منارات جانفي 2 .pdf



Nom original: منارات جانفي 2.pdf

Ce document au format PDF 1.4 a été généré par Adobe InDesign CS5 (7.0) / Adobe PDF Library 9.9, et a été envoyé sur fichier-pdf.fr le 17/01/2019 à 22:55, depuis l'adresse IP 197.27.x.x. La présente page de téléchargement du fichier a été vue 366 fois.
Taille du document: 11 Mo (16 pages).
Confidentialité: fichier public


Aperçu du document


‫حوار العدد مع الباحث الجزائري عبد الرزاق طوطاوي‬

‫لم أسمع ّأن من يتصدّرون املشهد‬
‫السّياسي الحالي يملكون مشروع‬
‫مجتمع أو برامج حقيقيّة‪.‬‬
‫الملحق الثقافي لجريدة الشعب‬

‫اإلقصاء سياسيًّا في تونس‬

‫حده‪،‬‬
‫إذا جاز «الوضع» ّ‬
‫انقلب إلى ضده‬

‫محطة هيئة ‪ 18‬أكتوبر ‪2005‬‬
‫ّ‬
‫نموذجا‬
‫للحقوق والحر ّيات‬
‫ً‬
‫بقلم‪ :‬جلّول ع ّزونة‬

‫محمد الجاب ّلي‬

‫الخميس ‪ 10‬جانفي ‪ - 2019‬املوافق لـ ‪ 2‬جامدى األول ‪ - 1440‬العدد ‪75‬‬

‫اإلقصاء كظاهرة معرقلة ملستقبل‬
‫املجموعة البرشية‬

‫‪2‬‬

‫الخميس ‪ 10‬جانفي ‪ - 2019‬املوافق لـ ‪ 2‬جامدى األول ‪ - 1440‬العدد ‪75‬‬

‫حده‪ ،‬انقلب‬
‫إذا جاز «الوضع» ّ‬
‫إلى ضده‬
‫محمد الجابلّي‬

‫يف ذاكرة الوطن أشياء كثرية يحرسها املكان‬
‫ويتوجها الزمان‪ ،‬لكن جانفي تونس يختلف عن‬
‫كل األزمنة‪ ،‬فهو شهر متوج بروح خاصة فيها عبق‬
‫الشهادة والشهداء‪ ،‬فيها تضحية ومقاومة تعلنان‬
‫الرشاكة يف الوطن‪ ،‬والتم ّرد عىل أصنام اإلقصاء‬
‫والتهميش ودوائر السطو والنهب والعاملة‪...‬‬
‫جانفي هو شهر الحساب والكشف واملكاشفة‬
‫واإلنكشاف‪ ...‬شهر املراجعات يف حرضة أرواح الشهداء املتعاقبني من جانفي ‪/52‬‬
‫جانفي ‪ /78‬جانفي ‪ /84‬إىل جانفي ‪.2010‬‬
‫الثورة عىل اآلخر‪ ،‬واضحة الغاية والهدف ومنهام الوسائل والسبل‪ ،‬اآلخر املحتل‪،‬‬
‫اآلخر الدكتاتور بأجهزته املتنوعة‪...‬هزات وثورات وانتفاضات تعاقبت ومعها دماء‬
‫وشهداء‪...‬‬
‫جانفي هذا ‪ -‬سيد لحظتنا‪ -‬فيه كثري من الجدّة واالختالف‪ ،‬تخرج منه وفيه‬
‫«القرينتا التونسية» هذا اللفط الشبايب املنحوت العجيب ال أجد له أصال أو مرجعا‬
‫لكن ظالل داللته واضحة عرب إحساس املعنى‪ ،‬قد تحيل «القرينتا» عىل املخفي‬
‫الذي حانت لحظة خروجه وتفجره بشكل الحرية أو الرضورة القصوى‪ ،‬ذلك‬
‫املطموس لكنه املعبرّ بأصالته عن أغوار الذات‪...‬‬
‫خالل سنواتنا «الثورية» كل تونيس «خ ّرج القرينتا اليل فيه» فكان أن تشاركنا يف‬
‫قرينتا الح ّرية ألنها األهم واألبرز – حتى بات كل مو ّرطا يف مشيمة حريته‪ -‬ثم‬
‫جاءت «قرينتا» األحزاب والجمعيات ونزوع السلطة والقيادة ومع كل ذلك نزوع‬
‫الكسب وقفز درجات السالمل الضيقة فكان التدافع والزحام وما رافقهام من سوء‬
‫النية والتقدير والتبذير يف املال واملصطلح‪...‬‬
‫قيل لجحا ‪ « :‬الناس الكل ولاّ ت جحاوات» فقال‪ « :‬عندها يجب أن ينتحر جحا‪،‬‬
‫ثم قفز يف غياهب ال ُج ّب‪»...‬‬
‫«التونيس الح ّر األصيل» برع يف الالفتات وتدبّر القول‪ ،‬وبرع يف تحطيم األصنام‬
‫لكنه استبدلها بأخرى‪ ،‬أزال حكام دكتاتوريا لكنه يرعى حكام «مافيوزيا» ناشئا‬
‫ثار عىل الفساد‪ ،‬لكنه يرعى تعلمية الفساد ليكون ُمؤسسا و ُمهيكال‪ ،‬ثار عىل حاكم‬
‫«قوي» ثم شتت السلطة بني عصابات ُمتصارعة عىل النفع حتى باتت الحكومات‬
‫امل ُتعاقبة ضعيفة ال حول لها غري رفع شارات الغرق دون القدرة عىل الفعل‬
‫واالصالح ‪...‬ثار عىل آالف الوشاة وامل ُخربين املتسرتين واملترسبلني بالذل واملهانة‪،‬‬
‫لكنه يرعى أجهزة رسية لها أذرع محلية وإقليمية وسالح ومال‪...‬‬
‫«إذا زاد اليشء عن حدّه انقلب اىل ضدّه» ووضعنا زاد عن حدّه‪ ،‬ذاك ما جلب‬
‫إىل الذهن ذلك املصطلح اللقيط «القرينتا « ُمصطلح تونيس بامتياز يذكّر ب «‬
‫كل يشء وما فيه يشء‪ ،‬يوهم بالشبع واإلمتالء والتن ّوع إيهاما‬
‫اصحينّ تونيس» ‪ :‬فيه ّ‬
‫وخداعا‪...‬‬
‫نحتج‬
‫وأن‬
‫ننتفض‬
‫وأن‬
‫كالعادة‬
‫نثور‬
‫أن‬
‫علينا‬
‫والحساب‪،‬‬
‫الذكرى‬
‫جانفي‬
‫نحن يف‬
‫ّ‬
‫لكن ليس عىل الخارج بل عىل الداخل‪ ،‬أن نثور عىل ذواتنا ومنها عيوبنا امل ُتفجرة‬
‫وعرينا الفاضح‪ ،‬عىل ضبابيتنا وحيادنا املقيت وعىل نزعتنا «الفرجوية» التي‬
‫ستودي بنا إىل التهلكة والهالك‪.‬‬
‫ما نسميه مسارا انتقاليا بات ُمهددا من نخب انتهازية ُمتنازعة فاقدة للنجاعة‬
‫والتصور والخيال‪ ،‬وضعتها األقدار امل ُخاتلة يف الطريق الطويل‪ ،‬بعضها يرى يف‬
‫رس‬
‫الصندوق غُنام فيحضُ نه بذراعيه‪ ،‬وبعضها يرى فيه شؤما فيسعى – يف ال ّ‬
‫والعلن‪ -‬إىل كرسه وحرق أخشابه‪...‬‬
‫تقرير دائرة املحاسبات األخري يكشف اله ّوة السحيقة التي تغافلنا عنها يف عركة‬
‫«الصبية والشيوخ» ُحكامنا امل ُتعاقبني – قد يفعلون مبسارنا االنتقايل املدخول ما‬
‫ميكن تفعله الفيلة امل ُتصارعة مبعرض بلوري وخزيف هش‪ ،‬وكل ذلك تحت نظراتنا‬
‫«املتبلدة املحايدة»‪...‬‬
‫وغري بعيد عن ذكرى حشاد‪ ،‬ال ب ّد للفاعلني من تح ّمل مسؤولية اللحظة‪ ،‬راية‬
‫النضال اإلجتامعي مبحموالتها الوطنية هي البوصلة التي يجب أن نتحد فيها‬
‫وحولها‪ ،‬تلك االستحقاقات امل ُغيبة وما تستوجبه من طاقة الفعل هي قدر الجميع‬
‫ودونها لن يكون استقرار ولن تكون طأمنينة‪ ،‬العدالة االجتامعية والرضيبية‬
‫واالصالح الهيكيل للقطاع العام و ُمحاربة الفساد والتهريب والتهرب الرضيبي ‪...‬‬
‫غري بعيد عن ذكرى حشاد‪ ،‬الب ّد من عودة العقل بعد النشوات االنفعالية‪ ،‬أن‬
‫تتجاوز منظمتنا العريقة نشوة «نوبل» لتحمل مسؤولية اللحظة بأوزارها‪ ،‬واقع‬
‫الشغيلة وأحوالها هو من جوهر القضايا‪ ،‬أزمة التعليم هي فضيحة وطنية وعار‬
‫يشمل الجميع وال ميكن غض الطرف عنهام ‪...‬‬
‫بعد إفراغ شحنات «القرينتا» السالبة‪ ،‬ننتظر من جانفي هذا انفجار «القرينتا»‬
‫املوجبة‪ ،‬روح العمل والبذل والتضحية والتضامن‪« ،‬قرينتا» املواطنة الفاعلة‬
‫املسؤولة ‪ -‬ما قبل اإليديولوجيا وما بعدها‪ ،-‬تلك التي ميزت هذه الرتبة بخصائص‬
‫منذ أحقاب وأجيال‪ ،‬تلك الروح االيجابية التي انطمست أو كادت بفعل «عجيب‬
‫الحق التي ال تخضع لألصداء الكاذبة‬
‫ما نشهد» و»بديع ما نرى» ‪ :‬روح املواطنة ّ‬
‫والرصخات البلهاء ‪...‬‬
‫رحم الله شاعرنا يف قوله‪:‬‬
‫ومل أر يف عيوب الناس عيبا ‪ //‬كنقص القادرين عىل التامم‬

‫ذكرى رحيل محمود بيرم التونسي ‪ 23‬مارس ‪ 5 - 1893‬جانفي ‪1961‬‬

‫املجلس البلدي‬

‫َ‬
‫‪ ‬حبيب ‪ ‬يُسَمّى‪   ‬المجلس ‪ ‬البلدي‬
‫‪ ‬والكمَدِ ‪ /‬هوى‬
‫قد أوقعَ القلبَ في األشجانِ‬
‫ٍ‬
‫ٌ‬
‫ْ‬
‫‪  ‬للمجلس ‪  ‬البلـدي‬
‫أمشي ‪  ‬وأكتمُ ‪  ‬أنفاسي ‪  ‬مخافةَ أن ‪ /‬يعدّهـا‪  ‬عامل‬
‫ِ‬
‫‪ ‬المجلس‪   ‬البلدي‬
‫‪ ‬الخيال ‪ ‬خيال‪ ‬‬
‫القريح سوى ‪ /‬طيف‬
‫ما شَرَّدَ النومَ عن جفني‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫إذا‪  ‬الرغيفُ‪  ‬أتى‪ ،‬فالنصفُ ُ‬
‫‪  ‬أتركه‪    ‬للمجلس ‪  ‬البلدي‬
‫آكلُهُ ‪ /‬والنصفُ‬
‫ْ‬
‫وإن ‪ ‬جلستُ ‪ ‬فجَيْبِـي لستُ ُ‬
‫المجلس البلدي‬
‫اللصوص وخوفَ‬
‫أتركهُ ‪ /‬خوفَ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫‪ ‬الشتاء ‪ ‬وال ‪ /‬في الصيفِ َّ‬
‫إال كسوتُ ‪ ‬المجلسَ ‪ ‬البلدي‬
‫وما ‪ ‬كسوتُ ‪ ‬عيالي في‬
‫ِ‬
‫بَل‪ُ   ‬‬
‫َك َّ‬
‫ــأن‪   ‬أٌمّي‪َّ   ‬‬
‫اهلل ‪   ‬تُربتها ‪ /‬أوصَتْ فقالت ‪ :‬أخوك ‪ ‬المجلس‪  ‬البلدي‬
‫أخشى الزواجَ إذا ‪ ‬يوم ‪ ‬الزفافِ‪  ‬أتى ‪ /‬أن ‪ ‬يَنْبَ ِري ‪ ‬لعروسي ‪  ‬المجلسُ ‪   ‬البلدي‬
‫ورُبَّمَا ‪  ‬وَهَبَ ‪  ‬الرحمنُ ‪  ‬لي ‪   ‬ولداً ‪ /‬في ْ‬
‫‪  ‬بَطنِهـا ‪  ‬يَدَّعيه ‪  ‬المجلس ‪  ‬البلدي‬
‫وإن‪  ‬أقمتُ‪  ‬صالتي ‪  ‬قلتُ ‪  ‬مُفتتحاً ‪ُ /‬‬
‫ْ‬
‫اهلل‪  ‬أكبرُ‪  ‬باسم‪  ‬المجلـس‪  ‬البلــدي‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫أستغفرُ اهلل ‪ ‬حتى ‪ ‬في ‪ ‬الصالةِ ‪ ‬غدَتْ ‪ /‬عِبادتي‪  ‬نصفها‪  ‬للمجلـس‪  ‬البلـدي‬
‫‪  ‬للمجلس ‪  ‬البلدي‬
‫للعيال ‪ ‬وكم‬
‫يـم‪   ‬واحد ًة ‪ /‬كم‪ ‬‬
‫يا‪  ‬بائعَ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫‪  ‬الفجل ‪  ‬بالمِلِّ ِ‬

‫محور العدد القادم‬

‫محور العدد القادم ‪:‬‬

‫الحركات االجتماعية في أبعادها‬
‫المستجدة‪ /‬حدودها وآفاقها‬
‫ّ‬
‫البريد االلكتروني ‪manaratculturel@gmail.com :‬‬

‫المدير المسؤول‬

‫نورالدين الطبوبي‬

‫المدير‬

‫أسرة التحرير‬

‫سامي الطاهري‬

‫ منتصر الحملي ‪ -‬رشيدة الشارني ‪ -‬حسني عبد الرحيم ‪ -‬سعدية بن سالم‬‫إشراف وتنسيق ‪ :‬محمد الجابلي‬
‫اإلخراج الفني ‪ :‬محمد كريم السعدي‬
‫السحب ‪ :‬مطبعة دار األنوار ‪ -‬الرشقية ‪ -‬تونس‬

‫املقر ‪ 41 :‬شارع عيل درغوث ‪ -‬تونس ‪ - 1001‬الهاتف ‪ / 71 330 291 - 71 255 020 :‬الفاكس ‪- 71 355 139 :‬‬
‫العنوان االلكرتوين ‪ - manaratculturel@gmail.com :‬الحساب الجاري بالربيد ‪300 - 51 :‬‬

‫‪3‬‬

‫الخميس ‪ 10‬جانفي ‪ - 2019‬املوافق لـ ‪ 2‬جامدى األول ‪ - 1440‬العدد ‪75‬‬

‫جانفي تونس‪...‬‬
‫يف حضرة الشهادة والشهداء‬

‫قبل أيام من استشهاده ‪ 3‬جانفي ‪84‬‬
‫الفاضل ساسي يرثي لحظته ‪/‬لحظتنا التي لم تتغير‬

‫سنة تحترض‬
‫عام ينتظر‬
‫وحبي لك مازال‬
‫بعد مل يزدهر‬
‫سنة تقبل‬
‫وعام يدبر‬
‫والغيم يف بالدي بعد مل ميطر‬
‫سنة تقبل وعام يدبر‬
‫والجوع يف بالدي‬
‫بعد مل يقهر‬
‫سنة تحترض‬
‫عام ينتظر‬
‫وأنا عىل ح ّبك‬
‫رص‬
‫مازلت م ّ‬
‫أيّامي متيض‬
‫وأحالمي تذوي‬
‫والظلم ما يزال‬
‫يف بالدي مستقر‬
‫براعم الزهر تقصف‬
‫تحت الشمس‬

‫وسيف الجالّد يف البالد‬
‫مل يعد مسترت‬
‫دعوين للموت يلفّني‬
‫فالسنة سنتي‬
‫والعام عامي‬
‫والشهر شهري‬
‫والتاسع رحييل‬
‫يلف ظالم‬
‫يف كلمته ّ‬
‫كل قنادييل‬
‫مش ّع ّ‬
‫فهل أموت أبدا وأنا‬
‫الفينيق الخالد‬

‫محطات الرواية التونسية‬
‫استضاف بيت الرواية املثقف املوسوعي جلول عزونة للحديث عن تجربته ورؤيته للفن واألدب ومسرية الرواية التونسية‪ ،‬كان لقاء متميزا‬
‫تحدث فيه عن عالمات الرواية التونسية وعن مسرية رابطة الكتاب األحرار وأثرها يف الكتابة والنرش عموما‪...‬‬
‫أثرى اللقاء بتقديم للروايئ محمد لحباشة ومبداخالت رشيقة لعدد من الكتاب ‪ :‬كامل الزغباين‪ ،‬نورالدين الخبثاين‪ ،‬كامل الرياحي ‪...‬‬

‫‪4‬‬

‫الخميس ‪ 10‬جانفي ‪ - 2019‬املوافق لـ ‪ 2‬جامدى األول ‪ - 1440‬العدد ‪75‬‬

‫حول حراك السترات الصفراء بفرنسا ‪:‬‬

‫مواجهة بني عبادة املال وإنسانية اإلنسان‬
‫محمد صالح التومي‬

‫إن حركة السرتات الصفراء التي انطلقت بفرنسا هي حركة غري‬
‫معهودة ويتعني عىل الجميع املساهمة يف فهمها‪|.‬‬
‫ويف هذا النطاق فإن مايجب معرفته بداية و بوضوح تام هو‬
‫أن تطور النظام الرأساميل قد أفىض عرب مختلف أطواره إىل‬
‫ظهور راس املال املايل كقوة طاغية يف الوجود‪ ،‬وأن الطغمة‬
‫املالية ‪:‬‬
‫املسرية للنظام املرصيف العاملي واملرشعة للقوانني والرتتيبات التي تقوده‪-  ،‬‬‫ والتي تتدخل يف ترصيف األمور يف أغلب البنوك املركزية بالكون مبا يف ذلك‬‫بالواليات املتحدة األمريكية وباالتحاد األورويب‪،‬فضال عن البنوك املركزية‬
‫للبلدان املستضعفة‪ ،‬والتي –من خالل صهاريج األموال التي متلكها‪-‬كانت‬
‫وراء بعث الرشكات العمالقة العابرة للجنسيات‪ ،‬أصبحت (أي هذه الطغمة)‬
‫هي املسيطرة الفعلية عىل دواليب الحكم يف العامل‪ ،‬كام أصبح بإمكانها‬
‫االختيار بني عمالئها لتضعهم فوق كرايس الحكم حتى باملراكز الرأساملية‬
‫املتقدمة‪...‬‬
‫فهكذا اختارت بني دونالد ترامب وهيالري كلينتون وكالهام مستعد‬
‫لخدمتها بأمريكا‪ ،‬وبني فرانسوا فيلون وإميانويل ماكرون بفرنسا ؛‪...‬ويعترب‬
‫تصعيد إميانويل‪  ‬ماكرون أىل رئاسة فرنسا‪ ،‬وتصنيعه كنجم سيايس من‬
‫عدم‪  ،‬ومتكينه‪ -‬وهو الذي مل يكن يتزعم حزبا قويا‪ -‬من السيطرة برسعة‬
‫قياسية‪  ‬عىل الربملان يف االنتخابات الترشيعية‪.،‬قلنا ‪...‬يعترب‪  ‬هذا التصعيد‬
‫ظاهرة تستحق إىل الدراسة العميقة من طرف علم االجتامع السيايس‪،‬‬
‫ولكن ما يهمنا يف سياق حديثنا ليست هذه التفاصيل مهام كانت أهميتها‪...‬‬
‫وإمنا الوقوف عند املاكرو‪ -‬معطيات الناتجة عن سيطرة الطغمة املالية والتي‬
‫ميكن تلخيصها فيام ييل‪:‬‬
‫أوال‪ :‬استهداف جموع الكادحني كونهم منظمني داخل منشآت صناعية‬
‫ومنضوين تحت لواء نقابات متثلهم وأحزاب سياسية تعرب إىل هذا الحد أو‬
‫اآلخر عن طموحاتهم‪ ،‬ما ميكنهم من االحتجاج بسهولة‪ ...‬وذلك بترسيحهم‬
‫من الخدمة و بالحد من أعدادهم بواسطة ‪  :‬تشغيل القوة الروبوتية‬
‫و»الكفاءات» مكانهم‪ ،‬وبث عدم االستقرار يف أوضاعهم املهنية قانونيا‪،‬‬
‫ومحاولة رشاء من ميكن رشاءه من قياداتهم النقابية والسياسية ‪ ،‬وتشويه‬
‫كل فكر قد يدفعهم إىل الثورة‪  ‬جديا عن أوضاعهم؛‪.‬ثانياً‪ :‬استهداف املكاسب‬
‫التي أحرزها‪  ‬هؤالء الكادحون من خالل نضاالتهم تضحياتهم ومن خالل دماء‬
‫شهدائهم والتي أفضت وخاصة بعد نجاح الثورة البلشفية باالتحاد لسوفيتي‬
‫إىل انبعاث مايسمى دولة الرعاية والتي‪  ‬جسمت» رعايتها» يف‪  ‬إجراءات‬
‫إصالحية يف حياة الناس عىل غرار‪ :‬تحديد ساعات عملهم‪  ،‬ومتتيعهم بعطل‬
‫مدفوعة األجر ‪ ،‬ومتكينهم من أنظمة اجتامعية توفر لهم جرايات مجزية‬
‫عند تقاعدهم وإحاطة عالجية وصحية عند إصابتهم بالحوادث واألمراض؛‬
‫ثالثا‪ :‬استهداف الدولة‪ -‬األمة خصوصا ومؤسسة الدولة عموما ‪...‬‬
‫وذلك بإخضاعها إىل سيطرة الطغمة املالية ورغبات الرشكات متعددة‬
‫الجنسيات التي ال تعرتف بالحدود وبالجامرك الحامية لألسواق الوطنية‬
‫واملحلية‪...‬ويجب أن نفهم أنه يف هذا النطاق بالضبط كان انبعاث االتحاد‬
‫األورويب مثال‪ ...‬الذي مل ينبعث‪  ‬كتنسيقية اقتصادية معقولة بني الدول بل‬
‫كسلطة أريد لها أن تكون‪  ‬فوق ‪ -‬الدولة وهدفها عند النهاية القضاء عىل‬
‫الدولة القومية لفائدة التأسيسيات العوملية ‪ .‬وكان هذا النسق قد بدأ يف‬
‫التسارع مع املد النيو‪-‬ليربايل الذي تقدمت مارڨاريت تاترش لقيادته بربيطانيا‬
‫واندفع أو ُدفع رونالد ريغان لرتكيزه بأمريكا يف مثانينيات القرن العرشين‪،‬‬
‫والذي انتهى إىل الهجمة عىل حقوق الكادحني وترسيحهم من عملهم‬
‫والرمي بهم إىل البطالة‪،‬وهو مازادت رسعته مع سقوط االتحاد السوفيتي‬
‫حيث انفتح الباب ملحاولة فرض القطب الواحد واالتفاقات الظاملة التي‬
‫حاولت إخضاع الدنيا بأرسها إىل ‪ ، :‬نظام القروض ‪ ‬والخصخصة للتخلص‬
‫من القطاع العام‪ ،‬وسلطان منظمة التجارة العاملية ومحاكمها‪ ،‬و دفعها‬
‫قرسا إىل محو كل الحواجزالڨمرڨية أمام تدفق البضائع والسلع واألفكار‬
‫واألشخاص‪ ،‬ولكن يف اتجاه واحد‪...‬وهو‪ -‬وبكل تخصيص‪ -‬اتجاه غزو بلدان‬
‫الهامش املحيطة باملراكز الرأساملية املتقدمة؛ وقد قع كل هذا فعال‪  ،‬ويف‬
‫هذا النطاق تم إضعاف دول كثرية‪ ...‬وهنا فإن يوغسالفيا والصومال والعراق‬
‫وافغانستان ‪  ‬ميكن اعتبارها أمثلة بارزة فقط يف هذا السياق‪ ،‬كام تم الرمي‬

‫بجموع كثرية من الكادحني وحتى يف املراكز اإلمربيالية يك يدعموا‪  ‬جيش‬
‫البطالني الذي مل يعد مجرد جيش احتياطي لرأس املال يك يناور به مع‬
‫املرسمني باملؤسسات‪ ،‬بل إنه أصبحت تقع اإلشارة إىل املفقرين واملهمشني‬
‫ وبكل وقاحة واحتقار‪ -‬كزائدين عن الحاجة‪ ( ...‬أي كمرشحني للزوال) ‪،‬‬‫بل لقد شمل‪  ‬هذا املد أيضا مايسمى الطبقة الوسطى التي وقع بشكل‬
‫سافر ‪ -‬وبواسطة الضغط الرضيبي‪ -‬تفقريها هي األخرى‪...‬لفائدة كمشة من‬
‫املرابني واملضاربني الفاسدين يف كل مكان‪....‬ولكن مامل تتوقعه الطغمة املالية‬
‫العاملية هو‪ :‬أوال‪ :‬مقاومة الدولة ‪ -‬األمة لهذا‪  ‬املد الذي يهدف إىل‪  ‬مالشاتها‪...‬‬
‫فهذا ما يجب أن نفهمه من بروز‪  ‬قطب الربيكس وخاصة روسيا والصني يف‬
‫مرتبة أوىل والهند يف مرتبة ثانية وكذلك إيران يف مسار آخر‪...‬ولعل صمود‬
‫الجيش العريب السوري أمام الدول املعتدية‪  ‬الكثرية التي مل تكن تخفي نيتها‪ ‬‬
‫يف تفتيت دولة قامئة و ذات سيادة ميكن احتسابه‪  ‬أيضا ولويف حدود كمثال‬
‫آخر يف هذا‪  ‬اإلتجاه ‪... ،‬بل إن هذا أيضً ا مايجب أن نفهمه حتى من تجربة‬
‫الرباكسيت التي تقودها الحكومة الربيطانية بغاية االستقالل عن االتحاد‬
‫االورويب ‪...‬مهام كان الثمن املطلوب منها مقابل ذلك؛|‪...‬‬
‫وها إنه اليوم ترتفع أصوات داخل فرنسا يف اتجاه خوض تجربة قد ميكن‬
‫تسميتها بالفراكسيت‪ .‬ثانيا‪ :‬إمكانية انبثاق حراك‪  ‬احتجاجي‪  ‬يضم املفقرين‬
‫واملهمشني واملحرومني‪  ‬داخل املدن واألرياف وأجزاء من الطبقة الوسطى‬
‫غرياملنضوين تحت نقابات وغري املؤطرين من طرف أحزاب سياسية‪ ،‬وهذا‬
‫االنبثاق لحراك اجتامعي هذه مواصفاته هو مانحن بصدد مشاهدته‬
‫بفرنسا‪...‬عىل أيامنا هذه‪.‬ولكن ملاذا فرنسا؟‬
‫فقط ألن فرنسا تحت قيادة ماكرون املوظف السابق مبؤسسات روتشيلد‬
‫قد كانت منذ صعود هذا «الرئيس امل ُصنع تصنيعا « مرسحا إلجراءات‬
‫عدوانية ضد حقوق املتقاعدين وضد القدرة الرشائية للمواطنني وضد ما‬
‫بقي من املكاسب لألجراء يف العالقات الشغلية‪..‬وخاصة تلك‪  ‬املكاسب التي‬
‫وقع إقرارها منذ ‪ 1936‬وعىل امتداد األربعينات من القرن العرشين ‪،‬وهذا‬
‫بالضبط ما تسعى الطغمة املالية العاملية إىل فرضه من خالل تصعيد مثل‬
‫هذا الشخص إىل الرئاسة الفرنسية ؛ وهكذا فإن الزيادة يف سعر املحروقات‬
‫مل تكن غري القشة التي قصمت ظهر البعري ( بلغة صحراوية) أو القطرة‬
‫التي أفاضت الكأس (بلغة الفيزيائيني)؛ ولقد امتاز هذا الحراك ‪ :‬باستغالل‬
‫اإلمكانيات التي تتيحها‪  ‬الثورة التقنية املتعاظمة وخاصة يف ميدان التواصل‬
‫االجتامعي وذلك إلطالق الدعوات لالحتجاج‪  ،‬ثم لتنظيم صفوف الجامهري‬
‫الغفرية ايل انضمت إليه‪ ،‬ثم إلبراز قيادات مرتجلة نبعت من خارج كل األطر‬
‫املوجودة للتعبري عن مشاغل الحراك ومطالبه وهي املطالب التي اتضح‬
‫أنها ليست احتجاجا فقط عىل غالء األسعار‪...‬بل تحتوي عىل تساؤالت مل‬
‫تربز أجوبتها بوضوح حول كيفية تنظيم الحياة االجتامعية‪ ،‬وتوزيع الرثوة‪،‬‬
‫والسياسة الجبائية‪...‬‬
‫رغم ما شاب الشعارات من تناقضات بني مختلف األطراف املشاركة أو‬
‫املندسة فيها ‪ ،‬وهكذا فقد عني الوزير األول الفرنيس مجربا موعدا‪  ‬ليوم‬
‫ّ‬

‫الجمعة ‪30‬نوفمرب ‪ 2018‬لاللتقاء مع‪  ‬وفد من هذه القيادات‪...‬فيام لو‬
‫أمكن للحراك تعيينه‪  ‬ولو بصفة مرتجلة‪  ...‬وذلك للنقاش معه واالعرتاف‬
‫به كممثل للحراك بعد أن مل تنفع محاوالت القمع التي أبرزت بداية‬
‫تضامن من ِقبل األمنيني املكلفني بالقمع مع املحتجني‪،‬ولكن اللقاء مل يقع‬
‫عند النهاية ؛كام إن ماكرون بعد االستخفاف ومالزمة الصمت أعلن عن‬
‫بعض اإلجراءات التي اعتربها املحتجون غري كافية إلصالح تردي أوضاع البالد‬
‫‪،‬فطالبوه بالرحيل ‪.‬أما عن األطر التقليدية‪  ‬لتنظيم االحتجاجات من نقابات‬
‫وأحزاب بالخصوص فقد وجدت نفسها يف وضع تردد يف البداية‪...‬ثم يف وضع‬
‫مالحقة لألحداث‪...‬وهكذا سمعنا بالنقابات وهي تصدر بيانات املساندة‬
‫بعد أيام طويلة من بداية الحراك‪...‬ثم استمعنا إىل جان لوك ميلنشون‬
‫زعيم فرنسا األبية( وريث اليسار القديم بقسميه االشرتايك والشيوعي)‪...‬‬
‫وهو يعلن‪ -‬استغالال للحس االجتامعي‪ -‬عن انضاممه للتحرك الثاين يف جادة‬
‫الشانزليزيه املربمج ليوم السبت غرة ديسمرب ‪  ...2018‬رغم أنه مل يشارك يف‬
‫احتجاج األسبوع األول ‪ ..‬بل إن‪  ‬ماري لوپان‪  ‬زعيمة اليمني الوطني املتطرف‬
‫واستغالال لحس السيادة الوطنية هذه املرة‪ -‬مل تتخلف بدورها عن إعالن‬‫املساندة للحراك وعن مطالبة الحكومة بعدم منعه‪...‬ولعلها كانت قد دست‬
‫بعض عنارصها لريفعوا خالله شعارات ذات طابع عنرصي سمع كل الناس‬
‫بعض أصدائها‪.‬‬
‫وما يهمنا عند النهاية هو أن الحراك الذي يتواصل إىل حد كتابة هذه األسطر‬
‫يف األسبوع األول من شهر جانفي‪ /‬كانون الثني ‪ 2019‬يف جولة أسبوعية‬
‫ثامنة عىل التوايل قد أثبت حقيقتني ‪:‬‬
‫أوالهام أن البورجوازية املالية مارست مرة أخرى مبناسبة حركة السرتات‬
‫الصفراء بفرنسا قمعها الحتجاجات املضطهدين كام هي عادتها دامئا‪ ،‬إذ‬
‫أظهرت عرب تاريخها أنها متارس حكمها وبيدها قناع للحريات تضعه عىل‬
‫وجهها زمن بحبوحتها وازدهار أوضاعها وقناع للتعسف تسارع بوضعه عىل‬
‫وجهها حال تصاعد االحتجاجات ضد مظاملها ‪ ،‬وهكذا فإنها يف مواجهة حراك‬
‫السرتات الصفراء هذه املرة قد أوقفت إىل حد كتابة هذه األسطر ثالثة‬
‫آالف وسبعامئة وسبعة وأربعني شخصا بنية إحالتهم عىل القضاء الجزايئ ‪،‬‬
‫فيام أودعت فعليا بالسجن مائتني وستة عرش شخصا ‪ ،‬وألزمت أعدادا من‬
‫الناس بوضع أسورة إلكرتونية يف معاصهم ملراقبتهم‪،‬كام منعت عددا آخر من‬
‫االنتقال من هذه املدينة إىل األخرى‪ ،‬وهناك جرحى وموىت مل تعرف بدقة‬
‫أعدادهم ؛ أما ثانية هذه الحقائق فهو أن احتجاجات املضطهدين واملفقرين‬
‫واملمحرومني واملهمشني يف املدن ويف األرياف يف املراكز الرأساملية املتقدمة‬
‫كام يف األطراف( السودان مثاال) ال ميكن إسكاتها ‪،‬وستظل هذه الطبقات‬
‫والفئات باملدن واألرياف كام ستظل الشعوب واألمم املضطهدة تؤقلم‬
‫نضاالتها مع كل املتغريات وتستنبط أشكاال جديدة تعارض بها سياسات‬
‫الطغمة املالية بصندوق النقد الدويل وبالبنك العاملي و التي ال هدف‬
‫منها إال مراكمة املال وعبادته مهام كان ذلك عىل حساب إنسانية اإلنسان‬
‫وحقوقه األبدية يف الحرية والكرامة ويف التنوع الثقايف ويف تقرير املصري‪.‬‬

‫‪5‬‬

‫الخميس ‪ 10‬جانفي ‪ - 2019‬املوافق لـ ‪ 2‬جامدى األول ‪ - 1440‬العدد ‪75‬‬

‫هل صمدت فكرة الشيوعية أمام التاريخ ؟‬

‫حوار بني الفيلسوفني الفرنسيني أالن باديو(‪)Alain Badiou‬‬
‫ومارسيل غوشيه (‪ )Marcel Gauchet‬ج‪2/‬‬
‫ترجمة لطفي املثلويث‬
‫آالن باديو‪ :‬إ ّن ال ّتحليل الذي قمت بتقدميه ينتقل من‬
‫متعسفة‪ .‬فعىل مستوى ال ّتاريخ‬
‫ماركس إىل لينني بطريقة ّ‬
‫السمة‬
‫السيايس كانت االستمرارية بني االثنني هي ّ‬
‫ّ‬
‫الغالبة‪ ،‬وذلك عىل عكس ما قد يُفهم من كالمك‪ .‬فهناك‬
‫بالسؤال املركزي حول‬
‫خيط يربط بني االثنني ويتعلّق ّ‬
‫االنتفاضات (‪ .)insurrections‬فمن تحرير الباستي‬
‫(‪ )bastille‬إىل كومونة باريس يف سنة ‪ ،1871‬كان القرن‬
‫ال ّتاسع عرش بشكل عام قرن االنتفاضات الكربى‪.‬‬
‫ولكن إذا كان ماركس يفتقر إىل فكر سيايس قو ّي‪ ،‬فذلك لوجود نوع من‬
‫النزعة التلقائية (‪ )spontanéisme‬لديه‪ ،‬وكذلك لوجود ثقة مفرطة يف القوى‬
‫العا ّمة للتّاريخ‪ ،‬والتي من شأنها أن تجعل من برنامج ماركس أمرا محقّقا‪.‬‬
‫أو لنقل بطريقة أخرى إ ّن ماركس كان يؤمن إميانا عميقا بالنزعة العصيانية‬
‫(‪ ، )insurrectionnalisme‬مثلام كان هو بدوره قد ساهم فيها يف أملانيا يف‬
‫أربعينات القرن التّاسع عرش‪ .‬ولكن حدث أن فشلت كومونة باريس التي‬
‫السيطرة عىل عاصمة كبرية وحكمها ملا يقارب الشهرين‪،‬‬
‫مكّنت العماّ ل من ّ‬
‫ثرّ‬
‫السؤال بالشكل‬
‫صياغة‬
‫نحو‬
‫سيدفع‬
‫ع‬
‫الت‬
‫هذا‬
‫ولعلّ‬
‫وانتهت إىل حماّ م دم‪.‬‬
‫ّ‬
‫التمسك بالعصيان كشكل مرشوع وف ّعال للثورة الربوليتارية‬
‫التّايل‪ :‬هل ما يزال ّ‬
‫أمرا رضوريّا؟ لقد ذهب االشرتاكيون‪-‬الدميوقراطيون‪ ،‬والذين يشكّلون أغلبية‬
‫يف فرنسا وأملانيا‪ ،‬نحو اإلجابة بال‪ ،‬واختاروا طريق «الحامقة الربملانية»‪ .‬وأنت‪،‬‬
‫مارسال غوشيه‪ ،‬قد انتميت إىل هذا الطريق (ضحكات)‪.‬‬
‫السياسة‪.‬‬
‫يف هذا املستوى يتدخّل لينني‪ ،‬والذي أع ّرفه كمفكّر وناشط يف مجال ّ‬
‫فهو قد أعاد النظر يف الفشل الذي منيت به الكومونة‪ ،‬وتفطّن إىل النتيجة‬
‫الدرامية لغياب تنظيم لهذه الحركة‪ .‬وعىل أساس ذلك طرح لينني الفرضية‬
‫القائلة بأ ّن االنتفاضة ميكنها االنتصار إذا ما كانت تخضع لقيادة جهاز‬

‫متخصص‪ ،‬محارب ومنظّم تنظيام صارما‪ .‬العصيان ف ّن‪ ،‬ذلك ما سيقوله لينني‬
‫ّ‬
‫السياسة من جهة‬
‫فيام بعد‪ ،‬ويف هذا القول داللة عىل أنّه ال ميكن الخلط بني ّ‬
‫فالسياسة هي فكر‪ -‬مامرسة‬
‫والعلم االقتصادي والتّاريخي من جهة أخرى‪ّ .‬‬
‫(‪ )pensée-pratique‬مستقلّ بذاته‪ .‬وها نحن نجد أ ّن هذا ال ّرهان قد نجح يف‬
‫سنة ‪ ،1917‬األمر الذي مل يكن منتظرا‪ .‬ولعلّ تاريخ اللّينينية هو تاريخ النجاح‬
‫غري املتوقّع متاما لهذه الفرضية‪ .‬إذ يجب يف بعض األحيان االهتامم بالفرضيّات‬
‫للسياسة‪ ،‬من‬
‫مهام بدت مستبعدة‪ .‬يف ثورة ‪ 1917‬انترص التص ّور اللّينيني ّ‬
‫حيث هي ف ّن استغالل األوضاع والفرص‪ ،‬حيث تكون األولويّة للعنرص الذايت‬
‫وللتّنظيم‪.‬‬
‫السلطة‪ ،‬فإنّه يجب توجيه استخدامها نحو‬
‫ولكن إذا ما ت ّم االستيالء عىل ّ‬
‫الشّ يوعية‪ .‬وهذا شأن آخر‪ .‬إذ ستربز تح ّديات غري مسبوقة‪ : ‬ما الذي يجب‬
‫الصناعة؟‬
‫القيام به واقعيا من أجل تأميم الفالحة و مركزة (‪ّ )centraliser‬‬
‫ال أحد له معرفة ج ّيدة بذلك‪ .‬وستكون ال ّدولة‪ ،‬املشكّلة عىل صورة الحزب‬
‫الثوري املحارب‪ ،‬مكلّفة باألساس مبه ّمة التّغيري الشّ امل للمجتمع‪ .‬فالنظام‬
‫السوفيايت هو فعال اشرتاكية معسكرة‪ .‬ومن جهة أخرى‪ ،‬سيتواصل األسلوب‬
‫ّ‬
‫املكتسب أثناء الحرب األهلية ال ّروس ّية الشرّ سة واملر ّوعة‪ ،‬واملتمثّل يف معالجة‬
‫كلّ املشاكل عن طريق تصفية «األعداء» عىل اعتبار أنّهم املسؤولون عىل‬
‫هذه املشاكل‪ ،‬بل سيتح ّول هذا األسلوب إىل قاعدة‪ .‬ولهذا األسلوب ما ي ّربره‬
‫عندما نكون يف أتون الحرب األهل ّية‪ .‬ولكن عندما يتعلّق األمر ببناء ال ّدولة‪،‬‬
‫فإ ّن ذلك يس ّبب نتائج مد ّمرة‪ : ‬مبج ّرد أن يفشل قرار ّما يف تحقيق النتائج‬
‫املرج ّوة منه‪ ،‬يقع الرشوع يف عمل ّية تطهري من أجل االنتصار عىل «أعداء»‬
‫ال ّداخل‪ .‬ولكن مع ذلك تظلّ املشكالت الواقعية حارضة‪...‬‬
‫إ ّن الفكرة الشّ يوعية األصل ّية تع ّرضت وبشكل متد ّرج إىل التّشويه و الضرّ ر‬
‫توصلت‬
‫يف االتّحاد السوفيايت يف القرن العرشين‪ .‬هذه هي أيضا النتيجة التي ّ‬
‫إليها‪ .‬ولكن يل تأويل مختلف للّينينية‪ .‬فمن زاوية تك ّونها التّاريخي تع ّد‬
‫اللّينينية ابتكارا سياسيّا باهرا و ُمظ َّفرا‪ .‬ولك ّنها تُع ّد كذلك آخر تجلّيات النزعة‬
‫العصيانية( (�‪insurrection‬‬
‫‪ )nalisme‬التي م ّيزت القرن‬
‫التّاسع عرش‪ ،‬والتي ارتبطت‬
‫بها كلّ آمال ماركس‪ .‬أ ّما إذا‬
‫ما كان «تحقيق» املرشوع‬
‫السوفيايت‬
‫الشّ يوعي يف االتّحاد ّ‬
‫قد مثّل واقع ّيا تخلّيا عنه‪،‬‬
‫فذلك يعود إىل مشاكل‬
‫سياس ّية مل ميكن حلّها يف الفرتة‬
‫السلطة‪،‬‬
‫التي تلت الوصول إىل ّ‬
‫وال يعود إىل املرشوع يف ح ّد‬
‫ذاته‪.‬‬
‫مارسال غوشيه‪ :‬إ ّن هذه‬
‫القراءة صحيحة جزئ ّيا‪،‬‬
‫ولك ّنها غري كافية إذا ما أردنا‬
‫املسك بال ّداللة العميقة‬
‫للتّجربة اللّينين ّية ومن بعدها‬
‫الستالينية‪ .‬فلو كان ال ّرهان‬
‫يُختزل يف الظروف التّاريخ ّية‬
‫لروسيا‪ ،‬ملا كان مبقدورنا أن‬
‫نفهم اإلشعاع املتم ّيز الذي‬
‫عرفته الشّ يوعية التّاريخ ّية‪.‬‬
‫معك أنت‪ ،‬آالن باديو‪ ،‬تفقد‬
‫السوفياتية الكثري من‬
‫التجربة ّ‬
‫داللتها‪ ،‬وذلك من شأنه أن ال‬
‫ميكّن من فهم ما حصل هناك‪.‬‬
‫وليك نفهم ذلك‪ ،‬علينا أن نتّخذ‬

‫مسافة تجاهه‪ ،‬وأن نعمد إىل تحليل الظاهرة التوتاليتارية يف ح ّد ذاتها‪ .‬إذ ال‬
‫السوفيايت عن ما حصل يف األنظمة األخرى‬
‫ميكن أن نفصل ما حصل يف االتّحاد ّ‬
‫التي برزت يف نفس الفرتة يف إيطاليا وأملانيا‪ ،‬والتي أعطت وجها آخر لل ّرعب‬
‫ذاته‪ ،‬مماّ يتطلّب البحث يف هذه القرابة التي تجمع بينهم‪ .‬وهذه هي داللة‬
‫مفهوم التوتاليتارية‪.‬‬
‫آالن باديو‪ :‬ال أميل كثريا إىل استخدام نعت «التوليتاري»‪ ،‬ألن فكرة الكلّية‬
‫(‪ )totalité‬تبدو يل وكأنّها أقحمت إقحاما يف هذه املسألة‪ .‬فالتّجارب الوحش ّية‬
‫لعديد ال ّدول يف القرن العرشين تحيل إىل الفوىض والحرب والعجز والهروب‬
‫إىل األمام أكرث مماّ تحيل إىل الكلّية‪ .‬ث ّم إنّنا نجد أنفسنا هنا أمام سياستا دولة‬
‫مختلفتني متام االختالف‪ :‬فخطاب وسياسة الدولة ال ّنازية يقومان عىل أساس‬
‫املؤسسة للجنون الهتلري)‪ ،‬يف حني‬
‫السامية ِّ‬
‫هووي (‪( )identitaire‬معاداة ّ‬
‫كان الخطاب يف الدولة السوفياتية ذا طبيعة أمم ّية‪.‬‬
‫مارسال غوشيه‪ :‬لست أساند املساواة بني هتلر بستالني‪ .‬فليس من العسري‬
‫إدراك العداوة الجذرية التي تربط بني املعسكرين‪ .‬ولكن يوجد رغم ذلك‬
‫متاثل (‪ )homologie‬بنيوي داخل هذا التضا ّد‪.‬‬
‫آالن باديو‪ :‬فام الذي يجمع بينهام حسب رأيك؟‬
‫مارسال غوشيه‪ :‬لنعيد تنزيل ظهور التوتاليتاريات ضمن سياق تاريخي أشمل‬
‫السياسيّة‪ .‬فأنا أع ّرف الحداثة من زاوية املسار‬
‫يحيل إىل مغامرة الحداثة ّ‬
‫أطلق عليه اسم «الخروج من ال ّدين»‪.‬‬
‫الذي‬
‫و‬
‫التاريخي املتواصل منذ قرون‪،‬‬
‫ُ‬
‫لقد حدث تح ّول كبري ومعقّد‪ :‬هناك انتقال من منط من الهيكلة الجامعية‬
‫ذات الطبيعة ال ّدينية‪ ،‬حيث يرتبط تنظيم املجتمعات اإلنسانية بقانون اآلخر‬
‫اإللهي (‪( )l’Autre divin‬التبعية للغري ‪ ،)hétéronomie‬إىل منط من الهيكلة‬
‫الخاصة يك‬
‫منفصل عن أ ّي مرجع ّية متعالية‪ ،‬وحيث يس ّن البرش قوانينهم ّ‬
‫يحكموا املدينة (االستقاللية الذّاتية ‪.) autonomie‬‬
‫ولكن يف لحظة مح ّددة من هذا التّح ّول‪ ،‬وهي نهاية القرن التّاسع عرش‪،‬‬
‫سينشأ ّ‬
‫شك جذري حول مرشوع الحداثة‪ .‬إذ تجدر اإلشارة إىل أ ّن املجتمعات‬
‫ال ّدميقراطية كانت تعاين من انقسامات حا ّدة‪ .‬ففي مكان الوحدة التي كانت‬
‫االستقاللية الذّاتية (‪ )autonomie‬تَ ِعد بها‪ ،‬حلّ مجتمع االنقسامات‪ :‬االنفصال‬
‫السلطة بواسطة مبدأ التّمثيل (‪ ،)représentation‬رصاع الطّبقات مكان‬
‫عن ّ‬
‫السوق‪ ،‬خارجية‬
‫التّناغم الذي تح ّدث عنه فالسفة العقد االجتامعي واقتصاد ّ‬
‫الحق (‪ )extériorité du droit‬البعيد كلّ البعد عن اإلرادة الباطنية للمواطن‬
‫ّ‬
‫رشعا للقانون الجامعي‪ ،‬الخ‪.‬‬
‫م‬
‫ذاته‬
‫يف‬
‫يرى‬
‫تجعله‬
‫التي‬
‫و‬
‫ّ‬
‫وكر ّد فعل تجاه هذه التّجربة األليمة‪ ،‬والتي تدفع بالدميقراطية نحو‬
‫املستحيل‪ ،‬نشأ مرشوع إعادة صياغة املك ّونات القدمية للوحدة ال ّدينية داخل‬
‫إطار الحداثة ذاتها‪ .‬فكان بذلك مولد وهمني كبريين‪ .‬يف حالة الوهم األ ّول‬
‫كان األمر يتعلّق باستعادة الوحدة الجامعية املهملة واملفتقدة‪ .‬وهذا مرشوع‬
‫رجعي باألساس‪ ،‬ينجذب إىل املايض‪ ،‬وستتب ّناه التوتاليتاريات الفاشية وال ّنازية‪.‬‬
‫ّ‬
‫ويف حالة الوهم الثّاين كان الهدف املعلن متمثّال يف استحداث هذه الوحدة‪،‬‬
‫وذلك بخلق مجتمع دون انقسامات‪ .‬يحمل هذا املرشوع طبيعة ثورية‪ ،‬وهو‬
‫يرنو إىل املستقبل‪ .‬وستحمل لوائه التوليتاريّة ال ّروس ّية‪.‬‬
‫بهذا املعنى تتناسب الفاش ّية وال ّنازيّة والشّ يوع ّية مع ال ّديانات الوضع ّية‪ ،‬أو‬
‫لنقل بلغة أخرى مع الحاجة إىل بعث جديد لجامعة مو ّحدة ولتعا ٍل( (�‪trans‬‬
‫‪ )cendance‬داخل املحايثة الحديثة (‪ .)immanence moderne‬ولكن طرق‬
‫اإلنجاز تختلف بينهم‪ .‬ففي حالة الفاشية أوال ّنازيّة يت ّم استعادة التبع ّية للغري‬
‫(‪( )hétéronomie‬املجتمع الذي يهيمن بشكل كامل) بواسطة االستقاللية‬
‫الذّاتية (‪( )autonomie‬عن طريق شكل الدولة‪-‬األ ّمة وزعيم الشّ عب)‪ .‬ويف‬
‫الحالة السوفياتية تتحقّق االستقاللية الذّاتية (مرشوع مجتمع ينتظم ذات ّيا)‬
‫بواسطة التبعية للغري (عن طريق الهيمنة الكاملة لل ّدولة عىل املجتمع)‪.‬‬
‫وأل ّن هذه املشاريع تنشأ من تحالف غري طبيعي بني التبعية للغري واالستقاللية‬
‫الذاتية‪ ،‬فستكون التّوتاليتاريّات مرعبة‪ ،‬تذهب حتام نحو التدمري الذايت‪ .‬بل‬
‫السكيزوفرينيا السياس ّية‪ .‬فهي أنظمة‬
‫ميكن لهذه الظّواهر أن تُع ّد من قبيل ّ‬
‫مسكونة بجنون ميكن تفسريه عقالن ّيا‪ ،‬إذا ما أعدنا تنزيلها ضمن مغامرة‬
‫تاريخية أشمل‪.‬‬

‫‪6‬‬

‫الخميس ‪ 10‬جانفي ‪ - 2019‬املوافق لـ ‪ 2‬جامدى األول ‪ - 1440‬العدد ‪75‬‬

‫ﻋﻮﻤﻟﺔ ﺍﻹﻗﺼﺎﺀ ﻭﺍﻹﻧﺴﺎﻧﻴﺔ ﺍﻤﻟﻤﺰﻗﺔ‬

‫ﻋﺎﻃﻒ ﺭﺟﺐ*‬

‫ﺷﻬﺪ ﺍﻟﻌﺎﻢﻟ ﺧﻼﻝ ﺍﻟﻔﺮﺘﺓ ﺍﻤﻟﻌﺎﺮﺻﺓ‪ ،‬ﺗﺤﺪﻳﺪﺍ ﻣﻨﺬ‬
‫ﺍﻟﻨﺼﻒ ﺍﻟﺜﺎﻲﻧ ﻣﻦ ﺍﻟﻘﺮﻥ ﺍﻤﻟﺎﻲﺿ‪ ،‬ﻇﻬﻮﺭ ﻣﺎ ﻳﻌﺮﻑ ﺑﺈﺳﻢ‬
‫«ﺍﻟﻌﻮﻤﻟﺔ» ﻭﺍﻟﺘﻲ ﺗﻌﻨﻲ ﻫﻴﻤﻨﺔ ﺍﻟﻘﻄﺐ ﺍﻟﻮﺍﺣﺪ‪ .‬ﺍﻟﻌﻮﻤﻟﺔ‬
‫ﻛﻨﺴﻖ ﺃﺩﻳﻮﻟﻮﺟﻲ ﺇﻛﺘﺴﺐ ﺷﻌﻮﺭﺍ ﺑﺎﻟﻘﻮﺓ ﻭﺍﻟﺴﻴﻄﺮﺓ‬
‫ﻣﻦ ﺧﻼﻝ ﺇﺳﺘﺤﻮﺍﺫﻩ ﻋﻰﻠ ﺍﻤﻟﻮﺍﺭﺩ ﺍﻤﻟﺎﺩﻳﺔ ﻭﻭﺳﺎﺋﻞ‬
‫ﺍﻹﻋﻼﻡ ﻟﻔﺮﺽ ﺃﺩﻳﻮﻟﻮﺟﻴﺘﻪ ﻭﻣﺒﺎﺩﺋﻪ‪ ،‬ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻔﺎﺋﺾ ﻣﻦ ﺍﻟﻘﻮﺓ ﻭﺍﻟﺮﻏﺒﺔ ﻲﻓ ﺑﺴﻂ ﺍﻟﺴﻴﻄﺮﺓ‬
‫ﻋﻰﻠ ﺍﻟﻌﺎﻢﻟ ﻭﺇﺧﻀﺎﻉ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻣﻦ ﺧﻼﻝ ﺍﻟﺘﺪﺧﻞ ﻲﻓ ﻛﻞ ﻣﺠﺎﻻﺕ ﺣﻴﺎﺗﻪ ﻣﻦ ﺍﻟﺜﻘﺎﻓﺔ‬
‫ﻭﺍﻟﺴﻴﺎﺳﺔ ﻭﺍﻹﻗﺘﺼﺎﺩ ﻭﺍﻤﻟﺠﺘﻤﻊ‪ ،‬ﻟﺬﻟﻚ ﺗﺮﺗﻜﺰ ﺍﻟﻌﻮﻤﻟﺔ ﻋﻰﻠ ﺇﻋﺘﺎﻤﺩ «ﺳﻴﺎﺳﺔﺍﻹﻗﺼﺎﺀ» ﻲﻓ‬
‫ﺗﻌﺎﻣﻠﻬﺎ ﻣﻊ ﻣﻌﺎﺭﺿﻴﻬﺎ ﻭﻣﻨﺎﻫﻀﻴﻬﺎ‪ ،‬ﻭﻫﻲ ﺗﺮﺟﻤﺔ ﻟﻬﺬﺍ ﺍﻟﻔﺎﺋﺾ ﻣﻦ ﺍﻟﻘﻮﺓ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺪﻓﻌﻬﺎ‬
‫ﺇﻰﻟ ﺗﻮﻫﻢ ﺇﻣﻜﺎﻧﻴﺔ ﺍﻹﺳﺘﻐﻨﺎﺀ ﻋﻦ ﺍﻵﺧﺮ‪ ،‬ﺑﻞ ﺣﺘﻰ ﺇﻣﻜﺎﻧﻴﺔ ﺇﻟﻐﺎﺋﻪ ﻤﺑﺠﺮﺩ ﺇﻇﻬﺎﺭ ﻣﺆﺮﺷﺍﺕ‬
‫ﻗﻠﻖ ﻣﻦ ﻫﺬﺍ ﺍﻹﻗﺼﺎﺀ‪ ،‬ﺗﺘﻐﺬﻯ ﺭﻏﺒﺔ ﺍﻹﻗﺼﺎﺀ ﻣﻦ ﺿﻴﻖ ﺍﻟﻔﻜﺮ ﻭﻣﺤﺪﻭﺩﻳﺘﻪ ﻭﻫﻮ ﻣﺎ‬
‫ﺗﻌﻤﻞ ﺃﺩﻳﻮﻟﻮﺟﻴﺎ ﺍﻟﻌﻮﻤﻟﺔ ﻋﻰﻠ ﻧﺮﺸﻩ ﻭﺗﺮﺳﻴﺨﻪ‪ ،‬ﺗﻌﺘﻤﺪ ﺍﻟﻌﻮﻤﻟﺔ ﺳﻴﺎﺳﺔ ﺍﻹﻗﺼﺎﺀ ﻲﻓ‬
‫ﺗﻌﺎﻣﻠﻬﺎ ﻣﻊ ﻛﻞ ﻣﻴﺎﺩﻳﻦ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﺍﻹﻧﺴﺎﻧﻴﺔ ﺃﺳﺎﺳﺎ ﺍﻟﺜﻘﺎﻓﺔ ﻭﺍﻟﺴﻴﺎﺳﺔ ﻭﺍﻹﻗﺘﺼﺎﺩ ﻭﺍﻤﻟﺠﺘﻤﻊ‬
‫ﻭﻫﻮ ﻣﺎ ﺳﻨﺤﺎﻭﻝ ﺗﺘﺒﻌﻪ ﻲﻓ ﻫﺬﺍ ﺍﻤﻟﻘﺎﻝ ﺍﻤﻟﻮﺟﺰ ‪.‬‬
‫ﺍﻟﺜﻘﺎﻓﺔ ﺑﻮﺻﻔﻬﺎ ﺍﻤﻟﺮﻛﺐ ﺍﻤﻟﺘﺠﺎﻧﺲ ﺍﻤﻟﺘﻜﻮﻥ ﻣﻦ ﺍﻹﺑﺪﺍﻋﺎﺕ ﻭﺍﻟﺘﻌﺒﺮﻴﺍﺕ‬
‫ﻭﺍﻟﺬﻛﺮﻳﺎﺕ ﻭﺍﻟﻘﻴﻢ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺸﻜﻞ ﻣﻼﻣﺢ ﺃﻣﺔ ﻣﺎ ﻭﺗﺼﻮﺭ ﻫﻮﻳﺘﻬﺎ ﺍﻟﺤﻀﺎﺭﻳﺔ‬
‫ﻭﺍﻟﺘﺎﺭﻳﺨﻴﺔ‪ ،‬ﻓﻼ ﻣﺠﺎﻝ ﺇﺫﺍ ﻟﻠﺤﺪﻳﺚ ﻋﻦ ﺛﻘﺎﻓﺔ ﻋﺎﻤﻟﻴﺔ ﻭﺍﺣﺪﺓ ﻭﺇﻤﻧﺎ‬
‫ﺛﻘﺎﻓﺎﺕ ﻣﺘﻌﺪﺩﺓ ﻭﻣﺘﻨﻮﻋﺔ ﻭﻣﺘﻌﺎﻳﺸﺔ ﻲﻓ ﺗﻜﺎﻣﻞ ﻭﺇﺣﺮﺘﺍﻡ ﻟﻠﺨﺼﻮﺻﻴﺔ‪.‬‬
‫ﻻ ﻳﺘﻮﺍﻓﻖ ﻫﺬﺍ ﻣﻊ ﻣﺒﺎﺩﺉ ﺍﻟﻌﻮﻤﻟﺔ ﺍﻟﺴﺎﻋﻴﺔ ﺇﻰﻟ ﺗﻌﻤﻴﻢ ﻤﻧﻂ ﺣﻀﺎﺭﻱ‬
‫ﻭﺍﺣﺪ‪ ،‬ﺃﻱ ﺍﻟﻨﻤﻮﺫﺝ ﺍﻷﻣﺮﻳﻲﻜ‪ ،‬ﻋﻰﻠ ﺟﻤﻴﻊ ﺩﻭﻝ ﺍﻟﻌﺎﻢﻟ ﻟﺘﺼﺒﺢ ﺑﺬﻟﻚ‬
‫ﺃﺩﻳﻮﻟﻮﺟﻴﺎ ﺍﻟﻌﻮﻤﻟﺔ ﺷﻜﻼ ﻣﻦ ﺃﺷﻜﺎﻝ ﺍﻟﻬﻴﻤﻨﺔ ﻋﻰﻠ ﺍﻟﻌﺎﻢﻟ ﻗﺼﺪ ﺃﻣﺮﻛﺘﻪ‬
‫ﺑﺈﺳﺘﻌﺎﻤﻝ ﺃﺳﻠﺤﺔ ﻋﺪﻳﺪﺓ ﺃﻫﻤﻬﺎ ﺍﻹﻋﻼﻡ ﻭﺳﻠﻄﺔ ﺍﻟﺼﻮﺭﺓ ﻭﺍﻟﺴﻌﻲ ﺇﻰﻟ‬
‫ﺗﻨﻤﻴﻂ ﺍﻷﺫﻭﺍﻕ ﻭﺍﻟﻔﻜﺮ ﻭﺍﻟﺴﻠﻮﻙ‪.‬‬
‫ﺍﻟﻌﻮﻤﻟﺔ ﻛﺈﺭﺍﺩﺓ ﻟﻠﻬﻴﻤﻨﺔ ﺗﻌﻤﻞ ﻋﻰﻠ ﻗﻤﻊ ﻭﺇﻗﺼﺎﺀ ﻛﻞ ﻣﺎﻫﻮ ﺧﺼﻮﻲﺻ‬
‫ﻹﺣﺘﻮﺍﺀ ﺍﻟﻌﺎﻢﻟ‪ ،‬ﻓﻬﻲ ﺇﺭﺍﺩﺓ ﻹﺧﺮﺘﺍﻕ ﺍﻵﺧﺮ ﻭﺳﻠﺒﻪ ﺧﺼﻮﺻﻴﺘﻪ ﻭﺣﺘﻰ‬
‫ﻧﻔﻴﻴﻪ ﻣﻦ ﺍﻟﻌﺎﻢﻟ‪ ،‬ﺳﻴﺎﺳﺔ ﺍﻹﺧﺮﺘﺍﻕ ﺍﻟﺜﻘﺎﻲﻓ ﺍﻟﺘﻲ ﻤﺗﺎﺭﺳﻬﺎ ﺍﻟﻌﻮﻤﻟﺔ ﺗﻬﺪﻑ‬
‫ﺃﺳﺎﺳﺎ ﺇﻰﻟ ﺇﻟﻐﺎﺀ ﺍﻟﺮﺼﺍﻉ ﺍﻷﺩﻳﻮﻟﻮﺟﻲ ﺍﻤﻟﺸﻜﻞ ﻟﻠﻮﻋﻲ ﺑﻜﻞ ﺃﺷﻜﺎﻟﻪ‬
‫(ﺍﻟﻄﺒﻘﻲ‪ ،‬ﺍﻟﻘﻮﻣﻲ‪ )...‬ﻭﺇﺳﺘﻬﺪﺍﻑ ﺃﺩﻭﺍﺕ ﺍﻟﺘﻔﺴﺮﻴ ﻭﺍﻟﺘﺄﻭﻳﻞ ﺃﻱ ﺍﻟﻌﻘﻞ‬
‫ﻭﺍﻟﻨﻔﺲ‪ .‬ﻳﻌﻤﻞ ﺍﻹﺧﺮﺘﺍﻕ ﺍﻟﺜﻘﺎﻲﻓ ﻟﻠﻌﻮﻤﻟﺔ‪ ،‬ﻣﻦ ﺧﻼﻝ ﺃﺩﻭﺍﺗﻪ ﻭﺃﻓﻜﺎﺭﻩ‪،‬‬
‫ﻣﻦ ﺃﺟﻞ ﺍﻟﺴﻴﻄﺮﺓ ﻋﻰﻠ ﺍﻹﺩﺭﺍﻙ ﻭﺗﻐﻴﻴﺐ ﺍﻟﻮﻋﻲ ﻭﺑﺎﻟﺘﺎﻲﻟ ﺗﺪﻣﻴﺮﻴ‬
‫ﺍﻟﻬﻮﻳﺔ ﺍﻟﺜﻘﺎﻓﻴﺔ ﺍﻟﻔﺮﺩﻳﺔ ﻭﺍﻟﺠﺎﻤﻋﻴﺔ ﻭﻧﺴﻔﻬﺎ‪ ،‬ﻟﺘﺼﺒﺢ ﻭﺳﻴﻠﺔ ﺗﺸﻜﻴﻞ‬
‫ﺍﻟﻮﻋﻲ ﺍﻟﻮﺣﻴﺪﺓ ﻫﻲ ﺍﻟﺼﻮﺭﺓ ﺍﻟﺴﻤﻌﻴﺔ ﺍﻟﺒﺮﺼﻳﺔ ﺍﻟﺴﺎﻋﻴﺔ ﺇﻰﻟ ﺧﻠﻖ‬
‫ﻭﻋﻲ ﺳﻄﺤﻲ‪ .‬ﻣﺎ ﺇﻥ ﺗﺘﻢ ﺍﻟﺴﻴﻄﺮﺓ ﻋﻰﻠ ﺍﻹﺩﺭﺍﻙ ﻳﻜﻮﻥ ﻗﺪ ﺗﻢ ﺗﻜﻴﻴﻒ‬
‫ﺍﻤﻟﻨﻄﻖ ﻭﺗﺪﻣﺮﻴ ﺍﻟﻨﻈﺎﻡ ﺍﻟﻘﻴﻤﻲ ﻭﺧﻠﻖ ﺫﻭﻕ ﻤﻧﻄﻲ ﻭﺍﺣﺪ ﻭﺳﻠﻮﻙ‬
‫ﻣﻘﻮﻟﺐ ﻭﺍﻟﻬﺪﻑ ﻫﻮ ﺗﻜﺮﻳﺲ ﻧﻮﻉ ﻣﻌﻦﻴ ﻣﻦ ﺍﻹﺳﺘﻬﻼﻙ ﻭ ﺍﻤﻟﻌﺎﺭﻑ‬
‫ﻭﺍﻟﺴﻠﻊ ﻭﺍﻟﺒﻀﺎﺋﻊ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﻨﺘﺠﻬﺎ ﺍﻟﺮﺃﺳﺎﻤﻲﻟ‪ ،‬ﺍﻟﻨﺘﻴﺠﺔ ﻫﻲ ﺧﻠﻖ ﺛﻘﺎﻓﺔ‬
‫ﺇﺷﻬﺎﺭﻳﺔ ﺗﺸﻜﻞ ﺍﻟﺬﻭﻕ ﺍﻹﺳﺘﻬﻼﻲﻛ ﻭﺗﻠﻐﻲ ﻛﻞ ﻣﺎﻫﻮ ﻣﺨﺘﻠﻒ ﻋﻨﻬﺎ‪ ،‬ﺃﻣﺎ‬
‫ﺧﺼﻮﺻﻴﺎﺕ ﺍﻟﺸﻌﻮﺏ ﻓﻴﻘﻊ ﻗﺘﻠﻬﺎ ﻭﺗﺤﻨﻴﻄﻬﺎ ﺛﻢ ﻭﺿﻌﻬﺎ ﻲﻓ ﻣﺘﺎﺣﻒ‬
‫ﺗﺤﺖ ﻣﺴﻤﻰ «ﺗﺮﺍﺙ» ﻭ»ﻋﺎﺩﺍﺕ ﻭﺗﻘﺎﻟﻴﺪ» ﻭﺗﺼﺒﺢ ﺛﻘﺎﻓﺔ ﺍﻟﻌﻮﻤﻟﺔ‬
‫ﻣﻘﻴﺎﺳﺎ ﻟﻠﺘﺤﺮﻀ ﻭﺍﻟﺮﻗﻲ ﻭﻫﻮ ﻣﺎ ﻳﺴﻬﻞ ﺇﻗﺼﺎﺀ ﻛﻞ ﻣﺘﺸﺒﺚ ﺑﺨﺼﻮﺻﻴﺘﻪ‬
‫ﺍﻟﺜﻘﺎﻓﻴﺔ ﺑﻮﺿﻌﻪ ﻲﻓ ﺧﺎﻧﺔ ﺍﻟﻐﺮﻴ ﻣﺘﺤﺮﻀﻳﻦ ﻭﺍﻤﻟﺘﺨﻠﻔﻦﻴ ﻣﻦ ﻭﺟﻬﺔ ﻧﻈﺮ‬
‫ﻣﺮﻭﺟﻲ ﺛﻘﺎﻓﺔ ﺍﻟﻌﻮﻤﻟﺔ‪.‬‬
‫ﻋﻼﻗﺔ ﺍﻟﻌﻮﻤﻟﺔ ﺑﺎﻤﻟﺠﺎﻝ ﺍﻟﺴﻴﺎﻲﺳ ﺗﺘﻤﻴﺰ ﺑﺈﺗﺨﺎﺫ ﺍﻹﻗﺼﺎﺀ ﻭﺳﻴﻠﺔ ﻟﻠﺘﻌﺎﻣﻞ‪،‬‬
‫ﻓﺎﻟﺴﻴﺎﺳﺔ ﻲﻓ ﻣﻔﻬﻮﻣﻬﺎ ﺍﻷﺻﻲﻠ ﺗﻌﻨﻲ ﺗﺪﺑﻴﺮﻴ ﺷﺆﻭﻥ ﺍﻟﺪﻭﻟﺔ ﻭﺍﻤﻟﻮﺍﻃﻨﻦﻴ‪،‬‬
‫ﻟﺬﻟﻚ ﺗﻌﻤﻞ ﺍﻟﻌﻮﻤﻟﺔ ﻋﻰﻠ ﺇﻗﺼﺎﺀ ﺍﻟﺪﻭﻟﺔ ﺣﻴﺚ ﺃﺻﺒﺢ ﺍﻟﻨﻈﺎﻡ ﺍﻟﻌﺎﻤﻟﻲ‬
‫ﻫﻮ ﺍﻤﻟﺪﺑﺮ ﻟﺸﺆﻭﻥ ﺍﻟﺪﻭﻝ ﻭﺍﻟﺮﺍﺳﻢ ﻤﻟﺨﻄﻄﺎﺗﻬﺎ ﻭﺍﻤﻟﻘﺮﺭ ﻤﻟﺼﺎﺋﺮﻫﺎ‪ .‬ﻲﻓ‬
‫ﻇﻞ ﺍﻟﻌﻮﻤﻟﺔ ﺗﺤﻮﻟﺖ ﺍﻟﺪﻭﻟﺔ ﺇﻰﻟ ﻣﺠﺮﺩ ﺣﺎﺭﺱ ﻟﻸﻣﻦ ﻭﺍﻟﻨﻈﺎﻡ ﺑﻌﺪ ﺃﻥ‬
‫ﺿﻌﻔﺖ ﺳﻠﻄﺘﻬﺎ ﻭﺗﺮﺍﺟﻊ ﺣﻀﻮﺭﻫﺎ ﻟﺼﺎﻟﺢ ﺍﻟﻘﻮﻯ ﺍﻟﻌﺎﻤﻟﻴﺔ ﺍﻤﻟﺴﻴﻄﺮﺓ‪،‬‬
‫ﻓﺄﺻﺒﺤﺖ ﺍﻟﺪﻭﻟﺔ ﺮﺷﻃﻴﺎ ﻳﻌﻤﻞ ﻟﺼﺎﻟﺢ ﺍﻟﻨﻈﺎﻡ ﺍﻟﻌﺎﻤﻟﻲ ﻳﻌﺎﻗﺐ ﺍﻤﻟﺨﺎﻟﻔﻦﻴ‬
‫ﻟﻠﻨﻈﺎﻡ ﺍﻹﻣﺮﺒﻳﺎﻲﻟ ﻭﻳﻘﻲﺼ ﺍﻷﻧﺴﺎﻕ ﺍﻷﺩﻳﻮﻟﻮﺟﻴﺔ ﺍﻤﻟﻌﺎﺩﻳﺔ ﻟﻪ‪ ،‬ﻭﺫﻟﻚ‬
‫ﺑﺈﻋﺘﺎﻤﺩ ﺃﺳﻠﺤﺔ ﺍﻟﻌﻮﻤﻟﺔ ﺍﻟﻔﺎﻋﻠﺔ ﻛﺎﻟﻌﻮﻤﻟﺔ ﻭﺍﻟﺘﻜﻔﺮﻴ ﺑﺎﻟﻨﺴﺒﺔ ﻟﻸﻧﻈﻤﺔ‬
‫ﺍﻷﺻﻮﻟﻴﺔ ﺍﻤﻟﻮﻇﻔﺔ ﻣﻦ ﻗﺒﻞ ﺍﻟﻨﻈﺎﻡ ﺍﻟﺮﺃﺳﺎﻤﻲﻟ ﺍﻟﻌﺎﻤﻟﻲ ﻭﺣﺘﻰ ﺍﻹﻏﺘﻴﺎﻝ‬

‫ﺍﻤﻟﻌﻨﻮﻱ ﻭﺍﻤﻟﺎﺩﻱ ﺇﻥ ﻟﺰﻡ ﺍﻷﻣﺮ‪ .‬ﻋﻤﻠﺖ ﺍﻟﻌﻮﻤﻟﺔ ﻋﻰﻠ ﺗﻀﻴﻴﻖ ﻣﺠﺎﻻﺕ‬
‫ﺍﻤﻟﺎﻤﺭﺳﺔ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﻴﺔ‪ ،‬ﺣﻴﺚ ﺃﺻﺒﺤﺖ ﺗﻔﺮﺽ ﻃﺮﻳﻘﺎ ﻭﺍﺣﺪﺍ ﻭﻓﻜﺮﺍ ﻭﺣﻴﺪﺍ‬
‫ﺃﻱ ﺍﻟﻨﻤﻂ ﺍﻟﻠﻴﺮﺒﺍﻲﻟ‪ ،‬ﻓﺮﻏﻢ ﺗﻨﻮﻉ ﺍﻷﺣﺰﺍﺏ ﻭﺗﻠﻮﻧﻬﺎ ﺇﻻ ﺃﻥ ﺍﻤﻟﺘﺄﻣﻞ ﻲﻓ‬
‫ﺑﺮﺍﻣﺠﻬﺎ ﺳﻮﻑ ﻳﻼﺣﻆ ﻣﺪﻯ ﺗﻄﺎﺑﻘﻬﺎ ﻭﺇﻟﺘﻘﺎﺀﻫﺎ ﻲﻓ ﻧﻘﺎﻁ ﻣﺤﻮﺭﻳﺔ‬
‫ﻋﺪﻳﺪﺓ ﻟﻴﻘﺘﺮﺼ ﺇﺧﺘﻼﻓﻬﺎ ﻋﻰﻠ ﺃﺷﻴﺎﺀ ﺑﺴﻴﻄﺔ ﻭﻧﺘﺤﺪﺙ ﻫﻨﺎ ﻋﻦ ﺗﻌﺪﺩﻳﺔ‬
‫ﺻﻮﺭﻳﺔ ﻭﺩﻛﺘﺎﺗﻮﺭﻳﺔ ﻣﻘﻨﻌﺔ ﺗﺤﺎﻭﻝ ﺇﻗﻨﺎﻋﻨﺎ‬
‫ﺃﻧﻬﺎ ﺩﻤﻳﻘﺮﺍﻃﻴﺔ ‪ ،‬ﻓﺎﻟﻌﻮﻤﻟﺔ ﺗﺪﻋﻢ ﻧﻈﺎﻣﺎ ﺳﻴﺎﺳﻴﺎ ﻭﺣﻴﺪﺍ ﻳﺨﺪﻡ ﻣﺼﺎﻟﺤﻬﺎ‪،‬‬
‫ﻲﻓ ﺍﻤﻟﻘﺎﺑﻞ ﺗﻌﻤﻞ ﻋﻰﻠ ﺇﻗﺼﺎﺀ ﺍﻷﻧﻈﻤﺔ ﺍﻤﻟﻨﺎﻫﻀﺔ ﻟﻬﺎ‪ ،‬ﻓﺎﻟﻨﻈﺎﻡ ﺍﻟﻌﺎﻤﻟﻲ‬
‫ﺍﻤﻟﺮﻭﺝ ﻟﻪ ﻳﻜﻦ ﻋﺪﺍﺀﺍ ﻛﺒﺮﻴﺍ ﻟﻸﻧﻈﻤﺔ ﺫﺍﺕ ﺍﻟﻄﺎﺑﻊ ﺍﻟﻘﻮﻣﻲ ﻭﻳﺴﻌﻰ‬
‫ﻤﻟﺤﺎﺮﺻﺗﻬﺎ ﻭﻃﻤﺴﻬﺎ ﻛﺎﻤ ﻫﻮ ﺍﻟﺤﺎﻝ ﺑﺎﻟﻨﺴﺒﺔ ﻟﻸﻧﻈﻤﺔ ﺫﺍﺕ ﺍﻤﻟﺮﺟﻌﻴﺔ‬
‫ﺍﻟﻴﺴﺎﺭﻳﺔ‪.‬‬
‫ﺍﻟﺤﺪﻳﺚ ﻋﻦ ﺍﻟﻌﻮﻤﻟﺔ ﻭﺍﻹﻗﺼﺎﺀ ﺍﻹﻗﺘﺼﺎﺩﻱ ﻳﻘﻮﺩﻧﺎ ﺃﺳﺎﺳﺎ ﺇﻰﻟ ﺍﻟﺤﺪﻳﺚ‬
‫ﻋﻦ ﻣﺎ ﻳﻌﺮﻑ ﺑﺎﻟﺮﺸﻛﺎﺕ ﺍﻟﻌﺮﺒ‪-‬ﻗﻄﺮﻳﺔ ﺃﻭ ﺍﻟﺮﺸﻛﺎﺕ ﻣﺘﻌﺪﺩﺓ ﺍﻟﺠﻨﺴﻴﺔ‪،‬‬
‫ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺮﺸﻛﺎﺕ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻌﺘﺮﺒ ﺍﻟﻘﺎﺋﺪ ﺍﻟﻮﺣﻴﺪ ﻟﻘﺎﻃﺮﺓ ﺍﻹﻗﺘﺼﺎﺩ ﺍﻟﻌﺎﻤﻟﻲ‬
‫ﺷﻌﺎﺭﻩ «ﺭﺑﺢ ﺃﻛﺮﺜ‪ ،‬ﺑﻜﻠﻔﺔ ﺃﻗﻞ» ﺗﺴﻌﻰ ﺇﻰﻟ ﺇﺣﺘﻼﻝ ﺍﻟﻌﺎﻢﻟ ﻭﺗﺤﻮﻳﻠﻪ‬
‫ﺇﻰﻟ ﺳﻮﻕ ﻛﺒﺮﻴﺓ ﻤﻟﻨﺘﻮﺟﺎﺗﻬﺎ ﻛﺎﻤ ﺗﺴﺘﻐﻞ ﺛﺮﻭﺍﺗﻪ ﺑﺈﺳﺘﻨﺰﺍﻑ ﻣﻔﺮﻁ‪ ،‬ﻓﻬﻲ‬
‫ﺗﺴﻴﻄﺮ ﻋﻰﻠ ﻛﻞ ﺇﻗﺘﺼﺎﺩﺍﺕ ﺩﻭﻝ ﺍﻟﻌﺎﻢﻟ ﻣﺪﻋﻮﻣﺔ ﻤﺑﻨﻈﺎﻤﺕ ﺃﺧﺮﻯ‬
‫ﺃﺳﺎﺳﺎ ﺍﻤﻟﻨﻈﻤﺔ ﺍﻟﻌﺎﻤﻟﻴﺔ ﻟﻠﺘﺠﺎﺭﺓ ﻭﺍﻟﺒﻨﻚ ﺍﻟﻌﺎﻤﻟﻲ ﻭﺻﻨﺪﻭﻕ ﺍﻟﻨﻘﺪ ﺍﻟﺪﻭﻲﻟ‪.‬‬
‫ﺗﻌﻤﻞ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺮﺸﻛﺎﺕ ﻋﻰﻠ ﺇﻗﺼﺎﺀ ﺃﻤﻧﺎﻁ ﺍﻹﻧﺘﺎﺝ ﺍﻟﻮﻃﻨﻴﺔ ﻭﺗﺪﻣﺮﻴﻫﺎ‬
‫ﻭﺑﺎﻟﺘﺎﻲﻟ ﺍﻟﻬﻴﻤﻨﺔ ﺍﻟﻜﻠﻴﺔ ﻋﻰﻠ ﺇﻗﺘﺼﺎﺩ ﺍﻟﻌﺎﻢﻟ‪ .‬ﺗﻌﺘﻤﺪ ﺍﻟﻌﻮﻤﻟﺔ ﺃﺳﺎﺳﺎ ﻋﻰﻠ‬
‫ﺍﻟﺨﻮﺻﺼﺔ‪ ،‬ﺃﻱ ﺍﻟﺴﻄﻮ ﻋﻰﻠ ﻣﻠﻜﻴﺔ ﺍﻟﺪﻭﻟﺔ ﺑﻮﺻﻔﻬﺎ ﻣﻠﻜﻴﺔ ﺍﻟﺸﻌﺐ‬
‫ﻭﻧﻘﻠﻬﺎ ﺇﻰﻟ ﺍﻟﺨﻮﺍﺹ ﻣﻦ ﺧﻼﻝ ﺇﺿﻌﺎﻑ ﺍﻟﺪﻭﻝ ﺑﺎﻟﻘﺮﻭﺽ ﻭﺳﻠﺒﻬﺎ ﺍﻟﻘﺪﺭﺓ‬
‫ﻋﻰﻠ ﺗﺴﻴﺮﻴ ﺇﻗﺘﺼﺎﺩﻫﺎ ﺍﻟﻮﻃﻨﻲ‪ .‬ﻣﻦ ﺃﺑﺮﺯ ﻣﻼﻣﺢ ﺍﻟﻌﻮﻤﻟﺔ ﺍﻹﻗﺘﺼﺎﺩﻳﺔ‬
‫ﺍﻹﻋﺘﺎﻤﺩ ﻋﻰﻠ ﺍﻟﺮﺘﻛﻴﺰ ﻭﺍﻟﺘﻘﻠﻴﺺ ﻣﻦ ﻋﺪﺩ ﺍﻟﻔﺎﻋﻠﻦﻴ ﺍﻹﻗﺘﺼﺎﺩﻳﻦﻴ ﻣﺎﻤ‬
‫ﻳﺆﺩﻱ ﺇﻰﻟ ﺗﺠﻤﻴﻊ ﺍﻟﺮﺜﻭﺓ ﺍﻟﻌﺎﻤﻟﻴﺔ ﻲﻓ ﻳﺪ ﻣﺠﻤﻮﻋﺔ ﻗﻠﻴﻠﺔ ﻣﻘﺎﺑﻞ ﺇﻗﺼﺎﺀ‬
‫ﺍﻟﺒﺎﻗﻲ‪.‬‬
‫ﺍﻤﻟﻨﻈﺎﻤﺕ ﺍﻟﺪﺍﻋﻤﺔ ﻟﻠﻌﻮﻤﻟﺔ ﻛﺎﻤﻟﻨﻈﻤﺔ ﺍﻟﻌﺎﻤﻟﻴﺔ ﻟﻠﺘﺠﺎﺭﺓ ﻭﺻﻨﺪﻭﻕ ﺍﻟﻨﻘﺪ‬
‫ﺍﻟﺪﻭﻲﻟ ﺗﻔﺮﺽ ﻭﺻﻔﺎﺕ ﻣﻌﻴﺎﺭﻳﺔ ﻟﻠﺴﻴﻄﺮﺓ ﻋﻰﻠ ﺇﻗﺘﺼﺎﺩﺍﺕ ﺍﻟﺪﻭﻝ‬

‫ﻛﺎﻟﺘﺨﻔﻴﺾ ﻲﻓ ﻗﻴﻤﺔ ﺍﻟﻌﻤﻠﺔ ﻭﺇﻟﻐﺎﺀ ﺍﻟﺪﻋﻢ ﺍﻟﺤﻜﻮﻣﻲ ﻟﻠﻤﻮﺍﺩ ﺍﻷﺳﺎﺳﻴﺔ‬
‫ﻭﺇﺗﺒﺎﻉ ﺳﻴﺎﺳﺎﺕ ﺍﻹﻗﺮﺘﺍﺽ‪ .‬ﻛﻞ ﻫﺬﺍ ﻳﺆﺩﻱ ﺇﻰﻟ ﺇﺧﺘﻼﻝ ﺍﻟﺘﻮﺍﺯﻥ ﻲﻓ ﺗﻮﺯﻳﻊ‬
‫ﺍﻟﺮﺜﻭﺓ ﺍﻟﻌﺎﻤﻟﻴﺔ ﻭﻭﺿﻌﻬﺎ ﺑﻴﺪ ﻣﺠﻤﻮﻋﺔ ﻗﻠﻴﻠﺔ ﻣﺎﻤ ﺧﻠﻖ ﻓﺠﻮﺓ ﻛﺒﺮﻴﺓ ﺑﻦﻴ‬
‫ﻃﺒﻘﺎﺕ ﺍﻤﻟﺠﺘﻤﻊ ﻭﺗﺪﻣﺮﻴ ﺍﻟﻄﺒﻘﺔ ﺍﻟﻮﺳﻄﻰ‪ ،‬ﺇﻧﺤﻴﺎﺯﻳﺔ ﺍﻟﻌﻮﻤﻟﺔ ﺑﺨﺪﻣﺔ‬
‫ﻣﺼﺎﻟﺢ ﺍﻟﻄﺒﻘﺎﺕ ﺍﻟﻌﻠﻴﺎ ﺃﻭ ﺍﻷﻗﻠﻴﺔ ﺍﻤﻟﺎﻟﻜﺔ ﻟﻠﺮﺜﻭﺓ ﻣﻘﺎﺑﻞ ﻃﻤﺲ ﺑﺎﻗﻲ‬
‫ﺍﻟﻄﺒﻘﺎﺕ ﻭﺗﻬﻤﻴﺸﻬﺎ ﺗﻌﺘﺮﺒ ﻋﻮﺍﻣﻞ ﺃﺳﺎﺳﻴﺔ ﻟﺨﺮﺍﺏ ﺍﻤﻟﺠﺘﻤﻌﺎﺕ ﺑﺈﻧﺘﺸﺎﺭ‬
‫ﻇﻮﺍﻫﺮ ﺍﻟﻔﻘﺮ ﻭﺍﻟﺒﺆﺱ ﻭﺍﻟﺠﺮﻤﻳﺔ‪.‬‬
‫ﻣﺎ ﺃﻋﺘﺮﺒﻩ ﺗﻬﺪﻳﺪﺍ ﺃﺧﻄﺮ ﻟﻺﻧﺴﺎﻧﻴﺔ ﻫﻮ ﻣﺎ ﺭﺍﻓﻖ ﺗﻄﻮﺭ ﺍﻟﻨﻈﺎﻡ ﺍﻟﺮﺃﺳﺎﻤﻲﻟ‬
‫ﻣﻦ ﺇﻏﺘﻴﺎﻝ ﻟﻠﻄﺒﻴﻌﺔ‪ ،‬ﻓﻈﺎﻫﺮﺓ ﺍﻟﺘﻠﻮﺙ ﺍﻟﺒﻴﺌﻲ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻌﺘﺮﺒ ﻧﺘﻴﺠﺔ ﺭﺋﻴﺴﻴﺔ‬
‫ﻟﻠﺜﻮﺭﺓ ﺍﻟﺮﺃﺳﺎﻤﻟﻴﺔ ﻭﺇﻧﺘﺸﺎﺭ ﺍﻟﻐﺎﺯﺍﺕ ﺍﻟﺴﺎﻣﺔ ﺍﻟﻨﺎﺗﺠﺔ ﻋﻦ ﺍﻤﻟﺼﺎﻧﻊ‪ ،‬ﺗﻠﻮﺙ‬
‫ﺍﻟﺒﺤﺎﺭ ﻭﻧﻔﻮﻕ ﺟﺰﺀ ﻫﺎﻡ ﻣﻦ ﺍﻟﺮﺜﻭﺓ ﺍﻟﺒﺤﺮﻳﺔ‪ ،‬ﺛﻘﺐ ﺍﻷﻭﺯﻭﻥ ﻭﻇﺎﻫﺮﺓ‬
‫ﺍﻹﻧﺤﺒﺎﺱ ﺍﻟﺤﺮﺍﺭﻱ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻬﺪﺩ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﺑﺸﻜﻞ ﻣﺒﺎﺮﺷ‪ ،‬ﺇﺳﺘﻨﺰﺍﻑ‬
‫ﺍﻟﺮﺜﻭﺍﺕ ﺍﻟﻄﺒﻴﻌﻴﺔ ﻭﺧﺎﺻﺔ ﺍﻟﺮﺜﻭﺍﺕ ﺍﻟﻐﺮﻴ ﻣﺘﺠﺪﺩﺓ ﻛﺎﻟﺒﺮﺘﻭﻝ ﻭﺍﻤﻟﻴﺎﻩ‬
‫ﺍﻟﺠﻮﻓﻴﺔ ﺇﺿﺎﻓﺔ ﺇﻰﻟ ﺍﻟﺘﺴﻤﻢ ﻭﺇﻧﺘﺸﺎﺭ ﺍﻷﻣﺮﺍﺽ ﺍﻟﺮﺴﻃﺎﻧﻴﺔ ﺍﻟﻘﺎﺗﻠﺔ ﻛﻠﻬﺎ‬
‫ﻇﻮﺍﻫﺮ ﺭﺍﻓﻘﺖ ﺍﻟﻨﻈﺎﻡ ﺍﻟﺮﺃﺳﺎﻤﻲﻟ ﻭﻧﺘﺎﺋﺞ ﻹﻧﺘﺸﺎﺭﻩ ﻭﺗﻬﺪﻳﺪﺍ ﺟﺪﻳﺎ‬
‫ﻟﻠﻮﺟﻮﺩ ﺍﻹﻧﺴﺎﻲﻧ‪.‬‬
‫ﻧﺨﻠﺺ ﺇﻰﻟ ﺍﻟﻘﻮﻝ ﺃﻥ ﺍﻟﻌﻮﻤﻟﺔ ﺗﻬﺪﻑ ﺇﻰﻟ ﺧﻠﻖ ﺇﻧﺴﺎﻥ ﻣﻐﺮﺘﺏ ﺛﻘﺎﻓﻴﺎ‪،‬‬
‫ﺧﺎﺿﻊ ﺳﻴﺎﺳﻴﺎ‪ ،‬ﻣﻬﻤﺶ ﻭﻣﻔﻘﺮ ﺇﻗﺘﺼﺎﺩﻳﺎ‪ ،‬ﻓﺎﻟﻌﻮﻤﻟﺔ ﻛﺸﻜﻞ ﻣﻦ ﺃﺷﻜﺎﻝ‬
‫ﺍﻹﺳﺘﺒﺪﺍﺩ ﻲﻓ ﺍﻟﻔﺮﺘﺓ ﺍﻤﻟﻌﺎﺮﺻﺓ ﺗﺴﺘﻌﻤﻞ ﺳﻴﺎﺳﺔ ﺍﻹﻗﺼﺎﺀ ﻲﻓ ﺗﻌﺎﻣﻠﻬﺎ ﻣﻊ‬
‫ﻛﺎﻓﺔ ﻣﻴﺎﺩﻳﻦ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﺍﻹﻧﺴﺎﻧﻴﺔ‪ .‬ﻲﻓ ﻇﻞ ﺍﻟﻌﻮﻤﻟﺔ‪ ،‬ﺗﻌﻴﺶ ﺍﻹﻧﺴﺎﻧﻴﺔ ﺣﺎﻟﺔ‬
‫ﻣﻦ ﺍﻟﺘﻤﺰﻕ ﺍﻟﻐﺮﻴ ﻣﺴﺒﻮﻗﺔ ﻭﺗﻬﺪﻳﺪﺍ ﺧﻄﺮﻴﺍ ﻟﻠﻮﺟﻮﺩ ﺍﻹﻧﺴﺎﻲﻧ‪ ،‬ﺇﻧﻘﺎﺫ‬
‫ﺍﻹﻧﺴﺎﻧﻴﺔ ﻤﻳﺮ ﺃﺳﺎﺳﺎ ﻋﺮﺒ ﻣﻨﺎﻫﻀﺔ ﺍﻟﻌﻮﻤﻟﺔ ﻭﺍﻟﺤﺪ ﻣﻦ ﺇﻧﺘﺸﺎﺭﻫﺎ‪ ،‬ﺇﻥ‬
‫ﻓﻜﺮﺓ ﻣﻨﺎﻫﻀﺔ ﺍﻟﻌﻮﻤﻟﺔ ﻟﻴﺴﺖ ﻓﻜﺮﺓ ﻃﻮﺑﺎﻭﻳﺔ‪ ،‬ﺑﻞ ﻫﻲ ﻣﺴﺎﺭﺍ ﺣﻘﻴﻘﻴﺎ‬
‫ﻹﻧﻘﺎﺫ ﺍﻹﻧﺴﺎﻧﻴﺔ ﻣﻦ ﺟﺮﻡ ﺍﻟﻌﻮﻤﻟﺔ ﻛﻨﻤﻮﺫﺝ ﺇﺳﺘﺒﺪﺍﺩﻱ ﻭﺳﺮﻴﻭﺭﺓ ﻟﻺﻗﺼﺎﺀ‬
‫ﻭﺍﻟﺘﻬﻤﻴﺶ ﻭﺍﻟﺒﺪﻳﻞ ﻫﻮ ﺗﻌﺎﻳﺶ ﺳﻠﻤﻲ ﺑﻦﻴ ﺛﻘﺎﻓﺎﺕ ﺍﻟﻌﺎﻢﻟ ﺑﺪﻭﻥ ﺇﻗﺼﺎﺀ‬
‫ﻭﻫﻮ ﻣﻮﺿﻮﻉ ﭐﺧﺮ ﻗﺪ ﻧﺘﻄﺮﻕ ﻟﻪ ﻲﻓ ﻣﻨﺎﺳﺒﺔ ﺃﺧﺮﻯ‪.‬‬
‫*ﺑﺎﺣﺚ ﻲﻓ ﺍﻟﺘﺎﺭﻳﺦ ﺍﻤﻟﻌﺎﺮﺻ‬

‫‪7‬‬

‫الخميس ‪ 10‬جانفي ‪ - 2019‬املوافق لـ ‪ 2‬جامدى األول ‪ - 1440‬العدد ‪75‬‬

‫اإلقصاء سياسيًّا في تونس‬

‫ّ‬
‫محطة هيئة ‪ 18‬أكتوبر ‪ 2005‬للحقوق والحريّات نموذجًا‬
‫بقلم‪ :‬جلّول ع ّزونة‬
‫تقديم‪:‬‬
‫إ ّن اإلقصاء السيايس للخصوم ظاهرة برشيّة‬
‫قدمية‪ ،‬عالمتها ال ّتي ال تخطئ‪ ،‬إقصاء العبيد‬
‫واملستضعفني والفقراء والفلاّ حني واآلفاق ّيني‬
‫وجسمها الحكم املطلق سواء كان إمرباطوريّة أو‬
‫ّ‬
‫ملك ّية أو إقطاع ّيا طبق ًّيا أو نظام الخالفة ح ّتى يف‬
‫زمن اإلستثناءات الدميقراط ّية القليلة‪ ،‬يف قرطاج‬
‫أو يف أثينا أو يف روما الجمهوريّة‪...‬‬
‫ويف تونس كان الحكم فرديّا أرسيّا يف العرص الحديث واملعارص‪ ،‬زمن الدايات‬
‫والبايات وإ ّن بشرّ بالعدالة التمثيل ّية النسب ّية مع إستقالل البالد سنة ‪ 1956‬وإعالن‬
‫الجمهور ّية بعد سنة ونصف من ذلك سنة ‪ 1957‬عند انتخابات املجلس التأسييس‬
‫ال ّتي أفرزت فوزا ساحقًا لقامئة الحزب الدستوري الجديد تحت يا فطة «قامئة‬
‫الوحدة القوم ّية» وال ّتي ض ّمت ممثّلني عن إتّحادات الشغل والصناعة التجارة‬
‫والفالحة وممثّلني عن الجالية اليهوديّة بتونس‪ ،‬فإ ّن ذلك مل يدم طويلاً ـ إذ أعلن‬
‫حل نفسه سنة ‪ ،1958‬و ُمنع الحزب الشيوعي‬
‫الحزب الدستوري القديم عن ّ‬
‫التونيس أوائل الس ّتينات بعد املؤامرة‪...‬‬
‫فدخلنا متاهة نظام الحزب الواحد إطالقًا ونظام الرئاسة‬
‫كل‬
‫مدى الحياة عمل ًّيا ث ّم «قانون ًّيا» سنة ‪ 1974‬ودمج ّ‬
‫سمي بإتحاد الشباب‪ ...‬وما صاحب ذلك من‬
‫املنظّامت فيام ّ‬
‫لكل صوت مخالف (اليوسف ّيون‪،‬‬
‫لجمٍ لألفواه ومحاكامت ّ‬
‫القوم ّيني‪ ،‬الشيوع ّيون‪ ،‬الوحدة الشعب ّية‪ ،‬قيادات إت ّحاد‬
‫الشغل‪ )...‬واملآيس املتع ّددة من الخميس األسود (‪ 26‬جانفي‬
‫‪ )1978‬إىل أحداث قفصة (‪.... )1980‬‬
‫مرحلة التع ّدد املحتشم واملحدود‪:‬‬
‫كل هذه الر ّجات الوطن ّية‪ ،‬قَب َِل بورقيبة أوائل‬
‫بعد ّ‬
‫الثامنينات‪ ،‬التع ّدديّة فسمح من جديد للحزب الشيوعي‬
‫وسمح لحزب الدميقراط ّيني االشرتاك ّيني‬
‫التونيس بالنشاط ُ‬
‫ولحزب الوحدة الشعب ّية بإصدار صحيفتيهام‪ :‬املستقبل‬
‫والوحدة (‪ ،)1981‬ث ّم اإلعرتاف بهام سنة ‪ .1983‬بغد تجربة‬
‫جريديت الرأي و ‪ *Démocratie‬ولكن الرقابة واملحاكامت‬
‫والحجز كان شيئًا مألوفًا ومنتظماً ‪ ،‬وكذلك تزوير أ ّول‬
‫انتخابات ترشيع ّية تع ّدديّة سنة ‪( 1981‬نوفمرب) مماّ جعل‬
‫هذه الفرتة سياس ّيا قليلة النجاحات والتعثرّ ات‪ ،‬والدميقراط ّية‬
‫فيها كسيحة‪ ،‬بطيئة‪ ،‬أقرب منها إىل الديكور الدميقراطي من‬
‫الترشيك الفعيل للمواطن يف الشأن العا ّم‪.‬‬
‫وكان الجهد كلّه‪ ،‬يف صفوف املعارضات مبختلف تلويناتها هو‬
‫محاولة فرض رضورة القبول بالرأي اآلخر‪ ،‬كصورة حقيق ّية‬
‫كل املجتمعات‬
‫ملا هو الحال يف البالد وملا هو يف طبيعة ّ‬
‫قدميًا وحديثًا وهي قاعدة أزل ّية تقول‪ :‬إنّ اإلختالف رحمة‬
‫وواقع وال ب ّد من تقنينه وقبوله حتّى يدخل األفئدة وحتّى‬
‫يصري يقي ًنا ثابتًا *‬
‫ترتسخ يف الواقع التونيس زمن‬
‫مل‬
‫الحقيقة‬
‫ولكن هذه‬
‫ّ‬
‫دكتاتوريّة بن عيل الذّي عمل عىل تقنني سياسة الديكور‬
‫الدميقراطي فكان ما َحر َِص عىل تدعيمه طيلة حكمه من‬
‫أحزاب كرطون ّية‪ ،‬طوع بنانه وأوامره‪ ،‬يغدق عليها املال‬
‫ويزيّن بها حمالته اإلنتخاب ّية مماّ ساهم يف تركيز أسس‬
‫دكتاتوريّة بأت ّم معنى الكلمة‪ ،‬مع ما صاحبها من محاكامت‬
‫لكل نفس معارض‪ ،‬بعد أن‬
‫وتعذيب ومحارصات وتضييقات ّ‬
‫كل دواليب الدولة وثرواتها من إعالم وعدل‬
‫وضع يده عىل ّ‬
‫واقتصاد‪...‬‬
‫كل الفصائل‬
‫فجاءت الدعوة بتأسيس هيأة سياس ّية تجمع ّ‬
‫وكل املنظّامت املمكنة وكانت هيئة ‪ 18‬أكتوبر ‪ 2005‬مبناسبة‬
‫ّ‬
‫تنظيم امللتقى الدويل لإلعالم ّية وإنطالق إرضاب الجوع الذّي‬

‫نفّذه مثانية زعامء سياسيّني وقادة جمعيّات والذّي انتهى إىل‬
‫مأسسة هذه الهيأة ‪ -‬عند ّ‬
‫فك إرضاب الجوع ‪ -‬ومواصلة‬
‫ّ‬
‫عملها للتضييق عىل نظام بن عيل املتغ ّول‪ ،‬والذّي مل ت ُجد‬
‫معه النضاالت ال الفرديّة وال الجامع ّية املحدودة‪ .‬فكان ال‬
‫ب ّد‪ ،‬أمام غطرسة النظام وق ّوته من جمع الشمل والعمل‬
‫املؤسسني‬
‫م ًعا‪ 1‬يساريّون وإسالم ّيون وتق ّدم ّيون‪ .‬وكان عدد ّ‬
‫حوايل ‪ .24‬وكان يل رشف متثيل رابطة الكتّاب األحرار*‬
‫ست سنوات‪،‬‬
‫ومتثّل هذا العمل الذّي امت ّد طيلة أكرث من ّ‬
‫تؤسس للقواسم‬
‫يف إصدار عدد من النصوص األساسيّة التّي ّ‬
‫املشرتكة لتونس الغد املحلوم بها وأساسها‪:‬‬
‫عدم اإلقصاء وإلغاؤه‪.‬‬
‫تدعيم الجمهوريّة ونظامها وذلك بالتداول السلمي عىل‬
‫الحكم عن طريق اإلنتخابات‪.‬‬
‫تدعيم املكتسبات ولو كانت منقوصة وتطويرها‪.‬‬
‫تدعيم منظومة حقوق اإلنسان‪.‬‬
‫تدعيم مكانة املرأة ومساواتها مع الرجل كمواطنة كاملة‬
‫الحقوق‪.‬‬
‫حريّة الضمري واملع تقد‪.‬‬
‫كل النصوص الصادرة تناقش بعمق وك ّنا نرتيّث‬
‫وكانت ّ‬
‫كل قادة األطراف السياسيّة‬
‫قبل إصدارها حتّى يطّلع عليها ّ‬
‫وخصوصا من املغرتبني منهم‬
‫والجمعيات ّية املك ّونة للهيئة‪،‬‬
‫ً‬
‫واملجبورين عىل العيش خارج حدود الوطن*‬
‫خصوصا يف البالد‬
‫ولكن هذا اإلتفاق الفريد من نوعه‬
‫‪.5‬‬
‫ّ‬
‫ً‬
‫العربيّة واإلسالميّة‪ ،‬غري املسبوق والذّي ترجم عن نضج‬
‫خصوصا‬
‫سيايس قليل الوجود‪ ،‬قد تنكّرت له بعض األطراف‪،‬‬
‫ً‬
‫حركة النهضة باألساس‪ ،‬بعد الثورة (‪ )2011‬بدعوى أنّ‬
‫قواعد الحركة مل يقبلوا بهذه النتائج وكأنّ دور القيادات هو‬
‫اإلنسياق وراء القواعد وليس من دور القيادات أن تكون‬
‫يف الطليعة دامئًا وأنّ تقنع القواعد بص ّحة تلك التو ّجهات‬
‫واإلت ّفاقات والتّي كانت ستمكّن البالد التونسيّة من ربح‬
‫سنوات عديدة وتج ّنبها الرت ّدد واالرتجال والتجاذبات‬
‫السياسيّة العقيمة‪ ،‬وتدفع ببالدنا إىل القبول باإلختالف‬

‫األقل القابلة‬
‫واإلنطالق نحو املستقبل برؤية مو ّحدة أو عىل ّ‬
‫توصلت النخبة إليها‬
‫لح ّد أدىن من املبادئ األساس ّية التّي ّ‬
‫باإلجامع‪...‬‬
‫فكان من أثر ذلك‪:‬‬
‫ال ُه ْز ُء من جامعة «صفر فاصل» اليساريّني والضحك عىل ما‬
‫حقّقوه مشتّتني (إنتخابات ‪ 2011‬املجلس التأسييس)‪.‬‬
‫مرشوع الدستور الذّي ساندته النهضة والرتويكا يف جوان‬
‫‪ 2013‬وفيه تراجع فاضح عن شعارات الثورة وأهدافها‬
‫وآفاقها وعماّ وقع التفاهم حوله يف هيئة ‪ 18‬أكتوبر‪.‬‬
‫كل ذلك‪ :‬عودة عقل ّية اإلقصاء والتعايل*‪.‬‬
‫واأله ّم من ّ‬
‫خامتة‪:‬‬
‫وكان الب ّد من استشهاد شكري بلعيد (‪6‬فيفري ‪)2013‬‬
‫وخصوصا استشهاد مح ّمد الرباهمي يوم عيد الجمهريّة (‪25‬‬
‫ً‬
‫جويلية ‪ )2013‬واعتصام الرحيل‪ ،‬وه ّبة الشعب التونيس‬
‫كل الجهود لفرض شيئني مه ّمني‪:‬‬
‫وتكاتف ّ‬
‫توصلت إليه هيئة ‪ 18‬أكتوبر‪.‬‬
‫ما‬
‫م‬
‫أه‬
‫فيه‬
‫جديد‪،‬‬
‫دستور‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫سقوط حكومة الرتويكا‪.‬‬
‫ومع هذا‪ ،‬وبعد أكرث من خمس سنوات عىل هذا‪ ،‬فإنّ الرت ّدد‬
‫والحسابات السلفيّة ال تزال متثّل األرضيّة الفكريّة الخلفيّة‬
‫لكثري من قادة النهضة واملنتسبني لها وللحركات اليمين ّية‪،‬‬
‫رغم رفع شعار‪ :‬الفصل بني الدعوي السيايس‪ ،‬والذّي ال نرى‬
‫أي أثر يف الواقع*‬
‫له تقري ًبا ّ‬
‫وإنّ هذا الرت ّدد والحسابات املغلوطة‪ ،‬تتسبّب يف إضاعة‬
‫فرص ذهب ّية لتونسنا العزيزة ووقت مثني ج ًّدا‪ ،‬يعوق إرساء‬
‫دميقراطيّة حقيقيّة بال إقصاء ويطيل يف عمر هذه املرحلة‬
‫اإلنتقال ّية‪...‬‬
‫وحسب رأينا‪ ،‬فإنّ هذا املوقف يؤخّر انسجام قوى البالد يف‬
‫نظرة مو ّحدة لألسس الالزمة للبناء املستقبيل وهو بالتّايل‬
‫يعيق القضاء عىل فكر اإلقصاء‪ ...‬وإذا ميثّل هذه املواقف‬
‫تك ّرس اإلقصاء عند من ر ّدد أنّه «قاىس طويلاً من اإلقصاء»!!‬
‫نص عليه الدستور هو الدولة املدنيّة وال غري الدولة‬
‫إنّ ما ّ‬
‫يصب إلاّ يف‬
‫ال‬
‫لهذاـ‬
‫مخالف‬
‫«حلم»‬
‫كل‬
‫ّ‬
‫ة‬
‫ي‬
‫الوطن‬
‫املدن ّية‬
‫وإنّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫خانة أضغاث األحالم‪ ،‬املتخلّفة دو ًما عن الواقع وعن الزمن‬
‫املتح ّرك إىل األمام‪.‬‬
‫هوامش‪:‬‬
‫* كان يل رشف رئاسة تحرير الوحدة مل ّدة عرش سنوات‬
‫وساهمت من قبل بالكتابة يف الرأي و‪ Démocratie‬الذّين‬
‫بعثهام املرحوم حسيب بن عماّ ر (‪ 1977‬وأوائل الثامنينات)‪.‬‬
‫*عندما طالبنا يف حزب الوحدة الشعبيّة بالتأشرية ونرش‬
‫جريدتنا الوحدة (‪ ،)1981‬اقتبلنا الرئيس بورقيبة يف قرص‬
‫قرطاج (فيفري) وحاولنا إقناعه بأنّنا مل نعد نؤمن بالحزب‬
‫الواحد وأنّنا مع التع ّدديّة الحزب ّية والتّي هي رضورة إلقالع‬
‫البالد‪.‬‬
‫* رفض عديد الشيوع ّيني اإلنضامم لهذه الهيئة بدعوى عدم‬
‫إمكانيّة العمل مع اإلسالميّني‬
‫* وتك ّوت لجنة وطن ّية ملساندة املرضبني عن الطعام‬
‫وملواصلة النضال بعد ّ‬
‫املؤسسني‬
‫فك اإلرضاب وكنت من أ ّول ّ‬
‫لهذه اللجنة التّي ترأّستها املناضلة الحقوق ّية سناء بن‬
‫عاشور‪.‬‬
‫* انظر الكتاب الذّي نرشته هيئة ‪ 18‬أكتوبر زمن الرسيّة‬
‫(أكتوبر ‪ )2010‬بعنوان‪ :‬طريقنا ‘ىل الدميقراطيّة‪...‬رؤية‬
‫تونس ّية مشرتكة ألسس الدولة الدميقراط ّية (‪46‬ص بالعرب ّية‬
‫و‪49‬ص بالفرنسيّة)‪.‬‬
‫كل من‬
‫* ظهر ذلك جل ًّيا عند إرضاب الجوع الذّي ش ّنه ّ‬
‫الحاج مح ّمد الرباهمي وأحمد الخصخويص‪( ،‬عضوي‬
‫املجلس التأسييس) يف رحابه وموقف النهضة املن ّدد بذلك‪.‬‬
‫انظر ترصيحات بعض قيدة النهضة مثلاً حول مرشوع‬
‫رسي‪.‬‬
‫قانون‪ :‬املساواة يف اإلرث وحول الجهاز ال ّ‬

‫‪8‬‬

‫الخميس ‪ 10‬جانفي ‪ - 2019‬املوافق لـ ‪ 2‬جامدى األول ‪ - 1440‬العدد ‪75‬‬

‫حوار العدد مع الباحث الجزائري عبد الرزاق طوطاوي‬

‫لم أسمع ّأن من يتصدّرون املشهد السّياسي الحالي‬
‫يملكون مشروع مجتمع أو برامج حقيقيّة‪.‬‬
‫حاورته‪ :‬سعدية بن سامل‬

‫تتامىش مع العرص نابعة من خصوصياتنا وإرثنا‬
‫املتوسطي واإلفريقي‪ ،‬ليكون لنا‬
‫الحضاري‬
‫ّ‬
‫مكان تحت الشّ مس علينا التفكري باستقالليّة‬
‫وإخضاع كل موروثنا إىل ال ّنقد والتّمحيص‬
‫أل ّن الوافد علينا من املرشق والخليج ساهم‬
‫بجزء كبري يف ما نحن عليه من تخبّط وفوىض‪.‬‬
‫هناك ثالث ايديولوجيات دخيلة عىل شاملنا‬
‫اإلفريقي وأعتربها مبثابة كوارث نخرت عقول‬
‫أبناء شامل أفريقيا القوميّة والعربيّة والقطبيّة‬
‫الو ّهابيّة وكلّها دخيلة عىل مجتمعاتنا مل تزدنا‬
‫إالّ تخلّفا وانقساما‪ .‬كنخب يفرتض أن نك ّرس‬
‫جهودنا إلنتاج مرشوعنا الخاص بنا وهنا‬
‫يكمن دورنا وعلينا أن نغيرّ املعادلة لنجعل‬
‫السيايس‬
‫السيايس ‪ ،‬وعىل ّ‬
‫أولويّة املثقّف عىل ّ‬
‫أن يتبع املثقف وليس العكس أل ّن املثقف‬
‫ينتج أفكارا والسيايس يبيع األوهام وين ّمق‬
‫السيايس مرشوعا مبنيّا عىل‬
‫الكال َم إالّ إذا تب ّنى ّ‬
‫فكرة‪ .‬الفالسفة واملفكّرون هم بناة الحضارة‬
‫الساسة أو الكهنة‪.‬‬
‫وليس ّ‬

‫الصحفي والباحث الجزائري عبد‬
‫ضيفنا لهذا العدد املثقّف و ّ‬
‫الرزّاق طوطاوي الذي عرف مبواقفه املعارضة للوضع الثقايف‬
‫خاصة‪ .‬وبعني املثقف امللتزم كان‬
‫السائد يف الجزائر ّ‬
‫والسيايس ّ‬
‫يشخّص وين ّبه إىل املخاطر التي ته ّدد الحارض وته ّدد األجيال‬
‫رصح برفضه لالختيارات السياس ّية والثقاف ّية وكتب‬
‫القادمة‪ّ ،‬‬
‫مح ّذرا من خطر الو ّهابية عىل الجزائر وعىل الفكر عموما‪،‬‬
‫اهت ّم باملسألة الدينيّة فكتب «الوهابية دين ض ّد ال ّدين»‬
‫و»حوار بني الس ّنة والشيعة واإلباض ّية» واهت ّم بالسياسة فكتب‬
‫«النظام العاملي املأزق والبديل» و»الدميقراط ّية بني اإلفراط‬
‫والتفريط»‪ .‬مثقف عىل وعي بوظيفته يف بناء مجتمع بديل‪،‬‬
‫عارض وجاهر مبعارضته ومل يغادر البالد فالبالد تسع الجميع‪.‬‬

‫الباحث والكاتب عبد الرزاق طوطاوي‪،‬‬
‫شخصيّة معارضة ومشاكسة ال‬
‫تتوانى عن تقديم النّصح للسّلطة‪،‬‬
‫هل هو تصوّر مغاير لمفهوم‬
‫المعارضة؟‬
‫ِح ْر ُصنا عىل سالمة واستقرار الوطن يحتّم علينا‬
‫تقديم ال ّنصح لسلطة فاقدة للوعي سائرة بنا‬
‫وبالوطن إىل املجهول مع علمنا املسبق بأ ّن‬
‫السلطة يف الجزائر مصابة بجنون العظمة وال‬
‫ّ‬
‫وبخاصة من املثقّف‪،‬‬
‫تحب سامع ال ّرأي اآلخر‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫السلطة من املثقّف وهي قدمية‬
‫هناك عقدة ّ‬
‫ترجع جذورها إىل الثّورة التّحريريّة‪ .‬أنا‬
‫شخصيّا لست طالب سلطة‪ ،‬وقفت مع الوطن‬
‫يف كلّ املحطّات املفصليّة وال أنتظر شيئا سوى‬
‫رؤية بلدي ينعم باالستقرار وال ّرفاهة واألمن‪.‬‬

‫كيف تقيّم آداء المعارضة في‬
‫الجزائر وفي البالد العربيّة؟‬
‫املعارضة املمثّلة يف األحزاب هي دكاكني‬
‫سياسيّة وسجلاّ ت تجاريّة صنعت يف املخابر‬
‫تستعمل كديكور لالستهالك الخارجي‬
‫وامتصاص غضب ال ّداخل وكذا الوقوف يف‬
‫وجه أ ّي معارضة جا ّدة متلك مرشوعا وطنيّا‪.‬‬

‫ اإلسالم السّياسي‬‫لم يأتِ فجأة بل جاء‬
‫نتيجة الفراغ الفكري‬
‫والسياسي الموجود‬
‫في ساحتنا وكان‬
‫بدعم غير بريء من‬
‫السّلطة‪.‬‬

‫عرفت بمواقفك الرافضة للسائد‬
‫سياسيا خاصّة‪ .‬فماذا تعيب عن‬
‫الساسة العرب والساسة في الجزائر‬
‫خاصّة؟‬
‫السلطة والحكم‬
‫الساسة العرب يدورون حول ّ‬
‫ّ‬
‫فقط‪ ،‬مل أسمع أ ّن من يتص ّدرون املشهد‬
‫السيايس الحايل ميلكون مرشوع مجتمع أو‬
‫ّ‬
‫برامج حقيق ّية‪.‬‬
‫هل تعتقد أ ّن حياة سياسية أخرى‬
‫ممكنة في البلدان العربيّة وبلدان‬
‫شمال أفريقيا خاصّة؟‬
‫ال أريد أن أربط الشّ امل اإلفريقي بالشرّ ق‬
‫األوسط والخليج فتلك البقعة كتلة نار‬
‫مشتعلة وحروب عبث ّية وقمع ال ولن ينتهي‪،‬‬
‫نحن يف الشّ امل اإلفريقي لنا خصوص ّياتنا‬
‫وتاريخ يختلف يف جوهره ومضمونه عن تاريخ‬
‫الشرّ ق والخليج‪ ،‬إذا فكّرنا يف بناء نظم سياس ّية‬

‫تشهد المنطقة العربية في السنوات‬
‫األخيرة تحوّالت كبيرة‪ .‬كيف يقرأ‬
‫الباحث عبد الرزاق طوطاوي هذه‬
‫التحوّالت؟‬
‫ِ‬
‫السيايس مل يأت فجأة بل جاء نتيجة‬
‫اإلسالم ّ‬
‫الفراغ الفكري والسيايس املوجود يف ساحتنا‬
‫السلطة‪ ،‬أتكلّم عن‬
‫وكان بدعم غري بريء من ّ‬
‫ذلك‪.‬السلطة يف الجزائر‬
‫الجزائر وقس عىل‬
‫ّ‬
‫تب ّنت ورعت املشايخ املرصيّني عىل حساب‬
‫مشايخ تنويريني ودكاترة يف الفكر اإلسالمي‬
‫جزائريّني‪ ،‬كام د ّعمت مشايخ الو ّهابيّة‬
‫وسلّمت املساجد وش ّددت الخناق عىل‬
‫مفكّرين وكتّاب أحرار‪ ،‬هذا الج ّو الذي سمح‬
‫التعصب وفتح الباب عىل‬
‫بتفشيّ الجهل و ّ‬
‫مرصاعيه أمام حركات ال ّزندقة وح ّراس املعبد‬
‫من ت ّجار ال ّدين ومشايخ الفيديو كليب‪.‬‬
‫هل تجد في صعود اإلسالم‬
‫السياسي إلى الحكم أمرا طبيعيّا؟‬
‫ليس أمرا طبيعيّا وإنمّ ا هذا يدلّ عىل أ ّن‬
‫املجتمع مل ينضج بعد وغري مسؤول‪ ،‬الطبيعي‬
‫أن ال تبنى األحزاب عىل العقائد والعرقيّات‬
‫‪ ،‬ال ّدين للجميع وهو مسألة فرديّة شخصيّة‬
‫يحق ألحد احتكاره‪ ،‬واستعامل ال ّدين‬
‫وال ّ‬
‫يف القضايا السياسيّة خطر وقنابل موقوتة‬
‫بالسياسة‬
‫شديدة االنفجار وما اختلط ال ّدين ّ‬
‫الطبيعي‬
‫إالّ وسالت ال ّدماء وكانت كوارث‪ .‬و‬
‫ّ‬

‫‪9‬‬
‫تأسس األحزاب وفق برامج‬
‫واملعقول أن ّ‬
‫واضحة‪ ،‬أعرف أ ّن هذا األمر ليس سهال يف‬
‫منطقتنا ويحتاج إىل عمل متواصل وهي‬
‫مسؤول ّية املثقّف يف نرش الوعي والتّحاور مع‬
‫الشّ باب بكلّ مح ّبة لكشف خطورة استعامل‬
‫السياس ّية أو ال ّنزاعات‬
‫ال ّديانات يف القضايا ّ‬
‫ال ّدول ّية‪.‬‬
‫كتبت كثيرا عن الوهابية وانتقدتها‪.‬‬
‫فأيّ خطر تم ّثله؟‬
‫الو ّهاب ّية كاملوت عندما تتمكّن من عقل‬
‫الحق املطلق‬
‫إنسان يصبح يعتقد أنّه ميلك ّ‬
‫وباستطاعته محاكمة عقائد ال ّناس وأ ّن من‬
‫واجبه أن يدعوهم إىل معتقداته ويص ّحح لهم‬
‫عقائدهم حتّى بالق ّوة وهنا الخطر‪ .‬املعتنق‬
‫للفكر الو ّهايب يتج ّمد عقله وتتبلّد أحاسيسه‬
‫فيصبح ال يحاور وال يسمع وال يقبل رأيا‬
‫يخالف رأيه واألفكار التي تعلّمها الو ّهاب ّية‬
‫والقطب ّية أخطر ما يه ّدد مجتمعنا يف ال ّراهن‬
‫ويف املستقبل‪.‬‬
‫عاشت الجزائر في التسعينات‬
‫عشريّة سوداء‪ ،‬هل تجاوزت الجزائر‪،‬‬
‫والمنطقة إجماال‪ ،‬خطر تلك المرحلة؟‬
‫الخطر زاد أل ّن كان نتيجة فكرة انترشت‬
‫السلطة‬
‫وتغلغلت يف أكرث وأكرث بتواطؤ من ّ‬
‫التي سلّمت‪ ،‬كام قلنا‪ ،‬املساجد إىل أمئّة‬
‫سلف ّية مدخل ّية ويف اعتقادنا أ ّن املداخلة‬
‫السيايس‬
‫سيساعدونها يف القضاء عىل اإلسالم ّ‬
‫أل ّن املداخلة يدعون إىل و ّيل األمر ويح ّرمون‬
‫السلطة‬
‫التظاهر ونقد الحاكم‪ ،‬لكن ما تناسته ّ‬
‫أ ّن املداخلة وغريهم من السلف ّية ينهلون من‬
‫األدبيات نفسها‪ ،‬وقد وضّ حت هذا يف كتايب‬
‫الو ّهاب ّية دين ض ّد ال ّدين بالتفصيل‪ .‬واملداخلة‬
‫السلف ّية‬
‫والسلف ّية العلم ّية يف رأيي أخطر من ّ‬
‫املتش ّددة أل ّن األخرية تجاهر بتش ّددها أ ّما‬
‫األوىل فتعمل عىل املدى البعيد ومرشوعها‬
‫هو التّصفية والترّ بية وهكذا أصبح عندنا جيل‬
‫منغلق من الشّ باب متواجد يف كلّ القطاعات‬
‫واملؤسسات وهنا الخطر‪ ،‬ففي ساعة االنفجار‬
‫ّ‬
‫السلفي بأفكاره ويتح ّرك وفق أدبياته‬
‫د‬
‫ي‬
‫سيتق ّ ّ‬
‫فانتبهوا‪.‬‬
‫يعيب البعض على المثقفين‬
‫انسحابهم من مواقع المسؤوليّات‪،‬‬
‫هل تراهم منسحبين أم مَقصيّين؟‬
‫من يعيب عىل املثقّف انسحابه هو إنسان غري‬

‫الخميس ‪ 10‬جانفي ‪ - 2019‬املوافق لـ ‪ 2‬جامدى األول ‪ - 1440‬العدد ‪75‬‬

‫ ال مخرج لنا إ ّ‬‫ال‬
‫بثورة ثقافيّة‬
‫أدواتها التّواصل مع‬
‫الجماهير واستغالل‬
‫ّ‬
‫كل المنابر المتاحة‬
‫وكذلك التنسيق‬
‫ّ‬
‫المثقفة‬
‫بين الطبقة‬
‫في بلداننا بعيدا عن‬
‫الرّسميّات واألطر‬
‫السّلطويّة‪.‬‬
‫اقعي وأنا ّين‪ ،‬املثقّف ُغ ّيب بالق ّوة وحورص يف‬
‫و ّ‬
‫قوته وأستطيع أن أذكر عرشات األسامء من‬
‫خرية أبناء الجزائر من الذين ُغ ّيبوا‪ .‬فأين كان‬
‫الّذين يتّهمون املثقّف؟ املثقّف يف بلدي يعاين‬
‫ويتألّم يف صمت‪.‬‬
‫هل ترى إمكانيّة قيام ثورة ثقافية‬
‫في البلدان المغاربيّة؟ وما هي‬
‫شروطها؟‬
‫ال مخرج لنا إالّ بثورة ثقاف ّية أدواتها التّواصل‬
‫مع الجامهري واستغالل كلّ املنابر املتاحة‬
‫وكذلك التنسيق بني الطبقة املثقّفة يف بلداننا‬
‫السلطويّة‪ ،‬فرغم‬
‫بعيدا عن ال ّرسم ّيات واألطر ّ‬
‫السواد هناك بريق أمل علينا أن نتش ّبث‬
‫ّ‬
‫به‪ ،‬الدميقراط ّية هي ثقافة قبل أن تكون‬
‫نظام حكم ودور اإلعالم واملثقفني هو نرش‬
‫ثقافة االختالف وقبول اآلخر والتحاور‬
‫واحرتام الح ّريات الفرديّة والجامع ّية‪ ،‬عندما‬
‫ترتسخ هذه األفكار يف ذهن املجتمع تصبح‬
‫ّ‬
‫ال ّدميقراط ّية تحصيال حاصال‪.‬‬
‫قلت في تصريح سابق إ ّن الجزائر‬
‫ال توجد في كوكب آخر وأنكم‬
‫كمعارضة ال تريدون لها ما يحدث‬
‫في ليبيا‪ .‬كيف ترون حماية الجزائر‬
‫من الهزّات غير المرغوب فيها؟‬
‫الجزائر‪ ،‬كأ ّي بلد‪ ،‬تتأثّر وتؤثّر يف محيطها‬
‫الجغرايف‪ ،‬فكلّ عاقل‪ ،‬متعلّام كان أو إنسانا‬
‫عاديا ال يريد أن يحدث للجزائر ما حدث يف‬

‫الطبيعي أن ال تُبنى األحزاب على العقائد‬
‫والعرقيّات‪ ...‬واستعمال الدّين في القضايا‬
‫السياسيّة خطر وقنابل موقوتة شديدة‬
‫االنفجار وما اختلط الدّين بالسّياسة إ ّ‬
‫ال‬
‫وسالت الدّماء وكانت كوارث‪.‬‬

‫ليبيا‪ .‬لذلك أرفض االحتكام للشّ ارع أل ّن نتائجه‬
‫ستكون عكس ّية‪.‬‬
‫هل تعتقد أن الشعوب العربية‬
‫مهيّأة لحياة ديمقراطيّة فعليّة؟‬
‫عىل املدى القريب لست متفائال‪ ،‬ألنّ‪ ،‬كام‬
‫أسلفت‪ ،‬الدميقراط ّية هي ثقافة قبل أن تكون‬
‫ترتسخ هذه الثّقافة علينا أن‬
‫نظام حكم وحتّى ّ‬
‫السلمي دون كلل‪.‬‬
‫نواصل ال ّنضال ّ‬
‫اعتبرت أ ّن النظام العالمي يعيش‬
‫مأزقا‪ .‬فما هي مالمح هذا المأزق‬
‫وكيف يمكن تجاوزه؟‬
‫مبني عىل الق ّوة والفوىض‬
‫ال ّنظام العاملي ّ‬
‫والالعدالة وقد أدخل العلم يف حروب ود ّمر‬
‫اإلنسان والبيئة‪ .‬لكن أعتقد أ ّن هناك حالة‬
‫من الوعي لدى الشّ عوب األوروبية التي‬
‫بدأت تناضل من أجل عاملى أكرث عدالة وأمنا‪.‬‬
‫هل ترى ملا يحدث يف فرنسا من تح ّركات‬
‫احتجاج ّية تأثريا عىل الضفّة الجنوب ّية‬
‫للمتوسط؟‬
‫ّ‬
‫فرنسا كانت الس ّباقة يف التغيري‪ .‬فثورة ‪1789‬‬
‫أثّرت يف كلّ أوروبا والعامل وأرى يف حركات‬
‫الصفراء بأنّها ليست حركة عابرة‬
‫السرتات ّ‬
‫ّ‬
‫أو فوضويّة أو شعبويّة بل هي امتداد‬
‫لثورة الباستيل ستحدث تغيريات جذريّة يف‬
‫ستؤسس لشكل آخر من الجمهوريّات‬
‫فرنسا ّ‬
‫وبالتّأكيد سوف تكون هناك تأثريات ليس‬
‫عىل أوروبا فقط وإنمّ ا عىل العامل بأرسه‪.‬‬
‫كيف ترى العالقة بين ضفتي‬
‫المتوسّط في المرحلة القادمة؟‬
‫العالقة ستبقى كام هي والفارق كبري بني‬
‫دول منتجة وصانعة للتاريخ ونحن‪ ،‬دول‬
‫مستهلكة تعيش عىل أمجاد املايض خارج‬
‫التاريخ‪ .‬فالعالقة بالطّبع مل تكن نديّة حتّى‬
‫نفهم أنّه ملواكبة التاريخ علينا أن ننظر إىل‬
‫األمام ونعتمد عىل أنفسنا يف صناعة حارضنا‬
‫ومستقبلنا‪.‬‬

‫ إذا ّ‬‫فكرنا في بناء‬
‫نظم سياسيّة تتماشى‬
‫مع العصر نابعة من‬
‫خصوصياتنا وإرثنا الحضاري‬
‫المتوسّطي واإلفريقي‬
‫علينا التفكير باستقالليّة‬
‫وإخضاع كل موروثنا إلى‬
‫النّقد والتّمحيص أل ّن‬
‫الوافد علينا من المشرق‬
‫والخليج ساهم بجزء‬
‫كبير في ما نحن عليه من‬
‫تخبّط وفوضى‪.‬‬

‫‪10‬‬

‫الخميس ‪ 10‬جانفي ‪ - 2019‬املوافق لـ ‪ 2‬جامدى األول ‪ - 1440‬العدد ‪75‬‬

‫العوملة و تنامي ظاهرة اإلقصاء والتهميش يف املركز واألطراف‬
‫النفطي حولة ‪:‬‬

‫ال ميكن ألي باحث يف‬
‫االقتصادية‬
‫الشؤون‬
‫االجتامعية أو ألي‬
‫مختص يف علم االقتصاد‬
‫السيايس أن يتغافل عىل‬
‫الدور الكاريث الذي ألحقه‬
‫نظام العوملة الليربالية‬
‫املتوحشة يف العامل من‬
‫زيادة التفقري والتجويع‬
‫واستفحال األوبئة واألمراض‪ ،‬باإلضافة إىل التص ّحر الثقايف والبيئي‪،‬‬
‫منذ تسعينات القرن املايض‪.‬‬
‫تلك العرشية التي هيئت األرضية للعوملة األمريكية‬
‫أو للعرص األمرييك الذي هيمن فيه االقتصاد الرأساميل‬
‫العاملي‪ ،‬وألغيت فيه الحدود للرشكات املتعددة‬
‫الجنسيات واملا بعد قارية‪ ،‬وتناقص فيه دورالدولة املركزي‬
‫لصالح الخصخصة والرشكات الخاصة‪ .‬ولعل ذلك التوجه‬
‫نحو اإلفراط يف الللربرة كان يكتسح اقتصاديات دول‬
‫وشعوب العامل قاطبة‪ ،‬تارة باسم رفع األعباء والتكاليف‬
‫الباهضة عن الدولة لدفع عنارص اإلنتاج واإلنتاجية‪ ،‬وتارة‬
‫أخرى باسم التفويت يف بعض القطاعات التي باتت عبئا‬
‫ثقيال عىل الدولة‪ .‬وكلها نفس الوصفات لنفس أمراض‬
‫النهج أو الفلسفة الليربالية ‪.‬‬
‫وهكذا أصبح قطاع التعليم يشهد مزيدا من الخوصصة‪،‬‬
‫بل ومجاال لالستثامرالعاملي حيث سلعنة املعرفة‬
‫رشع النظام الليربايل العاملي املتو ّحش‬
‫والتعليم‪ .‬كام ّ‬
‫ملزيد التفريط يف القطاع الصحي للرشكات والخواص‪.‬‬
‫وباملوازاة إىل ذلك كان قطاع النقل هو اآلخر عرضة ملزيد‬
‫من البيع واملناولة ألصحاب املشاريع الخاصة‪.‬‬
‫و قد تع ّمقت الفوارق الطبقية عىل ما كانت عليه يف‬
‫أواخر الستينات والسبعينيات‪ .‬فزاد الغني غنى والفقري‬
‫فقرا‪ .‬فبدا التفاوت االجتامعي ظاهرا و بارزا لعموم‬
‫الشعب والطبقات الكادحة واملزارعني والفالحني الصغار‪.‬‬
‫فمنذ أواخر السبعينيات بدأت الرأساملية و نظامها‬
‫االقتصادي يتغلغل و يتغ ّول يف اقتصاديات الشعوب‬
‫املستضعفة واألمم املضطهدة حتى بلغت ذروتها يف نظام‬
‫العوملة املعسكرة املتأمركة‪ .‬وبدأ العامل منقسام بني الدول‬
‫الثامنية الكبار والغنية أو بني الدول السبع‪ ‬الصناعية‬
‫بزعامة الواليات املتحدة األمريكية من جهة و دول‬
‫الجنوب و دول العامل النامي أو ما يسمى بدول العامل‬
‫الثالث‪ .‬لعل هذه الدول باتت معروفة باسم‬
‫‪ G8.‬أو ‪G 7‬مجموعة‬
‫ولعل االنتفاضات االجتامعية التي ع ّمت الوطن العريب يف‬
‫أواخر السبعينات يف تونس يف ‪ 26‬جانفي ‪ 1978‬ومرص يف‬
‫يناير ‪ 1977‬ثم يف مثانينات القرن املايض يف كل من تونس‬
‫‪ 3‬جانفي ‪ 1984‬والجزائر يف ‪ 5‬أكتوبر ‪ 1988‬و السودان‬
‫يف أفريل ‪ ،1985‬تؤكد تبعات السياسات االقتصادية‬
‫لتلك األنظمة للرأسامل العاملي التي ع ّمقت األزمات‬
‫االجتامعية‪.‬‬
‫و ما أن تحل األلفية الثالثة التي هيمنت فيها العوملة‬
‫الرأساملية األمريكية‪ ،‬حتى تستفحل األزمات االقتصادية‬
‫واالجتامعية من جديد‪ .‬فسنشهد يف تونس انتفاضة‬
‫الحوض املنجمي يف جانفي ‪ 2008‬وأما يف مرصفسنشهد‬
‫انتفاضة رغيف الخبز يف أفريل ‪ . 2008‬كام ستتع ّرض‬
‫اليمن ما بني ‪ 2005‬حتى ‪ 2007‬انتفاضات شعبية عارمة‬
‫بسبب غالء املعيشة ورفع اسعار املحروقات‪.‬‬
‫و مع ظهور أزمة الرهن العقاري التي فجرها أول األمر‬
‫تهافت كل البنوك عىل اسناد القروض لتشجيع املواطنني‬
‫عىل رهن عقاراتهم للبنوك سيعيش العامل تداعيات هذه‬

‫األزمة الخطرية والتي ستنعكس عىل اقتصاديات دول‬
‫الخليج و كل الدول التي تدور يف فلك النظام الرأساميل‬
‫العاملي‪.‬‬
‫وقد كان للبنوك واملؤسسات املالية املانحة دورا محوريا‬
‫يف ظهور أزمة الرهن العقاري‪.‬‬
‫ف»مام ال شك فيه أن أسواق املال واملؤسسات املالية‬
‫العاملية قد أسهمت بدور أسايس يف األزمة املالية العاملية‬
‫بنهاية سنة ‪ 2008‬والتي كادت أن تعصف باالقتصاد‬
‫العاملي وأعادت لألذهان شبح الكساد العاملي الكبري سنة‬
‫‪.1928‬‬
‫وقد كانت بداية االزمة من السوق العقاري والذي‬
‫اعتمد يف تنشيطه عيل جذب عمالء جدد للدخول إيل‬
‫هذا السوق من خالل تساهل البنوك يف منح القروض‬
‫العقارية طاملا يتم التأمني عىل سداد هذه القروض من‬
‫جانب رشكات التأمني فضال عن االرتفاع املستمر يف أسعار‬
‫العقارات نتيجة للطلب املتزايد عليها مام يجعل البنوك‬
‫قادرة عيل إسرتداد اموالها عن طريق إعادة ببع هذه‬
‫العقارات يف حالة عدم قدرة املقرتض عيل سداد قيمة‬
‫القرض‪.1».‬‬
‫رصف أزماتها يف‬
‫ت‬
‫ما‬
‫دامئا‬
‫الرأساميل‬
‫املركز‬
‫دول‬
‫و مبا أن‬
‫ّ‬
‫دول األطراف‪ ،‬فإن ذلك ما سيفاقم من وترية األزمات‬
‫االقتصادية واالجتامعية يف تلك الدول ‪ .‬حيث سنشهد‬
‫مزيدا من ترسيح لعرشات اآلالف من العامل الذين‬
‫سيجربون عىل مغادرة عملهم أفوجا أفوجا‪ .‬وستغلق‬
‫عديد املعامل واملصانع والرشكات‪ .‬وسرتتفع نسبة البطالة‬
‫أضعافا مضاعفة عام كانت عليه يف السابق‪ .‬و ما سيزيد‬
‫الطني بلة هو تزايد استفحال البطالة يف أوساط أصحاب‬
‫الشهائد العليا وخريجي الجامعات خاصة‪.‬ما سينتج‬
‫عنه صعوبة الوضع املادي الذي سيصبح عليه املواطن‬
‫يف جميع الدول النامية‪ .‬و ستزداد املقدرة الرشائية‬
‫هبوطا و تراجعا خطريا نظرا ملا ستشهده األسعار من‬
‫زيادات مشطة نظرا ملا ستبلغه نسبة التضخم من‬
‫ارتفاع صاروخي ‪ .‬وهو ما سيلحق الرضر بالطبقات‬
‫الوسطي التي ستتآكل وتهرتئ و ستلتحق عىل الفور‬
‫بالطبقات الضعيفة واملسحوقة وامله ّمشة‪ ،‬بعدما كانت‬
‫هي صامم األمان والعمود الفقري لالقتصاد‪ .‬ما سيع ّجل‬
‫بسياسات االقصاء االجتامعي والتهميش‪ .‬ذلك الذي‬
‫سيخلق املناخات و البؤر الساخنة التي ستولّد سياسة‬
‫االحتقان االجتامعي والغضب الشعبي والتم ّرد الثوري‬
‫‪ 1‬ويكيبيديا املوسوعة الحرة‬

‫ضد الليربالية املتوحشة التي قضت عىل دولة الرفاه‬
‫االجتامعي التي تكفل للمواطن الحد األدىن يف العيش‬
‫الكريم والضامن االجتامعي و التأمني الصحي والخدمات‬
‫االجتامعية خالل ستينات و سبعينات القرن املايض‪.‬‬
‫وهكذا ستفتح أبواب جه ّنم عىل مرصاعيها محليا‬
‫واقليميا ودوليا لجميع اآلفات اإلجتامعية منذ تسعينيات‬
‫القرن املايض خاصة‪ ،‬و باألخص يف األلفية الثالية وبشكل‬
‫أكرث خصوصية يف نهاية العرشية األوىل منها‪ .‬ومام ال شك‬
‫فيه أن آفة االقصاء والتهميش كانت أوىل هذه األمراض‬
‫االجتامعية والظواهر السوسيولوجية الناتجة عن تبعات‬
‫الللربرة الغارقة يف التوحش الرأساميل‪ ،‬الذي أطلق‬
‫العنان للربح و زيادة إنتاج الربح عىل حساب العامل و‬
‫الطبقات الشعبية‪ ،‬بل حتى عىل حساب الطبقة الوسطى‬
‫التي أضحت تعاين هي األخرى من الفقر والخصاصة‬
‫و ال سيام بعد تقلّص الضامنات الصحية والخدمات‬
‫االجتامعية و من ثم انعدامها‪.‬‬
‫ولعل ما تشهده فرنسا يف هذه الحقبة من حركة نضالية‬
‫ومت ّرد ثوري بقيادة حركة السرتات الصفرا ء �‪mouve‬‬
‫‪ ،ment des gilets jaunes‬ليدل داللة واضحة عىل حالة‬
‫التفقري والتجويع و الحاجة والحرمان التي بلغتها الطبقة‬
‫الوسطى الفرنسية‪ .‬فام بالك والحالة تلك حال الطبقات‬
‫الوسطى يف دول األطراف‪.‬‬
‫و ما تفاقم سياسة الهجرة من دول الجنوب إىل دول‬
‫الشامل أين تتمركز و ترتكّز الرثوة و الغنى املفرط و‬
‫الفاحش‪ ،‬إال دليال ساطعا عىل االنعكاسات السلبية‬
‫والخطرية التي خلفتها‪ ‬األزمات الدورية والهيكلية‬
‫املتتالية للرأساملية العاملية و نظامها االحتكاري‪ .‬و لعل ما‬
‫يشهده العامل اليوم من تع ّدد شبكات التهجري والتهريب‬
‫املقصود و املتاجرة باليد العاملة الرخيصة من افريقيا‬
‫وآسيا ليؤكد مبا ال يدع املجال للشك بأن سياسة االقصاء‬
‫والتهميش أصبحت من الظواهر واملظاهر املرتبطة‬
‫بتلكم األزمات‪ .‬تلك األزمات التي تأىب إال أن تحط رحالها‬
‫يف دول األطراف‪ .‬خاصة وأن هذه األخرية باتت عرضة‬
‫ألكرث األزمات االجتامعية الحادة والخطرية التي ع ّرضت‬
‫الدولة يف أيامنا هذه للتهالك والتآكل والضعف‪.‬‬
‫و ما يزيد الطني بلة هو عوملة سياسة اإلرهاب التي‬
‫تديرها غرف املخابرات األجنبية واملحلية لتستثمر يف برك‬
‫الدماء و جثث املوىت‪ .‬فليس صدفة أن تعمد اإلمربيالية‬
‫األمريكية و حلف الناتو وأدواتهم يف الخليج و تركيا‬
‫يف مرحلة ما يسمى بالربيع العريب إىل تدشني حروب‬

‫الجيل الرابع أو حروب د ّمر نفسك بنفسك‪ ،‬عرب الحروب‬
‫الطائفية واألهلية والرصاعات الدينية و الحروب الفتنوية‬
‫باسم املذهب والعرق وامللة و الطائفة(‪.)le secte‬‬
‫ذلك أن تلك الحروب التي أسست للمحرقة الليبية‬
‫ثم للمحرقة السورية ثانيا‪ ،‬كان حطبها‬
‫أوال‬
‫ووقودها هم أولئك الشباب من املهمشني واملقصيني يف‬
‫دول األطراف بل وحتى يف دول املركز‪.‬‬
‫و تلك هي اآلفة الثانية التي تفتك بالشباب امله ّمش‬
‫واملقيص خاصة يف دول األطراف‪.‬‬
‫وإذا كانت آفة االستثامر يف التهجري الناعم أو الهجرة‬
‫الرسية‪ ،‬و آفة االستثامر يف اإلرهاب املعومل هام احدى‬
‫النتائج املبارشة لسياسة التهميش واالقصاء‪ ،‬فإن ثورة‬
‫الجياع و امله ّمشني واملقصيني أو باختصار ثورة الصعاليك‪،‬‬
‫ستكون هي بدون منازع احدى النتائج املبارشة هي‬
‫األخرى‪ ،‬يف السنوات أو العقود القادمة سواء يف األطراف‬
‫أو يف املركز‪.‬‬
‫ذلك أن ما سيشهده العامل يف املستقبل من تدعيم‬
‫وتعميق لسياسة االقصاء و التهميش بسبب تزايد‬
‫نسب الطرد و الترسيح القرصي للعامل أوال‪ ،‬و بسبب‬
‫بطالة أصحاب الشهائد العليا ثانيا‪ ،‬وبسبب ته ّري‬
‫املقدرة الرشائية و تراجع دورالطبقات الوسطى يف‬
‫املركز واألطراف ثالثا‪،‬سيؤدي حتام إىل تنامي بؤر البؤس‬
‫االجتامعي والفقر والخصاصة خاصة يف دول األطراف ‪.‬ما‬
‫سيؤجج نار الغضب والعصيان املدين والرباكني االجتامعية‬
‫املتصاعدة‪.‬‬
‫وهنا يكمن السؤال‪.‬هل ستكون تلكم الثورات االجتامعية‬
‫أو الحركات الثورية واالنتفاضات الشعبية معرقلة‬
‫ملستقبل املجموعة البرشية أو بالعكس ستكون مقدمة‬
‫للتأسيس للفلسفة الجديدة؟‪.‬أو باألحرى مليالد هيجل‬
‫جديد يف الزمان واملكان واللحظة التاريخية املتغرية‬
‫دوما‪،‬هل سنشهد باملثل ميالد ماركس جديد يستجيب‬
‫للعرص الجديد وللتاريخ الدينامي و الحركات الثورية‬
‫الجديدة املتجاوزة لعرص االمربيالية وما بعدها‪.‬‬
‫إننا ال ننطلق يف ذلك من فراغ‪ .‬ذلك أن العامل من حولنا‬
‫أصبح ينبئ بتح ّول جديد‪ .‬وملاذا ال تكون الفلسفة‬
‫باعتبارها أم العلوم هي املقدمة الرضورية التي ستعبرّ‬
‫عىل هذا التح ّول وهذا التغري الذي بدأ عرصه يقرتب لكل‬
‫ذي بصرية و برص؟‪.‬‬

‫‪11‬‬

‫الخميس ‪ 10‬جانفي ‪ - 2019‬املوافق لـ ‪ 2‬جامدى األول ‪ - 1440‬العدد ‪75‬‬

‫حوار محمود املسعدي لجريدة ميسّيون التونسية‬
‫الناطقة بالفرنسية سنة ‪11948‬‬
‫ترجمة‪ :‬األسعد الواعر*‬

‫ميسيون‬
‫تقديم الرتجمة‪ :‬نرشت جريدة ّ‬
‫(‪ ،)Mission‬الرسالة‪ ،‬يف عددها الصادر يوم‬
‫‪ 22‬سبتمرب ‪ 1949‬هذا الحوار لألديب محمود‬
‫املسعدي‪ .‬ارتأينا ترجمته إىل اللغة العربية‬
‫حتى تنكشف لنا أكرث اهتاممات هاته‬
‫الشخصية الخالّقة واملبدعة يف رواياتها التي‬
‫أضحت كالسيكية يف العامل العريب مثل رواية‬
‫«الس ّد « أو رواية « ح ّدث ابو هريرة قال «‪ .‬هي بالفعل اهتاممات‬
‫شتّى بعضها معلوم مثل كتاباته االبداعية أو نشاطاته الرتبوية‬
‫وبعضها الزال مجهوال مثل اهتامماته النقابية والسياسية‪ ،‬فاملسعدي‬
‫كان يف فرتة إدالئه بهذا الحوار الكاتب العام املساعد لالتحاد العام‬
‫التونيس للشغل أي الكاتب العام املساعد للمرحوم فرحات حشاد‪.‬‬
‫يف صلب االتحاد ّأسس املسعدي مع رفاق له جامعة التعليم سنة‬
‫‪ 1947‬التي مل تكن فقط نقابة تدافع عن الحقوق املادية واملعنوية‬
‫للمد ّرسني بل مخربا فعليا إلنشاء تص ّورات علمية بيداغوجية للتعليم‬
‫يف تونس يف مراحله الثالثة‪ .‬ثم إ ّن هذه الجامعة قد شكّلت‪ ،‬بكلّ ثقة‬
‫يف النفس‪ ،‬موقفها من التعليم العرصي والتعليم الزيتوين التقليدي‬
‫وهو ما سيكشف عنه هذا الحوار‪.‬‬
‫مالحظة ‪ :1‬جميع الهوامش املوجودة أسفل الحوار‬
‫من وضع املرتجم‪.‬‬
‫ميسيون‬
‫جريدة‬
‫نسخة‬
‫لقدم‬
‫ا‬
‫ر‬
‫مالحظة ‪ :2‬نظ‬
‫ّ‬
‫(الرسالة) التي بحوزتنا فإ ّن بعض الكلامت كانت‬
‫ساقطة فيها مع األسف‪ .‬أرشنا اليها بالعالمة [‪.]...‬‬
‫يوم قبل العودة املدرسية‪ ،‬رفيقنا محمود املسعدي‬
‫رصح‬
‫رئيس الجامعة القومية للتعليم التونيس ي ّ‬
‫لنا ‪:2‬‬
‫عاد إىل تونس منذ بضعة أيّام رفيقنا محمود‬
‫املسعدي الكاتب العام املساعد لالتحاد العام‬
‫التونيس للشغل ورئيس الجامعة القومية للتعليم‬
‫التونيس ولقد كان موجودا يف أوروبا حيث أ ّدى‬
‫مهمة نقابية مبيالنو ثم قىض يف فرنسا بعض أسابيع‬
‫خصص جزءا منها للراحة وجزءا آخر ألبحاثه وأعامله‬
‫ّ‬
‫الشخصية‪ .‬رأينا أنه من املفيد لق ّرائنا االطّالع عىل‬
‫الترصيحات التي تفضّ ل باإلدالء بها ألحد املتعاونني‬
‫معنا‪.‬‬
‫السؤال األول‪ :‬باعتبارك عضوا يف البعثة التونسية‬
‫التي حرضت املؤمتر األخري للجامعة الدولية‬
‫للنقابات‪ ،‬ما هي االنطباعات التي تركها لديك هذا‬
‫املؤمتر ؟‬
‫عدت كرفيقي فرحات حشاد من مؤمتر الجامعة‬
‫تخص‬
‫الدولية للنقابات‪ 3‬بانطباعات مشجعة‬
‫ّ‬
‫مستقبل الطبقة العاملة بصفة عامة والطبقة‬
‫العاملة التونسية بصفة خاصة‪ ،‬برهنت أثناءه الحرك ُة‬
‫النقابية الوطنية‪ ،‬االتحاد العام التونيس للشغل‪ ،‬عىل‬
‫أ ّن الحركة النقابية التونسية تُقارن نفسها بأقدم‬
‫الحركات النقابية يف أوروبا وغريها نظرا لنضجها‬
‫ووعيها بحقوقها وواجباتها‪ ،‬كام إ ّن دورها يف اإلعداد‬
‫يقل أهمية عن دور أيّة حركة‬
‫ملستقبل تونس ال ّ‬
‫تق ّدمية أخرى يف أ ّي من البلدان األخرى‪.‬‬
‫السؤال الثاين‪ :‬باعتبارك رئيس الجامعة القومية‬
‫للتعليم التونيس‪ ،‬هل بإمكانك أن تح ّدثنا عن نشاط‬
‫جامعتكم ماضيا وحارضا ؟‬
‫تأسست جامعتنا الفتية منذ سنتني فقط لتضطلع‬
‫ّ‬
‫مبهماّ ت جسيمة‪ :‬مشاكل الدفاع عن الحقوق املادية‬
‫واملعنوية ملنخرطيها ومشاكل إصالح التعليم يف‬
‫تونس يف كامل درجاته ومشاكل أخرى أكرث عمومية‬
‫تتعلّق مبستقبل الثقافة يف البالد الخ‪ .‬يف مستوى أ ّول‬

‫إذن كان عىل جامعتنا أن تؤ ِّمن‪ ،‬يف النطاق الضيّق‬
‫الذي ُسمح به‪ ،‬الدفاع عن منخرطيها أمام « لجنة‬
‫الوظيفة العمومية « من أجل أن يُحظي أعوان‬
‫التعليم باملكانة الجديرة بهم يف سلّم املوظفني‪.‬‬
‫ويف مستوى ثان أكرث أهمية يف نظرنا‪ ،‬وهو مستوى‬
‫إصالح التعليم‪ ،‬فإ ّن مهمتنا قد استغرقت وقتا طويال‬
‫وكانت شديدة التعقيد وهي مستم ّرة إىل اآلن دون‬
‫انقطاع‪ ،‬فبفضل العمل الدؤوب لرفاقي يف اللجنة‬
‫التنفيذية بالجامعة متكّنا من أن نق ّدم منذ شهر‬
‫مارس املنقيض إلدارة التعليم مرشوعا متكامال‬
‫لإلصالحات وإلعادة هيكلة لكافة منظومات التعليم‬
‫االبتدايئ والثانوي والعايل والتقني‪.‬‬
‫أخريا ويف مستوى ثالث‪ ،‬نحن مجربون عىل رضورة‬
‫التفكري يف مستقبل الثقافة يف البالد عىل ضوء‬
‫املعطيات السياسية أ ّوال ثم املعطيات االثنية‬
‫واالجتامعية ثانيا‪ .‬ال نتص ّور أ ّن هذه املشكل‬
‫قد ُحظي إىل ح ّد اآلن باهتامم املثقفني يف هذه‬
‫البالد ولكننا نعتربه‪ ،‬نحن‪ ،‬مسألة حيوية‪ ،‬فالثقافة‬
‫املزدوجة التي أقيمت مبجرد وضع ثقافة بجانب‬
‫أخرى وكذلك اللغة املزدوجة التي هي أحد وجوه‬
‫عني تلك الثقافة املزدوجة تُعتَرب كلّها مظاهر غري‬
‫حل‬
‫عادية يف تونس‪ .‬عاجال أم آجال يجب أن يوجد ّ‬
‫طبيعي لذلك وهو ممكن عرب التأليف واإلدماج‬
‫املنسجمني داخل وحدة قادرة عىل إنقاذ أصالة‬
‫الثقافة العربية واإلسالمية يف هذه البالد مع إعطاء‬
‫وحي لتلك األصالة‪ ،‬وهو طابع كانت‬
‫طابع معارص ّ‬
‫قد توقّفت عن النهل منه داخل بقايا من املايض‪.‬‬
‫السؤال الثالث‪ :‬تح ّدثت عن مرشوع إلصالح التعليم‬
‫فهل بإمكانك أن تكشف لنا عن أفكاره العامة؟‬
‫لقد ُعرض مرشوع اإلصالحات الذي أرشت إليه عىل‬
‫إدارة التعليم العمومي وق ّدمنا خطوطه العريضة‬
‫أمام اللجنة الثقافية « للمجلس الكبري « ‪ 4‬أثناء‬
‫ينص هذا املرشوع بدقة عىل إعادة‬
‫دورته األخرية‪ّ .‬‬
‫تنظيم تواقيت التعليم االبتدايئ الفرنكو‪ -‬عريب‬
‫وبرامجه‪ .‬الفكرة الرئيسية يف ذلك هي تعريب [‪]...‬‬
‫ابتداء من الدروس األساسية‪ .‬نجد هاهنا داخل هذا‬
‫املجال اللساين تطبيقا ملبدأ التكيّف مع املحيط الذي‬
‫مثّل موضوع أشغال « األسبوع البيداغوجي « الذي‬
‫نظمته « إدارة التعليم العمومي « أثناء شهر أفريل‬
‫املنقيض‪ .‬نفس ذاك املبدأ قادنا إىل إعداد تنقيحات‬
‫يف الربامج وتحديدا يف الربامج املتعلقة مبواد « دروس‬
‫يف األشياء « ‪ 5‬والجغرافيا والتاريخ‪ .‬أ ّما يف ما يتعلّق‬
‫بالتعليم الثانوي فث ّمة رضورة لرتك أبواب الجامعات‬
‫األوروبية و خصوصا الجامعات الفرنسية مفتوحة‬
‫يف وجه من سيأيت مستقبال من الطلبة التونسيني‬
‫وهو أمر فرض علينا أن ال نقرتح عىل النظام الحايل‬
‫لألقسام التونسية سوى تنقيحات جزئية‪ :‬تعريب‬
‫تدريس علوم املالحظة يف األقسام الصغرى وكذلك‬
‫الرياضيات‪ ،‬وتدريس الجغرافيا وتاريخ العامل العريب‬
‫وتاريخ تونس باللغة العربية الخ‪ .‬يُختم هذا التعليم‬
‫ُحصل عىل‬
‫عاديا بالشهادة الثانوية التونسية التي ت ّ‬
‫جزئني كالبكالوريا‪ ،‬كام تحتوي مثلها عىل اختبارات‬
‫ذات مستوى مساو لها متاما‪ ،‬وهي اختبارات يف‬
‫تحرير مقاالت بالفرنسية والعربية‪ ،‬ويف الرياضيات‬
‫واللغات الحيّة والفلسفة العامة والفلسفة اإلسالمية‪.‬‬
‫نحن ال نفهم كيف يحدث أن يوجد يف بالد ما تعليم‬
‫قومي (تعليم ابتدايئ فرنكو‪ -‬عريب وتعليم ثانوي‬
‫تونيس) وال توجد فيها رغم ذلك شهادات قومية‬

‫لختم الدروس تكون مختلفة عن الشهادات األجنبية‬
‫من الناحية القانونية‪ ،‬ولكنها مساوية لها ثقافيا‪.‬‬
‫السؤال الرابع‪ :‬هل أفىض عملكم مع إدارة التعليم‬
‫العمومي واملجلس الكبري إىل نتائج ؟‬
‫وجد وفدنا تف ّهام لدى املجلس الكبري كام وجدنا‬
‫أيضا لدى إدارة التعليم العمومي ولدى الس ّيد بّاي‪6‬‬
‫تحديدا نفس التف ّهم‪ .‬لكن الحقيقة تجربين عىل‬
‫أن أقول أيضا أنّه مل تقع استشارة جامعتنا منذ أن‬
‫أودعت مرشوعها [‪ ،[...‬وع ّيل أن أضيف أنه قد بلغ‬
‫إىل مسامعنا أ ّن اجتامعا للمجلس الكبري س ُيعقد يف‬
‫نهاية هذا األسبوع‪ .‬نعتقد أ ّن مداوالت هذا املجلس‬
‫ستفيض إىل اتّخاذ قرارات من شأنها أن تبينّ السياسة‬
‫التعليمية للمدير الجديد للتعليم العمومي‪.‬‬
‫السؤال الخامس‪ :‬مل تنبسوا بكلمة حول التعليم‬
‫الزيتوين‪ ،‬فام الذي بإمكانكم قوله يف شأنه؟‬
‫ميثل التعليم الزيتوين عنرصا ذا أهمية يف منظومة‬
‫التعليم بتونس غري انّه يعمل بطريقة مختلفة‬
‫وذلك ألسباب عديدة‪ .‬يظل هذا التعليم يف صعيد‬
‫اهتامماتنا الرئيسية غري أننا مل نتمكن‪ ،‬نحن‬
‫والنقابات املعنية‪ ،‬من إعداد مشاريع دقيقة له‬
‫ألسباب تتعلق بالتنظيم الفعيل للعمل وبتوزيع‬
‫املهام يف األوقات‪ .‬عىل أيّة حال ليس هو املوضوع‬
‫الوحيد املاكث عىل قامئة االنتظار فنحن مل نتمكّن‬
‫إىل ح ّد اآلن من مبارشة املشاكل الضخمة املتعلقة‬
‫سينصب اهتاممنا‬
‫بنرش التمدرس يف البالد التونسية‪.‬‬
‫ّ‬
‫يف املستقبل عىل تلك املشاكل إضافة إىل مسألة‬
‫اإلصالح التي أتيت عليها والتي ستكون حتام‬
‫موضوع للنقاشات يف مؤمترنا السنوي القادم الذي‬
‫سينعقد يف الخامس والعرشين من هذا الشهر‪.‬‬
‫السؤال السادس‪ :‬سؤال أخري‪ ،‬ما رأيك يف « مؤمتر‬
‫الثقافة اإلسالمية « ‪ 7‬الذي بلغ خربه إىل أسامعكم‬
‫دون شك والذي انعقد مؤخرا مبدينة تونس تحت‬
‫إرشاف الخلدونية ؟‬
‫لقد ُد ِعيت جامعتنا إىل املشاركة فيه ولكننا مل‬
‫نتمكّن من اإلجابة عىل الدعوة‪ ،‬وبالتايل فليس يل‬
‫أن أبدي أ ّي رأي يف هذا املوضوع باسم الجامعة‪.‬‬
‫شخصيا مل أمتكّن من الحضور ألنني مل أكن ساعتها يف‬
‫تونس‪ ،‬غري أ ّن األصداء التي بلغتني تجعلني أعتقد‬
‫أ ّن مثل هذه املؤمترات ذات املواضيع املختلفة أكرث‬
‫من اللزوم والطموحة أكرث من اللزوم لن تكون‬
‫لها إال فوائد محدودة للثقافة العربية واإلسالمية‬
‫‪ 8‬ويف هذا السياق مل أفهم ملاذا متّت تسميته «‬

‫مؤمتر الثقافة اإلسالمية» ‪ 9‬بدل تسميته «مؤمتر‬
‫الثقافة العربية واملسلمة « ‪ .01‬إن تحدثنا ثقافيا‬
‫فإ ّن التمييز بني إسالم وعريب ‪ 11‬غري معقول داخل‬
‫البلدان املسلمة والناطقة بالعربية كام هو الحال يف‬
‫إفريقيا الشاملية‪.‬‬
‫رغم ذلك فإ ّن مثل تلك املؤمترات مرغوب فيها لكن‬
‫وفق رشوط ثالثة‪:‬‬
‫‪ -1‬أن تشمل مجموع البلدان العربية واملسلمة‬
‫(إفريقيا الشاملية و [‪.]...‬‬
‫‪ -2‬أن يجمع فعليا ليس فقط [‪ ]...‬لكن أيضا [‪]...‬‬
‫ممثلني عن [‪ ]...‬بلدان ذات ثقافة عربية وإسالمية‬
‫(‪.)musulmane‬‬
‫املستوفىَ‬
‫لعدد‬
‫‪ -3‬أن يعينّ موضوعه التف ّحص‬
‫محدود من املشاكل الثقافية األساسية‪.‬‬
‫أعتقد جيّدا أ ّن مؤمترا من هذا النوع ميكنه أن يركّز‬
‫أشغاله مثال عىل املناهج البيداغوجية يف جميع‬
‫البلدان العربية أو كذلك عىل مشكل تنظيم البحث‬
‫العلمي يف جميع املؤسسات الثقافية بإفريقيا‬
‫والرشق أو أيضا عىل مشكل تطوير القانون اإلسالمي‬
‫املعارص داخل ترشيعات تلك البلدان‪.‬‬
‫أجرى الحوار‪ :‬رياض (اسم مستعار)‪.‬‬
‫ميسيون‪ 22 ،‬سبتمرب ‪1949‬‬
‫جريدة ّ‬
‫(أستاذ بقسم الفلسفة بكلية اآلداب بالقريوان)‬

‫___________________________________________‬
‫‪ 1‬هذا العنوان من وضعنا (املرتجم)‪.‬‬
‫ميسيون»‪.‬‬
‫‪ 2‬هذا العنوان من وضع الجريدة « ّ‬
‫‪ 3‬الجامعة الدولية للنقابات‪ :‬معروفة بتسميتها الفرنسية ‪ .M .S .F‬أي‬
‫‪ . Mondiale Syndicats des Fédération‬انخرط االتحاد العام التونيس‬
‫للشغل يف هذه الجامعة يف جانفي ‪ 1949‬لكن رسعان ما سينسلخ عنها‬
‫فرحات حشاد يف جوان ‪ 1950‬لينظم االتحاد الحقا إىل منظمة السيزل‪.‬‬
‫عقدت تلك الجامعة مؤمترها الثاين مبدينة ميالنو االيطالية يف جوان ‪1949‬‬
‫ومثّل االتحاد فيه وفد يرتكب من فرحات حشاد ومحمود املسعدي والنوري‬
‫بودايل واملنجي سليم وعزوز الرباعي‪.‬‬
‫‪ 4‬املجلس الكبري‪ :‬مجلس سيايس أعىل يرتكب من ‪ 53‬مستشارا تونسيا و‬
‫‪ 53‬مستشارا فرنسيا‪.‬‬
‫‪ 5‬دروس يف األشياء‪ :‬مادة كانت تدرس يف املدارس الفرنكوفونية‬
‫والفرونكو‪ -‬عربية للتالميذ يف األقسام األوىل بالتعليم االبتدايئ يتهيئون من‬
‫خاللها لتلقي دروس يف مواد العلوم الطبيعية يف األقسام األعىل‪.‬‬
‫‪Paye .M 6‬‬
‫‪ 7‬مؤمتر الثقافة اإلسالمية‪islamique Culture de Congrès :‬‬
‫‪ 8‬الثقافة العربية واإلسالمية‪musulmane arabo Culture La :‬‬
‫‪ 9‬مؤمتر الثقافة اإلسالمية‪islamique Culture de Congrès :‬‬
‫‪ 10‬مؤمتر الثقافة العربية واملسلمة‪-Arabo Culture la de Congrès :‬‬
‫‪musulmane‬‬
‫‪ 11‬اسالم و عريب‪Arabe et Islam :‬‬
‫‪--------------------------------------------------------‬‬‫صورة نادرة ملحمود املسعدي واىل جانبه زرجته رشيفة املسعدي أثناء‬
‫انعقاد املؤمتر الثالث لالتحاد العام التونيس للشغل يف أفريل ‪ ،1949‬وهي‬
‫أ ّول امرأة تونسية متارس العمل النقايب‪ .‬مصدر الصورة‪ :‬جريدة « الحرية‬
‫«‪ 24 ،‬أفريل ‪.1949‬‬

‫‪12‬‬

‫الخميس ‪ 10‬جانفي ‪ - 2019‬املوافق لـ ‪ 2‬جامدى األول ‪ - 1440‬العدد ‪75‬‬

‫وجوه ورؤى‪ :‬يف الفن والثقافة‬

‫ركن جديد تستضيف فيه منارات أصحاب المبادرات الخالقة والرؤى المميزة في الثقافة والفن‪...‬فاإلبداع سليل الحرية والحرية ال حدّ لها‬
‫‪...‬آفاق منفتحة على ممكنات الخلق والخيال ‪...‬ممكنات تستوجب العناية والتقدير‪.‬‬

‫ماجدة السباعي‬
‫هي شخصية استثنائية صلتها باألدب والثقافة من باب‬
‫العشق والولع التلقائيني‪ ،‬ذلك العشق الذي منا مع الذات‬
‫يف مراحل تكوينها والتبس مع مسريتها‪ ،‬حكمة الطب‬
‫كمهنة نبيلة مل متنع تجليات الوجود والوجدان شعرا ونرثا‬
‫وتفاعال مع الحاصل املتعرج يف واقعنا املتسارع‪...‬‬
‫أن تكون طبيبا متمرسا‪ ،‬أن تختار العمل يف املستشفيات‬
‫العمومية فأنت «مالك رحمة» باملعنى الحقيقي وليس‬
‫املجازي للعبارة‪ ،‬خيار مقاومة يف زمن االنتكاس‪ ،‬وقوفا‬
‫عىل حافة الرمز والتضحية واملعنى يف زمن التجارة‬
‫واملكس والوكس‪...‬‬
‫أن تكون مثقفا تحمل هواجس السؤال وراية الحرف‬
‫وجودا ووجدانا‪ ،‬وتقلب اللحظة بني نقائضها‪...‬‬
‫سعداء باستضافة الطبيبة الشاعرة املثقفة ‪...‬التي استبقتها نصوصها الجميلة العميقة‬
‫فكانت طليعة كيانها ‪...‬تداعيات حرة حول املسرية الرثية بني الطب واألدب‪ ،‬معاناة‬
‫القطاع العمومي وزحف القطاع الخاص‪« ...‬منارات»‬
‫الكتابة هي مقاومة للعدم وسالح ضدّ االندثار وشكل‬
‫من أشكال تموْ ُقع االنسان في العالم‬
‫هي وقاية من تبلّد الذات االنسيّة ‪ .‬كتابة املنت األديب سواء كان‬
‫شعرا أونرثا أورسدا روائ ّيا هي فعل ثقا ّيف والثقافة رأس مال رمز ّي‬
‫صالح لكلّ االمكنة وكلّ االزمنة وركيزة أساس ّية للحضارات مثل ما‬
‫هوالشّ أن بالنسبة لبقيّة التّعبريات الثقافية وبقيّة الفنون من مرسح‬
‫وموسيقى ورقص ورسم وسينام كام أنّها همزة وصل بني الشّ عوب‬
‫وأداة تواصل بني ال ّناس وبني األحقاب ‪.‬‬
‫الكتابة الشعرية عىل اختالف أنواعها عادة ما تعبرّ عن هواجس‬
‫فرديّة أوجامعيّة وفيها عمليّة اقتناص للحظة الشعريّة الفارقة‬
‫ترتكبها الذات الشعرية بعفويّة ومبهارة يف نفس الوقت وتح ّولها‬
‫إىل صورة شعريّة ناطقة ولطاملا قارن الكثري الشعر بالوحي وتكلّموا‬
‫عن شيطان الشّ عر ووصفوا الحالة الشعرية بالجنون أل ّن ما يقوله‬
‫الشّ اعر ليس عاديّا ويخرج عن طور املألوف واملعتاد واملستعمل‬
‫اذ عادة ما يجرتح الشاعر اختالجات متعلّقة باملنشود واملحلوم‬
‫به ويسرب أغوار ذاته املتش ّعبة العص ّية بأساليب كالمية تحايك‬
‫تش ّعباتها‪ ،‬فيها املجاز واالستعارة والكناية الخ‪ ..‬كام أ ّن الشعر‬
‫السؤال وإشكاليّات‬
‫الحقيقي يصيبنا بالدهشة واالرتباك ويولّد فينا ّ‬

‫القلق الوجودي وهذا يُحيلنا اىل سلطة‬
‫اللغة وأثر الكلمة إذ ال يشء يتغيرّ إالّ عن‬
‫طريق الكلمة ‪ ،‬أمل يقل يف القرآن ‪ « :‬اقرأ «‬
‫وأمل يَرِد يف التّوراة ‪ »:‬يف البدء كانت الكلمة‬
‫« ويُحيلنا أيضا اىل ماه ّية الذات الشاعرة‬
‫وهنا ميكن للشاعر ان يقول ‪ »:‬أنا أشعر فأنا‬
‫موجود» متاهيا مع الكوجيطوالديكاريت‬
‫« أنا أفكّر‪ ،‬اذن أنا موجود « ‪.‬هذه الذات‬
‫الشاعرة مرتبطة بالوجود الشّ عري وهي ال‬
‫تصف الواقع بل تعيشه وتلتحم بتفاصيله‬
‫وتكون مرتبكة ومتوتّرة ومرتبّصة بنا تو ّرطنا‬
‫يف قلقها وتوتّرها ‪ .‬وهكذا يف اقرتانها بالواقع‬
‫املعاش تتبلور التجربة الشعرية وتتشكّل‬
‫ومتثّل رسالة مزدوجة بالنسبة للذات الشاعرة‬
‫وبالنسبة للذات القارئة ‪ .‬فالشّ عر مبا هوشكل‬
‫تعبري ّي عن كلّ ما يخالج ال ّروح وما يعرتيها فهوترصيف ص ّحي‬
‫لشحنة الضّ غط ال ّنفيس الذي أصبح ظاهرة يوم ّية وهوتسامي‬
‫عن التوتّر والتش ّنج ولحاالت ال ُعصاب النفيس الذي مت ّيز الحضارة‬
‫ال ّراهنة املوصومة بالعنف وثقافة املوت وبال ّرداءة وتقهقر القيم‬
‫واملبادئ والرت ّدي يف فخاخ العوملة وال ّرأساملية واالمربيالية الجديدة‪.‬‬
‫وإزاء استفحال األزمات بأنواعها فأينام ولّيت وجهك قبلة تبتغي‬
‫من خاللها الوقوف عىل جميل حسن تسموبه نفسك عن الوضاعة‬
‫متأسفا متحسرّ ا ُمحبطا وبالتايل‬
‫والقبح املق ّنع وال ّرداءة إالّ وعدت ّ‬
‫نتبينّ رضورة إيجاد وصنع أدب أزمات ال يقترص فقط عىل تشخيص‬
‫األزمات ووصفها وترشيحها وإنمّ ا يعمل عىل طرح بدائل اذ من‬
‫املمكن تغيري العامل من خالل شعلة القصيدة والنفخ يف جذوة‬
‫ثقافة الحياة والجامل والعدل والحريّة وهنا يتخّذ الشعر لنفسه‬
‫دورا رياديّا نضاليّا دون ال ّنزول اىل متاهات النخبويّة والشّ عبويّة‬
‫ودون التخليّ عن مق ّومات االبداع وذلك من خالل أسلوب مناسب‬
‫راقي بعيد عن االبتذال والسوق ّية ومن خالل رؤية وتص ّور يعبرّ عنه‬
‫الشاعر ويرسمه بحريّة ومبنأى عن املزايدات واملساومات ودون لعق‬
‫السلطان‬
‫ال ّنعال والتم ّرغ عىل عتبات ّ‬
‫من العجب أ ّال يكتب ّ‬
‫الطبيب أدبا راقيا وهوفي خضمّ‬
‫الحياة وفي تماسّ مباشر مع معاناة البشر‪.‬‬
‫حني توجد امللكة تصبح خربة الطّبيب النفسيّة رافدا يرثي تجربته‬
‫غني‬
‫األدب ّية ومي ّدها بغذاء حيو ّي ّ‬

‫وخاصة الكتابة ليست حكرا عىل فئة برشيّة مع ّينة‬
‫الفعل الثقايف ّ‬
‫إالّ أنّه يشرتط توفّر املوهبة وامللكة األدبية عند الكاتب واختزال‬
‫املمكنات الخيالية الكامنة يف الذهن البرشي لصالح الكتابة ليكون‬
‫املنجز الثقايف ابداعا تستسيغه الذات القارئة ويتالءم مع الذوق‬
‫وتنتيش به املهج ويستلزم جاملية لغويّة ليدغدغ أوتار ال ّروح املتلقّية‬
‫ومراكز االلتقاط وقد تبينّ من خالل التّجارب االبداعية محل ّيا وكون ّيا‬
‫أ ّن التّكوين األكادميي ليس دامئا رشطا أساسيّا يف نجاعة األثر األديب‬
‫ومدى تأثريه عىل الق ّراء أل ّن األدب وهوخالصة املعاش الوجودي‬
‫والوجداين وعصارة التجربة االنسانية املشرتكة ‪ ،‬ال ميكن أن يكون‬
‫التخصص وهي سمة االنسان ‪ .‬وقد‬
‫تخصصا طاملا يخاطب عدم ّ‬
‫ّ‬
‫كانت لدراسة الفلسفة مزايا عديدة يف حصيلة متثّاليت ألنّها علّمتني‬
‫أنّه ال ميكن الفصل بني ماهوذايت وما هوموضوعي يف االنسان الذي‬
‫ميثّل كينونة متكاملة ال تتج ّزأ والذي هوخليط بني العقل واإلحساس‬
‫‪ ،‬بني الفكر واملشاعر ومن مث ّة ليس غريب أن يكون الطّبيب شاعرا‬
‫أوكاتبا روائيا ومث ّة أطبّاء أدباء كثريون ع ّرفنا إليهم التاريخ منذ‬
‫العصور القدمية وصوال إىل زمننا الحارض‪ .‬نذكر عىل سبيل الحرص ال‬
‫الع ّد ابن سينا ‪ ،‬حنني ابن اسحاق ‪،‬ابن زهر األندليس ‪ ،‬ويف أوروبا‬
‫الصدارة يف أملانيا يف القرن السابع عرش‪،‬‬
‫بول فليمينغ من شعراء ّ‬
‫ادوارد جينز االنجليزي مكتشف لقاح الجدري يف القرن الثامن عرش‬
‫‪ ،‬البولندي نيكوالس كوبرنيكوس‪ ،‬الفرنسيان فرانسوا رابليه وجورج‬
‫ديهاميل عضواألكادميية الفرنس ّية ‪ ،‬آرثر كونان دويل وليام سومرست‬
‫موم ‪ ،‬ابراهيم ناجي كاتب قصيدة األطالل ‪ ،‬أحمد زيك أبوشادي‬
‫مؤسس مدرسة أبولوالشعرية وأ ّول رئيس تحرير ملجلّة العريب‬
‫الكويتية ‪ ،‬ومن سوريا عبد السالم العجييل وجميل البارودي من‬
‫مرص يوسف ادريس ‪ ،‬أجمد خالد توفيق ‪ ،‬نوال السعداوي والقامئة‬
‫طويلة ‪.‬‬
‫الطب زوجتي واألدب عشيقتي «هكذا يصف‬
‫يقول تشيكوف « ّ‬
‫بالطب واألدب ‪ ،‬أ ّما الطبيب الكاتب‬
‫عالقته‬
‫الطبيب األديب ال ّرويس‬
‫ّ‬
‫العراقي فخري ال ّدباغ فيشري يف مق ّدمة كتابه « األط ّباء األدباء « إىل‬
‫أنّه من العجب أالّ يكتب الطّبيب أدبا راقيا وهويف خض ّم الحياة ويف‬
‫متاس مبارش مع معاناة البرش‪ .‬حني توجد امللكة تصبح خربة الطّبيب‬
‫ّ‬
‫غني كام‬
‫ي‬
‫حيو‬
‫بغذاء‬
‫ها‬
‫د‬
‫ومي‬
‫ة‬
‫ي‬
‫األدب‬
‫تجربته‬
‫يرثي‬
‫افدا‬
‫ر‬
‫ة‬
‫ي‬
‫النفس‬
‫ّ ّ‬
‫ّ‬
‫ّ ّ‬
‫أنّه من املفروض أن يكون الط ّبيب ذا ثقافة موسوع ّية تفرضها عليه‬
‫طبيعة مامرسته واحتكاكه اللّصيق بكلّ الفئات العمريّة والرشائح‬
‫االجتامعية واكتسابه لرهافة وشفافية يف عالقته مع املرىض وقد‬
‫خرب مفارقات الحياة وكنه ماهية املوت السرّ يري والرمزي والطبيب‬
‫املثّقف أقرب إىل املثقف العضوي باملفهوم القراميش للكلمة‬
‫وهومن يتعامل مع األعضاء ويخاطبها بف ّنه وتقنياته ويكنه‬
‫خصائصها ووظائفها وتجاذباتها البيولوجية مع النفس البرشية‪،‬‬
‫فالطبيب تتاح له الفرصة أكرث من أ ّي انسان آخر أن يتل ّمس مشاكل‬
‫ويتحسس آالم الغري واختالجات النفس ‪ .‬يقول سومرست‬
‫مجتمعه‬
‫ّ‬
‫السياق « لست أعرف ميدانا للكاتب أفضل من أن‬
‫موم يف هذا ّ‬
‫الطب ‪ ،‬قد تعرف الكثري عن الطبيعة‬
‫يقيض بعض سنوات يف مهنة ّ‬
‫السيطرة‬
‫كاميل‬
‫أناسا‬
‫هنالك‬
‫تلتقي‬
‫البرشيّة يف مكتب املحامي لك ّنك‬
‫ّ‬
‫عىل ال ّنفس أ ّما الطبيب فيستطيع أن يدرس طبيعة اإلنسان عارية‬
‫مج ّردة أل ّن املريض يزيل كلّ تظاهر أوتكلّف «‬
‫مل يكتفوا بتخفيض املوارد املاديّة والبرشية الداعمة للقطاعات‬
‫العمومية وإنمّ ا عمدوا إىل تغيري الربامج واملخطّطات التّنظيمية‬
‫والهيكلية ومنهجيات تسيري املؤسسات التعليمية والصح ّية وذلك‬
‫من أجل تهميشها وتدجينها وتتفيهها‬
‫ندرك متاما أ ّن الطبيب قبل أن يكون طبيبا تقنيّا عاملا ميارس ف ّنه‬
‫ويط ّبق معارفه العلمية التي اكتسبها بالدراسة فيداوي ويخفّف‬

‫‪13‬‬
‫آالم املرىض ويستعمل املشارط‬
‫ليستأصل األورام وال ّزوائد واللحم‬
‫الصعب‪،‬‬
‫العليل هوإنسان ومن ّ‬
‫من الغريب ومن الفضاعة بقدر‬
‫الحس‬
‫أن يستأصل إنسانيته وذلك ّ‬
‫االنساين املشرتك الذي يجمعه باآلخر‬
‫خاصة حني ال تغيب لحظة عن خلدنا‬
‫ّ‬
‫أن الطبيب ميرض ويسقم وميوت‬
‫مثل بني جنسه ‪ .‬ولطاملا اتّسمت‬
‫مهنة الطبيب منذ القديم بنوع من‬
‫القداسة والهيبة االجتامعية انطالقا‬
‫من قدرته عىل املداواة والتخفيف‬
‫الطب سلطة مهابة واكتىس‬
‫ومثّل‬
‫ّ‬
‫األطباء هالة من االعجاب والتقدير‬
‫والتّبجيل يف كلّ املجتمعات واألدب ّيات‬
‫العاملية تزخر بتمجيد الطبيب ‪.‬‬
‫واقرتنت املهنة بقيم الغرييّة والخري‬
‫والتطوعية والتضحية عىل ال ّرغم من‬
‫التّعب واإلرهاق واملعاناة‬
‫لكن العامل تغيرّ ‪ ،‬ويف أواخر ال ّنصف‬
‫وخاصة‬
‫الثاين من القرن العرشين‬
‫ّ‬
‫السوفيايت وبروز‬
‫بعد انهيار القطب ّ‬
‫العوملة وظهور التّنظيم العاملي‬
‫الجديد والحرب الباردة وصناعة‬
‫إعالم مرتزق‪ ،‬تقهقرت كلّ القيم وبان‬
‫باملكشوف استبداد الرأس مال املادي‬
‫بالعقول وال ّنفوس وبات كلّ يشء‬
‫مسموح به من أجل ال ّربح املا ّدي‬
‫عىل حساب كلّ القيم والثّوابت التي‬
‫صارت متح ّولة ‪ .‬استفحلت هذه‬
‫املتغيرّ ات التاريخية يف بداية القرن‬
‫الواحد والعرشين وفرضت الدول‬
‫صاحبة النفوذ االقتصادي وصاحبة‬
‫القرار وضعا جديدا تتحكّم فيه‬
‫الشرّ كات الكربى العامل ّية وتتنفّذ فيه‬
‫اللّوبيات العامل ّية وصار ال ّربح املادي‬
‫سيّد الغايات‪.‬محليّا كان لهذا الوضع‬
‫خاصة منذ الرشوع يف اللعبة‬
‫تداعياته ّ‬
‫الكربى املسماّ ة بالربيع العريب الذي‬
‫أفرز تراجعا اقتصاديّا خطريا وتضخّم‬
‫وازدياد نسبة البطالة ومنسوب الفقر‬
‫وعملت سياسات التبعيّة الخاضعة‬
‫لإلمالءات الخارجية وألجندات‬
‫مسبقا عىل ايجاد حلول‬
‫مسطّرة ّ‬
‫واهية تعكس فشال ذريعا يف امتصاص‬
‫االزمة وت ّم اللجوء اىل خوصصة الكثري‬
‫من املؤسسات التابعة آنفا للدولة‬
‫والتّفويت يف أخرى وبيع بعضها‬
‫اآلخر للخ ّواص ولجهات أجنبيّة ومل‬
‫يتوانوا يف رضب القطاعات العمومية‬
‫الحساسة مثل التّعليم والص ّحة‬
‫ّ‬
‫من أجل تغ ّول الخواص غري عابئني‬
‫مبصالح الفئات الفقرية وامله ّمشة‬
‫واملحتاجة ألدىن الخدمات العمومية‬
‫واملحتاجة للعيش بكرامة ‪ .‬مل يكتفوا‬
‫بتخفيض املوارد املاديّة والبرشية‬
‫الداعمة للقطاعات العمومية وإنمّ ا‬
‫عمدوا إىل تغيري الربامج واملخطّطات‬
‫التّنظيمية والهيكلية ومنهجيات‬

‫الخميس ‪ 10‬جانفي ‪ - 2019‬املوافق لـ ‪ 2‬جامدى األول ‪ - 1440‬العدد ‪75‬‬

‫تسيري املؤسسات التعليمية والصحيّة‬
‫وذلك من أجل تهميشها وتدجينها‬
‫وتتفيهها وبذلك يهجرها املواطن‬
‫مجربا أومخيرّ ا اىل الخواص ‪ .‬أمام هذا‬
‫التّسونامي املخ ّرب ملكتسبات شعبنا‬
‫والهادم لألمل يف العيش الكريم‪ .‬الب ّد‬
‫أن يستميت أحرار الوطن وحرائره يف‬
‫الذّود عن أحقية أكيدة يف التعليم‬
‫تنص عىل ذلك ال ّدساتري‬
‫والص ّحة كام ّ‬
‫بكلّ الوسائل وآليّات املقاومة‬
‫السلم ّية وأضعف األميان هوال ّنضال‬
‫بالقلم والحرب ‪ ،‬بالكلمة الح ّرة بثقافة‬
‫وتصب فيه‬
‫وطنيّة تنبع من واقعنا‬
‫ّ‬
‫‪ ،‬تتامهى مع الحداثة وتعمل عىل‬
‫تكريس حقوقنا وهويّتنا وتسعى إىل‬
‫نرش وعي حقيقي مبا علينا وما لنا مع‬
‫دحض كلّ القوى ال ّرجعية التي تش ّدنا‬
‫اىل الخلف ‪ .‬كام ال يجب أن ننقاد‬
‫بسهولة لإلستقالة والهجرة والتخليّ‬
‫عن مسؤوليتنا أمام األجيال القادمة‬
‫وأمام الوطن ‪ ،‬هذا الوطن الذي مهام‬
‫أكل أجمل بناته وأوالده يظلّ وكرنا‬
‫الذي نحتاج دفءه‪ .‬نحن بحاجة‬
‫الصعب اىل‬
‫يف هذا ال ّراهن املتح ّول ّ‬
‫صنع الذّات الفاعلة التي تعمل عىل‬
‫إعادة ترتيب األوراق‪ .‬العمل واالبداع‬
‫ونرش ثقافة الحياة واملح ّبة والجامل‬
‫من أجمل ال ّنضاالت عىل االطالق‬
‫‪ .‬ليسقط األنا الخامل املتعجرف‬
‫لينبعث األنا املبدع املتوهج‪.‬‬
‫انفرط العقد‬
‫حبّة ‪...‬حبّة‬
‫حول جيد الوطن‬
‫نظموه بخيوط أرملة العنكبوت‬
‫السوداء‬
‫ّ‬
‫يف ليل دامس‬
‫×××××××××‬
‫ال تنزع حذاءك‬
‫وأنت تعرب الشرّ يان لتدخل قلبي‬
‫ال تفكّر باإلزعاج‬
‫العصافري التي التحفت بالشّ غاف‬
‫ونامت‬
‫طارت‬
‫ال داعي للحذر‬
‫ال تنزع حذاءك‬
‫وال تبايل مبا ميكن أن يعلق به‬
‫قلبي ليس مسجدا‬
‫قلبي آغورا‬
‫وفيه جدال فلسفي‬
‫وعروض موسيقى‬
‫وكرنفاالت‬
‫الصخب‬
‫يحب ال ّرقص و ّ‬
‫قلبي ّ‬
‫ويقول لك‬
‫ادخل راقصا وارضب بحذائك‬
‫عىل إيقاع فالمينكو‬
‫يف رحاب ال ّروح فستان أندلسيّة‬
‫ووردة حمراء‬

‫المعرض الشخصي للفنانة التشكيلية و الخزافة عواطف ريدان‬

‫«على إيقاع الزمن»‬

‫في رواق يحيى للفنون بالبالماريوم تونس‬
‫من ‪ 27‬ديسمبر ‪ 2018‬إلى غاية ‪15‬جانفي ‪2019‬‬

‫عواطف ريدان‬
‫فنانة تشكيلية متخرجة من املعهد العايل للفنون الجميلة‬
‫بتونس اختصاص خزف‪ ،‬متحصلة عىل شهادة املاجستري يف علوم‬
‫وتقنيات الفنون‪ ،‬عضو يف اتحاد الفنانني التشكيليني‪،‬‬
‫شاركت يف العديد من املعارض الجامعية داخل البالد وخارجها‬
‫استقبلت سنة ‪ 2019‬مبعرض شخيص للخزف الفني تحت عنوان‬
‫«عىل إيقاع الزمن» يحتوي عىل ‪ 32‬عمال خزفيا‪ ،‬أعامال ثنائية‬
‫وثالثية األبعاد ترتاوح بني البساطة والعمق تطرح قضية الزمن‬
‫؛ الزمن ايقاعاته وأوزانه ‪ ،‬املايض والحارض فيه ‪ ،‬ليونته وقساوته‬
‫ثنائيات عديدة ومتعددة تعرتضنا وتثري فينا تساؤالت نبحث لها‬
‫عن إجابة بالفعل التشكييل االبداعي‪.‬‬

‫الخلق من الطين‪:‬‬

‫تطويع مادة الطني اللينة والتشكيل املتكرر لنفس الشكل‪،‬‬
‫الشكل الدائري الذي أردته أن يرسخ لفكرة االستمرارية والخلود‪.‬‬
‫الخلود يف الخزف يتجىل يف الحرق أي إدخال األعامل إىل النار‬
‫فتتحول املادة من الليونة إىل الصالبة‪ ،‬من مادة قابلة للتحلل‬
‫واالندثار والرجوع إىل األصل ماء وطني إىل مادة غري عابئة‬
‫بالزمن وخفاياه‪ ،‬متشبثة بالحياة‪.‬‬

‫الطالءات اللونية‪:‬‬
‫األكسدة و التزليج‬

‫يف مرحلة ثانية من الفعل التشكييل الخزيف اعتمدت يف أعاميل‬
‫عىل املرونة والتلقائية عند استعامل املادة اللونية واستغالل‬
‫سيولتها وتراكمها للبحث املتواصل عن املتعة التشكيلية‬
‫والصدفة البناءة املرثية للعمل الفني عند تقارب األلوان‬
‫ومصاهرتها حينا وتنافرها وتضادها أحيانا‪.‬‬
‫التزليج يف أعاميل الخزفية يرتاوح بني الفعل القصدي والفعل‬
‫العفوي أعتربه بحث مستمر عام يشد العني يبهرها ويغريها‬
‫فتطويع األلوان واملزج بني الشفافية والدكانة واالضاءة والظلمة‬
‫أمر صعب املنال يف الخزف الفني يتطلب خضورا مستمرا قلبا‬
‫ينبض حبا للخزف ولهذه املادة العنيدة‪.‬‬

‫إيقاع الحياة‪:‬‬
‫بين الماضي والحاضر‬

‫تتقارب وتتقابل األعامل الخزفية املتكررة شكال واملختلفة‬
‫حجام ومضمونا‪ ،‬تتآلف وتتزاوج تذهب بنا يف رحلة عرب الزمن‬
‫نكتشف من خاللها عوامل ورؤى مختلفة خيالية حينا وواقعية‬
‫أحيانا تخرج من النار إىل النور بفعل تشكييل يف حركة دامئة‬
‫فيها اكتشاف للذات ولآلخر حيث تكون كل القراءات مرشوعة‬
‫وممكنة ألننا أمام بناءات كروية متحركة ومتموجة منترشة يف‬
‫الفضاء تقبل التأويل تنقل األحاسيس والرؤى إىل عوامل عديدة‬
‫أخرى‪.‬‬

‫‪14‬‬

‫الخميس ‪ 10‬جانفي ‪ - 2019‬املوافق لـ ‪ 2‬جامدى األول ‪ - 1440‬العدد ‪75‬‬

‫حوار «منارات» األدبي مع الشاعر نور الدين عزيزة‬

‫ال نذكر أن هناك ثورة يف التاريخ أبقت على النظام املخلوع يف أعلى وال أدنى مناصب الدولة‬

‫هو شاعر وأديب وناقد ممتلئ بتجربة طويلة وثرية ومسرية حافلة ‪ ،‬رسقه األدب‬
‫مبكّرا من العلوم ‪ ،‬اشتغل بتدريس األدب قبل أن يعمل يف امليدان الثقايف ‪ ،‬عرف‬
‫مبواقفه املناهضة للديكتاتورية ولكن مثل أكرث املثقفني أصيب بعد الثورة بخيبة‬
‫وهو يراها تحيد عن مسارها أنتج عدّة دواوين شعرية من أبرزها «الحفر يف أرض‬
‫صخرية « و»هل أتاكم حديث الخيول « باإلضافة إىل كتاب يف العروض ‪ ،‬كتب‬
‫قصصا لألطفال مثل «الحامر والثور « و»الصقر الظامل « ومن أعامله الالفتة أيضا‬
‫مرسحية «الوزير « ‪ .‬صدرت له أخريا مجموعة شعرية « زرقاء الياممة وحصان‬
‫قرطاجة « كشف فيها عن حرية وجودية تجاه واقع غرائبي متناقض‪ .‬مع هذا‬
‫املبدع املتم ّيز كان ملنارات هذا الحوار العميق الذي يؤكّد أن املبدع ناقل خطري‬
‫للحقيقة ‪»...‬‬
‫رشيدة الشارين»‬
‫‪ 1‬ـ غيّرت مسار دراستك من العلمي إلى األدبي‪ ،‬هل انتصرت‬
‫ّ‬
‫مبكرا لروح المبدع فيك؟‪.‬‬
‫لنقل إنني انترصت الهتاممايت األدبية يف النهاية بدال من اهتاممي بالعلوم‪،‬‬
‫أما إبداعيا فإن العلم كام األدب إبداع‪ .‬وال يفصل يف نظري بني العلم والفن‬
‫عامة‪ ،‬سوى خيط رفيع جدا ال يكاد يرى ذلك أن آلة اإلبداع واحدة هي هذا‬
‫العقل البرشي العجيب فكم من عامل هو أديب يف الوقت نفسه أو بدأ أديبا‪،‬‬
‫وكم من أديب عامل ويف هذا السياق ميكن أن نذكر ليوناردوا دافنيش أالذي‬
‫كان رساما ومهندسا ونحاتا ومعامريا‪ ،‬أو ألربت آينشتاين الذي عرف بولعه‬
‫باملوسيقى حتى ظن بعضهم أن شهرته تعود إىل براعته يف العزف عىل الكامن‬
‫وليس لوضعه نظرية النسبية‪.‬لنقل إنني كنت أخطط ألكون مهندسا يف علم‬
‫الكيمياء عندما التحقت باملدرسة الوطنية للمهندسني بتونس ألجد نفيس بعد‬
‫سنة واحدة يف كلية اآلداب‪ .‬وكل ما يف األمر أنني انتقلت من كيمياء املواد‬
‫إىل كيمياء الكلامت‪.‬‬
‫‪ 2‬ـ كتبت الشعر العمودي ولكنك خرجت عن األوزان المألوفة‪،‬‬
‫كيف تفسّر ذلك؟‬
‫لقد ولدت أدبيا يف فرتة مخاض عظيمة عاشتها بالدنا‪ ،‬فتونس كانت قد‬
‫خرجت منذ قليل من تحت وطأة سلطتني غاشمتني سلطة االستعامر الفرنيس‬
‫وسلطة نظام البايات أو امللكية‪ ،‬ودخلت للتو عهد الجمهورية والتغيري من‬
‫أجل إرساء الدولة املدنية الحديثة فشعر كل مواطن بالتحرر واالعتزاز‪ ،‬ولكن‬
‫رسعان ما بدأ ذلك الشعور ينحرس ليرتك املكان لإلحساس باالختناق ثم تبخّر‬
‫كل ما بدا أنه تحقق بعد أن أخذ النظام الوطني القائم يتقوقع يف جبة الحزب‬
‫الواحد ويشدد الخناق عىل الحريات وفشلت تجربة التعاضد‪ .‬ويف األثناء‬
‫كانت نزعة التوق إىل التجديد أدبيا تعلو آنذاك يف جميع أنحاء العامل مبا يف‬
‫ذلك ساحات عديدة يف العامل العريب ومنها تونس فاشتعلت نريان الحرب بني‬
‫الجديد والقديم‪ ،‬وكنت أنا واحدا من أولئك الذين انخرطوا يف تلك املعارك‬
‫الضارية‪ .،‬وكان خروجي آنذاك عن تقاليد الكتابة الشعرية‪ ،‬استجابة لذلك‬
‫التوق وموقفا فكريا سياسيا ثقافيا من النظام‪ ،‬فرفض نظام الشعر العمودي‬
‫والخروج عنه‪ ،‬كان شكال من أشكال رفض النظام القائم والخروج عن قوانينه‪.‬‬
‫‪ 3‬ـ كتبت أيضا قصص األطفال‪ ،‬أال ترى أن الخطاب القصصي‬
‫الموجّه للطفل اليوم صار في بعض وجوهه مشحونا‬

‫باإليديولوجيا والعنف والتطرّف؟‬
‫هذه الظاهرة موجودة فعال‪ ،‬وال ب ّدمن التنبيه والتص ّدي لها‪ ،‬غري أن هناك‬
‫ظاهرة أخرى ال تقل خطورة عنها ورمبا هي أخطر منها‪ ،‬وهي استسهال‬
‫البعض الكتابة لألطفال واستغاللها استغالال واسعا؛وقد أخذت هذه الظاهرة‬
‫تكتسح أدب الطفل عىل أكرث من مستوى؛ فأصبحت نسبة كبرية من الكتب‬
‫املوجهة لألطفال تشكو من ضعف اللغة و فضاضة األفكار وهزال الخيال‬
‫وفقره يف حني أن الغاية من أدب األطفال‪ ،‬فضال عن اإلمتاع الفني والروحي‬
‫والفكري‪ ،‬هي مساعدته عىل اكتساب لغة سليمة وتوسيع خياله وتلوينه‬
‫وتدريبه عىل التفكري اإليجايب واتخاذ القرار األنسب يف الوقت املناسب وليس‬
‫استبالهه وتدمري ما تعلمه يف املدرسة أو ما اكتسبه من قراءاته الج ّيدة من‬
‫زاد لغوي ومنطق سليم ودربة عىل النظر والنقد والحكم‪.‬ومن الحمق أن‬
‫يتواصل اليوم السكوت عن هذه الظاهرة املخ ّربة‪ ،‬وال بد من مكافحتها‪.‬‬
‫‪ 4‬كيف ذلك؟ ما الحل برأيك؟‬‫ال ميكن مقاومة هذه الظاهرة إال مبؤسسة ثقافية تربوية يوكل إليها مراقبة‬
‫محتويات الكتب املوجهة إىل األطفال عىل اختالفها‪ ،‬ولذلك أغتنم هذه‬
‫املناسبة ألناشد من هذا املنرب السادة وزراء الثقافة والرتبية ووزارة املرأة‬
‫واألرسة والطفولة التفكري يف تشكيل مجلس أعىل ألدب الطفل‪ ،‬يعنى بكل‬
‫ما يتعلّق بثقافة الطفل‪ ،‬ويراقبها مراقبة دقيقة كفيلة بحامية حق الطفل يف‬
‫ثقافة أدبية وطنية مستقبلية خالية من جميع العاهات والشوائب الفكرية‬
‫والروحية‪ ،‬محمية من تطفل املتطفلني‪ .‬هذا حل قد يتهيّأ للبعض أن فيه لجام‬
‫لحرية التعبري والنرش ولكن نعم اللجم برأينا‪ ،‬واملنع والتقييد‪ ،‬إذا كان الهدف‬
‫منه هو حامية أطفالنا من التجهيل والتفاهة‪.‬‬

‫‪5‬ـ صدرت لك أخيرا مسرحية «الوزير « هل يعكس العمل صورة‬
‫الحاكم اليوم؟‬
‫«الوزير» نص مرسحي كتبته يف أواسط الثامنينات‪ ،‬طرحت فيه قضية الحكم‬
‫يف الدول املتخلفة أو «النامية»وقيامه عىل استغالل النفوذ واالنتهازية والغش‬
‫والنهب ويبدو أنه يعني أيامنا هذه بشكل أوسع من الثامنينات وما قبل‬
‫الثورة عامة فإذا كان ينطبق وقتها عىل رئيس الدولة وكل من يستمد منه قوة‬
‫النفوذ فإنه أصبح اليوم ينطبق عىل رشيحة واسعة من ذوي النفوذ‪ ،‬ويبدو‬
‫إذن أن مرسحية الوزير بقدر ما تعالج وضعا سياسيا بغيضا قبل الثورة‪ ،‬فإنه‬
‫تنبّأ منذ عقود‪ ،‬مبا نعيشه اليوم من تعيينات عشوائية واسترشاء للفساد عىل‬
‫جميع املستويات وال أدل عىل ذلك من أن شخصية مرسحية الوزير الرئيسية‬
‫حاجب يعينّ وزيرا وأن هذا الحاجب شبه األمي يرصخ فيمن حوله ويف‬
‫الجمهور قائال‪« :‬صدقوين جميعا‪ ،‬أنا ال أعجب من تعييني وزيرا أنا أعجب‬
‫كيف نسوين كلّ هذه املدة!‪ ،»...‬فهل تختلف صورة هذا الوزير إذن عن ذلك‬
‫الذي مل ميارس يف حياته الحكم وال حتى اإلدارة وأصبح بني عشية وضحاها‪،‬‬
‫بعصا «الثورة» السحرية‪،‬وزيرا‪ ،‬بل رئيس حكومة ورئيس جمهورية؟‬
‫‪ 6‬ـ عرفت بمواقفك المناهضة للديكتاتورية‪ ،‬هل ترى أن‬
‫الثورة حققت بعض ما كنت تأمله كمثقف؟‬
‫عندما سقط نظام بن عيل يد شعبنا الرائد االستثنايئ‪ ،‬كتبت يف لحظات‪،‬‬
‫قصيدة مطلعها‪:‬‬
‫«هذا هو اليوم الذي انتظرنا‪ /‬هذي هي الشمس التي رسمنا بالحروف نورها‪/‬‬
‫وتحت ضوئها سهرنا‪ ».../‬ولكن بعد سنة واحدة عندما رأيت امليلشيات تعنف‬
‫املحتجني يف شارع الحبيب بورقيبة ورأيت مقر االتحاد العام للشغل يهان من‬
‫قبل حثالة ورأيت رموز املناضلني يداسون باألقدام بل يغتالون‪ ،‬كتبت‪ ،‬مماّ‬
‫كتبت قصيدة ساخرة يف الثورة بعنوان‪« :‬إليك يا ثورتنا تحية زكية‪ »..‬وأخرى‬
‫بعنوان «الفصل ورد والورود حشيش» أقول فيها‪:‬‬
‫نحن نعيش اليوم فعال عهدا غري مسبوق‪،‬عهدا الدميقراطية الفعيل وحرية‬
‫تعبري‪ ،‬حرية كنا منارسها سابقا عىل الورق ال غري‪ ،‬ولكن ال قيمة للدميقراطية‬
‫إذا أصبح من الصعب التمييز بينها وبني الفوىض أو االنتهازية‪ ،‬وال قيمة أل ّي‬
‫حرية إذا أصبحت مدعاة للفتنة والطائفية والعنف‪ .‬ومع األسف الشديد‪،‬‬
‫هذا ما وصلنا إليه اليوم وهذا ما بدأ ينخر كيان الدولة‪.‬نحن ندفع اليوم ذلك‬
‫مثن الحرية‪ ،‬ويا له من مثن‪ ،‬مثن يعود بنا إىل عذاب القرب وتعلم غسل املوىت‬
‫واإلرهاب وقطع الطرق وغلق مصادر الرثوة‪ ...‬مثن يغرقنا يوما بعد يوم يف‬
‫وضع بائس يائس يسوده غياب االستثامر والتنمية ومواطن الشغل واالحتكار‬
‫والتهريب وغالء املعيشة الفاحش‪.‬‬

‫‪7‬ـ ما هي برأيك األسباب التي جعلت الثورة تحيد عن مسارها؟‬
‫هناك برأيي ثالثة أسباب‪:‬‬
‫السبب األول هو أن الثورة جاءت مفاجئة وبدون قيادة وطنية متامسكة‬
‫قادرة عىل اإلمساك بزمام األمور بعد سقوط النظام‪ ،‬ودليل ذلك‪ ،‬أنه تم‬
‫تطبيق دستور النظام القديم بحيث وجد السيد محمد الغنويش وزير بن عيل‬
‫األول موطئ قدم ليعلن بقاءه عىل رأس الحكومة وتويل رئيس مجلس نواب‬
‫بن عيل رئاسة الجمهورية‪ .‬وال نذكر أن هناك ثورة يف التاريخ أبقت عىل رموز‬
‫النظام املخلوع يف أعىل وال أدىن مناصب الدولة‪.‬‬
‫السبب الثاين واألخطر هو دخول اإلسالم السيايس مبارشة عىل الخط‪ ،‬وركوبه‬
‫آخر عربات قطار الثورة‪ ،‬واستطاع أن يستغل غفلة الجميع وترشذمهم‬
‫والتسلل من عربة إىل أخرى إىل أن بلغ القاطرة واستوىل عىل قيادتها‬
‫السبب الثالث واألشد خطورة هو ترشذم القوى الوطنية الحداثية‪ ،‬وغياب‬
‫الوعي املطلق لديها مبا تتعرض له البالد من تهديد حقيقي من قبل تجمع‬
‫القوى الرجعية ضد مدنية الدولة‪...‬‬
‫‪8‬ـ هل يتحمّل المثقف جانبا من المسؤولية؟‬
‫من اإلجحاف أن نح ّمل املثقفني التونسيني أدىن مسؤولية يف ذلك‪ ،‬اللهم إذا‬
‫أخذنا يف االعتبار املسؤولني الرسميني من رجال السياسة بوصفهم مثقفني أيضا‬
‫باإلضافة إىل قلة من املتزلفني الذين ال يخلو منهم أي مكان وال زمان‪ ،‬عدا‬
‫ذلك فقد كان للمثقف التونيس‪ ،‬أديبا ومربيا ومحاميا وناشطا مدنيا‪ ،...‬دور‬
‫فعال يف محاولة حامية البالد من سقوطها النهايئ بني أيدي التكفرييني ومقابر‬
‫القرون الوسطى‪ ،‬ولعل أكرب دليل عىل ذلك‪ ،‬تلك االحتجاجات التي أخرجت‬
‫محمد الغنويش من قرص القصبة ثم اعتصام الرحيل يف باردو الذي خفف من‬
‫هيمنة اإلخوان وتشديد قبضتهم عىل السلطة‪...‬‬
‫‪9‬ـ ما هو برأيك الدور الذي يمكن أن يضطلع به المثقف مع‬
‫تنامي العنف والتطرّف؟‬
‫ليس هناك وصفة مح ّددة لدور املثقف يف أي مجتمع‪ .‬وما ميكن قوله هو أن‬
‫املثقف التونيس كان له دور هام يف الوعي باألوضاع وكشف الواقع ونقده‬
‫والدعوة إىل رفضه؛ وقد تأكّد يل ذلك من خالل دراستي ألحد روافد النضال‬
‫األديب هو الشعر وما ق ّدمه الشعر التونيس قبل الثورة من أسمى وأنقى‬
‫صفحات النضال الشعري الكاشفة واملح ّرضة‪ .‬ولن يختلف هذا الدور‪،‬اليوم‬
‫وغدا عماّ عهدناه باألمس؛ فقدر املثقف الوطني الواعي هو أن تظل عيناه‬
‫مفتوحتني حتى وهو نائم عىل حد تعبري سارتر‪ ،‬وميكنك أن نلمس ذلك يف‬
‫العديد من أنشطة الجمعيات واملنظامت املدنية الوطنية‪ ،‬وما يكتبه األدباء‬
‫والباحثون واملفكرون الذين فرضت عليهم أوضاع ما بعد الثورة البائسة‬
‫الغريبة أن يضعوا نصب أعينهم إنقاذ البالد من الطائفية البغيضة املدمرة‬
‫وتقسيم املجتمع واستهداف مدنيته وطبيعته املساملة وطموحه املرشوع‬
‫لالنخراط مبستقبله يف تاريخ القرن الحادي والعرشين واملساهمة تربية وبحثا‬
‫وعلام‪ ،‬يف التق ّدم بوطنه وبالبرشية يف اتجاه األفضل‪.‬‬

‫‪15‬‬

‫الخميس ‪ 10‬جانفي ‪ - 2019‬املوافق لـ ‪ 2‬جامدى األول ‪ - 1440‬العدد ‪75‬‬

‫عم خميّس‪ :‬حتّى ال نكون فريسة لليتم‪...‬‬
‫السايف‬
‫شاهني ّ‬
‫تصدير‪:‬‬
‫قلمي هديّة‪ -‬ليل محرومني م الحريّ ْه‬
‫ال يرتجي يف ف ْخ ْر وال مزيّ ْه‬
‫وال بالتشه ْري آنا وآنا‬
‫وللطاغي والجبا ْر قلمي أذيّ ْه‬
‫ث ْعبا ْن أح َمى سا ّماتْ س َنانَ ْه (عم خميّس)‬

‫رس اهتاممك بـ»عم خم ّيس»؟‬
‫سألني بعضهم‪ :‬ما ّ‬
‫لست من جيله وال من أرخبيله ومل تقابله ق ّط يف حياتك‪ .‬مل تكن لد ّي إجابة جاهزة‪ ،‬بل‬
‫َ‬
‫أجزم أنيّ مل أكن أعرف السبّب حقّا ساعتها‪ ،‬وال أعرف الدّافع الذي جعلني ذات يوم أرشع‬
‫بشكل جدّي يف تأليف كتاب عن تجربته الشّ عريّة‪ .‬فكّرت مل ّيا يف األمر وعمدت إىل ر ّمانته‬
‫السبب أسباب فيها خليط بني الذات واملوضوع‪ .‬يبدو أنيّ –وأنا‬
‫فـ»ف َّركْتُ َها»‪ ،‬فاكتشفت أ ّن ّ‬
‫فأحسست أنيّ‬
‫يض الذي ملْ أعش ُه‬
‫ُ‬
‫أعيش حالة من اليتم‪ -‬قد عرثت عىل خيط يربطني مبا َّ‬
‫لست «قطعة حبل يحملها الوادي»‪ .‬مل تكن شيوعيّة ع ّم خميّس هي الدافع الوحيد‬
‫ُ‬
‫ألكتب عنه‪ ،‬فث ّمة كرث يف مثل شيوعيته ومل أفكّر قط يف الكتابة عنهم‪ ،‬ومل يكن نضاله‬
‫ضمن الحركة الوطن ّية يف تونس وال تط ّوعه يف ‪ 1948‬للذود عن د ّرة العروبة فلسطني‬
‫الدّافع الرئيس ألكتب ما كتبت‪ .‬ماذا بقي؟ الشّ عر‪ .‬فعال الشّ عر‪ .‬ولكن هل كا َن الشّ عر‬
‫كافيا ألكتب ذلك؟ قد تكون تجربة عم خميس النضاليّة الفريدة مدغدغة لهذا القلم‬
‫لينتج كتابة بيوغراف ّية عن سرية مناضل‪ ،‬وقد يكون افتتاين بشعره وتجربة الهامش محفّزة‬
‫ألكتب دراسة نقديّة تجيل معامل إبداعه‪ .‬ولك ّن ما ألّفته كان «عم خميس‪ :‬شاعر الغلبة‬
‫كنت أمام تجربة فريدة جامعة فيها من اإلبداع الفني واألديب نصيب‪،‬‬
‫وموىل العركة امل ّرة»‪ُ .‬‬
‫ومن النضال والكفاح نصيب‪ ،‬ومن املغامرات وخبايا الهامش نصيب‪ ،‬ومن «الجزيريّة»‬
‫(‪ )l’insularité‬وفتنتها نصيب‪.‬‬
‫لنبدأ من حيث نبدأ عادة‪ .‬ولد ع ّم خميس يف ‪ 27‬ديسمرب ‪ .1917‬وكام هو معلوم حصلت‬
‫يف تلك السنة ثورة ه ّزت العامل ف ّجرها الشيوعيّون يف روسيا وهم يخوضون «عركتهم امل ّرة»‬
‫نصا رسديّا وذكرنا سنة ميالده تلك لكان‬
‫ضد الطغيان والقهر‪ ،‬فلو اعتربنا حياة عم خميس ّ‬
‫ذلك عبارة عن «االستباق» (‪ ،)prolepse‬أي إملاعا ملا سيأيت يف املستقبل من أحداث‪ .‬فهذا‬
‫ال ّرجل الذي بدأ حياته دستوريّا (الدستوري الجديد) ال يرتدّد يف رفع قبضته دفاعا عن‬
‫الحزب وقياداته و ُم َع ّرضا يف بعض قصائده بالحزب القديم و»شيخ طامطمه» (الثعالبي)‬
‫رسعان ما ازو ّر عن هذه العائلة السياسيّة وانتمى إىل «الحزب الشيوعي التونيس» ليخرج‬
‫من هذا الحزب الحقا بعد أن تب ّنى الفكر املاركيس‪ .‬التحق عم خميس باملتطوعني العرب‬
‫سنة ‪ ،1948‬وقصة وصوله إىل الجبهة مغامرة كربى وش ّيقة يضيق بذكر تفاصيلها هذا‬
‫الحيّز‪ ،‬ومن الالفت لالنتباه يف مجموعته الشعريّة الوحيدة املنشورة «بابور ز ّمر» أنه قد‬
‫كتب قصيدتني يف تلك السنة («العروبة تبيك» و»يا رافع الراية الحمراء») ويخيّل إلينا أنه‬
‫كان يكتب الشّ عر عىل إيقاع زخّات الرصاص وأزيز املدافع‪ ،‬ولنئ كانت القصيدة األوىل‬
‫عبارة عن صيحة فزع لتحرير الوطن من العدو الغاصب فإ ّن الثانية كانت غنائية حرضت‬

‫فيها الذات املوجوعة واملثقلة مبرارات الغربة والهزمية والتائقة إىل‬
‫معانقة أرض الوطن تونس‪ .‬يبدو أنه قد أدرك أن تحرير الوطن الكبري‬
‫رس بذلك إىل‬
‫مي ّر عرب تحرير األوطان الصغرى‪ ،‬فكان صادقا مع نفسه وأ ّ‬
‫صديقة «الشعر» فأذاع ذلك‪.‬‬
‫عاد «ع ّم خم ّيس» إىل تونس ليجد السلطات االستعامريّة الفرنس ّية‬
‫قد أصدرت حكم اإلعدام يف حقّه غيابيّا‪ ،‬ولك ّنه نجا بأعجوبة من هذا‬
‫الحكم‪ ،‬وواصل نضاله صلب الحركة الوطنيّة‪ ،‬وعىل اثر اندالع الرصاع‬
‫اليوسفي البورقيبي تع ّرض ع ّم خم ّيس إىل محاولة اغتيال غادرة كادت‬
‫أن تودي بحياته فق ّرر الهجرة منف ّيا عن وطن طاملا عشقه وض ّحى من‬
‫أجله حاملا أن يراه مح ّررا من كلّ نري يكبّله‪ .‬يف املهجر‪ ،‬يف فرنسا تحديدا‬
‫مؤسيس‬
‫ويف مدينة غرونوبل‪ ،‬واصل ع ّم خميّس نضاله فكان من ّ‬
‫مؤسيس «آفاق» وجريدة «العامل التونيس» التي‬
‫الهيئة املعادية لالمربيالية ث ّم كان من ّ‬
‫ستستحيل إىل اسم لهذا التنظيم اليساري ضمن ما يعرف آنذاك بـ»اليسار الجديد»‪ ،‬ولك ّن‬
‫فأسس مع ثلّة من املهاجرين‬
‫روحه التواقة إىل اإلبداع الثقايف والفني كانت لها الغلبة ّ‬
‫ما يعرف بـ»مجموعة املهاجر» ذات الطابع الثقايف والفني واملهجري املتن ّوع مع صحيفة‬
‫تحمل ذات االسم‪.‬‬
‫الخاص‪ ،‬فهي‬
‫منطقها‬
‫ة‬
‫ي‬
‫وللجزير‬
‫الجميل‪.‬‬
‫قرقنة‬
‫أرخبيل‬
‫يف‬
‫وترعرع‬
‫ونشأ‬
‫ولد ع ّم خميس‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫طبيعي خلّف إبداعا إنسانيّا نتاجا لرصاع مرير‬
‫ليست مج ّرد جغرافيا عمياء‪ ،‬إنها إبداع‬
‫ّ‬
‫وجميل يف آن معا بني اإلنسان والطبيعة‪ .‬نزعم أ ّن اكتشاف عم خميّس لالشرتاكيّة مل يكن‬
‫حدثا مهماّ وال مربكا بالنسبة إليه وهو الذي عاش جز ًء من صباه يف األرخبيل ضمن‬
‫مجتمع متضامن يقتسم أفراده بذكاء كبري وبعدالة فطرية من أجل تحقيق استمرارية‬
‫حصله سلفا من حياة‬
‫الحياة‪ ،‬ويخيّل إلينا أ ّن اكتشاف هذا الفكر ال يعدو أن نظّم ما ّ‬
‫األرخبيل وشذّب بعض شوائبه وانتقل به من الفطرة إىل العلم‪ .‬والجزيريّة حارضة يف‬
‫شعر ع ّم خميس سواء عىل مستوى املعجم أو القيم والتص ّورات أو الرموز الوطن ّية أو‬
‫العادات والتقاليد‪ ،‬وقصيدة «القفة» –وهي غري منشورة‪ -‬تجيل معامل هذه الجزيريّة‪،‬‬
‫حيث ينطلق فيها بوصف احتفاليّة «قفّة العروس» (أو «قفة البحر») وتختص بها بلدة‬
‫أوالد يانق يف األرخبيل‪ ،‬لينتقل بعد ذلك بشكل ال يخلو من طرافة إىل معالجة كل املعاين‬
‫لكلمة «قفة» يف القاموس الشعبي‪ ،‬والظّرف كام هو معلوم سمة جزيرية‪ ،‬منحازا لـ»قفة»‬
‫املعدم و»قفّة» السجني املظلوم ض ّد «قفّة» الوايش واملتملّق‪ ،‬وهي من القيم «الجزيريّة»‪.‬‬
‫يف مذكّرات عم خميّس املنشورة ‪-‬يف حياته‪ -‬ضمن كتاب «قرقنة تاريخ ومجتمع» (تحت‬
‫إرشاف الدكتور عبد الحميد الفهري) وهي إضافة إىل كونها متثل شهادة مهمة عن صباه‬
‫تعترب تحفة رسديّة ضمن ما يعرف بأدب «االعرتافات» يف الكتابة السرييّة‪ ،‬يف هذه‬
‫املذكّرات نعرث عىل ضالتنا ونحن نبحث عن تفسري لهذه الشخصيّة الفريدة‪ .‬فالطفل‬
‫مولدي زليلة (قبل أن يتقدّم يف العمر والتجربة ليصبح «عم خميس») كان صبيّا متم ّردا‬
‫واجه الجميع ومل تردعه سلطة العائلة وال سلطة بعض التصورات الدينية عن هوايته‬
‫نص‬
‫املح ّببة إىل قلبه وجالبة العقوبات اليوم ّية وهي صنع مجسامت من الطني‪ .‬يقول يف ّ‬

‫بعنوان «الولد الكافر» ضمن هذه املذكرات‪« :‬هذه الهواية‬
‫كلّفتني غاليا وكان جزايئ يف كلّ يوم الشتم والرضب إىل أن‬
‫تع ّودت عىل هذا العقاب ساخرا منه» ويقول مستعرضا ما‬
‫صبي‪« :‬الله صنع آدم مبارشة بيده ولك ّنني‬
‫دار يف ذهنه وهو ّ‬
‫الصبي معلنا‬
‫د‬
‫ر‬
‫مت‬
‫أنثى»‪.‬‬
‫أصنعه‬
‫الذي‬
‫و‬
‫مل أقلّد الله فآدم ذكر‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫رشق ويغ ّرب يف‬
‫ميالد الف ّنان بشكل مبكّر‪ ،‬وغادر األرخبيل لي ّ‬
‫األرض‪ ،‬ويعود إليه شيخا بعد سنوات من املنفى يف مدينة‬
‫غرونوبل الفرنس ّية‪ ،‬ليح ّول منزله إىل ورشة للفنون مارس فيها‬
‫هواية الصبا ولكن أكرث نضجا ودون عقوبات‪ ،‬وإىل مدرسة‬
‫شعبيّة يصقل فيها مواهب بعض الشبان يف الكتابة الشعريّة‬
‫والفنون التشكيلية‪ ،‬وإىل «منزل للجميع» (‪maison pour‬‬
‫‪ )tous‬يأوي إليه عابر السبيل ويح ّج إليه الخالن واألصدقاء والرفاق والندماء وعشاق‬
‫الكلمة الحرة وطالّب الحريّة‪.‬‬
‫قصائد عم خميّس آية من آيات الجامل‪ ،‬انبجست من رحم العاميّة التونسيّة وفيّة يف‬
‫البداية لتفاصيل «االنشائية الكالسيكية» –إن صحت العبارة‪ -‬إنشائية الشعر الشعبي‪،‬‬
‫ولكنها يف مراحل متقدمة من التجربة ونضجها الفني والفكري مت ّردت عليها وانطلقت‬
‫«اليومي» ووتحوله إلة مادة شعرية ثريّة‬
‫تشق طريقها نحو معانقة اإلبداع‪ ،‬تنهل من‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫وتذيبه يف رشايينها مرتكزة عىل «بساطة» مخاتلة‪ ،‬توهمك ببساطتها ولكنها تلسع‪ ،‬ومعلية‬
‫من شأن «الهامش» ومجلية لجامليته‪ .‬تناول عم خميس يف أشعاره القضايا الكربى‪ ،‬ولك ّن‬
‫خص بها من ال يلتفت إليهم عادة‪ ،‬من‬
‫روعته –يف تقديرنا‪ -‬تكمن أكرث يف قصائده التي ّ‬
‫ال صوت لهم‪ ،‬من كانوا عىل «الهامش» سواء اختاروه أو فرض عليهم‪ ،‬ذلك السجني الذي‬
‫قاسمه نفس الزنزانة أو «عم خميس» البحار الذي اصطاد سمكة من نوع «الكرشو» أو‬
‫«السكارى» الذين خصهم بقصيد يحمل عنوانا مربكا –عىل بساطته‪« -‬نشيد السكارى»‪،‬‬
‫ولعلّه بهذا العنوان يحاكم أناشيد أخرى معرتف بها وال يعرتف منشدوها بأن يكون‬
‫للمه ّمشني أو الهامشيني نشيد‪.‬‬
‫السبل‪ ،‬وهو‬
‫ع ّم خميّس‪« ،‬شاعر الغلبة»‪ ،‬خاض «عركته امل ّرة» عىل كلّ الواجهات وبكلّ ّ‬
‫صورة ناصعة لالنسجام بني القول والفعل‪ ،‬والتفكري واملامرسة‪ ،‬والفكر و»الرباكسيس»‪،‬‬
‫الرقي يف الجمع بني الكلمة‪/‬البندق ّية والبندق ّية ذاتها نرصة للقضايا‬
‫وعنوان من عناوين ّ‬
‫الفني وال ّنضال‪ .‬املدهش حقّا أين يف كتاب‬
‫العادلة‪ ،‬وهو أيقونة من أيقونات اإلبداع األد ّيب و ّ‬
‫عن عم خميس حني اجرتحت مفهوم «شعر الغلبة» ضمن ما يعرف باملحارصة املفهومية‬
‫وأنا بصدد الخوض يف شعر بالعام ّية‪ ،‬مل أكن عىل علم أ ّن عم خميس كان صديقا لجامعة‬
‫«تحت السور» وتحديدا عيل الدوعاجي‪ .‬هي صدفة وما أجملها من صدفة‪ ،‬ويف حوار مع‬
‫الدكتور عبد الحميد الفهري أكد يل أ ّن عم خميس كانت تربطه كذلك عالقات صداقة‬
‫قوية مع بعض رموز النضال واإلبداع يف العامل‪ ،‬فمثال بينه وبني سيمون دوبوفوار مراسالت‬
‫خليقة بال ّنرش‪ .‬هناك مسا ٍع حثيثة لجمع أعامل عم خم ّيس الكاملة‪ ،‬وأزعم أ ّن مرشعا كهذا‬
‫يكف أبناء جييل‪ ،‬من الذين لفّوا لفّي‪ ،‬عن اإلحساس باليتم‪.‬‬
‫سيكون مهماّ حتّى ّ‬

‫مراسلة المغرب لمنارات ‪:‬‬

‫نداء الكتبي‬
‫يوسف بورة*‬

‫مهنة الكتبي من أعرق املهن وأنبلها‪ ،‬وقد ظلت منذ اخرتاع املطبعة تشهد‬
‫تطورات متسارعة وعميقة‪ ،‬سواء يف طرق مامرستها وتنظيمها أو يف وظيفتها‬
‫املعرفية والسوسيو_اقتصادية‪ ،‬حتى صارت تخصصا أكادمييا يدرس يف أكرب املعاهد‬
‫والجامعات‪ ،‬لكن هذا التطور سيتسارع بشكل قوي ابتداء من النصف الثاين من‬
‫القرن العرشين مع دخول التقنيات االلكرتونية إىل مجال الطباعة وازدهار حركة‬
‫الرتجمة والتأليف يف جميع بلدان العامل تقريبا‪ .‬وهو ما جعل مهنة الكتبي بدورها‬
‫تسري نحو مزيد من الصعوبة والتعقيد أمام الكم الهائل من العناوين الصادرة يوميا‬
‫يف جميع التخصصات ومبختلف اللغات‪.‬‬
‫ولقد اختلف تعامل املهنيني مع هذه التطورات بحسب الدول واملجتمعات ومدى‬
‫تطورها ومكانة القراءة والكتاب يف أوساطها‪ .‬فنجد أن دوال مثل فرنسا واملانيا‬
‫خصصت للكتبيني أمكنة الئقة يف مواقع اسرتاتيجية يف املدن والقرى‪ ،‬حتى صارت‬
‫محالت الكتبيني مبثابة قطع فنية تجتذب السياحة إىل جانب دورها الرئييس يف‬
‫ترويج الكتب وخلق ديناميكية ثقافية وفنية معتربة‪.‬واألمر نفسه تقريبا نراه يف‬
‫مرص والعراق قبل الحروب التي دمرت كل يشء يف البالد‪ ،‬فسوق األزبكية وشارع‬
‫املتنبي صارا مبثابة مآثر تضاهي األهرام ومدن بابل‪ ،‬لكنها آثار حية تتنفس اإلبداع‬
‫والعلم واملعرفة‪.‬‬
‫أما يف املغرب‪ ،‬ورغم أن تاريخ مهنة الكتبيني ميتد لقرون طويلة وله أعراف وتقاليد‬
‫ضاربة يف القدم‪ ،‬فإن وضعها الحايل يحتاج إىل مراجعة جذرية تعيد للمهنة ألقها‬

‫الذي كان يف مراكش وفاس وتطوان‪ ،‬ويف مختلف املراكز العلمية والزوايا التي تعد‬
‫باملئات يف كل ربوع الوطن من الريف إىل الصحراء‪ .‬أما اليوم فإن مدينة مديونية‬
‫مثل الدار البيضاء ال تتوفر إال عىل أربعني كتبيا مازالوا ماسكني بجمرة عشق الكتاب‬
‫وهم نرش القراءة‪ ،‬بالرغم من أنهم ميارسون املهنة يف ظروف أقل ما يقال عنها أنها‬
‫حاطة بقيمة الكتاب‪ ،‬ناهيك عن كونهم يعانون ماديا بسبب العزوف املزمن عن‬
‫القراءة ومعنويا بسبب عدم متكنهم من مجاراة التطور شبه اليومي للمهن املرتبطة‬
‫بصناعة الكتاب والكم الهائل لالصدارات‪ .‬ولعل من أوىل األولويات يف أي مرشوع‬
‫للنهوض بهذه املهنة هي توفري الفضاءات املالءمة لتجميع الكتبيني عوض تركهم يف‬
‫األسواق العشوائية ويف ظروف تحد من جاذبية الكتاب وتبخس قيمته‪.‬‬
‫ولقد أخذ الكتبيون زمام املبادرة بتأسيس جمعيات محلية ووطنية تكون مبثابة‬
‫املخاطب للمسؤولني عن الشأن الثقايف جهويا ومركزيا‪ ،‬وتكون أيضا مبثابة قوة‬
‫اقرتاحية حاملة ملشاريع لتنمية املهنة أوال‪ ،‬وثانيا للمساهمة يف التنشيط الثقايف‬
‫للمناطق التي تشتغل فيها‪ .‬وعىل سبيل املثال ال الحرص نسوق مثال املعرض‬
‫الوطني للكتاب املستعمل الذي صار تظاهرة سنوية وازنة وذات إشعاع وطني‬
‫ودويل معترب‪ ،‬والذي متكن من مراكمة تجربة تنظيمية وثقافية مقنعة جمعت‬
‫حولها عرشات املثقفني والباحثني واملبدعني من جميع املشارب والحساسيات‬
‫والتخصصات‪ .‬ومل يكن ذلك النجاح ممكنا لوال دعم السلطات املحلية‪ ،‬وعىل‬
‫الخصوص الدعم املادي واملعنوي الذي حظي به املعرض من طرف وزارة الثقافة‬
‫واالتصال وتبنيها له بعد ما كان مبادرة بسيطة من الجمعية البيضاوية للكتبيني‬
‫مبساندة من ثلة من املثقفني وجنود الخفاء ووسائل اإلعالم‪ .‬وهذا الدعم نتمناه أن‬

‫يستمر وأن يتطور إىل رشاكة لتحقيق مشارع أكرب وأكرث طموحا كمرشوع تنظيم‬
‫املعرض الدويل للكتاب املستعمل والذي سيكون يف حال تنظيمه سابقة عاملية‬
‫تحظى بالدنا برشف تنظيمها واستقبالها‪ ،‬ويكون أيضا رافعة لتحقيق طفرة بالنسبة‬
‫للكتبيني املغاربة وحتى بالنسبة لنظرائهم يف الدول املشاركة‪ .‬وال يخفى عىل أحد‬
‫من املؤلفني أو الباحثني أو القراء عموما ما للكتاب املستعمل من مكانة يف تكوينهم‬
‫ويف أعامق وجدانهم‪ .‬وهذا ما سيضمن لهذا املعرض أهم عوامل النجاح‪ .‬ولذلك‬
‫ندعو وزارة الثقافة إىل التجاوب مع هذا املقرتح‪ ،‬ولنا اليقني أن مسؤوليها وأطرها‬
‫يشاطروننا هذا الرأي وهذا الطموح‪.‬‬
‫إن مهنة الكتبي ليست مهنة عادية‪ ،‬فإىل جانب كونها مصدر عيش فإنها باألساس‬
‫التزام نحو املجتمع ونحو الثقافة الوطنية ونحو املعرفة الكونية‪ ،‬وهذا ما يدفعنا‬
‫إىل االستمرار فيها واالستامتة يف سبيل تطويرها والحفاظ عليها‪ ،‬وال غرو أن يف البالد‬
‫نساء ورجال سيدعموننا ويساعدوننا لبلوغ أهدافنا النبيلة‪.‬‬
‫رئيس الجمعية البيضاوية للكتبيني‬

‫‪16‬‬

‫الخميس ‪ 10‬جانفي ‪ - 2019‬املوافق لـ ‪ 2‬جامدى األول ‪ - 1440‬العدد ‪75‬‬

‫دارات‬

‫إص‬

‫مكتبة منارات ‪ :‬بقلم سعدية بن سالم‬

‫نقدّم يف هذا العدد‪ ،‬كالعادة‪ ،‬ثالثة‪ ،‬أعامل صادرة عن داري نرش تونسيّتني‪ ،‬هام ديار للنرش والتوزيع وميّارة للنرش والتّوزيع وهي نصوص لشعراء وإن تفلّتت من بينهم شاعرة لتكتب السرّ د ولك ّنه رسد بطعم الشّ عر‪.‬‬
‫الصادرة عن دار «ديار»‪ ،‬وتقدميا للمجموعة الشعريّة عطر يتفلّت من قبضة الهواء للشاعر هادي دانيال‪ ،‬ث ّم املجموعة القصصيّة «نقوش يف جسد من رخام» للكاتبة مليكة العمراين‪.‬‬
‫تقرؤون يف هذا العدد‪ ،‬تقدميا للمجموعة الشعريّة أوالد املسافة لوائل شعبو ّ‬

‫أوالد المسافة لوائل شعبو‬
‫بعنوان ‪ ،2018‬صدرت املجموعة الشعريّة‪ ،‬أوالد‬
‫املسافة‪ ،‬للشاعر السوري املقيم يف أملانيا‪ ،‬وائل‬
‫شعبو عن دار ديار للنرش والتوزيع‪ -‬تونس‪.‬‬
‫نصا موزّعة‬
‫تقع املجموعة يف تسعة وثالثني ّ‬
‫املتوسط‪ ،‬والعنوان‪،‬‬
‫عىل ‪ 110‬صفحة من الحجم ّ‬
‫نص من نصوص‬
‫أوالد املسافة‪ ،‬هو ذاته عنوان ّ‬
‫املجموعة ميت ّد بني الصفحتيني ‪ 92‬و‪ ،99‬يع ّرف‬
‫فيها الشاعر أوالد املسافة يف طموحهم ونقائصهم‬
‫وفضائلهم وأحالمهم املؤ ّجلة‪ .‬يع ّرفهم بحاجاتهم‬
‫وعدمها فيطغى الفعل نحتاج‪ /‬ال نحتاج عىل‬
‫مجمل مفاصل القصيدة‪،‬ويع ّرفهم مبشاعرهم‬
‫(نحب‪ ،‬نندم‪ ،‬نطمح‪ ،‬نكره‪ )..‬يع ّرف‬
‫وميوالتهم‬
‫ّ‬
‫وائل شعبو أوالد املسافة فيقول‪:‬‬
‫نحن أوالد املسافة‬
‫نكره ال ّرأسامل ّية وامربياليتها‬
‫ألنّها ض ّد املساواة‬
‫وض ّد الدّميقراطيّة‬
‫نحن نرسمل املوت‬
‫يف انتظار العدالة‬
‫أو ظلّها‬
‫عىل األقلّ (صص‪)94-95‬‬

‫وأل ّن وائل شعبو يعتمد الطّباق يف اختيار معجمه‬
‫فقد طابق بني األفعال املنتقاة يف تعريف أوالد‬
‫املسافة‪،‬‬
‫نص بني «الحياة‬
‫يف‬
‫التقابل‬
‫ُطاطة‬
‫خ‬
‫اعتمد‬
‫مثلام‬
‫ّ‬
‫واملوت» ليقيم أسطره الشعريّة عىل التقابل بني‬
‫وخواص املوت‪ .‬يقول‪:‬‬
‫خواص الحياة‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫مرسعة تصعد الحياة الدّرج‬
‫ببطء يهبط املوت (ص‪.)11‬‬
‫ويقول يف «أضحك بغباء»‪:‬‬
‫وألنيّ ال أستمتع بالكذب‬
‫بالصدق‬
‫وال ّ‬
‫وأفكّر أكرث مماّ يجب‬
‫وأعيش أقلّ مماّ يجب‬
‫كثريا ما أضحك بغباء (ص‪)62‬‬
‫ولنئ غلب عىل املجموعة األسلوب التقرير ّي فإ ّن‬
‫وائل شعبو مل يفلت من سلطة اإلنشاء فحرض‬
‫االستفهام املغ ّمس بالحرية واالستغراب فقال‬
‫مخاطبا املوت‪:‬‬
‫أين قداستك وفخامة غموضك؟‬
‫ماذا فعل بك ربيع الخرااااااااب؟‬
‫كيف جعلك رخيصا وصعلوكا؟‬
‫النص األ ّول بل منذ عنوانه‪:‬‬
‫وحرض ال ّنداء منذ ّ‬

‫«أيّها املوت أيّها الوبش»‪ ،‬فجاء املنادى األ ّول عىل‬
‫الحقيقة وجاء املنادى الثاين صفة للمنادى األ ّول‬
‫وإذا العالقة بينهام عالقة بدل ّية إذا اعتربناهام‬
‫متمام واحدا يف عالقة عطف‪ ،‬وهام جملتان‬
‫منفصلتان تركيبا إذا اعتربناهام مستقلّتني ولك ّن‬
‫الداللة تبقى واحدة‪ ،‬والفصل الرتكيبي ال يلغي‬
‫التطابق الداليل‪ ،‬وهذا التنافذ بني الرتكيب والدّاللة‬
‫النص خصوص ّية قد ال تتوفّر يف غريه‪.‬‬
‫مينح ّ‬
‫يف مستوى املحتوى‪ ،‬ميكن التوقف عند موضوعني‬
‫أساسيني اهتم بهام الشاعر يف مجموعته هذه‪،‬‬
‫أ ّولهام املوضوع السيايس وثانيهام فعل الكتابة‪.‬ل‬
‫السيايس عىل املجموعة وظهر‬
‫قد طغى املشغل ّ‬
‫يف تلك السخريّة التي عبرّ عنها يف أكرث من موضع‪،‬‬
‫سخرية من وضع عر ّيب متأرجح وفكر مرتنّح يدعو‬
‫فيه مستب ّد إىل الدميقراط ّية ويدعو فيه مأجور إىل‬
‫الحريّة يقول الشاعر يف الصفحة العرشين‪:‬‬
‫فبكلّ األحوال‬
‫سقط ال ّنظام الديكتاتوري الحاكم‬
‫أو سقطت «الثّورة املص ّنعة استخباريّا» بثوراها‬
‫الذين‬
‫اطي‬
‫يطمعون بحكم‬
‫إسالمي لكن دميقر ّ‬
‫ّ‬
‫أو تصالحا‬

‫أوالد المسافة لوائل شعبو‬

‫عطر يتفلّت من قبضة الهواء لهادي دانيال‬
‫عن ديار للنرش والتوزيع صدرت املجموعة‬
‫الشعريّة «عطر يتفلّت من قبضة الهواء»‬
‫للشاعر هادي دانيال‪ ،‬يف طبعتها األوىل‪ ،‬تونس‬
‫‪.2018‬‬
‫تقع املجموعة يف ‪ 109‬صفحة وتتض ّمن اثنتي‬
‫عرشة قصيدة ترافقها رسوم للفنان عادل‬
‫التلييل‪.‬‬
‫وفىَ هادي دانيال لنهجه الشعري امللتزم يف‬
‫السيايس‬
‫جانب كبري منه بالوطن والوضع ّ‬
‫عا ّمة‪ ،‬ويف جانب آخر باألنا يف عاملها االجتامعي‬
‫والذايت الذي غلب عليه الحنني‪.‬‬
‫نصوص هادي دانيال منغرسة يف اليومي‬
‫السيايس‪ ،‬تنبض عىل وقع الحوادث وتنتعش‬
‫ّ‬
‫للصمود وال ّنرص‪،‬‬
‫باندحار املؤامرة وتهتف ّ‬
‫تهتف لسوريّة مركز الكون الذي تكالبت عليه‬
‫رش من ّكل مكان‪ .‬هي نصوص تقف عىل‬
‫قوى ال ّ‬
‫ٍ‬
‫التفاصيل‪ ،‬وتلتفت إىل استتباعات ألحداث قد‬

‫ال يقف عليها املتابع العادي‪ ،‬هي ريشة الشاعر‬
‫تلتقط ما خلف صورة االستشهاد‪:‬‬
‫«فالشّ هيد البعي ُد كبدر‪ »..‬يرتك خلفه غيابا ينخر‬
‫األحبّة‪ ،‬يرتك‪:‬‬
‫تغص برصختها‬
‫«ثكىل ّ‬
‫السموم عليها تهب‬
‫ورياح ّ‬
‫ُ‬
‫قض مضجعها الهجر جمرا‬
‫وأرملة ّ‬
‫تنتحب‬
‫وآفاقها‬
‫ْ‬
‫واليتامى الوحيدون يف التّيه‬
‫ال أحد سوف يرعاهم عن كثب‬
‫ال الحكومة أ ّمهم‬
‫أب» (صص‪)8-9‬‬
‫وال الله ْ‬

‫الصورة الظّاهرة‪ ،‬خلف‬
‫هو الحفر خلف ّ‬
‫الخطابات الرسم ّية وشبه ال ّرسم ّية‪ ،‬فال معنى‬
‫للخطب التي متدح الشهيد لتتناثر األلفاظ يف‬
‫الهواء وتنطفئ بانتهاء الخطاب‪ .‬ينتبه الشاعر‬
‫إىل أ ّن نجمة الشهيد تزيّن ّكل بيوت الفقراء‪،‬‬

‫سقف‬
‫بيوت سوريّة الحقيق ّية (وأ ّي بيت مل ّ‬
‫يعل َ‬
‫بابه شهيدُ)‪ ،‬وهذه البيوت لن يع ّوضها وسام أو‬
‫نشيد كام لن يفيدا شهيدا لفّه لغياب‪:‬‬
‫«يف سؤاله الغامض عن مقلته الواضح‪:‬‬
‫كالوردة تستعرض بعد القطف‬

‫حكام لن‬
‫يتغيرّ ع ّيل‬
‫وال عىل‬
‫قولوين يشء‪.‬‬
‫مسكونا‬
‫بتاريخ من‬
‫ا لخيبا ت‬
‫وحارض من‬
‫ا لخيا نا ت ‪،‬‬
‫مسكو نا‬
‫بها جس‬
‫ما حدث‬
‫ويحدث من‬
‫دمار لهذه األ ّمة املنكوبة يرسم وائل شعبو صوره‬
‫من واقع املأساة‪ :‬صربا وشتيال‪:‬‬
‫جثث بوضعيات عائل ّية‬
‫رضيع يعلك حلمة امرأة ميتة‬
‫ذئاب يوجعها الثغاء‬
‫كالب تتناهش قطعانها‬
‫جان جينيه ميضغ عينيه‬
‫ويبصقهام يف وجه املسيح الد ّجال‬
‫الساعة‪( .‬ص‪)35‬‬
‫والساعة تجتاز ّ‬

‫يف إناء‬
‫ولن يع ّزي البالد يف دمائه‬
‫الوسا ُم‬
‫والنشيدُ» (ص‪..)16‬‬
‫يعبرّ الشاعر عن خيبة أمل يف رفاق األمس‬
‫الذين سلكوا معه ذات الطريق يوما ولكن‪:‬‬
‫«يحدث أحيانا‬
‫أ ّن رفاق ال ّرحلة صوب القدّس‬
‫لهم قدس أخرى» (ص‪.)51‬‬
‫حاد الكثريون عن البوصلة وتقطّعت بهم‬
‫السبل‪ ،‬ووث ّق الشاعر تلك االنحرافات بكثري من‬
‫الخيبة واإلدانة والوجع‪:‬‬
‫«أنا اآلن أحرث أرض أغا َّين‬
‫أغرس «كارمينا بورانا»‬
‫ُ‬
‫نغمة نغمة‬
‫شتلة شتلة‬
‫من قرنفل روحي‬
‫يف رشفات البالد البعيده‬

‫نقوش على جسد من رخام‪ :‬مجموعة قصصية لمليكة العمراني‬
‫عن دار ميّارة للنرش‪ -‬تونس صدرت املجموعة‬
‫القصصيّة «نقوش عىل جسد من رخام»‬
‫للشاعرة مليكة عمراين يف طبعتها األوىل‬
‫قصة‬
‫‪ ،2018‬وهي مجموعة من اثنتني وثالثني ّ‬
‫تتحيّز يف ‪ 108‬صفحة‪ ،‬نصوص تتفاوت طوال‬
‫الصفحة والخمس صفحات‪ ،‬وهي‬
‫وترتاوح بني ّ‬
‫إىل البوح أقرب‪ ،‬تعلن الكاتبة منذ املق ّدمة‬
‫أنّها حكايات قريبة منها متثل مرحلة فاصلة يف‬
‫حياتها بني زمنني‪« :‬اليوم أغادر خجيل إىل األبد‬
‫قصتي هذه‪ ،‬بعضها حقيقي وبعضها‬
‫وأكتب ّ‬
‫خيا ّيل‪ ،‬يتداخل فيها الواقع بالحلم والحقيقة‬
‫بالخيال‪ .‬اليوم أخلع «ال ّنقاب» عن أحزاين‬

‫املكتومة يف صدري طيلة أربعني عاما أو ما‬
‫يعادلها أو أقل قليال‪ ،‬هي خالصة رحلتي من‬
‫الصارخ» (‪.)7‬‬
‫أجل الكتابة‪ :‬حقيقتنا ووجودنا ّ‬
‫النصوص يف استجابتها إىل بنية رسديّة‬
‫تتفاوت‬
‫ُ‬
‫رصيحة‪ ،‬فتحرض بكلّ مراحلها يف نصوص مثل‬
‫«سأعيش بقلب مكسور» ويف البحث عن‬
‫املعنى‪ ،‬وتغيب وتتح ّول إىل بوح أقرب إىل‬
‫الخاطرة يف نصوص أخرى مثل نقوش يف جسد‬
‫من رخام التي نقرأ منها‪:‬‬
‫«موالي‪ ...‬دعنا اليوم ننفصل عن وجوهنا‪..‬‬
‫فملح العمر قد جفّف يف ال ّدمع مالمحه‬
‫واملدن ترسم بالضباب ديارها‪ ،‬حتّى أحالمها‬

‫ما عادت اليوم تغرينا فقد صارت قدمية‬
‫ج ّدا»(ص‪.)82‬‬
‫حملت مليكة عمراين روح الشعر إىل السرّ د‪،‬‬
‫فكان شعرا رسديّا قوامه البوح والنجوى وهو‬
‫نص « جغرافيا األنا والجرح‬
‫ما نقرؤه يف ّ‬
‫واالنكسار»‪:‬‬
‫«يا أبتي‪ ،‬أ ّي مدينة تستوعب اليوم خراب‬
‫ال ّروح؟ وأ ّي بحر سيغرق ملح دموعنا؟‬
‫وأ ّي النهايات ستكون لنا؟ وذي املرايا قد‬
‫انكرست وسالت منها ال ّدماء خارج الجرح‬
‫الجديد‪(»...‬ص‪.)77‬‬

‫وترشف مليكة العمراين يف نصوص أخرى‬
‫عىل املذكّرات فتستعري بعض تقنياتها فنجد‬
‫يف بطاقة انتامء‪:‬‬
‫السابعة صباحا من يوم شتو ّي بارد‪.‬‬
‫«الزمان‪ّ :‬‬
‫املكان‪ :‬املدينة العتيقة‪.‬‬
‫الحالة‪ :‬إحساس غريب ينتابني ُ‬
‫لست أتبينّ‬
‫مالمحه اآلن‪ ،‬دمي الفتيل وهذا املصباح‬
‫ييضء خطا َي‪ .‬أقدامي سنوات ال شكل لها‪...‬‬
‫(ص‪.)21‬‬
‫هي نصوص مبذاق الشّ عر‪ ،‬أو هي مبذاق‬
‫البوح عن خبايا الروح والتط ّهر دفعا لألمل‬
‫الساردة‪.‬‬
‫واستدعاء لسالم تأخر طويال عن ّ‬

‫يف مستوى فعل الكتابة يعلن الشاعر‬
‫مفهومه للشعر ‪ :‬الشّ عر بالنسبة يل‬
‫مقاومة الغباء البرشي الطبيعي فينا‬
‫ببهاء الهباء» ص‪ .67‬ويكشف عن‬
‫عالقته بالفكرة‪:‬‬
‫نعم أعيد تدوير األفكار‬
‫الفكرة ذات الشّ كل الواحد‬
‫متوت» (ص‪)67‬‬
‫وأل ّن الكتابة إنجاز مخصوص‪ ،‬فقد‬
‫بنص أسامه كتابة ع ّرفها‬
‫خصها الشاعر ّ‬
‫ّ‬
‫فيه وبينّ وظيفتها‪:‬‬
‫الكتابة هي أن أكتشف شيئا‬
‫ال عىل التعيني‬
‫كثريون مثيل يريدون اكتشافه» (ص‪.)44‬‬
‫يف مجموعة وائل شعبو تتعاىل األصدية‪ ،‬صدى‬
‫نصوص بعيدة وصدى نفوس قلقة وصدى شاعر‬
‫يتل ّمس محيطه القريب والبعيد ويرتك بني الفينة‬
‫واألخرى للذات فرصة التعبري عن وجعها واغرتابها‬
‫فتط ّرز نصوصا مثل «أضحك بغباء» و»الرأس‬
‫الذي أرتديه»‪.‬‬
‫نصوص فيها من الحميميّة ما يغري القارئ‬
‫بالتامهي معها فينىس أنّه ليس قائلها‪.‬‬

‫فال ِ‬
‫تبك يا قاتيل‬
‫جثّة يف رسابٍ‬
‫وال تنتظر ظبية‬
‫يف رسير قصيدة (ص‪.)43‬‬
‫فضال عن املشغل السيايس نلحظ يف هذه‬
‫املجموعة حضور الذات يف عالقتها مبن حولها‬
‫واجتياح الحنني لها‪ ،‬ويظهر ذلك يف اإلهداءات‬
‫يخص أصحابها بقصائد فنجد «إىل صديقي‬
‫التي ّ‬
‫ورفيقي املعتّق «أسامة الهندي» (ص‪ ،)87‬إىل‬
‫روح الخال‪ ،‬عفيف الوزّة» (ص‪ ،)73‬حنني‬
‫تشوبه حرية تجلّت يف األسئلة املطلّة بني‬
‫القصيدة واألخرى‪« :‬فاألرض غابتنا األبديّة‬
‫أي رئة الكون‬
‫حني يضيق بأسئلة الكائنات‪:‬‬
‫أمخلوقة هي أم خالقة؟‪( ».‬ص‪.)69‬‬
‫نصوص هادي دانيال‪ ،‬نصوص وفيّة لهويّتها‬
‫وهويّة صاحبها وتغري بنظر عميق يف كلّها‪.‬‬


Aperçu du document منارات جانفي 2.pdf - page 1/16

 
منارات جانفي 2.pdf - page 3/16
منارات جانفي 2.pdf - page 4/16
منارات جانفي 2.pdf - page 5/16
منارات جانفي 2.pdf - page 6/16
 




Télécharger le fichier (PDF)


Télécharger
Formats alternatifs: ZIP Texte



Documents similaires


rapport final jt 20161
moderniteendomagee2 2
civilisation islamique histoire et culture du monde arabe autour de
hist
culture
mouloud mammeri ou la colline emblematique

Sur le même sujet..




🚀  Page générée en 0.032s