ديسمبر.pdf


Aperçu du fichier PDF fichier-pdf-sans-nom.pdf

Page 1...3 4 56716




Aperçu texte


‫‪5‬‬
‫يعود منبهرا بالثرّ اء الثّقا ّيف املدهش للقا ّرة‪ ،‬غري أنّه مل يكن راضيا عن‬
‫عالقاته باألحزاب املاركسيّة يف البلدان الّتي زارها والّتي كانت تص ّوراتها‬
‫تغضبه‪ .‬تجربة كابندا تلك مع التّجربة الالّحقة الّتي م ّر بها يف حرب‬
‫العصابات الّتي كانت تجري يف منطقة أكس ستانيل فيل(‪ )4‬خ ّيبتا ظ ّنه‬
‫كثريا‪.‬‬
‫بالتّوازي مع العمل الّذي كان يقوم به تيش‪ ،‬ك ّنا نحن نقوم بعمل‬
‫آخر يف سبيل إنقاذ الثّورة املسلّحة بغرب ال ّزايري‪ .‬فباالتّفاق مع‬
‫نياريري وعبد ال ّنارص وموديبو كايتا ونكروما وكنياتّا وسايكو توري‪،‬‬
‫كانت‪ ‬الجزائر‪ ‬تساهم من خالل إرسال أسلحة عن طريق مرص عرب‬
‫حقيقي‪ ،‬بينام تكفّلت أوغندا ومايل بتوفري إطارات عسكريّة‪.‬‬
‫جرس ج ّو ّي‬
‫ّ‬
‫مخطّط اإلنقاذ هذا رسمناه يف مرص حيث اجتمعنا بدعوة م ّني‪ ،‬وأخذنا‬
‫يف تنفيذه حني وصلنا نداء يائس من زعامء الثّورة املسلّحة‪ .‬لألسف‪،‬‬
‫ورغم كلّ الجهود الّتي بذلناها‪ ،‬كان تدخّلنا متأ ّخرا ج ّدا‪ ،‬وقام من اغتالوا‬
‫باتريس لوممبا بإغراق تلك الثّورة يف ال ّدم‪.‬‬
‫أثناء إحدى إقاماته‪ ‬بالجزائر‪ ،‬أبلغني تيش غيفارا بطلب من فيدال‬
‫كاسرتو‪ ،‬فباعتبار أنّ‪ ‬كوبا‪ ‬كانت تحت حصار مش ّدد‪ ،‬مل يكن من املمكن‬
‫تنظيم نقل أ ّي يشء باتّجاه أمريكا الالّتين ّية إليصال أسلحة وإطارات‬
‫عسكريّة ت ّم تدريبها يف‪ ‬كوبا‪ ،‬فهل بإمكان‪ ‬الجزائر‪ ‬أن تنوبها يف هذه‬
‫امله ّمة؟ ليست املسافة عائقا كبريا‪ ،‬بل هي عىل العكس من ذلك‪،‬‬
‫بإمكانها أن تلعب دورا مفيدا يف السرّ ّ يّة الّتي كانت رشطا لنجاح‬
‫عمل ّية بتلك األه ّم ّية‪ .‬كان جوايب بالطّبع «نعم» فوريّا‪ .‬ويف الحال‪ ،‬بدأ‬
‫وضع هيكلة استقبال الحركات الثّوريّة ألمريكا الالّتينيّة‪ ،‬تحت املراقبة‬
‫املبارشة من تيش غيفارا‪ ،‬ورسعان ما انتقل ممثّلو جميع تلك الحركات‬
‫إىل‪ ‬الجزائر‪ ،‬حيث التقيت بهم يف العديد من امل ّرات برفقة تيش‪ .‬واستق ّر‬
‫مجلس قيادة يض ّم مختلف تلك الحركات يف مرتفعات‪ ‬الجزائر‪ ‬يف فيالّ‬
‫كبرية محاطة بحدائق ك ّنا قد ق ّررنا تخصيصها لهم رمزيّا‪ .‬كانت تلك‬
‫الوطني‪،‬‬
‫الفيالّ املسماّ ة سوسيني مكانا مشهورا‪ ،‬فطوال كفاح التّح ّرر‬
‫ّ‬
‫كان مركزا للتّعذيب لقي فيه العديد من املناضلني واملناضالت حتفهم‪.‬‬
‫قال يل تيش غيفارا ذات يوم‪« :‬أحمد‪ ،‬لقد تلقّينا للتّ ّو رضبة قاسية‪،‬‬
‫فقد ت ّم إلقاء القبض يف الحدود بني بلد ما وبلد آخر (نسيت اسميهام)‬
‫عىل رجال تد ّربوا يف فيالّ سوسيني‪ ،‬ولد ّي خشية من أن يعرتفوا تحت‬
‫رس املكان الّذي‬
‫التّعذيب‪ ».‬كان شديد القلق ويخىش من أن يفىش ّ‬
‫كانت تدبّر فيه األعامل العسكريّة وأن يكتشف األعداء الطّبيعة‬
‫الحقيقيّة لرشكات التّوريد والتّصدير الّتي أنشأناها يف أمريكا‪ ‬الجنوبيّة‪.‬‬
‫غادر تيش غيفارا‪ ‬الجزائر‪ ‬عندما حدث االنقالب العسكر ّي يوم ‪ 19‬جوان‬
‫‪ 1965‬وقد سبق له أن حذّرين منه‪ .‬إ ّن مغادرته للجزائر ث ّم موته يف‬
‫السياق‬
‫بوليفيا وغيايب أنا طيلة خمس عرشة سنة يجب أن تدرس كلّها يف ّ‬
‫اريخي الّذي يؤ ّرخ لحالة الجزر الّتي حدثت بعد مرحلة نضاالت‬
‫التّ ّ‬
‫التّح ّرر املظفّرة‪ .‬ذاك الجزر الّذي قرع أجراس ال ّنهاية‪ ،‬بعد اغتيال‬
‫لوممبا‪ ،‬لألنظمة التّق ّدم ّية يف العامل الثّالث ومن ضمنها أنظمة نكروما‬
‫وموبيدو كايتا وسوكارنو وعبد ال ّنارص الخ‪.‬‬
‫إ ّن تاريخ ‪ 9‬أكتوبر ‪ 1967‬املنقوش بحروف من نار يف ذاكراتنا‪ ،‬يعود بنا‬
‫إىل يوم ال مثيل له يف الحزن بال ّنسبة إىل سجني وحيد مثيل‪ ،‬يف وقت‬
‫تذيع فيه أجهزة ال ّراديو موت أخي ويغ ّني أعداؤنا الّذين حاربناهم‬
‫سويّا أغنية انتصارهم املشؤومة‪ ،‬ولكن بقدر ما ننأى عن ذاك التّاريخ‬
‫بحيث تتالىش من الذّاكرة الظّروف الّتي أ ّدت إىل نهاية حرب العصابات‬
‫يف ذلك اليوم يف ننكاهووازو‪ ،‬تزداد ذكرى تيش حضورا يف ذهن أولئك‬
‫الّذين يناضلون ويحلمون‪.‬‬
‫‪-----------------------------------‬‬‫الهوامش‬
‫* املقال منشور مبجلّة‬
‫‪ Manière de voir‬عدد مزدوج جويلية أوت ‪ 1998‬ص ‪ 88-89‬‬
‫‪La Dé�L‬‬
‫‪1‬‬
‫‪ ، couverte‬باريس‪.1995 ،‬‬
‫‪ - 2‬كان هؤالء الجنود تحت إمرة املق ّدم أفيجنيو أمايجرياس‪ ،‬الّذي الزم‬
‫منذ البداية فيدال وتيش‪ ،‬وكان رئيس البوليس الثّوري الكويب األسبق‪.‬‬
‫‪ - 3‬يساوي ‪ 20‬مليون فرنكا فرنس ّيا يف ذلك الوقت‪.‬‬
‫‪ - 4‬هي حاليّا كيسانقني‪ ،‬يف جمهوريّة الكونغو ال ّدميقراطيّة (ال ّزايري‬
‫سابقا)‪ .‬‬

‫الخميس ‪ 13‬ديسمرب ‪ - 2018‬املوافق لـ ‪ 6‬ربيع الثاين ‪ - 1440‬العدد ‪74‬‬

‫معطيات أولية حول ضرورة الثورة‬
‫الثقافية باملجتمعات العربية(‪)1‬‬
‫محمد صالح التومي‬
‫مام ال شك فيه أن مجتمعات الوطن‬
‫العريب(‪ )2‬تخضع لبنى ثقافية‬
‫ماضوية ناتجة عن القراءة اإلقطاعية‬
‫للمنتوج القيمي والثقايف لساكنة(‪)3‬‬
‫هذا الوطن ‪ ،‬مبايف هذه القراءة من‬
‫خضوع خاطئ لألقدار وإنكار لدور‬
‫العقل ومعارضة لحيز الحرية املتاح‬
‫لإلنسان أثناء مغامرة وجوده‪،‬‬
‫ومام ال شك فيه أيضاً أن هذه‬
‫البنى املاضوية تتشابك مع بنى‬
‫ثقافية حداثوية أنتجها االخرتاق‬
‫اإلمربيايل املتصهني(‪ )4‬للحياة الرتيبة‬
‫ملجتمعاتنا ‪...‬تلك الحياة الرتيبة التي كانت تعيش ضمنها‬
‫هذه املجتمعات والزالت منذ انحدارها الحضاري إىل غاية‬
‫اصطدامها املتواصل باالستعامر وبناه الفوقية الجديدة مبا يف‬
‫هذه البنى الجديدة‪:‬‬
‫* من فردانية منكرة للتعاون‪ *،‬وعبادة للامل متعارضة مع‬
‫القيم‪ *،‬وانتهاز لكل الفرص مهام كان فسادها مادامت تؤدي‬
‫إىل الربح‪.‬‬
‫إن هذا الخليط قد ولد حالة ثقافية بائسة هي التي أنتجت‬
‫يف املنتهى مانعانيه اليوم من مظاهر مزرية تخلق موجة‬
‫ثقافية ‪...‬منحطة ولكن أيضا متف ِّجرة‪:‬ترتاوح بني االنحالل‬
‫والتدوعش( نسبة إىل داعش)‪ ،‬ويلتقي فيها االتكال واحتقار‬
‫قداسة العمل مع التحيل‪ ،‬ويتزامن فيها الخنوع مع نوبات‬
‫االنتفاض غري مدروس النتائج‪ ،‬ويتجاور فيها العري الفاضح‬
‫مع التنقّب( نسبة إىل النقاب)‪ ،‬وترتافق فيها اإلباحية‬
‫الرصيحة مع «جهاد النكاح»‪ ...‬وكل هذه التناقضات تقع‬
‫ترجمتها يف صيغتها العامة يف الرتاوح بني‪:‬‬
‫التمسك بقشور املايض دون لبّه‪ ،‬وبني محاولة‬
‫إدراك قشور الحداثة دون جوهرها‪...‬ومن املفارقات‬
‫أن هذا الرتاوح والتناقض قد نجده حتى داخل‬
‫سلوك الفرد الواحد وحتى داخل العائلة الواحدة‪،‬‬
‫كام نجده داخل الجامعات املهنية والفئات والطبقات‬
‫االجتامعية‪،‬فيخلق واقعا غريبا ومتداخال نحن كلنا صانعوه‬
‫عند النهاية ولكننا ضحاياه يف نفس اآلن‪ ...‬ونحن نقول عىل‬
‫وجه التخصيص إننا ضحاياه ‪ ...‬ألن القوى املهيمنة عىل‬
‫الكون تتدخل يف هذه األوضاع‪ :‬لتفرض إرادتها عىل إرادتنا‪،‬‬
‫ولتنهب خرياتنا ونحن ذاهلون أمامها‪،‬ثم إنها من خالل ذلك‬
‫كله تعمد إىل تسيري دفة وجودنا يف اإلتجاه الذي يُيسرِّ ه لها‬
‫تفوقها العلمي والتقني واالقتصادي‪ ...‬ويدفعها إليه نزوعها‬
‫القوي نحو النهب الذي «يحتّمه» عليها أخذها بالنظام‬
‫الرأساميل الليربايل يف مختلف مراحل تشكله عرب الزمان منذ‬
‫نشوئه‪ ...‬وهي األشكال التي تتواصل عىل أيامنا يف السياسات‬
‫العوملية‪.‬إن أوضاعا كهذه تدعو إىل بذل جهود مضاعفة يف‬

‫ميدان الفعل الثقايف املقاوم‪...‬‬
‫بغاية إخراجنا من كل هذا البؤس‪...‬‬
‫بل إنها تدعو إىل ثورة ثقافية حقيقية كان‬
‫رواد ال َّنفَس األول للنهضة العربية قد‬
‫عملوا عىل إحداثها يف نطاق ما ميكنهم‬
‫زمانا ومكانا‪ ...‬دافعني الثمن من أجل‬
‫ذلك‪...‬ومازال املتنورون اآلن يعملون‬
‫يف ظروف معقدة عىل بعث النفس‬
‫الثاين واملتطور لهذه النهضة‪ ...‬دافعني‬
‫الثمن كذلك من حني إىل آخر؛ فلتتضافر‬
‫جهود الجميع‪...‬بوعي مضاف‪ ...‬وكل من‬
‫موقعه‪ ...‬ألنه حيث يكون املناضل تكون‬
‫هناك ساحة لنضال(‪ ...)5‬وذلك إلحداث‬
‫هذه الثورة الثقافية املرتجاة حتى تعانق جهود ساكنة الوطن‬
‫العريب جهود األمم والشعوب األخرى يف الفعل الرامي إىل‬
‫نحت معامل اإلنسان الجديد املتحرر من نوازع األنا املريض‬
‫‪ ...‬تلك النوازع املسؤولة دامئا عن خلق سياسات استغالل‬
‫اإلنسان ألخيه اإلنسان وسياسات هيمنة املجموعات البرشية‬
‫عىل مقدرات بعضها البعض‪ ...‬وهي السياسات التي لنئ‬
‫متكنت إىل حد اليوم من إعادة إنتاج نفسها عرب مختلف‬
‫أمناط اإلنتاج الطاغية التي عرفتها اإلنسانية فإن مهمة نقضها‬
‫هي املطروحة حتى يعانق اإلنسان حيز تحرره ويتمكن من‬
‫رشف أيضا‬
‫تحقيق إنسانيته‪.‬وإنها ملهمة كثرية العرس ولكنها ت ّ‬
‫أمام الزمان كل من يتصدون للقيام بها‬
‫(‪)1‬هذا النص هو مبثابة التحية املرتجلة واملوجهة إىل النضال‬
‫الذي يخوضه منذ شهرين تقريبا الرفيق شاهني السايف مبعية‬
‫زمالئه أجراء املندوبية الثقافية بصفاقس ‪ -‬بجنوب البالد‬
‫التونسية‪...‬من أجل تغيري معطيات العمل الثقايف ومحاولة‬
‫إدراجه يف أفق ثقايف توعوي عوضا عن بقائه مبلدا للذهن‬
‫وحاثا عىل امليوعة‪.‬‬
‫(‪)2‬نقرتح عبارة « مجتمعات» لتعويض عبارة «شعوب»‪...‬‬
‫بالنسبة إىل الوطن العريب‪...‬‬
‫أما كلمة «الوطن العريب» فهي تشري أساساً إىل املعطى‬
‫الجغرايف مبافيه من تنوع‪.‬‬
‫(‪)3‬نستعمل كلمة» الساكنة « اعرتافا بالتنوع األثني‬
‫واللغوي والثقايف داخل الحيز الجغرايف للوطن العريب‬
‫مبا فيه من عنرص عريب وعنرص أمازيغي وغريه من‬
‫العنارص األخرى التي جمعها التاريخ لتعيش بتجانس‬
‫ال ينفي االختالف داخل هذه املساحة الجغرافية‪.‬‬
‫(‪ )4‬نحن نعتقد أن الصهيونية قد متكنت من اخرتاق دواليب‬
‫املنظومة الرأساملية واإلمربيالية عىل مستوى البنية التحتية‬
‫والبنية الفوقية يف نفس الوقت‪.‬‬
‫(‪ )5‬هذه العبارة مستوحاة مام يقوله الزعيم ‪ -‬األسري‬
‫الرفيق أحمد السعدات األمني العام للجبهة الشعبية لتحرير‬
‫فلسطني‪...‬‬