعمد وخلط لألولويات‪...‬‬
‫وغ ُري بعيد عن ذكرى حشاد نرى أفق النضال اإلجتامعي يتجذر‪ ،‬وعىل الوطنيني‬
‫التوحد خلف تلف الالفتة الجامعة بعيدا عن الحزبية املحدودة أو إيديولجيات‬
‫السمرسة‪ ،‬بعيدا عن الوالءات الساذجة والزعامات الكاذبة ‪...‬هناك يكمن الوطن‬
‫مبائه وسامئه ‪...‬بل هناك يكمن الخري والحقيقة والله‪.‬‬
‫لحظتنا لحظة سقوط و ُعري فاضح ‪...‬ويف التاريخ غربال ال يرحم العمالء ‪...‬‬

‫َق ْ‬
‫طرَ ُة ما ٍء‬

‫قصة ‪ :‬عبدالرحيم املاجري‬
‫‪.‬حتى أ ّن عصاه كادت تَ ْن َكسرِ ُ ‪.‬‬
‫‪ُ :‬م ْه َدا ٌة ‪ :‬إىل روح املعلمة‬
‫كان الرجلُ حا ِمالً عىل ظَ ْه ِر ِه‬
‫ِق ْربَ َة ما ٍء‪..‬فَطَل ََب منه ساملٌ‬
‫املعطّلة التي احرتقت يأسا‬
‫ظ آَْمنًا تَ ِع ًبا ُمتَ َوقِّ ًعا َ‬
‫الهالك‬
‫قَطْ َر َة ما ٍء بأ ِّي مثن يطلبه‪.‬‬
‫َش يف‬
‫فصاح صاحب ال ِق ْربة يف وجهه‬
‫‪ ،‬تَ َوق ََّف ساملٌ َعنِ امل يْ ِ‬
‫الصحراء‪..‬وفجأة لَ َم َح َر ُجلاً‬
‫‪ »:‬ت ََص َّو ْر ِملْيُونًا ِم ْن أ ْمثَالِ َك كلٌّ‬
‫فَ َبذَلَ ق َُصا َرى َج ْه ِد ِه لِ َيلْ َح َق به منهم يطلب قطرة !هل تُريد‬

‫أ ْن أموتَ ظ أََمً ؟ « قال سامل‪ »:‬املا ِء فسقط قتيال‪.‬‬
‫أ ْع ِط ِني قطرة واحدة وأعطيك‬
‫دمي كله « فقال له ضاحكا‬
‫عليه‪ »:‬إرشب إذ ْن من د ِمك‬
‫حتى تَ ْر ُوى « و َه َّم باالنرصاف‬
‫‪..‬ويف لَ ْم ٍح بالبَصرَ ِ أ َم َر ساملٌ‬
‫عصاه ف َه َوتْ عىل رأس صا ِحبِ‬

‫فضاءات جميلة وأرواح أجمل‬
‫مقهى زهرة البستان‬

‫وعموم املثقفني وبات قبلة لزوار القاهرة من املثقفني‪...‬من‬
‫مشاهري رواده املرحوم مكاوي سعيد واملهندس الفنان ناجي‬
‫الشناوي املغرم باملكان ووجوهه واملالك أللبوم فريد لزهرة‬
‫البستان وروادها ‪...‬‬

‫فضاء بن رشيق‬
‫صالون أديب نايشء تؤثثه وترشف عليه املبدعة واالعالمية سامح‬
‫قصد الله‬
‫بالقرب من ميدان طلعت حرب ومقهى ريش تجد مقهى زهرة‬
‫البستان ىف شارع جانبى ضيق حامالً الفتة كتب عليها «ملتقى‬
‫األدباء والفنانني»‪....‬‬
‫وكانت بدايات توافد األدباء والفنانني عىل مقهى البستان‬
‫ىف الستينيات‪...‬بات الفضاء موسوما برواده من كتاب وفنانني‬

‫محور العدد القادم‬

‫محور العدد القادم ‪:‬‬

‫اإلقصاء كظاهرة معرقلة لمستقبل‬
‫المجموعة البشرية‬
‫البريد االلكتروني ‪manaratculturel@gmail.com :‬‬

‫المدير المسؤول‬

‫نورالدين الطبوبي‬

‫المدير‬

‫أسرة التحرير‬

‫سامي الطاهري‬

‫ منتصر الحملي ‪ -‬رشيدة الشارني ‪ -‬حسني عبد الرحيم ‪ -‬سعدية بن سالم‬‫إشراف وتنسيق ‪ :‬محمد الجابلي‬
‫اإلخراج الفني ‪ :‬محمد كريم السعدي‬
‫السحب ‪ :‬مطبعة دار األنوار ‪ -‬الرشقية ‪ -‬تونس‬

‫املقر ‪ 41 :‬شارع عيل درغوث ‪ -‬تونس ‪ - 1001‬الهاتف ‪ / 71 330 291 - 71 255 020 :‬الفاكس ‪- 71 355 139 :‬‬
‫العنوان االلكرتوين ‪ - manaratculturel@gmail.com :‬الحساب الجاري بالربيد ‪300 - 51 :‬‬

‫‪3‬‬

‫الخميس ‪ 13‬ديسمرب ‪ - 2018‬املوافق لـ ‪ 6‬ربيع الثاين ‪ - 1440‬العدد ‪74‬‬

‫راحلون لكنهم في الذاكرة والوجدان‬

‫علي العزيزي ‪1‬‬

‫جلّول ع ّزونة‬
‫«الك ّتاب ينسحبون وال ميوتون»‬
‫قالها مصطفى الفاريس يف أربعين ّية الفقيد ‪ :‬د‪ .‬مح ّمد‬
‫فريد غازي (دار الثقافة ابن خلدون‪)1961 :‬‬
‫مت ّر هذه األيّام‪ ،‬الذكرى الثانية عرش لوفاة أخينا وصديقنا‬
‫القاص والروايئ‪ ،‬ومن أ ّول‬
‫الفقيد‪ ،‬عىل العزيزي الناقد و ّ‬
‫املنتسبني لرابطة الكتاب األحرار‪ .‬ونحن إذ نستذكره‪.‬‬
‫وخصوصا وفاءه ملا ارتضاه‬
‫فإنّنا نذكر مواقفه واستقامته‬
‫ً‬
‫لنفسه من انتامء ملسقط ر أسه وانحيازه للفقراء‬
‫وامله ّمشني واملعذّبني يف األرض‪ ،‬ال يتنكّر ألصله ومنبته‪.‬‬

‫مؤلّفاته‪:‬‬
‫زهرة الثلوج (مجموعة قصصيّة ‪( 1997 :‬دمدوم للكتب والنرش ‪106 -‬ص) تحتوي‬
‫قصة زهرة الثلوج يف الحياة الثقافيّة‪.‬‬
‫املجموعة عىل ‪ 10‬أقصوصات) نرش ّ‬
‫جاءت األقصوصة األوىل تحت عنوان ‪ :‬املوت يف الخريف‪ ،‬وهي لوحة اجتامع ّية‬
‫تص ّور أعزبًا وحيدًا يحلم بالدفء وباملرأة‪ ،‬وأ ّمه عجوز يف إطار فقر مدقع وواقع‬
‫مد ّمر‪.‬‬
‫قصة فتاة‬
‫وأ ّما األقصوصة الثانية فعنوانها هو عنوان املجموعة القصصيّة وتحيك ّ‬
‫خادمة أصيلة عني دراهم‪ ،‬يغتصبها س ّيدها بينام زوجة هذا األخري تخونه بدورها‪.‬‬
‫وهذه األقصوصة لوحة من األدب الواقعي‪.‬‬
‫وقد لجأ العزيزي إىل استعامل اللهجة الدارجة التونسيّة يف الحوار مماّ يزيد يف‬
‫ارتباط األديب بواقعة‪ ،‬يف اختيار واعي من املؤلّف النتامئه‪ ،‬وتستم ّر األّقاصيص‬
‫األخرى عىل هذا املنوال‪ ،‬يقول املؤلّف عن قصصه هذه‪:‬‬
‫«هذه القصص القصرية مستوحاة من حياة املنبوذين والشوا ّذ م ّمن يعيشون‬
‫الرغبة واألمل واملعاناة‪ .‬وإ ّن أسمى ما تهدف إليه هو تجاوز السائد وتحطيم‬
‫القيود ومواجهة الرعب اليومي والتصدّي ألشكال املوت الذّي يقيض عىل كلّ‬
‫يشء‪[ ».‬انظر جريدة الرأي العا ّم‪ ،‬مقارنة بني قصة العزيزي وفيلم ريح الفرنان‬
‫لنور الدّين الورغي ‪.20/01/1998‬‬
‫أجنحة الصمت‪ :‬رواية ‪ -‬طبع عىل نفقة املؤلّف (‪ 124‬صفحة ‪ -‬تونس ‪.)2001‬‬
‫وجاء يف إهدائها ‪ »:‬إىل وطني‪ ...‬وطني الذّي عشقته بال حدود‪»...‬‬
‫يقول الراوي يف هذه الرواية‪:‬‬
‫«ما أعمق تلك اللحظات‪ ،‬لحظات الصمت الحبىل باملعاين الناطقة! إذ كلّ صوت‬
‫أخرس يخرج من باطن ّهذه املرأة ممتز ًجا مبوسيقى القلب والروح‪ ،‬ليشيّد قصو ًرا‬
‫من األماين يف ويشتعل نريانًا من األحاسيس يف وجداين‪ ،‬إنّه غذاء وجودي يغعمه‬
‫نشوة وانتصا ًرا‪ .‬ما أغرب هذه املرأة تتدبر األصوات دون النطق بها‪ ،‬وتزنها مبيزان‬
‫العقل‪ ،‬فتفعل يف جسدي وكياين فعل السحر!‬

‫بحث أكادميي حول الس ّد ملحمود املسعدي‪.‬‬
‫الضحك واإلضحاك يف أدب عىل الدوعاجي من خالل‪ :‬جولة بني حانات البحر‬
‫املتوسط وسهرت منه الليايل‪.‬‬
‫ّ‬
‫وقد أهدى بحثه الجامعي هذا إىل زوجته وإىل ابنيه ظافر ونضال‪ .‬وجاء يف حوايل‬
‫‪80‬صحفة وطبعه يف الرشكة التونسيّة للنرش وتنمية فنون الرسم ‪ -‬وعىل الغالف‬
‫صورة كاريكاتوريّة لعيل الدوعاجي وهو معتليًا سفينة صغرية‪ ،‬يجدف بها ‪ -‬وهي‬
‫من رسم عيل العبيد‪.‬‬
‫وخصوصا إىل هرني بارقسون‬
‫اإلضحاك‬
‫و‬
‫الضحك‬
‫ات‬
‫ي‬
‫نظر‬
‫إىل‬
‫وقد رجع يف بحثه‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫‪ H.Bergson‬يف كتابه الضحك ‪ - Le rire‬ورجع كذلك إىل الرسومات‬
‫الكاريكاتوريّة العديدة لعيل الدوعاجي نفسه‪ .‬وعديد املصادر واملراجع بالعربيّة‬
‫ّوالفرنس ّية‪ ،‬وقد س ّجل بفضل فكره الناقد بعض املآخذ عىل الدوعادي وحلّل‬
‫مواقف املؤلّف اجتامع ًّيا وسياس ًّيا‪.‬‬
‫وهذا البحث مكّنه من الحصول عىل شهادة التع ّمق يف البحث الجامعي‬
‫(الدكتوراه) سنة ‪.1994‬‬
‫وقد ساهم عيل العزيزي يف التعريف بعيل الدوعاجي ضمن املوسوعة التونس ّية‬
‫التّي أصدرتها بيت الحكمة بفصل عميق (الجزء الثاين ‪ -‬من ص ‪ 38‬إىل ص‬
‫‪)2013 - 43‬‬
‫[البحث الجامعي ت ّم بإرشاف توفيق بكّار‪ :‬جدليّة الج ّد والهزل]‪.‬‬
‫بعض مقاالته‪:‬‬
‫اللص والكالب‬
‫و‬
‫كامي‬
‫أللبري‬
‫الغريب‬
‫ايتي‬
‫و‬
‫ر‬
‫يف‬
‫ووظائفه‬
‫ّياته‬
‫ل‬
‫اإلغرتاب‪ :‬تج‬
‫ّ‬
‫لنجيب محفوظ ‪ -‬قصص عدد ‪ - 141‬جويلية ‪( 2007‬من ص ‪ 93‬وما بعدها)‬
‫وقصص عدد ‪ 143‬جانفي ‪( 2008‬من ص ‪ 105‬وما بعدها)‪.‬‬
‫القرية يف رواية عرس الزين للط ّيب صالح ‪ -‬مجلّة املسار عدد ‪ - 21 - 20‬جويلية‬
‫‪( 1994‬من ص ‪ 83‬إىل ص ‪.)87‬‬
‫[هذا العدد من املسار مل يوزّع الحتوائه دراسة ض ّد التطبيع مع ارسائيل لجلّول‬
‫ع ّزونة]‪.‬‬
‫الرتسل‪ ،‬عرض نقدي لكتاب طاووس حا ّجي بالط ّيب ‪ :‬إىل القارئ إىل‬
‫تط ّور ف ّن ّ‬
‫القارئة ورسائل أخرى‪ - ،‬الصحافة ‪ -‬ورقات ثقاف ّية ‪ 16 -‬أفريل ‪ 2004‬ص ‪.II‬‬
‫ماريا فرنكا وحضارة الصحراء‪ ،‬رشوق اإلبداع (جريدة الرشوق ‪ 21‬أفريل ‪2005‬‬
‫ص ‪[ )9‬مجموعة ماريا فرنكا اإليطاليّة بعنوان ‪ :‬غزالة الصحراء]‪.‬‬
‫مسألة تعريب العلوم الطب ّية‪ ،‬الصحافة‪ ،‬ورقات ثقاف ّية ‪ 14‬جانفي ‪ 2005‬ص ‪.I‬‬
‫وطب العيون بالعرب ّية انطالقًا من‬
‫الطب النفيس ّ‬
‫(مقاالن اثنان‪ ،‬حول تدريس ّ‬
‫تجربة األستاذين سليم عماّ ر ورضا مربوك)‪.‬‬
‫عىل الدوعاجي‪ :‬قالدمية الذّي عاش يتم ّنى يف «عنبة»‪.‬‬
‫جريدة العقد ‪ 14‬جوان ‪ 2005‬ص ‪.14‬‬
‫تعريب‪:‬‬

‫كتاب ‪ :‬أرسار دار باش حانبة ملاريا فرانكا مارتينو (تونس ‪ 99 )2005‬صحفة ‪-‬‬
‫باإليطال ّية و ‪64‬ص بالعرب ّية‪.‬‬
‫كتاب عن مدينة دوز‪.‬‬
‫حوار معه‪ :‬أكتب يف اتّجاه إيجايب لبناء الحياة ‪ -‬امللحق الثقايف لجريدة الحريّة‬
‫‪ 10‬مارس ‪ - 2005‬ص ‪ 1‬وص ‪.3‬‬
‫[ومماّ قاله ‪ »:‬النقد واإلبداع توأمان ال ينفصالن»‪.‬‬
‫و «الحريّة هي املعنى الحقيقي للوجود»]‪.‬‬
‫شهادة عنه‪:‬‬
‫القصة بتاريخ ‪ 27‬جانفي ‪ 2007‬وشارك فيها كلّ‬
‫قدّمها الهادي الغابري يف نادي ّ‬
‫من‪ :‬مصباح بوجبيل‪ ،‬أحمد م ّمو‪ ،‬مح ّمد الجابليّ ‪ ،‬عمر سعيدي‪ ،‬صالحة الجاليص‪،‬‬
‫الرسام اليعقويب بحضور‬
‫رضوان الكوين‪ ،‬يوسف عبد العاطي‪ ،‬النارص التومي و ّ‬
‫زوجة الفقيد ‪ ،‬السيّدة منرية‪.‬‬
‫الخامتة‪:‬‬
‫«مات عيل العزيزي واقفًا»‪ ،‬حسب عبارة مح ّمد الجابليّ الذّي يضيف‪« ،‬إنّه بدو ّي‬
‫منغمسا‬
‫مفجوع بإيقاع املدينة‪ ...‬كان صادقًا وشاهدًا عىل مرحلة ‪ ...‬كان يعيش‬
‫ً‬
‫يف حدث ما‪ ،‬ويعكس يف ذاته ذلك الحدث ‪ ...‬إ ّن هناك مسافة قريبة جدًّا بني‬
‫ما يعيش وما يكتب»‪.‬‬
‫وقد نظّمت رابطة الكتّاب األحرار أربعين ّية املرحوم عيل العزيزي مبق ّر منظّمة‬
‫‪( Altaler‬ألتلري) يوم ‪ 9‬ديسمرب ‪ 2006‬شارك فيها كلّ من‪ :‬مح ّمد الجابليّ ‪ ،‬الحبيب‬
‫الحمدوين‪ ،‬جلّول ع ّزونة‪ ،‬هادية بن رجب‪ ،‬السيّدة منرية زوجة الفقيد‪ ،‬عيل بيّه‪،‬‬
‫الرسام اليعقويب‪ ،‬صالحة الجاليص‪ ،‬عادل املعيزي وخرية الع ّبايس‪ ،‬ومماّ قاله زميله‬
‫ّ‬
‫الرسام اليغقويب‪:‬‬
‫وجاره‬
‫ّ‬
‫«زمانهم زمن الظلمة‬
‫وزمانه زمن الشمس»‬
‫ومماّ قالته عنه زوجته‪« :‬أسبوع وحيد قبل وفاته‪ ،‬نهض من نومه وأنفاسه ض ّيقة‬
‫وقال إنّه رأى يف أحالمه نفق املوت مثل شكل «القمع» نقطة صغرية يف آخر‬
‫وكنت متو ّجها نحوها»!؟‬
‫املسار‪ُ ،‬‬
‫قصته‪ :‬جرمية يف الحلفاوين (ضمن مجموعته زهرة الثلوج) كتبها عن‬
‫وعن ّ‬
‫نص‬
‫الشخص ّية الشعب ّية‪ :‬عيل شو ّرب ‪ -‬وقد غضب أحد املسؤولني بالحلفاوين عن ّ‬
‫نص األقصوصة من ص ‪ 83‬إىل ص ‪.)94‬‬
‫العزيزي غض ًبا شديدًا (انظر ّ‬
‫رحم الله كاتبنا‬

‫على ضفاف قرطاح لللمسرح‪:‬‬
‫راحلون لكنهم في الذاكرة والوجدان (‪)2‬‬

‫املثقف واملسرحي يحيى يحيى‬
‫(‪9‬أفريل ‪1957/22‬أكتوبر ‪)2015‬‬

‫يحيى املثقف الودود‪ ،‬صديق الجميع‪ ،‬ال ميكن لشوارع تونس‬
‫أن تتخذ مالمحها بدون تلك الخطى الواثقة ‪...‬تراه يف كل‬
‫الفضاءات وامللتقيات مبالمحه الهادئة يوزع االبتسام والتحية ‪...‬‬
‫اسس سنة ‪ 1983‬مرسح الحلقة بتونس و قام بالعديد من‬
‫املرسحيات منها مرسحية فاوست (سنة ‪ )1984‬و مرسحية‬
‫موسم الهجرة اىل الشامل‪( ‬سنة ‪ )1985‬ومرسحية غربة (سنة‬
‫‪ )1987‬و مرسحية باب العرش (سنة ‪ )1989‬ومرسحية الف الم‬
‫ميم (سنة ‪ )1991‬و مرسحية تارمينوس (سنة ‪...) 2006‬‬
‫اسس سنة ‪ 2005‬تجربة مرسحية منوذجية ‘’ لقاء يف العتمة’’ يف‬
‫اطار نشاط االتحاد الوطني للمكفوفني اين كان يشغل منصب‬
‫رئيس قسم الثقافة واالنتاج ‪...‬‬
‫تحمل خالل ثالث دورات منذ سنة ‪ 1987‬مسؤولية الكاتب‬
‫العام للجامعة التونسية ملرسح الهواية وساهم يف تأسيس‬
‫االتحاد املغاريب ملرسح الهواة ‪ ‬واخرج عمال مرسحيا مغاربيا‬
‫اين جمع عديد املمثلني و املبدعني الهواة من املغرب و الجزائر‬

‫وتونس‪.‬‬
‫شارك يف و ارشف عىل العديد من الرتبصات و الورشات‬
‫الفنية و التكوينية الثقافية‪ ،‬كام شارك يف تنظيم العديد من‬
‫املهرجانات و امللتقيات املرسحية الوطنية عىل رأسها مهرجان‬
‫قربة الوطني ملرسح الهواة‪ ،‬عني كعضو لجان التحكيم يف‬
‫العديد من التظاهرات و املسابقات»‪...‬‬
‫غادرنا منذ سنوات ‪ 22‬أكتوبر ‪ 2015‬لكن روحه كام ذكراه بيننا‬
‫‪...‬من عالمات مدينتنا مبا فيها من حزن وفرح ومن آمال ممكنة‬
‫أو مستحيلة ‪...‬نكاد نلقاه يف كل آن وخاصة يف أيام قرطاج‬
‫املرسحية هو املسكون بالفرح والفن بل بكل ما ميكن أن يكون‬
‫جميال يف ربوعنا ‪...‬‬
‫ونحن بٌعيد ذكراه الثالثة ألف رحمة وسالم لروحه كان طريفا‬
‫يف يف رصانته أذكر أنه حياين ذات يوم من سنة ‪ 2000‬وقال بني‬
‫الجد والهزل انتظرت أن تهديني نسخة من «مرايفء الجليد»‬
‫هممت باإلعتذار لكنه ابتسم وسحب نسخة من جيبه وقال ‪:‬‬

‫ال عليك اشرتيتها من نهج الدباغني بدينار ونصف ‪ ،‬وبإهدائها‬
‫كذلك‪ ،‬وكان اإلهداء مغطى «بالبالنكو» واجتهدنا معا يف‬
‫معرفة صاحب االسم املخفي وخمنا يف الفرضيات املمكنة‬
‫لذلك املقلب الطريف ‪....‬‬
‫نستعيد مقطعا من نص للفقيد يف مئوية املرسح التونيس (نرش‬
‫يف الرشوق ‪:)11/2009‬‬
‫«‪...‬هذه التجارب اآلن ال يدخل ضمن هذه الورقة‪ ،‬فإن ما‬
‫نو ّد التأكيد عليه هو تنوع الخطاب املرسحي يف مرحلة‬
‫الثامنينات وأوائل التسعينيات‪ ،‬فالفضاء الثقايف كان فضاءا‬

‫رحبا استوعب كل االتجاهات واملدارس ومكن كل املبدعني من‬
‫حيز تعبريي بكل الصيغ‪ ،‬وأتاح أيضا فرصا لكثري من املبدعني‬
‫الشبان من اإلعالن عن وجودهم‪ ،‬فربزت عديد التجارب النرية‬
‫واملتميزة برشت مبيالد جيل جديد استوعب تجربة السلف‬
‫وأقدم عىل تطوير تجربته الخاصة‪ ...‬فتأسست عىل خلفية‬
‫كل ما ذكر جمعيات تحمل رؤى متنوعة ورائدة تتوىل إصدار‬
‫نرشيات داخلية وتنظيم ملتقيات وندوات يف محاور عديدة‬
‫ترمي اىل نرش الثقافة املرسحية بني منخرطيها أوال‪ ،‬ومتكني‬
‫املمثلني الناشطني من زاد معريف يسند مغامراتهم الركحية‪...».‬‬
‫«منارات»‬

‫‪4‬‬

‫الخميس ‪ 13‬ديسمرب ‪ - 2018‬املوافق لـ ‪ 6‬ربيع الثاين ‪ - 1440‬العدد ‪74‬‬

‫في ّ‬
‫الذكرى الواحدة والخمسين الغتيال ال ّثائر أرنستو تشي غيفارا‬

‫الـ تشي* شهادة الرّئيس الجزائريّ األسبق أحمد بن ب ّلة‬
‫هكذا كان ْ‬
‫ترجمة‪ :‬املنترص الحميل‬

‫منذ ثالثني سنة‪ ،‬وتيش غيفارا يوقظ ضامئرنا‪ .‬فوق ال ّزمان‬
‫واملكان‪ ،‬نصغي إىل نداء تيش الّذي يحثّنا عىل ال ّر ّد‪ :‬نعم‪،‬‬
‫الثّورة وحدها ميكنها أحيانا أن تجعل من اإلنسان كائنا‬
‫من نور‪ .‬هذا ال ّنور رأيناه يتو ّهج يف جسده العاري‬
‫الصور‬
‫املمدود يف مكان ما يف عمق ننكاهووازو‪ ،‬يف تلك ّ‬
‫الّتي نرشت يف صحف جميع أصقاع العامل‪ ،‬بينام متيض‬
‫رسالة نظرته األخرية متغلغلة يف أعامق ال ّنفس‪ .‬كان تيش‬
‫شجاعا‪ ،‬ولك ّنه شجاع واع‪ ،‬بجسد أنهكه ال ّربو‪ .‬كنت أصطحبه أحيانا‬
‫إىل مرتفعات رشيّة‪ ،‬فوق مدينة‪ ‬البليدة‪ ،‬عندما تعرتيه األزمة وتصبغ‬
‫وجهه بلون ضارب إىل الخرضة‪ .‬من قرأ كتابه «يوميات بوليفيا» يعلم‬
‫بأ ّي ص ّحة تالفة كان عليه أن يواجه املحن الجسديّة وال ّنفسيّة ال ّرهيبة‬
‫الّتي مألت طريقه‪ .‬‬
‫من املستحيل الحديث عن تيش دون الحديث عن‪ ‬كوبا‪ ‬وعن‬
‫العالقات املخصوصة الّتي كانت بيننا‪ ،‬مبا أ ّن تاريخه وحياته قد ارتبطا‬
‫بهذا البلد الّذي كان بال ّنسبة إليه مبثابة وطنه الثّاين قبل أن مييض إىل‬
‫حيث تناديه الثّورة‪.‬‬
‫تع ّرفت عىل أرنستو تيش غيفارا عش ّية أزمة الخريف العامل ّية‬
‫الصواريخ وبالحصار الّذي‬
‫يف سنة ‪ 1962‬املرتبطة مبسألة ّ‬
‫فرضته‪ ‬الواليات‪ ‬املتّحدة عىل‪ ‬كوبا‪ .‬كانت‪ ‬الجزائر‪ ‬قد حازت مؤ ّخرا عىل‬
‫استقاللها‪ ،‬وتشكّلت للتّ ّو حكومتها األوىل‪ ،‬ومبا أنيّ كنت رئيسا لتلك‬
‫الحكومة‪ ،‬كان ع ّيل أن أحرض يف شهر سبتمرب من سنة ‪ 1962‬بنيويورك‪ ‬يف‬
‫مجلس منظّمة‪ ‬األمم‪ ‬املتّحدة املنعقد من أجل ال ّرفع ال ّرمز ّي للعلم‬
‫تجسد انتصار نضال تح ّررنا‬
‫الجزائر ّي‪ ‬عىل مق ّرها‪ ،‬كانت االحتفاليّة ّ‬
‫الوطني ودخول‪ ‬الجزائر‪ ‬يف مجتمع األمم‪ ‬الح ّرة‪.‬‬
‫ّ‬
‫السفر‬
‫يكون‬
‫أن‬
‫ر‬
‫ر‬
‫ق‬
‫قد‬
‫الوطني‬
‫حرير‬
‫ت‬
‫ال‬
‫لجبهة‬
‫يس‬
‫يا‬
‫الس‬
‫املكتب‬
‫كان‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ ّ‬
‫ّ‬
‫إىل‪ ‬األمم‪ ‬املتّحدة متبوعا بزيارة إىل‪ ‬كوبا‪ .‬وكان األمر أكرث من مج ّرد‬
‫السياسيّة‪ .‬فالجزائر تريد‬
‫زيارة‪ ،‬إنّه تعبري عن نيّة صادقة عىل التزاماتنا ّ‬
‫أن تربز إىل العلن تضامنها املطلق مع الثّورة الكوبيّة خصوصا يف تلك‬
‫اللّحظات العصيبة من تاريخها‪.‬‬
‫عندما دعيت إىل البيت األبيض يف صباح ‪ 15‬أكتوبر ‪ 1962‬أجريت‬
‫مناقشات رصيحة وساخنة مع ال ّرئيس جون كينيدي بخصوص‪ ‬كوبا‪.‬‬
‫السؤال املبارش‪« :‬هل أنت متّجه نحو رصاع مع‪ ‬كوبا‬
‫وحني طرحت عليه هذا ّ‬
‫‪HYPERLINK «https://www.turess.com/city/%D9%83%‬‬
‫‪»D9%88%D8%A8%D8%A7‬؟‪HYPERLINK «https://www.‬‬
‫‪ »»turess.com/city/%D9%83%D9%88%D8%A8%D8%A7‬مل‬
‫يرتك مجاال ّ‬
‫الصواريخ‬
‫للشك يف نواياه الحقيقيّة قائال‪« :‬ال‪ ،‬لو يقع سحب ّ‬
‫السوفييت ّية‪ ،‬ونعم لو يحدث العكس‪ ».‬ث ّم حاول كينيدي بإرصار أن‬
‫ّ‬
‫السفر ج ّوا مبارشة من نيويورك‪ ،‬بل وصل إىل ح ّد ذكر‬
‫عن‬
‫يثنيني‬
‫ّ‬
‫احتامل أن تتع ّرض طائرة القوات الج ّويّة الكوبيّة إىل هجوم من قبل‬
‫املعارضة الكوبيّة املستق ّرة يف‪ ‬ميامي‪ .‬وقد أجبته عىل هذه التّهديدات‬
‫املبطّنة بأنيّ كنت فالّقا وبأ ّن تهديدات الحركيني‪ ‬الجزائريني‪ ‬أو الكوبيني‬
‫ما كانت لرتهبني‪.‬‬
‫عبي‬
‫كان وصولنا إىل‪ ‬كوبا‪ ‬يوم ‪ 16‬أكتوبر يف أجواء من الفرح الشّ ّ‬
‫الّتي ال ميكن وصفها‪ .‬وكان يف الربنامج إجراء نقاشات سياسيّة يف مق ّر‬
‫الحزب بهافانا مبج ّرد وصول بعثتنا‪ .‬ولك ّن األمور جرت عىل غري هذا‬
‫ال ّنحو متاما‪ ،‬فام كدنا نضع حقائبنا يف مكان إقامتنا‪ ،‬حتّى أخذنا خالفا‬
‫للربوتوكوالت يف ال ّنقاش مع فيدال وتيش غيفارا وراوول كاسرتو وبقيّة‬
‫املسيرّ ين الّذين كانوا يرافقوننا‪.‬‬
‫ظللنا هنا نتح ّدث ساعات وساعات‪ ،‬وبطبيعة الحال‪ ،‬كنت أنقل إىل‬
‫املسؤولني الكوبيني االنطباع الّذي حصل لد ّي من مقابلتي مع ال ّرئيس‬
‫كينيدي‪ .‬ويف ختام هذه املناقشات املش ّوقة‪ ،‬انتبهنا إىل أنّنا قد أتينا‬
‫عمليّا عىل جميع برنامج املسائل الّتي كان علينا دراستها وإىل أ ّن‬
‫اجتامعنا يف مق ّر الحزب مل يعد مطروحا‪ .‬وق ّررنا معا أن من ّر إىل تنفيذ‬

‫برنامج ال ّزيارات الّتي سنقوم بها يف هذا البلد‪.‬‬
‫هذه الطّرفة تعطي فكرة عن العالقات الخالية كلّ ّيا من الربوتوكوالت‬
‫بيننا والّتي كان ينبغي لها من البداية أن تكون امليزة األساسيّة يف‬
‫الصالت‬
‫الوشائج الّتي تو ّحد بني الثّورة الكوب ّية والثّورة‪ ‬الجزائريّة‪ ،‬ويف ّ‬
‫الشّ خص ّية الّتي ربطتني بفيدال كاسرتو وتيش غيفارا‪.‬‬
‫ولقد تد ّعم هذا التّضامن بشكل رائع أثناء اإلنذار األ ّول الّذي ه ّدد‬
‫الثّورة‪ ‬الجزائريّة‪ ‬يف قضيّة تندوف يف أكتوبر ‪ .1963‬ذلك أ ّن جيشنا‬
‫الفتي‪ ،‬الّذي خرج للتّ ّو من كفاح تح ّرر ّي ومل يكن ميلك بع ُد غطاء‬
‫ّ‬
‫ج ّويّا وال ق ّوات متط ّورة تقن ّيا‪ ،‬قد هاجمته القوات املسلّحة املغرب ّية‬
‫يف امليدان الّذي ال يناسبه البتّة‪ ،‬وكان ال ميكنه أن يستخدم فيه الطّرق‬
‫الوحيدة الّتي يعرفها والّتي ج ّربها خالل نضالنا التّح ّرر ّي‪ ،‬أي حرب‬
‫العصابات‪.‬‬
‫فالصحراء بامتدادها الفسيح العاري‪ ،‬كانت بعيدة عن جبال األوراس‬
‫ّ‬
‫أو عن جرجرية أو عن شبه جزيرة كولو أو عن‪ ‬تلمسان‪ ‬الّتي كانت‬
‫ّبيعي وكان هو يعرف جميع مواردها وأرسارها‪ .‬لقد ق ّرر‬
‫محيطه الط ّ‬
‫األعداء أنّه ال ب ّد من كرس اندفاع الثّورة‪ ‬الجزائريّة‪ ‬قبل أن تصري قويّة‬
‫ج ّدا وتجرف كلّ ما يعرتضها‪ .‬وفّر لنا ال ّرئيس املرص ّي عبد ال ّنارص عىل‬
‫وجه السرّ عة الغطاء الج ّو ّي الّذي ك ّنا نفتقر إليه‪ ،‬بينام أرسل إلينا‬
‫فيدال كاسرتو وتيش غيفارا وراوول كاسرتو واملسيرّ ون الكوبيون كتيبة‬
‫من ‪ 22‬مد ّرعة وع ّدة مئات من الجنود (‪ )2‬الّذين ت ّم توجيههم نحو‬
‫بيدو‪ ‬جنوب‪ ‬سيدي بالع ّباس حيث قمت بزيارتهم‪ ،‬وكانوا مستع ّدين‬
‫لل ّدخول إىل الحلبة لو استم ّرت حرب ال ّرمال تلك‪.‬‬
‫كانت تلك املد ّرعات مج ّهزة بجهاز إنارة تحت الحمراء متكّنها من العمل‬
‫السوفييت قد سلّموها إىل‪ ‬كوبا‪ ‬برشط أالّ يقع تسليمها بأ ّي‬
‫ليال‪ ،‬وكان ّ‬
‫حال من األحوال إىل أ ّي بلد آخر حتّى لو كان بلدا شيوع ّيا مثل بلغاريا‪.‬‬
‫الصادرة من‪ ‬موسكو‪ ‬وتجاوزا للمح ّرمات مل‬
‫وبال ّرغم من تلك األوامر ّ‬
‫يرت ّدد الكوبيون يف إرسال مد ّرعاتهم لنجدة الثّورة الجزائريّة‪ ‬امله ّددة‪.‬‬
‫من املؤكّد أ ّن يد‪ ‬الواليات‪ ‬املتّحدة كانت وراء أحداث تندوف‪ ،‬فقد ك ّنا‬
‫عىل علم بأ ّن املروحيات الّتي كانت تحمل الجنود املغاربة كان يقودها‬
‫األممي‪ ‬أساسا هو نفس ال ّدافع الّذي سيحمل‬
‫أمريكيون‪ .‬وكان التّضامن ّ‬
‫يس‪،‬‬
‫املسيرّ ين الكوبيني الحقا عىل التّدخّل يف ما وراء املحيط األطل ّ‬
‫يف أنغوال وغريها‪ .‬إ ّن الظّروف الّتي حفّت بوصول تلك الكتيبة من‬
‫تستحق م ّنا أن نعيد حكايتها‪ ،‬ألنّها توضّ ح أكرث من أ ّي تعليق‬
‫املد ّرعات‬
‫ّ‬
‫آخر طبيعة عالقاتنا املتم ّيزة مع‪ ‬كوبا‪.‬‬
‫رص فيدال كاسرتو عىل‬
‫يف أكتوبر من سنة ‪ 1962‬أثناء زياريت‪ ‬لكوبا‪ ،‬أ ّ‬

‫اإليفاء بوعد‪ ‬كوبا‪ ‬لنا املتمثّل يف تقديم معونة ما ّدية تق ّدر مبليارين‬
‫من الفرنكات القدمية (‪ .)3‬وبال ّنظر إىل وضع‪ ‬كوبا‪ ‬االقتصاد ّي‪ ،‬كانت‬
‫الصعبة‪ ،‬بل س ّكرا‪ .‬ورغم رفيض‬
‫تلك األموال ستح ّول إلينا ال بالعملة ّ‬
‫ألنيّ كنت أرى يف ذلك الوقت أنّ‪ ‬كوبا‪ ‬كانت أحوج م ّنا إىل سكّرها‪ ،‬إالّ‬
‫أنّه مل يصغ إ ّيل‪.‬‬
‫بعد سنة تقريبا من ذلك ال ّنقاش‪ ،‬رست باخرة حاملة لل ّراية الكوب ّية‬
‫السكّر املوعود‪ ،‬فوجئنا بوجود عرشين دبّابة‬
‫يف‪ ‬وهران‪ .‬ومع حمولة ّ‬
‫ومئات الجنود الكوبيني القادمني لنجدتنا‪.‬‬
‫مل يكن بوسعنا بالطّبع أن نرتك الباخرة تعود إىل‪ ‬كوبا‪ ‬فارغة‪ ،‬فمألناها‬
‫مبنتجات جزائريّة‪ ،‬وأضفنا إليها بعض الخيول املغرب ّية‪ ،‬بعد أن نصحنا‬
‫السفري جورج سارقورا بذلك‪ .‬وهكذا بدأت بني بلدينا معامالت ذات‬
‫ّ‬
‫طابع غري تجار ّي‪ ،‬عىل سبيل التّضامن‪ ،‬وكانت‪ ،‬بحسب الظّروف‬
‫(والضّ غوطات)‪ ،‬عنرصا أصيال يف عالقاتنا‪.‬‬
‫كان تيش غيفارا شخص ّيا واعيا بال ّنقائص العديدة الّتي تعيق وتضعف‬
‫رض بأيّة تجربة مهام كانت‬
‫عمال ثوريّا حقيقيّا‪ ،‬وأيضا بالحدود الّتي ت ّ‬
‫ثوريّة‪ ،‬منذ اللّحظة الّتي تواجه فيها بطريقة مبارشة أو غري مبارشة‬
‫السوق واملنطق املركنتييل‪.‬‬
‫القواعد الشرّ سة لقانون ّ‬
‫لقد ن ّدد بها علنا خالل املؤمتر األفرو آسيوي املنعقد‪ ‬بالجزائر‪ ‬يف‬
‫فيفري ‪ .1965‬وباإلضافة إىل ذلك‪ ،‬كان للشرّ وط املؤملة إلنهاء‬
‫الصواريخ املنصوبة يف‪ ‬كوبا‪ ‬واالتّفاق املربم بني اإلتّحاد‬
‫قضيّة ّ‬
‫الصدد كان يل‬
‫هذا‬
‫ويف‬
‫مرير‪،‬‬
‫طعم‬
‫حدة‬
‫ت‬
‫الواليات‪ ‬امل‬
‫و‬
‫‪ ‬‬
‫وفييتي‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫الس ّ‬
‫وفييتي‪ ‬بالجزائر‪ .‬كلّ هذا‪ ،‬يضاف‬
‫الس‬
‫فري‬
‫الس‬
‫مع‬
‫ّهجة‬
‫ل‬
‫ال‬
‫شديد‬
‫حديث‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫السائد يف إفريقيا‪ ،‬كان يدعو إىل األمل باحتامالت ثوريّة‬
‫إليه الوضع ّ‬
‫كبرية‪ ،‬وجعل تيش يعترب أ ّن الحلقة الضّ عيفة لإلمربياليّة كانت موجودة‬
‫يف قا ّرتنا وأنّه ينبغي عليه من اآلن فصاعدا أن يك ّرس لها جهوده‪.‬‬
‫حاولت أن أن ّبهه إىل أنّها ربمّ ا ال تكون الطّريقة املثىل للمساعدة عىل‬
‫ال ّنضج الثّور ّي الّذي كان ينمو يف قا ّرتنا‪ .‬فلنئ كان من املمكن والضرّ ور ّي‬
‫الخارجي‪ ،‬إالّ أنّه يجب عليها أن تصنع‬
‫أن تجد ثورة مسلّحة ّما ال ّدعم‬
‫ّ‬
‫طاقاتها ال ّداخل ّية الّتي تعتمد عليها‪ .‬لك ّن هذا مل مينع تيش غيفارا من‬
‫اإلرصار عىل أن يكون التزامه كلّ ّيا وجسديّا‪ .‬وهكذا ذهب م ّرات عديدة‬
‫إىل كابندا (أنغوال) وإىل الكونغو برازافيل‪.‬‬
‫الخاصة الّتي أردت أن أضعها عىل ذ ّمته لضامن‬
‫رفض تيش الطّائرة ّ‬
‫رسيّة لتنقّالته‪ ،‬لذلك استنفرت سفراء‪ ‬الجزائر‪ ‬يف كلّ املنطقة ليك‬
‫أكرث ّ‬
‫رصفه‪ .‬رأيته م ّرات أخرى يف كلّ عودة له من أفريقيا‬
‫يكونوا تحت ت ّ‬
‫الساعات الطّوال يف تبادل األفكار‪ .‬كان يف كلّ م ّرة‬
‫السوداء وك ّنا نقضيّ ّ‬
‫ّ‬

‫‪5‬‬
‫يعود منبهرا بالثرّ اء الثّقا ّيف املدهش للقا ّرة‪ ،‬غري أنّه مل يكن راضيا عن‬
‫عالقاته باألحزاب املاركسيّة يف البلدان الّتي زارها والّتي كانت تص ّوراتها‬
‫تغضبه‪ .‬تجربة كابندا تلك مع التّجربة الالّحقة الّتي م ّر بها يف حرب‬
‫العصابات الّتي كانت تجري يف منطقة أكس ستانيل فيل(‪ )4‬خ ّيبتا ظ ّنه‬
‫كثريا‪.‬‬
‫بالتّوازي مع العمل الّذي كان يقوم به تيش‪ ،‬ك ّنا نحن نقوم بعمل‬
‫آخر يف سبيل إنقاذ الثّورة املسلّحة بغرب ال ّزايري‪ .‬فباالتّفاق مع‬
‫نياريري وعبد ال ّنارص وموديبو كايتا ونكروما وكنياتّا وسايكو توري‪،‬‬
‫كانت‪ ‬الجزائر‪ ‬تساهم من خالل إرسال أسلحة عن طريق مرص عرب‬
‫حقيقي‪ ،‬بينام تكفّلت أوغندا ومايل بتوفري إطارات عسكريّة‪.‬‬
‫جرس ج ّو ّي‬
‫ّ‬
‫مخطّط اإلنقاذ هذا رسمناه يف مرص حيث اجتمعنا بدعوة م ّني‪ ،‬وأخذنا‬
‫يف تنفيذه حني وصلنا نداء يائس من زعامء الثّورة املسلّحة‪ .‬لألسف‪،‬‬
‫ورغم كلّ الجهود الّتي بذلناها‪ ،‬كان تدخّلنا متأ ّخرا ج ّدا‪ ،‬وقام من اغتالوا‬
‫باتريس لوممبا بإغراق تلك الثّورة يف ال ّدم‪.‬‬
‫أثناء إحدى إقاماته‪ ‬بالجزائر‪ ،‬أبلغني تيش غيفارا بطلب من فيدال‬
‫كاسرتو‪ ،‬فباعتبار أنّ‪ ‬كوبا‪ ‬كانت تحت حصار مش ّدد‪ ،‬مل يكن من املمكن‬
‫تنظيم نقل أ ّي يشء باتّجاه أمريكا الالّتين ّية إليصال أسلحة وإطارات‬
‫عسكريّة ت ّم تدريبها يف‪ ‬كوبا‪ ،‬فهل بإمكان‪ ‬الجزائر‪ ‬أن تنوبها يف هذه‬
‫امله ّمة؟ ليست املسافة عائقا كبريا‪ ،‬بل هي عىل العكس من ذلك‪،‬‬
‫بإمكانها أن تلعب دورا مفيدا يف السرّ ّ يّة الّتي كانت رشطا لنجاح‬
‫عمل ّية بتلك األه ّم ّية‪ .‬كان جوايب بالطّبع «نعم» فوريّا‪ .‬ويف الحال‪ ،‬بدأ‬
‫وضع هيكلة استقبال الحركات الثّوريّة ألمريكا الالّتينيّة‪ ،‬تحت املراقبة‬
‫املبارشة من تيش غيفارا‪ ،‬ورسعان ما انتقل ممثّلو جميع تلك الحركات‬
‫إىل‪ ‬الجزائر‪ ،‬حيث التقيت بهم يف العديد من امل ّرات برفقة تيش‪ .‬واستق ّر‬
‫مجلس قيادة يض ّم مختلف تلك الحركات يف مرتفعات‪ ‬الجزائر‪ ‬يف فيالّ‬
‫كبرية محاطة بحدائق ك ّنا قد ق ّررنا تخصيصها لهم رمزيّا‪ .‬كانت تلك‬
‫الوطني‪،‬‬
‫الفيالّ املسماّ ة سوسيني مكانا مشهورا‪ ،‬فطوال كفاح التّح ّرر‬
‫ّ‬
‫كان مركزا للتّعذيب لقي فيه العديد من املناضلني واملناضالت حتفهم‪.‬‬
‫قال يل تيش غيفارا ذات يوم‪« :‬أحمد‪ ،‬لقد تلقّينا للتّ ّو رضبة قاسية‪،‬‬
‫فقد ت ّم إلقاء القبض يف الحدود بني بلد ما وبلد آخر (نسيت اسميهام)‬
‫عىل رجال تد ّربوا يف فيالّ سوسيني‪ ،‬ولد ّي خشية من أن يعرتفوا تحت‬
‫رس املكان الّذي‬
‫التّعذيب‪ ».‬كان شديد القلق ويخىش من أن يفىش ّ‬
‫كانت تدبّر فيه األعامل العسكريّة وأن يكتشف األعداء الطّبيعة‬
‫الحقيقيّة لرشكات التّوريد والتّصدير الّتي أنشأناها يف أمريكا‪ ‬الجنوبيّة‪.‬‬
‫غادر تيش غيفارا‪ ‬الجزائر‪ ‬عندما حدث االنقالب العسكر ّي يوم ‪ 19‬جوان‬
‫‪ 1965‬وقد سبق له أن حذّرين منه‪ .‬إ ّن مغادرته للجزائر ث ّم موته يف‬
‫السياق‬
‫بوليفيا وغيايب أنا طيلة خمس عرشة سنة يجب أن تدرس كلّها يف ّ‬
‫اريخي الّذي يؤ ّرخ لحالة الجزر الّتي حدثت بعد مرحلة نضاالت‬
‫التّ ّ‬
‫التّح ّرر املظفّرة‪ .‬ذاك الجزر الّذي قرع أجراس ال ّنهاية‪ ،‬بعد اغتيال‬
‫لوممبا‪ ،‬لألنظمة التّق ّدم ّية يف العامل الثّالث ومن ضمنها أنظمة نكروما‬
‫وموبيدو كايتا وسوكارنو وعبد ال ّنارص الخ‪.‬‬
‫إ ّن تاريخ ‪ 9‬أكتوبر ‪ 1967‬املنقوش بحروف من نار يف ذاكراتنا‪ ،‬يعود بنا‬
‫إىل يوم ال مثيل له يف الحزن بال ّنسبة إىل سجني وحيد مثيل‪ ،‬يف وقت‬
‫تذيع فيه أجهزة ال ّراديو موت أخي ويغ ّني أعداؤنا الّذين حاربناهم‬
‫سويّا أغنية انتصارهم املشؤومة‪ ،‬ولكن بقدر ما ننأى عن ذاك التّاريخ‬
‫بحيث تتالىش من الذّاكرة الظّروف الّتي أ ّدت إىل نهاية حرب العصابات‬
‫يف ذلك اليوم يف ننكاهووازو‪ ،‬تزداد ذكرى تيش حضورا يف ذهن أولئك‬
‫الّذين يناضلون ويحلمون‪.‬‬
‫‪-----------------------------------‬‬‫الهوامش‬
‫* املقال منشور مبجلّة‬
‫‪ Manière de voir‬عدد مزدوج جويلية أوت ‪ 1998‬ص ‪ 88-89‬‬
‫‪La Dé�L‬‬
‫‪1‬‬
‫‪ ، couverte‬باريس‪.1995 ،‬‬
‫‪ - 2‬كان هؤالء الجنود تحت إمرة املق ّدم أفيجنيو أمايجرياس‪ ،‬الّذي الزم‬
‫منذ البداية فيدال وتيش‪ ،‬وكان رئيس البوليس الثّوري الكويب األسبق‪.‬‬
‫‪ - 3‬يساوي ‪ 20‬مليون فرنكا فرنس ّيا يف ذلك الوقت‪.‬‬
‫‪ - 4‬هي حاليّا كيسانقني‪ ،‬يف جمهوريّة الكونغو ال ّدميقراطيّة (ال ّزايري‬
‫سابقا)‪ .‬‬

‫الخميس ‪ 13‬ديسمرب ‪ - 2018‬املوافق لـ ‪ 6‬ربيع الثاين ‪ - 1440‬العدد ‪74‬‬

‫معطيات أولية حول ضرورة الثورة‬
‫الثقافية باملجتمعات العربية(‪)1‬‬
‫محمد صالح التومي‬
‫مام ال شك فيه أن مجتمعات الوطن‬
‫العريب(‪ )2‬تخضع لبنى ثقافية‬
‫ماضوية ناتجة عن القراءة اإلقطاعية‬
‫للمنتوج القيمي والثقايف لساكنة(‪)3‬‬
‫هذا الوطن ‪ ،‬مبايف هذه القراءة من‬
‫خضوع خاطئ لألقدار وإنكار لدور‬
‫العقل ومعارضة لحيز الحرية املتاح‬
‫لإلنسان أثناء مغامرة وجوده‪،‬‬
‫ومام ال شك فيه أيضاً أن هذه‬
‫البنى املاضوية تتشابك مع بنى‬
‫ثقافية حداثوية أنتجها االخرتاق‬
‫اإلمربيايل املتصهني(‪ )4‬للحياة الرتيبة‬
‫ملجتمعاتنا ‪...‬تلك الحياة الرتيبة التي كانت تعيش ضمنها‬
‫هذه املجتمعات والزالت منذ انحدارها الحضاري إىل غاية‬
‫اصطدامها املتواصل باالستعامر وبناه الفوقية الجديدة مبا يف‬
‫هذه البنى الجديدة‪:‬‬
‫* من فردانية منكرة للتعاون‪ *،‬وعبادة للامل متعارضة مع‬
‫القيم‪ *،‬وانتهاز لكل الفرص مهام كان فسادها مادامت تؤدي‬
‫إىل الربح‪.‬‬
‫إن هذا الخليط قد ولد حالة ثقافية بائسة هي التي أنتجت‬
‫يف املنتهى مانعانيه اليوم من مظاهر مزرية تخلق موجة‬
‫ثقافية ‪...‬منحطة ولكن أيضا متف ِّجرة‪:‬ترتاوح بني االنحالل‬
‫والتدوعش( نسبة إىل داعش)‪ ،‬ويلتقي فيها االتكال واحتقار‬
‫قداسة العمل مع التحيل‪ ،‬ويتزامن فيها الخنوع مع نوبات‬
‫االنتفاض غري مدروس النتائج‪ ،‬ويتجاور فيها العري الفاضح‬
‫مع التنقّب( نسبة إىل النقاب)‪ ،‬وترتافق فيها اإلباحية‬
‫الرصيحة مع «جهاد النكاح»‪ ...‬وكل هذه التناقضات تقع‬
‫ترجمتها يف صيغتها العامة يف الرتاوح بني‪:‬‬
‫التمسك بقشور املايض دون لبّه‪ ،‬وبني محاولة‬
‫إدراك قشور الحداثة دون جوهرها‪...‬ومن املفارقات‬
‫أن هذا الرتاوح والتناقض قد نجده حتى داخل‬
‫سلوك الفرد الواحد وحتى داخل العائلة الواحدة‪،‬‬
‫كام نجده داخل الجامعات املهنية والفئات والطبقات‬
‫االجتامعية‪،‬فيخلق واقعا غريبا ومتداخال نحن كلنا صانعوه‬
‫عند النهاية ولكننا ضحاياه يف نفس اآلن‪ ...‬ونحن نقول عىل‬
‫وجه التخصيص إننا ضحاياه ‪ ...‬ألن القوى املهيمنة عىل‬
‫الكون تتدخل يف هذه األوضاع‪ :‬لتفرض إرادتها عىل إرادتنا‪،‬‬
‫ولتنهب خرياتنا ونحن ذاهلون أمامها‪،‬ثم إنها من خالل ذلك‬
‫كله تعمد إىل تسيري دفة وجودنا يف اإلتجاه الذي يُيسرِّ ه لها‬
‫تفوقها العلمي والتقني واالقتصادي‪ ...‬ويدفعها إليه نزوعها‬
‫القوي نحو النهب الذي «يحتّمه» عليها أخذها بالنظام‬
‫الرأساميل الليربايل يف مختلف مراحل تشكله عرب الزمان منذ‬
‫نشوئه‪ ...‬وهي األشكال التي تتواصل عىل أيامنا يف السياسات‬
‫العوملية‪.‬إن أوضاعا كهذه تدعو إىل بذل جهود مضاعفة يف‬

‫ميدان الفعل الثقايف املقاوم‪...‬‬
‫بغاية إخراجنا من كل هذا البؤس‪...‬‬
‫بل إنها تدعو إىل ثورة ثقافية حقيقية كان‬
‫رواد ال َّنفَس األول للنهضة العربية قد‬
‫عملوا عىل إحداثها يف نطاق ما ميكنهم‬
‫زمانا ومكانا‪ ...‬دافعني الثمن من أجل‬
‫ذلك‪...‬ومازال املتنورون اآلن يعملون‬
‫يف ظروف معقدة عىل بعث النفس‬
‫الثاين واملتطور لهذه النهضة‪ ...‬دافعني‬
‫الثمن كذلك من حني إىل آخر؛ فلتتضافر‬
‫جهود الجميع‪...‬بوعي مضاف‪ ...‬وكل من‬
‫موقعه‪ ...‬ألنه حيث يكون املناضل تكون‬
‫هناك ساحة لنضال(‪ ...)5‬وذلك إلحداث‬
‫هذه الثورة الثقافية املرتجاة حتى تعانق جهود ساكنة الوطن‬
‫العريب جهود األمم والشعوب األخرى يف الفعل الرامي إىل‬
‫نحت معامل اإلنسان الجديد املتحرر من نوازع األنا املريض‬
‫‪ ...‬تلك النوازع املسؤولة دامئا عن خلق سياسات استغالل‬
‫اإلنسان ألخيه اإلنسان وسياسات هيمنة املجموعات البرشية‬
‫عىل مقدرات بعضها البعض‪ ...‬وهي السياسات التي لنئ‬
‫متكنت إىل حد اليوم من إعادة إنتاج نفسها عرب مختلف‬
‫أمناط اإلنتاج الطاغية التي عرفتها اإلنسانية فإن مهمة نقضها‬
‫هي املطروحة حتى يعانق اإلنسان حيز تحرره ويتمكن من‬
‫رشف أيضا‬
‫تحقيق إنسانيته‪.‬وإنها ملهمة كثرية العرس ولكنها ت ّ‬
‫أمام الزمان كل من يتصدون للقيام بها‬
‫(‪)1‬هذا النص هو مبثابة التحية املرتجلة واملوجهة إىل النضال‬
‫الذي يخوضه منذ شهرين تقريبا الرفيق شاهني السايف مبعية‬
‫زمالئه أجراء املندوبية الثقافية بصفاقس ‪ -‬بجنوب البالد‬
‫التونسية‪...‬من أجل تغيري معطيات العمل الثقايف ومحاولة‬
‫إدراجه يف أفق ثقايف توعوي عوضا عن بقائه مبلدا للذهن‬
‫وحاثا عىل امليوعة‪.‬‬
‫(‪)2‬نقرتح عبارة « مجتمعات» لتعويض عبارة «شعوب»‪...‬‬
‫بالنسبة إىل الوطن العريب‪...‬‬
‫أما كلمة «الوطن العريب» فهي تشري أساساً إىل املعطى‬
‫الجغرايف مبافيه من تنوع‪.‬‬
‫(‪)3‬نستعمل كلمة» الساكنة « اعرتافا بالتنوع األثني‬
‫واللغوي والثقايف داخل الحيز الجغرايف للوطن العريب‬
‫مبا فيه من عنرص عريب وعنرص أمازيغي وغريه من‬
‫العنارص األخرى التي جمعها التاريخ لتعيش بتجانس‬
‫ال ينفي االختالف داخل هذه املساحة الجغرافية‪.‬‬
‫(‪ )4‬نحن نعتقد أن الصهيونية قد متكنت من اخرتاق دواليب‬
‫املنظومة الرأساملية واإلمربيالية عىل مستوى البنية التحتية‬
‫والبنية الفوقية يف نفس الوقت‪.‬‬
‫(‪ )5‬هذه العبارة مستوحاة مام يقوله الزعيم ‪ -‬األسري‬
‫الرفيق أحمد السعدات األمني العام للجبهة الشعبية لتحرير‬
‫فلسطني‪...‬‬

‫‪6‬‬

‫الخميس ‪ 13‬ديسمرب ‪ - 2018‬املوافق لـ ‪ 6‬ربيع الثاين ‪ - 1440‬العدد ‪74‬‬

‫هل يمكن أن نعترب سياسة الدولة الحديثة إصالحية؟ ج‪2/‬‬
‫محمد الكيالين‬

‫من االستقالل الداخيل إىل االستقالل التام (‪ 20‬مارس ‪)1956‬‬
‫وأمام الوضع الدويل الجديد وتوصية‪ ‬األمم‪ ‬املتحدة‪ ‬التي أرسلت‬
‫إىل‪ ‬تونس‪ ‬لتقص الحقائق حول السجناء السياسيني وأوصت‬
‫بعثة‬
‫يّ‬
‫أيضا بإيجاد حل للقضية‪ ‬التونسية‪ ‬وذلك بفتح مفاوضات جدية‬
‫بني‪ ‬تونس‪ ‬وفرنسا‪ ‬تؤدي إىل االستقالل‪.‬‬
‫ويف ‪ 3‬جوان ‪ 1955‬وبعد مفاوضات شاقة توصل الطرفان التونيس والفرنيس إىل إمضاء اتفاقية‬
‫عامة إقرارا بالسيادة‪ ‬التونسية‪ ‬عىل البالد‪ ،‬وكان قد مثل الجانب التونيس يف هذه املفاوضات‬
‫الطاهر بن عامر نيابة عن الحكومة‪ ‬التونسية‪ ‬بصفته الوزير األكرب‪.‬‬
‫رصح الزعيم الحبيب بورقيبة يف ميناء حلق‪ ‬الوادي‪« :‬إن اتفاقيات االستقالل‬
‫ويف ‪ 1‬جوان ‪َ 1955‬‬
‫الداخيل هي املوصلة اىل االستقالل التام الذي يبقى املطلب األسايس للشعب‪ ‬التونيس»‪.‬‬
‫لكن تطور األوضاع الدولية وموقف األمم املتحدة الداعي إىل رضورة حلَ القضية التونسية‬
‫وتطور الخالفات بني قادة الحزب الحر الدستوري الجديد حث الطرفني التونيس والفرنيس عىل‬
‫رضورة املرور من مفاوضات االستقالل الداخيل إىل االستقالل التام‪.‬‬
‫ويف ‪ 17‬سبتمرب ‪ 1955‬ت ّم االتفاق بني الحكومة الفرنسية والباي عىل تشكيل‬
‫حكومة تفاوض ثانية بقيادة الطاهر بن عامر‪ .‬وبدأت بصفة رسمية يوم ‪17‬‬
‫فيفري ‪ 1956‬يف باريس املفاوضات بني وفدي البلدين‪ ‬تونس‪ ‬ميثله الباهي‬
‫األدغم نائب الوزير األكرب وأمني عام الحزب والوفد الفرنيس برئاسة وزير‬
‫الخارجية «بينو» ووزير الشؤون املغربية‪ ‬التونسية»آالن سافاري» الذي‬
‫أظهر تفهام ملا وقع االتفاق عليه حول تسليم شؤون التمثيل الديبلومايس‬
‫والدفاع اىل الدولة‪ ‬التونسية‪.‬‬
‫وانتهت املفاوضات باالتفاق عىل االستقالل التام‪ .‬وقد أمىض الطاهر بن عامر‬
‫عىل اتفاقية االستقالل التام يوم ‪ 20‬مارس ‪ 1956‬وبقي رئيسا للحكومة إىل‬
‫يوم ‪ 15‬أفريل ‪ .1956‬وخلفه الحبيب بورقيبة بصفته أول رئيس حكومة يف‬
‫عهد االستقالل‪.‬‬
‫ويف ‪ 20‬مارس ‪ 1956‬ح ّرر بروتوكول االستقالل يف نسختني أصليتني وأمضاه‬
‫عن‪ ‬فرنسا‪« ‬كريستيان بينو» وعن‪ ‬تونس‪ ‬الطاهر بن عامر‪ .‬‬
‫ويف ‪ 25‬جويلية ‪ 1956‬أعلن الحبيب بورقيبة عن قيام الجمهورية توىل‬
‫شؤون الحكم بصفته أول رئيس للجمهورية‪ ‬التونسية‪ .‬ويكون بذلك‬
‫قد أنهى عهد امللكية ويكون األمني باي آخر ملوك العائلة الحسينية‪.‬‬
‫وبقطع النظر عن مساوئ ما تضمنته اتفاقية االستقالل التام وما أمىض عليه‬
‫الطرفان فإن االستقالل الفعيل والواقعي هو ما ينجز ويتحقق واقعيا‪.‬‬
‫ورغم إمضاء اتفاقية االستقالل التام فإن الخالف بني البورقيبيني واليوسفيني‬
‫احتد بشكل أصبح العنف بني الطرفني وسيلة للحسم يف العديد من املواقف‪.‬‬
‫ومل يحسم أمر هذا الخالف إال بالخطوات العملية السياسية الكربى التي‬
‫اتخذتها الدولة يف املجال االجتامعي والصحي والتشغيل والتعليم وغريه ويف‬
‫تثبيت السيادة الوطنية‪ ،‬تونسة األمن والجيش وإتباع سياسة خارجية تربز‬
‫تونس كدولة مستقلة وبصورة خاصة فيام يتعلق مبوقفها من قضايا التحرر‬
‫الوطني وبالتحديد من القضية الجزائرية حيث تركت الحدود مفتوحة‬
‫للثورة الجزائرية ودفعت يف اتجاه فتح املفاوضات مع امللك محمد الخامس‬
‫الستقالل املغرب‪ ،‬وكذلك الشأن يف املجال املايل إذ أقدمت السلطة الناشئة‬
‫عىل بعث الدينار التونيس وكفت عن التعامل بالفرنك الفرنيس‪ .‬لقد رسخت‬
‫هذه اإلجراءات واملواقف لدى التونسيني أن االستقالل‪ ،‬فعيل وليس وهمي‪،‬‬
‫وأنه ميثل السبيل املعقول واملمكن إلرساء السيادة الوطنية وتحسني أحوالهم‬
‫واستعادة كرامتهم املهدورة‪ .‬وعىل هذا األساس واصل الشعب التونيس تكتله‬
‫حول الدولة الناشئة وحول زعيمة الذي قاد تحرره وقبل بالحزب الحاكم‬
‫باعتباره كان يفتح له الطريق لخدمة مصالحه‪ ،‬تلك هي األفكار التي تحولت‬
‫لديه وكأنها عقائد وجعلته مييض وراءه ولو بيشء من الخروج عن الصف‬
‫أحيانا‪ .‬وهكذا ميكن القول الشق البورقيبي حسم معركة كسب الشعب إليه‬
‫بشكل برغامتية وسيايس عميل بينام ظل الشق اليوسفي متعلقا بالشعارات‬
‫العامة واإلسرتاتيجية بشأن االستقالل‪ ،‬خاصة وأنه كان يرى أن ال تحرر‬
‫لتونس إال يف إطار املغرب العريب أي باستقالل تونس واملغرب معا‪.‬‬
‫أما العنرص الثاين الذي حسم الخالف نهائيا لفائدة الشق البورقيبي هو‬
‫مقاطعة بن يوسف للمؤمتر الخامس للحزب الحر الدستوري الجديد املنعقد‬
‫يف ‪ 15‬ـ ‪ 19‬نوفمرب ‪ ،1955‬رغم الدعوة التي توجهت بها له الجلسة العامة‬
‫االفتتاحية والذي حامه وج َيش له االتحاد العام التونيس للشغل وجامعة‬
‫صفاقس‪ .‬وبعد أن كانت جامعة تونس‪ ،‬التي كان يتوىل شؤونها الباهي‬
‫األدغم‪ ،‬إىل جانب بن يوسف وقفت محايدة بعد الكلمة التي ألقاها‬
‫بورقيبة يف الجلسة االفتتاحية وعىل أساس ذلك أسند رئاسة املؤمتر للباهي‬

‫األدغم باعتباره محايدا‪.‬‬
‫إن هذه املقاطعة هي التي جعلته غائبا عن املشاركة يف بناء الدولة الحديثة‬
‫مماَ جانبه أضعف وأصبح عرضة للمحارصة والتهرئة من قبل أجهزتها‪ .‬وبهذه‬
‫الطريقة حكم عىل مرشوعه بأن ينتهي بشكل مأساوي‪.‬‬
‫ج ـ هل ميكن عقد اتفاقات بشأن القضايا الوطنية؟‬
‫يقبل عدد من املناضلني الحديث عن االتفاقات والخطوات التكتيكية بشأن‬
‫املسائل االجتامعية والثقافية واملهنية والسياسية املتعلقة بالحريات خاصة‪،‬‬
‫لكنهم ال يريدون حتى االستامع للحديث حول التميش املرحيل أو التكتييك‬
‫يف القضايا الوطنية العربية‪ ،‬رغم أنهم يقبلون الحديث حول صلح الحديبية‬
‫وحول اتفاقية براست ليتوفسيك وكلهم إعجاب بقبول لينني التنازل عىل ما‬
‫يقارب نصف الرتاب الرويس محاولة منه الحفاظ عىل السلطة السوفياتية‪،‬‬
‫كام يتكلمون بإعجاب عن قبول هويش منه بشطر من الفيتنام متحرر وترك‬
‫الشطر اآلخر ملرحلة تحررية قادمة‪ ،‬والشأن نفسه بالنسبة لكوريا التي مل‬
‫تتوحد بعد‪ ،‬وكانوا معجبني أيضا مباو تسيتونغ الذي ترك هونغ كونغ تحت‬
‫السلطة الربيطانية‪ ،‬وكانوا يقدمون التربيرات الالزمة لكل حدث تاريخي‪،‬‬
‫لكنهم ينقلبون إىل التعصب كلام تعلق األمر بالقضية الفلسطينية ومبسألة‬
‫اتفاقية االستقالل الداخيل واالستقالل التام‪.‬‬
‫وإذا قبلنا عىل األقل من زاوية املبدأ بأننا لسنا ضد االتفاقيات بصورة عامة‪،‬‬
‫لكننا ضد االتفاقيات التي تنأى بنا عن الهدف‪.‬‬
‫وال ميكن الحكم عىل اتفاقية ما‪ ،‬إال من زاوية ما تكرسه فعليا وواقعيا بحيث‬
‫أنها تقدمت بالقضية الوطنية خطوة إىل األمام أو تراجعت بها خطوة إىل‬
‫الوراء‪ ،‬ومن زاوية الظروف التاريخية التي تجري فيها‪ ،‬باعتبارها متثل اإلطار‬
‫املوضوعي الذي يحدد نوعية رشوط عقدها‪.‬‬
‫أتت اتفاقية االستقالل الداخيل من زاوية املضمون محدودة ودون املستوى‬
‫الذي ميكنها من فتح الطريق أمام االستقالل التام باالعتامد فقط عىل‬
‫سلطتها الخاصة‪ ،‬مبا متكنه من حقوق وطنية للشعب التونيس ومن سلطة‬
‫فعلية لالستعامر‪ .‬لكن النظر لها يف هذه الحدود يؤدي إىل سوء تقدير‪،‬‬
‫لذلك ينبغي إدراج تأثري الظروف املوضوعية ودورها يف تقدير مكانة هذه‬
‫االتفاقية يف مجري األحداث‪.‬‬
‫كانت اللحظة التاريخية‪ ،‬التي تم فيها عقد اتفاقية االستقالل الداخيل يف‬
‫تونس‪ ،‬مطبوعة بتنامي الكفاح الوطني عىل النطاق العاملي وتشكل قوة‬
‫ضغط سياسية عاملية كرسها مؤمتر باندونغ للشعوب املناهضة لالستعامر‬
‫وانطالق حرب التحرير الجزائرية وبداية تخيل اإلمربيالية عن أشكال‬
‫هيمنتها القدمية(االستعامر) وتعويضها بأخرى جديدة(االستعامر الجديد)‪،‬‬
‫وهي ظروف مناسبة التفاقية أنسب‪.‬‬
‫لكن الحدث يف حد ذاته‪ ،‬اإلعالن عن ابرام اتفاقية االستقالل الداخيل بني‬
‫حكومة التفاوض والحكومة الفرنسية‪ ،‬هز وجدان الشعب التونيس فخرج‬
‫إىل الشارع وحمل بورقيبة العائد من املنفى إىل مرتبة محرره واالتفاقية‬
‫إىل تحرر وطني فعيل‪ .‬هكذا وبفعل حركته العارمة‪ ،‬طوى صفحة اتفاقية‬
‫االستقالل الداخيل‪.‬‬
‫‪ 2‬ـ إصالحات الدولة الناشئة جريئة ودافعة باملجتمع إىل التق َدم‬
‫كان بورقيبة أقدم مبارشة‪ ،‬عىل إثر اإلعالن عن االستقالل التام وتوليه‬

‫مسؤولية الحكم كوزير أول‪ ،‬عىل جملة من اإلصالحات التي كان لها أثرها‬
‫البالغ يف حياة املجتمع التونيس ويف حارضه ومستقبله‪ .‬فقد كان دعا إىل‬
‫انعقاد مجلس تاسييس ملناقشة مرشوع دستور البالد وإصدار مجلة األحوال‬
‫الشخصية وإلغاء النظام البايوي والحبس وتصدى إىل ظاهرة الزوايا وو َحد‬
‫نظام التعليم وجعله عرصيا وألغى التعليم الزيتوين وو َحد القضاء وجعله‬
‫هو اآلخر عرصيا وألغى القضاء الرشعي ورضب األساس العشائري والقبيل‬
‫الذي كان يقوم عليه املجتمع التونيس‪.‬‬
‫تفرتض هذه اإلصالحات جرأة وتصميام منقطع النظري باعتبارها كانت‬
‫يف مصادمة مفتوحة مع عقائد الناس التي تأخذ يف العديد من الحاالت‬
‫طابعا قدسيا ومع عادات وتقاليد وإرث اجتامعي وثقايف وسيايس ثقيل ويف‬
‫مواجهة‪ ،‬وجها لوجه‪ ،‬مع قوى رجعية غارقة يف التخلف‪.‬‬
‫وزيادة عىل ذلك فإننا إذا نزلنا هذه اإلصالحات يف الظروف التاريخية‬
‫التي مر بها الشعب التونيس تعد إصالحات ثورية باعتبارها هزت املجتمع‬
‫التونيس يف أعامقه وأحدثت فيه نقالت نوعية‪.‬‬
‫وما تجدر مالحظته هو أن بورقيبة كان عىل قناعة تامة بأن له مهمة تاريخية‬
‫تتمثل يف االرتقاء باملجتمع التونيس «املتخلف» و»املتذرر» إىل مستوى‬
‫حضاري أرقى يضاهي إىل حد معني املجتمعات الغربية املتحرضة‪.‬‬
‫ولتحقيق هذا الغرض اعتمد عىل جهاز الدولة الفتية وعىل قدراته التعبوية‬
‫وعىل النفس التحرري والثوري الذي كان سكن العديد من شعوب العامل‬
‫بدرجات متفاوتة من بينها الشعب التونيس‪ .‬ومام ساعده عىل امليض قدما‬
‫هو أن الطبقات الرجعية كانت ضعيفة ومفككة سواء تلك التي كانت عىل‬
‫عالقة باالستعامر والتي أصبحت مهددة باملحاسبة أو تلك التي كانت عىل‬
‫عالقة بالحركة الوطنية والتي سعت عىل عدم التورط معها جهرة‪ ،‬لذلك‬
‫ظل نفوذها محدودا ألنها كانت دعمت يف أغلبها بن يوسف ضد بورقيبة‬
‫فوجدت نفسها هي األخرى مهددة يف ذواتها ومصالحها فلم تجرأ عىل‬
‫معارضة مكشوفة لإلصالحات البورقيبية‪ .‬وزيادة عىل ذلك فقد كان بورقيبة‬
‫يحىض بثقة الدستوريني والجامهري التواقة لغد أفضل‪.‬‬
‫وال ينبغي‪ ،‬ونحن نقيم الفعل البورقيبي‪ ،‬أن ننىس الذكاء والفطنة والدهاء‬
‫واملرونة التكتيكية التي يتميز بها‪ .‬فقد كان أقحم كبار شيوخ الزيتونة يف‬
‫إعداد مجلة األحوال الشخصية وناور بهم كام ناور للحصول عىل «االستقالل‬
‫التام» معتمدا عىل املعارضة اليوسفية «لالستقالل الداخيل»‪.‬‬
‫كام ينبغي أن ال ننىس بأن مرشوعه لقي الدعم من قبل الغرب الرأساميل‬
‫وبصورة خاصة من قبل فرنسا التي تعترب نفسها وكيلة عىل البالد وعىل نظام‬
‫الحكم فيها بشكل أو بآخر‪.‬‬
‫ورغم توفر الظروف املناسبة لإلقدام عىل إصالحات جذرية فإن العديد من‬
‫الساسة يرى يف اإلقدام عليها مغامرة سياسية جعلت املجتمع التونيس غري‬
‫املؤهل لدخول طور حضاري متقدم يعيش حالة من الضياع واالغرتاب ألنه‬
‫ضيع األسس القدمية التي كان يقوم عليها ويحقق عن طريقها توازنه والتي‬
‫عوضها بأخرى ال ميلك مؤهالت متثلها باعتبارها خاصة باملجتمعات الراقية‪.‬‬
‫أما وجه املغامرة األخرى فأمتاه من أن بورقيبة مل يكن يتوفر بني يديه‬
‫اإلطارات الكفاءة التي تشاطره التصور والتي تعد رضورية لإلقدام عىل مثل‬
‫هذا العمل التاريخي‪.‬‬

‫‪7‬‬

‫الخميس ‪ 13‬ديسمرب ‪ - 2018‬املوافق لـ ‪ 6‬ربيع الثاين ‪ - 1440‬العدد ‪74‬‬

‫المشروع الوطني في تونس بعد انتفاضة جانفي ‪2014‬‬

‫بني النكوص وشروط النجاح‬
‫النفطي حولة‬
‫أوال و بادئ ذي بدء‪ ،‬ال بد من التساؤل عن‬
‫مدخل التغيري الذي دشنته انتفاضة ‪17‬‬
‫ديسمرب ‪ 14/ 2010‬جانفي الثورية املرشوعة‬
‫‪ .2011‬والتي فاجأت بعض القوى يف الداخل‬
‫والخارج‪ .‬هل فعال كان مدخال وطنيا رصفا أو‬
‫كان مدخال مشوشا و مضطربا‪ ،‬تقاطع فيه‬
‫الداخيل بالخارجي والوطني بغري الوطني؟‪ .‬وإال‬
‫كيف نفهم انقضاض حركات االسالم السيايس‬
‫سواء من املدرسة األصولية االسالموية الناعمة التي متثلها حركة اإلخوان‬
‫املسلمني و تفرعاتها و اشتقاقاتها أو الحركة الوهابية السلفية مبختلف تياراتها‬
‫وفصائلها؟‪ .‬بل و امتد ذلك االنقضاض يف كل االنتفاضات عىل امتداد الوطن‬
‫العريب‪ .‬ذلك ما يضطرنا لطرح مثل هذه التساؤالت املنهجية‪ ،‬حتى نتمكن من‬
‫فهم لحظة سقوط تلك االنتفاضات الثورية املرشوعة يف فخ أالعيب حركات‬
‫االسالم السيايس و مفاعيل السياسة الدولية‪ .‬ذلك أن التنظيم الدويل لالخوان‬
‫املسلمني الذي رعته بريطانيا العجوز أي أمهم الحنون‪ ،‬هو جزء ال يتجزء‬
‫من سياسة املحاور االقليمية والدولية‪ .‬و من هنا نفهم بالرضورة أن عملية‬
‫االخرتاق السيايس التي وقعت فيها االنتفاضات العربية املرشوعة‪ ،‬مل تكن‬
‫بريئة‪،‬وال صدفة‪ .‬بل وبنفس القدر الذي دخل فيه االسالم السيايس املعتدل‬
‫واملعدل جينيا يف واشنطن عىل الخط إلجهاض املسار الثوري واالنحراف به‬
‫إىل وجهة غري معلومة‪ ،‬و باملوازاة إىل ذلك كانت أركان الدولة العميقة من‬
‫وتنقض هي‬
‫ّ‬
‫مؤسسات وإدارة وأجهزة باملرصاد لتقتنص اللحظة املناسبة‬
‫األخرى عىل املطالب السياسية واالجتامعية واالقتصادية والثقافية املرشوعة‪.‬‬
‫تلك املطالب التي جاءت يف لوائح عرشات اآلالف من املنتفضني واملحتجني‪.‬‬
‫بل مئات اآلالف و املاليني الثائرين من الجامهري العربية عىل أنظمة االستبداد‬
‫والفساد و الخيانة لألجنبي والتفريط له يف السيادة الوطنية‪ ،‬واالستسالم‬
‫القومي للعدو الصهيوين واالمربيالية األمريكية‪.‬‬
‫و لعل الفهم من وراء القصد‪ ،‬ومن وراء السطور‪ ،‬ودون همس‬
‫و ال ملز وال غمز وال حتى همز‪ ،‬يؤكد أن تلك االنتفاضة صارت‬
‫مغدورة‪ .‬بعدما نسجت بعض الجهات األجنبية املتو ّرطة‬
‫مجتمعنا العريب بخيوط عنكبوت الجمعيات املشبوهة‪ .‬تلك‬
‫الجمعيات التي أغدق عليها املال الوفري‪ ،‬والتي تدربت يف‬
‫عديد املنصات‪ .‬من بولونيا إىل الدوحة إىل رومانيا إىل مركز‬
‫االسالم والدميقرطية بواشنطن إىل فريدريك ايربارت بأملانيا و‬
‫غريها من دول العامل‪.‬‬
‫وهكذا كانت بداية املشوار للمرشوع السيايس بعد االنتفاضة‬
‫املنهكة بعديد عوامل االخرتاق‪ ،‬مييش وسط وحل من برك‬
‫الطني العفنة‪ ،‬و بني األلغام املزروعة عن قصد وعن وعي‪.‬‬
‫فكان أول انقالب تنصيب السيد فؤاد املبزع رئيسا مؤقتا‪ .‬وذلك‬
‫بعدما جيئ عىل عجل مبحمد الغنويش عىل وقع تعليامت‬
‫دبابات رشيد عامر‪ .‬ليخرتق يف صمت مريب الدستور التونيس‬
‫يف نسخته القدمية‪ .‬وهكذا كان يوم ‪ 14‬جانفي ‪ 2011‬أول‬
‫انقالب عىل املسار الثوري الذي عبده الشهداء بدمائهم الزكية‪.‬‬
‫لعل االنقالب الثاين األكرب و األخطر عىل املسار الثوري‪،‬‬
‫بل ّ‬
‫وكربى الخطايا والرزايا‪ ،‬كانت من طرف القوى املحسوبة عىل‬
‫الثورة وقائدة املسار الثوري من قوميني و يساريني ومستقلني‪.‬‬
‫ذلك أن هذه القوى ويف خطوة غري محسوبة‪ ،‬وغري جاهزة‬
‫تنظيميا و سياسيا‪ ،‬أهدت املسار الثوري املتحرك و املتم ّوج‬
‫يف تلك املرحلة إىل حزب االخوان املسلمني‪ ،‬أعني حزب حركة‬
‫النهضة‪ .‬وكان ذلك يف أول انتخابات للمجلس الوطني التأسييس‬
‫الذي كان مطلبا مركزيا لليسار و القوميني واملستقلني‪.‬‬
‫و لسائل أن يتساءل كيف تم ذلك؟‪ .‬وبأية طريقة؟‪ .‬ولعل‬
‫الجواب سياسيا سيكون سهال و يف متناول كل ناشط سيايس‬
‫يعلم علم اليقني أن الغلبة يف االنتخابات‪ ،‬سوف لن تكون إال‬
‫للجاهز و األقوى تنظيميا و سياسيا‪ .‬بل والذي سوف يحظى‬

‫بدعم إقليمي و دويل يف موجات الربيع العريب‪.‬‬
‫فمن عساه سيكون هذا التنظيم يف اللحظة تلك‪ ،‬غري ماكينة‬
‫اإلسالم السيايس‪ ،‬وبالتايل التنظيم الدويل لإلخون املسلمني‪ ،‬أي‬
‫محليا حركة النهضة؟‪.‬‬
‫وباإلضافة إىل ذلك‪ ،‬فإن دعاة املدرسة األصولية اإلسالموية‬
‫ميلكون رصيدا إحتياطيا كبريا من الكتلة االنتخابية يف أوساط‬
‫مجتمعنا العريب اإلسالمي‪ .‬ذلك أن مجتمعنا مازال يف جله‬
‫يحتفظ يف وعيه و ال وعيه الجمعي واملجتمعي بحضور مكثف‬
‫لخلفية تراثية دينية ماضوية سلفية مقيتة‪ .‬بل و كأنك يف بعض‬
‫الحاالت أمام كائن ترايث جامد‪ ،‬يعيش عىل وقع األحاسيس‬
‫واملشاعر الدينية املوغلة يف التقليد بوعي ديني زائف‪ .‬يف نفس‬
‫الوقت الذي تجد فيه هذا الكائن الرتايث عامة والكائن الديني‬
‫خاصة و كأنه يعيش غربة دينية وحضارية‪ .‬بحيث تجده يفنى‬
‫يف اآلخر‪ ،‬اإلنسان الغريب مقلدا و تابعا و مستهلكا‪ .‬فرتاه يعيش‬
‫التناقض سلوكا‬
‫و منطا دون أن يعيه‪ .‬فإذا ما حاولت أن توقظ فيه العامل‬
‫الديني تجده محافظا جدا‪ .‬وإذا ما نظرت يف أشكال ثقافته‬
‫و منط سلوكه وطريقة حياته تجده معارصا جدا‪ .‬و من هنا‬
‫يكون طعام سهال للتوظيف السيايس يف الدين‪ .‬فهو يعيش‬
‫عىل التقليد سواء يف املايض أو يف الحارض‪ .‬وبالتايل فهو كائن‬
‫تقليدي تابع و خاضع يف كال الحالتني‪ .‬ما يجعله لقمة سائغة‬
‫لتجار الدين الذين يلعبون عىل العواطف واملشاعر الدينية‪.‬‬
‫و مبا أن املعركة االنتخابية يف مجتمعاتنا العربية واالسالمية‬
‫ستخضع لحملة نشيطة و واسعة يشتد فيها التنافس بني جبهة‬
‫اليسار والقوميني العلامنيني واملستقلني والدميقراطيني من جهة‬
‫و جامعات اإلسالم السيايس من جهة أخرى‪ ،‬و ال سيام و ألول‬
‫مرة يف مناخ دميقراطي‪ ،‬ستلجأ حركة اإلخوان ال محالة كعادتها‬
‫للزج باملجتمع يف رصاعات هووية جوهرها و عمقها العامل‬
‫الديني‪ .‬و من ثم ستشق املجتمع أفقيا وعموديا‪ ،‬لتنحرف‬
‫بالرصاع من رصاع حول االختيارات والربامج‪ ،‬إىل رصاع ديني‬
‫بني الكفر واإلميان‪ .‬وهنا سيكون املسجد جزء من حلبة الرصاع‪.‬‬
‫وإذا ما عرفنا أن املساجد بالرضورة ستكون مخزونا انتخابيا‬
‫لصالحهم‪ .‬فستكون لهم الغلبة يف النهاية‪ .‬أوليس هذا الذي‬
‫حصل يف انتخابات املجلس التأسييس التي أتت مبنظومة ‪26‬‬
‫أكتوبر ‪ 2011‬للحكم أي الرتويكا األوىل بزعامة اإلخوان؟‪.‬‬
‫و إذا علمنا أنهم الحلفاء الجدد للواليات املتحدة األمريكية‬
‫باعتبارهم حاميل مرشوع االسالم والدميقراطية املعتدل ح ّد‬
‫االعتالل و املع ّدل جينيا يف واشنطن‪ ،‬نعلم علم اليقني أن‬
‫اختيار مسار انتخابات املجلس التأسييس كان خطوة يف غري‬
‫محلها بالنسبة للقوى الوطنية والتقدمية من يسار و قوميني‬
‫علامنيني‪.‬‬
‫وتبعا لذلك دخل املسار الثوري يف انتكاسة أخرى بعد هذا‬
‫االنقالب الثاين الناعم باسم االنتخابات‪ .‬و خاصة منذ توغل و‬
‫تغول حزب النهضة الذي تسلل إىل مفاصل الدولة معتربا إياها‬
‫غنيمة و متكينا له‪ .‬ذلك أنه وفقا لنظرية التمكني الناعمة تكون‬
‫الدولة أداة وظيفية يف خدمة التنظيم‪ .‬وبالتايل يكون التنظيم‬
‫دولة داخل الدولة أو ظل الدولة أو لنقل دولة الظل‪.‬‬

‫وستدخل تونس نفق اإلرهاب األسود الذي سيفرخ يف‬
‫الشعانبي‪ .‬كام أن تونس ستعيش عىل وقع تجييش املساجد‬
‫وحمالت الوهبة واألخونة وتجنيد وتسفري الشباب للمحرقة‬
‫الليبية والسورية‪ .‬ويف خطوة غري مسبوقة ستدخل تونس‬
‫مرحلة االغتياالت السياسية ضد رموز وطنية‪ .‬وسوف لن تخرج‬
‫تونس من ذلك الكابوس املظلم إال بعد اغتيالني سياسيني‬
‫خطريين الذي ذهب ضحيته كال من الشهيد شكري بلعيد‬
‫والحاج محمد الرباهمي‪.‬‬
‫و لعل ما سيعجل بسقوطهم يف تونس هو ثورة ‪ 30‬يونيو‬
‫‪ 2013‬التي سيخطف مثارها الجيش املرصي‪ .‬و مبارشة بعد‬
‫اغتيال الرباهمي و يف ظل تنامي قوة املجتمع املدين والسيايس‬
‫ضد ما يحاك يف الغرف السوداء ويف ظل مناخ إقليمي و دويل‬
‫وجيوسرتاتيجي جديد سقطت منظومة ‪ 26‬أكتوبر‪،2011‬‬
‫تاركة الباب مفتوحا لتحالفات جديدة‪ .‬تلك التحالفات التي‬
‫أنتجت حزب النداء و بالتايل رجوع الدولة العميقة ورموزها‬
‫باسم خطاب الحداثوية ضد خطاب األصولية‪ .‬ومبا أن املشهد‬
‫السيايس التونيس يدار من داخل السفارات و بني عواصم العامل‬
‫من فرنسا إىل أمريكا إىل بريطانيا إىل أملانيا‪ ،‬سيكون لقاء باريس‬
‫بني الشيخني السبيس ‪ /‬الغنويش هو املدخل مليالد منظومة ‪23‬‬
‫أكتوبر ‪.2014‬‬
‫و هكذا مرة أخرى تكون القوى الوطنية والتقدمية صاحبة‬
‫املصلحة يف الثورة واملسار الثوري خارج املشهد السيايس املؤثر‬
‫والحاسم والفاعل يف تغيري موازين القوى لصالحها‪.‬‬
‫وتبعا لذلك و من خالل قراءتنا للوضع السيايس ملا بعد‬
‫انتفاضة ‪ 17‬ديسمرب ‪ 14/ 2010‬جانفي ‪ 2011‬وما جرى فيه‬
‫من رصاعات ورصاعات مضادة‪ ،‬و تحالفات وتحالفات مضادة‪،‬‬
‫فإنه يحق لنا أن نستنتج انتكاسة املرشوع السيايس الوطني‬
‫بعد تعرضه للنكوص يف ثالثة رضبات و انقالبات متتالية‪.‬‬
‫من هنا نقول إن رشط نجاح املرشوع الوطني الذي سيقطع‬
‫مع التبعية و نظام االستغالل الرأساميل العاملي للنيوليربالية‬
‫املتوحشة‪ ،‬واملعوملة املتسبب الرئييس يف الظلم و البؤس‬
‫االجتامعيني وسياسة االقصاء والتهميش بني الجهات والفئات‪،‬‬
‫يكمن ‪:‬‬
‫أوال ‪:‬يف بناء جبهة وطنية سياسية واسعة و عريضة تضم كل‬
‫ألوان الطيف املؤمن مبعاداة االمربيالية و الصهيونية و الرجعية‬
‫العربية التي تأمتر بأوامر و توجيهات اإلدارة األمريكية سواء‬
‫متثلت يف املحور السعودي اإلمارايت أو املحور القطري الرتيك‪.‬‬
‫والخروج النهايئ من فلك القطب األمرييك الفرنيس الربيطاين‬
‫نحو أفق التعددية القطبية الرحب و ربط جسور التحالف مع‬
‫دول الربيكس‪.‬‬
‫ثانيا ‪:‬االتفاق عىل برنامج الحد األدىن الوطني يف التمسك‬
‫بالسيادة الوطنية والعدالة االجتامعية والدميقراطية أسلوبا‬
‫للحكم‪ ،‬رشيطة أن يكون عمقها هو التحرر االجتامعي يتناقض‬
‫جوهريا مع دميقراطية البطون الخاوية‪.‬‬
‫ثالثا‪ :‬االميان بالنضال املدين السلمي الجامهريي الواسع املنظم‬
‫الواعي الذي يخضع لجدلية القاعدة والقيادة كأسلوب للتغيري‬
‫االجتامعي‪.‬‬

‫‪8‬‬

‫الخميس ‪ 13‬ديسمرب ‪ - 2018‬املوافق لـ ‪ 6‬ربيع الثاين ‪ - 1440‬العدد ‪74‬‬

‫حوار العدد مع كلثوم كنو‬

‫األنظمة الدكتاتورية املعادية الستقالل القضاء‬
‫تستعمل النقلة كطريقة مقنعة للهيمنة‪.‬‬

‫حاورتها‪ :‬سعدية بن سامل‪.‬‬
‫السابقة‪ ،‬والناشطة الحقوق ّية‬
‫القاضية‪،‬‬
‫ضيفتنا لهذا العدد هي‬
‫ّ‬
‫السهل‬
‫والسياس ّية كلثوم كنو‪ ،‬ميزة هذه املرأة أنّها ال تركن إىل ّ‬
‫السائد ملج ّرد أنّه سائد‪ ،‬انتصبت قاضية يف زمن كان‬
‫وال تجاري ّ‬
‫فيه عدد القضاة من النساء قليل وتصدّت لالستبداد يف زمن‬
‫كان املعارضون الحقيق ّيون يعدّون عىل أصابع اليد الواحدة‪،‬‬
‫وتع ّرضت للتنكيل يف الوقت الذي خيرّ فيه الكثري من زمالئها‬
‫السري يف ركاب التعليامت‪ .‬ث ّم كرست بعد الثورة حاجز الرتشّ ح‬
‫ّ‬
‫ملنصب رئاسة الجمهوريّة لتكون الس ّيدة األوىل التي تفعل‬
‫ذلك وتنافس دون إسناد من أ ّي حزب كان‪ .‬تعود يف هذا‬
‫الحوار عىل تجربتها يف القضاء ويف جمع ّية القضاة التونسيني‬
‫لتخلص إىل دالالت ترشّ حها الرئايس ث ّم تنتهي بواقع البالد‬
‫السيايس‪.‬‬

‫من ربيعة مسك اللّيل غلى كلثوم كنّو‪،‬‬
‫ما الذي تغيّر؟‬
‫«ربيعة مسك اللّيل» هو االسم املستعار الذي‬
‫عرفت به افرتاضا من ‪ 2008‬إىل ‪ 2011‬وقد اخرتت‬
‫فتحت أ ّول حساب عىل موقع‬
‫هذا االسم مل ّا‬
‫ُ‬
‫التّواصل االجتامعي «الفايسبوك» وكان اختياري‬
‫لذلك االسم بالذّات ملا فيه من دالالت‪:‬‬
‫فربيعة مرتبط بفصل ال ّربيع وهو الفصل الذي‬
‫يرمز إىل الحياة والتفاؤل‪ .‬أ ّما «مسك اللّيل» فهو‬
‫يرمز إىل ال ّرائحة الطيّبة التي نشت ّمها يف اللّيل‪.‬‬
‫فقد كنت أنرش بصفحتي األخبار التي ته ّم ال ّرأي‬
‫العام وأنرش األغاين‪ ،‬الطرب ّية منها وامللتزمة وكان‬
‫كلّ ذلك ليال‪ .‬وأردت أن أجعل بذلك صفحتي‬
‫تعطّر الفضاء االفرتايض ليال وتبعث التفاؤل‬
‫التمسك بالحياة‪.‬‬
‫و ّ‬
‫وكان اسم ربيعة مسك اللّيل‪ ،‬حسب ما ت ّم‬
‫للسلطة التي يف‬
‫إعالمي به‪ ،‬يشكّل قلقا كبريا ّ‬
‫حقيقة األمر تعرف من يتخفّى وراء هذا االسم‬
‫ولك ّنها مل تقدر إالّ عىل قرصنة حسابها وإغالقه‬
‫من حني آلخر‪.‬‬
‫كشفت عن هويّتي الحقيق ّية‬
‫وبعد الثّورة‬
‫ُ‬
‫وواصلت الكتابة والتعبري عن رأيي وال ّدفاع‬
‫عن الحقوق والحريّات والتّشهري بالفساد‬
‫الخاص وبأكرث أريح ّية من قبل‬
‫والظّلم بأسلويب ّ‬
‫رغم تع ّرض صفحتي عديد امل ّرات إىل االخرتاق‬
‫والقرصنة‪.‬‬
‫وأعترب أ ّن تغيري اسم صفحتي من «ربيعة مسك‬
‫اللّيل» إىل كلثوم ك ّنو مل يغيرّ شيئا من قناعايت‬
‫ومباديئ‪ .‬فقط‪ ،‬أصبحت أتواصل مع عدد أكرب من‬
‫ال ّناس وبأكرث أريحيّة‪.‬‬
‫من األسباب التي دفعتني إىل طلب التقاعد‬
‫املبكّر والحصول عليه هو رفع كلّ القيود التي‬
‫كانت تك ّبلني من قبل كقاضية فنزعت عىل‬
‫أكتايف واجب التحفّظ وواجب الحياد‪.‬‬
‫تعرّضت كلثوم كنو إلى نقلة‬

‫لسامعه هناك (وهو أمر مخ ّول لقضاة التحقيق)‪.‬‬
‫السلطة آنذاك والتي‬
‫إالّ أ ّن هذا القرار مل يٌعجب ّ‬
‫كان رئيس مجلس الن ّواب من بينها فق ّرر املجلس‬
‫األعىل للقضاء آنذاك واملرؤوس من قبل وزير‬
‫العدل إبعادي من القريوان إىل توزر حتّى ال‬
‫أواصل البحث يف القض ّية وأيضا ملزيد التشفّي‬
‫م ّني‪ .‬ويف كامل الفرتة التي قضّ يتها معاقبة كانت‬
‫هناك مساندة من قبل عديد النشطاء الحقوقيني‬
‫السياس ّية التي كانت عبرّ ت‬
‫وحتّى بعض ال ّرموز ّ‬
‫عن تضامنها معي بنرش بعض التدوينات أو نرش‬
‫عرائض مساندة دول ّية ووطن ّية وذلك عن طريق‬
‫املواقع االلكرتونيّة هذا باإلضافة إىل نرش بعض‬
‫األخبار التي ته ّم أعضاء الهيئة الشرّ ع ّية لجمع ّية‬
‫القضاة بجرائد أسبوع ّية مثل املوقف والطّريق‬
‫الجديد ومواطنون‪.‬‬

‫تعسّفيّة من القيروان إلى توزر مع‬
‫إبقائها في ّ‬
‫خطتها‪ .‬ما هي كواليس‬
‫تلك النّقلة وما هو دور وسائل التّواصل‬
‫االفتراضي في التعريف بالمظلمة التي‬
‫سُلّطت عليها؟‬
‫يف األنظمة الدكتاتوريّة املعادية الستقالل القضاء‬
‫تستعمل ال ّنقلة كطريقة مق ّنعة للهيمنة‪ .‬وقد‬
‫السلطة يف عهد الدكتاتوريّة إىل آلية‬
‫التجأت ّ‬
‫النقلة واستغلّتها ض ّدي وض ّد العديد من القضاة‬
‫الشرّ فاء إلثنائهم عن مواصلة ال ّدفاع واملطالبة‬
‫برفع يدها عن القضاء‪ .‬لكن مل تفلح ذلك وال ّدليل‬
‫السلطة آنذاك مل تقدر عىل تقديم‬
‫عىل هذا أ ّن ّ‬
‫أجوبة مقنعة ومل تقدم التربير عىل ما اتّخذت‬

‫ وتعرّضت إلى‬‫ضغوطات عديدة‬
‫وصلت إلى حدّ‬
‫محاولة االعتداء عليّ‬
‫بمكتبي ‪،‬ولم ينصفني‬
‫لألسف القضاة آنذاك‪.‬‬
‫تعسف ّية ض ّد جمع ّية القضاة‬
‫من إجراءات ّ‬
‫بواسطة االنقالب عليها وكذلك بال ّنقل وتجميد‬
‫الترّ قيات لعدد من نشطاء الجمعيّة‪.‬‬
‫وأعترب أ ّن نقلتي األوىل من تونس إىل القريوان‬
‫ومن القريوان إىل توزر‪ -‬نفطة هام يف الحقيقة‬
‫السلطة إىل‬
‫نقلتان عقابيتان رمت من ورائهام ّ‬

‫التنكيل يب وبعائلتي وإرهايب نفسانيّا وماديّا‪.‬‬
‫كام أ ّن تسليط هذه العقوبة وإبعادي عن مكان‬
‫إقامتي وتكليفي بخطّة قضائ ّية تستوجب م ّني‬
‫العمل باللّيل وال ّنهار ويف آخر أيّام األسبوع‪ ،‬كانت‬
‫السلطة توجيه رسالة قويّة لبقيّة‬
‫تريد من ورائه ّ‬
‫القضاة مفادها أ ّن كلّ من يقف يف وجهها سينال‬
‫عقابا وبالتّايل متكّنت من تكميم ع ّدة أفواه‪.‬‬
‫هذا سبب من األسباب التي كانت وراء نقلتي‬
‫األوىل والثانية‪ .‬ولكن هناك سبب آخر دفع‬
‫بالسلطة سنة ‪ 2010‬إىل نقلتي من القريوان إىل‬
‫ّ‬
‫توزر‪ ،‬ففي إطار عميل كقايض تحقيق أصدرتُ‬
‫بطاقة جلب ض ّد أحد أقارب زوجة ال ّرئيس آنذاك‬
‫ورفضت ال ّرجوع فيها‪ .‬كام رفضت أيضا ختم‬
‫البحث يف القضيّة دون تنفيذ بطاقة الجلب‪.‬‬
‫مع العلم وأ ّن هذه البطاقة أصبحت بطاقة‬
‫جلب دول ّية بعد الثّورة‪ .‬وإضافة إىل ذلك فقد‬
‫كانت هناك قضيّة تحقيقيّة تولّيت فيها البحث‬
‫وو ّجهت ع ّدة استدعاءات لرئيس مجلس ال ّن ّواب‬
‫آنذاك كالحضور لسامعه ميكنني وهو أمر‬
‫قانو ّين‪ .‬إالّ أ ّن هذا اإلجراء وهو أمر قانوين مل يرق‬
‫للسياسيّني آنذاك وتع ّرضت إىل ضغوطات عديدة‬
‫ّ‬
‫وصلت إىل ح ّد محاولة االعتداء ع ّيل مبكتبي (ومل‬
‫ينصفني لألسف القضاة آنذاك) وإىل خضوع‬
‫مكتبي إىل عمل ّية التفقّد يف مناسبتني ويف فرتة‬
‫وجيزة وكانت الغاية من ذلك إمساك خطأ مهني‬
‫يدينني إالّ أنّه مل يتوفّر لهم ذلك‪.‬‬
‫وإزاء رفض رئيس مجلس النواب الحضور إىل‬
‫مكتب التّحقيق أصدرت يف آخر أيّام العمل يف‬
‫السنة القضائيّة ‪ 2010‬وحكام تحضرييّا يقيض‬
‫ّ‬
‫بتنقّيل صحبة الكاتبة إىل مق ّر مجلس ال ّن ّواب‬

‫كيف تقيّم السيّدة كلثوم كنّو تجربة‬
‫رئاستها لجمعيّة القضاة التونسيين وما‬
‫ّ‬
‫المحطات التي بقيت عالقة بال ّذهن‬
‫أبرز‬
‫من تلك التّجربة؟‬
‫لقد انخرطت يف جمع ّية القضاة التونسيني منذ‬
‫نشأتها سنة ‪ 1992‬ونشطت يف هياكلها ومكتبها‬
‫التّنفيذي منذ ‪ 2000‬كنائبة رئيس ث ّم ككاتبة عا ّمة‬
‫ث ّم ق ّررت عدم الرتشّ ح م ّرة أخرى إميانا م ّني مببدأ‬
‫التّداول‪ .‬وتعترب الفرتة التي نشطت فيها صلب‬
‫جمع ّية القضاة التونس ّيني من أه ّم املحطّات‬
‫النضال ّية التي خضتها إىل جانب نضايل الطّاليب‪،‬‬
‫فقد تعلّمت مع زماليئ ومارست فعال ال قوال‬
‫الدميقراط ّية صلب هذا الهيكل‪ .‬كام عرفت أيضا‬
‫أهم ّية التضامن والتآزر بني األشخاص يف وقت‬
‫الشّ دائد واملحن والوقوف ض ّد الظّلم واالستبداد‪.‬‬
‫وبفضل جمعيّة القضاة التونسيني خضت معيّة‬
‫عدد قليل من زماليئ معارك قضائ ّية وسياس ّية من‬
‫وحق القضاة يف‬
‫أجل ال ّدفاع عن استقالل القضاء ّ‬
‫التعبري عن التنظّم من أجل ال ّدفاع عن مصالحهم‬
‫حق املواطن يف‬
‫املاديّة واملعنويّة كال ّدفاع عن ّ‬
‫فضاء نظيف وعادل‪.‬‬
‫وقد عشت محطّات ها ّمة أثّرت يف شخص ّيتي ويف‬
‫تكويني وبقيت عالقة يف ذهني أذكر منها املعركة‬
‫التي خضناها مجموعة قليلة من القضاة (أعضاء‬
‫الهيئة الرشع ّية لجمع ّية القضاة التونسيني) يف‬
‫السياس ّية‬
‫السلطة ّ‬
‫الفرتة بني ‪ ،2005-2011‬ض ّد ّ‬
‫واملدعومة من قبل عدد ال يستهان به من‬
‫القضاة املوالني لها وذلك من أجل حقّنا يف التنظّم‬
‫والتعبري وفق ما جاءت املواثيق الدول ّية‪ .‬ويف تلك‬
‫الفرتة عرفنا أنواع الظلم والتسلّط بدءا بال ّنقل‬
‫التعسفي وحرماننا من التنقّل خارج الرتاب‬
‫ّ‬
‫التونيس وخصم أجزاء ها ّمة من أجورنا ووضع‬
‫بيوتنا تحت املراقبة البوليس ّية إىل الوصول إىل‬
‫محاولة االعتداء بالعنف عىل بعضنا‪.‬‬

‫‪9‬‬

‫أ ّما املحطّة الثانية وهي ال تقلّ أهميّة بال ّنسبة‬
‫إ ّيل وهي فرتة صياغة ال ّدستور‪ .‬فقد خضنا فيها‬
‫كجمع ّية قضاة تونسيني معارك قويّة لفرض عدد‬
‫السلطة بالتّيه للقضاء يف ال ّدستور‬
‫من مق ّومات ّ‬
‫تجسد التحام حول مطالبنا‬
‫يف خضم هذه املعركة ّ‬
‫بيننا وبني املجتمع املدين وعدد كبري من املواطنني‬
‫من خالل التظاهر يف الشّ ارع ومن خالل املعارك‬
‫السياس ّية داخل املجلس التأسييس الذي كان عدد‬
‫ّ‬
‫من ن ّوابه يدافعون باستامتة عن إبقاء أهميّة‬
‫السلطة التنفيذيّة يف القضاء‪ .‬وهذه الفرتات‬
‫ّ‬
‫التي عشتها مع بق ّية زماليئ تع ّد من أه ّم وأحىل‬
‫الفرتات رغم صعوبتها‪.‬‬
‫ إلى أيّ حدّ ح ّقق قطاع القضاء‬‫االستقالليّة المنشودة؟‬
‫من بني املطالب التي ربحها القضاء ومازال‬
‫يربحها عرب جمعيّتهم هي االستقالليّة‪ ،‬فاستقالليّة‬
‫تتجسد فقط من خالل التنصيص‬
‫القضاء ال ّ‬
‫عليها بال ّدستور فالب ّد أن يت ّم تنزيلها أيضا صلب‬
‫القوانني وتجسيدها باملامرسة عىل أرض الواقع‪.‬‬
‫حسب اعتقادي‪ ،‬جزء هام من ضامنات استقالليّة‬
‫تتجسد‬
‫القضاء والقضاة بال ّدستور التونيس‪ ،‬كام ّ‬
‫أيضا من خالل قانون املجلس األعىل للقضاء‪،‬‬
‫ولكن هذه االستقالل ّية الهيكل ّية بقيت مش ّوهة‬
‫السيايس‪ .‬فإىل ح ّد اليوم الزال عدد من‬
‫بفعل ّ‬
‫السياسيني يحاولون ويفلحون يف كثري من األحيان‬
‫يف وضع أيديهم عىل الحركة الفضائ ّية التي‬
‫تع ّد كلّ سنة يف غياب الشفاف ّية التا ّمة وضبط‬
‫معايري موضوعيّة لل ّنقل والرتقيات‪ .‬فيت ّم إسناد‬
‫خطط قضائ ّية ها ّمة لبعض القضاة الذين عرفوا‪،‬‬
‫السابق‬
‫من قبل‪ ،‬بوضع أنفسهم لخدمة ال ّنظام ّ‬
‫أو بعدم نزاهتهم‪ .‬أو قضاة يلمحون بوالءاتهم‬
‫لبعض الجهات السياسيّة‪ .‬ويبقى عد ُدهم دامئا‬
‫قليال‪ .‬لك ّنه مؤثّر‪.‬‬
‫من موقعك باعتبارك قاضية‪ ،‬ما هي مكاسب‬
‫دولة االستقالل يف مجال القضاء وما هي مظاهر‬
‫قصورها؟‬
‫(أ ّوال‪ ،‬أوضّ ح أنيّ قد مارست مهنة القضاء م ّدة ‪29‬‬

‫الخميس ‪ 13‬ديسمرب ‪ - 2018‬املوافق لـ ‪ 6‬ربيع الثاين ‪ - 1440‬العدد ‪74‬‬

‫سنة‪ ،‬وقد غادرت القضاء منذ أشهر بعد حصويل‬
‫عىل التقاعد املبكّر‪).‬‬
‫ال ميكن أل ّي كان أن ينكر أ ّن هناك ع ّدة‬
‫وتجسد‬
‫إصالحات قد شهدها القضاء منذ ‪ّ .2011‬‬
‫ذلك من خالل حلّ املجلس األعىل القديم وتركيز‬
‫للسلطة‬
‫مجلس أعىل للقضاء جديد مل تعد ّ‬
‫التنفيذيّة أ ّي وجود ألعضائها يف تركيبته إذ كان‬
‫السابق مرؤوسا من رئيس الجمهوريّة وينوبه‬
‫يف ّ‬
‫وزير العدل فضال عىل أ ّن اغلب أعضائه معيّنني‬
‫السلطة التنفيذيّة‪.‬‬
‫من قبل ّ‬
‫أ ّما املجلس األعىل للقضاء الحايل فهو مجلس‬
‫منتخب وهو مجلس منفتح عىل غري القضاة‬
‫فهو ال يرتكّب من قضاة فقط بل يوجد فيه‬
‫محامون وأساتذة جامع ّيون وعدول‪ ...‬فهذه‬
‫الرتكيبة املختلطة تؤكّد فعال وأ ّن القضاء ليس‬
‫شأن القضاة فقط وإنمّ ا هو شأن كلّ املواطنني‪.‬‬
‫إضافة إىل ذلك فإ ّن ع ّدة قوانني ته ُّم الحريّات قد‬
‫الخاصة‬
‫تخص باألساس اإلجراءات ّ‬
‫ت ّم س ّنها وهي ّ‬
‫برشوط املحاكمة العادلة‪.‬‬
‫ُ‬
‫ولكن‪ ،‬رغم هذه اإلصالحات التي أدخلت عىل‬

‫ أردت التأكيد‪،‬‬‫بترشّحي للرئاسة‪،‬‬
‫على أ ّن حقّ المرأة‬
‫في الترشّح‬
‫واالنتخاب ليس ّ‬
‫حقا‬
‫في النّصوص وإنّما‬
‫يجب أن يكرّس على‬
‫أرض الواقع‪.‬‬
‫القضاء واملنظومة القضائ ّية إالّ أنّه ال ميكن‬
‫أن نقول إ ّن القضاء التونيس قد تعاىف فهناك‬
‫إصالحات ها ّمة يجب أن تتحقّق ومنها القانون‬
‫األسايس للقضاة الذي الزال يشكّل حجر عرثة‬

‫أمام توفري االستقالليّة وكذلك توفري آليات ف ّعالة‬
‫للكشف عن كلّ محاوالت التدخّل والتأثري عىل‬
‫القضاء وعىل كلّ من ساهم يف املنظومة القضائ ّية‪.‬‬
‫أوّل امرأة تخوض غمار االنتخابات‬
‫الرئاسيّة رغم ضعف فرص الفوز‪ .‬أيّ‬
‫داللة لهذا الترشّح وأيّ فائدة تح ّققت؟‬
‫مت إىل االنتخابات ال ّرئاس ّية سنة ‪2014‬‬
‫لقد تق ّد ُ‬
‫مرتشّ ح ًة مستقلّة وخيرّ ت أن يكون ترشّ حي ترشّ حا‬
‫مواطَن ّيا مستندا عىل تزكيات املواطنني ملا يف ذلك‬
‫حق‬
‫من دالالت ها ّمة‪ .‬فقد أردت التأكيد عىل أ ّن ّ‬
‫املرأة يف الرتشّ ح واالنتخاب ليس حقّا يف ال ّنصوص‬
‫وإنمّ ا يجب أن يك ّرس عىل أرض الواقع‪ .‬ويهدف‬
‫ترشّ حي أيضا إىل كرس النظرة ال ّنمط ّية للمرأة يف‬
‫مجتمعنا والقائلة بأ ّن املرأة ال تصلح للحكم‪.‬‬
‫إضافة غىل أ ّن ترشّ حي كان رسالة إىل النساء‬
‫أرمي من ورائه إىل كرس العائق ال ّنفيس لدى‬
‫السانحة‬
‫العديد منه ّن الاليت تتوفّر فيه ّن الشرّ وط ّ‬
‫لتواجده ّن يف أعىل مواقع القرار لك ّن خشيته ّن‬
‫من الفشل وعدم إميانه ّن بقدراته ّن تجعله ّن‬
‫يرتكن مكانه ّن لل ّرجل وهو ما يجب حسب رأيي‬
‫العمل عىل وضع ح ّد له أل ّن كلّ تجربة تخوضها‬
‫املرأة تحمل يف ط ّياتها جوانب إيجابية يجب‬
‫العمل عىل تطويرها واالستفادة منها‪,‬‬
‫لكن ما الحظته ولألسف وأ ّن ترشّ حي كأ ّول امرأة‬
‫يف تونس لل ّرئاسة مل يت ّم استثامره ال إعالم ّيا وال‬
‫سياس ّيا إلبراز أهم ّية مشاركة املرأة والحياة‬
‫السياس ّية وإعطاء صورة عن املكاسب التي‬
‫ّ‬
‫تحقّقت للمرأة يف االنتقال الدميقراطي‪ .‬فهذا‬
‫التجاهل ال أعلم إن كان مقصودا أم غري مقصود‪.‬‬
‫فاملسألة ال تتعلّق بشخص كلثوم ك ّنو وإنمّ ا باملرأة‬
‫التونس ّية‪.‬‬
‫كيف تقيّم كلثوم كنّو المشهد‬
‫السّياسي الحالي؟‬
‫السيايس الحايل بالضباب ّية وبضعف‬
‫يتّسم املشهد ّ‬
‫مؤسسات ال ّدولة ويف بعض األحيان ميكن أن‬
‫ّ‬
‫نقول بضعف قيادتها‪.‬‬

‫فمنظومة الحكم الحالية والتي سبقتها أخفقت‬
‫يف إرساء سبل ووسائل االستجابة ملطالب الثّورة‬
‫وإخراج البالد من أزمتها االقتصاديّة واالجتامعيّة‬
‫املنذرة بالخطر والقضاء عىل الفساد وثقافته‬
‫مع تصاعد وترية التضخّم وارتفاع مع ّدل البطالة‬
‫والهشاشة االجتامع ّية وتر ّدي الخدمات العموم ّية‬
‫وتعطّل إرساء الهيئات الدستوريّة والضعف‬
‫الغالب عىل آداء مجلس نواب الشعب واستمرار‬
‫السلطة التنفيذيّة مبا‬
‫أزمة الحكومة عىل رأس ّ‬
‫السيايس‬
‫يف ذلك عودة عدد من رموز الفساد ّ‬
‫لدواليب ال ّدولة‪ .‬كلّ ذلك تحت غطاء توافق‬
‫مغشوش ال يق ّدم مصلحة البالد وال يعري أ ّي‬
‫اهتامم للشاغل الحقيق ّية للمواطنني بل تحكمه‬
‫املصالح الض ّيقة لعدد من السياسيني الذين‬
‫يستميتون من أجل التّموقع واستغالل املصالح‪.‬‬
‫وهذا التوافق املغشوش الذي يجد دامئا حركة‬
‫النهضة فيه املح ّرك ال ّرئييس وذلك من أجل‬
‫تحقيق أهدافها املخف ّية وهي التمكّن من‬
‫دواليب ال ّدولة بطريقة سلسة وبسط نفوذها‬
‫ومترير مرشوعها املجتمعي والسيايس الذي أعترب‬
‫ميت‬
‫أنّها مل ولن تتخلىّ عنه وهو مرشوع ال ّ‬
‫للدميقراط ّية وال ملدن ّية الدولة بأ ّي يشء‪.‬‬

‫ أخفقت منظومة الحكم‬‫الحالية والتي سبقتها‬
‫في إرساء سبل ووسائل‬
‫االستجابة لمطالب ال ّثورة‬
‫وإخراج البالد من أزمتها‬
‫االقتصاديّة واالجتماعيّة‬
‫المنذرة بالخطر والقضاء‬
‫على الفساد‪.‬‬
‫ويف مقابل هذا التوافق املغشوش الذي أصبح‬
‫يف حقيقة األمر يشكّل خطرا حقيق ّيا عىل مسار‬
‫التح ّول الدميقراطي واالجتامعي الحقيقي ويشكّل‬
‫خطرا أيضا عىل ال ّدولة التي يريدها الشّ عب‬
‫التونيس‪ .‬وهذا التوافق عىل حالته التي نعيشها‬
‫اليوم ال يخدم حسب اعتقادي إالّ استمرار تق ّدم‬
‫السيايس للتمكّن من املجتمع‬
‫مرشوع اإلسالم ّ‬
‫وال ّدولة وتسهيل عودة منظومة الفساد والتسلّط‬
‫املعادية للدميقراطيّة‪ ،‬ويف مقابل هذا نجد‬
‫أحزابا سياس ّية معارضة لهذا التوافق املغشوش‬
‫والتحالف بني حركة النهضة وأغلب املوالني‬
‫السابق واملساندين ملنظومة الفساد‪.‬‬
‫للنظام ّ‬
‫ولكن هذه األحزاب املعارضة هي قارصة عىل‬
‫تجميع شتاتها وتوسيع قاعدتها وجلب الشباب‬
‫السياسة حتّى تكون قادرة عىل بعث‬
‫العازف عن ّ‬
‫رسائل أمل لعموم الشّ عب التونيس يف مستقبل‬
‫أفضل يف االستحقاق االنتخايب املقبل ‪.2019‬لكن‬
‫هذا الوضع املتأزّم باعتقادي ال ميكن أن يطول‬
‫كثريا‪ .‬فهناك مبادرات سيعلن عنها ستساهم يف‬
‫السيايس‪ .‬وسيكون لنا حديث آخر‬
‫تغيري املشهد ّ‬
‫بعد إطالق هذه املبادرة‪. .‬‬

‫‪10‬‬

‫الخميس ‪ 13‬ديسمرب ‪ - 2018‬املوافق لـ ‪ 6‬ربيع الثاين ‪ - 1440‬العدد ‪74‬‬

‫جوْدَة التكوين الجامعي الدكتورالي يف العلوم االجتماعية (الجزء ّالثاني)‬
‫السعيداين*‬
‫منري ّ‬
‫يف الجودة‪:‬‬
‫ميكن تحديد الجودة بطرق مختلفة ومنها‪ :‬‬
‫الجودة مبعنى التميز من خالل وجود رشوط قبول‬
‫وتخرج عسرية‪ ،‬وصعوبة املطلوب من الطالب يف أدائهم‬
‫ونتائجهم‪ ...،‬وهو نوع من عالمة التميز االجتامعي ميكن‬
‫أن يرتجم يف متطلبات مادية عالية يف الجامعات الخاصة‪.‬‬
‫الجدوة مبا هي تواؤم مع غايات توضع من قبل الهيئات املرشفة بحيث يكون مقياس‬
‫الجودة هو الكفاءة الداخلية واألداء املناسب والقدرة عىل تحقيق األهداف املرسومة‬
‫(التحليل يقوم عىل أساس منهجية نقاط القوة‪-‬نقط الضعف‪-‬الفرص املتاحة‪-‬التحديات‪/‬‬
‫التهديدات القامئة ‪.)SWOT‬‬
‫الجودة مبا هي تأمني رىض املستفيدين من طالب وأولياء وسوق شغل ومستثمرين‬
‫وممولني وحكومات وعىل األخص من خالل مالءمة املنتوج ملتطلباتهم‪.‬‬
‫الجودة مبا هي تأمني ملعايري الحد األدىن حيث توضع تلك املعايري من قبل‬
‫سلطات أكادميية و‪/‬أو إدارية و‪/‬أو سياسية حاكمة‪ ...‬سلفا وبوضوح تام وتكون‬
‫معلنة للجميع بحيث يطلب منهم أن يحققوا منها حدا أدىن عىل األقل‪ ،‬يكون‬
‫هو ذاته معلوم‪.‬‬
‫ومن الواضح أن هذا التدقيق يستوجب‪ ،‬ويف كل حالة مفردة يف اختصاص من‬
‫اختصاصات العلوم االجتامعية أو قسم من أقسامها أو جامعة من الجامعات‬
‫التي تؤمن فيها تكوينا مخصوصا‪ ،‬أو بلد من البلدان العربية التي أقامت تجربة‬
‫مخصوصة يف ذلك‪ ،‬تحديدا دقيقا للجودة املطلوبة ومعايري تقديرها وكيفيات‬
‫تثمينها وطرائق استثامرها‪ .‬ولذلك فإن الحق العرض يركز عىل ما أسميناه أعاله‬
‫الجودة يف األثناء وهو ما يتكرس يف تنظيم التكوين الدوكتورايل‪.‬‬
‫بعض قضايا التكوين الدوكتورالي‪:‬‬
‫فضال عام سبق الخوض فيه من تغري متصل ملالمح املحيط االجتامعي الذي‬
‫فيه تحيا الجامعات العربية‪ ،‬فإن وضعها يف سياق مجتمع املعرفة يوجب النظر‬
‫يف الجودة من زاوية التكوين الدوكتورايل‪ .‬فمهام يكن من أمر مجتمع املعرفة‬
‫العريب‪ ،‬وانتظام اشتغاله وترسخ أسسه بل ووجود سياسات معدة لذلك بوعي‬
‫وتصميم وتخطيط من عدمه‪ ،‬فمن الواضح أن مجتمعاتنا تحتاج وسوف تحتاج‬
‫أكرث فأكرث إىل قدر متنام من املتعلمني يف مختلف املستويات ومنهم قادة‬
‫التجديد العلمي‪ ،‬وهم خريجو الجامعات يف مستوى الدكتورا‪ .‬ليس كل خريجي‬
‫الدكتورا ُمع ّدين للتدريس يف الجامعة وليس مطلوبا منهم كلهم أن يكونوا‬
‫باحثني محرتفني باملعنى األكادميي للكلمة بل منهم من ميكن أن يكون مستشارا‬
‫أو باحثا ُمرشدا أو مخطط برامج أو مسؤوال يف واحدة من اإلدارات التقنية أو‬
‫اإلدارية أو‪ ...‬املختلفة‪.‬‬
‫ميكن ملناقشة التكوين الدوكتورايل أن تتناوله بوصفه سياسة‪ ،‬أو بوصفه‬
‫مامرسة أو بوصفه موضوعا للمعرفة‪ .‬نحن يف هذا اإلسهام الرسيع بني الثانية‬
‫والثالثة‪ .‬يبينّ النظر يف كيفيات التكوين الدوكتورايل القائم يف الجامعات العربية‪،‬‬
‫وعىل غرار ما هو موجود يف بالد العامل‪ ،‬أنه يُبنى بأثر من التحديدات القانونية‬
‫والتوجيهات التي تضعها السلط‪ ،‬ومن الرتتيبات العملية التي تتبعها املؤسسات‬
‫ومختلف األجسام االجتامعية ذات الصلة ومن الغايات التي يعرب عنها ذوو‬
‫املصلحة عىل املستويات املحلية والوطنية والدولية‪ .‬وتكتسب هذه النصوص‬
‫تجسدها العميل من‬
‫القانونية والتوجيهات الربامجية واإلجراءات الرتتيبية ّ‬
‫خالل عمليات متعاقبة متخالفة من الفهم والتأويل وإعادة التأويل والرتجمة‬
‫والتحويل إىل مقرتحات مشاريع وسريورات وآليات وأطر للفعل‪ .‬وبذلك يوضع‬
‫التكوين الدوكتورايل عادة تحت ضغط ثاليث املصادر غري متطابقة بالرضورة‬
‫وهي األوليغارشية األكادميية (التي ترشعن تقاليد البحث العلمي الجامعي‬
‫وطرائق اإلرشاف والتأطري) والبريوقراطية اإلدارية (التي تحدد عالقة السلطة‬
‫السياسية القامئة بالجامعة) وقوى السوق (من منظور تثمني البحث العلمي‬
‫واستثامر نتائجه)‪.‬‬
‫ويستنتج من تحليالت ذات صلة أ ّن الطالب‪ ،‬وعىل طريق نجاحه يف إنتاج رسالة‬
‫ذات جودة عالية‪ ،‬يحتاج إىل أكرث من مرشوع بحث ومؤطّر ج ّيديْن‪ .‬ذلك أن‬
‫أنظمة التكوين الدكتورايل القامئة أو املرغوب يف قيامها ترتبط بطبيعة الجامعة‬
‫يف عالقتها بالسلطة وباملجتمع وبالسوق وقد تقام جملة من التنميطات عىل‬
‫أساس أن تكون الجامعة ُمبَا ِدرة ومشاريعية (السويد مثال) أو بحثية مرتبطة‬

‫بالسوق (أملانيا) أو نخبوية (فرنسا) أو تعليمية تكوينية (بريطانيا) أو جامعة‬
‫تنافس بني الخريجني ومؤسساتهم (الواليات املتحدة)‪ .‬ويعني ذلك أن التكوين‬
‫الدوكتورايل مرتبط باملنوال الوطني للتعليم العايل وبكيفية صياغته للعالقة‬
‫املمكنة بني املنتوج الجامعي‪ ،‬خريجني وبحوثا‪ ،‬واملحيط االقتصادي واالجتامعي‬
‫والسيايس والثقايف‪ .‬وعىل ذلك ميكن للتكوين الدوكتورايل أن يقدم إجابات‬
‫مختلفة عىل األسئلة التي تضعها تلك العالقة كام ميكن أن يوحي باعتامد‬
‫اسرتاتيجيات غاية يف التنوع‪.‬‬
‫ونستنتج من التحاليل السابقة أن التكوين الدكتورايل يخضع إىل جملة من‬
‫العوامل قد تجعل أمنوجه عىل النحو التايل‪:‬‬
‫جدول‪ :‬أبعاد التكوين الدوكتورايل ومكوناته‬
‫املحيط األكادميي واالختصاص‬
‫ماذا أعرف؟ كيف أكون؟ ماذا أفعل؟‬
‫التحرير‬
‫الهوية‬
‫الكفاءة‬
‫البعد الفردي‬
‫اإلنتاج‬
‫الثقافة‬
‫القدرة‬
‫البعد الجامعي‬
‫واستثامرا لذلك‪ ،‬وإذا ما تجاوزنا اإلطار األكادميي الضيق‪ ،‬ووضعنا األمر يف سياقه‬
‫االجتامعي األعم‪ ،‬أمكن لنا أن نبني أمنوذجا تحليليا يستجمع مداخل لتحليل ما‬
‫هو قائم من تكوين دوكتورايل‪:‬‬
‫ترسمية ‪:1‬‬
‫سياقات اندراج الطالب تدريجيا في نظام التكوين‬
‫الدوكتورالي‪:‬‬
‫النـمـو‬
‫الـذاتـي‬
‫التنشئة‬
‫الجامعية‬
‫تشكل الوعي الذايت‬
‫التكوين الجامعي‬
‫أثر االنتامء االجتامعي‬
‫التجربة االجتامعية الخاصة‬
‫أثــــــر‬
‫التنشئة العائلية‬
‫نظام املجتمع‬
‫املعياري‬
‫تشكل‬
‫الهوية االجتامعية‬
‫في تغيير السياسات البحثية في المجال‬
‫الدكتورالي‪:‬‬
‫وبنا ًء عليه‪ ،‬قد يكون من املفيد وضع إطار تحلييل‬
‫ ‬
‫يأخذ بنظر االعتبار مختلف العوامل الجامعية وغري الجامعية الفاعلة يف‬
‫تشكيل التكوين املؤدي إىل تخريج قادة أكادمييني يرشفون عىل التحول املنشود‬
‫يف اتجاه جودة عالية للبحوث الجامعة الدكتورالية يف العلوم االجتامعية يف‬
‫الجامعات العربية‪ ،‬كام هو متبع يف الكثري من الجامعات‪ .‬وإذا أخذنا بنظر‬
‫االعتبار كل هذه التعقيدات صار علينا رمبا أن نقتنع أنه‪ ،‬وعىل ما نصح به‬
‫محمود ممداين يف ما يهم أفريقيا أن «ال خيار لنا إال أن ندرب الجيل القادم‬
‫من األكادمييني األفارقة يف ديارنا‪ .‬وهذا يعني مواجهة سؤال اإلصالح املؤسيس‬
‫بالتوازي مع مسألة التعليم العايل يف ما بعد التخرج‪ .‬عىل تعليم الخريجني‬
‫والبحث وبناء املؤسسات أن تكون أوجه جهد واحد»‪.‬‬
‫ومن هذا املنظور‪ ،‬قد يتطلب ضامن الجودة يف رسائل الدكتورا وجود هيئة أو‬
‫هيئات تعمل عىل‪:‬‬
‫وضع سياسة قبول للطلبة املرتشحني للقيام ببحوث من أجل تحرير رسالة‬
‫دكتورا‪ ،‬تكون (السياسة) قامئة عىل معايري رصيحة ومعلنة‪ ،‬وإعالم الطلبة‬
‫برشوط االنضامم‪ ،‬ومتطلباته وكيفيات العمل البحثي وطبيعته ونوعيته‬
‫املطلوبة وذلك عرب حلقات تكوين وتوجيه وإرشاد وترفيع يف األداء‪ ،‬فضال عن‬
‫وجود املرشف املؤطر‪ ،‬وتحضريهم ملناقشة رسائلهم يف أفضل الظروف العلمية‬
‫واملادية‪.‬‬
‫وضع سياسة بحث عن التمويل والرشاكات العملية و التطبيقية والخدماتية‬
‫بني املؤسسة الجامعية املسندة لشهادة الدكتورا وبني املحيط االقتصادي و‬
‫االجتامعي والثقايف والبحث عن املستشهرين واملمولني واملساعدين عىل تأمني‬

‫االحتياجات املادية (تجهيزات ومتويل) و العلمية (اتصاالت‪ ،‬مصادر معلومات‪،‬‬
‫قواعد بيانات‪ ،‬مستجوبني محتملني‪ ،‬حاالت دراسية‪)...،‬‬
‫تنظيم التبادل العلمي بني طالب الدكتورا والجامعة العلمية وذلك من خالل‬
‫اقرتاح أنشطة تكوينية متكنهم من مامرسة أعامل بحثية متعددة االختصاصات‬
‫واكتساب ثقافة علمية واسعة مبا يف ذلك األطر الجهوية واإلقليمية والدولية‬
‫للبحث العلمي‪.‬‬
‫تأمني تكوين يف أخالقيات البحث العلمي ونزاهته وإيتيقاه لكل طالب دكتورا‪.‬‬
‫تأمني جودة التكوين من خالل وضع لجان ترشف إرشافا فرديا عىل الطالب مع‬
‫متكني املؤطرين من تكوين أو مرافقة علمية‪.‬‬
‫وضع آليات إسناد متكن الطلب املتحصل عىل الدكتورا من مواصلة مساره‬
‫العلمي والبحثي واملهني يف القطاعات الخاصة والعمومية وتنظيم العالقة بني‬
‫الخريجني واملؤسسات التي تستقبلهم وتشغّلهم‪.‬‬
‫تأمني انفتاح أطر البحث العلمي الوطنية عىل محيطها يف املستويات الجهوية‬
‫(املغاربية أو الخليجية مثال) واإلقليمية (العربية) والقارية (ضمن أفريقيا‬
‫وضمن آسيا مع التشبيك بينهام) والدولية (مع الرتكيز عىل أمريكا الجنوبية‬
‫مثال) وتنظيم فعاليات رشاكة وتعاون وعمل مشرتك والرفع من درجات‬
‫التشبيك الثنايئ والجامعي بني الهياكل واللجان واألفراد والربامج البحثية‪.‬‬
‫إن القضايا التي تواجه املساقات البحثية الدكتورالية يف الجامعات العربية‬
‫متعددة منها الجامهريية الكثيفة‪ ،‬والصعوبة املتزايدة يف متويل البحث العلمي‪،‬‬
‫وعدم مناسبة البحث ملعايري تتعومل أكرث فأكرث‪ ،‬يف سياق ليربايل يزيد من سلعنة‬
‫املنتوج العلمي وارتهانه إنتاجا وترويجا وتثمينا واستخداما لرشوط السوق‬
‫واملردودية املبارشة‪ .‬ذاك هو السياق الذي فيه تجد الجامعات العربية نفسها‬
‫مدعوة‪ ،‬مثلها يف ذلك كمثل العديد من الجامعات الشبيهة ومنها األفريقية‬
‫واآلسيوية مثال‪ ،‬إىل تأمني وظيفتها التعليمية التكوينية من جهة ووظيفتها‬
‫األخرى البحثية كام أشار إىل ذلك مجلس تنمية البحوث االجتامعية يف أفريقيا‬
‫(كودرسيا)‪ .‬ويجعلها ذلك تواجه سؤال كيفية مساعدة الشباب عىل أن يكونوا‬
‫أكرث تسلحا مبا ميكّنهم من تحمل أعباء ما يواجههم من أسئلة إبستيمولوجية‬
‫ومنهجية تثريها أمامهم بحوثهم‪ .‬كام يجعلها ذلك تواجه سؤاال آخر يتعلق‬
‫بكيفية إدماجهم ضمن سياق يسمح لهم باالنخراط يف مسارات نقدية‬
‫يستنبطون فيها ما يالئم بحوثهم ومجتمعاتهم من تطويرات نظرية ومفهومية‬
‫ومنهجية‪ .‬ويصح ذلك عىل األخص إزاء التعقيدات املتزايدة لألوضاع االجتامعية‬
‫مبا تضعه عىل كاهلهم من رضورة املزج بني استيعاب عميق ونقدي يف آن معا‬
‫للرتاث العلمي املتداول من جهة والقدرة عىل التطوير الذايت ملناظري خاصة‬
‫من جهة أخرى‪ .‬وعىل ما يرى واضعو ورقة املجلس األفريقي فإن املهمة األكرث‬
‫إلحاحا يف ذلك هي مساعدة الطالب الباحثني عىل الخروج من إصار بحوث‬
‫الخربة التي ال تساعد عىل تطوير أ ٍّي من االهتاممات اإلبستيمولوجية املذكورة‪.‬‬
‫ومام يراه املجلس حلوال هو تطوير ثقافة املنتديات البحثية (سيمينار) داخل‬
‫مخابر البحث ووحداته‪ ،‬ودفع التكوين ضمن مدارس الدكتورا والتحفيز عىل‬
‫تبني مناظري ومناهج وطرائق يف البحث ومداخل له متعددة االختصاصات‬
‫وذات عالقة مبارشة مع سريورات التغري االجتامعي يف اتجاه مجتمعات التحرر‬
‫الوطني والعدالة االجتامعية‪.‬‬
‫باحث يف علم االجتامع *‬
‫جامعة تونس املنار‬

‫‪11‬‬

‫الخميس ‪ 13‬ديسمرب ‪ - 2018‬املوافق لـ ‪ 6‬ربيع الثاين ‪ - 1440‬العدد ‪74‬‬

‫هل يمكن لتونس ؟‬
‫حسني عبدالرحيم‬
‫تقول «حنا أرندت «بأن هدف كل الثورات كان وسيظل الحرية !لكن‬
‫مسألة الحرية نفسها صارت إشكالية يف العرص الحديث فلديها مدلوالت‬
‫مختلفة لدى طبقات اجتامعية متنوعة ومتصارعة فهناك القائلني بحرية‬
‫التملك واالستثامر والقائلني بالحرية للشعب وال حرية ألعداء ألشعب!‬
‫السؤال ما هو الشعب؟ وكيف يتكلم؟ والتجارب املأساوية للقرنني املاضيني‬
‫التاسع عرش والعرشين ال تعني إجابات حاسمة فالشعب مرات ثوري‬
‫ومرات أخري يعطي السلطة لقوى رجعية !والشعب ليس كيانا متجانسا‬
‫وال متامسكا من لحظة سياسية ألخرى فقد شاهدنا يف الثورة الفرنسية‬
‫وف الثورات‬
‫كيف تخلص من امللكية ليضع بدال منها إمرباطور(بونابرت)؛ يِ‬
‫األوربية ‪ 1848‬انقلب الوضع من ثورات تحررية لينتج يف األخري سلطات‬
‫وف الثورة ال ّروسية بعد وعود بتخطي‬
‫محافظة ورجعية ىف كل بلدن القارة؛ يِ‬
‫الدميوقراطية الربجوازية املحدودة! للدميوقراطية عاملية بال ضفاف لينتج‬
‫يف األخري النظام الشمويل وتخترص الطبقة يف الحزب ويخترص الحزب ملكتبه‬
‫السيايس ويخترص املكتب السيايس أليب الشعب ومالك الحكمة األمني العام!‬
‫مل تودي الثورات التالية لتأسيس جمهوريات دميوقراطية اجتامعية ولكنها‬
‫أنتجت نظم هي مسخ للنظام السوڤييتي سواء يف آسيا أو أمريكا الالتينية!‬
‫قد يندفع رجعي متهور ليقول بان الثورات كانت بذاتها عمليات خاطئة‬
‫تاريخيا ألنها مل تحقق وعودها! «أريك هوبسباوم» املورخ املاركيس‬
‫االنجليزي األشهر «عىل الرغم من هزائم ثورات ‪ 1848‬التى ظنها البعض بأنه‬
‫انتهت بعودة األنظمة القدمية‪ ،‬فإن ما ناضل ألجله ثوارها قد تحقق عىل‬
‫مدي طويل! وكذلك سيكون مصري الثورات العربية التي يبدو إنها ُهـزمت»!‬
‫يف كتابه العمد ًة «الثورة األمريكية»يشري «ألكيس توكفيل»مللمح هام هو»مل‬
‫السيادة‬
‫يخرتع األمريكيون شيئا مل يتعودوا عليه فخالل قرنني كانوا تحت ّ‬
‫الربيطانية ميارسون اجتامعات املدن وانتخاب املسؤولني من املأمور للعمدة‬
‫واملحلفني والقضاة يف املحاكم !فلم يكن واضعو الدستور يقومون سوى‬
‫بصياغة هذه املامرسة يف نص دستوري»! الثقافة السياسية باملعني الشامل‬
‫واملتمثلة يف أساليب ومبادئ يومية إلدارة الشأن العام هي يف التحليل األخري‬
‫تعودات (‪ )Habitus‬لو استخدمنا املصطلح «البورديريي» بترصف الئق!‬
‫الثورات ليست نتيجة إلرادة! والشعب ليس متجانسا وال متكافئا من لحظة‬
‫سياسية وأخرى!! والجامهري لديها ذاكرة سياسية تتضمن تقاليد وثقافة سياسية‬
‫هي إما دميوقراطية أو استبدالية شمولية أو خليط من كليهام تتوزعه طبقاتها‬
‫بشكل متفاوت ومركب!وكام ليس من الطبيعي دامئا أن تنتهي كل قص ًة حب‬
‫بزواج سعيد فليس كل ثورة تنتهي بتحقيق الحرية السياسية واإلجتامعية‬
‫! إذ هناك مجال مفتوح يسمى رصاع الطبقات قد ينتهي بالنكوص ويرتهن‬
‫هذا الرصاع ليس فقط مبا هو محيل لكن عىل األخص بعوامل دولية!فكام‬
‫أرتهن مصري الثورة الروسية مبصري الثورة األملانية التي انهزمت وبالتايل كان‬
‫النكوص الرتميدوري بحسب أحد العارفني بالثورات(ليون تروتسيك )‪،‬فقد‬
‫ارتبط مصري الثورة التونسية بالثورات العربية األخرى التي شهدت نكوصا‬
‫وتحولت بعضها إىل حروب طائفية ودولية مرعبة كام يف سوريا واليمن!‬
‫«بن عيل هرب» مل تكن هذه الجملة عىل لسان احد املحرضني عىل الثورة‬
‫نهاية للحكاية بل إعالن عن رفع الستار عن رصاع اجتامعي وسيايس مازلنا‬
‫نشهد وقائعة!الحقيقة أن الهروب نفسه يضع موضوع الثورة محل تساؤل‬
‫!ففي القرن التاسع عرش وعند تقرير مصري لويس السادس عرش رصح‬
‫«سان غوست» يف الجمعية الوطنية بأنه»ينبغي قَص رأس الطاغية باملقصلة‬
‫عىل مشهد من الشعب(الفالحني) ليدرك الناس بأنه كان شخصا وليس‬
‫إلها ودون محاكمة ألنه هو ذاته مل يضع قانونا ملحاكمته فقد كان يُعترب‬
‫إلها» !إذا مل تكن مجرد طقوس دموية لثوريني غليظي القلوب بل تعبري‬
‫عن انتقال السيادة للشعب وهنا طرح «ماكسيميالن روبسبيري» املعضلة‬
‫ما هو الشعب؟وسيحاول التاريخ اإلجابة عرب قرنني من الثورات املنترصة‬
‫واملهزومة واملغدورة! لكن إجابته ليست شافي ًة حتى اآلن ‪-‬ككل إجابات‬
‫التاريخ ‪-‬وليست مؤكدة !املهم إن رحيل بن عيل ذاته ً‬
‫ترك عملية الثورة‬
‫معلقة وبتذكر االسم (امل ُبزع) الذي خلفه يف قرص»قرطاچ» ثم الذي تاله !ثم‬
‫الذي تاله! نستطيع أن نُدرك أن النظام القديم باقٍ ويناور حتى بالتضحية‬
‫برأسه ! يف املراحل التالية لرحيل املستبد لألرايض املقدسة! تم استدعاء‬
‫ما يُسمى الشعب ليك ميارس السياد ًة االنتخابية وهو ليس منظام! وكانت‬
‫النتائج كام نعرف؛ وميكن عىل األقل وصفها باملحافظية حتى ال نقول رجعية!‬
‫وبينام الوضع اإلقليمي يتغري بهيمن ًة اإلمارات واملاملك النفطية عىل‬
‫الساح ًة العربية وتوليد أنظمة تابع ًة لها‪ ،‬وكذلك يتغري الظرف الدويل‬
‫بانتخاب حكومات ميينية متطرفة يف كل مكان تقريبا ىف الغرب وأمريكا‬

‫الالتينية تصبح الثورة التونسية كام لو كانت «الثورة اليتيمة» عىل مائدة‬
‫اللئام! ويستطيع املتابع للعودة غري امليمونة لوزراء «بن عيل» لتويل‬
‫املسؤوليات يف حكومات متنوعة والعودة مجددا لبعث أسطورة «الحبيب‬
‫بورقيبة» محرر البالد وباين الدولة الوطنية و ُمخلص الشعب من القمل‬
‫والجهل واملرض !اليشء الوحيد الذي مل يتجرؤوا عليه هو أيقونة «فرحات‬
‫حشاد» يف مكانه األعىل من القصبة(الدولة) ذاتها!معربا عن مفهوم آخر‬
‫للشعب !الشعب منظام ومؤطرا وليس فقط أمام صناديق االنتخاب!‬
‫ليست تونس كأملانيا وال كالربازيل !اقتصاديا ميكن التعرف عىل حدود‬
‫االقتصاد التونيس بالتجول يف أسواق «الفريب»التي تُغرق البالد وتعوق‬
‫بناء صناعة استهالكية بسيطة وهى مل تعد مقترصة عىل األحياء الشعبية‬
‫والفقرية‪،‬بل هناك جمهور واسع من الطبقة الوسطي يحصل عىل حاجياته‬
‫من هذه األسواق التي رمبا تنفرد تونس باتساعها وسمعتها !واملنتج الوطني‬
‫الوحيد القابل للتصدير هو زيت الزيتون الذي هو معتمد بشكل كبري‬
‫عىل تقلبات الطقس وهطول األمطار !املنتج األسايس الثاين هو السياحة‬
‫وهو عىل ما نعرف تقديم خدمات لالصطياف واإلجازات ملواطنني يأتون‬
‫أساسا من أوربا والجزائر وكل اضطراب سيايس وأي حركات اجتامعية‬
‫وحتى كوارث طبيعية تُفشل املواسم السياحية لفرتات غري مقدرة سلفا!‬
‫الصناديق االجتامعية يف حالة عجز مستمر وال تستطيع املوازنة العامة‬
‫للدولة أن تسد هذا العجز إال عرب االستدانه من املؤسسات املالية الدولية!‬
‫أملؤسسات االقتصادية العامة يف حالة خسارة متواصلة وهى ال تستطيع أن‬
‫تعاون االقتصاد الوطني إال بإصالحها من القاعدة للقمة! وخصخصتها تعني‬
‫ببساطة تصفيتها وتحويل أراضيها ألراض لبناء املركبات السكانية الجديدة‬
‫والتي ال يوجد لها مشرتين بفعل ركود أسواق العقارات وانخفاض القدرة‬
‫الرشائية للطبقة الوسطي!‬
‫الجهات يزداد الشق بينها وبني عاصمة البالد بفعل التهميش املتزايد لسكانها‬
‫والبطالة املعممة لشبابها وهذا ما تعرب عنه حركات االحتجاج املتكررة وقطع‬
‫طرق املواصالت والغضب املتكرر الذي يتحول يف كثري من املرات لعنف‬
‫وخاصة يف الوسط و الحوض املنجمي ويتوقف تصدير الفوسفاط املنتج‬
‫األول للتصدير ومصدر العملة الصعبة!‬
‫اإلدارة الحكومية غري كفأة ومثقلة ببطالة مقنعة وتعيق تسيري‬
‫الحياة اليومية للسكان بتدابري بريقراطية ال معنى لها ينبغي تخفيف‬
‫اآللة البريوقراطية التي ال تعمل وتعوق النمو وتكدر الناس!‬
‫البنية األساسية تتهالك وال يوجد موارد كافية لتجديدها‪ ،‬ومع كل اضطراب‬
‫مناخي تتكشف هشاشة الطرق وانسداد الوديان ويتحول الريف واملدينة‬
‫لبحريات وتتوقف النشاطات االقتصادية وهيئات اإلغاثة غري مؤهلة‬
‫املوقف السيايس ليس بأحسن حال !تفتت وتذرر التيارات السياسية هو‬
‫الخرب اليومي سواء عىل اليمني أو اليسار!مام ال يسمح بتكوين كتل سياسية‬
‫كربى تستطيع أن تقوم بتعبئة حقيقية للسكان وتجمع الكادرات للدراسة‬
‫واالقرتاح يف مرشوع للنهوض الوطني! والتيارات املحافظة القدمية ال تسعى‬
‫سوى إلعادة نفوذها القديم عرب التمركز يف جهاز الدولة التنفيذي!هذا يف‬
‫مجتمع مل تختفي فيه يوما التعصبات الجهوية والعروشية التى أخفتها دولة‬
‫االستقالل بواسطة القمع واقتسام امليزات غري املتامثلة وبالحراك التعليمي‬
‫إىل حني!‬
‫مجمل هذه األوضاع تجعل إمكانية ازدهار دميوقراطي بعيدة املنال‪،‬‬
‫حيث املامرسة السياسية الدميوقراطية تتطلب منط حياة مستقر‬
‫وانتشار القيم الدميوقراطية من ُح ِّريَة التعبري واحرتام االختالف وليس‬
‫االحرتاب الكالمي والتحشيد الدمياغوجي! و األمر الذي مينع التدهور‬
‫للموقف الحايل رمبا هو فقط وجود بعض املنظامت االجتامعية الفاعلة‬
‫يف تخفيض ظاهرة االحرتاب والدعوة لتوافقات عىل الحدود الدنيا!‬

‫رشط رضوري للحكم الدميوقراطي هو تجسد ميني ويسار ككتل‬
‫منظمة بينها تخوم واضحة برنامجية وتنظيمية وعندما ينتفي هذا‬
‫األمر مع تحلل لكل من املعسكرين فإنه يتم التعويض باستدعاء‬
‫جهاز الدولة الدائم للحكم مبراسيم وهي الظاهرة التي تسمى تاريخيا‬
‫«البونابرتيه»‪ .‬وخالل األزمات السياسية املتكررة كانت األصوات‬
‫تُسمع التي تدعو للحلول محل السياسيني وانتظار البيان رقم واحد!‬
‫يف ظل األزمة االجتامعية الراهنة وتتابعاتها السياسية ومع انتفاء تكون أ ّي‬
‫كتلة مهيمنة عىل اليمني أو عىل اليسار يبدو الباب مفتوحا عىل مرصاعيه أمام‬
‫املغامرين الذين يرفعون شعارات النظام واالنضباط والوطن‪ .‬وعودة مؤسسة‬
‫الرئاسة للعب دور كبري يف الحياة السياسيةهو مؤرش عىل تدهور عن األوضاع‬
‫التي كانت الثورة تبتغيها من بناء كيان دميوقراطي لجمهورية برملانية ‪.‬‬
‫الدميوقراطية يف نهاية املطاف تنظيم للحكم عرب آليات دستورية‬
‫وانتخابية تفرتض بقاء جهاز الدولة الدائم بعيدا عن األطراف‬
‫السياسية املتنافسة!لكن جهاز الدولة بانتامء كوادره وتكوينهم‬
‫ليس بعيدا عن املكونات السياسيّة التقليدية والتي تحكم منذ‬
‫عقود وقد ينشأ رشط تستخدمه يف قمع منافسيها وفرض النظام‪.‬‬
‫تونس يف منعطف خطري وهذا األمر تكرره األصوات عىل مختلف صفحات‬
‫الصحف ومختلف قنوات التليفزيون وفيِ جلسات املجالس البلدية‬
‫والنيابية!فالحرية السياسية الوليدة رمبا تكون يف طريق جرف منهمر!وكل‬
‫األصوات التي تدعي الخصوصية التونسية ال تخربنا ملاذا ُح ِكمت البالد‬
‫باالستبداد واملحسوبية واألوامر الرئاسية منذ االستقالل وليست الدميوقراطية‬
‫السياسية والتي هي وافد جديد!وقد تتحول الحرية الفعلية التي متارسها‬
‫البالد منذ ثورة جانفي ملجرد جملة اعرتاضية يف تاريخ مرير للحكم املستبد!‬
‫التاريخ ليس مجاله التفاؤل وال التشاؤم لكن التحليل املنتبه للوضع العام‬
‫التونيس يستدعى االنتباه والحذر من اإلفراط يف توقعات وردية!لكن تدخل‬
‫الوعي يف التاريخ هو أمر محتمل جدا! وعىل القوى الحية يف البالد أن تعمل‬
‫عىل التوافق عىل خطة عاجلة لإلنقاذ الوطني األمر الذي تتوافر له إمكانيات‬
‫داخل املنظامت االجتامعية التي تقل فيها الحزازيات املعروفة يف املجال‬
‫السيايس‪ .‬وهذا يتطلب عمل مثقفني وباحثني ملتزمني لصياغة توقعات‬
‫وإمكانيات الخروج من النفق والقوى االجتامعية املؤهلة للقيادة واألمثان‬
‫املختلفة التي ينبغي عىل كل رشيحة اجتامعية تسديدها حتى يتقاسم‬
‫الجميع املعاناة وال يطالبوا فقط بالجوائز عندما يأيت الرخاء! وهو ما يفرتض‬
‫مناقشة عىل أوسع نطاق وليس تقليصا للمجال السيايس وليس هذا فقط‬
‫بل من املفرتض أن تقوم هيئات اجتامعية وطنية باقرتاج رزنامة محددة‬
‫وعناوين واضحة للجدال حتى ال يصبح عىل صورة الحوارات التلفزيونية!‬
‫ولَم ال!؟ دعوة العديد من املفكرين والباحثني األجانب للمناقشة حول‬
‫توقعاتهم لألزمة التونسية وهو أمر ال يبدو غريبا يف بالد تستقبل يوميا ىف‬
‫مهرجاناتها العديد من األشخاص غري املفيدين عىل اإلطالق !ملاذا ال نُرشك من‬
‫لهم دراية ومحبة للبالد للمعاونة عىل تحديد التدخل املمكن عىل الصعيدين‬
‫االقتصادي واالجتامعي ملنع كارثة محدقة‪.‬‬
‫يف األخري «كل عقدة وليها حالل»والعقدة التونسية ليست استثنائية يف‬
‫التاريخ العام وتاريخ البالد التونسية خاصة ولكنه هذه املرة تأيت يف ظروف‬
‫اقتصادية واجتامعية محليّة ودوليّة غري مالمئة للتطور الدميوقراطي الذي‬
‫بدأته البالد بثورتها اليتيمة! ومن نافلة القول تكرار إن التاريخ به دامئا أشياء‬
‫غري متوقعة! فهل تستطيع البالد التونسية إعطاء هذا املثال غري املنتظر ببناء‬
‫دميوقراطية مزدهرة وسط صحراء االستبداد؟‬
‫إمكانية بناء دميوقراطية يف ظروف يف غالبيتها داخليا و محيطيا (عربيا‬
‫وأفريقيا)ودوليا معاكسة هو التحدي الذي يواجه تونس اآلن فهل تقدر؟‬

‫‪12‬‬

‫الخميس ‪ 13‬ديسمرب ‪ - 2018‬املوافق لـ ‪ 6‬ربيع الثاين ‪ - 1440‬العدد ‪74‬‬

‫دولة االستقالل ﺑﻦﻴ ﺍﻹﺭﺗﺠﺎﻝ ﻭﺍﻹﺭﺗﻬﺎﻥ‬
‫ﻋﺎﻃﻒ ﺭﺟﺐ *‬

‫اﻧﺘﻬﺖ ﺍﻟﺤﻘﺒﺔ ﺍالﺳﺘﻌﺎﻤﺭﻳﺔ‬
‫ﺑﺘﻮﻧﺲ ﺳﻨﺔ ‪ 1956‬ﺑﻌﺪ ‪75‬‬
‫ﺳﻨﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﺨﻀﻮﻉ ﺗﺤﺖ‬
‫ﻭﻃﺄﺓ ﺍالﺳﺘﻌﺎﻤﺭ ﺍﻟﻔﺮﻧﻲﺴ‪،‬‬
‫ﻟﻘﺪ ﺑﺪﺍ ﻟﻮﻫﻠﺔ ﺃﻥ ﺇﻧﻬﺎﺀ‬
‫ﺍﻟﺘﻮﺳﻊ ﺍالﻣﺮﺒﻳﺎﻲﻟ ﻭﺍﻟﺤﺼﻮﻝ‬
‫ﻋﻰﻠ ﺍالﺳﺘﻘﻼﻝ ﺗﻄﻮﺭ ﻣﻬ ّم‬
‫ﻭﺇﻧﺠﺎﺯ ﻛﺒﺮﻴ ﻧﺤﻮ ﺑﻨﺎﺀ ﺩﻭﻟﺔ‬
‫ﻣﺴﺘﻘﻠﺔ‪ ،‬ﺇﻻ ﺃﻥ ﻫﺬﺍ ﻢﻟ ﻳﺤﺼﻞ ﻲﻓ ﻇﻞ ﺍالﺭﺗﺠﺎﻝ ﺍﻟﺬﻱ ﺭﺍﻓﻖ ﺑﻨﺎﺀ ﺩﻭﻟﺔ‬
‫ﺍالﺳﺘﻘﻼﻝ ﺧﻼﻝ ﺍﻟﺴﻨﻮﺍﺕ ﺍﻷﻭﻰﻟ لالﺳﺘﻘﻼﻝ ﻭﻏﻴﺎﺏ ﺍﻷﺳﺲ ﺍﻤﻟﺘﻴﻨﺔ ﻣﺎﻤ‬
‫ﺃﺩﻯ ﺇﻰﻟ ﺳﻘﻮﻁ ﺍﻟﺒﻼﺩ ﺗﺤﺖ ﻭﻃﺄﺓ ﺍالﻣﺮﺒﻳﺎﻟﻴﺔ ﺍﻟﻌﺎﻤﻟﻴﺔ ﻟﺘﺪﺧﻞ ﻣﺮﺣﻠﺔ ﻣﻦ‬
‫ﺍالﺭﺗﻬﺎﻥ ﺗﺘﻮﺍﺻﻞ ﺇﻰﻟ ﺍﻟﻴﻮﻡ‪ .‬ﻋﻤﻠﺖ ﺗﻮﻧﺲ ﻣﻨﺬ اﺳﺘﻘﻼﻟﻬﺎ ﻋﻰﻠ ﺑﻨﺎﺀ ﺇﻗﺘﺼﺎﺩ‬
‫ﻭﻃﻨﻲ‪ ،‬ﺇﻻ ﺃﻧﻬﺎ ﻟﺠﺄﺕ ﺇﻰﻟ ﺳﻴﺎﺳﺎﺕ ﻣﺴﻘﻄﺔ ﻻ ﺗﺘﺎﻤﻰﺷ ﻣﻊ ﺍﻟﺨﺼﻮﺻﻴﺔ‬
‫ﺍﻟﺘﻮﻧﺴﻴﺔ‪ ،‬ﻫﺬﺍ ﺍالﺭﺗﺠﺎﻝ ﻲﻓ ﺍﻟﺘﻌﺎﻣﻞ ﻣﻊ ﺍﻤﻟﺴﺄﻟﺔ ﺍالﻗﺘﺼﺎﺩﻳﺔ ﺃﺳﻘﻂ ﺍﻟﺒﻼﺩ‬
‫ﻲﻓ ﺍﻟﻌﺪﻳﺪ ﻣﻦ ﺍﻷﺯﻣﺎﺕ ﻭﺍﻟﺘﻨﺎﻗﻀﺎﺕ‪ .‬ﺍﻟﺒﺪﺍﻳﺔ ﻛﺎﻧﺖ ﻣﻊ ﺗﺠﺮﺑﺔ ﺍﻟﺘﻌﺎﺿﺪ‬
‫ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺠﺴﺪ ﺍالﺭﺗﺠﺎﻝ ﻲﻓ ﺃﺗﻢ ﺻﻮﺭﻩ‪ ،‬ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺘﺠﺮﺑﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻮﺍﺻﻠﺖ ﻋﻰﻠ‬
‫ﻣﺪﻯ ﻓﺮﺘﺓ ﺍﻟﺴﺘﻴﻨﺎﺕ ﺗﻌﺘﺮﺒ ﻓﺮﺘﺓ ﻫﺎﻣﺔ ﻣﻦ ﺗﺎﺭﻳﺦ ﺩﻭﻟﺔ ﺍالﺳﺘﻘﻼﻝ ﻤﻟﺎ ﺭﺍﻓﻘﻬﺎ‬
‫ﻣﻦ ﺇﺷﻜﺎﻟﻴﺎﺕ ﻭﺗﻨﺎﻗﻀﺎﺕ‪ .‬اﺗﺨﺬﺕ‬
‫ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺘﺠﺮﺑﺔ ﺍالﺷﺮﺘﺍﻛﻴﺔ ﺍﻟﻌﻠﻤﻴﺔ‬
‫ﻣﺮﺟﻌﺎ ﻧﻈﺮﻳﺎ ﻟﻬﺎ ﺣﻴﺚ ﻛﺎﻧﺖ ﺗﻬﺪﻑ‬
‫ﺇﻰﻟ اﺳﺘﺌﺼﺎﻝ ﺍﻟﺒﻨﻰ ﻣﺎ ﻗﺒﻞ ﺍﻟﺮﺃﺳﺎﻤﻟﻴﺔ‪،‬‬
‫ﺗﻄﻮﻳﺮ ﺍﻹﻧﺘﺎﺝ ﻭﻣﺤﻮ ﺍﻟﻔﻮﺍﺭﻕ ﺍﻟﻄﺒﻘﻴﺔ‬
‫ﻭﺍﻟﺠﻬﻮﻳﺔ‪ ،‬ﺑﺬﻟﻚ ﻣﻜﻨﺖ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺘﺠﺮﺑﺔ‬
‫ﺍﻟﺪﻭﻟﺔ ﻣﻦ ﺍالﺿﻄﻼﻉ ﺑﺄﻛﺮﺒ ﺍﻤﻟﻬﺎﻡ‬
‫ﺍالﻗﺘﺼﺎﺩﻳﺔ ﻭﻭﺿﻌﺖ ﺣﺪﺍ ﻟﻌﻬﺪ ﺍﻟﺤﺮﻳﺔ‬
‫ﺍالﻗﺘﺼﺎﺩﻳﺔ ﺍﻤﻟﻄﻠﻘﺔ‪ .‬ﺑﺎﻤﻟﻘﺎﺑﻞ‪ ،‬اﺭﺗﻜﺰﺕ‬
‫ﺗﺠﺮﺑﺔ ﺍﻟﺘﻌﺎﺿﺪ ﺃﺳﺎﺳﺎ ﻋﻰﻠ ﺍﻟﻘﺮﻭﺽ‬
‫ﺍﻷﺟﻨﻴﺔ ﺍﻤﻟﺘﺄﺗﻴﺔ ﺃﺳﺎﺳﺎ ﻣﻦ ﺍﻟﻮﻻﻳﺎﺕ‬
‫ﺍﻤﻟﺘﺤﺪﺓ ﺍﻷﻣﺮﻳﻜﻴﺔ ﻭﺍﻟﺒﻨﻚ ﺍﻟﺪﻭﻲﻟ‬
‫ﻟﻺﻧﺸﺎﺀ ﻭﺍﻟﺘﻌﻤﺮﻴ ﻭﺍﻟﺘﻲ ﺑﻠﻐﺖ ‪ 40٪‬ﻣﻦ‬
‫ﻣﺠﻤﻮﻉ ﺍالﺳﺘﺜﺎﻤﺭﺍﺕ ﺍﻤﻟﺮﺻﻮﺩﺓ ﻟﻌﺮﺸﻳﺔ ﺍﻟﺴﺘﻴﻨﺎﺕ‪.‬‬
‫ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺘﻨﺎﻗﺾ ﺍﻟﺬﻱ ﺟﻤﻊ ﺑﻦﻴ ﻧﻈﺮﻳﺔ اﺷﺮﺘﺍﻛﻴﺔ ﻭﻤﺗﻮﻳﻞ ﺇﻣﺮﺒﻳﺎﻲﻟ ﺳﺎﻤﻩ‬
‫ﻣﻬﻨﺪﺱ ﺗﺠﺮﺑﺔ ﺍﻟﺘﻌﺎﺿﺪ ﺃﺣﻤﺪ ﺑﻦ ﺻﺎﻟﺢ ﻣﻨﻬﺠﺎ ﻭﺳﻄﻴﺎ ﺗﻮﻧﺴﻴﺎ ﺧﺎﻟﺼﺎ‬
‫ﻣﻨﻜﺮﺍ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﺍﻟﺘﻌﺎﺿﺪ ﺣﺎﻣﻼ ﻤﻟﺮﺟﻌﻴﺔ إيدﻳﻮﻟﻮﺟﻴﺔ‪ .‬ﻢﻟ ﺗﻨﺠﺢ ﻫﺬﻩ‬
‫ﺍﻟﺨﻠﻄﺔ ﺍﻟﺘﻮﻧﺴﻴﺔ‪ ،‬ﻓﺎﻟﺘﻨﺎﻗﺾ ﺍﻟﺬﻱ آﻧﺒﻨﺖ ﻋﻠﻴﻪ ﺇﺿﺎﻓﺔ ﺇﻰﻟ ﻏﻴﺎﺏ ﺍﻟﻮﻋﻲ‬
‫ﺍﻟﻄﺒﻘﻲ ﻭﻋﺪﻳﺪ ﺍﻟﻌﻮﺍﻣﻞ ﺍﻟﺪﺍﺧﻠﻴﺔ ﺍﻷﺧﺮﻯ ﺗﻈﺎﻓﺮﺕ ﺟﻤﻴﻌﻬﺎ ﻟﺘﻌﺠﻞ‬
‫ﺑﺈﻧﻬﺎﺀ ﺍﻟﺘﻌﺎﺿﺪ‪ ،‬ﻓﺨﺮﺴﺕ ﺗﻮﻧﺲ ﺑﺬﻟﻚ ﻋﺮﺸﻳﺔ ﻛﺎﻣﻠﺔ ﺇﺿﺎﻓﺔ ﺇﻰﻟ ﺧﺴﺎﺭﺓ‬
‫ﺛﺮﻭﺍﺕ ﻫﺎﻣﺔ ﻭﻢﻟ ﺗﺤﺴﺐ ﻟﻬﺬﻩ ﺍﻟﺘﺠﺮﺑﺔ ﺇﻳﺠﺎﺑﻴﺎﺕ ﺗﺬﻛﺮ ﺳﻮﻯ ﻭﺿﻊ ﺑﻨﻰ‬
‫ﺗﺤﺘﻴﺔ ﻟﻠﻤﺆﺳﺴﺎﺕ ﺍﻟﺮﺘﺑﻮﻳﺔ ﻭﺍﻹﺩﺍﺭﻳﺔ ﺇﺿﺎﻓﺔ ﺇﻰﻟ ﺗﺪﻋﻢ آﻧﺘﺸﺎﺭ ﺍﻟﺘﻌﻠﻴﻢ‪.‬‬
‫ﺧﻼﻝ ﻓﺮﺘﺓ ﺍﻟﺴﺒﻌﻴﻨﺎﺕ اﻋﺘﻤﺪ ﺍﻟﻮﺯﻳﺮ ﺍﻷﻭﻝ ﺍﻟﻬﺎﺩﻱ ﻧﻮﻳﺮﺓ ﺗﻮﺟﻬﺎ ﻟﻴﺮﺒﺍﻟﻴﺎ‪،‬‬
‫ﻓﺴﺎﺭﻉ ﺇﻰﻟ ﺇﺯﺍﻟﺔ ﭐﺛﺎﺭ ﺗﺠﺮﺑﺔ ﺍﻟﺘﻌﺎﺿﺪ ﻭﺃﻋﻄﻰ ﺍﻷﻭﻟﻮﻳﺔ ﻟﻠﻘﻄﺎﻉ ﺍﻟﺨﺎﺹ‪،‬‬
‫ﻛﺎﻤ ﺷﺠﻌﺖ ﺍﻟﺪﻭﻟﺔ ﺍﻟﺼﻨﺎﻋﺎﺕ ﺍﻤﻟﻌﻤﻠﻴﺔ ﻭﺩﻋﻤﺖ ﺍﻤﻟﺒﺎﺩﺭﺓ ﺍﻟﺨﺎﺻﺔ ﺍﻤﻟﺤﻠﻴﺔ‬
‫ﻭﺍﻷﺟﻨﺒﻴﺔ ﺣﻴﺚ ﻗﺎﻣﺖ ﺍﻟﺪﻭﻟﺔ ﺑﺴﻦ ﻗﺎﻧﻮﻥ ﺃﻓﺮﻳﻞ ‪ 1972‬ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻬﺪﻑ‬
‫ﺇﻰﻟ ﺟﻠﺐ ﺍالﺳﺘﺜﺎﻤﺭﺍﺕ ﺍﻷﺟﻨﺒﻴﺔ ﻣﻘﺎﺑﻞ اﻣﺘﻴﺎﺯﺍﺕ ﺟﻤﺮﻛﻴﺔ ﻭﺟﺒﺎﺋﻴﺔ‪ .‬ﺭﻏﻢ‬
‫ﺃﻥ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﺔ ﻛﺎﻥ ﻟﻬﺎ ﻧﺘﺎﺋﺞ ﺇﻳﺠﺎﺑﻴﺔ ﺧﻼﻝ ﺍﻟﻨﺼﻒ ﺍﻷﻭﻝ ﻣﻦ ﻓﺮﺘﺓ‬
‫ﺍﻟﺴﺒﻌﻴﻨﺎﺕ ﺣﻴﺚ اﺭﺗﻔﻊ ﻧﺴﻖ ﺍﻟﻨﻤﻮ ﻭﺗﺤﻘﻘﺖ ﺻﺤﻮﺓ اﻗﺘﺼﺎﺩﻳﺔ ﺗﺰﺍﻣﻨﺎ‬
‫ﻣﻊ ﺗﻌﺎﻗﺐ ﺳﻨﻮﺍﺕ ﻣﻤﻄﺮﺓ ﻭاﺭﺗﻔﺎﻉ ﺃﺳﻌﺎﺭ ﺍﻟﻨﻔﻂ‪ ،‬ﺇﻻ ﺃﻥ ﺍﻟﺴﻠﺒﻴﺎﺕ‬
‫ﻃﻔﺖ ﺧﻼﻝ ﺍﻟﻨﺼﻒ ﺍﻟﺜﺎﻲﻧ ﻣﻦ ﺍﻟﻌﺮﺸﻳﺔ ﺣﻴﺚ ﻣﺜﻞ ﺍﻟﻘﻄﺎﻉ ﺍﻟﻌﺎﻡ ﻋﺒﺌﺎ‬
‫ﻋﻰﻠ ﻣﻴﺰﺍﻧﻴﺔ ﺍﻟﺪﻭﻟﺔ ﻧﻈﺮﺍ ﻟﻀﻌﻒ ﻣﺮﺩﻭﺩﻳﺘﻪ‪ ،‬ﻛﺎﻤ ﺗﻐﻠﻐﻞ ﺍﻟﺘﻮﺍﺟﺪ ﺍﻷﺟﻨﺒﻲ‬
‫ﺧﺎﺻﺔ ﻣﻊ ﺍﻟﺴﺎﻤﺡ ﺑﺮﺘﻛﻴﺰ ﻓﺮﻭع ﻟﻠﺒﻨﻮﻙ ﺍﻷﺟﻨﺒﻴﺔ ﺑﺘﻮﻧﺲ‪ ،‬ﻭﺑﺬﻟﻚ ﻤﻳﻜﻦ‬
‫اﻋﺘﺒﺎﺭ ﻓﺮﺘﺓ ﺍﻟﺴﺒﻌﻴﻨﺎﺕ ﻣﺮﺣﻠﺔ ﻭﺿﻊ ﺍﻷﺳﺲ ﺍﻷﻭﻰﻟ ﻟﻠﻬﻴﻤﻨﺔ ﺍالﻣﺮﺒﻳﺎﻟﻴﺔ‬
‫ﻋﻰﻠ ﺗﻮﻧﺲ‪ ،‬ﻭﻫﻮ ﻣﺎ ﻳﺪﻓﻌﻨﺎ ﺇﻰﻟ ﺗﺮﺟﻴﺢ ﺍﻟﻔﻜﺮﺓ ﺍﻟﻘﺎﺋﻠﺔ إﻥ ﻣﻮﺟﺎﺕ‬
‫ﺍالﺳﺘﻘﻼﻝ ﻲﻓ ﺣﺪ ﺫﺍﺗﻬﺎ ﻤﺗﺜﻞ ﻣﺤﻄﺔ ﻫﺎﻣﺔ ﻲﻓ ﺣﺮﺏ ﺍﻟﺘﻤﻮﻗﻊ ﺑﻦﻴ ﺍﻟﻘﻮﻯ‬
‫ﺍﻹﻣﺮﺒﻳﺎﻟﻴﺔ ﺍﻟﻌﺎﻤﻟﻴﺔ‪ ،‬ﻓﺎﻟﺤﺮﺏ ﺍﻟﻌﺎﻤﻟﻴﺔ ﺍﻟﺜﺎﻧﻴﺔ ﻏﺮﻴﺕ ﻣﻮﺍﺯﻳﻦ ﺍﻟﻘﻮﻯ ﺍﻟﻌﺎﻤﻟﻴﺔ‬
‫ﻟﺼﺎﻟﺢ ﺍﻟﻮﻻﻳﺎﺕ ﺍﻤﻟﺘﺤﺪﺓ ﺍﻷﻣﺮﻳﻜﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ آﻧﻔﺮﺩﺕ ﺑﺰﻋﺎﻣﺔ ﺍﻟﺸﻖ ﺍﻟﺮﺃﺳﺎﻤﻲﻟ‬
‫ﻲﻓ ﺍﻤﻟﻘﺎﺑﻞ ﻓﺈﻥ ﺍﻟﻘﻮﻯ ﺍﻟﺮﺃﺳﺎﻤﻟﻴﺔ ﺍﻷﻭﺭﻭﺑﻴﺔ ﺃﺳﺎﺳﺎ ﻓﺮﻧﺴﺎ ﻭﺑﺮﻳﻄﺎﻧﻴﺎ‬
‫ﺃﻧﻬﻜﺘﻬﺎﻤ ﺍﻟﺤﺮﺏ ﻭﺃﻓﻘﺪﺗﻬﺎﻤ ﺟﺰﺀﺍ ﻫﺎﻣﺎ ﻣﻦ ﻗﻮﺍﻫﺎﻤ‪ ،‬ﻟﺬﻟﻚ ﻋﻤﻠﺖ‬
‫ﺍﻟﻮﻻﻳﺎﺕ ﺍﻤﻟﺘﺤﺪﺓ ﻋﻰﻠ ﺩﻋﻢ ﺣﺮﻛﺎﺕ ﺍﻟﺘﺤﺮﺭ ﻣﻦ ﺧﻼﻝ ﺩﻋﻮﺓ ﻭﻟﺴﻦ ﺇﻰﻟ‬
‫ﺣﻖ ﺍﻟﺸﻌﻮﺏ ﻲﻓ ﺗﻘﺮﻳﺮ ﻣﺼﺮﻴﻫﺎ ﻭﺩﻋﻢ ﺍﻤﻟﻨﻈﺎﻤﺕ ﺍﻷﻣﻤﻴﺔ ﺍﻤﻟﻮﺍﻟﻴﺔ ﻷﻣﺮﻳﻜﺎ‬
‫ﻛﻤﻨﻈﻤﺔ ﺍﻷﻣﻢ ﺍﻤﻟﺘﺤﺪﺓ ﻭﺫﻟﻚ ﺃﻭﻻ ﻟﺘﺠﺮﻳﺪ ﺍﻟﻘﻮﻯ ﺍالﺳﺘﻌﺎﻤﺭﻳﺔ ﺍﻷﻭﺭﻭﺑﻴﺔ‬
‫ﻣﻦ ﺍﻤﻟﺴﺘﻌﻤﺮﺍﺕ ﺍﻟﺘﻲ ﻤﺗﺜﻞ ﻣﺨﺰﻭﻧﺎ ﻫﺎﻣﺎ ﺗﺘﺪﺍﺭﻙ ﻣﻦ ﺧﻼﻟﻪ ﺧﺴﺎﺋﺮ‬
‫ﺍﻟﺤﺮﺏ ﻭﺛﺎﻧﻴﺎ الستغالل ﺍﻤﻟﺴﺘﻌﻤﺮﺍﺕ ﻛﺄﺳﻮﺍﻕ ﺃﻣﺮﻳﻜﻴﺔ ﺟﺪﻳﺪﺓ‪ .‬ﺗﻜﺮﺳﺖ‬
‫ﻓﻜﺮﺓ ﺍالﺭﺗﻬﺎﻥ ﻟﻠﻘﻮﻯ ﺍالﻣﺮﺒﻳﺎﻟﻴﺔ ﻓﻌﻠﻴﺎ ﻣﻨﺬ ﺍﻟﺜﺎﻤﻧﻴﻨﺎﺕ‪ ،‬ﺣﻴﺚ ﺗﻔﺎﻗﻤﺖ‬
‫ﺍﻷﺯﻣﺔ ﺍالﻗﺘﺼﺎﺩﻳﺔ ﻭﺷﻬﺪﺕ ﺍﻟﺒﻼﺩ ﻫﺰﺍﺕ اﺟﺘﺎﻤﻋﻴﺔ ﻣﺰﻟﺰﻟﺔ ﺃﻫﻤﻬﺎ ﺃﺣﺪﺍﺙ‬

‫ﺍﻟﺨﺒﺰ ‪ ،1984‬ﻟﺘﺴﺘﺴﻠﻢ ﺗﻮﻧﺲ ﺑﺸﻜﻞ ﻧﻬﺎﻲﺋ ﻟﺴﻴﻄﺮﺓ ﺍﻤﻟﺆﺳﺴﺎﺕ ﺍﻤﻟﺎﻟﻴﺔ‬
‫ﺍﻟﻌﺎﻤﻟﻴﺔ ﺃﻱ ﺍﻟﺒﻨﻚ ﺍﻟﻌﺎﻤﻟﻲ ﻭﺻﻨﺪﻭﻕ ﺍﻟﻨﻘﺪ ﺍﻟﺪﻭﻲﻟ اﻧﻄﻼﻗﺎ ﻣﻦ ﺳﻨﺔ ‪1986‬‬
‫ﺗﺰﺍﻣﻨﺎ ﻣﻊ ﺗﻮﻲﻟ ﺭﺷﻴﺪ ﺻﻔﺮ ﺍﻟﻮﺯﺍﺭﺓ ﺍﻷﻭﻰﻟ ﺧﻠﻔﺎ ﻤﻟﺤﻤﺪ ﻣﺰﺍﻲﻟ‪ ،‬ﺣﻴﺚ ﺧﻀﻊ‬
‫ﺍالﻗﺘﺼﺎﺩ ﺍﻟﺘﻮﻧﻲﺴ ﺇﻰﻟ ﺑﺮﻧﺎﻣﺞ ﺇﻋﺎﺩﺓ ﻫﻴﻜﻠﺔ ﺑﺈﺮﺷﺍﻑ ﺻﻨﺪﻭﻕ ﺍﻟﻨﻘﺪ‬
‫ﺍﻟﺪﻭﻲﻟ ﻓﻜﺎنت ﻟﻪ ﭐﺛﺎﺭ ﺳﻠﺒﻴﺔ ﻫﺎﻣﺔ ﺣﻴﺚ ﺇﺭﺗﻔﻌﺖ ﻣﻌﺪﻻﺕ ﺍﻟﺒﻄﺎﻟﺔ‬
‫ﻭﺗﺰﺍﻳﺪﺕ ﻧﺴﺒﺔ ﺍﻟﻔﻘﺮ ﻛﺎﻤ اﺗﺴﻌﺖ ﺍﻟﻔﺠﻮﺓ ﺑﻦﻴ ﺍﻟﻄﺒﻘﺔ ﺍﻟﻔﻘﺮﻴﺓ ﻭﺍﻟﻄﺒﻘﺔ‬
‫ﺍﻟﻐﻨﻴﺔ ﻣﻘﺎﺑﻞ ﺿﻤﻮﺭ ﺍﻟﻄﺒﻘﺔ ﺍﻤﻟﺘﻮﺳﻄﺔ‪ ،‬ﻛﺎﻥ ﺫﻟﻚ ﻣﻊ ﺩﺧﻮﻝ ﺍﻟﻨﻈﺎﻡ‬
‫ﺍﻹﻣﺮﺒﻳﺎﻲﻟ ﻣﺮﺣﻠﺔ ﺟﺪﻳﺪﺓ ﻭﻫﻲ ﻣﺮﺣﻠﺔ» ﺍﻟﻌﻮﻤﻟﺔ» ﺍﻟﺘﻲ اﻧﻄﻠﻘﺖ ﻣﻨﺬ‬
‫ﻣﻨﺘﺼﻒ ﺍﻟﺜﺎﻤﻧﻴﻨﺎﺕ ﻭﻣﺘﻮﺍﺻﻠﺔ ﺇﻰﻟ ﺍﻟﻴﻮﻡ‪ ،‬ﺣﻴﺚ ﻋﻮﺽ ﻣﺼﻄلح «ﺍﻟﻌﻮﻤﻟﺔ»‬
‫ﻣﺼﻄﻠﺢ «ﺍﻹﻣﺮﺒﻳﺎﻟﻴﺔ» ﺍﻟﺬﻱ اﺧﺘﻔﻰ‪ .‬ﻤﺗﺜﻞ ﻫﺬﻩ ﺍﻤﻟﺮﺣﻠﺔ ﺍﻟﻬﻴﻤﻨﺔ‬
‫ﺍﻟﺴﺎﺣﻘﺔ ﻟﻠﻮﻻﻳﺎﺕ ﺍﻤﻟﺘﺤﺪﺓ ﺍﻷﻣﺮﻳﻜﻴﺔ ﻋﻰﻠ ﺍﻟﻌﺎﻢﻟ ﻣﺪﺟﺠﺔ ﺑﺎﻤﻟﺆﺳﺴﺎﺕ‬
‫ﺍﻤﻟﺎﻟﻴﺔ ﺍﻟﻌﻈﻤﻰ (ﺻﻨﺪﻭﻕ ﺍﻟﻨﻘﺪ ﺍﻟﺪﻭﻲﻟ‪ ،‬ﺍﻟﺒﻨﻚ ﺍﻟﻌﺎﻤﻟﻲ‪ ،‬ﺍﻤﻟﻨﻈﻤﺔ ﺍﻟﻌﺎﻤﻟﻴﺔ‬
‫ﻟﻠﺘﺠﺎﺭﺓ)‪ ...‬ﻭﺍﻟﺜﻘﺎﻓﺔ ﺍﻟﺮﺃﺳﺎﻤﻟﻴﺔ ﻲﻓ ﺷﻜﻠﻬﺎ ﺍﻷﻣﺮﻳﻲﻜ ﺍﻟﺘﻲ ﺇﻛﺘﺴﺤﺖ ﺍﻟﻌﺎﻢﻟ‪.‬‬
‫ﺑﺎإلﺿﺎﻓﺔ ﺇﻰﻟ ﺍالﺭﺗﺠﺎﻝ ﺍالﻗﺘﺼﺎﺩﻱ‪ ،‬ﺟﺴﺪ ﺍﻟﻌﺎﻣﻞ ﺍﻟﺴﻴﺎﻲﺳ ﺃﺣﺪ ﺃﺑﺮﺯ ﻋﻮﺍﻣﻞ‬
‫ﺳﻘﻮﻁ ﺗﻮﻧﺲ ﺗﺤﺖ «اﺳﺘﻌﺎﻤﺭ» ﺍﻟﻘﻮﻯ ﺍﻹﻣﺮﺒﻳﺎﻟﻴﺔ‪ .‬ﻣﻨﺬ ﺍالﺳﺘﻘﻼﻝ ﺳﻨﺔ‬
‫‪ 1956‬ﺣﻠﻢ ﺑﻮﺭﭬﻴﺒﺔ ﺑﺪﻭﻟﺔ ﺣﺪﻳﺜﺔ ﻭﻓﻖ ﻤﻧﻮﺫﺝ ﺍﻟﻌملاﻧﻴﺔ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻴﺔ ﻭﺃﺳﻮﺓ‬
‫ﺑﺎﻟﺠﻤﻬﻮﺭﻳﺔ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻴﺔ ﺍﻟﺜﺎﻟﺜﺔ ﻓﻜﺎﻧﺖ ﺍﻹﺻﻼﺣﺎﺕ ﻲﻓ ﻫﺬﺍ ﺍﻹﺗﺠﺎﻩ‪ ،‬ﺣﻴﺚ‬
‫ﺃﻧﻬﻰ ﻧﻈﺎﻡ ﺍﻷﻭﻗﺎﻑ ﻭﺃﻟﻐﻰ ﺍﻤﻟﺤﺎﻛﻢ ﺍﻹﺳﻼﻣﻴﺔ ﻭﻋﻠﻤﻦ ﻗﻮﺍﻧﻦﻴ ﺍﻷﺮﺳﺓ ﻣﻦ‬
‫ﺧﻼﻝ ﻣﺠﻠﺔ ﺍﻷﺣﻮﺍﻝ ﺍﻟﺸﺨﺼﻴﺔ ﻭﺃﺭﻰﺳ ﺍﻟﻨﻈﺎﻡ ﺍﻟﺠﻤﻬﻮﺭﻱ ﻭﺩﺳﺘﻮﺭﺍ ﻋﺮﺼﻳﺎ‪.‬‬
‫ﺇﻻ ﺃﻥ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺤﻠﻢ ﺗﻼﻰﺷ ﺗﺪﺭﻳﺠﻴﺎ ﻭﺗﻜﻮﻥ‬
‫يس ﻳﺘﺎﻤﻰﺷ ﻤﺗﺎﻣﺎ ﻣﻊ ﻣﺘﻄﻠﺒﺎﺕ‬
‫ﻧﻈﺎم ﺳﻴﺎ ّ‬
‫ﺍﻟﻨﻈﺎﻡ ﺍالﻣﺮﺒﻳﺎﻲﻟ‪ ،‬ﻓﻤﻨﺬ ﺑﺪﺍﻳﺔ االﺳﺘﻘﻼﻝ‬
‫ﺗﻮﺗﺮﺕ ﺍﻟﻌﻼﻗﺔ ﺑﻦﻴ ﺍﻟﻨﻈﺎﻡ ﻭﺍﻤﻟﻨﻈﻤﺔ‬
‫ﺍﻟﻨﻘﺎﺑﻴﺔ ﺍﻤﻟﺘﻤﺜلة ﻲﻓ ﺍالﺗﺤﺎﺩ ﺍﻟﻌﺎﻡ‬
‫ﺍﻟﺘﻮﻧﻲﺴ ﻟﻠﺸﻐﻞ ﺣﻴﺚ ﺩﻓﻊ ﺍﻟﺤﺒﻴﺐ‬
‫ﺑﻮﺭﭬﻴﺒﺔ ﺍﻟﺤﺒﻴﺐ ﻋﺎﺷﻮﺭ ﺇﻰﻟ ﺗﺄﺳﻴﺲ‬
‫ﺍالﺗﺤﺎﺩ العام ﺍﻟﺘﻮﻧﻲﺴ ﻟﻠﺸﻐﻞ ﻛﻤﻨﻈﻤﺔ‬
‫ﻧﻘﺎﺑﻴﺔ ﻣﻮﺍﺯﻳﺔ‪ ،‬ﺛﻢ ﺃﻋﺎﺩ ﺗﻮﺣﻴﺪ ﺍﻟﻨﻘﺎﺑﺘﻦﻴ‬
‫ﻭﺃﺯﺍﺡ ﺃﺣﻤﺪ ﺑﻦ ﺻﺎﻟﺢ ﻣﻦ ﺍﻷﻣﺎﻧﺔ ﺍﻟﻌﺎﻣﺔ‬
‫ﻭﻋﻮﺿﻪ ﺑﺄﺣﻤﺪ ﺍﻟﺘﻠﻴﻲﻠ‪ .‬ﻫﻴﺄ ﺍﻟﻨﻈﺎﻡ‬
‫ﺍﻟﺴﻴﺎﻲﺳ ﺍﻤﻟﻨﺎﺥ ﻟﺮﺒﻭﺯ ﺍﻟﺤﺮﻛﺎﺕ ﺍﻹﺳﻼﻣﻴﺔ‬
‫ﻣﻨﺬ ﺍﻟﺴﺘﻴﻨﺎﺕ‪ ،‬ﺑﺘﺤﻮﻝ ﺍﻟﺨﻼﻑ ﺑﻦﻴ‬
‫ﺑﻮﺭﭬﻴﺒﺔ ﻭﻋﺒﺪ ﺍﻟﻨﺎﺮﺻ ﺇﻰﻟ ﺣﻤﻠﺔ ﻣﺴﺎﻧﺪﺓ ﻟﺨﺼﻮﻡ ﻋﺒﺪ ﺍﻟﻨﺎﺮﺻ ﺃﻱ ﺍﻹﺧﻮﺍﻥ‬
‫ﺍﻤﻟﺴﻠﻤﻦﻴ‪ ،‬ﻓﻜﺎﻧﺖ ﺟﺮﻳﺪﺓ ﺍﻟﻌﻤﻞ ﺍﻟﺘﻮﻧﻲﺴ ﺍﻟﻨﺎﻃﻘﺔ بآﺳﻢ ﺍﻟﺤﺰﺏ ﺍالﺷﺮﺘﺍﻲﻛ‬
‫ﺍﻟﺪﺳﺘﻮﺭﻱ ﺗﻨﺮﺸ ﺭﺳﺎﺋﻞ ﺗﻌﺎﻃﻒ ﻣﻊ ﺍﻹﺧﻮﺍﻥ ﺍﻤﻟﺴﻠﻤﻦﻴ ﻭﻤﺗﺠﺪﻫﻢ‪ ،‬ﻛﺎﻤ‬
‫ﺗﻢ اﺳﺘﻘﺒﺎﻝ ﻣﺠﻤﻮﻋﺔ ﻣﻦ ﻗﻴﺎﺩﺍﺕ ﺣﺮﻛﺔ ﺍﻹﺧﻮﺍﻥ ﺍﻤﻟﺴﻠﻤﻦﻴ ﺍﻤﻟﺮﺼﻳﺔ‬
‫ﺑﺘﻮﻧﺲ‪ ...‬ﻲﻓ ﻫﺬﺍ ﺍﻤﻟﻨﺎﺥ ﺗﻜﻮﻧﺖ ﻣﺠﻤﻮﻋﺎﺕ ﺫﺍﺕ ﻣﺮﺟﻌﻴﺔ ﺩﻳﻨﻴﺔ ﺑﺘﻮﻧﺲ‬
‫ﺣﻴﺚ آﻗﺘﺮﺼﺕ ﻋﻰﻠ ﺍﻟﻨﺸﺎﻁ ﺍﻟﺪﻋﻮﻱ ﻲﻓ ﺍﻟﺒﺪﺍﻳﺔ ﺛﻢ ﺑﺪﺃﺕ ﺗﺘﺸﻜﻞ ﺃﻓﻜﺎﺭﻫﺎ‬
‫ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﻴﺔ ﻭﺳﻂ ﺗﻐﺎﻓﻞ ﺍﻟﻨﻈﺎﻡ ﻗﺼﺪ ﺮﺿﺏ ﺍﻟﻔﻜﺮ ﺍﻟﻘﻮﻣﻲ ﻭﺍﻟﻴﺴﺎﺭ ّي ﺑﺎﻟﺒﻼﺩ‬
‫ﻭﻫﻲ ﺃﻓﻜﺎﺭ ﺗﺴﻌﻰ ﺍالﻣﺮﺒﻳﺎﻟﻴﺔ ﺍﻟﻌﺎﻤﻟﻴﺔ ﺇﻰﻟ ﻧﺮﺸﻫﺎ ﻓﺴﺎﻋﺪﻫﺎ ﺍﻟﻨﻈﺎﻡ ﻋﻰﻠ‬
‫ﺫﻟﻚ‪ .‬ﻣﻨﺬ ﻣﻄﻠﻊ ﺍﻟﺴﺒﻌﻴﻨﺎﺕ ‪ 1971‬ﺗﻜﺮﺱ ﺍﻟﻨﻈﺎﻡ ﺍﻷﺣﺎﺩﻱ ﻭﺍالﻧﻐﻼﻕ‬
‫ﺍﻟﺴﻴﺎﻲﺳ ﺣﻴﺚ ﺗﻢ ﺇﻗﺼﺎﺀ ﻣﻨﺎﺮﺻﻱ ﺍﻹﻧﻔﺘﺎﺡ ﺍﻟﺪﻤﻳﻘﺮﺍﻃﻲ ﻟﺘﺒﻌﺚ ﺣﺮﻛﺘاﻦ‬
‫ﻣﻌﺎﺭﺿﺘاﻦ‪ ،‬هام ﺣﺮﻛﺔ ﺍﻟﺪﻤﻳﻘﺮﺍﻃﻴﻦﻴ ﺍالﺷﺮﺘﺍﻛﻴﻦﻴ ﻳﻘﻮﺩﻫﺎ ﺃﺣﻤﺪ ﺍﻤﻟﺴﺘﺮﻴﻱ‬
‫ﻭﺣﺮﻛﺔ ﺍﻟﻮﺣﺪﺓ ﺍﻟﺸﻌﺒﻴﺔ ﺑﻘﻴﺎﺩﺓ ﺃﺣﻤﺪ ﺑﻦ ﺻﺎﻟﺢ‪ .‬ﺳﻨﺔ ‪ 1975‬ﺗﻢ ﺗﻌﺪﻳﻞ‬
‫ﺍﻟﺪﺳﺘﻮﺭ ﻤﺑﻨﺢ ﺍﻟﺤﺒﻴﺐ ﺑﻮﺭﭬﻴﺒﺔ ﺍﻟﺮﺋﺎﺳﺔ ﻣﺪﻯ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ‪ .‬يف ‪ 26‬ﺟﺎﻧﻔﻲ‬
‫‪ 1978‬ﻋﺎﺩ ﺍﻟﺘﺼﺎﺩﻡ ﻣﻊ ﺍﻤﻟﻨﻈﻤﺔ ﺍﻟﻨﻘﺎﺑﻴﺔ ﻭﺗﻢ آﻋﺘﻘﺎﻝ ﺍﻟﻘﻴﺎﺩﺍﺕ ﺍﻟﻴﺴﺎﺭﻳﺔ‬
‫ﻭﺍﻟﻨﻘﺎﺑﻴﺔ ﻣﻘﺎﺑﻞ ﺗﻘﺎﺭﺏ مع ﺍﻟﺤﺮﻛﺎﺕ ﺍﻹﺳﻼﻣﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺧﺮﻴﺕ ﺍﻟﻮﻗﻮﻑ ﻲﻓ‬
‫ﺻﻒ ﺍﻟﺤﻜﻮﻣﺔ ﻣﻌﺘﺮﺒﺓ ﺍﻟﻔﻮﻰﺿ ﻣﻦ آﺧﺘﻼﻕ ﺍﻟﻴﺴﺎﺭ‪ ،‬ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺘﻘﺎﺭﺏ ﺣﺼﻞ‬
‫ﻛﺬﻟﻚ ﻣﻊ ﺃﺣﺪﺍﺙ ﺍﻟﺨﺒﺰ ‪ 1984‬ﺣﻴﺚ آﺗﻬﻢ ﺍﻟﻴﺴﺎﺭ ﺑﺎﻟﻔﻮﻰﺿ ﻭآﺗﻬﻢ‬
‫ﺍﻟﻮﺯﻳﺮ ﺍﻷﻭﻝ ﻣﺤﻤﺪ ﻣﺰﺍﻲﻟ ﺍﻟﻨﻘﺎﺑﻴﻦﻴ ﺑﺎﻟﺴﻌﻲ ﺇﻰﻟ ﺯﻟﺰﻟﺔ ﺍﻟﺒﻼﺩ ﻭﺑﺚ‬
‫ﺍﻟﻔﻮﻰﺿ‪ ،‬ﻣﺤﻤﺪ ﻣﺰﺍﻲﻟ ﺍﻟﺬﻱ ﺳﻌﻰ ﺇﻰﻟ ﺗﻄﺒﻴﻊ ﺍﻟﻌﻼﻗﺔ ﻣﻊ ﺍﻟﺘﻴﺎﺭ ﺍﻹﺳﻼﻣﻲ‬
‫ﻟﺮﻀﺏ ﺍﻟﻴﺴﺎﺭﻳﻦﻴ ﻭﺍﻟﻨﻘﺎﺑﻴﻦﻴ ﺣﺘﻰ ﺃﻧﻪ آﺟﺘﻤﻊ ﺑﻌﺒﺪ ﺍﻟﻔﺘﺎﺡ ﻣﻮﺭﻭ ﻭﺭﺍﺷﺪ‬
‫ﺍﻟﻐﻨﻮﻲﺷ ﺑﻘﺮﺼ ﺍﻟﺤﻜﻮﻣﺔ ﻭﺷﻬﺪﺕ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻔﺮﺘﺓ ﺍﻹﻓﺮﺍﺝ ﻋﻰﻠ ﺍﻤﻟﻌﺘﻘﻠﻦﻴ‬
‫ﻭﺳﻌﻰ ﺍﻹﺳﻼﻣﻴﻮﻥ ﺇﻰﻟ ﺍﻟﻮﻗﻮﻑ يف ﺻﻒ ﺍﻟﻮﺯﻳﺮ ﺍﻷﻭﻝ ﺭﻏﻢ ﻋﻠﻤﻬﻢ ﺑﺮﻓﺾ‬
‫ﺍﻟﺮﺋﻴﺲ ﻟﻮﺟﻮﺩﻫﻢ‪ .‬ﺗﻈﺎﻓﺮ ﺑﺬﻟﻚ ﺍﻹﺭﺗﺠﺎﻝ ﺍالﻗﺘﺼﺎﺩﻱ ﻣﻊ ﺍﻟﺘﻮﺟﻪ‬
‫ﺍﻟﺴﻴﺎﻲﺳ ﺍﻟﺸﻤﻮﻲﻟ ﺍﻟﺮﺍﻓﺾ لالﻧﻔﺘﺎﺡ ﻭﺍﻤﻟﻌﺎﺩﻱ ﻟﻠﻔﻜﺮ ﺍﻟﻴﺴﺎﺭﻱ ﺑﻮﺻﻔﻬﺎﻤ‬
‫ﺣﺎﺿنني ﻟﻠﻨﻀﺎﻝ ﺍﻟﻌﺎﻤﻲﻟ ﺿﺪ ﺍﻟﻔﻜﺮ ﺍﻟﺮﺃﺳﺎﻤﻲﻟ ﻟﺮﺘﺯﺡ ﺗﻮﻧﺲ ﺗﺤﺖ ﻫﻴﻤﻨﺔ‬
‫ﺍﻟﻨﻈﺎﻡ ﺍﻹﻣﺮﺒﻳﺎﻲﻟ‪ ،‬ﺣﺘﻰ ﺍالﻧﺠﺎﺯﺍﺕ ﺍﻟﺘﻲ تحـﻘﻘﺖ ﻲﻓ ﻓﺮﺘﺓ ﺍالﺳﺘﻘﻼﻝ‬
‫ﻛﺎﻟﺮﺘﺑﻴﺔ ﻭﺍﻟﺜﻘﺎﻓﺔ ﻭﺍﻟﺘﺤﺪﻳﺚ ﺍﻤﻟﺠﺘﻤﻌﻲ ﻓﻘﺪ ﻫﺪﻣﺘﻬﺎ ﺭﻳﺎﺡ ﺍﻟﻌﻮﻤﻟﺔ ﺮﺳﻳﻌﺎ‪.‬‬
‫ﺇﻋﺘﺒﺎطي ﻭﻋﺸﻮﺍ ّيئ‪،‬‬
‫ﺍﻟﻴﻮﻡ ﻓﺈﻥ ﺍﻟﺤﺪﻳﺚ ﻋﻦ ﺗﻮﻧﺲ غـﺮﻴ املـﺴﺘﻘﻠﺔ ﺃﻣﺮ‬
‫ّ‬
‫ﻓﺎالﺳﺘﻘﻼﻝ ﻫﻮ ﺗﺤﺮﺭ ﺷﻌﺐ ﻣﺎ ﻣﻦ ﻧﺮﻴ ﺍالﺣﺘﻼﻝ ﺑﺎﻟﻘﻮﺓ ﺍﻤﻟﺴﻠﺤﺔ‪ ،‬ﻟﻜﻦ‬
‫ﻤﻳﻜﻦ ﺍﻟﺤﺪﻳﺚ ﻋﻦ اﺳﺘﻘﻼﻟﻴﺔ ﻣﺴﻠﻮﺑﺔ ﻭآﺭﺗﻬﺎﻥ ﻟﻠﺮﺃﺳﺎﻤﻟﻴﺔ ﺍﻟﻌﺎﻤﻟﻴﺔ ﺣﻴﺚ‬
‫ﺃﻫﺪﺭﺕ ﺩﻭﻟﺔ ﺍالﺳﺘﻘﻼﻝ ﺍﻟﻔﺮﺻﺔ ﻟﺘﺤﺼﻦﻴ آﺳﺘﻘﻼﻟﻴﺔ ﺍﻟﺒﻼﺩ ﻭﺗﺤﻮﻟﺖ ﺍﻟﺒﻼﺩ‬
‫ﺇﻰﻟ أحد ﺗﺨﻮﻡ ﺍﻟﻨﻈﺎﻡ ﺍﻟﺮﺃﺳﺎﻤﻲﻟ ﺣﻴﺚ ﻳﺮﺘﻛﺰ ﺍالﻧﺘﺎﺝ ﻭﻗﻮﺓ ﺍﻟﻌﻤﻞ ﻭﺣﻴﺚ‬
‫ﺗﺴﻮﻕ ﺍﻟﺒﻀﺎﺋﻊ ﺍﻟﺮﺃﺳﺎﻤﻟﻴﺔ‪.‬‬
‫*ﺑﺎﺣﺚ ﻲﻓ ﺍﻟﺘﺎﺭﻳﺦ ﺍﻤﻟﻌﺎﺮﺻ‬

‫مراسلة المغرب لمنارات‬
‫نداء الجمعية البيضاوية للكتبيين‪:‬‬

‫وزارة ثقافة التنكر والتهميش‬
‫يوسف بورة رئيس الجمعية البيضاوية للكتبيني‬

‫يف صحوة مفاجئة‪ ،‬ارتفعت يف اآلونة‬
‫األخرية أصوات مثقفني وإعالميني من‬
‫مختلف املشارب للتنديد بالسياسة‬
‫الثقافية املتخلفة للحكومة‪ ،‬ولكشف‬
‫مكامن الخلل التي تجعل املشهد‬
‫الثقايف الوطني ينحدر إىل الدرك األسفل‬
‫من البؤس واملسكنة‪ .‬وتكاد كل اآلراء‬
‫املعرب عنها تجمع عىل أن مسألة دعم‬
‫الوزارة الوصية عىل الشأن الثقايف وجب‬
‫إعادة النظر فيها‪ ،‬وتخليصها من منطق‬
‫الوالءات الحزبية واملصلحية املتبادلة‪،‬‬
‫وأن يكون دعم الدولة للفاعلني الثقافيني حسب الجدارة واالستحقاق؛ وليس حسب املزاج املتقلب مع تعاقب املسؤولني عن‬
‫الوزارة‪.‬‬
‫ونسوق هنا عىل سبيل املثال؛ منوذج املعرض الوطني للكتاب املستعمل الذي قررت الوزارة حجب الدعم عنه هذه السنة‪ ،‬بعدما‬
‫أتبث خالل دوراته اإلحدى عرش أنه حدث ثقايف استطاع تكريس أهدافه املتمثلة يف تنشيط املدينة ثقافيا؛ والحث عىل القراءة؛‬
‫وخلق إطار للقاء املثقفني واملبدعني وجمهور القراء عىل مدى شهر كامل من الندوات واملحارضات والعروض الثقافية والفنية‬
‫لجميع فئات املجتمع‪ .‬وعندما نتحدث هنا عن الدعم فإنه ال يتجاوز مبلغ ‪ 30‬ألف درهم؛ وبعض الالفتات واملطويات الورقية‪ ،‬يف‬
‫حني يتم دعم الرداءة مباليني الدراهم دون حسيب أو رقيب‪ ،‬ودون التفات إىل تعطش الفئات املسحوقة من املجتمع إىل منتوج‬
‫ثقايف يسهم يف النهوض بأوضاعها؛ وبحس اإلبداع واالبتكار الالزمني لتجاوز األزمات املتعددة التي يتخبط فيها املجتمع املغريب‪.‬‬
‫وانطالقا من قناعة منظمي املعرض الوطني للكتاب املستعمل ـ وهم كتبيون متواضعو اإلمكانيات ـ بأن هذه التظاهرة صارت‬
‫لكل املغاربة؛ فإنهم أرصوا عىل تنظيم الدورة األخرية بكل ما خلفته من ديون تراكمت عىل الجمعية املنظمة وعىل العارضني‪،‬‬
‫لكن أملهم قد خاب بعدما تنكرت لهم وزارة الثقافة وقررت حجب الدعم عن املعرض‪ ،‬بل إن السيد الوزير أوصد باب مكتبه‬
‫يف وجوههم؛ رغم املراسالت العديدة واملقاالت الصادرة يف الصحف واملطالبة بفتح حوار مع الكتبيني واإلنصات ملقرتحاتهم‬
‫ومشاريعهم ومشاكلهم أيضاً‪.‬‬
‫إننا لن منل من أن الثقافة حقل استثامري حيوي ألنه حقل بناء اإلنسان‪ ،‬والثقافة هنا ال تعني الصالونات واملهرجانات فقط‪ ،‬بل‬
‫تعني القراءة أوال وقبل كل يشء؛ فمن ال يقرأ يستحيل عليه فهم الواقع؛ فباألحرى تحسني وتجاوز معوقاته‪ .‬وهذا ال يتأىت بتهميش‬
‫الطاقات والكفاءات؛ ولكن بتشجيعها ومواكبتها ماديا وفكريا‪ ،‬ولو بالنقد وذلك أضعف اإلميان‪ .‬ذلك أن الوزارة حجبت دعمها عن‬
‫الكتبيني دون تكليف نفسها عناء تربير قرارها أو توجيه أي مالحظات حول تنظيم املعرض أو محتواه‪.‬‬
‫وأخريا؛ فإننا نعيد توجيه ندائنا إىل السيد الوزير وكل املسؤولني واملستشارين من أجل وضع تقييم موضوعي للمعرض الوطني‬
‫للكتاب املستعمل‪ ،‬بعيداً عن أي حساسيات ظرفية أو حسابات مغلوطة‪ ،‬وإىل االستئناس بآراء املساهمني فيه؛ وبتقارير السلطات‬
‫املحلية واملنتخبة‪ ،‬يف أفق إنصافه واالرتقاء به ليصري حدثا دوليا ينضاف إىل كل مظاهر التميز التي تزخر بها البالد‪ .‬والله املستعان‪.‬‬

‫من أجل حوار وطني حول معضالت الثقافة‬

‫مثل الكائنات الحية متاما تتعرض املهن أيضا ملخاطر االنقراض‪ ،‬و إذا كانت األوىل تنقرض بفعل االستغالل املفرط أو الصيد الجائر‪،‬‬
‫فإن الثانية تنقرض بفعل التقدم العلمي و التكنولوجي و التوسع االقتصادي الناتج عنهام‪ .‬إال مهنة الكتبي‪ ،‬فإنها معرضة لخطر‬
‫االنقراض وأن تصري أثرا بعد عني باملغرب‪ ،‬بسبب الجهل و التهميش‪.‬‬
‫فإذا ما اعتربنا التقدم العلمي سببا يف االنقراض الحتمي لبعض املهن‪ ،‬فإن املفارقة هنا ستكون هي أن مهنة الكتبي‪ -‬وهي القامئة‬
‫عىل رسالة نرش العلم‪-‬ستتعرض للقتل املنهجي أو لالنتحار يف أحسن األحوال و ألسباب كثرية أغلبها خارجة عن إرادة الكتبيني‬
‫و تقع عىل كاهل املسؤولني عن الشأن الرتبوي والتعليمي والثقايف‪ ،‬وأخرى يتحمل الكتبيون أنفسهم مسؤوليتها من مثل ضعف‬
‫التواصل ينهم من جهة وبينهم وبني املجتمع من جهة أخرى‪ ،‬إضافة إىل ضعف تكوينهم يف أغلب األحيان‪.‬‬
‫وبخصوص األسباب األوىل التي ال دخل للكتبني بها هناك املسطرة املتبعة يف إصدار املقررات املدرسية والتي أغرقت سوق هذا‬
‫املنتوج مبئات العناوين املختلفة بشكل ال يهدد الكتبيني وحدهم‪ ،‬بل ميس صناعة الكتاب برمتها من نارشين وموزعني صغار‬
‫ومتوسطني يجدون أنفسهم غري قادرين عىل مسايرة هذا املسلسل الذي يصب يف مصلحة املضاربني الكبار واملحتكرين الجشعني‬
‫الذي يصب يف مصلحة املضاربني الكبار واملحتكرين الجشعني‪.‬‬
‫أما بالنسبة للكتبني البسطاء فحدث والحرج؛إذ صار متعينا عىل الكتبي أن يتوفر عىل سيولة مالية ضخمة من أجل االستمرار يف‬
‫نشاط ترويج الكتاب املدريس‪ ،‬مع مايعنيه ذلك من مساعدة الفئات الهشة ذات الدخل املحدود‪ ،‬من اقتناء الكتب املدرسية بأمثنة‬
‫مناسبة‪ .‬هذا مع العلم أن الكتاب املدريس يشكل الفرصة السنوية الوحيدة للكتبي من أجل تحقيق نوع من التوازن قي تجارته‪،‬‬
‫ولذلك فإن الكتبيون يدعمون بقوة فكرة مرشوع العودة إىل نظام الكتاب املدريس القديم املوحد ملا سيكون له من أثر إيجايب‬
‫عليهم وعىل التالميذ وآبائهم بشكل عام ‪.‬‬
‫أما بالنسبة للشق املتعلق بالكتب اﻷدبية والثقافية العامة فإن أزمة العزوف عن القراءة وتراجع اﻹقبال عليها يجعل التعويل عليها‬
‫يف استمرار املهنة مبثابة التعويل عىل الوهم والرساب‪ ،‬وانتظار بعض املعارض والتظاهرات النادرة من أجل ترويجها‪.‬‬
‫إىل جانب هذه اﻷسباب هناك مسألة يف غاية اﻷهمية تتعلق بجاذبية الفضاءات التي ميارس فيها الكتبيون مهنتهم‪ ،‬فهم يف أغلبهم‬
‫مستقرون يف أسواق عشوائية وداخل محالت ال تليق بالوضع االعتباري للكتاب مام يجعل اﻹقبال عليهم يقترص عىل فئات معينة‪،‬‬
‫وليس مثلام كان عليه اﻷمر يف املايض عندما كان الغني والفقري يقبالن عىل حد سواء عىل اقتناء الكتب من محالت الكتبيني ‪ .‬أما‬
‫عندما تم « الفصل النهايئ » بني الطبقات اإلجتامعية بني التعليم الخصويص و العمومي فقد انعكس ذلك أيضا عىل أنواع القراء‬
‫و عىل أذواقها و عىل الفضاءات التي يرتادونها ‪.‬‬
‫لقد آن األوان لفتح نقاش عمومي موسع حول إشكاليات القراءة باملغرب‪ ،‬ليس ملناقشة أوجهها اإلقتصادية فقط و لكن من أجل‬
‫تسليط الضوء عىل اآلثار العميقة التي تخلفها عىل جميع مناحي الحياة االجتامعية‪ .‬لتحديد حجم ما نخرسه من رأسامل ال مادي‬
‫بفعل العزوف عن القراءة و بفعل السياسات العشوائية املتبعة يف املجال الثقايف ‪.‬ولعل الكتبيني يتوفرون عىل ما يكفي من التجربة‬
‫ومن االحتكاك بهذا املجال ما يؤهلهم ليكونوا يف طليعة من يدعو إىل هذا الحوار الوطني و يغنيه‪ .‬فام مل نوقف النزيف الحايل‬
‫فإنه ال مستقبل لنا ضمن عامل يسري اليوم مبنطق اقتصاد املعرفة و املعلومة و الثقافة‪.‬‬

‫‪13‬‬

‫الخميس ‪ 13‬ديسمرب ‪ - 2018‬املوافق لـ ‪ 6‬ربيع الثاين ‪ - 1440‬العدد ‪74‬‬

‫منوبة الشاعرة‬
‫بورتريه‪ :‬الشاعر ‪ :‬جمال الجالصي‬
‫ّ‬
‫تخطط صورة رائعة للشعراء « أدم فتحي» نموذجا‬
‫رحيم جامعي‬

‫_كرسالة سنوية ‪ ،‬تصل من املنايف البعيدة_ كلام قرأت هذا البورتريه ترسبت بحار‬
‫اىل عيني ولعنت القامئني عىل الثقافة يف بلدي‪ ،‬وأحببت الشعر أكرث‪ .‬أموج محبتي لك‬
‫(‪)1‬‬
‫مرت السنوات رسيعة جدا‪ ،‬وتلك عادتها‪ ،‬ومهنتها القدميه‪ ...‬للسنوات مهن أخرى‪ ،‬كان‬
‫تكون باردة مثال‪ ،‬وقاحلة‪ ،‬وجافة‪ ،‬وكبيسة أيضا‪ ،‬وابنة ذئب‪...‬‬
‫عادة ما متر سنوايت رسيعة جدا كخيول الربابرة القدامى‪ ،‬كان أعدايئ قطفوا مثارها‬
‫األوىل‪ ،‬وتدثروا‬
‫مبحاسنها‪ ،‬ثم دسوا قشورها يف صدري‪ ،‬املشحون بالغنب‪ ،‬والغضب‪ ،‬والذكريات‬

‫الحزينه‪...‬‬
‫خالل تلك السنوات الرسيعة (سنوايت)‪ ،‬التي عاشها «اآلخرون» بدال عني‪ ،‬خاللها‪ ،‬مل أره إال ملاما‪...‬‬
‫قد كنا نختلف كثريا يف أوقات الحضور‪ ،‬وأوقات الغياب‪...‬إذا غاب حرضت ‪ ،‬وإذا غبت كان شديد الحضور‪...‬لكن حضوره وغيايب ‪ ،‬مل‬
‫يكونا سببني إلنقطاع األخبار‪ ،‬أو شحتها‪...‬فقد كانت سريته اليومية الحسنى ‪ ،‬تجري صافية وعذبة ‪ ،‬عىل ألسنة أصدقائه اللدودين‪...‬‬
‫بعض هؤالء‪ ،‬كان أيضا من أصدقايئ‪ ،‬وهذه إحدى لعب األيام الجميلة‪...‬تلك أفاعيل الوقت ‪ ،‬السيد الالهي بكل يشء ‪ ،‬و‪...‬بكل يشء‪...‬‬
‫مل أسع إىل كسب صداقته أبدا‪ ،‬ومل يسع إىل كسب عداويت أيضا‪...‬فقد كنت أؤكد عىل القول الفصيح ‪ ،‬بأن اتساع املسافة بني األنام ‪ ،‬عامل‬
‫حاسم يف تأثيث حدائق الصداقات الدامئة العميقة بينهم‪...‬إكتفيت ‪-‬أنا املطعون بغدر األصدقاء مرارا‪ ، -‬إكتفيت بلقاءات الصدفة ‪ ،‬التي‬
‫جادت بها أخطاء األيام‪...‬أقول هذا بحزن حقيقي لعني ‪ ،‬والسبب الحارق العظيم ‪ ،‬مدسوس كاللغم يف هذا السؤال ‪:‬‬
‫ كم سنة ابنة زانية ‪ ،‬مل نكن فيها أصدقاء ؟!‬‫ كم سنة ابنة بغل ‪ ،‬برزنا فيها كسيدين عظيمني للفرص الضائعه‪.‬؟!‬‫كانت لقاءات خاطفة ‪ ،‬مشفوعة بسالمات عابرة‪...‬وهذا ما مييز سلوك الغرباء ‪ :‬أحدهم يلقي السالم‪ ،‬واآلخر يرد عليه بحذر‪ ،‬كأنه يطرد‬
‫نحلة مشاكسة ‪ ،‬ظنته شجرة مثمرة‪...‬اللعنة عىل الغرباء ‪ ،‬وهم يظنون الغرباء أشجارا غريبة‪ ،‬أو نحال جائعا‪ ،‬ألزهار األشجار الغريبة‪...‬‬
‫اللعنة عىل األيام واألشهر والسنوات ‪ ،‬وهي ال تلبي حاجة الغرباء الشديدة للغرباء ‪.‬‬
‫(‪)2‬‬
‫مل أتعرث باسمه مكتوبا إال نادرا ‪ ،‬ألنه‬
‫كام أدركت الحقا‪ ،-‬مل يسع إىل صنع‬‫إسم يجول حرا ‪ ،‬يف صحافة تونسية‬
‫بائسة‪ ،‬ألنها ال تلمع ‪-‬آنذاك وبعضها‬
‫ال يزال‪ -‬إال األسامء القذرة والرديئة‬
‫‪ ،‬واملنحازة ‪-‬علنا‪ -‬إىل الجالدين‬
‫‪ ،‬والفاسدين ‪ ،‬ومصايص الدماء‬
‫والخونه‪...‬كان اسمه عندي ‪ ،‬مقرونا‬
‫بنوادره‪ ،‬وبروحه املرحة‪ ،‬متاما كام‬
‫ينقل سريته الحية ‪ ،‬صحبانه الخلص‪...‬‬
‫مل يكن إسام باذخا‪ ،‬أو عاليا‪ ،‬أو‬
‫عظيام‪...‬مل يكن إسام مربكا‪ ،‬أو مخيفا‪،‬‬
‫أو مبرشا بفتح عظيم‪...‬‬
‫بل كان ‪-‬ومازال‪ -‬ببساطة إسام جميال‪،‬‬
‫ومريحا‪ ،‬وسهال عىل القلب والروح‪،‬‬
‫واألذن واللسان‪...‬‬
‫هكذا ‪ :‬جامل‪...‬وال أعتقد أنني أرتكب معصية‪ ،‬إذا قلت إن اسمه ال يطابق شكله مطلقا‪...‬‬
‫فهو ‪-‬شكال‪ -‬ال يعجبني ‪ ،‬حقا شكله ال يعجبني‪ ..‬إذن ‪ ،‬هذا سيد آخر‪ ،‬ال عالقة له بإسمه‪...‬‬
‫(آذا رأيتم وجهي ‪ ،‬سيعجبكم جامل)‪...‬لكن املسألة ال تعنيني عىل اإلطالق‪ ،‬ألنني ‪-‬ببساطة‪ -‬ال أسعى إىل مصاهرته‪...‬‬
‫كل ما يهمني‪ ،‬هي تلك املحبة التي يكنها اآلخرون له‪ ،‬ويغرقونه فيها‪ ...‬إنه محبوب كشجرة يف فالة‪ ،‬ال مير طريق بها‪ ...‬كجدول يف أكرث‬
‫الصحارى جفافا ورعبا‪...‬كرسالة سنوية‪ ،‬ندية تصل من املنايف البعيده‪...‬إنه محبوب‪ ،‬متاما كشمس السجني‪ ...‬جامل‪ ...‬يا له من‪ ...‬جامل‪.‬‬
‫(‪)3‬‬
‫مرت السنوات ‪-‬كعادتها‪ -‬رسيعة جدا ‪ ،‬كقطعان الطرائد وهي تفر من الصيادين الجوعى‪»...‬كسبت» كثريا من الصداقات «الربقية»‪،‬‬
‫والتي تحولت ‪-‬بذات الرسعة‪ -‬إىل عداوات بال أسباب‪...‬كام كسبت صداقات قليلة ونقية ‪ ،‬أنا فخور جدا بأنها ما زالت كذلك‪...‬وقبل أن‬
‫أبلغ نصف قرن من اإلهامل والترشيد الجراحات ‪ ،‬والسعادات القليلة النادره‪...‬إلتقيته‪...‬واتفقنا ‪-‬هكذا بكل بساطة‪ ، -‬عىل أن نكون‬
‫أصدقاء‪ ...‬إنها ملهاة الوقت‪...‬بعد نصف قرن ‪ ،‬وكأن نصف قرن مجرد غمضة عني فحسب ‪ ،‬يلتقي غريبان بكل بساطة‪ ،‬وبذات البساطة‬
‫‪ ،‬يتفقان عىل أن يصبحا صديقني‪...‬كيف أفرس هذا‪.‬؟!‬
‫كان ‪-‬وأقصد (كان) مختلفا جدا‪ ،‬وال يشبه إال ‪ :‬هو‪...‬صادق‪ ،‬ونقي‪ ،‬ومنطلق‪ ،‬ومطابق لألصل متاما‪...‬‬
‫قلق بوحشية نادرة ‪ ،‬غاضب جدا‪ ،‬وحزين كشتاء طوييييل مستعار‪...‬هادىء مثل قرب قديم‪ ،‬عنيد كنخلة ‪ ،‬راحل عن املكان‪ ،‬ويف ذات‬
‫الحني مقيم فيه‪...‬يبدو هنا ‪ ،‬ويتكلم كأنه‪...‬هناك‪...‬واضح وبسيط كعامل يومي من بالدي الجريحة بأبنائها (اآلخرين)‪...‬مقنع جدا‪ ،‬إىل‬
‫الحد الذي تتساءل معه ‪:‬‬
‫ عجبا‪...‬أليس هذا أنا‪.‬؟!ملست كل هذا ‪ ،‬رغم غبايئ املزمن ‪ ،‬وإدرايك البطيء لطبيعة الكائنات‪...‬فأنا ‪-‬وهذا ليس تواضعا‪ ، -‬لست خارق‬‫الفطنة‪ ،‬أو شديد الذكاء ‪ ،‬أنا فقط كائن شديد اإلنفعال‪ ،‬مام يجعل البعض يشعرون تجاهي ببعض النفور ‪ ،‬يصل إىل حدود الكره أحيانا‪...‬‬
‫لكنني ‪-‬وهذا ليس تواضعا‪ ، -‬لست كريها ‪ ،‬أعلم القليل مأم يحدث‪ ،‬وأدرك ماذا أقول‪ ،‬ونادرا ما أندم عىل ما أقول‪...‬مثال ‪:‬‬
‫ أعلم أن قطتنا (وأعني حقا قطتنا) ‪ ،‬جميلة جدا ‪ ،‬لكنها مزعجة‪ ،‬وسافلة‪ ،‬ودنيئة‪ ،‬وابنة كلب‪...‬‬‫ أعلم أن إخويت الثالثة ‪-‬أنا أكربهم‪ ، -‬هم يف الحقيقة إخوة (يوسف)‪...‬أعلم أن أيب (شفاه الله)‪ ،‬يتمنى لو أنني مل أولد أصال ‪ ،‬ألنني مل‬‫أعد أسمح له باحتقاري‪...‬أعلم أن أمي (شفاها الله) ‪ ،‬ورغم كل هذا القتل ‪ ،‬الذي يكنه يل املسؤولون يف بالدي‪ ،‬مازالت تراين ‪-‬ككاتب‪،-‬‬
‫شمسا جلية ‪ ،‬ترشق حتى يف أنصاف الليايل‪...‬أعلم أن (اتحاد الكتاب التونسيني) ‪ ،‬وكر للمؤامرات واملكائد والدسائس‪ ،‬التي تحاك أو‬
‫تدبر‪ ،‬للكتاب العالية جباههم وأقالمهم‪...‬أعلم أن طليقتي ‪ ،‬جبل هائل من العداوات ‪ ،‬واألحقاد املجانية‪(...‬أم نورس شاعرة نادره)‪...‬‬
‫أعلم أنني قد أموت‪ ،‬وال أقرأ (عبد الرحامن منيف) كامال‪ ...‬أعلم أن معظم القادمني إىل الكتابة ‪ ،‬سيحرض يف غدهم أميس ‪ ،‬وستعربد‬
‫‪-‬حرة‪ -‬يف أحلك لياليهمو شميس‪...‬أعلم أن (يوسف)‪ ،‬ما زال يحرس الذئب من‪...‬إخوته‪...‬‬

‫سوسن طيب العجمي‬

‫تحت شعار «القدس عربية وعاصمة أبدية لفلسطني» شهدت الجامعة التونسية إقباال ع ّد باملئات‪.‬‬
‫جيوش من طلبة علم ومعرفة اقتحموا املدارج الخلدونية ‪ ,‬سكّان «جامعة منوبة لآلداب والعلوم اإلنسانية والفنون»‬
‫والناهلني من مسائلها العلمية‪.‬‬
‫التقى هذا الجمع الغفري ظهرية األربعاء يف الرابع من ديسمرب عىل رصح الشعر والفن‬
‫امللتزم يف تظاهرة شعرية وفنية كربى صحبة ثلة من األساتذة الجامعيني‪.‬‬
‫حفل تكريم للشاعر التونيس «آدم فتحي» الذي خاطب جمهوره بــ «أطلقتم نحلة‬
‫يف القلب»‬
‫قرأ بعض القصائد النضالية أخص بالذكر قصيدة «القراصنة» وبعض من مختارات‬
‫شعرية‪ ،‬نقدية‪ ،‬ساخرة‪.‬‬
‫كام غنى الفنان « نرباس شامم» أغاين وطنية مؤثرة نذكر منها عىل سبيل املثال «هيال‬
‫هيال يا مطر»‬
‫خاطب الطلبة قائال ‪« :‬أن أغلب أغاين «البحث املوسيقي» منعت وسجنت لكنهم‬
‫ناضلوا إلعالء اللحن امللتزم الذي يخيف األنظمة والعسس والتابعني»‬
‫وتحدث عن ذكريات «اتحاد الطلبة» يف مدارج الكلية وهروبهم من األمن وبعض نضاالت ال تغيب عن الذاكرة»‬
‫أكمل األغاين الفنان « لطفي بوشناق» قد ال نفيش رسا ان قلنا أن هذا الفنان تربع عىل عرش قلوب الشبيبة تحديدا‬
‫يف تلك الساعات القليلة فلم يرتكوه وبدوره مل يستسغ انهاء اللحن بقي يغني للشباب الطاليب أكرث من ساعة وكانوا‬
‫«الكورال» املرافق له‪.‬‬

‫يف بداية التظاهرة تعمق بعض اإلطارات يف‬
‫أغوار الحفل وغلب التأثر خطاباتهم املوجهة‬
‫للطلبة تكلم العميد «عبد السالم العيساوي»‬
‫يحث الطلبة عىل النجاح وإمتام املسرية العلمية‬
‫مبيّنا القيمة املعنوية العميقة التي تحملها‬
‫جامعتهم عرب تاريخها املجيد وهم فئة الغد‬
‫ستساهم حتام يف تحرير العقول من الجهل‬
‫وتطرح علام مبتكرا من لدن املعرفة‪.‬‬
‫«جهينة غريب» رئيسة الجامعة تكلمت بتلقائية‬
‫وألقت باألوراق املكتوبة جانبا وشجعت الطلبة‬
‫عىل ارتياد مثل هذه التظاهرات والتمسك‬
‫بخيط الثقافة الرابط بني الفنون‪.‬‬
‫وأنهى الدكتور «عادل خرض» برسالة مطولة‬
‫أرسلها إىل الشاعر «آدم فتحي» مراوحا بني دفتي الحب والذكريات‪.‬‬
‫وبقيت كلمة منظم التظاهرة الشاعر واملرتجم « رضا مامي» عالقة يف األذهان وقد اخرتنا منها هذا املقتطف ‪:‬‬
‫«ال قيمة أل ّمة ال تحرتم مبدعيها وهم َح َمل ُة طموحاتِها وأحال ِمها واملعبرّ ون بف ّنهم عن روحها واملدافعون عن قضاياها‪.‬‬
‫وهم أيضا صوتها الّذي يُشعر اآلخر بوجودها‪ ،‬والجرس الّذي يُبْلِغُها رحاب العامليّة ويجعلها فاعلة يف إثراء الرتاث اإلنساين‪.‬‬
‫ذلك هو اإلطار العا ّم الّذي تتن ّزل فيه هذه التظاهرة الّتي يُحتفى فيها بالشعر من خالل تكريم رمز من رموزه يف بالدنا‬
‫وهو الشاعر املبدع آدم فتحي‪.‬‬
‫وال ينبغي أن ننتظر مثل هذه املبادرة من غري الجامعة والجامع ّيني فهم أقرب الناس إىل هذه الفئة من أهل اإلبداع‬
‫الناس منازلَهم ورغم ما يبدو يف الظاهر من جفوة تعرتي أحيانا العالقة بني بعض املبدعني وبعض‬
‫ّ‬
‫الحق وهم من يُنزل َ‬
‫خاصة والهدف واحد وهو إخصاب الثقافة الوطن ّية واالرتقاء‬
‫ق‬
‫ر‬
‫يف‬
‫أن‬
‫ميكن‬
‫م‬
‫بكثري‬
‫أكرث‬
‫بينهام‬
‫يجمع‬
‫ما‬
‫ن‬
‫فإ‬
‫ني‬
‫ي‬
‫األكادمي‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ماّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫بالقارئ وإفادة اإلنسانيّة» تحدث «رضا مامي» عن الجفوة بني املبدعني واألكادمييني‪ ،‬لكن ما اسرتعى انتباهنا الجفوة‬
‫بني األجيال ونقصد هنا بالقطيعة بني املبدعني أصحاب التجارب الكربى والشباب القارئ لكن يف جامعة منوبة ويف حفل‬
‫تكريم الشاعر «آدم فتحي» رمى الجمع املبدع بالقطيعة ومنت وردة االحرتام بني الفئات العمرية مثل قطفة من ياسمني‪.‬‬

‫طقوس حزينة‬
‫جديد المنجي العايدي‬

‫سبع مضت‬
‫ماذا أقول‬
‫سنني عجاف‬
‫تداوينا فيها ببول البعري‬
‫تسلينا فيها بخنت البنات‬
‫ورش العيون ونحر العجول‬

‫تدارسنا فيها معنى حام ر الحوار‬
‫ومعنى وفاق النفاق‬
‫وفتوى جهاد النكاح‬
‫لطمس العقول‬
‫سبع مضت‬
‫ماذا أقول ؟؟؟‬

‫‪14‬‬

‫الخميس ‪ 13‬ديسمرب ‪ - 2018‬املوافق لـ ‪ 6‬ربيع الثاين ‪ - 1440‬العدد ‪74‬‬

‫ضيف الصفحة األدبية ‪/‬األديب بوراوي عجينة‬

‫مسرية صياد الحكايا‬
‫كلمة بمناسبة تكريمه بنادي القصة‬

‫ ‪ - 1‬بالنظر يف املدونة البحثية الحظنا النزوع املبكر للنظر يف القص كفن وولع الكاتب‬‫بهذا الجنس دون غريه يف املستوى النظري فكانت بداية الهاجس املبكر مع قراءة يف «‬
‫فن الزخارف» لسمري العيادي نرشت يف جريدة بالدي سنة سبع وسبعني وارتقى الولع‬
‫النقدي لتفحص عموم النص القصيص مع ما نرش يف مجلة الثقافة العربية فيفري ‪78‬‬
‫بعنوان «من أشكال القصة الحديثة يف تونس» وما يعنينا يف باب هذه العناية املبكرة‬
‫هو املسار الذي اختاره الكاتب ليعرب عن ذاته تلك التي أغرمت بالقص يف باب التلقي‬
‫النقدي كام يف باب املنتج االبداعي والتواصيل ورمبا ال يسمح املجال برسد عرشات‬
‫املقاالت والدراسات التي أنجزها كاتبنا يف هذا الباب وتوزعت تواريخ نرشها عىل‬
‫عقود وعىل مجالت ودوريات معروفة‪ ،‬وحسبنا أن ننظر يف العناوين لنستقريء منها‬
‫ما اتصل برؤية الكاتب وخاصة باملالمح الكربى التي اختطها يف دربه الطويل والتي‬
‫تخصه ومتيزه ككاتب مولع بالقصة كفن دون غريها من األجناس الكتابية األخرى –‬
‫ونجد استثناءات ملا تقدم يف دراسات قليلة متناثرة يف الزمن – منها ما اتصل بالرواية‬
‫مثل مبحث «األسلوب يف دائرة االختناق لعمر بن سامل» أو «السياسة يف رواية حارة‬
‫الزعفراين لجامل الغيطاين» أو دراسة عن البشري خريف كمؤصل للواقعية يف تونس»‬
‫ودراسات متفرقة يف أدب املسعدي والعرويس املطوي واملختار جنات وعبد الواحد‬
‫براهم ومصطفى الفاريس وجلول عزونة ‪...‬كام نجد يف باب االستثناء أيضا بعض النظر‬
‫يف الشعر كمدونة من خالل نصوص شعرية أو كمبحث يف صلة بالشعرية ومقوماتها‬
‫من خالل تعريب نص «جاكبسون» أو من خالل النظر يف الجانب القصيص يف شعر‬
‫أيب القاسم الشايب‪.‬‬
‫وما ميكن أن نستخلصه من النظر يف هذه املدونة النقدية تقديم الباحث‬
‫للمنشور التونيس كمركز أول يف باب العناية واملتابعة – نقول ذلك ويف‬
‫الذهن ما دأب عليه بعض جامعيينا من ولع بالقديم والجديد يف أصقاع‬
‫األرض ‪ -‬مرشقا ومغربا‪ -‬قراءة ونقدا وتجاهلهم الواضح لجديد األدب‬
‫التونيس مبا فيه من تنوع وغزارة ‪.‬‬
‫وانصبت عناية كاتبنا النقدية عىل تتبع الحاصل يف مجال القص يف ربوعنا‬
‫عناية حرة ممتدة يف الزمن ارتبط بعضها مبناسبات كثرية كالتكريم‬
‫والتقديم فكانت له دراسات يف مدونة القصة وحسبنا أن نشري إىل أعالم‬
‫تناول نصوصهم القصصية يف مدونة النقد ومنهم ‪ « :‬محسن بن ضياف‪/‬‬
‫البشري خريف‪/‬التابعي لخرض‪/‬محمود التونيس‪/‬لعرويس املطوي‪ /‬الطيب‬
‫الفقي أحمد‪/‬رضوان الكوين‪ /‬فاطمة سليم‪/‬مصطفى الكيالين‪/‬محمد‬
‫صالح الجابري‪/‬حسن نرص‪/‬جلول عزونة‪ /‬أحمد ممو‪/‬هند عزوز‪/‬محمود‬
‫بلعيد‪»...‬‬
‫وارتبط بعضها اآلخر بهاجس التوثيق‪ :‬كالفهارس واملختارات والرتاجم‬
‫وصوال إىل منجز نعتربه عىل قدر من األهمية ألنه يستوجب جهدا موصوال‬
‫وبحثا وتنقيبا يف مراجع ُمشتتة وبعضها ميكن أن يكون مفقودا بفعل‬
‫تقادم زمن النرش ونعني بذلك «موسوعة القصص العربيّة يف تونس يف‬
‫القصة‬
‫القرن العرشين»‪( :‬مختارات قصص ّية وتراجم الكتّاب ومسارد ّ‬
‫القصرية التّونسيّة ومراجعها) تم نرش أجزاء منها وأخرى تنتظر فرصة‬
‫الطباعة ‪...‬‬
‫وهذه النافذة الرسيعة التي نطل من خاللها عىل عامل بوراوي عجينة‬
‫تؤكد حب الكاتب للقص خاصة وللرسد عامة كأن يجعل منهام مجال‬
‫تخصص وتحقيق يف مسار طويل متحرر – نسوق املالحظة – ويف الذهن‬
‫عدد كبري من الكتاب الذين يبدؤون بالقصة ثم ينتقلون إىل الرواية وكأن‬
‫القصة عندهم كجنس‪ ،‬هي مجال تحضري أو تدريب عىل الرواية‪ ،‬لكن‬
‫كاتبنا يف تنظرياته الكثرية يُدرك ‪ -‬قبل غريه‪ -‬رشف هذا الجنس ومدى‬
‫ما فيه من إفادة يف مستويات الخيال والجامل والنقد والتعليم وما فيه‬
‫كذلك من تعقيد يف مستوى البناء والقدرة عىل خلق اإلنفعال‪ ،‬ومن‬
‫كل ذلك هواجس التعبري عن الذات والرؤى‪...‬ومن خالل عرشات هذه‬
‫البحوث والدراسات تتأكد خصوصية الباحث صاحب الرؤية ووجهات‬
‫النظر املتصلة بالخيار البحثي الذي يسعى اىل التجذر يف وجهة واقعية لها‬
‫باللحظات اإلجتامعية واإلقتصادية وشائج كثرية وحسبنا النظر يف عناوين‬
‫تلك الخيارات لتأكيد ما سبق‪ ،‬عناوين تؤكد عىل الواقعية مبتدأ ومآال ك «‬
‫أوضاع العامل يف القصة‪ /‬أو األرض يف القصة التونسية‪...‬عىل أن هذا الخيار‬
‫الغالب ال ينفي عناية الكاتب بنامذج من التجريب كام هو الحال عند‬
‫مصطفى الفاريس أو عزالدين املدين‪...‬‬
‫‪ - 2‬بوراوي عجينة املبدع يتامهى ويتكامل مع الباحث ومن البديهي أن‬
‫تسبق ذائقة املبدع يف مستوى تلقي النصوص وتدريسها ذائقة الباحث‬

‫وإن تبدأ مغامرة الكتابة االبداعية قبل دروب البحث والسرية الذاتية‬
‫لكاتبنا تؤكد البدايات املبكرة يف إبداع القصة قبل نقدها والتنظري لفنونها‬
‫وتاريخها‪ ...‬لتكون البداية يف أوائل السبعينات مع قصتني نرشت إحداهام‬
‫بجريدة الصباح وهي بعنوان «ألوان ترتعد» فيام نرشت الثانية مبرآة‬
‫الساحل بعنوان «قطرات العرق» سنة ‪ ...1972‬وهذا التامهي بني املجالني‬
‫ييش بتوازن الخيارات الشخصية يف صلة بذات الكاتب إذ توحد املشغالن‬
‫ونضجا معا‪ ،‬كالهام يغذي اآلخر ليسنده دون إرباك أو سطو‪...‬‬
‫وكان املنجز اإلبداعي متمركزا حول القص أساسا منذ تلك البدايات‬
‫املبكرة‪ ،‬ويُفصح قيد التاريخ بامتداده‪ ،‬عىل عناية كاتبنا بهذا الجنس الذي‬
‫تلبس مسرية الحياة بل التبس بها لذلك تناثرت عرشات القصص يف مجالت‬
‫عدة كقصص والحياة الثقافية والفكر ويف جرائد كثرية يف تونس وخارجها‬
‫«كسوريا وليبيا والجزائر واملغرب»‪ :‬مشغل رافق كاتبنا يف حله وترحاله‪،‬‬
‫أمثر ما يربو عن ثالمثائة قصة وأقصوصة جمع جلها يف سبع مجموعات‬
‫نرشت أوالها سنة ‪ 1982‬وهي بعنوان «ممنوع التصوير»‪.‬‬

‫والجانب األهم يف اعتقادنا يتمثل يف الصلة بني املدونة ومسرية صاحبها‬
‫فهو مل يجعل من الكتابة حرفة ومن النرش هاجسا بقدر ما جعل من‬
‫كل ذلك مسلكا يُختط يف هدوء مع الحياة ويرافقها بعيدا عن الزحام أو‬
‫اإلدعاء أو التمظهر‪ :‬مسلك حب وهواية‪ ،‬يعكس صخب الذات ورؤاها يف‬
‫تقاطع مع اللحظات التاريخية واالجتامعية مبا فيها من تركيب ووضوح‬
‫وتناقض وجامل وقبح‪...‬‬
‫ويف باب التتويج نال الكاتب جائزة أيب القاسم الشايب للقصة‪ ،‬أما يف باب‬
‫النقد فقد حضيت قصصه مبتابعات وقراءات ودراسات من أهمها ما كتبه‬
‫محمود طرشونة والبشري الوساليت وجون فونتان وعمر السعيدي وعمر‬
‫حفيظ ورياض خليف وحاتم الفطنايس والنارص التومي‪...‬‬
‫وقد أجمع النقاد عىل سمة الواقعية كخيار أسايس يف الكتابة وعىل اإللتزام‬
‫يف صلة بتدافع الطبقات والفيئات اإلجتامعية وانتصار الكاتب للفقراء‬
‫واملهمشني لتكون الكتابة عنده بحثا عن مدينة فاضلة كبديل للحاصل يف‬
‫مدن الغربة واالستالب لتكون املدينة فضاء للقص والتخييل يسم مدونة‬

‫الكاتب ويربط الصلة بني ملحمتي الحياة والفن ألن الكاتب ومنذ نشأته‬
‫عاش بني مدينتي سوسة واملنستري فكان للبحر كب ُري الحضور يف تلك املدونة‬
‫‪...‬كام أشار النقاد إىل طريف املراوحة بني الواقع والرمز وتوظيف الحكاية‬
‫الشعبية توظيفا جديدا يخدم مجال الرؤية التي اختارها الكاتب ‪*...‬‬
‫كام نؤكد بوجه خاص عىل ملمح التأريخ الفني ألهم الفرتات الحرجة يف‬
‫تاريخ تونس من ذلك ما هيأ ألحداث كربى ك ‪ 26‬جانفي أو ثورة الخبز أو‬
‫ما حف بالتجارب الكربى كتجربة التعاضد وما حصل يف املدن التونسية‬
‫من تضخم وتدافع يف الفيئات والطبقات ‪...‬من كل ذلك الصخب جاءت‬
‫قصص بوراوي عجينة يف انتقاء للحظات منفلتة تغيب عن عني املؤرخ‬
‫لكنها تكون عامدا لرؤية الفنان خلقا وخياال هو بني الجد والهزل وبني‬
‫الواقع والرمز وبني املطلق واملحدود‪...‬‬
‫وحسبنا يف مجال الرؤيا أن نشري إىل نزعة التحرر من القيود الكالسيكية‬
‫رصح به الكاتب يف إحدى املناسبات الثقافية إذ قال ما ملخصه‪:‬‬
‫فيام ّ‬
‫«اإلنسان يكتب من أجل أن يص ّور ما يف ذاته من أفكار ورؤى ل ُيخرج األمل‬
‫الذي يف نفسه بشكل ممتع قدر املستطاع‪.‬‬
‫ ‪ -‬وبهذه املناسبة أود أن أشري إىل ملمح خاص يف شخصية كاتبنا‪ :‬ملمح‬‫التباين النسبي بني الذات املبدعة يف نقدها وتوترها وصخبها والذات‬
‫االجتامعية يف مجمل سلوكها التفاعيل مع البيئة املحيطة أقول ذلك ويف‬
‫الذهن ما ساد ساحتنا الثقافية من خصومات ومساجالت ورصاعات‬
‫بعضها موصول بوضعية الكاتب يف صلة بالسلطة ومتثيلية الكتاب‬
‫والسعي إىل تقنني تلك التمثيلية يف فرض اتحاد الكتاب كمهيمن أوحد‬
‫وبعضها يتصل بالجوائر وما ساد فيها وحولها من خصومات أو تحفظات‬
‫وبعضها يتصل بالرسقات األدبية أو العلمية ‪...‬وبعضها يتصل باإلعالم‬
‫الثقايف وحدود التعبري فيه ‪...‬وبعضها يتصل بالجامعيني يف إرضاباتهم أو‬
‫يف والءاتهم والسعي إىل تدجينهم وتوظيفهم ومناشدات بعضهم ‪...‬وفيام‬
‫اطلعت عليه يف املجال الصاخب مل أعرث عىل رأي سجايل لكاتبنا وقد يكون‬
‫ذلك من باب الرتفع عن مثل تلك السجاالت أو من باب التقية يف األزمنة‬
‫الدكتاتورية ‪...‬‬
‫« وقد أشار لوكاتش اىل التعايل النسبي للمثقفني عن االيديولوجيات‬
‫املهيمنة والسعي إىل تشكيل تجمعات منفصلة عن الجسد االجتامعي»‬
‫ولذلك رمبا مل يكن كاتبنا «مثقفا عضويا» بعبارة غراميش أو «مثقفا‬
‫ُمشتبكا» بعبارة عادل سامرة لكنه اختار أن يكون فنانا يتحرر يف األدب‬
‫بقدر ما يتحفظ يف الواقع ويف ذلك تذكري مبسرية رائد القصة التونسية‬
‫عيل الدوعاجي خاصة بجرأته يف الشأن االجتامعي وتحفظه فيام عدا‬
‫ذلك من شؤون كالشأن السيايس يف عالقة باالستعامر والتحسيس برضورة‬
‫مقاومته‪...‬‬
‫وقبل ما يٌعرف بسوسيولوجيا األدب عرب التوحيدي عن ولع االنشغال‬
‫بالشأن العام ورضورته لألديب يف قوله ‪ « :‬وأنا من الذين فرغهم الله لتتبع‬
‫أحوال العباد» كام عرب سارتر بطريقة مختلفة بقول معناه «أن املثقف هو‬
‫الوحيد الذي يهتم بأمور ال تعنيه»‪...‬‬
‫ويف باب املالحظات التمييزية أرشنا إىل عناية كاتبنا بالنص التونيس بحثا‬
‫وتوثيقا واىل انخراطه التلقايئ يف الشأن االبداعي يف مسرية حياته الطويلة‬
‫دون احتساب ملمكنات الربح أو الخسارة‪ ،‬كمحنة السعي إىل طبع أجزاء‬
‫ُمتتابعة من املوسوعة القصصية وما يف ذلك من جهد وعناء‪....‬‬
‫م‪/‬ج «منارات»‬

‫‪15‬‬

‫الخميس ‪ 13‬ديسمرب ‪ - 2018‬املوافق لـ ‪ 6‬ربيع الثاين ‪ - 1440‬العدد ‪74‬‬

‫تشكيل فضاء «دقاش»يف رواية‬
‫مواسم الجفاف لسعدية بن سالم‬
‫رياض خليف‬

‫تنتسب لفظة تشكيل‬
‫يف حقيقتها إىل عوامل‬
‫الفنون التشكيلية‬
‫والرسم وقد تسللت‬
‫إىل عامل السرّ د والقص‬
‫«فمصطلح التشكيل‬
‫أو ما يصاغ منه من‬
‫صفات مل يكن مقصورا‬
‫عىل الفنون التشكيلية التي ذكرنا بل استعمله دارسو‬
‫الكالم و ال سيام منظرو القصص» فنحن أمام تشكيل‬
‫بالكلامت وال ّ‬
‫شك أن استعامل املصطلح يضمر التّنوع و‬
‫االختالف عىل شاكلة ما نبرصه يف اللوحات الفنية‪ .‬ولعلّنا‬
‫من خالل هذا التّص ّور نفرتض أ ّن كتابة الفضاء هي كتابة‬
‫ّمركّبة ال تخلو من الرتكيب والتّنويع واالختالف محاولة‬
‫لتشييد فضاء حكا ّيئ مامثل للفضاء املوجود و املعيش‬
‫ومحاك له‪.‬وهو ما يجعلها تستحرض املرجع وتلتقط‬
‫منه العديد من مك ّوناته «فهذا املكان الفني من صفاته‬
‫إنّه متناه غري أنّه يحايك موضوعا ال متناهيا هو العامل‬
‫الخارجي الذي يتجاوز حدود العمل الفني « ولذلك‬
‫«يتعني أال تشغلنا قيمة املتخيّل يف الفضاء األديب عن‬
‫قيمه املرجعية وعن تخومه مع‬
‫مستويات مع ّينة للمعيش مبا هو‬
‫فضايئ يف عمقه وجوهره»‪.‬فهذا‬
‫الفضاء املتخيل ينهل من املرجع‬
‫و يتعالق معه ويعقد صالت‬
‫عديدة وهو ما يؤكد»أهمية أن‬
‫نقرأ الفضاء مبا هو وجود و ذاكرة‬
‫وعالئق وأمكنة»‪.‬وهو ما نروم‬
‫تفكيكه يف هذا العنرص‪.‬فكيف‬
‫نقلت الكاتبة جهة دقاش من‬
‫املرجع املعيش إىل عامل التخييل‬
‫و الوهم ؟و ماهي مجاالت التقاء‬
‫فضاء الرواية املتخيل بفضاء‬
‫دقاش التاريخي واملعييش ؟‬
‫يتّسم فضاء جهة دقاش بطابع‬
‫مرجعي‪،‬تحرص الكاتبة عىل‬
‫ّ‬
‫الوفاء له‪.‬فهي تكتب روائيا جهة ذات وجود مادي‬
‫وتاريخي ولها صلة بها باعتبارها أصيلتها و كتابته تعترب‬
‫كتابة لفضاء أليف وحميمي عىل غرار كتابة البيت‬
‫وأماكن الطفولة فهو ينتسب إىل أماكن الذّأكرة وعواملها‪.‬‬
‫فتصبح كتابة سعدية بن سامل ملدينة دقاش نوعا من كتابة‬
‫الهوية و االنتامء ولعلّها كتابة ذاكرة الكاتبة نفسها وما‬
‫ارتسم يف ذهنها من مالمح وشخوص ومشاغل‪ .‬والحقيقة‬
‫أ ّن مرجعيّة الفضاء ال تتحدّد فقط باسقاط إسمه وأسامء‬
‫فضاءاته الشهرية وإنمّ ا تكمن يف استحضار ما يثبت خربة‬
‫الكاتب بتاريخه وثقافته وواقعه وهو ما ال يتيسرّ دوما‪.‬‬
‫غري أ ّن سعديّة بن سامل مل تكتف بهذه املؤشرّ ات اإلسميّة‬
‫بل ع ّمقت كتابتها للفضاء ونرشتها عىل كامل الفضاء‬
‫ال ّن يّص وغذّت مدينتها ال ّروائ ّية مبا يحيل القارئ عىل‬
‫العامل املرجعي و يوهمه به فيجد نفسه أمام هاجسني‬
‫‪:‬هاجس الحكاية وهاجس معرفة هذا الفضاء العميق‬
‫املنيس‬
‫يف البالد التّونسيّة ‪،‬الكائن يف الفضاء الهاميش و‬
‫ّ‬
‫‪،‬الفضاء الذي يشعر متساكنوه بالغنب التّنموي والتهميش‬
‫‪.‬فال غرابة أن تحيلنا مختلف املك ّونات املرجع ّية وهي‬
‫املكونات التي يلتفي فيها املتخيل و املعييش‪ ،‬عىل هذا‬
‫الهامش و عىل صعوبات الحياة فيه‪.‬ففضاء الحكاية‬
‫يتعالق مع الفضاء املعييش يف مستويات عديدة‬
‫سنحاول تصنيفها إىل فضاءين يعرب كل منهام عن جملة‬
‫من املشاغل ‪.‬أ ّولهام الفضاء الجغرايف وثانيهام الفضاء‬
‫االجتامعي السوسيولوجي ‪.‬‬
‫‪ 2‬الفضاء الجغرايف ‪:‬‬
‫ينتبه القارئ إىل مرجع ّية املك ّون الجغرايف يف هذه‬
‫الرواية‪ .‬فالكاتبة تز ّود روايتها مبعطيات جغرافية معروفة‬
‫من شانها رسم الفضاء املكاين وتحديد موقعه ومالمح‬

‫تضاريسه‪.‬فالسارد يصف الطريق إىل دقاش منطلقا من‬
‫ّ‬
‫الجهات القريبة املجاورة و يربز ما فيها من خالء وسالسل‬
‫جبلية ومظاهر بيئية‪:‬‬
‫السيارة مدينة املتلوي ‪.‬تركت خلفها ما رشد من‬
‫«اجتازت ّ‬
‫البناءات و أوغلت‪...‬امتد الخالء أمامها‪ .‬ارض منبسطة‬
‫حينا‪ ،‬ممتلئة أحيانا ‪.‬فتتكور وترتفع‪ .‬تط ّوقها سالسل‬
‫متوسطة االرتفاع ‪.‬فتجعل من املكان مساحة‬
‫جبل ّية ّ‬
‫كربى‪...‬وتبدو أثار السيول القادمة من الجزائر‪ .‬تجاويف‬
‫ومسارب يف باطنها ‪.‬يلوح له من بعيد قطيع من الجامل‪،‬‬
‫باسطا سيادته عىل هذه البقعة من األرض‪»...‬‬
‫فالقارئ يجد نفسه منذ مفتتح ال ّرواية يف عوامل ال ّرحلة‬
‫السفر ويطالعه إبراهيم يف الطّريق إىل مدينة دقاش‬
‫و ّ‬
‫ذات املالمح املعروفة ث ّم يدخل الجهة مستكشفا لها‬
‫بعد غياب طويل فتتناثر معطيات جغرافيّة عن طبيعة‬
‫الصلبة‪:‬‬
‫التضاريس و األرض ّ‬
‫«وطأت قدمه األرض ارض صلبة قاسية عطىش يشعر بها‬
‫تحت قدميه‪»...‬‬
‫و تصف ال ّرواية الهضاب والغطاء النبايت»استند إىل يده‬
‫ليجلس ويطلق برصه يف الفضاء املمتد الذي يعد بالال‬
‫نهاية ويهدد باالبتالع بني تلك التجاويف الغريبة وتلك‬
‫النتوءات والهضاب التي يغطيها الحىص وتعلوها نباتات‬
‫شوكيّة و أزهار الحرمل و ك ّريات الحنظل»‪.‬‬
‫مام ال شك أن هذه املقاطع تربز‬
‫طبيعة املكان وتوظف معطياته‬
‫الطبيعية‪.‬كاشفة صعوبة الجغرافيا‬
‫وهي يف مستوى اخر تنهل من املرجع‬
‫التنموي وطبيعة األرض وصعوبات‬
‫الواقع الفالحي والتنموي‪.‬‬
‫‪2-2‬الواقع التنموي‪:‬‬
‫لقد أطّرت املعطيات الجغرافيّة‬
‫واقعا تنمويّا صعبا و فتحت الباب‬
‫عىل صعوبة الحياة وهو ما أظهر بني‬
‫طيّات ال ّرواية العديد من املشاغل‬
‫الفالحيّة والتنموية املعيشيّة ومنها‪:‬‬
‫*مشكلة املاء‪:‬‬
‫وتتعلٌق هذه املشكلة بقض ّية جفاف‬
‫األرض و الواحة وعدم اهتامم‬
‫املسؤولني بإيجاد حلول مناسبة «إن‬
‫الواحة القدمية متوت عطشا والجميع ينظر وينتظر رحمة‬
‫من السامء ال تأيت‪...‬إنهم مثلك يا خليل ينتظرون وافق‬
‫انتظارهم غيم ال ماء فيه»‬
‫و هو أيضا ما عبرّ عنه إبراهيم‪:‬‬
‫«مل يخطئ هذا مقام سيدي الخريصاين إذن أين املاء؟أين‬
‫اختفى؟تسلق إىل املقام الجفاف يلف املكان ارض صلبة‬
‫قاسية عىل مقربة تجاويف عميقة متجاوزة انحنى فوق‬
‫احدها تسم ّع وال صوت ال ماء‪.‬مت ّعن فلم ير غري ظلمة‬
‫مرتاكمة‪»...‬‬
‫*االفتقار إىل البنية التّحت ّية‪:‬‬
‫وهو افتقار إىل املرافق التنموية و عدم تحقق اإلضافة يف‬
‫الجهة وميكن أن نستدلّ عليه بحوار خليل وإبراهيم حول‬
‫عدم توفر نزل إلقامة الوافدين عىل الجهة واضطرارهم إىل‬
‫التنقل ملركز والية توزر‪:‬‬
‫«كيف ال يكون ملدينة يف عراقتها نزل؟‬
‫اب مبلل‪:‬‬
‫فأجاب الشّ ّ‬
‫مل ترصخ يا عم ؟اسأل املسؤولني الذين يديرون شؤون‬
‫البالد والعباد ثم أنت مل ترتك يف ربوعها نزال لتجده اآلن‬
‫«‪...‬‬
‫ولعلّ يف املقطع تعبريا عن الخيبة التنموية و اإلحساس‬
‫بالخيبة وعدم تط ّور البالد وهو ما يجمع عليه الكثريون‬
‫‪« :‬رمبا تحولت إىل األسوأ الكبار يقولون ذلك أما البقية‬
‫فيقولون أنت البالد جامدة كأنها لوحة زيتية»إن للمرجع‬
‫يف هذا املستوى وجها جغرافيا وآخر تنمويا وهو كتابة‬
‫للواقع الطبيعي والتنموي الصعب ولكن كتابة املرجع‬
‫متتد لتشمل كتابة وجهه االجتامعي فيتعالق التخيييل‬
‫مع الرتايث والتاريخي رسام للهوية وللذاكرة الشعبية ومع‬
‫الواقع الراهن مبختلف مشاغله‪.‬‬

‫قصة‬

‫الجميلة والوحش‬

‫بوجمعة الدنداين‬

‫‪ - 1‬ال‪ ،‬هذه املرة خيالك رسح بك بعيدا وأخطأت يف توقعاتك‬
‫وتصوراتك‪ ،‬نعم هي جاريت وجميلة أيضا ولكن ما توقعته لن‬
‫يحدث‪ .‬انت من العنوان توقعت ان اكتب عن جارة تخرج كل‬
‫صباح شبه عارية تنرش تبانها او تتثاءب فريتفع ثوبها القصري حتى‬
‫تكاد تتعرى وتظهر فخذها اللولبي الجميل او تنحني قليال فيظهر‬
‫نهداها وقد انفلتتا من اسار املشد‪.‬‬
‫ال‪ ،‬ال‪ ،‬ورمبا توقعت ان احدثك عنها وقد غادر زوجها البيت للعمل‬
‫فادخلت عشيقها‪ ،‬او رمبا تزينت وخرجت تعرض بضاعتها عىل‬
‫املارة او يف الفنادق‪ ،‬لقد اخطأت مرة اخرى انها عزباء وصغرية‬
‫السن وطالبة‪.‬‬
‫أمل اقل ان خيالك مريض وانك ال تنتظر من الكاتب اال ان يكون‬
‫مفجرا لنزواتك ‪ ،‬انت ال تبحث عن نص بقدرما تبحث عن اناء تتقيأ‬
‫فيه ‪ ،‬عفوا ال اريد ان اج ّرح فيك ولكن اهدأ قليال واسمعني واترك‬
‫االفكار املس ّبقة ودعني احيك لك هذه القصة دون ان تربكني او‬
‫تغتصبني او توجهني كام تشاء فانا لست من النوع السهل وال من‬
‫جامعة «الجمهور عاوز كدة»‪.‬‬
‫لنبدأ اذن ولكن سأتخىل عن دورالراوي او السارد‪ ،‬ال احب ان اكون‬
‫يف مواقع مشبوهة فأنا ال اؤمن بالحياد‪.‬‬
‫‪ - 2‬كنت مساء يف بيتي بني زوجتي وابنايئ نرتشف قهوة ونتحادث‪،‬‬
‫كانت امسية لطيفة راجعت فيها دروس ابنايئ ساعدت زوجتي يف‬
‫املطبخ عندما سمعت طرقا عىل الباب‪ ،‬ذهبت زوجتي لرتى من‬
‫الطارق‪ ،‬انها جاريت الطالبة‪.‬‬
‫دخلت كنت اقف يف املمر‪ ،‬رايتها تتجه اىل قاعة الجلوس‪ ،‬شابة‬
‫جميلة‪ ،‬مساحيق خفيفة شعر مسدل عىل الكتفني‪ ،‬فوضوي‪ ،‬تنورة‬
‫قصرية تكشف عن فخذين جميلني ملولبني وصدر نافر قبلت االوالد‬
‫ودخلت يف اثرها سلمت ورحبت وجلست هل هو فضول مني ام‬
‫وقاحة هي الشك جاءت لزوجتي مرت دقائق ثقيلة استشعرت‬
‫بثقيل وقد ران صمت ثقيل‪ .‬من البداية هناك امر غري طبيعي‪.‬‬
‫استأذنت بالخروج ووقفت لكنها قالت بعد اذنك مدام واذن‬
‫االوالد جئت للسيد نوفل‪ .‬تح ّرجت زوجتي قليال ثم امرت االوالد‬
‫باملغادرة وخرجت‪.‬‬
‫بقينا وحدنا‪.‬‬
‫ران صمت ثقيل الحظت عليها بعض االضطراب وحمرة خفيفة‬
‫عىل الوجه قلت البد من تشجيعها فقلت‬
‫اهال بك نحن جريان وال نحتاج لكل هذا الخجل ما االمر؟‬
‫قالت اجل نحن جريان وانت االن يف بيتك ومع اوالدك وارى انك‬
‫يف لباس محرتم وصاحب ذوق حتى اثاث البيت واللوحات املنترشة‬
‫عىل الجدران تنم عن احساس راق وزرايب مستوردة جميلة ووجه‬
‫باسم بشوش سؤايل عندما تغادر بيتك هل تحافظ عىل نفس‬
‫يكف عن ان يكون انسانا ام‬
‫االحساس والبشاشة؟ هل هذا الوجه ّ‬
‫يتحول اىل وجه ذئب؟‬
‫توقعت كل يشء اال ان تهاجمني بهذه الطريقة ويف بيتي ودون‬
‫سابق معرفة او عالقة تركت نفيس تنساب داخل االريكة وتركت‬
‫عيني تجوس يف جاملها ويف ركبتيها وقد انفرجتا قليال وسمعت‬
‫صوتا يف داخيل يرصخ من هي حتى تتكلم بهذه الطريقة ليتني‬
‫كنت يف مكتبي الغتصبتها ونزعت ثيابها وبقيت اتفرج عىل هذا‬
‫الجامل وهذه االرداف املمتلئة والعيون ال ّرباقة والشفاه الدقيقة‪،‬‬
‫وأدخلت فيها عصا معدّة خصيصا للجميالت‪ .‬ابتسمت وقلت ملاذا‬
‫كل هذا التحامل وملا ؟‬
‫فاجأتني بالسؤال هل زوجتك تعرف اين تشتغل ؟‬
‫فعال كانت يف حالة هجوم وكأنها تريد ان تفرغ ما يف جعبتها دفعة‬
‫واحدة وترحل‪ ،‬مل ارد‪ ،‬ظللت انظر اليها وهي تنتفض يف مقعدها‬
‫وصدرها يعلو وينزل‪.‬‬
‫انتبهت اىل ان ذراعها االمين مجبرّ ‪ ،‬قلت فرصة لالفالت من هذا‬
‫الحصار وان اليبلغ صوتها لزوجتي وابنايئ‪.‬‬
‫البأس عليك ذراعك ما به؟‬
‫وكأنني نكأت جرحا‪.‬‬
‫قالت ذراعي؟ أالتعرف ان اعوانك نهشوين يف رحاب الجامعة‬
‫واعتدوا عيل بالرضب وكرست ذراعي‪ ،‬تطلقون الكالب املد ّربة‬
‫واعوانك بالعيص والسالسل واملاء والقنابل املسيلة للدموع‬
‫وتكدّسون الطلبة يف سيارات الرشطة ويف اقسام االيقاف عراة فقط‬
‫للتسلية أم لهدف سام نحن النعرفه؟‪.‬‬
‫فهمت االن جاريت طالبة اعتدي عليها وعرفت اين اشتغل او رمبا‬
‫رأتني وجاءت لتنتقم‪.‬‬
‫قلت بهدوء الجامعة للدراسة وليست للتشويش‬

‫ردت بتهكم للتشويش التشويش وما فهمك انت بالتشويش ؟‬
‫كلام غضبت ازدادت اثارة ‪ ،‬كيف تركوها اعواين تفلت ‪ .‬مل ينفع‬
‫معها الرضب اذن اغبياء لو اغتصبوها ملا تجرأت عىل املجيء ايل وملا‬
‫تكلمت بهذه الحدّة بل لكانت منكرسة تطلب العفو والسرت وتلزم‬
‫ببوشتها ورمبا انقطعت عن الدراسة واراحتنا من صوتها واسرتاحت‪.‬‬
‫واصلت بعد صمت ثقيل أليس من حقي ان اقايض من رضبني‬
‫وكرس يدي ؟ ألقت بحجرة ضخمة يف بركة تحاول ان تكون هادئة‬
‫غري مستفزة سارعت بالقول طبعا نحن يف بلد يحرتم حقوق االنسان‬
‫والحريات العامة والخاصة ‪ ،‬من حقك اللجوء للقضاء‪ ،‬ولكن هل‬
‫تعرفني من اعتدى عليك ام ستكون التهمة موجهة لوزير الداخلية‪.‬‬
‫غرست عيناها بقوة يف عيني وشعرت بلهيب يخرج منهام محمال‬
‫بحقد وحنق وغضب زاده اقرتان الحاجبني الكثني رصامة ونهضت‬
‫نعم اعرف الفاعل ‪ :‬أنت‬
‫نهضت ‪ ،‬اعادتها بحدة ‪ :‬انت‬
‫أذكر جيدا عندما سقطت عىل االرض بعد الركل والرضب بالعصا‬
‫والتزاحم رايتك تهوي بكل ما اوتيت من قوة عىل ذراعي التي‬
‫سقطت عليها ومل استطع ان استعيدها المل فيها من اثر السقوط‬
‫‪،‬تهوي بعصاك وانا ارصخ وانت ترضب وتستلذ الرضب يف نفس‬
‫املكان وبكل غل وحقد وانا ارصخ وانت تضحك ومل تتوقف عصاك‬
‫اىل ان اغمي عيل‪.‬‬
‫مازلت اذكر عينيك واحمرارهام يشبه لون الدم الجامد يشبه لون‬
‫الكبد الفاسد يشبه الدم املتخرث عىل االرض بعد ان تيبس من حرارة‬
‫الشمس‪ ،‬وكأن قرنني نبتا يف راسك واسنانك طالت واصبحت كاسنان‬
‫دراكوال تنز قيحا ودما‪ .‬كل يشء فيك تغيرّ ‪ ،‬فقدت مالمح االنسان‪،‬‬
‫ترفع يدك وتنزلها عيل بكل قوة‪ ،‬كانك تجابه عدوا يريد ان يفتك‬
‫منك ارضك او حياتك يف حني لست اكرث من طالبة ترصخ ضد الظلم‬
‫وانت اول املستفيدين منه ان زال‪.‬‬
‫ظلت موجهة اصبع االتهام ايل‬
‫بني صحو واغفاءة رأيتك تبصق عيل وتدعك بعصاك نهدي وتدخلها‬
‫بني فخذي وتدفعها بقوة ملاذا ؟ هل استفرغت اوساخك بفعلتك‬
‫تلك هل تريد ان ترى الجراح واالماكن الزرقاء من شدة الدعك ههه‬
‫انت مل تنل شيئا رمبا العصا هي التي نالت كل يشء‪ ،‬مباذا تفكرك‬
‫كلمة { دعك } الشك بالعنف‪ ،‬انت من عشاق العنف وليس من‬
‫اجل استتباب االمن كام تتصور‪،‬‬
‫أو رمبا بأشياء أخرى يف عقلك الباطني‪..‬‬
‫لست هنا ملحاكمتك وامنا لرتى فقط كم انا جميلة ومثقفة‬
‫ومناضلة وانني مع الحياة ومثلام انا يف منزيل بني اهيل انا كذلك‬
‫يف الشارع والجامعة واملكتبات نفس الوجه ونفس الروح ونفس‬
‫التألق ونفس االندفاع وأنت تتل ّون كالحرباء التستطيع ان تسري‬
‫يف الشارع اال ومعك العصا‪ ،‬العصا اصبحت جزء منك تأكل وتنام‬
‫وتدخل املرحاض وتنام مع زوجتك وهي ممددة اىل جانبك الميكن‬
‫ان تشعر بالسعادة او بالراحة او بالطامنينة اال والعصا معك‪ ،‬انت‬
‫مل تعد برشا اصبحت رقام‪.‬‬
‫ينادونك رقم سبعة املدير يطلبك‪ ،‬نسوا ونسيت اسمك وظل فقط‬
‫رقم العصا‪ ،‬يا جامعة اليوم رقم سبعة يغادرنا اىل التقاعد فيتهالك‬
‫زمالؤك عىل العصا والله اسرتحت انظري كم مسامر احتجنا‬
‫الصالحك وكم خيط وكم‪ ..‬ال تحزين كلنا لها وما دائم اال وجه الله‪.‬‬
‫وتعود اىل بيتك ذليال محبطا ترمتي عىل فراشك وتدخل يف هسترييا‬
‫من البكاء وتتلمس الفراش وحزامك والدرج فال تعرث عىل العصا‬
‫تشعر بان نصفك بل ثالثة ارباعك بل كلك يفتقد لالحساس بدون‬
‫عصا‪.‬‬
‫ويف الصباح تكتشف زوجتك انك مت‪ .‬فتقول للمع ّزين رحمه الله‬
‫عاش بالعصا وللعصا ومات من أجل العصا‪.‬‬
‫تطلب من االدارة ان تدفن العصا اىل جانبك حتى تشعر باالطمئنان‬
‫فتتعلل االدارة بان العصا كائن غري عاقل‪.‬‬
‫هل سمعت‪ ،‬وهل يسمع امل ّيت؟‬

‫‪16‬‬

‫الخميس ‪ 13‬ديسمرب ‪ - 2018‬املوافق لـ ‪ 6‬ربيع الثاين ‪ - 1440‬العدد ‪74‬‬

‫دارات‬

‫إص‬

‫مكتبة منارات ‪ :‬بقلم سعدية بن سالم‬

‫تحتفي مكتبة املنارات يف هذا العدد بال ّرواية والشّ عر‪ ،‬فتنتقي لكم رواية عماّ ر التيمومي‪« :‬الربنزي» ومجموعة سامية سايس»ال تلتفت لرناها» ومجموعة أحمد قادرة «زورقي ال تغرقه الق ّناصة» وهي نصوص صادرة عن دور نرش‬
‫تونس ّية تسهم يف ت ّنويع التجارب اإلبداع ّية وإثرائها كم ّيا ونوع ّيا‪ ،‬وهي إطاللة أوىل تدعو النقاد إىل إعامل أقالمهم وأفكارهم يف هذا املنتج الراقي الذي يش ّع أكرث باهتاممهم‪.‬‬

‫البرنزي‪ ،‬رواية الزمن في عالقته بالمكان واإلنسان‬
‫عن دار ورقة للنرش صدرت رواية الربنزي لصاحبها «عماّ ر‬
‫التيمومي» يف طبعتها األوىل سنة ‪ ،2016‬وهي رسد يف سرية‬
‫ال ّزمن املتح ّرك‪ ،‬املتزيّي بحركة الشخص ّيات وما انج ّر عنها من‬
‫أعامل قامت بها أو وقعت عليها‪ ،‬ونقول سرية الزمن املتح ّرك‬
‫السرية وإن أوهمت بذلك يجري فيها ال ّزمن عىل‬
‫ألنّها سرية غري ّ‬
‫الشخصيّات فتتح ّول س ّنا وأحواال‪ ،‬وقد يسقطها الزمن من قافلته‬
‫دون أن ي ّربر فعله‪ ،‬وهي سرية قبيلة‪ ،‬تذكّر من حيث ال تذكر‬
‫بسرية بني هالل وتغريبتهم عدا أ ّن قبيلتنا‪ ،‬قبيلة بني جالص‪،‬‬
‫مقيمة ال تربح وتَ ِكل أمر الرتحال إىل بعض منها‪ ،‬الربنزي‪ ،‬الذي‬
‫يحمل يف ذاته كلّ القبيلة ويرحل إىل باريس جنديّا ال يعرف‬
‫من يقاتل وال ملاذا يقاتل‪ .‬ث ّم يستق ّر يف بنزرت سنوات دون أن‬
‫تفارقه القبيلة وأرضها ورائحة الرتاب حني يتقلّب تحت أقدام‬
‫األغنام تسري إىل مرعاها وتعود منه‪.‬‬
‫ومل تتمكّن القريوان املدينة من إشباع حاجة الربنزي إىل املوطن‬
‫ومل تتمكّن من ملء ذاك الخواء الذي تركته أعذاق الخروبة‪،‬‬
‫مجلسه األثري‪ ،‬أو ملتقى األتراب «يالحقون كرة قُدّت من‬
‫أقمشة» فلم يهنأ إالّ بالعودة إىل القبيلة أرضا وأهال‪ ،‬عاد سيّدا‬

‫يحسب له ألف حساب يُستجار به من ظُلم من ظَلم‪ .‬أ َومل‬
‫تستجر به املرأة‪ ،‬ال أهل لها‪ ،‬هربا من امرأة تطاردها فأنصفها؟‬
‫يقول ال ّراوي‪« :‬أ ّما الواقعة فتتمثّل يف أ ّن إحدى أرامل القرية‬
‫ف ّرت إليه مستجرية وبرفقتها ابنها الوحيد ذي الخمس سنوات‪،‬‬
‫وال يعرفه إالّ من يعرف أ ّمه‪ ...‬كانت فاحمة الشّ عر غزيرته‪..‬‬
‫حلوة العبارة زادها عشقها الطّاهر خفرا عىل خفر‪ .‬إالّ أ ّن زوجة‬
‫الطّاهر الشّ مطاء بلغها الخرب فاستشاطت غضبا وه ّمت بها‬
‫متو ّعدة‪ ..‬وتسلّحت بغريتها وأوالدها الستّة وأقبلت عىل بيت‬
‫الشيخ وعلت الجلبة يف الخارج‪:‬‬
‫ وينو يس الفحل يحب يخلييل داري؟» ارتفع صوت زوجة‬‫الطّاهر ليواجه باملنسأة‪ ...‬ويتكلّم صاحب املنسأة‪:‬‬
‫ وينو الطاهر الهامل مس ّيب علينا مرتو»‪( ..‬ص‪)144-145‬‬‫عاد إىل القبيلة ليعيد تصحيح تاريخه الشخيص بعد أن ترك‬
‫مكانه شاغرا‪ ،‬يعيد استكامل ما بناه ع ّمه بوسدرة الذي كفله‬
‫بعد موت والده‪ .‬عاد لريسخ يف أرضه و»استق ّر الربنزي بشكل‬
‫نهايئ ببني جالص بعد إنهاء خدمته العسكريّة ألكرث من‬
‫عرشين سنة‪ .‬ورغم محاوالت األهل إغواءه باملدينة إالّ أنّه أىب»‪.‬‬

‫(ص‪.)161‬‬
‫شخصيّة منوذجيّة‪ ،‬هي أفضل ممثّل لـ «قرية الربنز»‪ ،‬فت ّوة‪،‬‬
‫وق ّوة‪ ،‬وجرأة‪ ،‬ث ّم جاه وتفان يف خدمة املجموعة وفروس ّية‪،‬‬
‫واأله ّم من هذا وذاك ‪ ،‬هي شخص ّية عاشقة‪ ،‬تعشق الجامل‬
‫خاصة وبوفاء نادر‪.‬‬
‫بصفة عامة وتعشق شهالء بصفة ّ‬
‫لشخصيات الرواية عالقة مبارشة بالربنزي‪ ،‬كلّها تقريبا‪ ،‬تدور يف‬
‫فلكه‪ ،‬عالقات عائل ّية أو عالقات اجتامع ّية (الجريان واألصدقاء)‬
‫أو عالقات تنشأ بـ»املراقبة» وهو الذي كان يرشف يف مجلسه‬
‫ذاك من الخروبة‪ .‬يقول ال ّراوي‪« :‬فعرشه يف الخروبة ميكّنه من‬
‫مراقبة كلّ وافد وكلّ مغادر ويقدّر بينه وبني نفسه الغاية من‬
‫كلّ حركة‪ .‬إالّ أنّه مل يستطع ّفك أرسار حركات سامل األعرج ذي‬
‫الحي صدفة بال ن ّية‬
‫الدّفوف بني الخيام‪ .‬وسامل هذا وفد عىل ّ‬
‫وال قصد‪( ».‬ص‪.)79‬‬
‫يتخيرّ عماّ ر التيمومي رسدا عاشقا يعرض حكايات عشق‬
‫متجدّدة نواتها الربنزي وشهاله ويف مدارها تتح ّرك قصص فرع ّية‬
‫الحب وتجعله دستور حياة‪ .‬يرسد فيعيد تشكيل‬
‫تُعيل من شأن ّ‬
‫الكون عىل وقع تقديم وتأخري لألحداث‪ ،‬وتنويع يف األمكنة‬

‫ال تلتفت لنراها لسامية ساسي‪ :‬هي ورحلة الكتابة‬
‫عن ديار للنرش والتوزيع صدر ت املجموعة‬
‫الشعرية األوىل لسامية سايس يف طبعتها األوىل‬
‫بعنوان سنة ‪ .2018‬وهي مجموعة اختارت لها‬
‫« ال تلتفت لرناها»عنوانا‪ ،‬وتقع يف ‪ 86‬صفحة‬
‫مقسمة إىل ثالثة أجزاء‪ ،‬واختارت الشّ اعرة أن‬
‫ّ‬
‫تفتتح كلّ جزء بسطرين لروح األ ّمة اليونان ّية‬
‫وركيزتها يانيس ريتسوس‪ .‬فذكرت يف عتبة الجزء‬
‫األ ّول‪ « :‬الكلامت تثقب الورقة‪ ،‬تخرج من الجهة‬
‫األخرى ‪.‬‬
‫أحد األجساد يخرتق‬
‫اآلخر وال يخرج من الجهة األخرى‪».‬‬
‫وذكرت يف مدخل الجزء الثاين‪« :‬هل عشت القبل َة‬
‫والقصيدة؟‬
‫إذن‪ ،‬فلن يأخذ‬
‫املوتُ منك شيئا‪».‬‬
‫وذكرت يف مدخل املقطع الثالث‪« :‬يف الغد‪ ،‬عندما‬

‫تنهار الرشفة‬

‫يف الهواء هادئة جميلة‪».‬‬

‫فستظلّ هي منتصبة‬

‫نصوص تحتفي بها‪ ،‬بتلك الـ»هي» متعدّدة‬
‫األدوار واألحوال‪ ،‬تطاردها الشّ اعرة تسرب‬
‫أغوارها فتكشف عن «هي» ال تتقن غري العطاء‬
‫والتضحية‪ .‬تقول يف «مبتورة األطراف»‪:‬‬
‫أنا‪،‬‬
‫عارضة أزياء‬
‫مبتورة األطراف كصفصافة‪،‬‬
‫ميكنني أن أقطع يدي‬
‫ألجل شاعر بيد واحدة‪،‬‬
‫أراد أ يصفّق‪.‬‬
‫وهي امرأة ملهمة من فمها تنساب الحكايات‬

‫للصوت‪:‬‬
‫فتتح ّول قصائد تقول يف بيت عازل ّ‬
‫للصوت‪ ،‬شطر البحر‬
‫أسكن بيتا عازال ّ‬
‫كلّ ليلة أستقبل نساء القرية األربعني‪.‬‬
‫يأتني بكامل زينته ّن‪.‬‬
‫يتحلّقن حويل‪ ،‬ويتكلّمن بصوت واحد‪،‬‬
‫يف وقت واحد‪.‬‬
‫وبلهجة واحدة‪ ،‬يقلن حكايات مختلفة‪...‬‬
‫الصباح‪،‬‬
‫هذا ّ‬
‫نهضت أكرث فتنة‬
‫وبصوت واحد‪،‬‬
‫نصا دفعة واحدة‪( .‬ص‪)20-21‬‬
‫بعت أربعني ّ‬
‫ولألربعني حكاية مع الشّ اعرة‪ ،‬يتك ّرر ال ّرقم‬
‫بإحاالته الحكائ ّية واالجتامع ّية والذات ّية التي‬
‫يلتبس فيها الفرح باألمل شأن «ال تخطئ العدّ»‬
‫عيني وأع ّد حتّى األربعني‬
‫‪ :‬أنا‪ ،‬عصابة سوداء عىل ّ‬
‫وال‬

‫أخطئ الع ّد‬

‫والشخصيات والعالقات لتكون الرواية إعالن عشق للقبيلة مبن‬
‫فيها وما فيها‪.‬‬
‫ويستحق‬
‫نص يفسح املجال ألكرث من قراءة وأكرث من مقاربة‪،‬‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫اهتامم النقاد والقراء عىل السواء‪.‬‬

‫تختبئ‬
‫أ ّمي فاقدة البرص منذ سنتني‪ ،‬ال ُ‬
‫متسك بيدي وتساعدين يف البحث عنها‪،‬‬
‫غرفة‪ ،‬غرفة‪ ،‬حتّى نصل قرب أيب‪.‬‬
‫مات بابا منذ أربعني يوما؟‬
‫حني أخذوا رسيره من فوقي مل أنتبه‪،‬‬
‫كنت منشغلة‪ ،‬ألعب معه لعبة الغميضة‪.‬‬
‫(ص‪.)27‬‬
‫النص‬
‫بني ظالل التجربة ووجع الكتابة يتهادى ّ‬
‫الشعري عند سامية سايس يبحث له عن هويّة‬
‫وتخصها‬
‫تخصه ّ‬
‫ّ‬
‫«سامية‪،‬‬
‫وقصائدي أكتبها زحفا‪.‬‬
‫ما قرأته‪ ،‬قرأته برمل عىل بطني‪( .‬ص‪)81‬‬
‫هي القصيدة‪ ،‬تستدرج الشّ اعرة ث ّم ترتك لها خيار‬
‫صوغها فتتشكّل بني يديها عىل غري أثر سابق‬
‫ومثال‪.‬‬

‫أحمد قادرة‪ :‬زورقي ال تغرقه القناصة‪.‬‬
‫عن ديار للنرش والتوزيع صدرت مجموعة «زورقي ال تغرقه القناصة» ألحمد قادرة‬
‫الشاعر السوري الذي اختار أن يطلق مجموعته الثالثة من تونس وهو الذي سبق‬
‫وأصدر مجموعته الثانية «أتق ّرى تجاعيد أحالمي» يف تونس أيضا عن دار نقوش عرب ّية‪.‬‬
‫وتقع هذه املجموعة الثالثة‪ ،‬الصادرة بعنوان ‪ ،2018‬يف ‪ 116‬صفحة‪ ،‬وتشمل ستة‬
‫نصا (‪ .)36‬كتبها صاحبها بني (‪ )2013‬و(‪.)2018‬‬
‫وثالثني ّ‬
‫نصوص تبوح بوجع يسكن صاحبها ويتمدّد غيمة من دخان عىل وطنه‪ ،‬نصوص تهمس‬
‫بعنف الواقع وبشاعة القتل الذي ح ّولت الج ّنة أنهارا من دم‪ .‬إنّها الحرب‪ ،‬إطارا معرف ّيا‪،‬‬
‫تلك التي ترتق مفاصل املجموعة‪.‬‬
‫أتقن أحمد قادرة التنويع عىل وترية الحرب‪ ،‬فهي ليست مظهرا واحدا‪ ،‬وهي ليست‬
‫حاال واحدة‪ ،‬بل هي منط حياة يتغيرّ ووجه بلد يتح ّول وأشخاص بعباءات غريبة‪ ،‬مل‬
‫يعد للزمن معنى يف بلد تجهد الحرب للهرب به لذلك فقد تح ّولت آلة القيس قذيفتني‪:‬‬
‫ فنجان قهوة‬‫ال يحتمل انتظاركِ‬
‫أكرث من قذيفتني (ص‪.)27‬‬
‫ومل يعد للمثقفني تلك الوظيفة السامية بل إنهم يف مخاض عسري‪:‬‬
‫إنّه مخاض املثقفني‬
‫تلعب الثعالب بالدم‬
‫واملواليد‪:‬‬
‫يشنقون باملشائم (ص‪)33‬‬
‫والث ّوار غدوا أغرابا عن أهل البلد‪:‬‬
‫ونسف ال ّرماد‬
‫نلحس األثايف ّ‬
‫نحن ُ‬

‫(ث ّوارنا) يف فرنسا يلعقون ال‪...‬‬
‫يتد ّربون عىل الفحولة يف تركيا‬
‫ويف الخليج‬
‫ميسحون بياسمني دمشقهم‬
‫لحى التّيوس» (صص‪)33-34‬‬
‫بل إ ّن غيفارا نفسه مل يعد ذلك الثائر للعدل‬
‫الحق‪ ،‬إنّه غيفارا جديد ينرش تعاليمه‬
‫الحب و ّ‬
‫و ّ‬
‫بالصدأ والدّم‪:‬‬
‫ّ‬
‫يح ّرم العشق والتقبيل‬
‫ويهدّد الشفاه املرتعشة بسكينه املقدّسة‪»...‬‬
‫ومن تعاليم غيفارا الجديد‪:‬‬
‫«أن أكون مسلّحا‬
‫برأس ناسف‬
‫وذاكرة ملغومة‬
‫مطالبا بالحريّة‪( .‬ص‪.)97‬‬
‫هي مجموعة الوجع يراكمه وجع وطن غزته رؤوس‬
‫مقطوعة من ألف وأربعمئة عام ومل تنم‪ ,‬وهي الذاكرة التي تحاول أن تحتفظ بتفاصيل‬
‫الحياة لتعيد نرثها بني مفاصل املوت علّها تزرع حياة جديدة‪:‬‬
‫«ال تخف مسدّسا يف كتاب‬

‫أو عبوة يف الدّقيق‬
‫فالدروب ال تحرتق وشوكها بدايتي‪( .‬ص‪.)15‬‬
‫إ ّن اعتناء أحمد قادرة يف مجموعته «زورقي ال تغرقه‬
‫القناصة»‪ ،‬بالجانب املضموين‪ ،‬وتأكيده عىل فعل املقاومة‬
‫والتشبّث بالحياة يف بلد «لن يغدو رملـ(ـه) صلصالْ‬
‫ولن يُربط حلم يف سلسال‪( ..‬ص‪)113‬‬
‫ال يقلّص من اهتاممه بالجانب الف ّني وانتقائه للمعجم‬
‫النص األ ّول يعرتضك بتسلية غري ما اعتدنا‪،‬‬
‫وللصور‪ ،‬ومنذ ّ‬
‫فالنص (صهيل صامت) يفتتح القول بـ «أتسلىّ » التي يكررها‬
‫ّ‬
‫النص الثالثة وبها‬
‫الشاعر يف بداية كل مفصل من مفاصل ّ‬
‫يختم ليكشف عن مفهوم جديد للتسلية ويج ّمع من األضداد‬
‫واملقابالت ما يجعل التسلية رضبا من العبث‪ ،‬ولك ّنه عبث‬
‫يبني رغم واقع العدم‪ .‬فالقش واق من النار واألحالم تح ّنط‬
‫وقبّعة الزجاج تغزو الصحراء واملاء يثقبه الرصاص فريتق نفسه‬
‫والهواء ح ّبات تقشرّ ‪.‬‬
‫الصورة عند أحمد قادرة موغلة يف الطّرافة ومن تناقض‬
‫إ ّن ّ‬
‫مك ّوناتها يتخلّق الجامل وتبعث الحياة‪ .‬هي الحياة التي تؤكّد‬
‫عىل الجدليّة بني الكون والفناء وأ ّن املادّة تحمل يف ذاتها بذور‬

‫فنائها‪.‬‬
‫للتسلية يف هذه املجموعة معنى جديد فرضه واقع يحفر باألضلع خنادق ويح ّرم‬
‫البكاء‪.‬‬


ديسمبر.pdf - page 1/16
 
ديسمبر.pdf - page 2/16
ديسمبر.pdf - page 3/16
ديسمبر.pdf - page 4/16
ديسمبر.pdf - page 5/16
ديسمبر.pdf - page 6/16
 




Télécharger le fichier (PDF)

ديسمبر.pdf (PDF, 12.4 Mo)

Télécharger
Formats alternatifs: ZIP



Documents similaires


fichier pdf sans nom 1
dossier d inscription championnat du 5
airbridge eham lfml
0376 galileo etal 2014
0376 galileo etal 2014
newsletter n 40 va

Sur le même sujet..