ديسمبر.pdf


Aperçu du fichier PDF fichier-pdf-sans-nom.pdf

Page 1...14 15 16




Aperçu texte


‫‪16‬‬

‫الخميس ‪ 13‬ديسمرب ‪ - 2018‬املوافق لـ ‪ 6‬ربيع الثاين ‪ - 1440‬العدد ‪74‬‬

‫دارات‬

‫إص‬

‫مكتبة منارات ‪ :‬بقلم سعدية بن سالم‬

‫تحتفي مكتبة املنارات يف هذا العدد بال ّرواية والشّ عر‪ ،‬فتنتقي لكم رواية عماّ ر التيمومي‪« :‬الربنزي» ومجموعة سامية سايس»ال تلتفت لرناها» ومجموعة أحمد قادرة «زورقي ال تغرقه الق ّناصة» وهي نصوص صادرة عن دور نرش‬
‫تونس ّية تسهم يف ت ّنويع التجارب اإلبداع ّية وإثرائها كم ّيا ونوع ّيا‪ ،‬وهي إطاللة أوىل تدعو النقاد إىل إعامل أقالمهم وأفكارهم يف هذا املنتج الراقي الذي يش ّع أكرث باهتاممهم‪.‬‬

‫البرنزي‪ ،‬رواية الزمن في عالقته بالمكان واإلنسان‬
‫عن دار ورقة للنرش صدرت رواية الربنزي لصاحبها «عماّ ر‬
‫التيمومي» يف طبعتها األوىل سنة ‪ ،2016‬وهي رسد يف سرية‬
‫ال ّزمن املتح ّرك‪ ،‬املتزيّي بحركة الشخص ّيات وما انج ّر عنها من‬
‫أعامل قامت بها أو وقعت عليها‪ ،‬ونقول سرية الزمن املتح ّرك‬
‫السرية وإن أوهمت بذلك يجري فيها ال ّزمن عىل‬
‫ألنّها سرية غري ّ‬
‫الشخصيّات فتتح ّول س ّنا وأحواال‪ ،‬وقد يسقطها الزمن من قافلته‬
‫دون أن ي ّربر فعله‪ ،‬وهي سرية قبيلة‪ ،‬تذكّر من حيث ال تذكر‬
‫بسرية بني هالل وتغريبتهم عدا أ ّن قبيلتنا‪ ،‬قبيلة بني جالص‪،‬‬
‫مقيمة ال تربح وتَ ِكل أمر الرتحال إىل بعض منها‪ ،‬الربنزي‪ ،‬الذي‬
‫يحمل يف ذاته كلّ القبيلة ويرحل إىل باريس جنديّا ال يعرف‬
‫من يقاتل وال ملاذا يقاتل‪ .‬ث ّم يستق ّر يف بنزرت سنوات دون أن‬
‫تفارقه القبيلة وأرضها ورائحة الرتاب حني يتقلّب تحت أقدام‬
‫األغنام تسري إىل مرعاها وتعود منه‪.‬‬
‫ومل تتمكّن القريوان املدينة من إشباع حاجة الربنزي إىل املوطن‬
‫ومل تتمكّن من ملء ذاك الخواء الذي تركته أعذاق الخروبة‪،‬‬
‫مجلسه األثري‪ ،‬أو ملتقى األتراب «يالحقون كرة قُدّت من‬
‫أقمشة» فلم يهنأ إالّ بالعودة إىل القبيلة أرضا وأهال‪ ،‬عاد سيّدا‬

‫يحسب له ألف حساب يُستجار به من ظُلم من ظَلم‪ .‬أ َومل‬
‫تستجر به املرأة‪ ،‬ال أهل لها‪ ،‬هربا من امرأة تطاردها فأنصفها؟‬
‫يقول ال ّراوي‪« :‬أ ّما الواقعة فتتمثّل يف أ ّن إحدى أرامل القرية‬
‫ف ّرت إليه مستجرية وبرفقتها ابنها الوحيد ذي الخمس سنوات‪،‬‬
‫وال يعرفه إالّ من يعرف أ ّمه‪ ...‬كانت فاحمة الشّ عر غزيرته‪..‬‬
‫حلوة العبارة زادها عشقها الطّاهر خفرا عىل خفر‪ .‬إالّ أ ّن زوجة‬
‫الطّاهر الشّ مطاء بلغها الخرب فاستشاطت غضبا وه ّمت بها‬
‫متو ّعدة‪ ..‬وتسلّحت بغريتها وأوالدها الستّة وأقبلت عىل بيت‬
‫الشيخ وعلت الجلبة يف الخارج‪:‬‬
‫ وينو يس الفحل يحب يخلييل داري؟» ارتفع صوت زوجة‬‫الطّاهر ليواجه باملنسأة‪ ...‬ويتكلّم صاحب املنسأة‪:‬‬
‫ وينو الطاهر الهامل مس ّيب علينا مرتو»‪( ..‬ص‪)144-145‬‬‫عاد إىل القبيلة ليعيد تصحيح تاريخه الشخيص بعد أن ترك‬
‫مكانه شاغرا‪ ،‬يعيد استكامل ما بناه ع ّمه بوسدرة الذي كفله‬
‫بعد موت والده‪ .‬عاد لريسخ يف أرضه و»استق ّر الربنزي بشكل‬
‫نهايئ ببني جالص بعد إنهاء خدمته العسكريّة ألكرث من‬
‫عرشين سنة‪ .‬ورغم محاوالت األهل إغواءه باملدينة إالّ أنّه أىب»‪.‬‬

‫(ص‪.)161‬‬
‫شخصيّة منوذجيّة‪ ،‬هي أفضل ممثّل لـ «قرية الربنز»‪ ،‬فت ّوة‪،‬‬
‫وق ّوة‪ ،‬وجرأة‪ ،‬ث ّم جاه وتفان يف خدمة املجموعة وفروس ّية‪،‬‬
‫واأله ّم من هذا وذاك ‪ ،‬هي شخص ّية عاشقة‪ ،‬تعشق الجامل‬
‫خاصة وبوفاء نادر‪.‬‬
‫بصفة عامة وتعشق شهالء بصفة ّ‬
‫لشخصيات الرواية عالقة مبارشة بالربنزي‪ ،‬كلّها تقريبا‪ ،‬تدور يف‬
‫فلكه‪ ،‬عالقات عائل ّية أو عالقات اجتامع ّية (الجريان واألصدقاء)‬
‫أو عالقات تنشأ بـ»املراقبة» وهو الذي كان يرشف يف مجلسه‬
‫ذاك من الخروبة‪ .‬يقول ال ّراوي‪« :‬فعرشه يف الخروبة ميكّنه من‬
‫مراقبة كلّ وافد وكلّ مغادر ويقدّر بينه وبني نفسه الغاية من‬
‫كلّ حركة‪ .‬إالّ أنّه مل يستطع ّفك أرسار حركات سامل األعرج ذي‬
‫الحي صدفة بال ن ّية‬
‫الدّفوف بني الخيام‪ .‬وسامل هذا وفد عىل ّ‬
‫وال قصد‪( ».‬ص‪.)79‬‬
‫يتخيرّ عماّ ر التيمومي رسدا عاشقا يعرض حكايات عشق‬
‫متجدّدة نواتها الربنزي وشهاله ويف مدارها تتح ّرك قصص فرع ّية‬
‫الحب وتجعله دستور حياة‪ .‬يرسد فيعيد تشكيل‬
‫تُعيل من شأن ّ‬
‫الكون عىل وقع تقديم وتأخري لألحداث‪ ،‬وتنويع يف األمكنة‬

‫ال تلتفت لنراها لسامية ساسي‪ :‬هي ورحلة الكتابة‬
‫عن ديار للنرش والتوزيع صدر ت املجموعة‬
‫الشعرية األوىل لسامية سايس يف طبعتها األوىل‬
‫بعنوان سنة ‪ .2018‬وهي مجموعة اختارت لها‬
‫« ال تلتفت لرناها»عنوانا‪ ،‬وتقع يف ‪ 86‬صفحة‬
‫مقسمة إىل ثالثة أجزاء‪ ،‬واختارت الشّ اعرة أن‬
‫ّ‬
‫تفتتح كلّ جزء بسطرين لروح األ ّمة اليونان ّية‬
‫وركيزتها يانيس ريتسوس‪ .‬فذكرت يف عتبة الجزء‬
‫األ ّول‪ « :‬الكلامت تثقب الورقة‪ ،‬تخرج من الجهة‬
‫األخرى ‪.‬‬
‫أحد األجساد يخرتق‬
‫اآلخر وال يخرج من الجهة األخرى‪».‬‬
‫وذكرت يف مدخل الجزء الثاين‪« :‬هل عشت القبل َة‬
‫والقصيدة؟‬
‫إذن‪ ،‬فلن يأخذ‬
‫املوتُ منك شيئا‪».‬‬
‫وذكرت يف مدخل املقطع الثالث‪« :‬يف الغد‪ ،‬عندما‬

‫تنهار الرشفة‬

‫يف الهواء هادئة جميلة‪».‬‬

‫فستظلّ هي منتصبة‬

‫نصوص تحتفي بها‪ ،‬بتلك الـ»هي» متعدّدة‬
‫األدوار واألحوال‪ ،‬تطاردها الشّ اعرة تسرب‬
‫أغوارها فتكشف عن «هي» ال تتقن غري العطاء‬
‫والتضحية‪ .‬تقول يف «مبتورة األطراف»‪:‬‬
‫أنا‪،‬‬
‫عارضة أزياء‬
‫مبتورة األطراف كصفصافة‪،‬‬
‫ميكنني أن أقطع يدي‬
‫ألجل شاعر بيد واحدة‪،‬‬
‫أراد أ يصفّق‪.‬‬
‫وهي امرأة ملهمة من فمها تنساب الحكايات‬

‫للصوت‪:‬‬
‫فتتح ّول قصائد تقول يف بيت عازل ّ‬
‫للصوت‪ ،‬شطر البحر‬
‫أسكن بيتا عازال ّ‬
‫كلّ ليلة أستقبل نساء القرية األربعني‪.‬‬
‫يأتني بكامل زينته ّن‪.‬‬
‫يتحلّقن حويل‪ ،‬ويتكلّمن بصوت واحد‪،‬‬
‫يف وقت واحد‪.‬‬
‫وبلهجة واحدة‪ ،‬يقلن حكايات مختلفة‪...‬‬
‫الصباح‪،‬‬
‫هذا ّ‬
‫نهضت أكرث فتنة‬
‫وبصوت واحد‪،‬‬
‫نصا دفعة واحدة‪( .‬ص‪)20-21‬‬
‫بعت أربعني ّ‬
‫ولألربعني حكاية مع الشّ اعرة‪ ،‬يتك ّرر ال ّرقم‬
‫بإحاالته الحكائ ّية واالجتامع ّية والذات ّية التي‬
‫يلتبس فيها الفرح باألمل شأن «ال تخطئ العدّ»‬
‫عيني وأع ّد حتّى األربعني‬
‫‪ :‬أنا‪ ،‬عصابة سوداء عىل ّ‬
‫وال‬

‫أخطئ الع ّد‬

‫والشخصيات والعالقات لتكون الرواية إعالن عشق للقبيلة مبن‬
‫فيها وما فيها‪.‬‬
‫ويستحق‬
‫نص يفسح املجال ألكرث من قراءة وأكرث من مقاربة‪،‬‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫اهتامم النقاد والقراء عىل السواء‪.‬‬

‫تختبئ‬
‫أ ّمي فاقدة البرص منذ سنتني‪ ،‬ال ُ‬
‫متسك بيدي وتساعدين يف البحث عنها‪،‬‬
‫غرفة‪ ،‬غرفة‪ ،‬حتّى نصل قرب أيب‪.‬‬
‫مات بابا منذ أربعني يوما؟‬
‫حني أخذوا رسيره من فوقي مل أنتبه‪،‬‬
‫كنت منشغلة‪ ،‬ألعب معه لعبة الغميضة‪.‬‬
‫(ص‪.)27‬‬
‫النص‬
‫بني ظالل التجربة ووجع الكتابة يتهادى ّ‬
‫الشعري عند سامية سايس يبحث له عن هويّة‬
‫وتخصها‬
‫تخصه ّ‬
‫ّ‬
‫«سامية‪،‬‬
‫وقصائدي أكتبها زحفا‪.‬‬
‫ما قرأته‪ ،‬قرأته برمل عىل بطني‪( .‬ص‪)81‬‬
‫هي القصيدة‪ ،‬تستدرج الشّ اعرة ث ّم ترتك لها خيار‬
‫صوغها فتتشكّل بني يديها عىل غري أثر سابق‬
‫ومثال‪.‬‬

‫أحمد قادرة‪ :‬زورقي ال تغرقه القناصة‪.‬‬
‫عن ديار للنرش والتوزيع صدرت مجموعة «زورقي ال تغرقه القناصة» ألحمد قادرة‬
‫الشاعر السوري الذي اختار أن يطلق مجموعته الثالثة من تونس وهو الذي سبق‬
‫وأصدر مجموعته الثانية «أتق ّرى تجاعيد أحالمي» يف تونس أيضا عن دار نقوش عرب ّية‪.‬‬
‫وتقع هذه املجموعة الثالثة‪ ،‬الصادرة بعنوان ‪ ،2018‬يف ‪ 116‬صفحة‪ ،‬وتشمل ستة‬
‫نصا (‪ .)36‬كتبها صاحبها بني (‪ )2013‬و(‪.)2018‬‬
‫وثالثني ّ‬
‫نصوص تبوح بوجع يسكن صاحبها ويتمدّد غيمة من دخان عىل وطنه‪ ،‬نصوص تهمس‬
‫بعنف الواقع وبشاعة القتل الذي ح ّولت الج ّنة أنهارا من دم‪ .‬إنّها الحرب‪ ،‬إطارا معرف ّيا‪،‬‬
‫تلك التي ترتق مفاصل املجموعة‪.‬‬
‫أتقن أحمد قادرة التنويع عىل وترية الحرب‪ ،‬فهي ليست مظهرا واحدا‪ ،‬وهي ليست‬
‫حاال واحدة‪ ،‬بل هي منط حياة يتغيرّ ووجه بلد يتح ّول وأشخاص بعباءات غريبة‪ ،‬مل‬
‫يعد للزمن معنى يف بلد تجهد الحرب للهرب به لذلك فقد تح ّولت آلة القيس قذيفتني‪:‬‬
‫ فنجان قهوة‬‫ال يحتمل انتظاركِ‬
‫أكرث من قذيفتني (ص‪.)27‬‬
‫ومل يعد للمثقفني تلك الوظيفة السامية بل إنهم يف مخاض عسري‪:‬‬
‫إنّه مخاض املثقفني‬
‫تلعب الثعالب بالدم‬
‫واملواليد‪:‬‬
‫يشنقون باملشائم (ص‪)33‬‬
‫والث ّوار غدوا أغرابا عن أهل البلد‪:‬‬
‫ونسف ال ّرماد‬
‫نلحس األثايف ّ‬
‫نحن ُ‬

‫(ث ّوارنا) يف فرنسا يلعقون ال‪...‬‬
‫يتد ّربون عىل الفحولة يف تركيا‬
‫ويف الخليج‬
‫ميسحون بياسمني دمشقهم‬
‫لحى التّيوس» (صص‪)33-34‬‬
‫بل إ ّن غيفارا نفسه مل يعد ذلك الثائر للعدل‬
‫الحق‪ ،‬إنّه غيفارا جديد ينرش تعاليمه‬
‫الحب و ّ‬
‫و ّ‬
‫بالصدأ والدّم‪:‬‬
‫ّ‬
‫يح ّرم العشق والتقبيل‬
‫ويهدّد الشفاه املرتعشة بسكينه املقدّسة‪»...‬‬
‫ومن تعاليم غيفارا الجديد‪:‬‬
‫«أن أكون مسلّحا‬
‫برأس ناسف‬
‫وذاكرة ملغومة‬
‫مطالبا بالحريّة‪( .‬ص‪.)97‬‬
‫هي مجموعة الوجع يراكمه وجع وطن غزته رؤوس‬
‫مقطوعة من ألف وأربعمئة عام ومل تنم‪ ,‬وهي الذاكرة التي تحاول أن تحتفظ بتفاصيل‬
‫الحياة لتعيد نرثها بني مفاصل املوت علّها تزرع حياة جديدة‪:‬‬
‫«ال تخف مسدّسا يف كتاب‬

‫أو عبوة يف الدّقيق‬
‫فالدروب ال تحرتق وشوكها بدايتي‪( .‬ص‪.)15‬‬
‫إ ّن اعتناء أحمد قادرة يف مجموعته «زورقي ال تغرقه‬
‫القناصة»‪ ،‬بالجانب املضموين‪ ،‬وتأكيده عىل فعل املقاومة‬
‫والتشبّث بالحياة يف بلد «لن يغدو رملـ(ـه) صلصالْ‬
‫ولن يُربط حلم يف سلسال‪( ..‬ص‪)113‬‬
‫ال يقلّص من اهتاممه بالجانب الف ّني وانتقائه للمعجم‬
‫النص األ ّول يعرتضك بتسلية غري ما اعتدنا‪،‬‬
‫وللصور‪ ،‬ومنذ ّ‬
‫فالنص (صهيل صامت) يفتتح القول بـ «أتسلىّ » التي يكررها‬
‫ّ‬
‫النص الثالثة وبها‬
‫الشاعر يف بداية كل مفصل من مفاصل ّ‬
‫يختم ليكشف عن مفهوم جديد للتسلية ويج ّمع من األضداد‬
‫واملقابالت ما يجعل التسلية رضبا من العبث‪ ،‬ولك ّنه عبث‬
‫يبني رغم واقع العدم‪ .‬فالقش واق من النار واألحالم تح ّنط‬
‫وقبّعة الزجاج تغزو الصحراء واملاء يثقبه الرصاص فريتق نفسه‬
‫والهواء ح ّبات تقشرّ ‪.‬‬
‫الصورة عند أحمد قادرة موغلة يف الطّرافة ومن تناقض‬
‫إ ّن ّ‬
‫مك ّوناتها يتخلّق الجامل وتبعث الحياة‪ .‬هي الحياة التي تؤكّد‬
‫عىل الجدليّة بني الكون والفناء وأ ّن املادّة تحمل يف ذاتها بذور‬

‫فنائها‪.‬‬
‫للتسلية يف هذه املجموعة معنى جديد فرضه واقع يحفر باألضلع خنادق ويح ّرم‬
‫البكاء‪.‬‬