54 .pdf



Nom original: 54.pdf
Auteur: Silver

Ce document au format PDF 1.5 a été généré par Microsoft® Office Word 2007, et a été envoyé sur fichier-pdf.fr le 03/03/2019 à 14:57, depuis l'adresse IP 154.121.x.x. La présente page de téléchargement du fichier a été vue 145 fois.
Taille du document: 808 Ko (15 pages).
Confidentialité: fichier public




Télécharger le fichier (PDF)










Aperçu du document


‫أوراق نماء (‪)45‬‬

‫نحو سوسيولوجيا لمرحلة ما بعد االستقالل‪:‬‬
‫أو السوسيولوجيا الملتزمة من منظور مالك بن نبي‬
‫إعداد‪:‬‬

‫الدكتور الطاهر سعود‬
‫أستاذ محاضر‪.‬أ بقسم علم االجتماع‪ ،‬كلية العلوم اإلنسانية واالجتماعية‬
‫جامعة محمد لمين دباغين سطيف ‪ / 2‬الجزائر‬

‫مدخل إشكالي‪:‬‬
‫يبرز العمل المسحي لمجمل كتابات مالك بن نبي إلى أي حد تشغل علوم اإلنسان‬
‫والمجتمع حيّزا مهما ضمن مشروعه الفكري المتمركز حول مشكالت الحضارة‪،‬‬
‫وتخرجه مهندسا للكهرباء آثر االشتغال على قضايا‬
‫فالرجل رغم تكوينه التكنولوجي ّ‬

‫يمل من التأكيد بأ ّن بالده هي في مسيس الحاجة إلى‬
‫المجتمع ومشكالته؛ ولم ّ‬
‫فيلسوف ومفكر قبل أن تكون في حاجة إلى تقني أو مهندس‪.‬‬
‫لهذا السبب لم نر مفكرنا يمتهن بشهادته وظيفة يعتاش منها‪ ،‬بل نرقبه ينبرى إلى‬

‫العمل الفكري والتنظيري مستخدما في ذلك ع ّدة نظرية ومنهجية كانت حصيلة‬
‫م ْك ٍ‬
‫ث طويل في الغرب ناهز ثالثة عقود كاملة‪ ،‬وهي ع ّدة يشير عديد المهتمين‬
‫ُ‬
‫بي‬
‫بفكر الرجل إلى ثرائها وعمقها‪ ،‬وانفتاحها على التراث الفكري والفلسفي‪ ،‬الغر ّ‬

‫اني‪ ،‬وهـ ـو م ـا أتـ ـاح لـ ـه ق ـدرة النفـاذ إلى عمـق مشكـالت مجتمع ـه‪،‬‬
‫منـه واإلنسـ ّ‬
‫وم ْكن ـ ًة تحليلية استطاع من خاللها إبراز هذه المشكالت كقضية حضارة أوال وقبل‬
‫ُ‬
‫كل شيء‪.‬‬

‫انتهى األمر مبالك بن نيب يف آخر املطاف عندما استقر باجلزائر بعد اسرتجاعها لسيادهتا مديرا ملركز أمساه مركز التوجيه الثقايف‬
‫ومشتغال يف جمال التنظري االقتصادي والثقايف‪ ،‬أو يف جمال علم اجتماع البلدان النامية‪.1‬‬
‫إ ّن تربير هذا املسلك من االنكباب على قضايا اجملتمع واالشتغال عليها‪ ،‬وتشخيص علل احلضارة‪ ،‬والبحث يف شروط النهوض‬
‫اجملتمعي‪ ،‬نرقبه يف‪:‬‬
‫‪ ‬تأكيده الباكر على أمهية ومركزية العلوم اإلنسانية واالجتماعية يف تشخيص علل وأدواء العامل اإلسالمي املتخلف‪ ،‬وحيازهتا‬
‫(أي هذه العلوم) على مرتبة األولوية يف سلم التدرج العلمي‪.‬‬
‫‪ ‬كما نرقبه يف استدعاء مالك بن نيب الدائم للعلوم االجتماعية (علم النفس‪ ،‬علم االجتماع‪ ،‬فلسفة التاريخ‪ )...،‬وتوظيفه‬
‫لنتائجها يف حماولة فهم الواقع املأزوم ملا أمساه حمور التخلف؛ أي حمور طنجة‪-‬جاكرتا‪.‬‬
‫‪ ‬ويف جهوده املعتربة اليت ق ّدمها يف سياق حتليالته إلشكاليات التخلف والتنمية يف البالد املتخلفة‪ ،‬وحماوالته بلورة صيغ نظرية‬
‫ميكن من خالاها اجاوز وععية التخلف‪.‬‬
‫‪ 1‬ذلك ما أشار إليه مالك بن نيب يف كتاب‪ :‬من أجل التغيير‪ ،‬ترمجة عمر كامل مسقاوي وبسام بركة‪ ،‬إعادة (دمشق وبريوت‪ :‬دار الفكر‪ ،)2002 ،‬ص ‪.22‬‬
‫لعل مالك بن نيب يقصد به تلك اجلهود اليت باشرها عندما استقال من منصب مدير‬
‫وإن كان هذا املركز يكتسي طابع الرمزية أكثر منه إىل احلقيقة الواقعية‪ ،‬و ّ‬
‫التعليم العايل أي تلك الندوات الفكرية اليت كان يعقدها يف منزله‪.‬‬

‫‪2‬‬

‫على الرغم من كل ذلك‪ ،‬واجاوبا مع احلاجة املاسة اهذه العلوم‪-‬وخباصة لعلم االجتماع‪ -‬يف تسديد جهود البناء والتنمية أطلق‬
‫مالك بن نيب يف ستينيات القرن املاعي‪-‬وهو يرافق اجربة التنمية يف جزائر االستقالل‪ -‬دعوة إىل عرورة أن ينشأ فرع جديد يف‬
‫علم االجتماع خيتص بدراسة القضايا اليت تنشأ يف مرحلة ما بعد االستقالل؛ حيث يواجه البلد الذي يسرتجع سيادته واستقالله‬
‫السياسي مشاكل إعادة البناء االجتماعي واالقتصادي‪ ،‬وهو ما أكده بقوله "ينبغي أن ينشأ علم اجتماع خاص مبرحلة‬
‫االستقالل ليكون بني يدي من يشرف على أجهزة الدولة أداة رقابة ال ينفصل عن جهاز التخطيط"‪.2‬‬
‫لذلك فإ ّن إشكالية حبثنا تبعا ملا سبق تتلخص يف حماولة اإلجابة على التساؤالت اآلتية‪:‬‬
‫‪ ‬ما أمهية علم اجتماع مرحلة ما بعد االستقالل؟‬

‫‪ ‬هل هو فرع علمي مستحدث؟ أم هو صنو علم اجتماع التنمية الذي حفلت به األدبيات السوسيولوجية يف ستينيات‬
‫وسبعينيات القرن املاعي؟‬
‫‪ ‬ما موعوع هذا العلم يف رؤية ابن نيب؟ ما هي املسالك املنهجية اليت ينبغي على هذا العلم سلوكها؟‬
‫‪ ‬ما أهداف هذا العلم‪.‬‬

‫أوال‪ :‬في أهمية ومركزية العلوم االجتماعية واإلنسانية في مشروع مالك بن نبي‪:‬‬
‫تتب ّدى أمهية ومركزية العلوم االجتماعية واإلنسانية يف مشروع مالك بن نيب واهنجاسه هبا منذ خاض أول اجربة يف عامل الكتابة‬
‫العلمية املنضبطة‪3‬؛ حيث شغّل مناهج هذه العلوم ووظّف أدواهتا يف حماولته إثبات صدق نبوة الرسول(ص) وإجياد األسس الثابتة‬
‫والعقلية لإلميان باملصدر اإلاهي للقرآن الكرمي‪ ،‬متجاوزا بذلك العرف السائد يف جمال الدراسات اإلسالمية ذات الصلة مبجال‬
‫التفسري وعلوم القرآن‪ ..‬الذي درج يف إثبات تعايل النص القرآين وإعجاز الوحي على الدراسات البالغية واألسلوبية‪ ،‬إىل توظيف‬
‫املعارف اجلديدة حول الطبيعة والنفس اإلنسانية‪ ،‬مبا مينح رؤية املسألة من زاوية خمتلفة‪ ،‬ومبا يتفق واجلديد من واقع العلم‬
‫احلديث‪.2‬‬
‫علم النفس وعلم االجتماع وفلسفة التاريخ‪ ...‬وغريها‪ ،‬تلك هي إذاً طائفة من علوم اإلنسان واجملتمع اليت استعان هبا الرجل منذ‬
‫حلظة الظاهرة القرآنية‪ ،‬وتواصلت جهوده متتالية معها يف حقل الكتابة والتأليف موظِّفا مناهجها ونتائجها يف حتليل ظواهر العامل‬

‫‪ 2‬مالك بن نيب‪ ،‬بين الرشاد والتيه‪( ،‬دمشق وبريوت‪ :‬دار الفكر‪ ،)2002 ،‬ص ‪.21‬‬
‫‪ 3‬نقصد هنا حتديدا كتابه الظاهرة القرآنية ألنه سبق ملالك بن نيب أن نشر كتابا حتت عنوان "لبيك حج الفقراء" وهو عمل حنى فيه منحى أدبيا يف تصوير رحلة‬
‫احلج إىل األراعي املقدسة‪.‬‬
‫‪ 2‬حممد عبد اهلل دراز‪ ،‬من تقدميه لكتاب مالك بن نيب‪ ،‬الظاهرة القرآنية‪ ،‬ترمجة عبد الصبور شاهني‪ ،‬إشراف ندوة مالك بن نيب (دمشق‪ :‬دار الفكر‪،)1891 ،‬‬
‫ص ص ‪.11-10‬‬

‫‪3‬‬

‫الواقع على حمور طنجة‪-‬جاكرتا‪ ،‬فمالك بن نيب مثلما يقول ملشيشي "رجل خرب تلك املعارف والعلوم يف أوربا؛ حيث اشتد‬
‫عودها‪ ...‬فهو قد عايشها والتقى ببعض روادها وشاهد عن قرب تأثريات العلوم اإلنسانية على اإلنسان واجملتمع الغربيني"‪.5‬‬
‫لذلك يلحظ كل مطلّع على كتاباته بأهنا حتفل بغزارة توظيف وتشغيل اجلهاز املفهومي اهذه العلوم مبختلف مدارسها‪ ،‬وإن حاول‬
‫يف عديد املواعع من دراساته إعادة تكييفها وتبيئتها لتنسجم مع خصوصيات احملل املدروس‪ ،‬وختليصها من بعض محولتها‬
‫الوععية‪ ،‬ومرتكزها املادي الذين تزخر هبما الرؤية الغربية املوجهة للعلوم االجتماعية واإلنسانية‪.‬‬
‫ميكن أن نذكر من بني هذه املفهومات‪ :‬الشعور‪ ،‬الالشعور‪ ،‬الكبت‪ ،‬الغريزة والطاقة احليوية‪ ،‬املنعكس الشرطي‪ ،‬الفرد املكيّف‪،‬‬
‫شبكة العالقات االجتماعية‪ ،‬النشاط املشرتك‪ ،‬ديناميكا اجملتمع‪ ،‬الفعالية‪ ،...‬اليت شغّلها يف دراسته لظواهر متنوعة متتد على‬
‫متصل يبدأ‪-‬مثلما ذكرنا‪ -‬بالظاهرة القرآنية مبا هي ظاهرة متصلة بالغيب وامليتافيزيقا‪ ،‬إىل الظاهرة االستعمارية وصوال إىل الظاهرة‬
‫الثقافية واحلضارية على اإلمجال مبا هي ظواهر حمسوسة وملموسة*‪.‬‬
‫لقد مت ّكن مالك بن نيب عندما جعل مشروعه صرحا فكريا يستوحي من اإلسالم والواقع ومناهج العلوم احلديثة‪ ،‬من أن حيقق‬
‫الفهم الشمويل ملشكلة العامل اإلسالمي‪ ،1‬لذلك يعرتف له عديد نقاده ومتابعيه بقدرته الكبرية على النفاذ إىل عمق هذه‬
‫املشكالت وتقدمي احللول املناسبة اها من خالل حماوالته توظيف ما رآه صاحلا ومساعدا يف حتليلها من العدة املنهجية واملفهومية‬
‫اليت كانت متاحة حىت تلك الفرتة‪.‬‬
‫باإلعافة إىل وعيه مبركزية العلوم االجتماعية واإلنسانية‪ ،‬وإدراكه لدورها وإمكانيات االستفادة منها وتوظيفها يف تفكيك وفهم‬
‫وتفسري الواقع احلضاري وصناعة احللول الكفيلة بتجاوز وععية التخلف واالستتباع يف العامل اإلسالمي؛ حيث يعتربها أكثر‬
‫عرورة من العلوم املادية؛ عندما كتب يقول يف هذا الصدد‪" :‬إ ّن العلوم األخالقية واالجتماعية والنفسية تع ّد اليوم أكثر ضرورة‬

‫من العلوم المادية‪ ،‬فهذه تع ّد خطرا يف جمتمع ما زال الناس جيهلون فيه حقيقة أنفسهم؛ ومعرفة إنسان احلضارة وإعداده‬
‫حمرك أو ترويض قرد على استخدام ربطة عنق"‪ ،7‬إالّ أ ّن مالك بن نيب كان على وعي متقدم أيضا بـ ـ‪:‬‬
‫ّ‬
‫أشق كثريا من صنع ّ‬
‫ عرورة تبيئة هذه العلوم وتكييفها لتنسجم مع خصوصيات جمتمعات نصف الكرة اجلنويب‪ ،‬ومنها على اخلصوص اجملتمعات‬‫اإلسالمية‪ ،‬وحىت تستجيب ملتطلبات اللحظة أو املرحلة احلضارية اليت متر هبا‪ ،‬مبا هي حلظة تسعى فيها هذه اجملتمعات لتحقيق‬
‫النهضة احلضارية املنشودة‪ ،‬وهي حلظة حتتاج إىل علوم خاصة تعمل على حتليل أسباب التخلف الكامنة يف الذات اإلسالمية‬
‫طيلة قرون‪ ،‬وتعمل على تفكيك خيوط شبكة األفكار امليتة واملميتة املتصلة باحلقيقة املوعوعية املوجودة يف هذه البالد‪.9‬‬
‫‪ 5‬موالي اخلليفة ملشيشي‪ ،‬مالك بن نبي‪ :‬دراسة استقرائية مقارنة‪ ،‬معالم المنهج في تأصيل العلوم اإلنسانية لمشروع مشكالت الحضارة‪ ،‬ط ‪( 1‬دمشق‪:‬‬
‫دار النايا ودار حماكاة للدراسات والنشر والتوزيع‪ ،)2012 ،‬ص ‪.1‬‬
‫* يتبدى ذلك على الرتتيب يف كتبه‪ :‬الظاهرة القرآنية‪ ،‬الصراع الفكري يف البالد املستعمرة‪ ،‬ميالد جمتمع وشروط النهضة ومشكلة الثقافة‪.‬‬
‫‪ 1‬ملشيشي‪ ،‬مرجع سابق‪ ،‬ص ‪.39‬‬
‫‪ 7‬مالك بن نيب‪ ،‬وجهة العالم اإلسالمي‪ ،‬ترمجة عبد الصبور شاهني‪ ،‬إشراف ندوة مالك بن نيب‪ ،‬ط ‪( 5‬دمشق‪ ،‬اجلزائر‪ :‬دار الفكر‪ ،)1891 ،‬ص‪.39‬‬
‫‪ 9‬الظاهرة الغربية يف الوعي احلضاري‪ :‬أمنوذج مالك بن نيب‪ :‬تقدمي عمر عبيد حسنه‪ ،‬متوفر على املوقع اإللكرتوين‪:‬‬

‫‪http://library.islamweb.net/newlibrary/display_umma.php?lang=&BabId=15&ChapterId=15&BookId=273&CatId=201&startno=0‬‬

‫‪4‬‬

‫ وعرورة التنبه من جهة أخرى إىل خطورة هذه التخصصات ودورها "يف تكريس تبعية الشعوب املستعمرة لإلمربيالية الغربية ال‬‫كمعطيات علمية منبتة عن العقيدة تقدم نفسها يف قناع العلوم اإلنسانية احليادية‪ ،‬بل كآليات وظيفية تقنن عملية االستيالب‬
‫‪8‬‬
‫موسعة حول عديد الظواهر‪ ،‬ومنها على وجه التحديد ظواهر‬
‫الفكري والثقايف" ‪ .‬وهو ما أبانه مالك بن نيب يف دراسات ّ‬
‫االستعمار‪ ،‬والقابلية له مثلما يتجلى ذلك يف دراسته التحليلية حول الصراع الفكري يف البالد املستعمرة؛ عندما قدم حتليال وافيا‬
‫مبنيا على اجارب واقعية لألساليب والطرق التخريبية اليت ميارسها االستعمار وخمابر الصراع الفكري عد أفكارنا؛ حيث أ ّكد على‬
‫اجلهد الكبري الذي تبذله هذه املراكز لتحطيم األفكار احلية وسد الطريق أمامها حىت ال تصل إىل وعي اجلماهري‪ ،‬وخلق األفكار‬
‫املناسبة ملصاحل االستعمار؛ كما أشار إىل ما يتم اجنيده يف هذا الشأن من عقول ومؤسسات ومعاهد متخصصة تعمل بقواعد‬
‫علم النفس واالجتماع‪.10‬‬

‫ثانيا‪ :‬علم االجتماع في رؤية مالك بن نبي‪:‬‬
‫من املعلوم أن تأسيس علم االجتماع احلديث على يد أوجيست كونت(‪ )Auguste Compte‬جاء كثمرة للتحوالت الفكرية‬
‫(فلسفة األنوار) واالقتصادية (الثورة الصناعية) والسياسية (الثورة الفرنسية) اليت حدثت يف أوربا القرن الثامن والتاسع عشر‪،‬‬
‫وكاستجابة خمصوصة حلاجة اجملتمع الفرنسي خباصة‪ ،‬واألوريب بعامة الستعادة التوازن املطلوب‪ ،‬أو بتعبري كونت للنظام (‪)Ordre‬‬
‫املفقود الناجم عن التحول العنيف من جمتمعات قروسطية إىل جمتمعات حديثة‪ ،‬وما اجنر عن ذلك من املشكالت والظواهر‬
‫املعتلّة اليت هدمت توازن اجملتمع األوريب وكسرت استقراره وأسلمته إىل الفوعى واالعطراب‪.‬‬
‫هكذا إذاً سينشأ علم االجتماع ليصبح أداة أساسية في إصالح المجتمع‪ ،‬لذلك جيمع دارسو تلك املرحلة على أن النضال‬
‫العلمي ملؤسسه كونت كان نضاال إصالحيا‪ ،‬ف ـ"إصالح اجملتمع كان هو الشغل الشاغل لكونت منذ البداية‪ ،‬وكان هدفه الرئيسي‬
‫يف احلياة"‪.11‬‬
‫سيطوع‬
‫وملـّـا صادف ظهور هذا العلم يف الغرب فرتة تارخيية حساسة متيزت باالنتشار املكثّف للظاهرة االستعمارية فإ ّن هذا العلم ّ‬
‫ليخدم‪-‬هو وغريه من العلوم االجتماعية األخرى كاألنثروبولوجيا وعلم النفس‪ -..‬غايات أخرى تتطابق مع إشباع حاجة مراكز‬
‫املستعمرة لكشف عوامل‬
‫ااهيمنة االستعمارية إىل التملك والسيطرة‪ ،‬وستنشأ اهذا الغرض مراكز ومعاهد تعىن بدراسة اجملتمعات‬
‫َ‬
‫موجها مبخططات مسبقة‪ ،‬وقناعات‬
‫االستقرار االستعماري فيها وعوامل التفوق عليها لتكريسها؛ أي أ ّن علم االجتماع سيكون ّ‬
‫‪12‬‬
‫وحتوله إىل أداة خلدمة اإلمربيالية االستعمارية حىت‬
‫سياسية وعسكرية وإمربيالية ختلع عنه اجتماعيته البحتة وعلميته املطلوبة ‪ّ ،‬‬
‫تأسس اهذا الغرض فرع معريف اصطلح عليه علم االجتماع االستعماري‪.‬‬
‫‪ 8‬ملشيشي‪ ،‬مرجع السابق‪ ،‬ص ‪.81‬‬
‫‪ 10‬الطاهر سعود‪ ،‬التخلف والتنمية في فكر مالك بن نبي‪ ،‬تقدمي زكي ميالد‪ ،‬ط ‪( 1‬بريوت‪ :‬دار ااهادي للطباعة والنشر والتوزيع‪ ،)2001 ،‬ص ص ‪-111‬‬
‫‪.112‬‬
‫‪ 11‬نيقوال تيماشيف‪ ،‬نظرية علم االجتماع طبيعتها وتطورها‪ .‬ترمجة حممود عودة وحممد اجلوهري وحممد علي حممد والسيد احلسيين (مصر‪ :‬دار املعرفة اجلامعية‪،‬‬
‫‪ ،)1898‬ص ‪.25‬‬
‫‪ 12‬ملشيشي‪ ،‬مرجع سابق‪ ،‬ص ‪.111‬‬

‫‪5‬‬

‫بيد أ ّن هذا مل مينع مالك بن نيب وهو حيتك بالكتابات الغربية ذات املنحى السوسيولوجي أو السوسيوتارخيي من االستفادة منها‬
‫وتوظيفها يف مقاربة بعض الظواهر املتعلقة بالبالد اإلسالمية‪ .‬فهذه العلوم (أي علم االجتماع والعلوم االجتماعية األخرى) اليت‬
‫منت وتطورت يف الغرب‪ ،‬على الرغم من التزامها باإلجابة على حاجات جمتمعات هذا العامل الداخلية (احملافظة على توازنه ودفع‬
‫عجلة تقدمه) واخلارجية (التوظيف بغرض ااهيمنة على اآلخر) فإ ّن هذا ال ينفي انطواءها على ما ميكن أن نسميه باملشرتك من‬
‫املعرفة اإلنسانية مبا هي معرفة هتتم باإلنسان من حيث هو فرد ومن حيث هو عضو يف اجملتمع‪.‬‬
‫ومن هنا تبدو غزارة االطالع البنابوي على هذه املتون العلمية واعحة يف إحاالته العديدة على ابن خلدون الذي يعتربه واعع‬
‫معامل طريق علم الوقائع االجتماعية (علم االجتماع) قبل كونت‪ ،13‬وأرنولد توينيب‪ ،‬وأزفالد شبنغلر ال َذين تصنّف إسهاماهتما‬
‫عمن ما يسمى بعلم االجتماع التارخيي (‪ ،12)Sociology Dynamic‬وأوجيست كونت صاحب الفلسفة الوععية(‬

‫‪Philosophie‬‬

‫‪ ،)Positive‬وماركس وإجنلز رائدا احلتمية االقتصادية والتفسري االقتصادي‪ ،‬وتايلور‪ ،‬وليفي بريل‪ ،‬وويليام أوغربن‪ ،‬ورالف لينتون‬
‫أصحاب التنظري املعروف حول الظاهرة الثقافية‪ ،‬وسيكار‪ ،‬وجوزي دي كاسرتو‪ ،‬وتيبورماند املشتغلني مبوعوع التخلف والتنمية‪،‬‬
‫وغريهم من الكتّاب املهتمني بقضايا اجملتمع الذين تواصل مالك بن نيب مع كتاباهتم وطروحاهتم على سبيل النقل أو النقد أو‬
‫التطوير أو التوظيف يف شرح أفكاره وهندسة رؤاه وتنظرياته حول مشكالت احلضارة والثقافة والتنمية وغريها‪.‬‬
‫ورغم أن مالك بن نيب مل يرتك لنا كتابا متخصصا يف علم االجتماع أو يف أي واحدة من العلوم االجتماعية األخرى إال أ ّن‬
‫إسهاماته تربز لنا إىل أي حد شغلت كثري من تنظريات هذا العلم (أي علم االجتماع) مكاهنا يف املنت البنابوي املنهجس‬
‫مبشكالت احلضارة‪ ،‬وحماوالته امللحوظة يف توظيف ما كان يراه صاحلا منها يف حتليل ومقاربة املشكلة اإلسالمية‪ ،‬والعامل ثالثية‬
‫على اإلمجال‪ ،‬بل ويف تطويره لرؤية حتليلية اجتماعية خاصة به ميكن لكل مطلع على كتاباته أن يعثر عليها‪.‬‬
‫من هذه الزاوية سيكون اهتمام مالك بن نيب بعلم االجتماع اهتماما وظيفيا وغائيا‪ ،‬فلم تكن عنايته به كحقل معريف لغرض‬
‫نظري حبت‪ ،‬بل لغاية معرفية ذات نزعة عملية اجعل هذا العلم من البداية متجها لإلجابة عن احتياجات جمتمعات متطلعة‬
‫للنهضة والتقدم‪ ،‬أي بكلمة أدق علما ملتزما يبذل فيه املتخصصون جهودا معرفية كبرية لفهم وإجياد احللول للقضايا واملشكالت‬
‫اليت ترهن وتعيق عجلة االنطالق يف جمتمعات نصف الكرة اجلنويب اخلارجة لتوها من املرحلة االستعمارية‪.‬‬
‫هكذا إذاً ال يبعد مالك بن نيب يف تصوره لدور علم االجتماع وخاصة لدور علم اجتماع مرحلة ما بعد االستقالل عن تصور‬
‫كونت اهذا العلم والذي‪-‬مثلما بيّنا‪ -‬كان لغاية إصالحية؛ حيث ُولد علما ملتزما بتحقيق هذا ااهدف؛ أي علما خادما وجميبا‬
‫على احتياجات اجملتمع الفرنسي يف تلك الفرتة من التقومي الزمين‪.‬‬

‫‪ 13‬مالك بن نيب‪ ،‬مشكلة الثقافة‪ ،‬ترمجة عبد الصبور شاهني (دمشق‪ ،‬بريوت‪ :‬دار الفكر‪ ،)2000 ،‬ص ‪.27‬‬
‫‪ 12‬نيقوال تيماشيف‪ ،‬مرجع سابق‪ ،‬ص ص ‪.208-201‬‬

‫‪6‬‬

‫ثالثا‪ :‬علم اجتماع لمرحلة ما بعد االستقالل؟‪:‬‬
‫ق ّدم مالك بن نيب رؤية متميزة حول كيفية إهناض املسلمني ودفعهم يف طريق التحضر والبناء‪ .‬وعلى الرغم من أن التجربة‬
‫الجزائرية لم تسترشد بنموذجه في النهضة والتنمية رغم وجاهة كثري من أطروحاته؛ ومل تستلهم منها العتبارات وأسباب‬
‫كثرية*‪ ،‬إالّ أ ّن الرجل مل يتوان يف تقدمي مالحظاته وتوجيهاته عرب ما كان يكتبه يف الصحافة اجلزائرية‪ ،‬وعرب حماعراته وندواته مثلما‬
‫عربت عنها أعماله‪:‬‬
‫ّ‬
‫ كتابه "بني الرشاد والتيه" وهو عبارة عن مقاالت كان قد نشرها يف سنوات الستينيات (بني ‪ )1691-1691‬يف"جريدة‬‫الثورة اإلفريقية ‪."La révolution africaine‬‬
‫ كتابه "من أجل التغيري" وحيوي هو اآلخر مقاالت نشرت يف الفرتة نفسها يف جريدة الثورة اإلفريقية‪ ،‬وقد مجعها نور‬‫الدين بوكروح يف كتاب بالفرنسية بعنوان من أجل تغيري اجلزائر مث نشرهتا دار الفكر بعناية عمر كامل مسقاوي بعد‬
‫ترمجتها إىل العربية من طرف بسام بركة‪.‬‬
‫ كتابه "القضايا الكربى" وقد نشر جزء منه حتت عنوان آفاق جزائرية للثقافة واحلضارة واملفهومية‪.‬‬‫رغم هذه اإلسهامات التسديدية فإ ّن ذلك لم يمنعه من الدعوة إلى أن تضطلع بعض العلوم وعلى رأسها علم االجتماع‬
‫بدور ريادي في تشخيص بعض أدواء النهضة في سبيل تمهيد الطريق وتذليل العقبات أمام جهود البناء والتنمية مما ال تطيقه‬
‫اجلهود الفردية (مثل جهده الفكري والتنظريي) مهما اتصفت به من الدقة والشمول‪.‬‬

‫‪ -1‬علم اجتماع لمرحلة ما بعد االستقالل‪ :‬مسوغات التأسيس؟‪:‬‬
‫أعطى مالك بن نيب ملرحلة ما بعد االستقالل مداها من األمهية‪ ،‬وقد أطلق عليها مرحلة احلفاظ على اخلط الثوري‪ ،‬فاجلزائر‬
‫اخلارجة لتوها من حرب استعمارية‪ ،‬ومن اجربة استعمار استيطاين استمرت قرنا وربع قرن حققت إجنازا حضاريا رائدا هو الثورة‬
‫التحريرية اليت طردت االستعمار من األرض اجلزائرية‪ .‬غري أ ّن هذه الثورة على أمهيتها وعلى عخامتها حتتاج –برأي مالك بن‬
‫نيب‪ -‬إىل تسديد وترشيد حىت يصل اإلطراد الثوري إىل أقصى مداه‪.‬‬
‫لذلك يتصور مفكرنا أ ّن البلد اخلارج لتوه من االستعمار مثلما هو حال اجلزائر ال تنحل مشاكله مبجرد حصوله على استقالله‪،‬‬

‫بل تفرض عليه مستلزمات املرحلة اجلديدة؛ أو باألحرى مشاكل املرحلة اجلديدة‪ ،‬وهي يف تصوره مشاكل ذات طابع مزدوج‪،‬‬

‫* رغم عودته إىل اجلزائر وإدماجه يف ااهيكل اإلداري للدولة اجلديدة؛ حيث شغل مالك بن نيب منصب مدير التعليم العايل‪ ،‬إال أنه سرعان ما أزيح منه‪ ،‬ولعل‬
‫موقف القيادة اجلزائرية من الرجل بقي هو نفسه مذ كان بالقاهرة يوم عرض نفسه على قيادة اجلبهة ليكون ممرعا وكاتبا ألحداث الثورة عن قرب‪ ،‬لكنه مل‬
‫يتلق جوابا‪ ،‬بل إ ّن البعض من ق يادات الثورة هناك كان يتهكم عليه مستهزئا بأنه يتفلسف‪ ،‬وهو ما يعكس حدة االستقطاب بني النخبة السياسية والنخبة‬
‫املثقفة اليت كان مالك بن نيب أحسن من ميثلها حينذاك‪.‬‬

‫‪7‬‬

‫المشاكل الموروثة عن العهد االستعماري‪ ،‬ومشاكل عهد االستقالل‪ ،15‬جهدا خمصوصا لتحقيق النقلة احلضارية املنشودة؛‬

‫يصرح "والواقع أنه جيب علينا اليوم أن جنابه مشاكل قصورنا قبل االستقالل ومشاكل بلوغنا بعده"‪.11‬‬
‫حيث ّ‬

‫هنا نرى مالك بن نيب يتصور أنه بإمكان علم االجتماع لعب دور اسرتاتيجي يف مواجهة هذه املشكالت عندما يؤكد بأن‬

‫تطورات العالم اإلسالمي بعد الحرب العالمية الثانية تفتح لعالم االجتماع المهتم بشؤون العالم اإلسالمي في مرحلة‬

‫االستقالل‪ 17‬جماال خصبا للبحث والدراسة‪.‬‬

‫وعلى هذا األساس وجدناه يطلق دعوته بضرورة "أن ينشأ علم اجتماع خاص بمرحلة االستقالل‪ ،‬ليكون بني أيدي من يشرف‬

‫‪19‬‬
‫تتأسس دراسات متخصصة في قضايا االستقالل"‪.18‬‬
‫على أجهزة الدولة أداة رقابة ال ينفصل عن جهاز التخطيط" ‪ ،‬وأن " ّ‬

‫مسوغات هذه الدعوة اليت أطلقها مالك بن نيب إال باستحضار طبيعة املشكالت اليت يراكمها عهد االستقالل‬
‫إننا لن نفهم ّ‬
‫عندما تستلم السلطة اجلديدة يف البلد املستقل زمام إدارة شؤون الدولة واجملتمع‪ ،‬وهنا ينبغي أن نشري إىل تأكيده بأ ّن طبيعة هذه‬
‫املشكالت واحدة‪ ،‬فالبالد اليت ختلّصت حديثا من االستعمار ال ختتلف فيها املشكالت عن بالد أخرى متر باملرحلة نفسها‪،20‬‬
‫وبالتايل يرى مالك بن نيب أ ّن الخبرة العلمية والنتائج النظرية الناشئة عن الدراسات االجتماعية المقدمة في هذا البلد‬
‫تعمم نتائجها في أي وطن آخر يمر بنفس المرحلة الحضارية ويعاني من نفس المآزق‪.‬‬
‫يمكن أن ّ‬

‫مبعىن آخر إننا هنا ّإزاء خربة علمية ذات بعد عابر للقوميات‪ ،‬وليست مقصورة على حالة خمصوصة‪ ،‬وهنا ميكن أن نفهم‬
‫السوسيولوجيا اليت يدعو مالك بن نيب إىل االشتغال هبا باملعىن الذي راكمته سوسيولوجيا التنمية مثلما نرقبها يف األدب‬
‫السوسيولوجي الذي اهتم مبوعوعات التخلف والتنمية منذ أطلق الرئيس األمريكي هاري ترومان يف خطابه الشهري يف ‪ 20‬يناير‬
‫‪ 1828‬دعوته إىل دخول عصر التنمية‪.21‬‬
‫وميكن أن نعثر على بعض ما يؤكد زعمنا هذا يف اإلحاالت املتكررة اليت جلأ إليها مالك بن نيب وهو حيلّل ويدرس بعض‬
‫املشكالت العائدة ملرحلة االستقالل اليت تصدى اها خالل تلك الفرتة؛ فقد جلأ وهو يبحث مشكلة احلضارة إىل االستعانة مبفهوم‬
‫كرس نفسه منذ هناية احلرب العاملية الثانية لدراسة قضايا العامل‬
‫التخلف ومفهوم النمو‪-‬كمفهومني أنتجهما علم االجتماع الذي ّ‬
‫‪ 15‬مالك بن نيب‪ ،‬بين الرشاد والتيه‪ ،‬ص ‪38‬؛ وأيضا‪ :‬مالك بن نيب‪ ،‬القضايا الكبرى‪ ،‬إشراف ندوة مالك بن نيب (دمشق‪ ،‬بريوت‪ :‬دار الفكر‪ ،)2002 ،‬ص‬
‫‪.35‬‬

‫‪ 11‬مالك بن نيب‪ ،‬القضايا الكبرى‪ ،‬ص ‪.102‬‬
‫‪ 17‬مالك بن نيب‪ ،‬بين الرشاد والتيه‪ ،‬ص ‪.38‬‬
‫‪ 19‬املرجع نفسه‪ ،‬ص ‪.21‬‬
‫‪ 18‬املرجع نفسه‪ ،‬ص ‪.29‬‬
‫‪ 20‬املرجع نفسه‪ ،‬ص ‪.22‬‬

‫‪ 21‬أسامة القفاش‪" ،‬قراءة مفاهيمية يف قاموس التنمية"‪ ،‬يف‪ :‬علي مجعة حممد وسيف الدين عبد الفتاح امساعيل(إشراف)‪ ،‬بناء المفاهيم‪ :‬دراسة معرفية ونماذج‬
‫تطبيقية‪ ،‬ط‪( 1‬القاهرة‪ :‬املعهد العاملي للفكر اإلسالمي‪ ،)1889 ،‬ج ‪ ،2‬ص‪( ،57‬سلسلة املفاهيم واملصطلحات؛ ‪.)2‬‬

‫‪8‬‬

‫الكادح (‪ -22)Le tiers-monde‬يف بنائه لتحليله اخلاص ّإزاء هذه املسألة‪ ،‬ومل خيرج يف معاجلاته لعديد املشكالت اجلزئية ذات‬
‫الصلة عن اإلطار العام الذي خلّفه األدب التنموي‪ ،‬وإن كان لمالك بن نبي سبق وريادة في التأكيد على أهمية المعطى‬
‫ّ‬
‫الثقافي والمعادلة االجتماعية والثقافية للفرد والمجتمع وأسبقيتهما في تحليل ظاهرة التخلف ورسم خطط التنمية‪ ،‬يف‬
‫تعرف التنمية إالّ كمسألة اقتصادية خالصة‪.‬‬
‫وقت كانت فيه كثري من تلك الدراسات ال ّ‬

‫يعزز ما نذهب إليه يف هذا الصدد أيضا أ ّن مالك بن نيب نفسه يعرتف بأ ّن بعض اجلهود التنظريية اليت قدمها يف مرحلة متقدمة‬
‫ّ‬
‫من استقالل اجلزائر عندما استدعته احلكومة اجلزائرية من اخلارج إلنشاء مركز للتوجيه الثقايف ال تبعد عن األفق الذي حددناه‪،‬‬
‫فهو يؤكد أنه على الرغم من تعطل هذا املشروع على صعيد اإلجراءات القانونية أل ّن مرسوم تأسيسه مل ينشر يف اجلريدة الرمسية‪،‬‬
‫ّإال أ ّن املركز كان يشتغل بوسائل مؤقتة وهذا املركز‪-‬مثلما يؤكد ابن نيب دائما‪-‬مل يكن "خمصصا إلعطاء الشهادات‪ ،‬بل لتقدمي‬
‫بعض األفكار اجلديدة على األخص في مجال االقتصاد والثقافة في بلد من بلدان العالم الثالث‪ ،‬أي في مجال علم‬
‫اجتماع البلدان النامية"‪.23‬‬

‫لكن ما هي هذه املشكالت؟ وما طبيعتها؟ وما الدور الذي ميكن لعلم االجتماع اخلاص هبذه املرحلة أن يؤديه ااجاهها؟‬
‫هنا جند مالك بن نيب يؤكد على أن كل بلد يعيش هذه اللحظة احلضارية يعاين مما أمساه لينني "األمراض الطفولية" وهي سلوكيات‬
‫تنشأ عادة بعد خروج املستعمر من البالد يف مستوى األفراد ويف مستوى مؤسسات وأجهزة الدولة الناشئة‪ ،‬واليت قد ترهن‬
‫استقالل الوطن وتعطّل األهداف احلقيقية للثورة‪ ،‬نذكر منها*‪:‬‬
‫ تقهقر القوى األخالقية التي قامت بالثورة‪ :‬وهي من عالمات االهنيار الذي ميس الروح الثوري عندما تعزل الثورة عن إطارها‬‫التارخيي احلقيقي وختلي مكاهنا للدمياغوجية واملزايدات الفوعوية‪.‬‬
‫ االرتكاس إلى عهد األثرة واألنانية والمحسوبية والمطالبة بالحق بدل القيام بالواجب‪ :‬وتعزى هذه املظاهر إىل افتقاد‬‫الفرد للبواعث واحملفزات (‪ )Motivations‬اليت اجعله ينخرط إجيابيا يف النشاط املشرتك للمجموع االجتماعي؛ ويف هذا الصدد‬
‫يتشكل وعي زائف لدى األفراد مضمونه أن استقاللنا سيحل كل مشاكلنا بطريقة آلية دومنا معاناة‪.‬‬
‫لذلك يدعو مالك بن نيب إىل عرورة أن نعيد تقومينا للمفاهيم األساسية يف حياتنا كمفهوم املسؤولية والعدالة‪ ،‬والنظام‪ ،‬وأن نضع‬
‫ح ّدا للعادات السيئة كالبريوقراطية‪ ،‬وععف النزوع الغريي‪ ،‬واملطالبة باحلق دون أن يقابله هنوض بالواجبات‪...‬ألهنا ثغرات يف‬
‫نظام حياتنا‪ ،‬وإذا مل يتم التنبه إليها وعالجها فإ ّن الشعب سيسدها حتما ّإما على حساب عمريه‪ ،‬أو على حساب ماله‪،‬‬
‫فتتضاعف مديونيته احلضارية وتتعطل عجلة إقالعه احلضاري‪.‬‬
‫‪ 22‬مالك بن نيب‪ ،‬القضايا الكبرى‪ ،‬ص ‪ 31‬وما بعدها‪.‬‬
‫‪ 23‬مالك بن نيب‪ ،‬من أجل التغيير‪ ،‬ص ‪.22‬‬

‫* أنظر دراستنا‪ :‬الطاهر سعود‪" ،‬مالك بن نيب والثورة اجلزائرية‪ ،‬التحليل واملوقف"‪ ،‬اجلامعة اإلسالمية العاملية ماليزيا‪ ،‬مجلة التجديد‪ :‬العدد ‪.)2005( 19‬‬

‫‪9‬‬

‫ انعدام الفعالية وسيطرة ضروب العطالة‪ :‬يف شكل مظاهر من مثل اإلمهال يف املصاحل اإلدارية‪ ،‬وانتشار املخالفات والتعديات‬‫املالحظة يف عروب السلوك الفردية‪ ،‬والتهرب من دفع الضرائب فـ"حنن عندما نشاهد جزائريا قليل االكرتاث بدفع الضرائب‪..‬أو‬
‫مواطنا يهمل العمل الذي جيب عليه إجنازه‪ ،‬أو يرفض أن يراعي نظاما نافذ املفعول حبجة أننا مل نعد مستعمرين اآلن‪[،‬فإ ّن] يف‬

‫هذا عالمة لألزمة الصبيانية التي نجتازها‪ ،‬أي عالمة لذلك ااهبوط اخلطري يف الطاقة الكامنة الذي يشري إىل أ ّن اجملتمع بصدد‬
‫اسرتجاع أنفاسه بعد اجملهود الكبري الذي بذله حىت ينخرط يف املرحلة املوالية"‪.22‬‬

‫لذلك يؤكد مالك بن نيب على عرورة أن ترتكز االهتمامات يف البالد اإلسالمية يف هذه املرحلة بالذات حول مفهوم الفعالية‪،‬‬
‫وعلى اخلصوص يف جمال التسيري ووسائله‪ :‬األداة والدولة‪ ،25‬وأن تتجه كل اجلهود لتغيري معادلة الفرد االجتماعية اليت زيفتها عهود‬
‫الكساد‪ ،‬لتغرس فيه قيم الكد واالجتهاد والعمل وتقضي على خمتلف عروب العطالة اليت ترهن استقالل الفرد واجملتمع‪.‬‬
‫ تفكك شبكة العالقات االجتماعية‪ :‬يف مرحلة ما بعد الثورة تتوارى القيم اجلماعية لتحل حملها قيم الفردية والنزوع األناين‪،‬‬‫الشيء الذي يؤدي إىل ارختاء شبكة العالقات االجتماعية ومتزق خيوطها‪ ،‬وهنا تغدو عملية مكاملة الفرد االجتماعية إلعادة‬

‫إدماجه في الجهد الجماعي للمجتمع أبرز حت ّد يف مرحلة ما بعد الثورة برأي ابن نيب‪ .21‬وهو ينبه هنا إىل عديد األعراض‬
‫والظواهر املرعية الناشئة عن هذا التفكك الذي يطال شبكة عالقات اجملتمع كالروح االنفرادية اليت تعيق يف مستوى العمل‬
‫اإلداري مثال فاعلية النشاط‪ ،‬وتشرط بالتايل وظيفة الدولة كلها؛ لذلك يؤكد مالك بن نيب على عرورة أن يضطلع اجملتمع الذي‬
‫يشرع يف النهوض برتميم وإصالح شبكة عالقاته‪ ،‬ليتغلّب على الصعوبات الناشئة يف مستوى عالقات السلطة من أبسط‬
‫مستوياهتا إىل أعلى هرمها‪.‬‬
‫‪ -‬مشكلة األيديولوجيا الموجهة للجهد المشترك‪ :‬يرى مالك بن نيب أهنا من أهم املشكالت اليت ينبغي أن تثار يف هذه‬

‫احملركة الضرورية للدفع حبركة‬
‫املرحلة‪ّ ،‬‬
‫ويتعني على البلد اخلارج للتو من حرب استعمارية أخذها بعني االعتبار هي إجياد الدوافع ّ‬
‫البناء والتنمية إىل األمام‪ ،‬على اعتبار أ ّن عملية البناء هي نشاط مشرتك للمجموع‪ ،‬وهذا النشاط حىت يتم يستدعي "إيقاعا ووزنا‬
‫يوتران اجلهود الفردية ويفرغاهنا يف الوقت نفسه داخل اجلهد اجلماعي"‪.27‬‬

‫إ ّن ثورة البناء ال ميكنها حسب ابن نيب أن تتم دون هذه احلزقة أو الصامولة بالتعبري امليكانيكي املادي‪ ،‬فاأليديولوجيا هي تلك‬
‫احلزقة اليت يفتقدها النشاط االجتماعي املشرتك يف البالد املستقلة حديثا؛ فالنشاط االجتماعي حىت يتحرك ال بد له من‬
‫مسوغات وبواعث معلّلة ‪ ،‬واأليديولوجيا هي اليت تتكفل مبد اجملتمع هبا‪ .‬إ ّن كل عمل أو جهد بنائي "ال ميكن‪ ..‬أن يتحدد‬
‫ّ‬
‫كل تقدم اجتماعي وتقين‬
‫ملسوغاته وألمناطه التنفيذية اليت ّ‬
‫خارج خطة حتتوي إعافة إىل عناصره الظاهرة عنصرا فكريا ممثال ّ‬
‫تلخص ّ‬
‫جملتمع ما مبا مييزه عن غريه من اجملتمعات"‪ ،29‬واجملتمع الذي يعاين أعراض االنفرادية‪ ،‬ومتزق شبكة عالقاته االجتماعية ليس‬
‫‪ 22‬مالك بن نيب‪ ،‬القضايا الكبرى‪ ،‬ص ‪.103‬‬
‫‪ 25‬مالك بن نيب‪ ،‬بين الرشاد والتيه‪ ،‬ص ‪.38‬‬

‫‪ 21‬مالك بن نيب‪ ،‬القضايا الكبرى‪ ،‬ص ص ‪.112-113‬‬
‫‪ 27‬املرجع نفسه‪ ،‬ص ‪.101‬‬

‫‪ 29‬مالك بن نيب‪ ،‬مشكلة األفكار في العالم اإلسالمي‪ ،‬ترمجة بسام بركة وأمحد شعبو‪ ،‬ط‪( 1‬دمشق واجلزائر‪ :‬دار الفكر‪ ،)1882 ،‬ص ‪.27‬‬

‫‪01‬‬

‫مبستطاعه جماهبة طوارئ وأهوال التاريخ إال بجهد تدعمه عقيدة ال يعتريها شك‪ ،‬فيضحي أفراده مبصاحلهم الشخصية وحىت‬
‫حبياهتم يف سبيل قداسة قضية هم يؤمنون هبا‪ .‬تلك هي املهمة الكربى اليت متنحها األيديولوجيا يف حلظات التاريخ احلامسة‪.‬‬
‫ مشاكل البنية القاعدية أو رهانات الفعل التنموي‪ :‬يرى ابن نيب أ ّن أي بلد ملزم يف مرحلة استقالله برفع مجلة من الرهانات‬‫لتحقيق مغزى هذا االستقالل‪ ،‬وينحصر ذلك يف إرساء نظام عام‪ ،‬وشكل من احلياة ميكن فيهما لكل فرد أن جيد كل الدوافع‬
‫وكل الضمانات الضرورية لوجوده‪ ،‬من دون إغفال املعطيات اخلاصة بوععية البلد يف هذه اللحظة وفق الدالئل والشروط‬
‫املوعوعية اليت حيددها علم االجتماع‪.28‬‬
‫وتتحدد رؤية مالك بن نيب اهذه القضية عمن ما ميكن أن نسميه نظريته يف البناء احلضاري؛ حيث يرى أن توفري هذه الضمانات‬
‫لن يتأتى إال مبعاجلة مشكلة التخلف وذلك حبل مشكلة احلضارة‪ ،‬هذه األخرية اليت تتحدد باملعادلة التالية‪ :‬حضارة = إنسان ‪+‬‬
‫تراب ‪ +‬وقت؛ حيث يقول "إ ّن حرب االستقالل يف بلد مستعمر تصب حتما على السيادة الوطنية من الناحية السياسية‪ ،‬بينما‬
‫تتجمع فيه من الناحية االجتماعية مشكالت العهد اجلديد‪ ،‬واملشكالت املوروثة من عهد االستعمار‪ ،‬فالعهد اجلديد حني‬

‫يتأسس حتت إشراف دولة ينبغي أال يكون جمرد إعالن للسيادة الوطنية[‪ ،]...‬بل ينبغي أن يكون أداة ضرورية لتنمية هذه‬
‫السيادة في كل أبعادها السياسية واالقتصادية والثقافية"‪ .30‬وهذه التنمية لن حتصل إال يف "عوء إدراكنا لكون املشاكل‬
‫القائمة يف مرحلة ما بعد الثورة إمنا هي مشاكل البنية القاعدية ‪[..‬أي] مشاكل اإلنسان والتراب والزمن"‪ ،‬مشروطة بضرورة‬
‫إجياد القاسم املشرتك حللواها وهو يتمثل يف األيديولوجيا "اليت جيب أن تكون حلفا بني األشخاص وفنا صياغيا اجاه األشياء‬
‫ومنهجا على صعيد األفكار"‪.31‬‬
‫مهما يكن من أمر فإ ّن مالك بن نيب يؤكد وهو يعدد لنا بعض هذه األمراض الطفولية اليت ترهن استقالل البلد‪ ،‬ويتصدى ملعاجلة‬
‫حنضر أسس ثورتنا بشكل أفضل"‪.32‬‬
‫بعضها اآلخر على عرورة الرتكيز "على نقاط ععفنا كي ّ‬

‫‪ -2‬علم اجتماع مرحلة ما بعد االستقالل‪ :‬الموضوع والمسالك المنهجية‪:‬‬
‫يتبني لنا من العرض السابق‪ ،‬ومن مطالعة نصوص مالك بن نيب األخرى‪-‬ذات الصلة هبذا الفرع املعريف الذي يضع مفكرنا على‬
‫كاهل املتخصصني فيه مسؤولية كربى لتسديد جهود البناء يف هذه املرحلة احلساسة من عمر اجملتمعات اخلارجة من االستعمار‪-‬‬
‫مجلة من املسائل نلخصها يف‪:‬‬

‫‪ 28‬مالك بن نيب‪ ،‬القضايا الكبرى‪ ،‬ص ‪.31‬‬

‫‪ 30‬مالك بن نيب‪ ،‬بين الرشاد والتيه‪ ،‬ص ص ‪.20-38‬‬
‫‪ 31‬مالك بن نيب‪ ،‬القضايا الكبرى‪ ،‬ص ‪.119‬‬
‫‪ 32‬مالك بن نيب‪ ،‬من أجل التغيير‪ ،‬ص ‪.17‬‬

‫‪00‬‬

‫‪ -1.2‬النزعة العملية‪ :‬على غري ما هو سائد يف جامعاتنا اليوم؛ حيث يغلب على العلوم االجتماعية واإلنسانية نزوعها النظري‬
‫واهتمامها مبوعوعات ال ختدم اجلهد التنموي العام‪ ،‬أو أهنا العتبارات كثرية قد استقالت عن هذا الدور‪ ،‬أو أهنا حتاكي‬
‫املوعوعات اليت يهتم هبا علم االجتماع يف دول املركز‪ ،‬يؤكد مالك بن نيب على عرورة أن يتجه علمه اجلديد إىل االهتمام مبا هو‬

‫عملي؛ حيث يشدد على أ ّن "العلم الذي ال يترجمه عمل يظل ترفا ال مكان له في وطن ما يزال فقيرا في الوسائل‬
‫واألطر"‪.33‬‬
‫‪ -2.2‬دراسة المشكالت المتصلة بالمرحلة الحضارية التي يعيشها البلد بعد االستقالل‪ :‬سواء كان هذا البلد منتميا إىل‬
‫اجملال احلضاري للعامل اإلسالمي أو إىل جمال أبعد اصطلح عليه األدب التنموي بدول العامل الثالث أو التابع‪ .‬فال ينبغي اهكذا‬
‫علم أن يعيد إنتاج املشكالت اليت اها صلة باجملتمعات الغربية‪ ،‬كما هي حال املمارسة السوسيولوجية يف عديد هذه البالد‬
‫املنشغلة مبشكالت غري مشكالهتا على سبيل التقليد واحملاكاة العلمية‪ ،‬بل ينبغي أن ينشغل باالستجابة إىل احتياجات البيئة‬
‫احمللية واالهتمام مبشكالهتا وظواهرها ومبتطلبات املرحلة احلضارية اليت هي فيها مبا هي مرحلة للبناء والتشييد بعيدا عن ثوابت‬
‫الرؤية الغربية اليت كرستها بعض مدارس علم االجتماع وخباصة علم اجتماع التنمية يف ااجاهه التحديثي‪.‬‬
‫تكرر يف غري ما موعع دعوة‬
‫‪ -2.2‬علم اجتماع مرحلة ما بعد االستقالل كباثولوجيا اجتماعية(‪ :)Social Pathologie‬فقد ّ‬
‫مالك بن نيب إىل عرورة أن يهتم هذا العلم بتشخيص أمراض اجملتمع حديث العهد باالستقالل‪ ،‬وأ ّن علماء االجتماع ملزمون يف‬

‫البالد اليت دخلت هذه املرحلة بطرح السؤال أمام كل ما يشتم منه رائحة األمر الغريب والشاذ‪ .‬ويدعو مالك بن نيب يف هذا‬

‫الصدد أن يكون للبحث االجتماعي دوره الريادي يف تقديم الدراسات االجتماعية المتخصصة التي تتناول الحاالت‬
‫المنحرفة أو الشاذة لعالجها وتصفيتها‪ ،‬وهو يرى أ ّن دراسات على هذه الشاكلة ستكون أكثر نفعا للمجتمع من أدب‬
‫اإلطناب والتمجيد الذي يزيف احلقائق ويقطع الطريق أمام إبصار العيوب والنقائص‪.‬‬
‫حتث خطاها حنو البناء االجتماعي واالقتصادي والثقايف وتتكثّف فيها أعمال التخطيط والبناء تستدعي الضرورة المعرفة‬
‫ويف بلد ّ‬
‫الدقيقة بجهاز التخطيط والتنفيذ‪ ،‬وإذا كان من املهم‪-‬مثلما يقول مالك بن نيب‪ -‬معرفة إىل أي درجة ينبغي أن يكون األمر‬

‫حسنا‪ ،‬فإنّه يهمنا أكثر معرفة إىل أي درجة يتطلب حتسني األمور‪.‬‬
‫يسوغ مالك بن نيب عرورة تأسيس هذا العلم الذي يكتسي هبذا املعىن املقصود شكال من‬
‫اهذه الضرورات العملية والواقعية ّ‬
‫الباثولوجيا االجتماعية (‪ )Pathologie‬أو علم األمراض االجتماعية املبنية على تشخيص احلاالت املرعية واملعتلّة اليت تقف عائقا‬
‫يف وجه مشاريع البناء والتشييد فتعرقل اإلجناز وتعطل عمليات التنفيذ‪.32‬‬
‫‪ -5.2‬المسعى النقدي‪ :‬حرص مالك بن نيب يف العديد من كتاباته على بيان أمهية النقد والنقد الثوري كسلوك حضاري لتسديد‬
‫جهود البناء االجتماعي والسياسي واالقتصادي والثقايف‪ ،‬بل إنه مل يقف عند املستوى النظري لبيان األمهية والضرورة امللحة اهذه‬
‫‪ 33‬مالك بن نيب‪ ،‬بين الرشاد والتيه‪ ،‬ص ‪.38‬‬

‫‪ 32‬مالك بن نيب‪ ،‬بين الرشاد والتيه‪ ،‬ص ص ‪.23-21‬‬

‫‪02‬‬

‫العملية؛ إذ سعى من خالل بعض إسهاماته الفكرية إىل إعمال يد النقد يف جوانب حياتنا الفكرية والثقافية وخباصة تلك العائدة‬

‫ملرحلة االستقالل‪ .‬ودعا إىل عرورة أن "ينطلق النقد الذايت يف اجلزائر إىل أبعد مما وصل إليه يف البالد اليت صاغته"‪ ،35‬وأن‬
‫تتحول الممارسة النقدية إلى فعل علمي يتولى عملية تبصيرنا باألخطاء اليت ينبغي أال نقع فيها أو تصحيح ما يقع منها‪،‬‬

‫وجعلها هدفا لعلمه الجديد‪.‬‬

‫‪ -4.2‬المسلك المنهجي‪ :‬مل يتحدث مالك بن نيب ّإزاء مسألة املنهجية اليت ينبغي على هذا العلم اتباعها‪ ،‬ومل يقل شيئا كثريا‬
‫حواها‪ ،‬فقد اكتفى بالتأكيد على أ ّن هذا العلم يف اشتغاله على احلاالت املرعية ينبغي أن يكون منهجه شامال‪ ،‬مبعىن أن يتناول‬
‫اإلحصاء والتفسري‪ ،‬أي أن يضطلع بالكشف على احلاالت الشاذة اليت تعرقل عروب النشاط الفردي واجلماعي وأن يدرس‬
‫مصدرها وتارخيها كحاالت باثولوجية جلهة معاجلتها‪.‬‬
‫لكن يبقى اجملال منفتحا أمام هذا العلم لالستفادة مما تتيحه اخلربة اإلنسانية يف هذا اجملال‪ ،‬فالعلوم االجتماعية واإلنسانية يف بالد‬
‫منشئها الغربية تطرح كل يوم جديدا ميكن تطويعه واالستفادة منه باعتباره خربة إنسانية مشرتكة‪ ،‬وخباصة يف جمال منهجيات‬
‫وتقنيات البحث االجتماعي املتجهة لدراسة املسائل الشبيهة واملثيلة اليت يضطلع علم اجتماع البالد املستقلة بدراستها‪.‬‬
‫وإن كان مالك بن نيب يف معرض حديثه السريع حول هذا العلم قد اهتم باإلشارة إىل بعض املشكالت ذات املنحى اإلداري‬
‫والتنظيمي كمشكالت البريوقراطية والتضارب بني خمتلف املصاحل اإلدارية‪ ،‬والعالقات النااجة عن ممارسة السلطة‪ ،‬كاالستقاللية أو‬
‫اخلضوع ملقتضيات الوظيفة يف الفضاء اإلداري‪ ،‬واليت قد تعطّل وترهن سائر وجوه النشاط األخرى‪ ،‬فإ ّن ذلك كان على سبيل‬
‫التمثيل والتوعيح‪ ،‬وإالّ فإ ّن الرجل مل ميل من الدعوة إىل عرورة أن تتأسس دراسات متخصصة يف قضايا االستقالل تأخذ على‬
‫عاتقها تشريح كل ما من شأنه أن يعيق عجلة البناء والتنمية ويقف حجر عثرة أمام مسعى النهضة والتقدم مبا مها رهان كل بلد‬
‫خارج من االستعمار‪.‬‬
‫إ ّن السياسة اليت تطمح إىل حتريك عجلة االقتصاد واالجتماع يف البالد املستقلة حديثا وطي مسافة التخلف‪ ،‬مث ال تتأسس على‬
‫معطيات العلم‪ ،‬أو اجهل القوانني األساسية لعلم االجتماع مبا هو علم بيولوجيا البىن واألجهزة االجتماعية ليست يف تصور مالك‬
‫بن نيب سوى ثرثرة عاطفية‪ ،‬ولعبا باأللفاظ وطنطنة غوغائية‪ 31‬لن تغري من واقع احلال شيئا‪ .‬ينبغي على السياسة برأي ابن نيب أن‬
‫تكون علم اجتماع مطبقا‪.‬‬

‫‪ 35‬املرجع نفسه"‪ ،‬ص ‪.22‬‬

‫‪ 31‬مالك بن نيب‪ ،‬مشكلة األفكار في العالم اإلسالمي‪ ،‬ص‪.88‬‬

‫‪03‬‬

‫خالص ـ ـ ـة‪:‬‬
‫مر على نشر مالك بن نبي لمقالته الموسومة "نظرة‬
‫إلى غاية هذا اليوم يكون قد ّ‬

‫علم االجتماع في االستقالل" ما يقارب نصف قرن*‪ ،‬وهي مقالة أودعها ما كان‬

‫يعتمل في نفسه في تلك اللحظة الزمنية التي قفل فيها راجعا إلى الجزائر في‬

‫مرحلة كان يتطلع إلى دور له فيها ولمشروعه‪ ،‬غير أ ّن السنوات العشر التي‬
‫قضاها هناك وانتهت بوفاته لم تجد فيها كتاباته مالذاً في خطط العهد‬

‫االستقاللي‪ ،‬لقد كان ابن نبي عام‬

‫‪1965‬‬

‫‪-‬مثلما يقول عمر مسقاوي‪ -‬بالغ‬

‫اإلحباط والقلق‪ ،‬لما انتهى إليه من استحالة تطبيق مشروعه‪.35‬‬

‫وإ ّن المناسبة اليوم لتدعونا للتساؤل عن صدى هذه المقالة‪ ،‬وبخاصة أ ّن البلد‬
‫الذي كتبت ألجله ال زال يراوح مكانه تنمويا رغم اإلمكانات المتوفرة‪،‬‬
‫والميزانيات المرصودة والمدة الزمنية التي توفرت لهذه التجربة‬

‫(‪51‬‬

‫سنة من‬

‫االستقالل)‪ ،‬وهو ما يحتم البحث في بعض جهود مالك بن نبي التنظيرية الخاصة‬

‫بتسديد الجهد التنموي الخاص بمرحلة ما بعد االستقالل‪.‬‬

‫لقد اتجهت بوصلة البحث االجتماعي في جزائر االستقالل إلى الموضوعات ذات الصلة بالشأن التنموي‪،‬‬
‫والعناية بالمسألة التنموية‪ ،‬وبخاصة في فترة حكم الرئيس هواري بومدين الذي أطلق مشروع التنمية تحت مسمى‬
‫الثورات الثالث الزراعية والصناعية والثقافية‪.‬‬
‫على هذا األساس نشأ تخصص علم اجتماع التنمية في الجامعة الجزائرية‪ ،‬وتخرج فيه عشرات ومئات حملة‬
‫الماجستير والدكتوراه‪ ،‬وق ّدمت فيه عديد الرسائل والبحوث لكنها كانت ‪-‬حسب البعض‪ -‬مرتبطة أساسا‬
‫بموضوعات السلطة‪ ،‬وخاضعة للتوجيه السياسي‪-‬البيروقراطي‪ ،‬ولم تكن سوى ترديد للموضوعات والمشاكل التي‬

‫تشغل أصحاب القرار (التنمية‪ ،‬التصنيع‪.23)...‬‬
‫* نشرها بالفرنسية يف جملة الثورة اإلفريقية شهر أيار‪/‬مايو ‪.1815‬‬

‫‪ 35‬عمر كامل مسقاوي‪" ،‬مالك بن نبي العائد إلى الجزائر عام ‪ ،"1632‬الحياة (السبت ‪ 23‬مارس ‪Consulté le : ،]En ligne[ )2013‬‬
‫‪ ،14/04/2013‬متوفر على املوقع اإللكرتوين‪.http://www.binnabi.net :‬‬
‫‪ 31‬فوزي عادل (إشراف)‪ ،‬علم االجتماع األنثروبولوجي‪ ،‬أو كيف نعيد تفكير المنهج (اجلزائر‪ :‬مركز البحث يف األنثروبولوجيا االجتماعية والثقافية‪،)2001 ،‬‬
‫ص ‪.12‬‬

‫‪04‬‬

‫وما دام األمر كذلك فإ ّن المجهود العلمي المبذول في هذا الشأن لم يكن يسمح له بالخروج عن الرؤية الرسمية‬

‫في هذا الشأن‪ ،‬وهو ما يصطدم مع رؤية مالك بن نبي الذي يتصور أن علمه الجديد ينبغي أن يركز على الحاالت‬

‫المرضية وال حاالت الشاذة لتصفيتها‪ ،‬وأن يذهب العمل النقدي إلى أبعد مدى في جزائر االستقالل‪ ،‬وهو أمر لم‬
‫يكن متاحا أبدا في ظل دولة كانت ترى أن كل نقد للجهد الرسمي هو نقد مضر بالثورة والوطن‪ .‬على هذا‬
‫األساس نشأ البحث االجتماعي في الجامعة الجزائرية مكتفيا بمراجعة الموضوعات المكرورة أو الهادئة أو إعادة‬
‫إنتاج موضوعات مفصولة عن الحياة في فاعليتها‪ ،‬وحتى في الحالة التي تتوفر فيها بعض البحوث الجادة فإنها‬
‫تبقى حبيسة أدراج المكتبات الجامعية‪.‬‬
‫ينبغي أن في األخير ومن دون مواربة بأ ّن النزعة التي قادت الجهد التنموي في الجزائر في الفترة الباكرة من عمر‬
‫دولة االستقالل ال تزال هي نفسها إلى اليوم‪ ،‬نزعة اقتصادوية ضيقة؛ إذ لم تشفع ‪ 455‬مليار دوالر من أموال‬
‫المحروقات التي حقنت في االقتصاد الجزائري المريض‪ ،‬وصرفت في مختلف مشاريع التنمية من أن تحدث‬
‫القفزة التنموية المطلوبة‪ ،‬أو أن تحقق ما سماه الخطاب الرسمي بالتنمية المستدامة والنقلة الحضارية المرجوة‪،‬‬
‫فالفشل االقتصادي رغم األموال المحقونة يبرز على أكثر من صعيد‪ .‬وهو أمر يستدعي التأمل والبحث‪ ،‬وهنا‬
‫يبقى الصوت البنابوي يلهج إنها الطريق الخاطئة‪.‬‬

‫مصادر الدراسة ومراجعها‪:‬‬
‫[‪ ]1‬مالك بن نيب‪ .‬بين الرشاد والتيه‪ ،‬إشراف ندوة مالك بن نيب‪ .‬ط‪ .2‬اجلزائر‪ :‬دار الفكر‪.1899 ،‬‬

‫[‪ ]2‬مالك بن نيب‪ .‬القضايا الكبرى‪ . .‬إشراف ندوة مالك بن نيب‪ .‬ط‪ .1‬اجلزائر‪ :‬دار الفكر‪.1881 ،‬‬
‫[‪ ]3‬مالك بن نيب‪ .‬مشكلة األفكار في العالم اإلسالمي‪ .‬ط‪ .1‬ترمجة بسام بركة وأمحد شعبو‪ .‬إشراف وتقدمي عمر مسقاوي‪ .‬اجلزائر‪ :‬دار الفكر‪.1882 ،‬‬
‫[‪ ]2‬مالك بن نيب‪ .‬مشكلة الثقافة‪ .‬ط‪ .2‬ترجة عبد الصبور شاهني‪ .‬إشراف ندوة مالك بن نيب‪ .‬اجلزائر‪ :‬دار الفكر‪.1892 ،‬‬
‫[‪ ]5‬مالك بن نيب‪ .‬من أجل التغيير‪ .‬ترمجة بسام بركة وعمر مسقاوي‪ .‬دمشق‪ :‬دار الفكر‪.1889 ،‬‬

‫[‪ ]1‬مالك بن نيب‪ .‬وجهة العالم اإلسالمي‪ .‬ط‪ .5‬ترمجة عبد الصبور شاهني‪ .‬إشراف ندوة مالك بن نيب‪ .‬اجلزائر‪ :‬دار الفكر‪.1891 ،‬‬
‫[‪ ]7‬مالك بن نيب‪ .‬الظاهرة القرآنية‪ .‬ترمجة عبد الصبور شاهني‪ .‬إشراف ندوة مالك بن نيب‪ .‬دمشق‪ :‬دار الفكر‪.1891 ،‬‬
‫[‪ ]9‬الطاهر سعود‪ .‬التخلف والتنمية في فكر مالك بن نبي‪ .‬تقدمي زكي ميالد‪ .‬ط‪ .1‬بريوت‪ :‬دار ااهادي للطباعة والنشر والتوزيع‪.2001 ،‬‬

‫[‪ ]8‬علي مجعة حممد وسيف الدين عبد الفتاح امساعيل (إشراف)‪ ،‬بناء المفاهيم‪ :‬دراسة معرفية ونماذج تطبيقية‪ ،‬ط‪ .1‬ج ‪ .2‬القاهرة‪ :‬املعهد العاملي للفكر اإلسالمي‪.1889 ،‬‬
‫[‪ ]10‬فوزي عادل (إشراف)‪ ،‬علم االجتماع األنثروبولوجي‪ ،‬أو كيف نعيد تفكير المنهج‪ .‬اجلزائر‪ :‬مركز البحث يف األنثروبولوجيا االجتماعية والثقافية‪.2001 ،‬‬
‫[‪ ]11‬موالي اخلليفة ملشيشي‪ .‬مالك بن نبي‪ :‬دراسة استقرائية مقارنة‪ .‬معالم المنهج في تأصيل العلوم اإلنسانية لمشروع مشكالت الحضارة‪ .‬ط‪ .1‬دمشق‪ :‬دار النايا ودار حماكاة‬
‫للدراسات والنشر والتوزيع‪.2012 ،‬‬
‫[‪ ]12‬نيقوال تيماشيف‪ ،‬نظرية علم االجتماع طبيعتها وتطورها‪ .‬ترمجة حممود عودة وحممد اجلوهري وحممد علي حممد والسيد احلسيين‪ .‬مصر‪ :‬دار املعرفة اجلامعية‪.1898 ،‬‬
‫[‪ ]13‬الطاهر سعود‪" .‬مالك بن نيب والثورة اجلزائرية‪ :‬التحليل واملوقف"‪ .‬اجلامعة اإلسالمية العاملية ماليزيا‪ .‬مجلة التجديد‪ :‬العدد ‪.)2005( 19‬‬
‫[‪ ]12‬عمر كامل مسقاوي‪" .‬مالك بن نبي العائد إلى الجزائر عام ‪ ."1632‬الحياة‪.‬السبت ‪ 23‬مارس ‪ .Consulté le : 14/04/2013 .]En ligne[ .2013‬متوفر‬
‫على املوقع اإللكرتوين‪.http://www.binnabi.net :‬‬
‫[‪ ]15‬الظاهرة الغربية يف الوعي احلضاري‪ :‬أمنوذج مالك بن نيب‪ :‬متوفر على املوقع اإللكرتوين‪:‬‬
‫‪http://library.islamweb.net/newlibrary/display_umma.php?lang=&BabId=15&ChapterId=15&BookId=273&CatId=201&startno=0‬‬

‫‪05‬‬



Documents similaires


exemples pub en bib
articlepagefb
charh oussool sittah
addiction aux jeux
sourat al kahf pdf
s67


Sur le même sujet..