منارات مارس .pdf



Nom original: منارات مارس.pdf

Ce document au format PDF 1.7 a été généré par Adobe InDesign CS5 (7.0) / Adobe PDF Library 9.9, et a été envoyé sur fichier-pdf.fr le 20/03/2019 à 16:21, depuis l'adresse IP 165.51.x.x. La présente page de téléchargement du fichier a été vue 237 fois.
Taille du document: 7.3 Mo (9 pages).
Confidentialité: fichier public


Aperçu du document


‫حوار العدد مع األستاذة نزيهة عاتي‬

‫املثقف هو الشخص الواعي بقضايا‬
‫مجتمعه والذي يوظف‬
‫معارفه و خرباته لفائدة املجتمع‬
‫الملحق الثقافي لجريدة الشعب‬

‫حواء‪...‬وضلع‬
‫ّ‬
‫«المعوج»‬
‫آدم‬
‫ّ‬
‫محمد الجاب ّلي‬

‫الخميس ‪ 14‬مارس ‪ - 2019‬املوافق لـ ‪ 7‬رجب ‪ - 1440‬العدد ‪77‬‬

‫حقوق املرأة يف تونس‬
‫بني النص والواقع‬
‫عالقة حركة اإلصالح ما بين القرن‬
‫التاسع والثامن عشر في كل من مصر‬
‫وتونس بتحرير المرأة العربية‬
‫النفطي حولة‬

‫‪2‬‬

‫الخميس ‪ 14‬مارس ‪ - 2019‬املوافق لـ ‪ 7‬رجب ‪ - 1440‬العدد ‪77‬‬

‫«المعوج»‬
‫حواء‪...‬وضلع آدم‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫محمد الجابلّي‬

‫قال ازرا باوند حني ُسئل عن شعره‪« :‬لست‬
‫شاعرا‪...‬لكنني أشعر بالحزن»‬
‫من مفارقاتنا الكثرية أننا نحتفل أو نتوهم‬
‫االحتفال‪ ،‬لنا أعياد كثرية‪ ،‬بعضها أريض وبعضها‬
‫ساموي‪ ،‬وللمرأة أعياد وطنية وعاملية‪ ،‬منها‬
‫الذي م ّر بنا قريبا‪ ،‬عيد املرأة العاملي انطلق من‬
‫نضاالت الكادحات منذ ‪ 1907‬من نسوة ناضلن‬
‫ضد عبوديات متعددة من البيت إىل املصانع‬
‫واملزارع ‪...‬‬
‫يف لحظتنا القامتة ال ندري حقا هل بقي مجال لإلحتفال؟‬
‫نكبات وأزمات تتعاقب رسيعا الواحدة منها تسلمنا لألشد واألنىك‪ ،‬تذكرت‬
‫ذلك الشعار النوفمربي الخادع «بلد الفرح الدائم» ذلك املصلوب عىل‬
‫الالفتات الدعائية فوق املنصات والخيامت واألوتاد الكثرية الحتفاالت التغيري‪،‬‬
‫بعد سنوات الزلنا نتعرث يف تلك األوتاد‪ ،‬تعوزنا القدرة عىل الخروج منها ‪...‬‬
‫غالبا ما يعود الدارسون اىل بورقيبة ومجلة األحوال الشخصية يف الحديث عن‬
‫حال املرأة التونسية وغالبا ما يقع تجاهل الباحثني لرائد من أبرز رواد املجال‬
‫وهو الطاهر الحدّاد الذي عاش مناضال غريبا حزينا ومات وحيدا‪ ،‬وكانت‬
‫دعواته وأفكاره الواضحة مبثابة الحجر األول يف الربكة اآلسنة‪...‬‬
‫قد ال يعنينا املايض القريب إال من باب التذكري ومن باب استحقاقات اعتبارية‬
‫ورمزية منسية لرواد الفكر والثقافة عندنا‪ ،‬فالسياسيون يصادرون الحارض‬
‫واملايض‪ ،‬وتطفوا أسامؤهم دامئا عىل السطح ال ّرباق يف مقابل نسيان تلك‬
‫الجذور املقاومة يف البدايات املؤسسة واملنسية‪...‬السؤال األهم الذي يُطرح‬
‫باملناسبة هو‬
‫« هل تحررت املرأة حقا يف ربوعنا أم أن املسألة من نسج أوهامنا «؟‬
‫كل حديث عن املرأة هو حديث عن الرجل‪ ،‬لتتعاقب األسئلة هل تخلصنا من‬
‫إرث الخطيئة والتفاحة املرتبطتني بقصة الخلق وآدم وح ّواء‪ ،‬هل تخلصنا من‬
‫موروث «املرأة اإلبليسية» يف حكايات ألف ليلة وليلة‪ ،‬تلك التي تناور وتخادع‬
‫وتنصب شباك اإلغراء؟‬
‫يف الواقع مل نربح ‪ -‬جميعنا – حبائل املايض لكننا غلفناه بأستار تربيرية من‬
‫حداثتنا املوهومة‪ ،‬لتكون املرأة عندنا ويف إرادتنا أشبه باملهرج الذي يجب أن‬
‫يتلون بلون لحظاتنا املتعاقبة واملتناقضة شكال وتص ّورا بني الفسق والتقوى‬
‫أوبني األصالة والتحديث ‪...‬فهي حارسة القيم عند البعض وهي مجال تحديث‬
‫عند اآلخر‪...‬خطابنا السيايس املؤدلج يفضح تناقضنا ويجعل املرأة يف مركز‬
‫الرصاع املوهوم‪ ،‬ومن باب املجاز الكاريكاتوري الساخر نرى أن البعض يريد‬
‫أن يغطيها ويحجبها باسم القيم والوصاية عليها‪ ،‬واآلخر يريد أن يع ّريها باسم‬
‫الحداثة والوصاية عليها‪...‬مل ننظر قط إىل املرأة ككائن ندّي وكرشيك متحرر‬
‫فعيل وفاعل ‪...‬‬
‫علينا أن ننظر للمرأة عرب مقاربة الحارض وأفق املستقبل‪ ،‬أن ننظر إليها مبا هي‬
‫عليه اليوم‪ ،‬تلك الريفية الكادحة املزروعة يف األرض كالزياتني والنخيل‪ ،‬تلك‬
‫التي تستيقظ قبل الشمس والعصافري لتصنع الحياة واألمل وتعمد اقتصادا‬
‫أرسيا متداعيا ‪...‬تلك العاملة الكادحة يف دوائر التعليب واالستغالل‪ ،‬تلك‬
‫املدرسة والطبيبة واملوظفة وربة البيت‪...‬‬
‫املرأة الريفية عامد إقتصاد وطني تقليدي‪ ،‬لكنها مسلوبة الحقوق االجتامعية‬
‫واالقتصادية وعرضة لالنتهاكات املتعددة واألمراض املزمنة ‪...‬‬
‫كيف نخرج من االستالب ونحن نتخبط بني دوائره ؟‬
‫يومياتنا باتت ك ّنش أحزان ومآس‪ ،‬بتنا ُعرضة ألمراض نفسية ظاهرة وخفية‪،‬‬
‫مفجوعني يف غذائنا ودوائنا‪ ،‬ال نطمنئ عىل أنفسنا يف حارضنا وال نضمن السالمة‬
‫ألجيالنا‪ ،‬عقلية التاجر امل ُامكس وامل ُامحك باتت عنوان سياساتنا‪ ،‬تدمري املرفق‬
‫العمومي الذي ربانا وغذانا سيجعلنا عراة حفاة يف املسرية املوحشة‪...‬واليشء‬
‫أبرز من ذلك وفق الحاصل القريب يف التعليم والص ّحة‪...‬‬
‫نتداول األخبار ومرايث أحالمنا كل يوم‪ ،‬لكننا نفقد الحركة املمكنة الواعية‪ ،‬ما‬
‫بعد األحزان غري أحزان أخرى‪ ،‬نرى األشياء تتداعى وكأننا يف لحظة الصمت‪...‬‬
‫ما قبل مرحلة اليأس كام قال الياس خوري يف مداخلة بيت الرواية قبل أيام‪...‬‬
‫حالنا موصوف بلسان شاعرنا املحدث* يف قصيد العاصفة ‪:‬‬
‫هجس الشوق لنا شيئا‪ /‬ورمنا فسحةً‪/‬‬
‫نحن ال نشبه ما كنا نريـــــــدْ‪ /‬وإذا ما‬
‫َ‬
‫خارج القبــو‪ /‬تناهينا إىل قبو جديـــــــــــــدْ‪ /‬هكذا يلتبس الخـــارج‬
‫والداخـــــــل بالخـــــــــارج‪ /‬واألقبا ُء بالرحب املديــــــــدْ‪/‬‬
‫ُ‬
‫بالداخل‪/‬‬
‫هناك أمل ما‪ ،‬يف الطاقات الشابة واإلرادات الخرية‪ ،‬أن نتجاوز جميعا مرحلة‬
‫االحتجاج السلبي وأن ننسق الجهد يف املامرسة الصائبة‪ ،‬أن نكون عمليني‬
‫مع ما نحن فيه‪ ،‬أن تتحد األحزاب واملنظامت الوطنية وأن ترتقي إىل رشوط‬
‫اللحظة ورضوراتها وأن تتخىل عن أوهام الزعامات الكاذبة واألنانيات‬
‫الصبيانية‪...‬‬
‫لحظتنا خطرية ‪...‬والنفق طويل مظلم ‪...‬لكن هناك نور يف آخر النفق‬
‫رحم الله شاعرنا يف قوله أيضا‪:‬‬
‫ومل أر يف عيوب الناس عيبا ‪ //‬كنقص القادرين عىل التامم*‬
‫*فتحي النرصي‪* /‬املتنبي‬

‫إلياس خوري ضيف الشرف في بيت الرواية‬

‫«‪...‬لحظة الصمت يف بداية مرحلة اليأس‪»...‬‬
‫«إذا كان لهذا الربيع العريب من معنى فإنه يجب أن يتجسد يف الثقافة‪ ،‬وإذا مل تُحدث الثورات تغيريا يف الثقافة فال معنى‬
‫ألن تُحدث تغيريا يف السياسة‪ »...‬من مفتتح مداخلة ضيف الرشف»‬
‫عشنا أياما يف بيت الرواية عىل إيقاع تظاهرة مميزة جمعت كتابا محرتمني أفارقة وعرب وبربر‪ ...‬بني مداخالت وشهادات‬
‫محب للثقافة وأهلها‬
‫مفعمة بالصدق والعمق‪ ...‬بيت الرواية «هذا البيت املعمور» يصنع الحدث الثقايف بعزمية فريق ّ‬
‫استقطب جمهورا مميزا كام وكيفا أعاد للثقافة بريقها بعيدا عن العناوين الدعائية والالفتات الخادعة‪...‬‬
‫نرجو أن يستم ّر الجهد وأن يحافظ الفريق الشاب عىل إرادته الح ّرة املستقلة وأن يسلم من وسطوة املحرتفني يف وزارة‬
‫الثقافة ومن حصار اإلخوانيات‪ ،‬تلك «الشللية» املتملقة املقيمة التي طاملا تفهت الثقافة والتي تعيد ترتيب صفوفها‪ ،‬ومنها‬
‫شيوخ مبريدين ورتب وتابعني وأتباع التابعني تتبادل األدوار‪ ...‬وأن يسلم كذلك من كيد الكائدين وامل ُعرقلني‪...‬‬
‫هذا الحدث الثقايف األهم واألبرز‪ ،‬مل يحض – فيام نعلم‪ -‬مبتابعة أوتغطية إعالمية‪ ،‬ويبدو األمر غريبا وكأن إعالمنا بات‬
‫متخصصا يف الضجيج امل ُسيس وهويف عداء ظاهر للثقافة وأهلها‪ ،‬والغريب كذلك أن يجمع هذا التص ّحر بني إعالمنا‬
‫«الوطني و الالوطني» وأن يشرتك فيه املسموع واملريئ مع خشية أن يصيب ذلك العداء املقيم إعالمنا املكتوب‪« ...‬منارات»‬

‫من ذاكرة المقاومة‬
‫‪ 1‬مارس ‪/ 1924‬‬
‫إعدام البطل املقاوم‬
‫محمد الدغباجي‬
‫ ‪ 7‬مارس ‪2016‬‬‫ملحمة بنقردان‬
‫ يف عيد املرأة‬‫‪ /‬تحية لخولة‬
‫الرشيدي‪-‬‬

‫محور العدد القادم‬

‫محور العدد القادم ‪:‬‬

‫‪ 1‬ماي العمل في ظل العولمة‬
‫ودور النقابات‬
‫البريد االلكتروني ‪manaratculturel@gmail.com :‬‬

‫المدير المسؤول‬

‫نورالدين الطبوبي‬

‫المدير‬

‫أسرة التحرير‬

‫سامي الطاهري‬

‫ منتصر الحملي ‪ -‬رشيدة الشارني ‪ -‬حسني عبد الرحيم ‪ -‬سعدية بن سالم‬‫إشراف وتنسيق ‪ :‬محمد الجابلي‬
‫اإلخراج الفني ‪ :‬محمد كريم السعدي‬
‫السحب ‪ :‬مطبعة دار األنوار ‪ -‬الرشقية ‪ -‬تونس‬

‫املقر ‪ 41 :‬شارع عيل درغوث ‪ -‬تونس ‪ - 1001‬الهاتف ‪ / 71 330 291 - 71 255 020 :‬الفاكس ‪- 71 355 139 :‬‬
‫العنوان االلكرتوين ‪ - manaratculturel@gmail.com :‬الحساب الجاري بالربيد ‪300 - 51 :‬‬

‫‪3‬‬

‫الخميس ‪ 14‬مارس ‪ - 2019‬املوافق لـ ‪ 7‬رجب ‪ - 1440‬العدد ‪77‬‬

‫العالقات بني املغرب‬
‫وجمهورية الصني الشعبية‬
‫جامعة الحسن األول نموذجا‬

‫الزهرة الغلبي*‬

‫عرفت العالقات بني املغرب وجمهورية الصني‬
‫الشعبية تطورا رسيعا يف السنوات املاضية‪ ،‬شمل‬
‫مختلف املجاالت االقتصادية والثقافية والعلمية‪،‬‬
‫وتعترب جامعة الحسن األول بسطات‪ -‬املغرب‬
‫منوذجا لهذه العالقات التي خلقت جرسا للتواصل‬
‫والتبادل الثقايف والعلمي‪ ،‬من خالل فتح نافذة‬
‫كبرية لتدريس اللغة العربية للطلبة الصينيني‪،‬‬
‫وإنشاء مركز ثقايف صييني –مغريب‪ ،‬وتبادل‬
‫البعثات الطالبية ومؤطرين‪ ،‬وذلك مواكبة منها‬
‫للقفزة املهمة التي عرفها مجال تدريس اللغة‬
‫العربية لغري الناطقني بها مبختلف الجامعات‬
‫الغربية والعربية‪ ،‬وجامعة تكساس بأمريكا‬
‫وجامعة اإلسكندرية مبرص خري مثال‪ ،‬ويعود هذا‬
‫اإلقبال إىل اآلفاق التي تفتحها سياسة تعليم اللغة‬
‫العربية يف العامل وخاصة يف دولة الصني‪ ،‬كام أنها‬
‫لغة اثنتني وعرشين دولة‪ ،‬مام يؤكد عىل قيمتها‬
‫بالرغم من كل األزمات التي عاشتها حيث تجدد‬
‫دماؤها بتجدد مختلف العصور التاريخية‪.‬‬
‫لذلك عملت جامعة الحسن األول بسطات‬
‫يف إطار االتفاق مع بعض الجامعات الصينية‬
‫والسيام جامعة نينغشيا‪ ،‬عىل تطوير طرق ومناهج‬
‫تعليمها‪ ،‬واالرتقاء بها وتبسيطها أمام الطلبة‪،‬‬
‫حيث بحثت عن اآلليات العلمية املختلفة لالرتقاء‬
‫بها‪ .‬وهي تجربة إن كانت حديثة مل تعشها إال‬
‫خالل السنوات املاضية القريبة‪ ،‬إال أنها قدمت‬
‫نتائج يف غاية األهمية مواكبة بذلك مسار التعاون‬
‫الذي فتحه املغرب مع الصني باعتامد نشاط‬
‫علمي مكثف ومتنوع وقار طيلة السنة الدراسية‪،‬‬
‫يقبل عليه الطلبة من مختلف الجامعات واملراكز‬
‫الخاصة بالصني وخاصة مبقاطعة نينغشيا ‪.‬‬
‫مع العلم أن تعليم اللغة العربية لذوي األلسن‬
‫األخرى‪ ،‬صوتيا ورصفيا ونحويا‪ ،‬مختلف متاما عن‬
‫تعلميها للناطقني بها‪ ،‬إذ يتطلب تقنيات تنبني‬
‫عىل املسموع ثم املكتوب ثم املقروء‪ ،‬ولك ّنهم‬
‫نجحوا يف هذا حيث يقدمون يف نهاية كل‬
‫سنة دراسية للصني واملغرب معا سفراء ينقلون‬
‫الثقافتني العربية والصينية‪ ،‬كام يساهمون يف بناء‬
‫العالقات بني البلدين من خالل دخولهم يف سوق‬
‫الشغل سواء كان املنصب دبلوماسيا أو سياحيا‬
‫أو صناعيا‪ ،‬وخاصة الصناعات اإللكرتونية التي‬
‫أصبحت الصني تغزو من خاللها العامل‪ .‬كام تفتح‬
‫الجامعة آفاقا كبرية ليأخذ الطلبة املغاربة بجامعة‬
‫الحسن األول دروسا قد تستغرق بعض األشهر‬
‫لتعلّم اللغة الصينية من البالد األم‪ ،‬إذ تتحمل‬
‫تكاليف الطلبة من سفر وغريه‪ ،‬من أجل التكوين‬
‫والتكوين املستمر‪ ،‬وقد استقبلت جامعة نينغشيا‬
‫بالصني يف بداية املوسم الدرايس ‪2018-2019‬‬
‫بعض الطلبة املغاربة املسجلني يف جامعة الحسن‬

‫األرجوحة ‪:‬‬
‫جميلة الرشيف‬

‫السطل النحايس‬
‫صوت زخّات الحليب وهي تتسابق إىل قاع ّ‬
‫يحدث إيقاعا طربا كطرب أ ّمي الستسالم بقرتها لها وهي مت ّرر‬
‫منشفة ل ّينة عىل رضعها املستنفر متسحه بعد أن نظّفته مباء‬
‫فاتر‪ ،‬تلك البقرة الشهباء الرشسة كانت القلب ال ّنابض لعائلتنا‪..‬‬
‫ميتلئ السطل فتعود أ ّمي وترسع بتصفية الحليب لتأخذه قبل‬
‫رشوق الشمس إىل دكّان الع ّم العرويس وتشرتي بثمنه سميدا‬
‫تصنع منه خبز طابونة لذيذا نلتهمه ساخنا مغموسا يف الزيت‬
‫ث ّم نغادر للعب‪.‬‬

‫ك ّنا نختار ألعابنا ونخرتع لعبنا بأيدينا‪ ..‬كرات من القامش‬
‫والقش وعجالت من بقايا‬
‫ودمى من الطني ومنازل من الحجر ّ‬
‫الحديد نتق ّمص أدوارا اجتامعية مختلفة كاملعلّم والطبيب والح ّداد والن ّجار والخضّ ار‪ ...‬بل نتز ّوج‬
‫أحب أن ألعب دور العروس ‪ ،‬تج ّملني أختي الكربى وتلبسني فستان أ ّمي‬
‫وننجب أبناء‪ ،‬كنت ّ‬
‫وحذاءها ذا الكعب العايل وتجلسني عىل كريس من الحجر أنتظر من سيكون العريس‪ ،‬لكن كنت‬
‫أعود إىل املنزل عىل صوت أ ّمي املد ّوي مثل هزيم الرعد دون أن أظفر مبعرفة من هو عرييس‪،‬‬
‫كانت املعركة تشت ّد بني الرفاق من الذكور للحصول عىل الدور فتضط ّر أمي إىل عزيل عن املجموعة‬
‫وتسجنني يف املنزل‪.‬‬
‫األول لتعلم اللغة الصينية‪ .‬كام تتبادل الجامعتان‬
‫األطر األكادميية أيضا‪.‬‬
‫ومل يقترص دور الجرس التواصيل الذي تقوم به‬
‫الجامعة عىل تدريس اللغة العربية فقط‪ ،‬بل‬
‫شمل مجاال آخر هو املجال الثقايف وما يحمله من‬
‫حمولة يف الرقي مبكانة املغرب عامة والجامعة‬
‫املغربية خاصة‪ ،‬وما األسبوع الثقايف الصيني‬
‫املغريب الذي تم تنظيمه مؤخرا إالّ خري مثال‪ ،‬وقد‬
‫حرضته مختلف الفئات األكادميية وممثلون عن‬
‫الحزب الصيني الحاكم وتوزعت أشغاله بني مدينة‬
‫سطات ومدينة مراكش‪.‬‬
‫ال بد أن يأخذ الوطن مكانه يف العالقات بينه‬
‫وبني الصني‪ ،‬ويعلم أن دولة الصني أصبحت قوة‬
‫اقتصادية كربى يف العامل‪ ،‬فال يجب أن يقترص‬
‫دور الجامعة عىل تلقني الدروس داخل املدرجات‬
‫فقط بل يجب أن توسع من أهدافها لتجعلها‬
‫أشمل وأكرب وتجعل رحاب الكلية دوليا عوض أن‬
‫يظل محليا‪ ،‬وجامعة الحسن األول قدمت أعامال‬
‫مختلفة وحصدت نتائج علمية يف ما يخص هذا‬
‫املوضوع‪.‬‬
‫كام شارك وفد هام من الجامعة مؤخرا‪ ،‬يتكون‬
‫من رئيس الجامعة د‪ /‬أحمد نجم الدين و نائبه د‪/‬‬
‫رياض فخري وآخرون يف الذكرى الستني لتأسيس‬
‫جامعة نينغشيا سريا عىل نهج ملك البالد محمد‬
‫السادس وهو احتفال عرف مشاركة مختلف‬
‫الجامعات اإلفريقية واألسيوية‪ .‬حيث تم تكريم‬
‫جامعة الحسن األول من خالل رئيسها ونائبه‬
‫كام تم ترتيب كلمة رئيس جامعة سطات أ ّوال‬
‫ملا تقدمه من مجهودات جبارة يف سبيل الدفع‬
‫بالعالقات املغربية الصينية إىل غايتها املنشودة‪،‬‬
‫وال تقترص هذه العالقات عىل مجال اللغة التي‬
‫هي جرس التواصل بل يشمل حتى الجامعات‬
‫التي تدرس بعض العلوم مثل كلية الطب بجامعة‬
‫نينغشيا‪.‬‬
‫* أستاذة بجامعة نينغشيا‪-‬جمهورية الصني‬

‫قيل يل أ ّن بقرتك ماتت بعد رحييل وأنّك بكيت لفراقها أكرث من بكائك يوم سفري‪ ،‬أعذرك والله‪،‬‬
‫أعرف عالقتك بها ‪ ،‬متينة جدا كعالقتي بتلك األرجوحة امللعونة التي علّقتها يل يف غصن زيتونة‬
‫عظيمة ذات يوم ‪ ،‬تلك األرجوحة التي ع ّوضتني فقد متعة اللعب مع رفاقي‪ ...‬اضطررت حينها أن‬
‫عيني وأستسلم لسيطرة‬
‫أكتفي بالحلم‪ ...‬كنت أحرتق لسامع أصواتهم الصاخبة يف الخارج فأغمض ّ‬
‫خفقات الحبل حتّى إذا ما شعرت بالدوار أقفز متعبة و وأهرع إىل فرايش أتك ّور فيه برموش دامعة‬
‫وشعر مغرب وكفني داميتني عليهام آثار الحبل املجنون‪.‬‬
‫رمبا كنت سبب التعجيل مبوت بقرتك يف ذلك املوسم‪ ...‬لقد استنزفت حليبها وحرمتها من عجلها‬
‫الجميل يك توفّري نقودا تجابهني بها مصاريف الباكلوريا‪ ،‬ذلك الز ّي الريايض مل أتخلّص منه يا‬
‫حبيبتي‪ ،‬مازلت أحتفظ به ومازلت أذكر نظرات املختربين ووشوشات أصدقايئ يوم «الباك سبور»‬
‫نسقت ألوانه بل كيف ع ّنت يل فكرة خياطته وكيف قبلت أنا بارتدائه‬
‫كان زيّا غريبا ال أعرف كيف ّ‬
‫وكيف كتمت رصختي وابتلعت سخرية رفاقي‪.‬‬
‫تحصلت عىل أفضل عدد يف الرياضة ورصختك‬
‫تلك الرصخة التي غادرت باطني ملعلعة بالفرح ملا ّ‬
‫املكتومة التي تح ّولت إىل زغاريد عالية ملا اجتزت االمتحان النهايئ بامتياز‪ ،‬حقيبتي الصفراء أيضا‬
‫كل ما أذكره أنني جمعت فيها لوازم السفر ورحلت وأنّها أثارت دهشة‬
‫ال أعرف من أين اشرتيتها‪ّ ،‬‬
‫املارة يف أحد شوارع كندا‪ ...‬عدد منهم طلب مني أن يلتقط معي صورة للذكرى‪ ،‬تلك الحناء التي‬
‫وقدمي باتت موضوع بحث‪ ...‬أذكر ج ّيدا كيف خضّ بت أصابعي ليلة السفر مه ّددة‬
‫كانت تج ّمل يد ّي‬
‫ّ‬
‫بتعطيل مسرييت إن أنا خالفت طلبك ورفضت الح ّناء‪.‬‬
‫تكسب‪ ،‬صارت غرفتي بعد م ّدة‬
‫تلك الح ّناء التي صبغت بها أظافري تح ّولت بعد م ّدة إىل مورد ّ‬
‫مقصدا للعرائس من أجناس مختلفة‪ ،‬كلّهن يطلنب مني أن أخضّ ب أيديهن وأقدامه ّن ب «ح ّنة‬
‫تونس» ذلك النشاط املوازي لدراستي وفّر يل أمواال معقولة وأدركت وقتها كم كنت حكيمة‪.‬‬
‫ايس واحد وأعود إليك يا أ ّمي خبرية فالحية‪ ،‬كانت يب رغبة جامحة يف تجهيز اسطبل ضخم‬
‫موسم در ّ‬
‫تربني فيه بقرات شهباء ومزرعة كبرية أريب فيها خيوال أصيلة ‪ ،‬موسم واحد يا أ ّمي وننطلق يف رحلة‬
‫الرصاع من جديد مع مواسم الحرث والغرس والحصاد‪.‬‬
‫كل مواسم الضيم يا أ ّمي فلامذا رحلت قبل أن تعانقي موسم انتظاراتك ؟‬
‫صربت عىل ّ‬
‫كل يشء بعدك يغرق يف الحزن ما عدا هذه األرجوحة امللعونة‪ ،‬أراها مرشقة الوجنتني‪ ،‬تدعوين بدهاء‬
‫ّ‬
‫عيني‪ ...‬وشيئا فشيئا بدا صوت‬
‫لركوبها من جديد‪ ،‬أسلمت نفيس لخفقات الحبل من جديد‪ ،‬أغمضت ّ‬
‫إيقاع زخّات الحليب وهي تتسابق إىل قاع السطل النحايس يتناهى إىل مسمعي وصوت أ ّمي وهي‬
‫تأمرين بنزع فستان العروس والعودة إىل املنزل وصوت أمنيتي يتح ّرر من قضبان جويف ويعلن عمن‬
‫أمتناه يفوز دون غريه من األتراب بالجلوس إىل جانبي عريسا‪.‬‬
‫ابتسمت يف رسي رغم حزين وانتفضت فزعا مل ّا ط ّوقتني يدان غليظتان‪ ...‬واستيقظت من غيبوبة كنت‬
‫أحتاجها عن صوت أحتاجه ‪...‬يسألني «كيف حال املط ّوقة» ؟‬

‫‪4‬‬

‫الخميس ‪ 14‬مارس ‪ - 2019‬املوافق لـ ‪ 7‬رجب ‪ - 1440‬العدد ‪77‬‬

‫أالن باديو ‪ Alain Badiou‬متحدّثا عن االضطرابات يف تونس*‬
‫تدوين ونقل دانيال فيرش ‪ - Daniel Fischer‬ترجمة املنترص الحميل‬
‫سوف أحدّثكم اليوم عن االضطرابات الجارية يف تونس‪،‬‬
‫يف سياق موضوع ندوتنا هذا العا ّم املتعلّقة مبا معنى‬
‫«تغيري العامل»؟ ‪ -‬هذا ال ّتعبري الّذي سبق يل أن أرشت إىل‬
‫طابعه امللتبس‪.‬‬
‫إذا ك ّنا نعني بعبارة «االضطرابات» الفعل الّذي يقوم‬
‫به يف الشّ وارع أناس يرغبون يف الوصول إىل اإلطاحة‬
‫بالحكومة مستعملني العنف بدرجات متفاوتة‪ ،‬فيجب‬
‫علينا منذ البداية ال ّتأكيد عىل ما يجعل االضطرابات‬
‫ال ّتونسية أمرا نادرا‪ :‬وهو أنّها كانت ظافرة؛ فقد كان يف‬
‫ومستتب منذ ‪ 23‬عاما‪ ،‬وها قد متّت‬
‫تونس نظام قائم‬
‫ّ‬
‫رجعي‪ ،‬طبيعته باعتباره‬
‫شعبي أثبت يف نفس الوقت‪ ،‬بأثر‬
‫ّ‬
‫اإلطاحة به من خالل فعل ّ‬
‫«الحلقة األضعف»‪ .‬فلامذا يتعينّ علينا تحليل هذه الظّاهرة والحال أنّه بإمكاننا أن نكتفي‬
‫بال ّتعبري عن فرحنا؟ أل ّن هناك قلقا غامضا‪ ،‬يف ارتباط بالطّبيعة اإللزامية لل ّرضا الذي يجب‬
‫علينا إظهاره‪ ،‬من ج ّراء طبيعتها ال ّتوافق ّية‪ ،‬عىل ال ّرغم من ال رشع ّية حيازة ملك ّية األحداث‬
‫أحب بن عيل‪ ،‬وآسف حقّا ألنّه اضط ّر إىل‬
‫السهل اليوم أن تعلن «أنا ّ‬
‫املعن ّية‪ .‬فليس من ّ‬
‫يسء للغاية‪ ،‬ولهذا يجب‬
‫وضع‬
‫يف‬
‫نفسك‬
‫تضع‬
‫فأنت‬
‫هذا‬
‫تقول‬
‫فعندما‬
‫السلطة»؛‬
‫ترك ّ‬
‫ّ‬
‫الس ّيدة أليوت ماري الّتي ندمت علنا عىل تأخّرها يف وضع‬
‫علينا أن نثني عىل موقف ّ‬
‫عبت بصوت عا ٍل عماّ يؤمن به يف‬
‫وقد‬
‫عيل‪،‬‬
‫بن‬
‫خدمة‬
‫يف‬
‫ة‬
‫«حنكة» قوات الشرّ طة الفرنس ّي‬
‫رّ‬
‫السياسيون؛ ولك ّن ساركوزي منافق وجبان‪ ،‬مثله مثل جميع هؤالء الّذين‪،‬‬
‫رسهم زمالؤها ّ‬
‫ّ‬
‫عىل اليمني وعىل اليسار‪ ،‬كانوا قبل أسابيع قليلة فقط سعداء بأنّهم وجدوا يف بن عيل‬
‫يايس وتلميذا ممتازا للغرب‪ ،‬والّذين يجدون أنفسهم اليوم‬
‫حصنا منيعا ض ّد اإلسالم ّ‬
‫الس ّ‬
‫ملزمني‪ ،‬بسبب إجامع اآلراء‪ ،‬عىل ال ّتظاهر بالفرح ملغادرته جا ّرا أذيال الهزمية‪.‬‬
‫الشعبي‬
‫دعونا نؤكّد م ّرة أخرى عىل ال ّنقطة التّالية‪ :‬إ ّن إطاحة العنف‬
‫ّ‬
‫بحكومة ّما (وال سيام من قبل الشباب الّذين كانوا رأس الحربة يف هذه‬
‫األحداث)‪ ،‬هي ظاهرة نادرة‪ ،‬وإذا أراد املرء أن يجد لها مثيال يف التّاريخ‬
‫فيتعينّ عليه العودة ثالثني سنة إىل الوراء‪ ،‬أي إىل الثّورة اإليرانيّة (‪)1979‬‬
‫السائد فيها هو أ ّن هذه الظّواهر مل تعد‬
‫[‪]1‬؛ ثالثني سنة كان االعتقاد ّ‬
‫ممكنة التّحقّق عىل وجه التحديد‪ ،‬وهذا ما أعلنته بالخصوص أطروحة‬
‫البديهي أ ّن هذه النظرية مل تكن تعني‬
‫ما يس ّمى بـ «نهاية التّاريخ»‪ .‬من‬
‫ّ‬
‫أنّه لن يحدث أ ّي يشء‪ ،‬بل إ ّن «نهاية التاريخ» تعني «نهاية الحدثيّة‬
‫السلطة لصالح لحظ ٍة‬
‫التاريخ ّية»‪ ،‬ونهاية إمكان ّية إعادة ال ّنظر يف تنظيم ّ‬
‫«تدخُلُ فيها الجامه ُري إىل مرسح التّاريخ» وفق تعبري تروتسيك؛ فقد كان‬
‫السوق مع ال ّدميقراط ّية‬
‫املسار‬
‫الطبيعي لألشياء يتمثّل يف تحالف اقتصاد ّ‬
‫ّ‬
‫الربملانيّة‪ ،‬وكان هذا التّحالف هو معيار الذّاتيّة الشّ املة الوحيد القابل‬
‫لالستمرار؛ فمعنى مصطلح «العوملة» إذن هو التّايل‪ :‬أ ّن هذه الذّاتية قد‬
‫أصبحت ذاتيّة عامليّة‪ ،‬وهو ما مل يكن يف تنافر مع الحروب التّأديبيّة (ض ّد‬
‫العراق وأفغانستان)‪ ،‬والحروب األهل ّية (يف دول إفريق ّية متداعية)‪ ،‬وقمع‬
‫االنتفاضة الفلسطينيّة وما إىل ذلك‪ .‬وهكذا فإ ّن ما يذهل أكرث من أ ّي يشء‬
‫آخر يف أحداث تونس هو تاريخان ّيتها‪ ،‬هو إثبات استمرار وجود قدرة‬
‫الجامعي‪.‬‬
‫فاعلة عىل ابتداع أشكال جديدة من التّنظيم‬
‫ّ‬
‫السوق وال ّدميقراطية الربملان ّية‪،‬‬
‫إ ّن املجموعة الّتي شكّلها تحالف اقتصاد ّ‬
‫هذه املجموعة الّتي ت ّم عرضها عىل أنّها منوذج ال ميكن تجاوزه‪ ،‬أقرتح‬
‫تسميتها بـ «الغرب»‪ ،‬وعىل أيّة حال هي نفسها تس ّمي نفسها هكذا من‬
‫بني أسامء أخرى متداولة أذكر منها «املجتمع ال ّدو ّيل» و»الحضارة» (حيث‬
‫تتعارض‪ ،‬كام ينبغي لها‪ ،‬مع أشكال مختلفة من الهمج ّية‪ ،‬انظر تعبري‬
‫«رصاع الحضارات»)‪ ،‬و»القوى الغربية»‪ ...‬أذكّركم بأ ّن املجموعة الوحيدة‬
‫الّتي تب ّنت هذا االسم ‪« -‬الغرب» ‪ -‬باعتباره منوذجا منذ ثالثني سنة وأكرث‪،‬‬
‫كانت مجموعة فاشيّة صغرية مسلّحة بقضبان حديديّة (والّتي كان ع ّيل‬
‫أن أتعامل معها يف شبايب)؛ فأن يغيرّ اسم ّما من إحالته املرجع ّية إىل هذا‬
‫الح ّد فذلك ال ميكن إالّ أن يعني أ ّن العامل نفسه قد تغيرّ ‪ ،‬أ ّن العامل مل يعد‬
‫نفس املتعايل‪.‬‬
‫لديه ُ‬
‫هل نحن يف زمن االضطرابات؟‬
‫ميكننا أن نعتقد ذلك عىل ضوء األحداث األخرية يف اليونان وإيزلندا‬
‫وأنجلرتا وتايالندا (القمصان املل ّونة)‪ ،‬وأعامل الشغب ال ّناجمة عن املجاعة‬
‫الصني‪ .‬ويف فرنسا نفسها‪،‬‬
‫يف إفريقيا‪ ،‬واالضطرابات العماّ ل ّية الضّ خمة يف ّ‬
‫هناك ما يشبه التّوتر املنبئ باضطرابات مقبلة‪ ،‬فمن خالل بعض الظّواهر‬

‫السائد أ ّن‬
‫عىل غرار احتالل املصانع يُظهر االتّجا ُه ّ‬
‫الناس عىل وشك القبول بأعامل الشّ غب‪.‬‬
‫لتوضيح أسباب ذلك‪ ،‬نذكر بالطّبع أزمة ال ّرأسامل ّية‬
‫الهيكل ّية الّتي ظهرت قبل سنتني أو ثالث سنوات‬
‫(وما تزال مستم ّرة إىل اآلن) مع ما يرافقها من مآزق‬
‫اجتامع ّية وبؤس وشعور متنام بأ ّن املنظومة ليست‬
‫عىل هذه ال ّدرجة من قابل ّية الحياة ومن ال ّروعة الّتي‬
‫كانت توصف بها من قبل؛ فقد أضحى خواء األنظمة‬
‫السياس ّية بارزا للعيان‪ ،‬وأنّها ال تزيد يف جوهرها عن‬
‫ّ‬
‫أن تكون يف خدمة ال ّنظام االقتصاد ّي (كانت حلقة‬
‫«أنقذوا البنوك» برهانا ساطعا عىل ذلك)‪ ،‬مماّ ساعد‬
‫إىل ح ّد كبري عىل فقدانها املصداق ّية‪ .‬ويف الفرتة‬
‫نفسها‪ ،‬وبسبب أنّها متع ّهدة ببقاء االقتصاد الهيك ّيل‬
‫عىل قيد الحياة‪ ،‬اتّخذت ال ّدول تدابري رجع ّية هائلة‬
‫(كالسكك الحديديّة‪ ،‬والربيد‪ ،‬واملدارس‪ ،‬واملستشفيات‪.)...‬‬
‫يف عدة مجاالت ّ‬
‫تاريخي؛ ففي رأيي‪،‬‬
‫أو ّد أن أحاول وضع هذه الظّواهر يف إطار تحقيب‬
‫ّ‬
‫تنشأ األعامل املشاغبة خالل الفرتات ال َب ْي ِن ّية‪ ،‬فام هي الفرتة البين ّية؟ بعد‬
‫سلسلة يصبح فيها املنطق الثّور ّي واضحا ويعرض نفسه بشكل ج ّيل‬
‫بوصفه بديال‪ ،‬تعقب فرتة بين ّية تصاب فيها الفكرة الثورية بالخمول بينام‬
‫هي مل تتسلّم املشعل بع ُد‪ ،‬باعتبار أنّه مازال مل يت ّم بناء نظام بديل جديد‪.‬‬
‫خالل مثل هذه الفرتات بالتّحديد ميكن أن يقول ال ّرجعيون‪ ،‬نظرا أل ّن‬
‫البديل قد ض ُعف‪ ،‬إ ّن األمور قد عادت إىل مسارها الطّبيعي‪ ،‬وهذا بالضّ بط‬
‫ما حدث يف عام ‪ 1815‬مع مر ّممي التّحالف املق ّدس‪ .‬يف الفرتات البين ّية‬
‫يكون هناك سخط ولك ّنه ليس سخطا منظّام‪ ،‬ألنّه ال يستطيع أن يستم ّد‬
‫أسايس («لريحلوا»)‪ ،‬ولهذا‬
‫ق ّوته من مشاركة فكرة ّما؛ فق ّوته سلب ّية بشكل ّ‬
‫الجامعي خالل فرتة بين ّية هي‬
‫السبب يكون شكل العمل الجامهري ّي‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫االضطرابات‪ .‬انظروا إىل الفرتة املت ّدة من عام ‪ 1820‬إىل عام ‪ 1850‬عىل‬
‫سبيل املثال‪ :‬كانت فرتة طويلة من االضطرابات (‪ ،1848 ،1830‬مت ّرد الكاين‬
‫يف ليون ‪)...Canuts lyonnais‬؛ ولك ّن هذا ال يعني أنّها كانت عقيمة‪،‬‬
‫بل عىل العكس من ذلك كانت ذات خصوبة كبرية وإن كانت عمياء‪.‬‬
‫السياس ّية العامل ّية ال ّرئيس ّية الّتي سينهض‬
‫فمن هذه الفرتة برزت التّو ّجهات ّ‬
‫عليها القرن املقبل‪ ،‬ولقد عبرّ ماركس عن ذلك ج ّيدا حني قال إ ّن الحركة‬
‫العماّ ل ّية الفرنس ّية كانت مصدرا من مصادر تفكريه (إىل جانب الفلسفة‬
‫يايس اإلنجليزي)‪.‬‬
‫األملان ّية واالقتصاد ّ‬
‫الس ّ‬
‫ما هي معايير تقييم االضطرابات؟‬
‫مشكلة االضطرابات‪ ،‬مبا هي تشكيك يف سلطة ال ّدولة‪ ،‬هي أنّها تع ّرض‬
‫سيايس (أي إلمكان ّية انهيارها)‪ ،‬ولك ّنها ال تشكّل هي بنفسها‬
‫ال ّدولة لتغيري‬
‫ّ‬
‫هذا التّغيري‪ :‬مبعنى أ ّن ما سيحدث يف ال ّدولة ليست االضطرابات هي من‬
‫ئييس مع الثّورة الّتي تق ّدم يف ح ّد‬
‫وضعته مسبقا‪ ،‬وهذا هو اختالفها ال ّر ّ‬
‫السبب اشتىك القامئون باالضطرابات يف جميع األوقات‬
‫ذاتها بديال‪ .‬ولهذا ّ‬
‫موذجي عىل ذلك‬
‫من أ ّن ال ّنظام الجديد مامثل لل ّنظام السابق (املثال ال ّن‬
‫ّ‬
‫هو أنّه بعد سقوط نابليون الثّالث ت ّم يف ‪ 4‬سبتمرب إرساء نظام يتألّف‬
‫السابق)‪ .‬وملعلوماتكم‪ ،‬إ ّن مفهوم الحزب‬
‫السياسيني للعهد ّ‬
‫من املوظّفني ّ‬
‫ويس ‪ POSDR‬ومن‬
‫ر‬
‫ال‬
‫اطي‬
‫ر‬
‫ميق‬
‫د‬
‫ال‬
‫يك‬
‫ّ‬
‫ا‬
‫رت‬
‫االش‬
‫ل‬
‫ع‬
‫ال‬
‫حزب‬
‫كام أوجده‬
‫ّ‬
‫ماّ‬
‫ّ ّ ّ‬
‫ث ّم البالشفة‪ ،‬هو هيكل قادر بشكل واضح عىل تشكيل نفسه باعتباره‬
‫بديال لل ّنظام القائم؛ فعندما تصبح الشّ خصية املشاغبة شخص ّية سياس ّية‪،‬‬
‫السياسيون الّذين تحتاجهم‪ ،‬يصبح‬
‫أي يكون لديها هي نفسها املوظّفون ّ‬
‫اللّجوء إىل خيول السياسة القدمية عديم الفائدة‪ ،‬وميكننا أن نعلن يف تلك‬
‫اللّحظة عن نهاية الفرتة البين ّية‪.‬‬
‫للعودة إىل االضطرابات التّونسية نقول إنّه من املر ّجح ج ّدا أن تستم ّر‬
‫ من خالل االنقسام ‪ -‬باإلعالن عن أن الشّ خصيات الحاكمة التي ستأخذ‬‫مكانها عىل دفّة الحكم بعيدة كلّ البعد عن الحركة الشّ عبية إىل درجة‬
‫أنّها سرتفضها هي أيضا‪ .‬ومن هنا‪ ،‬وفقا أليّة معايري ميكننا تقويم تلك‬
‫االضطرابات؟ يجب يف املقام األ ّول أن يكون هناك بعض التّعاطف معها‪،‬‬
‫السالبة موجود حال ّيا‪،‬‬
‫وهو رشط رضور ّي للغاية‪ .‬هذا االعرتاف بق ّوتها ّ‬
‫فالسلطة البغيضة بصدد االنهيار‪ ،‬عىل األقلّ يف ما يتعلّق برموزها‪ .‬ولكن‬
‫ّ‬
‫السؤال‬
‫ما الّذي ت ّم التّأكيد عليه؟ لقد ر ّدت ّ‬
‫الصحافة الغربية عىل هذا ّ‬
‫بع ُد بالقول إ ّن ما ت ّم التعبري عنه يف تونس كان برغبة من الغرب‪ .‬ما ميكن‬

‫أن نؤكده هو أنّها كانت رغبة يف الح ّريّة وأ ّن مثل‬
‫هذه ال ّرغبة هي رغبة مرشوعة بال ّ‬
‫شك بال ّنظر إىل‬
‫االستبداد والفساد الكبريين اللّذين كان يتم ّيز بهام‬
‫نظام بن عيل‪ ،‬أ ّما أن تكون هذه ال ّرغبة هي رغبة‬
‫الغرب فهذه مسألة أكرث إشكال ّية‪.‬‬
‫علينا أن نتذكّر أ ّن الغرب باعتباره ق ّوة مل يق ّدم‬
‫حتّى اآلن أ ّي دليل عىل أنّه يهت ّم بأ ّي شكل من‬
‫األشكال بتنظيم الح ّرية يف األماكن التي يتدخّل‬
‫فيها‪ ،‬فام يه ّم الغرب فقط هو‪« :‬هل تسايرين أم‬
‫ال؟»‪ ،‬مح ّمال عبارة «تسايرين» مبعنى ال ّدخول إىل‬
‫السوق‪ ،‬حتّى إذا لزم األمر التّعاون مع‬
‫اقتصاد ّ‬
‫الشرّ طة املضا ّدة للثّورة‪ .‬إ ّن «بلدانا صديقة» مثل‬
‫مرص وباكستان هي كلّها‪ ،‬مثل تونس تحت حكم‬
‫بن عيل‪ ،‬من حيث االستبداد والفساد‪ ،‬ولك ّننا ال‬
‫نسمع كلمة واحدة يف شأنها من أولئك الّذين ظهروا مبناسبة األحداث يف‬
‫تونس يف هيئة املدافعني املستميتني عن الح ّرية‪.‬‬
‫كيف ميكن تعريف حركة شعب ّية قابلة لالختزال يف «رغبة الغرب»؟ ميكن‬
‫للمرء أن يقول‪ ،‬وينطبق هذا التّعريف عىل أ ّي بلد‪ ،‬إنّها حركة تتحقّق يف‬
‫السلب ّي ُة والشّ عبي ُة شكلَ‬
‫شكل أعامل شغب ضد االستبداد تتّخذ سلطتُها ّ‬
‫الحشد وال متلك سلطتُها اإليجاب ّي ُة من منوذج آخر غري ال ّنموذج الّذي‬
‫يعتمد عليه الغرب؛ إ ّن أيّة حركة شعب ّية تخضع لهذا التعريف من املر ّجح‬
‫للغاية أنّها ستنتهي بإجراء انتخابات وليس هناك أ ّي سبب ليولد منها‬
‫سيايس آخر غري هذا‪ .‬أنا أقرتح أن نقول إنّه يف نهاية مثل هذا املسار‬
‫أفق‬
‫ّ‬
‫الصحافة الغرب ّية هو‬
‫سوف نشهد ظاهرة استيعاب غرب ّية‪ ،‬وما تقوله لنا ّ‬
‫أ ّن هذه الظّاهرة هي ال ّنتيجة الحتم ّية ملسار الشّ غب عموما‪ ،‬والشّ غب‬
‫ونيس يف هذه الحالة‪.‬‬
‫التّ ّ‬
‫إذا كان صحيحا‪ ،‬كام تنبأ بذلك ماركس‪ ،‬أ ّن فضاء تحقيق األفكار التّح ّررية‬
‫العاملي (وإن مل يكن هذا هو حال ثورات القرن العرشين)‬
‫هو الفضاء‬
‫ّ‬
‫فهذا يعني أنّه ال ميكن اعتبار ظاهرة االستيعاب الغر ّيب تغيريا حقيق ّيا؛ فام‬
‫سيكون تغيريا حقيقيا هو الخروج من الغرب‪ ،‬هو «إزالة الغربنة»‪ ،‬وهو‬
‫ما سيتّخذ شكال من االستبعاد‪ .‬ستقولون يل إنّه حلم يقظة‪ ،‬ولك ّنه حلم‬
‫منوذجي متاما لفرتة بين ّية كهذه الفرتة الّتي نشهدها‪.‬‬
‫ّ‬
‫إذا كان هناك تط ّور مختلف عن التّطور نحو االستيعاب الغر ّيب‪ ،‬فام‬
‫الذي ميكن أن يربهن عىل ذلك؟ ال ميكن تقديم إجابة قطع ّية هنا‪ ،‬ولكن‬
‫ميكننا أن نقول ببساطة إنّه ال يوجد ما ميكن توقّعه من تحليل املسار عىل‬
‫مستوى ال ّدولة نفسها‪ ،‬هذا املسار الطّويل وامللتوي الّذي سيفيض يف نهاية‬
‫املطاف إىل انتخابات‪ .‬فاملطلوب هو إجراء فحص متأ ّن ودقيق بني ال ّناس‪،‬‬
‫بحثًا عماّ سوف تحمله فئة من داخل الحركة يف نهاية مسار من االنقسام‬
‫الحتمي (أل ّن رقم «اثنان» هو الحامل دامئا للحقيقة وليس رقم «واحد»)‬
‫ّ‬
‫ونعني به‪ :‬البيانات؛ أي أشياء قيلت وليست قابلة للذّوبان يف االستيعاب‪.‬‬
‫إذا كان هناك أ ّي من هذه البيانات متوفّرا‪ ،‬فسوف تتع ّرف عىل بعضها‬
‫الجامعي‬
‫البعض بسهولة؛ وال ميكن تص ّور مسار لتنظيم شخصيات الفعل‬
‫ّ‬
‫إالّ بوجود مثل هذه البيانات الجديدة‪.‬‬
‫ختاما‪ ،‬دعونا نعد إىل مسألة التّعاطف‪ .‬إ ّن ال ّدرس املستفاد من األحداث‬
‫التّونس ّية‪ ،‬وهو ال ّدرس األ ّو ّيل‪ ،‬هو أ ّن ما يبدو أنّه استقرار ال يتزعزع قابل‬
‫لالنهيار يف نهاية املطاف‪ ،‬وهذا من دواعي رسوري وحتّى متعتي‪.‬‬
‫[أنهى أالن باديو درسه بقراءة قصيدة لربيخت بعنوان «تقريض الجدل ّية»‬
‫الّتي يقول آخر بيت منها‪ :‬وما مل يكن أبدا يحصل اليوم‪[.‬‬
‫[‪ ]1‬ال وجه ملقارنة ذلك بانهيار األنظمة الشّ يوعية يف أوروبّا الشرّ قية منذ‬
‫وفييتي الّتي‬
‫حوايل عرشين عا ًما؛ فهذا االنهيار حدث مبوافقة االتّحاد ّ‬
‫الس ّ‬
‫يرمز إليها اللّقاء بني زعيم أملانيا الشرّ قية هونيكر وأوليائه ال ّروس‪ :‬فعندما‬
‫طلب منهم اإلذن بإطالق ال ّنار عىل الحشود (وهي خطوة اضطراريّة‬
‫السلطة‬
‫بال ّنسبة له) رفضوا منحه هذا التّفويض‪ .‬لقد ت ّم تغيري بنية ّ‬
‫الشّ يوعية عىل أيدي األبّاراتشيكس ‪ apparatchiks‬أنفسهم الّذين أخذوا‬
‫السابق بتفجريه من‬
‫مقاليد الحكم عىل أنقاض ال ّنظام الّذي قاموا يف ّ‬
‫ال ّداخل‪.‬‬
‫* درس ألقاه أالن باديو يف دار املعلّمني العليا بباريس أثناء حلقته‬
‫ال ّدراس ّية‪ ،‬يف تاريخ ‪ 19‬جانفي ‪.2011‬‬

‫‪5‬‬

‫الخميس ‪ 14‬مارس ‪ - 2019‬املوافق لـ ‪ 7‬رجب ‪ - 1440‬العدد ‪77‬‬

‫مسارات النسوية العربية‬
‫حسني عبد الرحيم‬

‫منذ بداية القرن العرشين وتحت ظل الحامية اإلستعامرية‬
‫خرجت إيل النور املؤرشات األوىل ملا نعتربه حركة نساء‬
‫للتحرر! كانت الثورة املرصية التحررية ضد اإلستعامر‬
‫اإلنجليزي عىل األبواب عندما أصدر قاسم امني(‪1868-‬‬
‫‪ )1908‬كتابيه العمد «تحرير النساء»و»املرأة الجديدة»‬
‫(‪ )1898/1899‬االستاذ الذي تعلم تعليآم عاليآ يف الحقوق‬
‫يف مرص ثم بفرنسا (مونبلييه ) حيث أنجز دراسات متقدمة‬
‫يف القانون بتفوق بالغ وتعرف عىل اإلتجاهات الكربى يف‬
‫الدراسات اإلنسانية الحديثة مل يكن بعيدآ عن الحركة الوطنية التحررية‬
‫بزعامة «جامل الدين االفغاين» ُملهم «جمعية العروة الوثقى» و»الشيخ‬
‫محمد عبده»الفقيه املتنور َو» َعبَد الرحمن الكواكبي» والحقآ» سعد‬
‫زغلول» (قائد الثورة الدستورية التحررية يف عام‪ !)1919‬وانربى املحافظون‬
‫من رجال األزهر لتفنيده وتكفريه بالنصوص ألرشعية القدميه وكذلك وحتى‬
‫ساحل ضد قاسم أمني مصطفى كامل زعيم الحزب الوطني وو قف ضده‬
‫رجال مثل «طلعت حرب باشا» مؤسس الصناعة الحديثة وبنك مرص! لكنه‬
‫وجد تدعيآم من رجاالت ونساء الحركة الوطنية اللذين والالىئ شاركن فيام‬
‫بعد ىف ثورة‪!1919‬وكانت بعض أمريات االرسة املالكة قد بدأوا من قبل‬
‫نشاطات ثقافية كأألمريه «نازيل فاضل» والتي كان لها صالون أديب بألقاهرة‬
‫وأنتقلت لتونس لتؤثر فيها أيضآ وتتزوج فيها وتسهم يف تغيري صورة املرأة‬
‫الرشقية ولتصبح الرئيسة الرشفية ل»الجمعية الخلدونية»؛ وهي والتي‬
‫ساهمت يف انتقال «قاسم امني «من املحافظية الرشقية للتحررية الليربالية‬
‫التى التعادي الدين ولكنها تعيد تفسريه لصالح خروج املرأة من سجن‬
‫الحجاب والحجر املنزيل!كانت مرافعة «قاسم أمني» تاريخية فلم يعترب‬
‫إستبعاد املرأة من الحياة العامة مشكلة خاصة بألرشق ولكنها مرحلة مرت‬
‫بها كل املجتمعات قبل الولوج للحداثة! حتى نهاية القرن التاسع عرش‬
‫كانت أحوال النساء يف أوربا متخلفة عن نظريتها يف أمريكا الشاملية وكان‬
‫الباحثون األوربيون والكاتبات األوروبيات ينظرون بغبطة وحسد عىل‬
‫املواقع املتقدمة للمرأة يف العامل الجديد سواء يف مجاالت العمل املختلفة‬
‫أو يف التعلم وكذلك يف تويل املسؤوليات اإلدارية والتوسع يف مشاركة املرأة‬
‫يف اإلنتخاب والرتشح ملسؤوليات سياسية!‬
‫الرائد للثاين لحركة تحرر النساء جاء من تونس التى كانت ترزخ‬
‫تحت الحامية اإلستعامرية الفرنسية وهو الكاتب واملناضل «طاهر‬
‫حداد»(‪)1935_1899‬الذي أرتبط بألحركة الدستورية الجديدة بزعامة‬
‫«عبد العزيزالثعالبي» والتى عملت عىل التحرر من نري اإلستعامر وكان من‬
‫بني ظهرانيها الكثريين من رجال الدين الوطنيني ورجال املدرسة الخلدونية‬
‫وكان إرتباط ونضال العملة التونسية بزعامة «محمد عىل الحامي» قد أثر‬
‫بشكل قوي يف أفكار طاهر حداد الذي هو نفسه كاتب الكتاب القيم عن‬
‫نضال الحامي ومنظمته (جامعة عموم العملة التونسية)التى عملت عىل‬
‫التنظم من أجل التحرر اإلجتامعي للشغلية ووجهت لها السلطات رضبة‬
‫مميته أدت لحلها ونفي رائدها!كتاب «أمراتنا يف الرشيعة واملجتمع» هو‬
‫مأثرة «طاهر حداد» الذي تدافع للهجوم عليه وتكفريه كثريين من مشايخ‬
‫الزيتونية حتى الشيخ « محمدالفاضل بن عاشور» الذي ساهم فيام بعد‬
‫يف تشكل وقيادة اإلتحاد العام التونيس للشغل مل يؤيد مقرتحات «الحداد»‬
‫عىل الرغم من وقوفه فيام بعد بجانب مدونة األحوال الشخصية!(‪)1956‬‬
‫والتي نتجت بعد تحقق اإلستقالل السيايس‪ ،‬والذي كان عىل رأس الكفاح‬
‫من أجله العديد من قيادات الحركة النقابية (فرحات حشاد‪/‬أحمد‬
‫التلييل) وكان الزعيم حشاد يدعو النساء للمشاركة يف اإلحتجاجات التي‬
‫كان يقودها بنفسه بني جامهري نسوية مازلن تلبسن السفساري التقليدي!‬
‫تعترب أطروحات «قاسم أمني» تعبري عن املثالية التاريخية ومنو املفاهيم‬
‫ألربچوازية عن املساواة والحريّة الشخصية والعدل من منظور تاريخي بينام‬
‫كانت منظورات «طاهر حداد» هى من موقع مثاليي وأخالقي بأألساس‬
‫ونتبني ذلك من نوعية املحاجاجات التى خاضاها للدفاع عن وجهة نظرهم‬
‫وهناك فارق جوهري آخر هو إرتباط أمني بألحركة الوطنية يف جناحها الوطني‬
‫الدستوري املرتبط بعديد من امل ُالك الزراعيني األثرياء وتعلمه ومعايشتهم‬
‫للحياة الفرنسية بينام أثرت يف «حداد» كثريآ عالقته بألحامي والحركة‬
‫النقابية املغدورة يف الثالثينات وتعليمه الزيتوين بأألساس!فبينامكانت‬
‫هناك برچوازية صاعدة يف مرص آنذاك مثلها الوفد ومنارصيه كانت الحركة‬
‫النقابية التونسية هي التيار الصاعد يف حياة ووعي التونسيني املحدثني!‬
‫املوجة األوىل من الدعوة لتحرر النساء مثلها رجال رأوا يف عملية التحرر‬
‫للنساء كطاقة تنضاف لحركة التحرر اإلجتامعي والسيايس الوطني ولَم يروا‬

‫حركة النساء مبعزل عن الكفاح الوطني العام وكانت إلتزامتهم اإلجتامعية‬
‫والسياسية هي الدافع الرئييس لدفاعهم عن حقوق النساء وكان معارضيهم‬
‫من املحافظني يتكونون من رجال دين متزمتني وأصحاب أمالك لقت‬
‫دعايتهم يف الدفاع عن املوروث الرجعي صدى لدى جامهري مل تكن‬
‫الحركة اإلجتامعية والثقافية والسياسية قد وصلت إليها حتى ذلك الحني!‬
‫تأيت املوجة الثانية لتحرر املرأة عل يد نساء متعلامت مثل» هدى‬
‫شعراوي» «ودرية شفيق» و»راضية حداد «وجميعهن فاعالت يف‬
‫الحياة العامة وممثالت يف الهيئات السياسية كام ظهر يف املجال العام أن‬
‫خروجهن سافرات ومشاركتهن يف التظاهر والخطابة والتمثيل لقطاعات‬
‫من الشعب من نساء ورجال من الناحية الرمزية تعبري عن تقدم النساء‬
‫وكرامتهن!تبعتهن نساء أخريات ك(روزا اليوسف)املمثلة ثم النارشة‬
‫إلحدى أهم املجالت العربية و»أم كلثوم»املغنية األشهر يف تاريخ العرب‬
‫املعارص و»مي زيادة» رائدة الصالون األديب الشهري والذي كان يرتاده «طه‬
‫حسني» و»العقاد»!و»حبيبة مسيكة» التي قدمت صورة مختلفة لفنانة‬
‫أحبها التونسيني! وأخريات غيرّ ن الصورة التقليدية للمرأة العربية!ويف نفس‬
‫الوقت بدأ دخول النساء لسوق العمل غري الزراعي واملنزيل يف صناعات‬
‫النسيج بألذات وفيِ اإلدارة وفيِ الخدمات الصحية!‬
‫يف مرحلة دولة اإلستقالل السيايس التى أتت لىك تتشكل بريوقراطية‬
‫وطنيةتحل محل اإلدارة اإلستعامرية!تم التوسع يف التعليم العام‬
‫واملدارس العمومية لتخريج املوظفني واملوظفات الحكوميني وتم إقرار‬
‫حق اإلقرتاع والرتشح للنساء فتظهر النساء معضوات يف الجالس النيابية‬
‫وزيرات يف وزارات كألشئون اإلجتامعية عىل الخصوص! ويف تلك املرحلة‬
‫يبزغ نجم الكاتبات النساء ك»لطيفة الزيات»(الباب املفرتح) والدكتورة‬
‫«رضوى عاشور «يف أعاملها األدبية وبحوثها املتنوعة و «الدكتورة نوال‬
‫السعداوي»يف مجمل أعاملها السجالية واالدبيةو(فاطمة املرنيس )‬
‫التي أعادت نسج حكاية التحرر مع الثقافة العربية التقليدية!وبنت‬
‫الشاطئ (عائشة عبد الرحمن) التي أعادت إيل األذهان بطوالت نسائية‬
‫مثل السيدة «زينب بن الحسني بن ع ّىل»(كربالء) والروائية «غادة‬
‫السامن» التيي قدمت يف أعاملها نقدآ شديدآ للتحرر الزائف عىل النمط‬
‫الغريب وأبرزت تجذر قوة املرأة يف التاريخ العريب واإلسالمي يف أغلب‬
‫كتابتها الواسعة اإلنتشار !وبإختالف مشاربهم الفكرية فإن ظهور املرأة‬
‫ككاتبة ومحارضة يعترب نقلة نوعية ىف الصورة العامة للمرأة العربية!‬
‫مايهمنا يف هذه العجالة ُهن الكاتبتني «فاطمة املرنييس» و»نوال‬
‫السعداوي» بسبب تأثريهن الالحق يف مجمل توجهات الحركة النسوية‬
‫العربية!ثالث كتب للسعداوي شكلت اقرتاباتها من املسألة النسوية عنارص‬
‫وعي حاسمة يف مجمل النطاق الثقايف العريب وهم عىل التوايل «املرأة‬
‫والجنس «و»الرجل والجنس «و»املرأةهي األصل»وقدمتت طباعتهم مرات‬
‫عديدة بعرشات أآلف النسخ من املحيط للخليج و»نوال» التي بحكم‬
‫مهنتها كطبيبة ركزت عىل اإلضطهاد الجنيس للنساء حيث أنها مرصية‬
‫وتعاين النساء يف هذا البلد من عمليات بشعةكعمليات ختان البنات ومن‬
‫إهامل الجانب الجنيس يف حياة املرأة وتطورها العقيل! وقرصه عىل إمتاع‬
‫الرجل وإنجاب االطفال وكانت مسألةالختان املظهر األخطر يف إضطهاد‬
‫املرأة املرصية عىل وجه الخصوص!وطبعت مجادالت «السعداوي»‬

‫الحركةالنسوية العربية وخاصة بعد تشكيلها لجمعية «تضامن املرأة‬
‫العربية»‪....‬يف املغرب األقىص كانت مثقفة أخرى هي «فاطمة املرنييس»‬
‫تقود محاولة للتذكري بأن إضطهاد املرأة ليس من مكونات األصيلةللثقافة‬
‫العربية وأن عملية تحرير املرأة له أُسس عربية وثقافية رشقية متينة! وكانت‬
‫عاملة اإلجتامع «فاطمة»تعمل عىل تخليص النطاق الفكري العريب من فكرة‬
‫«الحريم» بإعتبارها نشأت يف عصور اإلنحدار للثقافة العربية اإلسالمية!‬
‫الجيل الثالث من النسويات العربيات نشأ مع عملية العوملة ونشوء مايسمى‬
‫منظامت املجتمع املدين وبروز املسألة»الچندرية»كموضوع للنضال يف‬
‫أماكن مختلفة من العامل ويتميّز هذا الجيل بألعمل عىل تنظيم النساء يف‬
‫جمعيات وأستخدام الضغط( اللويب)ملحاولة تغيري يف النظام القانوين ودعم‬
‫متثيل النساء ىف الهيئات التمثيلية ودعم النساء الالىئ يتعرضن للحيف‬
‫والظلم والدعوة للمساواة يف حقوق الزواج واإلنفصال واملرياث!وهذه‬
‫املجموعات متتلك عالقات دولية مؤثرة ومتتلك موارد مهمة لكن ميلها‬
‫األسايس ليربايل ضمن تيارات العوملة الحقوقية ! ومن أمثلةهذه املجموعات‬
‫مجلة ومجموعة «املرأة الجديدة» مبرص و»النساء الدميوقراطيات «بتونس‬
‫و»تضامن املرأة العربية»‪ ،‬وتكونت أمانات للنساء داخل معظم األحزاب‬
‫وكذلك املنظامت النقابية وشهدت هذه املرحلة أيضآ توىل املرأة للعديد‬
‫من املناصب الوزارية وعضوية يف املجالس النيابية والبلدية مع إعتامد‬
‫نظام حصة للنساء رضورية يف القوائم اإلنتخابية يف بلدان عربية مختلفة!‬
‫وشهدت هذه املرحلة أيضآ ظهور نسوية ذات توجه إسالمي مثلتها عىل‬
‫األخص عاملة السياسة يف جامعة القاهرة والجامعة األمريكية بألقاهرة‬
‫والناشطة يف مجاالت وجمعيات عدة والكاتبة»الدكتوره هبة رؤوف‬
‫عزت»! ‪،‬وكذلك نسويات ماركسيات ربطن التحرر النسوي بألنضال‬
‫الطبقي ك»سناء املرصي»(ضد الحجاب) و»أروى صالح»(املبترسون)‪.‬‬
‫أدت املرحلة الثورية الحالية يف املنطقة العربية إيل صعود نساء‬
‫ملواقع غري مسبوقة كرئيسات ألحزاب سياسية بأإلنتخاب سبقتهن‬
‫«لويزا حنون»النقابية ورئيسة «حزب العامل «بألجزائر والفقيدة‬
‫«مي الجريبي « رئيسة»الحزب الجمهوري» بتونس والدكتورة «هالة‬
‫شكرألله»رئيسة «حزب الدستور» املرصي وهن جميعآ أثبنت أنهن نساء‬
‫قادرات للقيادةوالتفكريأإلسرتاتيچي ! لكن البالد العربية مل تشهد حتى‬
‫اآلن رئيسات للدول من النساء لكن هذا اإلنجاز رمبا أقرتب من التحقيق‬
‫بينام شهدنا ذلك منذ عقود يف القارات األسيوية واألوربيةواألمريكتني!‬
‫الحركة التاريخية التي إنطلقت بكتابني لرجلني هام» قاسم أمني»‬
‫و»طاهر حداد» وصلت ملرحلة حركة جامهريية واسعة متعددة التيارات‬
‫واإلسرتاتيچيات واألساليب !لكن الواقع الحي يشهد إلقتحام املرأة لكل‬
‫مواقع العمل اإلقتصادي واإلجتامعي والسيايس فلم تعدن النساء ربات‬
‫بيوت محجورات داخل أسوار !لكن الواقع الترشيعي مازال متخلفآ وكذلك‬
‫الذهنيات والتقاليد! ومازال أمام النساء العربيات عوائق وحواجز كثرية‬
‫لتجاوزها ‪.‬لكن التاريخ اإلجتامعي لبلدان كثرية يخربنا بإن تقدم وحرية‬
‫املجتمع الميكن تحققها بغري تحرر النساء لكن تحرر النساء نفسه‬
‫ينبغي أن يربط نضاله بألنضال اإلجتامعي والسيايس من أجل تحقيق‬
‫العدالة والحريّة ملجمل املواطنني! نختم عجالتنا التاريخية مبقولة طاهر‬
‫حداد «حجاب املرأة ليس فقط سجنآ لجسدها ولكنه سجن كذلك‬
‫لروحها»(إمرأتنا يف الرشيعة واملجتمع)‬

‫‪6‬‬

‫الخميس ‪ 14‬مارس ‪ - 2019‬املوافق لـ ‪ 7‬رجب ‪ - 1440‬العدد ‪77‬‬

‫االستفزازي والنضال الوطني‪.‬‬
‫إن خطورة طرح تحرير فلسطني وبناء دولة فلسطينية عىل أساس‬
‫ديني‪ ،‬من شأنه أن يحول الرصاع الفلسطيني والعريب الصهيوين إىل‬
‫رصاع ديني «إسالمي‪ -‬يهودي»‪ .‬وهو منزلق يطمس جوهر القضية‪،‬‬
‫باعتبارها قضية تحرر وطني‪ ،‬ويكبّل الشعب الفلسطيني بأثقال‬
‫املايض ويعرقله يف سريه نحو التحرر الوطني واالجتامعي والسيايس‪.‬‬
‫وزيادة عىل ذلك‪ ،‬ونظرا للتعقيدات التي شهدتها هذه الرقعة من‬
‫الحل األقرب للمنطق الذي بإمكانه‬
‫األرض منذ أقدم العصور‪ ،‬يصبح ّ‬
‫إطفاء التناحر بني املعتقدات والديانات واألعراق‪ ،‬الذي يتواصل‬
‫عرب مختلف الحقب التاريخية‪ ،‬يف صيغ وأشكال مختلفة‪ ،‬هو ذاك‬
‫الذي اهتدت إليه الثورة الفلسطينية يف مطلع السبعينات من القرن‬
‫املايض‪ ،‬والداعي اىل إقامة دولة علامنية دميقراطية تتعايش فيه‬
‫الحل الذي‬
‫األديان واألعراق عىل كامل أرض فلسطني‪ .‬وهو أيضا‪ّ ،‬‬
‫اهتدت إليه الثورة يف جنوب إفريقيا أمام امليز العنرصي لتجاوز‬
‫األسس العنرصية واالستعامرية والفاشية التي كانت تقوم عليها‬
‫دولة البيض‪ ،‬وهو يف اعتقادنا الحل األمثل للقضية الفلسطينية‪.‬‬
‫إن قوة الدولة العلامنية الدميقراطية تكمن يف كونها تثبت الحقوق‬
‫الوطنية للشعب الفلسطيني‪ ،‬حتى وإن كانت منقوصة‪ ،‬وتنفي‬
‫مبجرد وجودها كل كيان قائم عىل أساس االضطهاد الديني أو العرقي‬
‫أو العقيدي أو عىل أساس االستعامر االستيطاين‪ ،‬وتفتح الطريق أمام‬
‫حل شامل يحقق إنسانية اإلنسان‪.‬‬
‫ّ‬
‫وأخذا بعني االعتبار أن األوضاع يف املنطقة بالغة التعقيد‪ ،‬سواء‬
‫أكان ذلك يف عالقة بالثقل التاريخي الذي يك ّبلها أو باملصالح املحلية‬
‫واإلقليمية والعاملية التي تتجمع فيها‪ ،‬فإنه من األقوم وقبل الوصول‬
‫إىل هذا الحل العقالين والعلامين والدميقراطي أن تعيش املنطقة‬
‫مرحلة انتقالية يتحقق فيها جزء من املطمح الوطني الفلسطيني‬
‫املتمثل يف إقامة دولته‪ ،‬يف املجال املخصص للسلطة الفلسطينية‪.‬‬

‫بمناسبة القمّة العربية‪،‬‬
‫أي ّ‬
‫حل بديل للقضبة الفلسطينية؟‬
‫محمد الكيالين‬

‫لماذا أتعرض اآلن للقضية‬
‫الفلسطينية؟‬

‫مل تشهد األوضاع العربية والفلسطينية سوءا أكرث‬
‫مام بلعته بعد الربيع العريب حيث الحروب األهلية‬
‫والرصاعات والخالفات واالضطرابات والتبعية‬
‫والعاملة والفساد واإلرهاب‪ ،‬حتى أن الجامعة العربية مل تتمكن من االجتامع‬
‫والدولة الفلسطينية أصبحت دولتني يف حني عاد الجدل حول التطبيع والشعب‬
‫الفلسطيني منقسام يواجه املوت يوميا والقدس بصدد التحول عىل أيدي ترامب‬
‫والعراق وسوريا واليمن وليبيا ت َم تدمريها وتتحينّ الدول العظمى الفرصة لالنقضاض‬
‫عىل الجزائر‪ .‬ومبا أن الوضع مبثل هذا السوء فإنه يتطلب إعادة التفكري يف الواقع‬
‫والنظر يف الحلول قدميها وحديثها‪ .‬زمن الطبيعي جدا أال نتعرض ملوقف بورقيبة من‬
‫القضية الفلسطينية وأن نبحث عن طريق يفتح األفق‪.‬‬

‫لمحة عن تطور القضية الفلسطينية‬

‫مرت اسرتاتجية الثورة الفلسطينية مبنعرجات عدة وتغريت املرة‬
‫تلو األخرى‪ ،‬سواء أكان األمر مقرونا بظروف النضال الفلسطيني‪،‬‬
‫أو بضغط الدول العربية املتاخمة إلرسائيل واملضيفة لالجئني‪،‬‬
‫أو بتأثري تيارات إيديولوجية وسياسية عاملية أو بتغيري الخارطة‬
‫السياسية الفلسطينية عىل امليدان‪ .‬فقد مرت من رفض قرار‬
‫التقسيم الصادر عن األمم املتحدة يف ‪ 1947‬والنضال يف سبيل‬
‫اسرتجاع كامل فلسطني وإجبار اليهود املهجرين عىل العودة‬
‫إىل بلدانهم األصلية التي أتوا منها‪ ،‬إىل وضع اسرتاتيجية إقامة‬
‫الدولة العلامنية عىل كامل أرض فلسطني‪ ،‬يف مطلع السبعينات‪،‬‬
‫تتعايش فيها مختلف الديانات واألعراق‪ ،‬ومنذ أواخر السبعينات‬
‫الشء‪ ،‬إذ بدأ‬
‫مطلع الثامنينات تع ّدلت هذه االسرتاتيجيا بعض يّ‬
‫الخاصة طبقا‬
‫الحديث عن ّ‬
‫حق الشعب الفلسطيني يف إقامة دولته ّ‬

‫للقرارات األممية‪ .‬ونشري يف هذا الصدد إىل أن منظمة التحرير مل‬
‫تقبل خالل هذه املراحل املتعاقبة االعرتاف بدولة إرسائيل‪ ،‬رافعة‬
‫الءاتها الثالثة‪ ،‬ال اعرتاف ال تفاوض ال سالم‪ .‬ويف مطلع التسعينات‬
‫أصبحت اسرتاتيجية الثورة تقوم عىل إرساء الدولة الفلسطينية عىل‬
‫الضفة والقطاع وعودة الالجئني‪ .‬وهكذا أتت مفاوضات مدريد‬
‫واتفاقية أوسلو‪ ،‬التي اعرتفت مبوجبها منظمة التحرير بإرسائيل‬
‫وقبلت بسلطة فلسطينية محدودة عىل املجال الذي حددته‬
‫االتفاقية‪.‬‬
‫لقد عانت منظمة التحرير والزالت من تدخل األنظمة العربية‬
‫يف شؤونها الداخلية‪ ،‬حتى أن البعض منها باسم «القومية»‬
‫و»جبهة الرفض» أو «دول املواجهة» أو»الدول العائلة» أو‬
‫«املانحة»(السعودية والخليج النفطي) بعثت تنظيامت فلسطينية‬
‫مولّتها وسلّحتها وجعلت منها طرفا يف القرار الفلسطيني‪ ،‬زيادة‬
‫عىل الضغط الذي متارسه مبارشة‪ ،‬والذي تراوح بني املادي واملعنوي‬
‫وبني التصفية الجسدية والعسكرية للوجود الفلسطيني وإيقاف‬
‫وتعذيب اإلطارات السياسية والعسكرية ومالحقتهم والتنكيل‬
‫بهم وبذويهم‪ ،‬وإذا أضفنا إىل هذا الوضع ما قامت وتقوم به‬
‫إرسائيل من اغتياالت وإيقافات ومالحقات وتأطري أمني للمجتمع‬
‫اإلرسائييل وعسكري لألرايض املحتلة إثر حريب‪ 67‬و‪ 73‬وما تالهام‪،‬‬
‫وإذا أضفنا أيضا االغتياالت التي استهدفت بعض القادة واملفكرين‬
‫والتي ارتكبتها حركات إسالمية‪ ،‬نفهم جيدا األسباب الرئيسية‬
‫املتعلقة بالعامل الذايت للثورة االفلسطينية التي مت ّيز بعدم‬
‫االستقرار اإلسرتاتيجي‪.‬‬
‫الدولة العلامنية هي الحل‬
‫لكن ورغم قناعتنا بأن وضع الثورة الفلسطينية يع ّد األعقد واألشد‬
‫خطورة من بني مختلف نقاط التوتر الجيوسيايس يف العامل الرتباطه‬
‫الوثيق باألوضاع العاملية واإلقليمية وخاصة باألرض الفلسطينية‬
‫التي يتشابك فيها الديني واالتني والثقايف والوطني واالقتصادي‬

‫‪7‬‬

‫استراتيجيتان متقابلتان في النضال الفلسطيني‬

‫والسيايس واالجتامعي‪ ،‬منها الذي له صلة بالرصاع املبارش ومنها‬
‫الذي يرمي جذوره يف التاريخ‪.‬‬
‫وبالنظر لهذا التعقيد البالغ الدقة والشمولية وحالة ميزان القوى‬
‫املحلية واإلقليمية والعاملية‪ ،‬فإن التميش األسلم هو تحقيق الهدف‬
‫حل قادر عىل استيعاب‬
‫اإلسرتاتيجي عىل مراحل‪ ،‬هو تقديم منوذج ّ‬
‫مجمل التناقضات القامئة عىل األرض الفلسطينية وعىل إقناع‬
‫الشعب الفلسطيني واليهود مبختلف أوطانهم األصلية والرأي‬
‫العام العريب والعاملي بأن التعايش ممكن والسالم ممكن وتحقيق‬
‫املطامح الوطنية الفلسطينية ممكن‪ .‬ويتمثل هذا الحل يف الدولة‬
‫العلامنية الدميقراطية التي تقام عىل كل شرب يتم تحريره من‬
‫االستعامر االستيطاين الصهيوين وعىل كامل فلسطني املتحررة من‬
‫الصهيونية‪.‬‬
‫لذلك نحن نعارض الحلول الدينية والشوفينية ونساند الخطوات‬
‫التي تقربنا من الحل العقالين‪ ،‬بعيدا عن التطرف الوجداين وعن‬
‫التصورات املثالية التي كلّفت الشعب الفلسطيني غاليا وأجربته‬
‫عىل أن يبحث اليوم عن حلول منقوصة ومذلة ويف غري صالحة‪،‬‬
‫مقارنة بتلك التي كانت متوفرة باألمس‪.‬‬
‫نحن لسنا ضد «حامس» والحركات اإلسالمية الفلسطينية ألن‬
‫مرجعيتها دينية‪ ،‬بل ألنها تدعو اىل إقامة دولة دينية عىل األرض‬
‫الفلسطينية تعارض الدولة الدينية العربية وألنها مل تدرك أن‬
‫الشعب الفلسطني قد ذاق ذرعا من العبودية واالستبداد باسم‬
‫الدين‪ ،‬التي كانت تارة باسم املسيحية وأخرى باسم اليهودية‬
‫وثالثة باسم اإلسالم‪ ،‬وألنها مل تدرك أنه اليوم يف حاجة‪ ،‬أكرث من أي‬
‫وقت مىض‪ ،‬إىل التحرر من االستبداد باسم الدين وإىل العيش يف‬
‫مأمن من الرصاعات السياسية املتسرتة بالدين‪.‬‬
‫نحن ضد»حامس» والحركات اإلسالمية الفلسطينية ألنّها ال تفرق‬
‫بني اليهودي كمواطن وبني األجهزة القمعية‪ -‬الرسمية وغري‬
‫الرسمية‪ -‬للدولة الصهيونية‪ ،‬وال تفرق أيضا‪ ،‬بني العمل اإلرهايب‬

‫منذ صدور قرار التقسيم الصادر عن األمم املتحدة يف ‪ ،1947‬الذي‬
‫مكّن الفلسطينيني من أغلبية األرض‪ ،‬وقيام دولة إرسائيل يف ‪1948‬‬
‫عىل الجزء األصغر‪ .‬ومنذ ذلك التاريخ واملسألة املطروحة أمام حركة‬
‫التحرر الفلسطينية القبول بقرار التقسيم وإقامة الدولة الفلسطينية‬
‫إىل جانب دولة إرسائيل أم رفضها والنضال من أجل تحرير فلسطني‬
‫كامل فلسطني دون نقصان‪ .‬وكان املوقف الرسمي الفلسطيني‬
‫الحل األول كان يأخذ‬
‫الحل الثاين‪ ،‬لكن ّ‬
‫وموقف الدول العربية مع ّ‬
‫مكانه يف القضية كلام انتزعت دولة إرسائيل والعصابات الصهيونية‬
‫مقاطعات جديدة من األرض الفلسطينية‪ .‬لكن املوقف الرسمي بدأ‬
‫هو اآلخر ينقسم منذ خطاب أريحة الذي ألقاه الحبيب بورقيبة يف‬
‫فلسطني والذي كان عىل اتفاق بشأنه من جامل عبد النارص‪ ،‬والذي‬
‫دعا فيه إىل القبول بإقامة الدولة الفلسطينية املستقلة عىل الحدود‬
‫املرسومة لها دوليا يك تقف حاجزا أمام التوسع اإلرسائييل وتحافظ‬
‫عىل الذاتية الفلسطينية‪ .‬ومع ذلك ظل املوقف الفلسطيني والعريب‬
‫الرسمي منقسام ومرتددا‪ ،‬بينام الكيان الصهيوين الذي فرض نفسه‬
‫كدولة استعامرية عنرصية استيطانية تتمدد باستمرار يف فلسطني‬
‫وعىل حدود دول الجوار إىل أن تقلّصت حدود ‪ 1948‬إىل حدود‬
‫‪ 1967‬فـ ‪ 1973‬وكل الرصاعات واملواجهات والحروب التي ه ّزت‬
‫املنطقة إىل اليوم حتى أصبحت األرض املخصصة للفلسطينيني‬
‫وكأنها محميات محدودة املجال مفككة بحركة االستيطان التي ال‬
‫تنوي التوقف حتى طرد الشعب الفلسطيني نهائيا من أرضه‪ .‬وكأننا‬
‫أمام سيناريو الهنود الحمر يف أمريكا ينذر بالتكرر يف فلسطني‪ .‬يف‬
‫بحل‬
‫مثل هذه الظروف غري املناسبة متاما قبلت منظمة التحرير ّ‬
‫الحل العقائدي يف أقىص ميني الثورة‬
‫الدولة الفلسطينية‪ ،‬ظهر حينها ّ‬
‫الفلسطينية مع منظمة «حامس» يف قطاع غزة بعد انتصارها يف‬
‫االنتخابات البلدية والترشيعية أين أقامت حكومة الخاصة‪ ،‬ويف‬
‫الواقع دولتها الخاصة‪.‬‬
‫الحل األمثل للقضية الفلسطينية منذ‬
‫بورقيبة كان سبَاقا يف تحسس ّ‬
‫خطاب أريحة‬
‫يطرح السؤال نفسه ملاذا قبل الحبيب بورقيبة بقرار التقسيم وإقامة‬
‫الدولة الفلسطينية عىل القسم املعرتف به دوليا؟ أعتقد أنّه قبل‬

‫الخميس ‪ 14‬مارس ‪ - 2019‬املوافق لـ ‪ 7‬رجب ‪ - 1440‬العدد ‪77‬‬

‫بذلك لألسباب التالية‪:‬‬
‫األول‪ :‬يتعلق بفكر بورقيبة السيايس الذي يعترب أن السياسة تعنى‬
‫مبجال املمكن أي النسبي‪ ،‬يف حني أن العقائد تعنى مبجال املطلق‪.‬‬
‫كام أنه يعتقد أن العرب مل يدخلوا عامل النسبية إال وهم مكرهون‪.‬‬
‫ومازالوا يعيشون يف فضاء املطلق‪ .‬لذلك ال ينظرون لقضاياهم‬
‫بصورة واقعية‪ ،‬أي نسبية‪ .‬وطاملا أنهم كذلك فلن يقدروا عىل تحرير‬
‫فلسطني أو عىل تحقيق وحدتهم‪ ،‬وال عىل النهوض واللحاق بركب‬
‫األمم املتحرضة واملتقدمة‪.‬‬
‫والثاين‪ :‬يتعلق باملرونة التكتيكية التي يتميز بها بورقيبة وذلك‬
‫بقدرته عىل فهم الواقع وبتعامله مع ميزان القوي الفعيل‬
‫وباتجاهات تطورها‪ .‬وقياسا عىل تجربته الخاصة يف حركة التحرر‬
‫الوطني‪ ،‬أقدم يف خطاب أريحة عىل القول برضورة القبول بقرار‬
‫التقسيم وقيام الدولة الفلسطينية وتحويلها إىل واقع مادي ال ميكن‬
‫تجنبه‪ .‬وعارض فكرة «رمي اليهود يف البحر»‪ .‬وما كان ألحد أن‬
‫يجرأ عىل مثل هذا القول يف زمن شاع فيه الفكر القومي وحلوله‬
‫الشوفينية التي أصبحت شبه عقيدة‪ .‬لقد كانت قناعة بورقيبة التامة‬
‫بأن الفلسطينيني إذا مل يؤسسوا دولتهم الخاصة سيجدون أنفسهم‬
‫يفاوضون يف املستقبل عىل ما هو أدىن من ذلك بكثري‪.‬‬
‫والثالث‪ :‬يتمثل يف أن بورقيبة يرتكز يف موقفه عىل «الرشعية‬
‫الدولية» أي عىل االتفاق الحاصل داخل املجموعة الدولية حول‬
‫رضورة الفصل بني الفلسطينيني واليهود الستحالة التعايش فيام‬
‫بينهم‪ ،‬إلنهاء التطاحن املطبوع بروح دينية وشوفينية جلية‪ .‬ويعتقد‬
‫بورقيبة أن القضايا الوطنية ال تجد طريقها للحل النهايئ إال يف إطار‬
‫االتجاه العام للرأي السائد لدى املنظومة الدولية‪.‬‬
‫والرابع‪ :‬هو أن بورقيبة عقالين ويتعامل مع األديان بالتساوي‬
‫والتسامح فهو ال يفرق بني التونيس والتونيس عىل أساس العقيدة‬
‫أي عىل أساس أنه مسلم أو يهودي أو مسيحي‪ ،‬وهو سلوك موروث‬
‫من قدرة الشعب عىل التعايش فيام بينه مبختلف عقائده ونحله‪،‬‬
‫باستثناء بعض الفرتات السوداء التي طبعها التطاحن الديني‪.‬‬
‫وأخذا بعني االعتبار هذه العنارص األربعة يكون من الخطأ التعامل‬
‫باستخفاف مع موقف بورقيبة القضية الفلسطينية ورميه بالعاملة‬
‫للصهيونية أو ما شابه ذلك‪ .‬وال أعتقد أن موقفه من دعوة‬
‫الفلسطينيني إىل بناء دولتهم طبقا للقرار األممي خاطئ بل كان‬
‫صائبا ألنّه كان بإمكانه أن ميكن الشعب الفلسطيني من فرض‬
‫واقع ميداين كلام تغري تجد «الرشعية دولية» نفسها مجربة عىل‬
‫تأطريه سلبا أو إيجابا‪ .‬وقد نجح الصهاينة يف هذا امليدان وفشل‬

‫العرب الذين ضاعوا اسرتاتيجيتهم يف جملة من الشعارات الغوغائية‬
‫والوهمية وفشل الفلسطينيون ألنهم خرسوا أرضهم ومل يبق لهم غري‬
‫محتشدات شارون التي ترشعها «خارطة الطريق»‪.‬‬

‫كان عرفات على خطى بورقيبة‬

‫وأمام هذا الوضع املرتدي ك ّنا مع عرفات مل ّا قبل باتفاقيات مدريد‬
‫وأوسلو ومع الدويلة الفلسطينية باعتبارها متكّن الشعب الفلسطيني‬
‫من تثبيت هويته عىل األرض ومن إعادة تضميد جراحه ومآسيه‬
‫ومن الشعور بأن له ذات خاصة متميزة ومن العودة إىل األرض‪.‬‬
‫وهذا يعني أن االتفاقية‪ ،‬لها مزيّة كربى تتمثل يف أنّها مكّنت‬
‫الشعب الفلسطيني‪ ،‬عىل األقل‪ ،‬من االستعداد ألساليب جديدة يف‬
‫املقاومة إلجبار إرسائيل أن تظهر عىل امتداد االنتفاضة كدولة غازية‬
‫أمام املنتظم األممي والرأي العام العاملي‪ ،‬ومن هدنة يستعيد فيها‬
‫أنفاسه يك يهب من جديد للمقاومة‪.‬‬
‫لقد ناور عرفات كام ناور بورقيبة واستعمل كل السبل إلنضاج نار‬
‫االنتفاضة فغذاها وأججها وحامها ووفر لها كل الظروف املادية‬
‫واملعنوية والسياسية والعسكرية رغم املعارضة التي لقيها من قبل‬
‫كل فصائل املقومة‪ .‬ورغم املرونة التكتيكية التي تالمس «التواطؤ»‬
‫فقد ظل واقفا أمام الضغط الذي مورس عليه مبا يف ذلك تهديده‬
‫يف حياته‪ .‬وميكن القول أن وجه الشبه يف املرونة كبري بينه وبني‬
‫بورقيبة‪ .‬وميكننا القول أيضا أن عرفات يواصل موقف بورقيبة يف‬
‫ظروف أعرس‪.‬‬
‫إن هذا الحل‪ ،‬رغم كونه منقوصا ودون ما تضمنته القرارات األممية‪،‬‬
‫فهو رضوري من أجل الحفاظ عىل القضية الفلسطينية وإعادة‬
‫طرحها يف إطار تسوية تتوفر فيها الرشوط املالمئة لتحقيق الهدف‬
‫كله‪ ،‬وهو رضوري لحامية الشعب الفلسطيني من االهرتاء املادي‬
‫واملعنوي ومتكينه من اسرتجاع أنفاسه واستعادة عافيته‪.‬‬
‫كام أن هذا الحل‪ ،‬رغم كونه منقوصا‪ ،‬بإمكانه أن يسهم يف إطفاء‬
‫الرصاع الديني املتأجج وتحرير املواطن الفلسطيني من ثقله وجعله‬
‫أكرث قابلية للحلول العقالنية والعلامنية‪.‬‬
‫وعندها فقط يصبح باالمكان‪ ،‬املرور إىل مرحلة النضال من أجل‬
‫إقامة الدولة العلامنية الدميقراطية عىل كامل أرض فلسطني‪،‬‬
‫تتعايش فيها مختلف األديان واألعراق دون متييز‪ .‬وعندها فقط‬
‫يصبح ممكنا للشعب الفلسطيني أن يحقق مطامحه الوطنية كاملة‬
‫ومي ّر يف طريقه إىل تحقيق تحرره االجتامعي والسيايس‪.‬‬

‫‪8‬‬

‫الخميس ‪ 14‬مارس ‪ - 2019‬املوافق لـ ‪ 7‬رجب ‪ - 1440‬العدد ‪77‬‬

‫حوار العدد مع األستاذة نزيهة عاتي‬

‫املثقف هو الشخص الواعي بقضايا مجتمعه والذي‬
‫يوظف معارفه و خرباته لفائدة املجتمع‬
‫حاورته‪ :‬سعدية بن سامل‬

‫يتزامن هذا العدد مع االحتفال باليوم العاملي للمرأة‪ ،‬لذلك آثرنا أن‬
‫نستضيف للحوار امرأة من نساء تونس املتميّزات وق ّر الرأي عىل محاورة‬
‫األستاذة الباحثة نزيهة عايت بلحاج التي صادف حلول اليوم العاملي للمرأة‬
‫وهي مت ّوجة بجائزة التميّز العلمي اإلفريقي يف اختصاص حيو ّي يف حياة‬
‫الشعوب‪.‬‬
‫لو ّ‬
‫نذكر أوّال بالمسار العلمي والمهني لألستاذة‬
‫نزيهة عاتي بلحاج‪.‬‬
‫نزيهة عايت من مواليد عام ‪ 1958‬بتالة‪ ،‬متحصلة عىل شهاديت‬
‫مهندس زراعي يف عام ‪ 1981‬ودكتوراه الدولة يف العلوم‬
‫الزراعية يف عام ‪ 2000‬من املعهد الوطني للعلوم الزراعية‬
‫(‪.)INAT‬اشتغلت منذ عام ‪ 1981‬كمهندسة يف املعهد الوطني‬
‫للبحوث الزراعية (‪ ،)INRAT‬ثم تطورت يف سلك «الباحثني‬
‫يف العلوم الزراعية»‪ ،‬وهي حاليا أستاذة تعليم عايل فالحي يف‬
‫مخرب اإلنتاج الحيواين وهي متخصصة يف علوم التغذية واإلنتاج‬
‫الحيواين‪ .‬مجال أبحاثها الرئييس هو إنتاج األغنام واملاعز وجودة‬
‫منتجاتها‪ .‬لديها خربة واسعة يف السالالت املختلفة للمجرتات‬
‫الصغرى وأنظمة إنتاجها يف ظروف تغذية صعبة أو مريحة‪.‬‬
‫وقد ركزت خاصة عىل مدى استجابة النعاج لسوء التغذية‬
‫من ناحية وعىل إنتاج اللحوم ونوعيتها من ناحية أخرى وذلك‬
‫باستخدام املوارد الغذائية التقليدية وغري التقليدية‪ ،‬ومن‬
‫الجانب النوعي اهتمت بالرتكيبة الكيميائية‪ ،‬كمية ونوعية‬
‫األحامض الدهنيةوأكسدة الدهون من لحم الضأن واملاعز‬
‫وعالقتها بصحة اإلنسان‪.‬‬
‫هي منسقة برنامجي البحث «تحسني إنتاجية املجرتات الصغرية»‬
‫وبرنامج «جودة املنتوج الحيواين» باملخرب املذكور وقد نسقت‬
‫‪ 5‬مشاريع بحث وطنية و‪ 6‬مشاريع دولية وشاركت يف العديد‬
‫من املشاريع الدولية والوطنية‪ .‬لها مشاركات عرضية يف تكوين‬
‫الطلبة من خالل التدريس باملدارس العليا للفالحة وإسهامات‬
‫كثرية يف اإلرشاف عىل مشاريع نهاية الدراسات (‪ )PFE‬واملاجستري‬
‫والدكتوراه‪ .‬كام تشارك يف تدريب املهنيني (املهندسني والفنيني‬
‫واملربني)‪ .‬وهي عضو يف اللجنة الوطنية لألطروحات والتأهيل‬
‫للبحوث الزراعية‪ .‬تضم قامئة املراجع الخاصة بها ‪ 150‬منشو ًرا‪،‬‬
‫مبا يف ذلك ‪ 90‬مقالة يف مجلة علمية محكمة و لها مؤرش علمي‬
‫(‪ )h index‬محرتما‪ ،‬كام تساهم يف تقييم املقاالت للعديد من‬
‫املجالت العلمية الدولية‪ .‬وهي خبرية‪ ،‬يف مجالها‪ ،‬لدى منظامت‬
‫وطنية ودولية‪ .‬من ناحية أخرى هي نقابية ناشطة وهي كاتبة‬
‫عامة مساعدة بجامعة التعليم العايل والبحث العلمي‪.‬‬

‫ يحق للمرأة التونسية أن تكون في‬‫موقع القرار على أي مستوى‪ ،‬وهي‬
‫قادرة على التسيير من أصغر إدارة‬
‫إلى «أعظم» مؤسسة عمومية كانت‬
‫أو خاصة‪ ،‬بما فيها الوزارة و رئاسة‬
‫الحكومة و رئاسة الجمهورية‪.‬‬

‫تستند إىل تجارب واختبارات عىل الحيوانات‪ ،‬وهنا ال بد من‬
‫عملة عاديني ومختصني ورعاة لالهتامم بهذه الحيوانات‪ ،‬ال بد‬
‫كذلك من تقنيني مختصني ألخذ العينات البيولوجية وللقيام‬
‫بالتحاليل املخربية‪ .‬وقبل انطالق البحث ال بد من مناقشة‬
‫الربوتوكول التجريبي وكيفية تطبيقه ومتابعته وكيفية استغالل‬
‫النتائج‪ ،‬الخ‪ ،‬مع فريق من الباحثني مبن فيهم الباحثون الشبان‬
‫من طلبة املاجستري والدكتوراه‪ .‬من ناحية أخرى أجريت جل‬
‫التجارب والتحاليل املخربية باملعهد الوطني للبحوث الزراعية‬
‫(‪ )INRAT‬وبعضها يف مؤسسات أخرى كاملدارس العليا‬
‫للفالحة بالكاف وماطر و‪ ،INAT‬ومختربات أخرى يف تونس أو‬
‫يف الخارج‪ ،‬وبذلك كان فريق العمل متعدد األسالك واملؤسسات‬
‫وحتى الجنسيات‪.‬‬

‫على الجامعة (إلى جانب دورها‬
‫األكاديمي) أن تكون أداة‬
‫لتوعية المواطنين و تحسين‬
‫قدرتهم على االختيار من خالل‬
‫التعلم و إثراء معارف المواطن‬
‫و رصيده الثقافي و تمكينه‬
‫من التمييز بين المواقف و اآلراء‬
‫و اكتساب القدرة على صياغة‬
‫موقف معين‪.‬‬
‫كيف تلقت األستاذة نزيهة عاتي بلحاج خبر‬
‫حصولها على جائزة التميّز العلمي اإلفريقي؟‬
‫بكل رسور‪ ،‬بصدق فرحت و سعدت كثريا بهذا الخرب‪.‬‬
‫صرّحت أ ّن حصولك على جائزة «كوامنيكروماه»‬
‫للتميّز العلمي‪ ،‬كان نتيجة عمل تشاركيّ ساهمت‬
‫فيه نخبة من األساتذة والباحثين‪ ،‬من ساهم في‬
‫هذا التتويج؟‬
‫هذا التتويج هو حصيلة مللف علمي فيه نتائج البحث يف‬
‫موضوع «تحديد خصائص التأقلم وإدارة التغذية للمجرتات‬
‫الصغرى يف الظروف الصعبة»‪ ،‬وقد استويف الرشوط التي‬
‫يتطلبها هذا الربنامج لجائزة «كوامنيكروماه» للتم ّيز العلمي‪.‬‬
‫ومن الطبيعي أال تكون هذه النتائج مجهود شخيص بحت‪.‬‬
‫متت هذه األنشطة يف إطار فرق العمل التي تشكلت ليس‬
‫فقط من الباحثني‪ ،‬بل من العملة والفنيني والطالب وغريهم‬
‫من املهنيني الذين أود أن أشكرهم جميعا‪.‬جل أعاميل البحثية‬

‫اختارت األستاذة عاتي بلحاج اختصاصا «غير‬
‫تقليديّ» بالنّسبة إلى المرأة‪ .‬فهل واجهت‬
‫إشكاالت في اختيار اختصاص‪ ،‬ثمّ في العمل‬
‫بعد ذلك؟ ما المصاعب التي واجهتك في هذا‬
‫االختصاص؟‬
‫يف املعهد الوطني للعلوم الزراعية (‪ )INAT‬كنا يف أواخر‬
‫السبعينات وحتى الثامنينات بضعة فتيات من مجموع الطلبة‬
‫يف كل دفعة‪ .‬أول الصعوبات التيواجهناها كانت الحصولعىل‬
‫السكن الجامعي حيث أن املعهد آنذاك كان يوفر السكن‬
‫«لألوالد» فقط‪ ،‬ورفضت اإلدارة متكينالطالبات منسكرنغم‬
‫توفر اإلمكانية‪ .‬أما يف الدراسة فلم تكن هناك صعوبات خاصة‬
‫يب كامرأة‪ ،‬وكذلك يف العمل‪ .‬أما يف مهنة البحث فاملصاعب‬
‫التي نواجهها يف هذا االختصاص‪ ،‬أي علوم اإلنتاج الحيواين‪،‬‬
‫متعددة ومن أهمها النقص يف القطعان التجريبية‪ .‬لقد بدأت‬
‫مسرييت املهنية باملعهد الوطني للبحوث الزراعية (‪)INRAT‬‬
‫مبوضوع بحث كنت واصلت فيه مجهودات زمالء سبقوين حول‬
‫«تهجني األبقار املحلية بسالالت مستوردة» وكانت أهم نتائجنا‬
‫أن نوقف التهجني يف الجيل األول أو الثاين ثم نعتمد االنتقاء‬
‫لبعث ساللة جديدة تكون أكرث إنتاجا وقادرة عىل التأقلم‪ ،‬إال‬
‫أن الخيار السيايس آنذاك كان االتجاه نحو توريد األبقار من‬
‫سالالت أجنبية منتجة دون مراعاة للظروف املناخية املحلية‬
‫وإمكانيات التغذية واإلحاطة الصحية وغريها‪ .‬اخرتت عندها‬
‫أن ألتحق بفريق البحث عن املجرتات الصغرى أي األغنام‬
‫واملاعز من سالالت محلية إذ للمعهد بعض الوحدات التجريبية‬
‫تحتوي عىل األغنام واملاعز‪ .‬من أهم املصاعب للجميع عدم‬
‫توفر املعهد عىل الكثري من التجهيزات الرضورية إضافة إىل‬
‫عدم وجود تقنيني أخصائيني يف صيانة ما توفر من املعدات‪.‬‬
‫من املصاعب أيضا طريقة التسيري اإلداري واملايل خاصة‪،‬‬
‫فاملؤسسات البحثية والجامعية خاضعة لطريقة املحاسبات‬
‫العمومية كأي مؤسسة إدارية أخرى وبالتايل خاضعة ملنظومة‬
‫الرشاءات املجمعة وتبعاتها من الرتاتيب املنظمة للصفقات‬
‫العمومية‪ .‬نواجه أيضا نقصا متزايدا يف اليد العاملة والتقنيني‬
‫املختصني وتقلصا يف ميزانية البحث‪.‬‬

‫‪9‬‬

‫الخميس ‪ 14‬مارس ‪ - 2019‬املوافق لـ ‪ 7‬رجب ‪ - 1440‬العدد ‪77‬‬

‫ماذا سيتغير في الدكتورة نزيهة عاتي بعد‬
‫الجائزة؟‬
‫يف كلمة ال يشء‪ ،‬إذ سأواصل نشاطي البحثي والنقايب مع محاولة‬
‫الرتفيع من مستوى املنتوج العلمي‬
‫يعاب على المثقف والجامعي التونسي أنه ال‬
‫يشارك في الحياة العامة بالكمّ والكيف المطلوبين‪.‬‬
‫فهل توافقين هذا الرّأي؟‬
‫بداية املثقف ليس بالرضورة جامعي‪ ،‬والجامعي قد يكن مثقفا‬
‫أو خبريا أو مختصا يف مجال معني‪ .‬املثقف هو الشخص الواعي‬
‫بقضايا مجتمعه والذي يوظف معارفه وخرباته لفائدة املجتمع‪،‬‬
‫فهو ميلك اطالعا واسعا يف مجاالت عديدة(العلم‪ ،‬األدب‪،‬‬
‫الفن‪ ،)...‬وباعتباره الباحث‪ ،‬املفكر‪ ،‬املبدع‪ ،‬الناقد‪ ،‬املحلل‪ ،‬الخ‬
‫فهو يلعب أدوارا مهمة ميكن أن يختزلها يف ما ييل‪:‬‬
‫ تحليل الواقع‪ :‬يستطيع املثقف بفضل ما لديه من معرفة‬‫ووعي متميز رؤية الواقع وفهمه فيدرك آليات سري املجتمع‬
‫مبا يجعله قادرا عىل معرفة كيفية توجيه مساره‪ .‬فاملثقف هو‬
‫مواطن متواصل مع مجتمعه‪ ،‬معربا عن مشاغله و طموحاته‪.‬‬
‫ استرشاف املستقبل‪ :‬املثقف الجامعي له رؤية نقدية تتجاوز‬‫الحارض وتتطلع إىل تجديده وتطويره‪ ،‬فهو يستطيع أن يتنبأ‬
‫باملستقبل من خالل القيام بدراسات علمية وميدانية والبحث‬
‫املتواصل يف إمكانات النمو والتطور نحو األفضل‪ ،‬اقرتاح الحلول‬
‫املمكنة كمنوال إنتاج بصفة عامة أو يف قطاع معني لتحقيق‬
‫التقدم وتجاوز الصعوبات إذا ما طلب منه ذلك أو سنحت‬
‫السياسات بذلك‪.‬‬
‫ إنتاج الوعي‪ :‬املثقف يبحث عن مضامني جديدة تساهم يف‬‫تغيري الواقع من خالل نرش اآلراء واألفكار وبالتايل التأثري يف‬
‫الرأي العام واملساهمة يف تطوير ثقافة املجتمع يف مجاالتها‬
‫املختلفة‪ .‬فعىل سبيل املثال لقد ساهم الطاهر الحداد إسهاما‬
‫كبريا يف تطوير ثقافة املجتمع يف ما يتعلق بحقوق املرأة‪ .‬فقيمة‬
‫املثقف أو الباحث واملبدع‪.....‬تتحدد من خالل القيم واملثل‬
‫التي يدعو إليها كالدعوة إىل تنوير العقول ومقاومة الجهل‬
‫والتخلف‪ ،‬وبالتايل عىل املثقفني و الجامعيني أن يشاركوا أكرث ما‬
‫ميكن يف الشأن العام (الحياة العامة)‪.‬‬
‫ظهرت في وسائل إعالم عربيّة بعد التتويج ولم‬
‫تظهري في القنوات المحليّة‪ ،‬هل هو اختيار أم‬
‫تقصير إعالميّ‬
‫ورد خرب حصول باحثة تونسية عىل جائزة االتحاد اإلفريقي‬
‫«كوامينيكروماه» للتم ّيز العلمي يف البداية يف كل من مجالت‬
‫تونيفزيون (‪ )Tunivision‬و ليدرز (‪ )Leaders‬وفالحتنا وكذلك‬
‫راديو تونس الدويل (‪ .)RTCI‬ثم‪ ،‬وبالتوازي مع إعداد هذا‬
‫امللف‪ ،‬أوردت الخرب كل من إذاعة املنستري وجريديت الصحافة و‬
‫‪ .La Presse‬أما من اإلعالم املريئ فلم يتصل يب أحد‪.‬‬
‫كيف يمكن للجامعة التونسيّة أن تستردّ موقعها‬
‫في صناعة الرّأي العام أمام زحف الرّداءة الذي‬
‫نشاهده؟‬
‫ليك تسرتد موقعها يف صناعة الرأي العام أمام زحف الرداءة‬

‫ يمثل المجتمع المدني الوجه‬‫اآلخر للديمقراطية التعددية‬
‫و حقوق اإلنسان‪ ،‬وهو كيان‬
‫مجتمعي منظم يقوم على‬
‫االنخراط التطوعي‪.‬‬

‫ولعل أبرزها تغول جمعيات رجعية متطرفة تحظى بتمويالت‬
‫ضخمة(مشبوهة) ودعم سيايس كبري‬

‫ المثقف يبحث عن مضامين‬‫جديدة تساهم في تغيير‬
‫الواقع من خالل نشر اآلراء‬
‫واألفكار و بالتالي التأثير في‬
‫الرأي العام والمساهمة في‬
‫تطوير ثقافة المجتمع في‬
‫مجاالتها المختلفة‪.‬‬
‫الذي نشاهده‪ ،‬عىل الجامعة (إىل جانب دورها األكادميي) أن‬
‫تكون أداة لتوعية املواطنني وتحسني قدرتهم عىل االختيار من‬
‫خالل التعلم وإثراء معارف املواطن ورصيده الثقايف ومتكينه من‬
‫التمييز بني املواقف واآلراء واكتساب القدرة عىل صياغة موقف‬
‫معني والعمل عىل نرش ثقافة الحوار وقبول اآلخر وعدم إقصائه‬
‫ونبذ العنف والتطرف والتعصب‪ .‬وبذلك تساهم يف تشكيل‬
‫الرأي العام و تكوين موقف خاص من قضية ما أو مسألة عامة‬
‫كيف تقيّم األستاذة نزيهة عاتي مردود‬
‫الجمعيات النسائيّة الناشطة في تونس؟‬
‫الحديث عن الجمعيات النسائية ال يكون مبعزل عن العمل‬
‫الجمعيايت بشكل عام حيث ميثل املجتمع املدين الوجه اآلخر‬
‫للدميقراطية التعددية وحقوق اإلنسان‪ ،‬وهو كيان مجتمعي‬
‫منظم يقوم عىل االنخراط التطوعي‪ .‬وبعد الثورة انبعثت‬
‫جمعيات كثرية من نسائية وغريها‪ ،‬هناك مردود جيد لبعض‬
‫الجمعيات النسائية (كجمعية النساء الدميقراطيات) يعود‬
‫أساسا إىل العمل املتواصل والدؤوب لعضواتها عىل النهوض‬
‫بوضع املرأة‪ .‬من مؤرشات فاعلية املجتمع املدين‪ ،‬مبا يف ذلك‬
‫الجمعيات النسائية‪ ،‬الحجم العددي لهذه املؤسسات وحجم‬
‫العضوية فيها سواء بالرجوع إىل طبيعة نشاطها (اقتصادي‪،‬‬
‫اجتامعي‪ ،‬ثقايف‪ )،‬أو طبيعة القوى االجتامعية (عامل‪ ،‬نساء‪،‬‬
‫فالحون‪ ،‬طلبة‪ ،‬الخ) باإلضافة إىل درجة وعي أعضائها ومدى‬
‫تجسيد الدميقراطية داخلها والوسائل التي تعتمدها لتحقيق‬
‫أهدافها‪ .‬ومن هذا املنطلق ندرك أن العوامل التي تضعف‬
‫فاعلية هذه املؤسسات يف املجتمع وتعرقل نشاطها متعددة‬

‫تُثار هذه األيّام من جديد مسألة المساواة في‬
‫اإلرث‪ .‬كيف ترين هذه القضيّة وهل من قضايا‬
‫ترينها جديرة باالهتمام فيما يتعلّق بالمرأة؟‬
‫ميكن التعاطي مع هذه املسألة من زاوية قانونية ومن زاوية‬
‫إنسانية‪ ،‬اجتامعية واقتصادية‪ .‬من الناحية القانونية ينص‬
‫الفصل ‪ 2‬من الدستور عىل أن «تونس دولة مدنية تقوم عىل‬
‫املواطنة وإرادة الشعب وعلوية القانون» كام ينص الفصل ‪21‬‬
‫«املواطنون و املواطنات متساوون يف الحقوق والواجبات وهم‬
‫سواء أمام القانون من غري متييز‪ ،...‬وبالتايل يعترب قانون املواريث‬
‫بصيغته الحالية غري دستوري مام يستوجب تنقيحه ليتالءم مع‬
‫أحكام الدستور‪ .‬وبعيدا عن الدواعي القانونية (احرتام علوية‬
‫الدستور)‪ ،‬ال بد من إقرار املساواة يف املرياث بني املرأة و الرجل‬
‫تطابقا مع طبيعة األشياء فليس هناك أي مربر منطقي يجيز‬
‫هذا التمييز الذي يشكل انعدام املساواة ملبدأ حقوق اإلنسان‬
‫التي إذا افتقدها فقد معها إنسانيته وهذه الحقوق كل ال يتجزأ‬
‫بالنسبة للجميع ودون متييز عىل أساس الجنس أو اللون أو‬
‫الدين أو الرثوة أو الرأي‪.‬‬
‫مع العلم أن هذه القضية تحرج اإلسالميني الذين يسعون دامئا‬
‫إليجاد التعالت للتهرب من املواجهة ولعل أبرزها وجود قضايا‬
‫مستعجلة أكرث منها من قبيل التنمية االقتصادية والتشغيل إىل‬
‫غري ذلك‪ ،‬إال أن وضع املرأة اليوم وعىل جميع املستويات ومن‬
‫جميع األوجه يفرض عىل املرشع التونيس أن يصحح هذا الخطأ‬
‫القانوين واإلنساين و يعيد للمرأة حقها يف املساواة‪.‬‬
‫ألم يئن الوقت لتأخذ المرأة التونسية مواقع القرار؟‬
‫أوال ال بد من متثيلية املرأة بصورة معنوية (‪ )significative‬إذ‬
‫أن امرأة واحدة يف تشكيلة أو تركيبة معينة ال تتعدى الرمزية‬
‫ال أكرث‪ ،‬وامرأتان اثنتان أقلية تبقى دون فاعلية‪ ،‬ابتداء من ‪3‬‬
‫نساء ميكن الكالم عن متثيلية املرأة يف حكومة‪ ،‬يف مجلس إدارة‪،‬‬
‫يف مكتب تنفيذي ملنظمة وطنية مثل االتحاد العام التونيس‬
‫للشغل أو الرابطة التونسية لحقوق اإلنسان‪ ،‬وغريها‪ .‬ثانيا‪ ،‬يحق‬
‫للمرأة التونسية أن تكون يف موقع القرار عىل أي مستوى‪ ،‬وهي‬
‫قادرة عىل التسيري من أصغر إدارة إىل «أعظم» مؤسسة عمومية‬
‫كانت أو خاصة‪ ،‬مبا فيها الوزارة ورئاسة الحكومة ورئاسة‬
‫الجمهورية‪ .‬كذلك بإمكانها أن تتحمل مسؤولية األمانة العامة‬
‫ألي منظمة أو حزب‪ .‬وبإمكانها بل وقد أثبتت ذلك كلام أتيحت‬
‫لها فرصة «املرأة املناسبة يف املكان املناسب»‪ .‬وبذلك ميكن‬
‫تفنيد ومقاومة عقلية «ناقصات عقل ودين» وكذلك عقلية‬
‫املرأة «الحامل واملرضعة والحاضنة» وبالتايل «املتغيبة وقليلة‬
‫الفعالية»‪ .‬نحن يف بلد التنظيم العائيل أي أن عدد األطفال‪،‬‬
‫بالنسبة للمرأة العاملة بصفة عامة والتي تطمح للمسؤولية‬
‫بصورة خاصة‪ ،‬يف حدود االثنني‪ .‬ولو كانت عطلة األمومة ‪6‬‬
‫أشهر اوسنة كاملة‪ ،‬لكان تغيب املرأة من أجل «تواصل الجنس‬
‫البرشي» عىل مدى أكرث من ‪ 30‬سنة عمل سنتان فقط‪ ،‬ثم تتفرغ‬
‫املرأة لعملها ومسؤولياتها املهنية وهي املسؤولة باستمرار عىل‬
‫رعاية البيت واألوالد والزوج والتدبري والتدبر لجميع املواسم‬
‫واملناسبات الصارة منها والضارة يف العائلة واملحيط‪.‬‬
‫* يف عالقة بعطلة األمومة‪ ،‬كلام كانت أطول كانت صحة‬
‫أطفالنا أفضل عىل املدى القصري والطويل وكانت مصاريف‬
‫الدواء أقل عىل مستوى عائيل ووطني (‪)micro et macro‬‬
‫وملا تغيبت األمهات لالعتناء بأبنائهم املرىض‪ ،‬ويف هذا مردود‬
‫اجتامعي واقتصادي خاصة‪ ،‬إذ االستثامر يف «اإلنسان» من أربح‬
‫االستثامرات‪.‬‬

‫‪10‬‬

‫الخميس ‪ 14‬مارس ‪ - 2019‬املوافق لـ ‪ 7‬رجب ‪ - 1440‬العدد ‪77‬‬

‫رؤى وآفاق‬
‫في عيد المرأة نذكر بأن الجميالت هن الكادحات المبدعات‪ ،‬وأن الجميالت هن الواعيات الناضجات الالتي يناضلن من أجل غد أفضل ‪« ...‬منارات» ***‬

‫‪ -1‬ملتقى األدباء الصغار‬
‫ملاذا هذا املرشوع؟‬
‫انشغلت املؤسسة الرتبوية التونسية بوظيفتها األساسية‬
‫املحصورة يف تقديم املعرفة حيث غابت تقريبا األنشطة‬
‫اإلبداعية التي تجعل التلميذ يط ّور شخصيته ويصبح‬
‫الحب‬
‫طاقة إبداعية خالّقة‪ ،‬وانشغلت عن تلك البذرة من ّ‬
‫بني الطفل والكتاب التّي بدأت تذوب شيئا فشيئا بوجود‬
‫تكنولوجيات املعلومات واالتصال ومل يهتم أحد بها ويرعاها‬
‫احتي «طفل اليوم» الذّي‬
‫لتنمو من جديد وتزهر إبداعا بني ر ْ‬
‫أصبح عرضة لكلّ األخطار برأس محش ّو بكلّ يشء إالّ ثقافة‬
‫يحتاجها لتكون درعا أمام ما يسكب فيه من كلّ األطراف التّي‬
‫تستهدف ثروتنا البرشيّة‪.‬‬
‫املؤسسة لتعيد ثقافة مخالطة الكتاب‬
‫فامذا فعلت هذه ّ‬
‫لعقول الجيل الجديد ؟‬
‫املؤسسات التي تهتم باألنشطة‬
‫كان وجود النوادي يف هذه ّ‬
‫املختلفة مثل الرسم والتمثيل واإلعالمية وغريها محاولة لنشل‬
‫أطفالنا من براثن الفراغ املميت لكلّ الطّاقات املوجودة‬
‫داخلهم‪ ،‬إالّ أ ّن هذه النوادي كانت تشتغل كل منها عىل‬
‫كفاية مستقلة بذاتها ويف مجال معني‪.‬‬
‫الحب بني الطّفل والكتاب وما هو‬
‫إذن ما العمل إلحياء بذرة ّ‬
‫السامد الالّزم لتهيئة تربة تسمح بتكاثرها معارف ومهارات‬
‫ّ‬
‫وإبداع؟‬
‫لهذا كان البحث عن مرشوع يجمع العديد من الكفايات يف‬
‫مجاالت مشرتكة تخدم أهدافه فيوظف الطفل كل إبداعاته‬
‫الذهنية واملعرفية وقدراته اليدوية واملهارية للحصول عىل‬
‫إنتاج هو عصارة العديد من املعارف التي تحصل عليها خالل‬
‫مسريته املعرفية ‪.‬‬
‫فاملرشوع يهدف إىل إيجاد طفل «أديب صغري» مبدع يقدم لنا‬
‫قصة هو من فكر يف أحداثها وكتبها ورسم مشاهدها ورقنها‬
‫عىل الحاسوب واستعمل تكنولوجيا االتصال واملعلومات يف‬
‫إخراجها ليقرأها ويتحدث عنها أمام لجنة من الكتاب الكبار‬
‫بحضور جمهور فهو ‪:‬‬
‫_ سيوظف التواصل للعيش مع اآلخرين والعمل معهم يف‬
‫إعداد قصته‪.‬‬
‫_ سينتج قصة متوازنة األقسام موظفا مكتسباته اللغوية‪.‬‬
‫سينجز مشاريع تشكيلية باعتامد مبدأ ْي الحركة والتوازن‬
‫واإليقاع والتضاد‪.‬‬
‫_ سيوظف قدراته الصوتية واإليقاعية يف رقمنة قصته‪.‬‬
‫_ سيحاور األخر خالل تقديم قصته ‪.‬‬
‫_ سيقرأ قصته موظفا قدراته يف القراءة املعربة إليصال أفكاره‬
‫للسامع‪.‬‬
‫_ سيتبنى مواقف واتجاهات متصلة بالقيم املرجعية التي‬
‫تبنى عليها الشخصية الوطنية واالنتامء الحضاري‪.‬‬
‫_ سيتقبل اآلخر ويقبل النقد بكل رحابة صدر ويتناقش مع‬
‫اآلخرين حول ما كتبه‪.‬‬
‫وقد كان «مرشوع ملتقى األدباء الصغار « جزءا من الجواب‬

‫فكرة للمربية ‪:‬منيرة الصالحي‬

‫السؤال ‪.‬‬
‫عن هذا ّ‬
‫وعندما خطرت يل هذه الفكرة مل أتردد يف تنفيذها مع أطفال‬
‫مدرستي ‪:‬مدرسة املوردين»‬
‫الدورة األوىل يوم ‪ 21‬جوان ‪2014‬‬
‫كانت الفكرة نتيجة حرسة رأيتها يف عيون تالميذي ألنهم مل‬
‫يتمكنوا من املشاركة يف ملتقى خاص بالتالميذ بدار الثقافة‬
‫مبساكن فاقرتحت عليهم أن نجمع القصص ونعد ملتقى‬
‫بأنفسنا باملدرسة االبتدائية بامل ُوردين ومببادرة من األولياء‬
‫وتشجيع من بعض األصدقاء ‪:‬السيدة صفية قم بن عبدالجليل‬
‫التي كانت هي وحدها متثل لجنة التحكيم والشاعر الحبيب‬
‫مرموش والروايئ إبراهيم درغويث و الشاعر محمد عامر‬
‫الشعابنية واألستاذ مرتىض العبيدي كان التحضري لنواة امللتقى‬
‫يوم ‪ 21‬جوان ‪.2014‬والذي حرضه الكثري من الضيوف من‬
‫بينهم السيد رياض الناجح متفقد دائرة الرياض ‪ 2‬لغة عربية‬
‫والذي أعجبته الفكرة فاقرتح أن تكون مرشوع الدائرة للسنة‬
‫الدراسية املوالية‪.‬‬
‫أثثنا هذه األصبوحة قرأ فيها التالميذ قصصهم وقدمنا بعض‬
‫األنشطة املرسحية وترتيل القرآن وكان االختتام بتوزيع‬
‫الجوائز‪.‬‬
‫الدورة الثانية للملتقى يوم ‪ 23‬ماي ‪2015‬‬
‫كانت تحت إرشاف دائرة التفقد سوسة الرياض ‪ 2‬للغة‬
‫العربية وقد شاركت فيها مدارس الدائرة التسعة بالقصص‬
‫والعروض املرسحية والرقص بحضور السيد مراد بلحاج عامر‬
‫املدير املساعد للتعليم االبتدايئ مبندوبية الرتبية بسوسة‬
‫والسيد رياض الناجح متفقد الدائرة ومديري املدارس واملربني‬
‫وال ّروايئ إبراهيم درغويث والشاعر محمد عامر الشعابنية‬
‫الذي أهدى لتالميذ املدرسة نصا مرسحيا بعنوان النادي‬
‫قدموه كأحسن ما يكون وأيضا حرضت كاتبة األطفال فتحية‬
‫بن فرج و والشاعر عبد املجيد يوسف والكاتبة عائشة املؤدب‬
‫التي وقعت كتابها لألطفال القوس العجيب يف نفس اليوم‬
‫املنشطة هويدا سايس من إذاعة املنستري ‪.‬وكذلك حضور‬
‫الصالون األديب الزوراء بدار الثقافة مبساكن‪.‬‬
‫كان االختتام بتوزيع الجوائز عىل الفائزين وتكريم الضيوف‪.‬‬
‫الدورة الثالثة للملتقى يوم ‪ 6‬جوان ‪2016‬‬
‫متيزت الدورة الثالثة بدخول املندوبية الجهوية للثقافة‬
‫بسوسة كمدعم للملتقى وحضور مدارس مختلفة من والية‬
‫سوسة ومنها مدرسة النور للكفيف التي قدمت عرضا‬
‫للكورال صحبة تالميذ مدرسة املوردين واملنستري وصفاقس‬
‫وجندوبة ‪.‬‬
‫وقد تم تكريم الجيش الوطني بهذه املناسبة وكذلك تكريم‬
‫مربني مروا باملدرسة السيد الطاهر املجدوب والسيد عيل‬
‫قرع والسيد الحبيب الشطي وعملة وأيضا تكريم الكاتب‬
‫إبراهيم درغويث الفائز باملرتبة األوىل لجائزة مصطفى عزوز‬

‫‪ --2‬املرأة الريفية يف قلب الحدث اإلقتصادي‪ /‬الفتاة‬
‫الريفية يف قلب الحدث االجتماعي‬
‫تنسيقية أصحاب الشهائد املعطلني عن العمل مبلولش‬
‫أشياء كثرية تتغري من حولنا‪ ،‬أعباء وأوزار من غالء وسوء ترصف يف املرفق العام‪...‬لكن هناك نور يف آخر‬
‫النفق‪ ،‬الوعي الشبايب املتزن‪ ،‬رمبا سيكون من «أفضل البقايا» بلغة أهل الصندوق من السياسيني‪ ،‬حني‬
‫عدت اىل القرية خربت أصداء أسعدتني وأزالت بعض الهم والغم‪ ،‬شباب مستنري ميسك بفانوس األحالم‬
‫ويصارع من أجل غد أفضل‪ ،‬شبان وشابات يعتصمون منذ أشهر بال كلل ويدقون النواقيس مطالبني‬
‫بالتشغيل والعدل يف التنمية ‪...‬املرأة يف تلك الربوع هي عامد األرسة ماديا ومعنويا‪ ،‬تبكر قبل الشمس‬
‫لتزرع األمل من خالل الطاقة الخرية‪ ،‬طاقة العمل يف املنزل وبني الحقول تلتحم بالطبيعة وتكاد تندمج‬
‫بجزئيات املشهد‪ ...‬يف عيد املرأة نذكر بأن الجميالت هن الكادحات املبدعات‪ ،‬وأن الجميالت هن‬
‫الواعيات الناضجات الالتئي يناضلن من أجل غد أفضل ‪»...‬منارات»‬

‫‪11‬‬

‫الخميس ‪ 14‬مارس ‪ - 2019‬املوافق لـ ‪ 7‬رجب ‪ - 1440‬العدد ‪77‬‬

‫عالقة حركة اإلصالح ما بني القرن التاسع والثامن عشر‬
‫يف كل من مصر وتونس بتحرير املرأة العربية‬
‫النفطي حولة‬

‫لسنة ‪2016‬‬
‫الدورة الرابعة للملقى‪ 8/9/10:‬أفريل ‪2017‬‬
‫كانت هذه الدورة مدعومة من‪:‬‬
‫املندوبية الجهوية للرتبية بسوسة ‪ /‬املندوبية الجهوية للثقافة‬
‫بسوسة ‪/‬املندوبية الجهوية للشباب والرياضة بسوسة‪/‬اإلدارة‬
‫العامة للكتاب‪.‬‬
‫انفتح امللتقى يف دورته الرابعة عىل املحيط باستعراض( حزب‬
‫املوردين ودمى عمالقة) يف شوارع القرية املوردين يف اليوم‬
‫األول وحضور مدارس من والية سوسة وصفاقس وزغوان وبن‬
‫عروس وقابس‬
‫ويف اليوم الثاين كانت ورشة القصة تحت إرشاف الكاتبتني‬
‫‪:‬صفية قم بن عبد الجليل والهام مسيوغة واالشاعر محمد‬
‫صغري القاسمي بحضور السيدة سمرية خذر املندوبة الجهوية‬
‫للرتبية بسوسة والسيد مراد بلحاج عامر املدير املساعد‬
‫للتعليم االبتدايئ ‪.‬‬
‫وكذلك حضور األستاذ مصطفى املدائني املرشف عىل نادي‬
‫الناشئة باملكتبة الجهوية بفوشانة الذي قدم نشاط املجلة‬
‫الحائطية التي يرشف عليها مع أطفال املكتبة ‪.‬‬
‫ويف مساء نفس اليوم كانت املبدعة الحكواتية اللبان يف لقاء‬
‫مع األطفال حيث قدمت حكاية بطريقة الحكوايت‪.‬‬
‫اليوم الثالث كان لتتويج الفائزين يف مسابقة القصة وتكريم‬
‫بعض املربني والعملة الذين مروا باملدرسة وأيضا تكريم‬
‫األستاذة آمنة الرمييل الفائزة باملرتبة الثانية لجائزة مصطفى‬
‫عزوز ألدب الطفلة لسنة ‪.2016‬‬
‫الدورة الخامسة للملتقى ‪ 17/18/19‬مارس ‪2018‬‬
‫كانت هذه الدورة مغاربية بحضور جمعية املؤسسة‬
‫الجزائرية لرعاية حقوق الطفل‬
‫ومبشاركات من الواليات التالية‪ :‬سوسة‪ /‬املنستري‪ /‬قابس‪/‬‬
‫قفصة‪/‬بنزرت‪/‬بن عروس‪/‬املهدية‪/‬القرصين‪.‬‬

‫تقديم ورشتني للقصة تنشيط الكاتبني‪ :‬مصطفى املدائني‬
‫ووداد صالح باشا‪.‬‬
‫تكريم مربني مروا باملدرسة وتكريم األستاذتني ‪:‬‬
‫األستاذ مصطفى املدائن‬
‫والكاتبة وداد صالح باشا‪.‬‬
‫كانت الدورة مدعمة من ‪:‬‬
‫املندوبية الجهوية للرتبية بسوسة‬
‫املندوبية الجهوية للثقافة بسوسة‬
‫ودادية أعوان وموظفي وإطارات وزارة الرتبية‪.‬‬
‫السادسة وطنيا والثانية مغاربيا‬
‫الدورة ّ‬
‫أيام ‪ 16/17/18‬مارس ‪2019‬‬
‫يف هذه الدورة مشاركة الواليات سوسة ‪،‬القريوان ‪،‬القرصين‬
‫‪،‬بنزرت قفصة ‪ ،‬زغوان ‪ ،‬صفاقس ونابل باإلضافة اىل مشاركة‬
‫من الجزائرالشقيق‪.‬‬
‫فيه تكريم للمؤسسة األمنية املمثلة يف سلك الحرس الوطني‬
‫ومعرض للرتاث والعادات والتقاليد الخاصة باملوردين‬
‫وانتاجات الجمعية الجهوية للقارصين عن الحركة العضوية‬
‫ومتعددي اإلعاقة بسوسة ‪ ARIM‬وعروض مرسحية ورقص‬
‫وكورال من عدة مدارس ومسابقة أدبية يف كتابة القصة‬
‫مبشاركة أكرث من مثانني مشارك‪.‬ترشف عليها لجنة تحكيم‬
‫تتكون من السيدات صفية قم بن عبدالجليل والهام مسيوغة‬
‫والسيد محمد الصغري القاسمي‪.‬‬
‫وندوة علمية حول أدب الطفل مبشاركة متداخلني من تونس‬
‫والجزائر‪.‬‬
‫وورشات يف كتابة القصة وورشة يف املطالعة باليوغا تحت‬
‫اإرشاف األستاذة هاجر منصوري وورشة يف القصة التفاعلية‬
‫تنشيط السيدة خولة يوسف‪.‬‬
‫ويف يوم االختتام هناك تكريم لكتاب كتبوا للطفل ( ميزوين‬
‫بناين‪/‬سناء البكوش )ومربني (صفية الدوس‪/‬حسن شعبان‪/‬‬
‫فرج املليح) والفائزين يف مسابقة القصة‪.‬‬

‫مماّ ال شك فيه أن تجربة محمد عيل (‪ )1769-1849‬يف مرص‬
‫كانت أوىل التجارب النهضوية‪ ،‬يف الحركة اإلصالحية الفكرية‬
‫ستؤسس لالنبعاث الحضاري لألمة‬
‫والعلمية والصناعية التي ّ‬
‫العربية واإلسالمية فيام بعد‪ .‬و ستساهم تلك التجربة يف الخروج‬
‫من عباءة «الخالفة اإلسالمية» العثامنية أو من عهد الترتيك‬
‫الذي خيم بظالمه و جهله وتخلفه عىل األمة العربية‪.‬‬
‫‪ ‬فكان محمد عيل هو أول من تجرأ للخروج من فلك االستعامر الرتيك الذي‬
‫عانت منه األمة العربية باسم اإلسالم السيايس تحت جبة «الخالفة اإلسالمية»‪.‬‬
‫تلك التجربة التي انبعثت يف بداية القرن التاسع عرش‪ ،‬والتي اقرتنت بحملة‬
‫نابوليون بونابارت عىل مرص يف العهد اململويك‪ ،‬ملّا كانت مرص إيالة يف العهد‬
‫العثامين‪ .‬‬
‫ولعله ما يحسب ملحمد عيل أنه أول من دعا لالقتباس من الغرب األورويب‪.‬‬
‫فقام بإرسال البعثات العلمية إىل أوروبا‪ ،‬وايطاليا و فرنسا ‪ ‬وانجلرتّا وغريها‪.‬‬
‫وقد وضع عىل عاتقه تجديد و تعصري التعليم واملدرسة املرصية كأولوية ال بد‬
‫منها‪ .‬و من ثم عمل عىل النهوض بالعلم والعقل والعقالنية‪ .‬فسهر عىل نرش‬
‫العلم والتكنولوجيا وعىل محاربة الجهل والتعصب والتخلف الفكري والديني‪.‬‬
‫وقام بتحديث اإلدارة والدواوين‪ .‬وأنشأ الصناعات العسكرية‪ ،‬واعتنى بالطرق‬
‫العرصية يف الري والزراعة‪ ،‬و أدخل التكنولوجات الحديثة يف مجاالت الصناعة‬
‫والفالحة وفن العامرة‪.‬‬
‫و يف ظل ذلك االنفتاح الحضاري عىل الغرب و االقتباس منه مبا يرجع بالفائدة‬
‫عىل األمة العربية‪ ،‬كان محمد رفعت الطهطاوي أحد أبرز األعالم الذين كانوا‬
‫ضمن تلك البعثات املتتالية‪ .‬و لقد رفع الطهطاوي ‪ ‬لواء التجديد و راية النهضة‬
‫العربية‪ ،‬و ال سيام تزعمه تحرير املرأة من ظلامت الجهل واستبداد األبوية‬
‫وبالتايل من «النظام البطرياريك»الرشقي‪ .‬فكانت دعوته إىل خروج املرأة من‬
‫البيت حتى تنهل من العلم واملعرفة مثلها مثل الرجل سواسية‪ ،‬وتشارك بنفس‬
‫القدر مع الرجل يف الحياة السياسية و االقتصادية واالجتامعية والثقافية‪.‬‬
‫و بعد فشل‪  ‬تجربة محمد عيل اإلصالحية نتيجة لعوامل داخلية يف حكمه‬
‫املطلق أوال‪ ،‬وتكالب أوروبا عليه ثانيا‪ ،‬و باملوازاة لتلك الحركة النهضوية‪ ،‬و يف‬
‫نفس السياق كان الدور التاريخي لخريالدين باشا (‪ )1820-1890‬رائد حركة‬
‫التنوير واإلصالح الفكري والسيايس‪ .‬ذلك أنه كان من أكرب املصلحني‪ ،‬مثلام كان‬
‫األمر بالنسبة إىل محمد عيل يف مرص‪ ،‬حيث أعتنى بالعلم والتعليم فأسس‬
‫املدرسة الصادقية وأصلح االدارة والجيش والترشيعات‪ ،‬غري أنه خالفا ملحمد‬
‫عيل ظل تابعا للباب العايل‪.‬‬
‫إال أن االستعامر األورويب كان س ّباقا الجهاض تلك الحركات االصالحية التنويرية‪،‬‬
‫سواء يف مرص أو يف تونس مستفيدا أوال من االستبداد والحكم الفردي ملحمد‬
‫عيل يف مرص‪ ،‬ومستفيدا ثانيا‪  ‬من الفساد السيايس يف تونس الذي استرشى‪،‬‬
‫وكان ممركزا يف الثالوث‪ ،‬مصطفى خزندار و محمود بن عياد و نسيم ساممة‪.‬‬
‫لكن من جنح الظالم االستعامري الرهيب الذي زحف عىل األمة العربية‬
‫و االسالمية‪ ،‬انبعث نور التجربة الرائدة الثانية لحركة النهضة الكربى التي‬
‫سيشهدها الوطن العريب فيام بعد‪ .‬تلك الثورة الفكرية والسياسية التي سيمثلها‬
‫ال محالة جامل الدين األفغاين(‪ )1838-1897‬مبعية تلميذه الشيخ محمد عبده‬
‫(‪.)1905 1849-‬‬
‫ولقد كان لتلك الحركة بالغ األثر والتأثري يف الحركة الثقافية والسياسية‬
‫والفكرية‪ ،‬وال سيام يف تجديد الخطاب الديني‪ ،‬عىل ضوء العقل والعقالنية‪ .‬و‬
‫ال أدلّ عىل ذلك من ثورة الرجل عىل واقع تخلف األمة االسالمية يف تلك املرحلة‬
‫املظلمة من جملته املشهورة ‪ ‬حيث يقول فيها‪:‬‬
‫‪ُ « ‬هبّوا من غفلتكم اصحوا من سكرتكم انفضوا عنكم الغباوة والخمول وشقوا‬
‫صدور املستبدين بكم كام تشقوا األرض مبحارثكم»‪.‬‬
‫ولعل مجلة العروة الوثقى التي أسسها الثنايئ مبعية عبد الرحامن الكواكبي‪،‬‬
‫كانت الدرب امليضء يف نرش الخطاب الديني املتجدد ضد الجمود الفكري‬
‫واإلنغالق الديني‪ .‬بل ورضب الفكر األسطوري الديني‪ ،‬الذي أثقل كاهل املجتمع‬
‫وأغلق يف وجهه كل السبل والطرق املؤدية للتقدم‪ .‬فقد كانت مجلة العروة‬
‫الوثقى إحدى تلك السبل والطرق واألدوات التعبوية والتوعوية الرئيسية فكريا‬
‫ودينيا‪ ،‬وسياسيا وثقافيا‪ ،‬يف مواجهة كل أنواع التخلف الفكري والسيايس والديني‬

‫و الثقايف‪ .‬ولعلها مه ّمتها املركزية كانت هي التحريض والتعبئة النضالية ضد‬
‫االستعامر وأعوانه‪ ،‬ضد موجات االستعامر الصليبي األورويب وهجامته الرببرية‬
‫يف القرن التاسع عرش وما بعده‪ .‬ما حدى باالمرباطورية الربيطانية إىل شن حرب‬
‫شعواء عىل املجلة‪،‬التي كشفت زيف االدعاء‪  ‬الغريب بالحرية والدميقراطية‪.‬‬
‫فأوعزت للسلطات املرصية بإيقافها بعد ما صدر منها مثانية عرش عددا‪.‬‬
‫لقد مثلت تلك الحركة بدايات ارهاصات النهضة العربية الحديثة سواء يف‬
‫مرص أو يف تونس و غريهام‪ ،‬يف القطع مع املايض السلفي والوقوف عىل أطالله‬
‫ومتجيده وتقليده‪ .‬و من ث ّم رفض البحث يف إعادة صياغة املايض بعقلية‬
‫ماضوية جامدة ومتحجرة‪ ،‬ال تعمل إال عىل تقديس السلف وتقديس الرتاث‪.‬‬
‫وبالتايل العمل عىل صياغة املعارف الجديدة وفق سلطان العقل وليس النقل‪.‬‬
‫كام سبّقت تلك الحركة اإلصالحية املصلحة االجتامعية العامة عىل النص‪ .‬وذلك‬
‫إلميانها بالنظرة املقاصدية من جهة وللقطع مع النصوصية والفهم الحريف‬
‫الظاهري‪ ،‬من جهة أخرى‪.‬‬
‫و لعله من داخل وعمق تلك الحركة اإلصالحية و التنويرية الحديثة ستأيت‬
‫دعوات‪  ‬تحرير املرأة و خروجها من البيت‪ .‬تلك الحركة التي ستتص ّدى لبعض‬
‫مشايخ الجمود الديني سواء يف الجامع األزهر أو يف جامع الزيتونة‪.‬‬
‫و سوف لن يكون ظهور النهضة الفكرية والسياسية يف تونس إال امتدادا لتلك‬
‫التجارب اإلصالحية البارزة‪ .‬و هكذا سيظهر يف تونس‪  ‬ر ّواد وأعالم من املحدثني‬
‫من أمثال ‪ ‬محمد الطاهر بن عاشور(‪ 1870-1973‬وعبدالعزيز الثعالبي‬
‫(‪ .)1876-1944‬وسيخرج من عمق تلك الحركة االصالحية رواد تحرير املرأة‬
‫من الجهل واألمية والتخلف‪ ،‬التي كانت ترزخ تحته املرأة‪ ،‬بل واملجتمع بأرسه‪.‬‬
‫ويف هذا املجال‪  ‬يقول عبدالعزيز الثعالبي‪  ‬يف كتابه «روح التح ّرر يف القرآن»‬
‫حول املرأة أن‪:‬‬
‫التعصب‬
‫عىل‬
‫الحرب‬
‫وإشهار‬
‫املسلمة‪،‬‬
‫املرأة‬
‫تحرير‬
‫معناه‬
‫الحجاب‬
‫‪«  ‬خلع ذلك‬
‫ّ‬
‫والجهالة‪ ،‬ونرش أفكار التق ّدم والحضارة وصيانة املصالح العليا لألرسة والرتاث‬
‫العائيل‪ ،‬وهذا يعني يف آخر األمر إعادة تركيب املجتمع كام كان يف عهد ال ّرسول‬
‫صىل الله عليه وسلّم وأصحابه ريض الله عنهم؛ أي مثل املجتمع األورويب»‪.‬‬
‫و لعله يف ذات السياق نفسه سيربز األديب واملفكر والنقايب والسيايس‬
‫واملناضل‪ ،‬الطاهر الحداد (‪ .)1899-1935‬وهو أحد األعالم الكبار الذين‬
‫سيخوضون غامر معركة تحرير املرأة من خالل كتابه املؤسس واملرجع «إمرأتنا‬
‫يف الرشيعة واملجتمع»‪ ،‬ضد عتاة القداسة والتقديس للاميض‪ ،‬بكل ما فيه و ما‬
‫عليه‪ .‬إذ يقول يف القسم الترشيعي من بحثه يف ذلك الكتاب‪« :‬إذا تأملنا حق‬
‫التأمل يف نصوص الرشيعة اإلسالمية ومراميها نجد أنها تريد أن تذهب باملرأة‬

‫مع الرجل مذهب املساواة يف وجوه الحياة‪ .‬ولقد أدركت من ذلك يف الزمن‬
‫القصري شأوا بعيدا مل تعرف له امرأة ذلك العرص حدا بل وال معنى فضال عن‬
‫أن تطالب به كحق من حقوقها»‪.‬‬
‫وكام حمل لواء معركة تحرير املرأة يف تونس أولئك الزعامء والقادة التارخيني‬
‫يف تونس‪ ،‬فإنه ويف نفس السياق ظهر يف مرص ر ّواد آخرون عظام‪ ،‬ال يشق لهم‬
‫غبار‪ .‬ولعل ظهور قاسم أمني(‪ ،)1863-1908‬وسالمة موىس (‪ ،)1887-1958‬و‬
‫وطه حسني(‪ )1889-1973‬وغريهم‪ ،‬من وسط ركام الظالم الدامس والظالمية‬
‫الدهامء لقرون العصور الوسطى‪ ،‬لهو أبرز العالمات الدالة عىل استمرار خوض‬
‫معركة النهضة و التجديد‪ ،‬باعتبارها املدخل الرئييس لرشوط التقدم و التطور‬
‫الحضاري‪ .‬ما سيزيد من تدعيم مسار التجديد والثورة عىل القديم‪ .‬و سيتجلىّ‬
‫ذلك خاصة يف‪  ‬معركة النهوض باملرأة واملجتمع‪ ،‬الذين سيخوضونها ضد‪  ‬زبانية‬
‫الجلد‪ ،‬و رمي املحصنات من النساء املاجدات‪ ،‬تحت إسم السفور و الت ّربج‬
‫وأشياء أخرى ‪ ،‬و مس ّميات شتى‪.‬‬
‫لكن و عىل الرغم من‪  ‬موجة الحداثة والتحديث يف مرص قاسم أمني وسالمة‬
‫موىس‪ ،‬فقد بقيت بعض الترشيعات التي تخص املرأة يف األحوال الشخصية‪ ‬‬
‫دون املأمول بكثري ‪ .‬بينام يف تونس كان ميالد مجلة األحوال الشخصية عىل يد‬
‫الزعيم الحبيب بورقيبة‪ ،‬تطورا طبيعيا لزعامء اإلصالح‪  ‬عندنا‪ ،‬واستمرار تدفق‬
‫نهج‪  ‬التنوير و التحرير ملحمد الطاهر بن عاشور‪ ،‬و تبني رؤية الطاهر الحداد‬
‫يف املساواة بني املرأة‪  ‬والرجل ‪.‬‬
‫فكانت تلك الخطوة النوعية ايذانا بعرص جديد للمرأة التونسية التي ال زالت‬
‫تفتخر بتلك الترشيعات الثورية و التقدمية‪.‬‬
‫من هنا نفهم ‪ ،‬أنه سوف لن يكون غريبا عىل النخب التقدمية التوسية‬
‫التأسيس للمساوات يف اإلرث‪ .‬تلك القضية التي شغلت الرأي العام النخبوي‬
‫يف الجمعيات واملنظامت ‪ ،‬مثل االتحاد العام التونيس للشغل‪ ،‬و جمعية نساء‬
‫دميقراطيات‪ ،‬و الرابطة التونسية للدفع عن حقوق اإلنسان ‪ ،‬واالتحاد الوطني‬
‫للمرأة ‪ ،‬واالتحاد العام لطلبة تونس وغري ذلك من مك ّونات املجتمع املدين‪،‬‬
‫طيلة العقود املاضية‪  ،‬يف نضالها الثقايف و الفكري ويف نشاطها السيايس والنقايب‪.‬‬
‫و تبعا لذلك‪ ،‬فال يشك ّن أحد‪ ،‬كائنا من كان‪ ،‬يف محاولة النيل من تلك الحقوق‬
‫املكتسبة‪  ‬و الترشيعات‪  ‬الحاصلة‪ .‬سواء كان ذلك تحت غطاء الدين املسيّس‬
‫أو األصالة املوغلة يف متجيد السلف‪.‬‬
‫بل أن‪  ‬واقع‪  ‬التط ّور و التغيري يفرض عىل النخب السياسية والفكرية والثقافية‬
‫التونسية التقدمية‪ ،‬املزيد من‪  ‬تطوير تلك املكتسبات املرأة ‪ ،‬حتى تنال كل‬
‫الحقوق املرشوعة‪  ‬مثلها يف ذلك مثل أخيها الرجل‬

‫‪12‬‬

‫الخميس ‪ 14‬مارس ‪ - 2019‬املوافق لـ ‪ 7‬رجب ‪ - 1440‬العدد ‪77‬‬

‫‪13‬‬

‫أطباء مبدعون‬

‫حين تصرخ الطبيبة المبدعة ‪:‬‬

‫منارات تو ّجه رسالة شكر وتقدير عىل طريقتها ملناضيل الخفاء‪ ،‬أطباء القطاع العمومي‪ ،‬أبناء هذه الرتبة من مائها وملحها وشمسها وهوائها‪ ،‬أولئك الذين يقفون يف الصف األول يف مواجهة املواطن املكدود واملنهوب واملصلوب عىل يوميات كدحه‬
‫وأمله‪...‬أولئك الذين يزاحمون يف القطاع العمومي عند دخولهم أو خروجهم ويشتمون عرق املواطنني ويسمعون آهاتهم ولغوهم‪...‬شهادة شديدة الصفاء والتلقائية من فهمي البلطي األديب الطبيب كتبها يف زمن قديم لكنها من حالنا اليوم‪ ،‬ننرشها‬
‫بوحشيتها الصادقة ‪ -‬دون تهذيب ‪ -‬ونص موجع من ماجدة السباعي الطبيبة الشاعرة‪ ،‬التي تشعر بأمل اآلخرين قبل شعرها وشعورها‪...‬يف زمننا املتصاعب نقول‪ :‬إن معاول الهدم متكاثرة لكن معاول البناء أثبت‪»...‬منارات»‬

‫حرارة الرّوح‪ /‬لي‬
‫نقطة ضعف كبرية‬
‫تجاه الكتابة‪...‬‬
‫د فهمي البلطي‬
‫اعي شديدة البزوغ يف العادة حتّى أ ّن جسدي يف سنوات دراسة‬
‫رشايني ذر ّ‬
‫الطب كان الجسد األنسب الذّي يغري أساتذة علم التّرشيح باتّخاذه‬
‫ّ‬
‫مثاال من أجل التّدريس‪ ،‬أذكر أ ّن أستاذا أخرجني م ّرة من مقعدي يك‬
‫اعي فيتمكّن هو بالتّايل من رشح‬
‫أصعد عىل الطّاولة واقفا وباسطا ذر ّ‬
‫يخص العضالت والرشايني‪ ،‬لك ّن رشاييني‬
‫بعض التّفاصيل لرفاقي فيام ّ‬
‫هذه امل ّرة أصبحت شحيحة ج ّدا حتّى أ ّن املم ّرضني حقنوين أربع م ّرات‬
‫أو أكرث من أجل القيام بالتّحاليل‪ ،‬ربمّ ا ألنّني كنت أرتعش وأصيح أو أل ّن‬
‫ضغط الد ّم انخفض قليال حينها‪ ،‬أو ربمّ ا أل ّن التوتّر واإلرهاق وصال يب إىل‬
‫منتهاهام‪ ،‬أخفوا ع ّني تخطيط القلب يف البداية و حاولوا طأمنتي بشتّى‬
‫الطّرق‪ ،‬يف الحقيقة مم ّرضو االستعجايل هم األفضل عىل اإلطالق وبيننا‬
‫الكثري من املو ّدة واالحرتام حتّى أ ّن بعضهم و رغم القليل من الخجل‬
‫كان يواسيني و يقبّلني من جبيني و يرتّب عىل رأيس قائال بصوت ودود‬
‫إ ّن كلّ يشء سيكون عىل ما يرام‪ ،‬لك ّنني كنت أتوقّع األسوأ بطبيعة‬
‫الحال‪ ،‬فدماغي كان يت ّجه نحو يشء واحد هو جلطة يف أوردة القلب‪...‬‬
‫قبل أن يت ّم نقيل إىل املستشفى من املستوصف الذّي يبعد عنه بضع‬
‫كلومرتات مل تكن هناك وسيلة نقل أل ّن سيّارة املستشفى التّي أوصلتني‬
‫يف البداية كانت قد أوصلت مم ّرضة إىل مكان أبعد من أجل القيام‬
‫ببعض اإلحصائيّات و من ث ّم العودة إ ّيل حني أكمل عيادة املرىض ‪ ...‬‬
‫حني خرجت من املكتب و مل أكن قد انتهيت من فحص نصف عدد املرىض‪،‬‬
‫ناديت املم ّرضة و أخربتها أنّني لست عىل ما يرام و أنّني ربمّ ا أستع ّد لحالة إغامء‬
‫و يجب أن أتوقّف عن العمل حاال‪ ،‬لك ّن األمور تسارعت بطريقة جنون ّية فقد‬
‫أصبح جسمي يرتعش بأكمله‪ ،‬عرقت‪ ،‬أصبت بأوجاع يف صدري و تسارعت‬
‫نبضات قلبي إىل مع ّدل مائة و ستّني يف ال ّدقيقة و مل أعد أستطيع التنفّس ‪...‬‬
‫رصف و أعالج نفيس بنفيس حينها‪،‬‬
‫جلست عىل‬
‫الكريس و كان ع ّيل أن أت ّ‬
‫ّ‬
‫خاصة و أ ّن املم ّرضة أصيبت بالفزع التّام و مل تعرف ماذا عليها أن تفعل‬
‫ّ‬
‫بالضّ بط‪ ،‬أ ّما املرىض فقد خرجوا كلّهم من قاعة االنتظار بأفواه مشدوهة‪،‬‬
‫فمشاهدة الطّبيب الذّي أىت ملساعدتهم و هو بصدد االنهيار مل تكن أمرا‬
‫عاديّا يحدث يف سائر األيّام‪ ،‬لحسن الح ّظ كان هناك بعض األدوية التّي‬
‫التهمتها دفعة واحدة لتخفيض نبضات القلب و بعض امله ّدئات التّي‬
‫كنت أحتفظ بها يف محفظتي و لك ّن اآلالم يف صدري تواصلت بطريقة‬
‫مرعبة‪ ،‬سكبت قارورة ماء عىل رأيس و حاولت قدر اإلمكان التحكّم يف‬
‫أعصايب لك ّن جزعي من أن أكون أصبت بجلطة يف القلب كان يفقدين‬

‫بالكامل سيطريت عىل نفيس ألنّه يف هذه الحال يجب نقيل بأقىص رسعة‬
‫املختصة يف العاصمة فجلطات القلب يف س ّني‬
‫إىل أحد أقسام القلب‬
‫ّ‬
‫تكون يف العادة شديدة الخطورة و بإمكانها أن تؤ ّدي إىل الوفاة يف غضون‬
‫ساعات‪ ،‬أتت الس ّيارة يف حدود ربع ساعة تقريبا‪ ،‬ربع ساعة كانت هي‬
‫األطول عىل اإلطالق من ضمن األوقات الحرجة التّي عشتها يف حيايت ‪...‬‬
‫الس ّيارة مل تكن س ّيارة إسعاف بل سيارة عاديّة خردة تقريبا‪ ،‬استلقيت يف‬
‫السائق كان مرعوبا‪،‬‬
‫الكرايس الخلف ّية و أنا يف حالة أشبه ما يكون باإلغامء‪ّ ،‬‬
‫و املم ّرضة حني رأتني أرتخي بالكامل ظ ّنت أنّني أحترض‪ ،‬كانت شديدة‬
‫التوسل بل إنّها حاولت أصال القيام‬
‫التوتّر‪ ،‬وتُتمتم من حني آلخر بأدعية ّ‬
‫بإنعايش قلب ّيا لك ّنني ح ّركت يدي بثقل كبري مشريا إليها ألاّ تفعل ذلك‪ ،‬حني‬
‫وصلت إىل املستشفى حملوين إىل قسم االستعجايل‪ ،‬فيام جسدي تخشّ ب‬
‫بالكامل‪ ،‬حالتي حينها كانت خليطا رسيال ّيا عجيبا من اإلرهاق والفزع‬
‫والغضب ومحاولة استعداد رسيا ّيل لتق ّبل املوت يف مثل هذه الظّروف‪...‬‬
‫اشتغلت يف عيادتينْ بالتوازي‪ ،‬عيادة األطفال و‬
‫السابق كنت قد‬
‫ُ‬
‫يف اليوم ّ‬
‫عيادة الكهول أي ما يقارب املائة مريض تقريبا و ذلك نظرا لنقص فادح‬
‫يف الفريق الط ّبي‪ ،‬ث ّم كان ع ّيل التو ّجه مبارشة بعد ذلك لقسم االستعجايل‬
‫من أجل تأمينه حتّى يوم غد‪ ،‬و من ث ّم الذّهاب صباحا إىل املستوصف‬
‫لعيادة مرىض آخرين‪....‬‬
‫حني وصلت إىل االستعجايل حوايل الساعة الواحدة و ال ّنصف وجدت‬
‫السابقة يف حالة انهاك واضحة‪،‬‬
‫زميلتي التّي أ ّمنت االستعجايل يف الليلة ّ‬
‫كانت بصدد إنعاش رضيعة غرقت يف بيت الحامم منذ دقائق‪ ،‬بينام يف‬
‫الغرفة املجاورة كان هناك ثالثة حوادث ‪ :‬حادثَا طريق عا ّمة وحادث‬
‫الرب‪ ،‬ما هذا ؟؟؟ كنت أرتعش من ش ّدة‬
‫منز ّيل‪ ،‬رصخت عىل املإل‪ :‬آدين ّ‬
‫الجوع‪ ،‬و كان ع ّيل املساعدة الحال ّية يف ذات الوقت‪ ،‬رشبت قارورة كاملة‬
‫من العصري ث ّم تو ّجهت من أجل املساعدة‪ ،‬يف غضون ساعة هدأت األمور‬
‫خاصة بعد‬
‫نسب ّيا‪ ،‬ال ّرضيعة توفّيت لألسف‪ ،‬وبقية املرىض ت ّم نقلهم ألقسام ّ‬
‫إسعافهم بعض االسعافات األول ّية ‪...‬‬
‫متكّنت من بعض ال ّراحة رغم كلّ يشء و كان ذلك مهماّ ج ّدا من أجل‬
‫املواصلة‪ ،‬لك ّن بعض املرىض الذّين كانوا يف حالة خطرة عاودوا الهجوم‬
‫عىل االستعجايل قب ْيل املغرب‪ ،‬أحدهم كان ينزف من أمعائه وكان يجب‬
‫نقله فورا إىل قسم الجراحة‪ ،‬بعض املرىض اآلخرين كانوا يستحقّون فحوصا‬
‫تقني املخرب هرب تقريبا أو‬
‫تكميل ّية‪ ،‬لك ّنني فوجئت يف آخر لحظة أ ّن ّ‬
‫لنقل مل يأت‪ ،‬بعض أنابيب الدم ُرميت يف القاممة ألنّها لن تصرب حتّى‬
‫بالصوت العايل‪ ،‬هناك بعض املرىض‬
‫يُرسل بها إىل مخرب آخر‪ ،‬كنت أكفر ّ‬
‫كنت‬
‫قني‪،‬‬
‫ت‬
‫ال‬
‫هذا‬
‫د‬
‫ض‬
‫مكتوبة‬
‫بشكوى‬
‫الذّين ح ّرضتهم مبارشة يك يقوموا‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫أحس بغيظ كبري تجاه هذا ال ّنوع من االستهتار بالذّات‪ ،‬أل ّن أ ّي نقص‬
‫ّ‬
‫يخص الخدمات الطبية و شبه الطب ّية من املسؤولني اآلخرين عداك‬
‫فيام ّ‬
‫رصف ‪...‬‬
‫لن يتح ّمله أحد غريك يف ال ّنهاية‪ ،‬فأنت الطبيب و عليك أن تت ّ‬
‫فيام بعد فوجأت أنّه مل يعد هناك كليشيهات من أجل صور إيكس و أنّه يف‬
‫هذه الحالة‪ ،‬و كلّام طلبت صورة إيكس ملريض‪ ،‬ع ّيل أن أتنقّل بنفيس عىل بعد‬
‫الصورة يف الحاسوب عىل عني املكان ‪...‬‬
‫مائتي مرت نحو قسم األشعة ملعاينة ّ‬
‫ْ‬
‫كان ذلك أشبه باملؤامرة‪ ،‬خابرت مدير املستشفى و أنا أزعق و البصاق من‬
‫يتطاير من فمي‪ ،‬حني عال رصاخ فيام بعد يكْ تأيت املفاجأة الحقيق ّية التّي‬
‫قلبت كلّ يشء رأسا عىل عقب ‪ :‬مريضة يف حالة هيجان قصوى ال نعرف‬
‫عنها شيئا حملها جارها إلينا‪ ،‬منذ أن وصلت بدأت يف كرس كلّ يشء و يف‬
‫قلب قاممات اإلبر يف القاعة و ال ّرواق حيث أصبح قسم اإلستعجايل شبيها‬
‫الساعة التّاسعة ليال تقريبا وكان‬
‫مبرسح جرمية يف أحد أفالم تارانتينو‪ ،‬كانت ّ‬
‫من الواجب حقنها باملخ ّدر أ ّوال ث ّم التّفكري فيام ميكن فعله بشأنها فيام‬
‫السيطرة عليها من أجل حقنها‪ ،‬كانت قد عضّ ت‬
‫بعد‪ ،‬قبل أن نتمكّن من ّ‬
‫اقرتبت منها كانت‬
‫يد العاملة و أهلكت بعض مع ّدات قاعة الفحص‪ ،‬حني‬
‫ُ‬
‫قدمي‬
‫من‬
‫يب‬
‫أمسكت‬
‫ملقاة يف القاعة‪ ،‬عضالتها متش ّنجة ج ّدا‪ ،‬حتّى أنّها‬
‫ّ‬
‫بجأش و ق ّوة كبريين مثلام ميسك أشباح املقابر بالسيقان يف أفالم ال ّرعب‪،‬‬
‫تكف عن الصرّ اخ و ال ّنحيب و لو لحظة واحدة‪ ،‬فيام املرىض اآلخرون‬
‫مل ّ‬
‫كانوا يتك ّدسون يف ال ّرواق‪ ،‬أفلحنا بصعوبة قصوى يف حقنها مبخ ّدر‪ ..‬‬
‫كان ع ّيل مخابرة الشرّ طة الذّين عليهم مخابرة القايض من أجل التّسخري‬
‫وحملها مبارشة إىل قسم األمراض ال ّنفس ّية يف العاصمة‪ ،‬لك ّن الشرّ طة‬
‫رفضت ذلك رفضا قطع ّيا‪ ،‬خابرت مدير املستشفى الذّي خابرهم بدوره‬

‫الحق يف التنقّل ليال خارج‬
‫فرفضوا م ّرة أخرى بح ّجة أنّه ليس لديهم ّ‬
‫مجالهم الجغرايف‪ ،‬بعد مفاوضات يائسة اضطررنا لنقلها نحن أنفسنا يف‬
‫س ّيارة اإلسعاف للمستشفى املجاور بعد أن ربطناها و شللنا حركتها‪ ،‬و‬
‫رغم أ ّن القايض أذن بحملها إلاّ أ ّن رشطة املدينة املجاورة رفضت نقلها أيضا‬
‫الساعة الثّانية بعد منتصف اللّيل‪ ،‬كانت تهدأ‬
‫وأعادوها إلينا يف ال ّنهاية مع ّ‬
‫قليال‪ ،‬ث ّم تعاود نوبات أقلّ ح ّدة من حني آلخر‪ ،‬و ظللنا عىل تلك الحالة‬
‫الصباح‪ ،‬يف غضون ذلك تو ّجهت ألرتاح قليال يف غرفة الحراسة‪ ،‬لكن‬
‫حتّى ّ‬
‫كلّام ر ّن الهاتف يك أنتقل من جديد إىل القسم و أفحص مرىض آخرين مل‬
‫الصباح‪ ،‬أفيق مجزوعا و أن ّط نطّا من الفراش‪ ،‬يف‬
‫يتوقّفوا عن عياديت حتّى ّ‬
‫الصباح االتّصال بالشرّ طة‪ ،‬و كان ع ّيل أن أسعف بعض‬
‫الصباح عاود فريق ّ‬
‫ّ‬
‫املرىض اآلخرين و أنتقل بعد ذلك إىل املستوصف (‪)...‬‬
‫بعد أن متكّن املم ّرضون من حقني إلجراء الفحوصات‪ ،‬طلبت منهم أن‬
‫يحقنوين مبخ ّدر يك تهدأ أعصايب‪ ،‬كنت قد تناولت الكثري من األدوية يف‬
‫تحسنت يف ال ّنهاية مبفعول املخ ّدر اللّذيذ‪ ،‬بعد‬
‫وقت وجيز ج ّدا‪ ،‬لك ّنني ّ‬
‫دقائق‪ ،‬طالبتهم بإعادة التخطيط عىل القلب حني أحسست مبعاودة‬
‫الصاعقة‪،‬‬
‫الصدر‪ ،‬وحني م ّدوين بالتّخطيط‪ ،‬كانت ّ‬
‫األوجاع عىل مستوى ّ‬
‫مل يكن تخطيط القلب مطمئنا بامل ّرة و نسبة أنّني أتع ّرض إىل جلطة‬
‫يف الحني كانت كبرية يف حقيقة األمر‪ ،‬أحسست بفزع كبري‪ ،‬االنتقال إىل‬
‫الصين ّيون‬
‫أخصائ ّيو القلب ّ‬
‫املستشفى الكبري بحالته الكارث ّية التّي أعرفها‪ّ ،‬‬
‫سامحهم الله بكفاءتهم املتواضعة ج ّدا التّي أعرفها‪ ،‬غياب قاعة القسطرة‬
‫األخصايئ املناسب لها‪ ،‬سيارة اإلسعاف التّي ميكن أن تكون مشغولة يف‬
‫و ّ‬
‫مريض آخر‪ ،‬كلّ ذلك كان يجعلني أفكّر بش ّدة يف إمكان ّية املوت‪ ،‬مل أكن‬
‫أرغب يف املوت رصاحة يف هذه الظروف املهينة‪ ،‬ففكريت عنه هي فكرة‬
‫رومنس ّية رغم كلّ يشء‪ ،‬يعني أنتحر مثال انتحارا غري مؤمل بعد أن أكون‬
‫فكّرت مل ّيا يف األمر و تركت القليل من ال ّرسائل ألح ّبتي‪ ،‬أموت يف حادث‬
‫سري رسيع ج ّدا فال يتس ّنى يل أن أصاب بكلّ هذا ال ّرعب‪ ،‬إذ أنّني لن‬
‫أملك الوقت الكايف لذلك‪ ،‬أو أموت يف فرايش بني أهيل و أنا عجوز أو و‬
‫أنا مريض مرضا بطيئا ميك ّنني من استيعاب األمر بهدوء‪ ،‬لكن هكذا ؟؟؟‬
‫الحق أ ّن التّفكري يف أ ّن كثريا من املرىض ميوتون عىل‬
‫إنّها إهانة كبرية و ّ‬
‫هذه الشّ اكلة كان أمرا ال يجب أن أفكّر فيه اآلن و لو عىل سبيل املزاح‬
‫ألنّه سيصيبني بالجنون ‪ ...‬وأنا أنتقل إىل املستشفى الكبري‪ ،‬كنت أرصخ‬
‫داخل السيارة ‪ :‬سوف أموت‪ ،‬سوف أموت أيّها ال ّناس سوف أموت‪ ،‬ال‬
‫رصفوا!!!‪ ،‬لك ّن ال ّرغبة يف الحياة أيضا كانت قويّة‪ ،‬و لذلك‬
‫ترتكوين هكذا‪ ،‬ت ّ‬
‫خابرت برسعة أحد أصدقايئ األطباء يف تونس‪ ،‬و حني أرسلت له تخطيط‬
‫القلب عن طريق الهاتف أحسست أنّه أصيب بالفزع و حاول بكلّ الحيل‬
‫تهدئتي وطأمنتي من أنّه سوف يت ّم نقيل حاال إىل العاصمة حاملا أصل‬
‫إىل املستشفى الكبري‪ ،‬حني أتذكّر ذلك اآلن و كيف كان بإمكاين أن أتّصل‬
‫وأص ّور التخطيط بالهاتف وأبعثه بالفايسبوك وأتّصل أيضا باملدير الجهوي‬
‫طالبا طبيب قلب من الخارج وس ّيارة إسعاف‪ ،‬اإلجابة الوحيدة التّي أجدها‬
‫ليست سوى كلمة واحدة ‪« :‬حرارة ال ّروح»‪ ..‬حني وصلت إىل استعجايل‬
‫املستشفى الكبري كان التّحليل الخاص بالجلطة‪ ،‬والذّي ع ّيل إجراؤه بأقىص‬
‫اعي‪ ،‬املم ّرض‬
‫رسعة‪ ،‬معطّبا‪ ،‬و بدأت رشاييني مج ّددا يف االختباء داخل ذر ّ‬
‫حقنني ثالث م ّرات تقريبا إىل أن متكّن من استخراج الد ّم الذّي عليه أن‬
‫كنت أتلقّى ما يجب ع ّيل فعله‬
‫خاص و أنا ُ‬
‫يحمله بأقىص رسعة إىل مخرب ّ‬
‫عن طريق الهاتف من صديقتي االستاذة املساعدة يف العاصمة والهاتف‬
‫قارب عىل االنطفاء بسبب الشحن وأنا تركت الفراش وركضت مرتنّحا باحثا‬
‫عن مكان أشحن فيه هاتفي حني أشاروا إ ّيل أنّه ورايئ بالضّ بط‪ ،‬يف النهاية‬
‫تركت هاتفي لشخص مجهول يك تخاطبه صديقتي ويحمله فيام بعد إىل‬
‫طبيبة االستعجايل يك تخاطبها بدورها‪ ،‬واستلقيت خائرا عىل الربونكار‬
‫يف شبه استسالم‪ ،‬زميلتان التحقتا يب عىل عني املكان من أجل املساعدة‬
‫واالطمئنان ‪ ...‬أخريا أتت سيارة االسعاف يك تنقلني إىل العاصمة‪ ،‬كان فيها‬
‫الصعداء‬
‫طبيب االسعاف الذّي حدث و أن تعاملت معه مرارا‪ ،‬تنفّست ّ‬
‫رويدا رويدا ‪ ..‬م ّدين ببعض األدوية من أجل ترسيح استباقي ألوردة القلب‪،‬‬
‫كنت خائفا أيضا أل ّن يل قرحا يف املعدة و أل ّن هذا الدواء بإمكانه أن يحدث‬
‫يل نزيفا‪ ،‬لكن مل يكن لد ّي خيار يف ال ّنهاية‪ ،‬قبل أن أنطلق إىل قسم انعاش‬
‫القلب يف العاصمة‪ ،‬أخربوين أ ّن التحاليل البدائ ّية مطمئنة وأ ّن نسبة الجلطة‬
‫يف هذه الحالة تصبح منخفضة‪ ...‬هدأت يف الحقيقة‪ ،‬ربمّ ا هو التّسليم‬
‫أخريا‪ ،‬أو ربمّ ا ألنّني وجدت نفيس بني أيادي أمينة أو ربمّ ا بسبب أ ّن كلّ‬

‫الخميس ‪ 14‬مارس ‪ - 2019‬املوافق لـ ‪ 7‬رجب ‪ - 1440‬العدد ‪77‬‬

‫أنا حزينة جدّا من أجل الصحّة العمومية يف تونس‬
‫د ماجدة السباعي‬

‫ذلك التوتّر تح ّول يف ال ّنهاية إىل اسرتخاء ‪ ...‬وصلت بسالم إىل قسم االنعاش‪ ،‬فوجدت أخو ّي يف‬
‫انتظاري ‪ ..‬قمت بفحوصات أخرى و بإعادة التّخطيط م ّرات عديدة و تناولت بعض األدوية‬
‫األخرى ‪ ...‬التخاطيط الالحقة كانت مطمئنة‪ ،‬و األرجح أنّها كانت أزمة قلب ّية خفيفة ناتجة عن‬
‫املختص وأنّها يف التخطيط تكون شبيهة ج ّدا بجلطة القلب‪،‬‬
‫انهيار عصبي حسب رأي الطّبيب‬
‫ّ‬
‫لكن كان ع ّيل أن أقوم بصور أش ّعة سكانار للتأكّد من سالمة عروق القلب‪ ...‬ال أعرف إن كنت‬
‫أستوعب كلّ ذلك اآلن بعد أن غادرت املستشفى و بعد أن تأكّدت من السالمة اآلنيّة ألوردة‬
‫القلب‪ ،‬األحداث كانت متسارعة ج ّدا و مفزعة ج ّدا و متك ّدسة ج ّدا بعضها فوق بعض إىل‬
‫درجة أ ّن دماغي أرسلها إىل منطقة غريبة من إحدى كهوفه و كأنّها حدثت منذ سنتينْ و ليس‬
‫منذ يومينْ ‪ ،‬ربمّ ا هو نظام حامية نفس ّية يقوم بها دماغي من تلقاء نفسه يك ال أعاود االنهيار‪...‬‬
‫السفرة املفاجئة عرب ال ّزمن‪،‬‬
‫يوم و ليلة أمضيتها يف العناية املركّزة من قسم القلب‪ ،‬كانا مبثابة ّ‬
‫كنت املريض األقلّ خطورة بكلّ تأكيد‪ ،‬تع ّرفت عىل مرىض ربمّ ا أكتب عنهم نصوصا يف م ّرات‬
‫قادمة‪ ،‬رأيت العامل من الضفّة األخرى‪ ،‬بعني أخرى‪ ،‬صديقي الطّبيب األستاذ املساعد الذّي‬
‫تابع حالتي لحظة بلحظة يف ج ّو من الفزع مازحني قائال ‪ :‬ال عليك‪ ،‬فاملخرجون الكبار عادة‬
‫الخاصة و يتح ّولون من مخرجني إىل ممثّلني ‪...‬‬
‫ما يظهرون هم أيضا يف أفالمهم أمام كمرياوتهم ّ‬
‫يف الحقيقة‪ ،‬ذلك جعلني أقف وجها لوجه مع مفارقة‪ :‬هل ع ّيل أن أكون أكرث قربا من‬
‫املرىض بعد أن أخذت مكانهم يف أعرس اللّحظات عىل اإلطالق حيث زارين شبح املوت‬
‫دون مق ّدمات أم أنّه ع ّيل أن أكون أكرث بعدا عنهم من أجل حاميتي الذّاتية؟؟؟‬
‫ال أعرف‪ ،‬كلّ ما أعرفه أنّني أحاول أن أتعامل مع الذّي حدث منذ يومني وكأنّه حدث منذ سنتينْ ‪،‬‬
‫و أ ّن كلّ ما يجب أن أفكّر فيه اآلن هو األرباح الجانب ّية لهذه الوعكة والتفكري فقط يف االسرتخاء‬
‫النص ‪ ...‬‬
‫أكتب هذا ّ‬
‫التّام طوال هذين األسبوعينْ ‪ ...‬أنا اآلن أفضل بكثري يف الحقيقة‪ ،‬ال أعرف ملاذا ُ‬
‫من األكيد أنّني ال أريد أن يقلق أحد من األصدقاء بشأين‪ ،‬و لك ّنه مرض الكتابة‪ ،‬إنّها دودة‬
‫الكتابة التّي تأىب مفارقتي سواء يف األوقات الحرجة أو يف فرتات النقاهة‪ ،‬ال أعرف أيضا إن كان‬
‫ما أكتبه شخصيا بصفة حرصيّة أم أنّه يف اآلن ذاته عمومي ج ّدا ‪ ...‬لك ّنني أعرف أنّه‪ ،‬يف بلدان‬
‫تحرتم نفسها‪ ،‬سوف تقوم ال ّدنيا وال تقعد بسبب كلّ هذا البؤس وكلّ هذه الفوىض التّي يروح‬
‫ضح ّيتها األط ّباء واملرىض عىل ح ّد سواء‪ ،‬إنّها فضيحة عارمة أن يصبح الطّبيب مه ّددا باملوت‬
‫و هو املطالب بإنقاذ املرىض‪ ،‬إنّه من العار أن يت ّم تدمري األطبّاء من قبل هذا ال ّنظام األعمى‪،‬‬
‫بكلّ هذا الح ّد من الغباء والالمباالة والقسوة وأن يصبح املريض يف هذه الحالة العد ّو املبارش‬
‫للطّبيب ألنّه ميكن أن يتسبّب يف انهياره‪ ...‬لكن‪ ،‬يف بالدنا هي ليست سوى مج ّرد تفاصيل‬
‫السنني‪ ،‬يوم من املؤكّد أ ّن كواليسه أكرث غورا و عمقا من‬
‫صغرية ليوم مك ّرر منذ عرشات ّ‬
‫ظواهره مبئات امل ّرات‪...‬‬
‫وأنا تحت وقع هذه الحالة الحرجة‪ ،‬تذكّرت الكثريين‪ ،‬تذكّرت بعض ال ّرفاق واألصدقاء الذّين‬
‫السكانار‪ -‬بحقنة الكونرتاست الحارقة التّي ترسي يف‬
‫خطفتهم املنيّة فجأة‪ ،‬و أنا تحت أشعة ّ‬
‫جسدك دفعة واحدة يك تستق ّر يف النهاية داخل خصيتيك‪ -‬تذكّرت أخي حني تع ّرض لنزيف يف‬
‫دماغه منذ عامني‪ ،‬تذكّرت الطّبيبة الحامل التّي توفّيت أثناء العمل‪ ،‬تذكّرت الطّبيب املنعش‬
‫املحجوز و قد تع ّرض لجلطة يف القلب‪ ،‬تذكّرت بعض املنهارين جسديّا و نفس ّيا عىل مدى سنوات‬
‫الفجئي هنا و هناك يف العمل أو خارجه‪ ،‬تذكّرت الكثريين‪،‬‬
‫من العمل‪،‬تذكّرت بعض حاالت املوت‬
‫ّ‬
‫تذكّرت الكثري من األشياء التّي م ّرت كالفالش السرّ يع داخل خالياي العصب ّية‪ ،‬ولوال اإلرهاق لكان‬
‫نصيّ هذا أطول بكثري مماّ هو عليه إذ أ ّن هناك الكثري من التفاصيل املوجعة األخرى بكلّ تأكيد‬
‫والتي يحاول دماغي اآلن أن يرميها جانبا يك يخفّف عن نفسه الكثري من اإلكتظاظ املفزع‪ ...‬‬
‫يف الحقيقة لقد أغلقت هاتفي‪ ،‬ربمّ ا لن يتس ّنى يل اإلجابة عىل بعض ال ّرسائل‪ ..‬أنا عىل أحسن‬
‫النص‪ ،‬ولكن‬
‫ما يرام يف الوقت ال ّراهن‪ ،‬القليل من اإلرهاق فقط‪ ..‬ربمّ ا كان ع ّيل ألاّ أكتب هذا ّ‬
‫ماذا أفعل‪ ...‬يل نقطة ضعف كبرية تجاه الكتابة‪ ،...‬ربمّ ا هي نوع من العالج كذلك‪ ،‬من يدري؟؟‬

‫السامء تقولني ‪ :‬ما أفضع هذا‬
‫غيوم ّ‬
‫االحساس بالقهر‪ / ‬يف وطن حزين‬
‫‪ /‬حزنه ‪ / ..‬أثقل من الغيامت **‪/‬‬
‫ماجدة‪/‬‬
‫نا حزينة ج ّدا من أجل الص ّحة‬
‫العمومية يف تونس ‪..‬آسفة ج ّدا‬
‫بسبب ما آل اليه املرفق الص ّحي‪ ‬‬
‫أنا الطبيبة التي اخرتت املرفق‬
‫الصحي العمومي عن قناعة راسخة‬
‫وعميقة ومارست فيه مبستوصفاته و‬
‫مستشفياته منذ ما يزيد عن الربع‬
‫قرن وعملت بتفاين و شغف و مح ّبة‪.‬‬
‫محبّة فائقة للتونيس املريض الذي ال خالص له اال يف املرفق العام‪..‬‬
‫ينص دستور البالد عىل حقه‬
‫التونيس البسيط الفقري ‪..‬التونيس الذي ّ‬
‫مؤسساتنا‬
‫يف الصحة و حقه يف الحياة ‪..‬أنا ج ّد مستاءة مماّ يحدث يف ّ‬
‫وأحس باحباط‬
‫الصح ّية عىل اختالفها ويف داخيل بركان غضب‬
‫ّ‬
‫يجعلني أتساءل كيف يل ومن مثيل إكامل مسرية يف قطاع يتقهقر‬
‫كل يوم دون أن نُصاب بخيبة كربى ودون أن يتخلخل توازننا؟‬
‫أليس العمل وسيلة لتأصيل الكيان قبل أن يكون وسيلة اسرتزاق؟‪ ‬‬
‫أنا مكلومة وساخطة مثل جلّ التونس ّيني و مثل كلّ نفس ح ّرة يه ّمها‬
‫من قريب ومن بعيد ه ّم البالد و العباد و نحن نكابد الخيبة تلو‬
‫الخيبة ونعايش األزمة تلو األزمة يف كلّ القطاعات ندرك إىل أ ّي درك‬
‫انحدرنا ونلمس مواقع الوجع الوطني يف أجسادنا و ننام و نصحو‬
‫يسكننا هاجس االنسان املهدور واملقهور اجتامع ّيا يف مجتمعنا‬
‫املريض الذي أصبح االنسان فيه ال قيمة له يف نظر الدولة املريضة‬
‫الساسة الذين أؤمتنوا عىل الذات التونسية و‬
‫بدورها و يف أنظار ّ‬
‫أنيطت بعهدتهم أمانة تسيري الشّ أن العام للمواطنني يف كنف السيادة‬
‫والشفافية‪ ..‬وساستنا منذ تولّيهم املناصب يف كل الحكومات املتوالية‬
‫خالل الثامن سنوات التي خلت يزرعون الوعود يف كل الحقول و‬
‫نحن نحصد ال ّرياح يف كلّ املجاالت وانحازت مراكبهم لرياح ما وراء‬
‫البحار وانحرفت عن التيار الوطني فكان الخذالن و نجحوا يف اغراق‬
‫مراكب األمان التي توصل االنسان التونيس اىل مبتغاه مماّ تيسرّ من‬
‫كرامة حياة ومت ّزق الرشاع يف التعليم والص ّحة وهي اكرث القطاعات‬
‫حساسية‪ ..‬وهل مث ّة أغىل من الص ّحة والحياة؟‬
‫اتّسمت الخدمات الصحيّة بال ّرداءة والنقائص منذ فرتة طويلة‬
‫وكرث الجدل يف امليديا و عند ال ّرأي العام و يف أروقة املشايف حول‬
‫املؤسسات الصحيّة و‬
‫األخطاء الطبية و ازمة ال ّدواء األخرية ونهب ّ‬
‫رجوع االوبئة التي قيض عليها سابقا و كثري من االمراض املرتبطة‬
‫بالفقر والجهل و ظهرت عديد التجاوزات و عرفت الكنام افالسا‬
‫زاد املنضومة عطبا و لك ّن‪ ‬كارثة مستشفى ال ّرابطة أو باألحرى‬

‫جرمية الرابطة هي ذات وقع ال مثيل‬
‫له ه ّزت كلّ البالد من شاملها إىل‬
‫جنوبها و أبكت ال ّرجال قبل النساء‬
‫ألنها زيادة عىل كونها متثّلت يف موت‬
‫جامعي مسرتاب لعدد كبري من ال ّرضع‬
‫رصح به‬
‫ربمّ ا يكون أكرب من العدد امل ّ‬
‫رسم ّيا بل و أيضا هي متثّل قتال رمزيا‬
‫للحس االنساين عند التونيس القرتانها‬
‫ّ‬
‫بحديثي الوالدة ‪..‬هل تدركون االبعاد‬
‫الرمزية للولدان يف التمثّالت املشرتكة‬
‫ألي كائن من يكون‪« ...‬الولدان»‬
‫تحيل اىل البدايات‪ ،‬اىل االنبعاث‪،‬‬
‫اىل التربعم‪ ،‬اىل ابتسامة الحياة عىل‬
‫شفاه الكون‪ ،‬اىل انبثاق مرشوع حياة بكل ما يحويه من شحنة‬
‫أمل وطموح وحامس‪ ‬الولدان هم أحالم يف طور االنجاز ‪..‬هم عطاء‬
‫الطبيعة لالنسان ‪..‬هم تواصل الجنس البرشي والحياة البرشية‬
‫عىل البسيطة‪ ‬فاجعة الرابطة كانت قطيعة حا ّدة مع كل هذه‬
‫التمثّالت يف االوعي للذات التونسية املجروحة واملرشوخة والهشّ ة‬
‫آنفا وسابقا معيش ّيا وثقاف ّيا ونفس ّيا‪ ...‬هي مبثابة رضبة قاضية‬
‫لالحساس املشرتك وقطع ملا تبقّى من حبل رثّ يصلنا باالمل يف‬
‫حياة أكرم وأفضل يستحقها االنسان‪ ‬هذه الحادثة األليمة املسرتابة‬
‫كأين بها افالس نهايئ لكل القيم االنسانية يف هذا الوطن وسقوط‬
‫مد ّوي لكل ال ّرموز و موت لله عىل ح ّد تعبري نيتشة و لالنسان‪.‬‬
‫آآه يا وطني املسافر يف كل أنواع الخيانات ‪..‬إ ّن القتل الرمزي أخطر‬
‫من املوت السرّ يري ‪..‬هل أنت حمل كل هذا الرتاث من االحزان‬
‫والدمار‪ ‬أرجوكم ال تح ّملوا املسؤولية كلّها لطرف واحد ‪..‬لقد قلنا‬
‫الف م ّرة أن السيستام بكامله مريض بأطبائه و تقنييه وبنيته التحتية‬
‫و اداراته وسلطة االرشاف ورشاكاته وكل املسؤولني فيه ويشكو‬
‫نقصا فادحا يف املوارد املادية والبرشية و يشكو من سوء التسيري و‬
‫الحوكمة و من استفحال أزمة ضمري عند الكثري من الجهات لألسف‬
‫والرشيف النزيه إ ّما مستقيل أو يائس‪.‬‬
‫الخوصصة املبالغ فيها والليبريالية الجديدة التي ال تحتكم اال للربح‬
‫التجاري غيرّ ت كل القيم االنسانية املتعارف عليها يف املجال الصحي‬
‫وانقلبت املعادالت‪ .‬الرصاعات الدامئة بني الجهات التقنية والنقابية‬
‫واالدارية استنزفت عديد الطاقات‪ ..‬افالس صناديق التغطية‬
‫االجتامعية وفشل تجربة املنظومة الحالية يف التامني عىل املرض‪..‬‬
‫كل هذا وأكرث افرز استخفافا بالراس مال البرشي ‪..‬‬
‫يطول الحديث وتستنفرين كل العوامل الردئية املتشابكة التي تجتمع‬
‫كل يوم اثناء مامرستنا وتجعلنا محبطون وقلقون و متوترون‪ ..‬أنا عن‬
‫أحس و كأنني ذاهبة اىل الجحيم حني أخرج للعمل‬
‫نفيس رصت ّ‬
‫و حني ألج من باب املستشفى‪ ‬هذا الذي يحدث يف مستشفياتنا‬
‫كارثة بكل املقاييس ونكسة كربى لها نتائج وخيمة عىل الكلّ و‬
‫ذات تداعيات خطرية واعتربها ر ّجة عنيفة البد من التعامل معها‬
‫بحكمة و تعقّل واعتبار ان كان مث ّة من يعترب‪ ‬أنا آسفة صدقا واترحم‬
‫عىل أرواح أطفالنا و أبيك مع األمهات واآلباء و أبيك تونس‪ ..‬لكن‬
‫البكاء لن يغيرّ الوضع بل الب ّد من الوعي بحتم ّية التفكري الج ّدي يف‬
‫بدائل حتّى ننقذ ما ميكن انقاذه واعادة االعتبار اىل املرفق الصحي‬
‫العام الذي ميثل مكسبا حيات ّيا و الب ّد ان نكشف املستور علام و‬
‫أ ّن صفقات أدوية و أمصال وم ّواد طب ّية وجراحية ال تخضع لرقابة‬
‫دقيقة و ال ملواصفات معروفة مخربية وانمّ ا تخضع الحكام سوق‬
‫غرباء يديرها عمالء متنفذون سياسيا و اقتصاديا وتتحكم يف موازينها‬
‫لوب ّيات تجارية تراعي فقط مصالح رشكائها ‪ ..‬هكذا صارت تدار‬
‫األمور أما حياة الناس فمسألة ثانوية ‪..‬هذه حقيقتنا لالسف ومن‬
‫يعرف هذا ومت ّر بني يديه ال ّدفاتر «عني شافت وعني ما شافتش»‬
‫إ ّما خوفا وإ ّما طمعا‪ .‬املرض واملوت عادالن يصيبان كل الناس دون‬
‫حق ال جدال فيه والعمل عىل ترسيخ‬
‫تفرقة ودون انحياز‪ .‬والص ّحة ّ‬
‫هذا الحق لكل املواطنني سواء معركة نضالية طويلة املدى جديرة‬
‫بالتفكري وبالتعبئة عىل كل املستويات وتتطلب ارادة سياسية‬
‫فوالذية‪ ..‬ولكننا سنخوضها حتام‪ ‬‬

‫‪14‬‬

‫الخميس ‪ 14‬مارس ‪ - 2019‬املوافق لـ ‪ 7‬رجب ‪ - 1440‬العدد ‪77‬‬

‫حوار منارات مع األديبة والحقوقية ‪ :‬كاهنة عبّاس‬

‫مشروع املساواة يف اإلرث وضع على كاهل املرأة واجب اإلنفاق على األسرة ‪..‬‬

‫هي أديبة ومحامية وصحفية ‪ ،‬تحمل اسام مثقال بالرمزية وهي سليلة العالّمة املصلح‬
‫سامل بوحاجب‪ ،‬عملت يف مجلّة املغرب وحقائق ونرشت العديد من املقاالت باللغتني العربية‬
‫القصة‬
‫والفرنسية‪ ،‬صدر لها يف الشعر «رؤى» سنة ‪ 1997‬ويف الرواية «غريبان» سنة ‪ 2003‬ويف ّ‬
‫«كش ملك» سنة ‪ ،2015‬لفتت االنتباه يف الفرتة األخرية مبقاالتها املوضوعية الجادة عن الواقع‬
‫السيايس واالجتامعي يف تونس ومبوقفها من مرشوع املساواة يف اإلرث‪ ،‬ولعل انشغاالتها‬
‫الحقوقية وامتالءها الثقايف جعلها بعيدة عن االصطفاف وراء لوبيات األدب والربوز بالشكل‬
‫الذي تستحقة‪ .‬وجهات نظر تكشف وعي املرأة التونسية بواقعها ومواقف عىل غاية من العمق‬
‫والدراية كشفها هذا الحوار معها‪( .‬رشيدة الشارين)‬
‫‪ 1‬ـ ورثت اسما مثقال بالرمزية و التراجيديا ‪ ،‬كيف‬
‫تتعايشين مع الكاهنة التي فيك ؟‬
‫حكمت الكاهنة الرببرية إفريقية‪( ‬املغرب العريب حاليا) واستامتت يف الدفاع‬
‫عن وطنها ‪،‬فأصبحت أيقونة بكل املعاين واملقايسس‪ ،‬ويف الحقيقة‪ ،‬ال أشعر‬
‫أنني قريبة منها لتمتعها بخصال بطولية‪ ،‬اختلطت فيها األسطورة بالحقيقة‬
‫التاريخية‪.‬‬
‫أول عالقة نشأت بيننا عىل املستوى الرمزي (مع اختالف املرحلة التاريخية‬
‫واملوقع والدور)‪ ،‬كان مصدرها ندرة اسمها وعدم انتشاره‪ ،‬األمر الذي بعث يف‬
‫نفيس منذ الطفولة اإلحساس بالتفرد‪ ،‬مل أكن أدرك آنذاك أنها صفة يتمتع بها‬
‫كل إنسان باعتباره كائنا متميزا يختلف عن اآلخرين‪ ،‬فقد علمت ذلك يف ما‬
‫بعد ‪ ،‬واستمر الرابط الذي يجمعنا إىل يومنا هذا‪ ،‬وبقي قامئا عىل اإلحساس‬
‫بالتفرد والتشبث بالوطن‪.‬‬
‫أظن أن كل‪ ‬وعي بالتفرد يحمل يف طياته بذور الرتاجيديا‪ ،‬ألننا لن نوجد إال‬
‫مرة واحدة فقط‪.‬‬
‫أحب إليك؟‬
‫‪ 2‬ـ كتبت الشعر والقصة والرواية واملقالة‪ ،‬أ ّي جنس أديب ّ‬
‫كانت باكورة أعاميل األدبية ‪ :‬مجموعة من النصوص الشعرية صدرت عن‬
‫دار سحر للنرش سنة ‪ 1997‬بعنوان «رؤى» وكام يدل عنوان الكتاب‪ ،‬حاولت‬
‫آنذاك أن أبحث عن صيغ جديدة لكتابة الشعر‪ ،‬للتعبري عن الواقع‪ ،‬من‬
‫وجهة نظر ذاتية‪ ،‬إميانا مني‪ ،‬بأننا ال نرى العامل كام هو‪ ،‬بل كام ندركه ونشعر‬
‫به‪ .‬ثم واصلت الكتابة بإصدار رواية «غريبان» عن نفس الدار سنة ‪2003‬‬
‫وكان موضوعها البحث املستمر يف ماهية اللغة واإلنسان والعامل‪ ،‬اتخذت‬
‫صيغة حوار يدور بني شخصيتني (السيد وسلمى) حول املوت والحياة ومعنى‬
‫الوجود اإلنساين‪.‬‬
‫ثم أصدرت مجموعتي الشعرية الثانية بعنوان «حديث الذاكرة» سنة ‪2006‬‬
‫عن دار كونرتاست للنرش‪ ،‬وكانت تصف عالقتنا بالزمن وتطرح األسئلة التالية‪،‬‬
‫مل تحتفظ الذاكرة ببعض الذكريات دون أخرى؟ ما هي املعاين والصور التي‬
‫قد تتخذها مبرور الزمن‪ ،‬وهل هي مغايرة للتجربة امللموسة‪ ،‬كام خربناها‬
‫أم ال؟‬
‫وبعد انقطاع دام عرشية كاملة‪ ،‬عدت إىل الكتابة بروح مغايرة بعد حدوث‬
‫تحول عميق‪ ،‬إذ أصبح «الحدث االجتامعي‪ ،‬السيايس والتاريخي « ليس ملهام‬
‫للكتابة األدبية فحسب بل ونواتها النابضة‪ ،‬فانتقلت من الكتابة الفكرية‬
‫الشعرية إىل الكتابة الواقعية ومن التجربة الفردية إىل التجربة الجامعية‪.‬‬
‫تحقق ذلك‪ ،‬عندما رشعت يف كتابة القصة القصرية وتبني الواقعية يف بعض‬
‫القصص التابعة ملجموعتي القصصية‪ ،‬الصادرة عن دار نريفانا للنرش‪ ،‬بعنوان‬
‫«كش مات» سنة ‪2015‬‬

‫لكن القطيعة مل تكن تامة‪ ،‬إذ مازلت من خالل كتابة املقالة‪ ،‬أحاول مساءلة‬
‫اللغة العربية يك تتجاوز النقل واإلنشاء‪ ،‬فتصبح قادرة عىل توليد املعنى‪ ،‬مل‬
‫أقطع إذا‪ ،‬متاما ‪،‬مع منهجي األول يف االشتغال عىل اللغة الستكشاف الواقع‪،‬‬
‫بل أصبحت أؤمن بالجدلية املستمرة بني اللغة والواقع‪.‬‬
‫ما أطمح إليه‪ ،‬مستقبال هو العودة إىل الرواية وتجاوز املنحى التجريبي وإثراء‬
‫التجربة الواقعية‪.‬‬
‫‪ 3‬ـ تحفر أقاصيص مجموعتك األخيرة «كش‬
‫مات» في الذات اإلنسانية وتكشف الواقع‬
‫المتأزّم ‪ ،‬هل هي رصد للمتغيّرات بعد ‪ 2011‬؟‬
‫يتعلق الجزء األول من مجموعتي القصصية «كش مات‪  « ‬باإلنسان بخفاياه‬
‫وذاتيه وأزمته وعالقته باآلخر‪ ،‬أما الجزء الثاين فتناول مراحل الثورة التونسية‬
‫وما عشناه من أحداث ‪ :‬االغتياالت‪ ،‬اعتصام باردو‪ ،‬انهيار النظام البائد‪ ،‬كنت‬
‫وأنا أكتب قصة «الرضيرة» التي هي يف الحقيقة «تونس»‪ ،‬تسكنني مخاوف‬
‫قيام ديكتاتورية دينية أو حرب أهلية‪،‬حدث ذلك سنة ‪ 2013‬حني كانت بالدنا‬
‫متر مبرحلة تاريخية حرجة النقسام املجتمع التونيس إىل إسالميني وحداثيني‬
‫وللرصاعات السياسية التي بلغت أشدها آنذاك‪ ،‬اليوم وبعد مرور خمس‬
‫سنوات‪ ،‬أرى أن املخاطر مازالت محدقة بتونس رغم نجاتها من التقاتل‬
‫الداخيل‪ ،‬فلم تتجاوز الطبقة السياسية الرصاع حول السلطة ‪،‬ومل تكرس‬
‫جهودها بعد لتحقيق املصلحة العامة‪.‬‬
‫‪ 4‬ـ كيف حافظت على روح المبدعة فيك وأنت‬
‫تتعاملين مع الجريمة واللؤم البشري في مهنتك؟‬
‫ما األدب في غياب تجربة إنسانية ثرية ؟‬
‫من وجهة نظري‪ ،‬األدب ليس امتالكا بناصية اللغة فحسب‪ ،‬وال اتخاذ موقف‬
‫إيديولوجي من قضية اجتامعية أو سياسية‪ ،‬فليك يكتسب الكاتب القدرة‬
‫عىل وصف متناقضات اإلنسان‪ ،‬البد أن يعيش تجربة إنسانية ثرية‪ ،‬واملقصود‬
‫بالرثاء يف هذا السياق ‪ ،‬هو اكتشاف تداخل الخري والرش ومواجهة التناقضات‪،‬‬
‫التي غالبا ما نغض الطرف عنها إىل أن تفاجئنا‪ ،‬فسنة الحياة هي التحول ال‬
‫االستقرار‪.‬‬
‫وقد فتح يل القضاء مجال التعرف عىل هذا التداخل بني قيم الخري والرش‪،‬‬
‫والتناقضات التي يعيشها مجتمعنا وهشاشة اإلنسان وضعفه يف مواجهة‬
‫بعض الصعاب‪.‬‬
‫واملحكمة هي ملجأ للناس‪ ،‬لطلب العدل واإلنصاف‪ ،‬ولفض جل خالفاتهم‬
‫والتخلص من معاناتهم‪ ،‬من يستنجد بها غالبا‪ ،‬ليس املقتدر مبعنى الجاه‬
‫والسلطة‪ ،‬بل الفقري الضعيف واملضطهد‪ ،‬وقبل الثورة مل يتوفر لدينا ال‬
‫كشعب وال كنخب الوعي بواقعنا‪ ،‬الن السلطة كانت تستعمل كل السبل من‬
‫أجل تغييبه لفرض خطابها‪ ،‬فكانت املحكمة مرآة له يف بعض جوانبه ‪،‬العديد‬
‫من الكتاب يف العامل العريب أو خارجه‪ ،‬اشتغلوا بالقضاء أذكر منهم عىل سبيل‬
‫املثال ال الحرص‪ ،‬توفيق الحكيم‪.‬‬
‫أعتقد أن التجربة اإلنسانية باختالف مفاهيمها هي التي جعلت بعض‬
‫الروايات ترتقي إىل املستوى العاملي‪ ،‬ألنها دفعت ببعض الكتاب إىل خلق‬
‫عوامل يف قمة التعقيد والرثاء محملة بالعديد من األسئلة واألجوبة‪.‬‬

‫وعلينا‪ ،‬إعادة النظر يف عالقتنا باللغة العربية حتى ال تصبح هي الهدف‬
‫من كل إبداع‪ ،‬ومن األيديولوجيات حتى ال تحد من أفق الكاتب‪ ،‬أن نعتني‬
‫باإلنسان ليصبح مركز اهتاممنا‪.‬‬
‫‪ 6‬ـ هل ألهمتك مهنتك كتابة القصّة ؟‬
‫نعم‪ ،‬فقصة «كش مات»‪ ،‬هي وصف دقيق ملراحل محاكمة املتهم يف بالدنا‬
‫من إيقاف إىل استجواب إىل محاكمة‪ ،‬مل أضف تقريبا شيئا‪ ،‬سوى التعمق يف‬
‫وصف ورسد مشاعر الشخصية األساسية‪ ،‬رغم أن القصة ليست واقعية وال‬
‫حتى مستلهمة من الواقع‪ ،‬كانت من محض خيايل ‪.‬‬
‫‪ 7‬ـ تحتفل تونس قريبا باليوم العالمي للمرأة‪،‬‬
‫كيف ترين مشروع المساواة في الميراث من‬
‫وجهة نظرك كحقوقية ؟‬
‫لقد أعاد مرشوع لجنة املساواة والحريات النظر عىل مستويني ‪:‬األول يتعلق‬
‫بعالقة الفرد بالدولة‪ ،‬بأن منحها دور حامية الفرد وضامن حرياته الفردية‪،‬‬
‫والثاين يتعلق بالعالقات األرسية‪ ،‬بأن أصبحت قامئة عىل املساواة وتقاسم‬
‫املسؤوليات بني املرأة والرجل وهي املسائل مل يقع طرحها بالجدية والعمق‬
‫الرضوريني‪ ،‬بينام وقع الرتكيز عىل مسألة املساواة يف اإلرث ألسباب دينية‬
‫سياسية‪ ،‬والحال أن املرشوع ولنئ أقر املساواة يف اإلرث‪ ،‬إال أنه منح املرأة‬
‫اختيار تطبيق قانون املواريث الحايل ‪ ،‬فأين املشكل ؟ ال ننىس أن املرشوع‬
‫وضع عىل كاهلها واجب اإلنفاق عىل األرسة إن كان لها مال وأعفى الرجل‬
‫من واجب اإلنفاق عليها يف هذه الصورة‪.‬‬
‫إن مسألة املساواة يف اإلرث مرتبطة مبفهوم املواطنة و مبسألة توزيع الرثوة‪،‬‬
‫وهي من القضايا األساسية‪ ،‬وكام أرشت املرشوع يطرح أكرث من مسألة وإشكال‬
‫ال يسعها هذا املجال‪ ،‬تتطلب حوارا وطنيا بل وبحوثا ألنه يؤسس لقيم أخرى‬
‫مثل «الفرادنية ‪ ،Individualisme‬ولبنية اجتامعية وسياسية مغايرة للبنية‬
‫الحالية‪ ،‬فعىل املستوى االجتامعي لن يتنازل الرجل عن امتيازاته‪ ،‬حتى وإن‬
‫ألزمت املرأة باإلنفاق عىل األرسة‪ ،‬وأصبحت لها نفس الحقوق وواجبات‪ ،‬كام‬
‫جاء باملرشوع‪.‬‬
‫ومع ذلك أرى أن مراجعة قانون املواريث الحايل أمرا رضوريا‪ ،‬فاألخ مثال‬
‫ليس ملزما قانونا باإلنفاق عىل أخته إذا مل يكن لها مال وال عائل‪ ،‬رغم أنه‬
‫يرث ضعف ما ترث‪.‬‬
‫‪8‬ـ كشفت الثورة عن فكر رجعيّ ومتشدّد لدى‬
‫شريحة من النساء في تونس‪ ،‬ما هي أسباب ذلك‬
‫برأيك؟‬
‫هناك أسباب عديدة‪ :‬القيم الذكورية التي تضع املرأة يف موقع املتبوع‬
‫وتجعلها يف حاجة ماسة إىل الشعور باالنتامء‪ ،‬الفقر‪ ،‬الجهل‪ ،‬الشعور بالعدمية‬
‫وفقدان أي معنى للحياة‪ ،‬الخوف من الحرية ومن تحمل املسؤولية‪ ،‬إىل‬
‫جانب األسباب الخارجية منها محاولة إجهاض املسار الدميقراطي‪ ،‬ألنه يهدد‬
‫مصالح اقتصادية وسياسية لبعض الدول‪.‬‬
‫أما السبب األسايس من وجهة نظري‪،‬فيتمثل يف ضعف الثقافة وارتباطها‬
‫بالشأن السيايس‪ ،‬فقد راهنت دولة االستقالل عىل حداثة مؤسساتية قانونية‪،‬‬
‫دون أن تكون ثقافية‪ ،‬أي دون أن متنح املثقفني إمكانية االنتشار والتأثري‬
‫خارج بوتقة الوالء للسلطة‪ ،‬ومل تراهن عىل البحث العلمي‪ ،‬يك تدفع باملجتمع‬
‫إىل إنتاج للمعرفة وإىل تغيري يف العقليات أي إىل حداثة نابعة منه‪.‬‬
‫فام إن تهيأت الظروف السياسية بعد الثورة‪ ،‬حتى برز الفكر املتطرف من‬
‫جديد‪ ،‬خاصة‪،‬عند تقلد الرتويكا الحكم‪.‬‬
‫‪9‬ـ أنت حفيدة المصلح سالم بو حاجب‪ ،‬هل ترين أن‬
‫مشروعه اإلصالحيّ مازال متواصال في تونس؟‬
‫نعم‪ ،‬العالمة الشيخ سامل بوحاجب هو جد جديت من جهة األب املرحومة‬
‫خديجة بوجاحب‪ ،‬كان مصلحا وفقيها تنويريا‪ ،‬اتبع املنهج املقاصدي‬
‫يف تأويل النص الديني الذي يعتمد العقل‪ ،‬هو من رواد النهضة العربية‬
‫اإلسالمية‪ ،‬د ّرس الفقه طيلة عقود طويلة وأنجز بعض املهام السياسية ‪،‬نادى‬
‫برضورة إدماج العلوم الحديثة يف التدريس وتحديث املجتمع مع املحافظة‬
‫عىل أصالته‪ ،‬كتب الشعر وكان عاملا باللغات األجنبية (االيطالية) متفتحا‪،‬‬
‫عاش يف آواخر القرن التاسع عرش وبداية القرن العرشين(‪ )1824-1924‬أما‬
‫عن استمرارية فكره اإلصالحي‪ ،‬فقد استندت جل التيارات السياسية سواء‬
‫اإلسالمية منها أو الحداثية بعد الثورة التونسية إىل الفكر اإلصالحي التونيس‬
‫(كان العالمة سامل بوحاجب من أبرز رواده)‪ ،‬متمسكة مبقولة التوفيق بني‬
‫الحداثة واألصالة‪ ،‬حسب رأيي علينا االستفادة من منهج رواد النهضة الذي‬
‫يعتمد العقل قبل النقل وتجاوز مقولة التوفيق بني األصالة والرتاث وتحديث‬
‫الرتاث أي قراءته بعيون معارصة ‪.‬‬

‫‪15‬‬

‫الخميس ‪ 14‬مارس ‪ - 2019‬املوافق لـ ‪ 7‬رجب ‪ - 1440‬العدد ‪77‬‬

‫رواية «نوبات «لنورة عبيد و معاوية الفرجاني‪:‬‬

‫تأمّالت يف الخطاب الواصف‬
‫رياض خليف‬

‫مل يعد الخطاب الواصف أو الخطاب‬
‫امليتاروايئ إطاللة عابرة و محدودة‬
‫لصوت املؤلف عىل النص السرّ دي‬
‫لش ّد أزر سارده املتخ ّيل بل تضخّم و‬
‫أصبح يحتلّ مساحات كبرية يف ال ّرواية‬
‫العربيّة الفتة لالنتباه و مثرية للتّساؤل‪.‬‬
‫إ ّن هذه اإلطالالت امليتا روائ ّية‬
‫تش ّعبت و تن ّوعت و خرجت عن‬

‫وظائفها التّقليديّة الشارحة‬
‫و لعلّ هذا بعض ما نلمسه يف رواية «نوبات» التي يتّسع خطابها الواصف و‬
‫يفرض حضوره جنبا إىل جنب مع حكايتها‪.‬‬
‫نوبات رواية‪:‬‬
‫قبل الغوص يف هذا الخطاب ال ب ّد من االنتباه إىل طبيعة كتابة هذه ال ّرواية‬
‫فهي تجربة أخرى يف الكتابة الثنائية املشرتكة يشرتك فيها معاوية الفرجاين‬
‫و نورة عبيد و مماّ ال ّ‬
‫شك فيه أ ّن هذه الكتابة لها متطلّباتها طرافتها وهي‬
‫تدور يف أفق تجاوز رواية الصوت الواحد سارد و مؤلّفا‪..‬ويبدو أن الروائيني‬
‫قد دخال منطقة السارد باعتبارهام راويني‬
‫لنص العقد الذي افتتحت به الرواية‬
‫أو ساردين وهو ما يوحي به إمضاءهام ّ‬
‫و هو نص تعاقد بني الراوي األول والثاين والقارئ يف نفس الوقت‪.‬و لك ّنهام‬
‫يخرجان من حني ألخر ويستعيدان صفتيهام ككاتبني ويواكبان كتابة ال ّرواية‬
‫من خارج النص عرب استطرادات مختلفة وهو ما وفّر مساحة ميتاروائيّة ها ّمة‬
‫جديرة بالبحث‪.‬‬

‫«نوبات» عنوانا‪:‬‬

‫يعترب العنوان عتبة نصية ها ّمة وهو مبثّل بدوره خطابا واصفا قا ّرا يف مختلف‬
‫األعامل ويكتيس وظائف عديدة‪.‬فهو استباق لل ّن ّص وتقديم بليغ له ال يخلو‬
‫من دالالت تتعلّق باملحتوى أو األسلوب‪.‬و لعلّنا يف هذا ال ّن ّص ال ّروايئ نجد‬
‫أنفسنا أمام مصطلح يف صغة الجمع ت ّربره العناوين الداخلية التي تكشف‬
‫تقسيم الرواية إىل عرشين نوبة‪.‬و ال يخلو اعتامد هذا املصطلح من تنافر‬
‫املوسيقي‪.‬ولعلّ هذا التّنافر‬
‫مع طبيعة العمل األديب فهو قادم من املجال‬
‫ّ‬
‫هو الذي يساعدنا عىل استكشاف دالالت هذا العنوان و الشحنات املع ّبأة‬
‫داخله‪.‬ويف الحقيقة ال ميكن قرص حضور مصطلح النوبة يف جانبه املوسيقي‬
‫باعتباره محبوبا من الراوي «أحب من النوبة التوشية‪،‬أحب يف هذا الطور ما‬
‫يتخللها من ارتجاالت عىل مختلف اآلالت املوسيقية بعد أن تفتتح عىل إيقاع‬
‫الربول وتغلق بإيقاع البطايحي وأحب يف األدراج استهاللها اإليقاعي الرسيع‬
‫إيقاع الهروب‪»...‬و لكن الكتابة ترتقي عند الكاتبني إىل هذا املصاف املوسيقي‬
‫فتصبح كتابة ال ّرواية حالة من التّو ّحد واالنصهار واملتعة‪...‬حالة من الخيال‬
‫الخلاّ ق املندمج يف فعل الكتابة و عواملها ولعلنا هنا نحيل عىل الطابع الصويف‬
‫الصوف ّية وما فيها‪.‬‬
‫للمصطلح وعالقة النوبات بالشطحات ّ‬

‫و لكن مصطلح ال ّنوبات يط ّوح بنا إىل‬
‫الخطاب الرتايث السياحي يف هذه ال ّرواية‬
‫فهو عىل صلة باملوسيقى والتصوف وبرتاث‬
‫فضاء الرواية ذي املرجعية التاريخية‬
‫االندلسية‪.‬فال ّرواية تنطلق من فضاء‬
‫فرع املعهد الوطني للرتاث بالجهة الذي‬
‫تشتغل فيه أغلب شخصيّات ال ّرواية و هي‬
‫تدور يف جهة الوطن القب ّيل الثرّ يّة برتاثها‬
‫وسياحتها‪.‬هذه الجهة التي تحتفي بها‬
‫ال ّرواية وتتّخذها إطارا مغريا «يكفي أن‬
‫تكون بالوطن القبيل حتى تقودك قدماك‬
‫اىل التاريخ ترويه اآلثار الدالة عىل مرور‬
‫الحضارات من الهوارية القرطاجية و‬
‫كركوان البونية وقليبية الرومانية وحصنها‬
‫البيزنطي و أسوارها األغلبية» ‪.‬فالقارئ يجد‬
‫نفسه سائحا بني مواقع هذه الربوع الرتاثيّة‬
‫السياح ّية (سيدي الجديدي‪ -‬منزل متيم‪-‬‬
‫و ّ‬
‫دخلة املعاويني‪-‬الحاممات‪....‬ألخ) ‪.‬فعنوان‬
‫نوبات عنوان واصف لطريقة الكتابة‬
‫وتقسيم الفصول ولحالة الكتابة ولفضاء‬
‫ال ّرواية ‪.‬‬

‫حكاية الكتابة‪:‬‬

‫يخصص املنت وقفات متن ّوعة للخوض يف سرية كتابة ال ّرواية بدء من ظهورها‬
‫ّ‬
‫كفكرة حتّى االحتفاء بإمتامها و توجيهها نحو ال ّنرش منطلقا من عقد أد ّيب‬
‫حامل لرغبة باذخة يف الكتابة ‪».‬شهرزاد تدخل النهار يف الليل والنهار يف‬
‫الليل توقف الوقت بنبض الشفاه لتستمر الحكاية‪...‬ال سيف يف غمده ليشهره‬
‫شهريار فقط مداده مدادها والكلامت‪.‬سيمكث يف بيت الرواية سيحبه ولن‬
‫تضيع الكتابة‪.‬لن يقطع علينا الطريق وسيظل امللح يف التفاصيل»‬
‫و تطرح االستطرادات مراحل كتابة ال ّرواية وتواصل الكاتبني حولها»»مل نلتق‬
‫حول هذه الرواية الفكرة إال مرة واحدة اتفقنا إننا مؤمنان ‪.‬مؤمنان بهذا‬
‫الجنون بحكمته وانطلقنا نسري املركب او هو يسري بنا‪« ...‬‬
‫ويعرض هذا الخطاب اسرتاتيجيا الكتابة و التّخطيط لل ّرواية وعتباتها « لن‬
‫يكون لنا سيناريو جاهز هكذا اتفقنا تكفينا رسالتان عطر البداية وانطلقنا‪.‬‬
‫ثاين اللقاء كان تثبيتا للهمة‪.‬حفزا كان وإميانا بالوصول ‪.‬الثامن من جانفي كان‬
‫رؤيا االكتامل مايشبه القمر ‪.‬استرشاف املرىس‪:‬‬
‫اإلهداء قد ال نحتاجه‪.‬كل الناس أهل له‪.‬فام جدوى التخصيص؟التقديم‬
‫الرواية تهب نفسها لقرائها دون وسيط النوبات قد تحتاجها األسامء‪»...‬‬
‫و إذا كانت اللغة الواصفة مواكبة لفعل الكتابة فهي أيضا مواكبة لفعل‬
‫التّخييل و ناقدة له وهي تخرج عن تواصلها مع القارئ إىل تواصل خيا ّيل‬
‫مع الشّ خص ّيات‪.‬‬

‫سيرة التخييل ‪:‬‬

‫يتعلق الخطاب يف هذا املستوى بتخييل‬
‫األحداث و تحريكها فنجد حديثا عن‬
‫سيناريو األحداث «‬
‫ملاذا قضينا منذ البدء مبوتك يا هادي؟امل‬
‫يكن مثة سيناريو أخر لهذه الحكاية‬
‫دون رحيلك؟أصدقك القول يا هادي‬
‫‪:‬رصت احبك‪.‬أحببت لعبك واليانا أحبت‬
‫صباك‪.‬‬
‫مل عجلنا يقتلك لو أمكن أن نعدل‬
‫السرية سريتك واألسامء والرصاصة أكان‬
‫ينبغي إن تزور صدر أنيس ويقوى‬
‫النزيف؟أينبغي أن يرحل هو األخر؟»‬
‫و يطالعنا حديث عن استقاللية‬
‫الشخصيات الخياليّة وهو نوع من‬
‫تشخيصها و أنسنتها فهي شخصيات‬
‫مستقلة عن السارد» يغمرين إميان‬
‫إنها تنطق بغري ألسنتنا إنها بلسانها‬
‫تنطق فقط نحن نرجح أصواتها ونتبع‬
‫أصداءها لنثيتها عىل صفحات البياض‬
‫«وهي أيضا شخص ّيات لها أحاسيس‬

‫السارد‬
‫متارسها تجاه ّ‬
‫«رأيت يف عيونهم عتبا ولوما»‬
‫فاللغة الواصفة تؤنسن الشخص ّيات و تخرجها من طبيعتها الورق ّية املتخ ّيلة‪.‬‬

‫ذاكرة ثقافيّة‪:‬‬

‫و لكن اللغة الواصفة تخرج أحيانا عن عوامل النص لرتتطم بخارجه وتتسع‬
‫لتلتقط شيئا من الذاكرة الثقافية من ذلك إحالتها عىل فرتة ثقافية بارزة‬
‫عاشتها كلّ ّية اآلداب منوبة وأسهمت يف والدة جيل ثقايف أخذ اآلن مكانه بق ّوة‬
‫يف املشهد الثقايف‪.‬فريد ذكر فضاء حسني بوزيان الثقايف و أبرز تظاهراته وهو‬
‫ملتقى الشعراء الطلبة»هنا واقصد طيلة أيام امللتقى ترى املذيعني ومقدمي‬
‫الربامج الثقافية التلفزية ومراسيل األخبار الجهوية والنرشة الرئيسية لألنباء‬
‫والبد أن تلتقط وجهك عدسة ما‪»...‬‬
‫ويحيل السرّ د عىل األسامء العربية التي كانت تؤثّث هذا الحدث الثّقايف‪:‬‬
‫«هنا سلمت عىل شعراء األمة العربية درويش ‪،‬البيايت وسعدي يوسف‪.‬هنا‬
‫قال الصغري أوالد احمد نحن قردة هذا صحيح‪.‬لكن أين األشجار؟»‬
‫لقد حجب الخطاب امليتاروايئ يف هذا املقال الكثري من غابة هذا ال ّن ّص ال ّروايئ‬
‫الذي يثري قضايا متن ّوعة ويستوقف قارئه عند إضاءات عديدة فللنوبات‬
‫يس واالجتامعي أيضا وهو ما ال تتسع‬
‫خطابها التاريخي و الجغرايف والسيا ّ‬
‫له املساحة املتاحة‪.‬‬

‫قصة قصيرة‪:‬‬

‫طيف‬
‫سفيان بن عون‬

‫حملت «سكريت» وضعتها يف سياريت تلك كانت عاديت بعد أن أنهي‬
‫دريس ‪.‬توقع املتعة ‪...‬الفرح إهتزازات الشوارع‪ .‬السامء و بحثي عن‬
‫القمر يف غري وقته كل ذلك كان مصدر سعادة ال متناهية ‪....‬أستفيق‬
‫صباحا أطل من نافذة مغلقة‪... .‬مير أيب مرسعا أمد يدي من البلور ال‬
‫أمسكه‪.‬أمد للبلور قلبي يتكرس‪.‬‬

‫‪16‬‬

‫الخميس ‪ 14‬مارس ‪ - 2019‬املوافق لـ ‪ 7‬رجب ‪ - 1440‬العدد ‪77‬‬

‫دارات‬

‫إص‬

‫مكتبة منارات ‪ :‬بقلم سعدية بن سالم‬

‫تتميّز مكتبة منارات لهذا الشّ هر بالتن ّوع والتجدّد‪ ،‬التن ّوع يف مستوى الجنس‪ ،‬إذ ننظر يف أجناس إبداعيّة مختلفة (رواية ومجموعة قصصيّة وكتاب شعر)‪ ،‬والتجدّد يف مستوى األسامء املبدعة إذ نقرأ للم ّرة األوىل لعيل عبد الوهاب الخليل وهادي الخرضاوي‬
‫ورماح بوبو‪ .‬ثالثة أعامل جديدة كُتبت مبذاقات مختلفة نرجو أن تصل إىل القارئ وأن يستمتع باالطّالع عليها‪.‬‬

‫كفاك يا قلب‪ ،‬سيرة ذات ّية بطعم الفن‬

‫يعلن الغالف أنّها رواية‪ ،‬وهي صادرة يف طبعتها‬
‫األوىل عن دار البدوي للنرش والتوزيع سنة ‪،2018‬‬
‫ويكشف التقديم الذي كتبه مح ّمد البدوي مبع ّية‬
‫نجاة املازين‪ ،‬أنّه سرية ذات ّية‪ ،‬وميعنان يف تقديم‬
‫التفصيالت التي غفل عنها الكاتب ويف ر ّد اإلشارات‬
‫املبهمة لألسامء إىل مرجعها الواقعي‪ .‬وبني الرواية‬
‫والسرية يجد القارئ نفسه مجربا عىل البحث يف‬
‫حدود كلّ منهام‪.‬‬
‫قسم عيل عبد الوهاب الخليل «سريته» إىل مثانية‬
‫ّ‬
‫عرشا فصال‪ ،‬تتبع فيها مولد «البطل»‪ ،‬وتد ّرجه‬
‫العلمي والعم ّيل متوقفا عند املحطّات امله ّمة يف‬
‫متش يغلّب طابع السرية املسكوت‬
‫حياته‪ ,‬وهو ّ‬
‫خاصة إذا أضفنا صورة الغالف وما‬
‫عنه عىل ال ّرواية ّ‬
‫صاحبها من تعليق‪« :‬من منازل توزر‪ ،‬دار جدود‬
‫املؤلّف ج ّد األب عىل الشّ امل وج ّد األ ّم عىل اليمني»‪.‬‬
‫مرسحي ومخرج‬
‫وعيل عبد الوهاب الخليل هو‬
‫ّ‬
‫سيناميئ‪ ،‬أخرج سنة ‪ ،1969‬رشيط «أ ّم عبّاس»‬
‫الذي يعترب عالمة من عالمات الشينام يف تونس‬
‫والذي لعبت دور البطولة فيه املرحومة «الزهرة‬
‫خصص جزءا كبريا من عمله للحديث‬
‫فايزة»‪ ،‬وقد ّ‬
‫عن عالقته بالوسط الف ّني وشغفه بعاملي السينام‬
‫واملرسح وعالقته باملمثلة الكبرية التي ك ّنى عنها‬
‫باسم «ما ّما» وهو اللقب الذي كان يُطلق عليها‬

‫دون أن يذكرها رصاحة‪ ،‬وهي التي كانت زوجته‬
‫رغم الفارق الكبري يف الس ّن بينهام‪ ،‬وملن يريد‬
‫االطّالع عىل تفاصيل تلك العالقة وما عاشته من‬
‫ه ّزات بإمكانه االطّالع عىل كتاب» كفاك يا قلب»‪.‬‬
‫خفي‪،‬‬
‫و»السريي» يف هذا ّ‬
‫بني الروايئ ّ‬
‫النص رصاع ّ‬
‫سعى الكاتب أن متيل فيه الكفّة إىل ال ّروايئ‪ ،‬وأبت‬
‫السرية‪ .‬استبدل‬
‫األحداث إالّ أن تش ّد العمل إىل ّ‬
‫الكاتب اسمه باسم متخ ّيل قريب منه يف الخصائص‪،‬‬
‫«عبد الله السعيد» عوضا عن «عيل عبد الوهاب»‪،‬‬
‫وكالهام اسم مركّب من اسمني‪ :‬األ ّول عبد الله‬
‫السعيد املتك ّون من اسمني دون ذكر اللقب‪ ،‬والثاين‬
‫ّ‬
‫عيل عبد الوهاب وهو اسم ثنا ّيئ أيضا دون اللقب‪،‬‬
‫ولهذه التسمية املركّبة حكاية يرويها الكاتب‬
‫فيقول‪« :‬ومل يكتمل فرح هذا اليوم حتّى قامت‬
‫زوبعة كادت أن تحرق األخرض واليابس بني الوالد‬
‫وجدّي الحسني‪ .‬هذا يريد أن يس ّمي ابنه البكر‬
‫تخليدا السم أبيه الذي كان وكان‪ ...‬وذاك يريد أن‬
‫يطلق عىل املولود اسم ابنه املتوفىّ حديثا‪ ..‬تواصل‬
‫الخالف عش ّية كاملة وحلّ الليل ومل يصل األهل إىل‬
‫الصبح تسلّل كلّ‬
‫حلّ يريض الجميع‪ ...‬وبعد صالة ّ‬
‫من الخصمني خلسة إىل مق ّر البلديّة لرتسيم املولود‬
‫باالسم الذي اختاره ويك ال يثبت عليه اليمني ويخرب‬
‫بيته‪ .‬وكانت املفاجأة عندما وجدا نفسيهام وجها‬

‫قانون پاريتو لهادي الخضراوي‬
‫هي مجموعة قصصيّة‪ ،‬اختار لها كاتبها عنوانا‬
‫«قانون پاريتو» (وهو عنوان إحدى أقاصيص‬
‫املجموعة)‪ ،‬ث ّم وضع عنوانا فرع ّيا (أقاصيص‬
‫وأساريد مختلفة) وكأنه بذلك يجيل غموضا ما‬
‫عن العنوان الرئييس أو هو يفصله‪ ،‬ومجموعة‬
‫«قانون پاريتو» تقع يف ‪ 123‬صفحة وتتكون‬
‫نصا تتفاوت كماّ إضافة إىل‬
‫من ثالثة وعرشين ّ‬
‫فهرس‪ ،‬صدرت يف طبعتها األوىل عن برورسفيس‪،‬‬
‫تونس‪ ،2018 ،‬مع احتفاظ الكاتب بجميع‬
‫الحقوق‪.‬‬
‫استهلّ الكاتب عمله بإهداء إىل أحفاده‪ ،‬ويف‬
‫اإلهداء حياة جديدة تتخلّق ومتكن من فرصة‬
‫أخرى للحياة والكتابة‪« ،‬إىل أحفادي جاد‬
‫وإيناس وميالء أحفادي الذين أهدوين هدايا ال‬
‫تقدّر بثمن» (ص‪.)5‬‬
‫لكتابة «هادي الخرضاوي»‪ ،‬لفظ مختلف وصور‬
‫خاصة به ال تشبه غريه‪ ،‬يجعل من الحدث‬
‫اليومي العادي حدثا فخام فريدا كأنّه غري ذاك‬
‫الذي يحدث يف العامل املرجعي‪ .‬ويبدو أ ّن هذا‬

‫التفخيم للحدث مرتبط مبفهوم الكتابة عند‬
‫النص‬
‫الخرضاوي‪ ،‬ذاك املفهوم الذي عبرّ عنه منذ ّ‬
‫قصة)‪« :‬ظلّ عىل اقتناع‬
‫(قصة ّ‬
‫الثاين يف املجموعة ّ‬
‫القصة أه ّم من الحياة وأكرث منها إثارة فام‬
‫بأ ّن ّ‬
‫يفعله وما يشهده كلّ يوم يف واقعه مهام بلغت‬
‫طرافته ال يساوي عنده شيئا أو يثري فضوله إالّ‬
‫القصة وتق ّمصها فنقلته من‬
‫إذا دخل يف جسد ّ‬
‫حضيضه إىل ملكوتها»(ص‪ .)17‬قناعات الكاتب‬
‫خاص يخرج بها عن‬
‫تلك ط ّوقت األحداث بتص ّور ّ‬
‫املألوف ويحدث الدّهشة من حيث ال نتوقّع رغم‬
‫معرفة املتلقي املسبقة بالفكرة والحدث ومآله‪،‬‬
‫قصة الهاجس التي تتحدّث عن‬
‫واملثل عىل ذلك ّ‬
‫التقاعد وارتباطه شبه الوثيق باملوت‪ ،‬فالجميع‬
‫وخاصة يف التعليم‪ ،‬شبه التالزم بني‬
‫يتداولون‪ّ ،‬‬
‫الخروج إىل التقاعد وحضور عزرائيل‪ ،‬غري أ ّن‬
‫خروج الفكرة من الفضاء املرجعي إىل الفضاء‬
‫التخيييل أكسبها بعدا طريفا بل جعلها تحت‬
‫مجهر العقل والتم ّعن دون أن يغري مسار‬
‫النهاية‪ ،‬نهاية وإن تطابقت مع املنتظر إالّ أ ّن‬

‫لوجه أمام مكتب تنزيل املواليد الجدد‪ .‬وتجدّدت‬
‫الزوبعة وحمى الوطيس بينهام إىل أن وصل رئيس‬
‫البلديّة‪ ،‬الذي كان يف ذلك العهد فرنسيا‪ ،‬فضحك‬
‫منهام وأمر الكاتب بأن يس ّجله باالسمني املقرتحني‬
‫و»طاح الكاف عىل ظلّه» (صص‪.)17-18‬‬

‫مييل الكاتب بالجنس إىل الرواية وتعيده األحداث‬
‫السرية التي يتد ّرج فيها عيل عبد‬
‫املتعلّقة به إىل ّ‬
‫الوهاب من حادث تسميته إىل وصف الحوش الكبري‬
‫خاصة بعد أن شهد هذا الحوش زواج والد‬
‫ومن فيه‪ّ ،‬‬
‫رضة أل ّمه وهو مل يتجاوز السابعة ليصبح‬
‫الكاتب ب ّ‬
‫العيش ال يطاق‪ .‬ث ّم يعرج عىل مرحلة التعلم األوىل‬
‫يف مدينته األ ّم إذ كان يرتدّد عىل الكتّاب ث ّم االنتقال‬
‫يف مرحلة تالية إىل الفرع الزيتوين يف العاصمة لتبدأ‬
‫مرحلة جديدة هي مرحلة الف ّن وعوامله وعالقاته‪،‬‬
‫فتعيش الشخص ّية النجاح واألضواء والشّ هرة‪ .‬وقد‬
‫حرص الكاتب يف كلّ أطوار رسده أن تظلّ األسامء‬
‫غائبة عن الشخصيات الرئيسيّة ولكنه مل يتوان عن‬
‫التعريف بعائلته الحقيق ّية فهو ابن الط ّيب وذهبية‬
‫بنت الشيخ‪ ،‬يقول‪ ..« :‬وإذا به يتم ّعن يف البطاقة‬
‫ث ّم عدّل نظارته ودقّق ال ّنظر ّيف ث ّم عاد إىل البطاقة‬
‫كأنّه يتثبّت‪- :‬عجب‪ ،‬والله عجب إنت ولد املرحوم‬
‫الط ّيب وولد ذهب ّية بنت الشيخ‪( »..‬ص‪.)131‬‬

‫أسبابها اختلفت لتتح ّول إىل جرمية دولة‪ ،‬فاملوت‬
‫محصل جرمية‪،‬‬
‫ليس نتيجة آلية للتقاعد بل هو ّ‬
‫«يف جنازة عبد الحليم قال رضوان ملندوب وزارة‬
‫التعليم‪ :‬نفّذت ما طلبت م ّني‪ ...‬زرعت الهاجس‬
‫وغذّيته ال ّ‬
‫شك أ ّن املناخ الذي أنشأناه يف كلّ‬
‫الدوائر كفيل بتحقيق النتيجة لك ّن تجاوب هذه‬
‫الحالة كان مب ّكرا وأرسع مماّ توقّعنا» (ص‪.)45‬‬
‫أبدى الكاتب وعيا مبأزق التجديد يف تناول‬
‫املوضوعات‪ ،‬فكثري من املواضيع التي وقع تناولها‬
‫يف هذه املجموعة سبق وخاض فيها الكثريون‬
‫ما يجعل إعادة القول فيها صعبا‪ ،‬ونجد هادي‬
‫الخرضاوي يبحث يف املشهد غري املستهلك ويف‬
‫القول الطّريف الذي مل يفطن إليه غريه‪ ،‬واملثل‬
‫قصة «بىك عيل» التي‬
‫عىل ذلك ما نجده يف ّ‬
‫تتعرض إىل ظاهر «الزهامير»‪ ،‬موضوع خاض‬
‫القصاصون كثريا‪ ،‬تناوله الكاتب‬
‫فيه الروائيون و ّ‬
‫بالرتكيز عىل طرافة أعامل الشخص ّية وأقوالها‪،‬‬
‫شخص ّية تنىس كلّ يش وال تنىس رقم حسابها‬

‫رحلة يف الذاكرة استحوذت عالقته باملمثلة الكبرية‬
‫عىل الحيّز األكرب منها‪ ،‬مذ تعرف عليها باعتبارها‬
‫جارته التي يساعدها عىل حفظ أدوارها ومعاملتها‬
‫له باعتباره يف من ِزلَة ابنها‪ ،‬إىل تح ّول يف العالقة بلغ‬
‫فني ث ّم غرية ّ‬
‫وشك انتهى‬
‫ح ّد الزواج أعقبه نجاح ّ‬
‫بطالق درامي ابتعد بعده الكاتب عن األضواء وعاد‬
‫إىل مسقط ال ّرأس‪ -‬توزر‪.‬‬
‫توسل «عيل عبد الوهاب الخليل» يف كتابة مذكّراته‬
‫ّ‬
‫هذه بـ»صديق»‪ ،‬يف تقنية تذكّرنا باستنجاد شعراء‬
‫الجاهليّة بالخالّن عىل الوقوف والبكاء والتذكّر‪،‬‬
‫قال يف مستهلّ روايته‪»« :‬قلت لصاحبي أمسك‬
‫قلمك وتعال معي ند ّون ما فعل يب ال ّزمان»‪ ،‬ومل‬

‫البنيك وعادة الذهاب كلّ شهر لتسلّم الراتب‬
‫ث ّم ع ّد النقود وإعادة عدّها‪ ،‬وهي شخص ّية‬
‫طريفة يف أقوالها ما يجعل لفقد جزء من ذاكرتها‬
‫خصوصية ال نجدها عند غريها‪ .‬تعطّل زمن‬
‫الذاكرة يف ما يتعلّق بالزوجة واألبناء عند دفّتي‬
‫الصور‪ ،‬وأصبحت الحياة خارج تلك الصورة‬
‫ألبوم ّ‬
‫تح ّيال «مل يفلح أبناؤه وبناته يف إقناع بهويّتهم‬
‫فهو يناديهم بأسامء إخوته وأخواته وينكر‬
‫قطعيّا أنّهم من صلبه ويجزم أنّهم ال عالقة لهم‬
‫بصورهم القدمية امللصقة عىل صفحات األلبوم‪.‬‬
‫تتوصل زوجته صف ّية البتّة إىل إقناعه‬
‫كذلك مل ّ‬
‫بأنّها نفس املرأة التي يف الصور إذ يجيبها بكلّ‬
‫ثقة بال ّنفس‪»:‬أنا ال أعرفك ومل أرك ق ّط قبل اآلن»‬
‫بل إنّه أجابها يف إحدى امل ّرات جوابا وقع عليها‬
‫الصاعقة‪»:‬كيف ميكنني أن أكون زوجا‬
‫وقوع ّ‬
‫لعجوز بشعة مثلك»(صص‪ .)23-24‬ويضاعف‬
‫الكاتب من طرافة املشهد حني يشكو «عيل»‬
‫ألبنائه من هذه املرة التي تالزمه وتنام يف فراشه‬
‫دون موجب حق‪ ،‬بل إنّها‪« :‬تربّت أحيانا عىل‬

‫البحر يبحث عن أزرقه لرماح بوبو‬
‫عن دار ديار للنرش والتوزيع – تونس‪،‬‬
‫صدر الكتاب الشعري الثاين للشاعرة‬
‫السوريّة «رماح بوبو» يف طبعته‬
‫األوىل سنة ‪ ،2018‬والذي اختارت له‬
‫من األسامء‪ ،‬البحر يبحث عن أزرقه‪،‬‬
‫وتتكون املجموعة من سبعة وستني‬
‫نصا استهلّتها باحتفال‪:‬‬
‫ّ‬
‫اليوم احتفلنا‬
‫أخرجنا كلّ ما يف ع ّبنا من رصاخ مل ّون‬
‫أطباق الشتائم الخزف ّية التي ك ّنا‬
‫ندّخرها‬
‫ببالغ الرسيّة عىل رفوف القهر‬
‫زيّ ّنا بها املائدة‬

‫ف ّجرنا بوالني من صداع‬
‫رقصنا‪ ،‬تناثرنا حتّى‬
‫اصطدمت دموعنا ببعضها‪( ..‬ص‪.)5‬‬
‫بنص «إىل صديقي الشاعر‬
‫وأنهتها ّ‬
‫العجوز»‪:‬‬
‫لح ّبك أدعو عليك بالهذيان‬‫صدّق أ ّن ما تراه هلوسة‬
‫يك تنطفئ حني تنطفئ‬
‫وعىل وجهك‬
‫يظلّ من دمشق ندى ولتبق‬
‫إمياننا ال ّناجي‬
‫إىل أن‬
‫يصليّ‬

‫بنا طفل‪( .‬ص‪.)129‬‬
‫وعىل امتداد ‪ 129‬صفحة تُراكِم «رماح‬
‫الصور‪ ،‬باحثة عن أزرق البحر‬
‫بوبو» ّ‬
‫الذي ِ‬
‫غشيه سواد القتلة القادمني من‬
‫كلّ حدب وصوب‪ ،‬تهزج «رماح بوبو»‬
‫للحب فيباغتها العدم فاغرا فاه‪:‬‬
‫ّ‬
‫جميالن عىل رشفة الخنادق‬
‫وتران شجيّان‬
‫عىل أهبة املوسيقى‬
‫كفّك‪ ...‬حني ترنّحت باملرحبا‬
‫زخّني عرق‬
‫‪ ...‬لك ّنها بالد‪ ...‬الله أكرب‬
‫شحذت سكّينها‪(..‬ص‪)6‬‬

‫الحب‪،‬‬
‫الحب املحارص يف بالد ّ‬
‫هو ّ‬
‫تستعيده «رماح بوبو» بالكلامت‬
‫وتبحث عنه بني الحوادث الغادرة‪:‬‬
‫الحب‪ ...‬وفريوز‬
‫هو ّ‬
‫وسع املدي‪ ...‬و»احملني ع حصانك»‬
‫حزمت غيومي‬
‫وميّمت شتايئ شطر براريك‬
‫لك ّنه حادث يف الطّريق‬
‫أطفال كرث مشغولون بصالة شكر بني‬
‫موتني‪(.‬ص‪.)7‬‬
‫نص جريء يف حريته‪ ،‬جا ّد يف بحثه عن‬
‫ّ‬
‫استعادة األلوان منغمس يف مشاغل‬

‫الصديق مج ّرد مد ّون بل هو محرض عىل‬
‫يكن هذا ّ‬
‫الكتابة باألسئلة التي يطرحها فتُو ِّجه السرّ د‪ ،‬يقول‪:‬‬
‫«اندمجت بهذه الرسعة يف هذه األجواء عىل صغر‬
‫َ‬
‫س ّنك وأصبحت من جالّسها وأين أنت من الحياء‬
‫والحشمة وماء الوجه وأين أنت من النظرة التي‬
‫كنت تنظرها إىل ماماتك» (ص‪ .)96‬وهو‪ ،‬يف اآلن‬
‫ذاته‪ ،‬صديق منحوت من ذات الكاتب تيش به لغته‬
‫ومعرفته مبجال من املفرتض أالّ عالقة له به‪ .‬يقول‬
‫يف الصفحة ‪« ،90‬تعقّل يا صاحبي وكن واقعيّا‪ ،‬أين‬
‫أنت من هذا املقام لتعلوه وليس لك من ال ّزاد ما‬
‫يكفي القتحامك هذا امليدان املتش ّعب»‪.‬‬
‫ّنص‪ ،‬رغم وجعه‪ ،‬طريف‪ ،‬مل يغفل الكاتب فيه‬
‫أن ير ّوح عىل املتلقي بني الفصول‪ ،‬فحرض املوقف‬
‫وحرضت النكتة غري املتوقعة‪ ،‬يقول عىل سبيل‬
‫املثال‪« :‬ومن املضحكات أنيّ كنت أستعمل كلّ‬
‫صباح قلم كحل العينني عىل شعر شار ّيب ألنّها مل‬
‫تكن بارزة وواضحة حتّى أظهر أمام الناس رجال‪..‬‬
‫مماّ جعل إحدى الشخصيات املرموقة يف ذلك العهد‬
‫تسألني من أين آيت بصباغة شعري» (ص‪.)94‬‬
‫كتاب يضاف إىل كتب السرية ويفتح ك ّوة عىل عامل‬
‫الف ّن الذي ظلّ مغلقا عىل نفسه‪ ،‬هو عامل هيمن‬
‫عىل مرحلة مفصليّة من تاريخ تونس الجديدة‬
‫يؤسس لعامل بديل‪.‬‬
‫ووجب أن ّ‬

‫خدّي وتقول‪ :‬علولو يا علولو‪ ...‬ماذا تسمون‬
‫ذلك؟» (ص‪.)29‬‬
‫مجموعة «قانون باريتو»‪ ،‬من املجموعات‬
‫القليلة التي تحافظ عىل مستوى يكاد يكون‬
‫واحدا بني نصوصها جودة وطرافة‪ ،‬ويف مستوى‬
‫القصة القصرية وحرصها عىل‬
‫استجابتها لبنية ّ‬
‫املباغتة وإثارة دهشة القارئ‪.‬‬

‫الوطن والروح واإلنسان‪:‬‬
‫السبع‬
‫أيتها السموات ّ‬
‫انقشعي‬
‫أريد أن أسأله‬
‫وهو الواحد األحد‪ ...‬املعروف‬
‫بأ ّي سورة أنبأهم‬
‫أنّهم إبراهيم وابنه‬
‫وأنّنا‪..‬‬
‫الخروف؟؟؟!‬
‫البحر يبحث عن أزرقه‪ ،‬من‬
‫الصادرة‬
‫املجموعات الشعريّة املتميّزة ّ‬
‫تستحق أكرث من‬
‫يف الفرتة األخرية‬
‫ّ‬
‫إطاللة وأكرث من مج ّرد تقديم‪.‬‬




Télécharger le fichier (PDF)

منارات مارس.pdf (PDF, 7.3 Mo)

Télécharger
Formats alternatifs: ZIP







Documents similaires


dossier pedagogique micro macro
cv anthony english
micro macro lettre d invitation web
cv
95004 244920 1 pb
rxceat9

Sur le même sujet..