منارات فيفري 19 .pdf



Nom original: منارات فيفري 19.pdf

Ce document au format PDF 1.7 a été généré par Adobe InDesign CC 2015 (Macintosh) / Adobe PDF Library 15.0, et a été envoyé sur fichier-pdf.fr le 21/02/2019 à 22:10, depuis l'adresse IP 196.224.x.x. La présente page de téléchargement du fichier a été vue 433 fois.
Taille du document: 923 Ko (9 pages).
Confidentialité: fichier public


Aperçu du document


‫حوار العدد مع األستاذ مسعود الرمضاني‬

‫الملحق الثقافي لجريدة الشعب‬

‫أيّ سلطة تمتلك شيئا من الحكمة‬
‫لن تكتفي بالحلول األمنيّة بل ستسعى إىل تغيري‬
‫األوضاع االجتماعية للمواطنني‪.‬‬
‫الحركة االجتماعية‪ :‬المفاهيم‪،‬‬
‫النماذج التحليلية والحالة التونسية‬
‫منير سعيداني *‬

‫الخميس ‪ 14‬فيفري ‪ - 2019‬املوافق لـ ‪ 12‬جامدى الثانية ‪ - 1440‬العدد ‪75‬‬

‫احلركات االجتامعية يف أبعادها‬
‫املستج ّدة‪ /‬حدودها وآفاقها‬

‫اإلسالم والوطن ‪...‬‬
‫كالهما في خطر‬
‫محمد الجاب ّلي‬

‫الحركات االجتماعية‬
‫الجديدة‬
‫محمد الكيالني‬

‫‪2‬‬

‫الخميس ‪ 14‬فيفري ‪ - 2019‬املوافق لـ ‪ 12‬جامدى الثانية ‪ - 1440‬العدد ‪75‬‬

‫اإلسالم والوطن ‪ ...‬كالهما‬
‫في خطر‬
‫محمد الجابلّي‬

‫تونس بلدنا‪ ،‬نكاد ال نعرفها ‪ ،‬بل نكاد ال نعرف أنفسنا‬
‫‪...‬‬
‫«الساكت عن الحق شيطان أخرس» وكرثة منا‪-‬‬
‫لألسف‪ -‬يف ذلك املقام‪ ،‬مقولة االسالم يف خطر رددها‬
‫البعض يف سياقات كثرية لتربير وصاية واغتنام فرص‬
‫من خالل السطو عىل املقدس الجامعي وتوظيفة‬
‫توظيفا فئويا انتهازيا‪ ،‬لكننا نعلنها حقيقة نعايشها‬
‫اليوم حيث نشطت معاول الهدم لتعبث بكل قيمنا‬
‫الجميلة حني يلتقي املال بالجهل يتداعى كل أصيل من حولنا برسعة عجيبة‪.‬‬
‫مل نتفاجأ باإلحصاءات الرسمية التي تعلن قوافل الهجرة امل ُتعاقبة لعرشات اآلالف من‬
‫كفاءاتنا ‪ :‬أطباء ومهندسون وجامعيون يف شتى االختصاصات وأصحاب مهارات كثرية‪ ،‬من‬
‫أولئك الذين تربوا من تربة هذا الوطن وتشبعوا مبائه وتخرجوا من مدارسه ومعاهده‬
‫وكلياته ‪...‬بعضهم مل يجد يف الوطن مكانا بل موطيء قدم يف زحامنا الجديد‪ ،‬زحام تقوده‬
‫فيئة جديدة من ُمهمشني ومرتبصني‪ ،‬وجدوا مسلكا يسريا للوجاهة والكسب بعيدا عن‬
‫العلم واملعرفة وسهر الليل ومشقة االمتحان‪ ،‬فئة لها ثقافة جديدة ومصطلحات ذات‬
‫بريق بألفاظ لها رنني ووقع‪« ،‬الشيخ واألمري والقائد‪...‬والعالمة والفقيه واملجاهد واملقاتل‬
‫واملهاجر‪...‬أبوحمزة وأبو فالن وأبو عالن‪ »...‬تذكرت حديث أيب حيان التوحيدي «عن‬
‫الشطار والعيارين» وعن تلك الثورة التي حصلت يف بغداد وانقلبت معها قيم وأحوال‬
‫كثرية ‪...‬أنهى حديثه بالقول متعجبا «ولله يف خلقه شؤون»‪...‬‬
‫ثروتنا البرشية تتبدّد أمام أعيننا كل يوم من هجرة الكفاءات عرب العقود املغرية إىل‬
‫هجرة السواعد الشابة عرب «الحرقة واملغامرة» ويف املقابل تطالعنا ثقافة أخرى صاعدة‬
‫ومهارات جديدة وأسواق ومدارس‪ ،‬خاليا موازية تنشط يف القاع ولها أموال وتخطيط‬
‫ومنهج وإرصار‪ ،‬ولها دعاية نشطة فال عجب أن ترى دعاية لدورات تدريبية رسيعة‬
‫مدتها ‪-‬أيام ال غري‪ -‬ليحصل الشاب أو الشابة بعدها عىل كفاءة تتيح له موقعا ورزقا‪:‬‬
‫« من تغسيل املوىت إىل طب الحجامة إىل الطب النبوي إىل الرقية الرشعية‪ »...‬خربات‬
‫كنا نعرفها دون تقنني أو تعليم عند بعض كبار القرية أو الحي وهي معلومة بالرضورة‬
‫والتواتر والكفاية ونتعايش معها كثقافة شعبية دون وساطة أو تجارة أو تلقني ماكر‪...‬‬
‫كفاءات تهاجر يستقطبها الغرب‪ ،‬و»كفاءات « بديلة تفرخ عنقوديا داخل األوساط‬
‫الشعبية كخاليا النمل تعلن ثقافة جديدة ومهارات بديلة و»علوما « مدعومة مبال‬
‫ووسطاء وسند رشعي – تدعيه‪ -‬وآخر ترشيعي تفتعله أو تنتزعه‪...‬‬
‫سلطان املال يف مواجهة سلطان العلم واملعرفة‪ ،‬ومن هنا تبدأ صناعة اإلرهاب واستغالل‬
‫املقدس يف تلك الصناعة عرب تحويل وجهة الطاقة البرشية من الحضور إىل الغياب‪،‬‬
‫ومن صلة بالحارض و ُممكنات الفعل فيه إىل وعي مريض باملايض والسعي إىل استدعائه‬
‫واإلقامة فيه‪...‬‬
‫االسالم يف خطر بسبب سطوة الدجالني واملشعوذين‪ ،‬من خالل العبث مبقوماته‪ ،‬حني‬
‫يدخله الوسطاء والسامرسة يف مسالك السوق والتسوق يف الربح التجاري والسيايس‪ ،‬حني‬
‫يُفرغونه من دوافع الحياة والقيم والجامل ويشحنونه بدوافع املوت والفرقة واالختالف‬
‫‪...‬‬
‫واألخطر أن يتبنى البعض التعاليم الوهابية التي نشأت من أحضان ومكر االستخبارات‬
‫الربيطانية بتوجيه من «لورنس العرب» ليجعل منها مسلكا تعليميا وتثقيفيا يُحدث خلال‬
‫أو فريوسا ُمتخلفا يف الطفولة ليصنع مسوخا مستقبلية تناقض الحياة مبمكناتها وتنقض‬
‫اإلسالم بتعاليمه اإلنسانية‪...‬‬
‫وما حدث ‪ -‬كام يقول اشبنغلر‪« -‬يُدرج يف باب السري وليس يف باب الصريورة‪ ،‬إنه يُدرج‬
‫يف باب املتحجر‪...‬وهو ينتمي دون شك إىل املايض حيث تكمن ينابيع رعبنا من العامل»‬
‫عجزنا يف الحارض يجعلنا نرتدي جلباب املايض لنمثل مأساة العرص وملهاته كذلك‪ ،‬لنشوه‬
‫املعاش واملعاد‪ ،‬ولنفسد الدين والدنيا‪ ،‬خلطة الجهل والقداسة من أشد الخلطات تف ُجرا‬
‫وعرقلة ودمارا لذلك ينرشها العمالء وتُفتح من أجلها خزائن األموال امللوثة برائحة‬
‫النفط والدماء‪...‬‬
‫منذ عقود وخرباء االسرتاتيجيات يف مراكز البحث والدراسة يهيئون ملا نحن فيه – عرب‬
‫األيدي القذرة – التي تعيش معنا وتأكل من زادنا من ذلك ما أشار إليه رتشارد ويفر يف‬
‫كتابه األفكار لها نتائج من أن نجاح العوملة مرهون برشوط من أهمها ‪ :‬تفتيت القيم‬
‫أو املعتقدات الجامعية التي تُحقق ائتالف الجامعات لتكون محلّ تنازع وفرقة‪ ،‬ومن‬
‫ذلك إضعاف الحكومات وتقوية العصابات لتكون ذات نفوذ فاعل ورضب املقومات‬
‫واملسارات التقليدية التي تطمنئ لها الجامعات البرشية بقصد إرباكها‪...‬‬
‫ويبدو أن األحداث املخجلة واملتسارعة التي نعايشها تدخل ضمن تلك اآلليات التي‬
‫تعمل عىل تقويض ما كنا نطمنئ إليه نسبيا ونسعى إىل تطويره‪ ،‬وما السكوت الطويل‬
‫عن مأساة التعليم العمومي إال جانب ظاهر منها وما انكشف من «أوكار التعاليم‬
‫الوهابية التكفريية» إال بعض من تلك الهوة السحيقة التي ينفذها العمالء بأيدي الجهلة‬
‫املغرورين باملال والنفوذ ‪...‬‬
‫صمود رجال التعليم أعطى درسا يف املقاومة والوعي بالفخاخ الكثرية ‪ -‬الخفي منها‬
‫والظاهر‪ -‬نحن يف قلب املحنة فلنصنع منها امتحانا يف الوطنية والوعي بالتباسات‬
‫اللحظة ومخاطرها ورضوراتها‪...‬‬
‫فلنتصدّى بطاقاتنا الوطنية الخرية لتحالف انتهازي ُمد ّمر جمع بني تجار‬
‫«ما قبل التخلّف وتجار ما بعد الحداثة»‬

‫جائزة ابن بطوطة ‪ 2019‬ألدب الرحلة‬

‫‪ 6‬فيفري ذكرى الشهيد‬

‫ْ‬
‫مَأسسة اإلرهاب وشرعنة االغتياالت‬
‫اغتيال شكري بلعيد أنموذجاً‬

‫تواصل إحياء روح املغامرة‬

‫أعلن أخريا يف أبوظبي ولندن عن نتائج الدورة السابعة عرشة لـ”جائزة ابن‬
‫بطوطة ألدب الرحلة” للعام ‪ ،2019‬وهي الجائزة التي مينحها “املركز العريب‬
‫لألدب الجغرايف‪-‬ارتياد اآلفاق” ‪ ،‬ويرشف عليها مدير عام املركز الشاعر نوري‬
‫الجراح‪.‬‬
‫وقد تألفت لجنة لتحكيم الجائزة هذا العام من األساتذة خلدون الشمعة‪،‬‬
‫عبدالرحمن بسيسو‪ ،‬وليد عالءالدين‪ ،‬الطائع الحداوي‪ ،‬شعيب حليفي‪.‬‬
‫وفق ما جاء يف بيان “جائزة ابن بطوطة ألدب الرحلة” لدورتها هذا العام فقد‬
‫بلغ عدد املخطوطات املشاركة ‪ 51‬مخطوطة جاءت من ‪ 12‬بلدا عربيا‪ ،‬توزعت‬
‫عىل الرحلة املعارصة‪ ،‬واملخطوطات املحققة‪ ،‬واليوميات‪ ،‬والرحلة املرتجمة‪ .‬وقد‬
‫نُ ِز َع ْت أسام ُء املشاركني من املخطوطات قبل تسليمها ألعضاء لجنة التحكيم‬
‫لدواعي الرسيّة وسالمة األداء‪.‬‬
‫وجرت تصفية أوىل تم مبوجبها استبعاد األعامل التي مل تستجب للرشوط‬
‫العلمية املنصوص عليها بالنسبة إىل التحقيق‪ ،‬والدراسة‪ ،‬أو ما غاب عنه املستوى‬
‫بالنسبة إىل الجائزة التي متنحها الدارة لألعامل املعارصة‪ .‬ويف التصفية الثانية‬
‫بلغ عدد املخطوطات ‪ 21‬مخطوطة‪ ،‬ويف التصفية النهائية‪ ،‬تم إقرار الفائزين‪.‬‬
‫ففي فرع “النصوص الرحلية املحققة” من الجائزة ارتأت اللجنة تتويج ‪:‬كتاب‬
‫السفر إىل إسالمبول‪ ،‬ونشوة املدام يف العودة إىل مدينة‬
‫“نَشْ َوة الشَّ مول يف َّ‬
‫اآللويس (‪ )-1854 1802‬حققها وقدم‬
‫الدين‬
‫شهاب‬
‫محمود‬
‫السالم” أليب الثناء‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫لها هيثم رسحان‪.‬‬
‫وكتاب “أسفار فتح الله الحلبي ‪ ”1830-1842‬حققها وقدم لها أسامة بن‬
‫سليامن الفليّح‪.‬‬
‫وفاز بالجائزة عن فرع “الرحلة املعارصة‪-‬سندباد الجديد” أربعة كتب هي‬
‫“أسفار االستوائية‪ :‬رحالت يف قارة أفريقيا” لعثامن أحمد حسن من السودان‪،‬‬
‫و”مرح اآللهة‪ 40 :‬يوما يف الهند” للمرصي مهدي مبارك‪“ ،‬يف بالد السامبا‪:‬‬
‫يوميات عريب يف الربازيل” مختار سعد شحاته من مرص كذلك‪ ،‬ختاما بكتاب‬
‫“رحلة العودة إىل الجبل‪ :‬يوميات يف ظالل الحرب” للسورية خلود رشف‪.‬‬
‫وفاز بالجائزة عن فرع “اليوميات” الكاتب السوري خريي الذهبي عن كتابه‬
‫“من دمشق إىل حيفا‪ 300 :‬يوم يف األرس اإلرسائييل”‪ .‬أما فرع “الرتجمة” من‬
‫الجائزة ففازت به كتب “وراء الشمس‪ :‬يوميات كاتب أحوازي يف زنازين إيران‬
‫الرسية” ليوسف عزيزي من إيران‪ ،‬وقد ترجمه السعودي عائض محمد آل ربيع‪،‬‬
‫كام نال الجائزة كتاب “فاس‪ :‬الطواف سبعا” للكاتب األملاين شتيفان فايدنر‪،‬‬
‫برتجمة كامريان حوج من سوريا‪.‬‬
‫فيام حجبت هذا العام جائزة الدراسات لعدم كفاءة النصوص املشاركة‪.‬‬

‫محور العدد القادم‬

‫وستصدر األعامل الفائزة عن “دار السويدي” يف سالسل “ارتياد اآلفاق” للرحلة‬
‫املحققة والرحلة املعارصة “سندباد الجديد” والرحلة املرتجمة واليوميات‪،‬‬
‫وذلك بالتعاون مع “املؤسسة العربية للدراسات والنرش” يف بريوت‪ .‬أما الرحلة‬
‫املرتجمة واألعامل املنوه بها من قبل لجنة الجائزة من يوميات ورحالت فتنرش‬
‫بالتعاون مع “دار املتوسط” يف ميالنو‪.‬‬
‫وتوزع الجوائز يف احتفالني متعاقبني يقامان األول يف الدار البيضاء وتستضيفه‬
‫وزارة الثقافة املغربية يف ‪ 10‬فرباير القادم خالل معرض الكتاب‪ ،‬ويقام الثاين يف‬
‫أبوظبي أواخر شهر أبريل خالل معرض أبوظبي للكتاب‪.‬‬
‫إىل جانب املخطوطات الفائزة وتلك التي أوصت اللجنة بطبعها تبنت الجائزة‬
‫نرش عدد من الرحالت املعارصة واليوميات جاءت إما بشكل منفصل عن‬
‫الجائزة‪ ،‬وإما مام اختارته لجنة التحكيم لقيمته االستثنائية‪ ،‬وسيجري اإلعالن‬
‫عن هذه الرحالت الحقا يف بيان منفصل‪ .‬لكن الجائزة عربت هذا العام عن‬
‫استمرارها يف الكشف عن الجديد باب اليوميات والرحلة املعارصة‪ ،‬والكشف‬
‫بالتايل عن يوميات ألقالم عربية مرموقة‪ ،‬مل يسبق لها أن غامرت يف كتابة أدب‬
‫الرحلة وأخرى جديدة‪ .‬لتضيف النصوص الفائزة إىل كوكبة الرحالة املعارصين‬
‫مغامرين جددا‪ ،‬وإىل أدباء هذا اللون األديب املمتع أسامء جديدة‪.‬‬
‫ورأى الشاعر نوري الجراح‪ ،‬املرشف عىل أعامل “املركز العريب لألدب الجغرايف”‬
‫وندوته العلمية وجائزته السنوية‪ ،‬أن املؤلفات الفائزة هذا العام تؤكد مجددا‬
‫عىل تزايد االهتامم بأدب الرحلة من قبل الباحثني واألدباء العرب‪ .‬وإىل جانب‬
‫إقبال الكتاب الجدد عىل كتابة يومياتهم يف السفر نشطت األكادمييا العربية‬
‫يف تقديم دراسات جادة يف هذا اللون األديب املمتع والخطري‪ .‬وهو ما يكشف‬
‫بصورة جلية أوالً عن الدور املتعاظم للجائزة وملرشوع “ارتياد اآلفاق” يف تشجيع‬
‫األدباء والدارسني العرب‪ ،‬وحضهم عىل تطوير البحث والكتابة يف هذا املضامر‪.‬‬
‫مراسلة املغرب ملنارات‬

‫محور العدد القادم ‪:‬‬

‫حقوق المرأة في تونس‬
‫بين النص والواقع‬

‫البريد االلكتروني ‪manaratculturel@gmail.com :‬‬

‫المدير المسؤول‬

‫نورالدين الطبوبي‬

‫‪3‬‬

‫الخميس ‪ 14‬فيفري ‪ - 2019‬املوافق لـ ‪ 12‬جامدى الثانية ‪ - 1440‬العدد ‪75‬‬

‫المدير‬

‫أسرة التحرير‬

‫سامي الطاهري‬

‫ منتصر الحملي ‪ -‬رشيدة الشارني ‪ -‬حسني عبد الرحيم ‪ -‬سعدية بن سالم‬‫إشراف وتنسيق ‪ :‬محمد الجابلي‬
‫اإلخراج الفني ‪ :‬محمد كريم السعدي‬
‫السحب ‪ :‬مطبعة دار األنوار ‪ -‬الرشقية ‪ -‬تونس‬

‫املقر ‪ 41 :‬شارع عيل درغوث ‪ -‬تونس ‪ - 1001‬الهاتف ‪ / 71 330 291 - 71 255 020 :‬الفاكس ‪- 71 355 139 :‬‬
‫العنوان االلكرتوين ‪ - manaratculturel@gmail.com :‬الحساب الجاري بالربيد ‪300 - 51 :‬‬

‫العريب بن ثاير*‬

‫الشّ امل) تكفي لفهم الفكر التّوتاليتاري الذي يدعو إليه‪.‬‬

‫ريقت ِدمائـــــــــــــي *** فَ ِد َما ُء‬
‫ال أبايل وإ ْن أُ ْ‬
‫ال ُعشَّ اق َد ْوماً ُم َبا َح ْه‬
‫ِ‬
‫ضَ يَّ َع ال َّد ْه ُر َم ْج َد شَ ْعبِي َولك ْن*** َس َ ُت ُّد ال َحيَاة ُ يَوماً‬
‫وِشَ ا َح ْه‬
‫الشاعر الخالد أبو القاسم الشايب‬

‫اغتيال اليساريّين في العالم العربي‬
‫خاصة يف البالد العرب ّية‪ ،‬كأنّ ا‬
‫منذ ظهور التّيار التّقدمي عا ّمة واليسار ّي ّ‬
‫السيايس وال ّديني إليه‪ ،‬وتع ّددت عمليات‬
‫تو ّجهت أنظار محرتيف االغتيال ّ‬
‫اغتيال شخص ّياته وزعامئه ورموزه؛ لدوا ِع يضيق عنها املقام‪ .‬ولذلك فإ ّن‬
‫اغتيال شهيد تونس الح ّرة‪ ،‬ال ّزعيم التّقدمي الكبري شكري بلعيد‪ ،‬يُحيي يف‬
‫ياسيي واملفكّرين والف ّنانني‬
‫األذهان ذاكرة مؤملة لسلسلة من اغتياالت ّ‬
‫الس ّ‬
‫وغسان كنفاين مهدي عامل‬
‫اليساريي أمثال كامل جمبالط وحسني مر ّوة ّ‬
‫ّ‬
‫وناجي الع ّيل وبوعيل مصطفى – وإن كان بعضها بأيا ٍد صهيون ّية ‪ -‬التي‬
‫كانت سمة بارزة من سامت العقود املاضية يف املنطقة العربيّة‪ ،‬الذين‬
‫تحلّوا جميعهم بخصال متشابهة‪ :‬ق ّوة الشّ خص ّية ‪ -‬ح ّدة الذّكاء الوقّاد‪-‬‬
‫الكاريزما والتّأثري – القدرة عىل العمل والحركة املتواصلني‪ -‬العطاء بال‬
‫حساب‪ -‬مالزمة الحالة الثوريّة والتّعفف عن حالة التّربجز الفكر ّي أو‬
‫ّوريي‪ -‬القدرة عىل تغيري ال‬
‫العم ّيل التي قد تصيب ّ‬
‫السيايس واملثقف الث ّ‬
‫الحس الجامهريي سواء بالتّنظري أو بالخطابة‬
‫القاعدة الحزب ّية فقط بل ّ‬
‫اليي‬
‫أو بالفعل التّواصيل ال ّنافذ ّ‬
‫والسليم ال ّرابط لليسار مع اآلخرين اللّيرب ّ‬
‫والوسطيي من خالل املامرسة – التّفاين من أجل الحزب والفكر‪ ،‬جنبا‬
‫ّ‬
‫صف القضايا‬
‫إىل جنب مع التّفاين يف خدمة الوطن‪ ،‬ومع الوقوف إىل ّ‬
‫الوطن ّية واالجتامع ّية والحقوق ّية العادلة عرب العامل – التّواضع مع يشء‬
‫والصادقة– القدرة عىل‬
‫من االعتداد بالنفس‪ -‬املواجهة بالكلمة الح ّرة ّ‬
‫التّفكري والتّنظري والتّنظيم –القدرة عىل التّأقلم برسعة مع معطيات الواقع‬
‫– استيعاب ال ّدروس – رسعة تحويل الفشل إىل نجاح– اإلسهام يف تشكيل‬
‫السياسويّة‪...‬إلخ‪ .‬لقد‬
‫السياسة الذي ينبذ ّ‬
‫صورة جديدة ومختلفة عن رجل ّ‬
‫نجح شكري بلعيد بالخروج بالخطاب السيايس عن نسقية األدلجة الجافة‬
‫واملسقطة واملمجوجة أحيانا و الشعاراتية الجوفاء وتخشب اللغة ويف حني‬
‫أراد السالميون إغراق الشعب يف الهوس الهووي اشتغل عىل هو عىل ظفر‬
‫جديلة تؤلف بني البعد الحضاري للمنجز اإلسالمي عرب تاريخنا واملعرفية‬
‫اإلنسانية العامة فقدم للتونسيني بلغة قريبة من لغتهم صورا ً مرشقة عن‬
‫ذاتهم الوطنية والحضارية تنساب يف مسارب واقعهم املعيش فساعدهم‬
‫عىل إدراك املفاهيم الفكرية الغامضة لليسار عامة بربطها بحياتهم اليومية‬
‫بحلوها وم ّرها‪ ،‬بأسلوب ساحر؛ فإذا هم كأنهم يكتشفونها بأنفسهم‬
‫اكتشافاً فيتبنونها وكأنهم هم من يبدعونها وينشئونها إنشا ًء‪.‬‬
‫لقد أراد اإلسالم السيايس‪ ،‬باغتيال الشّ هيد شكري بلعيد‪ ،‬أن يصيبوا اليسار‬
‫التونيس والعر ّيب يف مقتل؛ ألنّهم يريدون اغتيال إرادة حضاريّة دميقراطيّة‬
‫ّ‬
‫السلم ّية وتجلّت يف أثنائها وبدأت‬
‫ة‬
‫ي‬
‫ونس‬
‫ت‬
‫ال‬
‫ّورة‬
‫ث‬
‫ال‬
‫قبل‬
‫نشأت‬
‫ة‬
‫تق ّدم ّي‬
‫ّ‬
‫ّ ّ‬
‫السلم والتّسامح والتّقارب والعيش‬
‫تتج ّذ ُر بعدها‪ ،‬وهي إرادة تؤمن بقيم ّ‬
‫الصادقة القامئة عىل املواطنة‬
‫ة‬
‫معا‪ ،‬وتعمل عىل إعادة االعتبار للوطن ّي ّ‬
‫السلمي الجديد والعظيم‬
‫ّ‬
‫الصحيحة‪ ،‬إنّهم يسعون إىل إجهاض ال ّدفق ّ‬
‫لليسار الشّ عبي ال يف تونس فقط بل يف العامل‪ ...‬ولكن صنيعهم س ُيسهم‬
‫السلبيّة املشبّعة –خطأ ‪ -‬بالعنف‬
‫يف زوال غشاوات عديدة منها ّ‬
‫الصورة ّ‬
‫واالغرتاب والفئويّة الشّ ائعة عن اليسار يف مخيال ال ّناس بفعل التّوجيه‬
‫السيايس والقوى ال ّدينيّة واالجتامعيّة املحافظة عامة‪.‬‬
‫اإليديولوجي لإلسالم ّ‬
‫ّ‬
‫وتونس عرب شهيدها اليسار ّي العظيم شكري بلعيد تُدخل اليسار العريب‬
‫مواطني‬
‫والعامل الثّالث إىل نسغ اليسار يف العامل ما بعد حائط برلني بفكر‬
‫ّ‬
‫اطي يؤمن باالختالف قوال وفعال وتنظيام‪ ،‬ولهذا فإ ّن روح شكري‬
‫دميقر ّ‬
‫بلعيد العظيم الكريم سوف تسامح حتّى أولئك الذين اتّهموه يف رشفه‬
‫الوطني وحتى أولئك الذين اتّهموه بالكفر برشط واحد أن يثوبوا إىل‬
‫وطنيّتهم ويؤمنوا بوطنهم وشعبهم‪.‬‬

‫مقدمة‬
‫عىل خالف املجرمني الذين يقتلون لصالحهم‬
‫الشّ خيص أو العشائري فيام يتعلّق مبصالح اقتصاديّة‬
‫يايس‪ ،‬هناك مجرمون قتلة‬
‫أو اجتامع ّية غري متّصلة بالشّ أنني ال ّديني ّ‬
‫والس ّ‬
‫السيايس‪ ،‬هؤالء يُدرِجون الله واأل ّمة يف حساباتهم‬
‫ّ‬
‫مختصصون يف االغتيال ّ‬
‫يايس؛ أل ّن هناك َمن ينظّر لهم للعنف واإلقصاء‪ ،‬ومن‬
‫والس‬
‫يني‬
‫د‬
‫ال‬
‫باملعنيني‬
‫ّ‬
‫ّ ّ‬
‫الصورة أو تلك‬
‫يؤسس لنسق القتل‪ ،‬وأل ّن هناك من يدافع عنهم بهذه ّ‬
‫ّ‬
‫بالصمت‪ .‬إنّهم يتق ّربون إىل الله بالقتل‪ ،‬وإ ّن ذلك من صميم العبادة‬
‫حتى‬
‫ّ‬
‫عندهم‪ ،‬ويف قلب إيديولوجيّة االستخالف يف األرض التي يحملون‪ .‬وهناك‬
‫سب شكري بلعيد واعتدوا‬
‫أيضا خ ّدام صاغرون للقتلة؛ فالذين أوغلوا يف ّ‬
‫الوطني واتّهموه بأنّه بوليس سيايس‪ ،‬مربمجون إيديولوجيّا ال‬
‫عىل رشفه‬
‫ّ‬
‫يعريون معه اهتامما لآلية‪َ ﴿ :‬م ْن قَتَلَ نَف ًْسا ِبغ ْ َِي نَف ٍْس أَ ْو ف ََسا ٍد ِف الْ َ ْر ِض‬
‫اس َج ِمي ًعا﴾‪ ،‬لذلك بلغ األمر بهم أن أباحوا دمه عل ًنا يف‬
‫فَ َكأَنَّ َا قَتَلَ ال َّن َ‬
‫الصالة عليه بعد مقتله‪ ،‬مشحونون باملق ّدس‬
‫املساجد‪ ،‬ث ّم أعلنوا ُحرمة ّ‬
‫الخاصة القامئة عىل التّأويل املغالط‪ ،‬واالقتباس املو ّجه‬
‫عىل طريقتهم‬
‫ّ‬
‫توتاليتاريّا للنصوص‪ ،‬واالغتيال اللّفظي وال ّرمز ّي والفع ّيل‪ .‬هؤالء يستحيل‬
‫السيايس‬
‫عليهم – إيديولوجيّا ‪ -‬أن يتمكّنوا من استشفاف صورة ال ّرجل‬
‫ّ‬
‫الصورة الجديدة التي ينحتها رجال من تونس الح ّرة كان‬
‫املد ّين ال ّنظيف‪ّ ،‬‬
‫من أه ّمهم الشّ هيد شكري بلعيد‪ .‬إنّه عمى البصرية وصمم العقل ال ّدغام ّيئ‬
‫السيايس»‪.‬‬
‫املطلق‪ .‬وهذا ما ميكن أن نطلق عليه مصطلح « مأسسة االغتيال‬
‫ّ‬
‫مأسسة االغتيال السياسيّ في العصر الحديث‪:‬‬
‫السنة‬
‫السنية غالبا‪ ،‬إذ أن أهل ُّ‬
‫لنئ ارتبط االغتيال –تاريخيّا‪ -‬بالفرق غري ُّ‬
‫السنة‬
‫أهل‬
‫يف‬
‫يظهر‬
‫أن‬
‫الغريب‬
‫يُفتون ب ُحرمة االغتيال عادة‪ ،‬فليس من‬
‫ُّ‬
‫رشع ألخطر أنواع التّكفري وأوسعها انتشارا يف التّاريخ العريب ومم ّه ٌد‬
‫فكر م ّ‬
‫السيايس «‬
‫اإلسالم‬
‫س‬
‫مؤس‬
‫نذكر‬
‫املعارصة‬
‫ات‬
‫ري‬
‫نظ‬
‫ت‬
‫ال‬
‫فمن‬
‫االغتيال؛‬
‫لفكر‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫سيّد قطب » ( ‪ 9‬أكتوبر ‪1906‬م ‪ 29 -‬أوت‪ /‬أغسطس ‪1966‬م) الذي هو‬
‫مؤسيس اإلسالم التّكفري ّي املعارص‪ .‬لقد قال عنه‬
‫ يف الوقت نفسه ‪ -‬رأس ّ‬‫ال ّزعيم الحايل للقاعدة «أمين الظواهري « يف صحيفة «الرشق األوسط»‪،‬‬
‫عدد ‪ 8407-‬يف ‪19/9/1422‬هـ‪ « :‬إ ّن س ّيد قطب هو الذي وضع دستور‬
‫«الجهاديي « يف كتابه ال ّديناميت «معامل يف الطريق»‪ ،‬وإ ّن سيّد هو مصدر‬
‫ّ‬
‫اإلحياء األصو ّيل‪ ،‬وإ ّن كتابه «العدالة االجتامع ّية يف اإلسالم» يع ّد أه ّم إنتاج‬
‫عق ّيل وفكر ّي للتيّارات األصوليّة‪ ،‬وإ ّن فكره كان رشارة البدء يف إشعال‬
‫الثّورة اإلسالم ّية ض ّد أعداء اإلسالم يف ال ّداخل والخارج‪ ،‬والتي ما زالت‬
‫فصولها الداميّة تتج ّدد يوماً بعد يوم»‪ .‬وفيام يأيت ثالث سياقات فلنتأ ّملها‪:‬‬
‫يقول « س ّيد قطب » يف تفسريه «يف ظالل القرآن» ‪ « :‬لقد استدار ال ّزمان‬
‫كهيئة يوم جاء هذا ال ِّدين إىل البرشيّة بـ «ال إله إال الله»؛ فقد ارت ّدت‬
‫البرشيّة إىل عبادة ال ِعباد» (‪ .)2/1057‬فام عالقة هذا بالفكر الذي مبج ّرد‬
‫قول « ال إل َه إالّ الله » يدخل املرء يف عداد املؤمنني؟ ويكفي أ ْن نالح َظ أ ّن‬
‫سيد قطب مل يست ِنث أحدا ً من هذه ال ّر ّدة الجامع ّية‪.‬‬
‫ويقول أيضا‪« :‬إنّه ليس عىل وجه األرض اليوم دولة مسلمة وال مجتمع‬
‫اإلسالمي» (‪.)4/2122‬‬
‫مسلم قاعدة التّعامل فيه هي رشيعة الله والفقه‬
‫ّ‬
‫ونالحظ أنّه ج َم َع ال ّدولة واملجتمع‪ ،‬ومل يحرص األمر يف الحكم أو يف نخب‬
‫مع ّينة‪.‬‬
‫مم أسلفنا آنفا أ ّن غاية الجهاد يف اإلسالم‬
‫ويقول أيضا‪ « :‬لعلَّك تبيّنت ّ‬
‫مم يريده اإلسالم ويضعه‬
‫بل‬
‫(‪)...‬‬
‫ملبادئه‬
‫هي هدم بنيان ال ّنظم املناقضة‬
‫ّ‬
‫نصب عينيه‪ ،‬أ ْن يحدث هذا االنقالب الشّ امل يف جميع أنحاء املعمورة »‬
‫(‪ .)3/1451‬ونالحظ أ ّن الكلامت املستخدمة (هدم بنيان ال ّنظم ‪ -‬االنقالب‬

‫االغتيال مدخ ًال الغتصاب الحكم وبوابّة لقوى الهيمنة‬
‫يف حني يسعى ال ّدميقراط ّيون إىل وحدة وطن ّية يف إطار التّسامح ونبذ‬
‫العنف وهي آخر ال ّدعوات التي رفع لؤاءها الشّ هيد شكري بلعيد حني دعا‬
‫السياس ّية‬
‫مؤ ّخرا إىل تنظيم مؤمتر وطني ض ّد العنف يض ّم جميع الفعال ّيات ّ‬
‫والجمعياتيّة يف الحكم واملعارضة‪ ...‬يقرأ األصوليّون اإلسالميون ‪-‬إيديولوجيّا‬
‫السيايس التّونيس وحتّى قطاعات كبرية من املجتمع املدين يف‬
‫‪ -‬املجتمع ّ‬

‫ضوء إسقاط اآلية اآلتية‪﴿ :‬وأع ّدوا لهم ما استطعتم من ق ّوة ومن رباط‬
‫الخيل ترهبون به عد ّو الله وعدوكم وآخرين من دونهم ال تعلمونهم الله‬
‫يعلمهم وما تنفقوا من يشء يف سبيل الله َّ‬
‫يوف إليكم وأنتم ال تظلمون﴾‬
‫السياس ّية‬
‫ّبقة‬
‫ط‬
‫ال‬
‫يعتربون‬
‫بل‬
‫ألنّهم ال يعتربون املجتمع التونيس متجانسا‬
‫ّ‬
‫واملدن ّية الحداث ّية ربيبة «للكفّار» حسب توصيفهم‪ ،‬الذين ال يستنكفون‬
‫– ويا املفارقة! ‪ -‬من العيش بني ظهرانيهم يف الغرب‪ ،‬والتّمتع بعلامن ّيتهم‬
‫الجزئ ّية أو الكلّية ودميقراط ّيتهم الكافرة أو املؤمنة‪ .‬األصول ّيون اإلسالم ّيون‬
‫التونيس زائغ‪ ،‬وأن نخبته «تش ّن» حربا عليهم‪،‬‬
‫يتو ّهمون أ ّن املجتمع‬
‫ّ‬
‫السياس ّية بق ّوة‬
‫السيايس‪ .‬فأ ّي فرض للذّات ّ‬
‫وأ ّن «عالجها» هو االغتيال ّ‬
‫اإلكراه‪ ،‬بق ّوة اإلسكات‪ ،‬بق ّوة اإلخامد‪ ،‬بق ّوة ال ّرعب واإلرهاب هذا؟ هؤالء‬
‫الشع ّية فقط بل املرشوع ّية كفكر ومنهج‬
‫األصول ّيون شعروا أنّهم مل يُفقدوا ّ‬
‫وسلوك لدى أغلب ّية الشّ عب‪ ،‬ولذلك خَلقوا الظّروف الكاملة لالغتيال‬
‫التونيس يف املدن الكربى ومدن ال ّداخل وقراها يفرض‬
‫السيايس‪ .‬فالشّ عب‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫يوماً إثْر يوم إزاحة سلم ّية وتلقائ ّية ‪ -‬كأنّها منهج ّية‪ -‬لإلسالم ّيني من حياته‪.‬‬
‫ولكن ما مل ترتق ال ّنخبة ال ّدميقراط ّية إىل مستوى الحدث فإ ّن األصول ّيني‬
‫ننس أ ّن أوروبا لن‬
‫قد يغتالون طعم الحياة الكرمية من شفاه أبنائه‪ ،‬وال َ‬
‫تقبل وجود َم ْف َرخَة لإلرهاب عىل بُعد أميال منها‪ ،‬ولذلك يُخىش أن ت َُرس َم‬
‫مشاري ُع الهيمنة عىل البالد تحت تعلّة اإلنقاذ (كام حدث يف ال ّنموذج‬
‫الشع ّية عىل ذلك متح ّججاً بالوجود‬
‫األفغاين واملايل)‪ ،‬وس ُيضفي‬
‫الغرب ّ‬
‫ُ‬
‫اإلرها ّيب الكار ّيث وطابعه العابر للحدود يف ظلّ تفكّك ال ّدولة‪.‬‬
‫خاتمة‬
‫سيايس كبري إىل زعيم‬
‫االغتيال ح ّول الشّ هيد شكري بلعيد من رجل‬
‫ّ‬
‫عاملي للكرامة والحريّة والقيم اإلنسان ّية التّق ّدم ّية والعدالة‬
‫وطني ورمز ّ‬
‫ّ‬
‫االجتامع ّية‪ ...‬ولك ّن اإلرهاب ال يريد االعرتاف بفشله أمام هذه القيم‪،‬‬
‫ويسلك كال ّنعامة مع الحقيقة‪ ،‬ورغم ذلك ليس من العسري أن نالحظ‬
‫بحب‬
‫ونيس ب تتمثّل يف التّ ّ‬
‫مسك ّ‬
‫أن روحا جديدة تَرسي يف الشّ عب التّ ّ‬
‫سينفض عن األصول ّيني كل الذين يراوغونهم‬
‫الحياة الح ّرة الكرمية‪ ،‬ولذلك‬
‫ّ‬
‫وحتى الضّ عاف منهم الذين يشرتونه بال ّرشوة أو ميارسون‬
‫ويبت ّزونهم‪،‬‬
‫ّ‬
‫التهيب والتّبكيت والقهر سينتفضون عليهم‪.‬‬
‫عليهم ّ‬
‫حب الله وطاعته شك ًرا ستهزم «ثقافة» عبادته خوفاً ألنّها عبادة‬
‫إ ّن ثقافة ّ‬
‫ونيس بثورته هفا‬
‫ت‬
‫ال‬
‫عب‬
‫الشّ‬
‫ن‬
‫إ‬
‫‪...‬‬
‫ار‬
‫ج‬
‫ت‬
‫ال‬
‫عبادة‬
‫ّها‬
‫ن‬
‫أل‬
‫طمعا‬
‫وعبادته‬
‫العبيد‪،‬‬
‫ّ‬
‫ّّ‬
‫ّ ّ‬
‫إىل الحريّة‪ .‬وباحتضانه لشهيده ال ّرمز يف جنازة مهيبة‪ ،‬سيعيد االعتبار لقيم‬
‫اإلسالم الحضاري التّقدمي الذي تب ّناه شكري بلعيد‪ .‬وعرب مفكّريه وف ّنانيه‬
‫بحب الف ّن الذي يكرهونه‪،‬‬
‫ونخبته الوطن ّية الحقيق ّية‪ ،‬سيحارص املتطرفني ّ‬
‫وسيجابههم بال ّدفاع عن الفكر التّق ّدمي الذي يحاربونه ‪...‬‬
‫ولنئ بات األصول ّيون‪ ،‬مدعومون بقوى محلية وإقليمية ودولية‪ ،‬يستثمرون‬
‫يف املقدس بدنس وقتل وترهيب وكل أشكال السيطرة عىل الحياة الشعب‬
‫التونيس العامة والخاصة ومحارصتها‪...‬إلخ‪ ،‬فإ ّن العقل واملنطق والتاريخ‬
‫السنني متب ّنيا أشكاال من التّسامح‬
‫ير ّجح أن هذا الشعب ‪ -‬الذي عاش آالف ّ‬
‫وأحيانا حتى من املح ّبة والتعاطف يف مجال املق ّدس؛ حتى أنسنه وصار‬
‫معيشاً – هذا الشعب سيلفظ املتط ّرفني؛ ألنّه أدرك أنّهم دخالء عليه‪،‬‬
‫تسلّلوا إليه واستغلّوا الطّاقة التّسامح ّية لديه‪.‬‬
‫وأخريا ً‪ ،‬ميكن القول إن الشعب التونيس مازال مينح فرصة زمنية‪ ،‬ال يعرف‬
‫الوطني‬
‫يثوب إىل رشده‬
‫مداها إال منطق التاريخ الخفي‪ ،‬ملن يريد منهم أن َ‬
‫ّ‬
‫وينخرط يف الحياة ال ّدميقراط ّية الحقّة‪ .‬أما من آثر منهم أن يتمرتس يف‬

‫‪4‬‬

‫الخميس ‪ 14‬فيفري ‪ - 2019‬املوافق لـ ‪ 12‬جامدى الثانية ‪ - 1440‬العدد ‪75‬‬

‫أيّ مستقبل للبشريّة يف ظ ّل األزمة اإليطيقيّة ّ‬
‫الثقافيّة الرّاهنة؟* ‬

‫إدغار موران‬

‫ترجمة املنترص الحميل‬
‫إ ّن األزمة االقتصاديّة ال ّراهنة‪ ،‬حسب رأيي‪ ،‬هي عنرص‬
‫من أزمة متع ّددة الوجوه‪ :‬فهي أزم ُة حضارة وأزم ُة مجتمع‬
‫وأزم ُة كوكب وأزم ُة برشيّ ٍة عاجزة عن الوصول إىل مرتبة‬
‫اإلنسان ّية‪ .‬وهذا ما يدفعنا للتّفكري يف املستقبل بطريقة‬
‫الصدد‪ ،‬ألندريه لوبو‪André Lebeau‬‬
‫مختلفة‪ .‬ويف هذا ّ‬
‫تعبري يف غاية الجامل‪« :‬إ ّن ال ّرغبة يف الحفاظ عىل املسار‬
‫الحا ّيل لألمور إىل أن يفوت األوان هي أكرب تهديد تُع ِّرض‬
‫نفسها له‪…».‬‬
‫البرشيّة َ‬
‫الكوارث المتالحقة الّتي ال رجوع فيها‬
‫ينبغي أن نتص ّور نوعني من التّح ّوالت‪ ،‬أحدهام قد بدأ فعال‪ ،‬مفعام‬
‫وتقني‪ ،‬وواعد بالتّأكيد‪ ،‬ولك ّن وعوده‬
‫بالخطر‪ ،‬وهو‬
‫بيولوجي ومعلوما ّيت ّ‬
‫ّ‬
‫اإليتيقي والثّقا ّيف‬
‫ال ميكن أن تتحقّق إالّ إذا اقرتن هذا التّح ّول بالتّح ّول‬
‫ّ‬
‫عاملي‪.1‬‬
‫نطاق‬
‫واالجتامعي الّذي تح ّركه نزعة إنسان ّية متج ّددة عىل‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫يشار إىل هذا التّح ّول األ ّول باسم ال َع ْب برشيّة ‪.transhumanité‬‬
‫وإيديولوجيته هي العرب إنسان ّية ‪ transhumanisme‬الّتي نشأت يف‬
‫الواليات املتّحدة وتنترش اليوم يف جميع القا ّرات‪ .‬إ ّن العرب إنسانيّة هي‬
‫قني‬
‫تن ّبؤ مبستقبل الجنس البرش ّي اعتامدا عىل مسار التّق ّدم‬
‫العلمي والتّ ّ‬
‫ّ‬
‫الحا ّيل‪ ،‬ال سيام يف العلوم التّكنولوجيّة‪ :‬أي يف كلّ ما هو بيوتكنولوجي‬
‫الصغر ‪ ،nano-thechnologique‬ويف اإلعالم ّية ويف‬
‫وتكنولوجي متناهي ّ‬
‫الجزء الّذي يهت ّم يف العلوم املعرفيّة مبعرفة ال ّدماغ بدقّة متزايدة‪ .‬سيكون‬
‫مم للبرشيّة الحال ّية‪ .‬لن يكون‬
‫للبرشيّة املستقبل ّية قدرات أكرب بكثري ّ‬
‫هو اإلنسان األرقى الّذي ذكره نيتشه وإنّ ا املقصود بذلك هي برشيّة‬
‫لديها قدرات أعىل ميكن تسميتها مبا بعد البرشيّة ‪ posthumanité‬أو‬
‫بامليتابرشيّة ‪ .métahumanité‬ين ّدد البعض مبا بعد البرشيّة باعتبارها‬
‫إيديولوجيا‪ ،‬باعتبارها وهام‪ ،‬يف حني أنّها إمكان ّية ملموسة‪ .‬الوهم هو‬
‫خاصة‬
‫االعتقاد بأ ّن هذه اإلمكانيّة ستضمن خالص البرشيّة يف املستقبل‪ّ ،‬‬
‫من خالل اكتساب الخلود‪.‬‬
‫حلم الخلود‬
‫إ ّن ما يبدو ممكنا عىل املدى القريب هو إطالة الحياة يف ص ّحة جيّدة‪،‬‬
‫وحتّى يف تج ّدد دائم‪ ،‬إىل أمد غري محدود‪ .‬وإ ّن ما يسمح بافرتاض ذلك‬
‫هي مجموعة من التّط ّورات يف املعارف والتّقنيات البيولوجيّة‪ ،‬بدءا‬
‫من االكتشاف الحديث للخاليا الجذع ّية يف ال ّنخاع الشّ ويكّ أو يف ال ّدماغ‬
‫أو كذلك يف األنسجة‪ .‬فهذه الخاليا الجذعيّة قادرة عىل إصالح جميع‬
‫األعضاء‪ :‬فقد سمحت بالفعل بتجديد قلوب فرئان‪ ،‬وعاجال أو آجال ستُن َج ُز‬
‫خاصة باإلنسان‪.‬‬
‫تطبيقات ّ‬
‫ويُضاف إىل ذلك صناعة األعضاء‪ .‬مل مي ّر وقت طويل عىل وفاة أ ّول رجل‬
‫اصطناعي‪ ،‬ولك ّنها كانت أ ّول تجربة أيضا ويُعتَ َق ُد أن القلب‬
‫مج ّهز بقلب‬
‫ّ‬
‫االصطناعي وال ّرئة االصطناع ّية والكلية االصطناع ّية ميكن أن تكون بديال‬
‫ّ‬
‫لألعضاء الطّبيعيّة املصابة بالقصور‪.‬‬
‫وال ننىس إمكان ّية إطالة التّيلومريات ‪ ،les télomères‬أي تلك األطراف‬
‫الس ّن‪ ،‬عن طريق‬
‫من الكروموزومات الّتي تزداد قرصا مع التّق ّدم يف ّ‬
‫التّدخّالت البيولوج ّية‪-‬الجين ّية‪ .‬وستؤ ّدي هذه التّدخّالت إىل تعديالت‬
‫وراثيّة يف أجسامنا‪ ،‬ولك ّنها ال تزال قفزة يف املجهول‪ ،‬كام هو شأن التّدخّالت‬
‫الهرمون ّية عىل ال ّدماغ الّتي من بإمكانها أن تط ّور من أداء قدرات مع ّينة‬
‫أو أن تعيقها‪.‬‬
‫إ ّن هذه االمكانيات املختلفة تحيي األمل يف الخلود من جديد‪ ،‬وهي‬
‫كلمة يساء استخ َدامها‪ ،‬أل ّن البرش لن يصبحوا أبدا آلهة‪ .‬فمن خالل‬
‫عمليات تجديد الشّ باب تلك ميكن خلق برش مح َّررين من املو ت �‪dé‬‬
‫‪ mortalisés‬ولك ّنهم ليسوا مبُخلَّدين ‪ .immortalisés‬فلن يتوقّف املوت‬
‫أبدا عن تهديد املح ّررين من املوت‪ .‬ليس لدينا‪ ،‬ولن تكون لدينا القدرة‬
‫عىل القضاء عىل البكترييا والفريوسات الّتي تهاجمنا‪ .‬لن نستطيع استبعاد‬
‫مخاطر وقوع حوادث وهجامت وتفجريات يف مجتمع ينطوي عىل مخاطر‬
‫السياسيّة‬
‫تكنولوجيّة متزايدة‪ ،‬ولن نتمكّن من القضاء عىل كلّ املخاطر ّ‬
‫ومنها خطر الجنون املميت‪ .‬لن نكون قادرين عىل استبعاد املخاطر‬
‫القاتلة الّتي تحملها الطّاقة ال ّنوويّة‪...‬‬
‫‪ 1‬‬

‫لن يت ّم القضاء عىل البكترييا والفريوسات‪ :‬فالفريوسات قادرة عىل‬
‫التّح ّور وستظلّ كذلك‪ ،‬والبكترييا قادرة عىل تحصني نفسها مبثيالتها من‬
‫خالل االشرتاك يف جزيئات الحامض ال ّنوو ّي‪ ،‬وسوف تجد حيال وخدعا‬
‫لالستمرار يف هزم تق ّدم الط ّّب‪ .‬ومن امله ّم أن نالحظ أنّه يف ستّينات القرن‬
‫املايض كان معظم األط ّباء وعلامء األحياء يعتقدون أنّه قد ت ّم القضاء‬
‫عىل البكترييا بفضل املضا ّدات الحيويّة وأنّه سيت ّم رسيعا إيجاد الوسائل‬
‫الكفيلة بالقضاء عىل الفريوسات‪.‬‬
‫إ ّن ظهور فريوس نقص املناعة البرشيّة وغريه من الفريوسات املتح ّورة‬
‫يتغي دامئا بشكل غري متوقّع إن مل يكن يف كلّ‬
‫مثل فريوس األنفلونزا الّذي ّ‬
‫سنة‪ ،‬قد ب ّدد هذه الفكرة‪ .‬أ ّما فريوس أنفلونزا الطّيور وفريوسات كورونا‬
‫غيت هي أيضا كلّ يشء‪ .‬وكذلك‬
‫‪ les coronavirus‬وفريوس اإليبوال فقد ّ‬
‫عودة البكترييا املقاومة للمضا ّدات الحيويّة‪ ،‬مثل البكترييا املسبّبة لل ّدرن‬
‫خاصة‬
‫ال ّرئو ّي‪ . le bacille de koch‬فالبكترييا ال تتواصل من خالل لغة ّ‬
‫بها وحسب ولك ّنها قادرة أيضا عىل أن تتو ّحد‪ .‬وقد افرتض علامء األحياء أ ّن‬
‫العدد الهائل من البكترييا الّتي تشكّل العامل البكتري ّي ميثّل عضوا مكتمال‬
‫‪ superorganisme‬يف الهواء وعىل األرض وتحتها ويف املياه‪ ،‬وأ ّن هذا‬
‫العضو قد يكون متحكّام فينا دون أن ندري‪.‬‬
‫سيظلّ الوجود البرش ّي وجودا هشّ ا‪ .‬واأله ّم من ذلك أنّه محكوم عليه‪،‬‬
‫عاجال أم آجال‪ ،‬باملبدأ الثّاين يف ال ّديناميكا الحراريّة أال وهو التّحلّل‪ .‬وأل ّن‬
‫هذا املبدأ الثّاين حامل للموت فقد تَ َّم إنشا ُء معهد يف الواليات املتّحدة‬
‫بن ّية إزالة األنرتوبيا ‪ l’entropie‬الّتي تتس ّبب يف التّفكّك والتب ّدد‪ .‬ومع ذلك‪،‬‬
‫لن نقيض أبدا عىل العديد من املخاطر املميتة بل سأجرؤ عىل القول إ ّن‬
‫الذّعر من املوت سيكون أكرب بال ّ‬
‫شك‪ .‬فنحن نعل ُم أنّنا هالكون‪ ،‬أنّنا لن‬
‫ننجو من املوت‪ ،‬ولكن حني نفكّر بأ ّن املوت‪ ،‬املؤ ّجل إىل أمد غري مس ّمى‪،‬‬
‫ميكن أن يظلّ مه ّددا لوجودنا فإ ّن حياتنا ستكون هكذا أليمة للغاية‪.‬‬
‫وهذا من شأنه أن يؤ ّدي إىل مشاكل اجتامعيّة ومشاكل دميغرافيّة‪ :‬إذ‬
‫سيتعي عىل نطاق واسع التّوقّف عن التّكاثر لئالّ يت ّم إثقال األرض مبواليد‬
‫ّ‬
‫جدد‪ ،‬وسيكون ذلك نهجا محافظا بشكل رهيب من شأنه أن يحول دون‬
‫ظهور إبداعات قد يأيت بها املولود الجديد‪ .‬وسيكون أيضا سببا يف تزايد‬
‫الفوارق بدءا بظهور نوع جديد من التّفاوت بني املح ّررين من املوت‬
‫والفانني‪ ،‬مبا من شأنه أن يع ّمق الفوارق بني األقوياء واألغنياء املح ّررين‬
‫من املوت من جهة و»عا ّمة البرش» من جهة أخرى‪.‬‬
‫إنّنا نعاين فعل ّيا ظاهرة االتّجار باألعضاء هذه ‪ -‬إذ تُشرتى كِ َل من بؤسا َء‬
‫والصني وبلدان أخرى آسيويّة بأسعار زهيدة‪ ،‬ليت ّم بيعها بأسعار‬
‫يف الهند ّ‬
‫باهظة إىل غربيني أثرياء‪ .‬ما ميكن أن يحدث هو ما حدث رمزيّا يف العامل‬
‫الفرعو ّين ملرص القدمية‪ ،‬حيث كان فرعون وال ّنبالء يتمتّعون بالخلود وهم‬
‫مح ّنطون يف مقابر مريحة‪ ،‬بينام كان رعاياهم محكوما عليهم بالفناء‪ّ .‬ربا‬
‫سيكون هناك رصاع طبقات جديد بني املح ّررين من املوت والفانني الّذين‬
‫سيطالبون بنصيبهم من الخلود‪ .‬وعالوة عىل ذلك‪ ،‬قد يزيد تحرير البعض‬
‫والسوسيولوجيّة وغريها‪،‬‬
‫السياسيّة ّ‬
‫من املوت من االضطرابات الهائلة‪ّ ،‬‬

‫الّتي يُتَوقّع حدوثُها يف مستقبلنا املحت َمل‪ .‬وح َده نه ٌج جدي ٌد للبرشيّة‪ ،‬ال‬
‫يزال ضعيف االحتامل للغاية حتّى اآلن‪ ،‬من شأنه أن يؤ ّدي إىل تعميم‬
‫التّحرير من املوت بطريقة دميقراط ّية‪...‬‬
‫إ ّن التّحرير من املوت ‪démortalisation‬يفرتض وجود كائن ما بعد‬
‫برش ّي ‪ posthumain‬ميتلك قدرات جديدة ويشهد عقله‪/‬دماغه تط ّورا‬
‫جديدا‪ :‬وإذا كان هناك من يشء يف الكائن البرش ّي سوف يبقى عىل حاله‬
‫فَ ُه َم وجدانيته وحساسيته‪ .‬لن تسلبنا العرب برشيّة قدرتنا عىل الشّ عو ِر‬
‫والصداقة‪.‬‬
‫والفرح والحزن‬
‫والحب ّ‬
‫ّ‬
‫ليس هذا إالّ بديال من البدائل املمكنة ملا بعد البرش ّي ‪ ،‬أ ّما األَتْ َتَ ُة‬
‫‪ robotisation‬فهي بديل آخر‪.‬‬
‫ّ‬
‫التّحكم البشريّ في اآلالت‬
‫يشهد ذكاء اآلالت ومهاراتها العمل ّية تق ّدما مطّردا ال نستطيع أن نتن ّبأ‬
‫مبداه‪ .‬وتسمح مساهم ُة األمتتة يف رفاهة الكائن البرش ّي‪ ،‬من خالل الشّ قق‬
‫الذّك ّية واملدن الذّك ّية‪ ،‬بإلقاء الكثري من األعامل املط ّولة والشّ اقّة وأعامل‬
‫التّحكّم واملراقبة الّتي نعاين منها عىل عاتق البرش اآلليني‪ .‬فلطاملا قيل إ ّن‬
‫البرش اآلليني سوف يح ّررون البرش من كلّ ما هو مرهق‪ ،‬وهذا بالفعل ما‬
‫يقومون به اآلن جزئيّا‪.‬‬
‫ولك ّن املستقبل ال ّروبو ّيت يثري العديد من املسائل‪ ،‬اإليطيق ّية منها عىل‬
‫رش عىل البطالة‪ .‬لذلك‬
‫وجه الخصوص‪ .‬فأتْ تَ ُة العمل تؤ ّدي إىل إحالة ب ٍ‬
‫يستحق املستقبل ال ّروبو ّيت أن يكون موضع تساؤل ألنّنا ندخل بالفعل‬
‫ّ‬
‫االصطناعي‪ .‬والغموض الكبري هو أن نعرف كيف ميكن‬
‫يف عرص الذّكاء‬
‫ّ‬
‫لذكاء ما أن يصبح انعكاس ّيا‪ ،‬أي أن يعود عىل نفسه ويصبح إدراكا‪ .‬هذا ما‬
‫يسمح به العقل البرش ّي بفضل اللّغة‪ ،‬فلوال اللّغة لك ّنا قادرين عىل التّفكري‬
‫ولكن من دون أن ندرك أنّنا نفكّر‪ .‬فهل هذا ما ميكن أن يحدث آللة ما؟‬
‫ال يبدو األمر مستحيال‪ .‬بطريقة مثرية ج ّدا لالهتامم‪ ،‬يروي كتاب الخيال‬
‫الجارف»قصة‬
‫العلمي لكليفورد سيامك ‪»Cliford Simak‬يف سيل القرون‬
‫ّ‬
‫روبوتات صنعها برش ث ّم صاروا عبيدا لها‪ ،‬فيحاول هؤالء أن يجدوا وسيلة‬
‫لتحرير أنفسهم وينجحون يف ذلك يف نهاية املطاف‪ .‬ترتكز هذه األعامل‬
‫الخياليّة العلميّة وكذلك مقاالت مثل مقالة «وعي اآلالت»‪ 2‬لغوتهارد‬
‫غونرت ‪ Gotthard Günter‬عىل إشكال ّية موضوع ّية حقيق ّية‪ :‬وهي تط ّور‬
‫التّقنية املتضخّم واملنفلت من عقاله إىل أن تصبح هي نفسها قادرة عىل‬
‫التّحكّم بنا‪...‬‬
‫إنّنا نعيش بالفعل يف عامل تنترص فيه اآللة بطريقة معيّنة‪ :‬كآالت ال ّدولة‪،‬‬
‫واآلالت االقتصاديّة الكربى الّتي هي نفسها ال تخضع كثريا إلرادة من‬
‫الخاص‪.‬‬
‫يرشفون عىل تسيريها بل تُطيع منطقها ّ‬
‫العصبي‬
‫ماغي‬
‫د‬
‫ال‬
‫الجهاز‬
‫من‬
‫إ ّن اإلنرتنيت تجسيد لذلك‪ .‬فهي نوع‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫االصطناعي الّذي انترش يف العامل وأ ّدى إىل مضاعفة االتّصاالت‪ .‬وهي‪ ،‬عىل‬
‫ّ‬
‫غرار اللّغة البرشيّة‪ ،‬تفيض إىل أفضل االحتامالت وأسوئها‪ .‬فهي تسمح‪،‬‬
‫بطريقة جديدة متاما‪ ،‬بالحصول عىل املعلومات واملعرفة والح ّريات الّتي‬

‫‪5‬‬
‫تحاول العديد من ال ّدول منعها‪ .‬كام تسمح‬
‫بالوصول إىل الثّقافة دون مقابل أحيانا‬
‫وهو ما تعرتض عليه العديد من القوى‬
‫االقتصاديّة‪ .‬إنّها متنح الحريّة من ناحية‬
‫وتتحكّم من ناحية أخرى‪ .‬والواقع أ ّن األجهزة‬
‫الكربى الّتي تُستخدم لل ّرقابة‪ ،‬أي الخواديم‬
‫الكربى ‪ serveurs‬مثل غوغل‪ ،‬قد تكون هي‬
‫للسلطات‬
‫للسيطرة‪ .‬كام ميكن ّ‬
‫نفسها خاضعة ّ‬
‫الحكوم ّية أن تعرتض املكاملات املتبادلة عرب‬
‫الهاتف املحمول أو اإلنرتنيت‪ ،‬عالوة عىل‬
‫أنّه بإمكانها أن تتحكّم فينا عرب األقامر‬
‫الصناع ّية‪ .‬وباإلضافة إىل ذلك‪ ،‬تسمح شبكة‬
‫ّ‬
‫اإلنرتنيت ألولئك املعروفني باسم املبلِّغني عن‬
‫ويعتب‬
‫املخالفات بالكشف عن أرسار ال ّدولة‪َ .‬‬
‫مؤسس‬
‫جوليان ّأسانج ‪ّ Julian Assange‬‬
‫ويكيليكس أفضل مثال عىل ذلك‪ .‬فقد متكّن‬
‫عامل ال ّرياضيات ومهندس اإلعالم ّية هذا من‬
‫السيّة للبنتاغون وال ّدولة‬
‫ّفك رموز الشّ فرات ّ ّ‬
‫السية‬
‫الوثائق‬
‫آالف‬
‫األمريك ّية وقام بنرش‬
‫ّّ‬
‫يك يف‬
‫املتعلّقة بطرق عمل الجيش األمري ّ‬
‫العراق‪ .‬وهكذا مت ّك َن عاملُ رياضيات موهوب‬
‫من أن ّ‬
‫يفك شفرات األرسار األش ّد كتامنا‬
‫للهيئات الّتي تتحكّم فينا‪ .‬وامتثل ملا أماله‬
‫تخص‬
‫السيّة عن وثائق ّ‬
‫عليه ضمريه بنزع ّ ّ‬
‫ال ّدولة‪...‬‬
‫وأل ّن التّط ّور غ ُري خاضعٍ للتّوقّع‪ ،‬يجب أن‬
‫نقبل بظهور إميان جديد‪ ،‬عقيدة جديدة‪،‬‬
‫ديانة جديدة‪ ،‬اكتشافات جديدة‪ ،‬اخرتاعات‬
‫ثوريّة جديدة‪ .‬فاملستحيل ميكن أن يحدث‬
‫وسوف يحدث‪ .‬إنّنا نعيش يف خض ّم املغامرة‬
‫وصفه‬
‫املجهولة‪ ،‬مع هذا الالّمتوقَّع الّذي ّ‬
‫الشّ اعر ال ّرويس فوزنيسنس يك �‪Vosnessens‬‬
‫‪ ki‬أحسن توصيف‪« :‬تبحث عن الهند‪ ،‬تجد‬
‫عم نريد أن نجده وسنجد‬
‫أمريكا»‪ .‬سنبحث ّ‬
‫ما مل نكن نبحث عنه‪ .‬إ ّن العرب برشيّة‬
‫الشط‬
‫‪ transhumanité‬تتطلّب تفكريا يف ّ‬
‫البرش ّي ويف املغامرة البرشيّة‪ ،‬ووعيا بالفرص‬
‫وباملخاطر الّتي ينطوي عليها التّعقيد‬
‫األنرتوبولوجي‪ .‬إنّها تستدعي مراجعة وإعاد َة‬
‫ّ‬
‫زيارة ملا أس ّميه بـ»األنرتوبولوجيا املركّبة»‪:‬‬
‫والصانع‬
‫أي لإلنسان العاقل واملجنون ّ‬
‫يني‪.‬‬
‫وامليثولوجي وال ّد ّ‬
‫تقتيض التّح ّوالت البيولوج ّية والتّقن ّية‬
‫واإلعالم ّية قبل كلّ يشء أن ترافقها تح ّوالت‬
‫إيطيق ّية وثقاف ّية واجتامع ّية تع ّدلها وتراقبها‬
‫وتو ّجهها‪ .‬وإنّه ألمر مأساو ّي أ ّن التّح ّول‬
‫العرب برش ّي قد بدأ فعال ِب َدفْعٍ من املح ّرك‬
‫قني‪/‬االقتصاد ّي‪ ،‬يف حني أ ّن‬
‫الثّال ّيث‬
‫العلمي‪/‬التّ ّ‬
‫ّ‬
‫‪/‬االجتامعي الّذي‬
‫يف‬
‫ّقا‬
‫ث‬
‫‪/‬ال‬
‫اإليطيقي‬
‫ل‬
‫التّح ّو‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ال غنى عنه أكرث فأكرث ما يزال يف غياهب‬
‫ال ّنسيان‪ .‬ومع ذلك‪ ،‬فإ ّن هذا التّح ّول رضور ّي‬
‫لتج ُّنب حكمِ نو ٍع جدي ٍد من األسياد‪ ،‬املالكني‬
‫لجميع القدرات ومن ضمنها القدرة عىل‬
‫اإلطالة من أمد الحياة‪ ،‬عىل بق ّية البرش‬
‫املستع َبدين جميعا‪ .‬وهو رضور ّي أيضا‬
‫لتج ّنب حكمِ اآلالت املفكّرة الّتي سنعتمد‬
‫عليها حتّى وإن كانت تعتمد علينا‪ .‬يجب أن‬
‫تنفّذ هذا التّح ّولَ العرب برش ّي قوى موضوع ّي ٌة‬
‫وإيطيق ّي ٌة وانعكاس ّيةٌ‪ .‬فإذا مل تكن القدرات‬
‫العرب برشيّة تحت سيطر ِة برشيّ ٍة أعادت‬
‫شحن نفسها بأفضل ما فيها‪ ،‬فسوف تكون‬
‫قدرات ال إنسان ّية‪.‬‬
‫*‪Penser global, Edgar Morin, p100-‬‬
‫‪111, Editions Robert Laffont, 2015‬‬

‫الخميس ‪ 14‬فيفري ‪ - 2019‬املوافق لـ ‪ 12‬جامدى الثانية ‪ - 1440‬العدد ‪75‬‬

‫الحركات االجتماعية الحديثة وآفاقها‬
‫حسني عبد الرحيم‬

‫«نهاية العمل»كانت املوضوعة الرئيسية لكتاب «چريمي ريفكن»(أمرييك‬
‫‪/‬أوريب) يف السبعينات والذي يعتربه الكثريون التنظري األسايس للثورة‬
‫الصناعية الثالثة والذي قدم ترجمته الفرنسية»ميشيل روكار» (مقدمة‬
‫تحليلية طويلة) وتبعه «أندريه جورز»يف كتاب مشهور تحت عنوان‬
‫«الوداع للربوليتاريا» ! وهو الذي أسس التعبري الجديد «الحركة االجتامعية»‬
‫وكالهام مل يكونا بعيدين عن التياّر املسمى «اإليكولوجية االجتامعية»!‬
‫الحقيقة أن تخريجاتهام الفلسفية‪-‬االقتصادية مل تكن بعيدة عن تشكل‬
‫واقع اجتامعي جديد وبخاصة يف املجتمعات الصناعية املتقدمة وتبعتها‬
‫الصناعة القدمية ودون أن تشهد حركة‬
‫بقية بقاع العامل ماعدا الصني والتي شهدت اتساعا هائال يف ّ‬
‫عملية أو نقابية منظمة!‬
‫ّ‬
‫منذ نهاية الستينات وهناك حقيقة اقتصادية هي تراجع العمل الصناعي وزيادة عاملة الخدمات‬
‫وتكون بطالة هيكلية مستدامة والرشوع يف تصفية إجراءات دولة الرفاه االجتامعي‪ ،‬كانت‬
‫الخمسينات والستينات هي مرحلة صعود االشرتاكية الدميقراطية والنقابات وكانا كالهام معتمدين‬
‫عىل النمو الصناعي غري املسبوق(‪ 40‬سنة أماجد) ‪ ،‬وكانت قاعدة النقابات يف تزايد مستمر وتتقوى‬
‫بناء عىل هذه اإلصالحات «االشرتاكية الدميقراطية» والتي تناوبت أحزابها عىل الحكم يف الغرب‬
‫الرأساميل قي ظل تقلص للبطالة بل حتى الشح يف اليد العاملة والتي أُستعيض عنها بالعاملة املهاجرة‪،‬‬
‫منذ نهاية السبعينات بدأ معدل التنظم النقايب ينخفض بشدة حتى وصل يف بلد كفرنسا لنسبة‪7%‬‬
‫(سبعة اتحادات ونقابات متعددة غري كنفيدرالية)من مجموع القوى العاملة مام أثر بشدّة عىل قدرة‬
‫النقابات عىل فعل موحد!‬
‫الصناع ّية وتراجع املوجة النقابية ومعها اإلصالحات تكونت حزمة جديدة‬
‫مع تراجع العاملة ّ‬
‫السكن والهجرة غري الرشعيّة‬
‫من املشكالت منها البطالة(‪ 15%‬فام فوق يف املتوسط) وأزمة ّ‬
‫كالسيدا (فقدان املناعة الطبيعية)!‪،‬‬
‫واملشكالت والكوارث البيئية ‪ ،‬وكذلك األمراض الخطرية ّ‬
‫وأصبح هناك قطاع واسع من املجتمع بغري أي حامية اجتامعية وهذا القطاع ليس كالطّبقة‬
‫العاملة الصناعية التي كانت تتنظم داخل األطر النقابية القدمية التي تؤطر تحركاتها!‬
‫ظهرت حركات مطلبيّة واحتجاجية كتعبري عن القطاعات امله ّمشة الجديدة والتي مل يكن‬
‫باإلمكان استيعابها داخل الحركات النقابية املطلبيّة الكالسيكية التي كان مجالها املصنع‬
‫واملدن الصناعية‪ ،‬بينام تكثّفت املشاكل والتناقضات الجديدة يف املدن الطرفية والصغرية فلم‬
‫تعد املدن الكبرية تجتذب الباحثني عن عمل صناعي بسيط ذلك ألن الصناعات الجديدة‬
‫تستجلب وتكون عاملة فنية و تحتاج ملهارات خاصة وأزمة السكن واألرايض يف املدن الكربى مل‬
‫تتوسع يف محيطها الزراعي‬
‫تعد تسمح بإقامة هامشيني عىل أطرافها؛ بدأت املدن الصغرى ّ‬
‫وتنتج فعاليات اقتصادية هشة ومؤقتة ِوف نفس الوقت محتجني غري قابلني لالنتظام التقليدي!‬
‫يف عديد من الكتب والدراسات»بؤس العامل « أسهم السوسيولوجي «بيري بورديه» لتحليل هذه‬
‫الحركات االجتامعية الجديدة وكذلك ساهم بنفسه يف تأطريها يف «هـيئة أركان الحركة االجتامعية»‬
‫يف األعوام املتأخرة من القرن املايض!‬
‫كانت النقابية تستحوذ عىل املجال املطلبي بفعل ارتكازها عىل عامل متجمعني يف مراكز صناعية ولهم‬
‫مداخيل ثابتة وخالل قرن من الزمان استطاعت تحقيق مكاسب قانونية كالح ّد األدىن لألجور وأسبوع‬
‫ومخصصات البطالة واملعاشات‬
‫عمل من ‪ 40‬ساعة والسكن االجتامعي ومراكز الرتفيه االجتامعية‬
‫ّ‬
‫التقاعدية وغريها وتم كل ذلك من خالل تنظيامت مؤطرة عىل املستويات املحلية والعاملية وكذلك‬
‫أمكن إيجاد ميثاق دويل للعمل الكريم والالئق والحقوق النقاب ّية املفروضة عرب اتفاق ّيات دول ّية توقع‬
‫عليها الحكومات !‬
‫لكن الحركات الجديدة مذررة وموزعة ومن الصعب توحيد اتجاه لها يف ظل توزع املشاكل والتي ال ميكن‬
‫حرصها داخل مطالب قتصادية محددة (كاألجرة ورشوط العمل وساعاته) وكذلك عدم تجانس جمهورها‬
‫الواسع واملتشعب! والذي يضم أحيانا قطاعات متضاربة املصالح (تناقض العاملة البسيطة مع املهاجرين)!‬
‫لكن أتت وسائل االتصال االجتامعي الحديثة ليك تتيح اتصاالت ومناقشات ممكنة بني أطراف بعيدة‬
‫وتشكل وسيلة أولية لتنظيم القطاعات املتنافرة واملتباعدة ‪.‬‬
‫يف بداية القرن الواحد والعرشين بدأت حركة املنتديات االجتامعية القاريّة واملحلية والعاملية‬
‫والتي جمعت فاعلني يف هذه الحركات من القارات الخمس ِوف البدء كانت االتحادات النقاب ّية‬
‫بعيدة عن هذه التجمعات ثم ما لبثت إن انخرطت فيها‪ .‬وكانت الكاثوليكية االجتامع ّية يف‬
‫أمريكا الالتينية وأوربا هي املوتور لهذه التجمعات وخاصة بعد وصول حزب العامل الربازييل‬
‫للحكم معتمدا عىل نقابية جديدة وديناميّة يف صورة اتحاد العامل املوحد يف الربازيل(‪!)C.U.T.‬‬
‫يف املنتديات االجتامعية يف «جنوا» و»بورتو اليغرى» و»تونس» مؤخرا (بعد الثورة) تبلور ما نسميه‬
‫اآلن «الحركات االجتامعية» وهي مختلفة عن النقابية اإلصالحية والثورية القدميتني وضمت الجمعيات‬
‫التي تتحدث باسم العاطلني عن العمل والفالحني بال أرض ودون أوراق ودون مسكن واملدافعني عن‬
‫البيئة والحق يف الص ّحة والحمالت من أجل الوقاية من األوبئة واملدافعني عن حقوق املثلية والجمعيات‬
‫النسويّة وجمعيات املهاجرين والهيئات من أجل إلغاء ديون العامل الثالث ‪ ،‬وجمعيات ثقافية متعددة‬
‫والدفاع عن السكّان األصل ّيني ‪ ،‬وعرب املنتديات التي ُعقدت يف قارات مختلفة تحدث البعض عن بزوغ‬
‫أممية جديدة‪ ،‬وبدا بعض القادة السياسيني يحرضون منتدياتها ويلقون كلامت دعم وتأييد! لكن‬
‫الدعم الرئييس أيت من الكاثوليكية االجتامعية واالشرتاكية الدميقراطية األوربية التي كانتا يف حالة منو‬
‫وتوسع خارج القارة العجوز وخاصة يف الربازيل وبالد أمريكا الالتينية! ومع بداية مرحلة األفول يف‬
‫اإلصالحية الالتينية بدأت الحركة تعاين هي أيضا من شُ ح املوارد ومن انعدام أي أفق اسرتاتيجي لها!‬
‫تكونت منتديات قارية يف إفريقيا وأمريكا الالتينية وأوربا وتكونت أيضا منتديات وطنية‬
‫يف بالد مختلفة بينها «تونس «بعد ثورتها وهي جميعا ليست ذات متويل ذايت لنشاطاتها‬

‫وتعتمد بشكل كيل عىل دعم منظامت وجمعيات وصناديق حكومية وغري حكومية يف الغرب!‬
‫الطابع املتنوع والكرنڤايل للحركات االجتامعية الجديدة وعدم استقالليتها املالية وقدرتها املحدودة‬
‫عىل الضغط هي من املظاهر التي ال ميكن عدم مالحظتها! وعىل عكس الحركات النقابية القدمية‬
‫والتي كانت ومازالت تعتمد عىل اشرتاكات منخرطيها والحقوق النقابية التمثيلية لدى متفرغيها!‬
‫املؤسسات والتي فرضتها عرب التاريخ كالتمثيل يف مجالس اإلدارات واملحاكم العاملية والتمثيل يف‬
‫«لجان إنهاء الخدمة» بعد رصاعات طويلة وأحيانا دامية! وأصبحت جزءا من البنيان الترشيعي‬
‫والقانوين يف الدول الدميقراطية!‬
‫باإلضافة إىل الهشاشة املالية لهذه الحركات والتي تضم مئات األلوف من الجمعيات واملنظامت هناك‬
‫املأزق التنظيمي فليست جامهريها متجمعة يف مؤسسات اقتصادية كاملصانع أو هيئات خدميّة‬
‫كاملعاهد التعليم ّية‪ ،‬وهي عامد النقابية القدمية‪ ،‬بل جمهورها مشتت وليس لديها أدوات للضغط‬
‫االقتصادي كاإلرضاب الذي يشكل األداة الرئيسية بفعل الخسائر التي يعاين منها أصحاب العمل‬
‫وتدفع باإلدارات والحكومات للتفاوض وتقديم تنازالت! ولهذا نجد نشاط الحركات االجتامعية‬
‫الجديدة مركزا عىل املظاهرات واالعتصامت وأحيانآ قطع الطرق!‬
‫«حدّد سول الينسيك» من» شيكاجو» أربعينيات القرن املايض حيث أسس حركة «املنظمني‬
‫االجتامعيني» مدى تأثري العمليات التي تقوم بها الحركات بتأثريها اإلعالمي والذي يدفع اإلدارات‬
‫السياسية للتدخل لحل النزاعات نظرا لتأثريات اإلعالم عىل االتجاهات االنتخابية يف ظل نظم تعتمد‬
‫استحقاقات انتخابية متواترة وهو ما تأكدت نجاعته أحيانا يف بالد كالواليات املتحدة وكذلك يف حركة‬
‫«السرتات الصفراء « أخريا يف فرنسا !‬
‫ظهرت محاوالت للتنظري للوسائل التواصلية الحديثة (االنرتنت )كبديل للتنظيم القديم ممكن‬
‫للتعبئة (كريستوف أجيتون) لكن النتيجة الفعل ّية كانت هي تكوين شبكات وطنية أو قارية‬
‫أو عاملية هي أقرب لحلقات نقاش افرتاضية منها لحركة جامهريية منظمة ذات توجه واضح!‬
‫العقد األخري شهد تطور آخر هو تطور الحركات الشعبويّة يف أوربا واألمريكتني تحت شعارات اليمني‬
‫واليمني املتطرف!يف إيطاليا والنمسا وفرنسا ِوف الواليات املتّحدة وهي معادلة للحركات الفاشية‬
‫يف الثالثينيات وتنترش بني فقراء غري منظمني ِوف نشاطات اقتصادية هامشية وتعادي املهاجرين‬
‫باعتبارهم منافسني يف سوق العمل والخدمات وهى تتشكل من قواعد فقرية لكن وسائل اإلعالم‬
‫أمكنها توجيهها ليك تأيت مبجالس متثيلية ميينية وحتى بحكومات ميينية وميينية متطرفة كحالة «حفلة‬
‫الشاي» يف الواليات املتّحدة والرئاسة الربازيلية الجديدة وبريلسكوين يف إيطاليا والجبهة الوطنية‬
‫الفرنسية (ماري لوبان) وتقف وراءها جامعات شعبويّة تحمل «أيدلوجيا الرجل العادي الخطرية‬
‫«!كام قال أحد الفالسفة الفرنسيني واصفا حركة «السرتات الصفراء»والتي تفاجأ بها اليسار واليمني!‬
‫تحدث «بيري بوردييه» منذ سنوات عن «معجزة» تنظيم حركة العاطلني عن العمل ولكنه مل يعش‬
‫ليك يرى « السرتات الصفراء « فسكّان املدن الصغرية والهامشية والضواحي خرجوا بعد ارتفاع‬
‫أسعار املحروقات ولديهم السيارات وسيلة رضورية لعدم وصول القطارات الكهربية والحافالت‬
‫العمومية ملدنهم بتواتر وانتظام! ورغم وجود رئيس مييني يف الشانزليزيه أىت بعد هزمية كل من‬
‫اليسار واليمني التقليديني وعرب وعود شعبوية انتخابية ومظهر تكنوقراطي لكن الحركة أخرجت‬
‫غصب الرجل العادي عىل حكم الصفوة التكنولوجية وعىل إجراءاتها التحديثية دون اعتبار لآلالم‬
‫االجتامعية!هي حركة عشوائية وتنظر بشك تجاه األحزاب السياس ّية والنقابات تجتمع داخلها‬
‫توجهات يساريّة متطرفة وميينية متطرفة وليس لها أفق اسرتاتيجي!أعادت حركة» السرتات‬
‫الصفراء» الوهم‪ /‬املعجزة التي تأيت من حيث ال يتوقع أحد وتقلب كل الحسابات التنظيمية !‬
‫طرحت الحركة رغم هشاشتها عىل بساط البحث أزمة البنى السياسية والنقابية التي تطورت يف‬
‫مرحلة التصنيع !اليوم يتحدث الكثريون عن مجتمع «ما بعد صناعي»مبعني أن غالبية اليد العاملة‬
‫تعمل بنشاطات غري إنتاج السلع !‬
‫كان «ماركس»قد تكلم عن العاطلني عن العمل (جيش العمل االحتياطي ) كخطر عىل الحركة‬
‫املطلبية وبعد ذلك كاحتياطي للرجع ّية السياسية وسامهم جامعة «العارش من كانون‬
‫األول» التي يتم تجنيدها باملنقانق والرشاب (الثامن عرش من بروميري لويس بونابرت)!!وكانا‬
‫كل من «ليون تروتسيك «و»أنطونيو غراميش» قد حلال صعود الفاشية يف الثالثينات عىل‬
‫أكتاف العاطلني عن العمل !ومنذ أسابيع أعاد «دانييل بنديت كوهني»(زعيم حركة‪)68‬‬
‫التذكري بأن «السرتات الصفراء» هي حركة شعبوية تخدم اليمني األكرث تطرفا ويدعو كثري من‬
‫نشطائها لسلطة استبدادية (رفعت شعارات بتويل رئيس األركان الفرنيس املستقيل ال ُحكم)!‬
‫نحن ال نعرف املستقبل كام يقول الفيلسوف ‪/‬القديس سان «أوغستان»» لكننا نعرف عنه فقط‬
‫انه قد ال يشبه الحارض ! ومن ثم نستطيع بناء عىل مالحظة العقدين السابقني أن نخلص بأن‬
‫الصناعي ( «التايلورية»‬
‫التنظيم السيايس والنقايب القديم يف الرشق والغرب والذي كان مياثل التنظيم ّ‬
‫و»الفوردية») مل يعد يلبي ويستجيب لوضع ما بعد حدايث وأن انطالق الحركات االجتامعية خارج‬
‫األطر التقليدية رمبا ينبئ عن تحول كبري للتنظيم االجتامعي‪ ،‬لك ّننا حتى اآلن مل تظهر أمامنا وعود‬
‫جديدة فكل ما عارصناه هو انفجارات تخرج ثم تخبو رسيعا وال تحمل أ ّي عنارص االستدامة التي‬
‫تواكبت مع تشكيالت العرص الصناعي كالحزب والنقابة !‬
‫ال ميكن هندسة الحركات االجتامعية بقوانني مسبقة من خارج الديناميات التي تطلقها هي وكذلك ال‬
‫ميكن إلغاء التاريخ الثقايف والتنظيمي الذي تأسست عليه التجمعات السابقة مثل التاريخ البالغ الرثاء‬
‫للحركة النقابية والحزبية يف القرن التاسع عرش والعرشين لكن السؤال هو هل ميكن املزاوجة بني‬
‫تيارات متنوعة ورمبا أحيانا متنازعة لهذا الحد!كان هذا ما حدث من قبل‪ .‬فتاريخ النقابية الحديثة مل‬
‫يولد مربأ من تراث تنظيمي فالحي وحريف ظهر يف التعاضديات والتعاونيات (فورييه وسان سيمون‬
‫)اإلنتاجية واالستهالكية ورمبا تنتج من األزمة الحالية إمكانيات لتهجني الحركة النقابية مع تيارات‬
‫جديدة وهو أمر سيستغرق بعض الوقت واملنافسات واملنازعات بني الحركات التي متثل يف مجملها‬
‫محرومني من مثار التطور االقتصادي غري املسبوق عىل صعيد الكرة األرضية!‬

‫‪6‬‬

‫الخميس ‪ 14‬فيفري ‪ - 2019‬املوافق لـ ‪ 12‬جامدى الثانية ‪ - 1440‬العدد ‪75‬‬

‫الحركات االجتماعية الجديدة‬
‫محمد الكيالين‬

‫طرح اإلشكالية‬

‫يشتغل الباحثون واملفكرون يف علم االجتامع عىل دراسة الظواهر‬
‫االجتامعية ومحاولة الكشف عن العوامل التي أدت إليه وعىل‬
‫توليد املصطلحات القادرة عىل التعبري عنها مبستوى من التكثيف‬
‫يجعلها كفيلة بالداللة عن العنارص التي مت َيزها أو مت َيز جانبا من‬
‫جوانبه‪ .‬وقد ظهرت يف العرشيتني األخريتني أو الثالث األخرية مصطلحات مثل «نهاية التاريخ»‬
‫و»نهاية األيديولوجيا» و»ما بعد الحداثة» و»ما بعد الصناعة» و»نهاية عرص الربوليتاريا‬
‫والبدلة الزرقاء و»عرص امليدعة ألبيضاء « و»الفوىض الخالقة» و»األيادي النظيفة « و»الثورة‬
‫الربتقالية « و»عرشية الدم» و»الربيع العريب» و»ثورة الياسمني» و»الحركة االجتامعية‬
‫الجديد»‪...‬إلخ‪ .‬وعامة ما تكون تعبريا انتقائيا عن وجه أو بعض األوجه وقليال ما تكون كاشفة‬
‫لجواهر الظواهر موضوع البحث والتفكري‪.‬‬
‫لقد اعترب الكثري من الباحثني يف علم االجتامع والسياسيني مثال أن الحركات‬
‫االجتامعية والثورية أخذت مضامني جديدة وأشكاال وصيغا مل تكن موجودة‬
‫من قبل‪ .‬غري أن هذه االستخالصات تشرتك يف طمس الطابع األيديولوجي‬
‫والطبقي والسيايس لهذه الحركات االجتامعية والثورات‪.‬‬
‫انقسام المجتماعات إلى مالكين وغير مالكين هو األصل‬
‫والحال أن تاريخ املجتمعات املكتوب والتاريخ الذي كشفت عنه الحفريات‪،‬‬
‫يؤكد أنها انقسمت إىل مجموعات مالكة لوسائل االنتاج وللرثوة ومجموعات‬
‫ال متلك شيئا غري ق َوة عملها‪ .‬فقد امتلكت األوىل املاشية واألرض واستعبدت‬
‫الناس يف حني أن الثانية تباع وتشرتى لتقوم بعمل لفائدة مالكها‪.‬‬
‫ثم حصل انقسام ثان تاريخي أحدث نقلة نوعية يف حياة املجتمع اإلنساين‬
‫بني ماليك األرض‪ ،‬أصحاب اإلقطاعات‪ ،‬وبني الذين ال ميلكون شيئا منتجي‬
‫الرثوة الفعليني املرتبطني باألرض وباالقطاعة يقومون بعمل ملالك األرض ملدة‬
‫معينة مقابل الحصول عىل قطعة من أرض املالك يفلحونها يك يتمكنوا من‬
‫العيش‪ ،‬مع العلم أن القطعة التي يحصل عليها كل واحد منهم مرتبطة‬
‫باألرض التي ميلكها صاحب االقطاعة‪ ،‬مع افتقاد املنتج حق مغادرتها‪ ،‬وهي‬
‫عالقات إنتاج اقطاعية‪.‬‬
‫أما الطور الثالث فهو ذاك الذي تحررت فيه قوة العمل من العبودية‬
‫التقليدية وأصبحت املجموعات اإلنسانية› تعرض طاقة ال متلكغريها ‪ ،‬تعرضها‬
‫للبيع بحرية لوقت من الزمن رضوريا اجتامعيا إلنتاج بضاعة تتضمن قيمة‬
‫تعادل مجموع قسمني‪ ،‬األول ميثل ما يقبل أجرا يسمح لها بإعادة إنتاج‬
‫نفسها واملحافظة عىل دميومة نسلها والثاين يقابل وقتا من العمل غري مدفوع‬
‫األجر يستحوذ عليه مالك وسائل اإلنتاج يسمى بالقيمة املضافة‪.‬‬
‫ويؤطر هذا االنقسام االجتامعي يف كل مرحلة نوعية ما يسمى بعالقات‬
‫االنتاج التي تكون حسب العنارص الدالة عليها‪ ،‬وبصورة خاصة وسائل االنتاج‬
‫ونوعية عالقتها بالجامعات غري املالكة وكيفية بيع قوة عملها‪ ،‬عالقات إنتاج‬
‫عبودية وإقطاعية ورأساملية‪.‬‬
‫وباختصار شديد فإن بيع قوة العمل‪ ،‬إن جزئيا أو كليا‪ ،‬ملالك وسائل اإلنتاج‬
‫للقيام بعمل رضوري اجتامعيا إلنتاج بضاعة تتضمن قيمة ترتجم يف السوق‬
‫إىل مثن عمل يكون جزءا منه مدفوع األجر ميثل أجر العامل والجزء الثاين‬
‫غري مدفوع األجر يحتكره مالك وسائل اإلنتاج ميثل الربح الذي يتحقق يف‬
‫السوق ويحققه املالك ملجرد أنه ميلك وسائل اإلنتاج‪ .‬وحول األجر والربح‬
‫يجري نضال سلمي وعنيف تحدث تغيريات ك َمية يف وسائل اإلنتاج وأساليبه‬
‫اإلنتاج ويف عالقات اإلنتاج برتاكمها يحدث تح َول كيفي من َر فيه من منط‬
‫إنتاج إىل آخر‪.‬‬
‫الحركات االجتماعية ليست من طبيعة واحدة‬
‫تعب الحركات االجتامعية وانتفاضات الفالحني وحركات التحرر الوطني‬
‫َ‬
‫وثورات الجياع والعصيانات املدنية وعمليات تخريب وسائل اإلنتاج‬
‫وتدمريها واإلرضابات املحدودة والعامة واالعتصامات واحتالل مواطن العمل‬
‫و»الثورات» الفئوية والقطاعية والطبقية والشعبية وحتى املجتمعية وثورات‬
‫العبيد‪ ،‬عن النقالت الكمية والكيفية التي تحدث يف املجتمعات‪ .‬فالثورات‬
‫التي طبعت التاريخ اإلنساين الحديث هي الثورات البورجوازية الفرنسية‬
‫واألمريكية اللتني كانتا ثورتني عنيفتني‪ ،‬يف حني أن الثورة األنقليزية كانت‬
‫املعب عن مرور املجتمع من منط إنتاج إىل‬
‫ثورة التحوالت السلمية‪ ،‬كانت َ‬
‫آخر‪ .‬بينام الثورة الباريسية الربوليتارية مل تكن مظفرة ألنها انعزلت عن بق ّية‬
‫الطبقة العاملة لذلك ميكن القول عنها إنها مل تحدث تحوال نوعيا يف املجتمع‬
‫الفرنيس وهي من صنف)( وقد سبقت كمونة باريس اإلرضابات والتحركات‬

‫العاملية العارمة للمطالبة بالحقوق االقتصادية واالجتامعية الرضورية‬
‫للطبقة العاملة التي أخذت حجم ثورات امتدت من أواخر أربعينات القرن‬
‫التاسع عرش إىل النصف األول من خمسيناته‪ ،‬لكنها تختلف عنها يف املضمون‬
‫السيايس ويف الجامهريية‪.‬‬
‫أ َما الثورة البلشفية فقد كانت ثورة مظفرة قادها الحزب البلشفي ومكونات‬
‫عديدة من اليسار الثوري املسنودة بثورة الفالحني وعصيان الجنود الذين‬
‫يريدون إنهاء الحرب‪ ،‬والتي سبقتها ثورة فيفري ‪ 1917‬ذات الطبيعة‬
‫البورجوازية‪ .‬وقد أحدثت هاتان الثورتان تحوالت كيفية يف املجتمع الرويس‪،‬‬
‫بينام ثورة ‪ 1905‬رغم أنها هزت النظام القيرصي مل تحدث تحوال نوعيا يف‬
‫املعب عن إرادة‬
‫املجتمع الرويس وظلت يف حدود التغيريات الك َمية وكانت َ‬
‫الفالحني والعامل واملثقفني لتغيري األوضاع لصالحه‪ .‬وأخذت الثورة الصينية‬
‫املظفرة التي ميكن اعتبارها ثورة فالحني‪ ،‬شكل حرب شعبية طويلة األمد‬
‫انتهت باملسرية الكربى بقيادة الحزب الشيوعي الصيني‪ ،‬وقد ترجمت هذه‬
‫الثورة عن حصول تح َول يف املجتمع الصيني من اإلقطاعية إىل الرأساملية‪ .‬وقد‬
‫كانت الثورة الكوبية ثورة فالحني ضد االقطاعية‪.‬‬
‫بينام كانت الثورة الفيتنامية حركة تحرر وطني من االستعامر ذات طابع‬
‫اجتامعي شعبي‪ .‬وكانت الثورة الجزائرية ثورة املليون شهيد‪...‬إلخ‪.‬‬
‫لقد كانت جميعا حركات اجتامعية َعبت عىل أن من هم من تحت‪ ،‬أي من‬
‫ال ميلكون شيئا غري قوة عملهم‪ ،‬يعملون عىل تحسني أوضاعهم أو تغيريها كلَيا‬
‫بالتحرر من االستغالل واالضطهاد الطبقيني‪ .‬وحققت يف جل األحيان تطورات‬
‫تؤثر شيئا فشيئا عىل وسائل اإلنتاج ومن مثَة عىل منط اإلنتاج وعالقات‬
‫اإلنتاج لتحقق املرور من منط إىل آخر‪ .‬وغالبا ما يحدث ذلك بالطرق الثورية‬
‫مل َا مل يعد من هم من التحت قابلني مبواصلة العيش كام يف السابق وملا‬
‫يصبح من هم من فوق عاجزين عىل مواصلة حكمهم كام يف السابق‪ ،‬حينها‬
‫فقط تصبح الثورة ممكنة‪ .‬ومن الطبيعي أن تأخذ جواهر مختلفة تعود‬
‫إىل الجامعات اإلنسانية التي تطبعها بطابعها وتضفي عليها هويتها الخاصة‬
‫وبالتايل أيديولوجيتها وخياراتها السياسية واالقتصادية واالجتامعية والثقافية‪.‬‬
‫ويف إطار النوعيات املختلفة تظهر حركات اجتامعية قطاعية أو محلية أو‬
‫حول موضوع بعينه وقد تتخذ أشكاال مختلفة وقد تهدف إىل تحسني‬
‫األوضاع وال تهتم بالسياسة وال تروم السلطة‪ .‬والجدير بالذكر أن االعتناء‬
‫بالسياسة وبالسلطة يف الحركات االجتامعية يبدأ منذ اللحظة التي تظهر‬
‫فيها التغيريات الكيفية ترسم مالمحها يف الوجود االجتامعي‪ .‬لذلك يكون‬
‫من املغالطة مبكان وضعها يف سلة واحدة‪ ،‬قطاعية أو مطلبية أو جهوية‬
‫ألنه لكل صنف من التحركات له فئته أو فئاته االجتامعية أو طبقاته وله‬
‫مطالبه وأهدافه الخاصة‪ ،‬وزيادة عىل أن هذا الخلط ينشئ غموضا وضبابية‬
‫يف الهوية واألهداف واألشكال النضالية فهو ينزع عن الحركات االجتامعية‬
‫الجديدة كل هوية أيديولوجية وسياسية بدعوى أن عهد األيدولوجيا قد‬
‫وىل كام الثورات من «النمط القديم»‪ ،‬أي تلك التي كانت تقوم بها طبقة‬
‫بعينها أو تحالف للطبقات التي ال متلك وسائل اإلنتاج أو متلك ما ال يسمح‬
‫باالستغالل‪ ،‬وأن الذي قاموا بها ال ينتمون لطبقة بعينها وال جامع إيديولوجي‬
‫وسيايس بينهم وال ينتمون لحزب بعينه بل ينتمون إىل كافة مكونات املجتمع‬
‫جمعتهم شبكات التواصل االجتامعي التي ال تحمل هوية بعينها‪.‬‬
‫الليبرالية الجديدة هي التي فقرت الشعوب ودمرت األمم؟‬
‫إنهم أولئك الذين ترضروا من الخيارات التي فرضتها العوملة النيوليربالية‬
‫عىل النطاق العاملي‪ .‬وتجلَت يف الهجوم عىل ما حققته الطبقة العاملة‬
‫واملوظفون والفالحون الصغار وعموم البورجوازية الصغرية‪ ،‬من مكاسب‬
‫لعقود متتالية يف البلدان الرأساملية املتقدمة‪ ،‬وفرضت عىل البلدان الضعيفة‬
‫إمالءات وضوابط مالية واقتصادية واجتامعية دمرت اقتصادياتها وفجرت‬
‫أزمات املديونية وعرضت مالياتها إىل االضطراب والتدهور وعمالتها إىل‬
‫االنزالق والتعويم بشكل عرض مخلف الطبقات والفئات الشعبية إىل مزيد‬
‫تدهور أوضاعها حتى أن الطبقة الوسطى يف جميع هذه البلدان انهيارا زعزع‬
‫استقرارها وتفاقم الفقر عىل النطاق العاملي بشكل جعل ما يفوق عن املليار‬
‫نسمة يعيشون فقرا مدقعا وما يقارب املليارين و‪ 800‬مليون نسمة يعيشون‬
‫عىل عتبة الفقر‪ ،‬بينام ‪ 10%‬من سكان العامل يحتكرون ‪ 86%‬من ثرواته و‪1%‬‬
‫من األكرث ثراء قد ازدادت ثرواتهم يف ما بني ‪ 1996‬و‪ 2016‬بـ‪ .60%‬أال يع َد‬
‫هذا انقساما عامليا بني الفقر والغنى؟ أليس هذا انقساما طبقيا عىل النطاق‬
‫العاملي ويف كل مجتمع؟‬
‫ومن الطبيعي أن تنتج الطبقات املترضرة من هذا التقسيم غري العادل‬
‫للرثوة املنتجة اجتامعيا التربير الذي تراه منطقيا ليك يصبح التملك للثورة‬
‫اجتامعيا‪ ،‬متاما كام هو إنتاجها‪ .‬وهذا التربير هو األيديولوجيا‪ .‬ومن الطبيعي‬

‫‪7‬‬

‫الخميس ‪ 14‬فيفري ‪ - 2019‬املوافق لـ ‪ 12‬جامدى الثانية ‪ - 1440‬العدد ‪75‬‬

‫هل صمدت فكرة الشيوعية أمام التاريخ؟‬

‫حوار بني الفيلسوفني الفرنسيني أالن باديو ومارسيل غوشيه‪ 1‬ج‪3/‬‬
‫ترجمة لطفي املثلويث‬

‫أيضا أن تضع أهدافا اسرتاتيجية وأخرى تكتيكية وأن تتبع أساليب نضال‬
‫محددة لكل مرحلة وأن تعقد تحالفات‪ ،‬وتلك يف عمومها هي السياسة‪.‬‬
‫كام أن األقلية السائدة اقتصاديا تريد املحافظة عىل سيادتها تلك فتحتكر‬
‫الدولة وتجعلها يف خدمتها باعتبارها أداة إخضاع عمومية تأخذ طابعا‬
‫رشعيا‪ .‬وللدفاع عن مصالحها تلتجئ الطبقات السائدة إىل ممثليها السياسيني‬
‫واملهنيني والنقابيني وإىل مثقفيها ووسائل اإلعالم واالتصال وغريها‪ .‬لذلك‬
‫تبقى األحزاب واملنظامت والجمعيات واأليديولوجيات ما بقيت الطبقات‪،‬‬
‫وما الدعاية حول نهاية األيديولوجيا والدور السلبي لألحزاب السياسية وحتى‬
‫النقابات بالنسبة للشغالني سوى عملية تح َيل إلبعاد الشعب عن السياسة‬
‫عن دعم األحزاب التي تتبنى أهدافه وتدافع عن مصالحه حتى تتمكن‬
‫األحزاب البورجوازية من احتكار الحياة السياسية ومن إدارة الشأن العام‪.‬‬
‫إن الحديث عن أن الحركة االجتامعية الجديدة ال طبقية وال أيديولوجية‬
‫ويذهب البعض إىل حد القول إنها ال سياسية سببه هو أنه ينظر للحركة‬
‫باعتبارها مجموعة أفراد ال رابط بينهم سوى شبكات التواصل االجتامعي‬
‫وقد ينخرطون يف حركة معينة ليس ألنهم مترضرون من الليربالية الجديدة‬
‫بل فقط ألنهم تلقوا رسالة تدعوهم للتظاهر‪.‬‬
‫ماكرون والسترات الصفراء‬
‫ولسائل أن يسأل‪ ،‬إذا كانت املسألة طبقية وأيديولوجية وسياسية مبثل هذا‬
‫الوضوح فلامذا إذن ظهرت حركة السرتات الصفراء يف فرنسا؟‬
‫أىت ماكرون إىل السلطة مبرشوع نيوليربايل‪ ،‬إذ زيادة عىل استهدافه ملكاسب‬
‫الطبقة العاملة الفرنسية والشعب الفرنيس ولتنفيذ برنامجه عىل الوجه‬
‫األكمل فقد عمل عىل رضب األحزاب التقليدية يف العمق بتأكيد عجزها‬
‫يف منافسته يف االنتخابات الرئاسية والترشيعية وهزمها باالعتامد عىل‬
‫املجموعات املستقلة التي مل تعد تثق باألولغارشيا السياسية وكان له ذلك‪ ،‬ث َم‬
‫ه َمش النقابات‪ ،‬ظانا أنه ميكن له تجاوز البناء التقليدي بظاهرة املستقلني‬
‫والشباب‪ .‬لكن نزلت اإلجراءات التقشفية بثقلها عىل الشعب الفرنيس حتى‬
‫تدهورت أوضاعه وتعرضت الطبقة الوسطى فيه إىل رضر كبري بحيث أنه مل‬
‫يعد بوسعه العيش كام يف السابق ومل يجد آليات الدفاع عن مصالحه ألنه‬
‫كان قد ابتعد عن األحزاب التقليدية وعن النقابات ظنا بأنه وجد ضالته‬
‫يف ما دعاه إليه ماكرون وإذا به يالقي الويالت فخرج إىل الشارع واستعمل‬
‫شبكات التواصل االجتامعي يف تنظيم اجتجاجه‪ .‬لكن األكيد وال جدال هو‬
‫أن استمرارية االتصال والعمل عىل الشبكات وتنظيم الشعارات والتحركات‬
‫تتطلب وجود مجموعة مستقرة تعمل بتنسيق دائم لقيادة الحركة يف اتجاه‬
‫تحقيق مطالب محددة وبلوغ أهداف بعينها‪ .‬واملتابع للحركة منذ نشأتها‬
‫يالحظ دون عناء أنها تجاوزت املطالب املبارشة ملطالبة ماكرون باالستقالة‬
‫ومبراجعة أشكال التمثيلية الدميقراطية التقليدية‪ ،‬زيادة عىل أشكال العنف‬
‫املنظم التي أخذت مكانها لدى الحركة‪ .‬وكلها دالالت عىل وجود مجموعات‬
‫منظمة تؤطر حركة السرتات الصفر يف فرنسا‪ .‬ونشري أيضا إىل أن استمرارها‬
‫واستقرارها يعود إىل أنها تطالب مبعالجة أزمة الدميقراطية وتتقدم ببديل‬
‫لذلك‪ .‬وهو ما يؤكد أنها ليست مجرد حركة عفوية وقد تكون كذلك عند‬
‫انطالقها لكنها التحمت مبمثليها السياسيني وهكذا أخذت لتوها طابعا سياسيا‬
‫رغم أنها مل تكن سياسية يف األصل‪.‬‬
‫ونختم بالقول أن الحركة االجتامعية «الجديدة» ليست جديدة بل هي‬
‫وليدة الظروف االقتصادية واالجتامعية واملعنوية التي أصبحت عليها‬
‫الطبقات الشعبية والجديد الذي ظهر لديها هي الوسائل املستعملة‪ ،‬شبكات‬
‫التواصل االجتامعي‪ ،‬والشعارات املرفوعة واألهداف املرسومة التي تكون‬
‫مرتبطة بالرضورة باألوضاع التي متر بها الطبقة أو الطبقات والفئة أو الفئات‬
‫االجتامعية التي تضعها للدفاع عن مصالحها‪.‬‬

‫تذكري بالجزءين األ ّول والثّاين من الحوار‪ :‬يف الجزء األ ّول‬
‫ق ّدم مارسال غوشيه تص ّورا ملرشوع ماركس عىل أنّه‬
‫يقوم باألساس عىل فكرة «املصالحة الكربى ضمن كلّية‬
‫متناغمة»‪ .‬ويؤ ّول مارسال غوشيه هذا التعلّق بفكرة‬
‫الواحد وإلغاء الفوارق عىل أنّه مق ّدمة نظرية للمرشوع‬
‫التوتاليتاري‪ .‬وذلك ما سيح ّوله لينني إىل مامرسة سياسية‬
‫وإىل خيار للدولة السوفياتية الجديدة‪ .‬يف الجزء الثاين‬
‫من الحوار يق ّدم أالن باديو قراءة «إيجابية» للمساهمة‬
‫اللينينية‪ ،‬عىل أنّها تتجاوز محدودية النزعة التلقائية أو‬
‫العفوية التي م ّيزت القرن التّاسع عرش‪ ،‬لتؤكّد عىل أه ّمية العنرص الحزيب‪-‬التنظيمي (العنرص‬
‫الذايت) لتحقيق التح ّول التّاريخي نحو الشيوعية‪ .‬يف مقابل ذلك حاول غوشيه بلورة بنية‬
‫مو ّحدة مت ّيز كلّ التوتاليتاريات‪ ،‬والتي متثّل يف عمومها محاولة الستعادة الوحدة الجامعية‬
‫التي كانت تقوم قدميا عىل أساس ديني‪ .‬هذا الجمع والخلط بني الفاشية والنازية من جهة‬
‫والشيوعية من جهة أخرى هو ما اعرتض عليه أالن باديو بالنظر إىل وجود فوارق جوهرية مت ّيز‬
‫املرشوعني‪( .‬املرتجم)‬
‫آالن باديو‪ : ‬ال ميكن إنكار وجود عنارص مشرتكة لدى هذه األنظمة‪ : ‬استبداد‬
‫السيايس‪،‬‬
‫الحزب الواحد‪ ،‬رسوخ الذهنية العسكرية‪ ،‬ال ّدور املحوري للبوليس ّ‬
‫إلخ‪ .‬ولكن مبثل ما ميكن يف املنطق لنفس البنية الشّ كلية أن تُنتج منوذجني‬
‫متباعدين متاما يف كلّ ال ّنقاط التي مل تقع شكلنتها ضمن هذه البنية‪ ،‬تختلف‬
‫ال ّنازية عن الشيوعية كلّ االختالف عىل مستوى القيم‪ ،‬وعىل مستوى‬
‫الذّاتيات (‪ ،)subjectivités‬وكذلك عىل مستوى ال ّداللة األمميّة‪ .‬يف حني أنّنا‬
‫نرى أنّك تذهب‪ ،‬بواسطة مفهوم الدين العلامين (‪ )religion séculaire‬الذي‬
‫املسمة توتاليتاريّة‪ .‬لقد كنت‬
‫اعتمدته‪ ،‬نحو توصيف يساوي بني املجتمعات ّ‬
‫قبل قليل تسلّم بالفرض ّية القائلة بأ ّن لينني قد ذهب نحو تجسيد ما كان‬
‫ميثّل لدى ماركس بعدا توتاليتاريّا كامنا (وذلك عرب فكرة املجتمع املتح ّرر من‬
‫فوارقه)‪ .‬فهذا التّأويل املع ّمم بدا يل يف نهاية املطاف غري قابل للتّطبيق‪ ،‬وذا‬
‫قيمة جداليّة فقط‪ .‬إذ ما الذي قام به لينني يف واقع األمر؟‬
‫متمسكا بالعديد من عوامل التّفاوت‪ ،‬بل إنّه قد ّرسخ الفوارق‬
‫لقد ظلّ‬
‫ّ‬
‫وبخاصة يف مجال العمل‪ .‬وحتّى ستالني ذاته مل يذهب أبدا نحو‬
‫الهرميّة‬
‫ّ‬
‫السوفيايت كلّية مو ّحدة‪ .‬عىل العكس من ذلك سيؤكّد ستالني‬
‫املجتمع‬
‫اعتبار‬
‫ّ‬
‫الصاع الطّبقي سيستم ّر‪ ،‬بل إنّه سيحت ّد‪ .‬و يف االتّحاد السوفيايت‬
‫عىل أ ّن ّ‬
‫مل يكن النموذج العا ّم ق ّط جامعا أو مو َّحدا‪ .‬كام أ ّن املجتمع السوفيايت مل‬
‫يكن قامئا عىل منوال هوو ّي كام هو الحال مع العرقية ال ّنازية (‪racialisme‬‬
‫‪ .)nazi‬ففلسفة ال ّنازيني بيولوجية املنزع‪ ،‬وهي تستند إىل ماهية «نق ّية»‬
‫للشّ عب‪ ،‬هي خارجة يف واقع األمر عن كلّ فكر سيايس‪ .‬وال عالقة لذلك‬
‫بالفلسفة الشّ يوعية التي هي ديالكتيكية‪ ،‬وتقوم عىل حركة املتناقضات‪.‬‬
‫مارسال غوشيه‪ : ‬نعم‪ ،‬ولكن الفوارق التي ّرسخها من جديد لينني ث ّم من‬
‫بعده ستالني قد ُع ّدت كمراحل وكرشوط رضوريّة للوصول إىل الهدف الذي‬
‫كان يعلنه النظام‪ ،‬أي إىل الشّ يوعية وإىل وحدة الشّ عب كلّه‪ .‬يف كلّ الحاالت‬
‫كانت هناك فجوة تفصل املبدأ عن الواقع الفعيل‪ .‬و ِعوض أن يؤ ّدي االمتالك‬
‫الجامعي لوسائل اإلنتاج إىل الح ّد من الفوارق االجتامعية‪ ،‬فإ ّن بروز فئة‬
‫محظوظة‪ ،‬هي البريوقراطية‪ ،‬قد أ ّدى عمل ّيا إىل تعميق هذه الفوارق‪ .‬لقد‬
‫وجد ال ّنظام نفسه يف وضع غري متجانس مع مبادئه املساواتيّة األساسيّة‪ .‬فكان‬
‫عليه أن ميارس الكذب بشكل دائم إلخفاء هذا الواقع‪ .‬باإلضافة إىل ذلك‪ ،‬مل‬
‫يكن للحزب من حلّ غري تصفية األعداء‪ ،‬مبن فيهم «أعداء ال ّداخل» (الذين‬
‫ينتمون إىل بريوقراطية ال ّدولة‪ ،‬بل وحتّى إىل جهاز الحزب ذاته)‪ ،‬هؤالء الذين‬
‫كانوا يتفطّنون يف كلّ يوم إىل إخالالت نظام العقالين‪ .‬لقد أصبح هناك تعاضد‬
‫ال ميكن فكّه بني الكذب واإلرهاب‪ ،‬كلّ منهام يغذّي اآلخر‪.‬‬
‫السوفيايت يف اإلرهاب‪ ،‬علينا أن نكشف‬
‫آالن باديو‪ :‬يك نفهم سقوط االتحاد ّ‬
‫عن خلل ديالكتييك فظيع‪ :‬فاملاركسية اللّينين ّية‪ ،‬والتّسمية استحدثها ستالني‪،‬‬
‫كانت تزعم تحقيق الغايات املعتربة شيوعية‪ ،‬بواسطة دولة قاهرة تجد تربيرا‬
‫لوجودها يف رضورة «انتقالية» إلقامة دكتاتورية الربوليتارية‪ ،‬والتي سيكون‬
‫عليها تقويض األجهزة القمعية للعامل القديم‪ .‬ولكن عىل خالف ذلك يُ َع ّد‬
‫القول بشيوعية مدولنة (‪ )communisme étatisé‬قوال متناقضا‪ ‬واستحالة‬
‫يجب استبعادها من وجهة نظر ماركس ذاته‪ .‬إذ مل تكن الغاية التي يستهدفها‬
‫املرشوع املاركيس سوى اضمحالل الدولة‪ ،‬أ ّما فيام يخص املجتمع الشّ يوعي‬
‫فهو قد كان يتح ّدث عن «اجتامع ح ّر» (‪.)libre association‬‬

‫ولكن تجدر اإلشارة إىل أ ّن لينني يف آخر حياته‬
‫كان عىل وعي باملشكل‪ :‬فهو قد أدان بق ّوة‬
‫«املستنقع» البريوقراطي‪ ،‬كام كان يبحث يف‬
‫إنشاء رقابة خارجية عىل ال ّدولة العاجزة عىل‬
‫تحقيق املرشوع املنشود‪ ،‬وذلك بواسطة بعث‬
‫العمل والفالّحني‪ .‬من املؤكّد‬
‫جهاز تحقيق من ّ‬
‫أ ّن هيمنة ال ّدولة ستصبح مع ستالني أش ّد وطأة‪.‬‬
‫إذ مل يكن للنظام من حلّ غري التش ّدد اإلرهايب‪،‬‬
‫وذلك عن طريق عمليّات التّطهري املتتالية‪ ،‬والتي‬
‫ال تق ّدم أ ّي حلّ للمشاكل الجوهرية املتعلّقة‬
‫ببناء االشرتاكية‪ .‬لقد ت ّم تحريف طبيعة الفكرة‬
‫الشّ يوعية بشكل تا ّم مبج ّرد أن وقع إفراد ال ّدولة‬
‫لوحدها مبه ّمة االنتقال إىل الشّ يوعية‪ .‬وال ّدولة‬
‫الستالينية‪ ،‬هي خليط‬
‫دامئا‪ ،‬وليس فقط ال ّدولة ّ‬
‫بني العنف واملحافظة عىل األمر الواقع‪ .‬ما‬
‫وجدته عند ماو كان نقيض هذا‪ :‬فالفكرة التي لديه ترى أنّه ال ميكن ملا كان‬
‫خاصة بجهاز ال ّدولة‪ ،‬وأنّه‬
‫يس ّميه «بالحركة الشّ يوعية» أن تكون مج ّرد عهدة ّ‬
‫الضوري بعث حركات جامهريية مستقلّة‪ ،‬وحتّى كذلك منظّامت شعب ّية‬
‫من ّ‬
‫منفصلة عن الحزب‪ ،‬وذلك ضمن سياق حركية التّاريخ‪ ،‬حتّى ولو أوجب األمر‬
‫أن يكون ذلك عن طريق االنتفاضة‪.‬‬
‫ماو والثورة الثقافية‬
‫آالن باديو‪ :‬أ ّما فيام يتعلّق بوفايئ للامويّة فليكن األمر واضحا‪ :‬إنّ ا أنا أهت ّم‬
‫أمتسك إالّ مبرحلة‬
‫أساسا بالثّورة الثقافيّة‪ .‬وإن شئت الدقّة أكرث‪ ،‬أقول إنّني ال ّ‬
‫البداية التي انطلقت يف ‪ 1966‬وستعرف أوجها يف ‪ ،1967‬والتي ميكن اعتبارها‬
‫قد اكتملت يف خريف ‪ 1968‬عىل أقىص تقدير‪ .‬إنّا نكون بذلك إزاء أ ّول حركة‬
‫جامهريية شيوعية أصيلة‪ .‬لقد نادى ماو بذلك‪ ،‬وبطريقة غري مسبوقة‪ ،‬إىل ما‬
‫الستالينية من ال ّداخل‪ ،‬إىل ما سيؤ ّدي إىل اندالع حراك طالّيب يف البداية‬
‫يق ّوض ّ‬
‫عم ّيل فيام بعد‪ .‬فلم يعد منطلق التّغيري يكمن يف الدولة أو الحزب‪ ،‬بل يف‬
‫ث ّم ّ‬
‫القوى االجتامعية غري املنظّمة يف البداية‪ ،‬ولك ّنها مع ذلك سيُنظر إليها كقوى‬
‫السيايس‪.‬‬
‫الفعل الوحيدة والحقيقية لإلبداع التّاريخي و ّ‬
‫ولعلّنا بذلك نجد أنفسنا إزاء املحاولة الوحيدة من داخل تاريخ الشّ يوعيّة‬
‫التي أعادت النظر يف املآل ّالتاجيدي الذي أدركته تجربة االشرتاكيات‬
‫السياسة‪ .‬إذ أ ّن احتكار ال ّدولة‬
‫السوفياتية‪ ،‬ونقصد بذلك استحواذ ال ّدولة عىل ّ‬
‫ّ‬
‫السيايس للمجتمع‬
‫البعد‬
‫إلغاء‬
‫إىل‬
‫ي‬
‫د‬
‫يؤ‬
‫الحزب‬
‫طريق‬
‫عن‬
‫يايس‬
‫الس‬
‫للفعل‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫(‪ .)dépolitisation de la société‬يف بعض األحيان يت ّم تعريف التّوتاليتارية‬
‫عىل أنّها ال ّنظام الذي يصبح فيه كلّ يشء مس ّيسا‪ ،‬يف حني أنّني أعترب أنّه من‬
‫للسياسة‪ ،‬ذلك اإللغاء الذي أراد ماو‬
‫األوجب تعريفها عىل أنّها اإللغاء التّام ّ‬
‫القطع معه‪ .‬وحينام نجد ماو يقول أمام مجموعة من الحرس األحمر املفتتنني‬
‫السيايس‪« :‬ليكن لديكم اهتامم بشؤون ال ّدولة»‪ ،‬فنحن هنا‬
‫بصورة القائد ّ‬
‫الستاليني‪.‬‬
‫اإلرث‬
‫لكل‬
‫متاما‬
‫مغايرة‬
‫بصدد حركة‬
‫ّ‬
‫ما من ّ‬
‫شك يف أ ّن هذه الحركيّة قد آلت إىل الفشل‪ .‬وقد حدث ذلك بسبب‬
‫تفكّكها ال ّداخيل‪ ،‬وبسبب رصاعات األجنحة التي نجمت عنها‪ ،‬وكذلك بسبب‬
‫«املتوسطة» داخل جهاز الحزب‪ .‬ولكن‬
‫الشسة التي أبدتها اإلطارات‬
‫املقاومة ّ‬
‫ّ‬
‫بالنظر إىل املحاولة ذاتها‪ ،‬فإ ّن ما وعدت به الثّورة املاويّة كان عظيام‪ ،‬و‬
‫املساهمة التي ق ّدمتها كانت حاسمة‪.‬‬
‫مارسيل غوشيه‪ :‬ولكن التّهاون يف تقدير البعد اإلجرامي لهذه التّجربة يجعلنا‬
‫وكأنّنا نضلّل أنفسنا مبثل هذا الحديث‪ .‬فالتقديرات األكرث ج ّدية تاريخيا‬
‫تحيص بني ‪ 200‬ألف ومليونني كعدد للضحايا خالل فرتة الثورة الثقافية فقط‪.‬‬
‫آالن باديو‪ :‬لقد تع ّودت عىل مثل هذا «االعرتاض»‪ ،‬فإحصاء املوىت هو البعد‬
‫السيايس‪ .‬وفيام يتعلّق مبوضوع الثورة الثقافية‪ ،‬تلك التي ت ّم‬
‫ّ‬
‫الصفر يف النقاش ّ‬
‫السخرية‪ ،‬نجد اإلدانة تأيت قبل الفهم‪ .‬ث ّم إ ّن املدى‬
‫تجاهلها ووضعها موضع ّ‬
‫املتّسع بني األرقام التي تذكرها يفقدها طابع املصداقية‪ ،‬وهو يتعلّق بعموم‬
‫الصني‪ ،‬وتعداد ‪200‬‬
‫املسار الثّوري الذي امت ّد أكرث من عرش سنني‪ .‬أ ّما فيام يه ّم ّ‬
‫ألف من القتىل عىل طيلة عرش سنوات‪ ...‬فاعذرين حني أجد نفيس مضط ّرا‬
‫للقول‪ ،‬بأنّك إذا طبّقت هذا الحساب عىل الثّورة الفرنسية فإنّك ستجد رقام‬
‫مامثال لذلك‪ .‬ولكن ال يبدو يل أنّك ستستخلص من ذلك نقدا قاطعا للشّ كل‬
‫الجمهوري لل ّدولة‪.‬‬
‫لقد قاد ماو تجربة معقّدة‪ ،‬متع ّددة األشكال‪ ،‬وهي قد كانت بالفعل عنيفة‬

‫محلّيا‪ ،‬ولكن ليس إىل الح ّد الذي تذهب إليه اإلحصائ ّيات املتداولة‪ .‬ث ّم فوق‬
‫ذلك كلّه يُطرح سؤال‪ :‬من أين تنبع املظاهر األساسية للعنف؟ من املواجهات‬
‫السياسية ومن تح ّركاتهم الفوضوية‪ ،‬وهذا أمر تشهده كلّ‬
‫بني املجموعات ّ‬
‫الثورات‪ .‬ومن الجدير بالذّكر هنا أ ّن املجموعات األكرث عنفا كانت مجموعات‬
‫الحرس األحمر املساندة للنظام واملك ّونة باألساس من أبناء اإلطارات‪ ،‬والذين‬
‫كانوا يهدفون باألساس إىل حامية مصالحهم‪ .‬وهذا يعني أنّه انطالقا من‬
‫خاصة‪ ،‬كان املصدر األسايس للعنف متأتّيا من األعامل‬
‫السبعني ّ‬
‫السنوات ّ‬
‫ّ‬
‫املناهضة رصاحة للامويّة التي يقوم بها الجيش وجهاز ال ّدولة‪ ،‬حيث كان يت ّم‬
‫خاص يف املقاطعات‪،‬‬
‫إطالق ال ّنار عىل الثّوريّني يف كلّ مكان تقريبا‪ ،‬وبشكل ّ‬
‫يستتب األمر من جديد‪ .‬وهناك حيثام كان اليسار املاوي قويّا‪ ،‬كام هو‬
‫حتّى‬
‫ّ‬
‫العمل والطّلبة يت ّم يف إطار مرن وجديد تحت‬
‫تنظيم‬
‫وكان‬
‫شنغهاي‪،‬‬
‫يف‬
‫الحال‬
‫ّ‬
‫السياسيّة املح ّنكة واملبدعة‪ ،‬كان هناك عدد قليل من القتىل‪.‬‬
‫إرشاف اإلطارات ّ‬
‫وعىل العكس‪ ،‬حيثام كان اليمني البريوقراطي والعسكري قويّا ج ّدا كام هو‬
‫الحال يف كانتون (‪ ،)Canton‬كان العنف أكرث رشاسة‪ .‬وهذا ما يذكّرين بالعربة‬
‫التي حملت العدد األكرب من الذين سيقع إعدامهم باملقصلة والتي مل تكن‬
‫بقرار من روبسبيري (‪ ،)Robespierre‬بل بقرار من طرف خصومه املعادين‬
‫للثورة‪ ،‬والّذين قادوا مرحلة طويلة من اإلرهاب األبيض عن طريق إعدام كلّ‬
‫قادة لجنة اإلنقاذ العا ّمة‪.‬‬
‫مارسال غوشيه‪ :‬إنّ أق ّر مثلك بأ ّن تعقيد الثّورة الثقاف ّية هو أمر يقع التّعتيم‬
‫الصف وليس مجال‬
‫يس ّ‬
‫عليه عموما‪ .‬إ ّن املجال الذي يعنيك هو املجال ّ‬
‫السيا ّ‬
‫الصفة) فأنا أعارضك‪ ،‬إذ ال‬
‫(السياسة ّ‬
‫األرقام‪ .‬ولك ّني حتّى يف هذا املستوى ّ‬
‫ميثّل ماو البتّة نقيضا لستالني‪ .‬فالثّورة الثّقافية‪ ،‬حتّى يف فرتة انطالقها‪ ،‬ليس لها‬
‫رص‬
‫هذه الطّبيعة املتجاوزة للتّوتاليتاريّة (‪ )extra-totalitaire‬مبثل ما أنت ت ّ‬
‫عىل تأكيده‪ .‬بل عىل العكس‪ ،‬إنّ ا يندرج هذا ال ّزخم املاوي متاما ضمن املنطق‬
‫الستاليني‪ .‬ففي سنوات ‪ 36-1938‬ال ّرهيبة‪ ،‬كان ستالني يبحث يف التّحالف‬
‫السوفيايت األكرث دميقراطية‬
‫مع الجامهري عرب ترشيكهم يف صياغة «الدستور ّ‬
‫يف العامل»‪ ،‬والذي مل يكن سوى وسيلة للربوباغندا‪ .‬فالتّعبئة الجامهريية كانت‬
‫متثّل وسيلة تسمح بتربير عمليّات التّطهري داخل الحزب‪.‬‬
‫إ ّن كلّ األنظمة الشّ يوعية تجد نفسها أمام تناقض داخيل يتح ّول بدوره‬
‫الصاع إىل رصاع داخل‬
‫إىل مأزق‪ :‬ففي مواجهة تعقّد أزمة ال ّنظام يتح ّول ّ‬
‫السياس ّية ذاتها‪ ،‬والتي ستجد نفسها بحاجة إىل التو ّجه إىل الجامهري‬
‫القيادة ّ‬
‫من أجل تأكيد مرشوعيّتها من جديد‪ .‬ومن هذه ال ّناحية مل يقم ماو سوى‬
‫باستعادة مامرسة تُ َع ّد كالسيك ّيا ستالينية‪ .‬وعذرا إذ كنت أجد نفيس مضط ّرا‬
‫لقول هذا األمر‪...‬‬
‫‪L’idée communiste a-t-elle survécu à l’histoire ? », Débat «1‬‬
‫‪Alain Badiou/Marcel Gauchet, Philosophie Magazine, Hors-sé‬‬‫‪rie N°21 : Les philosophes et le communisme, mars-avril 2014,‬‬
‫‪., pp. 15-22‬‬
‫‪ 2‬إشارة إىل ما حدث لروبسبيري (أحد أه ّم رموز الثورة الفرنسية وقادتها) من‬
‫طرف خصومه (‪ )les thermidoriens‬الذين متكّنوا من قلب األوضاع ض ّده‬
‫والحكم عليه باإلعدام (‪ 27‬و ‪ 28‬جويلية ‪ .)1794‬ومن الطّريف أ ّن هؤالء‬
‫خاصة‬
‫الخصوم الذين اتّهموا روبسبيري بالدعوة «لإلرهاب الثوري» ومامرسته‪ّ ،‬‬
‫حني كان عضوا يف لجنة اإلنقاذ العا ّمة‪ ،‬قد قادوا هم بأنفسهم مرحلة أطول‬
‫من اإلرهاب والعنف يف البالد‪( .‬املرتجم)‬

‫‪8‬‬

‫الخميس ‪ 14‬فيفري ‪ - 2019‬املوافق لـ ‪ 12‬جامدى الثانية ‪ - 1440‬العدد ‪75‬‬

‫حوار العدد مع األستاذ مسعود الرمضاني‬

‫أيّ سلطة تمتلك شيئا من الحكمة لن تكتفي بالحلول األمنيّة‬
‫بل ستسعى إىل تغيري األوضاع االجتماعية للمواطنني‪.‬‬
‫حاورته‪ :‬سعدية بن سامل‬
‫ضيفنا لهذا العدد هو األستاذ مسعود الرمضاين‪ ،‬عرف قبل‬
‫الثورة بنشاطه يف الرابطة التونس ّية لحقوق اإلنسان‪ ،‬وسعيه‬
‫رفقة ثلّة من الحقوقيني إىل التص ّدي لتجاوزات النظام يف‬
‫املجال الحقوقي‪ ،‬بعد الثّورة ّأسس مع مجموعة من الناشطني‬
‫الحقوقيني املنتدى التونيس لحقوق اإلنسان إميانا منهم بأهم ّية‬
‫الحقوق االقتصاديّة واالجتامع ّية يف تحقيق السلم االجتامع ّية‬
‫وحفظ كرامة اإلنسان‪.‬‬
‫نلتقيه يف هذا اللقاء للحديث عن «املنتدى» وعن الوضع العام‬
‫يف البالد وعن الهجرة وغريها من املواضيع‪.‬‬
‫األستاذ مسعود الرّمضاني رئيس‬
‫المنتدى التونسي للحقوق االجتماعيّة‬
‫واالقتصاديّة‪ .‬هل من تذكير بدواعي‬
‫إنشاء المنتدى وأهمّ أهدافه؟‬
‫ قبل الرتخيص القانوين للمنتدى التونيس للحقوق‬‫االقتصادية واالجتامعية الذي تحصلنا عليه بعد ‪14‬‬
‫جانفي ‪ ،2011‬كنا مجموعة من النشطاء الحقوقيني‬
‫أغلبنا كان يتحمل مسؤولية يف الرابطة التونسية‬
‫للدفاع عن حقوق اإلنسان‪ ،‬كنا مدركني ألهمية‬
‫الحقوق االقتصادية واالجتامعية ودورها يف حياة‬
‫املواطنني‪ ،‬بالنظر إىل تواصل انتهاك هذه الحقوق‪،‬‬
‫خاصة يف القطاع الخاص غري املهيكل نقابيا‪ ،‬فك ّونا‬
‫لجان مساندة لعامالت النسيج يف الساحل اللوايت‬
‫انتهكت حقوقهن من قبل رشكات أجنبية منتصبة‪،‬‬
‫عامل مصنع االيسوزو يف القريوان‪ ،‬الطلبة املوقوفني‬
‫من اجل حقهم يف الرتسيم ومامرسة حقهم النقايب‪....‬‬
‫هذا العمل توج بتكوين «اللجنة الوطنية من اجل‬
‫مساندة أهايل الحوض املنجمي» التي تأسست‬
‫مبناسبة انتفاضة الجهة سنة ‪ ،2008‬هذه اللجنة التي‬
‫كان يل رشف رئاستها‪ ،‬تكونت من مناضالت نسويات‬
‫ونقابيني ومحامني وحقوقيني ومناضيل الهجرة‪،‬‬
‫رسمت اهدافا واضحة ‪ :‬كرس الحصار اإلعالمي‬
‫املرضوب حول االنتفاضة‪ ،‬تنسيق الدفاع مع عائالت‬
‫املساجني‪ ،‬والتعريف بعدالة هذه القضية يف الداخل‬
‫والخارج‪ ،‬واعتقد ان اللجنة نجحت يف ذلك‪ ،‬مام‬
‫أزعج السلطة‪ ،‬حتى إنها حكمت عىل الصديق محي‬
‫الدين رشبيب‪ ،‬املوجود بفرنسا‪ ،‬بسنتني سجنا نافذة‬
‫وحارصت اعضائها امنيا‪.‬‬
‫االن يعمل املنتدى عىل ترسيخ الحقوق االقتصادية‬
‫واالجتامعية وحقوق املهاجرين واملرأة يف القطاعات‬
‫غري املنظمة‪ ،‬كام أضيف جانب مهم لعمل املنتدى‪،‬‬
‫وهي الحقوق ألبيئية‪ ،‬حيث أصبح لنا منسقني‬
‫جهويني يف الفروع يعملون عىل ترسيخ هذه الحقوق‪.‬‬
‫وال يكتفي املنتدى باملنارصة‪ ،‬وصياغة التقارير‪ ،‬بل‬
‫يعمل عىل تقديم البدائل االقتصادية واالجتامعية‪،‬‬
‫حيث دأبنا يف السنوات األخرية‪ ،‬باإلضافة لنقد‬
‫امليزانيات السنوية‪ ،‬التي تعمل عىل تأبيد نفس‬
‫املنوال التنموي الذي أثبت فشله‪ ،‬مكرسة بذلك‬
‫حيفا اجتامعيا وجهويا ‪ ،‬إىل تقديم تصورات مليزانيات‬
‫بديلة‪ ،‬باالرتكاز عىل توصيات واقعية تخرجنا من‬

‫متاهة املديونية‪ ،‬وتريس بديال تنمويا وطنيا يتناسب‬
‫وقدرات بالدنا وكذلك طموحاتنا جميعا‪.‬‬
‫هل من توصيف ألمراض المجتمع‬
‫التونسي؟‬
‫نحن يف مرحلة انتقالية‪ ،‬رفعت الغطاء عن‬
‫الكثري من األمراض التي كان الحديث فيها محظورا‬
‫من قبل‪ ،‬وهي باألساس أمراض اجتامعية‪ ،‬منها‬
‫بالخصوص أهمية اإلحساس باالنتامء لهذا الوطن‪،‬‬
‫قبل االيدولوجيا‪ ،‬وفهم السياسة بإبعادها النبيلة‪،‬‬
‫التي يجب أن ال تكون فقط تحقيق طموحات‬
‫شخصية أو حزبية‪ ،‬بل يجب يف تقديري أن‬
‫تستجيب لطموحات املواطنني يف العدالة‪ ،‬بكلّ‬
‫أبعادها االجتامعية والجهوية والقضائية‪...‬‬

‫ نحن إزاء شباب فقد‬‫األمل في إمكانية‬
‫تحسين ظروفه في‬
‫تونس فبدأ يبحث‬
‫عن حلول يائسة‪،‬‬
‫حتى ولو كلفه ذلك‬
‫حياته‪.‬‬

‫كيف يُقيم المنتدى الوضع االقتصادي‬
‫الرّاهن وتأثيره على الفئات االجتماعيّة‬
‫المختلفة؟‬
‫هو وضع‪ ،‬حتى من خالل تقييم السلطة الحاكمة‪،‬‬
‫صعب ويحتاج إىل تشخيص وتقييم دقيقني والبحث‬
‫يف حل واقعي و مجدي ‪،‬يف رايئ خالل حمى البحث‬
‫عن التموقع يف السلطة وقع التغايض عن انتظارات‬
‫هذا الشعب‪ ،‬طموحه ان يكون هناك بدائل‬
‫اقتصادية واجتامعية‪ ،‬تخرج الجهات الداخلية من‬
‫الفقر والحيف اللذان تواصال لعقود‪ ،‬أن يتحقق حلم‬
‫الشباب يف شغل يحفظ كرامته‪ ،‬أن تتحول اإلدارة اىل‬
‫ادارة عرصية يف خدمة املواطن‪ ،‬ان تقدم األحزاب‪،‬‬
‫التي حررتها الثورة‪ ،‬برامج اقتصادية واجتامعية ذات‬
‫مصداقية‪ ،‬أن يكون الرصاع السيايس مبني عىل برامج‬
‫ورؤى ‪...‬‬
‫الحقيقة أن العديد من املواطنني‪ ،‬اآلن امتلكهم‬
‫اليأس من إمكانية تغيري األوضاع‪ ،‬بل هناك من‬
‫يعتقد أننا أخطأنا‪ ،‬وهو يف اعتقادي رأي يجانب‬
‫الصواب‪ ،‬الن الحرية مهمة وحيوية وال ميكن أن‬
‫نندم عيل اكتسابها‪ ،‬مهام ساءت أوضاعنا لكن أدرك‪،‬‬
‫يف نفس اآلن‪ ،‬أن األوضاع االقتصادية صعبة وانه‬
‫يصعب اقناع مواطن ال يقدر عىل ايجاد قوت‬
‫عائلته ان يقبل بالحرية التي ال تؤدي إىل تحسني‬
‫أوضاعه‪ ،‬لذلك أقول ‪:‬نحن يف مفرتق طرق يجب ان‬
‫ندركه ‪ :‬إما ننجح هذه التجربة الفريدة بان نعي‬
‫بخطورة االوضاع االجتامعية وان تجاوز تلك املنطقة‬

‫مهم ملستقبل أجيالنا القادمة‪ ،‬أو أن نرتك األوضاع‬
‫عىل ما هي عليه‪ ،‬وبذلك نكون قد عدنا إىل نقطة‬
‫الصفر‪.‬‬
‫وخاصة الهجرة «غري‬
‫تعتنون يف املنتدى باملهاجرين ّ‬
‫رشع ّية»‪ ،‬فأين وصلت قض ّية املفقودين؟‬
‫فعال‪ ،‬نعتني بالهجرة غري النظامية‪ ،‬وهو احد‬
‫املواضيع املهمة بالنسبة للمنتدى‪ ،‬وقد وقفنا إىل‬
‫جانب العائالت التي فقدت أبنائها منذ اللحظة‬
‫األوىل‪ ،‬ونظمنا معهم املسريات والوقفات االحتجاجية‬
‫والندوات‪ ،‬وعربنا عن ارتياحنا لتكوين اللجنة التي‬
‫تكونت يف جوان ‪ ،2015‬لكنها مل تذهب بعيدا نتيجة‬
‫للتهاون الذي رافق قرارات الحكومات املتعاقبة‬
‫والذي تسبب يف اطالة معاناة العائالت وذلك رغم‬
‫أن هذه اللّجنة قامت بإعداد قامئة بيانات لبصامت‬
‫مئات املفقودين وتحليالت جينية‪ ،‬إضافة إىل‬
‫املعطيات الهامة التي قدمتها العائالت‪ ،‬ونتيجة لهذا‬
‫التخاذل انسحبنا من اللجنة ونواصل التنسيق مع‬
‫العائالت حتى تنتهي حرقتهم باكتشاف مآل أبنائها‪...‬‬
‫هل لكم تصوّر لمعالجة الهجرة غير‬
‫الشرعيّة التي تعصف باألرواح يوميّا‬
‫تقريبا؟‬
‫ فعال الهجرة غري النظامية تعصف بأرواح آالف‬‫الشباب من الجنوب ودافعهم إىل ركوب البحر هي‬
‫دامئا سوء األوضاع يف بلدانهم‪ ،‬الحروب األهلية‪،‬‬
‫التصحر‪ ،‬التطهري أالثني والعرقي واملسائل االقتصادية‬
‫واالجتامعية‪،‬‬
‫يف تونس‪ ،‬الزالت قضية الهجرة غري النظامية‬
‫تشغل املنظامت الحقوقية‪ ،‬منذ ‪ ،2011‬غادر آالف‬
‫الشباب التونيس الذين بدأ يدب لديهم اليأس باكرا‬
‫من امكانية تحسني االوضاع وفقد املئات منهم يف‬
‫البحر‪ ،‬ومنذ أكتوبر ‪ 2011‬عادت الظاهرة من جديد‪،‬‬
‫واشرتك فيها حتى االحداث والعائالت‪.‬‬
‫املسؤولية مشرتكة‪ :‬نحن إزاء شباب فقد األمل يف‬
‫إمكانية تحسني ظروفه يف تونس فبدأ يبحث عن‬
‫حلول يائسة‪ ،‬حتى ولو كلفه ذلك حياته‪ ،‬من ناحية‬
‫أخرى‪ ،‬تسري أوروبا نحو مزيد االنغالق‪ ،‬بركوب اليمني‬
‫مسألة الهجرة والوصول اىل السلطة لتطبيق مبدأين‬
‫‪ :‬منع املهاجرين وحتى طالبي اللجوء من دخول‬
‫الفضاء االورويب وأخريا‪ ،‬منع حتى إسعاف املهاجرين‬
‫يف البحر‪ ،‬من خالل منع املنظامت املدنية من اإلغاثة‬
‫والتضييق عىل عملها‪ ،‬مام أدى إىل النتيجة التالية‬
‫‪ :‬رغم تراجع املهاجرين غري النظاميني من جنوب‬
‫املتوسط‪ ،‬فان عدد الوفيات يف البحر قد ارتفعت‪،‬‬
‫مبعدل ‪ 6‬وفيات يوميا سنة ‪ ،2018‬وذلك حسب‬
‫املنظمة الدولية للهجرة‪.‬‬
‫الحلول‪ ،‬وحسب هذا التشخيص‪ ،‬تبدو بديهية‪ :‬أن‬
‫يلعب املجتمع املدين يف شامل املتوسط‪ ،‬كام يف‬
‫جنوبه‪ ،‬دوره يف الدفاع عن املبدأ اإلنساين العام‪ ،‬وهو‬
‫ضامن حرية التنقل وحق اللجوء‪ ،‬وتكون له القدرة‬
‫الكافية ملواجهة خطاب اليمني املتطرف‪ ،‬وأن تعيد‬
‫بلدان الجنوب‪ ،‬ومنها تونس‪ ،‬األمل اىل مواطنيها حتى‬
‫ال يضطروا إىل املخاطرة بحياتهم‪.‬‬
‫تشهد تونس هجرة كبيرة لألدمغة‪ .‬هل‬

‫‪9‬‬
‫تعتقدون أ ّن الدّولة متواطئة في هذه‬
‫الهجرة؟‬
‫ هجرة األدمغة‪ ،‬هي استنزاف لقدراتنا‪ ،‬الن‬‫االستثامر الحقيقي الذي ميكن ان تعول عليه تونس‬
‫هو ان تكون لها نخبة وطنية قادرة عىل الخروج مام‬
‫نحن فيه‪ ،‬والجدير بالذكر‪ ،‬ان دولة االستقالل التي‬
‫صمدت يف السنوات املاضية وحتى زمن الثورة كان‬
‫عامدها النخب يف مختلف مفاصل الدولة‪،‬‬
‫السؤال األوّل‪ :‬لماذا تدفع المجموعة‬
‫الوطنية امواال باهظة من اجل ان يكون‬
‫لها اطباء ومهندسين وأساتذة جامعيين‬
‫وتقنيين وغيرهم؟‬
‫السؤال الثاين‪ :‬ملاذا يغادر هؤالء؟ ثالثة أسباب‪،‬‬
‫عادة تقدم‪ ،‬ظروف العمل أفضل‪ ،‬الرواتب‬
‫هناك مشجعة‪ ،‬خاصة مع استمرار انهيار الدينار‪،‬‬
‫واملستقبل أكرث ضامن‪ ،‬وهي أسباب معقولة‪ ،‬لكن‬
‫دور الدولة والنخب وكل من يريد أن نستعيد هؤالء‪،‬‬
‫أو أن نضمن‪ ،‬عىل األقل‪ ،‬عدم تواصل النزيف‪ ،‬هو‬
‫ان نحرتم الدور الذي تقوم به هذه اإلطارات ونوفر‬
‫لها أسباب البقاء‪ ،‬وان نعطي للبحث العلمي ما‬
‫يستحق من أهمية‪ ،‬ما يجب أن ندركه هو أ ّن الدول‬
‫التي حققت منوا‪ ،‬مل تحققها باالقرتاض‪ ،‬بل بالتعويل‬
‫عىل نخبها‪...‬‬
‫صرّحتم سابقا أ ّن الخطر اليوم يكمن في‬
‫تحوّل المناطق المحاذية للجبال إلى حاضنة‬
‫شعبيّة لإلرهاب بدافع الخوف‪ .‬كيف ترون‬
‫معالجة هذا الخطر؟‬
‫ ال بديل عن االهتامم بهذه املناطق‪ ،‬وقد نبهنا‬‫لذلك منذ ‪ ،2013‬كام تحدثت العديد من التقارير‬
‫عن الجهات الحدودية وخطر االرهاب‪ ،‬مثل تقرير‬
‫مجموعة االزمات الدولية الذي صدر يف اكتوبر ‪2014‬‬
‫الذي أكد عىل رضورة االعتناء بالحدود ومراقبة‬
‫التجارة املوازية وربط الصلة ببض التجار من اجل‬
‫الحصول عىل معلومات حول التحركات االرهابية‪.‬‬
‫الخطر يف العملية االرهابية االخرية هو انتقام‬
‫االرهابيني من اولئك الذين لهم شجاعة االعالم حول‬
‫تحركاتهم وعدم متكن السلطة من حاميتهم‪ ،‬وأمتنى‬
‫ان يقع تدارك ذلك‪ ،‬الن عدم توفري الحامية يبعث‬
‫برسالة سلبية ملتساكني املناطق املتاخمة للجبال‬
‫حيث يتحرك االرهابيون‪.‬‬
‫ان عدم االهتامم بالجهات الحدودية وحاميتها من‬
‫التهميش وتوفري أسباب العيش الالئق الذي يحفظ‬
‫للمواطنني كرامتهم ويقيهم رش الخصاصة‪ ،‬اىل جانب‬
‫عدم توفري الحامية الالزمة عند اإلبالغ‪ ،‬يرتك هامشا‬
‫كبريا لإلرهابيني ويوفر الحاضنة التي يطمحون اليها‪.‬‬
‫كيف يقيّم المنتدى‪ ،‬واألستاذ الرّمضاني‪،‬‬
‫المشاريع المُعلنة للتنمية في الجهات؟‬
‫التنمية يف الجهات‪ ،‬يف تقديري‪ ،‬تشكو عديد الهنات‬
‫وهي هيكلية‪ ،‬إذ أ ّن القطاع الخاص يتلكأ يف بعث‬
‫املشاريع بسبب غياب البنية التحتية ومحيط سليم‬
‫للعمل بسبب البريوقراطية‪ ،‬وحتى املشاريع القليلة‬
‫التي أقرت من قبل السلطة املركزية‪ ،‬فإنها تالقي‬
‫إشكاليات عديدة‪ ،‬منها البريوقراطية اإلدارية وقضايا‬
‫امللكية والترسع وغياب إسرتاتجية واضحة للتنمية‪،‬‬
‫اىل جانب عدم استغالل كل الطاقات التنموية التي‬
‫ميكن ان توفرها املنطقة‪...‬‬
‫أعتقد انه ال ميكن الحديث عن منو دون تنمية وال‬
‫ميكن ان تكون هناك تنمية دون ان ادماج الجهات‬
‫الداخلية بتضافر كال من القطاع العام والخاص‬
‫وتوفري الظروف املناسبة للمستثمرين حتى يبعثوا‬
‫مشاريعهم‪ ،‬هذه الرشاكة مهمة لبعث املشاريع‬
‫الكربى‪ ،‬حتى نقلص من التداين ونضمن نجاعة‬
‫االستثامر‪.‬‬

‫الخميس ‪ 14‬فيفري ‪ - 2019‬املوافق لـ ‪ 12‬جامدى الثانية ‪ - 1440‬العدد ‪75‬‬

‫هل للمنتدى مشروع اقتصاديّ يمكن أن‬
‫يعرضه ويدافع عنه أم أ ّن األمر يتجاوز‬
‫اختصاصه؟‬
‫ال أعتقد انه ميكن للمنتدى أو اي طرف مجتمعي‬
‫أو حزيب ان يقدم مرشوعا متكامال للخروج من‬
‫املأزق ‪ ،‬لكني ناديت يف عديد املرات بلقاء وطني‬
‫أو مؤمتر وطني من اجل انقاذ البالد‪ ،‬تشارك فيه‬
‫كل املنظامت‪ ،‬ويف مقدمتها االتحاد العام التونيس‬
‫للشغل‪ ،‬الذي سبق وان قدم بعيد االستقالل مرشوعا‬
‫أقرته السلطة‪ ،‬وكذلك املختصني والخرباء و واألحزاب‪،‬‬
‫يخرج بتوصيات تحدد التوجهات ألي حكومة قادمة‪،‬‬
‫هذا الربنامج سيضمن سلام اجتامعية لفرتة محددة‬
‫وسيكون له مصداقية بسبب مشاركة كل االطراف‬
‫وميكن ان يسهل عمل السلطة القادمة‪...‬‬
‫في ظ ّل األزمات المتتالية في البالد‬
‫(التعليم‪ ،‬الصحّة‪ ،‬الوظيفة العموميّة‪،‬‬
‫المديونيّة‪ )..‬أيّ دور يمكن أن يلعبه‬
‫المنتدى؟‬
‫نحن حريصون عىل أن يكون موقفنا مستقال‬
‫ومعتدال ويتامىش ومصلحة البالد وكذلك دورنا‬
‫كمجتمع مدين‪ ،‬يحاول أن يعاضد األدوار التي تلعبها‬
‫منظامت أخرى‪ ،‬نحن قدمنا منذ سنوات تقريرا عن‬
‫االنقطاع املدريس وسجلنا انقطاع أكرث من ‪ 100‬الف‬
‫طفل ونبهنا وزارة الرتبية والحكومة واملجتمع لهذه‬
‫الظاهرة الخطرية وكنا ضمن ائتالف وطني للصحة‬
‫قدم دراسات مهمة عن االوضاع الخطرية للصحة‬
‫وعقدنا ندوات يف هذا الشأن وقدمنا تقارير عن‬
‫املديونية‪...‬‬
‫مهمتنا ليس الدفاع عن قطاع بعينه بل دراسة ما‬
‫يعرتي كل قطاع من نواقص وتقديم ما نراه من‬
‫حلول‪.‬‬
‫سنة انتخابيّة تتزامن مع أوضاع اجتماعيّة‬
‫صعبة من المتو ّقع أن يرافقها كمّ من‬
‫الوعود والتحركت ذات ّ‬
‫الطابع االنتخابي‪.‬‬
‫فهل يمكن أن يقوم المنتدى بدور في‬
‫ترشيد النّاخب؟‬
‫هناك عديد الجمعيات التي تعمل عىل ترشيد‬
‫الناخب وتقديم ما يلزمه من آليات‪ ،‬وأنا باملناسبة‬
‫أحيّي عملها ونشاطها من أجل ضامن شفافية ونزاهة‬
‫االنتخابات‪ ،‬نحن فقط ندعو املواطنني إىل الذهاب‬
‫إىل صندوق االقرتاع‪ ،‬حتى نضمن تواصل املسار‬
‫الدميقراطي والتداول السلمي عىل السلطة‪.‬‬
‫دفعت األوضاع االقتصاديّة إلى تحرّكات‬
‫كبيرة في فرنسا في المدّة األخيرة دون‬
‫أن تعلن‪ ،‬في العلن على األقل‪ ،‬على قادة‬
‫لهذه التحركات ما ّ‬
‫يذكر بأطوار الثورة‬
‫التونسيّة‪ ،‬هل ترى في ذلك بداية عهد‬
‫جديد في شكل االحتجاجات والثورات أم أ ّن‬
‫المقارنة غير مشروعة؟‬
‫ليس يف فرنسا فقط‪ ،‬بل لرنى ما يحدث يف املنطقة‬
‫العربية من مسارات تغيري للخارطة السياسيّة‪ ،‬مثال‬
‫يف السودان‪ ،‬الذي عرف نظاما استمر لثالث عقود‪،‬‬
‫رغم ما رافقه من قضايا وحروب‪ ،‬يعرف السودان‬
‫منذ شهور انتفاضة بسبب غالء املعيشة وبسبب‬
‫تفاقم مظاهر الفساد واملحسوبية‪ ،‬ومل يستطع‬
‫الحاكم السوداين تقديم حلول‪ ،‬وهو الذي خرس جل‬
‫ثروته النفطية بسبب انفصال الجنوب‪ ،‬واملغرب‬
‫الذي عرف حراك الريف وعديد املناطق االخرى‪...‬‬
‫نحن أمام انتفاضات شعبية‪ ،‬جديدة‪ ،‬ال تقودها‬
‫أحزاب وال منظامت وال نقابات‪ ،‬فهي خارجة عن‬
‫كل الهياكل املنظمة‪ ،‬بل وأحيانا ال تقبل التنظيم أو‬
‫االنضواء تحت أيّة يافطة‪ ،‬لها مطالب محددة‪ ،‬ال‬
‫تريد التنازل عنه‪.‬‬
‫هذه املظاهر البد من دراستها وقد نظمنا يف املنتدى‬

‫ندوة‪ ،‬قدمنا فيها ورقات تحليلية حول الظاهرة‪،‬‬
‫شارك فيها مختصون‪ ،‬من بينهم‪ ،‬األستاذ شكري‬
‫املبخوت واألستاذ آصف بيات والحبيب العايب‪،‬‬
‫وكانت الغاية فهم الظواهر الثورية الجديدة ‪ :‬هل‬
‫هي قطع مع الثورات املاضية ؟ أم تواصل بشكل‬
‫مختلف؟ وهل أ ّن عدم وجود «الحزب الثوري» الذي‬
‫يقود التحركات يشكل عائقا؟ أم انه عامل ايجايب‬
‫لتفادي الهيمنة املطلقة لحزب معني عىل الحياة‬
‫السياسية ؟‬
‫املهم ‪ ،‬إنّنا يف زمن آخر غري زمن الثورات التي تقودها‬
‫االحزاب السياسية التي تعاضدها املنظامت يك تريس‬
‫برنامجها الثوري وتسعى إىل تطبيقه‪ ،‬ولهذا عىل كل‬
‫االحزاب ان تقرأ هذا الواقع الجديد وتستفيد منه‪.‬‬
‫أي خطر يهدّد مسار االحتجاج غير‬
‫ّ‬
‫المؤطر وذاك الذي دون قادة؟‬
‫االحتجاج غري املؤطر يأيت غالبا كنتيجة لعدم‬
‫استامع السلطة لنداءات املواطنني يف قضايا مثل‬
‫انقطاع املاء أو الطرقات أو غريها وغياب املسؤول‬
‫الذي يسارع بالبحث عن الحل‪ ،‬أو يعطي الجواب‬
‫املقنع‪،‬‬
‫قضية االحتجاجات غري املؤطرة قد تتحول إىل مشاكل‬
‫حقيقية إن نفد صرب املحتجني وتيقنوا أن ليس هناك‬
‫إحساس مبا يعيشونه من مشاكل‪ ،‬القضية األساس ّية‬
‫يف التواصل ومصداقية الوعود وحرفية املسؤول يف‬
‫ابتكار الحلول املمكنة‪ ،‬حتى ال يتط ّور الغضب إىل‬
‫عنف‪ ،‬أ ّما املحاكامت والحلول األمنيّة ‪ ،‬فإنها أثبتت‬
‫عدم جدواها منذ أيّام ما قبل الثورة‪.‬‬
‫دعوت في تصريح سابق إلى تقنين‬
‫التهريب‪ .‬فكيف ترون تقنينه؟‬
‫‪ 14‬التهريب استنزاف لالقتصاد الوطني ونزيف‬‫جبايئ وقد يتحول أحيانا إىل تهديد ومخاطر أمن ّية‬
‫‪ ،‬لذلك وجبت مواجهته بالطرق القانونية وإن مل‬
‫نستطع يف الوقت الحارض منعه‪ ،‬فعىل األقلّ الحد‬
‫منه ‪ ،‬ومحاولة إدخاله يف ال ّدورة االقتصادية‪،‬‬
‫مقابل ذلك‪ ،‬البد أ ْن نعي أ ّن تنامي التجارة املوازية يف‬
‫املناطق الحدودية سببه غياب التنمية واالستثامرات‪،‬‬
‫الساحلية وحول العاصمة‪،‬‬
‫املرتكزة أساسا يف املناطق ّ‬
‫لذلك ونظرا لغياب سياسة تنموية عادلة‪ ،‬يسعى‬
‫هؤالء سكّان هذه املناطق إىل البحث عن موارد‬
‫رزق أخرى ‪ ،‬ولو بطرق غري قانونية‪ ،‬عرب تهريب‬
‫البنزين واملواد االستهالكية‪ ،‬لذا أ ّي سلطة متتلك شيئا‬
‫من الحكمة لن تكتفي بالحلول األمنيّة وتسعى إىل‬
‫تغيري األوضاع االجتامعية للمواطنني هناك لسبب‬
‫أسايس‪ ،‬أنّهم هم من يستطيعون املساعدة عىل‬
‫ّ‬
‫تأمني ظهورنا من اإلرهاب‪ ،‬ولن يكون ذلك ممكنا‬
‫إالّ إذا كانت هناك ثقة يف الوطن الذي يوفر التنمية‬

‫ نحن في مرحلة انتقالية‪،‬‬‫رفعت الغطاء عن الكثير‬
‫من األمراض التي كان‬
‫الحديث فيها محظورا‬
‫من قبل‪ ،‬وهي باألساس‬
‫أمراض اجتماعية‪ ،‬منها‬
‫بالخصوص أهمية اإلحساس‬
‫باالنتماء لهذا الوطن‪،‬‬
‫قبل االيدولوجيا ‪ ،‬وفهم‬
‫السياسة بإبعادها النبيلة‬
‫العادلة ويغلق الباب امام كل مصادر االسرتزاق غري‬
‫املرشوعة‪.‬‬
‫ترون االئتالف الحاكم اآلن قادرا على‬
‫تأمين السّلم االجتماعيّ في البالد؟‬
‫ال أستطيع أن أحكم عىل أ ّي حزب أو ائتالف َحكَم‬
‫أو سيحكم مستقبال ايجابا أو سلبا إال مبقدار قدرته‬
‫عىل حلّ قضايا التنمية وكل القضايا االجتامعية‬
‫األخرى‪ ،‬لذلك أرى أ ّن كل من تداولوا عىل السلطة‬
‫منذ الثورة إىل اآلن مل يتمكنوا من ذلك‪ ،‬بل إن‬
‫األوضاع ازدادت صعوبة‪ ،‬وهو ما أثار غضب ويأس‬
‫املواطنني‪ ،‬كام اهتم بالرصاعات السياسيّة التي تق ّدم‬
‫مم نحن‬
‫الربامج والتص ّورات التي ميكن أن تخرجنا ّ‬
‫فيه‪ ،‬لذلك نادرا ما أشاهد الربامج الحوارية‪ ،‬ألنني‬
‫أراها‪ ،‬رصاحة مضيعة للوقت‪ ،‬تحمل أحيانا خطابا‬
‫متدنيا‪.‬‬
‫ق ّدم األستاذ ال ّرمضاين استقالته من ال ّرابطة التونس ّية‬
‫السبب‪.‬‬
‫لحقوق اإلنسان سنة ‪ 2016‬دون أن يُعلن ّ‬
‫السبب اآلن؟‬
‫فهل ميكن أن تعلن ّ‬
‫أمتنى للرابطة التونسية النجاح‪ ،‬فكل من يكون‬
‫يف هذه املنظمة العريقة يجب ان يتذكر تاريخها‬
‫النضايل وأجيال املناضلني التي تداولت عىل‬
‫املسؤولية ُصلبها‪ ،‬لقد تعلّمنا الكثري يف مسارها‪ ،‬وليس‬
‫فقط النضال ‪ ،‬بل تعايش مختلف التيارات واألفكار‬
‫داخلها دون هيمنة‪ ،‬وهذا ما سيحافظ عىل هذه‬
‫املدرسة ويحميها من كل انتكاس‪.‬‬

‫‪10‬‬

‫الخميس ‪ 14‬فيفري ‪ - 2019‬املوافق لـ ‪ 12‬جامدى الثانية ‪ - 1440‬العدد ‪75‬‬

‫الحركة االجتماعية‪ :‬املفاهيم‪ ،‬النماذج التحليلية والحالة التونسية*‬
‫منري سعيداين *‬

‫أوال‪ :‬إيضاحات مفهومية‬
‫وتاريخية‪:‬‬

‫سنة ‪ ،1842‬نحت لورينز فون ستاين‬
‫مصطلح‪« ‬الحركة االجتامعية»‪ ‬لإلشارة إىل أشكال‬
‫متعددة من االحتجاج الرامية إىل تغيري األوضاع‬
‫االجتامعي وال ّنقايب‬
‫العميل‬
‫االجتامعية القامئة‪  .‬وانترش استخدام املفهوم يف املعنى ّ‬
‫ّ‬
‫والسيايس خالل النصف األ ّول من القرن العرشين‪ .‬ومنذ أواخر ستينات القرن العرشين‬
‫ّ‬
‫تحولت الحركات يف هويتها (نشوء حركات نسوية وطالبية وشبابية وبيئية‪ ،‬وأقليات‬
‫مهاجرة‪ ،‬وإثنية‪ ...‬إلخ) وأشكالها النضالية (زهور االعتصام‪ ،‬واحتالل املقرات أو‬
‫اإلرضاب عن الطعام واملسريات والحمالت‪...‬إلخ) ومطالبها (تعزيز املراقبة االجتامعية‬
‫السلطات‪ ،‬استقاللية الجامعات االجتامعية‪ ،‬إغالق املفاعالت النووية‪ ،‬إلغاء أو‬
‫عىل ّ‬
‫سن قوانني موجهة لفئات اجتامعية بعينها‪ ...‬إلخ) ويف تركيبتها االجتامعية (جامعات‬
‫عمل‪ ،‬نساء غري عامالت‪ ،‬عاطلون‪ ،‬بيئيون‪...،‬إلخ)‪.‬‬
‫متن ّوعة‪ّ ،‬‬

‫ويع ّرف تشالز تيليل الحركة االجتامعية عىل أنها «سلسلة‬
‫ذات دميومة من التفاعالت بني املاسكني بالسلطة وأشخاص يتحدثون‬
‫نيابة عن قاعدة جامهريية تفتقد التمثيل السيايس ال ّرسمي‪ ،‬وذلك يف‬
‫سياق نرش هؤالء األشخاص مطالب محددة تستهدف إجراء تغيري يف‬
‫توزيع السلطة أو مامرستها وتدعيم هذه املطالب بتحركات جامعية‬
‫عمومية من أجل حشد التأييد»‪ .‬ويعترب ديال بورتا ودياين أن يف الحركة‬
‫االجتامعية أربع خصائص هي شبكة من العالقات غري الشكلية‪،‬‬
‫وتقاسم جملة من األفكار والقيم واملعايري واملعتقدات واملبادئ‪،‬‬
‫اعي‪ ،‬والصبغة االحتجاجية‪-‬املطلبية‪-‬‬
‫االشرتاك يف فعل جامعي نِ َز ّ‬
‫النضالية التعبوية غري االنتخابية وغري التمثيلية‪.‬‬
‫ويركّز التّحليل اإلطاري للحركات االجتامعية عىل كيفية‬
‫استخدام األفكار والثقافة واأليديولوجيا وتأويلها ل َحشْ ِد التأييد‬
‫لألهداف املرسومة‪ .‬وبالنسبة إىل وليام غامسون مثة ثالثة مكونات‬
‫إلطار العمل الجامعي هي التظلّم (غضب أخالقي نابع من شعور‬
‫بالظلم) وال ُهويّة (التامهي مع مجموعة من خالل إحساس األفراد‬
‫ببعضهم البعض تجاه سلطات معينة) والقدرة عىل الفعل (استطاعة‬
‫ذاتية جامعية لتغيري األوضاع)‪ .‬وحسب دافيد سنو وروبرت بنفورد‪،‬‬
‫من أسس إطار الفعل االنتقال من تأطري حالة اجتامعية عىل أنها ظاملة‬
‫إىل توجيه اللّوم إىل مسؤو ٍل ما مح ّدد عنها‪ .‬كام يستلزم إطار الفعل‬
‫الجامعي تنمي َة شعو ٍر باملسؤولية عن فعل جامعي يضا ُّد السياسات‬
‫الظاملة ويكون قادرا عىل تخليص املتظلمني مام يشتكون منه‪ .‬وبذلك‬
‫يكون إطار الفعل الجامعي تشخيصيا (تحديد ظاملني وتوجيه اللوم‬
‫لهم) وإنذاريا (وضع مخطط لالحتجاج وتعيني مسئولني عن التنفيذ)‪.‬‬
‫وبذلك تكون مثة ثالث عمليات تشكّل إطار الفعل الجامعي هي‬
‫تشخيص الوضعية السياسية واالجتامعية‪ ،‬واقرتاح أهم الحلول‪ ،‬ورسم‬
‫اسرتاتيجية التحرك االحتجاجي املطلبي‪.‬‬
‫ولذلك يقول دافيد سنو «‪ ...‬يرى األفراد بعض خصائص‬
‫حياتهم‪ ...‬عىل أنها ناتجة عن أفعال ظاملة‪ ،‬وأنها قابلة للتغيري‪...‬‬
‫وعىل هذا األساس تتشكل لديهم ُمعتقداتهم الخاصة ِحيَ َال ما هو‬
‫عادل‪ ،‬وما هو ظامل‪ ،‬ما هو ثابت‪ ،‬وما هو متغري» وبفعل «‪ ...‬تكاثر‬
‫مظاهر الحيف والظلم والتهميش واملهانة ومراكمة الجمهور‪ ...‬تجارب‬
‫نضالية و‪...‬أشكاال من التحركات وطُ ُرقًا مبتدعة يف اإلعالم واالتصال‬
‫والتجنيد والتعبئة» يت ّم اكتساب «فهمٍ أشمل لطبيعة عمليات حركة‬
‫كل ذلك تربز املامرسات االحتجاجية‬
‫التأطري وتأثريها‪ .»...‬ومن خالل ّ‬
‫(املظاهرات‪ ،‬والحمالت‪ ،‬واالعتصامات‪ ،‬وبناء الحواجز‪ ،‬واالنخراط يف‬
‫املصادمات مع قوات األمن‪...‬إلخ) بحيث تكون الحركة االجتامعية‬
‫« قادرة عىل ابتكار تركيبات جديدة من الهويات‪ ،‬والتكتيكات‪،‬‬
‫واملطالب‪ ،‬وتعترب هذه اللحظات اإلبداعية مهمة للغاية‪ ،‬ألنها قد توفر‬
‫الرشارات األوىل التي تكشف ضعف النظام السيايس القائم»‪.‬‬
‫فإذا ما اجتمعت كل هذه العنارص نكون إزاء دورة احتجاج‪،‬‬
‫إذ تنشأ من «صميم النزاع القدرة عىل‪ ...‬ابتكار طرق جديدة‪ .»...‬يقول‬
‫سيدين تارو‪« :‬يف العديد من الدورات االحتجاجية‪ ،‬تتميز ذروة النزاع‬
‫بالتوسع يف أشكال جديدة من العمل الجامعي» باإلضافة إىل «الحمالت‬

‫االحتجاجية وتشكيل التحالفات‪ .»...‬وقد زاد هذا األم ُر وضوحا خاصة‪،‬‬
‫وكام يرى تشارلز تيليل‪ ،‬وقَ ْد «أصبحت جميع االبتكارات التكنولوجية‬
‫‪ ...‬متوافرة أمام منظّمى ونشطاء الحركات االجتامعية‪ .‬فقد خّفضت‬
‫ووسعت يف الوقت ذاته من املدى الجغرايف‬
‫عموما من تكلفة االتصال ّ‬
‫الذي تغطيه الحركات االجتامعية»‪.‬‬
‫مع توسع االحتجاج وانتشاره تتوسع قاعدة الداعمني للحركة‬
‫عرب انضامم املجموعات التي تحس بنفس الظلم‪ .‬وهذا يجعل إطار‬
‫الحركة يتحول إىل إطار رئيس يجمع العديد من املنظامت والهيئات‪،‬‬
‫والحركات واملجموعات وال ّروابط والشّ بكات السياسية والنقابية‬
‫والحقوقية‪ .‬عند ذلك يكون الصدى القوي إلطار الحركة قد فعل فعلَه‬
‫يف جعل مجموعة كبرية من املطالبني بالتغيري السيايس‪ ،‬ينضمون إىل‬
‫الحركة االجتامعية‪ .‬ويعني ذلك استخدام مجموعة من االسرتاتيجيات‬
‫واألشكال النزاعية واملعاين املبتدعة لخلق هوية اجتامعية نضالية‬
‫موحدة‪.‬‬
‫وعىل هذا الوقع يدل تكاث ُر األفعال االحتجاجية واملطلبية‬
‫والنضالية وميالد اإلطار الرئيس عىل بدء دورة احتجاج بوصفها مرحلة‬
‫ٍ‬
‫«تصاعد يف الرصاع ضد النظام االجتامعي‪ ،‬مع انتشار رسيع للفعل‬
‫الجامعي‪ ،...‬وتسار ٍع يف وترية االبتكار يف أشكال النزاع املستخدمة‪،‬‬
‫وتوات ٍر يف إنشاء أُطُر العمل الجامعي‪ ،‬ومز ٍج بني املشاركة املنظّمة وغري‬
‫املنظّمة‪ .»...‬وغالبا ما ينترش الفعل الجامعي ليشمل مناطق جغرافية‬
‫و‪-‬أو قطاعات اجتامعية أوسع فأوسع‪ .‬وحسب املحللني‪ ،‬متر دورات‬
‫االحتجاج بثالث مراحل هي مرحلة االنتشار‪ ،‬ثم اإلنهاك‪ ،‬ثم التطرف‪/‬‬
‫املأسسة‪ .‬وال ب ّد من االنتباه خالل تحول الدورات إىل التداخل بني‬
‫تفاعالتها الداخلية وتفاعالتها الخارجية‪ .‬إن االنتقال من الحركة‬
‫االجتامعية إىل تحركات سياسية أشمل وأعمق وأكرث ترابطا ميكن أن‬
‫السلمية إىل ثورات كاملة العنارص‪ ،‬أو من حركة جامهريية‬
‫ينقلنا من ّ‬
‫إىل احتجاجات متناثرة وغري كثيفة العدد‪ ،‬ومن أثر اجتامعي بالغ‬
‫وواسع إىل أثر ضَ ا ِمرٍ‪ .‬وميكن أن يسهم القمع املامرس عىل الحركة‬
‫االجتامعية يف توجهها إما نحو اإلطاحة بالنظام السيايس أو نحو‬
‫مهادنته وتغليب مسار املأسسة التقليدية‪.‬‬
‫نستخلص من هذه التناوالت املفهومية والنظرية إنّنا إزاء‬
‫أربع أو خمس سامت كلّام اجتمعت صار من املمكن الحديث عن‬
‫حركة اجتامعية‪ .‬تلك السامت هي تظلم جامعي من وضع غري عادل‬
‫ما‪ ،‬ووجود أدىن تنظيمي‪-‬تعبوي يسعى إىل تحديد مطالب إزاء‬
‫ذلك الوضع‪ ،‬وعمل أفراد ومجموعات عىل تحقيق التحشيد الالزم‬
‫للموارد واالسرتاتيجيات الكفيلة ببلوغ تحقيق املطالب‪ ،‬ووجود‬
‫ترابطات نضالية سياسية وفكرية بني السياق التظلّمي‪-‬املطلبي‪-‬‬
‫التعبوي والسياق السيايس العام الذي يعيشه املجتمع‪ .‬ويف هذه‬
‫الحركات يرتافق االعتصام مع مترير العرائض لإلمضاء واملسريات‬
‫وحمالت املقاطعة وتوزيع املواد الدعائية أو إلصاقها وهو ما يحقق‬
‫نوعا من املشاركة السياسية غري التقليدية‪ .‬وبذلك تعيد الحركة‬
‫االجتامعية هندسة الفضاء العمومي حيث ينشأ‪ ‬مشرتك عمومي‬
‫نضايل ومقاوم‪ ،‬من ابتداع الجمهور الواسع الذي يبنى حرية فكره‬
‫وسيادته وهويته املتجددة من خالل املناقشات العمومية‪ ،‬كام تربز‬
‫املعاين االحتجاجية ومن خاللها يت ّم العمل عىل إعادة إدماج املقصيني‬
‫من إدارة الشأن العمومي‪ .‬وعادة ما تتوزّع الحركات االجتامعية بني‬
‫فئات عمرية مختلفة مع هيمنة نسبية للشباب‪ ،‬وفئات اجتامعية‬
‫مختلفة مع هيمنة نسبية للفقراء من العاطلني والعامل والفالحني‬
‫ورشائح الربجوازية الصغرية‪ ،‬وفئات مثقفة ومسيّسة تسيّسا عاما مع‬
‫هيمنة للمقص ّيني مع العملية السياسية االنتخابية و التمثيلية الرسمية‬
‫والتقليدية‪.‬‬
‫وبهذه الخصائص تكون الحركات االجتامعية أقرب إىل‬
‫يف أشكال التنظم الجامهريي التلقايئ وخاصة إذا ما تأسست يف‬
‫سياق التحركات الثورية ألنّها تستغل انحسار فعل الدولة وأجهزة‬
‫الحكم والطبقات الحاكمة واملؤسسات السياسية الحزبية والنقابية‬
‫والجمعياتية التقليدية‪ .‬وهي تتّخذ أشكاال تنظيمية هي أقرب إىل‬
‫االستقاللية والدميقراطية والقاعدية واملبادرة وعدم التمركز‪.‬ويكون‬
‫ذلك عىل الرغم من أن بناء مثل هذه األدوات التنظيمية يثري رصاعا‬
‫بني أصحاب النزعة االستقاللية والقاعدية والجامهريية وأصحاب‬

‫‪11‬‬

‫الخميس ‪ 14‬فيفري ‪ - 2019‬املوافق لـ ‪ 12‬جامدى الثانية ‪ - 1440‬العدد ‪75‬‬

‫النضال النقابي وأفق التحرر االجتماعي يف تونس‬
‫ابراهيم العمريي‬
‫يشهد املجتمع التونيس اليوم حراكا اجتامعيا يبدو ظاهريا‬
‫غري مسبوق يف تاريخه البعيد والقريب‪ ،‬انطباع تغذيه‬
‫قراءات مجانبة للصواب لتفاعالت املجتمع‪ ،‬وتحاول‬
‫تكريسه جهات تعمل عىل طمس توق املجتمع التونيس‬
‫الدائم للحرية واإلنعتاق حفاظا عىل مصالحها التي بنيت‬
‫من عرق العامل دون أن يستفيدوا منها‪ .‬غري أن مثل هذا االنطباع السائد أحيانا لدى‬
‫فئات واسعة من املجتمع ال يبني عن وجه الحقيقة كاملة عند الباحث املتعمق يف‬
‫واقع املجتمع التونيس‪ ،‬إذ يكفي استعراض تاريخ النضال النقايب واالجتامعي يف تونس‬
‫حتى نقف عىل كثافة وعمق حضور املامرسة النضالية يف أبعادها النقابية واالجتامعية‬
‫بل عىل تجددها وتنوعها بتطور املراحل التاريخية التي مر بها املجتمع التونيس‪ .‬إن‬
‫تاريخ الفعل النقايب يف تونس عىل فرادة مساره وعمق ارتباطه بتطلعات املجتمع‬
‫التونيس نحو التحرر من كل أشكال االستغالل واالضطهاد والتهميش واإلقصاء ليربز‬
‫جدلية الرتابط الوثيق بني الحقوق النقابية والحقوق االجتامعية يف التحرر والعدالة‪.‬‬

‫النزعة املركزية ذات االرتباط باألحزاب واملنظامت والحلقات املنظمة‪.‬‬

‫ثانيا‪ :‬في الحالة التونسية‪:‬‬

‫ليست الحركات االجتامعية مستجدة يف تونس بل متكن‬
‫العودة بتواريخها األوىل إىل بدايات القرن العرشين‪ .‬ولكن من بني‬
‫العنارص التي ساهمت يف االنتقال من السامت القدمية إىل السامت‬
‫الجديدة يف الحركات االجتامعية يف تونس تكوين اتحاد أصحاب‬
‫الشهادات املعطني عن العمل (‪ )2006‬ألنّه بدأ بتجميع أفراد مناضلني‬
‫فاعلني عىل غري األرضية النضالية (تنظيم نقايب) لالتحاد العام لطلبة‬
‫تونس الذي ينحدر منه أغلب الفاعلني يف االتحاد الناشئ‪ ،‬وعىل غري‬
‫األرضية الفئوية‪-‬االجتامعية التي ينتمون إليها (طلبة)‪ .‬ومن امله ّم‬
‫أن نذكّر بأن تكوين االتحاد كان يف سياق ضاقت فيه إىل ح ّد بالغ‬
‫إمكانيات التعبري والنضال عىل األسس القدمية املعتادة‪ .‬أما من حيث‬
‫األحداث التاريخية الفارقة‪ ،‬فتمكن العودة إىل انتفاضة الحوض‬
‫املنجمي لسنة ‪ 2008‬للوقوف عىل سامت تاريخية واجتامعية تدل‬
‫عىل دخول الحركات االجتامعية يف تونس طورا جديدا‪ .‬يف هذه‬
‫االنتفاضة سامت جديدة ولكن مع احتفاظها ببعض السامت القدمية‬
‫من حيث اشرتاك مناضلني نقابيني فيها بل وقيادتها أحيانا وتكوين‬
‫لجان املساندة من نقابيني وسياسيني وإعالميني ينتمون إىل املجال‬
‫السيايس الرسمي والتقليدي‪.‬‬
‫ولذلك فإن امليالد التاريخي الحقيقي للحركات االجتامعية‬
‫الجديدة يف تونس كان بعد ‪ 17‬ديسمرب ‪ 2010-14‬جانفي ‪ 2011‬حيث‬
‫انفجرت أشكال نضالية جديدة بالكامل وظهرت أطر نضالية غري‬
‫مسبوقة وكانت الدورة االحتجاجية يف أوجها وقد تحولت إىل انتفاضة‬
‫فثورة‪ .‬ومتثل الجامعة الصيفية األوىل للحركات االجتامعية التي‬
‫انتظمت بقربة (‪ )23-24-25-09-2016‬مناسبة مثىل لبداية تطور‬
‫أشكال تنسيق بني الحركات االجتامعية حيث تم تأسيس «التنسيقية‬
‫الوطنية للحركة االجتامعية» لتجمع مجموعة من الناشطني يف‬
‫الحركات االجتامعية‪ .‬لقد انعقدت الجامعة الصيفية بحضور مشاركات‬
‫ومشاركني ميثلون حركات اجتامعية من القرصين وقفصة وسيدي‬
‫بوزيد وقرقنة وجندوبة والقريوان ومدنني وقبيل وتطاوين وفرنانة‬
‫وتوزر‪ ....‬ويف وثائق املؤمتر الوطني األ ّول للحركات االجتامعية (نابل‬
‫‪24‬و ‪25‬و ‪ ،)2017 -03- 26‬ويف الورقة التوجيهية تحديدا نجد تأكيدا‬
‫لبلورة «الفاعلني االجتامعيني الجدد صيغ تعبئة وتنظم واحتجاج‬
‫من خارج األطر التقليدية املعروفة من أحزاب ونقابات ومنظامت»‪،‬‬
‫متسك الحركات االجتامعية بخصوصيتها املطلبية واملجالية‬
‫«مع ّ‬
‫ورفضها االنصهار يف صيغ مع ّممة « وهو ما يفرس التفكري يف مؤمتر‬
‫وطني للحركات االجتامعية يكون إطارا للتعبئة والتواصل والتضامن‬
‫والتقاطع بني مختلف الحركات بالتزامن مع وعي ب»رجوع آليات‬
‫الوصم والتشويه التي تستهدف الفاعلني االجتامعيني» وخطر محدق‬
‫«بتثبيت الخيار الدميقراطي االجتامعي لروح الثورة التونسية»‪.‬‬
‫*(مختارات من منشورات سابقة ج‪)1‬‬
‫* جامعي ‪/‬باحث‬

‫فهل مازال هذا الرتابط املحدد لخصوصية املجتمع التونيس فاعال‬
‫اليوم؟ وإذا كان األمر كذلك ما هي رشوط تجديده حتى يكون نرباسا‬
‫مضيئا لجذوة النضال تحقيقا «ألهداف ثورة» تواجه خطر االنحراف‬
‫بها‪ ،‬وخطر السطو عليها‪ ،‬وخطر اختزالها يف حريات عامة دون‬
‫مضمون اجتامعي يحقق العدالة واإلنصاف يف توزيع الرثوة ويضمن‬
‫الحرية والكرامة لكل التونسيني عىل أساس القيم املواطنية الكاملة‬
‫التي ال ميكن أن تكتمل إال يف التكريس الفعيل لقيمة املساواة‬
‫الكاملة والتامة بني املواطنني‪ ،‬رجاال ونساء‪ ،‬يف الحقوق والواجبات؟‬
‫وهل يكون رشط كل ذلك وضع أسس منوال تنموي جديد يقطع‬
‫مع التبعية يف كل جوانبها السياسية واالقتصادية والرتبوية ‪-‬الثقافية؟‬
‫‪ -I‬الضرورة المجتمعية للنضال النقابي‪« /‬أحبك يا شعب»‬
‫راهنا‪:‬‬
‫قد ينكر البعض جدارة اضطالع االتحاد العام التونيس للشغل‬
‫بادوار وطنية طيلة تاريخه الطويل‪ ،‬وقد يعمل البعض اآلخر عىل‬
‫تحجيم هذا الدور والتقليل منه باعتامد أساليب التضليل والتهميش‬
‫واملغالطة وحتى الشيطنة تحت عناوين مضللة مثل « الفصل بني‬
‫العمل املدين والعمل السيايس» أو التعلل مبقولة االلتزام باملطالب‬
‫املهنية‪ ،‬أو العمل عىل زرع أشباه نقابات موازية أو التسلل إىل‬
‫الهياكل النقابية لتوجيهها نحو أهداف ال نقابية وال وطنية (تحقيق‬
‫امتيازات فردية‪ ،‬نرش املحسوبية واالنتهازية‪ ،‬استغالل هياكل االتحاد‬
‫كمطية للصعود السيايس واالجتامعي‪ ،‬توظيف الفضاء النقايب‬
‫للرتويج لتصورات ال اجتامعية وال وطنية‪ )...‬وقد يركن البعض‬
‫اآلخر إىل استعامل العمل النقايب كواجهة للتضحية بغايات العمل‬
‫النقايب السامية يف الدفاع عن العدالة واإلنصاف والحامية االجتامعية‬
‫ويف نرش ثقافة التضحية والتضامن ورعاية املصلحة العامة يف كل‬
‫فعل نقايب عنوانه األكرب املسؤولية األخالقية تجاه املبادئ السامية‬
‫للمامرسة النقابية أي الصدق والنزاهة والتضحية والوفاء لقيم نقابية‬
‫اجتامعية أخالقية تتلخص يف االنتصار دوما لقيم الحق وقيم التحرر‬
‫االجتامعي للمجتمع التونيس ولكل الشعوب التواقة إىل الحرية‬
‫واالستقاللية والسيادة الوطنية عىل ثرواتها ‪.‬‬
‫وقد أرىس معامل هذه القيم جيل املؤسسني من محمد عيل إىل‬
‫الزعيم حشاد إىل أحمد التلييل و الحبيب عاشور‪ .‬قد يكون كل هذا‬
‫مطية غايتها األخرية إبعاد الفعل النقايب عن اإلنغراس يف املطالب‬
‫األساسية للمجتمع وتحويله إىل مامرسة نخبوية ال صلة لها بنبض‬
‫املجتمع ومطالبه املرشوعة يف التقدم والرفاه ويف العمل الالئق‬
‫والصحة الجيدة ويف تعليم عمومي يضمن الرقي االجتامعي ويحقق‬
‫تكافؤ الفرص‪.‬‬
‫غري أن الغوص يف التجربة التاريخية للنضال النقايب يف تونس‬
‫يدحض مثل هذه الرؤى بل ويبني مبا ال يدع أي مجال للشك أن‬
‫النضال النقايب امللتصق بهموم أفراد املجتمع التونيس والحامل لراية‬

‫التحرر واملقاومة ضد كل السياسات واالسرتاتيجيات الالجتامعية‬
‫وضد كل الخيارات التي تنهب الشعوب خرياتها وثرواتها وضد كل‬
‫أشكال الحيف والظلم االجتامعيني وضد كل املشاريع التسلطية‬
‫واالستبدادية هي التي أبانت عن الوجه الحقيقي للمامرسة النقابية‪،‬‬
‫وجه يشهد عليه عمق استبطان القيم النقابية لدى املجتمع‬
‫التونيس إىل حد جعل املختصني والدارسني للمجتمع املدين التونيس‬
‫ال يتصورون حضورا فاعال للمجتمع املدين وال دورا يذكر يف ظل‬
‫غياب االتحاد العام التونيس للشغل بقوة اقرتاحاته وبجدية نشاطاته‬
‫امليدانية والبحثية وبقدرته عىل ابتكار الحلول للصعوبات االقتصادية‬
‫واالجتامعية للمواطن التونيس‪ .‬بل يؤكد العديد من الدارسني‬
‫للتجربة النقابية يف تونس أن املجتمع املدين وحتّى املجتمع السيايس‬
‫التونيس محظوظان بوجود منظمة مثل االتحاد العام التونيس للشغل‬
‫أظهرت انتشارا حقيقيا لدى فئات واسعة من املجتمع التونيس بل‬
‫وأنقذته من أزمات غاية يف التعقيد لعل أهمها مقاومة كل النزعات‬
‫التسلطية للسلطة الحاكمة‪ ،‬إرساء قيم التعدد واالختالف‪ ،‬الحفاظ‬
‫عىل مكاسب املجتمع التونيس يف الحريات السياسية واملساواة‬
‫بني املرأة والرجل‪ ،‬وإرساء دستور مدين يحقق الدميقراطية وحرية‬
‫الضمري والتداول السلمي للسلطة‪ ،‬العمل عىل وضع منوذج تنموي‬
‫جديد يضمن العدالة والكرامة لكل املواطنني ويجسد أهداف ثورة‬
‫الحرية والكرامة عىل املستوى السيايس واالقتصادي واملؤسسايت‪ ،‬أي‬
‫يقيم أسس دولة القانون واملؤسسات ويريس الجمهورية االجتامعية‬
‫التي تضمن حقوق األجيال القادمة وتستجيب ملطالب املجتمع يف‬
‫العمل والحامية االجتامعية والرفاه والرخاء‪.‬‬
‫فمن أين يستمد االتحاد العام التونيس للشغل هذا التجذر املحمود‬
‫للحفاظ عىل منط املجتمع التونيس‪ ،‬منط يخيف بعض األطراف‬
‫املتعطشة لبسط هيمنتها عىل املجتمع ولو باستعامل الدميقراطية‬
‫كمجرد آلية وليست كمجموعة قيم (جوهرها التعددية‪ ،‬النسبية‪،‬‬
‫فصل الدين عن السياسة‪ ،‬اإلقرار باملساواة التامة بني املواطنني‪،‬‬
‫السيادة للشعب دون سواه يف تحديد مصريه وشؤونه العامة‪)...‬؟‬
‫ال ميكن اإلجابة عن ذلك دون بلورة املبادئ األساسية التي يتأسس‬
‫عليها العمل النقايب‪:‬‬
‫أول هذه املبادئ هو الرتابط الرضوري بني النضال االجتامعي‬
‫والنضال الوطني إذ ال معنى لفعل نقايب يف وطن ال يتمتع باستقالله‪.‬‬
‫االستقاللية‪ :‬االتحاد مستقل عن كل أشكال االنخراط الحزيب املبارش‬
‫وليس مستقيال عن الشأن العام الوطني‪.‬‬
‫الفعل النقايب مدرسة يف التضحية والتضامن والتطوع من اجل‬
‫الصالح العام للمجموعة الوطنية‪.‬‬
‫الفعل النقايب ال يكتفي بتشخيص الواقع بل يتعدى ذلك اىل تقديم‬
‫الحلول االيجابية فهو أساسا قوة اقرتاح فعالة‪.‬‬
‫العمل هو أس كل خلق للرثوة وهو قيمة أساسية يف مجتمع عادل‪.‬‬
‫املشاركة البناءة يف إرساء تنمية مستدامة يستفيد منها كل أبناء‬
‫الوطن‪.‬‬
‫العمل النقايب مدرسة لتحقيق جملة من القيم الجوهرية ‪:‬‬
‫النزاهة‪ ،‬املسؤولية‪ ،‬الكفاءة‪ ،‬اإلبداع يف استنباط الحلول لقضايا‬
‫املجتمع‪ ،‬التعاون والنقد املستمر للذات دون انغالق أو استسالم‬
‫للمجهود األدىن أو للعمل املناسبايت‪ ،‬قبول الحق يف االختالف والتنوع‬
‫يف املقاربات‪ ،‬الثقافة الدميقراطية قوال وفعال‪ .‬وهنا تكمن القيمة‬
‫الرضورية لبعث أكادميية حشاد للتكوين النقايب التي مثلت مطلبا‬
‫ملحا للنقابني لإلطالع عىل تاريخ االتحاد ولوضع اسرتاتيجيات‬
‫متجددة للفعل النقايب تواكب التطورات التقنية والثورة املعلوماتية‬
‫والرقمية‪.‬‬
‫النظر إىل املامرسة النقابية باعتبارها مامرسة منخرطة يف مرشوع‬
‫حضاري ووطني للمجتمع التونيس تتآلف فيه املقومات املعرفية‬
‫اإلبداعية مع النهوض االقتصادي مع العدالة االجتامعية مع الحريات‬
‫السياسية والحقوق االقتصادية واالجتامعية‪ .‬إن النضال النقايب كل‬
‫تتساوق فيه األبعاد الفكرية والقيمية األخالقية والسياسية ملجتمع‬

‫حر عادل متعدد عقالين وتقدمي رضورة‪ .‬إن النضال النقايب املكرس‬
‫لهذه املبادئ عرب مراحله التاريخية الطويلة هو الذي يدعونا اليوم‬
‫إىل البحث عن آليات جديدة ومبتكرة تحافظ عىل املكاسب وتتدارك‬
‫الهنات واإلخالالت الفردية أو الجامعية التي ال يخلو منها أي عمل‬
‫برشي وهو ما ميكن أن نضعه تحت عبارة خالدة للزعيم فرحات‬
‫حشاد «أح ّبك يا شعب»‪.‬‬
‫فكيف ميكن تنزيل هذه العبارة يف راهن النضال النقايب اليوم؟ وأية‬
‫اسرتاتيجيات وجب عىل كل نقايب أحب هذا الشعب أن يضطلع‬
‫بها حتى يبقى العمل النقايب منارة لألجيال يف الحرية والعدالة؟‬
‫‪ --II‬ال تحرر اجتماعي دون حق في العمل‪:‬‬
‫إن قيمة الفعل اإلنساين من قيمة ارتباطه بواقع اإلنسان‪ -‬الحارض‬
‫وبتطلعاته املستقبلية‪ .‬وباملثل ال قيمة لفعل نقايب ال ينخرط يف‬
‫مرشوع حضاري متكامل للمجتمع ككل‪ ،‬وألن املجتمع التونيس‬
‫يعيش عىل وقع مسار ثوري وئيد إىل ح ّد التعطل فإ ّن أوىل مهام‬
‫االتحاد بكل هياكله ومناضليه هو االنتباه إىل مخاطر السطو عىل‬
‫مطالب الثورة أو اختطافها أو إفراغها من أهدافها الحقيقية‪ .‬وأول‬
‫هذه املخاطر املساعي الحثيثة لتزييف تاريخ النضال النقايب يف‬
‫تونس بطرق مبارشة أحيانا وغري مبارشة أحيانا أخرى‪ .‬لذلك وجب‬
‫العمل عىل حامية الذاكرة النقابية واستعادة أرشيف االتحاد وكل‬
‫الوثائق املتعلقة باغتيال الزعيم فرحات حشاد وفتحها للباحثني‬
‫لتكون فضاء للمعرفة املوضوعية وحقال رحبا لالستلهام منها يف‬
‫مواجهة مشاكل املجتمع التونيس الراهنة (البطالة‪ ،‬التهميش‪،‬‬
‫التهريب‪ ،‬التهرب الجبايئ‪ ،‬هيمنة الرشكات الكربى عىل مفاصل‬
‫االقتصاد التونيس من خالل محاوالت فرض اتفاق «األليكا» مع‬
‫االتحاد األورويب دون مراعاة مخاطره املدمرة للنسيج الصناعي‬
‫والفالحي والخدمايت للدولة الوطنية‪ ،‬محاوالت رضب املؤسسات‬
‫الوطنية والقطاع العام عموما‪ ،‬العجز التجاري‪ ،‬التداين املشط‪،‬‬
‫الفساد الذي ينخر مؤسسات الدولة‪ )...‬والن الدميقراطية كنظام‬
‫حكم ال ميكن أن تستقر ما مل تصاحبها تنمية عادلة وتوزيع منصف‬
‫للرثوة وحوكمة رشيدة ومراقبة صارمة لتسيري املؤسسات وعمل‬
‫دءوب لتحقيق عدالة ناجعة وفاعلة إنفاذا للقانون وصونا للحقوق‬
‫والحريات‪ ،‬فان الفعل النقايب ال ميكنه أن يفصل البتة بني املطالب‬
‫املهنية واملطالب السياسة واالجتامعية للمجتمع‪ ،‬وبني الدفاع اليومي‬
‫عن حقوق العامل بالفكر والساعد واملراقبة النقدية الدامئة لسري‬
‫دواليب الدولة ‪ .‬إن انخراط النضال النقايب بعمق يف مرشوع تحرر‬
‫اجتامعي لهو من أوكد مسؤوليات االتحاد كمنظمة وطنية آلت عىل‬
‫نفسها منذ النشأة االضطالع بالدورين التاليني عىل قدم املساواة‪:‬‬
‫الدفاع عن الحقوق املادية واملعنوية ملنظوريه واملشاركة الفاعلة‬
‫يف بناء أسس الدولة املدنية الدميقراطية االجتامعية التي تضمن‬
‫التعددية والحرية والكرامة وتحقق مبادئ الجمهورية الثانية التي‬
‫تتطلب رضورة منواال تنمويا جديدا يجعل من حق العمل مكفوال‬
‫لكل املواطنني‪.‬‬

‫‪12‬‬

‫الخميس ‪ 14‬فيفري ‪ - 2019‬املوافق لـ ‪ 12‬جامدى الثانية ‪ - 1440‬العدد ‪75‬‬

‫الشعر ّ‬
‫الدغاري‬

‫تواشج «العركة المرّة» مع «شعر الغلبة»‬

‫«بابور زمر» لـ «عم خميس»‬
‫السايف‬
‫شاهني ّ‬
‫«بابور ز ّمر» أغنية لهج بذكرها‬
‫الجميع‪ ،‬وكلّام أفاقت البالد عىل‬
‫مأساة جديدة من مآيس «الحرقان»‬
‫(الهجرة غري ال ّنظاميّة) أو كلّام حصل‬
‫يخص الهجرة تُبثّ هذه‬
‫أمر جلل ّ‬
‫األغنية عىل أمواج اإلذاعات وعىل‬
‫شاشات القنوات التلفزيّة‪ .‬هي أغنية‬
‫جميلة للف ّنان الراحل هادي قلّة‪ ،‬أو‬
‫لنقل إنّه لح ّنها وأ ّداها بصوته العذب‬
‫وبنربة حزينة تدخلك عامل الهجرة‬
‫ومآسيها وتجعلك تعيش لحظات من‬
‫عذاباتها‪ .‬الجميع مولع بهذه األغنية‬
‫ولك ّن قلّة قليلة تعرف الشّ اعر الذي تف ّجرت قريحته بكلامتها‪ ،‬وقلّة قليلة‬
‫املختصون واملولعون بالشعر يندر أن‬
‫تسأل من يكون هذا الشّ اعر‪ ،‬وحتّى ّ‬
‫تجد أحدا يعرف الشّ اعر أو حتّى يسأل من هو‪ .‬إنّه «عم خميّس»‪ ،‬شاعر‬
‫«الغلبة» و»موىل العركة امل ّرة»‪.‬‬
‫«بابور ز ّمر»‪ :‬املجموعة الشعريّة‬
‫«بابور ز ّمر» هو عنوان املجموعة الشّ عريّة الوحيدة املنشورة لعم خميّس‬
‫وهي صادرة عن دار رسم للنرش (تونس) سنة ‪ .1982‬تض ّم هذه املجموعة‬
‫الشعريّة جملة من قصائده الشعريّة املكتوبة بني الثالثينات والثامنينات‬
‫من القرن املنرصم وهي ترصد مختلف املراحل التي م ّر بها عم خميّس‬
‫سواء عىل مستوى اإلنتاج الشعر ّي أو عىل مستوى التجارب املختلفة‬
‫التي عاشها‪ ،‬وتجيل معامل االنسجام بني تط ّور التجربة الفكريّة والتجربة‬
‫الشعريّة‪.‬‬
‫ٍ‬
‫ليس بخاف علينا أ ّن عم خميس ق ّد الشّ عر بالعاميّة التونسيّة‪ ،‬وليس‬
‫ٍ‬
‫بخاف أيضا أن إنتاج الشعر بالعاميّة يف تونس ظاهرة قدمية تناولها بال ّدرس‬
‫الكاتب التونيس مح ّمد املرزوقي يف ع ّدة مؤلّفات‪ ،‬وهو يقول يف كتابه‬
‫«الشعر الشعبي واالنتفاضات التح ّررية»‪« :‬وأ ّول شعر عرثنا عليه باللهجة‬
‫الشعبيّة التونسيّة يرجع تاريخه إىل عهد ال ّدولة الحفصيّة‪( »...‬الدار‬
‫التونسية للنرش‪ ،‬تونس‪ ،1971 ،‬ص‪ )5‬ولكن من امله ّم أيضا اإلشارة إىل أ ّن‬
‫الكتابة بالعاميّة تخضع ملنطق السياقات وهي ليست جامدة وهي تتط ّور‬
‫تتغي من شاعر إىل آخر وفق جدليّة‬
‫من مرحلة إىل مرحلة‪ ،‬كام أنّها قد ّ‬
‫االضطرار واالختيار‪ ،‬والتاريخ ميلء بشعراء أجادوا الشعر بالعاميّة وكانوا‬
‫أ ّميني‪ ،‬ولكن عم خميّس كان يجيد اللّسانني العريب والفرنيس وكتب بهام‬
‫املقاالت وبعض النصوص الرسديّة‪.‬‬
‫تعب عن الوعي وتنبثق‬
‫مسألة االختيار هنا مسألة بالغة األهميّة‪ ،‬ألنها ّ‬
‫من اإلرادة الح ّرة‪ .‬لقد اختار عم خميّس – بشكل وا ٍع وبإرادة ح ّرة ‪ -‬يف‬
‫ذلك الظرف الدقيق من تاريخ البالد هذا املنحى الشعر ّي وهو بذلك يقف‬
‫عىل النقيض من جحافل من الشعراء سواء الذين كتبوا بالفصحى أو الذين‬
‫كتبوا بالعاميّة‪ .‬فاختياره للعاميّة مل يكن عن جهل بالفصحى كام هو حال‬
‫البعض‪ ،‬وعدم كتابته بالفصحى هو موقف‪ ،‬ليس موقفا منها وليس موقفا‬
‫من الشعر الذي يكتبه بها‪ ،‬ولكنه موقف ميتزج فيه الف ّن بال ّنضال ضمن‬
‫مرشوع شامل يكون فيه الشعر عنرصا متواشجا مع عنارص أخرى تهدف‬
‫مجتمعة إىل خوض «العركة امل ّرة» من أجل تحقيق التح ّرر والعدالة‪ ،‬فكان‬
‫الب ّد من مخاطبة أبناء الشعب بلغتهم وإبداع طرائق توصل الشعر إليهم‬
‫وتدنيهم من الشعر‪ ،‬وكذا كان شعره يف مختلف املراحل التي م ّر بها‪.‬‬
‫مل يكن عم خميّس أول شاعر يكتب بالعاميّة ويشحن شعره مبعاين الرفض‬
‫والتم ّرد‪ ،‬فثمة شعراء كرث نحوا هذا املنحى منذ ثورة عيل بن غذاهم‬
‫وخاضوا عركتهم امل ّرة بطريقتهم‪ ،‬وال ّ‬
‫نشك مطلقا أنّه استمرار لهؤالء‪،‬‬
‫ولك ّن ع ّم خميّس نشأ يف سياق مختلف عنهم ظهرت فيه كلّ املؤسسات‬

‫العرصيّة (املدرسة‪ ،‬النقابة‪،‬‬
‫الحزب‪ ،‬الجريدة‪ ،‬الجمعيّة‬
‫إلخ‪ )...‬وقد عرفها كلّها‬
‫وكان له دور يف تأسيس‬
‫بعضها‪ ،‬كام أ ّن تبنيه‬
‫للامركسيّة قد كان نقطة‬
‫تح ّول مه ّمة يف تجربته‬
‫فكان شعره أبعد ما‬
‫يكون عن صيحات الفزع‬
‫القبيل أو ال ّنرصة الدينيّة‬
‫أو منطق الرعيّة والراعي‪،‬‬
‫فكان واعيا بالعد ّو وعارفا‬
‫بطبيعته وديدنه‪ ،‬فكانت‬
‫معاين الرفض والتم ّرد يف شعره مقرتنة بتص ّورات ثوريّة ومفاهيم حديثة‬
‫عن الوطن والوطنيّة وال ّنضال والجامهري والثورة‪.‬‬
‫لنئ كانت أقدم قصيدة له ضمن «بابور ز ّمر» تعود إىل سنة ‪1936‬‬
‫رسع الجزم بأنها أول محاولة شعريّة له‪ ،‬بل إنّنا نر ّجح أن له‬
‫فإنه من الت ّ‬
‫محاوالت أخرى أقدم ولك ّنه مل ينرشها أو تع ّمد عدم نرشها ألنها قد تعود‬
‫إىل خربشات البدايات التي يهملها الشعراء عادة‪ .‬ما يه ّمنا هو أ ّن هذه‬
‫بتبص نجدها ثرثارة ّجدا وهي تبوح لنا بكلّ‬
‫القصيدة حني نقف عندها ّ‬
‫يشء عن مرحلة البدايات يف الشعر والفكر والسياسة‪ .‬أ ّول ما يلفت انتباهنا‬
‫فيها هو العنوان وهو «قسيم مس ّدس»‪ ،‬وهو عنوان ليس عنوانا متاما وإمنا‬
‫هو إشارة إىل نوع من الشعر الشعبي ضمن إنشائيّتة الكالسيكيّة‪ ،‬وهو‬
‫«الصالح»‪ ،‬قبل أن يفطن‬
‫بالسلف الشعر ّي ّ‬
‫يعب عن ولع البدايات بالتقيّد ّ‬
‫ّ‬
‫السلف صال ٌح أيضا للتجاوز‪ .‬فقصيدة «قلمي» التي‬
‫الشّ اعر إىل أ ّن هذا ّ‬
‫افتتح بها «بابور ز ّمر» هي مصداق لهذا القول‪ ،‬فعنوانها مربك (قلمي)‬
‫وهو مبفرده قصيدة حبىل باإليحاءات‪ ،‬ونزعم أنه تع ّمد افتتاح مجموعته‬
‫الشعريّة بهذه القصيدة وأن تكون هي أول ما يصافحها القارئ‪ ،‬فهي‬
‫دستوره الشعر ّي وهي شعر يح ّول الشعر إىل موضو ٍع للشعر‪ ،‬أي –إن‬
‫جازت العبارة‪ -‬رضب من «امليتاشعر»‪ ،‬يوضّ ح فيها رؤيته الثوريّة للكتابة‬
‫الشعريّة‪ ،‬فإ ّما أن تكون جزء من ملحمة الكفاح ضد أ ّي شكل من أشكال‬
‫القهر وإ ّما فال جدوى منها أبدا‪ ،‬وهو بذلك يتناغم مع إحدى العتبات‬
‫يخص الشّ اعر املرصي أحمد فؤاد‬
‫املهمة يف الكتاب وهي اإلهداء وفيه ّ‬
‫ومعبة معرتفا بفضله عليه يف تغيري طريقة تعاطيه‬
‫نجم بكلامت جميلة ّ‬
‫مع الكتابة الشعريّة حتّى تكون أكرث سالسة وانتشارا‪.‬‬

‫«بابور زمّر»‪ :‬القصيدة‬

‫«بابور ز ّمر» هو عنوان املجموعة بر ّمتها ولكنه ليس عنوانا أل ّي قصيدة‬
‫فيها‪ .‬هو الزمة موسيق ّية يف قصيدة تحمل عنوان «بابور الهجرة»‪ ،‬وهي‬
‫من القصائد التي تستوقفك طويال لعذوبة إيقاعها وانسجامه مع املأساة‬
‫اإلنسان ّية‪ ،‬مأساة الهجرة بالنسبة إىل من أكره عىل الرحيل والعيش يف‬
‫املنايف‪ .‬فتكرار بعض الحروف أو العبارات أو الرتاكيب يغذّي الوهج‬
‫املوسيقي يف القصيدة من جهة‪ ،‬ويسهم يف خلق انطباع ما حسب املضمون‬
‫الغريق‪ /‬بابو ْر ز ّم ْر‬
‫خش الب َح ْر‪ /‬بابور ز ّمر ّ‬
‫من جهة ثانية (بابور ز ّمر ّ‬
‫خش ْ‬
‫بالصوت عايل‪ /‬بابو ْر ز ّم ْر ِ‬
‫خاش ْش لب ْح َر ْه)‪.‬‬
‫حني يتفطّن الشّ اعر إىل ما ميكن أن يُحدث ُه هذا التكرار لعبارة بابور ز ّمر من‬
‫رتابة‪ ،‬يَ ْعمد إىل الح ّد منه بطريقة ذك ّية تبقي عىل لفظة «بابو ْر» وتضيف‬
‫إليها لفظة أخرى تتقارب صوت ّيا ونغم ّيا مع لفظة «ز ّم ْر»‪ ،‬وهو بذلك يكرس‬
‫أفق االنتظار لدى املتلقّي الذي اعتاد عىل هذه العبارة وارتسمت يف ذهنه‬
‫عميقا‪ ،‬فكأنّه يتخ ّيل هذا املتلقي أمامه ويقول له «أفق! إ ّن الباخرة قد‬
‫أبحرتْ إ ْذ صفّرتْ »‪ ،‬ث ّم يعود إليها بعد ذلك ليستهلّ بها آخر مقطع يف‬

‫‪13‬‬

‫الخميس ‪ 14‬فيفري ‪ - 2019‬املوافق لـ ‪ 12‬جامدى الثانية ‪ - 1440‬العدد ‪75‬‬

‫جلّول ع ّزونة‬
‫‪ 1‬تقديم ‪:‬‬

‫غاب)‬
‫القصيدة (بابو ْر (سا ِف ْر) ه ْج ِم الوطَ ْن‪ /‬بابو ْر (ز ّم ْر) عالع ْني ْ‬
‫نظفر يف هذه القصيدة بشكل آخر من التكرار الصويتّ وهو تكرار بعض‬
‫الحروف مثل «الراء» و«الحاء» و«ألف املد»‪ ،‬فإضافة إىل ما يخلقه هذا‬
‫التكرار الصويت من طاقة نغميّة جبّارة‪ ،‬فهو يحيلنا مبارشة عىل هدير‬
‫تشق عباب البحر ُم َولْ ِولَ ًة و ُمولِيَ ًة‬
‫األمواج املتالطمة حول الباخرة التي ّ‬
‫ظهرها ألرض الوطن‪ ،‬والتي تقلّ خرية أبنائه يف رحلة إىل املجهول ليخوضوا‬
‫«عركتهم امل ّرة» مع الغربة‪:‬‬
‫خـ(ـا)شش لبـ( ْحـ)ــ(ــ َر)ـ ْه‬
‫ْ‬
‫بـ(ـا)بــو( ْر) ز ّمـ( ْر)‬
‫خـ(ـا)شش لبـ(ـ ْحـ)ــ(ــ َر)ـ ْه‬
‫ْ‬
‫قدى أ( ْر)ض بـ(ـ َّر)ـ ْه‬
‫لِ ْسمـ(ـا)ء صـ(ـا)يف عـ(ـا)طي بْظْ ْهـ(ــ َر)ـ ْه‬
‫شبـ(ـا)ب من أ( ْر)ض خضـ(ـ َر)ـ ْه‬
‫يـ(ـحـْ)ـملْ‬
‫ْ‬
‫لـ(ـحـ)ـيـ(ـا)ة مـُ(ـ َّر)ـ ْه‬
‫قدى أ( ْر)ض بـ(ـ َّر)ـ ْه‬
‫ما يـ(ـ ْحـ)ـمل الو(ا) ْد وقت املطـَ(ـ ْر)‬
‫عتوقْ الشَّ جـ(ـ ْر)‬
‫تعب‬
‫تذيك هذه الطّاقة النغميّة جذوة املأساة وتُ َج ِّملُ َها يف آن معا‪ ،‬أي أنّها ّ‬
‫عنها بكلّ تفاصيلها ُمخ ِر َجتَ َها يف حلل من اإلبداع‪ .‬فاإليقاع ال ّداخ ّيل يف هذه‬
‫القصيدة ال يضطلع فقط بوظيفة التّنغيم‪ ،‬بل يتخطّاها لريسم‪ ،‬هو نفسه‪،‬‬
‫صورة شعريّة تتقاطع مع ًنى وم ْغ ًنى ومب ًنى مع الصور الشعريّة التي يع ّج‬
‫النص‪ ،‬أي أنّه‪ ،‬بتعبري آخر‪ ،‬يستحيل هو نفسه إىل صورة شعريّة أخرى‬
‫بها ّ‬
‫الصور الشعريّة‪.‬‬
‫داخل هذه ّ‬
‫خاصة‬
‫نلمس هذا الشكل من العناية باإليقاع ال ّداخ ّيل يف مجمل قصائده‪ّ ،‬‬
‫تعب عن مرحلة متق ّدمة من النضج‪ ،‬ولك ّن قصيدة بابور الهجرة‪،‬‬
‫تلك التي ّ‬
‫التي تح ّولت عبارة بابور ز ّمر املتواترة فيها إىل عنوان لهذه املجموعة‪ ،‬تظلّ‬
‫متثل تعبريا مكثّفا عن تفاصيل هذا الرضب من اإليقاع‪ ،‬حتّى أنّه ليخيّل‬
‫إلينا أ ّن هذا الجرس املوسيقي الهائل فيها والذي يهدر كاألمواج هو الذي‬
‫ل ّحن هذه القصيدة قبل الف ّنان ال ّراحل الهادي قلّة الذي وجدها مل ّحنة‬
‫فلم يع ُد أن غ ّناها‪.‬‬
‫«بابور ز ّمر»‪ ،‬املجموعة والقصيدة‪ ،‬بعض من إبدا ِع شاعر يص ّح عليه القول‬
‫إنه شاعر الغلبة حتّى وهو «تحت اللحود»‪ ،‬شاعر كتب للوطن واإلنسان‬
‫أجمل الكلامت‪ ،‬كتب بدمائه ال باملداد‪ ،‬ولكنه مل ينل حظّه من االهتامم يف‬
‫ظل واقع مناوئ لكلّ ما يحمله هذا الشاعر من أفكار وتص ّورات‪ .‬مل ينرش‬
‫عم خميس غري «بابور زمر» ولكني عىل يقني تا ّم أن قصائده التي مل تنرش‬
‫تحصلت عىل بعضها‪ -‬قد تنرش يف مجموعات‪ ،‬ولعلّ مبادرة من نوع‬
‫–وقد ّ‬
‫تجميع أعامله الكاملة يف مجلّد أو أكرث هي من أه ّم املبادرات وأوكدها‪،‬‬
‫وأزعم أ ّن أه ّم هدية لهذا الشاعر يف مائويّته هو إطالق هذه املبادرة‬
‫والسعي إىل أن تكون مرشوعا ناجزا يف القريب القريب حتّى ننتشل إبداعا‬
‫إنسانيّا من الضياع وننقذ مبدعا من براثن النسيان والتّنايس‪.‬‬

‫إ ّن قراءتنا هذه لديوان‬
‫الشاعرة‪ :‬هدى الدغّاري‪:‬‬
‫الحب ساقًا عىل‬
‫«ما يجعل ّ‬
‫ساق»‪ ،‬هي قراءة إعجاب‬
‫بهذا املولود الثاين للشاعرة‬
‫بعد ديوانها األ ّول‪« :‬لكلّ‬
‫شهوة ِقطاف»‪ ،‬وقد جاء هذا الديوان الثاين معتّقًا‪،‬‬
‫عىل خطى الديوان األ ّول ولكن بشكل أعمق‪ ،‬إذ‬
‫نستشف منه معاناة لذيذة مع معرفة واضحة وثقافة‬
‫ّ‬
‫املحل والعريب‬
‫واطّالع واسع للشاعرة عىل اإلبداع ّ‬
‫والعاملي‪.‬‬
‫وإذ نقرأ هذا القصيد أو ذلك‪ ،‬فإ ّن إعادة القراءة‬
‫تفرض نفسها‪ ،‬ال لغموض املعنى أو املحتوى‪ ،‬كام قد‬
‫يتبادر للذهن – ولكن ملا تحمله الصورة الشعريّة‪،‬‬
‫وهي جوهر شعر هدى الدغّاري‪ ،‬من إيحاءات‬
‫جميلة‪ ،‬قد نعتقد أنّها مبارشة وما هي كذلك‪ ،‬ألنّها‬
‫تعتمل يف نفس صاحبتها وتنقلها اللّغة للقارئ أو‬
‫املستمع‪ ،‬فيتفاعل معها‪ ،‬لحفرها يف تالفيف النفس‬
‫البرشيّة بتعقيداتها وعمقها وتناقضاتها وأحالمها‪.‬‬
‫نص تونيس حديث ولكن بأبعاد إنسان ّية‬
‫وإذا بنا أمام ّ‬
‫وبأمشاج فيها أصداء من األدب العاملي الرفيع‬
‫الصورة الشعريّة لدى هدى الد ّغاري‪:‬‬
‫يبدو أ ّن اله ّم اإلبداعي األ ّول لشاعرتنا هو الصورة‬
‫الشعريّة قبل البحث عن اإليقاع‪ ،‬لذلك نرى هدى‬
‫الدغّاري تبحر يف البحث عن التف ّرد وذلك باإلغراق‬
‫يف عامل التفاصيل ويف ممكن اللغة مبزج الحميمي مع‬
‫الطبيعي‪ ،‬أي بتفاعل انفعاالت النفس البرشيّة مع‬
‫اإلطار الطبيعي العام‪ .‬فيكرث يف شعرها تعرية املشاعر‬
‫حب وعناق‪:‬‬
‫الولهانة من ّ‬
‫الحب حاف ًيا‬
‫ّ‬
‫«يتمش ّ‬
‫بال صو ٍر للذكرى‬
‫مرتعشً ا كأرنب» (ص‪)131 – 130‬‬
‫وفحيح وعطش وعشق وارتعاش ولهفة وشهقة (انظر‬
‫أحب ارتعاشهام تحت القميص (ص‪– 22‬‬
‫قصيد‪ :‬كم ّ‬
‫‪ ))23‬حيث ينقلب الضمري املتغ ّزل به من الغائب إىل‬
‫املصاحب‪.‬‬
‫فالحب حارض يف كلّ القصائد‪ ،‬انطالقًا من عنوان‬
‫ّ‬
‫فالحب هو جعل الساق فوق الساق –‬
‫املجموعة‪،‬‬
‫ّ‬
‫(انظر قصيدة شهقتان (ص‪ .))92‬ال باملعنى املتداول‬

‫من تلك الجلسة الهادئة الالّمبالية وغري املكرتثة‬
‫الحس‪ ،‬بجعل‬
‫املرتاحة واملسرتخية ولكن باملعنى ّ‬
‫الحب‬
‫اعتبار‬
‫املحب عىل ساق املحبوب‪ ،‬وليس‬
‫ّ‬
‫ساق ّ‬
‫فقط شيئًا عاديّا مثل التنفّس واألكل والرشب‪ ،‬بل‬
‫الحب هو معنى الحياة األسمى واألرقى والذّي‬
‫اعتبار ّ‬
‫نعيش له ومن أجله كلّ لحظات الحياة بعمق وإرصار‬
‫وإلحاح‪ ،‬وال أدلّ عىل ذلك هو حضور هذه التيمة‬
‫يف جلّ قصائد هذه املجموعة تواصلً مع ما ظهر يف‬
‫املجموعة األوىل‪.‬‬
‫وكأ ّن الشاعرة – يف أغلب قصائدها – تتامهى مع‬
‫تعب عن ذلك بجملة من‬
‫األنثى العاشقة الولهى‪ّ ،‬‬
‫اإليحاءات وااللتفاتات والصور الشعريّة املبتدعة‪،‬‬
‫باستحضار زغب الشعر وارتعاشة الحجل والعشب‬
‫(ص‪.)144‬‬
‫ولكن هذا الدفق العاطفي‪ ،‬وهذا البوح تق ّدمه‬
‫الشاعرة يف رسمها بالكلامت‪ ،‬بلمسات شفيفة مثل‬
‫الرسام‬
‫الرسام االنطباعي (‪ )impressioniste‬أو ّ‬
‫ّ‬
‫التنقيطي (‪ )pointilliste‬فتظهر اللوحة روي ًدا روي ًدا‬
‫بعد تجاوز الجزئ ّيات ودقائق اللحظات فتحملنا‬
‫الشاعرة إىل رؤيا بل إىل رؤى شعريّة جنس ّية واقع ّية‬
‫تكب الشاعرة‬
‫وأحيانًا رسيال ّية بأتم معنى الكلمة حني ّ‬
‫املكب‬
‫جزئ ّية ما أو جزئ ّيات‪ ،‬فتضعها تحت املجهر ّ‬
‫للصورة‪ ،‬فرنى ما ال يُرى أو ما تعو ّدنا املرور عليه مرور‬
‫نغي‬
‫الكرام‪ ،‬بدون تدقيق وال غوص‪ ,‬وإذا بنا كق ّراء ّ‬
‫فهمنا لألشياء العاديّة بدفع من إرادة الشاعرة وبحثها‬
‫الدائم عن الصورة الشعريّة املبتكرة و عن حنينها إىل‬
‫الغوص إىل معاين غري متداولة وكأنّها يف حالة عشق‬
‫عاطف ّية باللغة‪:‬‬
‫«تقش الزمان» (قصيد‪ :‬بطّة ب ّرية) وتعلن‪ :‬ال‬
‫فهاهي ّ‬
‫حاجة لألرض‪:‬‬
‫«ال حاجة لألرض بكالب زائفة‬
‫بوثبة ذئب ناطق‬
‫بعبث مي ّر‬
‫بعبث ينتظر القاطرة» (ص‪)73‬‬
‫فالشاعرة هدى الدغّاري تنقلنا يف نفس القصيدة‬
‫الحس والبناء املنطقي ملفاصل اللوحة‬
‫من الوصف ّ‬
‫الشعريّة إىل عوامل جديدة تالمس املاورائ ّيات فتدخلنا‬
‫يف دقائق الفوارق اللغويّة وإذا بنا يف قصيدة مشهديّة‪،‬‬
‫فيها التكثيف وفيها ما نجده عادة يف قصائد الهايكو‬
‫من ومضات وإيحاءات‪ .‬وهذا النجاح لدى شاعرتنا‬
‫مرجعه ثقافتها ال ّعامة املتينة وتجاربها العديدة‬
‫الثقاف ّية والصحف ّية والنقّاب ّية‪ .‬فالشعر‪ ،‬يف عامل هدى‬
‫الدغّاري‪ ،‬تشبيب مستم ّر للشكل واملعنى انطالقًا من‬
‫حوارها املتواصل مع تجارب األدب العاملي (انظر‬

‫قصيدة‪ :‬عزلة ماركيز األخرية ص‪ )102‬وهذا التامهي‬
‫اإلنساين لدى الشاعرة جعل صوتها الشعري ثابتًا‬
‫مميّ ًزا‪.‬‬
‫«صويت مل يكن عاث ًرا‪...‬‬
‫صويت مل يكن عاب ًرا‪»...‬‬
‫(قصيدة صويت ص‪)6 – 5‬‬

‫ونحن يف هذا اإلطراء النقدي الواضح وبال مجاملة‪،‬‬
‫ويف هذه القراءة «املتو ّرطة»‪ ،‬نريد من هذه الشاعرة‬
‫مواصلة الحفر والغوص يف الشأن الذايت اإلنساين‬
‫والعام لتتّضح الرؤية أكرب ولتظهر البصمة الشخص ّية‬
‫جل حتّى نقول يف إنتاجها القادم‪ ،‬ومن أ ّول‬
‫بشكل ِ ّ‬
‫قراءة‪ :‬هذا شعر دغّاري‪.‬‬

‫‪ 3‬خاتمة ‪:‬‬
‫إ ّن صوت هدى الشعري هو صوت دغّاري بأتم‬
‫معنى الكلمة‪ ،‬هو كالم جريئ فيه عديد اإليحاءات‬
‫الجنسيّة (انظر قصيدة‪ :‬جوقة عينيه (ص‪)17 – 16‬‬
‫ولك ّنها إيحاءات شاعريّة دامئًا‪ ،‬رغم شبقيتها أحيانًا‬
‫ولك ّنها تحافظ عىل مستوى من الحياء يغلّفها بغشاء‬
‫رقيق وشفّاف وبصور غري مسبوقة‪ ،‬تنسجها الشاعرة‬
‫عرب ترحالها يف صفحات الحياة فتصنع مراياها‬
‫الخّاصة ج ّدا بانفعاالت إنسان ّية معروفة ولكن ببصمة‬
‫تجديديّة متف ّردة مثلً «رجل تع ّود مالحقة الحياة من‬
‫وراء زجاج الحافلة»‪.‬‬
‫وهو الكالم الفهم الشهد‪ ،‬الذّي يوصل للقارئ‬
‫وللمستمع‪ ،‬عند إلقائه املتألّق من طرف صاحبته‪،‬‬
‫عمق تجربة وصدق إحساس‪ ،‬بال احتشام كاذب ولكن‬
‫بترشيك ثقافة املتلقي وإحساسه بالجامل وبالحرية‬
‫الوجوديّة املشرتكة وذلك لِ َع ْمري جوهر اإلبداع‪.‬‬

‫نرش‪ :‬نقوش عرب ّية – ‪185( – 2015‬ص) (فيه ‪98‬‬
‫مقطوعة شعريّة)‪.‬‬
‫نرش‪ :‬نقوش عرب ّية – ‪128( – 2013‬ص) (فيه ‪93‬‬
‫مقطوعة شعريّة)‪.‬‬
‫ق ّدم الباحث مراد العلوي قراءة يف عتبات الديوان‬
‫بالنادي الثقايف الطاهر الح ّداد يوم ‪ 17/4/2015‬وأل ّح‬
‫عىل تواتر الصور الحس ّية وهي عنرص أسايس من‬
‫عنارص الكون وعىل جامليّة التواصل وخلص إىل أ ّن‬
‫تص ّور الشاعرة هو من التص ّور النتشوي للكون‪.‬‬
‫ذهب الشاعر والروايئ مح ّمد عيل اليوسفي أ ّن شعر‬
‫الحس والواقع‪ ،‬ال أثر‬
‫هدى الدغّاري يف مداه ما بني ّ‬
‫فيه للرثثرة‪.‬‬
‫تتواتر فكرة االرتعاش يف عديد عناوين القصائد‪ :‬كم‬
‫أحب ارتعاشهام تحت قميص – رعشتان – رعشة‬
‫ّ‬
‫محب – أحاذيك حجلة ترتعش‪...‬‬
‫ّ‬

‫بيت الرواية‬

‫«البيت املعمور»‬
‫أشياء كثرية مستجدة يف إيقاع يومياتنا كثريها عابر وقليلها راسخ يختط ما نحتاجه من تقاليد ايجابية ستعمل يف الحق الزمن واألجيال‪ ،‬يف‬
‫ثقافتنا الفتات براقة كثرية وعناوين منها ما يتأسس عىل الصورة والشكل العابر مع عبور املناسبات ومنها ما يؤسس بعمق وتر ّو ملا ميكن‬
‫أن يكون عميقا ومفيدا ‪ ...‬بيت الرواية مل ميض زمن عىل تأسيسه لكنه ولد كبريا بجهد فريقه الشاب املتحمس وكذلك مبحبيه ومريديه من‬
‫كتاب ومثقفني ‪...‬‬
‫استعداده الحتضان الدورة الثانية مللتقى الرواية العربية مل يؤثر يف نشاطه الدائب من خال ل تقديم اإلصدارات وحفالت التوقيع والورشات‬
‫املختصة إضافة إىل لقاءات خاصة مع روائيني للحديث عن تجاربهم وتطارح قضايا االبداع وشؤونه‪ :‬لقاءات مع عرشات الروائيني آخرهم مع‬
‫الجابل ‪/‬محمود بلعيد ‪...‬‬
‫جلول عزونة ‪ /‬حفيظة قاره بيبان ‪ /‬محمود طرشونة‪...‬ولقاءات قريبة قادمة مع محمد ّ‬

‫‪14‬‬

‫الخميس ‪ 14‬فيفري ‪ - 2019‬املوافق لـ ‪ 12‬جامدى الثانية ‪ - 1440‬العدد ‪75‬‬

‫تشكيل فضاء»دقاش» يف رواية‬
‫مواسم الجفاف لسعدية بن‬
‫سالمفويّة(‪)2‬للمكان فريد املازني « املهاجر» ملا كان للجدار‬
‫رياض خليف‬
‫و تحرض يف الرواية الثّقافة الشّ‬

‫حوار أدبي مع األديب رضا بن صالح ‪:‬‬

‫الثورة التونسية ما تزال يف مخاضاتها األوىل‬
‫اإلبداع تكريس للحريّة والحياة والحقوق‬

‫رضا بن صالح مناضل عىل ع ّدة جبهات‪ ،‬هو مبدع جمع بني التدريس والنشاط‬
‫القصة ومتيّزت كتاباته بروح‬
‫األديب واإلذاعي والنضال النقايب‪ ،‬مارس ال ّنقد إىل ف ّن ّ‬
‫التجريب والتم ّرد عىل القوالب الجاهزة‪ ،‬عرف مبواقفه الشجاعة وأسلوبه الساخر‪،‬‬
‫كتب يف النقد عن «شعرية مح ّمد الخالدي» ‪ 2008‬وعن « التجريب يف الرواية‬
‫التونسية « ‪ 2013‬وأبدع يف قصص «العابرون» ‪ 2008‬و»بيان العودة إىل أورشليم»‬
‫‪ 2013‬وهي املجموعة القصصية الفائزة بجائزة أبو القاسم الشايب و»مسالك التيه‬
‫يف الصحراء « ‪ .2014‬صدرت له أخريا «تقارير تونسية مه ّربة « وهي قصص تنهل‬
‫القص وتكشف مفارقات الواقع‪ .‬مع هذه‬
‫من الصورة السينامئية وتالعب قواعد ّ‬
‫الشخصية التونسية املتميّزة كان ملنارات هذا اللّقاء امله ّم‪.‬‬
‫(رشيدة الشارين)‬
‫‪ 1‬ـ «تقارير تونسية مهرّبة « هي إصدارك القصصي األخير‪ ،‬هل‬
‫قمت بتهريب الواقع التونسي إلى ف ّن ّ‬
‫القصة ؟‬
‫تبدو يل العالقة بني األقصوصة و الواقع ملتبسة معقدة متامهية من‬
‫منطلقات عديدة أولها مرتبط بالرسديات‪ .‬إذ حدد املنظرون لألقصوصة‬
‫حضور الواقع أو اإليهام به سمة أجناسية من سامت الكتابات األقصوصية‪.‬‬
‫أما املنطلق الثاين لحضور الواقع بأشكاله املختلفة ومتثالته املتنوعة فيعود‬
‫إىل رضورة توظيف العام املشرتك بني ذات الكاتب و ذات القارئ ليكون‬
‫التواصل بني الكتابة و القراءة يف عملية إنتاج النص‪ .‬إذ ال ميكن أن يقبل‬
‫القارئ عىل نص يتحرك يف عوامل منفصلة عن عامله‪ .‬أما املنطلق الثالث‬
‫فرنده إىل مفهوم االلتزام‪ ،‬التزام املبدع باإلبداع الذي يستدعي تحويرا‬
‫للمعيش نحو األفضل‪ .‬صحيح إن الجانب الجاميل مهم يف اإلبداع لك ّن‬
‫هذا الجاميل ال يجب أن يقيص دور املبدع تجاه مجتمعه تثويرا و تنويرا‬
‫و تحريرا‪ .‬و تقارير تونسية مهربة احتفلت بالواقع و متثلته من زوايا‬
‫مختلفة ألنه ال يوجد واقع واحد بل متعدد و لهذا حرض الواقع التونيس يف‬
‫هذه املجموعة القصصية من خالل اللهجة و التقاليد و املشاكل املعيشة‬
‫كبؤس املثقف و املريب و الهجرة الرسية و االنبهار باآلخر و لكن حرض‬
‫كذلك الواقع الغريب من خالل نقد قيم االستهالك و غلبة الجانب املادي‬
‫عىل املجتمع األمرييك واألورويب ‪.‬‬

‫‪ 2‬ـ ما سبب تصرّفك في قواعد ّ‬
‫القص في هذا العمل؟ هل من‬
‫الضروري أن يكون المبدع مجرّبا؟‬
‫يقرتن اإلبداع تاريخيا و نظريا بالتجريب‪ .‬اإلبداع يف مفهومه األول هو‬
‫تجاوز للسائد و نزوع إىل بناء جديد و هذه بالذات هي ثوابت التجريب‪.‬‬
‫و الكتابة األقصوصية إذا مل تنزع إىل التجريب فإنها ستكون تكرارا‬
‫للسابق و محاكاة للأملوف و سلخا للمطروق‪ .‬وعليه فقد سعيت يف هذه‬
‫املجموعة إىل ربط األقصوصة بالسينام من ناحية وبالرتاث الصويف من‬
‫ناحية أخرى‪ ،‬فاألول يحملها الصورة و دورها يف صناعة الواقع و الوعي‪ ،‬و‬
‫الثاين يؤصل الكتابة ضمن آفاق روحية و إنسانية واسعة‪ .‬و هذا التجريب‬
‫هو الذي يتيح من وجهة نظري لهذه املجموعة الرابعة أن تكون مخالفة‬
‫ملجموعايت السابقة ‪.‬‬
‫‪ 3‬ـ تمارس النقد األدبي بالتوازي مع الكتابة اإلبداعية‪ ،‬أال يكبح‬
‫الوعي النقد ّي جموح الفكر الخالّق برأيك ؟‬
‫هذا سؤال وجيه ألنه يعود بالفعل اإلبداعي إىل منطلقاته األصيلة و‬
‫األصل ّية‪ ،‬إذ ال ميكن أن نفصل اإلبداع عن النقد‪ .‬فاإلبداع صناعة ككل‬
‫الصنائع األخرى لها أصولها ومنطلقاتها وتقاليدها وعىل املبدع أن‪ ‬يكون‬
‫مطلعا عىل تجارب غريه متمثال بنياتها وواعيا باألسس املتحكمة يف‬
‫الجنس الذي يتحرك فيه‪ .‬ال ميكن أن نفصل اإلبداع عن املعرفة فهي التي‬
‫تربر عملية الكتابة و تتيح التجاوز‪ .‬و دون هذه املعرفة ال نستطيع أن‬
‫نحدد موقعنا اإلبداعي وال موقفنا‪ ،‬وكام يقول جيل دولوز‪« :‬إن البناء‬
‫الجديد يقتيض وعيا بالنظام القديم ومعرفةً»‪ .‬ولكن يجب أن نوضح أن‬
‫اإلبداع ليس تطبيقا آليا لقوالب معرفية جاهزة‪ .‬و لو عدنا إىل تراثنا‬
‫الشعري القديم لوجدنا الشاعر ملزما بحفظ آالف األبيات قبل أن يكتب‬
‫قصائده و قبل أن يعرتف به شاعرا‪ ،‬و قد أفاض ابن خلدون يف مقدمته‬
‫يف هذه املسألة مؤكدا أمرا طريفا هو حاجة الشاعر إىل مناويل عامة‬
‫يوظفها مخياله يف اإلبداع الشعري‪ .‬وهو ما أكده جيليربت دوران يف‬

‫مباحثه األنرتوبولوجية معتمدا مفهوم الالوعي الجمعي الذي صاغه كارل‬
‫غوستاف يونغ‪.‬‬
‫‪ 4‬ـ كيف ّ‬
‫تفسر حضور السخرية بكثافة في كتاباتك؟‬
‫لقد وظفت السخرية بدرجات مختلفة يف الكثري من مجموعايت القصصية‪.‬‬
‫والسخرية شكل فني ال يخلو يف محموالته الداللية عن تلك التي ينهض‬
‫بها الخطاب املنطقي و العقالين‪ ،‬و قد كان الفكر الجاميل و اإلنساين واعيا‬
‫بالسخرية ودورها منذ كتاب فن الشعر ألرسطو الذي ربط الكوميديا‬
‫بالسخرية والهزل والفكه وكذلك كانت السخرية حارضة يف الرتاث العريب‬
‫اإلسالمي من خالل نوادر الجاحظ و مغامرات ابن القارح و مقامات‬
‫بديع الزمان الهمذاين‪ .‬وما دمنا نتحدث عن السخرية يف األقصوصة فإننا‬
‫ال نستطيع أن نغفل متيز أقاصيص الدوعاجي و البشري خريف و بعض‬
‫أقاصيص عزالدين املدين بهذا النمط الفني‪ ،‬وبذلك ستكون مجموعة‬
‫«تقارير تونسية مهربة» امتدادا لهذا التوجه يف الكتابة‪ .‬أما املربر الثاين‬
‫الستدعاء السخرية فرنده إىل تلك املفارقة بني واقع متهرئ داكن و بني‬
‫عبارة ساخرة ممتعة تنتقد الواقع بطريقة قاسية مقذعة دون ان تسقط‬
‫يف املبارشة‪.‬‬
‫‪ 5‬ـ كيف ترى أزمة التعليم اليوم من وجهة نظرك كمرب ؟‬
‫أزمة التعليم هي عنوان أزمة املجتمع التونيس‪ ،‬فالتعليم ليس حالة شاذة‬
‫فنحن نعيش أزمة ثقافية وأزمة اقتصادية وأزمة سياسية وأزمة قيمية‬
‫والتعليم امتداد لها‪ .‬و لكن السؤال املركزي هو سبب األزمة ومآالتها‪ .‬تعود‬
‫أزمة التعليم يف نظرنا إىل رصاع بني توجهني‪ :‬توجه يحمل الدولة مسؤولية‬
‫خدمات التعليم والصحة والنقل والتشغيل للطبقة املتوسطة واملهمشة‬
‫وهو ما تدافع عنه الهياكل النقابية للتعليم مبختلف مراحله‪ ،‬وتوجه ثان‬
‫يرى الدولة يف خدمة رأس املال املحيل و األجنبي وهو توجه متثله يف‬
‫تونس حكومات يهيمن عليها اليمني الليبريايل و الديني‪ ،‬حكومات مرتهنة‬
‫للخارج و موظفة لخدمة القطاع الخاص وعليه تعمل الحكومات التونسية‬
‫منذ الثورة عىل تأزيم قطاع التعليم للتفريط فيه‪.‬‬
‫‪ 6‬ـ تقوم بنضال نقابي معروف منذ م ّدة طويلة‪ ،‬هل ترى أن قدر‬
‫المبدع الحقيقي أن يناضل على ع ّدة جبهات؟‬
‫هذا السؤال املتعلق بنضايل النقايب يف التعليم الثانوي قد يبدو غريبا عن‬
‫اإلبداع بالنسبة إىل البعض و الحقيقة بخالف ذلك‪ .‬فاإلبداع يف مفهومه‬
‫تكريس للحرية والحياة والحقوق و كذلك النضال النقايب والسيايس تحرير‬
‫الوطن واألفراد‪ .‬والناظر يف تاريخ نقابة التعليم الثانوي يلحظ دورها يف‬
‫الدفاع عن القضايا الوطنية (الدفاع عن ضحايا الحوض املنجمي و تبني‬
‫مطلب املقموعني واملطرودين‪ )...‬والقضايا القومية ( القضية الفلسطينية‬

‫‪15‬‬

‫الخميس ‪ 14‬فيفري ‪ - 2019‬املوافق لـ ‪ 12‬جامدى الثانية ‪ - 1440‬العدد ‪75‬‬

‫و مساعدة العراق و نرصة حركات املقاومة يف العامل العريب‪ ).‬ال ميكن‬
‫للمبدع أن يكتب عن الحياة و الحقوق و يكون يف الواقع خانعا خاضعا‬
‫ومستقال عن التصدي لقوى االستبداد والتطرف يف املجتمع‪.‬و كام يقول‬
‫غراميش‪« :‬املثقف الحقيقي هو الذي يشعر بآالم شعبه»‪ .‬و لكن ذلك ال‬
‫يعني أن يتحول إبداعنا إىل دعاية ايديولوحية أو تبشري سيايس‪.‬‬
‫‪ 7‬ـ ما هي برأيك أهم األسباب التي جعلت الثورة تحيد عن‬
‫مسارها؟‬
‫الحديث عن حياد الثورة‪ ،‬عن أهدافها وانحرافها عن مسارها يبدو‬
‫يل مخالفا للتمثل الواعي لفعل الثورة‪ .‬فالثورة التونسية ما تزال يف‬
‫مخاضاتها األوىل و بالتايل ال ميكن الحديث عن نتائج ونهايات يف ظل‬
‫تحرك واضطرابات مل تتوقف ومل تتضح معاملها‪ ،‬وهو مخاض قد ميتد‬
‫عىل عرشات السنوات ويتحرك يف خط لولبي يوهم بالرتاجع واالنتكاسة‬
‫لكنه يف الحقيقة ينتقل إىل مستوى أعىل‪ .‬والسبب الثاين الذي يدفعنا‬
‫إىل اإلقرار بأن الثورة التونسية مل تحد عن أهدافها فرنده إىل تجارب‬
‫تاريخية سابقة‪ ،‬فكل الثورات املهمة عرفت الفوىض والرتدي االقتصادي‬
‫و املجاعات والتطرف‪ .‬فالرثوة الفرنسية أنتجت إمرباطورا هو نابليون و‬
‫ثالث مجاعات و لكنها كرست بعد قرنني قيم الدميقراطية و الحداثة يف‬
‫املجتمع الفرنيس‪ ،‬وكذلك الثورة البولشيفية فقد أسست القوة االقتصادية‬
‫والعسكرية لروسيا ودول االتحاد السوفيايت رغم التاريخ الدموي للحكم‬
‫الشيوعي يف االتحاد السوفيايت ‪.‬‬
‫‪ 8‬ـ هل تؤمن بدور اإلتحاد العام التونسي للشغل في إنقاذ‬
‫تونس من المنزلق الخطير الذي آلت إليه؟‬
‫لالتحاد دور مركزي يف تاريخ تونس الحديث وهو الهيكل الفاعل يف‬
‫املشهد السيايس منذ زمن االستعامر‪ .‬فقد كان االتحاد بقيادة فرحات‬
‫حشاد مقاوما لالستعامر الفرنيس وليس اغتيال حشاد من قبل املخابرات‬
‫الفرنسية سوى تأكيد لهذا الدور الوطني رغم شبهة تورط بورقيبة يف‬
‫االغتيال واستمر الدور بعد االستقالل‪ .‬فكان األمني العام لالتحاد عضوا‬
‫يف اللجنة املركزية للحزب الحاكم و الكثري من النقابيني تولوا الوزارات و‬
‫لذلك فإن بناء الدولة التونسية الحديثة تعليام و صحة و إدارة إمنا هو‬
‫جهد مشرتك بني حزب بورقيبة و االتحاد‪ .‬و لقد كان هذا الهيكل عنوان‬
‫املعارضة السياسية لحكومة االستبداد و الفساد زمن بورقيبة و بن عيل‬
‫ولقد كانت هياكل االتحاد الجهوية واملحلية هي الحاضنة للثورة التونسية‬
‫وهو دور استمر بعد االنتخابات من خالل الحوار الوطني الذي خلص‬
‫البالد من حالة االحتقان ومخاطر الحرب األهلية‪ ...‬و إزاء ما سبق فإنه‬
‫سيكون من غري املنطقي أن نشكك يف دور االتحاد الوطني أو نشيطنه‪.‬‬

‫‪ - 2‬الفضاء‬
‫السوسيولوجي‪:‬‬
‫إذا كان املرجع‬
‫الجغرايف مالمسا‬
‫لخصائص املكان‬
‫ولقضاياه وانتقاء‬
‫ئصه‬
‫لخصا‬
‫الجغرافية والتنموية فإن كشف داللته يكتمل‬
‫بدراسة الشخصيات التي ينقل عربها النص‬
‫الرسدي الواقع االجتامعي‪ ،‬ذلك «إن كل حديث‬
‫عن عنارص املكان الجغرايف يقودنا إىل الحديث‬
‫عن طقوس الفضاء االجتامعي»‪1‬و املتأمل يف‬
‫كتابة مجتمع دقاش يتبني تفاعال بني مشغلني‬
‫أولهام يتصل بالهوية املحلية والذاكرة والثاين‬
‫يتصل بالواقع االجتامعي‪.‬‬
‫‪ 2-1‬كتابة الذاكرة والتاريخ‬
‫يعترب اإلرث الثقايف والتاريخي مكسبا هاما لكلّ‬
‫جهة و خصوصية دالة عليها‪.‬‬
‫فللجهات عالماتها الثقافية‬
‫والتاريخية واالجتامعية‬
‫املتصلة بها‪ .‬ولعلّ الكاتبة‬
‫تحاول ال ّنهل من هذا املرجع‬
‫وهي تغوص يف ذاكرة املكان‬
‫من خالل حديث بعض‬
‫عم كان وعن‬
‫األشخاص ّ‬
‫صفحات تاريخية ساهم‬
‫فيها أبناء هذه الجهة ومن‬
‫خالل توظيف املوروث‬
‫الثقايف الشفوي‪.‬‬
‫فالرواية تستعيد تاريخ‬
‫ال ّنضال ضد االستعامر ونجد فيها أثرا النخراط‬
‫أبناء الجهة يف املقاومة و منهم املناضل املعروف‬
‫أصيل الجهة يوسف الروييس ولعلّها بذلك تلفت‬
‫االنتباه إىل ال ّرموز التّاريخ ّية للجهة وتروم إبراز‬
‫دورها التاريخي املقاوم احتجاجا عىل نسيانها‪.‬‬
‫ونلمس بني طياتها العودة إىل الرتاث الشعبي‬
‫املحيل وما فيه من طقوس و نصوص شفويّة‪.‬‬
‫لعلّ من طقوس األهايل وعاداتهم ما تعلّق‬
‫بعادات االحتفال والتّ ّربك باملقامات أو زيارة‬
‫املقابر‪ .‬ونعرث عىل أمثلة مختلفة لهذا ومنها ما‬
‫تعلق بزيارة العروس ملقام الويل الصالح‪:‬‬
‫«علت الزغاريد فاحت رائحة البخور وصدحت‬
‫أصوات بعض الفتيات بالغناء‪ .‬مازال األهايل‬
‫ميارسون طقوسهم ومازالت العروس تزور سيدي‬
‫االخريصاين لتعلن بدء أيام العرس‪ ...‬وقف‬
‫لحظات مشدوها ثم انحدر برسعة إىل عربته من‬
‫العيب أن يقف هنا يراقب محفال للنساء»‪2‬‬
‫ثم يتذكر إبراهيم زيارة القرب وعادات الخميس‪:‬‬
‫«كم كلفته أمه صغريا أن يحمل شموعا وجاويا‬
‫ويضعهام قرب الرضيح مساء الخميس‪ ...‬تحرص‬
‫كل مرة أن تعد له مجمرة يحملها معه ويفرغ‬
‫حمولتها حذو الويل ثم يضع قطعة الجاوي‬
‫فتفوح رائحة عطرة متال املكان‪3»...‬‬

‫من خالل بعض األلفاظ وطريقة نطقها محلّ ّيا‬
‫أو االحتفاظ ببعض التسميات املحلية لألشخاص‬
‫مثل مية وكادة وغريها‪.‬‬
‫ويحرض يف الرواية الرتاث الشفوي ممثال يف‬
‫األهازيج الشعبية املعروفة ومنها‪:‬‬
‫عندي زوز حاممات يسايروا قدامي‬
‫خال فطيمة جاين البس حرير و كتانة‬
‫و زمالته جديدة آه يا نديدة‪4‬‬
‫يصبغ هذا البعد الفضاء بطابع ثقايف محيل‬
‫مرجعي ومعاش ويضفي عليه روحا جنوبية ومينت‬
‫صلته بالتاريخ والذاكرة‪.‬‬
‫ولك ّن دراسة الفضاء تظلّ قارصة ومحدودة ما‬
‫مل ننتبه إىل حركة الشّ خص ّيات وضجيجها داخل‬
‫ال ّرواية فهي تق ّربنا من املكان و دالالته فال ميكن‬
‫للمكان أن يحقّق كيانه مبفرده وإنّ ا بهذه الحياة‬
‫التي تبثها فيه الشّ خص ّيات‪...‬‬
‫‪ 2-2‬الشخصيات والواقع اليومي‬
‫إن ّكتابة الفضاء املرجعي يف‬
‫الرواية عمل ّية مركّبة ال تحتاج‬
‫إىل حكاية فقط وإمنا تتطلّب‬
‫نوعا من املعرفة والخربة باملكان‬
‫املعيش‪ .‬وهي ال تكتمل بصوت‬
‫السارد فقط بل تتطلّب حضور‬
‫ّ‬
‫أصوات ال ّنامذج االجتامع ّية ‪.‬‬
‫فالكاتب يوزّع خصائص املكان‬
‫بني الشّ خص ّيات والسارد‪ .‬ذلك‬
‫أ ّن الكامريا التي ترسم الفضاء‬
‫الروايئ ال يحملها السارد فقط‬
‫و إنّ ا تشاركه الشّ خص ّيات‬
‫يف حملها والتّعليق عنها‪ .‬إذ‬
‫تضيئ الشخصيات الفضاء الروايئ فهي تبعث‬
‫فيه الحركة والحياة و تضخ فيه املعنى والداللة‪.‬‬
‫فعواملها ال تنفصل عن صورة الفضاء وتشكيله‪.‬‬
‫«فكيفية تعامل الشخصيات مع ما استقر فيه‬
‫من األشياء واملوجودات هي املولدة للوعي وهي‬
‫املساهمة بالتايل يف إنشاء املواقف و القرارات»‪.5‬‬
‫فاملكان الروايئ «ال يتشكل إال باخرتاق اإلبطال‬
‫له وليس هناك أي مكان محدد مسبقا‪ .‬وإمنا‬
‫تتشكّل األمكنة من خالل األحداث التي يقوم بها‬
‫األبطال‪6›.‬‬
‫لذلك ننظر يف الشّ خص ّيات يف هذا العمل نظرة‬
‫محدودة ومح ّددة و قصديّة فندرسها من جانب‬
‫صلتها باملكان وما تحيل عليه من مشاغل حيات ّية‪.‬‬
‫فكيف تبدو عالقة الشخصيات بالفضاء الروايئ؟‬
‫وأي دالالت اجتامعية تكشفها؟ وأ ّي رمزيّة‬
‫للشّ خص ّيات الّنسائ ّية يف ال ّرواية؟‬
‫‪ 1‬سليم بركان الداللة االجتامعية للمكان يف النص الرسدي‬
‫أعامل امللتقى التاسع للرواية الطبعة نفسها ص‪162‬‬
‫‪ 2‬م ن ص‪18‬‬
‫‪ 3‬م ن ص‪53‬‬
‫‪ 4‬م ن ص‪81‬‬
‫‪ 5‬عبدالصمد زايد م ن ص‪9‬‬
‫‪ 6‬محمد عزام ‪،‬شعرية الخطاب الرسدي ‪،‬دمشق‪ ،‬منشورات‬
‫اتحادالكتاب العرب ‪،‬سنة ‪2005‬ص‪194‬‬

‫أذن جاء املهاجر بــ « العباد يف تركينة»‬
‫واليوم يسألهم «احرتام شنوة ؟؟؟»‬

‫سوسن طيب العجمي‬
‫الراب هو فن حديث‬
‫صنعته « أمريكا « منذ‬
‫السبعينات وعرف رواجا‬
‫واسعا يف التسعينات يف‬
‫أنحاء العامل انقسم اىل‬
‫قسمني أبواق تؤذي السمع والرأس وأمكنة مخصوصة‬
‫رهن إشارة البعض من االعالميني ف ّزاعة تغطي فراغات‬
‫الربامج الرديئة يف القنوات الخاصة وأصوات مؤثرة‬
‫ُج ّمدت وأرسل الفنان الجيد صوته بعيدا عنهم‪.‬‬
‫يف زمن كان فيه االنسان ذئبا ألخيه اإلنسان‪ ,‬وال نستثني‬
‫املبدعني يف يشء ‪ ,‬هذا العداء مل يكن مجرد شعور ذايت‪,‬‬
‫بقدر ما كان منهجا سلكه األمنوذج السلطوي القديم‬
‫‪,‬نقصد هنا منهج التغريب والعدائية والرضوخ والخوف‬
‫من عقاب املستب ّد‪.‬‬
‫من هنا وتحديدا يف سنوات الجمر‪ ,‬وصلتنا أغنية مل تكن‬
‫يف الحسبان ‪ ,‬أغنية ممنوعة ألنها ترسد واقعا بليدا يف ذلك‬
‫الزمن األسود ‪.‬يوم كان للجدار أذن وللوضع سكوت عميم‬
‫وخضوع مطلق ‪.‬‬
‫جاءت « العباد يف تركينة « لنسمعها خلسة ‪,‬وبعضنا بىك‬
‫طويال عىل إيقاع كلامتها الجريئة‪.‬‬
‫« رابري» جعل من ف ّنه رسالة دامغة تهوي حجرا عىل‬
‫الرؤوس وتغري عقلية الشباب نحو نظرية مختلفة عن ما‬
‫سبقها ‪,‬نظرية الرفض والجرأة والحق ‪ ,‬نظرية الثورة التي‬
‫م ّهدها فاعلون وركب عليها خانعون ‪.‬‬
‫قد ال نفيش رسا‪ ,‬إن قلنا أن األغنية تالشت يف كون ثوري‬
‫تع ّددت فيه الحريات‪ ,‬طغى عليه أبعاد فنية أخرى رديئة‬
‫وموحشة ينبذها العاقل ويتوق املثقف إىل الغائها متاما‬
‫من أرشيف معلومايت‪ ,‬راهن عىل الجيد كام راهن عىل‬
‫الرديء‪ ,‬لكن اكتشفنا أن األغنية راسخة يف أذهاننا فور‬
‫عودة « فريد املازين « بأغاين جديدة‪ ,‬توائم نفسه الثوري‬
‫ورفضه وقلقه وانفعاله وحبه للبالد‪ ,‬التي هاجرها وبقي‬
‫وفاؤه يحوم يف « الحومة العريب» و» الجبل األحمر» وأمل‬
‫تونس‪. .‬‬

‫النوعي ‪ ,‬ملجرد ظهوره‬
‫« املازين» قريب جدا من جمهوره‬
‫ّ‬
‫من جديد استحوذ عىل القلوب‪ ,‬كام سبق له ذلك سنة‬
‫« ‪, »2005‬استمعنا اىل أغنية «الرسالة» ‪ ,‬وشاهدنا الفيلم‬
‫الذي اختاره ألغنيته‪ ,‬وفوجئنا بكتاب الروائية التونسية «‬
‫أسامء الصخري» « أحالمنا بني ك ّر وف ّر « ‪ ,‬بني يديه ‪,‬وهو‬
‫ينشد رسالته ‪.‬‬
‫السؤال هنا يطرح نفسه ‪ ,‬مالفرق بني « رابري» يز ّج‬
‫بالكتاب يف عامله الفني ؟ وبني « رابري» يز ّج بكلامت غري‬
‫مفهومة ويرتكز عىل اإليقاع التقليدي للــ « راب»؟‬
‫سنعي أن «فريد املازين» فنان استثنايئ ‪,‬من األ ّولني الذين‬
‫غنوا «الراب» يف تونس وأقنعوا‪ ,‬يكتب أغانيه مبفرده‬
‫ويرتيث قبل أن يؤديها ويشيعها عىل الناس ‪.‬‬
‫يف األيام األخرية من شهر جانفي نرش « املهاجر» أغنيته‬
‫الجديدة ‪ »,‬احرتام شن ّوة ؟؟؟ «‬
‫ال تخلوا من شتم ‪,‬له بعد وظيفي وألفاظ موجعة‪ ,‬نراها‬
‫يف محلّها تقرأ وضع البالد ‪,‬وتنقده رأينا صورة الرئيس «‬
‫الباجي قايد السبيس» ‪,‬وصورة رئيس الحكومة « يوسف‬
‫الشاهد» أمرهام بالنزول‪ ,‬إىل األرض ومعاينة الواقع‪,‬‬
‫والقرب من الناس‪ ,‬ورأى أنهام يعيشان يف‬
‫« النجوم» والنجوم هنا هو الكريس والشهرة واملال كلّه‬
‫رشدين‪ ,‬يف بالد وعدا‬
‫من رقاب املهمشني والجوعى وامل ّ‬
‫شقي‪,‬‬
‫والشعب‬
‫مخزي‬
‫شعبها بالرقي واالزدهار ‪ ,‬فالوضع‬
‫ّ‬
‫والحكومة أهدرت الخصب وال ّنافع‪ ,‬ولهثت وراء سلطة‬
‫كاذبة‪ ,‬بال رأي قادح ‪,‬وال فكر شامل وال سيطرة عىل‬
‫األوضاع‪.‬‬
‫يف نهاية األغنية ق ّرر « فريد املازين» أن ال ننىس أبدا‪ ,‬حتى‬
‫بعد سنوات طويلة‪ ,‬أ ّن البعض حرم أطفالنا ذات يوم من‬
‫حقهم الطبيعي يف رشب « الحليب» فرجال األعامل هي‬
‫التي تتحكّم يف منو أطفالنا ويف استمرارية عيشهم ولو‬
‫وجدوا سبيال إىل الهواء لقطعوه‪.‬‬
‫« احرتام شنوة؟؟؟ « من أغاين الـ « راب» اله ّداف الذي‬
‫ميرر رسائل واضحة ‪,‬ثورية يك نستيقظ يف اإلبّان ونتذكر‬
‫دامئا كل الوقائع التي عشناها يف زمن فالن وعالّن ‪.‬‬

‫‪16‬‬

‫الخميس ‪ 14‬فيفري ‪ - 2019‬املوافق لـ ‪ 12‬جامدى الثانية ‪ - 1440‬العدد ‪75‬‬

‫دارات‬

‫إص‬

‫مكتبة منارات ‪ :‬بقلم سعدية بن سالم‬

‫للقاصة املبدعة نبيهة العييس‪ ،‬وبحث أكادميي اختار له صاحبه‪ ،‬مخلص بن عون من العناوين‪ :‬االستعارة املفهوميّة‪ ،‬واملجموعة الشعريّة‬
‫نتناول يف هذا العدد من املنارات ثالثة أعامل جديدة تتنوع يف أجناسها ومشاغلها وهي عىل التوايل‪ :‬املجموعة القصصية «املفرتق» ّ‬
‫«مشهد مختلف» للشاعر العراقي حميد سعيد‪ ،‬إطاللة عىل أعامل نرجو أن تجدوا فيها ما يحثّكم عىل اإلقبال عليها‪:‬‬

‫جمالي‬
‫يتحول اليومي إلى أثر‬
‫المفترق لنبيهة العيسي ‪ :‬حين ّ‬
‫ّ‬
‫املفرتق‪ :‬مجموعة قصصية لنبيهة العييس صادرة يف طبعتها‬
‫األوىل‪ ،‬تونس ‪ 2018‬عن دار زينب للنرش والتوزيع وتتض ّمن‬
‫قصة من بينها املفرتق التي أعارت عنوانها‬
‫ّ‬
‫ست عرشة ّ‬
‫إىل املجموعة‪ .‬استهلّت نبيهة العييس مجموعتها بإهداء‬
‫أعاملها إىل قارئها‪ ،‬ذاك التائه بني مفرتقات الطرق‪« ،‬إليك‬
‫أيّها القارئ ‪ ...‬إىل من رمت به رياح الوقت بني مفرتقات‬
‫الطّرق» (ص‪.)5‬‬
‫وأعقبت اإلهداء بتصدير أخذته عن «اسرتيحي» ألمل‬
‫القصة‪ .‬ويف التصدير تعالق‬
‫دنقل يف استدرج للشعر إىل عامل ّ‬
‫مع العنوان «املفرتق» ومع أنت القارئ الذي حدّثته يف‬
‫اإلهداء‪ ،‬فجاء التصدير مواصلة لحوار تكتنفه الحرية رغم‬
‫اإليهام بالثبات يف الجملة األوىل التي جاءت لتق ّر واقعا‪:‬‬
‫السري عىل املفرتق»‪ ،‬واقع هو بؤرة الحرية‬
‫« مل يبق سوى ّ‬
‫لكل إمكانات‬
‫ويقني مرشف عىل االضطراب والتف ّرق ونفي ّ‬
‫االختيار‪« ،‬مل يبق سوى السري عىل املفرتق»‪ ،‬ويُدعم ذلك‬
‫االختيار – الفرض‪ ،‬باالستفهام التائق إىل مرىس فال يجده‪:‬‬
‫«كيف أقصيك عن النار ويف صدرك ال ّرغبة لتحرقني‬
‫كيف أدنيك من النهر؟‬
‫ويف قلبك الخوف وذكرى الغرق؟‪.‬‬
‫نص من نصوصها‬
‫حرصت نبيهة العييس أن تصدّر ّ‬
‫كل ّ‬

‫مبقتطف لكاتب أو شاعر أو فيلسوف فاستحرضت الطّاهر‬
‫بن جلّون وسارتر ونيتشه وخرية الشيباين ومحمود درويش‬
‫السمن والكان ومح ّمد‬
‫وفدوى طوقان وطاغور وغادة ّ‬
‫املاغوط وأوالد احمد وأدونيس فجمعت بذلك بني عصور‬
‫مختلفة وبني مرشق ومغرب يف رحلة تنفي غربة املكان‪.‬‬
‫وبني بداية ال ّرحيل ونهايته ترسم الكاتبة طريق الكتابة‪.‬‬
‫رحلة بدأت برحيل يف االتّجاه املعاكس وانتهت باسم يف‬
‫عامل بال أسامء تتصدّره أسطر ألدونيس‪:‬‬
‫ال ّرحيل انتهى‪ ...‬والطّريق صخرة عاشقة‬
‫غري أنّا غدا نه ّز جذوع ال ّنخيل‬
‫الصاعقة‪( .‬ص‪.)84‬‬
‫غدا نغسل اإلله الهزيل بدم ّ‬
‫رحيل يف ال ّروح وبحث عن مرفإ يُنهي حرية املفرتقات‬
‫ووجعا يقيم يراكمه أقرب األقربني‪ ،‬تقول‪« :‬القلق والوحدة‪،‬‬
‫هذا ما أورثك إيّاه أبوك‪ ...‬كان يغيب أيّاما بل أشهرا فال‬
‫تصلكم منه غري أخبار هزيلة يعيشون عىل وقعها يف انتظار‬
‫أن يعود» (ص‪.)10‬‬
‫حكايات تتنفّس من اليومي وتعيد صوغه بلطافة اللغة‬
‫وعمقها‪ ،‬شخصيّات أتعبتها يوميّاتها وضغط الحياة الذي‬
‫ال ميهلها‪ ،‬تقول يف املفرتق‪« :‬لو وقعت عينا أحدهم ع َّيل‬
‫ساعتها لظ ّن ّأن فقدت عقيل‪ :‬يداي متش ّنجتان عىل املقود‬
‫وجبيني ينضح بالعرق وقدمي متي ّبسة من فرط الضغط‬

‫عىل املكبح‪(».‬ص‪ .)19‬وتقول يف ميالد جرح‪« :‬قريبا سأحتفل‬
‫مبيالد جرحي األ ّول‪ ،‬وأنا أدعوك‪ ،‬بهذه املناسبة لتشاركني‬
‫ألن‬
‫االحتفال‪ ...‬اعذرين فالحفلة لن تكون عىل قدر املقام‪ّ ،‬‬
‫لن أتزيّن كام تفعل ال ّنساء‪ ،‬فقد كرست جميع املرايا‪ ،‬ولن‬
‫الساكنة يف أنفي ولن‬
‫أتعطّر‪ ،‬فال عطر ميحو رائحة العفن ّ‬
‫تطل من ثناياه أزهار بستاين‪ ،‬فقد اجتثّ القدر‬
‫ألبس ثوبا ّ‬
‫أشجاري بج ّرافاته‪ ،‬وسوى قممي باألرض‪ ،‬ولكّني رغم ذلك‬
‫رصة عىل االحتفال وعىل إطفاء شموع األمل املتأ ّججة يف‬
‫م ّ‬
‫أعامقي‪ .‬فهل تأيت؟» (ص‪.)28‬‬
‫وبني حرية الشخصيّات وتيهها ويوميّاتها ومتاعبها‪ ،‬تحفل‬
‫نصوص نبيهة العييس بالترصيح والتلميح إىل واقع يتجاوز‬
‫اليومي إىل رشط وجود‪ .‬تقول يف زائر اللّيل‪« :‬الجبل العظيم‬
‫ترسبل بالدّخان ونطق بالحكم‪ ،‬جبل ال ّرصاص أعلن أنّه‬
‫كل من عشّ ش يف مغاراته واقتات من شجره‪...‬‬
‫سيطرد ّ‬
‫ذُعر سكّان الجبل‪ ...‬تأبطوا غضبهم وتف ّرقوا أشتاتا يف أنحاء‬
‫املدينة‪ ...‬زائر اللّيل طرق بايب‪ ...‬ويف ملح البرص‪ ،‬أخرج سالحا‬
‫كان يف جرابه ودفعني بعنف إىل الشّ ارع قبل أن يدخل‬
‫إىل بيتي‪( ».‬صص‪ .)45-46‬وتقول يف اسم يف عامل بال أسامء‪:‬‬
‫عيني يف خدر لذيذ فرتتسم يف أعامقي صورة ذاك‬
‫«أغمض ّ‬
‫الذي اغتيل منذ‪ ...‬يف ظروف غامضة‪(...‬ص‪.)87‬‬
‫ومل تغفل نبيهة العييس مرح ال ّروح رغم صعوبة املوقف‬

‫تطل من الوجع‬
‫ووجعه‪ ،‬فالطرافة حارضة والبسمة ّ‬
‫وتأخذ أشكاال مختلفة تنتهي يف األخري إىل رفع العبء عن‬
‫الشخص ّية واملتلقّي يف الوقت ذاته‪ .‬نبيهة العييس وف ّية‬
‫لرشاقة لفظها ومتكّنها من مستلزمات الحكاية‪.‬‬

‫االستعارة المفهوم ّية لمخلص بن عون‬

‫يف إطار سلسلة قراءات صدر عن در ديار للنرش‬
‫والتوزيع ‪ ،2018‬بحث لألستاذ الباحث مخلص بن‬
‫عون اختار له من العناوين‪ :‬االستعارة املفهوم ّية‬
‫يف القرآن‪ .‬والكتاب فصل من بحث قدّمه الكاتب‬
‫لنيل شهادة الدكتوراه يف كليّة اآلداب والعلوم‬
‫اإلنسانية‪ -‬صفاقس‪ ،‬سنة ‪.2017‬‬
‫قسم مخلص بن عون بحثه إىل فصلني هام‬
‫ّ‬
‫الصفحة‬
‫«املجاز الذي نحيا به» والذي ميت ّد من ّ‬
‫الصفحة الحادية والخمسني‪،‬‬
‫الحادية والثالثني إىل ّ‬
‫و»البنية االستعاريّة ملجاز القرآين» وميت ّد من‬
‫الصفحة الثانية‬
‫الصفحة الثالثة والخمسني إىل ّ‬
‫ّ‬
‫السبعني بعد املائة‪ .‬ولنئ يالحظ القارئ التّفاوت‬
‫و ّ‬
‫الكبري بني الفصلني من حيث الك ّم فإ ّن لذلك‬
‫التفاوت ما ي ّربره باعتبار استقالل الفصل األ ّول‬
‫بالتعريفات العا ّمة وتوضيح املفاتيح اإلجرائ ّية‬
‫التي سيقع اعتامدها يف املرحلة التطبيقيّة يف‬
‫الصفحة‬
‫عمله‪ .‬وسيّج الكاتب عمله مبقدّمة من ّ‬
‫الصفحة الثالثني‪ .‬وامتدّت الخامتة من‬
‫التاسعة إىل ّ‬
‫الصفحة‬
‫إىل‬
‫املائة‬
‫بعد‬
‫بعني‬
‫الس‬
‫و‬
‫الثالثة‬
‫الصفحة‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫الرابعة والثامنني بعد املائة‪.‬‬

‫يتن ّزل عمل مخلص بن عون ضمن الدراسات‬
‫املتعلّقة بتحليل الخطاب واإلشكاليات املتعلّقة‬
‫به‪ .‬والخطاب هو إنجاز باللغة غايته الفهم‬
‫السياق يقول‬
‫واإلفهام‪ ،‬بلغة الجاحظ‪ ،‬ويف ذلك ّ‬
‫مخلص بن عون‪« :‬ومادام املتلفّظ يو ّجه الخطاب‬
‫متلق له لغته‪ ،‬ومن مقاصده أن يكون مفهوما‬
‫إىل ّ‬
‫مبينا حتّى يؤدّي وظيفته فإ ّن الوسيلة الوحيدة‬
‫لتحقيق هذه الوظيفة هي اللغة‪ .‬وهكذا تصبح‬
‫لغة الخطاب وسيطا مبارشا بني امللفوظ واملتلقّي‪،‬‬
‫وهذا يقتيض عالقة بينهام‪(».‬ص‪.)10‬‬
‫اختار الباحث أن ينظر يف القرآن خطابا نزل بلغة‪،‬‬
‫هي لغة املتلقّي‪ ،‬لها قوانينها التي تصنع املعنى‪:‬‬
‫«وهي لغة تضبطها جملة من القوانني وفهمها مي ّر‬
‫مهم يف تلقّي‬
‫عرب هذه القوانني التي متثّل عنرصا ّ‬
‫املعنى» (‪ .)10‬وينفي مخلص عون أن يكون فهم‬
‫النص يف ذاته وتفاعل املتلقي‬
‫النص متوقفا عىل ّ‬
‫ّ‬
‫يوسع األمر ليشمل العالقة بني املتلفّظ‬
‫بل‬
‫معه‪،‬‬
‫ّ‬
‫واملتلقّي‪.‬‬
‫اختار الباحث أن ينظر يف املجاز من الخطاب‬

‫مشهد مختلف لحميد سعيد‬
‫من تونس يطلّ علينا الشاعر العراقي حميد سعيد بكتابه الشعر ّي الجديد الصادر عن‬
‫املتوسط‪ ،‬ورد يف‬
‫دار «ديار» للنرش والتوزيع –تونس ‪ .2018‬وهو كتاب من الحجم ّ‬
‫‪ 101‬صفحة وتض ّمن عرشة نصوص هي عىل التوايل‪ :‬ما يشبه الخراب بل هو الخراب‪،‬‬
‫مقامات بغداديّة‪ ،‬رسالة اعتذار إىل أيب جعفر املنصور‪ ،‬أوراق من دفرت املرايث‪ ،‬الورقة‬
‫األوىل مالّ مح ّمد عيل‪ ،‬الورقة الثانية عباس جميل‪ ،‬الورقة الثالثة سليامن عويس‪ ،‬يا‬
‫وربا نلتقي بزمان جميل‪.‬‬
‫مح ّمد هذا كتاب إىل ال ّناس‪ ،‬بستان قريش ّ‬
‫اكتفى الشاعر‪ ،‬قبل القول‪ ،‬بإهداء قصري‪« :‬إىل‪ ...‬نفيلة‪ /‬وإىل باديه ومصعب (‪.)5‬‬
‫نصوص كتبت بني سنتي ‪ 2005‬و‪ ،2006‬ترسم صورة الخراب املقيم وبقايا الحريق‪ ،‬يقول‬
‫يف مقامات بغداديّة‪:‬‬
‫ما كان بالدا أصبح يف اللوحة ظالّ‪ ...‬م ّزقه األقنان‬
‫تتعرث دجلة يف الليل‪ ...‬كشيخ هرم‪ ..‬أوقفها الجند ّي‬
‫يك عىل الحاجز‪( ...‬ص‪)28‬‬
‫األمري ّ‬

‫مستندا إىل اللسانيات العرفانيّة مستعريا‬
‫بعضا من عنوان كتاب لاليكوف‬
‫«االستعارات التي نحيا بها» ِ‬
‫ليسم فصله‬
‫األ ّول بـ»املجاز الذي نحيا به»‪ .‬وتد ّرج من‬
‫وقسم‬
‫تعريف العرفانيّة إىل االستعارة‪ّ ،‬‬
‫فصله بعد ذلك إىل تعريف لالستعارة ث ّم‬
‫اعتنى باالنسجام االستعاري‪ ،‬ففي مستوى‬
‫االستعارة نبّه الباحث إىل زاوية البحث‬
‫التي نظر منها إىل االستعارة باعتبارها‬
‫جزءا من النظام املفهومي الذي يحدّد‬
‫وقسمها‬
‫طريقة اشتغال الذّهن» (ص‪ّ .)32‬‬
‫إىل استعارة بنيويّة وهي «مجموعة من‬
‫االستعارات التي يتح ّرك داخلها الذّهن‬
‫ومن خاللها ينتج أنساقا استعاريّة‬
‫مرتابطة» (ص‪ )33‬واستعارة اتجاه ّية وهي‬
‫«نظام استعاري يعتمد تعابري تدلّ عىل االتّجاه‬
‫الفضايئ‪ ،‬انطالقا من طريقة متوقع الجسد يف‬
‫الفضاء»(ص‪ .)36‬واستعارة انطولوج ّية «وتتمثّل‬
‫يف فهم تجاربنا عن طريق األشياء املحسوسة‬
‫وميكن تلخيصها يف استعارة الكيان واملادّة»‬

‫ويقول يف ما يشبه الخراب بل هو الخراب‪:‬‬
‫ما يشبه الخراب بل هو الخراب‬
‫يقتلع الغزاة كلّ ما أقامه األجداد يف البالد‬
‫مثلام تقتلع العاصفة األشجار‪..‬‬
‫اللفظي‬
‫ار‬
‫ر‬
‫التك‬
‫سعيد‬
‫حميد‬
‫اعتمد‬
‫يف وجع الخراب املقيم‪،‬‬
‫ّ‬
‫سبيال إلحداث األثر يف النفس واإليقاع يف القصيد‪ ،‬إيقاع رتيب‬
‫يف ثقل املوت القادم من الغرب‪ :‬يقول يف ما يشبه الخراب‪ :‬دم‬
‫عىل املسلّة األوىل‪ ...‬عىل امللحمة األوىل‪ ...‬عىل القباب‬
‫دم عىل املنت‪ ,,‬عىل هوامش الكتاب‬
‫دم عىل الرتاب‪...‬‬
‫الصندل والنعناع‪...‬‬
‫دم عىل حدائق الله‪ ...‬عىل الجور ّي و ّ‬
‫(ص‪.)10‬‬
‫وين ّوع حميد سعيد يف أمناط التكرار فيغيب لفظا ويحرض‬
‫أسلوبا يوقّع يف ال ّنفس نغام ويف القلب حرية واملثل عىل ذلك‬

‫(ص‪)38‬‬
‫خص مخلص عون الجزء الثاين من هذا الفصل‬
‫ّ‬
‫لالنسجام االستعاري الذي «يكون داخل االستعارة‬
‫الواحدة ويكون بني مظهرين للمفهوم نفسه»‪.‬‬
‫يف الفصل الثاين‪ ،‬اعتنى الباحث بالنظر يف العالقة‬
‫بني الله والعباد‪ ،‬وهي عالقة قامئة عىل املبادلة‬

‫أي مبادلة الخري بالثواب والعقاب‪.‬‬
‫وانتهى إىل أ ّن العبادة هي جوهر‬
‫العالقة بني اإلنسان وخالقه وأ ّن هذه‬
‫العبادة مرتبطة وثيقا مبعنى االمتحان‬
‫يف رحلة هي الحياة‪ .‬وضمن هذه‬
‫املعاين الكربى قرأ الباحث معاين القرآن‬
‫يف أبعادها االستعاريّة فاهت ّم مبعنى‬
‫االبتالء واستعارة االمتحان واهت ّم‬
‫مبسار ال ّرحلة واستعارة الطريق ث ّم‬
‫مبسار التجارة‪.‬‬
‫أنهى الباحث عمله بجملة من‬
‫االستنتاجات منها‪« :‬أ ّن املجاز يتخلّل‬
‫النص القرآين من أ ّوله إىل آخره وأ ّن‬
‫ّ‬
‫املعاين الكربى التي اشتمل عليها‬
‫نظامي مجاز ّي هو ما أطلقنا عليه‬
‫قدّمت يف إطار ّ‬
‫«الشبكة االستعاريّة»‪( ».‬ص‪.)175‬‬
‫عمل مفيد يف مجاله وميثل لبنة أخرى ضمن‬
‫لبنات البحوث املتعلقة باللّسانبات العرفانية يف‬
‫الجامعة التونس ّية‪.‬‬

‫حضور االستفهام الكثيف يف رسالة اعتذار إىل أيب‬
‫جعفر املنصور‪:‬‬
‫أرأيت مقربة تداهم سامري ليل بأطراف‬
‫ال ّرصافة؟‬
‫حيي مأمتا للورد؟‬
‫دم‬
‫هل أقام‬
‫ّ‬
‫هل؟‪(...‬ص‪.)41‬‬
‫ويعمد الشاعر إىل تكرار املركبات بلفظها أحيانا‬
‫ضمن االستفهام املستب ّد بالقصيد‪:‬‬
‫ماذا سيقول لها هذا الغ ّر القادم من وهم‪ ...‬ال‬
‫تاريخ له‪...‬‬
‫من كذب عطن‪ ...‬من لغة خرقاء (ص‪.)28‬‬
‫نصوص ترسم فرتة من تاريخ قاتم جاء ميحو‬
‫األلوان ويُحلّ محلّها ما يشبه الخراب‪ ..‬بل هو‬
‫الخراب‪.‬‬




Télécharger le fichier (PDF)

منارات فيفري 19.pdf (PDF, 923 Ko)

Télécharger
Formats alternatifs: ZIP







Documents similaires


triptyque de la religion de la republique jacobine contemporaine
programme colloque 1 1
resolution
traduction statuts cpr complete
resolution2
mini entreprise

Sur le même sujet..