Fichier PDF

Partage, hébergement, conversion et archivage facile de documents au format PDF

Partager un fichier Mes fichiers Boite à outils PDF Recherche Aide Contact



منارات مارس .pdf



Nom original: منارات مارس.pdf

Ce document au format PDF 1.7 a été généré par Adobe InDesign CS5 (7.0) / Adobe PDF Library 9.9, et a été envoyé sur fichier-pdf.fr le 20/03/2019 à 16:21, depuis l'adresse IP 165.51.x.x. La présente page de téléchargement du fichier a été vue 73 fois.
Taille du document: 7.3 Mo (9 pages).
Confidentialité: fichier public




Télécharger le fichier (PDF)









Aperçu du document


‫حوار العدد مع األستاذة نزيهة عاتي‬

‫املثقف هو الشخص الواعي بقضايا‬
‫مجتمعه والذي يوظف‬
‫معارفه و خرباته لفائدة املجتمع‬
‫الملحق الثقافي لجريدة الشعب‬

‫حواء‪...‬وضلع‬
‫ّ‬
‫«المعوج»‬
‫آدم‬
‫ّ‬
‫محمد الجاب ّلي‬

‫الخميس ‪ 14‬مارس ‪ - 2019‬املوافق لـ ‪ 7‬رجب ‪ - 1440‬العدد ‪77‬‬

‫حقوق املرأة يف تونس‬
‫بني النص والواقع‬
‫عالقة حركة اإلصالح ما بين القرن‬
‫التاسع والثامن عشر في كل من مصر‬
‫وتونس بتحرير المرأة العربية‬
‫النفطي حولة‬

‫‪2‬‬

‫الخميس ‪ 14‬مارس ‪ - 2019‬املوافق لـ ‪ 7‬رجب ‪ - 1440‬العدد ‪77‬‬

‫«المعوج»‬
‫حواء‪...‬وضلع آدم‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫محمد الجابلّي‬

‫قال ازرا باوند حني ُسئل عن شعره‪« :‬لست‬
‫شاعرا‪...‬لكنني أشعر بالحزن»‬
‫من مفارقاتنا الكثرية أننا نحتفل أو نتوهم‬
‫االحتفال‪ ،‬لنا أعياد كثرية‪ ،‬بعضها أريض وبعضها‬
‫ساموي‪ ،‬وللمرأة أعياد وطنية وعاملية‪ ،‬منها‬
‫الذي م ّر بنا قريبا‪ ،‬عيد املرأة العاملي انطلق من‬
‫نضاالت الكادحات منذ ‪ 1907‬من نسوة ناضلن‬
‫ضد عبوديات متعددة من البيت إىل املصانع‬
‫واملزارع ‪...‬‬
‫يف لحظتنا القامتة ال ندري حقا هل بقي مجال لإلحتفال؟‬
‫نكبات وأزمات تتعاقب رسيعا الواحدة منها تسلمنا لألشد واألنىك‪ ،‬تذكرت‬
‫ذلك الشعار النوفمربي الخادع «بلد الفرح الدائم» ذلك املصلوب عىل‬
‫الالفتات الدعائية فوق املنصات والخيامت واألوتاد الكثرية الحتفاالت التغيري‪،‬‬
‫بعد سنوات الزلنا نتعرث يف تلك األوتاد‪ ،‬تعوزنا القدرة عىل الخروج منها ‪...‬‬
‫غالبا ما يعود الدارسون اىل بورقيبة ومجلة األحوال الشخصية يف الحديث عن‬
‫حال املرأة التونسية وغالبا ما يقع تجاهل الباحثني لرائد من أبرز رواد املجال‬
‫وهو الطاهر الحدّاد الذي عاش مناضال غريبا حزينا ومات وحيدا‪ ،‬وكانت‬
‫دعواته وأفكاره الواضحة مبثابة الحجر األول يف الربكة اآلسنة‪...‬‬
‫قد ال يعنينا املايض القريب إال من باب التذكري ومن باب استحقاقات اعتبارية‬
‫ورمزية منسية لرواد الفكر والثقافة عندنا‪ ،‬فالسياسيون يصادرون الحارض‬
‫واملايض‪ ،‬وتطفوا أسامؤهم دامئا عىل السطح ال ّرباق يف مقابل نسيان تلك‬
‫الجذور املقاومة يف البدايات املؤسسة واملنسية‪...‬السؤال األهم الذي يُطرح‬
‫باملناسبة هو‬
‫« هل تحررت املرأة حقا يف ربوعنا أم أن املسألة من نسج أوهامنا «؟‬
‫كل حديث عن املرأة هو حديث عن الرجل‪ ،‬لتتعاقب األسئلة هل تخلصنا من‬
‫إرث الخطيئة والتفاحة املرتبطتني بقصة الخلق وآدم وح ّواء‪ ،‬هل تخلصنا من‬
‫موروث «املرأة اإلبليسية» يف حكايات ألف ليلة وليلة‪ ،‬تلك التي تناور وتخادع‬
‫وتنصب شباك اإلغراء؟‬
‫يف الواقع مل نربح ‪ -‬جميعنا – حبائل املايض لكننا غلفناه بأستار تربيرية من‬
‫حداثتنا املوهومة‪ ،‬لتكون املرأة عندنا ويف إرادتنا أشبه باملهرج الذي يجب أن‬
‫يتلون بلون لحظاتنا املتعاقبة واملتناقضة شكال وتص ّورا بني الفسق والتقوى‬
‫أوبني األصالة والتحديث ‪...‬فهي حارسة القيم عند البعض وهي مجال تحديث‬
‫عند اآلخر‪...‬خطابنا السيايس املؤدلج يفضح تناقضنا ويجعل املرأة يف مركز‬
‫الرصاع املوهوم‪ ،‬ومن باب املجاز الكاريكاتوري الساخر نرى أن البعض يريد‬
‫أن يغطيها ويحجبها باسم القيم والوصاية عليها‪ ،‬واآلخر يريد أن يع ّريها باسم‬
‫الحداثة والوصاية عليها‪...‬مل ننظر قط إىل املرأة ككائن ندّي وكرشيك متحرر‬
‫فعيل وفاعل ‪...‬‬
‫علينا أن ننظر للمرأة عرب مقاربة الحارض وأفق املستقبل‪ ،‬أن ننظر إليها مبا هي‬
‫عليه اليوم‪ ،‬تلك الريفية الكادحة املزروعة يف األرض كالزياتني والنخيل‪ ،‬تلك‬
‫التي تستيقظ قبل الشمس والعصافري لتصنع الحياة واألمل وتعمد اقتصادا‬
‫أرسيا متداعيا ‪...‬تلك العاملة الكادحة يف دوائر التعليب واالستغالل‪ ،‬تلك‬
‫املدرسة والطبيبة واملوظفة وربة البيت‪...‬‬
‫املرأة الريفية عامد إقتصاد وطني تقليدي‪ ،‬لكنها مسلوبة الحقوق االجتامعية‬
‫واالقتصادية وعرضة لالنتهاكات املتعددة واألمراض املزمنة ‪...‬‬
‫كيف نخرج من االستالب ونحن نتخبط بني دوائره ؟‬
‫يومياتنا باتت ك ّنش أحزان ومآس‪ ،‬بتنا ُعرضة ألمراض نفسية ظاهرة وخفية‪،‬‬
‫مفجوعني يف غذائنا ودوائنا‪ ،‬ال نطمنئ عىل أنفسنا يف حارضنا وال نضمن السالمة‬
‫ألجيالنا‪ ،‬عقلية التاجر امل ُامكس وامل ُامحك باتت عنوان سياساتنا‪ ،‬تدمري املرفق‬
‫العمومي الذي ربانا وغذانا سيجعلنا عراة حفاة يف املسرية املوحشة‪...‬واليشء‬
‫أبرز من ذلك وفق الحاصل القريب يف التعليم والص ّحة‪...‬‬
‫نتداول األخبار ومرايث أحالمنا كل يوم‪ ،‬لكننا نفقد الحركة املمكنة الواعية‪ ،‬ما‬
‫بعد األحزان غري أحزان أخرى‪ ،‬نرى األشياء تتداعى وكأننا يف لحظة الصمت‪...‬‬
‫ما قبل مرحلة اليأس كام قال الياس خوري يف مداخلة بيت الرواية قبل أيام‪...‬‬
‫حالنا موصوف بلسان شاعرنا املحدث* يف قصيد العاصفة ‪:‬‬
‫هجس الشوق لنا شيئا‪ /‬ورمنا فسحةً‪/‬‬
‫نحن ال نشبه ما كنا نريـــــــدْ‪ /‬وإذا ما‬
‫َ‬
‫خارج القبــو‪ /‬تناهينا إىل قبو جديـــــــــــــدْ‪ /‬هكذا يلتبس الخـــارج‬
‫والداخـــــــل بالخـــــــــارج‪ /‬واألقبا ُء بالرحب املديــــــــدْ‪/‬‬
‫ُ‬
‫بالداخل‪/‬‬
‫هناك أمل ما‪ ،‬يف الطاقات الشابة واإلرادات الخرية‪ ،‬أن نتجاوز جميعا مرحلة‬
‫االحتجاج السلبي وأن ننسق الجهد يف املامرسة الصائبة‪ ،‬أن نكون عمليني‬
‫مع ما نحن فيه‪ ،‬أن تتحد األحزاب واملنظامت الوطنية وأن ترتقي إىل رشوط‬
‫اللحظة ورضوراتها وأن تتخىل عن أوهام الزعامات الكاذبة واألنانيات‬
‫الصبيانية‪...‬‬
‫لحظتنا خطرية ‪...‬والنفق طويل مظلم ‪...‬لكن هناك نور يف آخر النفق‬
‫رحم الله شاعرنا يف قوله أيضا‪:‬‬
‫ومل أر يف عيوب الناس عيبا ‪ //‬كنقص القادرين عىل التامم*‬
‫*فتحي النرصي‪* /‬املتنبي‬

‫إلياس خوري ضيف الشرف في بيت الرواية‬

‫«‪...‬لحظة الصمت يف بداية مرحلة اليأس‪»...‬‬
‫«إذا كان لهذا الربيع العريب من معنى فإنه يجب أن يتجسد يف الثقافة‪ ،‬وإذا مل تُحدث الثورات تغيريا يف الثقافة فال معنى‬
‫ألن تُحدث تغيريا يف السياسة‪ »...‬من مفتتح مداخلة ضيف الرشف»‬
‫عشنا أياما يف بيت الرواية عىل إيقاع تظاهرة مميزة جمعت كتابا محرتمني أفارقة وعرب وبربر‪ ...‬بني مداخالت وشهادات‬
‫محب للثقافة وأهلها‬
‫مفعمة بالصدق والعمق‪ ...‬بيت الرواية «هذا البيت املعمور» يصنع الحدث الثقايف بعزمية فريق ّ‬
‫استقطب جمهورا مميزا كام وكيفا أعاد للثقافة بريقها بعيدا عن العناوين الدعائية والالفتات الخادعة‪...‬‬
‫نرجو أن يستم ّر الجهد وأن يحافظ الفريق الشاب عىل إرادته الح ّرة املستقلة وأن يسلم من وسطوة املحرتفني يف وزارة‬
‫الثقافة ومن حصار اإلخوانيات‪ ،‬تلك «الشللية» املتملقة املقيمة التي طاملا تفهت الثقافة والتي تعيد ترتيب صفوفها‪ ،‬ومنها‬
‫شيوخ مبريدين ورتب وتابعني وأتباع التابعني تتبادل األدوار‪ ...‬وأن يسلم كذلك من كيد الكائدين وامل ُعرقلني‪...‬‬
‫هذا الحدث الثقايف األهم واألبرز‪ ،‬مل يحض – فيام نعلم‪ -‬مبتابعة أوتغطية إعالمية‪ ،‬ويبدو األمر غريبا وكأن إعالمنا بات‬
‫متخصصا يف الضجيج امل ُسيس وهويف عداء ظاهر للثقافة وأهلها‪ ،‬والغريب كذلك أن يجمع هذا التص ّحر بني إعالمنا‬
‫«الوطني و الالوطني» وأن يشرتك فيه املسموع واملريئ مع خشية أن يصيب ذلك العداء املقيم إعالمنا املكتوب‪« ...‬منارات»‬

‫من ذاكرة المقاومة‬
‫‪ 1‬مارس ‪/ 1924‬‬
‫إعدام البطل املقاوم‬
‫محمد الدغباجي‬
‫ ‪ 7‬مارس ‪2016‬‬‫ملحمة بنقردان‬
‫ يف عيد املرأة‬‫‪ /‬تحية لخولة‬
‫الرشيدي‪-‬‬

‫محور العدد القادم‬

‫محور العدد القادم ‪:‬‬

‫‪ 1‬ماي العمل في ظل العولمة‬
‫ودور النقابات‬
‫البريد االلكتروني ‪manaratculturel@gmail.com :‬‬

‫المدير المسؤول‬

‫نورالدين الطبوبي‬

‫المدير‬

‫أسرة التحرير‬

‫سامي الطاهري‬

‫ منتصر الحملي ‪ -‬رشيدة الشارني ‪ -‬حسني عبد الرحيم ‪ -‬سعدية بن سالم‬‫إشراف وتنسيق ‪ :‬محمد الجابلي‬
‫اإلخراج الفني ‪ :‬محمد كريم السعدي‬
‫السحب ‪ :‬مطبعة دار األنوار ‪ -‬الرشقية ‪ -‬تونس‬

‫املقر ‪ 41 :‬شارع عيل درغوث ‪ -‬تونس ‪ - 1001‬الهاتف ‪ / 71 330 291 - 71 255 020 :‬الفاكس ‪- 71 355 139 :‬‬
‫العنوان االلكرتوين ‪ - manaratculturel@gmail.com :‬الحساب الجاري بالربيد ‪300 - 51 :‬‬

‫‪3‬‬

‫الخميس ‪ 14‬مارس ‪ - 2019‬املوافق لـ ‪ 7‬رجب ‪ - 1440‬العدد ‪77‬‬

‫العالقات بني املغرب‬
‫وجمهورية الصني الشعبية‬
‫جامعة الحسن األول نموذجا‬

‫الزهرة الغلبي*‬

‫عرفت العالقات بني املغرب وجمهورية الصني‬
‫الشعبية تطورا رسيعا يف السنوات املاضية‪ ،‬شمل‬
‫مختلف املجاالت االقتصادية والثقافية والعلمية‪،‬‬
‫وتعترب جامعة الحسن األول بسطات‪ -‬املغرب‬
‫منوذجا لهذه العالقات التي خلقت جرسا للتواصل‬
‫والتبادل الثقايف والعلمي‪ ،‬من خالل فتح نافذة‬
‫كبرية لتدريس اللغة العربية للطلبة الصينيني‪،‬‬
‫وإنشاء مركز ثقايف صييني –مغريب‪ ،‬وتبادل‬
‫البعثات الطالبية ومؤطرين‪ ،‬وذلك مواكبة منها‬
‫للقفزة املهمة التي عرفها مجال تدريس اللغة‬
‫العربية لغري الناطقني بها مبختلف الجامعات‬
‫الغربية والعربية‪ ،‬وجامعة تكساس بأمريكا‬
‫وجامعة اإلسكندرية مبرص خري مثال‪ ،‬ويعود هذا‬
‫اإلقبال إىل اآلفاق التي تفتحها سياسة تعليم اللغة‬
‫العربية يف العامل وخاصة يف دولة الصني‪ ،‬كام أنها‬
‫لغة اثنتني وعرشين دولة‪ ،‬مام يؤكد عىل قيمتها‬
‫بالرغم من كل األزمات التي عاشتها حيث تجدد‬
‫دماؤها بتجدد مختلف العصور التاريخية‪.‬‬
‫لذلك عملت جامعة الحسن األول بسطات‬
‫يف إطار االتفاق مع بعض الجامعات الصينية‬
‫والسيام جامعة نينغشيا‪ ،‬عىل تطوير طرق ومناهج‬
‫تعليمها‪ ،‬واالرتقاء بها وتبسيطها أمام الطلبة‪،‬‬
‫حيث بحثت عن اآلليات العلمية املختلفة لالرتقاء‬
‫بها‪ .‬وهي تجربة إن كانت حديثة مل تعشها إال‬
‫خالل السنوات املاضية القريبة‪ ،‬إال أنها قدمت‬
‫نتائج يف غاية األهمية مواكبة بذلك مسار التعاون‬
‫الذي فتحه املغرب مع الصني باعتامد نشاط‬
‫علمي مكثف ومتنوع وقار طيلة السنة الدراسية‪،‬‬
‫يقبل عليه الطلبة من مختلف الجامعات واملراكز‬
‫الخاصة بالصني وخاصة مبقاطعة نينغشيا ‪.‬‬
‫مع العلم أن تعليم اللغة العربية لذوي األلسن‬
‫األخرى‪ ،‬صوتيا ورصفيا ونحويا‪ ،‬مختلف متاما عن‬
‫تعلميها للناطقني بها‪ ،‬إذ يتطلب تقنيات تنبني‬
‫عىل املسموع ثم املكتوب ثم املقروء‪ ،‬ولك ّنهم‬
‫نجحوا يف هذا حيث يقدمون يف نهاية كل‬
‫سنة دراسية للصني واملغرب معا سفراء ينقلون‬
‫الثقافتني العربية والصينية‪ ،‬كام يساهمون يف بناء‬
‫العالقات بني البلدين من خالل دخولهم يف سوق‬
‫الشغل سواء كان املنصب دبلوماسيا أو سياحيا‬
‫أو صناعيا‪ ،‬وخاصة الصناعات اإللكرتونية التي‬
‫أصبحت الصني تغزو من خاللها العامل‪ .‬كام تفتح‬
‫الجامعة آفاقا كبرية ليأخذ الطلبة املغاربة بجامعة‬
‫الحسن األول دروسا قد تستغرق بعض األشهر‬
‫لتعلّم اللغة الصينية من البالد األم‪ ،‬إذ تتحمل‬
‫تكاليف الطلبة من سفر وغريه‪ ،‬من أجل التكوين‬
‫والتكوين املستمر‪ ،‬وقد استقبلت جامعة نينغشيا‬
‫بالصني يف بداية املوسم الدرايس ‪2018-2019‬‬
‫بعض الطلبة املغاربة املسجلني يف جامعة الحسن‬

‫األرجوحة ‪:‬‬
‫جميلة الرشيف‬

‫السطل النحايس‬
‫صوت زخّات الحليب وهي تتسابق إىل قاع ّ‬
‫يحدث إيقاعا طربا كطرب أ ّمي الستسالم بقرتها لها وهي مت ّرر‬
‫منشفة ل ّينة عىل رضعها املستنفر متسحه بعد أن نظّفته مباء‬
‫فاتر‪ ،‬تلك البقرة الشهباء الرشسة كانت القلب ال ّنابض لعائلتنا‪..‬‬
‫ميتلئ السطل فتعود أ ّمي وترسع بتصفية الحليب لتأخذه قبل‬
‫رشوق الشمس إىل دكّان الع ّم العرويس وتشرتي بثمنه سميدا‬
‫تصنع منه خبز طابونة لذيذا نلتهمه ساخنا مغموسا يف الزيت‬
‫ث ّم نغادر للعب‪.‬‬

‫ك ّنا نختار ألعابنا ونخرتع لعبنا بأيدينا‪ ..‬كرات من القامش‬
‫والقش وعجالت من بقايا‬
‫ودمى من الطني ومنازل من الحجر ّ‬
‫الحديد نتق ّمص أدوارا اجتامعية مختلفة كاملعلّم والطبيب والح ّداد والن ّجار والخضّ ار‪ ...‬بل نتز ّوج‬
‫أحب أن ألعب دور العروس ‪ ،‬تج ّملني أختي الكربى وتلبسني فستان أ ّمي‬
‫وننجب أبناء‪ ،‬كنت ّ‬
‫وحذاءها ذا الكعب العايل وتجلسني عىل كريس من الحجر أنتظر من سيكون العريس‪ ،‬لكن كنت‬
‫أعود إىل املنزل عىل صوت أ ّمي املد ّوي مثل هزيم الرعد دون أن أظفر مبعرفة من هو عرييس‪،‬‬
‫كانت املعركة تشت ّد بني الرفاق من الذكور للحصول عىل الدور فتضط ّر أمي إىل عزيل عن املجموعة‬
‫وتسجنني يف املنزل‪.‬‬
‫األول لتعلم اللغة الصينية‪ .‬كام تتبادل الجامعتان‬
‫األطر األكادميية أيضا‪.‬‬
‫ومل يقترص دور الجرس التواصيل الذي تقوم به‬
‫الجامعة عىل تدريس اللغة العربية فقط‪ ،‬بل‬
‫شمل مجاال آخر هو املجال الثقايف وما يحمله من‬
‫حمولة يف الرقي مبكانة املغرب عامة والجامعة‬
‫املغربية خاصة‪ ،‬وما األسبوع الثقايف الصيني‬
‫املغريب الذي تم تنظيمه مؤخرا إالّ خري مثال‪ ،‬وقد‬
‫حرضته مختلف الفئات األكادميية وممثلون عن‬
‫الحزب الصيني الحاكم وتوزعت أشغاله بني مدينة‬
‫سطات ومدينة مراكش‪.‬‬
‫ال بد أن يأخذ الوطن مكانه يف العالقات بينه‬
‫وبني الصني‪ ،‬ويعلم أن دولة الصني أصبحت قوة‬
‫اقتصادية كربى يف العامل‪ ،‬فال يجب أن يقترص‬
‫دور الجامعة عىل تلقني الدروس داخل املدرجات‬
‫فقط بل يجب أن توسع من أهدافها لتجعلها‬
‫أشمل وأكرب وتجعل رحاب الكلية دوليا عوض أن‬
‫يظل محليا‪ ،‬وجامعة الحسن األول قدمت أعامال‬
‫مختلفة وحصدت نتائج علمية يف ما يخص هذا‬
‫املوضوع‪.‬‬
‫كام شارك وفد هام من الجامعة مؤخرا‪ ،‬يتكون‬
‫من رئيس الجامعة د‪ /‬أحمد نجم الدين و نائبه د‪/‬‬
‫رياض فخري وآخرون يف الذكرى الستني لتأسيس‬
‫جامعة نينغشيا سريا عىل نهج ملك البالد محمد‬
‫السادس وهو احتفال عرف مشاركة مختلف‬
‫الجامعات اإلفريقية واألسيوية‪ .‬حيث تم تكريم‬
‫جامعة الحسن األول من خالل رئيسها ونائبه‬
‫كام تم ترتيب كلمة رئيس جامعة سطات أ ّوال‬
‫ملا تقدمه من مجهودات جبارة يف سبيل الدفع‬
‫بالعالقات املغربية الصينية إىل غايتها املنشودة‪،‬‬
‫وال تقترص هذه العالقات عىل مجال اللغة التي‬
‫هي جرس التواصل بل يشمل حتى الجامعات‬
‫التي تدرس بعض العلوم مثل كلية الطب بجامعة‬
‫نينغشيا‪.‬‬
‫* أستاذة بجامعة نينغشيا‪-‬جمهورية الصني‬

‫قيل يل أ ّن بقرتك ماتت بعد رحييل وأنّك بكيت لفراقها أكرث من بكائك يوم سفري‪ ،‬أعذرك والله‪،‬‬
‫أعرف عالقتك بها ‪ ،‬متينة جدا كعالقتي بتلك األرجوحة امللعونة التي علّقتها يل يف غصن زيتونة‬
‫عظيمة ذات يوم ‪ ،‬تلك األرجوحة التي ع ّوضتني فقد متعة اللعب مع رفاقي‪ ...‬اضطررت حينها أن‬
‫عيني وأستسلم لسيطرة‬
‫أكتفي بالحلم‪ ...‬كنت أحرتق لسامع أصواتهم الصاخبة يف الخارج فأغمض ّ‬
‫خفقات الحبل حتّى إذا ما شعرت بالدوار أقفز متعبة و وأهرع إىل فرايش أتك ّور فيه برموش دامعة‬
‫وشعر مغرب وكفني داميتني عليهام آثار الحبل املجنون‪.‬‬
‫رمبا كنت سبب التعجيل مبوت بقرتك يف ذلك املوسم‪ ...‬لقد استنزفت حليبها وحرمتها من عجلها‬
‫الجميل يك توفّري نقودا تجابهني بها مصاريف الباكلوريا‪ ،‬ذلك الز ّي الريايض مل أتخلّص منه يا‬
‫حبيبتي‪ ،‬مازلت أحتفظ به ومازلت أذكر نظرات املختربين ووشوشات أصدقايئ يوم «الباك سبور»‬
‫نسقت ألوانه بل كيف ع ّنت يل فكرة خياطته وكيف قبلت أنا بارتدائه‬
‫كان زيّا غريبا ال أعرف كيف ّ‬
‫وكيف كتمت رصختي وابتلعت سخرية رفاقي‪.‬‬
‫تحصلت عىل أفضل عدد يف الرياضة ورصختك‬
‫تلك الرصخة التي غادرت باطني ملعلعة بالفرح ملا ّ‬
‫املكتومة التي تح ّولت إىل زغاريد عالية ملا اجتزت االمتحان النهايئ بامتياز‪ ،‬حقيبتي الصفراء أيضا‬
‫كل ما أذكره أنني جمعت فيها لوازم السفر ورحلت وأنّها أثارت دهشة‬
‫ال أعرف من أين اشرتيتها‪ّ ،‬‬
‫املارة يف أحد شوارع كندا‪ ...‬عدد منهم طلب مني أن يلتقط معي صورة للذكرى‪ ،‬تلك الحناء التي‬
‫وقدمي باتت موضوع بحث‪ ...‬أذكر ج ّيدا كيف خضّ بت أصابعي ليلة السفر مه ّددة‬
‫كانت تج ّمل يد ّي‬
‫ّ‬
‫بتعطيل مسرييت إن أنا خالفت طلبك ورفضت الح ّناء‪.‬‬
‫تكسب‪ ،‬صارت غرفتي بعد م ّدة‬
‫تلك الح ّناء التي صبغت بها أظافري تح ّولت بعد م ّدة إىل مورد ّ‬
‫مقصدا للعرائس من أجناس مختلفة‪ ،‬كلّهن يطلنب مني أن أخضّ ب أيديهن وأقدامه ّن ب «ح ّنة‬
‫تونس» ذلك النشاط املوازي لدراستي وفّر يل أمواال معقولة وأدركت وقتها كم كنت حكيمة‪.‬‬
‫ايس واحد وأعود إليك يا أ ّمي خبرية فالحية‪ ،‬كانت يب رغبة جامحة يف تجهيز اسطبل ضخم‬
‫موسم در ّ‬
‫تربني فيه بقرات شهباء ومزرعة كبرية أريب فيها خيوال أصيلة ‪ ،‬موسم واحد يا أ ّمي وننطلق يف رحلة‬
‫الرصاع من جديد مع مواسم الحرث والغرس والحصاد‪.‬‬
‫كل مواسم الضيم يا أ ّمي فلامذا رحلت قبل أن تعانقي موسم انتظاراتك ؟‬
‫صربت عىل ّ‬
‫كل يشء بعدك يغرق يف الحزن ما عدا هذه األرجوحة امللعونة‪ ،‬أراها مرشقة الوجنتني‪ ،‬تدعوين بدهاء‬
‫ّ‬
‫عيني‪ ...‬وشيئا فشيئا بدا صوت‬
‫لركوبها من جديد‪ ،‬أسلمت نفيس لخفقات الحبل من جديد‪ ،‬أغمضت ّ‬
‫إيقاع زخّات الحليب وهي تتسابق إىل قاع السطل النحايس يتناهى إىل مسمعي وصوت أ ّمي وهي‬
‫تأمرين بنزع فستان العروس والعودة إىل املنزل وصوت أمنيتي يتح ّرر من قضبان جويف ويعلن عمن‬
‫أمتناه يفوز دون غريه من األتراب بالجلوس إىل جانبي عريسا‪.‬‬
‫ابتسمت يف رسي رغم حزين وانتفضت فزعا مل ّا ط ّوقتني يدان غليظتان‪ ...‬واستيقظت من غيبوبة كنت‬
‫أحتاجها عن صوت أحتاجه ‪...‬يسألني «كيف حال املط ّوقة» ؟‬

‫‪4‬‬

‫الخميس ‪ 14‬مارس ‪ - 2019‬املوافق لـ ‪ 7‬رجب ‪ - 1440‬العدد ‪77‬‬

‫أالن باديو ‪ Alain Badiou‬متحدّثا عن االضطرابات يف تونس*‬
‫تدوين ونقل دانيال فيرش ‪ - Daniel Fischer‬ترجمة املنترص الحميل‬
‫سوف أحدّثكم اليوم عن االضطرابات الجارية يف تونس‪،‬‬
‫يف سياق موضوع ندوتنا هذا العا ّم املتعلّقة مبا معنى‬
‫«تغيري العامل»؟ ‪ -‬هذا ال ّتعبري الّذي سبق يل أن أرشت إىل‬
‫طابعه امللتبس‪.‬‬
‫إذا ك ّنا نعني بعبارة «االضطرابات» الفعل الّذي يقوم‬
‫به يف الشّ وارع أناس يرغبون يف الوصول إىل اإلطاحة‬
‫بالحكومة مستعملني العنف بدرجات متفاوتة‪ ،‬فيجب‬
‫علينا منذ البداية ال ّتأكيد عىل ما يجعل االضطرابات‬
‫ال ّتونسية أمرا نادرا‪ :‬وهو أنّها كانت ظافرة؛ فقد كان يف‬
‫ومستتب منذ ‪ 23‬عاما‪ ،‬وها قد متّت‬
‫تونس نظام قائم‬
‫ّ‬
‫رجعي‪ ،‬طبيعته باعتباره‬
‫شعبي أثبت يف نفس الوقت‪ ،‬بأثر‬
‫ّ‬
‫اإلطاحة به من خالل فعل ّ‬
‫«الحلقة األضعف»‪ .‬فلامذا يتعينّ علينا تحليل هذه الظّاهرة والحال أنّه بإمكاننا أن نكتفي‬
‫بال ّتعبري عن فرحنا؟ أل ّن هناك قلقا غامضا‪ ،‬يف ارتباط بالطّبيعة اإللزامية لل ّرضا الذي يجب‬
‫علينا إظهاره‪ ،‬من ج ّراء طبيعتها ال ّتوافق ّية‪ ،‬عىل ال ّرغم من ال رشع ّية حيازة ملك ّية األحداث‬
‫أحب بن عيل‪ ،‬وآسف حقّا ألنّه اضط ّر إىل‬
‫السهل اليوم أن تعلن «أنا ّ‬
‫املعن ّية‪ .‬فليس من ّ‬
‫يسء للغاية‪ ،‬ولهذا يجب‬
‫وضع‬
‫يف‬
‫نفسك‬
‫تضع‬
‫فأنت‬
‫هذا‬
‫تقول‬
‫فعندما‬
‫السلطة»؛‬
‫ترك ّ‬
‫ّ‬
‫الس ّيدة أليوت ماري الّتي ندمت علنا عىل تأخّرها يف وضع‬
‫علينا أن نثني عىل موقف ّ‬
‫عبت بصوت عا ٍل عماّ يؤمن به يف‬
‫وقد‬
‫عيل‪،‬‬
‫بن‬
‫خدمة‬
‫يف‬
‫ة‬
‫«حنكة» قوات الشرّ طة الفرنس ّي‬
‫رّ‬
‫السياسيون؛ ولك ّن ساركوزي منافق وجبان‪ ،‬مثله مثل جميع هؤالء الّذين‪،‬‬
‫رسهم زمالؤها ّ‬
‫ّ‬
‫عىل اليمني وعىل اليسار‪ ،‬كانوا قبل أسابيع قليلة فقط سعداء بأنّهم وجدوا يف بن عيل‬
‫يايس وتلميذا ممتازا للغرب‪ ،‬والّذين يجدون أنفسهم اليوم‬
‫حصنا منيعا ض ّد اإلسالم ّ‬
‫الس ّ‬
‫ملزمني‪ ،‬بسبب إجامع اآلراء‪ ،‬عىل ال ّتظاهر بالفرح ملغادرته جا ّرا أذيال الهزمية‪.‬‬
‫الشعبي‬
‫دعونا نؤكّد م ّرة أخرى عىل ال ّنقطة التّالية‪ :‬إ ّن إطاحة العنف‬
‫ّ‬
‫بحكومة ّما (وال سيام من قبل الشباب الّذين كانوا رأس الحربة يف هذه‬
‫األحداث)‪ ،‬هي ظاهرة نادرة‪ ،‬وإذا أراد املرء أن يجد لها مثيال يف التّاريخ‬
‫فيتعينّ عليه العودة ثالثني سنة إىل الوراء‪ ،‬أي إىل الثّورة اإليرانيّة (‪)1979‬‬
‫السائد فيها هو أ ّن هذه الظّواهر مل تعد‬
‫[‪]1‬؛ ثالثني سنة كان االعتقاد ّ‬
‫ممكنة التّحقّق عىل وجه التحديد‪ ،‬وهذا ما أعلنته بالخصوص أطروحة‬
‫البديهي أ ّن هذه النظرية مل تكن تعني‬
‫ما يس ّمى بـ «نهاية التّاريخ»‪ .‬من‬
‫ّ‬
‫أنّه لن يحدث أ ّي يشء‪ ،‬بل إ ّن «نهاية التاريخ» تعني «نهاية الحدثيّة‬
‫السلطة لصالح لحظ ٍة‬
‫التاريخ ّية»‪ ،‬ونهاية إمكان ّية إعادة ال ّنظر يف تنظيم ّ‬
‫«تدخُلُ فيها الجامه ُري إىل مرسح التّاريخ» وفق تعبري تروتسيك؛ فقد كان‬
‫السوق مع ال ّدميقراط ّية‬
‫املسار‬
‫الطبيعي لألشياء يتمثّل يف تحالف اقتصاد ّ‬
‫ّ‬
‫الربملانيّة‪ ،‬وكان هذا التّحالف هو معيار الذّاتيّة الشّ املة الوحيد القابل‬
‫لالستمرار؛ فمعنى مصطلح «العوملة» إذن هو التّايل‪ :‬أ ّن هذه الذّاتية قد‬
‫أصبحت ذاتيّة عامليّة‪ ،‬وهو ما مل يكن يف تنافر مع الحروب التّأديبيّة (ض ّد‬
‫العراق وأفغانستان)‪ ،‬والحروب األهل ّية (يف دول إفريق ّية متداعية)‪ ،‬وقمع‬
‫االنتفاضة الفلسطينيّة وما إىل ذلك‪ .‬وهكذا فإ ّن ما يذهل أكرث من أ ّي يشء‬
‫آخر يف أحداث تونس هو تاريخان ّيتها‪ ،‬هو إثبات استمرار وجود قدرة‬
‫الجامعي‪.‬‬
‫فاعلة عىل ابتداع أشكال جديدة من التّنظيم‬
‫ّ‬
‫السوق وال ّدميقراطية الربملان ّية‪،‬‬
‫إ ّن املجموعة الّتي شكّلها تحالف اقتصاد ّ‬
‫هذه املجموعة الّتي ت ّم عرضها عىل أنّها منوذج ال ميكن تجاوزه‪ ،‬أقرتح‬
‫تسميتها بـ «الغرب»‪ ،‬وعىل أيّة حال هي نفسها تس ّمي نفسها هكذا من‬
‫بني أسامء أخرى متداولة أذكر منها «املجتمع ال ّدو ّيل» و»الحضارة» (حيث‬
‫تتعارض‪ ،‬كام ينبغي لها‪ ،‬مع أشكال مختلفة من الهمج ّية‪ ،‬انظر تعبري‬
‫«رصاع الحضارات»)‪ ،‬و»القوى الغربية»‪ ...‬أذكّركم بأ ّن املجموعة الوحيدة‬
‫الّتي تب ّنت هذا االسم ‪« -‬الغرب» ‪ -‬باعتباره منوذجا منذ ثالثني سنة وأكرث‪،‬‬
‫كانت مجموعة فاشيّة صغرية مسلّحة بقضبان حديديّة (والّتي كان ع ّيل‬
‫أن أتعامل معها يف شبايب)؛ فأن يغيرّ اسم ّما من إحالته املرجع ّية إىل هذا‬
‫الح ّد فذلك ال ميكن إالّ أن يعني أ ّن العامل نفسه قد تغيرّ ‪ ،‬أ ّن العامل مل يعد‬
‫نفس املتعايل‪.‬‬
‫لديه ُ‬
‫هل نحن يف زمن االضطرابات؟‬
‫ميكننا أن نعتقد ذلك عىل ضوء األحداث األخرية يف اليونان وإيزلندا‬
‫وأنجلرتا وتايالندا (القمصان املل ّونة)‪ ،‬وأعامل الشغب ال ّناجمة عن املجاعة‬
‫الصني‪ .‬ويف فرنسا نفسها‪،‬‬
‫يف إفريقيا‪ ،‬واالضطرابات العماّ ل ّية الضّ خمة يف ّ‬
‫هناك ما يشبه التّوتر املنبئ باضطرابات مقبلة‪ ،‬فمن خالل بعض الظّواهر‬

‫السائد أ ّن‬
‫عىل غرار احتالل املصانع يُظهر االتّجا ُه ّ‬
‫الناس عىل وشك القبول بأعامل الشّ غب‪.‬‬
‫لتوضيح أسباب ذلك‪ ،‬نذكر بالطّبع أزمة ال ّرأسامل ّية‬
‫الهيكل ّية الّتي ظهرت قبل سنتني أو ثالث سنوات‬
‫(وما تزال مستم ّرة إىل اآلن) مع ما يرافقها من مآزق‬
‫اجتامع ّية وبؤس وشعور متنام بأ ّن املنظومة ليست‬
‫عىل هذه ال ّدرجة من قابل ّية الحياة ومن ال ّروعة الّتي‬
‫كانت توصف بها من قبل؛ فقد أضحى خواء األنظمة‬
‫السياس ّية بارزا للعيان‪ ،‬وأنّها ال تزيد يف جوهرها عن‬
‫ّ‬
‫أن تكون يف خدمة ال ّنظام االقتصاد ّي (كانت حلقة‬
‫«أنقذوا البنوك» برهانا ساطعا عىل ذلك)‪ ،‬مماّ ساعد‬
‫إىل ح ّد كبري عىل فقدانها املصداق ّية‪ .‬ويف الفرتة‬
‫نفسها‪ ،‬وبسبب أنّها متع ّهدة ببقاء االقتصاد الهيك ّيل‬
‫عىل قيد الحياة‪ ،‬اتّخذت ال ّدول تدابري رجع ّية هائلة‬
‫(كالسكك الحديديّة‪ ،‬والربيد‪ ،‬واملدارس‪ ،‬واملستشفيات‪.)...‬‬
‫يف عدة مجاالت ّ‬
‫تاريخي؛ ففي رأيي‪،‬‬
‫أو ّد أن أحاول وضع هذه الظّواهر يف إطار تحقيب‬
‫ّ‬
‫تنشأ األعامل املشاغبة خالل الفرتات ال َب ْي ِن ّية‪ ،‬فام هي الفرتة البين ّية؟ بعد‬
‫سلسلة يصبح فيها املنطق الثّور ّي واضحا ويعرض نفسه بشكل ج ّيل‬
‫بوصفه بديال‪ ،‬تعقب فرتة بين ّية تصاب فيها الفكرة الثورية بالخمول بينام‬
‫هي مل تتسلّم املشعل بع ُد‪ ،‬باعتبار أنّه مازال مل يت ّم بناء نظام بديل جديد‪.‬‬
‫خالل مثل هذه الفرتات بالتّحديد ميكن أن يقول ال ّرجعيون‪ ،‬نظرا أل ّن‬
‫البديل قد ض ُعف‪ ،‬إ ّن األمور قد عادت إىل مسارها الطّبيعي‪ ،‬وهذا بالضّ بط‬
‫ما حدث يف عام ‪ 1815‬مع مر ّممي التّحالف املق ّدس‪ .‬يف الفرتات البين ّية‬
‫يكون هناك سخط ولك ّنه ليس سخطا منظّام‪ ،‬ألنّه ال يستطيع أن يستم ّد‬
‫أسايس («لريحلوا»)‪ ،‬ولهذا‬
‫ق ّوته من مشاركة فكرة ّما؛ فق ّوته سلب ّية بشكل ّ‬
‫الجامعي خالل فرتة بين ّية هي‬
‫السبب يكون شكل العمل الجامهري ّي‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫االضطرابات‪ .‬انظروا إىل الفرتة املت ّدة من عام ‪ 1820‬إىل عام ‪ 1850‬عىل‬
‫سبيل املثال‪ :‬كانت فرتة طويلة من االضطرابات (‪ ،1848 ،1830‬مت ّرد الكاين‬
‫يف ليون ‪)...Canuts lyonnais‬؛ ولك ّن هذا ال يعني أنّها كانت عقيمة‪،‬‬
‫بل عىل العكس من ذلك كانت ذات خصوبة كبرية وإن كانت عمياء‪.‬‬
‫السياس ّية العامل ّية ال ّرئيس ّية الّتي سينهض‬
‫فمن هذه الفرتة برزت التّو ّجهات ّ‬
‫عليها القرن املقبل‪ ،‬ولقد عبرّ ماركس عن ذلك ج ّيدا حني قال إ ّن الحركة‬
‫العماّ ل ّية الفرنس ّية كانت مصدرا من مصادر تفكريه (إىل جانب الفلسفة‬
‫يايس اإلنجليزي)‪.‬‬
‫األملان ّية واالقتصاد ّ‬
‫الس ّ‬
‫ما هي معايير تقييم االضطرابات؟‬
‫مشكلة االضطرابات‪ ،‬مبا هي تشكيك يف سلطة ال ّدولة‪ ،‬هي أنّها تع ّرض‬
‫سيايس (أي إلمكان ّية انهيارها)‪ ،‬ولك ّنها ال تشكّل هي بنفسها‬
‫ال ّدولة لتغيري‬
‫ّ‬
‫هذا التّغيري‪ :‬مبعنى أ ّن ما سيحدث يف ال ّدولة ليست االضطرابات هي من‬
‫ئييس مع الثّورة الّتي تق ّدم يف ح ّد‬
‫وضعته مسبقا‪ ،‬وهذا هو اختالفها ال ّر ّ‬
‫السبب اشتىك القامئون باالضطرابات يف جميع األوقات‬
‫ذاتها بديال‪ .‬ولهذا ّ‬
‫موذجي عىل ذلك‬
‫من أ ّن ال ّنظام الجديد مامثل لل ّنظام السابق (املثال ال ّن‬
‫ّ‬
‫هو أنّه بعد سقوط نابليون الثّالث ت ّم يف ‪ 4‬سبتمرب إرساء نظام يتألّف‬
‫السابق)‪ .‬وملعلوماتكم‪ ،‬إ ّن مفهوم الحزب‬
‫السياسيني للعهد ّ‬
‫من املوظّفني ّ‬
‫ويس ‪ POSDR‬ومن‬
‫ر‬
‫ال‬
‫اطي‬
‫ر‬
‫ميق‬
‫د‬
‫ال‬
‫يك‬
‫ّ‬
‫ا‬
‫رت‬
‫االش‬
‫ل‬
‫ع‬
‫ال‬
‫حزب‬
‫كام أوجده‬
‫ّ‬
‫ماّ‬
‫ّ ّ ّ‬
‫ث ّم البالشفة‪ ،‬هو هيكل قادر بشكل واضح عىل تشكيل نفسه باعتباره‬
‫بديال لل ّنظام القائم؛ فعندما تصبح الشّ خصية املشاغبة شخص ّية سياس ّية‪،‬‬
‫السياسيون الّذين تحتاجهم‪ ،‬يصبح‬
‫أي يكون لديها هي نفسها املوظّفون ّ‬
‫اللّجوء إىل خيول السياسة القدمية عديم الفائدة‪ ،‬وميكننا أن نعلن يف تلك‬
‫اللّحظة عن نهاية الفرتة البين ّية‪.‬‬
‫للعودة إىل االضطرابات التّونسية نقول إنّه من املر ّجح ج ّدا أن تستم ّر‬
‫ من خالل االنقسام ‪ -‬باإلعالن عن أن الشّ خصيات الحاكمة التي ستأخذ‬‫مكانها عىل دفّة الحكم بعيدة كلّ البعد عن الحركة الشّ عبية إىل درجة‬
‫أنّها سرتفضها هي أيضا‪ .‬ومن هنا‪ ،‬وفقا أليّة معايري ميكننا تقويم تلك‬
‫االضطرابات؟ يجب يف املقام األ ّول أن يكون هناك بعض التّعاطف معها‪،‬‬
‫السالبة موجود حال ّيا‪،‬‬
‫وهو رشط رضور ّي للغاية‪ .‬هذا االعرتاف بق ّوتها ّ‬
‫فالسلطة البغيضة بصدد االنهيار‪ ،‬عىل األقلّ يف ما يتعلّق برموزها‪ .‬ولكن‬
‫ّ‬
‫السؤال‬
‫ما الّذي ت ّم التّأكيد عليه؟ لقد ر ّدت ّ‬
‫الصحافة الغربية عىل هذا ّ‬
‫بع ُد بالقول إ ّن ما ت ّم التعبري عنه يف تونس كان برغبة من الغرب‪ .‬ما ميكن‬

‫أن نؤكده هو أنّها كانت رغبة يف الح ّريّة وأ ّن مثل‬
‫هذه ال ّرغبة هي رغبة مرشوعة بال ّ‬
‫شك بال ّنظر إىل‬
‫االستبداد والفساد الكبريين اللّذين كان يتم ّيز بهام‬
‫نظام بن عيل‪ ،‬أ ّما أن تكون هذه ال ّرغبة هي رغبة‬
‫الغرب فهذه مسألة أكرث إشكال ّية‪.‬‬
‫علينا أن نتذكّر أ ّن الغرب باعتباره ق ّوة مل يق ّدم‬
‫حتّى اآلن أ ّي دليل عىل أنّه يهت ّم بأ ّي شكل من‬
‫األشكال بتنظيم الح ّرية يف األماكن التي يتدخّل‬
‫فيها‪ ،‬فام يه ّم الغرب فقط هو‪« :‬هل تسايرين أم‬
‫ال؟»‪ ،‬مح ّمال عبارة «تسايرين» مبعنى ال ّدخول إىل‬
‫السوق‪ ،‬حتّى إذا لزم األمر التّعاون مع‬
‫اقتصاد ّ‬
‫الشرّ طة املضا ّدة للثّورة‪ .‬إ ّن «بلدانا صديقة» مثل‬
‫مرص وباكستان هي كلّها‪ ،‬مثل تونس تحت حكم‬
‫بن عيل‪ ،‬من حيث االستبداد والفساد‪ ،‬ولك ّننا ال‬
‫نسمع كلمة واحدة يف شأنها من أولئك الّذين ظهروا مبناسبة األحداث يف‬
‫تونس يف هيئة املدافعني املستميتني عن الح ّرية‪.‬‬
‫كيف ميكن تعريف حركة شعب ّية قابلة لالختزال يف «رغبة الغرب»؟ ميكن‬
‫للمرء أن يقول‪ ،‬وينطبق هذا التّعريف عىل أ ّي بلد‪ ،‬إنّها حركة تتحقّق يف‬
‫السلب ّي ُة والشّ عبي ُة شكلَ‬
‫شكل أعامل شغب ضد االستبداد تتّخذ سلطتُها ّ‬
‫الحشد وال متلك سلطتُها اإليجاب ّي ُة من منوذج آخر غري ال ّنموذج الّذي‬
‫يعتمد عليه الغرب؛ إ ّن أيّة حركة شعب ّية تخضع لهذا التعريف من املر ّجح‬
‫للغاية أنّها ستنتهي بإجراء انتخابات وليس هناك أ ّي سبب ليولد منها‬
‫سيايس آخر غري هذا‪ .‬أنا أقرتح أن نقول إنّه يف نهاية مثل هذا املسار‬
‫أفق‬
‫ّ‬
‫الصحافة الغرب ّية هو‬
‫سوف نشهد ظاهرة استيعاب غرب ّية‪ ،‬وما تقوله لنا ّ‬
‫أ ّن هذه الظّاهرة هي ال ّنتيجة الحتم ّية ملسار الشّ غب عموما‪ ،‬والشّ غب‬
‫ونيس يف هذه الحالة‪.‬‬
‫التّ ّ‬
‫إذا كان صحيحا‪ ،‬كام تنبأ بذلك ماركس‪ ،‬أ ّن فضاء تحقيق األفكار التّح ّررية‬
‫العاملي (وإن مل يكن هذا هو حال ثورات القرن العرشين)‬
‫هو الفضاء‬
‫ّ‬
‫فهذا يعني أنّه ال ميكن اعتبار ظاهرة االستيعاب الغر ّيب تغيريا حقيق ّيا؛ فام‬
‫سيكون تغيريا حقيقيا هو الخروج من الغرب‪ ،‬هو «إزالة الغربنة»‪ ،‬وهو‬
‫ما سيتّخذ شكال من االستبعاد‪ .‬ستقولون يل إنّه حلم يقظة‪ ،‬ولك ّنه حلم‬
‫منوذجي متاما لفرتة بين ّية كهذه الفرتة الّتي نشهدها‪.‬‬
‫ّ‬
‫إذا كان هناك تط ّور مختلف عن التّطور نحو االستيعاب الغر ّيب‪ ،‬فام‬
‫الذي ميكن أن يربهن عىل ذلك؟ ال ميكن تقديم إجابة قطع ّية هنا‪ ،‬ولكن‬
‫ميكننا أن نقول ببساطة إنّه ال يوجد ما ميكن توقّعه من تحليل املسار عىل‬
‫مستوى ال ّدولة نفسها‪ ،‬هذا املسار الطّويل وامللتوي الّذي سيفيض يف نهاية‬
‫املطاف إىل انتخابات‪ .‬فاملطلوب هو إجراء فحص متأ ّن ودقيق بني ال ّناس‪،‬‬
‫بحثًا عماّ سوف تحمله فئة من داخل الحركة يف نهاية مسار من االنقسام‬
‫الحتمي (أل ّن رقم «اثنان» هو الحامل دامئا للحقيقة وليس رقم «واحد»)‬
‫ّ‬
‫ونعني به‪ :‬البيانات؛ أي أشياء قيلت وليست قابلة للذّوبان يف االستيعاب‪.‬‬
‫إذا كان هناك أ ّي من هذه البيانات متوفّرا‪ ،‬فسوف تتع ّرف عىل بعضها‬
‫الجامعي‬
‫البعض بسهولة؛ وال ميكن تص ّور مسار لتنظيم شخصيات الفعل‬
‫ّ‬
‫إالّ بوجود مثل هذه البيانات الجديدة‪.‬‬
‫ختاما‪ ،‬دعونا نعد إىل مسألة التّعاطف‪ .‬إ ّن ال ّدرس املستفاد من األحداث‬
‫التّونس ّية‪ ،‬وهو ال ّدرس األ ّو ّيل‪ ،‬هو أ ّن ما يبدو أنّه استقرار ال يتزعزع قابل‬
‫لالنهيار يف نهاية املطاف‪ ،‬وهذا من دواعي رسوري وحتّى متعتي‪.‬‬
‫[أنهى أالن باديو درسه بقراءة قصيدة لربيخت بعنوان «تقريض الجدل ّية»‬
‫الّتي يقول آخر بيت منها‪ :‬وما مل يكن أبدا يحصل اليوم‪[.‬‬
‫[‪ ]1‬ال وجه ملقارنة ذلك بانهيار األنظمة الشّ يوعية يف أوروبّا الشرّ قية منذ‬
‫وفييتي الّتي‬
‫حوايل عرشين عا ًما؛ فهذا االنهيار حدث مبوافقة االتّحاد ّ‬
‫الس ّ‬
‫يرمز إليها اللّقاء بني زعيم أملانيا الشرّ قية هونيكر وأوليائه ال ّروس‪ :‬فعندما‬
‫طلب منهم اإلذن بإطالق ال ّنار عىل الحشود (وهي خطوة اضطراريّة‬
‫السلطة‬
‫بال ّنسبة له) رفضوا منحه هذا التّفويض‪ .‬لقد ت ّم تغيري بنية ّ‬
‫الشّ يوعية عىل أيدي األبّاراتشيكس ‪ apparatchiks‬أنفسهم الّذين أخذوا‬
‫السابق بتفجريه من‬
‫مقاليد الحكم عىل أنقاض ال ّنظام الّذي قاموا يف ّ‬
‫ال ّداخل‪.‬‬
‫* درس ألقاه أالن باديو يف دار املعلّمني العليا بباريس أثناء حلقته‬
‫ال ّدراس ّية‪ ،‬يف تاريخ ‪ 19‬جانفي ‪.2011‬‬

‫‪5‬‬

‫الخميس ‪ 14‬مارس ‪ - 2019‬املوافق لـ ‪ 7‬رجب ‪ - 1440‬العدد ‪77‬‬

‫مسارات النسوية العربية‬
‫حسني عبد الرحيم‬

‫منذ بداية القرن العرشين وتحت ظل الحامية اإلستعامرية‬
‫خرجت إيل النور املؤرشات األوىل ملا نعتربه حركة نساء‬
‫للتحرر! كانت الثورة املرصية التحررية ضد اإلستعامر‬
‫اإلنجليزي عىل األبواب عندما أصدر قاسم امني(‪1868-‬‬
‫‪ )1908‬كتابيه العمد «تحرير النساء»و»املرأة الجديدة»‬
‫(‪ )1898/1899‬االستاذ الذي تعلم تعليآم عاليآ يف الحقوق‬
‫يف مرص ثم بفرنسا (مونبلييه ) حيث أنجز دراسات متقدمة‬
‫يف القانون بتفوق بالغ وتعرف عىل اإلتجاهات الكربى يف‬
‫الدراسات اإلنسانية الحديثة مل يكن بعيدآ عن الحركة الوطنية التحررية‬
‫بزعامة «جامل الدين االفغاين» ُملهم «جمعية العروة الوثقى» و»الشيخ‬
‫محمد عبده»الفقيه املتنور َو» َعبَد الرحمن الكواكبي» والحقآ» سعد‬
‫زغلول» (قائد الثورة الدستورية التحررية يف عام‪ !)1919‬وانربى املحافظون‬
‫من رجال األزهر لتفنيده وتكفريه بالنصوص ألرشعية القدميه وكذلك وحتى‬
‫ساحل ضد قاسم أمني مصطفى كامل زعيم الحزب الوطني وو قف ضده‬
‫رجال مثل «طلعت حرب باشا» مؤسس الصناعة الحديثة وبنك مرص! لكنه‬
‫وجد تدعيآم من رجاالت ونساء الحركة الوطنية اللذين والالىئ شاركن فيام‬
‫بعد ىف ثورة‪!1919‬وكانت بعض أمريات االرسة املالكة قد بدأوا من قبل‬
‫نشاطات ثقافية كأألمريه «نازيل فاضل» والتي كان لها صالون أديب بألقاهرة‬
‫وأنتقلت لتونس لتؤثر فيها أيضآ وتتزوج فيها وتسهم يف تغيري صورة املرأة‬
‫الرشقية ولتصبح الرئيسة الرشفية ل»الجمعية الخلدونية»؛ وهي والتي‬
‫ساهمت يف انتقال «قاسم امني «من املحافظية الرشقية للتحررية الليربالية‬
‫التى التعادي الدين ولكنها تعيد تفسريه لصالح خروج املرأة من سجن‬
‫الحجاب والحجر املنزيل!كانت مرافعة «قاسم أمني» تاريخية فلم يعترب‬
‫إستبعاد املرأة من الحياة العامة مشكلة خاصة بألرشق ولكنها مرحلة مرت‬
‫بها كل املجتمعات قبل الولوج للحداثة! حتى نهاية القرن التاسع عرش‬
‫كانت أحوال النساء يف أوربا متخلفة عن نظريتها يف أمريكا الشاملية وكان‬
‫الباحثون األوربيون والكاتبات األوروبيات ينظرون بغبطة وحسد عىل‬
‫املواقع املتقدمة للمرأة يف العامل الجديد سواء يف مجاالت العمل املختلفة‬
‫أو يف التعلم وكذلك يف تويل املسؤوليات اإلدارية والتوسع يف مشاركة املرأة‬
‫يف اإلنتخاب والرتشح ملسؤوليات سياسية!‬
‫الرائد للثاين لحركة تحرر النساء جاء من تونس التى كانت ترزخ‬
‫تحت الحامية اإلستعامرية الفرنسية وهو الكاتب واملناضل «طاهر‬
‫حداد»(‪)1935_1899‬الذي أرتبط بألحركة الدستورية الجديدة بزعامة‬
‫«عبد العزيزالثعالبي» والتى عملت عىل التحرر من نري اإلستعامر وكان من‬
‫بني ظهرانيها الكثريين من رجال الدين الوطنيني ورجال املدرسة الخلدونية‬
‫وكان إرتباط ونضال العملة التونسية بزعامة «محمد عىل الحامي» قد أثر‬
‫بشكل قوي يف أفكار طاهر حداد الذي هو نفسه كاتب الكتاب القيم عن‬
‫نضال الحامي ومنظمته (جامعة عموم العملة التونسية)التى عملت عىل‬
‫التنظم من أجل التحرر اإلجتامعي للشغلية ووجهت لها السلطات رضبة‬
‫مميته أدت لحلها ونفي رائدها!كتاب «أمراتنا يف الرشيعة واملجتمع» هو‬
‫مأثرة «طاهر حداد» الذي تدافع للهجوم عليه وتكفريه كثريين من مشايخ‬
‫الزيتونية حتى الشيخ « محمدالفاضل بن عاشور» الذي ساهم فيام بعد‬
‫يف تشكل وقيادة اإلتحاد العام التونيس للشغل مل يؤيد مقرتحات «الحداد»‬
‫عىل الرغم من وقوفه فيام بعد بجانب مدونة األحوال الشخصية!(‪)1956‬‬
‫والتي نتجت بعد تحقق اإلستقالل السيايس‪ ،‬والذي كان عىل رأس الكفاح‬
‫من أجله العديد من قيادات الحركة النقابية (فرحات حشاد‪/‬أحمد‬
‫التلييل) وكان الزعيم حشاد يدعو النساء للمشاركة يف اإلحتجاجات التي‬
‫كان يقودها بنفسه بني جامهري نسوية مازلن تلبسن السفساري التقليدي!‬
‫تعترب أطروحات «قاسم أمني» تعبري عن املثالية التاريخية ومنو املفاهيم‬
‫ألربچوازية عن املساواة والحريّة الشخصية والعدل من منظور تاريخي بينام‬
‫كانت منظورات «طاهر حداد» هى من موقع مثاليي وأخالقي بأألساس‬
‫ونتبني ذلك من نوعية املحاجاجات التى خاضاها للدفاع عن وجهة نظرهم‬
‫وهناك فارق جوهري آخر هو إرتباط أمني بألحركة الوطنية يف جناحها الوطني‬
‫الدستوري املرتبط بعديد من امل ُالك الزراعيني األثرياء وتعلمه ومعايشتهم‬
‫للحياة الفرنسية بينام أثرت يف «حداد» كثريآ عالقته بألحامي والحركة‬
‫النقابية املغدورة يف الثالثينات وتعليمه الزيتوين بأألساس!فبينامكانت‬
‫هناك برچوازية صاعدة يف مرص آنذاك مثلها الوفد ومنارصيه كانت الحركة‬
‫النقابية التونسية هي التيار الصاعد يف حياة ووعي التونسيني املحدثني!‬
‫املوجة األوىل من الدعوة لتحرر النساء مثلها رجال رأوا يف عملية التحرر‬
‫للنساء كطاقة تنضاف لحركة التحرر اإلجتامعي والسيايس الوطني ولَم يروا‬

‫حركة النساء مبعزل عن الكفاح الوطني العام وكانت إلتزامتهم اإلجتامعية‬
‫والسياسية هي الدافع الرئييس لدفاعهم عن حقوق النساء وكان معارضيهم‬
‫من املحافظني يتكونون من رجال دين متزمتني وأصحاب أمالك لقت‬
‫دعايتهم يف الدفاع عن املوروث الرجعي صدى لدى جامهري مل تكن‬
‫الحركة اإلجتامعية والثقافية والسياسية قد وصلت إليها حتى ذلك الحني!‬
‫تأيت املوجة الثانية لتحرر املرأة عل يد نساء متعلامت مثل» هدى‬
‫شعراوي» «ودرية شفيق» و»راضية حداد «وجميعهن فاعالت يف‬
‫الحياة العامة وممثالت يف الهيئات السياسية كام ظهر يف املجال العام أن‬
‫خروجهن سافرات ومشاركتهن يف التظاهر والخطابة والتمثيل لقطاعات‬
‫من الشعب من نساء ورجال من الناحية الرمزية تعبري عن تقدم النساء‬
‫وكرامتهن!تبعتهن نساء أخريات ك(روزا اليوسف)املمثلة ثم النارشة‬
‫إلحدى أهم املجالت العربية و»أم كلثوم»املغنية األشهر يف تاريخ العرب‬
‫املعارص و»مي زيادة» رائدة الصالون األديب الشهري والذي كان يرتاده «طه‬
‫حسني» و»العقاد»!و»حبيبة مسيكة» التي قدمت صورة مختلفة لفنانة‬
‫أحبها التونسيني! وأخريات غيرّ ن الصورة التقليدية للمرأة العربية!ويف نفس‬
‫الوقت بدأ دخول النساء لسوق العمل غري الزراعي واملنزيل يف صناعات‬
‫النسيج بألذات وفيِ اإلدارة وفيِ الخدمات الصحية!‬
‫يف مرحلة دولة اإلستقالل السيايس التى أتت لىك تتشكل بريوقراطية‬
‫وطنيةتحل محل اإلدارة اإلستعامرية!تم التوسع يف التعليم العام‬
‫واملدارس العمومية لتخريج املوظفني واملوظفات الحكوميني وتم إقرار‬
‫حق اإلقرتاع والرتشح للنساء فتظهر النساء معضوات يف الجالس النيابية‬
‫وزيرات يف وزارات كألشئون اإلجتامعية عىل الخصوص! ويف تلك املرحلة‬
‫يبزغ نجم الكاتبات النساء ك»لطيفة الزيات»(الباب املفرتح) والدكتورة‬
‫«رضوى عاشور «يف أعاملها األدبية وبحوثها املتنوعة و «الدكتورة نوال‬
‫السعداوي»يف مجمل أعاملها السجالية واالدبيةو(فاطمة املرنيس )‬
‫التي أعادت نسج حكاية التحرر مع الثقافة العربية التقليدية!وبنت‬
‫الشاطئ (عائشة عبد الرحمن) التي أعادت إيل األذهان بطوالت نسائية‬
‫مثل السيدة «زينب بن الحسني بن ع ّىل»(كربالء) والروائية «غادة‬
‫السامن» التيي قدمت يف أعاملها نقدآ شديدآ للتحرر الزائف عىل النمط‬
‫الغريب وأبرزت تجذر قوة املرأة يف التاريخ العريب واإلسالمي يف أغلب‬
‫كتابتها الواسعة اإلنتشار !وبإختالف مشاربهم الفكرية فإن ظهور املرأة‬
‫ككاتبة ومحارضة يعترب نقلة نوعية ىف الصورة العامة للمرأة العربية!‬
‫مايهمنا يف هذه العجالة ُهن الكاتبتني «فاطمة املرنييس» و»نوال‬
‫السعداوي» بسبب تأثريهن الالحق يف مجمل توجهات الحركة النسوية‬
‫العربية!ثالث كتب للسعداوي شكلت اقرتاباتها من املسألة النسوية عنارص‬
‫وعي حاسمة يف مجمل النطاق الثقايف العريب وهم عىل التوايل «املرأة‬
‫والجنس «و»الرجل والجنس «و»املرأةهي األصل»وقدمتت طباعتهم مرات‬
‫عديدة بعرشات أآلف النسخ من املحيط للخليج و»نوال» التي بحكم‬
‫مهنتها كطبيبة ركزت عىل اإلضطهاد الجنيس للنساء حيث أنها مرصية‬
‫وتعاين النساء يف هذا البلد من عمليات بشعةكعمليات ختان البنات ومن‬
‫إهامل الجانب الجنيس يف حياة املرأة وتطورها العقيل! وقرصه عىل إمتاع‬
‫الرجل وإنجاب االطفال وكانت مسألةالختان املظهر األخطر يف إضطهاد‬
‫املرأة املرصية عىل وجه الخصوص!وطبعت مجادالت «السعداوي»‬

‫الحركةالنسوية العربية وخاصة بعد تشكيلها لجمعية «تضامن املرأة‬
‫العربية»‪....‬يف املغرب األقىص كانت مثقفة أخرى هي «فاطمة املرنييس»‬
‫تقود محاولة للتذكري بأن إضطهاد املرأة ليس من مكونات األصيلةللثقافة‬
‫العربية وأن عملية تحرير املرأة له أُسس عربية وثقافية رشقية متينة! وكانت‬
‫عاملة اإلجتامع «فاطمة»تعمل عىل تخليص النطاق الفكري العريب من فكرة‬
‫«الحريم» بإعتبارها نشأت يف عصور اإلنحدار للثقافة العربية اإلسالمية!‬
‫الجيل الثالث من النسويات العربيات نشأ مع عملية العوملة ونشوء مايسمى‬
‫منظامت املجتمع املدين وبروز املسألة»الچندرية»كموضوع للنضال يف‬
‫أماكن مختلفة من العامل ويتميّز هذا الجيل بألعمل عىل تنظيم النساء يف‬
‫جمعيات وأستخدام الضغط( اللويب)ملحاولة تغيري يف النظام القانوين ودعم‬
‫متثيل النساء ىف الهيئات التمثيلية ودعم النساء الالىئ يتعرضن للحيف‬
‫والظلم والدعوة للمساواة يف حقوق الزواج واإلنفصال واملرياث!وهذه‬
‫املجموعات متتلك عالقات دولية مؤثرة ومتتلك موارد مهمة لكن ميلها‬
‫األسايس ليربايل ضمن تيارات العوملة الحقوقية ! ومن أمثلةهذه املجموعات‬
‫مجلة ومجموعة «املرأة الجديدة» مبرص و»النساء الدميوقراطيات «بتونس‬
‫و»تضامن املرأة العربية»‪ ،‬وتكونت أمانات للنساء داخل معظم األحزاب‬
‫وكذلك املنظامت النقابية وشهدت هذه املرحلة أيضآ توىل املرأة للعديد‬
‫من املناصب الوزارية وعضوية يف املجالس النيابية والبلدية مع إعتامد‬
‫نظام حصة للنساء رضورية يف القوائم اإلنتخابية يف بلدان عربية مختلفة!‬
‫وشهدت هذه املرحلة أيضآ ظهور نسوية ذات توجه إسالمي مثلتها عىل‬
‫األخص عاملة السياسة يف جامعة القاهرة والجامعة األمريكية بألقاهرة‬
‫والناشطة يف مجاالت وجمعيات عدة والكاتبة»الدكتوره هبة رؤوف‬
‫عزت»! ‪،‬وكذلك نسويات ماركسيات ربطن التحرر النسوي بألنضال‬
‫الطبقي ك»سناء املرصي»(ضد الحجاب) و»أروى صالح»(املبترسون)‪.‬‬
‫أدت املرحلة الثورية الحالية يف املنطقة العربية إيل صعود نساء‬
‫ملواقع غري مسبوقة كرئيسات ألحزاب سياسية بأإلنتخاب سبقتهن‬
‫«لويزا حنون»النقابية ورئيسة «حزب العامل «بألجزائر والفقيدة‬
‫«مي الجريبي « رئيسة»الحزب الجمهوري» بتونس والدكتورة «هالة‬
‫شكرألله»رئيسة «حزب الدستور» املرصي وهن جميعآ أثبنت أنهن نساء‬
‫قادرات للقيادةوالتفكريأإلسرتاتيچي ! لكن البالد العربية مل تشهد حتى‬
‫اآلن رئيسات للدول من النساء لكن هذا اإلنجاز رمبا أقرتب من التحقيق‬
‫بينام شهدنا ذلك منذ عقود يف القارات األسيوية واألوربيةواألمريكتني!‬
‫الحركة التاريخية التي إنطلقت بكتابني لرجلني هام» قاسم أمني»‬
‫و»طاهر حداد» وصلت ملرحلة حركة جامهريية واسعة متعددة التيارات‬
‫واإلسرتاتيچيات واألساليب !لكن الواقع الحي يشهد إلقتحام املرأة لكل‬
‫مواقع العمل اإلقتصادي واإلجتامعي والسيايس فلم تعدن النساء ربات‬
‫بيوت محجورات داخل أسوار !لكن الواقع الترشيعي مازال متخلفآ وكذلك‬
‫الذهنيات والتقاليد! ومازال أمام النساء العربيات عوائق وحواجز كثرية‬
‫لتجاوزها ‪.‬لكن التاريخ اإلجتامعي لبلدان كثرية يخربنا بإن تقدم وحرية‬
‫املجتمع الميكن تحققها بغري تحرر النساء لكن تحرر النساء نفسه‬
‫ينبغي أن يربط نضاله بألنضال اإلجتامعي والسيايس من أجل تحقيق‬
‫العدالة والحريّة ملجمل املواطنني! نختم عجالتنا التاريخية مبقولة طاهر‬
‫حداد «حجاب املرأة ليس فقط سجنآ لجسدها ولكنه سجن كذلك‬
‫لروحها»(إمرأتنا يف الرشيعة واملجتمع)‬

‫‪6‬‬

‫الخميس ‪ 14‬مارس ‪ - 2019‬املوافق لـ ‪ 7‬رجب ‪ - 1440‬العدد ‪77‬‬

‫االستفزازي والنضال الوطني‪.‬‬
‫إن خطورة طرح تحرير فلسطني وبناء دولة فلسطينية عىل أساس‬
‫ديني‪ ،‬من شأنه أن يحول الرصاع الفلسطيني والعريب الصهيوين إىل‬
‫رصاع ديني «إسالمي‪ -‬يهودي»‪ .‬وهو منزلق يطمس جوهر القضية‪،‬‬
‫باعتبارها قضية تحرر وطني‪ ،‬ويكبّل الشعب الفلسطيني بأثقال‬
‫املايض ويعرقله يف سريه نحو التحرر الوطني واالجتامعي والسيايس‪.‬‬
‫وزيادة عىل ذلك‪ ،‬ونظرا للتعقيدات التي شهدتها هذه الرقعة من‬
‫الحل األقرب للمنطق الذي بإمكانه‬
‫األرض منذ أقدم العصور‪ ،‬يصبح ّ‬
‫إطفاء التناحر بني املعتقدات والديانات واألعراق‪ ،‬الذي يتواصل‬
‫عرب مختلف الحقب التاريخية‪ ،‬يف صيغ وأشكال مختلفة‪ ،‬هو ذاك‬
‫الذي اهتدت إليه الثورة الفلسطينية يف مطلع السبعينات من القرن‬
‫املايض‪ ،‬والداعي اىل إقامة دولة علامنية دميقراطية تتعايش فيه‬
‫الحل الذي‬
‫األديان واألعراق عىل كامل أرض فلسطني‪ .‬وهو أيضا‪ّ ،‬‬
‫اهتدت إليه الثورة يف جنوب إفريقيا أمام امليز العنرصي لتجاوز‬
‫األسس العنرصية واالستعامرية والفاشية التي كانت تقوم عليها‬
‫دولة البيض‪ ،‬وهو يف اعتقادنا الحل األمثل للقضية الفلسطينية‪.‬‬
‫إن قوة الدولة العلامنية الدميقراطية تكمن يف كونها تثبت الحقوق‬
‫الوطنية للشعب الفلسطيني‪ ،‬حتى وإن كانت منقوصة‪ ،‬وتنفي‬
‫مبجرد وجودها كل كيان قائم عىل أساس االضطهاد الديني أو العرقي‬
‫أو العقيدي أو عىل أساس االستعامر االستيطاين‪ ،‬وتفتح الطريق أمام‬
‫حل شامل يحقق إنسانية اإلنسان‪.‬‬
‫ّ‬
‫وأخذا بعني االعتبار أن األوضاع يف املنطقة بالغة التعقيد‪ ،‬سواء‬
‫أكان ذلك يف عالقة بالثقل التاريخي الذي يك ّبلها أو باملصالح املحلية‬
‫واإلقليمية والعاملية التي تتجمع فيها‪ ،‬فإنه من األقوم وقبل الوصول‬
‫إىل هذا الحل العقالين والعلامين والدميقراطي أن تعيش املنطقة‬
‫مرحلة انتقالية يتحقق فيها جزء من املطمح الوطني الفلسطيني‬
‫املتمثل يف إقامة دولته‪ ،‬يف املجال املخصص للسلطة الفلسطينية‪.‬‬

‫بمناسبة القمّة العربية‪،‬‬
‫أي ّ‬
‫حل بديل للقضبة الفلسطينية؟‬
‫محمد الكيالين‬

‫لماذا أتعرض اآلن للقضية‬
‫الفلسطينية؟‬

‫مل تشهد األوضاع العربية والفلسطينية سوءا أكرث‬
‫مام بلعته بعد الربيع العريب حيث الحروب األهلية‬
‫والرصاعات والخالفات واالضطرابات والتبعية‬
‫والعاملة والفساد واإلرهاب‪ ،‬حتى أن الجامعة العربية مل تتمكن من االجتامع‬
‫والدولة الفلسطينية أصبحت دولتني يف حني عاد الجدل حول التطبيع والشعب‬
‫الفلسطيني منقسام يواجه املوت يوميا والقدس بصدد التحول عىل أيدي ترامب‬
‫والعراق وسوريا واليمن وليبيا ت َم تدمريها وتتحينّ الدول العظمى الفرصة لالنقضاض‬
‫عىل الجزائر‪ .‬ومبا أن الوضع مبثل هذا السوء فإنه يتطلب إعادة التفكري يف الواقع‬
‫والنظر يف الحلول قدميها وحديثها‪ .‬زمن الطبيعي جدا أال نتعرض ملوقف بورقيبة من‬
‫القضية الفلسطينية وأن نبحث عن طريق يفتح األفق‪.‬‬

‫لمحة عن تطور القضية الفلسطينية‬

‫مرت اسرتاتجية الثورة الفلسطينية مبنعرجات عدة وتغريت املرة‬
‫تلو األخرى‪ ،‬سواء أكان األمر مقرونا بظروف النضال الفلسطيني‪،‬‬
‫أو بضغط الدول العربية املتاخمة إلرسائيل واملضيفة لالجئني‪،‬‬
‫أو بتأثري تيارات إيديولوجية وسياسية عاملية أو بتغيري الخارطة‬
‫السياسية الفلسطينية عىل امليدان‪ .‬فقد مرت من رفض قرار‬
‫التقسيم الصادر عن األمم املتحدة يف ‪ 1947‬والنضال يف سبيل‬
‫اسرتجاع كامل فلسطني وإجبار اليهود املهجرين عىل العودة‬
‫إىل بلدانهم األصلية التي أتوا منها‪ ،‬إىل وضع اسرتاتيجية إقامة‬
‫الدولة العلامنية عىل كامل أرض فلسطني‪ ،‬يف مطلع السبعينات‪،‬‬
‫تتعايش فيها مختلف الديانات واألعراق‪ ،‬ومنذ أواخر السبعينات‬
‫الشء‪ ،‬إذ بدأ‬
‫مطلع الثامنينات تع ّدلت هذه االسرتاتيجيا بعض يّ‬
‫الخاصة طبقا‬
‫الحديث عن ّ‬
‫حق الشعب الفلسطيني يف إقامة دولته ّ‬

‫للقرارات األممية‪ .‬ونشري يف هذا الصدد إىل أن منظمة التحرير مل‬
‫تقبل خالل هذه املراحل املتعاقبة االعرتاف بدولة إرسائيل‪ ،‬رافعة‬
‫الءاتها الثالثة‪ ،‬ال اعرتاف ال تفاوض ال سالم‪ .‬ويف مطلع التسعينات‬
‫أصبحت اسرتاتيجية الثورة تقوم عىل إرساء الدولة الفلسطينية عىل‬
‫الضفة والقطاع وعودة الالجئني‪ .‬وهكذا أتت مفاوضات مدريد‬
‫واتفاقية أوسلو‪ ،‬التي اعرتفت مبوجبها منظمة التحرير بإرسائيل‬
‫وقبلت بسلطة فلسطينية محدودة عىل املجال الذي حددته‬
‫االتفاقية‪.‬‬
‫لقد عانت منظمة التحرير والزالت من تدخل األنظمة العربية‬
‫يف شؤونها الداخلية‪ ،‬حتى أن البعض منها باسم «القومية»‬
‫و»جبهة الرفض» أو «دول املواجهة» أو»الدول العائلة» أو‬
‫«املانحة»(السعودية والخليج النفطي) بعثت تنظيامت فلسطينية‬
‫مولّتها وسلّحتها وجعلت منها طرفا يف القرار الفلسطيني‪ ،‬زيادة‬
‫عىل الضغط الذي متارسه مبارشة‪ ،‬والذي تراوح بني املادي واملعنوي‬
‫وبني التصفية الجسدية والعسكرية للوجود الفلسطيني وإيقاف‬
‫وتعذيب اإلطارات السياسية والعسكرية ومالحقتهم والتنكيل‬
‫بهم وبذويهم‪ ،‬وإذا أضفنا إىل هذا الوضع ما قامت وتقوم به‬
‫إرسائيل من اغتياالت وإيقافات ومالحقات وتأطري أمني للمجتمع‬
‫اإلرسائييل وعسكري لألرايض املحتلة إثر حريب‪ 67‬و‪ 73‬وما تالهام‪،‬‬
‫وإذا أضفنا أيضا االغتياالت التي استهدفت بعض القادة واملفكرين‬
‫والتي ارتكبتها حركات إسالمية‪ ،‬نفهم جيدا األسباب الرئيسية‬
‫املتعلقة بالعامل الذايت للثورة االفلسطينية التي مت ّيز بعدم‬
‫االستقرار اإلسرتاتيجي‪.‬‬
‫الدولة العلامنية هي الحل‬
‫لكن ورغم قناعتنا بأن وضع الثورة الفلسطينية يع ّد األعقد واألشد‬
‫خطورة من بني مختلف نقاط التوتر الجيوسيايس يف العامل الرتباطه‬
‫الوثيق باألوضاع العاملية واإلقليمية وخاصة باألرض الفلسطينية‬
‫التي يتشابك فيها الديني واالتني والثقايف والوطني واالقتصادي‬

‫‪7‬‬

‫استراتيجيتان متقابلتان في النضال الفلسطيني‬

‫والسيايس واالجتامعي‪ ،‬منها الذي له صلة بالرصاع املبارش ومنها‬
‫الذي يرمي جذوره يف التاريخ‪.‬‬
‫وبالنظر لهذا التعقيد البالغ الدقة والشمولية وحالة ميزان القوى‬
‫املحلية واإلقليمية والعاملية‪ ،‬فإن التميش األسلم هو تحقيق الهدف‬
‫حل قادر عىل استيعاب‬
‫اإلسرتاتيجي عىل مراحل‪ ،‬هو تقديم منوذج ّ‬
‫مجمل التناقضات القامئة عىل األرض الفلسطينية وعىل إقناع‬
‫الشعب الفلسطيني واليهود مبختلف أوطانهم األصلية والرأي‬
‫العام العريب والعاملي بأن التعايش ممكن والسالم ممكن وتحقيق‬
‫املطامح الوطنية الفلسطينية ممكن‪ .‬ويتمثل هذا الحل يف الدولة‬
‫العلامنية الدميقراطية التي تقام عىل كل شرب يتم تحريره من‬
‫االستعامر االستيطاين الصهيوين وعىل كامل فلسطني املتحررة من‬
‫الصهيونية‪.‬‬
‫لذلك نحن نعارض الحلول الدينية والشوفينية ونساند الخطوات‬
‫التي تقربنا من الحل العقالين‪ ،‬بعيدا عن التطرف الوجداين وعن‬
‫التصورات املثالية التي كلّفت الشعب الفلسطيني غاليا وأجربته‬
‫عىل أن يبحث اليوم عن حلول منقوصة ومذلة ويف غري صالحة‪،‬‬
‫مقارنة بتلك التي كانت متوفرة باألمس‪.‬‬
‫نحن لسنا ضد «حامس» والحركات اإلسالمية الفلسطينية ألن‬
‫مرجعيتها دينية‪ ،‬بل ألنها تدعو اىل إقامة دولة دينية عىل األرض‬
‫الفلسطينية تعارض الدولة الدينية العربية وألنها مل تدرك أن‬
‫الشعب الفلسطني قد ذاق ذرعا من العبودية واالستبداد باسم‬
‫الدين‪ ،‬التي كانت تارة باسم املسيحية وأخرى باسم اليهودية‬
‫وثالثة باسم اإلسالم‪ ،‬وألنها مل تدرك أنه اليوم يف حاجة‪ ،‬أكرث من أي‬
‫وقت مىض‪ ،‬إىل التحرر من االستبداد باسم الدين وإىل العيش يف‬
‫مأمن من الرصاعات السياسية املتسرتة بالدين‪.‬‬
‫نحن ضد»حامس» والحركات اإلسالمية الفلسطينية ألنّها ال تفرق‬
‫بني اليهودي كمواطن وبني األجهزة القمعية‪ -‬الرسمية وغري‬
‫الرسمية‪ -‬للدولة الصهيونية‪ ،‬وال تفرق أيضا‪ ،‬بني العمل اإلرهايب‬

‫منذ صدور قرار التقسيم الصادر عن األمم املتحدة يف ‪ ،1947‬الذي‬
‫مكّن الفلسطينيني من أغلبية األرض‪ ،‬وقيام دولة إرسائيل يف ‪1948‬‬
‫عىل الجزء األصغر‪ .‬ومنذ ذلك التاريخ واملسألة املطروحة أمام حركة‬
‫التحرر الفلسطينية القبول بقرار التقسيم وإقامة الدولة الفلسطينية‬
‫إىل جانب دولة إرسائيل أم رفضها والنضال من أجل تحرير فلسطني‬
‫كامل فلسطني دون نقصان‪ .‬وكان املوقف الرسمي الفلسطيني‬
‫الحل األول كان يأخذ‬
‫الحل الثاين‪ ،‬لكن ّ‬
‫وموقف الدول العربية مع ّ‬
‫مكانه يف القضية كلام انتزعت دولة إرسائيل والعصابات الصهيونية‬
‫مقاطعات جديدة من األرض الفلسطينية‪ .‬لكن املوقف الرسمي بدأ‬
‫هو اآلخر ينقسم منذ خطاب أريحة الذي ألقاه الحبيب بورقيبة يف‬
‫فلسطني والذي كان عىل اتفاق بشأنه من جامل عبد النارص‪ ،‬والذي‬
‫دعا فيه إىل القبول بإقامة الدولة الفلسطينية املستقلة عىل الحدود‬
‫املرسومة لها دوليا يك تقف حاجزا أمام التوسع اإلرسائييل وتحافظ‬
‫عىل الذاتية الفلسطينية‪ .‬ومع ذلك ظل املوقف الفلسطيني والعريب‬
‫الرسمي منقسام ومرتددا‪ ،‬بينام الكيان الصهيوين الذي فرض نفسه‬
‫كدولة استعامرية عنرصية استيطانية تتمدد باستمرار يف فلسطني‬
‫وعىل حدود دول الجوار إىل أن تقلّصت حدود ‪ 1948‬إىل حدود‬
‫‪ 1967‬فـ ‪ 1973‬وكل الرصاعات واملواجهات والحروب التي ه ّزت‬
‫املنطقة إىل اليوم حتى أصبحت األرض املخصصة للفلسطينيني‬
‫وكأنها محميات محدودة املجال مفككة بحركة االستيطان التي ال‬
‫تنوي التوقف حتى طرد الشعب الفلسطيني نهائيا من أرضه‪ .‬وكأننا‬
‫أمام سيناريو الهنود الحمر يف أمريكا ينذر بالتكرر يف فلسطني‪ .‬يف‬
‫بحل‬
‫مثل هذه الظروف غري املناسبة متاما قبلت منظمة التحرير ّ‬
‫الحل العقائدي يف أقىص ميني الثورة‬
‫الدولة الفلسطينية‪ ،‬ظهر حينها ّ‬
‫الفلسطينية مع منظمة «حامس» يف قطاع غزة بعد انتصارها يف‬
‫االنتخابات البلدية والترشيعية أين أقامت حكومة الخاصة‪ ،‬ويف‬
‫الواقع دولتها الخاصة‪.‬‬
‫الحل األمثل للقضية الفلسطينية منذ‬
‫بورقيبة كان سبَاقا يف تحسس ّ‬
‫خطاب أريحة‬
‫يطرح السؤال نفسه ملاذا قبل الحبيب بورقيبة بقرار التقسيم وإقامة‬
‫الدولة الفلسطينية عىل القسم املعرتف به دوليا؟ أعتقد أنّه قبل‬

‫الخميس ‪ 14‬مارس ‪ - 2019‬املوافق لـ ‪ 7‬رجب ‪ - 1440‬العدد ‪77‬‬

‫بذلك لألسباب التالية‪:‬‬
‫األول‪ :‬يتعلق بفكر بورقيبة السيايس الذي يعترب أن السياسة تعنى‬
‫مبجال املمكن أي النسبي‪ ،‬يف حني أن العقائد تعنى مبجال املطلق‪.‬‬
‫كام أنه يعتقد أن العرب مل يدخلوا عامل النسبية إال وهم مكرهون‪.‬‬
‫ومازالوا يعيشون يف فضاء املطلق‪ .‬لذلك ال ينظرون لقضاياهم‬
‫بصورة واقعية‪ ،‬أي نسبية‪ .‬وطاملا أنهم كذلك فلن يقدروا عىل تحرير‬
‫فلسطني أو عىل تحقيق وحدتهم‪ ،‬وال عىل النهوض واللحاق بركب‬
‫األمم املتحرضة واملتقدمة‪.‬‬
‫والثاين‪ :‬يتعلق باملرونة التكتيكية التي يتميز بها بورقيبة وذلك‬
‫بقدرته عىل فهم الواقع وبتعامله مع ميزان القوي الفعيل‬
‫وباتجاهات تطورها‪ .‬وقياسا عىل تجربته الخاصة يف حركة التحرر‬
‫الوطني‪ ،‬أقدم يف خطاب أريحة عىل القول برضورة القبول بقرار‬
‫التقسيم وقيام الدولة الفلسطينية وتحويلها إىل واقع مادي ال ميكن‬
‫تجنبه‪ .‬وعارض فكرة «رمي اليهود يف البحر»‪ .‬وما كان ألحد أن‬
‫يجرأ عىل مثل هذا القول يف زمن شاع فيه الفكر القومي وحلوله‬
‫الشوفينية التي أصبحت شبه عقيدة‪ .‬لقد كانت قناعة بورقيبة التامة‬
‫بأن الفلسطينيني إذا مل يؤسسوا دولتهم الخاصة سيجدون أنفسهم‬
‫يفاوضون يف املستقبل عىل ما هو أدىن من ذلك بكثري‪.‬‬
‫والثالث‪ :‬يتمثل يف أن بورقيبة يرتكز يف موقفه عىل «الرشعية‬
‫الدولية» أي عىل االتفاق الحاصل داخل املجموعة الدولية حول‬
‫رضورة الفصل بني الفلسطينيني واليهود الستحالة التعايش فيام‬
‫بينهم‪ ،‬إلنهاء التطاحن املطبوع بروح دينية وشوفينية جلية‪ .‬ويعتقد‬
‫بورقيبة أن القضايا الوطنية ال تجد طريقها للحل النهايئ إال يف إطار‬
‫االتجاه العام للرأي السائد لدى املنظومة الدولية‪.‬‬
‫والرابع‪ :‬هو أن بورقيبة عقالين ويتعامل مع األديان بالتساوي‬
‫والتسامح فهو ال يفرق بني التونيس والتونيس عىل أساس العقيدة‬
‫أي عىل أساس أنه مسلم أو يهودي أو مسيحي‪ ،‬وهو سلوك موروث‬
‫من قدرة الشعب عىل التعايش فيام بينه مبختلف عقائده ونحله‪،‬‬
‫باستثناء بعض الفرتات السوداء التي طبعها التطاحن الديني‪.‬‬
‫وأخذا بعني االعتبار هذه العنارص األربعة يكون من الخطأ التعامل‬
‫باستخفاف مع موقف بورقيبة القضية الفلسطينية ورميه بالعاملة‬
‫للصهيونية أو ما شابه ذلك‪ .‬وال أعتقد أن موقفه من دعوة‬
‫الفلسطينيني إىل بناء دولتهم طبقا للقرار األممي خاطئ بل كان‬
‫صائبا ألنّه كان بإمكانه أن ميكن الشعب الفلسطيني من فرض‬
‫واقع ميداين كلام تغري تجد «الرشعية دولية» نفسها مجربة عىل‬
‫تأطريه سلبا أو إيجابا‪ .‬وقد نجح الصهاينة يف هذا امليدان وفشل‬

‫العرب الذين ضاعوا اسرتاتيجيتهم يف جملة من الشعارات الغوغائية‬
‫والوهمية وفشل الفلسطينيون ألنهم خرسوا أرضهم ومل يبق لهم غري‬
‫محتشدات شارون التي ترشعها «خارطة الطريق»‪.‬‬

‫كان عرفات على خطى بورقيبة‬

‫وأمام هذا الوضع املرتدي ك ّنا مع عرفات مل ّا قبل باتفاقيات مدريد‬
‫وأوسلو ومع الدويلة الفلسطينية باعتبارها متكّن الشعب الفلسطيني‬
‫من تثبيت هويته عىل األرض ومن إعادة تضميد جراحه ومآسيه‬
‫ومن الشعور بأن له ذات خاصة متميزة ومن العودة إىل األرض‪.‬‬
‫وهذا يعني أن االتفاقية‪ ،‬لها مزيّة كربى تتمثل يف أنّها مكّنت‬
‫الشعب الفلسطيني‪ ،‬عىل األقل‪ ،‬من االستعداد ألساليب جديدة يف‬
‫املقاومة إلجبار إرسائيل أن تظهر عىل امتداد االنتفاضة كدولة غازية‬
‫أمام املنتظم األممي والرأي العام العاملي‪ ،‬ومن هدنة يستعيد فيها‬
‫أنفاسه يك يهب من جديد للمقاومة‪.‬‬
‫لقد ناور عرفات كام ناور بورقيبة واستعمل كل السبل إلنضاج نار‬
‫االنتفاضة فغذاها وأججها وحامها ووفر لها كل الظروف املادية‬
‫واملعنوية والسياسية والعسكرية رغم املعارضة التي لقيها من قبل‬
‫كل فصائل املقومة‪ .‬ورغم املرونة التكتيكية التي تالمس «التواطؤ»‬
‫فقد ظل واقفا أمام الضغط الذي مورس عليه مبا يف ذلك تهديده‬
‫يف حياته‪ .‬وميكن القول أن وجه الشبه يف املرونة كبري بينه وبني‬
‫بورقيبة‪ .‬وميكننا القول أيضا أن عرفات يواصل موقف بورقيبة يف‬
‫ظروف أعرس‪.‬‬
‫إن هذا الحل‪ ،‬رغم كونه منقوصا ودون ما تضمنته القرارات األممية‪،‬‬
‫فهو رضوري من أجل الحفاظ عىل القضية الفلسطينية وإعادة‬
‫طرحها يف إطار تسوية تتوفر فيها الرشوط املالمئة لتحقيق الهدف‬
‫كله‪ ،‬وهو رضوري لحامية الشعب الفلسطيني من االهرتاء املادي‬
‫واملعنوي ومتكينه من اسرتجاع أنفاسه واستعادة عافيته‪.‬‬
‫كام أن هذا الحل‪ ،‬رغم كونه منقوصا‪ ،‬بإمكانه أن يسهم يف إطفاء‬
‫الرصاع الديني املتأجج وتحرير املواطن الفلسطيني من ثقله وجعله‬
‫أكرث قابلية للحلول العقالنية والعلامنية‪.‬‬
‫وعندها فقط يصبح باالمكان‪ ،‬املرور إىل مرحلة النضال من أجل‬
‫إقامة الدولة العلامنية الدميقراطية عىل كامل أرض فلسطني‪،‬‬
‫تتعايش فيها مختلف األديان واألعراق دون متييز‪ .‬وعندها فقط‬
‫يصبح ممكنا للشعب الفلسطيني أن يحقق مطامحه الوطنية كاملة‬
‫ومي ّر يف طريقه إىل تحقيق تحرره االجتامعي والسيايس‪.‬‬

‫‪8‬‬

‫الخميس ‪ 14‬مارس ‪ - 2019‬املوافق لـ ‪ 7‬رجب ‪ - 1440‬العدد ‪77‬‬

‫حوار العدد مع األستاذة نزيهة عاتي‬

‫املثقف هو الشخص الواعي بقضايا مجتمعه والذي‬
‫يوظف معارفه و خرباته لفائدة املجتمع‬
‫حاورته‪ :‬سعدية بن سامل‬

‫يتزامن هذا العدد مع االحتفال باليوم العاملي للمرأة‪ ،‬لذلك آثرنا أن‬
‫نستضيف للحوار امرأة من نساء تونس املتميّزات وق ّر الرأي عىل محاورة‬
‫األستاذة الباحثة نزيهة عايت بلحاج التي صادف حلول اليوم العاملي للمرأة‬
‫وهي مت ّوجة بجائزة التميّز العلمي اإلفريقي يف اختصاص حيو ّي يف حياة‬
‫الشعوب‪.‬‬
‫لو ّ‬
‫نذكر أوّال بالمسار العلمي والمهني لألستاذة‬
‫نزيهة عاتي بلحاج‪.‬‬
‫نزيهة عايت من مواليد عام ‪ 1958‬بتالة‪ ،‬متحصلة عىل شهاديت‬
‫مهندس زراعي يف عام ‪ 1981‬ودكتوراه الدولة يف العلوم‬
‫الزراعية يف عام ‪ 2000‬من املعهد الوطني للعلوم الزراعية‬
‫(‪.)INAT‬اشتغلت منذ عام ‪ 1981‬كمهندسة يف املعهد الوطني‬
‫للبحوث الزراعية (‪ ،)INRAT‬ثم تطورت يف سلك «الباحثني‬
‫يف العلوم الزراعية»‪ ،‬وهي حاليا أستاذة تعليم عايل فالحي يف‬
‫مخرب اإلنتاج الحيواين وهي متخصصة يف علوم التغذية واإلنتاج‬
‫الحيواين‪ .‬مجال أبحاثها الرئييس هو إنتاج األغنام واملاعز وجودة‬
‫منتجاتها‪ .‬لديها خربة واسعة يف السالالت املختلفة للمجرتات‬
‫الصغرى وأنظمة إنتاجها يف ظروف تغذية صعبة أو مريحة‪.‬‬
‫وقد ركزت خاصة عىل مدى استجابة النعاج لسوء التغذية‬
‫من ناحية وعىل إنتاج اللحوم ونوعيتها من ناحية أخرى وذلك‬
‫باستخدام املوارد الغذائية التقليدية وغري التقليدية‪ ،‬ومن‬
‫الجانب النوعي اهتمت بالرتكيبة الكيميائية‪ ،‬كمية ونوعية‬
‫األحامض الدهنيةوأكسدة الدهون من لحم الضأن واملاعز‬
‫وعالقتها بصحة اإلنسان‪.‬‬
‫هي منسقة برنامجي البحث «تحسني إنتاجية املجرتات الصغرية»‬
‫وبرنامج «جودة املنتوج الحيواين» باملخرب املذكور وقد نسقت‬
‫‪ 5‬مشاريع بحث وطنية و‪ 6‬مشاريع دولية وشاركت يف العديد‬
‫من املشاريع الدولية والوطنية‪ .‬لها مشاركات عرضية يف تكوين‬
‫الطلبة من خالل التدريس باملدارس العليا للفالحة وإسهامات‬
‫كثرية يف اإلرشاف عىل مشاريع نهاية الدراسات (‪ )PFE‬واملاجستري‬
‫والدكتوراه‪ .‬كام تشارك يف تدريب املهنيني (املهندسني والفنيني‬
‫واملربني)‪ .‬وهي عضو يف اللجنة الوطنية لألطروحات والتأهيل‬
‫للبحوث الزراعية‪ .‬تضم قامئة املراجع الخاصة بها ‪ 150‬منشو ًرا‪،‬‬
‫مبا يف ذلك ‪ 90‬مقالة يف مجلة علمية محكمة و لها مؤرش علمي‬
‫(‪ )h index‬محرتما‪ ،‬كام تساهم يف تقييم املقاالت للعديد من‬
‫املجالت العلمية الدولية‪ .‬وهي خبرية‪ ،‬يف مجالها‪ ،‬لدى منظامت‬
‫وطنية ودولية‪ .‬من ناحية أخرى هي نقابية ناشطة وهي كاتبة‬
‫عامة مساعدة بجامعة التعليم العايل والبحث العلمي‪.‬‬

‫ يحق للمرأة التونسية أن تكون في‬‫موقع القرار على أي مستوى‪ ،‬وهي‬
‫قادرة على التسيير من أصغر إدارة‬
‫إلى «أعظم» مؤسسة عمومية كانت‬
‫أو خاصة‪ ،‬بما فيها الوزارة و رئاسة‬
‫الحكومة و رئاسة الجمهورية‪.‬‬

‫تستند إىل تجارب واختبارات عىل الحيوانات‪ ،‬وهنا ال بد من‬
‫عملة عاديني ومختصني ورعاة لالهتامم بهذه الحيوانات‪ ،‬ال بد‬
‫كذلك من تقنيني مختصني ألخذ العينات البيولوجية وللقيام‬
‫بالتحاليل املخربية‪ .‬وقبل انطالق البحث ال بد من مناقشة‬
‫الربوتوكول التجريبي وكيفية تطبيقه ومتابعته وكيفية استغالل‬
‫النتائج‪ ،‬الخ‪ ،‬مع فريق من الباحثني مبن فيهم الباحثون الشبان‬
‫من طلبة املاجستري والدكتوراه‪ .‬من ناحية أخرى أجريت جل‬
‫التجارب والتحاليل املخربية باملعهد الوطني للبحوث الزراعية‬
‫(‪ )INRAT‬وبعضها يف مؤسسات أخرى كاملدارس العليا‬
‫للفالحة بالكاف وماطر و‪ ،INAT‬ومختربات أخرى يف تونس أو‬
‫يف الخارج‪ ،‬وبذلك كان فريق العمل متعدد األسالك واملؤسسات‬
‫وحتى الجنسيات‪.‬‬

‫على الجامعة (إلى جانب دورها‬
‫األكاديمي) أن تكون أداة‬
‫لتوعية المواطنين و تحسين‬
‫قدرتهم على االختيار من خالل‬
‫التعلم و إثراء معارف المواطن‬
‫و رصيده الثقافي و تمكينه‬
‫من التمييز بين المواقف و اآلراء‬
‫و اكتساب القدرة على صياغة‬
‫موقف معين‪.‬‬
‫كيف تلقت األستاذة نزيهة عاتي بلحاج خبر‬
‫حصولها على جائزة التميّز العلمي اإلفريقي؟‬
‫بكل رسور‪ ،‬بصدق فرحت و سعدت كثريا بهذا الخرب‪.‬‬
‫صرّحت أ ّن حصولك على جائزة «كوامنيكروماه»‬
‫للتميّز العلمي‪ ،‬كان نتيجة عمل تشاركيّ ساهمت‬
‫فيه نخبة من األساتذة والباحثين‪ ،‬من ساهم في‬
‫هذا التتويج؟‬
‫هذا التتويج هو حصيلة مللف علمي فيه نتائج البحث يف‬
‫موضوع «تحديد خصائص التأقلم وإدارة التغذية للمجرتات‬
‫الصغرى يف الظروف الصعبة»‪ ،‬وقد استويف الرشوط التي‬
‫يتطلبها هذا الربنامج لجائزة «كوامنيكروماه» للتم ّيز العلمي‪.‬‬
‫ومن الطبيعي أال تكون هذه النتائج مجهود شخيص بحت‪.‬‬
‫متت هذه األنشطة يف إطار فرق العمل التي تشكلت ليس‬
‫فقط من الباحثني‪ ،‬بل من العملة والفنيني والطالب وغريهم‬
‫من املهنيني الذين أود أن أشكرهم جميعا‪.‬جل أعاميل البحثية‬

‫اختارت األستاذة عاتي بلحاج اختصاصا «غير‬
‫تقليديّ» بالنّسبة إلى المرأة‪ .‬فهل واجهت‬
‫إشكاالت في اختيار اختصاص‪ ،‬ثمّ في العمل‬
‫بعد ذلك؟ ما المصاعب التي واجهتك في هذا‬
‫االختصاص؟‬
‫يف املعهد الوطني للعلوم الزراعية (‪ )INAT‬كنا يف أواخر‬
‫السبعينات وحتى الثامنينات بضعة فتيات من مجموع الطلبة‬
‫يف كل دفعة‪ .‬أول الصعوبات التيواجهناها كانت الحصولعىل‬
‫السكن الجامعي حيث أن املعهد آنذاك كان يوفر السكن‬
‫«لألوالد» فقط‪ ،‬ورفضت اإلدارة متكينالطالبات منسكرنغم‬
‫توفر اإلمكانية‪ .‬أما يف الدراسة فلم تكن هناك صعوبات خاصة‬
‫يب كامرأة‪ ،‬وكذلك يف العمل‪ .‬أما يف مهنة البحث فاملصاعب‬
‫التي نواجهها يف هذا االختصاص‪ ،‬أي علوم اإلنتاج الحيواين‪،‬‬
‫متعددة ومن أهمها النقص يف القطعان التجريبية‪ .‬لقد بدأت‬
‫مسرييت املهنية باملعهد الوطني للبحوث الزراعية (‪)INRAT‬‬
‫مبوضوع بحث كنت واصلت فيه مجهودات زمالء سبقوين حول‬
‫«تهجني األبقار املحلية بسالالت مستوردة» وكانت أهم نتائجنا‬
‫أن نوقف التهجني يف الجيل األول أو الثاين ثم نعتمد االنتقاء‬
‫لبعث ساللة جديدة تكون أكرث إنتاجا وقادرة عىل التأقلم‪ ،‬إال‬
‫أن الخيار السيايس آنذاك كان االتجاه نحو توريد األبقار من‬
‫سالالت أجنبية منتجة دون مراعاة للظروف املناخية املحلية‬
‫وإمكانيات التغذية واإلحاطة الصحية وغريها‪ .‬اخرتت عندها‬
‫أن ألتحق بفريق البحث عن املجرتات الصغرى أي األغنام‬
‫واملاعز من سالالت محلية إذ للمعهد بعض الوحدات التجريبية‬
‫تحتوي عىل األغنام واملاعز‪ .‬من أهم املصاعب للجميع عدم‬
‫توفر املعهد عىل الكثري من التجهيزات الرضورية إضافة إىل‬
‫عدم وجود تقنيني أخصائيني يف صيانة ما توفر من املعدات‪.‬‬
‫من املصاعب أيضا طريقة التسيري اإلداري واملايل خاصة‪،‬‬
‫فاملؤسسات البحثية والجامعية خاضعة لطريقة املحاسبات‬
‫العمومية كأي مؤسسة إدارية أخرى وبالتايل خاضعة ملنظومة‬
‫الرشاءات املجمعة وتبعاتها من الرتاتيب املنظمة للصفقات‬
‫العمومية‪ .‬نواجه أيضا نقصا متزايدا يف اليد العاملة والتقنيني‬
‫املختصني وتقلصا يف ميزانية البحث‪.‬‬

‫‪9‬‬

‫الخميس ‪ 14‬مارس ‪ - 2019‬املوافق لـ ‪ 7‬رجب ‪ - 1440‬العدد ‪77‬‬

‫ماذا سيتغير في الدكتورة نزيهة عاتي بعد‬
‫الجائزة؟‬
‫يف كلمة ال يشء‪ ،‬إذ سأواصل نشاطي البحثي والنقايب مع محاولة‬
‫الرتفيع من مستوى املنتوج العلمي‬
‫يعاب على المثقف والجامعي التونسي أنه ال‬
‫يشارك في الحياة العامة بالكمّ والكيف المطلوبين‪.‬‬
‫فهل توافقين هذا الرّأي؟‬
‫بداية املثقف ليس بالرضورة جامعي‪ ،‬والجامعي قد يكن مثقفا‬
‫أو خبريا أو مختصا يف مجال معني‪ .‬املثقف هو الشخص الواعي‬
‫بقضايا مجتمعه والذي يوظف معارفه وخرباته لفائدة املجتمع‪،‬‬
‫فهو ميلك اطالعا واسعا يف مجاالت عديدة(العلم‪ ،‬األدب‪،‬‬
‫الفن‪ ،)...‬وباعتباره الباحث‪ ،‬املفكر‪ ،‬املبدع‪ ،‬الناقد‪ ،‬املحلل‪ ،‬الخ‬
‫فهو يلعب أدوارا مهمة ميكن أن يختزلها يف ما ييل‪:‬‬
‫ تحليل الواقع‪ :‬يستطيع املثقف بفضل ما لديه من معرفة‬‫ووعي متميز رؤية الواقع وفهمه فيدرك آليات سري املجتمع‬
‫مبا يجعله قادرا عىل معرفة كيفية توجيه مساره‪ .‬فاملثقف هو‬
‫مواطن متواصل مع مجتمعه‪ ،‬معربا عن مشاغله و طموحاته‪.‬‬
‫ استرشاف املستقبل‪ :‬املثقف الجامعي له رؤية نقدية تتجاوز‬‫الحارض وتتطلع إىل تجديده وتطويره‪ ،‬فهو يستطيع أن يتنبأ‬
‫باملستقبل من خالل القيام بدراسات علمية وميدانية والبحث‬
‫املتواصل يف إمكانات النمو والتطور نحو األفضل‪ ،‬اقرتاح الحلول‬
‫املمكنة كمنوال إنتاج بصفة عامة أو يف قطاع معني لتحقيق‬
‫التقدم وتجاوز الصعوبات إذا ما طلب منه ذلك أو سنحت‬
‫السياسات بذلك‪.‬‬
‫ إنتاج الوعي‪ :‬املثقف يبحث عن مضامني جديدة تساهم يف‬‫تغيري الواقع من خالل نرش اآلراء واألفكار وبالتايل التأثري يف‬
‫الرأي العام واملساهمة يف تطوير ثقافة املجتمع يف مجاالتها‬
‫املختلفة‪ .‬فعىل سبيل املثال لقد ساهم الطاهر الحداد إسهاما‬
‫كبريا يف تطوير ثقافة املجتمع يف ما يتعلق بحقوق املرأة‪ .‬فقيمة‬
‫املثقف أو الباحث واملبدع‪.....‬تتحدد من خالل القيم واملثل‬
‫التي يدعو إليها كالدعوة إىل تنوير العقول ومقاومة الجهل‬
‫والتخلف‪ ،‬وبالتايل عىل املثقفني و الجامعيني أن يشاركوا أكرث ما‬
‫ميكن يف الشأن العام (الحياة العامة)‪.‬‬
‫ظهرت في وسائل إعالم عربيّة بعد التتويج ولم‬
‫تظهري في القنوات المحليّة‪ ،‬هل هو اختيار أم‬
‫تقصير إعالميّ‬
‫ورد خرب حصول باحثة تونسية عىل جائزة االتحاد اإلفريقي‬
‫«كوامينيكروماه» للتم ّيز العلمي يف البداية يف كل من مجالت‬
‫تونيفزيون (‪ )Tunivision‬و ليدرز (‪ )Leaders‬وفالحتنا وكذلك‬
‫راديو تونس الدويل (‪ .)RTCI‬ثم‪ ،‬وبالتوازي مع إعداد هذا‬
‫امللف‪ ،‬أوردت الخرب كل من إذاعة املنستري وجريديت الصحافة و‬
‫‪ .La Presse‬أما من اإلعالم املريئ فلم يتصل يب أحد‪.‬‬
‫كيف يمكن للجامعة التونسيّة أن تستردّ موقعها‬
‫في صناعة الرّأي العام أمام زحف الرّداءة الذي‬
‫نشاهده؟‬
‫ليك تسرتد موقعها يف صناعة الرأي العام أمام زحف الرداءة‬

‫ يمثل المجتمع المدني الوجه‬‫اآلخر للديمقراطية التعددية‬
‫و حقوق اإلنسان‪ ،‬وهو كيان‬
‫مجتمعي منظم يقوم على‬
‫االنخراط التطوعي‪.‬‬

‫ولعل أبرزها تغول جمعيات رجعية متطرفة تحظى بتمويالت‬
‫ضخمة(مشبوهة) ودعم سيايس كبري‬

‫ المثقف يبحث عن مضامين‬‫جديدة تساهم في تغيير‬
‫الواقع من خالل نشر اآلراء‬
‫واألفكار و بالتالي التأثير في‬
‫الرأي العام والمساهمة في‬
‫تطوير ثقافة المجتمع في‬
‫مجاالتها المختلفة‪.‬‬
‫الذي نشاهده‪ ،‬عىل الجامعة (إىل جانب دورها األكادميي) أن‬
‫تكون أداة لتوعية املواطنني وتحسني قدرتهم عىل االختيار من‬
‫خالل التعلم وإثراء معارف املواطن ورصيده الثقايف ومتكينه من‬
‫التمييز بني املواقف واآلراء واكتساب القدرة عىل صياغة موقف‬
‫معني والعمل عىل نرش ثقافة الحوار وقبول اآلخر وعدم إقصائه‬
‫ونبذ العنف والتطرف والتعصب‪ .‬وبذلك تساهم يف تشكيل‬
‫الرأي العام و تكوين موقف خاص من قضية ما أو مسألة عامة‬
‫كيف تقيّم األستاذة نزيهة عاتي مردود‬
‫الجمعيات النسائيّة الناشطة في تونس؟‬
‫الحديث عن الجمعيات النسائية ال يكون مبعزل عن العمل‬
‫الجمعيايت بشكل عام حيث ميثل املجتمع املدين الوجه اآلخر‬
‫للدميقراطية التعددية وحقوق اإلنسان‪ ،‬وهو كيان مجتمعي‬
‫منظم يقوم عىل االنخراط التطوعي‪ .‬وبعد الثورة انبعثت‬
‫جمعيات كثرية من نسائية وغريها‪ ،‬هناك مردود جيد لبعض‬
‫الجمعيات النسائية (كجمعية النساء الدميقراطيات) يعود‬
‫أساسا إىل العمل املتواصل والدؤوب لعضواتها عىل النهوض‬
‫بوضع املرأة‪ .‬من مؤرشات فاعلية املجتمع املدين‪ ،‬مبا يف ذلك‬
‫الجمعيات النسائية‪ ،‬الحجم العددي لهذه املؤسسات وحجم‬
‫العضوية فيها سواء بالرجوع إىل طبيعة نشاطها (اقتصادي‪،‬‬
‫اجتامعي‪ ،‬ثقايف‪ )،‬أو طبيعة القوى االجتامعية (عامل‪ ،‬نساء‪،‬‬
‫فالحون‪ ،‬طلبة‪ ،‬الخ) باإلضافة إىل درجة وعي أعضائها ومدى‬
‫تجسيد الدميقراطية داخلها والوسائل التي تعتمدها لتحقيق‬
‫أهدافها‪ .‬ومن هذا املنطلق ندرك أن العوامل التي تضعف‬
‫فاعلية هذه املؤسسات يف املجتمع وتعرقل نشاطها متعددة‬

‫تُثار هذه األيّام من جديد مسألة المساواة في‬
‫اإلرث‪ .‬كيف ترين هذه القضيّة وهل من قضايا‬
‫ترينها جديرة باالهتمام فيما يتعلّق بالمرأة؟‬
‫ميكن التعاطي مع هذه املسألة من زاوية قانونية ومن زاوية‬
‫إنسانية‪ ،‬اجتامعية واقتصادية‪ .‬من الناحية القانونية ينص‬
‫الفصل ‪ 2‬من الدستور عىل أن «تونس دولة مدنية تقوم عىل‬
‫املواطنة وإرادة الشعب وعلوية القانون» كام ينص الفصل ‪21‬‬
‫«املواطنون و املواطنات متساوون يف الحقوق والواجبات وهم‬
‫سواء أمام القانون من غري متييز‪ ،...‬وبالتايل يعترب قانون املواريث‬
‫بصيغته الحالية غري دستوري مام يستوجب تنقيحه ليتالءم مع‬
‫أحكام الدستور‪ .‬وبعيدا عن الدواعي القانونية (احرتام علوية‬
‫الدستور)‪ ،‬ال بد من إقرار املساواة يف املرياث بني املرأة و الرجل‬
‫تطابقا مع طبيعة األشياء فليس هناك أي مربر منطقي يجيز‬
‫هذا التمييز الذي يشكل انعدام املساواة ملبدأ حقوق اإلنسان‬
‫التي إذا افتقدها فقد معها إنسانيته وهذه الحقوق كل ال يتجزأ‬
‫بالنسبة للجميع ودون متييز عىل أساس الجنس أو اللون أو‬
‫الدين أو الرثوة أو الرأي‪.‬‬
‫مع العلم أن هذه القضية تحرج اإلسالميني الذين يسعون دامئا‬
‫إليجاد التعالت للتهرب من املواجهة ولعل أبرزها وجود قضايا‬
‫مستعجلة أكرث منها من قبيل التنمية االقتصادية والتشغيل إىل‬
‫غري ذلك‪ ،‬إال أن وضع املرأة اليوم وعىل جميع املستويات ومن‬
‫جميع األوجه يفرض عىل املرشع التونيس أن يصحح هذا الخطأ‬
‫القانوين واإلنساين و يعيد للمرأة حقها يف املساواة‪.‬‬
‫ألم يئن الوقت لتأخذ المرأة التونسية مواقع القرار؟‬
‫أوال ال بد من متثيلية املرأة بصورة معنوية (‪ )significative‬إذ‬
‫أن امرأة واحدة يف تشكيلة أو تركيبة معينة ال تتعدى الرمزية‬
‫ال أكرث‪ ،‬وامرأتان اثنتان أقلية تبقى دون فاعلية‪ ،‬ابتداء من ‪3‬‬
‫نساء ميكن الكالم عن متثيلية املرأة يف حكومة‪ ،‬يف مجلس إدارة‪،‬‬
‫يف مكتب تنفيذي ملنظمة وطنية مثل االتحاد العام التونيس‬
‫للشغل أو الرابطة التونسية لحقوق اإلنسان‪ ،‬وغريها‪ .‬ثانيا‪ ،‬يحق‬
‫للمرأة التونسية أن تكون يف موقع القرار عىل أي مستوى‪ ،‬وهي‬
‫قادرة عىل التسيري من أصغر إدارة إىل «أعظم» مؤسسة عمومية‬
‫كانت أو خاصة‪ ،‬مبا فيها الوزارة ورئاسة الحكومة ورئاسة‬
‫الجمهورية‪ .‬كذلك بإمكانها أن تتحمل مسؤولية األمانة العامة‬
‫ألي منظمة أو حزب‪ .‬وبإمكانها بل وقد أثبتت ذلك كلام أتيحت‬
‫لها فرصة «املرأة املناسبة يف املكان املناسب»‪ .‬وبذلك ميكن‬
‫تفنيد ومقاومة عقلية «ناقصات عقل ودين» وكذلك عقلية‬
‫املرأة «الحامل واملرضعة والحاضنة» وبالتايل «املتغيبة وقليلة‬
‫الفعالية»‪ .‬نحن يف بلد التنظيم العائيل أي أن عدد األطفال‪،‬‬
‫بالنسبة للمرأة العاملة بصفة عامة والتي تطمح للمسؤولية‬
‫بصورة خاصة‪ ،‬يف حدود االثنني‪ .‬ولو كانت عطلة األمومة ‪6‬‬
‫أشهر اوسنة كاملة‪ ،‬لكان تغيب املرأة من أجل «تواصل الجنس‬
‫البرشي» عىل مدى أكرث من ‪ 30‬سنة عمل سنتان فقط‪ ،‬ثم تتفرغ‬
‫املرأة لعملها ومسؤولياتها املهنية وهي املسؤولة باستمرار عىل‬
‫رعاية البيت واألوالد والزوج والتدبري والتدبر لجميع املواسم‬
‫واملناسبات الصارة منها والضارة يف العائلة واملحيط‪.‬‬
‫* يف عالقة بعطلة األمومة‪ ،‬كلام كانت أطول كانت صحة‬
‫أطفالنا أفضل عىل املدى القصري والطويل وكانت مصاريف‬
‫الدواء أقل عىل مستوى عائيل ووطني (‪)micro et macro‬‬
‫وملا تغيبت األمهات لالعتناء بأبنائهم املرىض‪ ،‬ويف هذا مردود‬
‫اجتامعي واقتصادي خاصة‪ ،‬إذ االستثامر يف «اإلنسان» من أربح‬
‫االستثامرات‪.‬‬

‫‪10‬‬

‫الخميس ‪ 14‬مارس ‪ - 2019‬املوافق لـ ‪ 7‬رجب ‪ - 1440‬العدد ‪77‬‬

‫رؤى وآفاق‬
‫في عيد المرأة نذكر بأن الجميالت هن الكادحات المبدعات‪ ،‬وأن الجميالت هن الواعيات الناضجات الالتي يناضلن من أجل غد أفضل ‪« ...‬منارات» ***‬

‫‪ -1‬ملتقى األدباء الصغار‬
‫ملاذا هذا املرشوع؟‬
‫انشغلت املؤسسة الرتبوية التونسية بوظيفتها األساسية‬
‫املحصورة يف تقديم املعرفة حيث غابت تقريبا األنشطة‬
‫اإلبداعية التي تجعل التلميذ يط ّور شخصيته ويصبح‬
‫الحب‬
‫طاقة إبداعية خالّقة‪ ،‬وانشغلت عن تلك البذرة من ّ‬
‫بني الطفل والكتاب التّي بدأت تذوب شيئا فشيئا بوجود‬
‫تكنولوجيات املعلومات واالتصال ومل يهتم أحد بها ويرعاها‬
‫احتي «طفل اليوم» الذّي‬
‫لتنمو من جديد وتزهر إبداعا بني ر ْ‬
‫أصبح عرضة لكلّ األخطار برأس محش ّو بكلّ يشء إالّ ثقافة‬
‫يحتاجها لتكون درعا أمام ما يسكب فيه من كلّ األطراف التّي‬
‫تستهدف ثروتنا البرشيّة‪.‬‬
‫املؤسسة لتعيد ثقافة مخالطة الكتاب‬
‫فامذا فعلت هذه ّ‬
‫لعقول الجيل الجديد ؟‬
‫املؤسسات التي تهتم باألنشطة‬
‫كان وجود النوادي يف هذه ّ‬
‫املختلفة مثل الرسم والتمثيل واإلعالمية وغريها محاولة لنشل‬
‫أطفالنا من براثن الفراغ املميت لكلّ الطّاقات املوجودة‬
‫داخلهم‪ ،‬إالّ أ ّن هذه النوادي كانت تشتغل كل منها عىل‬
‫كفاية مستقلة بذاتها ويف مجال معني‪.‬‬
‫الحب بني الطّفل والكتاب وما هو‬
‫إذن ما العمل إلحياء بذرة ّ‬
‫السامد الالّزم لتهيئة تربة تسمح بتكاثرها معارف ومهارات‬
‫ّ‬
‫وإبداع؟‬
‫لهذا كان البحث عن مرشوع يجمع العديد من الكفايات يف‬
‫مجاالت مشرتكة تخدم أهدافه فيوظف الطفل كل إبداعاته‬
‫الذهنية واملعرفية وقدراته اليدوية واملهارية للحصول عىل‬
‫إنتاج هو عصارة العديد من املعارف التي تحصل عليها خالل‬
‫مسريته املعرفية ‪.‬‬
‫فاملرشوع يهدف إىل إيجاد طفل «أديب صغري» مبدع يقدم لنا‬
‫قصة هو من فكر يف أحداثها وكتبها ورسم مشاهدها ورقنها‬
‫عىل الحاسوب واستعمل تكنولوجيا االتصال واملعلومات يف‬
‫إخراجها ليقرأها ويتحدث عنها أمام لجنة من الكتاب الكبار‬
‫بحضور جمهور فهو ‪:‬‬
‫_ سيوظف التواصل للعيش مع اآلخرين والعمل معهم يف‬
‫إعداد قصته‪.‬‬
‫_ سينتج قصة متوازنة األقسام موظفا مكتسباته اللغوية‪.‬‬
‫سينجز مشاريع تشكيلية باعتامد مبدأ ْي الحركة والتوازن‬
‫واإليقاع والتضاد‪.‬‬
‫_ سيوظف قدراته الصوتية واإليقاعية يف رقمنة قصته‪.‬‬
‫_ سيحاور األخر خالل تقديم قصته ‪.‬‬
‫_ سيقرأ قصته موظفا قدراته يف القراءة املعربة إليصال أفكاره‬
‫للسامع‪.‬‬
‫_ سيتبنى مواقف واتجاهات متصلة بالقيم املرجعية التي‬
‫تبنى عليها الشخصية الوطنية واالنتامء الحضاري‪.‬‬
‫_ سيتقبل اآلخر ويقبل النقد بكل رحابة صدر ويتناقش مع‬
‫اآلخرين حول ما كتبه‪.‬‬
‫وقد كان «مرشوع ملتقى األدباء الصغار « جزءا من الجواب‬

‫فكرة للمربية ‪:‬منيرة الصالحي‬

‫السؤال ‪.‬‬
‫عن هذا ّ‬
‫وعندما خطرت يل هذه الفكرة مل أتردد يف تنفيذها مع أطفال‬
‫مدرستي ‪:‬مدرسة املوردين»‬
‫الدورة األوىل يوم ‪ 21‬جوان ‪2014‬‬
‫كانت الفكرة نتيجة حرسة رأيتها يف عيون تالميذي ألنهم مل‬
‫يتمكنوا من املشاركة يف ملتقى خاص بالتالميذ بدار الثقافة‬
‫مبساكن فاقرتحت عليهم أن نجمع القصص ونعد ملتقى‬
‫بأنفسنا باملدرسة االبتدائية بامل ُوردين ومببادرة من األولياء‬
‫وتشجيع من بعض األصدقاء ‪:‬السيدة صفية قم بن عبدالجليل‬
‫التي كانت هي وحدها متثل لجنة التحكيم والشاعر الحبيب‬
‫مرموش والروايئ إبراهيم درغويث و الشاعر محمد عامر‬
‫الشعابنية واألستاذ مرتىض العبيدي كان التحضري لنواة امللتقى‬
‫يوم ‪ 21‬جوان ‪.2014‬والذي حرضه الكثري من الضيوف من‬
‫بينهم السيد رياض الناجح متفقد دائرة الرياض ‪ 2‬لغة عربية‬
‫والذي أعجبته الفكرة فاقرتح أن تكون مرشوع الدائرة للسنة‬
‫الدراسية املوالية‪.‬‬
‫أثثنا هذه األصبوحة قرأ فيها التالميذ قصصهم وقدمنا بعض‬
‫األنشطة املرسحية وترتيل القرآن وكان االختتام بتوزيع‬
‫الجوائز‪.‬‬
‫الدورة الثانية للملتقى يوم ‪ 23‬ماي ‪2015‬‬
‫كانت تحت إرشاف دائرة التفقد سوسة الرياض ‪ 2‬للغة‬
‫العربية وقد شاركت فيها مدارس الدائرة التسعة بالقصص‬
‫والعروض املرسحية والرقص بحضور السيد مراد بلحاج عامر‬
‫املدير املساعد للتعليم االبتدايئ مبندوبية الرتبية بسوسة‬
‫والسيد رياض الناجح متفقد الدائرة ومديري املدارس واملربني‬
‫وال ّروايئ إبراهيم درغويث والشاعر محمد عامر الشعابنية‬
‫الذي أهدى لتالميذ املدرسة نصا مرسحيا بعنوان النادي‬
‫قدموه كأحسن ما يكون وأيضا حرضت كاتبة األطفال فتحية‬
‫بن فرج و والشاعر عبد املجيد يوسف والكاتبة عائشة املؤدب‬
‫التي وقعت كتابها لألطفال القوس العجيب يف نفس اليوم‬
‫املنشطة هويدا سايس من إذاعة املنستري ‪.‬وكذلك حضور‬
‫الصالون األديب الزوراء بدار الثقافة مبساكن‪.‬‬
‫كان االختتام بتوزيع الجوائز عىل الفائزين وتكريم الضيوف‪.‬‬
‫الدورة الثالثة للملتقى يوم ‪ 6‬جوان ‪2016‬‬
‫متيزت الدورة الثالثة بدخول املندوبية الجهوية للثقافة‬
‫بسوسة كمدعم للملتقى وحضور مدارس مختلفة من والية‬
‫سوسة ومنها مدرسة النور للكفيف التي قدمت عرضا‬
‫للكورال صحبة تالميذ مدرسة املوردين واملنستري وصفاقس‬
‫وجندوبة ‪.‬‬
‫وقد تم تكريم الجيش الوطني بهذه املناسبة وكذلك تكريم‬
‫مربني مروا باملدرسة السيد الطاهر املجدوب والسيد عيل‬
‫قرع والسيد الحبيب الشطي وعملة وأيضا تكريم الكاتب‬
‫إبراهيم درغويث الفائز باملرتبة األوىل لجائزة مصطفى عزوز‬

‫‪ --2‬املرأة الريفية يف قلب الحدث اإلقتصادي‪ /‬الفتاة‬
‫الريفية يف قلب الحدث االجتماعي‬
‫تنسيقية أصحاب الشهائد املعطلني عن العمل مبلولش‬
‫أشياء كثرية تتغري من حولنا‪ ،‬أعباء وأوزار من غالء وسوء ترصف يف املرفق العام‪...‬لكن هناك نور يف آخر‬
‫النفق‪ ،‬الوعي الشبايب املتزن‪ ،‬رمبا سيكون من «أفضل البقايا» بلغة أهل الصندوق من السياسيني‪ ،‬حني‬
‫عدت اىل القرية خربت أصداء أسعدتني وأزالت بعض الهم والغم‪ ،‬شباب مستنري ميسك بفانوس األحالم‬
‫ويصارع من أجل غد أفضل‪ ،‬شبان وشابات يعتصمون منذ أشهر بال كلل ويدقون النواقيس مطالبني‬
‫بالتشغيل والعدل يف التنمية ‪...‬املرأة يف تلك الربوع هي عامد األرسة ماديا ومعنويا‪ ،‬تبكر قبل الشمس‬
‫لتزرع األمل من خالل الطاقة الخرية‪ ،‬طاقة العمل يف املنزل وبني الحقول تلتحم بالطبيعة وتكاد تندمج‬
‫بجزئيات املشهد‪ ...‬يف عيد املرأة نذكر بأن الجميالت هن الكادحات املبدعات‪ ،‬وأن الجميالت هن‬
‫الواعيات الناضجات الالتئي يناضلن من أجل غد أفضل ‪»...‬منارات»‬

‫‪11‬‬

‫الخميس ‪ 14‬مارس ‪ - 2019‬املوافق لـ ‪ 7‬رجب ‪ - 1440‬العدد ‪77‬‬

‫عالقة حركة اإلصالح ما بني القرن التاسع والثامن عشر‬
‫يف كل من مصر وتونس بتحرير املرأة العربية‬
‫النفطي حولة‬

‫لسنة ‪2016‬‬
‫الدورة الرابعة للملقى‪ 8/9/10:‬أفريل ‪2017‬‬
‫كانت هذه الدورة مدعومة من‪:‬‬
‫املندوبية الجهوية للرتبية بسوسة ‪ /‬املندوبية الجهوية للثقافة‬
‫بسوسة ‪/‬املندوبية الجهوية للشباب والرياضة بسوسة‪/‬اإلدارة‬
‫العامة للكتاب‪.‬‬
‫انفتح امللتقى يف دورته الرابعة عىل املحيط باستعراض( حزب‬
‫املوردين ودمى عمالقة) يف شوارع القرية املوردين يف اليوم‬
‫األول وحضور مدارس من والية سوسة وصفاقس وزغوان وبن‬
‫عروس وقابس‬
‫ويف اليوم الثاين كانت ورشة القصة تحت إرشاف الكاتبتني‬
‫‪:‬صفية قم بن عبد الجليل والهام مسيوغة واالشاعر محمد‬
‫صغري القاسمي بحضور السيدة سمرية خذر املندوبة الجهوية‬
‫للرتبية بسوسة والسيد مراد بلحاج عامر املدير املساعد‬
‫للتعليم االبتدايئ ‪.‬‬
‫وكذلك حضور األستاذ مصطفى املدائني املرشف عىل نادي‬
‫الناشئة باملكتبة الجهوية بفوشانة الذي قدم نشاط املجلة‬
‫الحائطية التي يرشف عليها مع أطفال املكتبة ‪.‬‬
‫ويف مساء نفس اليوم كانت املبدعة الحكواتية اللبان يف لقاء‬
‫مع األطفال حيث قدمت حكاية بطريقة الحكوايت‪.‬‬
‫اليوم الثالث كان لتتويج الفائزين يف مسابقة القصة وتكريم‬
‫بعض املربني والعملة الذين مروا باملدرسة وأيضا تكريم‬
‫األستاذة آمنة الرمييل الفائزة باملرتبة الثانية لجائزة مصطفى‬
‫عزوز ألدب الطفلة لسنة ‪.2016‬‬
‫الدورة الخامسة للملتقى ‪ 17/18/19‬مارس ‪2018‬‬
‫كانت هذه الدورة مغاربية بحضور جمعية املؤسسة‬
‫الجزائرية لرعاية حقوق الطفل‬
‫ومبشاركات من الواليات التالية‪ :‬سوسة‪ /‬املنستري‪ /‬قابس‪/‬‬
‫قفصة‪/‬بنزرت‪/‬بن عروس‪/‬املهدية‪/‬القرصين‪.‬‬

‫تقديم ورشتني للقصة تنشيط الكاتبني‪ :‬مصطفى املدائني‬
‫ووداد صالح باشا‪.‬‬
‫تكريم مربني مروا باملدرسة وتكريم األستاذتني ‪:‬‬
‫األستاذ مصطفى املدائن‬
‫والكاتبة وداد صالح باشا‪.‬‬
‫كانت الدورة مدعمة من ‪:‬‬
‫املندوبية الجهوية للرتبية بسوسة‬
‫املندوبية الجهوية للثقافة بسوسة‬
‫ودادية أعوان وموظفي وإطارات وزارة الرتبية‪.‬‬
‫السادسة وطنيا والثانية مغاربيا‬
‫الدورة ّ‬
‫أيام ‪ 16/17/18‬مارس ‪2019‬‬
‫يف هذه الدورة مشاركة الواليات سوسة ‪،‬القريوان ‪،‬القرصين‬
‫‪،‬بنزرت قفصة ‪ ،‬زغوان ‪ ،‬صفاقس ونابل باإلضافة اىل مشاركة‬
‫من الجزائرالشقيق‪.‬‬
‫فيه تكريم للمؤسسة األمنية املمثلة يف سلك الحرس الوطني‬
‫ومعرض للرتاث والعادات والتقاليد الخاصة باملوردين‬
‫وانتاجات الجمعية الجهوية للقارصين عن الحركة العضوية‬
‫ومتعددي اإلعاقة بسوسة ‪ ARIM‬وعروض مرسحية ورقص‬
‫وكورال من عدة مدارس ومسابقة أدبية يف كتابة القصة‬
‫مبشاركة أكرث من مثانني مشارك‪.‬ترشف عليها لجنة تحكيم‬
‫تتكون من السيدات صفية قم بن عبدالجليل والهام مسيوغة‬
‫والسيد محمد الصغري القاسمي‪.‬‬
‫وندوة علمية حول أدب الطفل مبشاركة متداخلني من تونس‬
‫والجزائر‪.‬‬
‫وورشات يف كتابة القصة وورشة يف املطالعة باليوغا تحت‬
‫اإرشاف األستاذة هاجر منصوري وورشة يف القصة التفاعلية‬
‫تنشيط السيدة خولة يوسف‪.‬‬
‫ويف يوم االختتام هناك تكريم لكتاب كتبوا للطفل ( ميزوين‬
‫بناين‪/‬سناء البكوش )ومربني (صفية الدوس‪/‬حسن شعبان‪/‬‬
‫فرج املليح) والفائزين يف مسابقة القصة‪.‬‬

‫مماّ ال شك فيه أن تجربة محمد عيل (‪ )1769-1849‬يف مرص‬
‫كانت أوىل التجارب النهضوية‪ ،‬يف الحركة اإلصالحية الفكرية‬
‫ستؤسس لالنبعاث الحضاري لألمة‬
‫والعلمية والصناعية التي ّ‬
‫العربية واإلسالمية فيام بعد‪ .‬و ستساهم تلك التجربة يف الخروج‬
‫من عباءة «الخالفة اإلسالمية» العثامنية أو من عهد الترتيك‬
‫الذي خيم بظالمه و جهله وتخلفه عىل األمة العربية‪.‬‬
‫‪ ‬فكان محمد عيل هو أول من تجرأ للخروج من فلك االستعامر الرتيك الذي‬
‫عانت منه األمة العربية باسم اإلسالم السيايس تحت جبة «الخالفة اإلسالمية»‪.‬‬
‫تلك التجربة التي انبعثت يف بداية القرن التاسع عرش‪ ،‬والتي اقرتنت بحملة‬
‫نابوليون بونابارت عىل مرص يف العهد اململويك‪ ،‬ملّا كانت مرص إيالة يف العهد‬
‫العثامين‪ .‬‬
‫ولعله ما يحسب ملحمد عيل أنه أول من دعا لالقتباس من الغرب األورويب‪.‬‬
‫فقام بإرسال البعثات العلمية إىل أوروبا‪ ،‬وايطاليا و فرنسا ‪ ‬وانجلرتّا وغريها‪.‬‬
‫وقد وضع عىل عاتقه تجديد و تعصري التعليم واملدرسة املرصية كأولوية ال بد‬
‫منها‪ .‬و من ثم عمل عىل النهوض بالعلم والعقل والعقالنية‪ .‬فسهر عىل نرش‬
‫العلم والتكنولوجيا وعىل محاربة الجهل والتعصب والتخلف الفكري والديني‪.‬‬
‫وقام بتحديث اإلدارة والدواوين‪ .‬وأنشأ الصناعات العسكرية‪ ،‬واعتنى بالطرق‬
‫العرصية يف الري والزراعة‪ ،‬و أدخل التكنولوجات الحديثة يف مجاالت الصناعة‬
‫والفالحة وفن العامرة‪.‬‬
‫و يف ظل ذلك االنفتاح الحضاري عىل الغرب و االقتباس منه مبا يرجع بالفائدة‬
‫عىل األمة العربية‪ ،‬كان محمد رفعت الطهطاوي أحد أبرز األعالم الذين كانوا‬
‫ضمن تلك البعثات املتتالية‪ .‬و لقد رفع الطهطاوي ‪ ‬لواء التجديد و راية النهضة‬
‫العربية‪ ،‬و ال سيام تزعمه تحرير املرأة من ظلامت الجهل واستبداد األبوية‬
‫وبالتايل من «النظام البطرياريك»الرشقي‪ .‬فكانت دعوته إىل خروج املرأة من‬
‫البيت حتى تنهل من العلم واملعرفة مثلها مثل الرجل سواسية‪ ،‬وتشارك بنفس‬
‫القدر مع الرجل يف الحياة السياسية و االقتصادية واالجتامعية والثقافية‪.‬‬
‫و بعد فشل‪  ‬تجربة محمد عيل اإلصالحية نتيجة لعوامل داخلية يف حكمه‬
‫املطلق أوال‪ ،‬وتكالب أوروبا عليه ثانيا‪ ،‬و باملوازاة لتلك الحركة النهضوية‪ ،‬و يف‬
‫نفس السياق كان الدور التاريخي لخريالدين باشا (‪ )1820-1890‬رائد حركة‬
‫التنوير واإلصالح الفكري والسيايس‪ .‬ذلك أنه كان من أكرب املصلحني‪ ،‬مثلام كان‬
‫األمر بالنسبة إىل محمد عيل يف مرص‪ ،‬حيث أعتنى بالعلم والتعليم فأسس‬
‫املدرسة الصادقية وأصلح االدارة والجيش والترشيعات‪ ،‬غري أنه خالفا ملحمد‬
‫عيل ظل تابعا للباب العايل‪.‬‬
‫إال أن االستعامر األورويب كان س ّباقا الجهاض تلك الحركات االصالحية التنويرية‪،‬‬
‫سواء يف مرص أو يف تونس مستفيدا أوال من االستبداد والحكم الفردي ملحمد‬
‫عيل يف مرص‪ ،‬ومستفيدا ثانيا‪  ‬من الفساد السيايس يف تونس الذي استرشى‪،‬‬
‫وكان ممركزا يف الثالوث‪ ،‬مصطفى خزندار و محمود بن عياد و نسيم ساممة‪.‬‬
‫لكن من جنح الظالم االستعامري الرهيب الذي زحف عىل األمة العربية‬
‫و االسالمية‪ ،‬انبعث نور التجربة الرائدة الثانية لحركة النهضة الكربى التي‬
‫سيشهدها الوطن العريب فيام بعد‪ .‬تلك الثورة الفكرية والسياسية التي سيمثلها‬
‫ال محالة جامل الدين األفغاين(‪ )1838-1897‬مبعية تلميذه الشيخ محمد عبده‬
‫(‪.)1905 1849-‬‬
‫ولقد كان لتلك الحركة بالغ األثر والتأثري يف الحركة الثقافية والسياسية‬
‫والفكرية‪ ،‬وال سيام يف تجديد الخطاب الديني‪ ،‬عىل ضوء العقل والعقالنية‪ .‬و‬
‫ال أدلّ عىل ذلك من ثورة الرجل عىل واقع تخلف األمة االسالمية يف تلك املرحلة‬
‫املظلمة من جملته املشهورة ‪ ‬حيث يقول فيها‪:‬‬
‫‪ُ « ‬هبّوا من غفلتكم اصحوا من سكرتكم انفضوا عنكم الغباوة والخمول وشقوا‬
‫صدور املستبدين بكم كام تشقوا األرض مبحارثكم»‪.‬‬
‫ولعل مجلة العروة الوثقى التي أسسها الثنايئ مبعية عبد الرحامن الكواكبي‪،‬‬
‫كانت الدرب امليضء يف نرش الخطاب الديني املتجدد ضد الجمود الفكري‬
‫واإلنغالق الديني‪ .‬بل ورضب الفكر األسطوري الديني‪ ،‬الذي أثقل كاهل املجتمع‬
‫وأغلق يف وجهه كل السبل والطرق املؤدية للتقدم‪ .‬فقد كانت مجلة العروة‬
‫الوثقى إحدى تلك السبل والطرق واألدوات التعبوية والتوعوية الرئيسية فكريا‬
‫ودينيا‪ ،‬وسياسيا وثقافيا‪ ،‬يف مواجهة كل أنواع التخلف الفكري والسيايس والديني‬

‫و الثقايف‪ .‬ولعلها مه ّمتها املركزية كانت هي التحريض والتعبئة النضالية ضد‬
‫االستعامر وأعوانه‪ ،‬ضد موجات االستعامر الصليبي األورويب وهجامته الرببرية‬
‫يف القرن التاسع عرش وما بعده‪ .‬ما حدى باالمرباطورية الربيطانية إىل شن حرب‬
‫شعواء عىل املجلة‪،‬التي كشفت زيف االدعاء‪  ‬الغريب بالحرية والدميقراطية‪.‬‬
‫فأوعزت للسلطات املرصية بإيقافها بعد ما صدر منها مثانية عرش عددا‪.‬‬
‫لقد مثلت تلك الحركة بدايات ارهاصات النهضة العربية الحديثة سواء يف‬
‫مرص أو يف تونس و غريهام‪ ،‬يف القطع مع املايض السلفي والوقوف عىل أطالله‬
‫ومتجيده وتقليده‪ .‬و من ث ّم رفض البحث يف إعادة صياغة املايض بعقلية‬
‫ماضوية جامدة ومتحجرة‪ ،‬ال تعمل إال عىل تقديس السلف وتقديس الرتاث‪.‬‬
‫وبالتايل العمل عىل صياغة املعارف الجديدة وفق سلطان العقل وليس النقل‪.‬‬
‫كام سبّقت تلك الحركة اإلصالحية املصلحة االجتامعية العامة عىل النص‪ .‬وذلك‬
‫إلميانها بالنظرة املقاصدية من جهة وللقطع مع النصوصية والفهم الحريف‬
‫الظاهري‪ ،‬من جهة أخرى‪.‬‬
‫و لعله من داخل وعمق تلك الحركة اإلصالحية و التنويرية الحديثة ستأيت‬
‫دعوات‪  ‬تحرير املرأة و خروجها من البيت‪ .‬تلك الحركة التي ستتص ّدى لبعض‬
‫مشايخ الجمود الديني سواء يف الجامع األزهر أو يف جامع الزيتونة‪.‬‬
‫و سوف لن يكون ظهور النهضة الفكرية والسياسية يف تونس إال امتدادا لتلك‬
‫التجارب اإلصالحية البارزة‪ .‬و هكذا سيظهر يف تونس‪  ‬ر ّواد وأعالم من املحدثني‬
‫من أمثال ‪ ‬محمد الطاهر بن عاشور(‪ 1870-1973‬وعبدالعزيز الثعالبي‬
‫(‪ .)1876-1944‬وسيخرج من عمق تلك الحركة االصالحية رواد تحرير املرأة‬
‫من الجهل واألمية والتخلف‪ ،‬التي كانت ترزخ تحته املرأة‪ ،‬بل واملجتمع بأرسه‪.‬‬
‫ويف هذا املجال‪  ‬يقول عبدالعزيز الثعالبي‪  ‬يف كتابه «روح التح ّرر يف القرآن»‬
‫حول املرأة أن‪:‬‬
‫التعصب‬
‫عىل‬
‫الحرب‬
‫وإشهار‬
‫املسلمة‪،‬‬
‫املرأة‬
‫تحرير‬
‫معناه‬
‫الحجاب‬
‫‪«  ‬خلع ذلك‬
‫ّ‬
‫والجهالة‪ ،‬ونرش أفكار التق ّدم والحضارة وصيانة املصالح العليا لألرسة والرتاث‬
‫العائيل‪ ،‬وهذا يعني يف آخر األمر إعادة تركيب املجتمع كام كان يف عهد ال ّرسول‬
‫صىل الله عليه وسلّم وأصحابه ريض الله عنهم؛ أي مثل املجتمع األورويب»‪.‬‬
‫و لعله يف ذات السياق نفسه سيربز األديب واملفكر والنقايب والسيايس‬
‫واملناضل‪ ،‬الطاهر الحداد (‪ .)1899-1935‬وهو أحد األعالم الكبار الذين‬
‫سيخوضون غامر معركة تحرير املرأة من خالل كتابه املؤسس واملرجع «إمرأتنا‬
‫يف الرشيعة واملجتمع»‪ ،‬ضد عتاة القداسة والتقديس للاميض‪ ،‬بكل ما فيه و ما‬
‫عليه‪ .‬إذ يقول يف القسم الترشيعي من بحثه يف ذلك الكتاب‪« :‬إذا تأملنا حق‬
‫التأمل يف نصوص الرشيعة اإلسالمية ومراميها نجد أنها تريد أن تذهب باملرأة‬

‫مع الرجل مذهب املساواة يف وجوه الحياة‪ .‬ولقد أدركت من ذلك يف الزمن‬
‫القصري شأوا بعيدا مل تعرف له امرأة ذلك العرص حدا بل وال معنى فضال عن‬
‫أن تطالب به كحق من حقوقها»‪.‬‬
‫وكام حمل لواء معركة تحرير املرأة يف تونس أولئك الزعامء والقادة التارخيني‬
‫يف تونس‪ ،‬فإنه ويف نفس السياق ظهر يف مرص ر ّواد آخرون عظام‪ ،‬ال يشق لهم‬
‫غبار‪ .‬ولعل ظهور قاسم أمني(‪ ،)1863-1908‬وسالمة موىس (‪ ،)1887-1958‬و‬
‫وطه حسني(‪ )1889-1973‬وغريهم‪ ،‬من وسط ركام الظالم الدامس والظالمية‬
‫الدهامء لقرون العصور الوسطى‪ ،‬لهو أبرز العالمات الدالة عىل استمرار خوض‬
‫معركة النهضة و التجديد‪ ،‬باعتبارها املدخل الرئييس لرشوط التقدم و التطور‬
‫الحضاري‪ .‬ما سيزيد من تدعيم مسار التجديد والثورة عىل القديم‪ .‬و سيتجلىّ‬
‫ذلك خاصة يف‪  ‬معركة النهوض باملرأة واملجتمع‪ ،‬الذين سيخوضونها ضد‪  ‬زبانية‬
‫الجلد‪ ،‬و رمي املحصنات من النساء املاجدات‪ ،‬تحت إسم السفور و الت ّربج‬
‫وأشياء أخرى ‪ ،‬و مس ّميات شتى‪.‬‬
‫لكن و عىل الرغم من‪  ‬موجة الحداثة والتحديث يف مرص قاسم أمني وسالمة‬
‫موىس‪ ،‬فقد بقيت بعض الترشيعات التي تخص املرأة يف األحوال الشخصية‪ ‬‬
‫دون املأمول بكثري ‪ .‬بينام يف تونس كان ميالد مجلة األحوال الشخصية عىل يد‬
‫الزعيم الحبيب بورقيبة‪ ،‬تطورا طبيعيا لزعامء اإلصالح‪  ‬عندنا‪ ،‬واستمرار تدفق‬
‫نهج‪  ‬التنوير و التحرير ملحمد الطاهر بن عاشور‪ ،‬و تبني رؤية الطاهر الحداد‬
‫يف املساواة بني املرأة‪  ‬والرجل ‪.‬‬
‫فكانت تلك الخطوة النوعية ايذانا بعرص جديد للمرأة التونسية التي ال زالت‬
‫تفتخر بتلك الترشيعات الثورية و التقدمية‪.‬‬
‫من هنا نفهم ‪ ،‬أنه سوف لن يكون غريبا عىل النخب التقدمية التوسية‬
‫التأسيس للمساوات يف اإلرث‪ .‬تلك القضية التي شغلت الرأي العام النخبوي‬
‫يف الجمعيات واملنظامت ‪ ،‬مثل االتحاد العام التونيس للشغل‪ ،‬و جمعية نساء‬
‫دميقراطيات‪ ،‬و الرابطة التونسية للدفع عن حقوق اإلنسان ‪ ،‬واالتحاد الوطني‬
‫للمرأة ‪ ،‬واالتحاد العام لطلبة تونس وغري ذلك من مك ّونات املجتمع املدين‪،‬‬
‫طيلة العقود املاضية‪  ،‬يف نضالها الثقايف و الفكري ويف نشاطها السيايس والنقايب‪.‬‬
‫و تبعا لذلك‪ ،‬فال يشك ّن أحد‪ ،‬كائنا من كان‪ ،‬يف محاولة النيل من تلك الحقوق‬
‫املكتسبة‪  ‬و الترشيعات‪  ‬الحاصلة‪ .‬سواء كان ذلك تحت غطاء الدين املسيّس‬
‫أو األصالة املوغلة يف متجيد السلف‪.‬‬
‫بل أن‪  ‬واقع‪  ‬التط ّور و التغيري يفرض عىل النخب السياسية والفكرية والثقافية‬
‫التونسية التقدمية‪ ،‬املزيد من‪  ‬تطوير تلك املكتسبات املرأة ‪ ،‬حتى تنال كل‬
‫الحقوق املرشوعة‪  ‬مثلها يف ذلك مثل أخيها الرجل‬

‫‪12‬‬

‫الخميس ‪ 14‬مارس ‪ - 2019‬املوافق لـ ‪ 7‬رجب ‪ - 1440‬العدد ‪77‬‬

‫‪13‬‬

‫أطباء مبدعون‬

‫حين تصرخ الطبيبة المبدعة ‪:‬‬

‫منارات تو ّجه رسالة شكر وتقدير عىل طريقتها ملناضيل الخفاء‪ ،‬أطباء القطاع العمومي‪ ،‬أبناء هذه الرتبة من مائها وملحها وشمسها وهوائها‪ ،‬أولئك الذين يقفون يف الصف األول يف مواجهة املواطن املكدود واملنهوب واملصلوب عىل يوميات كدحه‬
‫وأمله‪...‬أولئك الذين يزاحمون يف القطاع العمومي عند دخولهم أو خروجهم ويشتمون عرق املواطنني ويسمعون آهاتهم ولغوهم‪...‬شهادة شديدة الصفاء والتلقائية من فهمي البلطي األديب الطبيب كتبها يف زمن قديم لكنها من حالنا اليوم‪ ،‬ننرشها‬
‫بوحشيتها الصادقة ‪ -‬دون تهذيب ‪ -‬ونص موجع من ماجدة السباعي الطبيبة الشاعرة‪ ،‬التي تشعر بأمل اآلخرين قبل شعرها وشعورها‪...‬يف زمننا املتصاعب نقول‪ :‬إن معاول الهدم متكاثرة لكن معاول البناء أثبت‪»...‬منارات»‬

‫حرارة الرّوح‪ /‬لي‬
‫نقطة ضعف كبرية‬
‫تجاه الكتابة‪...‬‬
‫د فهمي البلطي‬
‫اعي شديدة البزوغ يف العادة حتّى أ ّن جسدي يف سنوات دراسة‬
‫رشايني ذر ّ‬
‫الطب كان الجسد األنسب الذّي يغري أساتذة علم التّرشيح باتّخاذه‬
‫ّ‬
‫مثاال من أجل التّدريس‪ ،‬أذكر أ ّن أستاذا أخرجني م ّرة من مقعدي يك‬
‫اعي فيتمكّن هو بالتّايل من رشح‬
‫أصعد عىل الطّاولة واقفا وباسطا ذر ّ‬
‫يخص العضالت والرشايني‪ ،‬لك ّن رشاييني‬
‫بعض التّفاصيل لرفاقي فيام ّ‬
‫هذه امل ّرة أصبحت شحيحة ج ّدا حتّى أ ّن املم ّرضني حقنوين أربع م ّرات‬
‫أو أكرث من أجل القيام بالتّحاليل‪ ،‬ربمّ ا ألنّني كنت أرتعش وأصيح أو أل ّن‬
‫ضغط الد ّم انخفض قليال حينها‪ ،‬أو ربمّ ا أل ّن التوتّر واإلرهاق وصال يب إىل‬
‫منتهاهام‪ ،‬أخفوا ع ّني تخطيط القلب يف البداية و حاولوا طأمنتي بشتّى‬
‫الطّرق‪ ،‬يف الحقيقة مم ّرضو االستعجايل هم األفضل عىل اإلطالق وبيننا‬
‫الكثري من املو ّدة واالحرتام حتّى أ ّن بعضهم و رغم القليل من الخجل‬
‫كان يواسيني و يقبّلني من جبيني و يرتّب عىل رأيس قائال بصوت ودود‬
‫إ ّن كلّ يشء سيكون عىل ما يرام‪ ،‬لك ّنني كنت أتوقّع األسوأ بطبيعة‬
‫الحال‪ ،‬فدماغي كان يت ّجه نحو يشء واحد هو جلطة يف أوردة القلب‪...‬‬
‫قبل أن يت ّم نقيل إىل املستشفى من املستوصف الذّي يبعد عنه بضع‬
‫كلومرتات مل تكن هناك وسيلة نقل أل ّن سيّارة املستشفى التّي أوصلتني‬
‫يف البداية كانت قد أوصلت مم ّرضة إىل مكان أبعد من أجل القيام‬
‫ببعض اإلحصائيّات و من ث ّم العودة إ ّيل حني أكمل عيادة املرىض ‪ ...‬‬
‫حني خرجت من املكتب و مل أكن قد انتهيت من فحص نصف عدد املرىض‪،‬‬
‫ناديت املم ّرضة و أخربتها أنّني لست عىل ما يرام و أنّني ربمّ ا أستع ّد لحالة إغامء‬
‫و يجب أن أتوقّف عن العمل حاال‪ ،‬لك ّن األمور تسارعت بطريقة جنون ّية فقد‬
‫أصبح جسمي يرتعش بأكمله‪ ،‬عرقت‪ ،‬أصبت بأوجاع يف صدري و تسارعت‬
‫نبضات قلبي إىل مع ّدل مائة و ستّني يف ال ّدقيقة و مل أعد أستطيع التنفّس ‪...‬‬
‫رصف و أعالج نفيس بنفيس حينها‪،‬‬
‫جلست عىل‬
‫الكريس و كان ع ّيل أن أت ّ‬
‫ّ‬
‫خاصة و أ ّن املم ّرضة أصيبت بالفزع التّام و مل تعرف ماذا عليها أن تفعل‬
‫ّ‬
‫بالضّ بط‪ ،‬أ ّما املرىض فقد خرجوا كلّهم من قاعة االنتظار بأفواه مشدوهة‪،‬‬
‫فمشاهدة الطّبيب الذّي أىت ملساعدتهم و هو بصدد االنهيار مل تكن أمرا‬
‫عاديّا يحدث يف سائر األيّام‪ ،‬لحسن الح ّظ كان هناك بعض األدوية التّي‬
‫التهمتها دفعة واحدة لتخفيض نبضات القلب و بعض امله ّدئات التّي‬
‫كنت أحتفظ بها يف محفظتي و لك ّن اآلالم يف صدري تواصلت بطريقة‬
‫مرعبة‪ ،‬سكبت قارورة ماء عىل رأيس و حاولت قدر اإلمكان التحكّم يف‬
‫أعصايب لك ّن جزعي من أن أكون أصبت بجلطة يف القلب كان يفقدين‬

‫بالكامل سيطريت عىل نفيس ألنّه يف هذه الحال يجب نقيل بأقىص رسعة‬
‫املختصة يف العاصمة فجلطات القلب يف س ّني‬
‫إىل أحد أقسام القلب‬
‫ّ‬
‫تكون يف العادة شديدة الخطورة و بإمكانها أن تؤ ّدي إىل الوفاة يف غضون‬
‫ساعات‪ ،‬أتت الس ّيارة يف حدود ربع ساعة تقريبا‪ ،‬ربع ساعة كانت هي‬
‫األطول عىل اإلطالق من ضمن األوقات الحرجة التّي عشتها يف حيايت ‪...‬‬
‫الس ّيارة مل تكن س ّيارة إسعاف بل سيارة عاديّة خردة تقريبا‪ ،‬استلقيت يف‬
‫السائق كان مرعوبا‪،‬‬
‫الكرايس الخلف ّية و أنا يف حالة أشبه ما يكون باإلغامء‪ّ ،‬‬
‫و املم ّرضة حني رأتني أرتخي بالكامل ظ ّنت أنّني أحترض‪ ،‬كانت شديدة‬
‫التوسل بل إنّها حاولت أصال القيام‬
‫التوتّر‪ ،‬وتُتمتم من حني آلخر بأدعية ّ‬
‫بإنعايش قلب ّيا لك ّنني ح ّركت يدي بثقل كبري مشريا إليها ألاّ تفعل ذلك‪ ،‬حني‬
‫وصلت إىل املستشفى حملوين إىل قسم االستعجايل‪ ،‬فيام جسدي تخشّ ب‬
‫بالكامل‪ ،‬حالتي حينها كانت خليطا رسيال ّيا عجيبا من اإلرهاق والفزع‬
‫والغضب ومحاولة استعداد رسيا ّيل لتق ّبل املوت يف مثل هذه الظّروف‪...‬‬
‫اشتغلت يف عيادتينْ بالتوازي‪ ،‬عيادة األطفال و‬
‫السابق كنت قد‬
‫ُ‬
‫يف اليوم ّ‬
‫عيادة الكهول أي ما يقارب املائة مريض تقريبا و ذلك نظرا لنقص فادح‬
‫يف الفريق الط ّبي‪ ،‬ث ّم كان ع ّيل التو ّجه مبارشة بعد ذلك لقسم االستعجايل‬
‫من أجل تأمينه حتّى يوم غد‪ ،‬و من ث ّم الذّهاب صباحا إىل املستوصف‬
‫لعيادة مرىض آخرين‪....‬‬
‫حني وصلت إىل االستعجايل حوايل الساعة الواحدة و ال ّنصف وجدت‬
‫السابقة يف حالة انهاك واضحة‪،‬‬
‫زميلتي التّي أ ّمنت االستعجايل يف الليلة ّ‬
‫كانت بصدد إنعاش رضيعة غرقت يف بيت الحامم منذ دقائق‪ ،‬بينام يف‬
‫الغرفة املجاورة كان هناك ثالثة حوادث ‪ :‬حادثَا طريق عا ّمة وحادث‬
‫الرب‪ ،‬ما هذا ؟؟؟ كنت أرتعش من ش ّدة‬
‫منز ّيل‪ ،‬رصخت عىل املإل‪ :‬آدين ّ‬
‫الجوع‪ ،‬و كان ع ّيل املساعدة الحال ّية يف ذات الوقت‪ ،‬رشبت قارورة كاملة‬
‫من العصري ث ّم تو ّجهت من أجل املساعدة‪ ،‬يف غضون ساعة هدأت األمور‬
‫خاصة بعد‬
‫نسب ّيا‪ ،‬ال ّرضيعة توفّيت لألسف‪ ،‬وبقية املرىض ت ّم نقلهم ألقسام ّ‬
‫إسعافهم بعض االسعافات األول ّية ‪...‬‬
‫متكّنت من بعض ال ّراحة رغم كلّ يشء و كان ذلك مهماّ ج ّدا من أجل‬
‫املواصلة‪ ،‬لك ّن بعض املرىض الذّين كانوا يف حالة خطرة عاودوا الهجوم‬
‫عىل االستعجايل قب ْيل املغرب‪ ،‬أحدهم كان ينزف من أمعائه وكان يجب‬
‫نقله فورا إىل قسم الجراحة‪ ،‬بعض املرىض اآلخرين كانوا يستحقّون فحوصا‬
‫تقني املخرب هرب تقريبا أو‬
‫تكميل ّية‪ ،‬لك ّنني فوجئت يف آخر لحظة أ ّن ّ‬
‫لنقل مل يأت‪ ،‬بعض أنابيب الدم ُرميت يف القاممة ألنّها لن تصرب حتّى‬
‫بالصوت العايل‪ ،‬هناك بعض املرىض‬
‫يُرسل بها إىل مخرب آخر‪ ،‬كنت أكفر ّ‬
‫كنت‬
‫قني‪،‬‬
‫ت‬
‫ال‬
‫هذا‬
‫د‬
‫ض‬
‫مكتوبة‬
‫بشكوى‬
‫الذّين ح ّرضتهم مبارشة يك يقوموا‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫أحس بغيظ كبري تجاه هذا ال ّنوع من االستهتار بالذّات‪ ،‬أل ّن أ ّي نقص‬
‫ّ‬
‫يخص الخدمات الطبية و شبه الطب ّية من املسؤولني اآلخرين عداك‬
‫فيام ّ‬
‫رصف ‪...‬‬
‫لن يتح ّمله أحد غريك يف ال ّنهاية‪ ،‬فأنت الطبيب و عليك أن تت ّ‬
‫فيام بعد فوجأت أنّه مل يعد هناك كليشيهات من أجل صور إيكس و أنّه يف‬
‫هذه الحالة‪ ،‬و كلّام طلبت صورة إيكس ملريض‪ ،‬ع ّيل أن أتنقّل بنفيس عىل بعد‬
‫الصورة يف الحاسوب عىل عني املكان ‪...‬‬
‫مائتي مرت نحو قسم األشعة ملعاينة ّ‬
‫ْ‬
‫كان ذلك أشبه باملؤامرة‪ ،‬خابرت مدير املستشفى و أنا أزعق و البصاق من‬
‫يتطاير من فمي‪ ،‬حني عال رصاخ فيام بعد يكْ تأيت املفاجأة الحقيق ّية التّي‬
‫قلبت كلّ يشء رأسا عىل عقب ‪ :‬مريضة يف حالة هيجان قصوى ال نعرف‬
‫عنها شيئا حملها جارها إلينا‪ ،‬منذ أن وصلت بدأت يف كرس كلّ يشء و يف‬
‫قلب قاممات اإلبر يف القاعة و ال ّرواق حيث أصبح قسم اإلستعجايل شبيها‬
‫الساعة التّاسعة ليال تقريبا وكان‬
‫مبرسح جرمية يف أحد أفالم تارانتينو‪ ،‬كانت ّ‬
‫من الواجب حقنها باملخ ّدر أ ّوال ث ّم التّفكري فيام ميكن فعله بشأنها فيام‬
‫السيطرة عليها من أجل حقنها‪ ،‬كانت قد عضّ ت‬
‫بعد‪ ،‬قبل أن نتمكّن من ّ‬
‫اقرتبت منها كانت‬
‫يد العاملة و أهلكت بعض مع ّدات قاعة الفحص‪ ،‬حني‬
‫ُ‬
‫قدمي‬
‫من‬
‫يب‬
‫أمسكت‬
‫ملقاة يف القاعة‪ ،‬عضالتها متش ّنجة ج ّدا‪ ،‬حتّى أنّها‬
‫ّ‬
‫بجأش و ق ّوة كبريين مثلام ميسك أشباح املقابر بالسيقان يف أفالم ال ّرعب‪،‬‬
‫تكف عن الصرّ اخ و ال ّنحيب و لو لحظة واحدة‪ ،‬فيام املرىض اآلخرون‬
‫مل ّ‬
‫كانوا يتك ّدسون يف ال ّرواق‪ ،‬أفلحنا بصعوبة قصوى يف حقنها مبخ ّدر‪ ..‬‬
‫كان ع ّيل مخابرة الشرّ طة الذّين عليهم مخابرة القايض من أجل التّسخري‬
‫وحملها مبارشة إىل قسم األمراض ال ّنفس ّية يف العاصمة‪ ،‬لك ّن الشرّ طة‬
‫رفضت ذلك رفضا قطع ّيا‪ ،‬خابرت مدير املستشفى الذّي خابرهم بدوره‬

‫الحق يف التنقّل ليال خارج‬
‫فرفضوا م ّرة أخرى بح ّجة أنّه ليس لديهم ّ‬
‫مجالهم الجغرايف‪ ،‬بعد مفاوضات يائسة اضطررنا لنقلها نحن أنفسنا يف‬
‫س ّيارة اإلسعاف للمستشفى املجاور بعد أن ربطناها و شللنا حركتها‪ ،‬و‬
‫رغم أ ّن القايض أذن بحملها إلاّ أ ّن رشطة املدينة املجاورة رفضت نقلها أيضا‬
‫الساعة الثّانية بعد منتصف اللّيل‪ ،‬كانت تهدأ‬
‫وأعادوها إلينا يف ال ّنهاية مع ّ‬
‫قليال‪ ،‬ث ّم تعاود نوبات أقلّ ح ّدة من حني آلخر‪ ،‬و ظللنا عىل تلك الحالة‬
‫الصباح‪ ،‬يف غضون ذلك تو ّجهت ألرتاح قليال يف غرفة الحراسة‪ ،‬لكن‬
‫حتّى ّ‬
‫كلّام ر ّن الهاتف يك أنتقل من جديد إىل القسم و أفحص مرىض آخرين مل‬
‫الصباح‪ ،‬أفيق مجزوعا و أن ّط نطّا من الفراش‪ ،‬يف‬
‫يتوقّفوا عن عياديت حتّى ّ‬
‫الصباح االتّصال بالشرّ طة‪ ،‬و كان ع ّيل أن أسعف بعض‬
‫الصباح عاود فريق ّ‬
‫ّ‬
‫املرىض اآلخرين و أنتقل بعد ذلك إىل املستوصف (‪)...‬‬
‫بعد أن متكّن املم ّرضون من حقني إلجراء الفحوصات‪ ،‬طلبت منهم أن‬
‫يحقنوين مبخ ّدر يك تهدأ أعصايب‪ ،‬كنت قد تناولت الكثري من األدوية يف‬
‫تحسنت يف ال ّنهاية مبفعول املخ ّدر اللّذيذ‪ ،‬بعد‬
‫وقت وجيز ج ّدا‪ ،‬لك ّنني ّ‬
‫دقائق‪ ،‬طالبتهم بإعادة التخطيط عىل القلب حني أحسست مبعاودة‬
‫الصاعقة‪،‬‬
‫الصدر‪ ،‬وحني م ّدوين بالتّخطيط‪ ،‬كانت ّ‬
‫األوجاع عىل مستوى ّ‬
‫مل يكن تخطيط القلب مطمئنا بامل ّرة و نسبة أنّني أتع ّرض إىل جلطة‬
‫يف الحني كانت كبرية يف حقيقة األمر‪ ،‬أحسست بفزع كبري‪ ،‬االنتقال إىل‬
‫الصين ّيون‬
‫أخصائ ّيو القلب ّ‬
‫املستشفى الكبري بحالته الكارث ّية التّي أعرفها‪ّ ،‬‬
‫سامحهم الله بكفاءتهم املتواضعة ج ّدا التّي أعرفها‪ ،‬غياب قاعة القسطرة‬
‫األخصايئ املناسب لها‪ ،‬سيارة اإلسعاف التّي ميكن أن تكون مشغولة يف‬
‫و ّ‬
‫مريض آخر‪ ،‬كلّ ذلك كان يجعلني أفكّر بش ّدة يف إمكان ّية املوت‪ ،‬مل أكن‬
‫أرغب يف املوت رصاحة يف هذه الظروف املهينة‪ ،‬ففكريت عنه هي فكرة‬
‫رومنس ّية رغم كلّ يشء‪ ،‬يعني أنتحر مثال انتحارا غري مؤمل بعد أن أكون‬
‫فكّرت مل ّيا يف األمر و تركت القليل من ال ّرسائل ألح ّبتي‪ ،‬أموت يف حادث‬
‫سري رسيع ج ّدا فال يتس ّنى يل أن أصاب بكلّ هذا ال ّرعب‪ ،‬إذ أنّني لن‬
‫أملك الوقت الكايف لذلك‪ ،‬أو أموت يف فرايش بني أهيل و أنا عجوز أو و‬
‫أنا مريض مرضا بطيئا ميك ّنني من استيعاب األمر بهدوء‪ ،‬لكن هكذا ؟؟؟‬
‫الحق أ ّن التّفكري يف أ ّن كثريا من املرىض ميوتون عىل‬
‫إنّها إهانة كبرية و ّ‬
‫هذه الشّ اكلة كان أمرا ال يجب أن أفكّر فيه اآلن و لو عىل سبيل املزاح‬
‫ألنّه سيصيبني بالجنون ‪ ...‬وأنا أنتقل إىل املستشفى الكبري‪ ،‬كنت أرصخ‬
‫داخل السيارة ‪ :‬سوف أموت‪ ،‬سوف أموت أيّها ال ّناس سوف أموت‪ ،‬ال‬
‫رصفوا!!!‪ ،‬لك ّن ال ّرغبة يف الحياة أيضا كانت قويّة‪ ،‬و لذلك‬
‫ترتكوين هكذا‪ ،‬ت ّ‬
‫خابرت برسعة أحد أصدقايئ األطباء يف تونس‪ ،‬و حني أرسلت له تخطيط‬
‫القلب عن طريق الهاتف أحسست أنّه أصيب بالفزع و حاول بكلّ الحيل‬
‫تهدئتي وطأمنتي من أنّه سوف يت ّم نقيل حاال إىل العاصمة حاملا أصل‬
‫إىل املستشفى الكبري‪ ،‬حني أتذكّر ذلك اآلن و كيف كان بإمكاين أن أتّصل‬
‫وأص ّور التخطيط بالهاتف وأبعثه بالفايسبوك وأتّصل أيضا باملدير الجهوي‬
‫طالبا طبيب قلب من الخارج وس ّيارة إسعاف‪ ،‬اإلجابة الوحيدة التّي أجدها‬
‫ليست سوى كلمة واحدة ‪« :‬حرارة ال ّروح»‪ ..‬حني وصلت إىل استعجايل‬
‫املستشفى الكبري كان التّحليل الخاص بالجلطة‪ ،‬والذّي ع ّيل إجراؤه بأقىص‬
‫اعي‪ ،‬املم ّرض‬
‫رسعة‪ ،‬معطّبا‪ ،‬و بدأت رشاييني مج ّددا يف االختباء داخل ذر ّ‬
‫حقنني ثالث م ّرات تقريبا إىل أن متكّن من استخراج الد ّم الذّي عليه أن‬
‫كنت أتلقّى ما يجب ع ّيل فعله‬
‫خاص و أنا ُ‬
‫يحمله بأقىص رسعة إىل مخرب ّ‬
‫عن طريق الهاتف من صديقتي االستاذة املساعدة يف العاصمة والهاتف‬
‫قارب عىل االنطفاء بسبب الشحن وأنا تركت الفراش وركضت مرتنّحا باحثا‬
‫عن مكان أشحن فيه هاتفي حني أشاروا إ ّيل أنّه ورايئ بالضّ بط‪ ،‬يف النهاية‬
‫تركت هاتفي لشخص مجهول يك تخاطبه صديقتي ويحمله فيام بعد إىل‬
‫طبيبة االستعجايل يك تخاطبها بدورها‪ ،‬واستلقيت خائرا عىل الربونكار‬
‫يف شبه استسالم‪ ،‬زميلتان التحقتا يب عىل عني املكان من أجل املساعدة‬
‫واالطمئنان ‪ ...‬أخريا أتت سيارة االسعاف يك تنقلني إىل العاصمة‪ ،‬كان فيها‬
‫الصعداء‬
‫طبيب االسعاف الذّي حدث و أن تعاملت معه مرارا‪ ،‬تنفّست ّ‬
‫رويدا رويدا ‪ ..‬م ّدين ببعض األدوية من أجل ترسيح استباقي ألوردة القلب‪،‬‬
‫كنت خائفا أيضا أل ّن يل قرحا يف املعدة و أل ّن هذا الدواء بإمكانه أن يحدث‬
‫يل نزيفا‪ ،‬لكن مل يكن لد ّي خيار يف ال ّنهاية‪ ،‬قبل أن أنطلق إىل قسم انعاش‬
‫القلب يف العاصمة‪ ،‬أخربوين أ ّن التحاليل البدائ ّية مطمئنة وأ ّن نسبة الجلطة‬
‫يف هذه الحالة تصبح منخفضة‪ ...‬هدأت يف الحقيقة‪ ،‬ربمّ ا هو التّسليم‬
‫أخريا‪ ،‬أو ربمّ ا ألنّني وجدت نفيس بني أيادي أمينة أو ربمّ ا بسبب أ ّن كلّ‬

‫الخميس ‪ 14‬مارس ‪ - 2019‬املوافق لـ ‪ 7‬رجب ‪ - 1440‬العدد ‪77‬‬

‫أنا حزينة جدّا من أجل الصحّة العمومية يف تونس‬
‫د ماجدة السباعي‬

‫ذلك التوتّر تح ّول يف ال ّنهاية إىل اسرتخاء ‪ ...‬وصلت بسالم إىل قسم االنعاش‪ ،‬فوجدت أخو ّي يف‬
‫انتظاري ‪ ..‬قمت بفحوصات أخرى و بإعادة التّخطيط م ّرات عديدة و تناولت بعض األدوية‬
‫األخرى ‪ ...‬التخاطيط الالحقة كانت مطمئنة‪ ،‬و األرجح أنّها كانت أزمة قلب ّية خفيفة ناتجة عن‬
‫املختص وأنّها يف التخطيط تكون شبيهة ج ّدا بجلطة القلب‪،‬‬
‫انهيار عصبي حسب رأي الطّبيب‬
‫ّ‬
‫لكن كان ع ّيل أن أقوم بصور أش ّعة سكانار للتأكّد من سالمة عروق القلب‪ ...‬ال أعرف إن كنت‬
‫أستوعب كلّ ذلك اآلن بعد أن غادرت املستشفى و بعد أن تأكّدت من السالمة اآلنيّة ألوردة‬
‫القلب‪ ،‬األحداث كانت متسارعة ج ّدا و مفزعة ج ّدا و متك ّدسة ج ّدا بعضها فوق بعض إىل‬
‫درجة أ ّن دماغي أرسلها إىل منطقة غريبة من إحدى كهوفه و كأنّها حدثت منذ سنتينْ و ليس‬
‫منذ يومينْ ‪ ،‬ربمّ ا هو نظام حامية نفس ّية يقوم بها دماغي من تلقاء نفسه يك ال أعاود االنهيار‪...‬‬
‫السفرة املفاجئة عرب ال ّزمن‪،‬‬
‫يوم و ليلة أمضيتها يف العناية املركّزة من قسم القلب‪ ،‬كانا مبثابة ّ‬
‫كنت املريض األقلّ خطورة بكلّ تأكيد‪ ،‬تع ّرفت عىل مرىض ربمّ ا أكتب عنهم نصوصا يف م ّرات‬
‫قادمة‪ ،‬رأيت العامل من الضفّة األخرى‪ ،‬بعني أخرى‪ ،‬صديقي الطّبيب األستاذ املساعد الذّي‬
‫تابع حالتي لحظة بلحظة يف ج ّو من الفزع مازحني قائال ‪ :‬ال عليك‪ ،‬فاملخرجون الكبار عادة‬
‫الخاصة و يتح ّولون من مخرجني إىل ممثّلني ‪...‬‬
‫ما يظهرون هم أيضا يف أفالمهم أمام كمرياوتهم ّ‬
‫يف الحقيقة‪ ،‬ذلك جعلني أقف وجها لوجه مع مفارقة‪ :‬هل ع ّيل أن أكون أكرث قربا من‬
‫املرىض بعد أن أخذت مكانهم يف أعرس اللّحظات عىل اإلطالق حيث زارين شبح املوت‬
‫دون مق ّدمات أم أنّه ع ّيل أن أكون أكرث بعدا عنهم من أجل حاميتي الذّاتية؟؟؟‬
‫ال أعرف‪ ،‬كلّ ما أعرفه أنّني أحاول أن أتعامل مع الذّي حدث منذ يومني وكأنّه حدث منذ سنتينْ ‪،‬‬
‫و أ ّن كلّ ما يجب أن أفكّر فيه اآلن هو األرباح الجانب ّية لهذه الوعكة والتفكري فقط يف االسرتخاء‬
‫النص ‪ ...‬‬
‫أكتب هذا ّ‬
‫التّام طوال هذين األسبوعينْ ‪ ...‬أنا اآلن أفضل بكثري يف الحقيقة‪ ،‬ال أعرف ملاذا ُ‬
‫من األكيد أنّني ال أريد أن يقلق أحد من األصدقاء بشأين‪ ،‬و لك ّنه مرض الكتابة‪ ،‬إنّها دودة‬
‫الكتابة التّي تأىب مفارقتي سواء يف األوقات الحرجة أو يف فرتات النقاهة‪ ،‬ال أعرف أيضا إن كان‬
‫ما أكتبه شخصيا بصفة حرصيّة أم أنّه يف اآلن ذاته عمومي ج ّدا ‪ ...‬لك ّنني أعرف أنّه‪ ،‬يف بلدان‬
‫تحرتم نفسها‪ ،‬سوف تقوم ال ّدنيا وال تقعد بسبب كلّ هذا البؤس وكلّ هذه الفوىض التّي يروح‬
‫ضح ّيتها األط ّباء واملرىض عىل ح ّد سواء‪ ،‬إنّها فضيحة عارمة أن يصبح الطّبيب مه ّددا باملوت‬
‫و هو املطالب بإنقاذ املرىض‪ ،‬إنّه من العار أن يت ّم تدمري األطبّاء من قبل هذا ال ّنظام األعمى‪،‬‬
‫بكلّ هذا الح ّد من الغباء والالمباالة والقسوة وأن يصبح املريض يف هذه الحالة العد ّو املبارش‬
‫للطّبيب ألنّه ميكن أن يتسبّب يف انهياره‪ ...‬لكن‪ ،‬يف بالدنا هي ليست سوى مج ّرد تفاصيل‬
‫السنني‪ ،‬يوم من املؤكّد أ ّن كواليسه أكرث غورا و عمقا من‬
‫صغرية ليوم مك ّرر منذ عرشات ّ‬
‫ظواهره مبئات امل ّرات‪...‬‬
‫وأنا تحت وقع هذه الحالة الحرجة‪ ،‬تذكّرت الكثريين‪ ،‬تذكّرت بعض ال ّرفاق واألصدقاء الذّين‬
‫السكانار‪ -‬بحقنة الكونرتاست الحارقة التّي ترسي يف‬
‫خطفتهم املنيّة فجأة‪ ،‬و أنا تحت أشعة ّ‬
‫جسدك دفعة واحدة يك تستق ّر يف النهاية داخل خصيتيك‪ -‬تذكّرت أخي حني تع ّرض لنزيف يف‬
‫دماغه منذ عامني‪ ،‬تذكّرت الطّبيبة الحامل التّي توفّيت أثناء العمل‪ ،‬تذكّرت الطّبيب املنعش‬
‫املحجوز و قد تع ّرض لجلطة يف القلب‪ ،‬تذكّرت بعض املنهارين جسديّا و نفس ّيا عىل مدى سنوات‬
‫الفجئي هنا و هناك يف العمل أو خارجه‪ ،‬تذكّرت الكثريين‪،‬‬
‫من العمل‪،‬تذكّرت بعض حاالت املوت‬
‫ّ‬
‫تذكّرت الكثري من األشياء التّي م ّرت كالفالش السرّ يع داخل خالياي العصب ّية‪ ،‬ولوال اإلرهاق لكان‬
‫نصيّ هذا أطول بكثري مماّ هو عليه إذ أ ّن هناك الكثري من التفاصيل املوجعة األخرى بكلّ تأكيد‬
‫والتي يحاول دماغي اآلن أن يرميها جانبا يك يخفّف عن نفسه الكثري من اإلكتظاظ املفزع‪ ...‬‬
‫يف الحقيقة لقد أغلقت هاتفي‪ ،‬ربمّ ا لن يتس ّنى يل اإلجابة عىل بعض ال ّرسائل‪ ..‬أنا عىل أحسن‬
‫النص‪ ،‬ولكن‬
‫ما يرام يف الوقت ال ّراهن‪ ،‬القليل من اإلرهاق فقط‪ ..‬ربمّ ا كان ع ّيل ألاّ أكتب هذا ّ‬
‫ماذا أفعل‪ ...‬يل نقطة ضعف كبرية تجاه الكتابة‪ ،...‬ربمّ ا هي نوع من العالج كذلك‪ ،‬من يدري؟؟‬

‫السامء تقولني ‪ :‬ما أفضع هذا‬
‫غيوم ّ‬
‫االحساس بالقهر‪ / ‬يف وطن حزين‬
‫‪ /‬حزنه ‪ / ..‬أثقل من الغيامت **‪/‬‬
‫ماجدة‪/‬‬
‫نا حزينة ج ّدا من أجل الص ّحة‬
‫العمومية يف تونس ‪..‬آسفة ج ّدا‬
‫بسبب ما آل اليه املرفق الص ّحي‪ ‬‬
‫أنا الطبيبة التي اخرتت املرفق‬
‫الصحي العمومي عن قناعة راسخة‬
‫وعميقة ومارست فيه مبستوصفاته و‬
‫مستشفياته منذ ما يزيد عن الربع‬
‫قرن وعملت بتفاين و شغف و مح ّبة‪.‬‬
‫محبّة فائقة للتونيس املريض الذي ال خالص له اال يف املرفق العام‪..‬‬
‫ينص دستور البالد عىل حقه‬
‫التونيس البسيط الفقري ‪..‬التونيس الذي ّ‬
‫مؤسساتنا‬
‫يف الصحة و حقه يف الحياة ‪..‬أنا ج ّد مستاءة مماّ يحدث يف ّ‬
‫وأحس باحباط‬
‫الصح ّية عىل اختالفها ويف داخيل بركان غضب‬
‫ّ‬
‫يجعلني أتساءل كيف يل ومن مثيل إكامل مسرية يف قطاع يتقهقر‬
‫كل يوم دون أن نُصاب بخيبة كربى ودون أن يتخلخل توازننا؟‬
‫أليس العمل وسيلة لتأصيل الكيان قبل أن يكون وسيلة اسرتزاق؟‪ ‬‬
‫أنا مكلومة وساخطة مثل جلّ التونس ّيني و مثل كلّ نفس ح ّرة يه ّمها‬
‫من قريب ومن بعيد ه ّم البالد و العباد و نحن نكابد الخيبة تلو‬
‫الخيبة ونعايش األزمة تلو األزمة يف كلّ القطاعات ندرك إىل أ ّي درك‬
‫انحدرنا ونلمس مواقع الوجع الوطني يف أجسادنا و ننام و نصحو‬
‫يسكننا هاجس االنسان املهدور واملقهور اجتامع ّيا يف مجتمعنا‬
‫املريض الذي أصبح االنسان فيه ال قيمة له يف نظر الدولة املريضة‬
‫الساسة الذين أؤمتنوا عىل الذات التونسية و‬
‫بدورها و يف أنظار ّ‬
‫أنيطت بعهدتهم أمانة تسيري الشّ أن العام للمواطنني يف كنف السيادة‬
‫والشفافية‪ ..‬وساستنا منذ تولّيهم املناصب يف كل الحكومات املتوالية‬
‫خالل الثامن سنوات التي خلت يزرعون الوعود يف كل الحقول و‬
‫نحن نحصد ال ّرياح يف كلّ املجاالت وانحازت مراكبهم لرياح ما وراء‬
‫البحار وانحرفت عن التيار الوطني فكان الخذالن و نجحوا يف اغراق‬
‫مراكب األمان التي توصل االنسان التونيس اىل مبتغاه مماّ تيسرّ من‬
‫كرامة حياة ومت ّزق الرشاع يف التعليم والص ّحة وهي اكرث القطاعات‬
‫حساسية‪ ..‬وهل مث ّة أغىل من الص ّحة والحياة؟‬
‫اتّسمت الخدمات الصحيّة بال ّرداءة والنقائص منذ فرتة طويلة‬
‫وكرث الجدل يف امليديا و عند ال ّرأي العام و يف أروقة املشايف حول‬
‫املؤسسات الصحيّة و‬
‫األخطاء الطبية و ازمة ال ّدواء األخرية ونهب ّ‬
‫رجوع االوبئة التي قيض عليها سابقا و كثري من االمراض املرتبطة‬
‫بالفقر والجهل و ظهرت عديد التجاوزات و عرفت الكنام افالسا‬
‫زاد املنضومة عطبا و لك ّن‪ ‬كارثة مستشفى ال ّرابطة أو باألحرى‬

‫جرمية الرابطة هي ذات وقع ال مثيل‬
‫له ه ّزت كلّ البالد من شاملها إىل‬
‫جنوبها و أبكت ال ّرجال قبل النساء‬
‫ألنها زيادة عىل كونها متثّلت يف موت‬
‫جامعي مسرتاب لعدد كبري من ال ّرضع‬
‫رصح به‬
‫ربمّ ا يكون أكرب من العدد امل ّ‬
‫رسم ّيا بل و أيضا هي متثّل قتال رمزيا‬
‫للحس االنساين عند التونيس القرتانها‬
‫ّ‬
‫بحديثي الوالدة ‪..‬هل تدركون االبعاد‬
‫الرمزية للولدان يف التمثّالت املشرتكة‬
‫ألي كائن من يكون‪« ...‬الولدان»‬
‫تحيل اىل البدايات‪ ،‬اىل االنبعاث‪،‬‬
‫اىل التربعم‪ ،‬اىل ابتسامة الحياة عىل‬
‫شفاه الكون‪ ،‬اىل انبثاق مرشوع حياة بكل ما يحويه من شحنة‬
‫أمل وطموح وحامس‪ ‬الولدان هم أحالم يف طور االنجاز ‪..‬هم عطاء‬
‫الطبيعة لالنسان ‪..‬هم تواصل الجنس البرشي والحياة البرشية‬
‫عىل البسيطة‪ ‬فاجعة الرابطة كانت قطيعة حا ّدة مع كل هذه‬
‫التمثّالت يف االوعي للذات التونسية املجروحة واملرشوخة والهشّ ة‬
‫آنفا وسابقا معيش ّيا وثقاف ّيا ونفس ّيا‪ ...‬هي مبثابة رضبة قاضية‬
‫لالحساس املشرتك وقطع ملا تبقّى من حبل رثّ يصلنا باالمل يف‬
‫حياة أكرم وأفضل يستحقها االنسان‪ ‬هذه الحادثة األليمة املسرتابة‬
‫كأين بها افالس نهايئ لكل القيم االنسانية يف هذا الوطن وسقوط‬
‫مد ّوي لكل ال ّرموز و موت لله عىل ح ّد تعبري نيتشة و لالنسان‪.‬‬
‫آآه يا وطني املسافر يف كل أنواع الخيانات ‪..‬إ ّن القتل الرمزي أخطر‬
‫من املوت السرّ يري ‪..‬هل أنت حمل كل هذا الرتاث من االحزان‬
‫والدمار‪ ‬أرجوكم ال تح ّملوا املسؤولية كلّها لطرف واحد ‪..‬لقد قلنا‬
‫الف م ّرة أن السيستام بكامله مريض بأطبائه و تقنييه وبنيته التحتية‬
‫و اداراته وسلطة االرشاف ورشاكاته وكل املسؤولني فيه ويشكو‬
‫نقصا فادحا يف املوارد املادية والبرشية و يشكو من سوء التسيري و‬
‫الحوكمة و من استفحال أزمة ضمري عند الكثري من الجهات لألسف‬
‫والرشيف النزيه إ ّما مستقيل أو يائس‪.‬‬
‫الخوصصة املبالغ فيها والليبريالية الجديدة التي ال تحتكم اال للربح‬
‫التجاري غيرّ ت كل القيم االنسانية املتعارف عليها يف املجال الصحي‬
‫وانقلبت املعادالت‪ .‬الرصاعات الدامئة بني الجهات التقنية والنقابية‬
‫واالدارية استنزفت عديد الطاقات‪ ..‬افالس صناديق التغطية‬
‫االجتامعية وفشل تجربة املنظومة الحالية يف التامني عىل املرض‪..‬‬
‫كل هذا وأكرث افرز استخفافا بالراس مال البرشي ‪..‬‬
‫يطول الحديث وتستنفرين كل العوامل الردئية املتشابكة التي تجتمع‬
‫كل يوم اثناء مامرستنا وتجعلنا محبطون وقلقون و متوترون‪ ..‬أنا عن‬
‫أحس و كأنني ذاهبة اىل الجحيم حني أخرج للعمل‬
‫نفيس رصت ّ‬
‫و حني ألج من باب املستشفى‪ ‬هذا الذي يحدث يف مستشفياتنا‬
‫كارثة بكل املقاييس ونكسة كربى لها نتائج وخيمة عىل الكلّ و‬
‫ذات تداعيات خطرية واعتربها ر ّجة عنيفة البد من التعامل معها‬
‫بحكمة و تعقّل واعتبار ان كان مث ّة من يعترب‪ ‬أنا آسفة صدقا واترحم‬
‫عىل أرواح أطفالنا و أبيك مع األمهات واآلباء و أبيك تونس‪ ..‬لكن‬
‫البكاء لن يغيرّ الوضع بل الب ّد من الوعي بحتم ّية التفكري الج ّدي يف‬
‫بدائل حتّى ننقذ ما ميكن انقاذه واعادة االعتبار اىل املرفق الصحي‬
‫العام الذي ميثل مكسبا حيات ّيا و الب ّد ان نكشف املستور علام و‬
‫أ ّن صفقات أدوية و أمصال وم ّواد طب ّية وجراحية ال تخضع لرقابة‬
‫دقيقة و ال ملواصفات معروفة مخربية وانمّ ا تخضع الحكام سوق‬
‫غرباء يديرها عمالء متنفذون سياسيا و اقتصاديا وتتحكم يف موازينها‬
‫لوب ّيات تجارية تراعي فقط مصالح رشكائها ‪ ..‬هكذا صارت تدار‬
‫األمور أما حياة الناس فمسألة ثانوية ‪..‬هذه حقيقتنا لالسف ومن‬
‫يعرف هذا ومت ّر بني يديه ال ّدفاتر «عني شافت وعني ما شافتش»‬
‫إ ّما خوفا وإ ّما طمعا‪ .‬املرض واملوت عادالن يصيبان كل الناس دون‬
‫حق ال جدال فيه والعمل عىل ترسيخ‬
‫تفرقة ودون انحياز‪ .‬والص ّحة ّ‬
‫هذا الحق لكل املواطنني سواء معركة نضالية طويلة املدى جديرة‬
‫بالتفكري وبالتعبئة عىل كل املستويات وتتطلب ارادة سياسية‬
‫فوالذية‪ ..‬ولكننا سنخوضها حتام‪ ‬‬

‫‪14‬‬

‫الخميس ‪ 14‬مارس ‪ - 2019‬املوافق لـ ‪ 7‬رجب ‪ - 1440‬العدد ‪77‬‬

‫حوار منارات مع األديبة والحقوقية ‪ :‬كاهنة عبّاس‬

‫مشروع املساواة يف اإلرث وضع على كاهل املرأة واجب اإلنفاق على األسرة ‪..‬‬

‫هي أديبة ومحامية وصحفية ‪ ،‬تحمل اسام مثقال بالرمزية وهي سليلة العالّمة املصلح‬
‫سامل بوحاجب‪ ،‬عملت يف مجلّة املغرب وحقائق ونرشت العديد من املقاالت باللغتني العربية‬
‫القصة‬
‫والفرنسية‪ ،‬صدر لها يف الشعر «رؤى» سنة ‪ 1997‬ويف الرواية «غريبان» سنة ‪ 2003‬ويف ّ‬
‫«كش ملك» سنة ‪ ،2015‬لفتت االنتباه يف الفرتة األخرية مبقاالتها املوضوعية الجادة عن الواقع‬
‫السيايس واالجتامعي يف تونس ومبوقفها من مرشوع املساواة يف اإلرث‪ ،‬ولعل انشغاالتها‬
‫الحقوقية وامتالءها الثقايف جعلها بعيدة عن االصطفاف وراء لوبيات األدب والربوز بالشكل‬
‫الذي تستحقة‪ .‬وجهات نظر تكشف وعي املرأة التونسية بواقعها ومواقف عىل غاية من العمق‬
‫والدراية كشفها هذا الحوار معها‪( .‬رشيدة الشارين)‬
‫‪ 1‬ـ ورثت اسما مثقال بالرمزية و التراجيديا ‪ ،‬كيف‬
‫تتعايشين مع الكاهنة التي فيك ؟‬
‫حكمت الكاهنة الرببرية إفريقية‪( ‬املغرب العريب حاليا) واستامتت يف الدفاع‬
‫عن وطنها ‪،‬فأصبحت أيقونة بكل املعاين واملقايسس‪ ،‬ويف الحقيقة‪ ،‬ال أشعر‬
‫أنني قريبة منها لتمتعها بخصال بطولية‪ ،‬اختلطت فيها األسطورة بالحقيقة‬
‫التاريخية‪.‬‬
‫أول عالقة نشأت بيننا عىل املستوى الرمزي (مع اختالف املرحلة التاريخية‬
‫واملوقع والدور)‪ ،‬كان مصدرها ندرة اسمها وعدم انتشاره‪ ،‬األمر الذي بعث يف‬
‫نفيس منذ الطفولة اإلحساس بالتفرد‪ ،‬مل أكن أدرك آنذاك أنها صفة يتمتع بها‬
‫كل إنسان باعتباره كائنا متميزا يختلف عن اآلخرين‪ ،‬فقد علمت ذلك يف ما‬
‫بعد ‪ ،‬واستمر الرابط الذي يجمعنا إىل يومنا هذا‪ ،‬وبقي قامئا عىل اإلحساس‬
‫بالتفرد والتشبث بالوطن‪.‬‬
‫أظن أن كل‪ ‬وعي بالتفرد يحمل يف طياته بذور الرتاجيديا‪ ،‬ألننا لن نوجد إال‬
‫مرة واحدة فقط‪.‬‬
‫أحب إليك؟‬
‫‪ 2‬ـ كتبت الشعر والقصة والرواية واملقالة‪ ،‬أ ّي جنس أديب ّ‬
‫كانت باكورة أعاميل األدبية ‪ :‬مجموعة من النصوص الشعرية صدرت عن‬
‫دار سحر للنرش سنة ‪ 1997‬بعنوان «رؤى» وكام يدل عنوان الكتاب‪ ،‬حاولت‬
‫آنذاك أن أبحث عن صيغ جديدة لكتابة الشعر‪ ،‬للتعبري عن الواقع‪ ،‬من‬
‫وجهة نظر ذاتية‪ ،‬إميانا مني‪ ،‬بأننا ال نرى العامل كام هو‪ ،‬بل كام ندركه ونشعر‬
‫به‪ .‬ثم واصلت الكتابة بإصدار رواية «غريبان» عن نفس الدار سنة ‪2003‬‬
‫وكان موضوعها البحث املستمر يف ماهية اللغة واإلنسان والعامل‪ ،‬اتخذت‬
‫صيغة حوار يدور بني شخصيتني (السيد وسلمى) حول املوت والحياة ومعنى‬
‫الوجود اإلنساين‪.‬‬
‫ثم أصدرت مجموعتي الشعرية الثانية بعنوان «حديث الذاكرة» سنة ‪2006‬‬
‫عن دار كونرتاست للنرش‪ ،‬وكانت تصف عالقتنا بالزمن وتطرح األسئلة التالية‪،‬‬
‫مل تحتفظ الذاكرة ببعض الذكريات دون أخرى؟ ما هي املعاين والصور التي‬
‫قد تتخذها مبرور الزمن‪ ،‬وهل هي مغايرة للتجربة امللموسة‪ ،‬كام خربناها‬
‫أم ال؟‬
‫وبعد انقطاع دام عرشية كاملة‪ ،‬عدت إىل الكتابة بروح مغايرة بعد حدوث‬
‫تحول عميق‪ ،‬إذ أصبح «الحدث االجتامعي‪ ،‬السيايس والتاريخي « ليس ملهام‬
‫للكتابة األدبية فحسب بل ونواتها النابضة‪ ،‬فانتقلت من الكتابة الفكرية‬
‫الشعرية إىل الكتابة الواقعية ومن التجربة الفردية إىل التجربة الجامعية‪.‬‬
‫تحقق ذلك‪ ،‬عندما رشعت يف كتابة القصة القصرية وتبني الواقعية يف بعض‬
‫القصص التابعة ملجموعتي القصصية‪ ،‬الصادرة عن دار نريفانا للنرش‪ ،‬بعنوان‬
‫«كش مات» سنة ‪2015‬‬

‫لكن القطيعة مل تكن تامة‪ ،‬إذ مازلت من خالل كتابة املقالة‪ ،‬أحاول مساءلة‬
‫اللغة العربية يك تتجاوز النقل واإلنشاء‪ ،‬فتصبح قادرة عىل توليد املعنى‪ ،‬مل‬
‫أقطع إذا‪ ،‬متاما ‪،‬مع منهجي األول يف االشتغال عىل اللغة الستكشاف الواقع‪،‬‬
‫بل أصبحت أؤمن بالجدلية املستمرة بني اللغة والواقع‪.‬‬
‫ما أطمح إليه‪ ،‬مستقبال هو العودة إىل الرواية وتجاوز املنحى التجريبي وإثراء‬
‫التجربة الواقعية‪.‬‬
‫‪ 3‬ـ تحفر أقاصيص مجموعتك األخيرة «كش‬
‫مات» في الذات اإلنسانية وتكشف الواقع‬
‫المتأزّم ‪ ،‬هل هي رصد للمتغيّرات بعد ‪ 2011‬؟‬
‫يتعلق الجزء األول من مجموعتي القصصية «كش مات‪  « ‬باإلنسان بخفاياه‬
‫وذاتيه وأزمته وعالقته باآلخر‪ ،‬أما الجزء الثاين فتناول مراحل الثورة التونسية‬
‫وما عشناه من أحداث ‪ :‬االغتياالت‪ ،‬اعتصام باردو‪ ،‬انهيار النظام البائد‪ ،‬كنت‬
‫وأنا أكتب قصة «الرضيرة» التي هي يف الحقيقة «تونس»‪ ،‬تسكنني مخاوف‬
‫قيام ديكتاتورية دينية أو حرب أهلية‪،‬حدث ذلك سنة ‪ 2013‬حني كانت بالدنا‬
‫متر مبرحلة تاريخية حرجة النقسام املجتمع التونيس إىل إسالميني وحداثيني‬
‫وللرصاعات السياسية التي بلغت أشدها آنذاك‪ ،‬اليوم وبعد مرور خمس‬
‫سنوات‪ ،‬أرى أن املخاطر مازالت محدقة بتونس رغم نجاتها من التقاتل‬
‫الداخيل‪ ،‬فلم تتجاوز الطبقة السياسية الرصاع حول السلطة ‪،‬ومل تكرس‬
‫جهودها بعد لتحقيق املصلحة العامة‪.‬‬
‫‪ 4‬ـ كيف حافظت على روح المبدعة فيك وأنت‬
‫تتعاملين مع الجريمة واللؤم البشري في مهنتك؟‬
‫ما األدب في غياب تجربة إنسانية ثرية ؟‬
‫من وجهة نظري‪ ،‬األدب ليس امتالكا بناصية اللغة فحسب‪ ،‬وال اتخاذ موقف‬
‫إيديولوجي من قضية اجتامعية أو سياسية‪ ،‬فليك يكتسب الكاتب القدرة‬
‫عىل وصف متناقضات اإلنسان‪ ،‬البد أن يعيش تجربة إنسانية ثرية‪ ،‬واملقصود‬
‫بالرثاء يف هذا السياق ‪ ،‬هو اكتشاف تداخل الخري والرش ومواجهة التناقضات‪،‬‬
‫التي غالبا ما نغض الطرف عنها إىل أن تفاجئنا‪ ،‬فسنة الحياة هي التحول ال‬
‫االستقرار‪.‬‬
‫وقد فتح يل القضاء مجال التعرف عىل هذا التداخل بني قيم الخري والرش‪،‬‬
‫والتناقضات التي يعيشها مجتمعنا وهشاشة اإلنسان وضعفه يف مواجهة‬
‫بعض الصعاب‪.‬‬
‫واملحكمة هي ملجأ للناس‪ ،‬لطلب العدل واإلنصاف‪ ،‬ولفض جل خالفاتهم‬
‫والتخلص من معاناتهم‪ ،‬من يستنجد بها غالبا‪ ،‬ليس املقتدر مبعنى الجاه‬
‫والسلطة‪ ،‬بل الفقري الضعيف واملضطهد‪ ،‬وقبل الثورة مل يتوفر لدينا ال‬
‫كشعب وال كنخب الوعي بواقعنا‪ ،‬الن السلطة كانت تستعمل كل السبل من‬
‫أجل تغييبه لفرض خطابها‪ ،‬فكانت املحكمة مرآة له يف بعض جوانبه ‪،‬العديد‬
‫من الكتاب يف العامل العريب أو خارجه‪ ،‬اشتغلوا بالقضاء أذكر منهم عىل سبيل‬
‫املثال ال الحرص‪ ،‬توفيق الحكيم‪.‬‬
‫أعتقد أن التجربة اإلنسانية باختالف مفاهيمها هي التي جعلت بعض‬
‫الروايات ترتقي إىل املستوى العاملي‪ ،‬ألنها دفعت ببعض الكتاب إىل خلق‬
‫عوامل يف قمة التعقيد والرثاء محملة بالعديد من األسئلة واألجوبة‪.‬‬

‫وعلينا‪ ،‬إعادة النظر يف عالقتنا باللغة العربية حتى ال تصبح هي الهدف‬
‫من كل إبداع‪ ،‬ومن األيديولوجيات حتى ال تحد من أفق الكاتب‪ ،‬أن نعتني‬
‫باإلنسان ليصبح مركز اهتاممنا‪.‬‬
‫‪ 6‬ـ هل ألهمتك مهنتك كتابة القصّة ؟‬
‫نعم‪ ،‬فقصة «كش مات»‪ ،‬هي وصف دقيق ملراحل محاكمة املتهم يف بالدنا‬
‫من إيقاف إىل استجواب إىل محاكمة‪ ،‬مل أضف تقريبا شيئا‪ ،‬سوى التعمق يف‬
‫وصف ورسد مشاعر الشخصية األساسية‪ ،‬رغم أن القصة ليست واقعية وال‬
‫حتى مستلهمة من الواقع‪ ،‬كانت من محض خيايل ‪.‬‬
‫‪ 7‬ـ تحتفل تونس قريبا باليوم العالمي للمرأة‪،‬‬
‫كيف ترين مشروع المساواة في الميراث من‬
‫وجهة نظرك كحقوقية ؟‬
‫لقد أعاد مرشوع لجنة املساواة والحريات النظر عىل مستويني ‪:‬األول يتعلق‬
‫بعالقة الفرد بالدولة‪ ،‬بأن منحها دور حامية الفرد وضامن حرياته الفردية‪،‬‬
‫والثاين يتعلق بالعالقات األرسية‪ ،‬بأن أصبحت قامئة عىل املساواة وتقاسم‬
‫املسؤوليات بني املرأة والرجل وهي املسائل مل يقع طرحها بالجدية والعمق‬
‫الرضوريني‪ ،‬بينام وقع الرتكيز عىل مسألة املساواة يف اإلرث ألسباب دينية‬
‫سياسية‪ ،‬والحال أن املرشوع ولنئ أقر املساواة يف اإلرث‪ ،‬إال أنه منح املرأة‬
‫اختيار تطبيق قانون املواريث الحايل ‪ ،‬فأين املشكل ؟ ال ننىس أن املرشوع‬
‫وضع عىل كاهلها واجب اإلنفاق عىل األرسة إن كان لها مال وأعفى الرجل‬
‫من واجب اإلنفاق عليها يف هذه الصورة‪.‬‬
‫إن مسألة املساواة يف اإلرث مرتبطة مبفهوم املواطنة و مبسألة توزيع الرثوة‪،‬‬
‫وهي من القضايا األساسية‪ ،‬وكام أرشت املرشوع يطرح أكرث من مسألة وإشكال‬
‫ال يسعها هذا املجال‪ ،‬تتطلب حوارا وطنيا بل وبحوثا ألنه يؤسس لقيم أخرى‬
‫مثل «الفرادنية ‪ ،Individualisme‬ولبنية اجتامعية وسياسية مغايرة للبنية‬
‫الحالية‪ ،‬فعىل املستوى االجتامعي لن يتنازل الرجل عن امتيازاته‪ ،‬حتى وإن‬
‫ألزمت املرأة باإلنفاق عىل األرسة‪ ،‬وأصبحت لها نفس الحقوق وواجبات‪ ،‬كام‬
‫جاء باملرشوع‪.‬‬
‫ومع ذلك أرى أن مراجعة قانون املواريث الحايل أمرا رضوريا‪ ،‬فاألخ مثال‬
‫ليس ملزما قانونا باإلنفاق عىل أخته إذا مل يكن لها مال وال عائل‪ ،‬رغم أنه‬
‫يرث ضعف ما ترث‪.‬‬
‫‪8‬ـ كشفت الثورة عن فكر رجعيّ ومتشدّد لدى‬
‫شريحة من النساء في تونس‪ ،‬ما هي أسباب ذلك‬
‫برأيك؟‬
‫هناك أسباب عديدة‪ :‬القيم الذكورية التي تضع املرأة يف موقع املتبوع‬
‫وتجعلها يف حاجة ماسة إىل الشعور باالنتامء‪ ،‬الفقر‪ ،‬الجهل‪ ،‬الشعور بالعدمية‬
‫وفقدان أي معنى للحياة‪ ،‬الخوف من الحرية ومن تحمل املسؤولية‪ ،‬إىل‬
‫جانب األسباب الخارجية منها محاولة إجهاض املسار الدميقراطي‪ ،‬ألنه يهدد‬
‫مصالح اقتصادية وسياسية لبعض الدول‪.‬‬
‫أما السبب األسايس من وجهة نظري‪،‬فيتمثل يف ضعف الثقافة وارتباطها‬
‫بالشأن السيايس‪ ،‬فقد راهنت دولة االستقالل عىل حداثة مؤسساتية قانونية‪،‬‬
‫دون أن تكون ثقافية‪ ،‬أي دون أن متنح املثقفني إمكانية االنتشار والتأثري‬
‫خارج بوتقة الوالء للسلطة‪ ،‬ومل تراهن عىل البحث العلمي‪ ،‬يك تدفع باملجتمع‬
‫إىل إنتاج للمعرفة وإىل تغيري يف العقليات أي إىل حداثة نابعة منه‪.‬‬
‫فام إن تهيأت الظروف السياسية بعد الثورة‪ ،‬حتى برز الفكر املتطرف من‬
‫جديد‪ ،‬خاصة‪،‬عند تقلد الرتويكا الحكم‪.‬‬
‫‪9‬ـ أنت حفيدة المصلح سالم بو حاجب‪ ،‬هل ترين أن‬
‫مشروعه اإلصالحيّ مازال متواصال في تونس؟‬
‫نعم‪ ،‬العالمة الشيخ سامل بوحاجب هو جد جديت من جهة األب املرحومة‬
‫خديجة بوجاحب‪ ،‬كان مصلحا وفقيها تنويريا‪ ،‬اتبع املنهج املقاصدي‬
‫يف تأويل النص الديني الذي يعتمد العقل‪ ،‬هو من رواد النهضة العربية‬
‫اإلسالمية‪ ،‬د ّرس الفقه طيلة عقود طويلة وأنجز بعض املهام السياسية ‪،‬نادى‬
‫برضورة إدماج العلوم الحديثة يف التدريس وتحديث املجتمع مع املحافظة‬
‫عىل أصالته‪ ،‬كتب الشعر وكان عاملا باللغات األجنبية (االيطالية) متفتحا‪،‬‬
‫عاش يف آواخر القرن التاسع عرش وبداية القرن العرشين(‪ )1824-1924‬أما‬
‫عن استمرارية فكره اإلصالحي‪ ،‬فقد استندت جل التيارات السياسية سواء‬
‫اإلسالمية منها أو الحداثية بعد الثورة التونسية إىل الفكر اإلصالحي التونيس‬
‫(كان العالمة سامل بوحاجب من أبرز رواده)‪ ،‬متمسكة مبقولة التوفيق بني‬
‫الحداثة واألصالة‪ ،‬حسب رأيي علينا االستفادة من منهج رواد النهضة الذي‬
‫يعتمد العقل قبل النقل وتجاوز مقولة التوفيق بني األصالة والرتاث وتحديث‬
‫الرتاث أي قراءته بعيون معارصة ‪.‬‬

‫‪15‬‬

‫الخميس ‪ 14‬مارس ‪ - 2019‬املوافق لـ ‪ 7‬رجب ‪ - 1440‬العدد ‪77‬‬

‫رواية «نوبات «لنورة عبيد و معاوية الفرجاني‪:‬‬

‫تأمّالت يف الخطاب الواصف‬
‫رياض خليف‬

‫مل يعد الخطاب الواصف أو الخطاب‬
‫امليتاروايئ إطاللة عابرة و محدودة‬
‫لصوت املؤلف عىل النص السرّ دي‬
‫لش ّد أزر سارده املتخ ّيل بل تضخّم و‬
‫أصبح يحتلّ مساحات كبرية يف ال ّرواية‬
‫العربيّة الفتة لالنتباه و مثرية للتّساؤل‪.‬‬
‫إ ّن هذه اإلطالالت امليتا روائ ّية‬
‫تش ّعبت و تن ّوعت و خرجت عن‬

‫وظائفها التّقليديّة الشارحة‬
‫و لعلّ هذا بعض ما نلمسه يف رواية «نوبات» التي يتّسع خطابها الواصف و‬
‫يفرض حضوره جنبا إىل جنب مع حكايتها‪.‬‬
‫نوبات رواية‪:‬‬
‫قبل الغوص يف هذا الخطاب ال ب ّد من االنتباه إىل طبيعة كتابة هذه ال ّرواية‬
‫فهي تجربة أخرى يف الكتابة الثنائية املشرتكة يشرتك فيها معاوية الفرجاين‬
‫و نورة عبيد و مماّ ال ّ‬
‫شك فيه أ ّن هذه الكتابة لها متطلّباتها طرافتها وهي‬
‫تدور يف أفق تجاوز رواية الصوت الواحد سارد و مؤلّفا‪..‬ويبدو أن الروائيني‬
‫قد دخال منطقة السارد باعتبارهام راويني‬
‫لنص العقد الذي افتتحت به الرواية‬
‫أو ساردين وهو ما يوحي به إمضاءهام ّ‬
‫و هو نص تعاقد بني الراوي األول والثاين والقارئ يف نفس الوقت‪.‬و لك ّنهام‬
‫يخرجان من حني ألخر ويستعيدان صفتيهام ككاتبني ويواكبان كتابة ال ّرواية‬
‫من خارج النص عرب استطرادات مختلفة وهو ما وفّر مساحة ميتاروائيّة ها ّمة‬
‫جديرة بالبحث‪.‬‬

‫«نوبات» عنوانا‪:‬‬

‫يعترب العنوان عتبة نصية ها ّمة وهو مبثّل بدوره خطابا واصفا قا ّرا يف مختلف‬
‫األعامل ويكتيس وظائف عديدة‪.‬فهو استباق لل ّن ّص وتقديم بليغ له ال يخلو‬
‫من دالالت تتعلّق باملحتوى أو األسلوب‪.‬و لعلّنا يف هذا ال ّن ّص ال ّروايئ نجد‬
‫أنفسنا أمام مصطلح يف صغة الجمع ت ّربره العناوين الداخلية التي تكشف‬
‫تقسيم الرواية إىل عرشين نوبة‪.‬و ال يخلو اعتامد هذا املصطلح من تنافر‬
‫املوسيقي‪.‬ولعلّ هذا التّنافر‬
‫مع طبيعة العمل األديب فهو قادم من املجال‬
‫ّ‬
‫هو الذي يساعدنا عىل استكشاف دالالت هذا العنوان و الشحنات املع ّبأة‬
‫داخله‪.‬ويف الحقيقة ال ميكن قرص حضور مصطلح النوبة يف جانبه املوسيقي‬
‫باعتباره محبوبا من الراوي «أحب من النوبة التوشية‪،‬أحب يف هذا الطور ما‬
‫يتخللها من ارتجاالت عىل مختلف اآلالت املوسيقية بعد أن تفتتح عىل إيقاع‬
‫الربول وتغلق بإيقاع البطايحي وأحب يف األدراج استهاللها اإليقاعي الرسيع‬
‫إيقاع الهروب‪»...‬و لكن الكتابة ترتقي عند الكاتبني إىل هذا املصاف املوسيقي‬
‫فتصبح كتابة ال ّرواية حالة من التّو ّحد واالنصهار واملتعة‪...‬حالة من الخيال‬
‫الخلاّ ق املندمج يف فعل الكتابة و عواملها ولعلنا هنا نحيل عىل الطابع الصويف‬
‫الصوف ّية وما فيها‪.‬‬
‫للمصطلح وعالقة النوبات بالشطحات ّ‬

‫و لكن مصطلح ال ّنوبات يط ّوح بنا إىل‬
‫الخطاب الرتايث السياحي يف هذه ال ّرواية‬
‫فهو عىل صلة باملوسيقى والتصوف وبرتاث‬
‫فضاء الرواية ذي املرجعية التاريخية‬
‫االندلسية‪.‬فال ّرواية تنطلق من فضاء‬
‫فرع املعهد الوطني للرتاث بالجهة الذي‬
‫تشتغل فيه أغلب شخصيّات ال ّرواية و هي‬
‫تدور يف جهة الوطن القب ّيل الثرّ يّة برتاثها‬
‫وسياحتها‪.‬هذه الجهة التي تحتفي بها‬
‫ال ّرواية وتتّخذها إطارا مغريا «يكفي أن‬
‫تكون بالوطن القبيل حتى تقودك قدماك‬
‫اىل التاريخ ترويه اآلثار الدالة عىل مرور‬
‫الحضارات من الهوارية القرطاجية و‬
‫كركوان البونية وقليبية الرومانية وحصنها‬
‫البيزنطي و أسوارها األغلبية» ‪.‬فالقارئ يجد‬
‫نفسه سائحا بني مواقع هذه الربوع الرتاثيّة‬
‫السياح ّية (سيدي الجديدي‪ -‬منزل متيم‪-‬‬
‫و ّ‬
‫دخلة املعاويني‪-‬الحاممات‪....‬ألخ) ‪.‬فعنوان‬
‫نوبات عنوان واصف لطريقة الكتابة‬
‫وتقسيم الفصول ولحالة الكتابة ولفضاء‬
‫ال ّرواية ‪.‬‬

‫حكاية الكتابة‪:‬‬

‫يخصص املنت وقفات متن ّوعة للخوض يف سرية كتابة ال ّرواية بدء من ظهورها‬
‫ّ‬
‫كفكرة حتّى االحتفاء بإمتامها و توجيهها نحو ال ّنرش منطلقا من عقد أد ّيب‬
‫حامل لرغبة باذخة يف الكتابة ‪».‬شهرزاد تدخل النهار يف الليل والنهار يف‬
‫الليل توقف الوقت بنبض الشفاه لتستمر الحكاية‪...‬ال سيف يف غمده ليشهره‬
‫شهريار فقط مداده مدادها والكلامت‪.‬سيمكث يف بيت الرواية سيحبه ولن‬
‫تضيع الكتابة‪.‬لن يقطع علينا الطريق وسيظل امللح يف التفاصيل»‬
‫و تطرح االستطرادات مراحل كتابة ال ّرواية وتواصل الكاتبني حولها»»مل نلتق‬
‫حول هذه الرواية الفكرة إال مرة واحدة اتفقنا إننا مؤمنان ‪.‬مؤمنان بهذا‬
‫الجنون بحكمته وانطلقنا نسري املركب او هو يسري بنا‪« ...‬‬
‫ويعرض هذا الخطاب اسرتاتيجيا الكتابة و التّخطيط لل ّرواية وعتباتها « لن‬
‫يكون لنا سيناريو جاهز هكذا اتفقنا تكفينا رسالتان عطر البداية وانطلقنا‪.‬‬
‫ثاين اللقاء كان تثبيتا للهمة‪.‬حفزا كان وإميانا بالوصول ‪.‬الثامن من جانفي كان‬
‫رؤيا االكتامل مايشبه القمر ‪.‬استرشاف املرىس‪:‬‬
‫اإلهداء قد ال نحتاجه‪.‬كل الناس أهل له‪.‬فام جدوى التخصيص؟التقديم‬
‫الرواية تهب نفسها لقرائها دون وسيط النوبات قد تحتاجها األسامء‪»...‬‬
‫و إذا كانت اللغة الواصفة مواكبة لفعل الكتابة فهي أيضا مواكبة لفعل‬
‫التّخييل و ناقدة له وهي تخرج عن تواصلها مع القارئ إىل تواصل خيا ّيل‬
‫مع الشّ خص ّيات‪.‬‬

‫سيرة التخييل ‪:‬‬

‫يتعلق الخطاب يف هذا املستوى بتخييل‬
‫األحداث و تحريكها فنجد حديثا عن‬
‫سيناريو األحداث «‬
‫ملاذا قضينا منذ البدء مبوتك يا هادي؟امل‬
‫يكن مثة سيناريو أخر لهذه الحكاية‬
‫دون رحيلك؟أصدقك القول يا هادي‬
‫‪:‬رصت احبك‪.‬أحببت لعبك واليانا أحبت‬
‫صباك‪.‬‬
‫مل عجلنا يقتلك لو أمكن أن نعدل‬
‫السرية سريتك واألسامء والرصاصة أكان‬
‫ينبغي إن تزور صدر أنيس ويقوى‬
‫النزيف؟أينبغي أن يرحل هو األخر؟»‬
‫و يطالعنا حديث عن استقاللية‬
‫الشخصيات الخياليّة وهو نوع من‬
‫تشخيصها و أنسنتها فهي شخصيات‬
‫مستقلة عن السارد» يغمرين إميان‬
‫إنها تنطق بغري ألسنتنا إنها بلسانها‬
‫تنطق فقط نحن نرجح أصواتها ونتبع‬
‫أصداءها لنثيتها عىل صفحات البياض‬
‫«وهي أيضا شخص ّيات لها أحاسيس‬

‫السارد‬
‫متارسها تجاه ّ‬
‫«رأيت يف عيونهم عتبا ولوما»‬
‫فاللغة الواصفة تؤنسن الشخص ّيات و تخرجها من طبيعتها الورق ّية املتخ ّيلة‪.‬‬

‫ذاكرة ثقافيّة‪:‬‬

‫و لكن اللغة الواصفة تخرج أحيانا عن عوامل النص لرتتطم بخارجه وتتسع‬
‫لتلتقط شيئا من الذاكرة الثقافية من ذلك إحالتها عىل فرتة ثقافية بارزة‬
‫عاشتها كلّ ّية اآلداب منوبة وأسهمت يف والدة جيل ثقايف أخذ اآلن مكانه بق ّوة‬
‫يف املشهد الثقايف‪.‬فريد ذكر فضاء حسني بوزيان الثقايف و أبرز تظاهراته وهو‬
‫ملتقى الشعراء الطلبة»هنا واقصد طيلة أيام امللتقى ترى املذيعني ومقدمي‬
‫الربامج الثقافية التلفزية ومراسيل األخبار الجهوية والنرشة الرئيسية لألنباء‬
‫والبد أن تلتقط وجهك عدسة ما‪»...‬‬
‫ويحيل السرّ د عىل األسامء العربية التي كانت تؤثّث هذا الحدث الثّقايف‪:‬‬
‫«هنا سلمت عىل شعراء األمة العربية درويش ‪،‬البيايت وسعدي يوسف‪.‬هنا‬
‫قال الصغري أوالد احمد نحن قردة هذا صحيح‪.‬لكن أين األشجار؟»‬
‫لقد حجب الخطاب امليتاروايئ يف هذا املقال الكثري من غابة هذا ال ّن ّص ال ّروايئ‬
‫الذي يثري قضايا متن ّوعة ويستوقف قارئه عند إضاءات عديدة فللنوبات‬
‫يس واالجتامعي أيضا وهو ما ال تتسع‬
‫خطابها التاريخي و الجغرايف والسيا ّ‬
‫له املساحة املتاحة‪.‬‬

‫قصة قصيرة‪:‬‬

‫طيف‬
‫سفيان بن عون‬

‫حملت «سكريت» وضعتها يف سياريت تلك كانت عاديت بعد أن أنهي‬
‫دريس ‪.‬توقع املتعة ‪...‬الفرح إهتزازات الشوارع‪ .‬السامء و بحثي عن‬
‫القمر يف غري وقته كل ذلك كان مصدر سعادة ال متناهية ‪....‬أستفيق‬
‫صباحا أطل من نافذة مغلقة‪... .‬مير أيب مرسعا أمد يدي من البلور ال‬
‫أمسكه‪.‬أمد للبلور قلبي يتكرس‪.‬‬

‫‪16‬‬

‫الخميس ‪ 14‬مارس ‪ - 2019‬املوافق لـ ‪ 7‬رجب ‪ - 1440‬العدد ‪77‬‬

‫دارات‬

‫إص‬

‫مكتبة منارات ‪ :‬بقلم سعدية بن سالم‬

‫تتميّز مكتبة منارات لهذا الشّ هر بالتن ّوع والتجدّد‪ ،‬التن ّوع يف مستوى الجنس‪ ،‬إذ ننظر يف أجناس إبداعيّة مختلفة (رواية ومجموعة قصصيّة وكتاب شعر)‪ ،‬والتجدّد يف مستوى األسامء املبدعة إذ نقرأ للم ّرة األوىل لعيل عبد الوهاب الخليل وهادي الخرضاوي‬
‫ورماح بوبو‪ .‬ثالثة أعامل جديدة كُتبت مبذاقات مختلفة نرجو أن تصل إىل القارئ وأن يستمتع باالطّالع عليها‪.‬‬

‫كفاك يا قلب‪ ،‬سيرة ذات ّية بطعم الفن‬

‫يعلن الغالف أنّها رواية‪ ،‬وهي صادرة يف طبعتها‬
‫األوىل عن دار البدوي للنرش والتوزيع سنة ‪،2018‬‬
‫ويكشف التقديم الذي كتبه مح ّمد البدوي مبع ّية‬
‫نجاة املازين‪ ،‬أنّه سرية ذات ّية‪ ،‬وميعنان يف تقديم‬
‫التفصيالت التي غفل عنها الكاتب ويف ر ّد اإلشارات‬
‫املبهمة لألسامء إىل مرجعها الواقعي‪ .‬وبني الرواية‬
‫والسرية يجد القارئ نفسه مجربا عىل البحث يف‬
‫حدود كلّ منهام‪.‬‬
‫قسم عيل عبد الوهاب الخليل «سريته» إىل مثانية‬
‫ّ‬
‫عرشا فصال‪ ،‬تتبع فيها مولد «البطل»‪ ،‬وتد ّرجه‬
‫العلمي والعم ّيل متوقفا عند املحطّات امله ّمة يف‬
‫متش يغلّب طابع السرية املسكوت‬
‫حياته‪ ,‬وهو ّ‬
‫خاصة إذا أضفنا صورة الغالف وما‬
‫عنه عىل ال ّرواية ّ‬
‫صاحبها من تعليق‪« :‬من منازل توزر‪ ،‬دار جدود‬
‫املؤلّف ج ّد األب عىل الشّ امل وج ّد األ ّم عىل اليمني»‪.‬‬
‫مرسحي ومخرج‬
‫وعيل عبد الوهاب الخليل هو‬
‫ّ‬
‫سيناميئ‪ ،‬أخرج سنة ‪ ،1969‬رشيط «أ ّم عبّاس»‬
‫الذي يعترب عالمة من عالمات الشينام يف تونس‬
‫والذي لعبت دور البطولة فيه املرحومة «الزهرة‬
‫خصص جزءا كبريا من عمله للحديث‬
‫فايزة»‪ ،‬وقد ّ‬
‫عن عالقته بالوسط الف ّني وشغفه بعاملي السينام‬
‫واملرسح وعالقته باملمثلة الكبرية التي ك ّنى عنها‬
‫باسم «ما ّما» وهو اللقب الذي كان يُطلق عليها‬

‫دون أن يذكرها رصاحة‪ ،‬وهي التي كانت زوجته‬
‫رغم الفارق الكبري يف الس ّن بينهام‪ ،‬وملن يريد‬
‫االطّالع عىل تفاصيل تلك العالقة وما عاشته من‬
‫ه ّزات بإمكانه االطّالع عىل كتاب» كفاك يا قلب»‪.‬‬
‫خفي‪،‬‬
‫و»السريي» يف هذا ّ‬
‫بني الروايئ ّ‬
‫النص رصاع ّ‬
‫سعى الكاتب أن متيل فيه الكفّة إىل ال ّروايئ‪ ،‬وأبت‬
‫السرية‪ .‬استبدل‬
‫األحداث إالّ أن تش ّد العمل إىل ّ‬
‫الكاتب اسمه باسم متخ ّيل قريب منه يف الخصائص‪،‬‬
‫«عبد الله السعيد» عوضا عن «عيل عبد الوهاب»‪،‬‬
‫وكالهام اسم مركّب من اسمني‪ :‬األ ّول عبد الله‬
‫السعيد املتك ّون من اسمني دون ذكر اللقب‪ ،‬والثاين‬
‫ّ‬
‫عيل عبد الوهاب وهو اسم ثنا ّيئ أيضا دون اللقب‪،‬‬
‫ولهذه التسمية املركّبة حكاية يرويها الكاتب‬
‫فيقول‪« :‬ومل يكتمل فرح هذا اليوم حتّى قامت‬
‫زوبعة كادت أن تحرق األخرض واليابس بني الوالد‬
‫وجدّي الحسني‪ .‬هذا يريد أن يس ّمي ابنه البكر‬
‫تخليدا السم أبيه الذي كان وكان‪ ...‬وذاك يريد أن‬
‫يطلق عىل املولود اسم ابنه املتوفىّ حديثا‪ ..‬تواصل‬
‫الخالف عش ّية كاملة وحلّ الليل ومل يصل األهل إىل‬
‫الصبح تسلّل كلّ‬
‫حلّ يريض الجميع‪ ...‬وبعد صالة ّ‬
‫من الخصمني خلسة إىل مق ّر البلديّة لرتسيم املولود‬
‫باالسم الذي اختاره ويك ال يثبت عليه اليمني ويخرب‬
‫بيته‪ .‬وكانت املفاجأة عندما وجدا نفسيهام وجها‬

‫قانون پاريتو لهادي الخضراوي‬
‫هي مجموعة قصصيّة‪ ،‬اختار لها كاتبها عنوانا‬
‫«قانون پاريتو» (وهو عنوان إحدى أقاصيص‬
‫املجموعة)‪ ،‬ث ّم وضع عنوانا فرع ّيا (أقاصيص‬
‫وأساريد مختلفة) وكأنه بذلك يجيل غموضا ما‬
‫عن العنوان الرئييس أو هو يفصله‪ ،‬ومجموعة‬
‫«قانون پاريتو» تقع يف ‪ 123‬صفحة وتتكون‬
‫نصا تتفاوت كماّ إضافة إىل‬
‫من ثالثة وعرشين ّ‬
‫فهرس‪ ،‬صدرت يف طبعتها األوىل عن برورسفيس‪،‬‬
‫تونس‪ ،2018 ،‬مع احتفاظ الكاتب بجميع‬
‫الحقوق‪.‬‬
‫استهلّ الكاتب عمله بإهداء إىل أحفاده‪ ،‬ويف‬
‫اإلهداء حياة جديدة تتخلّق ومتكن من فرصة‬
‫أخرى للحياة والكتابة‪« ،‬إىل أحفادي جاد‬
‫وإيناس وميالء أحفادي الذين أهدوين هدايا ال‬
‫تقدّر بثمن» (ص‪.)5‬‬
‫لكتابة «هادي الخرضاوي»‪ ،‬لفظ مختلف وصور‬
‫خاصة به ال تشبه غريه‪ ،‬يجعل من الحدث‬
‫اليومي العادي حدثا فخام فريدا كأنّه غري ذاك‬
‫الذي يحدث يف العامل املرجعي‪ .‬ويبدو أ ّن هذا‬

‫التفخيم للحدث مرتبط مبفهوم الكتابة عند‬
‫النص‬
‫الخرضاوي‪ ،‬ذاك املفهوم الذي عبرّ عنه منذ ّ‬
‫قصة)‪« :‬ظلّ عىل اقتناع‬
‫(قصة ّ‬
‫الثاين يف املجموعة ّ‬
‫القصة أه ّم من الحياة وأكرث منها إثارة فام‬
‫بأ ّن ّ‬
‫يفعله وما يشهده كلّ يوم يف واقعه مهام بلغت‬
‫طرافته ال يساوي عنده شيئا أو يثري فضوله إالّ‬
‫القصة وتق ّمصها فنقلته من‬
‫إذا دخل يف جسد ّ‬
‫حضيضه إىل ملكوتها»(ص‪ .)17‬قناعات الكاتب‬
‫خاص يخرج بها عن‬
‫تلك ط ّوقت األحداث بتص ّور ّ‬
‫املألوف ويحدث الدّهشة من حيث ال نتوقّع رغم‬
‫معرفة املتلقي املسبقة بالفكرة والحدث ومآله‪،‬‬
‫قصة الهاجس التي تتحدّث عن‬
‫واملثل عىل ذلك ّ‬
‫التقاعد وارتباطه شبه الوثيق باملوت‪ ،‬فالجميع‬
‫وخاصة يف التعليم‪ ،‬شبه التالزم بني‬
‫يتداولون‪ّ ،‬‬
‫الخروج إىل التقاعد وحضور عزرائيل‪ ،‬غري أ ّن‬
‫خروج الفكرة من الفضاء املرجعي إىل الفضاء‬
‫التخيييل أكسبها بعدا طريفا بل جعلها تحت‬
‫مجهر العقل والتم ّعن دون أن يغري مسار‬
‫النهاية‪ ،‬نهاية وإن تطابقت مع املنتظر إالّ أ ّن‬

‫لوجه أمام مكتب تنزيل املواليد الجدد‪ .‬وتجدّدت‬
‫الزوبعة وحمى الوطيس بينهام إىل أن وصل رئيس‬
‫البلديّة‪ ،‬الذي كان يف ذلك العهد فرنسيا‪ ،‬فضحك‬
‫منهام وأمر الكاتب بأن يس ّجله باالسمني املقرتحني‬
‫و»طاح الكاف عىل ظلّه» (صص‪.)17-18‬‬

‫مييل الكاتب بالجنس إىل الرواية وتعيده األحداث‬
‫السرية التي يتد ّرج فيها عيل عبد‬
‫املتعلّقة به إىل ّ‬
‫الوهاب من حادث تسميته إىل وصف الحوش الكبري‬
‫خاصة بعد أن شهد هذا الحوش زواج والد‬
‫ومن فيه‪ّ ،‬‬
‫رضة أل ّمه وهو مل يتجاوز السابعة ليصبح‬
‫الكاتب ب ّ‬
‫العيش ال يطاق‪ .‬ث ّم يعرج عىل مرحلة التعلم األوىل‬
‫يف مدينته األ ّم إذ كان يرتدّد عىل الكتّاب ث ّم االنتقال‬
‫يف مرحلة تالية إىل الفرع الزيتوين يف العاصمة لتبدأ‬
‫مرحلة جديدة هي مرحلة الف ّن وعوامله وعالقاته‪،‬‬
‫فتعيش الشخص ّية النجاح واألضواء والشّ هرة‪ .‬وقد‬
‫حرص الكاتب يف كلّ أطوار رسده أن تظلّ األسامء‬
‫غائبة عن الشخصيات الرئيسيّة ولكنه مل يتوان عن‬
‫التعريف بعائلته الحقيق ّية فهو ابن الط ّيب وذهبية‬
‫بنت الشيخ‪ ،‬يقول‪ ..« :‬وإذا به يتم ّعن يف البطاقة‬
‫ث ّم عدّل نظارته ودقّق ال ّنظر ّيف ث ّم عاد إىل البطاقة‬
‫كأنّه يتثبّت‪- :‬عجب‪ ،‬والله عجب إنت ولد املرحوم‬
‫الط ّيب وولد ذهب ّية بنت الشيخ‪( »..‬ص‪.)131‬‬

‫أسبابها اختلفت لتتح ّول إىل جرمية دولة‪ ،‬فاملوت‬
‫محصل جرمية‪،‬‬
‫ليس نتيجة آلية للتقاعد بل هو ّ‬
‫«يف جنازة عبد الحليم قال رضوان ملندوب وزارة‬
‫التعليم‪ :‬نفّذت ما طلبت م ّني‪ ...‬زرعت الهاجس‬
‫وغذّيته ال ّ‬
‫شك أ ّن املناخ الذي أنشأناه يف كلّ‬
‫الدوائر كفيل بتحقيق النتيجة لك ّن تجاوب هذه‬
‫الحالة كان مب ّكرا وأرسع مماّ توقّعنا» (ص‪.)45‬‬
‫أبدى الكاتب وعيا مبأزق التجديد يف تناول‬
‫املوضوعات‪ ،‬فكثري من املواضيع التي وقع تناولها‬
‫يف هذه املجموعة سبق وخاض فيها الكثريون‬
‫ما يجعل إعادة القول فيها صعبا‪ ،‬ونجد هادي‬
‫الخرضاوي يبحث يف املشهد غري املستهلك ويف‬
‫القول الطّريف الذي مل يفطن إليه غريه‪ ،‬واملثل‬
‫قصة «بىك عيل» التي‬
‫عىل ذلك ما نجده يف ّ‬
‫تتعرض إىل ظاهر «الزهامير»‪ ،‬موضوع خاض‬
‫القصاصون كثريا‪ ،‬تناوله الكاتب‬
‫فيه الروائيون و ّ‬
‫بالرتكيز عىل طرافة أعامل الشخص ّية وأقوالها‪،‬‬
‫شخص ّية تنىس كلّ يش وال تنىس رقم حسابها‬

‫رحلة يف الذاكرة استحوذت عالقته باملمثلة الكبرية‬
‫عىل الحيّز األكرب منها‪ ،‬مذ تعرف عليها باعتبارها‬
‫جارته التي يساعدها عىل حفظ أدوارها ومعاملتها‬
‫له باعتباره يف من ِزلَة ابنها‪ ،‬إىل تح ّول يف العالقة بلغ‬
‫فني ث ّم غرية ّ‬
‫وشك انتهى‬
‫ح ّد الزواج أعقبه نجاح ّ‬
‫بطالق درامي ابتعد بعده الكاتب عن األضواء وعاد‬
‫إىل مسقط ال ّرأس‪ -‬توزر‪.‬‬
‫توسل «عيل عبد الوهاب الخليل» يف كتابة مذكّراته‬
‫ّ‬
‫هذه بـ»صديق»‪ ،‬يف تقنية تذكّرنا باستنجاد شعراء‬
‫الجاهليّة بالخالّن عىل الوقوف والبكاء والتذكّر‪،‬‬
‫قال يف مستهلّ روايته‪»« :‬قلت لصاحبي أمسك‬
‫قلمك وتعال معي ند ّون ما فعل يب ال ّزمان»‪ ،‬ومل‬

‫البنيك وعادة الذهاب كلّ شهر لتسلّم الراتب‬
‫ث ّم ع ّد النقود وإعادة عدّها‪ ،‬وهي شخص ّية‬
‫طريفة يف أقوالها ما يجعل لفقد جزء من ذاكرتها‬
‫خصوصية ال نجدها عند غريها‪ .‬تعطّل زمن‬
‫الذاكرة يف ما يتعلّق بالزوجة واألبناء عند دفّتي‬
‫الصور‪ ،‬وأصبحت الحياة خارج تلك الصورة‬
‫ألبوم ّ‬
‫تح ّيال «مل يفلح أبناؤه وبناته يف إقناع بهويّتهم‬
‫فهو يناديهم بأسامء إخوته وأخواته وينكر‬
‫قطعيّا أنّهم من صلبه ويجزم أنّهم ال عالقة لهم‬
‫بصورهم القدمية امللصقة عىل صفحات األلبوم‪.‬‬
‫تتوصل زوجته صف ّية البتّة إىل إقناعه‬
‫كذلك مل ّ‬
‫بأنّها نفس املرأة التي يف الصور إذ يجيبها بكلّ‬
‫ثقة بال ّنفس‪»:‬أنا ال أعرفك ومل أرك ق ّط قبل اآلن»‬
‫بل إنّه أجابها يف إحدى امل ّرات جوابا وقع عليها‬
‫الصاعقة‪»:‬كيف ميكنني أن أكون زوجا‬
‫وقوع ّ‬
‫لعجوز بشعة مثلك»(صص‪ .)23-24‬ويضاعف‬
‫الكاتب من طرافة املشهد حني يشكو «عيل»‬
‫ألبنائه من هذه املرة التي تالزمه وتنام يف فراشه‬
‫دون موجب حق‪ ،‬بل إنّها‪« :‬تربّت أحيانا عىل‬

‫البحر يبحث عن أزرقه لرماح بوبو‬
‫عن دار ديار للنرش والتوزيع – تونس‪،‬‬
‫صدر الكتاب الشعري الثاين للشاعرة‬
‫السوريّة «رماح بوبو» يف طبعته‬
‫األوىل سنة ‪ ،2018‬والذي اختارت له‬
‫من األسامء‪ ،‬البحر يبحث عن أزرقه‪،‬‬
‫وتتكون املجموعة من سبعة وستني‬
‫نصا استهلّتها باحتفال‪:‬‬
‫ّ‬
‫اليوم احتفلنا‬
‫أخرجنا كلّ ما يف ع ّبنا من رصاخ مل ّون‬
‫أطباق الشتائم الخزف ّية التي ك ّنا‬
‫ندّخرها‬
‫ببالغ الرسيّة عىل رفوف القهر‬
‫زيّ ّنا بها املائدة‬

‫ف ّجرنا بوالني من صداع‬
‫رقصنا‪ ،‬تناثرنا حتّى‬
‫اصطدمت دموعنا ببعضها‪( ..‬ص‪.)5‬‬
‫بنص «إىل صديقي الشاعر‬
‫وأنهتها ّ‬
‫العجوز»‪:‬‬
‫لح ّبك أدعو عليك بالهذيان‬‫صدّق أ ّن ما تراه هلوسة‬
‫يك تنطفئ حني تنطفئ‬
‫وعىل وجهك‬
‫يظلّ من دمشق ندى ولتبق‬
‫إمياننا ال ّناجي‬
‫إىل أن‬
‫يصليّ‬

‫بنا طفل‪( .‬ص‪.)129‬‬
‫وعىل امتداد ‪ 129‬صفحة تُراكِم «رماح‬
‫الصور‪ ،‬باحثة عن أزرق البحر‬
‫بوبو» ّ‬
‫الذي ِ‬
‫غشيه سواد القتلة القادمني من‬
‫كلّ حدب وصوب‪ ،‬تهزج «رماح بوبو»‬
‫للحب فيباغتها العدم فاغرا فاه‪:‬‬
‫ّ‬
‫جميالن عىل رشفة الخنادق‬
‫وتران شجيّان‬
‫عىل أهبة املوسيقى‬
‫كفّك‪ ...‬حني ترنّحت باملرحبا‬
‫زخّني عرق‬
‫‪ ...‬لك ّنها بالد‪ ...‬الله أكرب‬
‫شحذت سكّينها‪(..‬ص‪)6‬‬

‫الحب‪،‬‬
‫الحب املحارص يف بالد ّ‬
‫هو ّ‬
‫تستعيده «رماح بوبو» بالكلامت‬
‫وتبحث عنه بني الحوادث الغادرة‪:‬‬
‫الحب‪ ...‬وفريوز‬
‫هو ّ‬
‫وسع املدي‪ ...‬و»احملني ع حصانك»‬
‫حزمت غيومي‬
‫وميّمت شتايئ شطر براريك‬
‫لك ّنه حادث يف الطّريق‬
‫أطفال كرث مشغولون بصالة شكر بني‬
‫موتني‪(.‬ص‪.)7‬‬
‫نص جريء يف حريته‪ ،‬جا ّد يف بحثه عن‬
‫ّ‬
‫استعادة األلوان منغمس يف مشاغل‬

‫الصديق مج ّرد مد ّون بل هو محرض عىل‬
‫يكن هذا ّ‬
‫الكتابة باألسئلة التي يطرحها فتُو ِّجه السرّ د‪ ،‬يقول‪:‬‬
‫«اندمجت بهذه الرسعة يف هذه األجواء عىل صغر‬
‫َ‬
‫س ّنك وأصبحت من جالّسها وأين أنت من الحياء‬
‫والحشمة وماء الوجه وأين أنت من النظرة التي‬
‫كنت تنظرها إىل ماماتك» (ص‪ .)96‬وهو‪ ،‬يف اآلن‬
‫ذاته‪ ،‬صديق منحوت من ذات الكاتب تيش به لغته‬
‫ومعرفته مبجال من املفرتض أالّ عالقة له به‪ .‬يقول‬
‫يف الصفحة ‪« ،90‬تعقّل يا صاحبي وكن واقعيّا‪ ،‬أين‬
‫أنت من هذا املقام لتعلوه وليس لك من ال ّزاد ما‬
‫يكفي القتحامك هذا امليدان املتش ّعب»‪.‬‬
‫ّنص‪ ،‬رغم وجعه‪ ،‬طريف‪ ،‬مل يغفل الكاتب فيه‬
‫أن ير ّوح عىل املتلقي بني الفصول‪ ،‬فحرض املوقف‬
‫وحرضت النكتة غري املتوقعة‪ ،‬يقول عىل سبيل‬
‫املثال‪« :‬ومن املضحكات أنيّ كنت أستعمل كلّ‬
‫صباح قلم كحل العينني عىل شعر شار ّيب ألنّها مل‬
‫تكن بارزة وواضحة حتّى أظهر أمام الناس رجال‪..‬‬
‫مماّ جعل إحدى الشخصيات املرموقة يف ذلك العهد‬
‫تسألني من أين آيت بصباغة شعري» (ص‪.)94‬‬
‫كتاب يضاف إىل كتب السرية ويفتح ك ّوة عىل عامل‬
‫الف ّن الذي ظلّ مغلقا عىل نفسه‪ ،‬هو عامل هيمن‬
‫عىل مرحلة مفصليّة من تاريخ تونس الجديدة‬
‫يؤسس لعامل بديل‪.‬‬
‫ووجب أن ّ‬

‫خدّي وتقول‪ :‬علولو يا علولو‪ ...‬ماذا تسمون‬
‫ذلك؟» (ص‪.)29‬‬
‫مجموعة «قانون باريتو»‪ ،‬من املجموعات‬
‫القليلة التي تحافظ عىل مستوى يكاد يكون‬
‫واحدا بني نصوصها جودة وطرافة‪ ،‬ويف مستوى‬
‫القصة القصرية وحرصها عىل‬
‫استجابتها لبنية ّ‬
‫املباغتة وإثارة دهشة القارئ‪.‬‬

‫الوطن والروح واإلنسان‪:‬‬
‫السبع‬
‫أيتها السموات ّ‬
‫انقشعي‬
‫أريد أن أسأله‬
‫وهو الواحد األحد‪ ...‬املعروف‬
‫بأ ّي سورة أنبأهم‬
‫أنّهم إبراهيم وابنه‬
‫وأنّنا‪..‬‬
‫الخروف؟؟؟!‬
‫البحر يبحث عن أزرقه‪ ،‬من‬
‫الصادرة‬
‫املجموعات الشعريّة املتميّزة ّ‬
‫تستحق أكرث من‬
‫يف الفرتة األخرية‬
‫ّ‬
‫إطاللة وأكرث من مج ّرد تقديم‪.‬‬


Documents similaires


Fichier PDF philosophy in the present zizek badiou
Fichier PDF ob 49f57d de quoi sarkozy est il le nom alain badiou
Fichier PDF dossier pedagogique micro macro
Fichier PDF micro macro lettre d invitation web
Fichier PDF 95004 244920 1 pb
Fichier PDF rxceat9


Sur le même sujet..