Fichier PDF

Partagez, hébergez et archivez facilement vos documents au format PDF

Partager un fichier Mes fichiers Boite à outils PDF Recherche Aide Contact



منارات فيفري 19 .pdf



Nom original: منارات فيفري 19.pdf

Ce document au format PDF 1.7 a été généré par Adobe InDesign CC 2015 (Macintosh) / Adobe PDF Library 15.0, et a été envoyé sur fichier-pdf.fr le 21/02/2019 à 22:10, depuis l'adresse IP 196.224.x.x. La présente page de téléchargement du fichier a été vue 158 fois.
Taille du document: 923 Ko (9 pages).
Confidentialité: fichier public




Télécharger le fichier (PDF)









Aperçu du document


‫حوار العدد مع األستاذ مسعود الرمضاني‬

‫الملحق الثقافي لجريدة الشعب‬

‫أيّ سلطة تمتلك شيئا من الحكمة‬
‫لن تكتفي بالحلول األمنيّة بل ستسعى إىل تغيري‬
‫األوضاع االجتماعية للمواطنني‪.‬‬
‫الحركة االجتماعية‪ :‬المفاهيم‪،‬‬
‫النماذج التحليلية والحالة التونسية‬
‫منير سعيداني *‬

‫الخميس ‪ 14‬فيفري ‪ - 2019‬املوافق لـ ‪ 12‬جامدى الثانية ‪ - 1440‬العدد ‪75‬‬

‫احلركات االجتامعية يف أبعادها‬
‫املستج ّدة‪ /‬حدودها وآفاقها‬

‫اإلسالم والوطن ‪...‬‬
‫كالهما في خطر‬
‫محمد الجاب ّلي‬

‫الحركات االجتماعية‬
‫الجديدة‬
‫محمد الكيالني‬

‫‪2‬‬

‫الخميس ‪ 14‬فيفري ‪ - 2019‬املوافق لـ ‪ 12‬جامدى الثانية ‪ - 1440‬العدد ‪75‬‬

‫اإلسالم والوطن ‪ ...‬كالهما‬
‫في خطر‬
‫محمد الجابلّي‬

‫تونس بلدنا‪ ،‬نكاد ال نعرفها ‪ ،‬بل نكاد ال نعرف أنفسنا‬
‫‪...‬‬
‫«الساكت عن الحق شيطان أخرس» وكرثة منا‪-‬‬
‫لألسف‪ -‬يف ذلك املقام‪ ،‬مقولة االسالم يف خطر رددها‬
‫البعض يف سياقات كثرية لتربير وصاية واغتنام فرص‬
‫من خالل السطو عىل املقدس الجامعي وتوظيفة‬
‫توظيفا فئويا انتهازيا‪ ،‬لكننا نعلنها حقيقة نعايشها‬
‫اليوم حيث نشطت معاول الهدم لتعبث بكل قيمنا‬
‫الجميلة حني يلتقي املال بالجهل يتداعى كل أصيل من حولنا برسعة عجيبة‪.‬‬
‫مل نتفاجأ باإلحصاءات الرسمية التي تعلن قوافل الهجرة امل ُتعاقبة لعرشات اآلالف من‬
‫كفاءاتنا ‪ :‬أطباء ومهندسون وجامعيون يف شتى االختصاصات وأصحاب مهارات كثرية‪ ،‬من‬
‫أولئك الذين تربوا من تربة هذا الوطن وتشبعوا مبائه وتخرجوا من مدارسه ومعاهده‬
‫وكلياته ‪...‬بعضهم مل يجد يف الوطن مكانا بل موطيء قدم يف زحامنا الجديد‪ ،‬زحام تقوده‬
‫فيئة جديدة من ُمهمشني ومرتبصني‪ ،‬وجدوا مسلكا يسريا للوجاهة والكسب بعيدا عن‬
‫العلم واملعرفة وسهر الليل ومشقة االمتحان‪ ،‬فئة لها ثقافة جديدة ومصطلحات ذات‬
‫بريق بألفاظ لها رنني ووقع‪« ،‬الشيخ واألمري والقائد‪...‬والعالمة والفقيه واملجاهد واملقاتل‬
‫واملهاجر‪...‬أبوحمزة وأبو فالن وأبو عالن‪ »...‬تذكرت حديث أيب حيان التوحيدي «عن‬
‫الشطار والعيارين» وعن تلك الثورة التي حصلت يف بغداد وانقلبت معها قيم وأحوال‬
‫كثرية ‪...‬أنهى حديثه بالقول متعجبا «ولله يف خلقه شؤون»‪...‬‬
‫ثروتنا البرشية تتبدّد أمام أعيننا كل يوم من هجرة الكفاءات عرب العقود املغرية إىل‬
‫هجرة السواعد الشابة عرب «الحرقة واملغامرة» ويف املقابل تطالعنا ثقافة أخرى صاعدة‬
‫ومهارات جديدة وأسواق ومدارس‪ ،‬خاليا موازية تنشط يف القاع ولها أموال وتخطيط‬
‫ومنهج وإرصار‪ ،‬ولها دعاية نشطة فال عجب أن ترى دعاية لدورات تدريبية رسيعة‬
‫مدتها ‪-‬أيام ال غري‪ -‬ليحصل الشاب أو الشابة بعدها عىل كفاءة تتيح له موقعا ورزقا‪:‬‬
‫« من تغسيل املوىت إىل طب الحجامة إىل الطب النبوي إىل الرقية الرشعية‪ »...‬خربات‬
‫كنا نعرفها دون تقنني أو تعليم عند بعض كبار القرية أو الحي وهي معلومة بالرضورة‬
‫والتواتر والكفاية ونتعايش معها كثقافة شعبية دون وساطة أو تجارة أو تلقني ماكر‪...‬‬
‫كفاءات تهاجر يستقطبها الغرب‪ ،‬و»كفاءات « بديلة تفرخ عنقوديا داخل األوساط‬
‫الشعبية كخاليا النمل تعلن ثقافة جديدة ومهارات بديلة و»علوما « مدعومة مبال‬
‫ووسطاء وسند رشعي – تدعيه‪ -‬وآخر ترشيعي تفتعله أو تنتزعه‪...‬‬
‫سلطان املال يف مواجهة سلطان العلم واملعرفة‪ ،‬ومن هنا تبدأ صناعة اإلرهاب واستغالل‬
‫املقدس يف تلك الصناعة عرب تحويل وجهة الطاقة البرشية من الحضور إىل الغياب‪،‬‬
‫ومن صلة بالحارض و ُممكنات الفعل فيه إىل وعي مريض باملايض والسعي إىل استدعائه‬
‫واإلقامة فيه‪...‬‬
‫االسالم يف خطر بسبب سطوة الدجالني واملشعوذين‪ ،‬من خالل العبث مبقوماته‪ ،‬حني‬
‫يدخله الوسطاء والسامرسة يف مسالك السوق والتسوق يف الربح التجاري والسيايس‪ ،‬حني‬
‫يُفرغونه من دوافع الحياة والقيم والجامل ويشحنونه بدوافع املوت والفرقة واالختالف‬
‫‪...‬‬
‫واألخطر أن يتبنى البعض التعاليم الوهابية التي نشأت من أحضان ومكر االستخبارات‬
‫الربيطانية بتوجيه من «لورنس العرب» ليجعل منها مسلكا تعليميا وتثقيفيا يُحدث خلال‬
‫أو فريوسا ُمتخلفا يف الطفولة ليصنع مسوخا مستقبلية تناقض الحياة مبمكناتها وتنقض‬
‫اإلسالم بتعاليمه اإلنسانية‪...‬‬
‫وما حدث ‪ -‬كام يقول اشبنغلر‪« -‬يُدرج يف باب السري وليس يف باب الصريورة‪ ،‬إنه يُدرج‬
‫يف باب املتحجر‪...‬وهو ينتمي دون شك إىل املايض حيث تكمن ينابيع رعبنا من العامل»‬
‫عجزنا يف الحارض يجعلنا نرتدي جلباب املايض لنمثل مأساة العرص وملهاته كذلك‪ ،‬لنشوه‬
‫املعاش واملعاد‪ ،‬ولنفسد الدين والدنيا‪ ،‬خلطة الجهل والقداسة من أشد الخلطات تف ُجرا‬
‫وعرقلة ودمارا لذلك ينرشها العمالء وتُفتح من أجلها خزائن األموال امللوثة برائحة‬
‫النفط والدماء‪...‬‬
‫منذ عقود وخرباء االسرتاتيجيات يف مراكز البحث والدراسة يهيئون ملا نحن فيه – عرب‬
‫األيدي القذرة – التي تعيش معنا وتأكل من زادنا من ذلك ما أشار إليه رتشارد ويفر يف‬
‫كتابه األفكار لها نتائج من أن نجاح العوملة مرهون برشوط من أهمها ‪ :‬تفتيت القيم‬
‫أو املعتقدات الجامعية التي تُحقق ائتالف الجامعات لتكون محلّ تنازع وفرقة‪ ،‬ومن‬
‫ذلك إضعاف الحكومات وتقوية العصابات لتكون ذات نفوذ فاعل ورضب املقومات‬
‫واملسارات التقليدية التي تطمنئ لها الجامعات البرشية بقصد إرباكها‪...‬‬
‫ويبدو أن األحداث املخجلة واملتسارعة التي نعايشها تدخل ضمن تلك اآلليات التي‬
‫تعمل عىل تقويض ما كنا نطمنئ إليه نسبيا ونسعى إىل تطويره‪ ،‬وما السكوت الطويل‬
‫عن مأساة التعليم العمومي إال جانب ظاهر منها وما انكشف من «أوكار التعاليم‬
‫الوهابية التكفريية» إال بعض من تلك الهوة السحيقة التي ينفذها العمالء بأيدي الجهلة‬
‫املغرورين باملال والنفوذ ‪...‬‬
‫صمود رجال التعليم أعطى درسا يف املقاومة والوعي بالفخاخ الكثرية ‪ -‬الخفي منها‬
‫والظاهر‪ -‬نحن يف قلب املحنة فلنصنع منها امتحانا يف الوطنية والوعي بالتباسات‬
‫اللحظة ومخاطرها ورضوراتها‪...‬‬
‫فلنتصدّى بطاقاتنا الوطنية الخرية لتحالف انتهازي ُمد ّمر جمع بني تجار‬
‫«ما قبل التخلّف وتجار ما بعد الحداثة»‬

‫جائزة ابن بطوطة ‪ 2019‬ألدب الرحلة‬

‫‪ 6‬فيفري ذكرى الشهيد‬

‫ْ‬
‫مَأسسة اإلرهاب وشرعنة االغتياالت‬
‫اغتيال شكري بلعيد أنموذجاً‬

‫تواصل إحياء روح املغامرة‬

‫أعلن أخريا يف أبوظبي ولندن عن نتائج الدورة السابعة عرشة لـ”جائزة ابن‬
‫بطوطة ألدب الرحلة” للعام ‪ ،2019‬وهي الجائزة التي مينحها “املركز العريب‬
‫لألدب الجغرايف‪-‬ارتياد اآلفاق” ‪ ،‬ويرشف عليها مدير عام املركز الشاعر نوري‬
‫الجراح‪.‬‬
‫وقد تألفت لجنة لتحكيم الجائزة هذا العام من األساتذة خلدون الشمعة‪،‬‬
‫عبدالرحمن بسيسو‪ ،‬وليد عالءالدين‪ ،‬الطائع الحداوي‪ ،‬شعيب حليفي‪.‬‬
‫وفق ما جاء يف بيان “جائزة ابن بطوطة ألدب الرحلة” لدورتها هذا العام فقد‬
‫بلغ عدد املخطوطات املشاركة ‪ 51‬مخطوطة جاءت من ‪ 12‬بلدا عربيا‪ ،‬توزعت‬
‫عىل الرحلة املعارصة‪ ،‬واملخطوطات املحققة‪ ،‬واليوميات‪ ،‬والرحلة املرتجمة‪ .‬وقد‬
‫نُ ِز َع ْت أسام ُء املشاركني من املخطوطات قبل تسليمها ألعضاء لجنة التحكيم‬
‫لدواعي الرسيّة وسالمة األداء‪.‬‬
‫وجرت تصفية أوىل تم مبوجبها استبعاد األعامل التي مل تستجب للرشوط‬
‫العلمية املنصوص عليها بالنسبة إىل التحقيق‪ ،‬والدراسة‪ ،‬أو ما غاب عنه املستوى‬
‫بالنسبة إىل الجائزة التي متنحها الدارة لألعامل املعارصة‪ .‬ويف التصفية الثانية‬
‫بلغ عدد املخطوطات ‪ 21‬مخطوطة‪ ،‬ويف التصفية النهائية‪ ،‬تم إقرار الفائزين‪.‬‬
‫ففي فرع “النصوص الرحلية املحققة” من الجائزة ارتأت اللجنة تتويج ‪:‬كتاب‬
‫السفر إىل إسالمبول‪ ،‬ونشوة املدام يف العودة إىل مدينة‬
‫“نَشْ َوة الشَّ مول يف َّ‬
‫اآللويس (‪ )-1854 1802‬حققها وقدم‬
‫الدين‬
‫شهاب‬
‫محمود‬
‫السالم” أليب الثناء‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫لها هيثم رسحان‪.‬‬
‫وكتاب “أسفار فتح الله الحلبي ‪ ”1830-1842‬حققها وقدم لها أسامة بن‬
‫سليامن الفليّح‪.‬‬
‫وفاز بالجائزة عن فرع “الرحلة املعارصة‪-‬سندباد الجديد” أربعة كتب هي‬
‫“أسفار االستوائية‪ :‬رحالت يف قارة أفريقيا” لعثامن أحمد حسن من السودان‪،‬‬
‫و”مرح اآللهة‪ 40 :‬يوما يف الهند” للمرصي مهدي مبارك‪“ ،‬يف بالد السامبا‪:‬‬
‫يوميات عريب يف الربازيل” مختار سعد شحاته من مرص كذلك‪ ،‬ختاما بكتاب‬
‫“رحلة العودة إىل الجبل‪ :‬يوميات يف ظالل الحرب” للسورية خلود رشف‪.‬‬
‫وفاز بالجائزة عن فرع “اليوميات” الكاتب السوري خريي الذهبي عن كتابه‬
‫“من دمشق إىل حيفا‪ 300 :‬يوم يف األرس اإلرسائييل”‪ .‬أما فرع “الرتجمة” من‬
‫الجائزة ففازت به كتب “وراء الشمس‪ :‬يوميات كاتب أحوازي يف زنازين إيران‬
‫الرسية” ليوسف عزيزي من إيران‪ ،‬وقد ترجمه السعودي عائض محمد آل ربيع‪،‬‬
‫كام نال الجائزة كتاب “فاس‪ :‬الطواف سبعا” للكاتب األملاين شتيفان فايدنر‪،‬‬
‫برتجمة كامريان حوج من سوريا‪.‬‬
‫فيام حجبت هذا العام جائزة الدراسات لعدم كفاءة النصوص املشاركة‪.‬‬

‫محور العدد القادم‬

‫وستصدر األعامل الفائزة عن “دار السويدي” يف سالسل “ارتياد اآلفاق” للرحلة‬
‫املحققة والرحلة املعارصة “سندباد الجديد” والرحلة املرتجمة واليوميات‪،‬‬
‫وذلك بالتعاون مع “املؤسسة العربية للدراسات والنرش” يف بريوت‪ .‬أما الرحلة‬
‫املرتجمة واألعامل املنوه بها من قبل لجنة الجائزة من يوميات ورحالت فتنرش‬
‫بالتعاون مع “دار املتوسط” يف ميالنو‪.‬‬
‫وتوزع الجوائز يف احتفالني متعاقبني يقامان األول يف الدار البيضاء وتستضيفه‬
‫وزارة الثقافة املغربية يف ‪ 10‬فرباير القادم خالل معرض الكتاب‪ ،‬ويقام الثاين يف‬
‫أبوظبي أواخر شهر أبريل خالل معرض أبوظبي للكتاب‪.‬‬
‫إىل جانب املخطوطات الفائزة وتلك التي أوصت اللجنة بطبعها تبنت الجائزة‬
‫نرش عدد من الرحالت املعارصة واليوميات جاءت إما بشكل منفصل عن‬
‫الجائزة‪ ،‬وإما مام اختارته لجنة التحكيم لقيمته االستثنائية‪ ،‬وسيجري اإلعالن‬
‫عن هذه الرحالت الحقا يف بيان منفصل‪ .‬لكن الجائزة عربت هذا العام عن‬
‫استمرارها يف الكشف عن الجديد باب اليوميات والرحلة املعارصة‪ ،‬والكشف‬
‫بالتايل عن يوميات ألقالم عربية مرموقة‪ ،‬مل يسبق لها أن غامرت يف كتابة أدب‬
‫الرحلة وأخرى جديدة‪ .‬لتضيف النصوص الفائزة إىل كوكبة الرحالة املعارصين‬
‫مغامرين جددا‪ ،‬وإىل أدباء هذا اللون األديب املمتع أسامء جديدة‪.‬‬
‫ورأى الشاعر نوري الجراح‪ ،‬املرشف عىل أعامل “املركز العريب لألدب الجغرايف”‬
‫وندوته العلمية وجائزته السنوية‪ ،‬أن املؤلفات الفائزة هذا العام تؤكد مجددا‬
‫عىل تزايد االهتامم بأدب الرحلة من قبل الباحثني واألدباء العرب‪ .‬وإىل جانب‬
‫إقبال الكتاب الجدد عىل كتابة يومياتهم يف السفر نشطت األكادمييا العربية‬
‫يف تقديم دراسات جادة يف هذا اللون األديب املمتع والخطري‪ .‬وهو ما يكشف‬
‫بصورة جلية أوالً عن الدور املتعاظم للجائزة وملرشوع “ارتياد اآلفاق” يف تشجيع‬
‫األدباء والدارسني العرب‪ ،‬وحضهم عىل تطوير البحث والكتابة يف هذا املضامر‪.‬‬
‫مراسلة املغرب ملنارات‬

‫محور العدد القادم ‪:‬‬

‫حقوق المرأة في تونس‬
‫بين النص والواقع‬

‫البريد االلكتروني ‪manaratculturel@gmail.com :‬‬

‫المدير المسؤول‬

‫نورالدين الطبوبي‬

‫‪3‬‬

‫الخميس ‪ 14‬فيفري ‪ - 2019‬املوافق لـ ‪ 12‬جامدى الثانية ‪ - 1440‬العدد ‪75‬‬

‫المدير‬

‫أسرة التحرير‬

‫سامي الطاهري‬

‫ منتصر الحملي ‪ -‬رشيدة الشارني ‪ -‬حسني عبد الرحيم ‪ -‬سعدية بن سالم‬‫إشراف وتنسيق ‪ :‬محمد الجابلي‬
‫اإلخراج الفني ‪ :‬محمد كريم السعدي‬
‫السحب ‪ :‬مطبعة دار األنوار ‪ -‬الرشقية ‪ -‬تونس‬

‫املقر ‪ 41 :‬شارع عيل درغوث ‪ -‬تونس ‪ - 1001‬الهاتف ‪ / 71 330 291 - 71 255 020 :‬الفاكس ‪- 71 355 139 :‬‬
‫العنوان االلكرتوين ‪ - manaratculturel@gmail.com :‬الحساب الجاري بالربيد ‪300 - 51 :‬‬

‫العريب بن ثاير*‬

‫الشّ امل) تكفي لفهم الفكر التّوتاليتاري الذي يدعو إليه‪.‬‬

‫ريقت ِدمائـــــــــــــي *** فَ ِد َما ُء‬
‫ال أبايل وإ ْن أُ ْ‬
‫ال ُعشَّ اق َد ْوماً ُم َبا َح ْه‬
‫ِ‬
‫ضَ يَّ َع ال َّد ْه ُر َم ْج َد شَ ْعبِي َولك ْن*** َس َ ُت ُّد ال َحيَاة ُ يَوماً‬
‫وِشَ ا َح ْه‬
‫الشاعر الخالد أبو القاسم الشايب‬

‫اغتيال اليساريّين في العالم العربي‬
‫خاصة يف البالد العرب ّية‪ ،‬كأنّ ا‬
‫منذ ظهور التّيار التّقدمي عا ّمة واليسار ّي ّ‬
‫السيايس وال ّديني إليه‪ ،‬وتع ّددت عمليات‬
‫تو ّجهت أنظار محرتيف االغتيال ّ‬
‫اغتيال شخص ّياته وزعامئه ورموزه؛ لدوا ِع يضيق عنها املقام‪ .‬ولذلك فإ ّن‬
‫اغتيال شهيد تونس الح ّرة‪ ،‬ال ّزعيم التّقدمي الكبري شكري بلعيد‪ ،‬يُحيي يف‬
‫ياسيي واملفكّرين والف ّنانني‬
‫األذهان ذاكرة مؤملة لسلسلة من اغتياالت ّ‬
‫الس ّ‬
‫وغسان كنفاين مهدي عامل‬
‫اليساريي أمثال كامل جمبالط وحسني مر ّوة ّ‬
‫ّ‬
‫وناجي الع ّيل وبوعيل مصطفى – وإن كان بعضها بأيا ٍد صهيون ّية ‪ -‬التي‬
‫كانت سمة بارزة من سامت العقود املاضية يف املنطقة العربيّة‪ ،‬الذين‬
‫تحلّوا جميعهم بخصال متشابهة‪ :‬ق ّوة الشّ خص ّية ‪ -‬ح ّدة الذّكاء الوقّاد‪-‬‬
‫الكاريزما والتّأثري – القدرة عىل العمل والحركة املتواصلني‪ -‬العطاء بال‬
‫حساب‪ -‬مالزمة الحالة الثوريّة والتّعفف عن حالة التّربجز الفكر ّي أو‬
‫ّوريي‪ -‬القدرة عىل تغيري ال‬
‫العم ّيل التي قد تصيب ّ‬
‫السيايس واملثقف الث ّ‬
‫الحس الجامهريي سواء بالتّنظري أو بالخطابة‬
‫القاعدة الحزب ّية فقط بل ّ‬
‫اليي‬
‫أو بالفعل التّواصيل ال ّنافذ ّ‬
‫والسليم ال ّرابط لليسار مع اآلخرين اللّيرب ّ‬
‫والوسطيي من خالل املامرسة – التّفاين من أجل الحزب والفكر‪ ،‬جنبا‬
‫ّ‬
‫صف القضايا‬
‫إىل جنب مع التّفاين يف خدمة الوطن‪ ،‬ومع الوقوف إىل ّ‬
‫الوطن ّية واالجتامع ّية والحقوق ّية العادلة عرب العامل – التّواضع مع يشء‬
‫والصادقة– القدرة عىل‬
‫من االعتداد بالنفس‪ -‬املواجهة بالكلمة الح ّرة ّ‬
‫التّفكري والتّنظري والتّنظيم –القدرة عىل التّأقلم برسعة مع معطيات الواقع‬
‫– استيعاب ال ّدروس – رسعة تحويل الفشل إىل نجاح– اإلسهام يف تشكيل‬
‫السياسويّة‪...‬إلخ‪ .‬لقد‬
‫السياسة الذي ينبذ ّ‬
‫صورة جديدة ومختلفة عن رجل ّ‬
‫نجح شكري بلعيد بالخروج بالخطاب السيايس عن نسقية األدلجة الجافة‬
‫واملسقطة واملمجوجة أحيانا و الشعاراتية الجوفاء وتخشب اللغة ويف حني‬
‫أراد السالميون إغراق الشعب يف الهوس الهووي اشتغل عىل هو عىل ظفر‬
‫جديلة تؤلف بني البعد الحضاري للمنجز اإلسالمي عرب تاريخنا واملعرفية‬
‫اإلنسانية العامة فقدم للتونسيني بلغة قريبة من لغتهم صورا ً مرشقة عن‬
‫ذاتهم الوطنية والحضارية تنساب يف مسارب واقعهم املعيش فساعدهم‬
‫عىل إدراك املفاهيم الفكرية الغامضة لليسار عامة بربطها بحياتهم اليومية‬
‫بحلوها وم ّرها‪ ،‬بأسلوب ساحر؛ فإذا هم كأنهم يكتشفونها بأنفسهم‬
‫اكتشافاً فيتبنونها وكأنهم هم من يبدعونها وينشئونها إنشا ًء‪.‬‬
‫لقد أراد اإلسالم السيايس‪ ،‬باغتيال الشّ هيد شكري بلعيد‪ ،‬أن يصيبوا اليسار‬
‫التونيس والعر ّيب يف مقتل؛ ألنّهم يريدون اغتيال إرادة حضاريّة دميقراطيّة‬
‫ّ‬
‫السلم ّية وتجلّت يف أثنائها وبدأت‬
‫ة‬
‫ي‬
‫ونس‬
‫ت‬
‫ال‬
‫ّورة‬
‫ث‬
‫ال‬
‫قبل‬
‫نشأت‬
‫ة‬
‫تق ّدم ّي‬
‫ّ‬
‫ّ ّ‬
‫السلم والتّسامح والتّقارب والعيش‬
‫تتج ّذ ُر بعدها‪ ،‬وهي إرادة تؤمن بقيم ّ‬
‫الصادقة القامئة عىل املواطنة‬
‫ة‬
‫معا‪ ،‬وتعمل عىل إعادة االعتبار للوطن ّي ّ‬
‫السلمي الجديد والعظيم‬
‫ّ‬
‫الصحيحة‪ ،‬إنّهم يسعون إىل إجهاض ال ّدفق ّ‬
‫لليسار الشّ عبي ال يف تونس فقط بل يف العامل‪ ...‬ولكن صنيعهم س ُيسهم‬
‫السلبيّة املشبّعة –خطأ ‪ -‬بالعنف‬
‫يف زوال غشاوات عديدة منها ّ‬
‫الصورة ّ‬
‫واالغرتاب والفئويّة الشّ ائعة عن اليسار يف مخيال ال ّناس بفعل التّوجيه‬
‫السيايس والقوى ال ّدينيّة واالجتامعيّة املحافظة عامة‪.‬‬
‫اإليديولوجي لإلسالم ّ‬
‫ّ‬
‫وتونس عرب شهيدها اليسار ّي العظيم شكري بلعيد تُدخل اليسار العريب‬
‫مواطني‬
‫والعامل الثّالث إىل نسغ اليسار يف العامل ما بعد حائط برلني بفكر‬
‫ّ‬
‫اطي يؤمن باالختالف قوال وفعال وتنظيام‪ ،‬ولهذا فإ ّن روح شكري‬
‫دميقر ّ‬
‫بلعيد العظيم الكريم سوف تسامح حتّى أولئك الذين اتّهموه يف رشفه‬
‫الوطني وحتى أولئك الذين اتّهموه بالكفر برشط واحد أن يثوبوا إىل‬
‫وطنيّتهم ويؤمنوا بوطنهم وشعبهم‪.‬‬

‫مقدمة‬
‫عىل خالف املجرمني الذين يقتلون لصالحهم‬
‫الشّ خيص أو العشائري فيام يتعلّق مبصالح اقتصاديّة‬
‫يايس‪ ،‬هناك مجرمون قتلة‬
‫أو اجتامع ّية غري متّصلة بالشّ أنني ال ّديني ّ‬
‫والس ّ‬
‫السيايس‪ ،‬هؤالء يُدرِجون الله واأل ّمة يف حساباتهم‬
‫ّ‬
‫مختصصون يف االغتيال ّ‬
‫يايس؛ أل ّن هناك َمن ينظّر لهم للعنف واإلقصاء‪ ،‬ومن‬
‫والس‬
‫يني‬
‫د‬
‫ال‬
‫باملعنيني‬
‫ّ‬
‫ّ ّ‬
‫الصورة أو تلك‬
‫يؤسس لنسق القتل‪ ،‬وأل ّن هناك من يدافع عنهم بهذه ّ‬
‫ّ‬
‫بالصمت‪ .‬إنّهم يتق ّربون إىل الله بالقتل‪ ،‬وإ ّن ذلك من صميم العبادة‬
‫حتى‬
‫ّ‬
‫عندهم‪ ،‬ويف قلب إيديولوجيّة االستخالف يف األرض التي يحملون‪ .‬وهناك‬
‫سب شكري بلعيد واعتدوا‬
‫أيضا خ ّدام صاغرون للقتلة؛ فالذين أوغلوا يف ّ‬
‫الوطني واتّهموه بأنّه بوليس سيايس‪ ،‬مربمجون إيديولوجيّا ال‬
‫عىل رشفه‬
‫ّ‬
‫يعريون معه اهتامما لآلية‪َ ﴿ :‬م ْن قَتَلَ نَف ًْسا ِبغ ْ َِي نَف ٍْس أَ ْو ف ََسا ٍد ِف الْ َ ْر ِض‬
‫اس َج ِمي ًعا﴾‪ ،‬لذلك بلغ األمر بهم أن أباحوا دمه عل ًنا يف‬
‫فَ َكأَنَّ َا قَتَلَ ال َّن َ‬
‫الصالة عليه بعد مقتله‪ ،‬مشحونون باملق ّدس‬
‫املساجد‪ ،‬ث ّم أعلنوا ُحرمة ّ‬
‫الخاصة القامئة عىل التّأويل املغالط‪ ،‬واالقتباس املو ّجه‬
‫عىل طريقتهم‬
‫ّ‬
‫توتاليتاريّا للنصوص‪ ،‬واالغتيال اللّفظي وال ّرمز ّي والفع ّيل‪ .‬هؤالء يستحيل‬
‫السيايس‬
‫عليهم – إيديولوجيّا ‪ -‬أن يتمكّنوا من استشفاف صورة ال ّرجل‬
‫ّ‬
‫الصورة الجديدة التي ينحتها رجال من تونس الح ّرة كان‬
‫املد ّين ال ّنظيف‪ّ ،‬‬
‫من أه ّمهم الشّ هيد شكري بلعيد‪ .‬إنّه عمى البصرية وصمم العقل ال ّدغام ّيئ‬
‫السيايس»‪.‬‬
‫املطلق‪ .‬وهذا ما ميكن أن نطلق عليه مصطلح « مأسسة االغتيال‬
‫ّ‬
‫مأسسة االغتيال السياسيّ في العصر الحديث‪:‬‬
‫السنة‬
‫السنية غالبا‪ ،‬إذ أن أهل ُّ‬
‫لنئ ارتبط االغتيال –تاريخيّا‪ -‬بالفرق غري ُّ‬
‫السنة‬
‫أهل‬
‫يف‬
‫يظهر‬
‫أن‬
‫الغريب‬
‫يُفتون ب ُحرمة االغتيال عادة‪ ،‬فليس من‬
‫ُّ‬
‫رشع ألخطر أنواع التّكفري وأوسعها انتشارا يف التّاريخ العريب ومم ّه ٌد‬
‫فكر م ّ‬
‫السيايس «‬
‫اإلسالم‬
‫س‬
‫مؤس‬
‫نذكر‬
‫املعارصة‬
‫ات‬
‫ري‬
‫نظ‬
‫ت‬
‫ال‬
‫فمن‬
‫االغتيال؛‬
‫لفكر‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫سيّد قطب » ( ‪ 9‬أكتوبر ‪1906‬م ‪ 29 -‬أوت‪ /‬أغسطس ‪1966‬م) الذي هو‬
‫مؤسيس اإلسالم التّكفري ّي املعارص‪ .‬لقد قال عنه‬
‫ يف الوقت نفسه ‪ -‬رأس ّ‬‫ال ّزعيم الحايل للقاعدة «أمين الظواهري « يف صحيفة «الرشق األوسط»‪،‬‬
‫عدد ‪ 8407-‬يف ‪19/9/1422‬هـ‪ « :‬إ ّن س ّيد قطب هو الذي وضع دستور‬
‫«الجهاديي « يف كتابه ال ّديناميت «معامل يف الطريق»‪ ،‬وإ ّن سيّد هو مصدر‬
‫ّ‬
‫اإلحياء األصو ّيل‪ ،‬وإ ّن كتابه «العدالة االجتامع ّية يف اإلسالم» يع ّد أه ّم إنتاج‬
‫عق ّيل وفكر ّي للتيّارات األصوليّة‪ ،‬وإ ّن فكره كان رشارة البدء يف إشعال‬
‫الثّورة اإلسالم ّية ض ّد أعداء اإلسالم يف ال ّداخل والخارج‪ ،‬والتي ما زالت‬
‫فصولها الداميّة تتج ّدد يوماً بعد يوم»‪ .‬وفيام يأيت ثالث سياقات فلنتأ ّملها‪:‬‬
‫يقول « س ّيد قطب » يف تفسريه «يف ظالل القرآن» ‪ « :‬لقد استدار ال ّزمان‬
‫كهيئة يوم جاء هذا ال ِّدين إىل البرشيّة بـ «ال إله إال الله»؛ فقد ارت ّدت‬
‫البرشيّة إىل عبادة ال ِعباد» (‪ .)2/1057‬فام عالقة هذا بالفكر الذي مبج ّرد‬
‫قول « ال إل َه إالّ الله » يدخل املرء يف عداد املؤمنني؟ ويكفي أ ْن نالح َظ أ ّن‬
‫سيد قطب مل يست ِنث أحدا ً من هذه ال ّر ّدة الجامع ّية‪.‬‬
‫ويقول أيضا‪« :‬إنّه ليس عىل وجه األرض اليوم دولة مسلمة وال مجتمع‬
‫اإلسالمي» (‪.)4/2122‬‬
‫مسلم قاعدة التّعامل فيه هي رشيعة الله والفقه‬
‫ّ‬
‫ونالحظ أنّه ج َم َع ال ّدولة واملجتمع‪ ،‬ومل يحرص األمر يف الحكم أو يف نخب‬
‫مع ّينة‪.‬‬
‫مم أسلفنا آنفا أ ّن غاية الجهاد يف اإلسالم‬
‫ويقول أيضا‪ « :‬لعلَّك تبيّنت ّ‬
‫مم يريده اإلسالم ويضعه‬
‫بل‬
‫(‪)...‬‬
‫ملبادئه‬
‫هي هدم بنيان ال ّنظم املناقضة‬
‫ّ‬
‫نصب عينيه‪ ،‬أ ْن يحدث هذا االنقالب الشّ امل يف جميع أنحاء املعمورة »‬
‫(‪ .)3/1451‬ونالحظ أ ّن الكلامت املستخدمة (هدم بنيان ال ّنظم ‪ -‬االنقالب‬

‫االغتيال مدخ ًال الغتصاب الحكم وبوابّة لقوى الهيمنة‬
‫يف حني يسعى ال ّدميقراط ّيون إىل وحدة وطن ّية يف إطار التّسامح ونبذ‬
‫العنف وهي آخر ال ّدعوات التي رفع لؤاءها الشّ هيد شكري بلعيد حني دعا‬
‫السياس ّية‬
‫مؤ ّخرا إىل تنظيم مؤمتر وطني ض ّد العنف يض ّم جميع الفعال ّيات ّ‬
‫والجمعياتيّة يف الحكم واملعارضة‪ ...‬يقرأ األصوليّون اإلسالميون ‪-‬إيديولوجيّا‬
‫السيايس التّونيس وحتّى قطاعات كبرية من املجتمع املدين يف‬
‫‪ -‬املجتمع ّ‬

‫ضوء إسقاط اآلية اآلتية‪﴿ :‬وأع ّدوا لهم ما استطعتم من ق ّوة ومن رباط‬
‫الخيل ترهبون به عد ّو الله وعدوكم وآخرين من دونهم ال تعلمونهم الله‬
‫يعلمهم وما تنفقوا من يشء يف سبيل الله َّ‬
‫يوف إليكم وأنتم ال تظلمون﴾‬
‫السياس ّية‬
‫ّبقة‬
‫ط‬
‫ال‬
‫يعتربون‬
‫بل‬
‫ألنّهم ال يعتربون املجتمع التونيس متجانسا‬
‫ّ‬
‫واملدن ّية الحداث ّية ربيبة «للكفّار» حسب توصيفهم‪ ،‬الذين ال يستنكفون‬
‫– ويا املفارقة! ‪ -‬من العيش بني ظهرانيهم يف الغرب‪ ،‬والتّمتع بعلامن ّيتهم‬
‫الجزئ ّية أو الكلّية ودميقراط ّيتهم الكافرة أو املؤمنة‪ .‬األصول ّيون اإلسالم ّيون‬
‫التونيس زائغ‪ ،‬وأن نخبته «تش ّن» حربا عليهم‪،‬‬
‫يتو ّهمون أ ّن املجتمع‬
‫ّ‬
‫السياس ّية بق ّوة‬
‫السيايس‪ .‬فأ ّي فرض للذّات ّ‬
‫وأ ّن «عالجها» هو االغتيال ّ‬
‫اإلكراه‪ ،‬بق ّوة اإلسكات‪ ،‬بق ّوة اإلخامد‪ ،‬بق ّوة ال ّرعب واإلرهاب هذا؟ هؤالء‬
‫الشع ّية فقط بل املرشوع ّية كفكر ومنهج‬
‫األصول ّيون شعروا أنّهم مل يُفقدوا ّ‬
‫وسلوك لدى أغلب ّية الشّ عب‪ ،‬ولذلك خَلقوا الظّروف الكاملة لالغتيال‬
‫التونيس يف املدن الكربى ومدن ال ّداخل وقراها يفرض‬
‫السيايس‪ .‬فالشّ عب‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫يوماً إثْر يوم إزاحة سلم ّية وتلقائ ّية ‪ -‬كأنّها منهج ّية‪ -‬لإلسالم ّيني من حياته‪.‬‬
‫ولكن ما مل ترتق ال ّنخبة ال ّدميقراط ّية إىل مستوى الحدث فإ ّن األصول ّيني‬
‫ننس أ ّن أوروبا لن‬
‫قد يغتالون طعم الحياة الكرمية من شفاه أبنائه‪ ،‬وال َ‬
‫تقبل وجود َم ْف َرخَة لإلرهاب عىل بُعد أميال منها‪ ،‬ولذلك يُخىش أن ت َُرس َم‬
‫مشاري ُع الهيمنة عىل البالد تحت تعلّة اإلنقاذ (كام حدث يف ال ّنموذج‬
‫الشع ّية عىل ذلك متح ّججاً بالوجود‬
‫األفغاين واملايل)‪ ،‬وس ُيضفي‬
‫الغرب ّ‬
‫ُ‬
‫اإلرها ّيب الكار ّيث وطابعه العابر للحدود يف ظلّ تفكّك ال ّدولة‪.‬‬
‫خاتمة‬
‫سيايس كبري إىل زعيم‬
‫االغتيال ح ّول الشّ هيد شكري بلعيد من رجل‬
‫ّ‬
‫عاملي للكرامة والحريّة والقيم اإلنسان ّية التّق ّدم ّية والعدالة‬
‫وطني ورمز ّ‬
‫ّ‬
‫االجتامع ّية‪ ...‬ولك ّن اإلرهاب ال يريد االعرتاف بفشله أمام هذه القيم‪،‬‬
‫ويسلك كال ّنعامة مع الحقيقة‪ ،‬ورغم ذلك ليس من العسري أن نالحظ‬
‫بحب‬
‫ونيس ب تتمثّل يف التّ ّ‬
‫مسك ّ‬
‫أن روحا جديدة تَرسي يف الشّ عب التّ ّ‬
‫سينفض عن األصول ّيني كل الذين يراوغونهم‬
‫الحياة الح ّرة الكرمية‪ ،‬ولذلك‬
‫ّ‬
‫وحتى الضّ عاف منهم الذين يشرتونه بال ّرشوة أو ميارسون‬
‫ويبت ّزونهم‪،‬‬
‫ّ‬
‫التهيب والتّبكيت والقهر سينتفضون عليهم‪.‬‬
‫عليهم ّ‬
‫حب الله وطاعته شك ًرا ستهزم «ثقافة» عبادته خوفاً ألنّها عبادة‬
‫إ ّن ثقافة ّ‬
‫ونيس بثورته هفا‬
‫ت‬
‫ال‬
‫عب‬
‫الشّ‬
‫ن‬
‫إ‬
‫‪...‬‬
‫ار‬
‫ج‬
‫ت‬
‫ال‬
‫عبادة‬
‫ّها‬
‫ن‬
‫أل‬
‫طمعا‬
‫وعبادته‬
‫العبيد‪،‬‬
‫ّ‬
‫ّّ‬
‫ّ ّ‬
‫إىل الحريّة‪ .‬وباحتضانه لشهيده ال ّرمز يف جنازة مهيبة‪ ،‬سيعيد االعتبار لقيم‬
‫اإلسالم الحضاري التّقدمي الذي تب ّناه شكري بلعيد‪ .‬وعرب مفكّريه وف ّنانيه‬
‫بحب الف ّن الذي يكرهونه‪،‬‬
‫ونخبته الوطن ّية الحقيق ّية‪ ،‬سيحارص املتطرفني ّ‬
‫وسيجابههم بال ّدفاع عن الفكر التّق ّدمي الذي يحاربونه ‪...‬‬
‫ولنئ بات األصول ّيون‪ ،‬مدعومون بقوى محلية وإقليمية ودولية‪ ،‬يستثمرون‬
‫يف املقدس بدنس وقتل وترهيب وكل أشكال السيطرة عىل الحياة الشعب‬
‫التونيس العامة والخاصة ومحارصتها‪...‬إلخ‪ ،‬فإ ّن العقل واملنطق والتاريخ‬
‫السنني متب ّنيا أشكاال من التّسامح‬
‫ير ّجح أن هذا الشعب ‪ -‬الذي عاش آالف ّ‬
‫وأحيانا حتى من املح ّبة والتعاطف يف مجال املق ّدس؛ حتى أنسنه وصار‬
‫معيشاً – هذا الشعب سيلفظ املتط ّرفني؛ ألنّه أدرك أنّهم دخالء عليه‪،‬‬
‫تسلّلوا إليه واستغلّوا الطّاقة التّسامح ّية لديه‪.‬‬
‫وأخريا ً‪ ،‬ميكن القول إن الشعب التونيس مازال مينح فرصة زمنية‪ ،‬ال يعرف‬
‫الوطني‬
‫يثوب إىل رشده‬
‫مداها إال منطق التاريخ الخفي‪ ،‬ملن يريد منهم أن َ‬
‫ّ‬
‫وينخرط يف الحياة ال ّدميقراط ّية الحقّة‪ .‬أما من آثر منهم أن يتمرتس يف‬

‫‪4‬‬

‫الخميس ‪ 14‬فيفري ‪ - 2019‬املوافق لـ ‪ 12‬جامدى الثانية ‪ - 1440‬العدد ‪75‬‬

‫أيّ مستقبل للبشريّة يف ظ ّل األزمة اإليطيقيّة ّ‬
‫الثقافيّة الرّاهنة؟* ‬

‫إدغار موران‬

‫ترجمة املنترص الحميل‬
‫إ ّن األزمة االقتصاديّة ال ّراهنة‪ ،‬حسب رأيي‪ ،‬هي عنرص‬
‫من أزمة متع ّددة الوجوه‪ :‬فهي أزم ُة حضارة وأزم ُة مجتمع‬
‫وأزم ُة كوكب وأزم ُة برشيّ ٍة عاجزة عن الوصول إىل مرتبة‬
‫اإلنسان ّية‪ .‬وهذا ما يدفعنا للتّفكري يف املستقبل بطريقة‬
‫الصدد‪ ،‬ألندريه لوبو‪André Lebeau‬‬
‫مختلفة‪ .‬ويف هذا ّ‬
‫تعبري يف غاية الجامل‪« :‬إ ّن ال ّرغبة يف الحفاظ عىل املسار‬
‫الحا ّيل لألمور إىل أن يفوت األوان هي أكرب تهديد تُع ِّرض‬
‫نفسها له‪…».‬‬
‫البرشيّة َ‬
‫الكوارث المتالحقة الّتي ال رجوع فيها‬
‫ينبغي أن نتص ّور نوعني من التّح ّوالت‪ ،‬أحدهام قد بدأ فعال‪ ،‬مفعام‬
‫وتقني‪ ،‬وواعد بالتّأكيد‪ ،‬ولك ّن وعوده‬
‫بالخطر‪ ،‬وهو‬
‫بيولوجي ومعلوما ّيت ّ‬
‫ّ‬
‫اإليتيقي والثّقا ّيف‬
‫ال ميكن أن تتحقّق إالّ إذا اقرتن هذا التّح ّول بالتّح ّول‬
‫ّ‬
‫عاملي‪.1‬‬
‫نطاق‬
‫واالجتامعي الّذي تح ّركه نزعة إنسان ّية متج ّددة عىل‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫يشار إىل هذا التّح ّول األ ّول باسم ال َع ْب برشيّة ‪.transhumanité‬‬
‫وإيديولوجيته هي العرب إنسان ّية ‪ transhumanisme‬الّتي نشأت يف‬
‫الواليات املتّحدة وتنترش اليوم يف جميع القا ّرات‪ .‬إ ّن العرب إنسانيّة هي‬
‫قني‬
‫تن ّبؤ مبستقبل الجنس البرش ّي اعتامدا عىل مسار التّق ّدم‬
‫العلمي والتّ ّ‬
‫ّ‬
‫الحا ّيل‪ ،‬ال سيام يف العلوم التّكنولوجيّة‪ :‬أي يف كلّ ما هو بيوتكنولوجي‬
‫الصغر ‪ ،nano-thechnologique‬ويف اإلعالم ّية ويف‬
‫وتكنولوجي متناهي ّ‬
‫الجزء الّذي يهت ّم يف العلوم املعرفيّة مبعرفة ال ّدماغ بدقّة متزايدة‪ .‬سيكون‬
‫مم للبرشيّة الحال ّية‪ .‬لن يكون‬
‫للبرشيّة املستقبل ّية قدرات أكرب بكثري ّ‬
‫هو اإلنسان األرقى الّذي ذكره نيتشه وإنّ ا املقصود بذلك هي برشيّة‬
‫لديها قدرات أعىل ميكن تسميتها مبا بعد البرشيّة ‪ posthumanité‬أو‬
‫بامليتابرشيّة ‪ .métahumanité‬ين ّدد البعض مبا بعد البرشيّة باعتبارها‬
‫إيديولوجيا‪ ،‬باعتبارها وهام‪ ،‬يف حني أنّها إمكان ّية ملموسة‪ .‬الوهم هو‬
‫خاصة‬
‫االعتقاد بأ ّن هذه اإلمكانيّة ستضمن خالص البرشيّة يف املستقبل‪ّ ،‬‬
‫من خالل اكتساب الخلود‪.‬‬
‫حلم الخلود‬
‫إ ّن ما يبدو ممكنا عىل املدى القريب هو إطالة الحياة يف ص ّحة جيّدة‪،‬‬
‫وحتّى يف تج ّدد دائم‪ ،‬إىل أمد غري محدود‪ .‬وإ ّن ما يسمح بافرتاض ذلك‬
‫هي مجموعة من التّط ّورات يف املعارف والتّقنيات البيولوجيّة‪ ،‬بدءا‬
‫من االكتشاف الحديث للخاليا الجذع ّية يف ال ّنخاع الشّ ويكّ أو يف ال ّدماغ‬
‫أو كذلك يف األنسجة‪ .‬فهذه الخاليا الجذعيّة قادرة عىل إصالح جميع‬
‫األعضاء‪ :‬فقد سمحت بالفعل بتجديد قلوب فرئان‪ ،‬وعاجال أو آجال ستُن َج ُز‬
‫خاصة باإلنسان‪.‬‬
‫تطبيقات ّ‬
‫ويُضاف إىل ذلك صناعة األعضاء‪ .‬مل مي ّر وقت طويل عىل وفاة أ ّول رجل‬
‫اصطناعي‪ ،‬ولك ّنها كانت أ ّول تجربة أيضا ويُعتَ َق ُد أن القلب‬
‫مج ّهز بقلب‬
‫ّ‬
‫االصطناعي وال ّرئة االصطناع ّية والكلية االصطناع ّية ميكن أن تكون بديال‬
‫ّ‬
‫لألعضاء الطّبيعيّة املصابة بالقصور‪.‬‬
‫وال ننىس إمكان ّية إطالة التّيلومريات ‪ ،les télomères‬أي تلك األطراف‬
‫الس ّن‪ ،‬عن طريق‬
‫من الكروموزومات الّتي تزداد قرصا مع التّق ّدم يف ّ‬
‫التّدخّالت البيولوج ّية‪-‬الجين ّية‪ .‬وستؤ ّدي هذه التّدخّالت إىل تعديالت‬
‫وراثيّة يف أجسامنا‪ ،‬ولك ّنها ال تزال قفزة يف املجهول‪ ،‬كام هو شأن التّدخّالت‬
‫الهرمون ّية عىل ال ّدماغ الّتي من بإمكانها أن تط ّور من أداء قدرات مع ّينة‬
‫أو أن تعيقها‪.‬‬
‫إ ّن هذه االمكانيات املختلفة تحيي األمل يف الخلود من جديد‪ ،‬وهي‬
‫كلمة يساء استخ َدامها‪ ،‬أل ّن البرش لن يصبحوا أبدا آلهة‪ .‬فمن خالل‬
‫عمليات تجديد الشّ باب تلك ميكن خلق برش مح َّررين من املو ت �‪dé‬‬
‫‪ mortalisés‬ولك ّنهم ليسوا مبُخلَّدين ‪ .immortalisés‬فلن يتوقّف املوت‬
‫أبدا عن تهديد املح ّررين من املوت‪ .‬ليس لدينا‪ ،‬ولن تكون لدينا القدرة‬
‫عىل القضاء عىل البكترييا والفريوسات الّتي تهاجمنا‪ .‬لن نستطيع استبعاد‬
‫مخاطر وقوع حوادث وهجامت وتفجريات يف مجتمع ينطوي عىل مخاطر‬
‫السياسيّة‬
‫تكنولوجيّة متزايدة‪ ،‬ولن نتمكّن من القضاء عىل كلّ املخاطر ّ‬
‫ومنها خطر الجنون املميت‪ .‬لن نكون قادرين عىل استبعاد املخاطر‬
‫القاتلة الّتي تحملها الطّاقة ال ّنوويّة‪...‬‬
‫‪ 1‬‬

‫لن يت ّم القضاء عىل البكترييا والفريوسات‪ :‬فالفريوسات قادرة عىل‬
‫التّح ّور وستظلّ كذلك‪ ،‬والبكترييا قادرة عىل تحصني نفسها مبثيالتها من‬
‫خالل االشرتاك يف جزيئات الحامض ال ّنوو ّي‪ ،‬وسوف تجد حيال وخدعا‬
‫لالستمرار يف هزم تق ّدم الط ّّب‪ .‬ومن امله ّم أن نالحظ أنّه يف ستّينات القرن‬
‫املايض كان معظم األط ّباء وعلامء األحياء يعتقدون أنّه قد ت ّم القضاء‬
‫عىل البكترييا بفضل املضا ّدات الحيويّة وأنّه سيت ّم رسيعا إيجاد الوسائل‬
‫الكفيلة بالقضاء عىل الفريوسات‪.‬‬
‫إ ّن ظهور فريوس نقص املناعة البرشيّة وغريه من الفريوسات املتح ّورة‬
‫يتغي دامئا بشكل غري متوقّع إن مل يكن يف كلّ‬
‫مثل فريوس األنفلونزا الّذي ّ‬
‫سنة‪ ،‬قد ب ّدد هذه الفكرة‪ .‬أ ّما فريوس أنفلونزا الطّيور وفريوسات كورونا‬
‫غيت هي أيضا كلّ يشء‪ .‬وكذلك‬
‫‪ les coronavirus‬وفريوس اإليبوال فقد ّ‬
‫عودة البكترييا املقاومة للمضا ّدات الحيويّة‪ ،‬مثل البكترييا املسبّبة لل ّدرن‬
‫خاصة‬
‫ال ّرئو ّي‪ . le bacille de koch‬فالبكترييا ال تتواصل من خالل لغة ّ‬
‫بها وحسب ولك ّنها قادرة أيضا عىل أن تتو ّحد‪ .‬وقد افرتض علامء األحياء أ ّن‬
‫العدد الهائل من البكترييا الّتي تشكّل العامل البكتري ّي ميثّل عضوا مكتمال‬
‫‪ superorganisme‬يف الهواء وعىل األرض وتحتها ويف املياه‪ ،‬وأ ّن هذا‬
‫العضو قد يكون متحكّام فينا دون أن ندري‪.‬‬
‫سيظلّ الوجود البرش ّي وجودا هشّ ا‪ .‬واأله ّم من ذلك أنّه محكوم عليه‪،‬‬
‫عاجال أم آجال‪ ،‬باملبدأ الثّاين يف ال ّديناميكا الحراريّة أال وهو التّحلّل‪ .‬وأل ّن‬
‫هذا املبدأ الثّاين حامل للموت فقد تَ َّم إنشا ُء معهد يف الواليات املتّحدة‬
‫بن ّية إزالة األنرتوبيا ‪ l’entropie‬الّتي تتس ّبب يف التّفكّك والتب ّدد‪ .‬ومع ذلك‪،‬‬
‫لن نقيض أبدا عىل العديد من املخاطر املميتة بل سأجرؤ عىل القول إ ّن‬
‫الذّعر من املوت سيكون أكرب بال ّ‬
‫شك‪ .‬فنحن نعل ُم أنّنا هالكون‪ ،‬أنّنا لن‬
‫ننجو من املوت‪ ،‬ولكن حني نفكّر بأ ّن املوت‪ ،‬املؤ ّجل إىل أمد غري مس ّمى‪،‬‬
‫ميكن أن يظلّ مه ّددا لوجودنا فإ ّن حياتنا ستكون هكذا أليمة للغاية‪.‬‬
‫وهذا من شأنه أن يؤ ّدي إىل مشاكل اجتامعيّة ومشاكل دميغرافيّة‪ :‬إذ‬
‫سيتعي عىل نطاق واسع التّوقّف عن التّكاثر لئالّ يت ّم إثقال األرض مبواليد‬
‫ّ‬
‫جدد‪ ،‬وسيكون ذلك نهجا محافظا بشكل رهيب من شأنه أن يحول دون‬
‫ظهور إبداعات قد يأيت بها املولود الجديد‪ .‬وسيكون أيضا سببا يف تزايد‬
‫الفوارق بدءا بظهور نوع جديد من التّفاوت بني املح ّررين من املوت‬
‫والفانني‪ ،‬مبا من شأنه أن يع ّمق الفوارق بني األقوياء واألغنياء املح ّررين‬
‫من املوت من جهة و»عا ّمة البرش» من جهة أخرى‪.‬‬
‫إنّنا نعاين فعل ّيا ظاهرة االتّجار باألعضاء هذه ‪ -‬إذ تُشرتى كِ َل من بؤسا َء‬
‫والصني وبلدان أخرى آسيويّة بأسعار زهيدة‪ ،‬ليت ّم بيعها بأسعار‬
‫يف الهند ّ‬
‫باهظة إىل غربيني أثرياء‪ .‬ما ميكن أن يحدث هو ما حدث رمزيّا يف العامل‬
‫الفرعو ّين ملرص القدمية‪ ،‬حيث كان فرعون وال ّنبالء يتمتّعون بالخلود وهم‬
‫مح ّنطون يف مقابر مريحة‪ ،‬بينام كان رعاياهم محكوما عليهم بالفناء‪ّ .‬ربا‬
‫سيكون هناك رصاع طبقات جديد بني املح ّررين من املوت والفانني الّذين‬
‫سيطالبون بنصيبهم من الخلود‪ .‬وعالوة عىل ذلك‪ ،‬قد يزيد تحرير البعض‬
‫والسوسيولوجيّة وغريها‪،‬‬
‫السياسيّة ّ‬
‫من املوت من االضطرابات الهائلة‪ّ ،‬‬

‫الّتي يُتَوقّع حدوثُها يف مستقبلنا املحت َمل‪ .‬وح َده نه ٌج جدي ٌد للبرشيّة‪ ،‬ال‬
‫يزال ضعيف االحتامل للغاية حتّى اآلن‪ ،‬من شأنه أن يؤ ّدي إىل تعميم‬
‫التّحرير من املوت بطريقة دميقراط ّية‪...‬‬
‫إ ّن التّحرير من املوت ‪démortalisation‬يفرتض وجود كائن ما بعد‬
‫برش ّي ‪ posthumain‬ميتلك قدرات جديدة ويشهد عقله‪/‬دماغه تط ّورا‬
‫جديدا‪ :‬وإذا كان هناك من يشء يف الكائن البرش ّي سوف يبقى عىل حاله‬
‫فَ ُه َم وجدانيته وحساسيته‪ .‬لن تسلبنا العرب برشيّة قدرتنا عىل الشّ عو ِر‬
‫والصداقة‪.‬‬
‫والفرح والحزن‬
‫والحب ّ‬
‫ّ‬
‫ليس هذا إالّ بديال من البدائل املمكنة ملا بعد البرش ّي ‪ ،‬أ ّما األَتْ َتَ ُة‬
‫‪ robotisation‬فهي بديل آخر‪.‬‬
‫ّ‬
‫التّحكم البشريّ في اآلالت‬
‫يشهد ذكاء اآلالت ومهاراتها العمل ّية تق ّدما مطّردا ال نستطيع أن نتن ّبأ‬
‫مبداه‪ .‬وتسمح مساهم ُة األمتتة يف رفاهة الكائن البرش ّي‪ ،‬من خالل الشّ قق‬
‫الذّك ّية واملدن الذّك ّية‪ ،‬بإلقاء الكثري من األعامل املط ّولة والشّ اقّة وأعامل‬
‫التّحكّم واملراقبة الّتي نعاين منها عىل عاتق البرش اآلليني‪ .‬فلطاملا قيل إ ّن‬
‫البرش اآلليني سوف يح ّررون البرش من كلّ ما هو مرهق‪ ،‬وهذا بالفعل ما‬
‫يقومون به اآلن جزئيّا‪.‬‬
‫ولك ّن املستقبل ال ّروبو ّيت يثري العديد من املسائل‪ ،‬اإليطيق ّية منها عىل‬
‫رش عىل البطالة‪ .‬لذلك‬
‫وجه الخصوص‪ .‬فأتْ تَ ُة العمل تؤ ّدي إىل إحالة ب ٍ‬
‫يستحق املستقبل ال ّروبو ّيت أن يكون موضع تساؤل ألنّنا ندخل بالفعل‬
‫ّ‬
‫االصطناعي‪ .‬والغموض الكبري هو أن نعرف كيف ميكن‬
‫يف عرص الذّكاء‬
‫ّ‬
‫لذكاء ما أن يصبح انعكاس ّيا‪ ،‬أي أن يعود عىل نفسه ويصبح إدراكا‪ .‬هذا ما‬
‫يسمح به العقل البرش ّي بفضل اللّغة‪ ،‬فلوال اللّغة لك ّنا قادرين عىل التّفكري‬
‫ولكن من دون أن ندرك أنّنا نفكّر‪ .‬فهل هذا ما ميكن أن يحدث آللة ما؟‬
‫ال يبدو األمر مستحيال‪ .‬بطريقة مثرية ج ّدا لالهتامم‪ ،‬يروي كتاب الخيال‬
‫الجارف»قصة‬
‫العلمي لكليفورد سيامك ‪»Cliford Simak‬يف سيل القرون‬
‫ّ‬
‫روبوتات صنعها برش ث ّم صاروا عبيدا لها‪ ،‬فيحاول هؤالء أن يجدوا وسيلة‬
‫لتحرير أنفسهم وينجحون يف ذلك يف نهاية املطاف‪ .‬ترتكز هذه األعامل‬
‫الخياليّة العلميّة وكذلك مقاالت مثل مقالة «وعي اآلالت»‪ 2‬لغوتهارد‬
‫غونرت ‪ Gotthard Günter‬عىل إشكال ّية موضوع ّية حقيق ّية‪ :‬وهي تط ّور‬
‫التّقنية املتضخّم واملنفلت من عقاله إىل أن تصبح هي نفسها قادرة عىل‬
‫التّحكّم بنا‪...‬‬
‫إنّنا نعيش بالفعل يف عامل تنترص فيه اآللة بطريقة معيّنة‪ :‬كآالت ال ّدولة‪،‬‬
‫واآلالت االقتصاديّة الكربى الّتي هي نفسها ال تخضع كثريا إلرادة من‬
‫الخاص‪.‬‬
‫يرشفون عىل تسيريها بل تُطيع منطقها ّ‬
‫العصبي‬
‫ماغي‬
‫د‬
‫ال‬
‫الجهاز‬
‫من‬
‫إ ّن اإلنرتنيت تجسيد لذلك‪ .‬فهي نوع‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫االصطناعي الّذي انترش يف العامل وأ ّدى إىل مضاعفة االتّصاالت‪ .‬وهي‪ ،‬عىل‬
‫ّ‬
‫غرار اللّغة البرشيّة‪ ،‬تفيض إىل أفضل االحتامالت وأسوئها‪ .‬فهي تسمح‪،‬‬
‫بطريقة جديدة متاما‪ ،‬بالحصول عىل املعلومات واملعرفة والح ّريات الّتي‬

‫‪5‬‬
‫تحاول العديد من ال ّدول منعها‪ .‬كام تسمح‬
‫بالوصول إىل الثّقافة دون مقابل أحيانا‬
‫وهو ما تعرتض عليه العديد من القوى‬
‫االقتصاديّة‪ .‬إنّها متنح الحريّة من ناحية‬
‫وتتحكّم من ناحية أخرى‪ .‬والواقع أ ّن األجهزة‬
‫الكربى الّتي تُستخدم لل ّرقابة‪ ،‬أي الخواديم‬
‫الكربى ‪ serveurs‬مثل غوغل‪ ،‬قد تكون هي‬
‫للسلطات‬
‫للسيطرة‪ .‬كام ميكن ّ‬
‫نفسها خاضعة ّ‬
‫الحكوم ّية أن تعرتض املكاملات املتبادلة عرب‬
‫الهاتف املحمول أو اإلنرتنيت‪ ،‬عالوة عىل‬
‫أنّه بإمكانها أن تتحكّم فينا عرب األقامر‬
‫الصناع ّية‪ .‬وباإلضافة إىل ذلك‪ ،‬تسمح شبكة‬
‫ّ‬
‫اإلنرتنيت ألولئك املعروفني باسم املبلِّغني عن‬
‫ويعتب‬
‫املخالفات بالكشف عن أرسار ال ّدولة‪َ .‬‬
‫مؤسس‬
‫جوليان ّأسانج ‪ّ Julian Assange‬‬
‫ويكيليكس أفضل مثال عىل ذلك‪ .‬فقد متكّن‬
‫عامل ال ّرياضيات ومهندس اإلعالم ّية هذا من‬
‫السيّة للبنتاغون وال ّدولة‬
‫ّفك رموز الشّ فرات ّ ّ‬
‫السية‬
‫الوثائق‬
‫آالف‬
‫األمريك ّية وقام بنرش‬
‫ّّ‬
‫يك يف‬
‫املتعلّقة بطرق عمل الجيش األمري ّ‬
‫العراق‪ .‬وهكذا مت ّك َن عاملُ رياضيات موهوب‬
‫من أن ّ‬
‫يفك شفرات األرسار األش ّد كتامنا‬
‫للهيئات الّتي تتحكّم فينا‪ .‬وامتثل ملا أماله‬
‫تخص‬
‫السيّة عن وثائق ّ‬
‫عليه ضمريه بنزع ّ ّ‬
‫ال ّدولة‪...‬‬
‫وأل ّن التّط ّور غ ُري خاضعٍ للتّوقّع‪ ،‬يجب أن‬
‫نقبل بظهور إميان جديد‪ ،‬عقيدة جديدة‪،‬‬
‫ديانة جديدة‪ ،‬اكتشافات جديدة‪ ،‬اخرتاعات‬
‫ثوريّة جديدة‪ .‬فاملستحيل ميكن أن يحدث‬
‫وسوف يحدث‪ .‬إنّنا نعيش يف خض ّم املغامرة‬
‫وصفه‬
‫املجهولة‪ ،‬مع هذا الالّمتوقَّع الّذي ّ‬
‫الشّ اعر ال ّرويس فوزنيسنس يك �‪Vosnessens‬‬
‫‪ ki‬أحسن توصيف‪« :‬تبحث عن الهند‪ ،‬تجد‬
‫عم نريد أن نجده وسنجد‬
‫أمريكا»‪ .‬سنبحث ّ‬
‫ما مل نكن نبحث عنه‪ .‬إ ّن العرب برشيّة‬
‫الشط‬
‫‪ transhumanité‬تتطلّب تفكريا يف ّ‬
‫البرش ّي ويف املغامرة البرشيّة‪ ،‬ووعيا بالفرص‬
‫وباملخاطر الّتي ينطوي عليها التّعقيد‬
‫األنرتوبولوجي‪ .‬إنّها تستدعي مراجعة وإعاد َة‬
‫ّ‬
‫زيارة ملا أس ّميه بـ»األنرتوبولوجيا املركّبة»‪:‬‬
‫والصانع‬
‫أي لإلنسان العاقل واملجنون ّ‬
‫يني‪.‬‬
‫وامليثولوجي وال ّد ّ‬
‫تقتيض التّح ّوالت البيولوج ّية والتّقن ّية‬
‫واإلعالم ّية قبل كلّ يشء أن ترافقها تح ّوالت‬
‫إيطيق ّية وثقاف ّية واجتامع ّية تع ّدلها وتراقبها‬
‫وتو ّجهها‪ .‬وإنّه ألمر مأساو ّي أ ّن التّح ّول‬
‫العرب برش ّي قد بدأ فعال ِب َدفْعٍ من املح ّرك‬
‫قني‪/‬االقتصاد ّي‪ ،‬يف حني أ ّن‬
‫الثّال ّيث‬
‫العلمي‪/‬التّ ّ‬
‫ّ‬
‫‪/‬االجتامعي الّذي‬
‫يف‬
‫ّقا‬
‫ث‬
‫‪/‬ال‬
‫اإليطيقي‬
‫ل‬
‫التّح ّو‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ال غنى عنه أكرث فأكرث ما يزال يف غياهب‬
‫ال ّنسيان‪ .‬ومع ذلك‪ ،‬فإ ّن هذا التّح ّول رضور ّي‬
‫لتج ُّنب حكمِ نو ٍع جدي ٍد من األسياد‪ ،‬املالكني‬
‫لجميع القدرات ومن ضمنها القدرة عىل‬
‫اإلطالة من أمد الحياة‪ ،‬عىل بق ّية البرش‬
‫املستع َبدين جميعا‪ .‬وهو رضور ّي أيضا‬
‫لتج ّنب حكمِ اآلالت املفكّرة الّتي سنعتمد‬
‫عليها حتّى وإن كانت تعتمد علينا‪ .‬يجب أن‬
‫تنفّذ هذا التّح ّولَ العرب برش ّي قوى موضوع ّي ٌة‬
‫وإيطيق ّي ٌة وانعكاس ّيةٌ‪ .‬فإذا مل تكن القدرات‬
‫العرب برشيّة تحت سيطر ِة برشيّ ٍة أعادت‬
‫شحن نفسها بأفضل ما فيها‪ ،‬فسوف تكون‬
‫قدرات ال إنسان ّية‪.‬‬
‫*‪Penser global, Edgar Morin, p100-‬‬
‫‪111, Editions Robert Laffont, 2015‬‬

‫الخميس ‪ 14‬فيفري ‪ - 2019‬املوافق لـ ‪ 12‬جامدى الثانية ‪ - 1440‬العدد ‪75‬‬

‫الحركات االجتماعية الحديثة وآفاقها‬
‫حسني عبد الرحيم‬

‫«نهاية العمل»كانت املوضوعة الرئيسية لكتاب «چريمي ريفكن»(أمرييك‬
‫‪/‬أوريب) يف السبعينات والذي يعتربه الكثريون التنظري األسايس للثورة‬
‫الصناعية الثالثة والذي قدم ترجمته الفرنسية»ميشيل روكار» (مقدمة‬
‫تحليلية طويلة) وتبعه «أندريه جورز»يف كتاب مشهور تحت عنوان‬
‫«الوداع للربوليتاريا» ! وهو الذي أسس التعبري الجديد «الحركة االجتامعية»‬
‫وكالهام مل يكونا بعيدين عن التياّر املسمى «اإليكولوجية االجتامعية»!‬
‫الحقيقة أن تخريجاتهام الفلسفية‪-‬االقتصادية مل تكن بعيدة عن تشكل‬
‫واقع اجتامعي جديد وبخاصة يف املجتمعات الصناعية املتقدمة وتبعتها‬
‫الصناعة القدمية ودون أن تشهد حركة‬
‫بقية بقاع العامل ماعدا الصني والتي شهدت اتساعا هائال يف ّ‬
‫عملية أو نقابية منظمة!‬
‫ّ‬
‫منذ نهاية الستينات وهناك حقيقة اقتصادية هي تراجع العمل الصناعي وزيادة عاملة الخدمات‬
‫وتكون بطالة هيكلية مستدامة والرشوع يف تصفية إجراءات دولة الرفاه االجتامعي‪ ،‬كانت‬
‫الخمسينات والستينات هي مرحلة صعود االشرتاكية الدميقراطية والنقابات وكانا كالهام معتمدين‬
‫عىل النمو الصناعي غري املسبوق(‪ 40‬سنة أماجد) ‪ ،‬وكانت قاعدة النقابات يف تزايد مستمر وتتقوى‬
‫بناء عىل هذه اإلصالحات «االشرتاكية الدميقراطية» والتي تناوبت أحزابها عىل الحكم يف الغرب‬
‫الرأساميل قي ظل تقلص للبطالة بل حتى الشح يف اليد العاملة والتي أُستعيض عنها بالعاملة املهاجرة‪،‬‬
‫منذ نهاية السبعينات بدأ معدل التنظم النقايب ينخفض بشدة حتى وصل يف بلد كفرنسا لنسبة‪7%‬‬
‫(سبعة اتحادات ونقابات متعددة غري كنفيدرالية)من مجموع القوى العاملة مام أثر بشدّة عىل قدرة‬
‫النقابات عىل فعل موحد!‬
‫الصناع ّية وتراجع املوجة النقابية ومعها اإلصالحات تكونت حزمة جديدة‬
‫مع تراجع العاملة ّ‬
‫السكن والهجرة غري الرشعيّة‬
‫من املشكالت منها البطالة(‪ 15%‬فام فوق يف املتوسط) وأزمة ّ‬
‫كالسيدا (فقدان املناعة الطبيعية)!‪،‬‬
‫واملشكالت والكوارث البيئية ‪ ،‬وكذلك األمراض الخطرية ّ‬
‫وأصبح هناك قطاع واسع من املجتمع بغري أي حامية اجتامعية وهذا القطاع ليس كالطّبقة‬
‫العاملة الصناعية التي كانت تتنظم داخل األطر النقابية القدمية التي تؤطر تحركاتها!‬
‫ظهرت حركات مطلبيّة واحتجاجية كتعبري عن القطاعات امله ّمشة الجديدة والتي مل يكن‬
‫باإلمكان استيعابها داخل الحركات النقابية املطلبيّة الكالسيكية التي كان مجالها املصنع‬
‫واملدن الصناعية‪ ،‬بينام تكثّفت املشاكل والتناقضات الجديدة يف املدن الطرفية والصغرية فلم‬
‫تعد املدن الكبرية تجتذب الباحثني عن عمل صناعي بسيط ذلك ألن الصناعات الجديدة‬
‫تستجلب وتكون عاملة فنية و تحتاج ملهارات خاصة وأزمة السكن واألرايض يف املدن الكربى مل‬
‫تتوسع يف محيطها الزراعي‬
‫تعد تسمح بإقامة هامشيني عىل أطرافها؛ بدأت املدن الصغرى ّ‬
‫وتنتج فعاليات اقتصادية هشة ومؤقتة ِوف نفس الوقت محتجني غري قابلني لالنتظام التقليدي!‬
‫يف عديد من الكتب والدراسات»بؤس العامل « أسهم السوسيولوجي «بيري بورديه» لتحليل هذه‬
‫الحركات االجتامعية الجديدة وكذلك ساهم بنفسه يف تأطريها يف «هـيئة أركان الحركة االجتامعية»‬
‫يف األعوام املتأخرة من القرن املايض!‬
‫كانت النقابية تستحوذ عىل املجال املطلبي بفعل ارتكازها عىل عامل متجمعني يف مراكز صناعية ولهم‬
‫مداخيل ثابتة وخالل قرن من الزمان استطاعت تحقيق مكاسب قانونية كالح ّد األدىن لألجور وأسبوع‬
‫ومخصصات البطالة واملعاشات‬
‫عمل من ‪ 40‬ساعة والسكن االجتامعي ومراكز الرتفيه االجتامعية‬
‫ّ‬
‫التقاعدية وغريها وتم كل ذلك من خالل تنظيامت مؤطرة عىل املستويات املحلية والعاملية وكذلك‬
‫أمكن إيجاد ميثاق دويل للعمل الكريم والالئق والحقوق النقاب ّية املفروضة عرب اتفاق ّيات دول ّية توقع‬
‫عليها الحكومات !‬
‫لكن الحركات الجديدة مذررة وموزعة ومن الصعب توحيد اتجاه لها يف ظل توزع املشاكل والتي ال ميكن‬
‫حرصها داخل مطالب قتصادية محددة (كاألجرة ورشوط العمل وساعاته) وكذلك عدم تجانس جمهورها‬
‫الواسع واملتشعب! والذي يضم أحيانا قطاعات متضاربة املصالح (تناقض العاملة البسيطة مع املهاجرين)!‬
‫لكن أتت وسائل االتصال االجتامعي الحديثة ليك تتيح اتصاالت ومناقشات ممكنة بني أطراف بعيدة‬
‫وتشكل وسيلة أولية لتنظيم القطاعات املتنافرة واملتباعدة ‪.‬‬
‫يف بداية القرن الواحد والعرشين بدأت حركة املنتديات االجتامعية القاريّة واملحلية والعاملية‬
‫والتي جمعت فاعلني يف هذه الحركات من القارات الخمس ِوف البدء كانت االتحادات النقاب ّية‬
‫بعيدة عن هذه التجمعات ثم ما لبثت إن انخرطت فيها‪ .‬وكانت الكاثوليكية االجتامع ّية يف‬
‫أمريكا الالتينية وأوربا هي املوتور لهذه التجمعات وخاصة بعد وصول حزب العامل الربازييل‬
‫للحكم معتمدا عىل نقابية جديدة وديناميّة يف صورة اتحاد العامل املوحد يف الربازيل(‪!)C.U.T.‬‬
‫يف املنتديات االجتامعية يف «جنوا» و»بورتو اليغرى» و»تونس» مؤخرا (بعد الثورة) تبلور ما نسميه‬
‫اآلن «الحركات االجتامعية» وهي مختلفة عن النقابية اإلصالحية والثورية القدميتني وضمت الجمعيات‬
‫التي تتحدث باسم العاطلني عن العمل والفالحني بال أرض ودون أوراق ودون مسكن واملدافعني عن‬
‫البيئة والحق يف الص ّحة والحمالت من أجل الوقاية من األوبئة واملدافعني عن حقوق املثلية والجمعيات‬
‫النسويّة وجمعيات املهاجرين والهيئات من أجل إلغاء ديون العامل الثالث ‪ ،‬وجمعيات ثقافية متعددة‬
‫والدفاع عن السكّان األصل ّيني ‪ ،‬وعرب املنتديات التي ُعقدت يف قارات مختلفة تحدث البعض عن بزوغ‬
‫أممية جديدة‪ ،‬وبدا بعض القادة السياسيني يحرضون منتدياتها ويلقون كلامت دعم وتأييد! لكن‬
‫الدعم الرئييس أيت من الكاثوليكية االجتامعية واالشرتاكية الدميقراطية األوربية التي كانتا يف حالة منو‬
‫وتوسع خارج القارة العجوز وخاصة يف الربازيل وبالد أمريكا الالتينية! ومع بداية مرحلة األفول يف‬
‫اإلصالحية الالتينية بدأت الحركة تعاين هي أيضا من شُ ح املوارد ومن انعدام أي أفق اسرتاتيجي لها!‬
‫تكونت منتديات قارية يف إفريقيا وأمريكا الالتينية وأوربا وتكونت أيضا منتديات وطنية‬
‫يف بالد مختلفة بينها «تونس «بعد ثورتها وهي جميعا ليست ذات متويل ذايت لنشاطاتها‬

‫وتعتمد بشكل كيل عىل دعم منظامت وجمعيات وصناديق حكومية وغري حكومية يف الغرب!‬
‫الطابع املتنوع والكرنڤايل للحركات االجتامعية الجديدة وعدم استقالليتها املالية وقدرتها املحدودة‬
‫عىل الضغط هي من املظاهر التي ال ميكن عدم مالحظتها! وعىل عكس الحركات النقابية القدمية‬
‫والتي كانت ومازالت تعتمد عىل اشرتاكات منخرطيها والحقوق النقابية التمثيلية لدى متفرغيها!‬
‫املؤسسات والتي فرضتها عرب التاريخ كالتمثيل يف مجالس اإلدارات واملحاكم العاملية والتمثيل يف‬
‫«لجان إنهاء الخدمة» بعد رصاعات طويلة وأحيانا دامية! وأصبحت جزءا من البنيان الترشيعي‬
‫والقانوين يف الدول الدميقراطية!‬
‫باإلضافة إىل الهشاشة املالية لهذه الحركات والتي تضم مئات األلوف من الجمعيات واملنظامت هناك‬
‫املأزق التنظيمي فليست جامهريها متجمعة يف مؤسسات اقتصادية كاملصانع أو هيئات خدميّة‬
‫كاملعاهد التعليم ّية‪ ،‬وهي عامد النقابية القدمية‪ ،‬بل جمهورها مشتت وليس لديها أدوات للضغط‬
‫االقتصادي كاإلرضاب الذي يشكل األداة الرئيسية بفعل الخسائر التي يعاين منها أصحاب العمل‬
‫وتدفع باإلدارات والحكومات للتفاوض وتقديم تنازالت! ولهذا نجد نشاط الحركات االجتامعية‬
‫الجديدة مركزا عىل املظاهرات واالعتصامت وأحيانآ قطع الطرق!‬
‫«حدّد سول الينسيك» من» شيكاجو» أربعينيات القرن املايض حيث أسس حركة «املنظمني‬
‫االجتامعيني» مدى تأثري العمليات التي تقوم بها الحركات بتأثريها اإلعالمي والذي يدفع اإلدارات‬
‫السياسية للتدخل لحل النزاعات نظرا لتأثريات اإلعالم عىل االتجاهات االنتخابية يف ظل نظم تعتمد‬
‫استحقاقات انتخابية متواترة وهو ما تأكدت نجاعته أحيانا يف بالد كالواليات املتحدة وكذلك يف حركة‬
‫«السرتات الصفراء « أخريا يف فرنسا !‬
‫ظهرت محاوالت للتنظري للوسائل التواصلية الحديثة (االنرتنت )كبديل للتنظيم القديم ممكن‬
‫للتعبئة (كريستوف أجيتون) لكن النتيجة الفعل ّية كانت هي تكوين شبكات وطنية أو قارية‬
‫أو عاملية هي أقرب لحلقات نقاش افرتاضية منها لحركة جامهريية منظمة ذات توجه واضح!‬
‫العقد األخري شهد تطور آخر هو تطور الحركات الشعبويّة يف أوربا واألمريكتني تحت شعارات اليمني‬
‫واليمني املتطرف!يف إيطاليا والنمسا وفرنسا ِوف الواليات املتّحدة وهي معادلة للحركات الفاشية‬
‫يف الثالثينيات وتنترش بني فقراء غري منظمني ِوف نشاطات اقتصادية هامشية وتعادي املهاجرين‬
‫باعتبارهم منافسني يف سوق العمل والخدمات وهى تتشكل من قواعد فقرية لكن وسائل اإلعالم‬
‫أمكنها توجيهها ليك تأيت مبجالس متثيلية ميينية وحتى بحكومات ميينية وميينية متطرفة كحالة «حفلة‬
‫الشاي» يف الواليات املتّحدة والرئاسة الربازيلية الجديدة وبريلسكوين يف إيطاليا والجبهة الوطنية‬
‫الفرنسية (ماري لوبان) وتقف وراءها جامعات شعبويّة تحمل «أيدلوجيا الرجل العادي الخطرية‬
‫«!كام قال أحد الفالسفة الفرنسيني واصفا حركة «السرتات الصفراء»والتي تفاجأ بها اليسار واليمني!‬
‫تحدث «بيري بوردييه» منذ سنوات عن «معجزة» تنظيم حركة العاطلني عن العمل ولكنه مل يعش‬
‫ليك يرى « السرتات الصفراء « فسكّان املدن الصغرية والهامشية والضواحي خرجوا بعد ارتفاع‬
‫أسعار املحروقات ولديهم السيارات وسيلة رضورية لعدم وصول القطارات الكهربية والحافالت‬
‫العمومية ملدنهم بتواتر وانتظام! ورغم وجود رئيس مييني يف الشانزليزيه أىت بعد هزمية كل من‬
‫اليسار واليمني التقليديني وعرب وعود شعبوية انتخابية ومظهر تكنوقراطي لكن الحركة أخرجت‬
‫غصب الرجل العادي عىل حكم الصفوة التكنولوجية وعىل إجراءاتها التحديثية دون اعتبار لآلالم‬
‫االجتامعية!هي حركة عشوائية وتنظر بشك تجاه األحزاب السياس ّية والنقابات تجتمع داخلها‬
‫توجهات يساريّة متطرفة وميينية متطرفة وليس لها أفق اسرتاتيجي!أعادت حركة» السرتات‬
‫الصفراء» الوهم‪ /‬املعجزة التي تأيت من حيث ال يتوقع أحد وتقلب كل الحسابات التنظيمية !‬
‫طرحت الحركة رغم هشاشتها عىل بساط البحث أزمة البنى السياسية والنقابية التي تطورت يف‬
‫مرحلة التصنيع !اليوم يتحدث الكثريون عن مجتمع «ما بعد صناعي»مبعني أن غالبية اليد العاملة‬
‫تعمل بنشاطات غري إنتاج السلع !‬
‫كان «ماركس»قد تكلم عن العاطلني عن العمل (جيش العمل االحتياطي ) كخطر عىل الحركة‬
‫املطلبية وبعد ذلك كاحتياطي للرجع ّية السياسية وسامهم جامعة «العارش من كانون‬
‫األول» التي يتم تجنيدها باملنقانق والرشاب (الثامن عرش من بروميري لويس بونابرت)!!وكانا‬
‫كل من «ليون تروتسيك «و»أنطونيو غراميش» قد حلال صعود الفاشية يف الثالثينات عىل‬
‫أكتاف العاطلني عن العمل !ومنذ أسابيع أعاد «دانييل بنديت كوهني»(زعيم حركة‪)68‬‬
‫التذكري بأن «السرتات الصفراء» هي حركة شعبوية تخدم اليمني األكرث تطرفا ويدعو كثري من‬
‫نشطائها لسلطة استبدادية (رفعت شعارات بتويل رئيس األركان الفرنيس املستقيل ال ُحكم)!‬
‫نحن ال نعرف املستقبل كام يقول الفيلسوف ‪/‬القديس سان «أوغستان»» لكننا نعرف عنه فقط‬
‫انه قد ال يشبه الحارض ! ومن ثم نستطيع بناء عىل مالحظة العقدين السابقني أن نخلص بأن‬
‫الصناعي ( «التايلورية»‬
‫التنظيم السيايس والنقايب القديم يف الرشق والغرب والذي كان مياثل التنظيم ّ‬
‫و»الفوردية») مل يعد يلبي ويستجيب لوضع ما بعد حدايث وأن انطالق الحركات االجتامعية خارج‬
‫األطر التقليدية رمبا ينبئ عن تحول كبري للتنظيم االجتامعي‪ ،‬لك ّننا حتى اآلن مل تظهر أمامنا وعود‬
‫جديدة فكل ما عارصناه هو انفجارات تخرج ثم تخبو رسيعا وال تحمل أ ّي عنارص االستدامة التي‬
‫تواكبت مع تشكيالت العرص الصناعي كالحزب والنقابة !‬
‫ال ميكن هندسة الحركات االجتامعية بقوانني مسبقة من خارج الديناميات التي تطلقها هي وكذلك ال‬
‫ميكن إلغاء التاريخ الثقايف والتنظيمي الذي تأسست عليه التجمعات السابقة مثل التاريخ البالغ الرثاء‬
‫للحركة النقابية والحزبية يف القرن التاسع عرش والعرشين لكن السؤال هو هل ميكن املزاوجة بني‬
‫تيارات متنوعة ورمبا أحيانا متنازعة لهذا الحد!كان هذا ما حدث من قبل‪ .‬فتاريخ النقابية الحديثة مل‬
‫يولد مربأ من تراث تنظيمي فالحي وحريف ظهر يف التعاضديات والتعاونيات (فورييه وسان سيمون‬
‫)اإلنتاجية واالستهالكية ورمبا تنتج من األزمة الحالية إمكانيات لتهجني الحركة النقابية مع تيارات‬
‫جديدة وهو أمر سيستغرق بعض الوقت واملنافسات واملنازعات بني الحركات التي متثل يف مجملها‬
‫محرومني من مثار التطور االقتصادي غري املسبوق عىل صعيد الكرة األرضية!‬

‫‪6‬‬

‫الخميس ‪ 14‬فيفري ‪ - 2019‬املوافق لـ ‪ 12‬جامدى الثانية ‪ - 1440‬العدد ‪75‬‬

‫الحركات االجتماعية الجديدة‬
‫محمد الكيالين‬

‫طرح اإلشكالية‬

‫يشتغل الباحثون واملفكرون يف علم االجتامع عىل دراسة الظواهر‬
‫االجتامعية ومحاولة الكشف عن العوامل التي أدت إليه وعىل‬
‫توليد املصطلحات القادرة عىل التعبري عنها مبستوى من التكثيف‬
‫يجعلها كفيلة بالداللة عن العنارص التي مت َيزها أو مت َيز جانبا من‬
‫جوانبه‪ .‬وقد ظهرت يف العرشيتني األخريتني أو الثالث األخرية مصطلحات مثل «نهاية التاريخ»‬
‫و»نهاية األيديولوجيا» و»ما بعد الحداثة» و»ما بعد الصناعة» و»نهاية عرص الربوليتاريا‬
‫والبدلة الزرقاء و»عرص امليدعة ألبيضاء « و»الفوىض الخالقة» و»األيادي النظيفة « و»الثورة‬
‫الربتقالية « و»عرشية الدم» و»الربيع العريب» و»ثورة الياسمني» و»الحركة االجتامعية‬
‫الجديد»‪...‬إلخ‪ .‬وعامة ما تكون تعبريا انتقائيا عن وجه أو بعض األوجه وقليال ما تكون كاشفة‬
‫لجواهر الظواهر موضوع البحث والتفكري‪.‬‬
‫لقد اعترب الكثري من الباحثني يف علم االجتامع والسياسيني مثال أن الحركات‬
‫االجتامعية والثورية أخذت مضامني جديدة وأشكاال وصيغا مل تكن موجودة‬
‫من قبل‪ .‬غري أن هذه االستخالصات تشرتك يف طمس الطابع األيديولوجي‬
‫والطبقي والسيايس لهذه الحركات االجتامعية والثورات‪.‬‬
‫انقسام المجتماعات إلى مالكين وغير مالكين هو األصل‬
‫والحال أن تاريخ املجتمعات املكتوب والتاريخ الذي كشفت عنه الحفريات‪،‬‬
‫يؤكد أنها انقسمت إىل مجموعات مالكة لوسائل االنتاج وللرثوة ومجموعات‬
‫ال متلك شيئا غري ق َوة عملها‪ .‬فقد امتلكت األوىل املاشية واألرض واستعبدت‬
‫الناس يف حني أن الثانية تباع وتشرتى لتقوم بعمل لفائدة مالكها‪.‬‬
‫ثم حصل انقسام ثان تاريخي أحدث نقلة نوعية يف حياة املجتمع اإلنساين‬
‫بني ماليك األرض‪ ،‬أصحاب اإلقطاعات‪ ،‬وبني الذين ال ميلكون شيئا منتجي‬
‫الرثوة الفعليني املرتبطني باألرض وباالقطاعة يقومون بعمل ملالك األرض ملدة‬
‫معينة مقابل الحصول عىل قطعة من أرض املالك يفلحونها يك يتمكنوا من‬
‫العيش‪ ،‬مع العلم أن القطعة التي يحصل عليها كل واحد منهم مرتبطة‬
‫باألرض التي ميلكها صاحب االقطاعة‪ ،‬مع افتقاد املنتج حق مغادرتها‪ ،‬وهي‬
‫عالقات إنتاج اقطاعية‪.‬‬
‫أما الطور الثالث فهو ذاك الذي تحررت فيه قوة العمل من العبودية‬
‫التقليدية وأصبحت املجموعات اإلنسانية› تعرض طاقة ال متلكغريها ‪ ،‬تعرضها‬
‫للبيع بحرية لوقت من الزمن رضوريا اجتامعيا إلنتاج بضاعة تتضمن قيمة‬
‫تعادل مجموع قسمني‪ ،‬األول ميثل ما يقبل أجرا يسمح لها بإعادة إنتاج‬
‫نفسها واملحافظة عىل دميومة نسلها والثاين يقابل وقتا من العمل غري مدفوع‬
‫األجر يستحوذ عليه مالك وسائل اإلنتاج يسمى بالقيمة املضافة‪.‬‬
‫ويؤطر هذا االنقسام االجتامعي يف كل مرحلة نوعية ما يسمى بعالقات‬
‫االنتاج التي تكون حسب العنارص الدالة عليها‪ ،‬وبصورة خاصة وسائل االنتاج‬
‫ونوعية عالقتها بالجامعات غري املالكة وكيفية بيع قوة عملها‪ ،‬عالقات إنتاج‬
‫عبودية وإقطاعية ورأساملية‪.‬‬
‫وباختصار شديد فإن بيع قوة العمل‪ ،‬إن جزئيا أو كليا‪ ،‬ملالك وسائل اإلنتاج‬
‫للقيام بعمل رضوري اجتامعيا إلنتاج بضاعة تتضمن قيمة ترتجم يف السوق‬
‫إىل مثن عمل يكون جزءا منه مدفوع األجر ميثل أجر العامل والجزء الثاين‬
‫غري مدفوع األجر يحتكره مالك وسائل اإلنتاج ميثل الربح الذي يتحقق يف‬
‫السوق ويحققه املالك ملجرد أنه ميلك وسائل اإلنتاج‪ .‬وحول األجر والربح‬
‫يجري نضال سلمي وعنيف تحدث تغيريات ك َمية يف وسائل اإلنتاج وأساليبه‬
‫اإلنتاج ويف عالقات اإلنتاج برتاكمها يحدث تح َول كيفي من َر فيه من منط‬
‫إنتاج إىل آخر‪.‬‬
‫الحركات االجتماعية ليست من طبيعة واحدة‬
‫تعب الحركات االجتامعية وانتفاضات الفالحني وحركات التحرر الوطني‬
‫َ‬
‫وثورات الجياع والعصيانات املدنية وعمليات تخريب وسائل اإلنتاج‬
‫وتدمريها واإلرضابات املحدودة والعامة واالعتصامات واحتالل مواطن العمل‬
‫و»الثورات» الفئوية والقطاعية والطبقية والشعبية وحتى املجتمعية وثورات‬
‫العبيد‪ ،‬عن النقالت الكمية والكيفية التي تحدث يف املجتمعات‪ .‬فالثورات‬
‫التي طبعت التاريخ اإلنساين الحديث هي الثورات البورجوازية الفرنسية‬
‫واألمريكية اللتني كانتا ثورتني عنيفتني‪ ،‬يف حني أن الثورة األنقليزية كانت‬
‫املعب عن مرور املجتمع من منط إنتاج إىل‬
‫ثورة التحوالت السلمية‪ ،‬كانت َ‬
‫آخر‪ .‬بينام الثورة الباريسية الربوليتارية مل تكن مظفرة ألنها انعزلت عن بق ّية‬
‫الطبقة العاملة لذلك ميكن القول عنها إنها مل تحدث تحوال نوعيا يف املجتمع‬
‫الفرنيس وهي من صنف)( وقد سبقت كمونة باريس اإلرضابات والتحركات‬

‫العاملية العارمة للمطالبة بالحقوق االقتصادية واالجتامعية الرضورية‬
‫للطبقة العاملة التي أخذت حجم ثورات امتدت من أواخر أربعينات القرن‬
‫التاسع عرش إىل النصف األول من خمسيناته‪ ،‬لكنها تختلف عنها يف املضمون‬
‫السيايس ويف الجامهريية‪.‬‬
‫أ َما الثورة البلشفية فقد كانت ثورة مظفرة قادها الحزب البلشفي ومكونات‬
‫عديدة من اليسار الثوري املسنودة بثورة الفالحني وعصيان الجنود الذين‬
‫يريدون إنهاء الحرب‪ ،‬والتي سبقتها ثورة فيفري ‪ 1917‬ذات الطبيعة‬
‫البورجوازية‪ .‬وقد أحدثت هاتان الثورتان تحوالت كيفية يف املجتمع الرويس‪،‬‬
‫بينام ثورة ‪ 1905‬رغم أنها هزت النظام القيرصي مل تحدث تحوال نوعيا يف‬
‫املعب عن إرادة‬
‫املجتمع الرويس وظلت يف حدود التغيريات الك َمية وكانت َ‬
‫الفالحني والعامل واملثقفني لتغيري األوضاع لصالحه‪ .‬وأخذت الثورة الصينية‬
‫املظفرة التي ميكن اعتبارها ثورة فالحني‪ ،‬شكل حرب شعبية طويلة األمد‬
‫انتهت باملسرية الكربى بقيادة الحزب الشيوعي الصيني‪ ،‬وقد ترجمت هذه‬
‫الثورة عن حصول تح َول يف املجتمع الصيني من اإلقطاعية إىل الرأساملية‪ .‬وقد‬
‫كانت الثورة الكوبية ثورة فالحني ضد االقطاعية‪.‬‬
‫بينام كانت الثورة الفيتنامية حركة تحرر وطني من االستعامر ذات طابع‬
‫اجتامعي شعبي‪ .‬وكانت الثورة الجزائرية ثورة املليون شهيد‪...‬إلخ‪.‬‬
‫لقد كانت جميعا حركات اجتامعية َعبت عىل أن من هم من تحت‪ ،‬أي من‬
‫ال ميلكون شيئا غري قوة عملهم‪ ،‬يعملون عىل تحسني أوضاعهم أو تغيريها كلَيا‬
‫بالتحرر من االستغالل واالضطهاد الطبقيني‪ .‬وحققت يف جل األحيان تطورات‬
‫تؤثر شيئا فشيئا عىل وسائل اإلنتاج ومن مثَة عىل منط اإلنتاج وعالقات‬
‫اإلنتاج لتحقق املرور من منط إىل آخر‪ .‬وغالبا ما يحدث ذلك بالطرق الثورية‬
‫مل َا مل يعد من هم من التحت قابلني مبواصلة العيش كام يف السابق وملا‬
‫يصبح من هم من فوق عاجزين عىل مواصلة حكمهم كام يف السابق‪ ،‬حينها‬
‫فقط تصبح الثورة ممكنة‪ .‬ومن الطبيعي أن تأخذ جواهر مختلفة تعود‬
‫إىل الجامعات اإلنسانية التي تطبعها بطابعها وتضفي عليها هويتها الخاصة‬
‫وبالتايل أيديولوجيتها وخياراتها السياسية واالقتصادية واالجتامعية والثقافية‪.‬‬
‫ويف إطار النوعيات املختلفة تظهر حركات اجتامعية قطاعية أو محلية أو‬
‫حول موضوع بعينه وقد تتخذ أشكاال مختلفة وقد تهدف إىل تحسني‬
‫األوضاع وال تهتم بالسياسة وال تروم السلطة‪ .‬والجدير بالذكر أن االعتناء‬
‫بالسياسة وبالسلطة يف الحركات االجتامعية يبدأ منذ اللحظة التي تظهر‬
‫فيها التغيريات الكيفية ترسم مالمحها يف الوجود االجتامعي‪ .‬لذلك يكون‬
‫من املغالطة مبكان وضعها يف سلة واحدة‪ ،‬قطاعية أو مطلبية أو جهوية‬
‫ألنه لكل صنف من التحركات له فئته أو فئاته االجتامعية أو طبقاته وله‬
‫مطالبه وأهدافه الخاصة‪ ،‬وزيادة عىل أن هذا الخلط ينشئ غموضا وضبابية‬
‫يف الهوية واألهداف واألشكال النضالية فهو ينزع عن الحركات االجتامعية‬
‫الجديدة كل هوية أيديولوجية وسياسية بدعوى أن عهد األيدولوجيا قد‬
‫وىل كام الثورات من «النمط القديم»‪ ،‬أي تلك التي كانت تقوم بها طبقة‬
‫بعينها أو تحالف للطبقات التي ال متلك وسائل اإلنتاج أو متلك ما ال يسمح‬
‫باالستغالل‪ ،‬وأن الذي قاموا بها ال ينتمون لطبقة بعينها وال جامع إيديولوجي‬
‫وسيايس بينهم وال ينتمون لحزب بعينه بل ينتمون إىل كافة مكونات املجتمع‬
‫جمعتهم شبكات التواصل االجتامعي التي ال تحمل هوية بعينها‪.‬‬
‫الليبرالية الجديدة هي التي فقرت الشعوب ودمرت األمم؟‬
‫إنهم أولئك الذين ترضروا من الخيارات التي فرضتها العوملة النيوليربالية‬
‫عىل النطاق العاملي‪ .‬وتجلَت يف الهجوم عىل ما حققته الطبقة العاملة‬
‫واملوظفون والفالحون الصغار وعموم البورجوازية الصغرية‪ ،‬من مكاسب‬
‫لعقود متتالية يف البلدان الرأساملية املتقدمة‪ ،‬وفرضت عىل البلدان الضعيفة‬
‫إمالءات وضوابط مالية واقتصادية واجتامعية دمرت اقتصادياتها وفجرت‬
‫أزمات املديونية وعرضت مالياتها إىل االضطراب والتدهور وعمالتها إىل‬
‫االنزالق والتعويم بشكل عرض مخلف الطبقات والفئات الشعبية إىل مزيد‬
‫تدهور أوضاعها حتى أن الطبقة الوسطى يف جميع هذه البلدان انهيارا زعزع‬
‫استقرارها وتفاقم الفقر عىل النطاق العاملي بشكل جعل ما يفوق عن املليار‬
‫نسمة يعيشون فقرا مدقعا وما يقارب املليارين و‪ 800‬مليون نسمة يعيشون‬
‫عىل عتبة الفقر‪ ،‬بينام ‪ 10%‬من سكان العامل يحتكرون ‪ 86%‬من ثرواته و‪1%‬‬
‫من األكرث ثراء قد ازدادت ثرواتهم يف ما بني ‪ 1996‬و‪ 2016‬بـ‪ .60%‬أال يع َد‬
‫هذا انقساما عامليا بني الفقر والغنى؟ أليس هذا انقساما طبقيا عىل النطاق‬
‫العاملي ويف كل مجتمع؟‬
‫ومن الطبيعي أن تنتج الطبقات املترضرة من هذا التقسيم غري العادل‬
‫للرثوة املنتجة اجتامعيا التربير الذي تراه منطقيا ليك يصبح التملك للثورة‬
‫اجتامعيا‪ ،‬متاما كام هو إنتاجها‪ .‬وهذا التربير هو األيديولوجيا‪ .‬ومن الطبيعي‬

‫‪7‬‬

‫الخميس ‪ 14‬فيفري ‪ - 2019‬املوافق لـ ‪ 12‬جامدى الثانية ‪ - 1440‬العدد ‪75‬‬

‫هل صمدت فكرة الشيوعية أمام التاريخ؟‬

‫حوار بني الفيلسوفني الفرنسيني أالن باديو ومارسيل غوشيه‪ 1‬ج‪3/‬‬
‫ترجمة لطفي املثلويث‬

‫أيضا أن تضع أهدافا اسرتاتيجية وأخرى تكتيكية وأن تتبع أساليب نضال‬
‫محددة لكل مرحلة وأن تعقد تحالفات‪ ،‬وتلك يف عمومها هي السياسة‪.‬‬
‫كام أن األقلية السائدة اقتصاديا تريد املحافظة عىل سيادتها تلك فتحتكر‬
‫الدولة وتجعلها يف خدمتها باعتبارها أداة إخضاع عمومية تأخذ طابعا‬
‫رشعيا‪ .‬وللدفاع عن مصالحها تلتجئ الطبقات السائدة إىل ممثليها السياسيني‬
‫واملهنيني والنقابيني وإىل مثقفيها ووسائل اإلعالم واالتصال وغريها‪ .‬لذلك‬
‫تبقى األحزاب واملنظامت والجمعيات واأليديولوجيات ما بقيت الطبقات‪،‬‬
‫وما الدعاية حول نهاية األيديولوجيا والدور السلبي لألحزاب السياسية وحتى‬
‫النقابات بالنسبة للشغالني سوى عملية تح َيل إلبعاد الشعب عن السياسة‬
‫عن دعم األحزاب التي تتبنى أهدافه وتدافع عن مصالحه حتى تتمكن‬
‫األحزاب البورجوازية من احتكار الحياة السياسية ومن إدارة الشأن العام‪.‬‬
‫إن الحديث عن أن الحركة االجتامعية الجديدة ال طبقية وال أيديولوجية‬
‫ويذهب البعض إىل حد القول إنها ال سياسية سببه هو أنه ينظر للحركة‬
‫باعتبارها مجموعة أفراد ال رابط بينهم سوى شبكات التواصل االجتامعي‬
‫وقد ينخرطون يف حركة معينة ليس ألنهم مترضرون من الليربالية الجديدة‬
‫بل فقط ألنهم تلقوا رسالة تدعوهم للتظاهر‪.‬‬
‫ماكرون والسترات الصفراء‬
‫ولسائل أن يسأل‪ ،‬إذا كانت املسألة طبقية وأيديولوجية وسياسية مبثل هذا‬
‫الوضوح فلامذا إذن ظهرت حركة السرتات الصفراء يف فرنسا؟‬
‫أىت ماكرون إىل السلطة مبرشوع نيوليربايل‪ ،‬إذ زيادة عىل استهدافه ملكاسب‬
‫الطبقة العاملة الفرنسية والشعب الفرنيس ولتنفيذ برنامجه عىل الوجه‬
‫األكمل فقد عمل عىل رضب األحزاب التقليدية يف العمق بتأكيد عجزها‬
‫يف منافسته يف االنتخابات الرئاسية والترشيعية وهزمها باالعتامد عىل‬
‫املجموعات املستقلة التي مل تعد تثق باألولغارشيا السياسية وكان له ذلك‪ ،‬ث َم‬
‫ه َمش النقابات‪ ،‬ظانا أنه ميكن له تجاوز البناء التقليدي بظاهرة املستقلني‬
‫والشباب‪ .‬لكن نزلت اإلجراءات التقشفية بثقلها عىل الشعب الفرنيس حتى‬
‫تدهورت أوضاعه وتعرضت الطبقة الوسطى فيه إىل رضر كبري بحيث أنه مل‬
‫يعد بوسعه العيش كام يف السابق ومل يجد آليات الدفاع عن مصالحه ألنه‬
‫كان قد ابتعد عن األحزاب التقليدية وعن النقابات ظنا بأنه وجد ضالته‬
‫يف ما دعاه إليه ماكرون وإذا به يالقي الويالت فخرج إىل الشارع واستعمل‬
‫شبكات التواصل االجتامعي يف تنظيم اجتجاجه‪ .‬لكن األكيد وال جدال هو‬
‫أن استمرارية االتصال والعمل عىل الشبكات وتنظيم الشعارات والتحركات‬
‫تتطلب وجود مجموعة مستقرة تعمل بتنسيق دائم لقيادة الحركة يف اتجاه‬
‫تحقيق مطالب محددة وبلوغ أهداف بعينها‪ .‬واملتابع للحركة منذ نشأتها‬
‫يالحظ دون عناء أنها تجاوزت املطالب املبارشة ملطالبة ماكرون باالستقالة‬
‫ومبراجعة أشكال التمثيلية الدميقراطية التقليدية‪ ،‬زيادة عىل أشكال العنف‬
‫املنظم التي أخذت مكانها لدى الحركة‪ .‬وكلها دالالت عىل وجود مجموعات‬
‫منظمة تؤطر حركة السرتات الصفر يف فرنسا‪ .‬ونشري أيضا إىل أن استمرارها‬
‫واستقرارها يعود إىل أنها تطالب مبعالجة أزمة الدميقراطية وتتقدم ببديل‬
‫لذلك‪ .‬وهو ما يؤكد أنها ليست مجرد حركة عفوية وقد تكون كذلك عند‬
‫انطالقها لكنها التحمت مبمثليها السياسيني وهكذا أخذت لتوها طابعا سياسيا‬
‫رغم أنها مل تكن سياسية يف األصل‪.‬‬
‫ونختم بالقول أن الحركة االجتامعية «الجديدة» ليست جديدة بل هي‬
‫وليدة الظروف االقتصادية واالجتامعية واملعنوية التي أصبحت عليها‬
‫الطبقات الشعبية والجديد الذي ظهر لديها هي الوسائل املستعملة‪ ،‬شبكات‬
‫التواصل االجتامعي‪ ،‬والشعارات املرفوعة واألهداف املرسومة التي تكون‬
‫مرتبطة بالرضورة باألوضاع التي متر بها الطبقة أو الطبقات والفئة أو الفئات‬
‫االجتامعية التي تضعها للدفاع عن مصالحها‪.‬‬

‫تذكري بالجزءين األ ّول والثّاين من الحوار‪ :‬يف الجزء األ ّول‬
‫ق ّدم مارسال غوشيه تص ّورا ملرشوع ماركس عىل أنّه‬
‫يقوم باألساس عىل فكرة «املصالحة الكربى ضمن كلّية‬
‫متناغمة»‪ .‬ويؤ ّول مارسال غوشيه هذا التعلّق بفكرة‬
‫الواحد وإلغاء الفوارق عىل أنّه مق ّدمة نظرية للمرشوع‬
‫التوتاليتاري‪ .‬وذلك ما سيح ّوله لينني إىل مامرسة سياسية‬
‫وإىل خيار للدولة السوفياتية الجديدة‪ .‬يف الجزء الثاين‬
‫من الحوار يق ّدم أالن باديو قراءة «إيجابية» للمساهمة‬
‫اللينينية‪ ،‬عىل أنّها تتجاوز محدودية النزعة التلقائية أو‬
‫العفوية التي م ّيزت القرن التّاسع عرش‪ ،‬لتؤكّد عىل أه ّمية العنرص الحزيب‪-‬التنظيمي (العنرص‬
‫الذايت) لتحقيق التح ّول التّاريخي نحو الشيوعية‪ .‬يف مقابل ذلك حاول غوشيه بلورة بنية‬
‫مو ّحدة مت ّيز كلّ التوتاليتاريات‪ ،‬والتي متثّل يف عمومها محاولة الستعادة الوحدة الجامعية‬
‫التي كانت تقوم قدميا عىل أساس ديني‪ .‬هذا الجمع والخلط بني الفاشية والنازية من جهة‬
‫والشيوعية من جهة أخرى هو ما اعرتض عليه أالن باديو بالنظر إىل وجود فوارق جوهرية مت ّيز‬
‫املرشوعني‪( .‬املرتجم)‬
‫آالن باديو‪ : ‬ال ميكن إنكار وجود عنارص مشرتكة لدى هذه األنظمة‪ : ‬استبداد‬
‫السيايس‪،‬‬
‫الحزب الواحد‪ ،‬رسوخ الذهنية العسكرية‪ ،‬ال ّدور املحوري للبوليس ّ‬
‫إلخ‪ .‬ولكن مبثل ما ميكن يف املنطق لنفس البنية الشّ كلية أن تُنتج منوذجني‬
‫متباعدين متاما يف كلّ ال ّنقاط التي مل تقع شكلنتها ضمن هذه البنية‪ ،‬تختلف‬
‫ال ّنازية عن الشيوعية كلّ االختالف عىل مستوى القيم‪ ،‬وعىل مستوى‬
‫الذّاتيات (‪ ،)subjectivités‬وكذلك عىل مستوى ال ّداللة األمميّة‪ .‬يف حني أنّنا‬
‫نرى أنّك تذهب‪ ،‬بواسطة مفهوم الدين العلامين (‪ )religion séculaire‬الذي‬
‫املسمة توتاليتاريّة‪ .‬لقد كنت‬
‫اعتمدته‪ ،‬نحو توصيف يساوي بني املجتمعات ّ‬
‫قبل قليل تسلّم بالفرض ّية القائلة بأ ّن لينني قد ذهب نحو تجسيد ما كان‬
‫ميثّل لدى ماركس بعدا توتاليتاريّا كامنا (وذلك عرب فكرة املجتمع املتح ّرر من‬
‫فوارقه)‪ .‬فهذا التّأويل املع ّمم بدا يل يف نهاية املطاف غري قابل للتّطبيق‪ ،‬وذا‬
‫قيمة جداليّة فقط‪ .‬إذ ما الذي قام به لينني يف واقع األمر؟‬
‫متمسكا بالعديد من عوامل التّفاوت‪ ،‬بل إنّه قد ّرسخ الفوارق‬
‫لقد ظلّ‬
‫ّ‬
‫وبخاصة يف مجال العمل‪ .‬وحتّى ستالني ذاته مل يذهب أبدا نحو‬
‫الهرميّة‬
‫ّ‬
‫السوفيايت كلّية مو ّحدة‪ .‬عىل العكس من ذلك سيؤكّد ستالني‬
‫املجتمع‬
‫اعتبار‬
‫ّ‬
‫الصاع الطّبقي سيستم ّر‪ ،‬بل إنّه سيحت ّد‪ .‬و يف االتّحاد السوفيايت‬
‫عىل أ ّن ّ‬
‫مل يكن النموذج العا ّم ق ّط جامعا أو مو َّحدا‪ .‬كام أ ّن املجتمع السوفيايت مل‬
‫يكن قامئا عىل منوال هوو ّي كام هو الحال مع العرقية ال ّنازية (‪racialisme‬‬
‫‪ .)nazi‬ففلسفة ال ّنازيني بيولوجية املنزع‪ ،‬وهي تستند إىل ماهية «نق ّية»‬
‫للشّ عب‪ ،‬هي خارجة يف واقع األمر عن كلّ فكر سيايس‪ .‬وال عالقة لذلك‬
‫بالفلسفة الشّ يوعية التي هي ديالكتيكية‪ ،‬وتقوم عىل حركة املتناقضات‪.‬‬
‫مارسال غوشيه‪ : ‬نعم‪ ،‬ولكن الفوارق التي ّرسخها من جديد لينني ث ّم من‬
‫بعده ستالني قد ُع ّدت كمراحل وكرشوط رضوريّة للوصول إىل الهدف الذي‬
‫كان يعلنه النظام‪ ،‬أي إىل الشّ يوعية وإىل وحدة الشّ عب كلّه‪ .‬يف كلّ الحاالت‬
‫كانت هناك فجوة تفصل املبدأ عن الواقع الفعيل‪ .‬و ِعوض أن يؤ ّدي االمتالك‬
‫الجامعي لوسائل اإلنتاج إىل الح ّد من الفوارق االجتامعية‪ ،‬فإ ّن بروز فئة‬
‫محظوظة‪ ،‬هي البريوقراطية‪ ،‬قد أ ّدى عمل ّيا إىل تعميق هذه الفوارق‪ .‬لقد‬
‫وجد ال ّنظام نفسه يف وضع غري متجانس مع مبادئه املساواتيّة األساسيّة‪ .‬فكان‬
‫عليه أن ميارس الكذب بشكل دائم إلخفاء هذا الواقع‪ .‬باإلضافة إىل ذلك‪ ،‬مل‬
‫يكن للحزب من حلّ غري تصفية األعداء‪ ،‬مبن فيهم «أعداء ال ّداخل» (الذين‬
‫ينتمون إىل بريوقراطية ال ّدولة‪ ،‬بل وحتّى إىل جهاز الحزب ذاته)‪ ،‬هؤالء الذين‬
‫كانوا يتفطّنون يف كلّ يوم إىل إخالالت نظام العقالين‪ .‬لقد أصبح هناك تعاضد‬
‫ال ميكن فكّه بني الكذب واإلرهاب‪ ،‬كلّ منهام يغذّي اآلخر‪.‬‬
‫السوفيايت يف اإلرهاب‪ ،‬علينا أن نكشف‬
‫آالن باديو‪ :‬يك نفهم سقوط االتحاد ّ‬
‫عن خلل ديالكتييك فظيع‪ :‬فاملاركسية اللّينين ّية‪ ،‬والتّسمية استحدثها ستالني‪،‬‬
‫كانت تزعم تحقيق الغايات املعتربة شيوعية‪ ،‬بواسطة دولة قاهرة تجد تربيرا‬
‫لوجودها يف رضورة «انتقالية» إلقامة دكتاتورية الربوليتارية‪ ،‬والتي سيكون‬
‫عليها تقويض األجهزة القمعية للعامل القديم‪ .‬ولكن عىل خالف ذلك يُ َع ّد‬
‫القول بشيوعية مدولنة (‪ )communisme étatisé‬قوال متناقضا‪ ‬واستحالة‬
‫يجب استبعادها من وجهة نظر ماركس ذاته‪ .‬إذ مل تكن الغاية التي يستهدفها‬
‫املرشوع املاركيس سوى اضمحالل الدولة‪ ،‬أ ّما فيام يخص املجتمع الشّ يوعي‬
‫فهو قد كان يتح ّدث عن «اجتامع ح ّر» (‪.)libre association‬‬

‫ولكن تجدر اإلشارة إىل أ ّن لينني يف آخر حياته‬
‫كان عىل وعي باملشكل‪ :‬فهو قد أدان بق ّوة‬
‫«املستنقع» البريوقراطي‪ ،‬كام كان يبحث يف‬
‫إنشاء رقابة خارجية عىل ال ّدولة العاجزة عىل‬
‫تحقيق املرشوع املنشود‪ ،‬وذلك بواسطة بعث‬
‫العمل والفالّحني‪ .‬من املؤكّد‬
‫جهاز تحقيق من ّ‬
‫أ ّن هيمنة ال ّدولة ستصبح مع ستالني أش ّد وطأة‪.‬‬
‫إذ مل يكن للنظام من حلّ غري التش ّدد اإلرهايب‪،‬‬
‫وذلك عن طريق عمليّات التّطهري املتتالية‪ ،‬والتي‬
‫ال تق ّدم أ ّي حلّ للمشاكل الجوهرية املتعلّقة‬
‫ببناء االشرتاكية‪ .‬لقد ت ّم تحريف طبيعة الفكرة‬
‫الشّ يوعية بشكل تا ّم مبج ّرد أن وقع إفراد ال ّدولة‬
‫لوحدها مبه ّمة االنتقال إىل الشّ يوعية‪ .‬وال ّدولة‬
‫الستالينية‪ ،‬هي خليط‬
‫دامئا‪ ،‬وليس فقط ال ّدولة ّ‬
‫بني العنف واملحافظة عىل األمر الواقع‪ .‬ما‬
‫وجدته عند ماو كان نقيض هذا‪ :‬فالفكرة التي لديه ترى أنّه ال ميكن ملا كان‬
‫خاصة بجهاز ال ّدولة‪ ،‬وأنّه‬
‫يس ّميه «بالحركة الشّ يوعية» أن تكون مج ّرد عهدة ّ‬
‫الضوري بعث حركات جامهريية مستقلّة‪ ،‬وحتّى كذلك منظّامت شعب ّية‬
‫من ّ‬
‫منفصلة عن الحزب‪ ،‬وذلك ضمن سياق حركية التّاريخ‪ ،‬حتّى ولو أوجب األمر‬
‫أن يكون ذلك عن طريق االنتفاضة‪.‬‬
‫ماو والثورة الثقافية‬
‫آالن باديو‪ :‬أ ّما فيام يتعلّق بوفايئ للامويّة فليكن األمر واضحا‪ :‬إنّ ا أنا أهت ّم‬
‫أمتسك إالّ مبرحلة‬
‫أساسا بالثّورة الثقافيّة‪ .‬وإن شئت الدقّة أكرث‪ ،‬أقول إنّني ال ّ‬
‫البداية التي انطلقت يف ‪ 1966‬وستعرف أوجها يف ‪ ،1967‬والتي ميكن اعتبارها‬
‫قد اكتملت يف خريف ‪ 1968‬عىل أقىص تقدير‪ .‬إنّا نكون بذلك إزاء أ ّول حركة‬
‫جامهريية شيوعية أصيلة‪ .‬لقد نادى ماو بذلك‪ ،‬وبطريقة غري مسبوقة‪ ،‬إىل ما‬
‫الستالينية من ال ّداخل‪ ،‬إىل ما سيؤ ّدي إىل اندالع حراك طالّيب يف البداية‬
‫يق ّوض ّ‬
‫عم ّيل فيام بعد‪ .‬فلم يعد منطلق التّغيري يكمن يف الدولة أو الحزب‪ ،‬بل يف‬
‫ث ّم ّ‬
‫القوى االجتامعية غري املنظّمة يف البداية‪ ،‬ولك ّنها مع ذلك سيُنظر إليها كقوى‬
‫السيايس‪.‬‬
‫الفعل الوحيدة والحقيقية لإلبداع التّاريخي و ّ‬
‫ولعلّنا بذلك نجد أنفسنا إزاء املحاولة الوحيدة من داخل تاريخ الشّ يوعيّة‬
‫التي أعادت النظر يف املآل ّالتاجيدي الذي أدركته تجربة االشرتاكيات‬
‫السياسة‪ .‬إذ أ ّن احتكار ال ّدولة‬
‫السوفياتية‪ ،‬ونقصد بذلك استحواذ ال ّدولة عىل ّ‬
‫ّ‬
‫السيايس للمجتمع‬
‫البعد‬
‫إلغاء‬
‫إىل‬
‫ي‬
‫د‬
‫يؤ‬
‫الحزب‬
‫طريق‬
‫عن‬
‫يايس‬
‫الس‬
‫للفعل‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫(‪ .)dépolitisation de la société‬يف بعض األحيان يت ّم تعريف التّوتاليتارية‬
‫عىل أنّها ال ّنظام الذي يصبح فيه كلّ يشء مس ّيسا‪ ،‬يف حني أنّني أعترب أنّه من‬
‫للسياسة‪ ،‬ذلك اإللغاء الذي أراد ماو‬
‫األوجب تعريفها عىل أنّها اإللغاء التّام ّ‬
‫القطع معه‪ .‬وحينام نجد ماو يقول أمام مجموعة من الحرس األحمر املفتتنني‬
‫السيايس‪« :‬ليكن لديكم اهتامم بشؤون ال ّدولة»‪ ،‬فنحن هنا‬
‫بصورة القائد ّ‬
‫الستاليني‪.‬‬
‫اإلرث‬
‫لكل‬
‫متاما‬
‫مغايرة‬
‫بصدد حركة‬
‫ّ‬
‫ما من ّ‬
‫شك يف أ ّن هذه الحركيّة قد آلت إىل الفشل‪ .‬وقد حدث ذلك بسبب‬
‫تفكّكها ال ّداخيل‪ ،‬وبسبب رصاعات األجنحة التي نجمت عنها‪ ،‬وكذلك بسبب‬
‫«املتوسطة» داخل جهاز الحزب‪ .‬ولكن‬
‫الشسة التي أبدتها اإلطارات‬
‫املقاومة ّ‬
‫ّ‬
‫بالنظر إىل املحاولة ذاتها‪ ،‬فإ ّن ما وعدت به الثّورة املاويّة كان عظيام‪ ،‬و‬
‫املساهمة التي ق ّدمتها كانت حاسمة‪.‬‬
‫مارسيل غوشيه‪ :‬ولكن التّهاون يف تقدير البعد اإلجرامي لهذه التّجربة يجعلنا‬
‫وكأنّنا نضلّل أنفسنا مبثل هذا الحديث‪ .‬فالتقديرات األكرث ج ّدية تاريخيا‬
‫تحيص بني ‪ 200‬ألف ومليونني كعدد للضحايا خالل فرتة الثورة الثقافية فقط‪.‬‬
‫آالن باديو‪ :‬لقد تع ّودت عىل مثل هذا «االعرتاض»‪ ،‬فإحصاء املوىت هو البعد‬
‫السيايس‪ .‬وفيام يتعلّق مبوضوع الثورة الثقافية‪ ،‬تلك التي ت ّم‬
‫ّ‬
‫الصفر يف النقاش ّ‬
‫السخرية‪ ،‬نجد اإلدانة تأيت قبل الفهم‪ .‬ث ّم إ ّن املدى‬
‫تجاهلها ووضعها موضع ّ‬
‫املتّسع بني األرقام التي تذكرها يفقدها طابع املصداقية‪ ،‬وهو يتعلّق بعموم‬
‫الصني‪ ،‬وتعداد ‪200‬‬
‫املسار الثّوري الذي امت ّد أكرث من عرش سنني‪ .‬أ ّما فيام يه ّم ّ‬
‫ألف من القتىل عىل طيلة عرش سنوات‪ ...‬فاعذرين حني أجد نفيس مضط ّرا‬
‫للقول‪ ،‬بأنّك إذا طبّقت هذا الحساب عىل الثّورة الفرنسية فإنّك ستجد رقام‬
‫مامثال لذلك‪ .‬ولكن ال يبدو يل أنّك ستستخلص من ذلك نقدا قاطعا للشّ كل‬
‫الجمهوري لل ّدولة‪.‬‬
‫لقد قاد ماو تجربة معقّدة‪ ،‬متع ّددة األشكال‪ ،‬وهي قد كانت بالفعل عنيفة‬

‫محلّيا‪ ،‬ولكن ليس إىل الح ّد الذي تذهب إليه اإلحصائ ّيات املتداولة‪ .‬ث ّم فوق‬
‫ذلك كلّه يُطرح سؤال‪ :‬من أين تنبع املظاهر األساسية للعنف؟ من املواجهات‬
‫السياسية ومن تح ّركاتهم الفوضوية‪ ،‬وهذا أمر تشهده كلّ‬
‫بني املجموعات ّ‬
‫الثورات‪ .‬ومن الجدير بالذّكر هنا أ ّن املجموعات األكرث عنفا كانت مجموعات‬
‫الحرس األحمر املساندة للنظام واملك ّونة باألساس من أبناء اإلطارات‪ ،‬والذين‬
‫كانوا يهدفون باألساس إىل حامية مصالحهم‪ .‬وهذا يعني أنّه انطالقا من‬
‫خاصة‪ ،‬كان املصدر األسايس للعنف متأتّيا من األعامل‬
‫السبعني ّ‬
‫السنوات ّ‬
‫ّ‬
‫املناهضة رصاحة للامويّة التي يقوم بها الجيش وجهاز ال ّدولة‪ ،‬حيث كان يت ّم‬
‫خاص يف املقاطعات‪،‬‬
‫إطالق ال ّنار عىل الثّوريّني يف كلّ مكان تقريبا‪ ،‬وبشكل ّ‬
‫يستتب األمر من جديد‪ .‬وهناك حيثام كان اليسار املاوي قويّا‪ ،‬كام هو‬
‫حتّى‬
‫ّ‬
‫العمل والطّلبة يت ّم يف إطار مرن وجديد تحت‬
‫تنظيم‬
‫وكان‬
‫شنغهاي‪،‬‬
‫يف‬
‫الحال‬
‫ّ‬
‫السياسيّة املح ّنكة واملبدعة‪ ،‬كان هناك عدد قليل من القتىل‪.‬‬
‫إرشاف اإلطارات ّ‬
‫وعىل العكس‪ ،‬حيثام كان اليمني البريوقراطي والعسكري قويّا ج ّدا كام هو‬
‫الحال يف كانتون (‪ ،)Canton‬كان العنف أكرث رشاسة‪ .‬وهذا ما يذكّرين بالعربة‬
‫التي حملت العدد األكرب من الذين سيقع إعدامهم باملقصلة والتي مل تكن‬
‫بقرار من روبسبيري (‪ ،)Robespierre‬بل بقرار من طرف خصومه املعادين‬
‫للثورة‪ ،‬والّذين قادوا مرحلة طويلة من اإلرهاب األبيض عن طريق إعدام كلّ‬
‫قادة لجنة اإلنقاذ العا ّمة‪.‬‬
‫مارسال غوشيه‪ :‬إنّ أق ّر مثلك بأ ّن تعقيد الثّورة الثقاف ّية هو أمر يقع التّعتيم‬
‫الصف وليس مجال‬
‫يس ّ‬
‫عليه عموما‪ .‬إ ّن املجال الذي يعنيك هو املجال ّ‬
‫السيا ّ‬
‫الصفة) فأنا أعارضك‪ ،‬إذ ال‬
‫(السياسة ّ‬
‫األرقام‪ .‬ولك ّني حتّى يف هذا املستوى ّ‬
‫ميثّل ماو البتّة نقيضا لستالني‪ .‬فالثّورة الثّقافية‪ ،‬حتّى يف فرتة انطالقها‪ ،‬ليس لها‬
‫رص‬
‫هذه الطّبيعة املتجاوزة للتّوتاليتاريّة (‪ )extra-totalitaire‬مبثل ما أنت ت ّ‬
‫عىل تأكيده‪ .‬بل عىل العكس‪ ،‬إنّ ا يندرج هذا ال ّزخم املاوي متاما ضمن املنطق‬
‫الستاليني‪ .‬ففي سنوات ‪ 36-1938‬ال ّرهيبة‪ ،‬كان ستالني يبحث يف التّحالف‬
‫السوفيايت األكرث دميقراطية‬
‫مع الجامهري عرب ترشيكهم يف صياغة «الدستور ّ‬
‫يف العامل»‪ ،‬والذي مل يكن سوى وسيلة للربوباغندا‪ .‬فالتّعبئة الجامهريية كانت‬
‫متثّل وسيلة تسمح بتربير عمليّات التّطهري داخل الحزب‪.‬‬
‫إ ّن كلّ األنظمة الشّ يوعية تجد نفسها أمام تناقض داخيل يتح ّول بدوره‬
‫الصاع إىل رصاع داخل‬
‫إىل مأزق‪ :‬ففي مواجهة تعقّد أزمة ال ّنظام يتح ّول ّ‬
‫السياس ّية ذاتها‪ ،‬والتي ستجد نفسها بحاجة إىل التو ّجه إىل الجامهري‬
‫القيادة ّ‬
‫من أجل تأكيد مرشوعيّتها من جديد‪ .‬ومن هذه ال ّناحية مل يقم ماو سوى‬
‫باستعادة مامرسة تُ َع ّد كالسيك ّيا ستالينية‪ .‬وعذرا إذ كنت أجد نفيس مضط ّرا‬
‫لقول هذا األمر‪...‬‬
‫‪L’idée communiste a-t-elle survécu à l’histoire ? », Débat «1‬‬
‫‪Alain Badiou/Marcel Gauchet, Philosophie Magazine, Hors-sé‬‬‫‪rie N°21 : Les philosophes et le communisme, mars-avril 2014,‬‬
‫‪., pp. 15-22‬‬
‫‪ 2‬إشارة إىل ما حدث لروبسبيري (أحد أه ّم رموز الثورة الفرنسية وقادتها) من‬
‫طرف خصومه (‪ )les thermidoriens‬الذين متكّنوا من قلب األوضاع ض ّده‬
‫والحكم عليه باإلعدام (‪ 27‬و ‪ 28‬جويلية ‪ .)1794‬ومن الطّريف أ ّن هؤالء‬
‫خاصة‬
‫الخصوم الذين اتّهموا روبسبيري بالدعوة «لإلرهاب الثوري» ومامرسته‪ّ ،‬‬
‫حني كان عضوا يف لجنة اإلنقاذ العا ّمة‪ ،‬قد قادوا هم بأنفسهم مرحلة أطول‬
‫من اإلرهاب والعنف يف البالد‪( .‬املرتجم)‬

‫‪8‬‬

‫الخميس ‪ 14‬فيفري ‪ - 2019‬املوافق لـ ‪ 12‬جامدى الثانية ‪ - 1440‬العدد ‪75‬‬

‫حوار العدد مع األستاذ مسعود الرمضاني‬

‫أيّ سلطة تمتلك شيئا من الحكمة لن تكتفي بالحلول األمنيّة‬
‫بل ستسعى إىل تغيري األوضاع االجتماعية للمواطنني‪.‬‬
‫حاورته‪ :‬سعدية بن سامل‬
‫ضيفنا لهذا العدد هو األستاذ مسعود الرمضاين‪ ،‬عرف قبل‬
‫الثورة بنشاطه يف الرابطة التونس ّية لحقوق اإلنسان‪ ،‬وسعيه‬
‫رفقة ثلّة من الحقوقيني إىل التص ّدي لتجاوزات النظام يف‬
‫املجال الحقوقي‪ ،‬بعد الثّورة ّأسس مع مجموعة من الناشطني‬
‫الحقوقيني املنتدى التونيس لحقوق اإلنسان إميانا منهم بأهم ّية‬
‫الحقوق االقتصاديّة واالجتامع ّية يف تحقيق السلم االجتامع ّية‬
‫وحفظ كرامة اإلنسان‪.‬‬
‫نلتقيه يف هذا اللقاء للحديث عن «املنتدى» وعن الوضع العام‬
‫يف البالد وعن الهجرة وغريها من املواضيع‪.‬‬
‫األستاذ مسعود الرّمضاني رئيس‬
‫المنتدى التونسي للحقوق االجتماعيّة‬
‫واالقتصاديّة‪ .‬هل من تذكير بدواعي‬
‫إنشاء المنتدى وأهمّ أهدافه؟‬
‫ قبل الرتخيص القانوين للمنتدى التونيس للحقوق‬‫االقتصادية واالجتامعية الذي تحصلنا عليه بعد ‪14‬‬
‫جانفي ‪ ،2011‬كنا مجموعة من النشطاء الحقوقيني‬
‫أغلبنا كان يتحمل مسؤولية يف الرابطة التونسية‬
‫للدفاع عن حقوق اإلنسان‪ ،‬كنا مدركني ألهمية‬
‫الحقوق االقتصادية واالجتامعية ودورها يف حياة‬
‫املواطنني‪ ،‬بالنظر إىل تواصل انتهاك هذه الحقوق‪،‬‬
‫خاصة يف القطاع الخاص غري املهيكل نقابيا‪ ،‬فك ّونا‬
‫لجان مساندة لعامالت النسيج يف الساحل اللوايت‬
‫انتهكت حقوقهن من قبل رشكات أجنبية منتصبة‪،‬‬
‫عامل مصنع االيسوزو يف القريوان‪ ،‬الطلبة املوقوفني‬
‫من اجل حقهم يف الرتسيم ومامرسة حقهم النقايب‪....‬‬
‫هذا العمل توج بتكوين «اللجنة الوطنية من اجل‬
‫مساندة أهايل الحوض املنجمي» التي تأسست‬
‫مبناسبة انتفاضة الجهة سنة ‪ ،2008‬هذه اللجنة التي‬
‫كان يل رشف رئاستها‪ ،‬تكونت من مناضالت نسويات‬
‫ونقابيني ومحامني وحقوقيني ومناضيل الهجرة‪،‬‬
‫رسمت اهدافا واضحة ‪ :‬كرس الحصار اإلعالمي‬
‫املرضوب حول االنتفاضة‪ ،‬تنسيق الدفاع مع عائالت‬
‫املساجني‪ ،‬والتعريف بعدالة هذه القضية يف الداخل‬
‫والخارج‪ ،‬واعتقد ان اللجنة نجحت يف ذلك‪ ،‬مام‬
‫أزعج السلطة‪ ،‬حتى إنها حكمت عىل الصديق محي‬
‫الدين رشبيب‪ ،‬املوجود بفرنسا‪ ،‬بسنتني سجنا نافذة‬
‫وحارصت اعضائها امنيا‪.‬‬
‫االن يعمل املنتدى عىل ترسيخ الحقوق االقتصادية‬
‫واالجتامعية وحقوق املهاجرين واملرأة يف القطاعات‬
‫غري املنظمة‪ ،‬كام أضيف جانب مهم لعمل املنتدى‪،‬‬
‫وهي الحقوق ألبيئية‪ ،‬حيث أصبح لنا منسقني‬
‫جهويني يف الفروع يعملون عىل ترسيخ هذه الحقوق‪.‬‬
‫وال يكتفي املنتدى باملنارصة‪ ،‬وصياغة التقارير‪ ،‬بل‬
‫يعمل عىل تقديم البدائل االقتصادية واالجتامعية‪،‬‬
‫حيث دأبنا يف السنوات األخرية‪ ،‬باإلضافة لنقد‬
‫امليزانيات السنوية‪ ،‬التي تعمل عىل تأبيد نفس‬
‫املنوال التنموي الذي أثبت فشله‪ ،‬مكرسة بذلك‬
‫حيفا اجتامعيا وجهويا ‪ ،‬إىل تقديم تصورات مليزانيات‬
‫بديلة‪ ،‬باالرتكاز عىل توصيات واقعية تخرجنا من‬

‫متاهة املديونية‪ ،‬وتريس بديال تنمويا وطنيا يتناسب‬
‫وقدرات بالدنا وكذلك طموحاتنا جميعا‪.‬‬
‫هل من توصيف ألمراض المجتمع‬
‫التونسي؟‬
‫نحن يف مرحلة انتقالية‪ ،‬رفعت الغطاء عن‬
‫الكثري من األمراض التي كان الحديث فيها محظورا‬
‫من قبل‪ ،‬وهي باألساس أمراض اجتامعية‪ ،‬منها‬
‫بالخصوص أهمية اإلحساس باالنتامء لهذا الوطن‪،‬‬
‫قبل االيدولوجيا‪ ،‬وفهم السياسة بإبعادها النبيلة‪،‬‬
‫التي يجب أن ال تكون فقط تحقيق طموحات‬
‫شخصية أو حزبية‪ ،‬بل يجب يف تقديري أن‬
‫تستجيب لطموحات املواطنني يف العدالة‪ ،‬بكلّ‬
‫أبعادها االجتامعية والجهوية والقضائية‪...‬‬

‫ نحن إزاء شباب فقد‬‫األمل في إمكانية‬
‫تحسين ظروفه في‬
‫تونس فبدأ يبحث‬
‫عن حلول يائسة‪،‬‬
‫حتى ولو كلفه ذلك‬
‫حياته‪.‬‬

‫كيف يُقيم المنتدى الوضع االقتصادي‬
‫الرّاهن وتأثيره على الفئات االجتماعيّة‬
‫المختلفة؟‬
‫هو وضع‪ ،‬حتى من خالل تقييم السلطة الحاكمة‪،‬‬
‫صعب ويحتاج إىل تشخيص وتقييم دقيقني والبحث‬
‫يف حل واقعي و مجدي ‪،‬يف رايئ خالل حمى البحث‬
‫عن التموقع يف السلطة وقع التغايض عن انتظارات‬
‫هذا الشعب‪ ،‬طموحه ان يكون هناك بدائل‬
‫اقتصادية واجتامعية‪ ،‬تخرج الجهات الداخلية من‬
‫الفقر والحيف اللذان تواصال لعقود‪ ،‬أن يتحقق حلم‬
‫الشباب يف شغل يحفظ كرامته‪ ،‬أن تتحول اإلدارة اىل‬
‫ادارة عرصية يف خدمة املواطن‪ ،‬ان تقدم األحزاب‪،‬‬
‫التي حررتها الثورة‪ ،‬برامج اقتصادية واجتامعية ذات‬
‫مصداقية‪ ،‬أن يكون الرصاع السيايس مبني عىل برامج‬
‫ورؤى ‪...‬‬
‫الحقيقة أن العديد من املواطنني‪ ،‬اآلن امتلكهم‬
‫اليأس من إمكانية تغيري األوضاع‪ ،‬بل هناك من‬
‫يعتقد أننا أخطأنا‪ ،‬وهو يف اعتقادي رأي يجانب‬
‫الصواب‪ ،‬الن الحرية مهمة وحيوية وال ميكن أن‬
‫نندم عيل اكتسابها‪ ،‬مهام ساءت أوضاعنا لكن أدرك‪،‬‬
‫يف نفس اآلن‪ ،‬أن األوضاع االقتصادية صعبة وانه‬
‫يصعب اقناع مواطن ال يقدر عىل ايجاد قوت‬
‫عائلته ان يقبل بالحرية التي ال تؤدي إىل تحسني‬
‫أوضاعه‪ ،‬لذلك أقول ‪:‬نحن يف مفرتق طرق يجب ان‬
‫ندركه ‪ :‬إما ننجح هذه التجربة الفريدة بان نعي‬
‫بخطورة االوضاع االجتامعية وان تجاوز تلك املنطقة‬

‫مهم ملستقبل أجيالنا القادمة‪ ،‬أو أن نرتك األوضاع‬
‫عىل ما هي عليه‪ ،‬وبذلك نكون قد عدنا إىل نقطة‬
‫الصفر‪.‬‬
‫وخاصة الهجرة «غري‬
‫تعتنون يف املنتدى باملهاجرين ّ‬
‫رشع ّية»‪ ،‬فأين وصلت قض ّية املفقودين؟‬
‫فعال‪ ،‬نعتني بالهجرة غري النظامية‪ ،‬وهو احد‬
‫املواضيع املهمة بالنسبة للمنتدى‪ ،‬وقد وقفنا إىل‬
‫جانب العائالت التي فقدت أبنائها منذ اللحظة‬
‫األوىل‪ ،‬ونظمنا معهم املسريات والوقفات االحتجاجية‬
‫والندوات‪ ،‬وعربنا عن ارتياحنا لتكوين اللجنة التي‬
‫تكونت يف جوان ‪ ،2015‬لكنها مل تذهب بعيدا نتيجة‬
‫للتهاون الذي رافق قرارات الحكومات املتعاقبة‬
‫والذي تسبب يف اطالة معاناة العائالت وذلك رغم‬
‫أن هذه اللّجنة قامت بإعداد قامئة بيانات لبصامت‬
‫مئات املفقودين وتحليالت جينية‪ ،‬إضافة إىل‬
‫املعطيات الهامة التي قدمتها العائالت‪ ،‬ونتيجة لهذا‬
‫التخاذل انسحبنا من اللجنة ونواصل التنسيق مع‬
‫العائالت حتى تنتهي حرقتهم باكتشاف مآل أبنائها‪...‬‬
‫هل لكم تصوّر لمعالجة الهجرة غير‬
‫الشرعيّة التي تعصف باألرواح يوميّا‬
‫تقريبا؟‬
‫ فعال الهجرة غري النظامية تعصف بأرواح آالف‬‫الشباب من الجنوب ودافعهم إىل ركوب البحر هي‬
‫دامئا سوء األوضاع يف بلدانهم‪ ،‬الحروب األهلية‪،‬‬
‫التصحر‪ ،‬التطهري أالثني والعرقي واملسائل االقتصادية‬
‫واالجتامعية‪،‬‬
‫يف تونس‪ ،‬الزالت قضية الهجرة غري النظامية‬
‫تشغل املنظامت الحقوقية‪ ،‬منذ ‪ ،2011‬غادر آالف‬
‫الشباب التونيس الذين بدأ يدب لديهم اليأس باكرا‬
‫من امكانية تحسني االوضاع وفقد املئات منهم يف‬
‫البحر‪ ،‬ومنذ أكتوبر ‪ 2011‬عادت الظاهرة من جديد‪،‬‬
‫واشرتك فيها حتى االحداث والعائالت‪.‬‬
‫املسؤولية مشرتكة‪ :‬نحن إزاء شباب فقد األمل يف‬
‫إمكانية تحسني ظروفه يف تونس فبدأ يبحث عن‬
‫حلول يائسة‪ ،‬حتى ولو كلفه ذلك حياته‪ ،‬من ناحية‬
‫أخرى‪ ،‬تسري أوروبا نحو مزيد االنغالق‪ ،‬بركوب اليمني‬
‫مسألة الهجرة والوصول اىل السلطة لتطبيق مبدأين‬
‫‪ :‬منع املهاجرين وحتى طالبي اللجوء من دخول‬
‫الفضاء االورويب وأخريا‪ ،‬منع حتى إسعاف املهاجرين‬
‫يف البحر‪ ،‬من خالل منع املنظامت املدنية من اإلغاثة‬
‫والتضييق عىل عملها‪ ،‬مام أدى إىل النتيجة التالية‬
‫‪ :‬رغم تراجع املهاجرين غري النظاميني من جنوب‬
‫املتوسط‪ ،‬فان عدد الوفيات يف البحر قد ارتفعت‪،‬‬
‫مبعدل ‪ 6‬وفيات يوميا سنة ‪ ،2018‬وذلك حسب‬
‫املنظمة الدولية للهجرة‪.‬‬
‫الحلول‪ ،‬وحسب هذا التشخيص‪ ،‬تبدو بديهية‪ :‬أن‬
‫يلعب املجتمع املدين يف شامل املتوسط‪ ،‬كام يف‬
‫جنوبه‪ ،‬دوره يف الدفاع عن املبدأ اإلنساين العام‪ ،‬وهو‬
‫ضامن حرية التنقل وحق اللجوء‪ ،‬وتكون له القدرة‬
‫الكافية ملواجهة خطاب اليمني املتطرف‪ ،‬وأن تعيد‬
‫بلدان الجنوب‪ ،‬ومنها تونس‪ ،‬األمل اىل مواطنيها حتى‬
‫ال يضطروا إىل املخاطرة بحياتهم‪.‬‬
‫تشهد تونس هجرة كبيرة لألدمغة‪ .‬هل‬

‫‪9‬‬
‫تعتقدون أ ّن الدّولة متواطئة في هذه‬
‫الهجرة؟‬
‫ هجرة األدمغة‪ ،‬هي استنزاف لقدراتنا‪ ،‬الن‬‫االستثامر الحقيقي الذي ميكن ان تعول عليه تونس‬
‫هو ان تكون لها نخبة وطنية قادرة عىل الخروج مام‬
‫نحن فيه‪ ،‬والجدير بالذكر‪ ،‬ان دولة االستقالل التي‬
‫صمدت يف السنوات املاضية وحتى زمن الثورة كان‬
‫عامدها النخب يف مختلف مفاصل الدولة‪،‬‬
‫السؤال األوّل‪ :‬لماذا تدفع المجموعة‬
‫الوطنية امواال باهظة من اجل ان يكون‬
‫لها اطباء ومهندسين وأساتذة جامعيين‬
‫وتقنيين وغيرهم؟‬
‫السؤال الثاين‪ :‬ملاذا يغادر هؤالء؟ ثالثة أسباب‪،‬‬
‫عادة تقدم‪ ،‬ظروف العمل أفضل‪ ،‬الرواتب‬
‫هناك مشجعة‪ ،‬خاصة مع استمرار انهيار الدينار‪،‬‬
‫واملستقبل أكرث ضامن‪ ،‬وهي أسباب معقولة‪ ،‬لكن‬
‫دور الدولة والنخب وكل من يريد أن نستعيد هؤالء‪،‬‬
‫أو أن نضمن‪ ،‬عىل األقل‪ ،‬عدم تواصل النزيف‪ ،‬هو‬
‫ان نحرتم الدور الذي تقوم به هذه اإلطارات ونوفر‬
‫لها أسباب البقاء‪ ،‬وان نعطي للبحث العلمي ما‬
‫يستحق من أهمية‪ ،‬ما يجب أن ندركه هو أ ّن الدول‬
‫التي حققت منوا‪ ،‬مل تحققها باالقرتاض‪ ،‬بل بالتعويل‬
‫عىل نخبها‪...‬‬
‫صرّحتم سابقا أ ّن الخطر اليوم يكمن في‬
‫تحوّل المناطق المحاذية للجبال إلى حاضنة‬
‫شعبيّة لإلرهاب بدافع الخوف‪ .‬كيف ترون‬
‫معالجة هذا الخطر؟‬
‫ ال بديل عن االهتامم بهذه املناطق‪ ،‬وقد نبهنا‬‫لذلك منذ ‪ ،2013‬كام تحدثت العديد من التقارير‬
‫عن الجهات الحدودية وخطر االرهاب‪ ،‬مثل تقرير‬
‫مجموعة االزمات الدولية الذي صدر يف اكتوبر ‪2014‬‬
‫الذي أكد عىل رضورة االعتناء بالحدود ومراقبة‬
‫التجارة املوازية وربط الصلة ببض التجار من اجل‬
‫الحصول عىل معلومات حول التحركات االرهابية‪.‬‬
‫الخطر يف العملية االرهابية االخرية هو انتقام‬
‫االرهابيني من اولئك الذين لهم شجاعة االعالم حول‬
‫تحركاتهم وعدم متكن السلطة من حاميتهم‪ ،‬وأمتنى‬
‫ان يقع تدارك ذلك‪ ،‬الن عدم توفري الحامية يبعث‬
‫برسالة سلبية ملتساكني املناطق املتاخمة للجبال‬
‫حيث يتحرك االرهابيون‪.‬‬
‫ان عدم االهتامم بالجهات الحدودية وحاميتها من‬
‫التهميش وتوفري أسباب العيش الالئق الذي يحفظ‬
‫للمواطنني كرامتهم ويقيهم رش الخصاصة‪ ،‬اىل جانب‬
‫عدم توفري الحامية الالزمة عند اإلبالغ‪ ،‬يرتك هامشا‬
‫كبريا لإلرهابيني ويوفر الحاضنة التي يطمحون اليها‪.‬‬
‫كيف يقيّم المنتدى‪ ،‬واألستاذ الرّمضاني‪،‬‬
‫المشاريع المُعلنة للتنمية في الجهات؟‬
‫التنمية يف الجهات‪ ،‬يف تقديري‪ ،‬تشكو عديد الهنات‬
‫وهي هيكلية‪ ،‬إذ أ ّن القطاع الخاص يتلكأ يف بعث‬
‫املشاريع بسبب غياب البنية التحتية ومحيط سليم‬
‫للعمل بسبب البريوقراطية‪ ،‬وحتى املشاريع القليلة‬
‫التي أقرت من قبل السلطة املركزية‪ ،‬فإنها تالقي‬
‫إشكاليات عديدة‪ ،‬منها البريوقراطية اإلدارية وقضايا‬
‫امللكية والترسع وغياب إسرتاتجية واضحة للتنمية‪،‬‬
‫اىل جانب عدم استغالل كل الطاقات التنموية التي‬
‫ميكن ان توفرها املنطقة‪...‬‬
‫أعتقد انه ال ميكن الحديث عن منو دون تنمية وال‬
‫ميكن ان تكون هناك تنمية دون ان ادماج الجهات‬
‫الداخلية بتضافر كال من القطاع العام والخاص‬
‫وتوفري الظروف املناسبة للمستثمرين حتى يبعثوا‬
‫مشاريعهم‪ ،‬هذه الرشاكة مهمة لبعث املشاريع‬
‫الكربى‪ ،‬حتى نقلص من التداين ونضمن نجاعة‬
‫االستثامر‪.‬‬

‫الخميس ‪ 14‬فيفري ‪ - 2019‬املوافق لـ ‪ 12‬جامدى الثانية ‪ - 1440‬العدد ‪75‬‬

‫هل للمنتدى مشروع اقتصاديّ يمكن أن‬
‫يعرضه ويدافع عنه أم أ ّن األمر يتجاوز‬
‫اختصاصه؟‬
‫ال أعتقد انه ميكن للمنتدى أو اي طرف مجتمعي‬
‫أو حزيب ان يقدم مرشوعا متكامال للخروج من‬
‫املأزق ‪ ،‬لكني ناديت يف عديد املرات بلقاء وطني‬
‫أو مؤمتر وطني من اجل انقاذ البالد‪ ،‬تشارك فيه‬
‫كل املنظامت‪ ،‬ويف مقدمتها االتحاد العام التونيس‬
‫للشغل‪ ،‬الذي سبق وان قدم بعيد االستقالل مرشوعا‬
‫أقرته السلطة‪ ،‬وكذلك املختصني والخرباء و واألحزاب‪،‬‬
‫يخرج بتوصيات تحدد التوجهات ألي حكومة قادمة‪،‬‬
‫هذا الربنامج سيضمن سلام اجتامعية لفرتة محددة‬
‫وسيكون له مصداقية بسبب مشاركة كل االطراف‬
‫وميكن ان يسهل عمل السلطة القادمة‪...‬‬
‫في ظ ّل األزمات المتتالية في البالد‬
‫(التعليم‪ ،‬الصحّة‪ ،‬الوظيفة العموميّة‪،‬‬
‫المديونيّة‪ )..‬أيّ دور يمكن أن يلعبه‬
‫المنتدى؟‬
‫نحن حريصون عىل أن يكون موقفنا مستقال‬
‫ومعتدال ويتامىش ومصلحة البالد وكذلك دورنا‬
‫كمجتمع مدين‪ ،‬يحاول أن يعاضد األدوار التي تلعبها‬
‫منظامت أخرى‪ ،‬نحن قدمنا منذ سنوات تقريرا عن‬
‫االنقطاع املدريس وسجلنا انقطاع أكرث من ‪ 100‬الف‬
‫طفل ونبهنا وزارة الرتبية والحكومة واملجتمع لهذه‬
‫الظاهرة الخطرية وكنا ضمن ائتالف وطني للصحة‬
‫قدم دراسات مهمة عن االوضاع الخطرية للصحة‬
‫وعقدنا ندوات يف هذا الشأن وقدمنا تقارير عن‬
‫املديونية‪...‬‬
‫مهمتنا ليس الدفاع عن قطاع بعينه بل دراسة ما‬
‫يعرتي كل قطاع من نواقص وتقديم ما نراه من‬
‫حلول‪.‬‬
‫سنة انتخابيّة تتزامن مع أوضاع اجتماعيّة‬
‫صعبة من المتو ّقع أن يرافقها كمّ من‬
‫الوعود والتحركت ذات ّ‬
‫الطابع االنتخابي‪.‬‬
‫فهل يمكن أن يقوم المنتدى بدور في‬
‫ترشيد النّاخب؟‬
‫هناك عديد الجمعيات التي تعمل عىل ترشيد‬
‫الناخب وتقديم ما يلزمه من آليات‪ ،‬وأنا باملناسبة‬
‫أحيّي عملها ونشاطها من أجل ضامن شفافية ونزاهة‬
‫االنتخابات‪ ،‬نحن فقط ندعو املواطنني إىل الذهاب‬
‫إىل صندوق االقرتاع‪ ،‬حتى نضمن تواصل املسار‬
‫الدميقراطي والتداول السلمي عىل السلطة‪.‬‬
‫دفعت األوضاع االقتصاديّة إلى تحرّكات‬
‫كبيرة في فرنسا في المدّة األخيرة دون‬
‫أن تعلن‪ ،‬في العلن على األقل‪ ،‬على قادة‬
‫لهذه التحركات ما ّ‬
‫يذكر بأطوار الثورة‬
‫التونسيّة‪ ،‬هل ترى في ذلك بداية عهد‬
‫جديد في شكل االحتجاجات والثورات أم أ ّن‬
‫المقارنة غير مشروعة؟‬
‫ليس يف فرنسا فقط‪ ،‬بل لرنى ما يحدث يف املنطقة‬
‫العربية من مسارات تغيري للخارطة السياسيّة‪ ،‬مثال‬
‫يف السودان‪ ،‬الذي عرف نظاما استمر لثالث عقود‪،‬‬
‫رغم ما رافقه من قضايا وحروب‪ ،‬يعرف السودان‬
‫منذ شهور انتفاضة بسبب غالء املعيشة وبسبب‬
‫تفاقم مظاهر الفساد واملحسوبية‪ ،‬ومل يستطع‬
‫الحاكم السوداين تقديم حلول‪ ،‬وهو الذي خرس جل‬
‫ثروته النفطية بسبب انفصال الجنوب‪ ،‬واملغرب‬
‫الذي عرف حراك الريف وعديد املناطق االخرى‪...‬‬
‫نحن أمام انتفاضات شعبية‪ ،‬جديدة‪ ،‬ال تقودها‬
‫أحزاب وال منظامت وال نقابات‪ ،‬فهي خارجة عن‬
‫كل الهياكل املنظمة‪ ،‬بل وأحيانا ال تقبل التنظيم أو‬
‫االنضواء تحت أيّة يافطة‪ ،‬لها مطالب محددة‪ ،‬ال‬
‫تريد التنازل عنه‪.‬‬
‫هذه املظاهر البد من دراستها وقد نظمنا يف املنتدى‬

‫ندوة‪ ،‬قدمنا فيها ورقات تحليلية حول الظاهرة‪،‬‬
‫شارك فيها مختصون‪ ،‬من بينهم‪ ،‬األستاذ شكري‬
‫املبخوت واألستاذ آصف بيات والحبيب العايب‪،‬‬
‫وكانت الغاية فهم الظواهر الثورية الجديدة ‪ :‬هل‬
‫هي قطع مع الثورات املاضية ؟ أم تواصل بشكل‬
‫مختلف؟ وهل أ ّن عدم وجود «الحزب الثوري» الذي‬
‫يقود التحركات يشكل عائقا؟ أم انه عامل ايجايب‬
‫لتفادي الهيمنة املطلقة لحزب معني عىل الحياة‬
‫السياسية ؟‬
‫املهم ‪ ،‬إنّنا يف زمن آخر غري زمن الثورات التي تقودها‬
‫االحزاب السياسية التي تعاضدها املنظامت يك تريس‬
‫برنامجها الثوري وتسعى إىل تطبيقه‪ ،‬ولهذا عىل كل‬
‫االحزاب ان تقرأ هذا الواقع الجديد وتستفيد منه‪.‬‬
‫أي خطر يهدّد مسار االحتجاج غير‬
‫ّ‬
‫المؤطر وذاك الذي دون قادة؟‬
‫االحتجاج غري املؤطر يأيت غالبا كنتيجة لعدم‬
‫استامع السلطة لنداءات املواطنني يف قضايا مثل‬
‫انقطاع املاء أو الطرقات أو غريها وغياب املسؤول‬
‫الذي يسارع بالبحث عن الحل‪ ،‬أو يعطي الجواب‬
‫املقنع‪،‬‬
‫قضية االحتجاجات غري املؤطرة قد تتحول إىل مشاكل‬
‫حقيقية إن نفد صرب املحتجني وتيقنوا أن ليس هناك‬
‫إحساس مبا يعيشونه من مشاكل‪ ،‬القضية األساس ّية‬
‫يف التواصل ومصداقية الوعود وحرفية املسؤول يف‬
‫ابتكار الحلول املمكنة‪ ،‬حتى ال يتط ّور الغضب إىل‬
‫عنف‪ ،‬أ ّما املحاكامت والحلول األمنيّة ‪ ،‬فإنها أثبتت‬
‫عدم جدواها منذ أيّام ما قبل الثورة‪.‬‬
‫دعوت في تصريح سابق إلى تقنين‬
‫التهريب‪ .‬فكيف ترون تقنينه؟‬
‫‪ 14‬التهريب استنزاف لالقتصاد الوطني ونزيف‬‫جبايئ وقد يتحول أحيانا إىل تهديد ومخاطر أمن ّية‬
‫‪ ،‬لذلك وجبت مواجهته بالطرق القانونية وإن مل‬
‫نستطع يف الوقت الحارض منعه‪ ،‬فعىل األقلّ الحد‬
‫منه ‪ ،‬ومحاولة إدخاله يف ال ّدورة االقتصادية‪،‬‬
‫مقابل ذلك‪ ،‬البد أ ْن نعي أ ّن تنامي التجارة املوازية يف‬
‫املناطق الحدودية سببه غياب التنمية واالستثامرات‪،‬‬
‫الساحلية وحول العاصمة‪،‬‬
‫املرتكزة أساسا يف املناطق ّ‬
‫لذلك ونظرا لغياب سياسة تنموية عادلة‪ ،‬يسعى‬
‫هؤالء سكّان هذه املناطق إىل البحث عن موارد‬
‫رزق أخرى ‪ ،‬ولو بطرق غري قانونية‪ ،‬عرب تهريب‬
‫البنزين واملواد االستهالكية‪ ،‬لذا أ ّي سلطة متتلك شيئا‬
‫من الحكمة لن تكتفي بالحلول األمنيّة وتسعى إىل‬
‫تغيري األوضاع االجتامعية للمواطنني هناك لسبب‬
‫أسايس‪ ،‬أنّهم هم من يستطيعون املساعدة عىل‬
‫ّ‬
‫تأمني ظهورنا من اإلرهاب‪ ،‬ولن يكون ذلك ممكنا‬
‫إالّ إذا كانت هناك ثقة يف الوطن الذي يوفر التنمية‬

‫ نحن في مرحلة انتقالية‪،‬‬‫رفعت الغطاء عن الكثير‬
‫من األمراض التي كان‬
‫الحديث فيها محظورا‬
‫من قبل‪ ،‬وهي باألساس‬
‫أمراض اجتماعية‪ ،‬منها‬
‫بالخصوص أهمية اإلحساس‬
‫باالنتماء لهذا الوطن‪،‬‬
‫قبل االيدولوجيا ‪ ،‬وفهم‬
‫السياسة بإبعادها النبيلة‬
‫العادلة ويغلق الباب امام كل مصادر االسرتزاق غري‬
‫املرشوعة‪.‬‬
‫ترون االئتالف الحاكم اآلن قادرا على‬
‫تأمين السّلم االجتماعيّ في البالد؟‬
‫ال أستطيع أن أحكم عىل أ ّي حزب أو ائتالف َحكَم‬
‫أو سيحكم مستقبال ايجابا أو سلبا إال مبقدار قدرته‬
‫عىل حلّ قضايا التنمية وكل القضايا االجتامعية‬
‫األخرى‪ ،‬لذلك أرى أ ّن كل من تداولوا عىل السلطة‬
‫منذ الثورة إىل اآلن مل يتمكنوا من ذلك‪ ،‬بل إن‬
‫األوضاع ازدادت صعوبة‪ ،‬وهو ما أثار غضب ويأس‬
‫املواطنني‪ ،‬كام اهتم بالرصاعات السياسيّة التي تق ّدم‬
‫مم نحن‬
‫الربامج والتص ّورات التي ميكن أن تخرجنا ّ‬
‫فيه‪ ،‬لذلك نادرا ما أشاهد الربامج الحوارية‪ ،‬ألنني‬
‫أراها‪ ،‬رصاحة مضيعة للوقت‪ ،‬تحمل أحيانا خطابا‬
‫متدنيا‪.‬‬
‫ق ّدم األستاذ ال ّرمضاين استقالته من ال ّرابطة التونس ّية‬
‫السبب‪.‬‬
‫لحقوق اإلنسان سنة ‪ 2016‬دون أن يُعلن ّ‬
‫السبب اآلن؟‬
‫فهل ميكن أن تعلن ّ‬
‫أمتنى للرابطة التونسية النجاح‪ ،‬فكل من يكون‬
‫يف هذه املنظمة العريقة يجب ان يتذكر تاريخها‬
‫النضايل وأجيال املناضلني التي تداولت عىل‬
‫املسؤولية ُصلبها‪ ،‬لقد تعلّمنا الكثري يف مسارها‪ ،‬وليس‬
‫فقط النضال ‪ ،‬بل تعايش مختلف التيارات واألفكار‬
‫داخلها دون هيمنة‪ ،‬وهذا ما سيحافظ عىل هذه‬
‫املدرسة ويحميها من كل انتكاس‪.‬‬

‫‪10‬‬

‫الخميس ‪ 14‬فيفري ‪ - 2019‬املوافق لـ ‪ 12‬جامدى الثانية ‪ - 1440‬العدد ‪75‬‬

‫الحركة االجتماعية‪ :‬املفاهيم‪ ،‬النماذج التحليلية والحالة التونسية*‬
‫منري سعيداين *‬

‫أوال‪ :‬إيضاحات مفهومية‬
‫وتاريخية‪:‬‬

‫سنة ‪ ،1842‬نحت لورينز فون ستاين‬
‫مصطلح‪« ‬الحركة االجتامعية»‪ ‬لإلشارة إىل أشكال‬
‫متعددة من االحتجاج الرامية إىل تغيري األوضاع‬
‫االجتامعي وال ّنقايب‬
‫العميل‬
‫االجتامعية القامئة‪  .‬وانترش استخدام املفهوم يف املعنى ّ‬
‫ّ‬
‫والسيايس خالل النصف األ ّول من القرن العرشين‪ .‬ومنذ أواخر ستينات القرن العرشين‬
‫ّ‬
‫تحولت الحركات يف هويتها (نشوء حركات نسوية وطالبية وشبابية وبيئية‪ ،‬وأقليات‬
‫مهاجرة‪ ،‬وإثنية‪ ...‬إلخ) وأشكالها النضالية (زهور االعتصام‪ ،‬واحتالل املقرات أو‬
‫اإلرضاب عن الطعام واملسريات والحمالت‪...‬إلخ) ومطالبها (تعزيز املراقبة االجتامعية‬
‫السلطات‪ ،‬استقاللية الجامعات االجتامعية‪ ،‬إغالق املفاعالت النووية‪ ،‬إلغاء أو‬
‫عىل ّ‬
‫سن قوانني موجهة لفئات اجتامعية بعينها‪ ...‬إلخ) ويف تركيبتها االجتامعية (جامعات‬
‫عمل‪ ،‬نساء غري عامالت‪ ،‬عاطلون‪ ،‬بيئيون‪...،‬إلخ)‪.‬‬
‫متن ّوعة‪ّ ،‬‬

‫ويع ّرف تشالز تيليل الحركة االجتامعية عىل أنها «سلسلة‬
‫ذات دميومة من التفاعالت بني املاسكني بالسلطة وأشخاص يتحدثون‬
‫نيابة عن قاعدة جامهريية تفتقد التمثيل السيايس ال ّرسمي‪ ،‬وذلك يف‬
‫سياق نرش هؤالء األشخاص مطالب محددة تستهدف إجراء تغيري يف‬
‫توزيع السلطة أو مامرستها وتدعيم هذه املطالب بتحركات جامعية‬
‫عمومية من أجل حشد التأييد»‪ .‬ويعترب ديال بورتا ودياين أن يف الحركة‬
‫االجتامعية أربع خصائص هي شبكة من العالقات غري الشكلية‪،‬‬
‫وتقاسم جملة من األفكار والقيم واملعايري واملعتقدات واملبادئ‪،‬‬
‫اعي‪ ،‬والصبغة االحتجاجية‪-‬املطلبية‪-‬‬
‫االشرتاك يف فعل جامعي نِ َز ّ‬
‫النضالية التعبوية غري االنتخابية وغري التمثيلية‪.‬‬
‫ويركّز التّحليل اإلطاري للحركات االجتامعية عىل كيفية‬
‫استخدام األفكار والثقافة واأليديولوجيا وتأويلها ل َحشْ ِد التأييد‬
‫لألهداف املرسومة‪ .‬وبالنسبة إىل وليام غامسون مثة ثالثة مكونات‬
‫إلطار العمل الجامعي هي التظلّم (غضب أخالقي نابع من شعور‬
‫بالظلم) وال ُهويّة (التامهي مع مجموعة من خالل إحساس األفراد‬
‫ببعضهم البعض تجاه سلطات معينة) والقدرة عىل الفعل (استطاعة‬
‫ذاتية جامعية لتغيري األوضاع)‪ .‬وحسب دافيد سنو وروبرت بنفورد‪،‬‬
‫من أسس إطار الفعل االنتقال من تأطري حالة اجتامعية عىل أنها ظاملة‬
‫إىل توجيه اللّوم إىل مسؤو ٍل ما مح ّدد عنها‪ .‬كام يستلزم إطار الفعل‬
‫الجامعي تنمي َة شعو ٍر باملسؤولية عن فعل جامعي يضا ُّد السياسات‬
‫الظاملة ويكون قادرا عىل تخليص املتظلمني مام يشتكون منه‪ .‬وبذلك‬
‫يكون إطار الفعل الجامعي تشخيصيا (تحديد ظاملني وتوجيه اللوم‬
‫لهم) وإنذاريا (وضع مخطط لالحتجاج وتعيني مسئولني عن التنفيذ)‪.‬‬
‫وبذلك تكون مثة ثالث عمليات تشكّل إطار الفعل الجامعي هي‬
‫تشخيص الوضعية السياسية واالجتامعية‪ ،‬واقرتاح أهم الحلول‪ ،‬ورسم‬
‫اسرتاتيجية التحرك االحتجاجي املطلبي‪.‬‬
‫ولذلك يقول دافيد سنو «‪ ...‬يرى األفراد بعض خصائص‬
‫حياتهم‪ ...‬عىل أنها ناتجة عن أفعال ظاملة‪ ،‬وأنها قابلة للتغيري‪...‬‬
‫وعىل هذا األساس تتشكل لديهم ُمعتقداتهم الخاصة ِحيَ َال ما هو‬
‫عادل‪ ،‬وما هو ظامل‪ ،‬ما هو ثابت‪ ،‬وما هو متغري» وبفعل «‪ ...‬تكاثر‬
‫مظاهر الحيف والظلم والتهميش واملهانة ومراكمة الجمهور‪ ...‬تجارب‬
‫نضالية و‪...‬أشكاال من التحركات وطُ ُرقًا مبتدعة يف اإلعالم واالتصال‬
‫والتجنيد والتعبئة» يت ّم اكتساب «فهمٍ أشمل لطبيعة عمليات حركة‬
‫كل ذلك تربز املامرسات االحتجاجية‬
‫التأطري وتأثريها‪ .»...‬ومن خالل ّ‬
‫(املظاهرات‪ ،‬والحمالت‪ ،‬واالعتصامات‪ ،‬وبناء الحواجز‪ ،‬واالنخراط يف‬
‫املصادمات مع قوات األمن‪...‬إلخ) بحيث تكون الحركة االجتامعية‬
‫« قادرة عىل ابتكار تركيبات جديدة من الهويات‪ ،‬والتكتيكات‪،‬‬
‫واملطالب‪ ،‬وتعترب هذه اللحظات اإلبداعية مهمة للغاية‪ ،‬ألنها قد توفر‬
‫الرشارات األوىل التي تكشف ضعف النظام السيايس القائم»‪.‬‬
‫فإذا ما اجتمعت كل هذه العنارص نكون إزاء دورة احتجاج‪،‬‬
‫إذ تنشأ من «صميم النزاع القدرة عىل‪ ...‬ابتكار طرق جديدة‪ .»...‬يقول‬
‫سيدين تارو‪« :‬يف العديد من الدورات االحتجاجية‪ ،‬تتميز ذروة النزاع‬
‫بالتوسع يف أشكال جديدة من العمل الجامعي» باإلضافة إىل «الحمالت‬

‫االحتجاجية وتشكيل التحالفات‪ .»...‬وقد زاد هذا األم ُر وضوحا خاصة‪،‬‬
‫وكام يرى تشارلز تيليل‪ ،‬وقَ ْد «أصبحت جميع االبتكارات التكنولوجية‬
‫‪ ...‬متوافرة أمام منظّمى ونشطاء الحركات االجتامعية‪ .‬فقد خّفضت‬
‫ووسعت يف الوقت ذاته من املدى الجغرايف‬
‫عموما من تكلفة االتصال ّ‬
‫الذي تغطيه الحركات االجتامعية»‪.‬‬
‫مع توسع االحتجاج وانتشاره تتوسع قاعدة الداعمني للحركة‬
‫عرب انضامم املجموعات التي تحس بنفس الظلم‪ .‬وهذا يجعل إطار‬
‫الحركة يتحول إىل إطار رئيس يجمع العديد من املنظامت والهيئات‪،‬‬
‫والحركات واملجموعات وال ّروابط والشّ بكات السياسية والنقابية‬
‫والحقوقية‪ .‬عند ذلك يكون الصدى القوي إلطار الحركة قد فعل فعلَه‬
‫يف جعل مجموعة كبرية من املطالبني بالتغيري السيايس‪ ،‬ينضمون إىل‬
‫الحركة االجتامعية‪ .‬ويعني ذلك استخدام مجموعة من االسرتاتيجيات‬
‫واألشكال النزاعية واملعاين املبتدعة لخلق هوية اجتامعية نضالية‬
‫موحدة‪.‬‬
‫وعىل هذا الوقع يدل تكاث ُر األفعال االحتجاجية واملطلبية‬
‫والنضالية وميالد اإلطار الرئيس عىل بدء دورة احتجاج بوصفها مرحلة‬
‫ٍ‬
‫«تصاعد يف الرصاع ضد النظام االجتامعي‪ ،‬مع انتشار رسيع للفعل‬
‫الجامعي‪ ،...‬وتسار ٍع يف وترية االبتكار يف أشكال النزاع املستخدمة‪،‬‬
‫وتوات ٍر يف إنشاء أُطُر العمل الجامعي‪ ،‬ومز ٍج بني املشاركة املنظّمة وغري‬
‫املنظّمة‪ .»...‬وغالبا ما ينترش الفعل الجامعي ليشمل مناطق جغرافية‬
‫و‪-‬أو قطاعات اجتامعية أوسع فأوسع‪ .‬وحسب املحللني‪ ،‬متر دورات‬
‫االحتجاج بثالث مراحل هي مرحلة االنتشار‪ ،‬ثم اإلنهاك‪ ،‬ثم التطرف‪/‬‬
‫املأسسة‪ .‬وال ب ّد من االنتباه خالل تحول الدورات إىل التداخل بني‬
‫تفاعالتها الداخلية وتفاعالتها الخارجية‪ .‬إن االنتقال من الحركة‬
‫االجتامعية إىل تحركات سياسية أشمل وأعمق وأكرث ترابطا ميكن أن‬
‫السلمية إىل ثورات كاملة العنارص‪ ،‬أو من حركة جامهريية‬
‫ينقلنا من ّ‬
‫إىل احتجاجات متناثرة وغري كثيفة العدد‪ ،‬ومن أثر اجتامعي بالغ‬
‫وواسع إىل أثر ضَ ا ِمرٍ‪ .‬وميكن أن يسهم القمع املامرس عىل الحركة‬
‫االجتامعية يف توجهها إما نحو اإلطاحة بالنظام السيايس أو نحو‬
‫مهادنته وتغليب مسار املأسسة التقليدية‪.‬‬
‫نستخلص من هذه التناوالت املفهومية والنظرية إنّنا إزاء‬
‫أربع أو خمس سامت كلّام اجتمعت صار من املمكن الحديث عن‬
‫حركة اجتامعية‪ .‬تلك السامت هي تظلم جامعي من وضع غري عادل‬
‫ما‪ ،‬ووجود أدىن تنظيمي‪-‬تعبوي يسعى إىل تحديد مطالب إزاء‬
‫ذلك الوضع‪ ،‬وعمل أفراد ومجموعات عىل تحقيق التحشيد الالزم‬
‫للموارد واالسرتاتيجيات الكفيلة ببلوغ تحقيق املطالب‪ ،‬ووجود‬
‫ترابطات نضالية سياسية وفكرية بني السياق التظلّمي‪-‬املطلبي‪-‬‬
‫التعبوي والسياق السيايس العام الذي يعيشه املجتمع‪ .‬ويف هذه‬
‫الحركات يرتافق االعتصام مع مترير العرائض لإلمضاء واملسريات‬
‫وحمالت املقاطعة وتوزيع املواد الدعائية أو إلصاقها وهو ما يحقق‬
‫نوعا من املشاركة السياسية غري التقليدية‪ .‬وبذلك تعيد الحركة‬
‫االجتامعية هندسة الفضاء العمومي حيث ينشأ‪ ‬مشرتك عمومي‬
‫نضايل ومقاوم‪ ،‬من ابتداع الجمهور الواسع الذي يبنى حرية فكره‬
‫وسيادته وهويته املتجددة من خالل املناقشات العمومية‪ ،‬كام تربز‬
‫املعاين االحتجاجية ومن خاللها يت ّم العمل عىل إعادة إدماج املقصيني‬
‫من إدارة الشأن العمومي‪ .‬وعادة ما تتوزّع الحركات االجتامعية بني‬
‫فئات عمرية مختلفة مع هيمنة نسبية للشباب‪ ،‬وفئات اجتامعية‬
‫مختلفة مع هيمنة نسبية للفقراء من العاطلني والعامل والفالحني‬
‫ورشائح الربجوازية الصغرية‪ ،‬وفئات مثقفة ومسيّسة تسيّسا عاما مع‬
‫هيمنة للمقص ّيني مع العملية السياسية االنتخابية و التمثيلية الرسمية‬
‫والتقليدية‪.‬‬
‫وبهذه الخصائص تكون الحركات االجتامعية أقرب إىل‬
‫يف أشكال التنظم الجامهريي التلقايئ وخاصة إذا ما تأسست يف‬
‫سياق التحركات الثورية ألنّها تستغل انحسار فعل الدولة وأجهزة‬
‫الحكم والطبقات الحاكمة واملؤسسات السياسية الحزبية والنقابية‬
‫والجمعياتية التقليدية‪ .‬وهي تتّخذ أشكاال تنظيمية هي أقرب إىل‬
‫االستقاللية والدميقراطية والقاعدية واملبادرة وعدم التمركز‪.‬ويكون‬
‫ذلك عىل الرغم من أن بناء مثل هذه األدوات التنظيمية يثري رصاعا‬
‫بني أصحاب النزعة االستقاللية والقاعدية والجامهريية وأصحاب‬

‫‪11‬‬

‫الخميس ‪ 14‬فيفري ‪ - 2019‬املوافق لـ ‪ 12‬جامدى الثانية ‪ - 1440‬العدد ‪75‬‬

‫النضال النقابي وأفق التحرر االجتماعي يف تونس‬
‫ابراهيم العمريي‬
‫يشهد املجتمع التونيس اليوم حراكا اجتامعيا يبدو ظاهريا‬
‫غري مسبوق يف تاريخه البعيد والقريب‪ ،‬انطباع تغذيه‬
‫قراءات مجانبة للصواب لتفاعالت املجتمع‪ ،‬وتحاول‬
‫تكريسه جهات تعمل عىل طمس توق املجتمع التونيس‬
‫الدائم للحرية واإلنعتاق حفاظا عىل مصالحها التي بنيت‬
‫من عرق العامل دون أن يستفيدوا منها‪ .‬غري أن مثل هذا االنطباع السائد أحيانا لدى‬
‫فئات واسعة من املجتمع ال يبني عن وجه الحقيقة كاملة عند الباحث املتعمق يف‬
‫واقع املجتمع التونيس‪ ،‬إذ يكفي استعراض تاريخ النضال النقايب واالجتامعي يف تونس‬
‫حتى نقف عىل كثافة وعمق حضور املامرسة النضالية يف أبعادها النقابية واالجتامعية‬
‫بل عىل تجددها وتنوعها بتطور املراحل التاريخية التي مر بها املجتمع التونيس‪ .‬إن‬
‫تاريخ الفعل النقايب يف تونس عىل فرادة مساره وعمق ارتباطه بتطلعات املجتمع‬
‫التونيس نحو التحرر من كل أشكال االستغالل واالضطهاد والتهميش واإلقصاء ليربز‬
‫جدلية الرتابط الوثيق بني الحقوق النقابية والحقوق االجتامعية يف التحرر والعدالة‪.‬‬

‫النزعة املركزية ذات االرتباط باألحزاب واملنظامت والحلقات املنظمة‪.‬‬

‫ثانيا‪ :‬في الحالة التونسية‪:‬‬

‫ليست الحركات االجتامعية مستجدة يف تونس بل متكن‬
‫العودة بتواريخها األوىل إىل بدايات القرن العرشين‪ .‬ولكن من بني‬
‫العنارص التي ساهمت يف االنتقال من السامت القدمية إىل السامت‬
‫الجديدة يف الحركات االجتامعية يف تونس تكوين اتحاد أصحاب‬
‫الشهادات املعطني عن العمل (‪ )2006‬ألنّه بدأ بتجميع أفراد مناضلني‬
‫فاعلني عىل غري األرضية النضالية (تنظيم نقايب) لالتحاد العام لطلبة‬
‫تونس الذي ينحدر منه أغلب الفاعلني يف االتحاد الناشئ‪ ،‬وعىل غري‬
‫األرضية الفئوية‪-‬االجتامعية التي ينتمون إليها (طلبة)‪ .‬ومن امله ّم‬
‫أن نذكّر بأن تكوين االتحاد كان يف سياق ضاقت فيه إىل ح ّد بالغ‬
‫إمكانيات التعبري والنضال عىل األسس القدمية املعتادة‪ .‬أما من حيث‬
‫األحداث التاريخية الفارقة‪ ،‬فتمكن العودة إىل انتفاضة الحوض‬
‫املنجمي لسنة ‪ 2008‬للوقوف عىل سامت تاريخية واجتامعية تدل‬
‫عىل دخول الحركات االجتامعية يف تونس طورا جديدا‪ .‬يف هذه‬
‫االنتفاضة سامت جديدة ولكن مع احتفاظها ببعض السامت القدمية‬
‫من حيث اشرتاك مناضلني نقابيني فيها بل وقيادتها أحيانا وتكوين‬
‫لجان املساندة من نقابيني وسياسيني وإعالميني ينتمون إىل املجال‬
‫السيايس الرسمي والتقليدي‪.‬‬
‫ولذلك فإن امليالد التاريخي الحقيقي للحركات االجتامعية‬
‫الجديدة يف تونس كان بعد ‪ 17‬ديسمرب ‪ 2010-14‬جانفي ‪ 2011‬حيث‬
‫انفجرت أشكال نضالية جديدة بالكامل وظهرت أطر نضالية غري‬
‫مسبوقة وكانت الدورة االحتجاجية يف أوجها وقد تحولت إىل انتفاضة‬
‫فثورة‪ .‬ومتثل الجامعة الصيفية األوىل للحركات االجتامعية التي‬
‫انتظمت بقربة (‪ )23-24-25-09-2016‬مناسبة مثىل لبداية تطور‬
‫أشكال تنسيق بني الحركات االجتامعية حيث تم تأسيس «التنسيقية‬
‫الوطنية للحركة االجتامعية» لتجمع مجموعة من الناشطني يف‬
‫الحركات االجتامعية‪ .‬لقد انعقدت الجامعة الصيفية بحضور مشاركات‬
‫ومشاركني ميثلون حركات اجتامعية من القرصين وقفصة وسيدي‬
‫بوزيد وقرقنة وجندوبة والقريوان ومدنني وقبيل وتطاوين وفرنانة‬
‫وتوزر‪ ....‬ويف وثائق املؤمتر الوطني األ ّول للحركات االجتامعية (نابل‬
‫‪24‬و ‪25‬و ‪ ،)2017 -03- 26‬ويف الورقة التوجيهية تحديدا نجد تأكيدا‬
‫لبلورة «الفاعلني االجتامعيني الجدد صيغ تعبئة وتنظم واحتجاج‬
‫من خارج األطر التقليدية املعروفة من أحزاب ونقابات ومنظامت»‪،‬‬
‫متسك الحركات االجتامعية بخصوصيتها املطلبية واملجالية‬
‫«مع ّ‬
‫ورفضها االنصهار يف صيغ مع ّممة « وهو ما يفرس التفكري يف مؤمتر‬
‫وطني للحركات االجتامعية يكون إطارا للتعبئة والتواصل والتضامن‬
‫والتقاطع بني مختلف الحركات بالتزامن مع وعي ب»رجوع آليات‬
‫الوصم والتشويه التي تستهدف الفاعلني االجتامعيني» وخطر محدق‬
‫«بتثبيت الخيار الدميقراطي االجتامعي لروح الثورة التونسية»‪.‬‬
‫*(مختارات من منشورات سابقة ج‪)1‬‬
‫* جامعي ‪/‬باحث‬

‫فهل مازال هذا الرتابط املحدد لخصوصية املجتمع التونيس فاعال‬
‫اليوم؟ وإذا كان األمر كذلك ما هي رشوط تجديده حتى يكون نرباسا‬
‫مضيئا لجذوة النضال تحقيقا «ألهداف ثورة» تواجه خطر االنحراف‬
‫بها‪ ،‬وخطر السطو عليها‪ ،‬وخطر اختزالها يف حريات عامة دون‬
‫مضمون اجتامعي يحقق العدالة واإلنصاف يف توزيع الرثوة ويضمن‬
‫الحرية والكرامة لكل التونسيني عىل أساس القيم املواطنية الكاملة‬
‫التي ال ميكن أن تكتمل إال يف التكريس الفعيل لقيمة املساواة‬
‫الكاملة والتامة بني املواطنني‪ ،‬رجاال ونساء‪ ،‬يف الحقوق والواجبات؟‬
‫وهل يكون رشط كل ذلك وضع أسس منوال تنموي جديد يقطع‬
‫مع التبعية يف كل جوانبها السياسية واالقتصادية والرتبوية ‪-‬الثقافية؟‬
‫‪ -I‬الضرورة المجتمعية للنضال النقابي‪« /‬أحبك يا شعب»‬
‫راهنا‪:‬‬
‫قد ينكر البعض جدارة اضطالع االتحاد العام التونيس للشغل‬
‫بادوار وطنية طيلة تاريخه الطويل‪ ،‬وقد يعمل البعض اآلخر عىل‬
‫تحجيم هذا الدور والتقليل منه باعتامد أساليب التضليل والتهميش‬
‫واملغالطة وحتى الشيطنة تحت عناوين مضللة مثل « الفصل بني‬
‫العمل املدين والعمل السيايس» أو التعلل مبقولة االلتزام باملطالب‬
‫املهنية‪ ،‬أو العمل عىل زرع أشباه نقابات موازية أو التسلل إىل‬
‫الهياكل النقابية لتوجيهها نحو أهداف ال نقابية وال وطنية (تحقيق‬
‫امتيازات فردية‪ ،‬نرش املحسوبية واالنتهازية‪ ،‬استغالل هياكل االتحاد‬
‫كمطية للصعود السيايس واالجتامعي‪ ،‬توظيف الفضاء النقايب‬
‫للرتويج لتصورات ال اجتامعية وال وطنية‪ )...‬وقد يركن البعض‬
‫اآلخر إىل استعامل العمل النقايب كواجهة للتضحية بغايات العمل‬
‫النقايب السامية يف الدفاع عن العدالة واإلنصاف والحامية االجتامعية‬
‫ويف نرش ثقافة التضحية والتضامن ورعاية املصلحة العامة يف كل‬
‫فعل نقايب عنوانه األكرب املسؤولية األخالقية تجاه املبادئ السامية‬
‫للمامرسة النقابية أي الصدق والنزاهة والتضحية والوفاء لقيم نقابية‬
‫اجتامعية أخالقية تتلخص يف االنتصار دوما لقيم الحق وقيم التحرر‬
‫االجتامعي للمجتمع التونيس ولكل الشعوب التواقة إىل الحرية‬
‫واالستقاللية والسيادة الوطنية عىل ثرواتها ‪.‬‬
‫وقد أرىس معامل هذه القيم جيل املؤسسني من محمد عيل إىل‬
‫الزعيم حشاد إىل أحمد التلييل و الحبيب عاشور‪ .‬قد يكون كل هذا‬
‫مطية غايتها األخرية إبعاد الفعل النقايب عن اإلنغراس يف املطالب‬
‫األساسية للمجتمع وتحويله إىل مامرسة نخبوية ال صلة لها بنبض‬
‫املجتمع ومطالبه املرشوعة يف التقدم والرفاه ويف العمل الالئق‬
‫والصحة الجيدة ويف تعليم عمومي يضمن الرقي االجتامعي ويحقق‬
‫تكافؤ الفرص‪.‬‬
‫غري أن الغوص يف التجربة التاريخية للنضال النقايب يف تونس‬
‫يدحض مثل هذه الرؤى بل ويبني مبا ال يدع أي مجال للشك أن‬
‫النضال النقايب امللتصق بهموم أفراد املجتمع التونيس والحامل لراية‬

‫التحرر واملقاومة ضد كل السياسات واالسرتاتيجيات الالجتامعية‬
‫وضد كل الخيارات التي تنهب الشعوب خرياتها وثرواتها وضد كل‬
‫أشكال الحيف والظلم االجتامعيني وضد كل املشاريع التسلطية‬
‫واالستبدادية هي التي أبانت عن الوجه الحقيقي للمامرسة النقابية‪،‬‬
‫وجه يشهد عليه عمق استبطان القيم النقابية لدى املجتمع‬
‫التونيس إىل حد جعل املختصني والدارسني للمجتمع املدين التونيس‬
‫ال يتصورون حضورا فاعال للمجتمع املدين وال دورا يذكر يف ظل‬
‫غياب االتحاد العام التونيس للشغل بقوة اقرتاحاته وبجدية نشاطاته‬
‫امليدانية والبحثية وبقدرته عىل ابتكار الحلول للصعوبات االقتصادية‬
‫واالجتامعية للمواطن التونيس‪ .‬بل يؤكد العديد من الدارسني‬
‫للتجربة النقابية يف تونس أن املجتمع املدين وحتّى املجتمع السيايس‬
‫التونيس محظوظان بوجود منظمة مثل االتحاد العام التونيس للشغل‬
‫أظهرت انتشارا حقيقيا لدى فئات واسعة من املجتمع التونيس بل‬
‫وأنقذته من أزمات غاية يف التعقيد لعل أهمها مقاومة كل النزعات‬
‫التسلطية للسلطة الحاكمة‪ ،‬إرساء قيم التعدد واالختالف‪ ،‬الحفاظ‬
‫عىل مكاسب املجتمع التونيس يف الحريات السياسية واملساواة‬
‫بني املرأة والرجل‪ ،‬وإرساء دستور مدين يحقق الدميقراطية وحرية‬
‫الضمري والتداول السلمي للسلطة‪ ،‬العمل عىل وضع منوذج تنموي‬
‫جديد يضمن العدالة والكرامة لكل املواطنني ويجسد أهداف ثورة‬
‫الحرية والكرامة عىل املستوى السيايس واالقتصادي واملؤسسايت‪ ،‬أي‬
‫يقيم أسس دولة القانون واملؤسسات ويريس الجمهورية االجتامعية‬
‫التي تضمن حقوق األجيال القادمة وتستجيب ملطالب املجتمع يف‬
‫العمل والحامية االجتامعية والرفاه والرخاء‪.‬‬
‫فمن أين يستمد االتحاد العام التونيس للشغل هذا التجذر املحمود‬
‫للحفاظ عىل منط املجتمع التونيس‪ ،‬منط يخيف بعض األطراف‬
‫املتعطشة لبسط هيمنتها عىل املجتمع ولو باستعامل الدميقراطية‬
‫كمجرد آلية وليست كمجموعة قيم (جوهرها التعددية‪ ،‬النسبية‪،‬‬
‫فصل الدين عن السياسة‪ ،‬اإلقرار باملساواة التامة بني املواطنني‪،‬‬
‫السيادة للشعب دون سواه يف تحديد مصريه وشؤونه العامة‪)...‬؟‬
‫ال ميكن اإلجابة عن ذلك دون بلورة املبادئ األساسية التي يتأسس‬
‫عليها العمل النقايب‪:‬‬
‫أول هذه املبادئ هو الرتابط الرضوري بني النضال االجتامعي‬
‫والنضال الوطني إذ ال معنى لفعل نقايب يف وطن ال يتمتع باستقالله‪.‬‬
‫االستقاللية‪ :‬االتحاد مستقل عن كل أشكال االنخراط الحزيب املبارش‬
‫وليس مستقيال عن الشأن العام الوطني‪.‬‬
‫الفعل النقايب مدرسة يف التضحية والتضامن والتطوع من اجل‬
‫الصالح العام للمجموعة الوطنية‪.‬‬
‫الفعل النقايب ال يكتفي بتشخيص الواقع بل يتعدى ذلك اىل تقديم‬
‫الحلول االيجابية فهو أساسا قوة اقرتاح فعالة‪.‬‬
‫العمل هو أس كل خلق للرثوة وهو قيمة أساسية يف مجتمع عادل‪.‬‬
‫املشاركة البناءة يف إرساء تنمية مستدامة يستفيد منها كل أبناء‬
‫الوطن‪.‬‬
‫العمل النقايب مدرسة لتحقيق جملة من القيم الجوهرية ‪:‬‬
‫النزاهة‪ ،‬املسؤولية‪ ،‬الكفاءة‪ ،‬اإلبداع يف استنباط الحلول لقضايا‬
‫املجتمع‪ ،‬التعاون والنقد املستمر للذات دون انغالق أو استسالم‬
‫للمجهود األدىن أو للعمل املناسبايت‪ ،‬قبول الحق يف االختالف والتنوع‬
‫يف املقاربات‪ ،‬الثقافة الدميقراطية قوال وفعال‪ .‬وهنا تكمن القيمة‬
‫الرضورية لبعث أكادميية حشاد للتكوين النقايب التي مثلت مطلبا‬
‫ملحا للنقابني لإلطالع عىل تاريخ االتحاد ولوضع اسرتاتيجيات‬
‫متجددة للفعل النقايب تواكب التطورات التقنية والثورة املعلوماتية‬
‫والرقمية‪.‬‬
‫النظر إىل املامرسة النقابية باعتبارها مامرسة منخرطة يف مرشوع‬
‫حضاري ووطني للمجتمع التونيس تتآلف فيه املقومات املعرفية‬
‫اإلبداعية مع النهوض االقتصادي مع العدالة االجتامعية مع الحريات‬
‫السياسية والحقوق االقتصادية واالجتامعية‪ .‬إن النضال النقايب كل‬
‫تتساوق فيه األبعاد الفكرية والقيمية األخالقية والسياسية ملجتمع‬

‫حر عادل متعدد عقالين وتقدمي رضورة‪ .‬إن النضال النقايب املكرس‬
‫لهذه املبادئ عرب مراحله التاريخية الطويلة هو الذي يدعونا اليوم‬
‫إىل البحث عن آليات جديدة ومبتكرة تحافظ عىل املكاسب وتتدارك‬
‫الهنات واإلخالالت الفردية أو الجامعية التي ال يخلو منها أي عمل‬
‫برشي وهو ما ميكن أن نضعه تحت عبارة خالدة للزعيم فرحات‬
‫حشاد «أح ّبك يا شعب»‪.‬‬
‫فكيف ميكن تنزيل هذه العبارة يف راهن النضال النقايب اليوم؟ وأية‬
‫اسرتاتيجيات وجب عىل كل نقايب أحب هذا الشعب أن يضطلع‬
‫بها حتى يبقى العمل النقايب منارة لألجيال يف الحرية والعدالة؟‬
‫‪ --II‬ال تحرر اجتماعي دون حق في العمل‪:‬‬
‫إن قيمة الفعل اإلنساين من قيمة ارتباطه بواقع اإلنسان‪ -‬الحارض‬
‫وبتطلعاته املستقبلية‪ .‬وباملثل ال قيمة لفعل نقايب ال ينخرط يف‬
‫مرشوع حضاري متكامل للمجتمع ككل‪ ،‬وألن املجتمع التونيس‬
‫يعيش عىل وقع مسار ثوري وئيد إىل ح ّد التعطل فإ ّن أوىل مهام‬
‫االتحاد بكل هياكله ومناضليه هو االنتباه إىل مخاطر السطو عىل‬
‫مطالب الثورة أو اختطافها أو إفراغها من أهدافها الحقيقية‪ .‬وأول‬
‫هذه املخاطر املساعي الحثيثة لتزييف تاريخ النضال النقايب يف‬
‫تونس بطرق مبارشة أحيانا وغري مبارشة أحيانا أخرى‪ .‬لذلك وجب‬
‫العمل عىل حامية الذاكرة النقابية واستعادة أرشيف االتحاد وكل‬
‫الوثائق املتعلقة باغتيال الزعيم فرحات حشاد وفتحها للباحثني‬
‫لتكون فضاء للمعرفة املوضوعية وحقال رحبا لالستلهام منها يف‬
‫مواجهة مشاكل املجتمع التونيس الراهنة (البطالة‪ ،‬التهميش‪،‬‬
‫التهريب‪ ،‬التهرب الجبايئ‪ ،‬هيمنة الرشكات الكربى عىل مفاصل‬
‫االقتصاد التونيس من خالل محاوالت فرض اتفاق «األليكا» مع‬
‫االتحاد األورويب دون مراعاة مخاطره املدمرة للنسيج الصناعي‬
‫والفالحي والخدمايت للدولة الوطنية‪ ،‬محاوالت رضب املؤسسات‬
‫الوطنية والقطاع العام عموما‪ ،‬العجز التجاري‪ ،‬التداين املشط‪،‬‬
‫الفساد الذي ينخر مؤسسات الدولة‪ )...‬والن الدميقراطية كنظام‬
‫حكم ال ميكن أن تستقر ما مل تصاحبها تنمية عادلة وتوزيع منصف‬
‫للرثوة وحوكمة رشيدة ومراقبة صارمة لتسيري املؤسسات وعمل‬
‫دءوب لتحقيق عدالة ناجعة وفاعلة إنفاذا للقانون وصونا للحقوق‬
‫والحريات‪ ،‬فان الفعل النقايب ال ميكنه أن يفصل البتة بني املطالب‬
‫املهنية واملطالب السياسة واالجتامعية للمجتمع‪ ،‬وبني الدفاع اليومي‬
‫عن حقوق العامل بالفكر والساعد واملراقبة النقدية الدامئة لسري‬
‫دواليب الدولة ‪ .‬إن انخراط النضال النقايب بعمق يف مرشوع تحرر‬
‫اجتامعي لهو من أوكد مسؤوليات االتحاد كمنظمة وطنية آلت عىل‬
‫نفسها منذ النشأة االضطالع بالدورين التاليني عىل قدم املساواة‪:‬‬
‫الدفاع عن الحقوق املادية واملعنوية ملنظوريه واملشاركة الفاعلة‬
‫يف بناء أسس الدولة املدنية الدميقراطية االجتامعية التي تضمن‬
‫التعددية والحرية والكرامة وتحقق مبادئ الجمهورية الثانية التي‬
‫تتطلب رضورة منواال تنمويا جديدا يجعل من حق العمل مكفوال‬
‫لكل املواطنني‪.‬‬

‫‪12‬‬

‫الخميس ‪ 14‬فيفري ‪ - 2019‬املوافق لـ ‪ 12‬جامدى الثانية ‪ - 1440‬العدد ‪75‬‬

‫الشعر ّ‬
‫الدغاري‬

‫تواشج «العركة المرّة» مع «شعر الغلبة»‬

‫«بابور زمر» لـ «عم خميس»‬
‫السايف‬
‫شاهني ّ‬
‫«بابور ز ّمر» أغنية لهج بذكرها‬
‫الجميع‪ ،‬وكلّام أفاقت البالد عىل‬
‫مأساة جديدة من مآيس «الحرقان»‬
‫(الهجرة غري ال ّنظاميّة) أو كلّام حصل‬
‫يخص الهجرة تُبثّ هذه‬
‫أمر جلل ّ‬
‫األغنية عىل أمواج اإلذاعات وعىل‬
‫شاشات القنوات التلفزيّة‪ .‬هي أغنية‬
‫جميلة للف ّنان الراحل هادي قلّة‪ ،‬أو‬
‫لنقل إنّه لح ّنها وأ ّداها بصوته العذب‬
‫وبنربة حزينة تدخلك عامل الهجرة‬
‫ومآسيها وتجعلك تعيش لحظات من‬
‫عذاباتها‪ .‬الجميع مولع بهذه األغنية‬
‫ولك ّن قلّة قليلة تعرف الشّ اعر الذي تف ّجرت قريحته بكلامتها‪ ،‬وقلّة قليلة‬
‫املختصون واملولعون بالشعر يندر أن‬
‫تسأل من يكون هذا الشّ اعر‪ ،‬وحتّى ّ‬
‫تجد أحدا يعرف الشّ اعر أو حتّى يسأل من هو‪ .‬إنّه «عم خميّس»‪ ،‬شاعر‬
‫«الغلبة» و»موىل العركة امل ّرة»‪.‬‬
‫«بابور ز ّمر»‪ :‬املجموعة الشعريّة‬
‫«بابور ز ّمر» هو عنوان املجموعة الشّ عريّة الوحيدة املنشورة لعم خميّس‬
‫وهي صادرة عن دار رسم للنرش (تونس) سنة ‪ .1982‬تض ّم هذه املجموعة‬
‫الشعريّة جملة من قصائده الشعريّة املكتوبة بني الثالثينات والثامنينات‬
‫من القرن املنرصم وهي ترصد مختلف املراحل التي م ّر بها عم خميّس‬
‫سواء عىل مستوى اإلنتاج الشعر ّي أو عىل مستوى التجارب املختلفة‬
‫التي عاشها‪ ،‬وتجيل معامل االنسجام بني تط ّور التجربة الفكريّة والتجربة‬
‫الشعريّة‪.‬‬
‫ٍ‬
‫ليس بخاف علينا أ ّن عم خميس ق ّد الشّ عر بالعاميّة التونسيّة‪ ،‬وليس‬
‫ٍ‬
‫بخاف أيضا أن إنتاج الشعر بالعاميّة يف تونس ظاهرة قدمية تناولها بال ّدرس‬
‫الكاتب التونيس مح ّمد املرزوقي يف ع ّدة مؤلّفات‪ ،‬وهو يقول يف كتابه‬
‫«الشعر الشعبي واالنتفاضات التح ّررية»‪« :‬وأ ّول شعر عرثنا عليه باللهجة‬
‫الشعبيّة التونسيّة يرجع تاريخه إىل عهد ال ّدولة الحفصيّة‪( »...‬الدار‬
‫التونسية للنرش‪ ،‬تونس‪ ،1971 ،‬ص‪ )5‬ولكن من امله ّم أيضا اإلشارة إىل أ ّن‬
‫الكتابة بالعاميّة تخضع ملنطق السياقات وهي ليست جامدة وهي تتط ّور‬
‫تتغي من شاعر إىل آخر وفق جدليّة‬
‫من مرحلة إىل مرحلة‪ ،‬كام أنّها قد ّ‬
‫االضطرار واالختيار‪ ،‬والتاريخ ميلء بشعراء أجادوا الشعر بالعاميّة وكانوا‬
‫أ ّميني‪ ،‬ولكن عم خميّس كان يجيد اللّسانني العريب والفرنيس وكتب بهام‬
‫املقاالت وبعض النصوص الرسديّة‪.‬‬
‫تعب عن الوعي وتنبثق‬
‫مسألة االختيار هنا مسألة بالغة األهميّة‪ ،‬ألنها ّ‬
‫من اإلرادة الح ّرة‪ .‬لقد اختار عم خميّس – بشكل وا ٍع وبإرادة ح ّرة ‪ -‬يف‬
‫ذلك الظرف الدقيق من تاريخ البالد هذا املنحى الشعر ّي وهو بذلك يقف‬
‫عىل النقيض من جحافل من الشعراء سواء الذين كتبوا بالفصحى أو الذين‬
‫كتبوا بالعاميّة‪ .‬فاختياره للعاميّة مل يكن عن جهل بالفصحى كام هو حال‬
‫البعض‪ ،‬وعدم كتابته بالفصحى هو موقف‪ ،‬ليس موقفا منها وليس موقفا‬
‫من الشعر الذي يكتبه بها‪ ،‬ولكنه موقف ميتزج فيه الف ّن بال ّنضال ضمن‬
‫مرشوع شامل يكون فيه الشعر عنرصا متواشجا مع عنارص أخرى تهدف‬
‫مجتمعة إىل خوض «العركة امل ّرة» من أجل تحقيق التح ّرر والعدالة‪ ،‬فكان‬
‫الب ّد من مخاطبة أبناء الشعب بلغتهم وإبداع طرائق توصل الشعر إليهم‬
‫وتدنيهم من الشعر‪ ،‬وكذا كان شعره يف مختلف املراحل التي م ّر بها‪.‬‬
‫مل يكن عم خميّس أول شاعر يكتب بالعاميّة ويشحن شعره مبعاين الرفض‬
‫والتم ّرد‪ ،‬فثمة شعراء كرث نحوا هذا املنحى منذ ثورة عيل بن غذاهم‬
‫وخاضوا عركتهم امل ّرة بطريقتهم‪ ،‬وال ّ‬
‫نشك مطلقا أنّه استمرار لهؤالء‪،‬‬
‫ولك ّن ع ّم خميّس نشأ يف سياق مختلف عنهم ظهرت فيه كلّ املؤسسات‬

‫العرصيّة (املدرسة‪ ،‬النقابة‪،‬‬
‫الحزب‪ ،‬الجريدة‪ ،‬الجمعيّة‬
‫إلخ‪ )...‬وقد عرفها كلّها‬
‫وكان له دور يف تأسيس‬
‫بعضها‪ ،‬كام أ ّن تبنيه‬
‫للامركسيّة قد كان نقطة‬
‫تح ّول مه ّمة يف تجربته‬
‫فكان شعره أبعد ما‬
‫يكون عن صيحات الفزع‬
‫القبيل أو ال ّنرصة الدينيّة‬
‫أو منطق الرعيّة والراعي‪،‬‬
‫فكان واعيا بالعد ّو وعارفا‬
‫بطبيعته وديدنه‪ ،‬فكانت‬
‫معاين الرفض والتم ّرد يف شعره مقرتنة بتص ّورات ثوريّة ومفاهيم حديثة‬
‫عن الوطن والوطنيّة وال ّنضال والجامهري والثورة‪.‬‬
‫لنئ كانت أقدم قصيدة له ضمن «بابور ز ّمر» تعود إىل سنة ‪1936‬‬
‫رسع الجزم بأنها أول محاولة شعريّة له‪ ،‬بل إنّنا نر ّجح أن له‬
‫فإنه من الت ّ‬
‫محاوالت أخرى أقدم ولك ّنه مل ينرشها أو تع ّمد عدم نرشها ألنها قد تعود‬
‫إىل خربشات البدايات التي يهملها الشعراء عادة‪ .‬ما يه ّمنا هو أ ّن هذه‬
‫بتبص نجدها ثرثارة ّجدا وهي تبوح لنا بكلّ‬
‫القصيدة حني نقف عندها ّ‬
‫يشء عن مرحلة البدايات يف الشعر والفكر والسياسة‪ .‬أ ّول ما يلفت انتباهنا‬
‫فيها هو العنوان وهو «قسيم مس ّدس»‪ ،‬وهو عنوان ليس عنوانا متاما وإمنا‬
‫هو إشارة إىل نوع من الشعر الشعبي ضمن إنشائيّتة الكالسيكيّة‪ ،‬وهو‬
‫«الصالح»‪ ،‬قبل أن يفطن‬
‫بالسلف الشعر ّي ّ‬
‫يعب عن ولع البدايات بالتقيّد ّ‬
‫ّ‬
‫السلف صال ٌح أيضا للتجاوز‪ .‬فقصيدة «قلمي» التي‬
‫الشّ اعر إىل أ ّن هذا ّ‬
‫افتتح بها «بابور ز ّمر» هي مصداق لهذا القول‪ ،‬فعنوانها مربك (قلمي)‬
‫وهو مبفرده قصيدة حبىل باإليحاءات‪ ،‬ونزعم أنه تع ّمد افتتاح مجموعته‬
‫الشعريّة بهذه القصيدة وأن تكون هي أول ما يصافحها القارئ‪ ،‬فهي‬
‫دستوره الشعر ّي وهي شعر يح ّول الشعر إىل موضو ٍع للشعر‪ ،‬أي –إن‬
‫جازت العبارة‪ -‬رضب من «امليتاشعر»‪ ،‬يوضّ ح فيها رؤيته الثوريّة للكتابة‬
‫الشعريّة‪ ،‬فإ ّما أن تكون جزء من ملحمة الكفاح ضد أ ّي شكل من أشكال‬
‫القهر وإ ّما فال جدوى منها أبدا‪ ،‬وهو بذلك يتناغم مع إحدى العتبات‬
‫يخص الشّ اعر املرصي أحمد فؤاد‬
‫املهمة يف الكتاب وهي اإلهداء وفيه ّ‬
‫ومعبة معرتفا بفضله عليه يف تغيري طريقة تعاطيه‬
‫نجم بكلامت جميلة ّ‬
‫مع الكتابة الشعريّة حتّى تكون أكرث سالسة وانتشارا‪.‬‬

‫«بابور زمّر»‪ :‬القصيدة‬

‫«بابور ز ّمر» هو عنوان املجموعة بر ّمتها ولكنه ليس عنوانا أل ّي قصيدة‬
‫فيها‪ .‬هو الزمة موسيق ّية يف قصيدة تحمل عنوان «بابور الهجرة»‪ ،‬وهي‬
‫من القصائد التي تستوقفك طويال لعذوبة إيقاعها وانسجامه مع املأساة‬
‫اإلنسان ّية‪ ،‬مأساة الهجرة بالنسبة إىل من أكره عىل الرحيل والعيش يف‬
‫املنايف‪ .‬فتكرار بعض الحروف أو العبارات أو الرتاكيب يغذّي الوهج‬
‫املوسيقي يف القصيدة من جهة‪ ،‬ويسهم يف خلق انطباع ما حسب املضمون‬
‫الغريق‪ /‬بابو ْر ز ّم ْر‬
‫خش الب َح ْر‪ /‬بابور ز ّمر ّ‬
‫من جهة ثانية (بابور ز ّمر ّ‬
‫خش ْ‬
‫بالصوت عايل‪ /‬بابو ْر ز ّم ْر ِ‬
‫خاش ْش لب ْح َر ْه)‪.‬‬
‫حني يتفطّن الشّ اعر إىل ما ميكن أن يُحدث ُه هذا التكرار لعبارة بابور ز ّمر من‬
‫رتابة‪ ،‬يَ ْعمد إىل الح ّد منه بطريقة ذك ّية تبقي عىل لفظة «بابو ْر» وتضيف‬
‫إليها لفظة أخرى تتقارب صوت ّيا ونغم ّيا مع لفظة «ز ّم ْر»‪ ،‬وهو بذلك يكرس‬
‫أفق االنتظار لدى املتلقّي الذي اعتاد عىل هذه العبارة وارتسمت يف ذهنه‬
‫عميقا‪ ،‬فكأنّه يتخ ّيل هذا املتلقي أمامه ويقول له «أفق! إ ّن الباخرة قد‬
‫أبحرتْ إ ْذ صفّرتْ »‪ ،‬ث ّم يعود إليها بعد ذلك ليستهلّ بها آخر مقطع يف‬

‫‪13‬‬

‫الخميس ‪ 14‬فيفري ‪ - 2019‬املوافق لـ ‪ 12‬جامدى الثانية ‪ - 1440‬العدد ‪75‬‬

‫جلّول ع ّزونة‬
‫‪ 1‬تقديم ‪:‬‬

‫غاب)‬
‫القصيدة (بابو ْر (سا ِف ْر) ه ْج ِم الوطَ ْن‪ /‬بابو ْر (ز ّم ْر) عالع ْني ْ‬
‫نظفر يف هذه القصيدة بشكل آخر من التكرار الصويتّ وهو تكرار بعض‬
‫الحروف مثل «الراء» و«الحاء» و«ألف املد»‪ ،‬فإضافة إىل ما يخلقه هذا‬
‫التكرار الصويت من طاقة نغميّة جبّارة‪ ،‬فهو يحيلنا مبارشة عىل هدير‬
‫تشق عباب البحر ُم َولْ ِولَ ًة و ُمولِيَ ًة‬
‫األمواج املتالطمة حول الباخرة التي ّ‬
‫ظهرها ألرض الوطن‪ ،‬والتي تقلّ خرية أبنائه يف رحلة إىل املجهول ليخوضوا‬
‫«عركتهم امل ّرة» مع الغربة‪:‬‬
‫خـ(ـا)شش لبـ( ْحـ)ــ(ــ َر)ـ ْه‬
‫ْ‬
‫بـ(ـا)بــو( ْر) ز ّمـ( ْر)‬
‫خـ(ـا)شش لبـ(ـ ْحـ)ــ(ــ َر)ـ ْه‬
‫ْ‬
‫قدى أ( ْر)ض بـ(ـ َّر)ـ ْه‬
‫لِ ْسمـ(ـا)ء صـ(ـا)يف عـ(ـا)طي بْظْ ْهـ(ــ َر)ـ ْه‬
‫شبـ(ـا)ب من أ( ْر)ض خضـ(ـ َر)ـ ْه‬
‫يـ(ـحـْ)ـملْ‬
‫ْ‬
‫لـ(ـحـ)ـيـ(ـا)ة مـُ(ـ َّر)ـ ْه‬
‫قدى أ( ْر)ض بـ(ـ َّر)ـ ْه‬
‫ما يـ(ـ ْحـ)ـمل الو(ا) ْد وقت املطـَ(ـ ْر)‬
‫عتوقْ الشَّ جـ(ـ ْر)‬
‫تعب‬
‫تذيك هذه الطّاقة النغميّة جذوة املأساة وتُ َج ِّملُ َها يف آن معا‪ ،‬أي أنّها ّ‬
‫عنها بكلّ تفاصيلها ُمخ ِر َجتَ َها يف حلل من اإلبداع‪ .‬فاإليقاع ال ّداخ ّيل يف هذه‬
‫القصيدة ال يضطلع فقط بوظيفة التّنغيم‪ ،‬بل يتخطّاها لريسم‪ ،‬هو نفسه‪،‬‬
‫صورة شعريّة تتقاطع مع ًنى وم ْغ ًنى ومب ًنى مع الصور الشعريّة التي يع ّج‬
‫النص‪ ،‬أي أنّه‪ ،‬بتعبري آخر‪ ،‬يستحيل هو نفسه إىل صورة شعريّة أخرى‬
‫بها ّ‬
‫الصور الشعريّة‪.‬‬
‫داخل هذه ّ‬
‫خاصة‬
‫نلمس هذا الشكل من العناية باإليقاع ال ّداخ ّيل يف مجمل قصائده‪ّ ،‬‬
‫تعب عن مرحلة متق ّدمة من النضج‪ ،‬ولك ّن قصيدة بابور الهجرة‪،‬‬
‫تلك التي ّ‬
‫التي تح ّولت عبارة بابور ز ّمر املتواترة فيها إىل عنوان لهذه املجموعة‪ ،‬تظلّ‬
‫متثل تعبريا مكثّفا عن تفاصيل هذا الرضب من اإليقاع‪ ،‬حتّى أنّه ليخيّل‬
‫إلينا أ ّن هذا الجرس املوسيقي الهائل فيها والذي يهدر كاألمواج هو الذي‬
‫ل ّحن هذه القصيدة قبل الف ّنان ال ّراحل الهادي قلّة الذي وجدها مل ّحنة‬
‫فلم يع ُد أن غ ّناها‪.‬‬
‫«بابور ز ّمر»‪ ،‬املجموعة والقصيدة‪ ،‬بعض من إبدا ِع شاعر يص ّح عليه القول‬
‫إنه شاعر الغلبة حتّى وهو «تحت اللحود»‪ ،‬شاعر كتب للوطن واإلنسان‬
‫أجمل الكلامت‪ ،‬كتب بدمائه ال باملداد‪ ،‬ولكنه مل ينل حظّه من االهتامم يف‬
‫ظل واقع مناوئ لكلّ ما يحمله هذا الشاعر من أفكار وتص ّورات‪ .‬مل ينرش‬
‫عم خميس غري «بابور زمر» ولكني عىل يقني تا ّم أن قصائده التي مل تنرش‬
‫تحصلت عىل بعضها‪ -‬قد تنرش يف مجموعات‪ ،‬ولعلّ مبادرة من نوع‬
‫–وقد ّ‬
‫تجميع أعامله الكاملة يف مجلّد أو أكرث هي من أه ّم املبادرات وأوكدها‪،‬‬
‫وأزعم أ ّن أه ّم هدية لهذا الشاعر يف مائويّته هو إطالق هذه املبادرة‬
‫والسعي إىل أن تكون مرشوعا ناجزا يف القريب القريب حتّى ننتشل إبداعا‬
‫إنسانيّا من الضياع وننقذ مبدعا من براثن النسيان والتّنايس‪.‬‬

‫إ ّن قراءتنا هذه لديوان‬
‫الشاعرة‪ :‬هدى الدغّاري‪:‬‬
‫الحب ساقًا عىل‬
‫«ما يجعل ّ‬
‫ساق»‪ ،‬هي قراءة إعجاب‬
‫بهذا املولود الثاين للشاعرة‬
‫بعد ديوانها األ ّول‪« :‬لكلّ‬
‫شهوة ِقطاف»‪ ،‬وقد جاء هذا الديوان الثاين معتّقًا‪،‬‬
‫عىل خطى الديوان األ ّول ولكن بشكل أعمق‪ ،‬إذ‬
‫نستشف منه معاناة لذيذة مع معرفة واضحة وثقافة‬
‫ّ‬
‫املحل والعريب‬
‫واطّالع واسع للشاعرة عىل اإلبداع ّ‬
‫والعاملي‪.‬‬
‫وإذ نقرأ هذا القصيد أو ذلك‪ ،‬فإ ّن إعادة القراءة‬
‫تفرض نفسها‪ ،‬ال لغموض املعنى أو املحتوى‪ ،‬كام قد‬
‫يتبادر للذهن – ولكن ملا تحمله الصورة الشعريّة‪،‬‬
‫وهي جوهر شعر هدى الدغّاري‪ ،‬من إيحاءات‬
‫جميلة‪ ،‬قد نعتقد أنّها مبارشة وما هي كذلك‪ ،‬ألنّها‬
‫تعتمل يف نفس صاحبتها وتنقلها اللّغة للقارئ أو‬
‫املستمع‪ ،‬فيتفاعل معها‪ ،‬لحفرها يف تالفيف النفس‬
‫البرشيّة بتعقيداتها وعمقها وتناقضاتها وأحالمها‪.‬‬
‫نص تونيس حديث ولكن بأبعاد إنسان ّية‬
‫وإذا بنا أمام ّ‬
‫وبأمشاج فيها أصداء من األدب العاملي الرفيع‬
‫الصورة الشعريّة لدى هدى الد ّغاري‪:‬‬
‫يبدو أ ّن اله ّم اإلبداعي األ ّول لشاعرتنا هو الصورة‬
‫الشعريّة قبل البحث عن اإليقاع‪ ،‬لذلك نرى هدى‬
‫الدغّاري تبحر يف البحث عن التف ّرد وذلك باإلغراق‬
‫يف عامل التفاصيل ويف ممكن اللغة مبزج الحميمي مع‬
‫الطبيعي‪ ،‬أي بتفاعل انفعاالت النفس البرشيّة مع‬
‫اإلطار الطبيعي العام‪ .‬فيكرث يف شعرها تعرية املشاعر‬
‫حب وعناق‪:‬‬
‫الولهانة من ّ‬
‫الحب حاف ًيا‬
‫ّ‬
‫«يتمش ّ‬
‫بال صو ٍر للذكرى‬
‫مرتعشً ا كأرنب» (ص‪)131 – 130‬‬
‫وفحيح وعطش وعشق وارتعاش ولهفة وشهقة (انظر‬
‫أحب ارتعاشهام تحت القميص (ص‪– 22‬‬
‫قصيد‪ :‬كم ّ‬
‫‪ ))23‬حيث ينقلب الضمري املتغ ّزل به من الغائب إىل‬
‫املصاحب‪.‬‬
‫فالحب حارض يف كلّ القصائد‪ ،‬انطالقًا من عنوان‬
‫ّ‬
‫فالحب هو جعل الساق فوق الساق –‬
‫املجموعة‪،‬‬
‫ّ‬
‫(انظر قصيدة شهقتان (ص‪ .))92‬ال باملعنى املتداول‬

‫من تلك الجلسة الهادئة الالّمبالية وغري املكرتثة‬
‫الحس‪ ،‬بجعل‬
‫املرتاحة واملسرتخية ولكن باملعنى ّ‬
‫الحب‬
‫اعتبار‬
‫املحب عىل ساق املحبوب‪ ،‬وليس‬
‫ّ‬
‫ساق ّ‬
‫فقط شيئًا عاديّا مثل التنفّس واألكل والرشب‪ ،‬بل‬
‫الحب هو معنى الحياة األسمى واألرقى والذّي‬
‫اعتبار ّ‬
‫نعيش له ومن أجله كلّ لحظات الحياة بعمق وإرصار‬
‫وإلحاح‪ ،‬وال أدلّ عىل ذلك هو حضور هذه التيمة‬
‫يف جلّ قصائد هذه املجموعة تواصلً مع ما ظهر يف‬
‫املجموعة األوىل‪.‬‬
‫وكأ ّن الشاعرة – يف أغلب قصائدها – تتامهى مع‬
‫تعب عن ذلك بجملة من‬
‫األنثى العاشقة الولهى‪ّ ،‬‬
‫اإليحاءات وااللتفاتات والصور الشعريّة املبتدعة‪،‬‬
‫باستحضار زغب الشعر وارتعاشة الحجل والعشب‬
‫(ص‪.)144‬‬
‫ولكن هذا الدفق العاطفي‪ ،‬وهذا البوح تق ّدمه‬
‫الشاعرة يف رسمها بالكلامت‪ ،‬بلمسات شفيفة مثل‬
‫الرسام‬
‫الرسام االنطباعي (‪ )impressioniste‬أو ّ‬
‫ّ‬
‫التنقيطي (‪ )pointilliste‬فتظهر اللوحة روي ًدا روي ًدا‬
‫بعد تجاوز الجزئ ّيات ودقائق اللحظات فتحملنا‬
‫الشاعرة إىل رؤيا بل إىل رؤى شعريّة جنس ّية واقع ّية‬
‫تكب الشاعرة‬
‫وأحيانًا رسيال ّية بأتم معنى الكلمة حني ّ‬
‫املكب‬
‫جزئ ّية ما أو جزئ ّيات‪ ،‬فتضعها تحت املجهر ّ‬
‫للصورة‪ ،‬فرنى ما ال يُرى أو ما تعو ّدنا املرور عليه مرور‬
‫نغي‬
‫الكرام‪ ،‬بدون تدقيق وال غوص‪ ,‬وإذا بنا كق ّراء ّ‬
‫فهمنا لألشياء العاديّة بدفع من إرادة الشاعرة وبحثها‬
‫الدائم عن الصورة الشعريّة املبتكرة و عن حنينها إىل‬
‫الغوص إىل معاين غري متداولة وكأنّها يف حالة عشق‬
‫عاطف ّية باللغة‪:‬‬
‫«تقش الزمان» (قصيد‪ :‬بطّة ب ّرية) وتعلن‪ :‬ال‬
‫فهاهي ّ‬
‫حاجة لألرض‪:‬‬
‫«ال حاجة لألرض بكالب زائفة‬
‫بوثبة ذئب ناطق‬
‫بعبث مي ّر‬
‫بعبث ينتظر القاطرة» (ص‪)73‬‬
‫فالشاعرة هدى الدغّاري تنقلنا يف نفس القصيدة‬
‫الحس والبناء املنطقي ملفاصل اللوحة‬
‫من الوصف ّ‬
‫الشعريّة إىل عوامل جديدة تالمس املاورائ ّيات فتدخلنا‬
‫يف دقائق الفوارق اللغويّة وإذا بنا يف قصيدة مشهديّة‪،‬‬
‫فيها التكثيف وفيها ما نجده عادة يف قصائد الهايكو‬
‫من ومضات وإيحاءات‪ .‬وهذا النجاح لدى شاعرتنا‬
‫مرجعه ثقافتها ال ّعامة املتينة وتجاربها العديدة‬
‫الثقاف ّية والصحف ّية والنقّاب ّية‪ .‬فالشعر‪ ،‬يف عامل هدى‬
‫الدغّاري‪ ،‬تشبيب مستم ّر للشكل واملعنى انطالقًا من‬
‫حوارها املتواصل مع تجارب األدب العاملي (انظر‬

‫قصيدة‪ :‬عزلة ماركيز األخرية ص‪ )102‬وهذا التامهي‬
‫اإلنساين لدى الشاعرة جعل صوتها الشعري ثابتًا‬
‫مميّ ًزا‪.‬‬
‫«صويت مل يكن عاث ًرا‪...‬‬
‫صويت مل يكن عاب ًرا‪»...‬‬
‫(قصيدة صويت ص‪)6 – 5‬‬

‫ونحن يف هذا اإلطراء النقدي الواضح وبال مجاملة‪،‬‬
‫ويف هذه القراءة «املتو ّرطة»‪ ،‬نريد من هذه الشاعرة‬
‫مواصلة الحفر والغوص يف الشأن الذايت اإلنساين‬
‫والعام لتتّضح الرؤية أكرب ولتظهر البصمة الشخص ّية‬
‫جل حتّى نقول يف إنتاجها القادم‪ ،‬ومن أ ّول‬
‫بشكل ِ ّ‬
‫قراءة‪ :‬هذا شعر دغّاري‪.‬‬

‫‪ 3‬خاتمة ‪:‬‬
‫إ ّن صوت هدى الشعري هو صوت دغّاري بأتم‬
‫معنى الكلمة‪ ،‬هو كالم جريئ فيه عديد اإليحاءات‬
‫الجنسيّة (انظر قصيدة‪ :‬جوقة عينيه (ص‪)17 – 16‬‬
‫ولك ّنها إيحاءات شاعريّة دامئًا‪ ،‬رغم شبقيتها أحيانًا‬
‫ولك ّنها تحافظ عىل مستوى من الحياء يغلّفها بغشاء‬
‫رقيق وشفّاف وبصور غري مسبوقة‪ ،‬تنسجها الشاعرة‬
‫عرب ترحالها يف صفحات الحياة فتصنع مراياها‬
‫الخّاصة ج ّدا بانفعاالت إنسان ّية معروفة ولكن ببصمة‬
‫تجديديّة متف ّردة مثلً «رجل تع ّود مالحقة الحياة من‬
‫وراء زجاج الحافلة»‪.‬‬
‫وهو الكالم الفهم الشهد‪ ،‬الذّي يوصل للقارئ‬
‫وللمستمع‪ ،‬عند إلقائه املتألّق من طرف صاحبته‪،‬‬
‫عمق تجربة وصدق إحساس‪ ،‬بال احتشام كاذب ولكن‬
‫بترشيك ثقافة املتلقي وإحساسه بالجامل وبالحرية‬
‫الوجوديّة املشرتكة وذلك لِ َع ْمري جوهر اإلبداع‪.‬‬

‫نرش‪ :‬نقوش عرب ّية – ‪185( – 2015‬ص) (فيه ‪98‬‬
‫مقطوعة شعريّة)‪.‬‬
‫نرش‪ :‬نقوش عرب ّية – ‪128( – 2013‬ص) (فيه ‪93‬‬
‫مقطوعة شعريّة)‪.‬‬
‫ق ّدم الباحث مراد العلوي قراءة يف عتبات الديوان‬
‫بالنادي الثقايف الطاهر الح ّداد يوم ‪ 17/4/2015‬وأل ّح‬
‫عىل تواتر الصور الحس ّية وهي عنرص أسايس من‬
‫عنارص الكون وعىل جامليّة التواصل وخلص إىل أ ّن‬
‫تص ّور الشاعرة هو من التص ّور النتشوي للكون‪.‬‬
‫ذهب الشاعر والروايئ مح ّمد عيل اليوسفي أ ّن شعر‬
‫الحس والواقع‪ ،‬ال أثر‬
‫هدى الدغّاري يف مداه ما بني ّ‬
‫فيه للرثثرة‪.‬‬
‫تتواتر فكرة االرتعاش يف عديد عناوين القصائد‪ :‬كم‬
‫أحب ارتعاشهام تحت قميص – رعشتان – رعشة‬
‫ّ‬
‫محب – أحاذيك حجلة ترتعش‪...‬‬
‫ّ‬

‫بيت الرواية‬

‫«البيت املعمور»‬
‫أشياء كثرية مستجدة يف إيقاع يومياتنا كثريها عابر وقليلها راسخ يختط ما نحتاجه من تقاليد ايجابية ستعمل يف الحق الزمن واألجيال‪ ،‬يف‬
‫ثقافتنا الفتات براقة كثرية وعناوين منها ما يتأسس عىل الصورة والشكل العابر مع عبور املناسبات ومنها ما يؤسس بعمق وتر ّو ملا ميكن‬
‫أن يكون عميقا ومفيدا ‪ ...‬بيت الرواية مل ميض زمن عىل تأسيسه لكنه ولد كبريا بجهد فريقه الشاب املتحمس وكذلك مبحبيه ومريديه من‬
‫كتاب ومثقفني ‪...‬‬
‫استعداده الحتضان الدورة الثانية مللتقى الرواية العربية مل يؤثر يف نشاطه الدائب من خال ل تقديم اإلصدارات وحفالت التوقيع والورشات‬
‫املختصة إضافة إىل لقاءات خاصة مع روائيني للحديث عن تجاربهم وتطارح قضايا االبداع وشؤونه‪ :‬لقاءات مع عرشات الروائيني آخرهم مع‬
‫الجابل ‪/‬محمود بلعيد ‪...‬‬
‫جلول عزونة ‪ /‬حفيظة قاره بيبان ‪ /‬محمود طرشونة‪...‬ولقاءات قريبة قادمة مع محمد ّ‬

‫‪14‬‬

‫الخميس ‪ 14‬فيفري ‪ - 2019‬املوافق لـ ‪ 12‬جامدى الثانية ‪ - 1440‬العدد ‪75‬‬

‫تشكيل فضاء»دقاش» يف رواية‬
‫مواسم الجفاف لسعدية بن‬
‫سالمفويّة(‪)2‬للمكان فريد املازني « املهاجر» ملا كان للجدار‬
‫رياض خليف‬
‫و تحرض يف الرواية الثّقافة الشّ‬

‫حوار أدبي مع األديب رضا بن صالح ‪:‬‬

‫الثورة التونسية ما تزال يف مخاضاتها األوىل‬
‫اإلبداع تكريس للحريّة والحياة والحقوق‬

‫رضا بن صالح مناضل عىل ع ّدة جبهات‪ ،‬هو مبدع جمع بني التدريس والنشاط‬
‫القصة ومتيّزت كتاباته بروح‬
‫األديب واإلذاعي والنضال النقايب‪ ،‬مارس ال ّنقد إىل ف ّن ّ‬
‫التجريب والتم ّرد عىل القوالب الجاهزة‪ ،‬عرف مبواقفه الشجاعة وأسلوبه الساخر‪،‬‬
‫كتب يف النقد عن «شعرية مح ّمد الخالدي» ‪ 2008‬وعن « التجريب يف الرواية‬
‫التونسية « ‪ 2013‬وأبدع يف قصص «العابرون» ‪ 2008‬و»بيان العودة إىل أورشليم»‬
‫‪ 2013‬وهي املجموعة القصصية الفائزة بجائزة أبو القاسم الشايب و»مسالك التيه‬
‫يف الصحراء « ‪ .2014‬صدرت له أخريا «تقارير تونسية مه ّربة « وهي قصص تنهل‬
‫القص وتكشف مفارقات الواقع‪ .‬مع هذه‬
‫من الصورة السينامئية وتالعب قواعد ّ‬
‫الشخصية التونسية املتميّزة كان ملنارات هذا اللّقاء امله ّم‪.‬‬
‫(رشيدة الشارين)‬
‫‪ 1‬ـ «تقارير تونسية مهرّبة « هي إصدارك القصصي األخير‪ ،‬هل‬
‫قمت بتهريب الواقع التونسي إلى ف ّن ّ‬
‫القصة ؟‬
‫تبدو يل العالقة بني األقصوصة و الواقع ملتبسة معقدة متامهية من‬
‫منطلقات عديدة أولها مرتبط بالرسديات‪ .‬إذ حدد املنظرون لألقصوصة‬
‫حضور الواقع أو اإليهام به سمة أجناسية من سامت الكتابات األقصوصية‪.‬‬
‫أما املنطلق الثاين لحضور الواقع بأشكاله املختلفة ومتثالته املتنوعة فيعود‬
‫إىل رضورة توظيف العام املشرتك بني ذات الكاتب و ذات القارئ ليكون‬
‫التواصل بني الكتابة و القراءة يف عملية إنتاج النص‪ .‬إذ ال ميكن أن يقبل‬
‫القارئ عىل نص يتحرك يف عوامل منفصلة عن عامله‪ .‬أما املنطلق الثالث‬
‫فرنده إىل مفهوم االلتزام‪ ،‬التزام املبدع باإلبداع الذي يستدعي تحويرا‬
‫للمعيش نحو األفضل‪ .‬صحيح إن الجانب الجاميل مهم يف اإلبداع لك ّن‬
‫هذا الجاميل ال يجب أن يقيص دور املبدع تجاه مجتمعه تثويرا و تنويرا‬
‫و تحريرا‪ .‬و تقارير تونسية مهربة احتفلت بالواقع و متثلته من زوايا‬
‫مختلفة ألنه ال يوجد واقع واحد بل متعدد و لهذا حرض الواقع التونيس يف‬
‫هذه املجموعة القصصية من خالل اللهجة و التقاليد و املشاكل املعيشة‬
‫كبؤس املثقف و املريب و الهجرة الرسية و االنبهار باآلخر و لكن حرض‬
‫كذلك الواقع الغريب من خالل نقد قيم االستهالك و غلبة الجانب املادي‬
‫عىل املجتمع األمرييك واألورويب ‪.‬‬

‫‪ 2‬ـ ما سبب تصرّفك في قواعد ّ‬
‫القص في هذا العمل؟ هل من‬
‫الضروري أن يكون المبدع مجرّبا؟‬
‫يقرتن اإلبداع تاريخيا و نظريا بالتجريب‪ .‬اإلبداع يف مفهومه األول هو‬
‫تجاوز للسائد و نزوع إىل بناء جديد و هذه بالذات هي ثوابت التجريب‪.‬‬
‫و الكتابة األقصوصية إذا مل تنزع إىل التجريب فإنها ستكون تكرارا‬
‫للسابق و محاكاة للأملوف و سلخا للمطروق‪ .‬وعليه فقد سعيت يف هذه‬
‫املجموعة إىل ربط األقصوصة بالسينام من ناحية وبالرتاث الصويف من‬
‫ناحية أخرى‪ ،‬فاألول يحملها الصورة و دورها يف صناعة الواقع و الوعي‪ ،‬و‬
‫الثاين يؤصل الكتابة ضمن آفاق روحية و إنسانية واسعة‪ .‬و هذا التجريب‬
‫هو الذي يتيح من وجهة نظري لهذه املجموعة الرابعة أن تكون مخالفة‬
‫ملجموعايت السابقة ‪.‬‬
‫‪ 3‬ـ تمارس النقد األدبي بالتوازي مع الكتابة اإلبداعية‪ ،‬أال يكبح‬
‫الوعي النقد ّي جموح الفكر الخالّق برأيك ؟‬
‫هذا سؤال وجيه ألنه يعود بالفعل اإلبداعي إىل منطلقاته األصيلة و‬
‫األصل ّية‪ ،‬إذ ال ميكن أن نفصل اإلبداع عن النقد‪ .‬فاإلبداع صناعة ككل‬
‫الصنائع األخرى لها أصولها ومنطلقاتها وتقاليدها وعىل املبدع أن‪ ‬يكون‬
‫مطلعا عىل تجارب غريه متمثال بنياتها وواعيا باألسس املتحكمة يف‬
‫الجنس الذي يتحرك فيه‪ .‬ال ميكن أن نفصل اإلبداع عن املعرفة فهي التي‬
‫تربر عملية الكتابة و تتيح التجاوز‪ .‬و دون هذه املعرفة ال نستطيع أن‬
‫نحدد موقعنا اإلبداعي وال موقفنا‪ ،‬وكام يقول جيل دولوز‪« :‬إن البناء‬
‫الجديد يقتيض وعيا بالنظام القديم ومعرفةً»‪ .‬ولكن يجب أن نوضح أن‬
‫اإلبداع ليس تطبيقا آليا لقوالب معرفية جاهزة‪ .‬و لو عدنا إىل تراثنا‬
‫الشعري القديم لوجدنا الشاعر ملزما بحفظ آالف األبيات قبل أن يكتب‬
‫قصائده و قبل أن يعرتف به شاعرا‪ ،‬و قد أفاض ابن خلدون يف مقدمته‬
‫يف هذه املسألة مؤكدا أمرا طريفا هو حاجة الشاعر إىل مناويل عامة‬
‫يوظفها مخياله يف اإلبداع الشعري‪ .‬وهو ما أكده جيليربت دوران يف‬

‫مباحثه األنرتوبولوجية معتمدا مفهوم الالوعي الجمعي الذي صاغه كارل‬
‫غوستاف يونغ‪.‬‬
‫‪ 4‬ـ كيف ّ‬
‫تفسر حضور السخرية بكثافة في كتاباتك؟‬
‫لقد وظفت السخرية بدرجات مختلفة يف الكثري من مجموعايت القصصية‪.‬‬
‫والسخرية شكل فني ال يخلو يف محموالته الداللية عن تلك التي ينهض‬
‫بها الخطاب املنطقي و العقالين‪ ،‬و قد كان الفكر الجاميل و اإلنساين واعيا‬
‫بالسخرية ودورها منذ كتاب فن الشعر ألرسطو الذي ربط الكوميديا‬
‫بالسخرية والهزل والفكه وكذلك كانت السخرية حارضة يف الرتاث العريب‬
‫اإلسالمي من خالل نوادر الجاحظ و مغامرات ابن القارح و مقامات‬
‫بديع الزمان الهمذاين‪ .‬وما دمنا نتحدث عن السخرية يف األقصوصة فإننا‬
‫ال نستطيع أن نغفل متيز أقاصيص الدوعاجي و البشري خريف و بعض‬
‫أقاصيص عزالدين املدين بهذا النمط الفني‪ ،‬وبذلك ستكون مجموعة‬
‫«تقارير تونسية مهربة» امتدادا لهذا التوجه يف الكتابة‪ .‬أما املربر الثاين‬
‫الستدعاء السخرية فرنده إىل تلك املفارقة بني واقع متهرئ داكن و بني‬
‫عبارة ساخرة ممتعة تنتقد الواقع بطريقة قاسية مقذعة دون ان تسقط‬
‫يف املبارشة‪.‬‬
‫‪ 5‬ـ كيف ترى أزمة التعليم اليوم من وجهة نظرك كمرب ؟‬
‫أزمة التعليم هي عنوان أزمة املجتمع التونيس‪ ،‬فالتعليم ليس حالة شاذة‬
‫فنحن نعيش أزمة ثقافية وأزمة اقتصادية وأزمة سياسية وأزمة قيمية‬
‫والتعليم امتداد لها‪ .‬و لكن السؤال املركزي هو سبب األزمة ومآالتها‪ .‬تعود‬
‫أزمة التعليم يف نظرنا إىل رصاع بني توجهني‪ :‬توجه يحمل الدولة مسؤولية‬
‫خدمات التعليم والصحة والنقل والتشغيل للطبقة املتوسطة واملهمشة‬
‫وهو ما تدافع عنه الهياكل النقابية للتعليم مبختلف مراحله‪ ،‬وتوجه ثان‬
‫يرى الدولة يف خدمة رأس املال املحيل و األجنبي وهو توجه متثله يف‬
‫تونس حكومات يهيمن عليها اليمني الليبريايل و الديني‪ ،‬حكومات مرتهنة‬
‫للخارج و موظفة لخدمة القطاع الخاص وعليه تعمل الحكومات التونسية‬
‫منذ الثورة عىل تأزيم قطاع التعليم للتفريط فيه‪.‬‬
‫‪ 6‬ـ تقوم بنضال نقابي معروف منذ م ّدة طويلة‪ ،‬هل ترى أن قدر‬
‫المبدع الحقيقي أن يناضل على ع ّدة جبهات؟‬
‫هذا السؤال املتعلق بنضايل النقايب يف التعليم الثانوي قد يبدو غريبا عن‬
‫اإلبداع بالنسبة إىل البعض و الحقيقة بخالف ذلك‪ .‬فاإلبداع يف مفهومه‬
‫تكريس للحرية والحياة والحقوق و كذلك النضال النقايب والسيايس تحرير‬
‫الوطن واألفراد‪ .‬والناظر يف تاريخ نقابة التعليم الثانوي يلحظ دورها يف‬
‫الدفاع عن القضايا الوطنية (الدفاع عن ضحايا الحوض املنجمي و تبني‬
‫مطلب املقموعني واملطرودين‪ )...‬والقضايا القومية ( القضية الفلسطينية‬

‫‪15‬‬

‫الخميس ‪ 14‬فيفري ‪ - 2019‬املوافق لـ ‪ 12‬جامدى الثانية ‪ - 1440‬العدد ‪75‬‬

‫و مساعدة العراق و نرصة حركات املقاومة يف العامل العريب‪ ).‬ال ميكن‬
‫للمبدع أن يكتب عن الحياة و الحقوق و يكون يف الواقع خانعا خاضعا‬
‫ومستقال عن التصدي لقوى االستبداد والتطرف يف املجتمع‪.‬و كام يقول‬
‫غراميش‪« :‬املثقف الحقيقي هو الذي يشعر بآالم شعبه»‪ .‬و لكن ذلك ال‬
‫يعني أن يتحول إبداعنا إىل دعاية ايديولوحية أو تبشري سيايس‪.‬‬
‫‪ 7‬ـ ما هي برأيك أهم األسباب التي جعلت الثورة تحيد عن‬
‫مسارها؟‬
‫الحديث عن حياد الثورة‪ ،‬عن أهدافها وانحرافها عن مسارها يبدو‬
‫يل مخالفا للتمثل الواعي لفعل الثورة‪ .‬فالثورة التونسية ما تزال يف‬
‫مخاضاتها األوىل و بالتايل ال ميكن الحديث عن نتائج ونهايات يف ظل‬
‫تحرك واضطرابات مل تتوقف ومل تتضح معاملها‪ ،‬وهو مخاض قد ميتد‬
‫عىل عرشات السنوات ويتحرك يف خط لولبي يوهم بالرتاجع واالنتكاسة‬
‫لكنه يف الحقيقة ينتقل إىل مستوى أعىل‪ .‬والسبب الثاين الذي يدفعنا‬
‫إىل اإلقرار بأن الثورة التونسية مل تحد عن أهدافها فرنده إىل تجارب‬
‫تاريخية سابقة‪ ،‬فكل الثورات املهمة عرفت الفوىض والرتدي االقتصادي‬
‫و املجاعات والتطرف‪ .‬فالرثوة الفرنسية أنتجت إمرباطورا هو نابليون و‬
‫ثالث مجاعات و لكنها كرست بعد قرنني قيم الدميقراطية و الحداثة يف‬
‫املجتمع الفرنيس‪ ،‬وكذلك الثورة البولشيفية فقد أسست القوة االقتصادية‬
‫والعسكرية لروسيا ودول االتحاد السوفيايت رغم التاريخ الدموي للحكم‬
‫الشيوعي يف االتحاد السوفيايت ‪.‬‬
‫‪ 8‬ـ هل تؤمن بدور اإلتحاد العام التونسي للشغل في إنقاذ‬
‫تونس من المنزلق الخطير الذي آلت إليه؟‬
‫لالتحاد دور مركزي يف تاريخ تونس الحديث وهو الهيكل الفاعل يف‬
‫املشهد السيايس منذ زمن االستعامر‪ .‬فقد كان االتحاد بقيادة فرحات‬
‫حشاد مقاوما لالستعامر الفرنيس وليس اغتيال حشاد من قبل املخابرات‬
‫الفرنسية سوى تأكيد لهذا الدور الوطني رغم شبهة تورط بورقيبة يف‬
‫االغتيال واستمر الدور بعد االستقالل‪ .‬فكان األمني العام لالتحاد عضوا‬
‫يف اللجنة املركزية للحزب الحاكم و الكثري من النقابيني تولوا الوزارات و‬
‫لذلك فإن بناء الدولة التونسية الحديثة تعليام و صحة و إدارة إمنا هو‬
‫جهد مشرتك بني حزب بورقيبة و االتحاد‪ .‬و لقد كان هذا الهيكل عنوان‬
‫املعارضة السياسية لحكومة االستبداد و الفساد زمن بورقيبة و بن عيل‬
‫ولقد كانت هياكل االتحاد الجهوية واملحلية هي الحاضنة للثورة التونسية‬
‫وهو دور استمر بعد االنتخابات من خالل الحوار الوطني الذي خلص‬
‫البالد من حالة االحتقان ومخاطر الحرب األهلية‪ ...‬و إزاء ما سبق فإنه‬
‫سيكون من غري املنطقي أن نشكك يف دور االتحاد الوطني أو نشيطنه‪.‬‬

‫‪ - 2‬الفضاء‬
‫السوسيولوجي‪:‬‬
‫إذا كان املرجع‬
‫الجغرايف مالمسا‬
‫لخصائص املكان‬
‫ولقضاياه وانتقاء‬
‫ئصه‬
‫لخصا‬
‫الجغرافية والتنموية فإن كشف داللته يكتمل‬
‫بدراسة الشخصيات التي ينقل عربها النص‬
‫الرسدي الواقع االجتامعي‪ ،‬ذلك «إن كل حديث‬
‫عن عنارص املكان الجغرايف يقودنا إىل الحديث‬
‫عن طقوس الفضاء االجتامعي»‪1‬و املتأمل يف‬
‫كتابة مجتمع دقاش يتبني تفاعال بني مشغلني‬
‫أولهام يتصل بالهوية املحلية والذاكرة والثاين‬
‫يتصل بالواقع االجتامعي‪.‬‬
‫‪ 2-1‬كتابة الذاكرة والتاريخ‬
‫يعترب اإلرث الثقايف والتاريخي مكسبا هاما لكلّ‬
‫جهة و خصوصية دالة عليها‪.‬‬
‫فللجهات عالماتها الثقافية‬
‫والتاريخية واالجتامعية‬
‫املتصلة بها‪ .‬ولعلّ الكاتبة‬
‫تحاول ال ّنهل من هذا املرجع‬
‫وهي تغوص يف ذاكرة املكان‬
‫من خالل حديث بعض‬
‫عم كان وعن‬
‫األشخاص ّ‬
‫صفحات تاريخية ساهم‬
‫فيها أبناء هذه الجهة ومن‬
‫خالل توظيف املوروث‬
‫الثقايف الشفوي‪.‬‬
‫فالرواية تستعيد تاريخ‬
‫ال ّنضال ضد االستعامر ونجد فيها أثرا النخراط‬
‫أبناء الجهة يف املقاومة و منهم املناضل املعروف‬
‫أصيل الجهة يوسف الروييس ولعلّها بذلك تلفت‬
‫االنتباه إىل ال ّرموز التّاريخ ّية للجهة وتروم إبراز‬
‫دورها التاريخي املقاوم احتجاجا عىل نسيانها‪.‬‬
‫ونلمس بني طياتها العودة إىل الرتاث الشعبي‬
‫املحيل وما فيه من طقوس و نصوص شفويّة‪.‬‬
‫لعلّ من طقوس األهايل وعاداتهم ما تعلّق‬
‫بعادات االحتفال والتّ ّربك باملقامات أو زيارة‬
‫املقابر‪ .‬ونعرث عىل أمثلة مختلفة لهذا ومنها ما‬
‫تعلق بزيارة العروس ملقام الويل الصالح‪:‬‬
‫«علت الزغاريد فاحت رائحة البخور وصدحت‬
‫أصوات بعض الفتيات بالغناء‪ .‬مازال األهايل‬
‫ميارسون طقوسهم ومازالت العروس تزور سيدي‬
‫االخريصاين لتعلن بدء أيام العرس‪ ...‬وقف‬
‫لحظات مشدوها ثم انحدر برسعة إىل عربته من‬
‫العيب أن يقف هنا يراقب محفال للنساء»‪2‬‬
‫ثم يتذكر إبراهيم زيارة القرب وعادات الخميس‪:‬‬
‫«كم كلفته أمه صغريا أن يحمل شموعا وجاويا‬
‫ويضعهام قرب الرضيح مساء الخميس‪ ...‬تحرص‬
‫كل مرة أن تعد له مجمرة يحملها معه ويفرغ‬
‫حمولتها حذو الويل ثم يضع قطعة الجاوي‬
‫فتفوح رائحة عطرة متال املكان‪3»...‬‬

‫من خالل بعض األلفاظ وطريقة نطقها محلّ ّيا‬
‫أو االحتفاظ ببعض التسميات املحلية لألشخاص‬
‫مثل مية وكادة وغريها‪.‬‬
‫ويحرض يف الرواية الرتاث الشفوي ممثال يف‬
‫األهازيج الشعبية املعروفة ومنها‪:‬‬
‫عندي زوز حاممات يسايروا قدامي‬
‫خال فطيمة جاين البس حرير و كتانة‬
‫و زمالته جديدة آه يا نديدة‪4‬‬
‫يصبغ هذا البعد الفضاء بطابع ثقايف محيل‬
‫مرجعي ومعاش ويضفي عليه روحا جنوبية ومينت‬
‫صلته بالتاريخ والذاكرة‪.‬‬
‫ولك ّن دراسة الفضاء تظلّ قارصة ومحدودة ما‬
‫مل ننتبه إىل حركة الشّ خص ّيات وضجيجها داخل‬
‫ال ّرواية فهي تق ّربنا من املكان و دالالته فال ميكن‬
‫للمكان أن يحقّق كيانه مبفرده وإنّ ا بهذه الحياة‬
‫التي تبثها فيه الشّ خص ّيات‪...‬‬
‫‪ 2-2‬الشخصيات والواقع اليومي‬
‫إن ّكتابة الفضاء املرجعي يف‬
‫الرواية عمل ّية مركّبة ال تحتاج‬
‫إىل حكاية فقط وإمنا تتطلّب‬
‫نوعا من املعرفة والخربة باملكان‬
‫املعيش‪ .‬وهي ال تكتمل بصوت‬
‫السارد فقط بل تتطلّب حضور‬
‫ّ‬
‫أصوات ال ّنامذج االجتامع ّية ‪.‬‬
‫فالكاتب يوزّع خصائص املكان‬
‫بني الشّ خص ّيات والسارد‪ .‬ذلك‬
‫أ ّن الكامريا التي ترسم الفضاء‬
‫الروايئ ال يحملها السارد فقط‬
‫و إنّ ا تشاركه الشّ خص ّيات‬
‫يف حملها والتّعليق عنها‪ .‬إذ‬
‫تضيئ الشخصيات الفضاء الروايئ فهي تبعث‬
‫فيه الحركة والحياة و تضخ فيه املعنى والداللة‪.‬‬
‫فعواملها ال تنفصل عن صورة الفضاء وتشكيله‪.‬‬
‫«فكيفية تعامل الشخصيات مع ما استقر فيه‬
‫من األشياء واملوجودات هي املولدة للوعي وهي‬
‫املساهمة بالتايل يف إنشاء املواقف و القرارات»‪.5‬‬
‫فاملكان الروايئ «ال يتشكل إال باخرتاق اإلبطال‬
‫له وليس هناك أي مكان محدد مسبقا‪ .‬وإمنا‬
‫تتشكّل األمكنة من خالل األحداث التي يقوم بها‬
‫األبطال‪6›.‬‬
‫لذلك ننظر يف الشّ خص ّيات يف هذا العمل نظرة‬
‫محدودة ومح ّددة و قصديّة فندرسها من جانب‬
‫صلتها باملكان وما تحيل عليه من مشاغل حيات ّية‪.‬‬
‫فكيف تبدو عالقة الشخصيات بالفضاء الروايئ؟‬
‫وأي دالالت اجتامعية تكشفها؟ وأ ّي رمزيّة‬
‫للشّ خص ّيات الّنسائ ّية يف ال ّرواية؟‬
‫‪ 1‬سليم بركان الداللة االجتامعية للمكان يف النص الرسدي‬
‫أعامل امللتقى التاسع للرواية الطبعة نفسها ص‪162‬‬
‫‪ 2‬م ن ص‪18‬‬
‫‪ 3‬م ن ص‪53‬‬
‫‪ 4‬م ن ص‪81‬‬
‫‪ 5‬عبدالصمد زايد م ن ص‪9‬‬
‫‪ 6‬محمد عزام ‪،‬شعرية الخطاب الرسدي ‪،‬دمشق‪ ،‬منشورات‬
‫اتحادالكتاب العرب ‪،‬سنة ‪2005‬ص‪194‬‬

‫أذن جاء املهاجر بــ « العباد يف تركينة»‬
‫واليوم يسألهم «احرتام شنوة ؟؟؟»‬

‫سوسن طيب العجمي‬
‫الراب هو فن حديث‬
‫صنعته « أمريكا « منذ‬
‫السبعينات وعرف رواجا‬
‫واسعا يف التسعينات يف‬
‫أنحاء العامل انقسم اىل‬
‫قسمني أبواق تؤذي السمع والرأس وأمكنة مخصوصة‬
‫رهن إشارة البعض من االعالميني ف ّزاعة تغطي فراغات‬
‫الربامج الرديئة يف القنوات الخاصة وأصوات مؤثرة‬
‫ُج ّمدت وأرسل الفنان الجيد صوته بعيدا عنهم‪.‬‬
‫يف زمن كان فيه االنسان ذئبا ألخيه اإلنسان‪ ,‬وال نستثني‬
‫املبدعني يف يشء ‪ ,‬هذا العداء مل يكن مجرد شعور ذايت‪,‬‬
‫بقدر ما كان منهجا سلكه األمنوذج السلطوي القديم‬
‫‪,‬نقصد هنا منهج التغريب والعدائية والرضوخ والخوف‬
‫من عقاب املستب ّد‪.‬‬
‫من هنا وتحديدا يف سنوات الجمر‪ ,‬وصلتنا أغنية مل تكن‬
‫يف الحسبان ‪ ,‬أغنية ممنوعة ألنها ترسد واقعا بليدا يف ذلك‬
‫الزمن األسود ‪.‬يوم كان للجدار أذن وللوضع سكوت عميم‬
‫وخضوع مطلق ‪.‬‬
‫جاءت « العباد يف تركينة « لنسمعها خلسة ‪,‬وبعضنا بىك‬
‫طويال عىل إيقاع كلامتها الجريئة‪.‬‬
‫« رابري» جعل من ف ّنه رسالة دامغة تهوي حجرا عىل‬
‫الرؤوس وتغري عقلية الشباب نحو نظرية مختلفة عن ما‬
‫سبقها ‪,‬نظرية الرفض والجرأة والحق ‪ ,‬نظرية الثورة التي‬
‫م ّهدها فاعلون وركب عليها خانعون ‪.‬‬
‫قد ال نفيش رسا‪ ,‬إن قلنا أن األغنية تالشت يف كون ثوري‬
‫تع ّددت فيه الحريات‪ ,‬طغى عليه أبعاد فنية أخرى رديئة‬
‫وموحشة ينبذها العاقل ويتوق املثقف إىل الغائها متاما‬
‫من أرشيف معلومايت‪ ,‬راهن عىل الجيد كام راهن عىل‬
‫الرديء‪ ,‬لكن اكتشفنا أن األغنية راسخة يف أذهاننا فور‬
‫عودة « فريد املازين « بأغاين جديدة‪ ,‬توائم نفسه الثوري‬
‫ورفضه وقلقه وانفعاله وحبه للبالد‪ ,‬التي هاجرها وبقي‬
‫وفاؤه يحوم يف « الحومة العريب» و» الجبل األحمر» وأمل‬
‫تونس‪. .‬‬

‫النوعي ‪ ,‬ملجرد ظهوره‬
‫« املازين» قريب جدا من جمهوره‬
‫ّ‬
‫من جديد استحوذ عىل القلوب‪ ,‬كام سبق له ذلك سنة‬
‫« ‪, »2005‬استمعنا اىل أغنية «الرسالة» ‪ ,‬وشاهدنا الفيلم‬
‫الذي اختاره ألغنيته‪ ,‬وفوجئنا بكتاب الروائية التونسية «‬
‫أسامء الصخري» « أحالمنا بني ك ّر وف ّر « ‪ ,‬بني يديه ‪,‬وهو‬
‫ينشد رسالته ‪.‬‬
‫السؤال هنا يطرح نفسه ‪ ,‬مالفرق بني « رابري» يز ّج‬
‫بالكتاب يف عامله الفني ؟ وبني « رابري» يز ّج بكلامت غري‬
‫مفهومة ويرتكز عىل اإليقاع التقليدي للــ « راب»؟‬
‫سنعي أن «فريد املازين» فنان استثنايئ ‪,‬من األ ّولني الذين‬
‫غنوا «الراب» يف تونس وأقنعوا‪ ,‬يكتب أغانيه مبفرده‬
‫ويرتيث قبل أن يؤديها ويشيعها عىل الناس ‪.‬‬
‫يف األيام األخرية من شهر جانفي نرش « املهاجر» أغنيته‬
‫الجديدة ‪ »,‬احرتام شن ّوة ؟؟؟ «‬
‫ال تخلوا من شتم ‪,‬له بعد وظيفي وألفاظ موجعة‪ ,‬نراها‬
‫يف محلّها تقرأ وضع البالد ‪,‬وتنقده رأينا صورة الرئيس «‬
‫الباجي قايد السبيس» ‪,‬وصورة رئيس الحكومة « يوسف‬
‫الشاهد» أمرهام بالنزول‪ ,‬إىل األرض ومعاينة الواقع‪,‬‬
‫والقرب من الناس‪ ,‬ورأى أنهام يعيشان يف‬
‫« النجوم» والنجوم هنا هو الكريس والشهرة واملال كلّه‬
‫رشدين‪ ,‬يف بالد وعدا‬
‫من رقاب املهمشني والجوعى وامل ّ‬
‫شقي‪,‬‬
‫والشعب‬
‫مخزي‬
‫شعبها بالرقي واالزدهار ‪ ,‬فالوضع‬
‫ّ‬
‫والحكومة أهدرت الخصب وال ّنافع‪ ,‬ولهثت وراء سلطة‬
‫كاذبة‪ ,‬بال رأي قادح ‪,‬وال فكر شامل وال سيطرة عىل‬
‫األوضاع‪.‬‬
‫يف نهاية األغنية ق ّرر « فريد املازين» أن ال ننىس أبدا‪ ,‬حتى‬
‫بعد سنوات طويلة‪ ,‬أ ّن البعض حرم أطفالنا ذات يوم من‬
‫حقهم الطبيعي يف رشب « الحليب» فرجال األعامل هي‬
‫التي تتحكّم يف منو أطفالنا ويف استمرارية عيشهم ولو‬
‫وجدوا سبيال إىل الهواء لقطعوه‪.‬‬
‫« احرتام شنوة؟؟؟ « من أغاين الـ « راب» اله ّداف الذي‬
‫ميرر رسائل واضحة ‪,‬ثورية يك نستيقظ يف اإلبّان ونتذكر‬
‫دامئا كل الوقائع التي عشناها يف زمن فالن وعالّن ‪.‬‬

‫‪16‬‬

‫الخميس ‪ 14‬فيفري ‪ - 2019‬املوافق لـ ‪ 12‬جامدى الثانية ‪ - 1440‬العدد ‪75‬‬

‫دارات‬

‫إص‬

‫مكتبة منارات ‪ :‬بقلم سعدية بن سالم‬

‫للقاصة املبدعة نبيهة العييس‪ ،‬وبحث أكادميي اختار له صاحبه‪ ،‬مخلص بن عون من العناوين‪ :‬االستعارة املفهوميّة‪ ،‬واملجموعة الشعريّة‬
‫نتناول يف هذا العدد من املنارات ثالثة أعامل جديدة تتنوع يف أجناسها ومشاغلها وهي عىل التوايل‪ :‬املجموعة القصصية «املفرتق» ّ‬
‫«مشهد مختلف» للشاعر العراقي حميد سعيد‪ ،‬إطاللة عىل أعامل نرجو أن تجدوا فيها ما يحثّكم عىل اإلقبال عليها‪:‬‬

‫جمالي‬
‫يتحول اليومي إلى أثر‬
‫المفترق لنبيهة العيسي ‪ :‬حين ّ‬
‫ّ‬
‫املفرتق‪ :‬مجموعة قصصية لنبيهة العييس صادرة يف طبعتها‬
‫األوىل‪ ،‬تونس ‪ 2018‬عن دار زينب للنرش والتوزيع وتتض ّمن‬
‫قصة من بينها املفرتق التي أعارت عنوانها‬
‫ّ‬
‫ست عرشة ّ‬
‫إىل املجموعة‪ .‬استهلّت نبيهة العييس مجموعتها بإهداء‬
‫أعاملها إىل قارئها‪ ،‬ذاك التائه بني مفرتقات الطرق‪« ،‬إليك‬
‫أيّها القارئ ‪ ...‬إىل من رمت به رياح الوقت بني مفرتقات‬
‫الطّرق» (ص‪.)5‬‬
‫وأعقبت اإلهداء بتصدير أخذته عن «اسرتيحي» ألمل‬
‫القصة‪ .‬ويف التصدير تعالق‬
‫دنقل يف استدرج للشعر إىل عامل ّ‬
‫مع العنوان «املفرتق» ومع أنت القارئ الذي حدّثته يف‬
‫اإلهداء‪ ،‬فجاء التصدير مواصلة لحوار تكتنفه الحرية رغم‬
‫اإليهام بالثبات يف الجملة األوىل التي جاءت لتق ّر واقعا‪:‬‬
‫السري عىل املفرتق»‪ ،‬واقع هو بؤرة الحرية‬
‫« مل يبق سوى ّ‬
‫لكل إمكانات‬
‫ويقني مرشف عىل االضطراب والتف ّرق ونفي ّ‬
‫االختيار‪« ،‬مل يبق سوى السري عىل املفرتق»‪ ،‬ويُدعم ذلك‬
‫االختيار – الفرض‪ ،‬باالستفهام التائق إىل مرىس فال يجده‪:‬‬
‫«كيف أقصيك عن النار ويف صدرك ال ّرغبة لتحرقني‬
‫كيف أدنيك من النهر؟‬
‫ويف قلبك الخوف وذكرى الغرق؟‪.‬‬
‫نص من نصوصها‬
‫حرصت نبيهة العييس أن تصدّر ّ‬
‫كل ّ‬

‫مبقتطف لكاتب أو شاعر أو فيلسوف فاستحرضت الطّاهر‬
‫بن جلّون وسارتر ونيتشه وخرية الشيباين ومحمود درويش‬
‫السمن والكان ومح ّمد‬
‫وفدوى طوقان وطاغور وغادة ّ‬
‫املاغوط وأوالد احمد وأدونيس فجمعت بذلك بني عصور‬
‫مختلفة وبني مرشق ومغرب يف رحلة تنفي غربة املكان‪.‬‬
‫وبني بداية ال ّرحيل ونهايته ترسم الكاتبة طريق الكتابة‪.‬‬
‫رحلة بدأت برحيل يف االتّجاه املعاكس وانتهت باسم يف‬
‫عامل بال أسامء تتصدّره أسطر ألدونيس‪:‬‬
‫ال ّرحيل انتهى‪ ...‬والطّريق صخرة عاشقة‬
‫غري أنّا غدا نه ّز جذوع ال ّنخيل‬
‫الصاعقة‪( .‬ص‪.)84‬‬
‫غدا نغسل اإلله الهزيل بدم ّ‬
‫رحيل يف ال ّروح وبحث عن مرفإ يُنهي حرية املفرتقات‬
‫ووجعا يقيم يراكمه أقرب األقربني‪ ،‬تقول‪« :‬القلق والوحدة‪،‬‬
‫هذا ما أورثك إيّاه أبوك‪ ...‬كان يغيب أيّاما بل أشهرا فال‬
‫تصلكم منه غري أخبار هزيلة يعيشون عىل وقعها يف انتظار‬
‫أن يعود» (ص‪.)10‬‬
‫حكايات تتنفّس من اليومي وتعيد صوغه بلطافة اللغة‬
‫وعمقها‪ ،‬شخصيّات أتعبتها يوميّاتها وضغط الحياة الذي‬
‫ال ميهلها‪ ،‬تقول يف املفرتق‪« :‬لو وقعت عينا أحدهم ع َّيل‬
‫ساعتها لظ ّن ّأن فقدت عقيل‪ :‬يداي متش ّنجتان عىل املقود‬
‫وجبيني ينضح بالعرق وقدمي متي ّبسة من فرط الضغط‬

‫عىل املكبح‪(».‬ص‪ .)19‬وتقول يف ميالد جرح‪« :‬قريبا سأحتفل‬
‫مبيالد جرحي األ ّول‪ ،‬وأنا أدعوك‪ ،‬بهذه املناسبة لتشاركني‬
‫ألن‬
‫االحتفال‪ ...‬اعذرين فالحفلة لن تكون عىل قدر املقام‪ّ ،‬‬
‫لن أتزيّن كام تفعل ال ّنساء‪ ،‬فقد كرست جميع املرايا‪ ،‬ولن‬
‫الساكنة يف أنفي ولن‬
‫أتعطّر‪ ،‬فال عطر ميحو رائحة العفن ّ‬
‫تطل من ثناياه أزهار بستاين‪ ،‬فقد اجتثّ القدر‬
‫ألبس ثوبا ّ‬
‫أشجاري بج ّرافاته‪ ،‬وسوى قممي باألرض‪ ،‬ولكّني رغم ذلك‬
‫رصة عىل االحتفال وعىل إطفاء شموع األمل املتأ ّججة يف‬
‫م ّ‬
‫أعامقي‪ .‬فهل تأيت؟» (ص‪.)28‬‬
‫وبني حرية الشخصيّات وتيهها ويوميّاتها ومتاعبها‪ ،‬تحفل‬
‫نصوص نبيهة العييس بالترصيح والتلميح إىل واقع يتجاوز‬
‫اليومي إىل رشط وجود‪ .‬تقول يف زائر اللّيل‪« :‬الجبل العظيم‬
‫ترسبل بالدّخان ونطق بالحكم‪ ،‬جبل ال ّرصاص أعلن أنّه‬
‫كل من عشّ ش يف مغاراته واقتات من شجره‪...‬‬
‫سيطرد ّ‬
‫ذُعر سكّان الجبل‪ ...‬تأبطوا غضبهم وتف ّرقوا أشتاتا يف أنحاء‬
‫املدينة‪ ...‬زائر اللّيل طرق بايب‪ ...‬ويف ملح البرص‪ ،‬أخرج سالحا‬
‫كان يف جرابه ودفعني بعنف إىل الشّ ارع قبل أن يدخل‬
‫إىل بيتي‪( ».‬صص‪ .)45-46‬وتقول يف اسم يف عامل بال أسامء‪:‬‬
‫عيني يف خدر لذيذ فرتتسم يف أعامقي صورة ذاك‬
‫«أغمض ّ‬
‫الذي اغتيل منذ‪ ...‬يف ظروف غامضة‪(...‬ص‪.)87‬‬
‫ومل تغفل نبيهة العييس مرح ال ّروح رغم صعوبة املوقف‬

‫تطل من الوجع‬
‫ووجعه‪ ،‬فالطرافة حارضة والبسمة ّ‬
‫وتأخذ أشكاال مختلفة تنتهي يف األخري إىل رفع العبء عن‬
‫الشخص ّية واملتلقّي يف الوقت ذاته‪ .‬نبيهة العييس وف ّية‬
‫لرشاقة لفظها ومتكّنها من مستلزمات الحكاية‪.‬‬

‫االستعارة المفهوم ّية لمخلص بن عون‬

‫يف إطار سلسلة قراءات صدر عن در ديار للنرش‬
‫والتوزيع ‪ ،2018‬بحث لألستاذ الباحث مخلص بن‬
‫عون اختار له من العناوين‪ :‬االستعارة املفهوم ّية‬
‫يف القرآن‪ .‬والكتاب فصل من بحث قدّمه الكاتب‬
‫لنيل شهادة الدكتوراه يف كليّة اآلداب والعلوم‬
‫اإلنسانية‪ -‬صفاقس‪ ،‬سنة ‪.2017‬‬
‫قسم مخلص بن عون بحثه إىل فصلني هام‬
‫ّ‬
‫الصفحة‬
‫«املجاز الذي نحيا به» والذي ميت ّد من ّ‬
‫الصفحة الحادية والخمسني‪،‬‬
‫الحادية والثالثني إىل ّ‬
‫و»البنية االستعاريّة ملجاز القرآين» وميت ّد من‬
‫الصفحة الثانية‬
‫الصفحة الثالثة والخمسني إىل ّ‬
‫ّ‬
‫السبعني بعد املائة‪ .‬ولنئ يالحظ القارئ التّفاوت‬
‫و ّ‬
‫الكبري بني الفصلني من حيث الك ّم فإ ّن لذلك‬
‫التفاوت ما ي ّربره باعتبار استقالل الفصل األ ّول‬
‫بالتعريفات العا ّمة وتوضيح املفاتيح اإلجرائ ّية‬
‫التي سيقع اعتامدها يف املرحلة التطبيقيّة يف‬
‫الصفحة‬
‫عمله‪ .‬وسيّج الكاتب عمله مبقدّمة من ّ‬
‫الصفحة الثالثني‪ .‬وامتدّت الخامتة من‬
‫التاسعة إىل ّ‬
‫الصفحة‬
‫إىل‬
‫املائة‬
‫بعد‬
‫بعني‬
‫الس‬
‫و‬
‫الثالثة‬
‫الصفحة‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫الرابعة والثامنني بعد املائة‪.‬‬

‫يتن ّزل عمل مخلص بن عون ضمن الدراسات‬
‫املتعلّقة بتحليل الخطاب واإلشكاليات املتعلّقة‬
‫به‪ .‬والخطاب هو إنجاز باللغة غايته الفهم‬
‫السياق يقول‬
‫واإلفهام‪ ،‬بلغة الجاحظ‪ ،‬ويف ذلك ّ‬
‫مخلص بن عون‪« :‬ومادام املتلفّظ يو ّجه الخطاب‬
‫متلق له لغته‪ ،‬ومن مقاصده أن يكون مفهوما‬
‫إىل ّ‬
‫مبينا حتّى يؤدّي وظيفته فإ ّن الوسيلة الوحيدة‬
‫لتحقيق هذه الوظيفة هي اللغة‪ .‬وهكذا تصبح‬
‫لغة الخطاب وسيطا مبارشا بني امللفوظ واملتلقّي‪،‬‬
‫وهذا يقتيض عالقة بينهام‪(».‬ص‪.)10‬‬
‫اختار الباحث أن ينظر يف القرآن خطابا نزل بلغة‪،‬‬
‫هي لغة املتلقّي‪ ،‬لها قوانينها التي تصنع املعنى‪:‬‬
‫«وهي لغة تضبطها جملة من القوانني وفهمها مي ّر‬
‫مهم يف تلقّي‬
‫عرب هذه القوانني التي متثّل عنرصا ّ‬
‫املعنى» (‪ .)10‬وينفي مخلص عون أن يكون فهم‬
‫النص يف ذاته وتفاعل املتلقي‬
‫النص متوقفا عىل ّ‬
‫ّ‬
‫يوسع األمر ليشمل العالقة بني املتلفّظ‬
‫بل‬
‫معه‪،‬‬
‫ّ‬
‫واملتلقّي‪.‬‬
‫اختار الباحث أن ينظر يف املجاز من الخطاب‬

‫مشهد مختلف لحميد سعيد‬
‫من تونس يطلّ علينا الشاعر العراقي حميد سعيد بكتابه الشعر ّي الجديد الصادر عن‬
‫املتوسط‪ ،‬ورد يف‬
‫دار «ديار» للنرش والتوزيع –تونس ‪ .2018‬وهو كتاب من الحجم ّ‬
‫‪ 101‬صفحة وتض ّمن عرشة نصوص هي عىل التوايل‪ :‬ما يشبه الخراب بل هو الخراب‪،‬‬
‫مقامات بغداديّة‪ ،‬رسالة اعتذار إىل أيب جعفر املنصور‪ ،‬أوراق من دفرت املرايث‪ ،‬الورقة‬
‫األوىل مالّ مح ّمد عيل‪ ،‬الورقة الثانية عباس جميل‪ ،‬الورقة الثالثة سليامن عويس‪ ،‬يا‬
‫وربا نلتقي بزمان جميل‪.‬‬
‫مح ّمد هذا كتاب إىل ال ّناس‪ ،‬بستان قريش ّ‬
‫اكتفى الشاعر‪ ،‬قبل القول‪ ،‬بإهداء قصري‪« :‬إىل‪ ...‬نفيلة‪ /‬وإىل باديه ومصعب (‪.)5‬‬
‫نصوص كتبت بني سنتي ‪ 2005‬و‪ ،2006‬ترسم صورة الخراب املقيم وبقايا الحريق‪ ،‬يقول‬
‫يف مقامات بغداديّة‪:‬‬
‫ما كان بالدا أصبح يف اللوحة ظالّ‪ ...‬م ّزقه األقنان‬
‫تتعرث دجلة يف الليل‪ ...‬كشيخ هرم‪ ..‬أوقفها الجند ّي‬
‫يك عىل الحاجز‪( ...‬ص‪)28‬‬
‫األمري ّ‬

‫مستندا إىل اللسانيات العرفانيّة مستعريا‬
‫بعضا من عنوان كتاب لاليكوف‬
‫«االستعارات التي نحيا بها» ِ‬
‫ليسم فصله‬
‫األ ّول بـ»املجاز الذي نحيا به»‪ .‬وتد ّرج من‬
‫وقسم‬
‫تعريف العرفانيّة إىل االستعارة‪ّ ،‬‬
‫فصله بعد ذلك إىل تعريف لالستعارة ث ّم‬
‫اعتنى باالنسجام االستعاري‪ ،‬ففي مستوى‬
‫االستعارة نبّه الباحث إىل زاوية البحث‬
‫التي نظر منها إىل االستعارة باعتبارها‬
‫جزءا من النظام املفهومي الذي يحدّد‬
‫وقسمها‬
‫طريقة اشتغال الذّهن» (ص‪ّ .)32‬‬
‫إىل استعارة بنيويّة وهي «مجموعة من‬
‫االستعارات التي يتح ّرك داخلها الذّهن‬
‫ومن خاللها ينتج أنساقا استعاريّة‬
‫مرتابطة» (ص‪ )33‬واستعارة اتجاه ّية وهي‬
‫«نظام استعاري يعتمد تعابري تدلّ عىل االتّجاه‬
‫الفضايئ‪ ،‬انطالقا من طريقة متوقع الجسد يف‬
‫الفضاء»(ص‪ .)36‬واستعارة انطولوج ّية «وتتمثّل‬
‫يف فهم تجاربنا عن طريق األشياء املحسوسة‬
‫وميكن تلخيصها يف استعارة الكيان واملادّة»‬

‫ويقول يف ما يشبه الخراب بل هو الخراب‪:‬‬
‫ما يشبه الخراب بل هو الخراب‬
‫يقتلع الغزاة كلّ ما أقامه األجداد يف البالد‬
‫مثلام تقتلع العاصفة األشجار‪..‬‬
‫اللفظي‬
‫ار‬
‫ر‬
‫التك‬
‫سعيد‬
‫حميد‬
‫اعتمد‬
‫يف وجع الخراب املقيم‪،‬‬
‫ّ‬
‫سبيال إلحداث األثر يف النفس واإليقاع يف القصيد‪ ،‬إيقاع رتيب‬
‫يف ثقل املوت القادم من الغرب‪ :‬يقول يف ما يشبه الخراب‪ :‬دم‬
‫عىل املسلّة األوىل‪ ...‬عىل امللحمة األوىل‪ ...‬عىل القباب‬
‫دم عىل املنت‪ ,,‬عىل هوامش الكتاب‬
‫دم عىل الرتاب‪...‬‬
‫الصندل والنعناع‪...‬‬
‫دم عىل حدائق الله‪ ...‬عىل الجور ّي و ّ‬
‫(ص‪.)10‬‬
‫وين ّوع حميد سعيد يف أمناط التكرار فيغيب لفظا ويحرض‬
‫أسلوبا يوقّع يف ال ّنفس نغام ويف القلب حرية واملثل عىل ذلك‬

‫(ص‪)38‬‬
‫خص مخلص عون الجزء الثاين من هذا الفصل‬
‫ّ‬
‫لالنسجام االستعاري الذي «يكون داخل االستعارة‬
‫الواحدة ويكون بني مظهرين للمفهوم نفسه»‪.‬‬
‫يف الفصل الثاين‪ ،‬اعتنى الباحث بالنظر يف العالقة‬
‫بني الله والعباد‪ ،‬وهي عالقة قامئة عىل املبادلة‬

‫أي مبادلة الخري بالثواب والعقاب‪.‬‬
‫وانتهى إىل أ ّن العبادة هي جوهر‬
‫العالقة بني اإلنسان وخالقه وأ ّن هذه‬
‫العبادة مرتبطة وثيقا مبعنى االمتحان‬
‫يف رحلة هي الحياة‪ .‬وضمن هذه‬
‫املعاين الكربى قرأ الباحث معاين القرآن‬
‫يف أبعادها االستعاريّة فاهت ّم مبعنى‬
‫االبتالء واستعارة االمتحان واهت ّم‬
‫مبسار ال ّرحلة واستعارة الطريق ث ّم‬
‫مبسار التجارة‪.‬‬
‫أنهى الباحث عمله بجملة من‬
‫االستنتاجات منها‪« :‬أ ّن املجاز يتخلّل‬
‫النص القرآين من أ ّوله إىل آخره وأ ّن‬
‫ّ‬
‫املعاين الكربى التي اشتمل عليها‬
‫نظامي مجاز ّي هو ما أطلقنا عليه‬
‫قدّمت يف إطار ّ‬
‫«الشبكة االستعاريّة»‪( ».‬ص‪.)175‬‬
‫عمل مفيد يف مجاله وميثل لبنة أخرى ضمن‬
‫لبنات البحوث املتعلقة باللّسانبات العرفانية يف‬
‫الجامعة التونس ّية‪.‬‬

‫حضور االستفهام الكثيف يف رسالة اعتذار إىل أيب‬
‫جعفر املنصور‪:‬‬
‫أرأيت مقربة تداهم سامري ليل بأطراف‬
‫ال ّرصافة؟‬
‫حيي مأمتا للورد؟‬
‫دم‬
‫هل أقام‬
‫ّ‬
‫هل؟‪(...‬ص‪.)41‬‬
‫ويعمد الشاعر إىل تكرار املركبات بلفظها أحيانا‬
‫ضمن االستفهام املستب ّد بالقصيد‪:‬‬
‫ماذا سيقول لها هذا الغ ّر القادم من وهم‪ ...‬ال‬
‫تاريخ له‪...‬‬
‫من كذب عطن‪ ...‬من لغة خرقاء (ص‪.)28‬‬
‫نصوص ترسم فرتة من تاريخ قاتم جاء ميحو‬
‫األلوان ويُحلّ محلّها ما يشبه الخراب‪ ..‬بل هو‬
‫الخراب‪.‬‬


Documents similaires


Fichier PDF triptyque de la religion de la republique jacobine contemporaine
Fichier PDF cours genese et affirmation des regimes totalitaires
Fichier PDF livret handicap v0404
Fichier PDF dossier de demande de subvention 2015 1
Fichier PDF resolution
Fichier PDF reglement d attribution


Sur le même sujet..