Fichier PDF

Partage, hébergement, conversion et archivage facile de documents au format PDF

Partager un fichier Mes fichiers Convertir un fichier Boite à outils PDF Recherche PDF Aide Contact



mastère Bilel Kammoun .pdf



Nom original: mastère Bilel Kammoun.pdf
Auteur: Yasmine

Ce document au format PDF 1.5 a été généré par Microsoft® Word 2016, et a été envoyé sur fichier-pdf.fr le 23/05/2019 à 13:27, depuis l'adresse IP 41.231.x.x. La présente page de téléchargement du fichier a été vue 36 fois.
Taille du document: 3.4 Mo (228 pages).
Confidentialité: fichier public




Télécharger le fichier (PDF)









Aperçu du document


‫القضاء اإلداري من خالل دستور ‪2014‬‬

‫المقدّمة‬
‫صادرة‬
‫تتمظهر سلطة الدّولة عبر أجهزتها المركزيّة والمحلّية وعبر األوامر والقرارات ال ّ‬
‫عن سلطتها‪ ،‬ذلك ّ‬
‫أن الدّولة ال يتجلّى معناها إالّ عبر سلطاتها الثالث ‪ :‬التشريعيّة والقضائيّة‬
‫والتنفيذيّة‪ ،‬وهذه األخيرة هي أقربها وأشهرها لدى عا ّمة المواطنين الذين هم في عالقة‬
‫سلطة التنفيذيّة‪.1‬‬
‫يوميّة ودائمة مع اإلدارة كأداة لل ّ‬
‫في هذا اإلطار‪ ،‬إذا انطلقنا من التعريف العادي لمصطلح "اإلدارة"‪ ،‬أمكن لنا أن نستنتج أنّها‬
‫تعني تارة النشاط الممارس‪ ،‬وطورا الهياكل المكلّفة بالتسيير‪ ،‬وهذا التعريف ‪-‬المادّي أو‬
‫العضوي‪ -‬يستعمل للدّاللة في ذات الوقت على جميع أنواع األنشطة البشريّة‪ ،‬دون تمييز‬
‫بين ماهو عام وماهو خاص‪.‬‬
‫إلى جانب هذا المفهوم الواسع‪ ،‬نجد أيضا مفهوما ضيّقا يقتصر على تعريف اإلدارة باإلدارة‬
‫العموميّة‪ ،‬وهي مجموع الهياكل التّابعة للدّولة والمكلّفة بتنفيذ سياساتها في مختلف مجاالت‬
‫ال ّ‬
‫شؤون العا ّمة‪.2‬‬
‫صة أو نشاط‬
‫من هنا تبدو اإلدارة في هذا ال ّ‬
‫سياق متميّزة في نشاطها عن األنشطة الخا ّ‬
‫األفراد‪ ،‬حيث يختلف النّشاط اإلداري بصفة جوهريّة عن نشاط األفراد من حيث الغاية التي‬
‫يسعى إلى تحقيقها‪ ،‬ومن حيث الوسائل المستعملة للوصول إليها‪ ،‬فمن حيث الغاية تبرز في‬
‫مختلف المجتمعات البشريّة حاجات ضروريّة لالستقرار واالستمرار ال يمكن تحقيقها من‬
‫قبل األفراد‪ ،‬إ ّما ّ‬
‫ألن تلبيتها تستوجب تسخير وسائل تفوق طاقاتهم المحدودة (الص ّحة‪،‬‬
‫الربح‪ ،‬بحكم أنّها تتميّز بصبغتها غير النفعيّة‬
‫التعليم)‪ ،‬وإ ّما ألنّه ال يمكن توظيفها لتحقيق ّ‬
‫صة ّ‬
‫فإن هدف‬
‫(األمن‪ ،‬الدّفاع)‪ ،‬فلئن كان‬
‫محرك األعمال الفرديّة تحقيق المنفعة الخا ّ‬
‫ّ‬
‫األعمال اإلداريّة هو تحقيق المصلحة العا ّمة‪.3‬‬
‫‪ 1‬البشير الت ّكاري‪" ،‬مدخل إلى القانون اإلداري"‪ ،‬مركز البحوث والدراسات والنشر‪ ،‬المدرسة القوميّة لإلدارة‪ ،‬الطبعة الثانية‪ ،‬تونس‪ ،2000 ،‬ص‪.‬‬
‫‪.11‬‬
‫‪ 2‬محمد رضا جنيح‪" ،‬القانون اإلداري"‪ ،‬طبعة ثانية محيّنة ومزيدة‪ ،‬مركز ال ّنشر الجامعي‪ ،2008 ،‬ص‪.2 .‬‬
‫‪ 3‬أنظر حول هذا المفهوم ‪:‬‬

‫‪1‬‬

‫القضاء اإلداري من خالل دستور ‪2014‬‬

‫صبغة الظرفيّة لهذا المفهوم فالمصلحة العا ّمة اليوم تختلف‬
‫ولو أنّه هنا وجب التنبيه إلى ال ّ‬
‫ع ّما كانت عليه في الماضي‪ ،‬ومفهوم المصلحة العا ّمة في الدّول النّامية ال يتّفق مع مفهومها‬
‫في الدّول المتقدّمة‪.‬‬
‫وأيّا كان االختالف في ّ‬
‫الزمان والمكان من حيث المحتوى‪ّ ،‬‬
‫فإن هدف كافّة المجتمعات‬
‫البشريّة يبقى واحدا وهو تحقيق المصلحة العا ّمة حتّى وإن ت ّم اليوم التركيز أكثر من ذي قبل‬
‫على مردود المرافق العا ّمة‪ ،‬وعلى ضرورة تقريب أساليب إدارتها من ّ‬
‫الطرق المتّبعة في‬
‫القطاع الخاص‪.1‬‬
‫أ ّما من حيث الوسائل‪ ،‬يؤدّي االختالف في األهداف بين اإلدارة واألفراد إلى اختالف في‬
‫سسة على التساوي في الحقوق والواجبات‪ّ ،‬‬
‫فإن‬
‫الوسائل‪ ،‬فلئن كانت العالقة بين األفراد مؤ ّ‬
‫العالقة بين اإلدارة ومنظوريها تتميّز أساسا بعدم التكافؤ وتؤدّي هذه الخصوصيّة إلى‬
‫نتيجتين أساسيتين‪: 2‬‬
‫سلطة العا ّمة حتّى تتوفّر لها‬
‫ األولى تتمثّل في ضرورة االعتراف لإلدارة بامتيازات ال ّ‬‫سلطة‬
‫الوسائل القانونيّة الالّزمة لفرض إرادتها‪ ،‬وتنعت هذه الوسائل بامتيازات ال ّ‬
‫العا ّمة (‪ )Les prérogatives de puissance publique‬التي تمثّل‬
‫األعمال االنفراديّة والعقود اإلداريّة أه ّم مظاهرها‪.‬‬
‫ والثانية‪ ،‬تتمثّل في ضرورة الح ّد من سلطاتها‪ ،‬بإخضاعها للقانون‪ ،‬باعتبار ّ‬‫سف‬
‫أن تع ّ‬
‫ي‬
‫اإلدارة على حقوق األفراد عند استعمالها لهذه االمتيازات أمر وارد جدّا في أ ّ‬
‫ي مكان‪ .‬كما ّ‬
‫سسات تقتضي أن يكون فيها الحاكم‬
‫أن دولة القانون والمؤ ّ‬
‫زمان وفي أ ّ‬
‫والمحكوم على سواء خاضعين لسلطان القانون ومبدأ المشروعيّة‪.3‬‬

‫‪-‬‬

‫‪Rapport public de Conseil d’Etat, « L’intérêt général », in études et documents n°50, la documentation‬‬
‫‪française, Paris, 1999, p. 247 et s.‬‬
‫‬‫‪G. Ghrairi, « L’application des normes juridiques indéterminées par le juge administratif tunisien :‬‬
‫‪l’exemple de l’intérêt général », Mél. Amor, C.P.U. 2005, p. 471 et s.‬‬
‫‪1‬‬
‫‪J. Rivero et J. Waline, « Droit administratif », Dalloz, 18ème éd., 2000, n°2.‬‬
‫‪2‬‬
‫‪J. Rivero et J. Waline, op. cit.‬‬
‫والرقابة على أعمال اإلدارة"‪ ،‬دار الجامعة الجديدة للنشر‪ ،‬ص‪.9 .‬‬
‫‪ 3‬سامي جمال الدّين‪" ،‬القضاء اإلداري ّ‬

‫‪2‬‬

‫القضاء اإلداري من خالل دستور ‪2014‬‬

‫سياق إلى ّ‬
‫أن القانون المقصود هنا والذي وجب على اإلدارة أن‬
‫وجب اإلشارة في هذا ال ّ‬
‫تخضع له هو "القانون اإلداري"‪ ،‬الذي اعتبره البعض بمثابة االكتشاف العلمي الهام ّ‬
‫وأن‬
‫إخضاع اإلدارة إليه معجزة‪ ،1‬حيث يقول األستاذ "‪ّ "Prosper Weil‬‬
‫أن وجود القانون‬
‫اإلداري يمثّل في ح ّد ذاته معجزة من المعجزات‪ ،2‬وقد أراد بذلك التأكيد على أنّه من‬
‫العسير جدّا حمل اإلدارة على احترام القانون‪ ،‬بحكم أنّها تتميّز باحتكار وسائل اإلكراه‬
‫ّ‬
‫المنظم (ال ّ‬
‫سجون‪ )... ،‬فاإلدارة ‪-‬خالفا لألفراد‪ -‬ال تذعن ألحكام القانون إال‬
‫المادّي‬
‫شرطة‪ ،‬ال ّ‬
‫من تلقاء نفسها‪.3‬‬
‫كما اعتبر البعض ّ‬
‫أن ظهور القانون اإلداري يع ّد بمثابة المرور من دولة الضّبط إلى دولة‬
‫القانون أو الشرعيّة (‪ ،4)Etat de droit‬ففي المنوال اإلداري الذي يُعرف بـ"دولة‬
‫الضّبط"‪ ،‬لئن كان بإمكان رئيس اإلدارة تسليط الجزاء المناسب على المرؤوسين الذين ال‬
‫يمتثلون لألحكام اإلداريّة‪ ،‬فإنّه ال يمكن لألفراد االستناد إلى هذه القواعد إلبطال األعمال‬
‫تخول للفرد هذه اإلمكانيّة‪ 5‬ولو بصورة نسبيّة‬
‫اإلداريّة‪ ،‬على خالف دولة القانون التي ّ‬
‫باعتبار ّ‬
‫أن هناك طائفة من األعمال ال يتجاوز أثرها دائرة التنظيم الدّاخلي للمرفق‪ ،6‬وطائفة‬
‫صنة تشريعيا كأعمال السيادة على سبيل المثال‪.‬‬
‫أخرى من األعمال المح ّ‬
‫وجب اإلشارة هنا إلى ّ‬
‫أن تونس قد عرفت "دولة الضبط" في عدّة مراحل من تاريخها‪ ،‬من‬
‫بينها مرحلة الدّولة الحسينيّة التي تميّزت بوجود نظام الحكم المطلق الذي يستأثر فيه الباي‬
‫سلطات ‪ :‬التشريعيّة والتنفيذيّة والقضائيّة‪ ،‬إذ كان القضاء في تلك الفترة‬
‫و"القيّاد" بجميع ال ّ‬
‫سلطة‬
‫محجوزا بيد الباي وهو ما حال دون إحداث هيكل قضائي من شأنه أن يراقب أعمال ال ّ‬
‫التنفيذيّة‪ 7‬وبالتّالي خالل تلك الفترة ال يمكن اإلقرار بخضوع اإلدارة للقانون‪.1‬‬
‫‪ 1‬محمد صالح بن عيسى‪ " ،‬القضاء اإلداري‪ :‬الواقع واآلفاق"‪ ،‬م‪.‬ق‪.‬ت‪ ،1994 .‬ص‪.36-35 .‬‬
‫‪P. Weil et D. Pouyaud, « Le droit administratif », PUF, que sais-je, 2004, p. 1.‬‬
‫‪ 3‬محمد رضا جنيّح‪" ،‬القانون اإلداري"‪ ،‬مرجع سابق الذّكر‪ ،‬ص‪.1 .‬‬
‫‪ 4‬مصطفى بن لطيف‪" ،‬المؤسّسات اإلداريّة والقانون اإلداري"‪ ،‬المدرسة الوطنيّة لإلدارة‪ ،2007 ،‬ص‪.7 .‬‬
‫‪ 5‬حول التفرقة بين دولة القانون ودولة الضبط‪ ،‬أنظر ‪:‬‬
‫‪J. Chevallier, « L’Etat de droit », RDP 1988, n°2, p. 329 et s.‬‬
‫الراعي‪" ،‬اإلجراءات ذات ّ‬
‫الطابع الدّاخلي في فقه قضاء المحكمة اإلداريّة"‪ ،‬مذ ّكرة لإلحراز على شهادة الدراسات المع ّمقة‬
‫‪ 6‬أنظر ‪ :‬أحمد سهيل ّ‬
‫في القانون العام‪ ،‬كلّية الحقوق بسوسة‪.1999 ،‬‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫‪ 7‬حمودة حمودي‪" ،‬استقالليّة إجراءات التقاضي اإلداري"‪ ،‬مذكرة لإلحراز على شهادة الدراسات المع ّمقة في القانون العام‪ ،‬كلية الحقوق بسوسة‪،‬‬
‫‪ ،1993-1992‬ص‪.22 .‬‬
‫‪2‬‬

‫‪3‬‬

‫القضاء اإلداري من خالل دستور ‪2014‬‬

‫هذا الخضوع الذي ال يؤدّي بالضّرورة إلى وجود قانون إداري‪ ،‬بمعنى قانون خاص‬
‫باإلدارة مختلف عن القانون العام‪ ،‬باعتبار أنّنا إذا نظرنا للقانون اإلداري من الجانب‬
‫العضوي أو الهيكلي نجده في ك ّل دولة على اختالف تو ّجهاتها وأنماط تسييرها‪ ،‬فك ّل دولة‬
‫لها جهازها اإلداري الذي يخضع دون ّ‬
‫شك لقواعد القانون‪ ،‬سواء من حيث التنظيم أو‬
‫الرقابة وضبط المنازعات وغيرها من المسائل‪ ،‬غير ّ‬
‫أن االختالف‬
‫النشاط أو األموال أو ّ‬
‫سؤال التّالي ‪ :‬هل يجب أن تخضع اإلدارة لنفس القواعد‬
‫بين الدّول تمحور باألساس حول ال ّ‬
‫التي يخضع لها األفراد ؟ أم أنّه ينبغي والعتبارات معيّنة أن تخضع لقواعد متميّزة غير‬
‫مألوفة لدى األفراد ؟‬
‫سؤال تختلف من نظام قضائي إلى آخر‪ ،‬ففي البالد األنجلوسكسونيّة على‬
‫اإلجابة على هذا ال ّ‬
‫صة‪،‬‬
‫سبيل المثال‪ ،‬يخضع نشاط اإلدارة لذات القواعد التي تحكم نشاط األفراد والهيئات الخا ّ‬
‫وهذا يعني ّ‬
‫أن اإلدارة تخضع لقواعد القانون الخاص‪ ،‬فإذا نتج عن هذه العالقة منازعة‬
‫خضعت لذات القواعد واإلجراءات التي تسري على األفراد‪ ،‬ويُفصل فيها أمام نفس الجهة‬
‫القضائيّة التي يمثل أمامها ك ّل األشخاص‪ ،‬لذلك ّ‬
‫فإن الميزة األساسيّة في هذه الدّول أنّها‬
‫نظرت للقانون كك ّل نظرة واحدة‪ ،‬فهو ال يختلف بالنّظر لطبيعة ال ّ‬
‫شخص (شخص من‬
‫أشخاص القانون العام أو شخص من أشخاص القانون الخاص)‪ ،‬فالقانون واحد ال يتغيّر‬
‫بالنّظر لطبيعة الشخص‪.‬‬
‫وتجدر اإلشارة هنا ّ‬
‫أن الفقه القانوني اإلنجليزي التقليدي ينبذ فكرة القانون اإلداري بالمفهوم‬
‫الحريات‬
‫الفرنسي‪ ،‬باعتبار أنّه مظهر من مظاهر التسلّط اإلداري ويش ّكل خطرا على‬
‫ّ‬
‫سلطات‬
‫الفرديّة وأنّه من رواسب ال ّدولة االستبداديّة فضال عن مناقضته لمبدأ الفصل بين ال ّ‬
‫سلطة التنفيذيّة (بما تحتويه من‬
‫التشريعيّة والتنفيذيّة والقضائيّة والذي يفرض أن تخضع ال ّ‬
‫سلطة القضائيّة‪ ،‬وبالتّالي للمحاكم العاديّة المطبّقة للقانون العادي (أي‬
‫إدارة وسلط إداريّة) لل ّ‬
‫الخاص)‪.2‬‬

‫‪ 1‬محمد رضا جنيّح‪" ،‬القانون اإلداري"‪ ،‬مرجع سابق الذكر‪ ،‬ص‪.13 .‬‬
‫ّ‬
‫‪ 2‬توفيق بوعشبة‪" ،‬مبادئ القانون اإلداري التّونسي ‪ :‬التنظيم اإلداري‪ ،‬النشاط اإلداري‪ ،‬القضاء اإلداري"‪ ،‬الطبعة الثانية منقحة ومزيدة‪ ،‬المدرسة‬
‫القوميّة لإلدارة‪ ،‬مركز البحوث والدراسات اإلداريّة‪ ،‬تونس‪ ،‬ص‪.13 .‬‬

‫‪4‬‬

‫القضاء اإلداري من خالل دستور ‪2014‬‬

‫سياق يمكن ذكر ما كتبه الفقيه االنجليزي "‪ "Dicey‬بخصوص القانون اإلداري‬
‫في هذا ال ّ‬
‫الفرنسي في مؤلّفه "مدخل للقانون الدّستوري"‪ ،‬سنة ‪ 1839‬قائال ّ‬
‫"إن القانون اإلداري‬
‫سابق للثورة ّ‬
‫وإن البالد االنجليزيّة ال‬
‫خطير على‬
‫الحريات الفرديّة وإنّه لمن رواسب النّظام ال ّ‬
‫ّ‬
‫ترغب في أن يكون لها مثل هذا النّوع من القانون"‪.1‬‬
‫ويرى بعض الكتّاب ّ‬
‫أن البالد اإلنجليزيّة وإن كانت قد رفضت فكرة القانون اإلداري من‬
‫ّ‬
‫البت‬
‫ع ِهد لها مه ّمة‬
‫صة ُ‬
‫حيث المبدأ‪ ،‬إالّ أنّها بادرت في المدّة األخيرة إلى إنشاء محاكم خا ّ‬
‫في منازعات إداريّة محدّدة‪ ،‬وهذا ما يد ّل على مؤ ّ‬
‫شر تب ّنيها واستقبالها لفكرة القانون‬
‫اإلداري‪.2‬‬
‫إالّ ّ‬
‫أن مثل هذا التو ّجه لم يقع ترسيخه بعد‪ ،‬رغم استقرار عدد من القواعد والحلول القانونيّة‬
‫التي تعادل قواعد وحلول القانون اإلداري الفرنسي‪.3‬‬
‫من خالل ما تقدّم‪ ،‬نتبيّن ّ‬
‫أن النّظام األنجلوسكسوني يأخذ بنظام القضاء المو ّحد أو نظام‬
‫وحدة القضاء "‪ ،"Unité de juridiction‬كما هو الشأن بالنّسبة للبالد اإلنجليزيّة حيث‬
‫تخضع جميع أنواع المنازعات (بما في ذلك المنازعات اإلداريّة) للقاضي العادي الذي‬
‫يطبّق فيها القانون الخاص‪ ،‬وهذا النّوع من النّظام القضائي ظهر في إنجلترا ث ّم انتشر في‬
‫بلدان أخرى مرتبطة لغويا وثقافيا وحضاريا باألصل اإلنجليزي‪ ،‬كما هو الشأن بالنّسبة‬
‫للواليات المتّحدة األمريكيّة وكندا وأستراليا ونيوزيلندا وبعض الدّول النّامية التي عاشت‬
‫سودان‪ ،‬العراق‪ ،‬أوغندا‪.4)...‬‬
‫سيطرة البريطانيّة (الهند‪ ،‬ال ّ‬
‫لمرحلة تاريخيّة معيّنة تحت ال ّ‬

‫‪ 1‬مؤلّف مترجم إلى اللّغة الفرنسيّة من طرف ‪:‬‬
‫‪André Batut et Gaston Jéze, « Introduction à l’étude du droit constitutionnel », V. Giard et E. Brière, par., 1986.‬‬
‫‪ 2‬أنظر ‪:‬‬
‫ عاطف البنا‪" ،‬الوسيط في القانون اإلداري"‪ ،‬دار الفكر‪ ،‬القاهرة‪ ،1984 ،‬ص‪.41 .‬‬‫ّللا‪" ،‬القانون اإلداري"‪ ،‬اإلسكندريّة‪ ،‬منشأة المعارف‪ ،1991 ،‬ص‪.17 .‬‬
‫ عبد الغني بسيوني عبد ّ‬‫ محمد عبد الحميد أبو زيد‪" ،‬المرجع في القانون اإلداري"‪ ،‬القاهرة‪ ،‬دار النّهضة‪ ،1999 ،‬ص‪.30 .‬‬‫ ثروت بدوي‪" ،‬القانون اإلداري"‪ ،‬دار النّهضة‪.2002 ،‬‬‫‪3‬‬
‫‪- Spyridon Flogaïtis, « Administrative law et droit administratif », L.G.D.J. Paris, 1986.‬‬
‫‪- D. Levy, « Les développements récents du droit administratif anglais », mélanges Chapus Montchrestien,‬‬
‫‪Paris, 1992, p. 387.‬‬
‫‪ 4‬توفيق بوعشبة‪" ،‬مبادئ القانون اإلداري التّونسي"‪ ،‬مرجع سابق الذكر‪ ،‬ص‪.365 .‬‬

‫‪5‬‬

‫القضاء اإلداري من خالل دستور ‪2014‬‬

‫وعلى خالف ذلك‪ ،‬رأت دول أخرى على رأسها فرنسا أنّه من الضّروري التمييز بين‬
‫القواعد القانونيّة التي يخضع لها األفراد وسائر أشخاص القانون الخاص‪ ،‬والقواعد التي‬
‫تخضع لها اإلدارة‪.‬‬
‫هذا التمييز أدّى إلى نشأة وتبلور قانون إداري بمعناه أو بمفهومه الفنّي والدّقيق ذو صبغة‬
‫وطبيعة فرنسيّة خاص باإلدارة يُعرف بكونه "مجموعة القواعد القانونيّة المتميّزة والمختلفة‬
‫عن قواعد القانون الخاص والتي تحكم تنظيم اإلدارة (أي اإلدارة العموميّة) ونشاطها وما‬
‫يترتّب على هذا النّشاط من منازعات"‪.‬‬
‫ومن المه ّم أن نوضّح هنا ّ‬
‫أن القانون اإلداري وإن أخذناه بمعناه الضيّق فهو ليس القانون‬
‫الوحيد الذي يحكم اإلدارة أو يطبّق عليها‪ ،‬فاإلدارة (رغم كونها إدارة عموميّة) تنشط في‬
‫بعض الحاالت وفق قواعد القانون الخاص‪ ،‬على سبيل المثال‪ ،‬عند إبرامها لعقود عاديّة‬
‫(مدنيّة أو تجاريّة) أو عند قيامها بتسيير خاص لبعض ممتلكاتها الداخليّة فيما يس ّمى "بالملك‬
‫الخاص لإلدارة"‪.‬‬
‫ففي مثل هذه الحالة ّ‬
‫فإن اإلدارة تضع ذاتها في نطاق القانون الخاص‪ ،‬وهذا القانون هو الذي‬
‫يطبّق عليها خصوصا في صورة حصول منازعة بينها وبين الشخص الخاص الذي تعاقدت‬
‫معه‪ ،‬ولكن مع هذا ّ‬
‫فإن نطاق خضوع اإلدارة للقانون الخاص يبقى محدودا وتبقى اإلدارة‬
‫خاضعة أساسا ألحكام القانون اإلداري كقانون تختلف قواعده أو تتميّز عن قواعد القانون‬
‫الخاص‪.1‬‬
‫هذا االختالف والتميّز الذي أدّى إلى ازدواجيّة في القانون (قانون عام وقانون خاص)‪،‬‬
‫وتبعا لذلك أدّى إلى ما يُعرف باالزدواجيّة القضائيّة (‪ )Dualité de juridiction‬وهي‬
‫أنموذج فرنسي بامتياز يقوم على بعث نظام قضائي مبني على وجود جهازين قضائيين‬
‫مستقلّين ‪:‬‬

‫‪1‬‬

‫توفيق بوعشبة‪"،‬مبادئ القانون اإلداري التونسي" ‪,‬مرجع سابق الذكر‪ ،‬ص‪.12 .‬‬

‫‪6‬‬

‫القضاء اإلداري من خالل دستور ‪2014‬‬

‫ محاكم عدليّة على رأسها محكمة التعقيب مكلّفة بتطبيق القانون الخاص في النّزاعات‬‫التي تنشأ بين األفراد‪،‬‬
‫ ومحاكم إداريّة على رأسها مجلس الدّولة "‪ "Conseil d’Etat‬مكلّفة بتطبيق‬‫القانون العام في النّزاعات التي تنشأ بين اإلدارة ومنظوريها‪.‬‬
‫مع وجود هيكل ثالث يُعرف بمحكمة التنازع "‪ "Tribunal des conflits‬أوكل له قانون‬
‫‪ 24‬ماي ‪ 1872‬مه ّمة حسم مسائل تنازع االختصاص التي قد تنشأ بين جهازي القضاء‬
‫اإلداري والعدلي‪.1‬‬
‫تطور هذا النّظام‪ ،‬ولع ّل البحث‬
‫وقد كان لهذه االزدواجيّة القضائيّة التأثير الكبير على‬
‫ّ‬
‫المطول للفقه وفقه القضاء عن معيار مو ّحد للقانون اإلداري وللقضاء اإلداري أقوى دليل‬
‫ّ‬
‫على هذا األثر‪.2‬‬
‫من هنا نتبيّن ّ‬
‫أن األنموذج الفرنسي لنظام القضاء المزدوج يرتكز على وجود هيكل قضائي‬
‫صص في النّزاعات اإلداريّة بجانب الهيكل القضائي العادي المختص في‬
‫إداري متخ ّ‬
‫النّزاعات العاديّة أي النّزاعات التي تنشأ بين األفراد أو سائر أشخاص القانون الخاص في‬
‫عالقاتهم مع بعضهم‪ ،‬وقد تأثّرت عدّة دول بهذا النموذج واتّبعته مثل إيطاليا‪ ،‬اليونان‪،‬‬
‫بلجيكيا‪ ،‬مصر‪ ،‬لبنان‪. ...‬‬
‫ما يه ّمنا في هذا اإلطار تأثّر بالدنا تونس وإتباعها لهذا األنموذج الذي دار حوله جدل فقهي‬
‫كبير‪ ،‬فهناك جانب من الفقه انتقده بشدّة حتّى من بين الفقهاء الفرنسيين‪ ،‬وهناك جانب آخر‬
‫صص القضائي‪.‬‬
‫ساند هذا األنموذج لالزدواجيّة القضائيّة مبرزا مزايا التخ ّ‬
‫على مستوى الجانب المنتقد‪ ،‬يرى بعض الفقهاء ّ‬
‫مختص بالنّزاعات‬
‫أن إرساء قضاء‬
‫ّ‬
‫اإلداريّة ومنفرد عن القضاء العام ليس من األمور الضروريّة التي يفرضها العقل أو‬

‫‪1‬‬

‫محمد رضا جنيّح‪" ،‬القانون اإلداري"‪ ،‬مرجع سابق الذكر‪ ،‬ص‪.12 .‬‬
‫‪J. Rivero, « Existe-t-il un critère du droit administratif », R.D.P. 1953, p. 279.‬‬

‫‪7‬‬

‫‪2‬‬

‫القضاء اإلداري من خالل دستور ‪2014‬‬

‫الضّرورة‪ ،‬إذ ليس من المعقول وال من ّ‬
‫ّ‬
‫يتجزأ القضاء إلى فروع مستقلّة وأن‬
‫الطبيعي أن‬
‫يفقد بذلك وحدته وبساطته‪.1‬‬
‫وبهذه المناسبة‪ ،‬نذكر بعض الفقهاء الفرنسيين مثل "‪ "Duc de Broglie‬و" ‪Benjamin‬‬
‫المختص الخارج عن القضاء العدلي‪،‬‬
‫‪ "Constant‬الذين عارضوا فكرة القضاء اإلداري‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫وأن الفكرة في األصل التّاريخي كانت مرآة‬
‫الحريات‪،‬‬
‫سلطان الدّولي ال‬
‫ألنّها خادمة ال ّ‬
‫ّ‬
‫صبغة القضائيّة‬
‫تحولت فيما بعد‪ ،‬عندما تغلّبت ال ّ‬
‫للمعتقدات المركزيّة النابليونية‪ ،‬إالّ أنّها ّ‬
‫المختص أداة لمقاومة االستبداد اإلداري‪،2‬‬
‫صبغة اإلداريّة وأصبح القضاء اإلداري‬
‫ّ‬
‫على ال ّ‬
‫كما ّ‬
‫أن بعض األصوات تعالت اليوم بفرنسا‪ ،‬مهد المنوال االنفصالي‪ ،‬بمطالبة إدماج القضاء‬
‫العدلي واإلداري‪.3‬‬
‫في مقابل هذا الجانب المنتقد لالزدواجيّة القضائيّة على المنوال الفرنسي‪ ،‬هناك جانب آخر‬
‫من الفقه مقتنع بهذه االزدواجيّة ومدعّم لها‪ ،‬فعلى سبيل المثال في تونس وعلى ضوء النّقاش‬
‫سلطة القضائيّة‪ ،‬هناك إجماع على‬
‫الذي صار صلب اللّجنة التأسيسيّة حول مشروع باب ال ّ‬
‫صة وتدعيمها بقضاء‬
‫صص القضاء عا ّمة والثنائيّة القضائيّة خا ّ‬
‫ضرورة اإلبقاء على تخ ّ‬
‫دستوري وهذا أيضا مح ّل وفاق‪.4‬‬
‫ي قضاء نريد ؟" ّ‬
‫أن التو ّجه العام داخل اللّجنة يتبنّى‬
‫وقد لوحظ من خالل النّقاش حول "أ ّ‬
‫المحافظة على ثنائيّة القضاء واستبعاد المنظومة األنجلوسكسونيّة القائمة على الوحدة‬
‫القضائيّة‪.‬‬
‫سياق‪ ،‬أ ّكدت على سبيل المثال "جمعيّة القضاة التونسيين" على ضرورة إرساء‬
‫في هذا ال ّ‬
‫سسة قضائيّة متكاملة تض ّم مختلف أصناف القضاء في هيكل واحد مع المحافظة‬
‫دعائم مؤ ّ‬
‫على مميّزات ك ّل هيئة قضائيّة‪ .‬ومن جهته‪ ،‬أ ّكد "اتّحاد القضاة اإلداريين" على ضرورة‬

‫‪ 1‬رشيد الصبّاغ‪" ،‬القضاء اإلداري في تونس بين األمس واليوم"‪ ،‬م‪.‬ق‪.‬ت‪ ،1980 .‬ص‪.51 .‬‬
‫‪ 2‬عياض بن عاشور‪" ،‬القضاء اإلداري وفقه المرافعات اإلداريّة بتونس"‪ ،‬الطبعة االولى‪ ,‬دار سراس للنّشر‪ ،1995 ،‬ص‪.34 .‬‬
‫‪3‬‬
‫‪D. Truchet, « Fusionner les juridictions administrative et judiciaire », Mélanges J.M. Auby, Dalloz, 1992.‬‬
‫‪ 4‬تقرير اللّجنة التأسيسيّة للقضاء العدلي واإلداري والمالي والدستوري حول مشروع باب السّلطة القضائيّة‪ ،‬ص‪ 7 .‬من ‪,77‬نوفمبر‬
‫‪.2012‬لالطالع على هذا التقرير انظر الموقع الرسمي للمجلس الوطني التأسيسي السابق ‪www.anc.tn‬‬

‫‪8‬‬

‫القضاء اإلداري من خالل دستور ‪2014‬‬

‫اإلبقاء على االزدواجيّة القضائيّة المعتمدة في تونس على النّمط الفرانكفوني وأه ّمية تكريس‬
‫استقالليّة القضاء اإلداري عن بقيّة هياكل القضاء األخرى نظرا لخصوصياته‪.‬‬
‫سابقة للمحكمة اإلداريّة عن ضرورة إدراج القضاء اإلداري‬
‫الرئيسة األولى ال ّ‬
‫كما عبّرت ّ‬
‫تنوع األنظمة القضائيّة (عدلي‪ ،‬إداري‪ ،‬مالي‪،‬‬
‫صلب ال ّ‬
‫سلطة القضائيّة مع المحافظة على ّ‬
‫دستوري) وذلك بالنّظر لما يوفّره مبدأ الخصوصيّة من ضمان للمحاكمة العادلة وفق‬
‫المعايير الدوليّة‪.1‬‬
‫في نفس اإلطار‪ ،‬أ ّكد األستاذ مح ّمد صالح بن عيسى عند تخصيص اللّجنة جلسة لالستماع‬
‫إليه على ضرورة المحافظة على الثنائيّة القضائيّة المعتمدة في تونس نظرا للخبرات‬
‫المكتسبة طيلة أربعين سنة من هذا التم ّ‬
‫شي والذي ت ّم اعتماده في أغلب الدّول الدّيمقراطيّة‪.2‬‬
‫من خالل ما تقدّم‪ ،‬نتبيّن الجدل الفقهي الكبير الذي أحاط باألنموذج الفرنسي لالزدواجيّة‬
‫القضائيّة‪ ،‬جدل يدفعنا إلى تسليط الضّوء على ّ‬
‫الظروف التاريخيّة لنشأته‪ ،‬باعتبار وقعه‬
‫وتأثيره ومخلّفاته على ك ّل الدّول التي اتّبعته تقريبا إلى حدود يومنا هذا من بينها بالدنا‬
‫تونس‪.‬‬
‫تعود جذور هذا المنوال الفرنسي إلى الثورة الفرنسيّة‪ ،‬ذلك ّ‬
‫أن العالقة بين اإلدارة الملكيّة‬
‫والبرلمانات (‪ )Les parlements‬وهي عبارة عن محاكم عدليّة في فترة ما قبل الثّورة‪،،‬‬
‫لم تكن عالقة تعاون وانسجام‪ ،‬وإنّما كانت عالقة ارتياب وتنازع‪ ،‬فهذه المحاكم التي كان‬
‫صبغة التنفيذيّة كانت ترفض القيام بذلك‪،‬‬
‫من صالحياتها تسجيل األوامر الملكيّة إلكسائها ال ّ‬
‫سلطة المنبثقة عنها‬
‫وهو ما كان يؤدّي إلى عرقلة أعمال اإلدارة‪ ،‬فل ّما تحقّقت الثورة‪ ،‬رأت ال ّ‬
‫أنّه من أوكد اإلصالحات منع المحاكم العدليّة من التد ّخل من جديد في شؤون اإلدارة‪.‬‬
‫وقد وقع تأكيد هذا المنع بصفة صارمة في قوانين متالحقة ّأولها وأشهرها قانون ‪24 – 16‬‬
‫أقر هذا المنع‪ ،‬إذ تض ّمن فصله الثالث عشر ّ‬
‫أن "الوظائف القضائيّة تبقى‬
‫أوت ‪ 1790‬الذي ّ‬
‫دائما مستقلّة عن الوظائف اإلداريّة ّ‬
‫وأن القضاة ال يمكنهم تعطيل أعمال اإلدارة بأيّة طريقة‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫التقرير األصلي للجنة التأسيسيّة سابقة الذكر‪ ،‬صفحة ‪ 9‬من ‪ ,77‬انظر الموقع الرسمي للمجلس الوطني التأسيسي السابق‪.www.anc.tn‬‬
‫التقرير األصلي للجنة التأسيسيّة سابقة الذكر‪ ،‬صفحة ‪ 12‬من ‪www.anc.tn ,77‬‬

‫‪9‬‬

‫القضاء اإلداري من خالل دستور ‪2014‬‬

‫كانت‪ ،‬أو مقاضاة أعوانها من أجل أعمال تتّصل بوظائفهم‪ّ ،‬‬
‫وأن ك ّل مخالفة لهذا المنع تعتبر‬
‫خرقا فادحا للقانون"‪.‬‬
‫وقد تأ ّكد هذا المبدأ الذي يعرف بمبدأ الفصل بين الهيئات اإلداريّة والقضائيّة بصدور قانون‬
‫"‪ "Fructidor‬العام الخامس سنة ‪ ،1797‬الذي اقتضى أنّه "يمنع منعا باتا على المحاكم أن‬
‫تنظر في مختلف أعمال اإلدارة"‪.‬‬
‫وجب اإلشارة هنا إلى ّ‬
‫سلطة‬
‫أن الثوريون حاولوا تبرير موقفهم القائم على "ضرورة منع ال ّ‬
‫سلطات معتبرين ّ‬
‫أن‬
‫بالرجوع إلى مبدأ تفريق ال ّ‬
‫القضائيّة من النّظر في أعمال اإلدارة" ّ‬
‫االعتراف للقضاء بسلطة إبطال أعمال اإلدارة يؤدّي الى التد ّخل في شؤونها ومنعها من‬
‫سلطة التنفيذيّة ومن ورائها اإلدارة بوظيفتها الدستوريّة‪.1‬‬
‫القيام بمهامها والحيلولة دون قيام ال ّ‬
‫غير ّ‬
‫أن هذا التبرير يمثّل في الحقيقة تشويها للمبدأ المذكور الذي يقوم على وحدة الوظيفة‬
‫القضائيّة –تطبيق القانون وفصل النّزاعات‪ -‬أيّا كان محتوى هذا القانون وأيّا كانت‬
‫األطراف المتنازعة‪ ،2‬كما أنّه تكريس لنظام اإلدارة القضائيّة أو مرحلة "الوزير القاضي"‬
‫(‪ )Système de l’administrateur - juge‬وهو النّظام الذي تستأثر فيه اإلدارة‬
‫بالنّظر في النّزاعات اإلداريّة وذلك في إطار تطبيق فكرة "الحكم على اإلدارة جزء من‬
‫العمل اإلداري"‪ ،3‬لتكون الحكم والخصم في آن واحد‪ ،‬وبذلك ّ‬
‫سند الواقعي الكامن‬
‫فإن ال ّ‬
‫وراء منع القضاء من مقاضاة اإلدارة كان باألساس سياسيا المراد منه هو تحصين اإلدارة‬
‫ض ّد ك ّل تد ّخل قضائي‪.4‬‬
‫إالّ ّ‬
‫تحوال هاما بداية من صدور دستور‬
‫أن هذا الوضع لم يتواصل كثيرا‪ ،‬إذ سرعان ما شهد ّ‬
‫األول "‪ ،"Napoléon Bonaparte‬حيث‬
‫"ال ّ‬
‫سنة الثامنة" لسنة ‪ 1806‬في عهد القنصل ّ‬
‫تض ّمن هذا الدّستور في فصله ‪ 52‬إحداث هيئة عليا أطلق عليها اسم مجلس الدّولة‬
‫‪ 1‬محمد رضا جنيّح‪" ،‬القانون اإلداري"‪ ،‬مرجع سابق الذكر‪ ،‬ص‪.10 .‬‬
‫‪2‬‬
‫‪Voir dans ce sens : J. Chevallier, « L’élaboration historique du principe de la séparation de la juridiction‬‬
‫‪administrative et de l’administration active », thèse de doctorat, L.G.D.J., 1970.‬‬
‫‪ 3‬عياض بن عاشور‪" ،‬القضاء اإلداري وفقه المرافعات اإلداريّة في تونس"‪ ،‬مرجع سابق الذكر‪.‬‬
‫‪4‬‬
‫‪Méchichi (L.), « Le principe de la séparation des autorités administrative et judiciaire », colloque sur la‬‬
‫‪réforme de la justice administrative du 6 – 7 décembre 1996, C.E.R.P. 1998, p. 22.‬‬

‫‪10‬‬

‫القضاء اإلداري من خالل دستور ‪2014‬‬

‫الرأي وإعداد مشاريع‬
‫(‪ )Le Conseil d’Etat‬أسند لها دور استشاري يتمثّل في إبداء ّ‬
‫القرارات في النّزاعات اإلداريّة‪ ،‬ولكن مع إبقاء كلمة الفصل إلى رئيس اإلدارة‪ ،‬وهو ما‬
‫أدّى إلى وصف هذا النّظام بنظام القضاء المحجوز ( ‪Système de la justice‬‬
‫المفوض ( ‪Système de la‬‬
‫تحول فيما بعد إلى نظام القضاء‬
‫‪ )retenue‬الذي‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫‪ )justice déléguée‬عندما وقع االعتراف لهذا المجلس ولمجالس األقاليم المستحدثة‬
‫باختصاص الفصل في النّزاعات اإلداريّة بمقتضى قانون ‪ 24‬ماي ‪.11872‬‬
‫إالّ ّ‬
‫أن ذلك لم يضع حدّا لنظام اإلدارة القضائيّة‪ ،‬التي ظلّت القاضي العام في المنازعات‬
‫اإلداريّة نتيجة لعدم إمكانيّة رفع الدّعاوى مباشرة لمجلس الدّولة إالّ في الحاالت التي بيّنها‬
‫القانون صراحة‪.‬‬
‫مرة دعوى‬
‫وقد وقع تجاوز ذلك بمقتضى القرار الذي قبل بمقتضاه مجلس الدّولة‬
‫وألول ّ‬
‫ّ‬
‫تقدّم بها أحد األفراد مباشرة من دون عرضها على اإلدارة القضائيّة‪ ،‬وكنتيجة لذلك أصبح‬
‫مجلس الدّولة صاحب االختصاص العام في المنازعات اإلداريّة‪.‬‬
‫سياق إلى ّ‬
‫تحولت إلى محاكم إداريّة تتمتّع‬
‫أن مجالس األقاليم‬
‫وجب اإلشارة في هذا ال ّ‬
‫ّ‬
‫باختصاص عام في المادّة اإلداريّة‪ ،‬في حين مثّل مجلس الدّولة محكمة استئنافيّة لألحكام‬
‫صادرة عن هذه المحاكم وذلك بمقتضى أمر ‪ 30‬ديسمبر ‪.1953‬‬
‫ال ّ‬
‫وبصدور قانون ‪ 31‬ديسمبر ‪ 1987‬وقع إحداث محاكم االستئناف اإلداريّة التي تخضع‬
‫مقوماته ليصبح‬
‫أحكامها تعقيبيا لمجلس الدّولة وبذلك استكمل الجهاز القضائي اإلداري كامل ّ‬
‫يتكون أيضا من محاكم‬
‫مجلس الدّولة القاضي اإلداري األعلى‪ 2‬في جهاز قضائي إداري‬
‫ّ‬
‫إداريّة ومحاكم إداريّة لالستئناف‪.‬‬
‫أه ّم استنتاج يمكن الخروج به من دراسة التسلسل التاريخي لنشأة القضاء اإلداري الفرنسي‬
‫هو ّ‬
‫ّ‬
‫بالبت في النّزاعات اإلداريّة‪،‬‬
‫صص‬
‫أن مجلس الدّولة الفرنسي لم ينشأ كجهاز متخ ّ‬
‫سلطة التنفيذيّة ومن ورائها اإلدارة‪ ،‬بل نشأ كهيكل استشاري للملك "نابليون‬
‫مستق ّل عن ال ّ‬
‫‪J. Chevalier, « Du principe de séparation au principe de dualité », R.F.D.A. n°6, sept – oct. 1990.‬‬
‫‪Bernard Stirn, « Conseil d’Etat : organisation et fonctionnement», Lexis Nexis SA– 2011, p. 15.‬‬

‫‪11‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫القضاء اإلداري من خالل دستور ‪2014‬‬

‫سلطة التنفيذيّة‪ ،‬ث ّم أصبح بمرور ّ‬
‫الزمن يضطلع إلى‬
‫بونابرت"‪ ،‬وبالتّالي كهيكل مساعد لل ّ‬
‫جانب وظيفته األصليّة أي الوظيفة االستشاريّة بوظيفة أخرى قضائيّة لم تستطع رغم‬
‫الطاغي على المجلس‪ ،‬أال وهو ّ‬
‫الطابع ّ‬
‫تطورها الح ّد من ّ‬
‫الطابع اإلداري أو االستشاري‪،‬‬
‫ّ‬
‫سلطة التنفيذيّة‪.‬‬
‫والذي جعله ولو بصورة نسبيّة تابع إداريا لل ّ‬
‫ولع ّل أبلغ دليل على ذلك هو الجدل الفقهي الفرنسي المتواصل إلى يومنا هذا حول سحب‬
‫صفة القاضي على مستشاري مجلس الدّولة الفرنسي ومحاكمها اإلداريّة من عدمه‪ ،‬باعتبار‬
‫ّ‬
‫أن أعضاء هذا المجلس وهذه المحاكم ليسوا قضاة بأت ّم معنى الكلمة‪ ،‬بل هم إداريون مكلّفون‬
‫بوظيفة قضائيّة وخاضعون لقانون الوظيفة العموميّة‪.1‬‬
‫لذلك إذا كان هذا األنموذج األصلي حوله جدل إلى يومنا هذا‪ ،‬فليس بالغريب أو المفاجئ أن‬
‫تعاني أغلب الدّول التي اتّبعته من بينها تونس من التبعيّة اإلداريّة ألجهزتها القضائيّة‬
‫سلطة التنفيذيّة ليصبح هاجس هذه األجهزة البحث عن استقالليتها عوض التركيز‬
‫اإلداريّة لل ّ‬
‫ّ‬
‫البت في النّزاعات اإلداريّة بك ّل حياديّة وموضوعيّة تجاه‬
‫على مهامها األصليّة المتمثّلة في‬
‫طرفي النّزاع‪ ،‬أي اإلدارة ومنظوريها‪ ،‬وذلك يفترض بطبيعة الحال في جهاز القضاء‬
‫اإلداري كجهاز مكلّف بالفصل في هذا النّزاع ح ّد أدنى من االستقالليّة تجاه طرفيه‪.‬‬
‫التطرق لمصطلح "القضاء‬
‫التطرق أله ّمية االستقالليّة‪ ،‬وجب‬
‫سياق‪ ،‬وقبل‬
‫في هذا ال ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫اإلداري"‪.‬‬
‫تعريف مصطلح "القضاء اإلداري" ‪:‬‬
‫يش ّكل القضاء اإلداري أحد الموضوعات األساسيّة للقانون اإلداري الذي‪ ،‬وكما عرفناه‪،‬‬
‫ليس فقط القانون الذي يحكم تنظيم اإلدارة ونشاطها‪ ،‬وإنّما أيضا القانون الذي يحكم جوانب‬
‫عدّة في المنازعات التي تنشأ بين اإلدارة واألفراد‪.‬‬
‫يختص بالمنازعات‬
‫على ضوء ذلك يمكن تعريف القضاء اإلداري بأنّه القضاء الذي‬
‫ّ‬
‫اإلداريّة أي المنازعات التي تكون اإلدارة طرفا فيها‪ ،‬وتُستعمل عبارة "القضاء اإلداري"‬
‫‪1‬‬

‫عياض بن عاشور‪" ،‬القضاء اإلداري وفقه المرافعات اإلداريّة في تونس"‪،‬الطبعة االولى‪ ,‬دار سراس لل ّنشر‪ ،1995 ،‬ص‪.36 .‬‬

‫‪12‬‬

‫القضاء اإلداري من خالل دستور ‪2014‬‬

‫في األنظمة التي بها قانون إداري مستق ّل عن القانون الخاص للدّاللة على القضاء‬
‫صص في المنازعات اإلداريّة باعتبارها منازعات خاضعة مبدئيا للقانون اإلداري‪.‬‬
‫المتخ ّ‬
‫إالّ ّ‬
‫بغض‬
‫أن عبارة القضاء اإلداري قد تُستعمل أيضا كعبارة دالّة على المنازعات اإلداريّة‬
‫ّ‬
‫النّظر عن نوعيّة أو طبيعة القواعد القانونيّة التي يلجأ إليها القاضي للفصل في تلك‬
‫المنازعات‪.1‬‬
‫وفي النّظام القانوني التّونسي‪ّ ،‬‬
‫فإن القضاء اإلداري هو القضاء الذي ينظر في المنازعات‬
‫اإلداريّة مع اعتبارها منازعات خاضعة مبدئيا لقواعد القانون اإلداري وليس لقواعد القانون‬
‫سياق‪ ،‬يمكن القول ّ‬
‫بأن هناك مفهومين للقضاء اإلداري‪ :‬مفهوم عضوي‬
‫الخاص‪ ،‬وفي هذا ال ّ‬
‫ومفهوم وظيفي‪.‬‬
‫حسب المفهوم العضوي‪ّ ،‬‬
‫فإن القضاء اإلداري يعني المحاكم التي تنظر في المنازعات‬
‫سسة المحكمة اإلداريّة بما‬
‫سد القضاء اإلداري على وجه الخصوص في مؤ ّ‬
‫اإلداريّة‪ ،‬ويتج ّ‬
‫تشمله هذه المحكمة من هياكل ومن قضاة‪.‬‬
‫وأ ّما حسب المفهوم الوظيفي‪ّ ،‬‬
‫فإن القضاء اإلداري يعني‪ ،‬وكما ذكرنا‪ ،‬القضاء الذي يفصل‬
‫في المنازعات اإلداريّة‪.2‬‬
‫في نفس اإلطار‪ ،‬اعتبر األستاذ عياض بن عاشور ّ‬
‫أن للقضاء اإلداري معنيين ‪ :‬معنى واسع‬
‫وآخر ضيّق‪.‬‬
‫في معناه الواسع‪ ،‬القضاء اإلداري هو جزء من القضاء العام‪ ،‬أي أنّه يشمل ّ‬
‫الطرق‬
‫ّ‬
‫والبت في النّزاعات اإلداريّة طبقا لقواعد القانون‬
‫القضائيّة التي يجري على مقتضاها النّظر‬
‫العادي وهو النّظام المعمول به في البالد األنجلوسكسونيّة‪.‬‬

‫توفيق بوعشبة ‪", 1‬مبادئ القانون اإلداري التونسي"‪ .‬مرجع سابق الذكر‪ .‬ص ‪.363‬‬
‫‪ 2‬توفيق بوعشبة‪ ،‬مرجع سابق الذكر‪ ،‬ص‪.364 – 363 .‬‬

‫‪13‬‬

‫القضاء اإلداري من خالل دستور ‪2014‬‬

‫أ ّما في معناه الضيّق‪ ،‬القضاء اإلداري يشمل ّ‬
‫صة التي يجري على‬
‫الطرق القضائيّة الخا ّ‬
‫ّ‬
‫صة غالبا ما تتميّز عن القانون‬
‫مقتضاها النّظر‬
‫والبت في النّزاعات اإلداريّة طبقا لقواعد خا ّ‬
‫المدني‪ ،‬وهو النّظام المعمول به في فرنسا‪.1‬‬
‫التصرف‬
‫األول على‬
‫ّ‬
‫وجب التمييز هنا بين قضاء اإلدارة والقضاء اإلداري‪ ،‬إذ يحتوي ّ‬
‫التصرف العمومي الخاص‬
‫العادي وهو راجع إلى نظر القضاء العدلي‪ ،‬أ ّما الثاني فيشمل‬
‫ّ‬
‫والراجع بالنّظر إلى‬
‫سلطة اآلمرة‬
‫باإلدارة العاملة في ميدان المرافق العموميّة أو بوسائل ال ّ‬
‫ّ‬
‫الهرم القضائي اإلداري‪.2‬‬
‫كما ّ‬
‫أن عبارة "القضاء اإلداري" مقتصرة في المصطلح المعمول به على معنى معيّن‬
‫ومحدود ال يشمل ك ّل القضايا والنوازل التي تكون اإلدارة طرفا فيها داعيا أو مدّعى عليه‪،‬‬
‫إذ ال يشمل ك ّل قضاء على اإلدارة‪ ،‬ولتكتمل صفة القضاء اإلداري فإنّه الب ّد من توفّر جملة‬
‫من الشروط المتعدّدة والمسايرة‪ ،‬منها ما يتعلّق بالجانب المادّي الذي يقتضي وجود‬
‫مجموعة من األحكام القانونيّة المتميّزة عن غيرها من حيث موضوعها ومحتواها‪ ،‬ومنها ما‬
‫األول بانفراد اإلجراءات‪ ،‬في‬
‫يتكون بدوره من فرعين ‪ :‬يهت ّم ّ‬
‫يتعلّق بالجانب الشكلي الذي ّ‬
‫حين يحيل الثاني على تخصيص القضاء‪.3‬‬
‫عرف على سبيل المثال الفقيهين الفرنسيين "‪"J. Rivero‬‬
‫في القانون المقارن‪،‬‬
‫ّ‬
‫صصة في الحكم في النّزاعات‬
‫و"‪ "J. Waline‬القضاء اإلداري بكونه "هيئة قضائيّة متخ ّ‬
‫اإلداريّة‪ ،‬بصورة منفصلة عن القضاء العدلي"‪.4‬‬
‫بقطع النّظر عن تعدّد التعريفات لمصطلح "القضاء اإلداري" فإنّه من الثابت ّ‬
‫أن هذا الجهاز‬
‫ليقوم بوظيفته على أكمل وجه (كضامن أساسي الحترام الشرعيّة عبر ممارسته لرقابة‬

‫‪ 1‬عياض بن عاشور‪" ،‬القضاء اإلداري وفقه المرافعات اإلداريّة في تونس"‪ ،‬مركز النشر الجامعي‪ ،‬الطبعة الثالثة‪ ،‬تونس ‪ ،2006‬المقدّمة العا ّمة‪،‬‬
‫ص‪.1 .‬‬
‫‪ 2‬عياض بن عاشور‪" ،‬القضاء اإلداري وفقه المرافعات اإلداريّة في تونس"‪ ،‬الطبعة الثانية منقّحة ومك ّملة‪, 1998،‬ص‪.36 .‬‬
‫‪Voir dans ce sens : T.C., 8 février, Blanco, G.A.J.A., 10ème édition, S. 1993, p. 1.‬‬
‫‪ 3‬عياض بن عاشور‪ ،‬نفس المرجع‪ ،‬أي الطبعة الثانية منقحة ومك ّملة‪ ,1998،‬ص‪.52 – 51 .‬‬
‫‪4‬‬
‫‪Rivero (J.) et Waline (J.), « Droit administratif », Dalloz, 16ème édition, 1996, p. 120.‬‬
‫‪« Une organisation juridictionnelle spécialisée dans le jugement des litiges administratifs et séparée des‬‬
‫‪juridictions judiciaires ».‬‬

‫‪14‬‬

‫القضاء اإلداري من خالل دستور ‪2014‬‬

‫سلطة التنفيذيّة بالقانون في مفهومه الواسع ابتداء من‬
‫قضائيّة فعليّة على مدى التزام ال ّ‬
‫مكونات دولة القانون والشرعيّة‪،‬‬
‫الدّستور وصوال للقوانين‪ ،‬وبالتّالي كأحد أبرز عناصر أو ّ‬
‫التي تفقد معناها إذا لم يكن الحاكم والمحكوم على سواء خاضعين لسلطان القانون ومبدأ‬
‫المشروعيّة‪ ،)1‬وجب أن يتمتّع بمرجعيّة دستوريّة قويّة ومتينة تضمن ديمومته واستقالليته‬
‫كجهاز قضائي وليس كجهاز إداري‪.‬‬
‫سسة ما ويعترف لها بجملة من االختصاصات بصفة‬
‫فحين‬
‫ينص الدّستور على وجود مؤ ّ‬
‫ّ‬
‫سلطة التنفيذيّة التشكيك في‬
‫صريحة بديهيا يكون من المستحيل على‬
‫المشرع وبصفة أق ّل ال ّ‬
‫ّ‬
‫وجودها‪ ،‬باعتبار ّ‬
‫أن الدّستور يمثّل الوثيقة العليا في هرم وسلّم القواعد القانونيّة التي وجب‬
‫على الجميع احترامها‪ ،‬ومن هنا تتأتّى األه ّمية الكبرى للدّستور وهو ما يدفعنا لتعريف هذا‬
‫المصطلح‪.‬‬
‫تعريف مصطلح الدّستور ‪:‬‬
‫يعرف الفقه الدّستوري مصطلح "الدّستور" باالستناد لمعيارين‪ :‬معيار شكلي وآخر‬
‫ّ‬
‫موضوعي‪.‬‬
‫فيما يتعلّق بالمعيار الشكلي فإنّه يعتمد في تحديد المعنى الفنّي أو االصطالحي لتعبير‬
‫الدّستور على الشكل أو المظهر الخارجي للقاعدة أو الجهة التي أصدرتها‪ .‬وتبعا لهذا‬
‫ّ‬
‫المنظمة للدّولة‪ ،‬التي صدرت في شكل‬
‫المعيار‪ ،‬يعني الدستور "مجموعة القواعد األساسيّة‬
‫صة بذلك‪ ،2‬أو مجموعة القواعد التي تتض ّمنها الوثيقة‬
‫وثيقة دستوريّة من ال ّ‬
‫سلطة المخت ّ‬
‫صة تختلف عن تلك‬
‫المس ّماة بالدّستور والتي ال يمكن أن تعدّل إالّ بعد إتباع إجراءات خا ّ‬
‫التي تتّبع في وضع وتعديل القانون العادي‪ ،‬وهو ما يعطيها قيمة قانونيّة تفوق بقيّة القواعد‪.3‬‬

‫‪ 1‬سامي جمال الدّين‪ " ,‬القضاء اإلداري و الرقابة على أعمال اإلدارة"‪ ,‬مرجع سابق الذكر‪ ،‬ص‪.9 .‬‬
‫‪ 2‬عثمان خليل عثمان‪" ،‬القانون الدستوري ‪:‬المبادئ الدستورية العامة و النظام الدستوري المصري "‪ ،‬الطبعة الخامسة‪ ,‬دار الفكر العربي‪,1955 ،‬‬
‫ص‪.19.‬‬
‫‪ 3‬أنظر في هذا الشأن ‪:‬‬
‫وتطور األنظمة الدستوريّة في مصر"‪ ،1971 ،‬ص‪.8 .‬‬
‫ ثروت بدوي‪" ،‬القانون الدّستوري‬‫ّ‬
‫ عبد الحميد متولّي‪" ،‬القانون الدستوري واألنظمة السياسيّة"‪ ،‬منشاة المعارف اإلسكندرية ‪ ،1966 ,‬ص‪.19 .‬‬‫ عبد الفتاح عمر‪" ،‬الوجيز في القانون الدستوري"‪ ،‬مركز الدراسات والبحوث والنشر‪ ،‬كلّية الحقوق والعلوم السياسيّة بتونس‪,1987 ،‬‬‫ص‪.199.‬‬

‫‪15‬‬

‫القضاء اإلداري من خالل دستور ‪2014‬‬

‫وعلى هذا النّحو‪ ،‬يعني الدستور "تبعا للمعيار الشكلي" الوثيقة الدستوريّة ذاتها بما تتض ّمنه‬
‫من أحكام وقواعد‪ ،‬ويترتّب على ذلك وجوب اعتبار ك ّل قاعدة منصوص عليها صلب هذه‬
‫الوثيقة قاعدة دستوريّة‪ ،‬بينما ال تعتبر كذلك ك ّل قاعدة لم تتض ّمنها هذه الوثيقة حتّى لو كانت‬
‫من حيث طبيعتها أو في جوهرها قاعدة دستوريّة‪ 1‬وبالتّالي يحيل هذا المعيار إلى ّ‬
‫أن بعض‬
‫الدّول مثل إنجلترا ليس بها دستور نتيجة العتمادها على قواعد دستوريّة ذات مصدر‬
‫عرفي‪ ،2‬لذلك وقع اعتباره معيارا قاصرا عن تحديد المعنى الفنّي أو االصطالحي لمصطلح‬
‫"الدّستور"‪ ،‬فوقع اللّجوء إلى معيار آخر مادّي أو موضوعي‪.‬‬
‫يعتمد هذا المعيار على موضوع أو مضمون أو جوهر القاعدة‪ ،‬وذلك دون نظر إلى شكلها‪،‬‬
‫يتصور أن ال يكون لك ّل دولة قواعد تتعلّق بنظام الحكم وسير سلطاتها العا ّمة‪.3‬‬
‫إذ ال‬
‫ّ‬
‫ولئن اتّفق الفقه الدّستوري في غالبيته على وجوب تغليب المعيار الموضوعي أو المادّي‬
‫على المعيار الشكلي في تحديد المعنى الفنّي أو االصطالحي للدّستور‪ ،‬إال أنّه لم يتّفق حول‬
‫تحديد ما يعتبر من الموضوعات دستوريا من حيث طبيعته أو في جوهره‪.‬‬
‫يرى الفقه الفرنسي على سبيل المثال في مجموعه ّ‬
‫أن الموضوعات التي تعتبر دستوريّة من‬
‫حيث طبيعتها أو في جوهرها هي تلك التي تتعلّق بنظام الحكم في الدّولة‪ ،‬فذهب األستاذ‬
‫"‪ "Lafarriere‬إلى ّ‬
‫أن هذه القواعد تل ّخص في تلك التي تبيّن طبيعة الدّولة‪ ،‬أي شكلها‪،‬‬
‫فتحدّد ما إذا كانت دولة مو ّحدة أو دولة اتّحاديّة‪ ،‬وتبيّن شكل الحكومة وما إذا كانت ملكيّة أو‬
‫سلطتين التشريعيّة‬
‫جمهوريّة‪ ،‬كما تتض ّمن المبادئ العا ّمة واألساسيّة التي تتعلّق بنظام ال ّ‬
‫والتنفيذيّة واختصاصاتها وكيفيّة ممارستها وما ينشأ بينهما من عالقات‪.4‬‬

‫‪-‬‬

‫‪André Hauriou, « Droit constitutionnel et institution politique », 1975, p. 322, « Au sens formel, la‬‬
‫‪constitution d’un pays est un ensemble de règles édictées et révisées selon une procédure spéciale et‬‬
‫‪supérieure à celle utilisée pour les autres règles juridiques ».‬‬
‫‪ 1‬يحي الجمل‪" ،‬النّظام الدّستوري في جمهوريّة مصر العربيّة مع مقدّمة في دراسة المبادئ الدستوريّة العا ّمة"‪ ،1971 ،‬ص‪.14 .‬‬
‫‪ 2‬مصطفى أبو زيد‪" ،‬ال ّنظام الدّستوري للجمهوريّة العربيّة المتّحدة"‪ ،1966 ،‬ص‪.75 .‬‬
‫‪3‬‬
‫‪André Hauriou, op. cit., p. 321.‬‬
‫‪4‬‬
‫‪E. Lafarriere, « Manuel de droit constitutionnel », 1947, p. 268.‬‬

‫‪16‬‬

‫القضاء اإلداري من خالل دستور ‪2014‬‬

‫وذهب األستاذ "‪ "Georges Vedel‬إلى ّ‬
‫أن هذه القواعد هي التي تحدّد كيفيّة تنظيم‬
‫ّ‬
‫المنظمة للدّولة‪.1‬‬
‫سلطة السياسيّة‪ ،‬وبعبارة أخرى مجموعة القواعد‬
‫ومباشرة ال ّ‬
‫هذا التعريف الذي يقوم على أساس المادّة الدّستوريّة وجوهرها دون االعتناء بشكلها‬
‫واإلجراءات التي اتّبعت لوضعها‪ ،‬يحيل ّ‬
‫أن لك ّل دولة دستور دون استثناء‪.2‬‬
‫بقطع النّظر عن تعدّد التعريفات لمصطلح "الدّستور"‪ ،‬ما يه ّمنا في هذا اإلطار هو عالقة‬
‫القضاء اإلداري في تونس بالدّستور‪،‬وهو ما يستدعي تسليط الضوء على المرجعية‬
‫الدستورية التي تمتع بها القضاء اإلداري على مر الدساتير التي عرفتها تونس‪(,‬كجهاز‬
‫مختص بالبت في النزاعات اإلدارية) ‪ ,‬مما يتطلب دراسة األهمية التاريخية لعالقة القضاء‬
‫اإلداري بالدستور في تونس‪.‬‬
‫األه ّمية التاريخيّة لعالقة القضاء اإلداري بالدّستور في تونس ‪:‬‬
‫مدون لها سنة ‪.1861‬‬
‫عرفت تونس ّأول دستور ّ‬
‫أقر ملكيّة دستوريّة وفرض على‬
‫تعلّق هذا الدّستور في درجة أولى بتنظيم سلطة الدّولة‪ ،3‬إذ ّ‬
‫سلطة السياسيّة في البالد تأثير بيّن في‬
‫الباي االلتزام بعهد األمان‪ ،‬وكان لهذا التنظيم لل ّ‬
‫مستوى اإلدارة‪.‬‬
‫ما يه ّمنا هنا ّ‬
‫تطرق لفكرة إخضاع اإلدارة للرقابة فأحدث "المجلس األكبر"‬
‫أن هذا الدّستور ّ‬
‫والرقابة النزاعيّة القضائيّة‪،‬‬
‫الرقابة النزاعيّة اإلداريّة‬
‫ّ‬
‫ومنه ت ّم التفريق صلب فصله ‪ 40‬بين ّ‬
‫وذلك تكريسا لنظريّة الوزير القاضي‪ ،‬كما ضبط إجراءات الشكوى ض ّد اإلدارة التي تختلف‬
‫الرقابة نزاعيّة إداريّة فإنّه يمكن رفع شكوى أمام اإلدارة ‪,‬‬
‫الرقابة‪ ،‬فإذا كانت ّ‬
‫بحسب طبيعة ّ‬
‫ّ‬
‫(ألن نظر الوزير‬
‫التي تنظر في النّزاع كنظر رئيس في فعل مرؤوسيه وليس كهيئة قضائيّة‬
‫‪Georges Vedel, « Cours de droit constitutionnel et d’institutions politiques », 1968 – 1969, p. 54.‬‬
‫‪Burdeau (G.), « Manuel de droit constitutionnel », 2ème édition, Paris, L.G.D.J., 1984, p. 60.‬‬
‫‪ 3‬أنظر في هذا اإلطار ‪:‬‬
‫‬‫‪Hachemi Jegham, « La constitution tunisienne de 1861 », mémoire en vue de l’obtention du diplôme‬‬
‫‪d’études supérieures (droit public), faculté de droit et des sciences politiques et économiques de Tunis,‬‬
‫‪1975.‬‬
‫‬‫‪Abdelfettah Amor, « La constitution tunisienne de 1861 », in Revue servir, 1974, n°2, p. 51 et s.‬‬
‫‪ -‬زهير المظفّر‪" ،‬القانون الدّستوري والمؤسّسات السياسيّة"‪ ،‬تونس‪ ،‬مركز البحوث والدراسات اإلداريّة‪ ،1992 ،‬ص‪.192 .‬‬

‫‪17‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫القضاء اإلداري من خالل دستور ‪2014‬‬

‫الرقابة النزاعيّة القضائيّة‬
‫في ذلك نظر آمر في فعل مأموره ال نظر مجلس حكم)‪ ،‬أ ّما ّ‬
‫فيضطلع بها المجلس األكبر وينظر في النّازلة كهيئة قضائيّة (وللشاكي إن لم ينصفه الوزير‬
‫أن يرفع تقرير شكايته للمجلس األكبر)‪.‬‬
‫وتجدر اإلشارة ّ‬
‫الرقابة النزاعيّة القضائيّة‪.1‬‬
‫الرقابة النزاعيّة اإلداريّة تسبق ّ‬
‫أن ّ‬
‫من خالل ما تقدّم‪ ،‬نتبيّن ّ‬
‫أن فيما يه ّم القضاء اإلداري وعالقته بدستور ‪ ،1861‬ال وجود‬
‫يختص في النّزاع اإلداري بأت ّم معنى الكلمة‪ ،‬باعتبار ّ‬
‫أن اإلدارة في‬
‫لهيكل قضائي مستق ّل‬
‫ّ‬
‫ذلك الوقت كانت الخصم والحكم في آن واحد‪ ،‬لذلك ّ‬
‫فإن القضاء اإلداري بمعناه الفنّي أو‬
‫الدّقيق لم يكن له أساس دستوري مع ذلك الدّستور الذي سرعان ما وقع إبطال العمل به‪ ،‬فلم‬
‫تتجاوز المدّة ثالثة سنوات‪ ،‬نتيجة للثّورة التي قام بها علي بن غذاهم سنة ‪ ،1864‬ومن ث ّم‬
‫فإنّه من ّ‬
‫الطبيعي ّ‬
‫أن عهد ما قبل الحماية ال يؤثّر تأثيرا مباشرا على القانون اإلداري الحالي‪،‬‬
‫ذلك ّ‬
‫أن قيام الحماية الفرنسيّة بصرف النّظر عن جوانبها السلبيّة المتعدّدة‪ , 2‬قد كان له‬
‫الدّور األوفر في تكييف القانون اإلداري الذي نعرفه اليوم‪ ،‬نتيجة لصدور عدّة نصوص‬
‫المؤرخ في ‪ 27‬نوفمبر‬
‫ي‬
‫ّ‬
‫قانونيّة على غاية من األه ّمية في تلك الفترة‪ ،‬أه ّمها األمر العل ّ‬
‫أقر بضرورة خضوع اإلدارة للقانون والقضاء‪ ،‬على األق ّل في جانب م ّما تأتيه‬
‫‪ 1888‬الذي ّ‬
‫من نشاطات‪.‬‬
‫وقد أجمع الفقه على اعتباره المنطلق الحقيقي للخصام اإلداري في تونس‪ ،3‬حيث أسند من‬
‫األول للمحاكم المدنيّة المنتصبة بالمملكة حسب حدود النّظر المعيّن لك ّل منها‬
‫خالل فصله ّ‬
‫صالحيّة النّظر في جميع المطالب التي مآلها التصريح ّ‬
‫ي‬
‫بأن اإلدارة مدينة‪ ...‬من جهة أ ّ‬
‫‪1‬‬
‫عمل صدر منها بغير ّ‬
‫الرابع‬
‫حق‬
‫وأضر بالغير‪ ،4‬لكن في مقابل ذلك منعها بمقتضى فصله ّ‬
‫ّ‬
‫من أن تنظر في مطالب مآلها إبطال عمل صدر من اإلدارة‪.‬‬
‫‪ 1‬البشير الت ّكاري‪"،‬مدخل إلى القانون اإلداري"‪ ,‬مرجع سابق الذكر‪ ،‬ص‪.50 .‬‬
‫‪ 2‬محمد رضا جنيح‪ "،‬القانون اإلداري"‪ ,‬مرجع سابق الذكر‪ ،‬ص‪.13 .‬‬
‫‪3‬‬
‫‪Ben Achour (S.), « La genèse du contentieux administratif tunisien », L’œuvre jurisprudentielle du Tribunal‬‬
‫‪administratif tunisien, C.E.R.P. 1990, p. 11.‬‬
‫‪4‬‬
‫األول من أمر ‪ 27‬نوفمبر ‪ 1888‬على "تعرض على المحاكم المنتصبة بالمملكة حسب حدود ال ّنظر المعيّن لك ّل منها جميع‬
‫ّ‬
‫ينص الفصل ّ‬
‫المطالب التي مآلها التصريح ّ‬
‫ي عمل‬
‫بأن اإلدارة مدينة إ ّما من جهة عدم عملها باالتّفاقات الواقعة معها أو من األشغال التي أذنت فيها أو من جهة أ ّ‬
‫صدر منها بغير ّ‬
‫وأضر بالغير‪ ،‬وتعرض أيضا على المحاكم المذكورة جميع الدّعاوى الموجّهة من الحكومات اإلداريّة على عا ّمة النّاس"‪.‬‬
‫حق‬
‫ّ‬

‫‪18‬‬

‫القضاء اإلداري من خالل دستور ‪2014‬‬

‫وبالتّالي‪ ،‬اقتصر دور المحاكم المدنيّة على النّظر في قضاء التعويض دون قضاء اإللغاء‬
‫الذي يعتبر جوهر القضاء اإلداري في معناه الحالي‪ ،‬وهو منع أثار الجدل واالستغراب‪،‬‬
‫فاعتبرته على سبيل المثال األستاذة سناء بن عاشور راجع العتبارات ظرفيّة راجعة إلدارة‬
‫الحماية آنذاك التي لم تكن مستعدّة لترى عملها يعرقل‪ ،‬أو ببساطة مراقب من طرف‬
‫القاضي سواء كان مدني أو إداري‪.2‬‬
‫بقطع النّظر عن الجدل الذي أحيط بهذا األمر‪ ،‬فمن الثّابت أنّه أحدث نظاما قضائيا يرتكز‬
‫على قضاء مو ّحد مع التفريق في المنازعات‪ ،‬وهو ما يعني رفض نظام االزدواجيّة‬
‫القضائيّة‪ ،‬وإسناد النّظر في المنازعات اإلداريّة للمحاكم العدليّة‪ ،‬ولكن مع مطالبتها بتطبيق‬
‫صنف من المنازعات‪.3‬‬
‫صة عند نظرها في هذا ال ّ‬
‫قواعد خا ّ‬
‫صص في الفصل‬
‫وبذلك‪ ،‬فإنّه على ضوء هذا األمر لم يكن هناك جهاز قضاء إداري متخ ّ‬
‫في النّزاعات اإلداريّة نتيجة رفض االزدواجيّة القضائيّة‪.‬‬
‫وتواصل هذا األمر لحدود سنة ‪ ،1959‬تاريخ صدور دستور الجمهوريّة التّونسيّة األولى‪.4‬‬
‫غرة جوان ‪ّ 1959‬أول أساس دستوري للقضاء اإلداري‪ ،‬حيث ت ّم التنصيص‬
‫يُع ّد دستور ّ‬
‫سدا في المحكمة اإلداريّة كرمز لهذا القضاء بامتياز بصورة‬
‫على القضاء اإلداري متج ّ‬
‫سادس من الدّستور‪ ،‬وتحديدا الفصل ‪ 57‬قديم‪ ،5‬والذي أصبح الفصل‬
‫صريحة في الباب ال ّ‬
‫‪1‬‬
‫الرابع من ذات األمر "ومن الممنوع أيضا على المحاكم المدنيّة أن تنظر في مطلب مآله إبطال عمل صدر من اإلدارة‪."...‬‬
‫ّ‬
‫ينص الفصل ّ‬
‫‪2‬‬
‫‪Ben Achour (S.), « Histoire d’un texte : Le décret beylical du 27 novembre 1888 sur le contentieux‬‬
‫‪administratif », contribution au colloque sur « Le centenaire du décret beylical de 1888 et le contentieux‬‬
‫‪administratif », C.E.R.P., 1988, p. 32.‬‬
‫‪« Le refus de déférer aux tribunaux civils la compétence en annulation tient à des considérations‬‬
‫‪conjoncturelles. L’administration protectrice n’étant pas prête à voir son œuvre entravée ou même tout‬‬
‫‪simplement contrôlée par le juge, quel qu’il soit civil ou administratif ».‬‬
‫‪3‬‬
‫‪Voir dans ce sens :‬‬
‫‬‫‪R. Chapus, « Aux sources du régime du contentieux administratif : du protocole franco-italien du‬‬
‫‪25/01 /1884 au décret beylical du 27 novembre 1888 », R.T.D. 1966 – 1967, p. 75.‬‬
‫‬‫‪H. Ben Salah, « La justice administrative au Maghreb », thèse pour le doctorat d’Etat en droit, faculté‬‬
‫‪de droit et des sciences politiques et économiques de Tunis, 1979.‬‬
‫‪4‬‬
‫الرائد الرسمي للجمهورية التونسية عدد ‪ 30‬بتاريخ ‪ 1‬جوان ‪.1959‬‬
‫‪5‬‬
‫غرة جوان ‪ 1959‬على "يتر ّكب مجلس الدّولة من هيئتين ‪:‬‬
‫ّ‬
‫ينص الفصل ‪ 57‬قديم من دستور ّ‬
‫ األولى ‪ :‬قضائيّة إداريّة تنظر في النّزاعات التي تنشأ بين األفراد من جهة‪ ،‬وبين الدّولة أو الجماعات العموميّة من جهة أخرى وفي‬‫تجاوز اإلدارة سلطتها‪.‬‬
‫ الثانية‪ :‬دائرة المحاسبات تتولّى مراجعة حسابات الدّولة وترفع تقريرا في ذلك إلى رئيس الجمهوريّة وإلى مجلس األ ّمة‪.‬‬‫ويحدّد القانون تركيبة مجلس الدّولة وإجراءاته ومشموالت أنظاره"‪.‬‬

‫‪19‬‬

‫القضاء اإلداري من خالل دستور ‪2014‬‬

‫المؤرخ في ‪ 27‬أكتوبر ‪،11997‬‬
‫‪ 69‬بعد أن نقّح بالقانون الدّستوري عدد ‪ 65‬لسنة ‪1997‬‬
‫ّ‬
‫سابق شامال‬
‫ليصبح التنصيص الدّستوري مقتصرا على الجانب الهيكلي بعد أن كان في ال ّ‬
‫للجانب الوظيفي واألساس الدّستوري لنظام االزدواجية القضائيّة ولوجود القضاء اإلداري‬
‫وقوانينه التنظيميّة جميعها‪.‬‬
‫المشرع التأسيسي آنذاك تبنّى نفس التو ّجه والتم ّ‬
‫سياق إلى ّ‬
‫شي‬
‫أن‬
‫وجب اإلشارة في هذا ال ّ‬
‫ّ‬
‫سلطة القضائيّة العدليّة‬
‫سلطة القضائيّة التي حصرها فقط في ال ّ‬
‫الفرنسي في المفهوم الضيّق لل ّ‬
‫الخاضعة بمفردها لرقابة المجلس األعلى للقضاء من النّاحية العضويّة والمهنيّة‪ ،‬ولرقابة‬
‫محكمة التعقيب من ناحية أداء الوظيفة القضائيّة‪.2‬‬
‫والدّليل على ذلك هو تنصيصه على المحكمة اإلداريّة في باب متعلّق بمجلس الدّولة مستق ّل‬
‫والروح التي سادت مناقشات‬
‫سلطة القضائيّة‪ ،‬وذلك راجع إلى الفلسفة القانونيّة‬
‫عن باب ال ّ‬
‫ّ‬
‫المقرر العام للدّستور التّونسي السيّد‬
‫المجلس التأسيسي آنذاك‪ ،‬فأحسن معبّر عنها هو تقرير‬
‫ّ‬
‫علي البلهوان‪ 3‬حيث جاء في توضيحاته حول الفصل ‪ 103‬عند مناقشة الجلسة العا ّمة يوم‬
‫سلطة القضائيّة مثال أن تنقض‬
‫سلط‪ ،‬ال يجوز لل ّ‬
‫‪ 6‬نوفمبر ‪" : 1958‬واحتراما لمبدأ تفريق ال ّ‬
‫كالمقررات أو التسميات وقرارات الترقية وأمور أخرى ته ّم‬
‫سلطة التنفيذيّة‬
‫أعمال ال ّ‬
‫ّ‬
‫التصرف اإلداري البحت"‪.4‬‬
‫ّ‬
‫هذه الفقرة هي دليل قاطع على ّ‬
‫أن األفكار العا ّمة التي كانت تخيّم على أعمال المجلس هي‬
‫نفس األفكار التي كانت سببا إلحداث مجلس الدّولة الفرنسي وبذلك كانت النيّة متّجهة إلنشاء‬
‫صة تكون صبغتها مزدوجة‪ ،‬أي أنّها قضائيّة ولكنّها موصولة عضويا بالهرم‬
‫محكمة مخت ّ‬
‫اإلداري‪ ،‬صفتها القضائيّة تقتضي أن تكون مستقلّة في سيرها وأحكامها وأالّ تقبل أوامر أو‬
‫سلطة الحكوميّة‪ ،‬وصفتها اإلداريّة تقتضي أن يكون‬
‫سلطة اإلداريّة وال من ال ّ‬
‫تعليمات من ال ّ‬
‫‪1‬‬
‫ينص الفصل ‪ 69‬من دستور ‪ 1959‬على‪" :‬يتر ّكب مجلس الدّولة من هيئتين‪:‬‬
‫ّ‬
‫‪ )1‬المحكمة اإلداريّة‪،‬‬
‫‪ )2‬دائرة المحاسبات‪.‬‬
‫يضبط القانون تنظيم مجلس الدّولة وهيئتيه‪ ،‬كما يحدّد مشموالت أنظارها واإلجراءات المتّبعة لديها‪.‬‬
‫‪ 2‬عياض بن عاشور‪ ،‬مرجع سابق الذكر‪ ،‬الطبعة الثانية منقحة ومك ّملة‪ ،1998 ،‬ص‪.17 .‬‬
‫الرسمي‪ 12 ،‬فيفري ‪ ،1958‬عدد ‪ ،3‬ص‪.46 .‬‬
‫الرائد ّ‬
‫‪ 3‬التقرير العام‪ّ ،‬‬
‫الرسمي‪ 19 ،‬نوفمبر ‪ ،1958‬عدد ‪ ،8‬ص‪.196 .‬‬
‫الرائد ّ‬
‫‪ّ 4‬‬

‫‪20‬‬

‫القضاء اإلداري من خالل دستور ‪2014‬‬

‫لها وصل عضوي بالهرم اإلداري‪ ،‬فتكون جزءا منه‪ ،‬ال تش ّكل سلطة دستوريّة منفردة‬
‫النص بمعانيه‬
‫سلطة القضائيّة العاديّة‪ ،‬إنّها محكمة لإلدارة‪ ،‬في اإلدارة‪ ،‬كما أدلى به‬
‫كال ّ‬
‫ّ‬
‫صريحة‪ ،‬إنّها محكمة يكون الحاكم فيها قاضيا وعامال إداريا‪.‬‬
‫الضمنيّة ومعانيه ال ّ‬
‫وبذلك أُريد للمحكمة اإلداريّة أن تكون محكمة لإلدارة في اإلدارة‪ ،‬وأن تتميّز بصفة القاضي‬
‫وبصفة العامل اإلداري‪ ،1‬كما ّ‬
‫أن إحداثها قد جاء بعد ‪ 13‬سنة كاملة من تنصيص الدّستور‬
‫عليها‪ ،‬وهو أمر يثير االستغراب والتع ّجب‪.‬‬
‫على خالف النّظرة التي كانت سائدة من قبل المجلس القومي التأسيسي لسنة ‪ 1956‬في‬
‫بتصور الوضع الذي سيكون عليه القضاء اإلداري صلب دستور ‪ ،1959‬تغيّرت‬
‫عالقة‬
‫ّ‬
‫هذه النّظرة بشكل جذري بعد الثورة التي شهدتها تونس‪ ،‬حيث قام المجلس الوطني‬
‫سلطة القضائيّة‬
‫التأسيسي المنتخب في ‪ 23‬أكتوبر ‪ 2011‬بإدماج القضاء اإلداري في باب ال ّ‬
‫وتحديدا صلب الباب الخامس من القانون التأسيسي الذي اعتبر آنذاك بمثابة الدّستور‬
‫غرة جوان ‪ ،21959‬وهو ما م ّهد لتكريس ذلك صلب‬
‫صغير نتيجة إللغاء العمل بدستور ّ‬
‫ال ّ‬
‫دستور الجمهوريّة الثانية الذي صدر بتاريخ ‪ 27‬جانفي ‪ 2014‬أي بعد ثالثة سنوات كاملة‬
‫من الثورة (والحال ّ‬
‫أن األجل القانوني إلنجازه كان يفترض سنة واحدة)‪.‬‬
‫بقطع النّظر عن ذلك‪ّ ،‬‬
‫تصورها للقضاء اإلداري‪،‬‬
‫فإن هذا الدّستور وفي عالقة بالنّظرة التي‬
‫ّ‬
‫يمكن اعتباره قد أحدث ثورة قانونيّة فعليّة لسببين رئيسيين‪:‬‬
‫األول هو تنصيصه على "مصطلح قضاء إداري‪ ،‬وليس "محكمة إداريّة في صيغة‬
‫ال ّ‬
‫سبب ّ‬
‫المفرد"‪ ،‬كما أنّه تجاوز اإلشكال الذي خلّفه دستور ‪ 1959‬حول طبيعة القضاء اإلداري إن‬
‫فبمجرد تنصيصه على هذا القضاء ضمن الباب الخامس المتعلّق‬
‫كان سلطة قضائيّة أم ال‪،‬‬
‫ّ‬
‫سلطة القضائيّة‪ ،‬فإنّه يتأ ّكد لنا ّ‬
‫أن القضاء اإلداري سلطة قضائيّة‪.‬‬
‫بال ّ‬

‫‪ 1‬عياض بن عاشور‪"،‬القضاء اإلداري و فقه المرافعات اإلدارية في تونس" ‪ ,‬مرجع سابق الذكر‪ ،‬الطبعة الثانية منقحة ومك ّملة‪ ,1998،‬ص‪24 .‬‬
‫– ‪.25‬‬
‫المؤرخ في ‪ 16‬ديسمبر ‪ 2011‬والمتعلّق بالتنظيم المؤقّت للسّلط العموميّة‪.‬‬
‫‪ 2‬القانون عدد ‪ 6‬لسنة ‪2011‬‬
‫ّ‬

‫‪21‬‬

‫القضاء اإلداري من خالل دستور ‪2014‬‬

‫نص عليها هذا الدّستور سواء تعلّق‬
‫وتنوع الضمانات التي‬
‫سبب الثاني فيتعلّق بتعدّد‬
‫أ ّما ال ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫األمر باستقالليّة القضاء كسلطة أو باالستقالل الشخصي أو الذاتي للقضاة‪ ،‬وسيقع تباعا‬
‫صلب جوهر هذا الموضوع تحليل مختلف هذه الضمانات التي تنسحب بدورها على القضاء‬
‫سلطة القضائيّة‪.‬‬
‫اإلداري باعتباره أصبح جزءا من ال ّ‬
‫من خالل ما تقدّم‪ ،‬نتبيّن ّ‬
‫تطورت‬
‫أن المرجعيّة الدّستوريّة للقضاء اإلداري في تونس قد‬
‫ّ‬
‫بشكل جوهري وملموس مع دستور ‪ 2014‬مقارنة بدستور ‪.1959‬‬
‫في القانون المقارن‪ ،‬على سبيل المثال القانون الفرنسي‪ ،‬ثار جدل فقهي كبير حول إشكاليّة‬
‫"تمتّع القضاء اإلداري الفرنسي بمرجعيّة أو أساس دستوري من عدمه"‪ ،‬حيث استنتج على‬
‫سبيل الذكر األستاذ "‪ّ "Louis Favoreu‬‬
‫أن القاضي اإلداري الفرنسي يتمتّع بأساس‬
‫الرأي على ضوء فقه قضاء المجلس الدّستوري‬
‫دستوري نسبي‪ ،‬وقد استخلص هذا ّ‬
‫الفرنسي‪ ،1‬الذي اعتبره األستاذ "‪ "R. Chapus‬قد أنهى سكوت النّصوص بفضل‬
‫استعماله سنة ‪ 1980‬و‪ 1987‬في القرارات التي أصدرها على توطئة الدّستور‪ ،‬تحديدا‬
‫األحكام المتعلّقة بالمبادئ األساسيّة التي اعترفت بها قوانين الجمهوريّة‪.2‬‬
‫وجب اإلشارة هنا إلى ّ‬
‫أن المجلس الدّستوري الفرنسي قد تدارك ولو بصورة متأ ّخرة غياب‬
‫أساس دستوري واضح وصريح للقضاء اإلداري الفرنسي صلب دستور ‪ 4‬أكتوبر ‪1958‬‬
‫سلطة القضائيّة الفرنسيّة في القضاء العدلي من خالل الفصل ‪ ،64‬وكان ذلك‬
‫الذي حصر ال ّ‬
‫في ثالث مناسبات ‪:‬‬
‫األولى ‪ :‬قرار ‪ 22‬جويلية ‪ ،31980‬وهو قرار اعترف فيه المجلس ّ‬
‫بأن استقالليّة القضاء‬
‫اإلداري وخاصيّة وظيفته معترف بهما منذ قانون ‪ 24‬ماي ‪ 1872‬بمقتضى "المبادئ‬
‫األساسيّة التي اعترفت بها قوانين الجمهوريّة " ‪Principes fondamentaux‬‬
‫‪ "reconnus par les lois de la république‬وهي مبادئ "داخلة في حلقة‬
‫‪1‬‬

‫‪L. Favoreu, « Le juge administratif a-t-il un statut constitutionnel ? », Mélanges offerts à J.M. Auby, Dalloz,‬‬
‫‪1992, p. 112.‬‬
‫‪2‬‬
‫‪R. Chapus, « Droit du contentieux administratif », Montchrestien, 2ème éd, 1990, p. 34.‬‬
‫‪3‬‬
‫‪Décision du C.C. n°80-119 du 22 juillet 1980, validation d’actes administratifs, A.J.D.A. 1980, p. 602, note‬‬
‫‪Carcassone.‬‬

‫‪22‬‬

‫القضاء اإلداري من خالل دستور ‪2014‬‬

‫دستوريّة" "‪ ,"Bloc de constitutionnalité‬وأضاف المجلس ّ‬
‫أن الحاكم اإلداري‬
‫المشرع وال من ّ‬
‫"قضاء" "‪ "Juridiction‬وأنّه ليس من ّ‬
‫حق الحكومة أن تنقض‬
‫حق‬
‫ّ‬
‫صادرة عن المحاكم أو أن تعطيها تعليمات أو أن تح ّل محلّها في فصل‬
‫القرارات ال ّ‬
‫النّزاعات‪.‬‬
‫الثانية ‪ :‬قرار ‪ 23‬جانفي ‪ ،11987‬حيث ظهرت قضيّة حول "مجلس المنافسة" ومعرفة‬
‫يحول النّظر في ّ‬
‫الطعون المو ّجهة ض ّد المجلس "وهو هيئة‬
‫للمشرع أن‬
‫هل أنّه يجوز‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫فأقر المجلس الدّستوري األحكام‬
‫إداريّة" إلى محكمة االستئناف وال إلى مجلس الدّولة‪،‬‬
‫ّ‬
‫اآلتية‪:‬‬
‫ ّ‬‫أقرا مبدأ تفريق‬
‫إن قانون ‪ 26 – 24‬أوت ‪ 1790‬وأمر فركتدور عام ‪ III‬اللّذان ّ‬
‫سلطتين ليس لهما في ذاتهما قيمة دستوريّة‪ ،‬إالّ أنّه "طبقا للمفهوم الفرنسي لتفريق‬
‫ال ّ‬
‫سلط‪ ،‬يع ّد ضمن المبادئ األساسيّة التي اعترفت بها قوانين الجمهوريّة أنّه ‪...‬‬
‫ال ّ‬
‫يرجع نهائيا إلى اختصاص القضاء اإلداري إلغاء أو تحوير القرارات التي اتّخذتها‬
‫سلطة التنفيذيّة وما تبعها من‬
‫سلط التي تمارس ال ّ‬
‫القوة العموميّة ال ّ‬
‫في نطاق مشموالت ّ‬
‫أعوانها‪ ،‬والجماعات الترابيّة للجمهوريّة أو الهيئات العموميّة المدرجة تحت سلطتها‬
‫للمشرع تسهيال لسير القضاء وفي مصلحته وتفاديا لتوزيع‬
‫أو رقابتها"‪ ،‬وأنّه يتسنّى‬
‫ّ‬
‫نفس النّزاعات على القضاء العدلي واإلداري أن يو ّحد قواعد االختصاص لفائدة أحد‬
‫الهرمين القضائيين‪.‬‬
‫الثالثة ‪ :‬قرار ‪ 28‬جويلية ‪ ،21989‬يتعلّق هذا القرار بدستوريّة القانون حول شروط إقامة‬
‫الطعن استعجاليا ض ّد قرار ّ‬
‫المشرع النّظر في ّ‬
‫الطرد‬
‫ودخول األجانب إلى فرنسا‪ ،‬وقد أسند‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫يبت في‬
‫الطلب للمجلس الدّستوري كي‬
‫لرئيس المحكمة االبتدائيّة العدليّة‪ ،‬فوقع رفع‬
‫فأقر‬
‫سلط بين ال ّ‬
‫دستوريّة القانون ومخالفته لمبدأ تفريق ال ّ‬
‫سلطة القضائيّة العدليّة واإلداريّة‪ّ ،‬‬
‫صادر سنة ‪ ،1987‬وبالخصوص ّ‬
‫أن إلغاء‬
‫المجلس ج ّل المبادئ التي وردت في قراره ال ّ‬
‫‪1‬‬

‫‪R.D.P. 1987, p. 1353, note Y. Gaudmet.‬‬
‫‪Bruno Genevois, « La compétence constitutionnelle du juge administratif et la police des étrangers », (A‬‬
‫‪propos de la décision du Conseil Constitutionnel n°489-261 DC du 28 juillet 1989), R.F.D.A. – 5 (4) Juillet – août‬‬
‫‪1989, p. 691.‬‬
‫‪2‬‬

‫‪23‬‬

2014 ‫القضاء اإلداري من خالل دستور‬

‫ طبقا لمبدأ أساسي اعترفت به قوانين‬،‫القرارات اإلداريّة من اختصاص القضاء اإلداري‬
‫ خالفا لمقتضيات‬،‫للمشرع لمصلحة القضاء أن يو ّحد االختصاص‬
‫ وأنّه يجوز‬،‫الجمهوريّة‬
ّ
ّ ‫المرة رأى‬
ّ ّ‫ إال‬،‫اختصاص القضاء اإلداري‬
‫يبرره‬
‫أن المجلس هذه‬
ّ ‫أن خرق المبدأ العام ال‬
ّ
ّ ‫شيء في‬
‫ وعلى هذا األساس يصبح هذا‬،‫صة المحيطة بالقانون المخدوش فيه‬
ّ ‫الظروف الخا‬
.‫القانون غير دستوري‬
‫في ذات السياق يتمتع على سبيل المثال القضاء اإلداري البلجيكي بأساس دستوري من‬
‫ نفس الشيء ينطبق على القضاء اإلداري‬, 1‫من دستور بلجيكا‬160 ‫خالل الفصل‬
‫ مكرر من دستور دولة‬95 ‫ مكرر و الفصل‬83 ‫من خالل الفصل‬

‫اللكسمبورغي‬

‫ أيضا القضاء اإلداري النمساوي من خالل‬.21996 ‫ جويلية‬12 ‫لكسمبورغ بعد تعديل‬
.3‫ من دستور النمسا‬136-129 ‫الفصول‬

1

L’article 160 : « Il y a pour toute la Belgique un Conseil d’Etat, dont la composition, la compétence et le
fonctionnement sont déterminés par la loi. Toutefois, la loi peut attribuer au Roi le pouvoir de régler la
procédure conformément aux principes qu’elle fixe.
Le conseil d’Etat statue par voie d’arrêt en tant que juridiction administrative et donne des avis dans les cas
déterminés par la loi ».
2
L’article 83bis, « Le conseil d’Etat est appelé à donner son avis sur les projets et propositions de loi et les
amendements qui pourraient y être proposés, ainsi que sur toutes autres questions qui lui seront déférées par
le Gouvernement ou par les lois. Sur les articles votés par la chambre conformément à l’article 65, il émet son
avis dans le délai fixé par la loi.
L’organisation du Conseil d’Etat et la manière d’exercer ses attributions sont réglées par la loi ».
L’article 95bis :
(1)Le contentieux administratif est du ressort du tribunal administratif et de la Cour administrative. Ces
juridictions connaissent du contentieux fiscal dans les cas et sous les conditions à déterminer par la loi.
(2)La loi peut créer d’autres juridictions administratives.
(3)La cour administrative constitue la juridiction suprême de l’ordre administratif.
(4)Les attributions et l’organisation des juridictions administratives sont réglées par la loi.
(5)Les magistrats de la Cour administrative et du tribunal administratif sont nommés par le Grand-duc.
La nomination des membres de la Cour administrative ainsi que des présidents et vice-présidents du tribunal
administratif se fait, sauf en ce qui concerne les premières nominations, sur avis de la Cour administrative.
(6)Les dispositions des articles 91, 92, et 93 sont applicables aux membres de la Cour administrative et du
tribunal administratif. ».
3
A titre d’exemple l’article 129, « the authorities competent to secure the legality of all acts of administration
are the independent administrative tribunals and the Administrative Court at Vienne ».

24

‫القضاء اإلداري من خالل دستور ‪2014‬‬

‫دائما في إطار القانون المقارن ‪ ,‬لكن هذه المرة في الدول العربية يتمتع على سبيل المثال‬
‫القضاء اإلداري الكويتي بأساس دستوري من خالل المادة ‪ 169‬و المادة ‪ 171‬من دستور‬
‫الكويت‪. 1‬‬
‫من خالل ما تقدّم‪ ،‬نتبيّن أه ّمية أن يكون للقضاء اإلداري أساسا دستوريا قويا ومتينا‪ّ ،‬‬
‫ألن‬
‫األول نحو إرساء قضاء إداري مستقل طبقا للمعايير الدوليّة‬
‫ذلك يش ّكل اللّبنة وحجر األساس ّ‬
‫للمحاكمة العادلة واستقالل القضاء‪ ،‬وال يتحقّق ذلك إالّ على ضوء ما سيوفّره الدّستور من‬
‫ضمانات‪ ،‬وهو ما يدفعنا لتسليط الضوء على األه ّمية النظريّة ومن ث ّم العمليّة لموضوع‬
‫"القضاء اإلداري من خالل دستور ‪."2014‬‬
‫األه ّمية النظريّة ‪:‬‬
‫على المستوى النّظري‪ ،‬تكتسي دراسة القضاء اإلداري من خالل دستور ‪ 2014‬أه ّمية‬
‫كمكون‬
‫بالغة باعتبارها ستكشف النّقاب عن المكانة التي يحتلّها هذا الجهاز صلب الدّولة‬
‫ّ‬
‫سسات التي تفقد معناها إذا لم يخضع الحاكم بدوره‬
‫مكونات دولة القانون والمؤ ّ‬
‫أساسي من ّ‬
‫كالمحكوم لسلطان القانون‪.‬‬
‫ومن هنا نتبيّن الدّور والمسؤوليّة الكبيرة المناطة بعهدة القضاء اإلداري كسلطة مكلّفة‬
‫بممارسة رقابة قضائيّة على ما تأتيه اإلدارة من أعمال في جزء من نشاطاتها وتحديدا‬
‫سلطة العا ّمة وتستعمل امتيازاتها لتسيير مختلف المرافق العا ّمة‪.‬‬
‫عندما تلبس ثوب ال ّ‬
‫هذه المسؤوليّة تستدعي بدورها تسليط الضّوء على ما وفّره دستور ‪ 2014‬من ضمانات‬
‫ليقوم القضاة اإلداريين بواجبهم على أكمل وجه‪ ،‬والمقصود هنا الضمانات التي تتعلّق‬
‫باستقالل القضاء اإلداري كسلطة‪ ،‬وأيضا الضمانات التي تتعلّق باالستقالل الشخصي‬
‫للقضاة اإلداريين‪ ،‬أي الضمانات في عالقة بالبعدين الهيكلي والوظيفي أو في عالقة بالبعدين‬

‫‪ 1‬تنص المادة ‪ 169‬على " ينظم القانون الفصل في الخصومات اإلدارية بواسطة غرفة أو محكمة خاصة يبين القانون نظامها و كيفية ممارستها‬
‫للقضاء اإلداري شامال و الية اإللغاء و والية التعويض بالنسبة إلى القرارات اإلدارية المخالفة للقانون"‪.‬‬
‫تنص المادة ‪ 171‬على " يجوز بقانون إنشاء مجلس دولة يختص بوظائف القضاء اإلداري و اإلفتاء و الصياغة المنصوص عليها في المادتين‬
‫السابقتين"‪.‬‬

‫‪25‬‬

‫القضاء اإلداري من خالل دستور ‪2014‬‬

‫سساتي والشخصي الستقالل القضاء طبقا للمعايير الدوليّة‪ ،‬وك ّل ذلك بطبيعة الحال في‬
‫المؤ ّ‬
‫غرة جوان ‪.1959‬‬
‫مقارنة بما كان سائد أو موجود في ظ ّل دستور ّ‬
‫األه ّمية العملية ‪:‬‬
‫على المستوى التطبيقي أو العملي‪ ،‬دراسة موضوع "القضاء اإلداري من خالل دستور‬
‫‪ "2014‬على غاية من األه ّمية أيضا‪ ،‬باعتبارها ستكشف النّقاب عن مدى تطابق وتالؤم‬
‫صة‬
‫القوانين التي سيقع إصدارها في عالقة مباشرة أو غير مباشرة بالقضاء اإلداري (خا ّ‬
‫المشاريع المتواترة للقانون األساسي المتعلق بالمجلس األعلى للقضاء ‪,‬باعتبار أن القانون‬
‫حاليا غير موجود ) مع روح الضمانات التي جاء بها الدّستور‪ ،‬بعبارة أخرى هل ّ‬
‫أن‬
‫مشاريع هذا القانون ستعكس في مضامينها تطابقا مع ما جاء به الدّستور من ضمانات أم‬
‫ستنحرف عنها ؟‬
‫وهو ما يحيلنا إلى فكرة ها ّمة تتعلّق بالدّستور كوثيقة عليا في هرم وسلّم القواعد القانونيّة‪،‬‬
‫سواء‪ ،‬سواء تعلّق األمر بالحاكم أو المحكوم‪.‬‬
‫من المفترض أن يحترمها الجميع على ح ّد ال ّ‬
‫كما ّ‬
‫أن دراسة الجانب العملي تم ّكننا أيضا من تسليط الضّوء على نقائص ضمانات استقالليّة‬
‫سلطة التنفيذيّة أو‬
‫القضاء اإلداري من خالل دستور ‪ ،2014‬سواء كان ذلك في عالقة بال ّ‬
‫سلطة التشريعيّة أو في عالقة بالفرد كطرف في النّزاع‪.‬‬
‫في عالقة بال ّ‬
‫ك ّل هذه االعتبارات تدفعنا لطرح اإلشكاليّة التّالية ‪:‬‬
‫أي ضمانات الستقالل ّية القضاء اإلداري من خالل دستور ‪ 2014‬؟‬
‫ّ‬
‫لإلجابة عن هذه اإلشكاليّة‪ ،‬و جب دراسة هذه الضمانات في عالقة بالبعدين الهيكلي‬
‫التطرق في جزء ّأول‬
‫والوظيفي الستقالليّة القضاء اإلداري كمنظومة متكاملة‪ ،‬ليقع‬
‫ّ‬
‫للضمانات الدستوريّة الهيكليّة‪ ،‬التي من شأنها أن تدعّم االستقالليّة الهيكليّة للقضاء اإلداري‬
‫(جزء ّأول)‪ ،‬و في جزء ثاني للضمانات الدّستوريّة الوظيفيّة‪ ،‬التي من شأنها أن تدعّم‬
‫االستقالليّة الوظيفيّة للقضاء اإلداري (جزء ثاني)‪.‬‬

‫‪26‬‬

‫القضاء اإلداري من خالل دستور ‪2014‬‬

‫األول‪:‬‬
‫الجزء ّ‬
‫ضمانات دستوريّة هيكليّة‬

‫‪27‬‬

‫القضاء اإلداري من خالل دستور ‪2014‬‬

‫سسة ما وتعترف‬
‫تقر بوجود مؤ ّ‬
‫الضمانات الدستوريّة هي مجموع األحكام الدستورية التي ّ‬
‫سسة ما بصفة‬
‫يكرس الدّستور‬
‫لها بجملة من االختصاصات‪ ،‬فعندما‬
‫ويقر بوجود مؤ ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫سلطة التنفيذيّة التشكيك في‬
‫صريحة‪ ،‬بديهيا يكون من المستحيل على‬
‫المشرع وبصفة أق ّل ال ّ‬
‫ّ‬
‫وجودها‪ 1‬باعتبار ّ‬
‫أن الدستور يمثّل الوثيقة العليا في هرم وسلّم القواعد القانونيّة التي وجب‬
‫على الجميع احترامها‪.‬‬
‫في هذا اإلطار وبالحديث عن القضاء اإلداري ّ‬
‫فإن وجود أساس دستوري لهذا األخير‬
‫سسة‪ ،‬استقالليّة ال يمكن‬
‫يكتسي أه ّمية كبرى وذلك بهدف ضمان ديمومة واستقالليّة هذه المؤ ّ‬
‫سد على أرض الواقع إالّ من منطلق تكريس الدّستور لجملة من الضمانات بهدف‬
‫أن تتج ّ‬
‫أقره دستور ‪ 2014‬من خالل تكريس جملة من‬
‫إرساء قضاء إداري مستقل وهو ما ّ‬
‫األول) أو‬
‫الضمانات الدستورية الهيكليّة سواء بإرساء جهاز قضاء إداري متكامل (الفصل ّ‬
‫بإرساء هيكل مكلّف بضمان استقالليّة القضاء اإلداري (الفصل الثاني)‪.‬‬

‫األول‪ :‬إرساء جهاز قضاء إداري متكامل‬
‫الفصل ّ‬
‫ي جهاز قضائي‪ ،‬عدليا كان أو إداريا‪ ،‬فإنّه الب ّد من شرطين‪: 2‬‬
‫من الثابت أنّه لقيام أ ّ‬
‫‪ -1‬تعدّد الهياكل القضائيّة حسب نظام هرمي يجعلها خاضعة لمحكمة عليا ووحيدة‪،‬‬
‫‪1‬‬

‫‪Aida Zayani : « les bases constitutionnelles de la juridiction administrative en Tunisie », Mémoire pour‬‬
‫‪l’obtention du Diplôme des études approfondies en Droit Public et commerce international, faculté de droit de‬‬
‫‪Sfax, Année universitaire 1999-2000.p4. « L’ors qu’ ’une institution est consacrée par la constitution, il serait‬‬
‫‪en principe impossible au législateur et encore moins l’exécutif, de mettre en cause son existence ».‬‬
‫‪ 2‬البشير الت ّكاري ‪" :‬محاضرات في القانون اإلداري للسّنة الثانية حقوق"‪ ،‬كلّية الحقوق والعلوم االقتصاديّة والسياسيّة بسوسة‪.1991-1990 ،‬‬

‫‪28‬‬

‫القضاء اإلداري من خالل دستور ‪2014‬‬

‫‪ -2‬إقرار اختصاص عام وشامل لمحاكم الدّرجة األولى‪.‬‬
‫تتكون من‬
‫في هذا اإلطار‪ّ ،‬‬
‫يعرف األستاذ "‪ "Chapus‬الجهاز القضائي بأنّه "وحدة مستقلّة ّ‬
‫عدّة هيئات قضائيّة تش ّكل نظاما هرميا على رأسه هيأة عليا تسهر على حسن تطبيق القانون‬
‫من طرف تلك الهيئات‪ 1‬وترتبط أه ّمية الرقابة القضائيّة في ظ ّل نظام الثنائيّة القضائيّة‬
‫صعيد العضوي‪ ،‬أي مجموعة الهياكل التي تمارس‬
‫بوجود قضاء إداري مستقل‪ 2‬على ال ّ‬
‫بواسطتها الوظيفة القضائيّة‪.3‬‬
‫سابق لم يكن هناك جهاز قضاء إداري‬
‫استنادا لهذا التعريف‪ ،‬نالحظ أنّه مع دستور ‪ 1959‬ال ّ‬
‫متكامل نتيجة إنشاء مجلس دولة يتر ّكب من محكمة إداريّة ودائرة المحاسبات (الفصل ‪57‬‬
‫قديم من دستور ‪ )1959‬الذي وقع تنقيحه ليصبح الفصل ‪ 69‬من نفس الدستور‪.4‬‬
‫سلط من المبادئ التي و ّجهت أعمال المجلس القومي التأسيسي أثناء‬
‫ويُع ّد مبدأ الفصل بين ال ّ‬
‫مناقشة مشروع الدّستور لسنة ‪ 1959‬إلحداث محكمة إداريّة حيث اعتبر أنّه في ظ ّل‬
‫سلط ونظريّة‬
‫التحجير المسلّط على القضاء للنّظر في المادّة اإلداريّة وأخذا بنظريّة تفريق ال ّ‬
‫"قضاء اإلدارة عمل إداري" ّ‬
‫صة ذات صبغة مزدوجة‬
‫فإن الح ّل يبقى في إنشاء محكمة مخت ّ‬
‫تقتضي صبغتها القضائيّة أن تكون مستقلّة في حين تفترض صبغتها اإلداريّة أن يكون لها‬
‫ارتباط عضوي باإلدارة‪ .‬وبذلك ّ‬
‫فإن المحكمة اإلداريّة ال تش ّكل سلطة دستوريّة منفردة‬
‫سلطة القضائيّة العدليّة‪ ،‬بل إنّها محكمة لإلدارة في اإلدارة‪.5‬‬
‫كال ّ‬

‫‪1‬‬

‫‪Chapus (R) : « Droit du contentieux administratif », 5ème éd., Montchrestien, 1995, p. 85.‬‬
‫‪« Un ordre juridictionnel est une entité autonome, composée d’une pluralité de juridictions formant un ordre‬‬
‫‪hiérarchisé couronné par une instance suprême chargée de la bonne application du droit par les tribunaux ».‬‬
‫‪2‬‬
‫‪Braibant (G.) et Stirn (B.) : « Le droit administratif Français », presses de sciences politiques, Dalloz, 4ème éd.‬‬
‫‪1977, p. 449.‬‬
‫‪3‬‬
‫‪Baccouche (N.) : « Pour une réorganisation de la justice administrative Tunisienne »Etudes juridiques de Sfax,‬‬
‫‪n°3, 1993-1994, p. 139.‬‬
‫غرة جوان ‪ ،1959‬الفصل ‪" : 69‬يتر ّكب مجلس الدّولة من هيئتين ‪:‬‬
‫‪ 4‬دستور ّ‬
‫ المحكمة اإلداريّة‪،‬‬‫ دائرة المحاسبات‪.‬‬‫يضبط القانون تنظيم مجلس الدّولة وهيئتيه‪.‬‬
‫‪5‬‬

‫عياض بن عاشور ‪" :‬القضاء اإلداري وفقه المرافعات اإلداريّة بتونس"‪،‬الطبعة األولى ‪ ,‬دار سراس للنّشر ‪,1995 ،‬ص‪.27 .‬‬

‫‪29‬‬

‫القضاء اإلداري من خالل دستور ‪2014‬‬

‫هذا ولم يقع إحداث المحكمة اإلداريّة إالّ بعد مرور أكثر من ‪ 10‬سنوات من تنصيص‬
‫بالرغم من أه ّمية هذا القانون فإنّه‬
‫غرة جوان ‪ّ ،1972‬‬
‫الدّستور عليها وذلك بمقتضى قانون ّ‬
‫لم يتم ّكن من تكريس مبدأ تفريق الهيئتين العدليّة واإلداريّة إالّ بصفة جزئيّة‪ ،‬فعالوة على أنّه‬
‫واصل العمل بمقتضيات أمر ‪ 1888‬الذي اعتبره البعض خارقا لمبدأ تفريق الهيئتين‪ 1‬أبقى‬
‫قانون ‪ 1‬جوان ‪ 1972‬على اختصاصات واسعة للقاضي العدلي في المادّة اإلداريّة‪.‬‬
‫لذلك وخالل ك ّل تلك الفترة ال يمكن الحديث عن ازدواجيّة قضائيّة فعليّة (قضاء عدلي‬
‫وقضاء إداري) باعتبار ّ‬
‫سابق لمحكمة إداريّة واحدة في صيغة‬
‫أن إرساء دستور ‪ 1959‬ال ّ‬
‫المفرد ال يش ّكل جهازا قضائيا إداريا متكامال‪.‬‬
‫مقارنة بالتجارب المقارنة على سبيل المثال القانون الفرنسي نالحظ ّ‬
‫أن الوضعيّة لم تكن‬
‫مختلفة عن ماهو موجود في تونس بل كانت تونس على المستوى الدّستوري متقدّمة على‬
‫فرنسا باعتبار أن للقضاء اإلداري التّونسي أساس دستوري صريح من خالل دستور ‪1959‬‬
‫سد في ‪ :‬المحكمة اإلداريّة كرمز للقضاء اإلداري بامتياز‪ ،‬في حين ّ‬
‫أن الوضع في‬
‫متج ّ‬
‫فرنسا مختلف‪ ،‬فالمجلس الدّستوري الفرنسي هو الذي تد ّخل وأنهى الجدل الفقهي بإعطائه‬
‫للقضاء اإلداري الفرنسي أساسا دستوريا في عديد القرارات كان أه ّمها في ‪ 22‬جويلية‬
‫‪.21980‬‬
‫لكن الفرق بين فرنسا وتونس يكمن في ّ‬
‫ّ‬
‫أن القضاء اإلداري الفرنسي يُعتبر جهازا قضائيا‬
‫متكامال‪ ،‬رغم ّ‬
‫سدا في مجلس الدّولة كقاضي‬
‫أن الدّستور الفرنسي لم‬
‫ينص عليه صراحة متج ّ‬
‫ّ‬
‫إداري أعلى‪,3‬ومجموعة من المحاكم اإلداريّة‪ 4‬ومحاكم استئناف إداريّة عددها ‪ 8‬أُحدثت‬
‫المشرع الفرنسي بتكريسه‬
‫بقانون ك ّل منها لديها اختصاص ترابي محدّد‪ 5‬ت ُ ّوج من قبل‬
‫ّ‬
‫غرة‬
‫صلب مجلّة واحدة وهي مجلّة القضاء اإلداري الفرنسيّة التي دخلت حيّز التنفيذ في ّ‬
‫‪1‬‬

‫‪Ben Aïssa (M. S.) : « Le décret Beylical du 27 novembre 1888 et le principe de séparation des autorités‬‬
‫‪administrative et judiciaire », centenaire du décret Beylical du 27 novembre 1888 et le contentieux‬‬
‫‪administratif : C.E.R.P. 1992, p. 66.‬‬
‫‪2‬‬
‫‪Décision du C.C. n°80-119 du 22 juillet 1980, validation d’actes administratifs, A.J.D.A. 1980, p. 602.‬‬
‫‪3‬‬
‫‪Bernard Stirn : « Conseil d’Etat : organisation – fonctionnement », Lexis Nexis SA, 2011, p. 15.‬‬
‫‪4‬‬
‫‪Antoine Béal, « Tribunaux Administratifs : organisation-fonctionnement »,LexisNexis SA-2012, p.1.‬‬
‫‪5‬‬
‫‪Antoine Béal : « Cours administratives d’appel, organisation – fonctionnement », Lexis Nexis SA 2012.p.1.‬‬

‫‪30‬‬

‫القضاء اإلداري من خالل دستور ‪2014‬‬

‫بالرغم من أنّه قام بتنقيح قانون ‪ 1‬جوان‬
‫جانفي ‪ ،12001‬على عكس‬
‫المشرع التّونسي الذي ّ‬
‫ّ‬
‫المؤرخ في ‪ 21‬جويلية ‪ 1983‬الذي جاء ليدعّم الوظيفة االستشاريّة‬
‫‪ 1972‬بمقتضى القانون‬
‫ّ‬
‫للمحكمة اإلداريّة لكنّه لم يرتق بها إلى مرتبة الجهاز القضائي‪ ،2‬لتأتي اإلصالحات‬
‫الجوهريّة على النّظام القانوني الذي يحكم القضاء اإلداري مع قوانين ‪ 3‬جوان ‪1996‬‬
‫لتدعيم منظومة القضاء اإلداري من خالل تطوير االزدواجيّة القضائية ‪,‬حيث مثّل إحداث‬
‫المؤرخ في ‪ 3‬جوان‬
‫مجلس تنازع االختصاص بمقتضى القانون عدد ‪ 38‬لسنة ‪1996‬‬
‫ّ‬
‫صريحة إلى وجود جهازين‬
‫‪ 1996‬خطوة ها ّمة نحو االزدواجيّة‪ ،‬إذ يُعتبر بمثابة اإلشارة ال ّ‬
‫قضائيين منفصلين ومستقلّين عن بعضهما البعض جهاز قضائي عدلي من جهة وجهاز‬
‫قضائي إداري من جهة أخرى‪.‬‬
‫رغم هذه اإلصالحات‪ّ ،‬‬
‫فإن جهاز القضاء اإلداري لم يضاهي الجهاز القضائي العدلي على‬
‫المستوى الهيكلي فبقي جهاز منقوص إلى حدود تاريخ ‪ 27‬جانفي ‪ 2014‬تاريخ صدور‬
‫الدّستور الجديد للجمهوريّة التونسيّة الذي كان وليد الثورة التي قام بها ال ّ‬
‫شعب التّونسي‬
‫وليس وليد إرادة سياسيّة في إصالح مختلف المنظومات التي كانت تشكوا قبل الثورة عديد‬
‫النقائص والسلبيات ومن بينها منظومة القضاء اإلداري‪.‬‬
‫في قراءة أوليّة لألحكام الدستوريّة الجديدة المتعلّقة بالقضاء اإلداري نالحظ ّ‬
‫أن دستور‬
‫سابقة‪ ،‬إذ أصبح‬
‫‪ 2014‬أعاد االعتبار للقضاء اإلداري الذي كان مه ّمشا طوال الفترة ال ّ‬
‫باإلمكان الحديث عن جهاز قضائي متكامل شأنه في ذلك شأن القضاء العدلي ويتجلّى ذلك‬
‫سلطة القضائيّة المو ّحدة‬
‫سواء من خالل التنصيص على القضاء اإلداري كجزء من ال ّ‬
‫األول) أو من خالل تكريس المركزيّة القضاء اإلداري (المبحث الثاني)‪.‬‬
‫(المبحث ّ‬
‫سلطة القضائيّة المو ّحدة‬
‫األول‪ :‬التنصيص على القضاء اإلداري كجزء من ال ّ‬
‫المبحث ّ‬
‫سلطة القضائيّة حيث حصرها في‬
‫تبنّى‬
‫المشرع التّونسي مع دستور ‪ 1959‬المفهوم الضيّق لل ّ‬
‫ّ‬
‫القضاء العدلي ال غير‪ ،‬فضال عن كونه هو الوحيد الخاضع لرقابة المجلس األعلى للقضاء‬
‫‪Bernard Stirn, article précité, p. 3.‬‬
‫‪Midoun (M.) : « La réforme du tribunal administratif de Tunisie », revue intégration, 1984, p. 32.‬‬

‫‪31‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫القضاء اإلداري من خالل دستور ‪2014‬‬

‫من النّاحية العضويّة والمهنيّة ولرقابة محكمة التعقيب من ناحية أداء الوظيفة القضائيّة‪ ,‬أي‬
‫ّ‬
‫الحق طبقا للقاعدة القانونيّة‪ ,‬والدّليل ّ‬
‫سلطة القضائيّة كانت مقتصرة على القضاء‬
‫قول‬
‫أن ال ّ‬
‫العدلي هو ّ‬
‫األول لسلط قضائيّة ال عدليّة تحت عنوان‬
‫أن دستور ‪ 1959‬خ ّ‬
‫صص بابين‪ّ ،‬‬
‫خاص بالقضاء العدلي وهو ما جعل الفقه‬
‫مجلس الدّولة بتركيبته (الفصل ‪ ،1)69‬وباب‬
‫ّ‬
‫سلطة القضائيّة المنصوص عليها في الدّستور ليست "سلطة تواكب أو‬
‫يذهب إلى اعتبار ال ّ‬
‫سلطتين التشريعيّة والتنفيذيّة" بل هي "سلطة مصغّرة" من بين جهات قضائيّة‪.‬‬
‫تقابل ال ّ‬
‫ك ّل ذلك كان له تأثير مباشر على االستقالليّة الهيكليّة للقضاء اإلداري باعتبار أنّه ولئن أفرد‬
‫سسة دستوريّة مستقلّة‪ ،‬فإنّه لم‬
‫غرة جوان مجلس الدّولة بباب‬
‫خاص جاعال منه مؤ ّ‬
‫ّ‬
‫دستور ّ‬
‫مكونات مجلس الدّولة ورمز القضاء‬
‫يتم ّكن من جعل المحكمة اإلداريّة باعتبارها أحد‬
‫ّ‬
‫سلطة القضائيّة العدليّة‪ ،‬على‬
‫اإلداري التّونسي بامتياز سلطة قضائيّة دستوريّة منفردة مثل ال ّ‬
‫سلطة القضائيّة المو ّحدة وذلك‬
‫خالف دستور ‪ 2014‬الذي اعتبر القضاء اإلداري جزء من ال ّ‬
‫سواء من خالل تنصيصه على القضاء اإلداري كجهاز قضائي (الفقرة األولى) أو من خالل‬
‫تنصيصه على استقالليّة القضاء اإلداري كجهاز قضائي (الفقرة الثانية)‪.‬‬
‫الفقرة األولى‪ :‬تنصيص الدستورعلى القضاء اإلداري كجهاز قضائي ‪:‬‬
‫ظلّت الوظيفة القضائيّة في بالدنا مح ّل جدل بين مقاربتين نشطتا على مدى الفترة الممتدّة‬
‫بين كتابة دستور الجمهوريّة األولى ودستور الجمهوريّة الثانية‪.‬‬
‫المقاربة األولى هي مقاربة القضاء المرفق وهي مقاربة تتّخذ من القانون اإلداري مرجعيّة‬
‫سلطة التنفيذيّة تديره وتشرف عليه وتسهر‬
‫لها فمرفق العدالة كغيره من المرافق هو شأن ال ّ‬
‫على حسن أدائه‪ .‬وقد تبنّت الجمهوريّة األولى هذه المقاربة من خالل إشراف وزارة العدل‬
‫على إدارة المحاكم التّابعة لها وكذلك إشراف رئاسة الحكومة على حسن سير القضائين‬
‫اإلداري والمالي‪.‬‬

‫‪1‬‬

‫غرة جوان ‪.1959‬‬
‫الفصل ‪ 69‬سابق الذكر من دستور ّ‬

‫‪32‬‬

‫القضاء اإلداري من خالل دستور ‪2014‬‬

‫سلطة وهي مقاربة تتّخذ من نظريّة الفصل بين‬
‫أ ّما المقاربة الثانية‪ ،‬فهي مقاربة القضاء ال ّ‬
‫سلطتين التشريعيّة‬
‫سلط والقانون الدّستوري مرجعا لها‪ ،‬فالقضاء سلطة مستقلّة عن ال ّ‬
‫ال ّ‬
‫سلط‪ ،‬وقد انتصر دستور‬
‫والتنفيذيّة مع افتراض آليّة للمراقبة طبق مقتضيات نظريّة توازن ال ّ‬
‫نص الدّستور الجديد‬
‫الجمهوريّة الثانية لمشروع القضاء ال ّ‬
‫سلطة الذي كان مطلبا وطنيا‪ ،‬فقد ّ‬
‫في توطئته على تأسيس نظام جمهوري ديمقراطي تشاركي قائم على مبدأ "الفصل بين‬
‫سلطة‬
‫سلطات والتوازن بينها"‪ ،‬ث ّم جاء الباب الخامس من الدّستور تحت عنوان "ال ّ‬
‫ال ّ‬
‫سلطة على المستويين الهيكلي والوظيفي‪ ،1‬حيث‬
‫القضائيّة" معلنا والدة مشروع القضاء ال ّ‬
‫نص الفصل ‪ 102‬من دستور ‪ 2014‬على ّ‬
‫أن "القضاء سلطة مستقلّة"‪ 2‬على خالف دستور‬
‫ّ‬
‫ي فصل من فصوله على ّ‬
‫أن‬
‫‪ 1959‬ال ّ‬
‫سابق‪ ،‬إذ لم يقع التنصيص بصفة صريحة صلب أ ّ‬
‫القضاء هو سلطة مستقلّة‪ ،‬بل ّ‬
‫أن الفصل ‪ 65‬منه اكتفى باعتبار "القضاة مستقلّون" دون‬
‫شاب دستور ‪ 31959‬وإشارة أنّه ال يعترف للقضاء‬
‫اعتبارهم بمثابة سلطة وهو نقص‬
‫َ‬
‫مجرد أفراد‪.4‬‬
‫سسة وإنّما يعتبره‬
‫بوضع المؤ ّ‬
‫ّ‬
‫سابقة (منذ استقالل البالد سنة ‪ ) 1956‬اعتبار القضاء‬
‫كنتيجة لذلك‪ ،‬ت ّم على امتداد الفترة ال ّ‬
‫مجرد نفوذ شبيه بالنّفوذ اإلداري‬
‫سلطة التنفيذيّة وتابعة لها‪ ،5‬فهو‬
‫بمثابة سلطة مرتبطة بال ّ‬
‫ّ‬
‫سلطة التشريعيّة أو التنفيذيّة ليصبح كما‬
‫سلطة التنفيذيّة وال يصل إلى مستوى ال ّ‬
‫تديره ال ّ‬
‫ّ‬
‫يتجزأ من اإلدارة‪.6‬‬
‫وصفه أحد الكتّاب التّونسيين جزء ال‬
‫في هذا اإلطار وباعتبار ّ‬
‫سلطة التنفيذيّة‬
‫أقر بالقضاء كسلطة إلى جانب ال ّ‬
‫أن الدّستور الجديد ّ‬
‫والتشريعيّة واعتبر ّ‬
‫سلطة تنسحب عليه األحكام‬
‫أن القضاء اإلداري هو جزء من هذه ال ّ‬
‫سلطة التنفيذيّة على‬
‫صة من قبل ال ّ‬
‫الدستوريّة المتعلّقة بها‪ ،‬فإنّه وجب التعامل في المستقبل خا ّ‬
‫رأسها اإلدارة مع القضاء اإلداري كجهاز قضائي متكامل ومستقل بأت ّم معنى الكلمة وليس‬
‫‪ 1‬وثيقة شرح األسباب المتعلقة بمشروع قانون أساسي يتعلق بالمجلس األعلى للقضاء عدد‪ 2015-16‬بتاريخ ‪ 12‬مارس ‪ 2015‬محال من الحكومة‬
‫على مجلس نواب الشعب‪.‬ص‪ .1‬انظر الملحق عدد‪.3‬‬
‫والحريات"‪.‬‬
‫‪ 2‬الفصل ‪ 102‬من دستور ‪" : 2014‬القضاء سلطة مستقلّة تضمن إقامة العدل وعلويّة الدّستور وسيادة القانون وحماية الحقوق‬
‫ّ‬
‫‪ 3‬رياض الجمل ‪" :‬استقالليّة القضاء اليوم"‪ ،‬بحوث ودراسات قانونيّة عدد ‪ ،2011 ،06‬ص‪.97 .‬‬
‫ّللا هاللي ‪" :‬استقالل القضاء بين األلم‪ ...‬واألمل"‪ ،‬مجلّة األخبار القانونية عدد ‪ ،121/120‬أكتوبر ‪ ،2011‬ص‪.34 .‬‬
‫‪ 4‬عبد ّ‬
‫‪5‬‬
‫‪Mohamed Salah Ben Aïssa : « La compétence exclusive du Conseil Supérieur de la Magistrature en matière‬‬
‫‪disciplinaire : quand le conseil constitutionnel brise la jurisprudence du tribunal administratif », Mélanges en‬‬
‫‪hommage à Dali Jazi, Tunis CPU 2010, p. 169.‬‬
‫‪6‬‬
‫‪.p. 41.‬اا ‪La justice partie intégrale de l’administration, revue tunisienne de droit,1977 ,‬‬

‫‪33‬‬

‫القضاء اإلداري من خالل دستور ‪2014‬‬

‫سابق‪ ،‬وهو ما من شأنه أن يدعّم االستقالليّة‬
‫كجهاز تابع لإلدارة كما كان يحصل في ال ّ‬
‫الهيكليّة للقضاء اإلداري سواء بإنهاء تبعيّة المحكمة اإلداريّة للوزارة األولى (أ) أو بإنهاء‬
‫التبعية اإلدارية للقضاة اإلداريين (ب)‪.‬‬
‫أ‪ -‬إنهاء تبعيّة المحكمة اإلداريّة للوزارة األولى ‪:‬‬
‫باعتبار ّ‬
‫أن جهاز القضاء اإلداري في تونس لم يكن جهازا متكامال نتيجة اختزاله في محكمة‬
‫إداريّة واحدة في تونس العاصمة‪ ،‬فمن البديهي أن يقع اعتبار ّ‬
‫أن في استقالليّة المحكمة‬
‫اإلداريّة استقالليّة للقضاء اإلداري عموما‪ ،‬غير ّ‬
‫أن هذه االستقالليّة كانت منقوصة تجاه‬
‫اإلدارة ويعود ذلك باألساس إلى ضبابيّة مجلس الدّولة التّونسي مقارنة بمجلس الدّولة‬
‫النص الدّستوري المنشأ لمجلس الدّولة وهو الفصل ‪ 69‬من‬
‫الفرنسي وتضارب القوانين مع‬
‫ّ‬
‫نص على وحدة مجلس‬
‫عوض الفصل ‪ 57‬من نفس الدّستور‪ 1‬كفصل ي ّ‬
‫دستور ‪ 1959‬الذي ّ‬
‫الدّولة من خالل وجود هيكل مو ّحد يض ّم ك ّل من المحكمة اإلداريّة ودائرة المحاسبات‬
‫األول سنة ‪ 1968‬المتعلّق بإنشاء دائرة‬
‫وقانون يحدّد تركيبته‪ ،‬غير أنّه صدر قانونين‪ّ ،‬‬
‫المحاسبات‪ 2‬والثاني سنة ‪ 1972‬المتعلّق بإنشاء المحكمة اإلداريّة‪ 3‬التي جاءت لتك ّمل‬
‫المسار الدّستوري نحو تونس المستقلّة‪.4‬‬
‫سلطة التأسيسيّة‬
‫كنتيجة لذلك وبصدور هذين القانونين‪ ،‬يكون‬
‫المشرع قد حاد عن إرادة ال ّ‬
‫ّ‬

‫‪5‬‬

‫يتفرع إلى‬
‫سابق الذي اقتضى إحداث هيكل واحد‬
‫وقد خالف الفصل ‪ 69‬من الدّستور ال ّ‬
‫ّ‬
‫هيئتين وليس لمحكمتين منفصلتين ومستقلتين‪.‬‬
‫ك ّل ذلك يشير إلى ضبابيّة مصطلح "مجلس الدّولة" في القانون التّونسي الذي ال يفيد نفس‬
‫المعنى الذي نجده في القانون الفرنسي‪ .‬هذه الضبابيّة ت ّم تجاوزها من خالل دستور ‪2014‬‬
‫سابق ليخصص فرعا‬
‫الذي تخلّى عن مصطلح "مجلس الدّولة" كمصطلح جاء به الدّستور ال ّ‬
‫‪ 1‬الفصل ‪ 69‬سابق الذكر من دستور ‪ 1959‬السّابق‪.‬‬
‫المؤرخ في ‪ 8‬مارس ‪ 1968‬المتعلّق بتنظيم دائرة المحاسبات‪.‬‬
‫‪ 2‬القانون عدد ‪ 8‬لسنة ‪1968‬‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫المتعلق بالمحكمة اإلداريّة‪.‬‬
‫المؤرخ في ‪ 1‬جوان ‪1972‬‬
‫‪1972‬‬
‫‪ 3‬القانون عدد ‪ 40‬لسنة‬
‫ّ‬
‫‪4‬‬
‫‪Ben Achour (Y.) : « La juridiction administrative en Tunisie », revue intégration n°9, 1979, p. 9.‬‬
‫‪5‬‬
‫‪Belaïd (S.) : « Le droit administratif tunisien d’aujourd’hui », l’œuvre jurisprudentielle du T.A.T., C.E.R.P. 1990,‬‬
‫‪p. 161.‬‬

‫‪34‬‬

‫القضاء اإلداري من خالل دستور ‪2014‬‬

‫الرابع‬
‫يخص القضاء اإلداري وهو الفرع الثالث‪ ،‬وفرع‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫يخص القضاء المالي وهو الفرع ّ‬
‫سلطة القضائيّة‪.‬‬
‫ضمن الباب الخامس المتعلّق بال ّ‬
‫إضافة إلى الضبابيّة التي كانت تحيط بمصطلح "مجلس الدّولة" في القانون التّونسي‪ ،‬وقع‬
‫أمر مثير لالستغراب يعكس ّ‬
‫الطريقة التي وقع التعامل بها مع المحكمة اإلداريّة كجزء من‬
‫سسة عموميّة تتمتّع‬
‫مجلس الدّولة والقضاء اإلداري عموما‪ ،‬وهو اعتبار مجلس الدّولة مؤ ّ‬
‫سسة دستوريّة مستقلّة وذلك من خالل‬
‫بالشخصيّة القانونيّة واالستقالل المالي‪ ،1‬وليس مؤ ّ‬
‫قانون الماليّة لسنة ‪.1972‬‬
‫فعالوة على ّ‬
‫أن هذا القانون مخالف للدّستور فإنّه يعكس الخلفيّة التي كانت تتعامل بها‬
‫سلطة التنفيذيّة آنذاك مع المحكمة اإلداريّة وهي إحكام القبضة عليها لتكون تابعة لإلدارة‬
‫ال ّ‬
‫سلط ليقع تمرير القوانين التي تخدم‬
‫مستغلّة في تلك الفترة هيمنة حزب واحد على ك ّل ال ّ‬
‫مصلحتها‪.‬‬
‫سسة عموميّة‪ ،‬كان من البديهي أن تفتقر المحكمة‬
‫كنتيجة للتعامل مع مجلس الدّولة كمؤ ّ‬
‫أن ذلك ال يتالءم مع ّ‬
‫اإلداريّة كجزء من مجلس الدّولة لالستقالليّة الماليّة باعتبار ّ‬
‫الطبيعة‬
‫مقومات االستقالليّة المنصوص عليها في المواثيق الدوليّة‪.2‬‬
‫الدستوريّة للمجلس ويتنافر مع ّ‬
‫لتصرف سنة ‪ 1973‬لتبعيّة‬
‫ويتجلّى ذلك من خالل تكريس الفصل ‪ 18‬من قانون الماليّة‬
‫ّ‬
‫المحكمة اإلداريّة إداريا وماليا للوزارة األولى عبر إلحاق ميزانيتها ترتيبيا بميزانيّة الدّولة‪،‬‬
‫األول ال إلى‬
‫بل ذهب إلى أبعد من ذلك بإسناد سلطة اإلذن بالقبض وال ّ‬
‫صرف إلى الوزير ّ‬
‫مفوضة بصريح الفقرة الثانية من‬
‫األول الذي ال ي ّ‬
‫تصرف في هذا المجال إالّ كسلطة ّ‬
‫رئيسها ّ‬
‫نفس الفصل‪.‬‬
‫األول للمحكمة اإلداريّة في ظ ّل الفصل ‪ 12‬قديم من‬
‫كنتيجة لذلك‪ ،‬وبعد أن كان ّ‬
‫الرئيس ّ‬
‫القانون عدد ‪ 67‬لسنة ‪ 1972‬المتعلّق بتسيير المحكمة اإلداريّة‪ ،1‬هو الذي يتولّى التع ّهد‬
‫لتصرف سنة ‪.1973‬‬
‫المؤرخ في ‪ 1972/12/27‬المتعلّق بقانون الماليّة‬
‫‪ 1‬الفصل ‪ 18‬من القانون عدد ‪ 87‬لسنة ‪1972‬‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫‪ 2‬ندوة علميّة لجمعيّة القضاة التونسيين حول "االستقالل المالي واإلداري للسّلطة القضائيّة"‪ ،‬مجلة األخبار القانونية عدد ‪ , 149/ 148‬جانفي‬
‫‪ , 2013‬ص‪.37‬‬

‫‪35‬‬

‫القضاء اإلداري من خالل دستور ‪2014‬‬

‫الحواالت في شأنها‪ ،‬وقع تجريده من هذه الصالحية‬
‫بالمصاريف وتصفيتها وتحرير‬
‫ّ‬
‫األول بموجب الفصل ‪ 18‬من قانون الماليّة لتصرف سنة ‪ ،1973‬وفي‬
‫وإسنادها إلى الوزير ّ‬
‫ذلك تعارض كلّي مع مجلّة المحاسبة العموميّة الذي يقتضي فصلها ‪ 238‬بأن يتولّى مدير‬
‫سسة العموميّة مه ّمة آمر لمقابيضها ومصاريفها‪.‬‬
‫المؤ ّ‬
‫ك ّل هذه التناقضات في مجال التنظيم المالي للمحكمة اإلداريّة أدّى إلى تبعيتها الكاملة‬
‫ّ‬
‫بحق ك ّل‬
‫أقرت‬
‫لل ّ‬
‫سلطة التنفيذيّة وفي ذلك تعارض تام مع مقتضيات المعايير الدوليّة‪ 2‬التي ّ‬
‫إنسان في التقاضي أمام محكمة مستقلّة ومحايدة‪.3‬‬
‫وعلى هذا األساس شدّد المجلس االستشاري للقضاة األوروبيين في رأيه عدد ‪ 2‬بتاريخ ‪23‬‬
‫نوفمبر ‪ 2001‬على ّ‬
‫أن االستقالليّة الماليّة للقضاء تقتضي أن يكون له ميزانيّة ذاتيّة يقع‬
‫تحديدها من قبل مجلس أعلى منتخب وأن يكون مقدار الميزانيّة المذكورة كافيا بشكل يحقّق‬
‫ّ‬
‫البت في النّزاعات‪.4‬‬
‫حسن سير العمل القضائي ويقلّص من آجال‬
‫في هذا اإلطار نتبيّن ّ‬
‫سابق‪ ،‬اتّجه نحو تحقيق الح ّد‬
‫أن دستور ‪ 2014‬وعلى خالف الدّستور ال ّ‬
‫األدنى من متطلّبات المعايير الدوليّة الستقالل القضاء في خصوص ضمان االستقالليّة‬
‫صت الفقرة الثانية من الفصل ‪ 113‬من الدّستور الجديد على أن‬
‫اإلداريّة والماليّة‪ ،‬حيث ن ّ‬
‫نواب‬
‫"يع ّد المجلس األعلى للقضاء مشروع ميزانيّته ويناقشه أمام اللّجنة المخت ّ‬
‫صة بمجلس ّ‬
‫ال ّ‬
‫نص الفصل ‪ 114‬على ّ‬
‫أن "المجلس يضمن حسن سير القضاء واحترام‬
‫شعب"‪ ،‬كما‬
‫ّ‬
‫استقالله"‪ ،‬وهو ما من شأنه أن يساهم في تجاوز المحكمة اإلداريّة لتبعيتها الماليّة واإلداريّة‬
‫للوزارة األولى من خالل سهر المدير العام للوظيفة العموميّة بالوزارة األولى على تسيير‬
‫أعوان هذه المحكمة وأعضائها‪.5‬‬

‫ّ‬
‫المتعلق بتسيير المحكمة اإلداريّة وضبط القانون األساسي‬
‫المؤرخ في ّأول أوت ‪1972‬‬
‫‪ 1‬الفصل ‪ 12‬قديم من القانون عدد ‪ 67‬لسنة ‪1972‬‬
‫ّ‬
‫ألعضائها‪.‬‬
‫‪ 2‬محمد سليم المزوغي ‪" :‬االستقالليّة الماليّة للمحكمة اإلداريّة"‪ّ ،‬‬
‫مجلة األخبار القانونية عدد ‪ ،149/148‬جانفي ‪ ،2013‬ص‪.33 .‬‬
‫‪ 3‬الفصل ‪ 10‬من اإلعالن العالمي لحقوق اإلنسان والفصل ‪ 14‬من الميثاق العالمي للحقوق المدنيّة والسياسيّة‪.‬‬
‫‪ 4‬محمد سليم المزوغي ‪" :‬االستقالليّة الماليّة للمحكمة اإلداريّة"‪ ،‬مقال سابق الذكر‪ ،‬ص‪.33 .‬‬
‫‪ 5‬توفيق بوعشبة‪": ،‬مبادئ القانون اإلداري التونسي"‪ ،‬مرجع سابق الذكر ص‪.341 .‬‬

‫‪36‬‬

‫القضاء اإلداري من خالل دستور ‪2014‬‬

‫ينص على‬
‫القضاء اإلداري لم يكن قضاء بأت ّم معنى الكلمة في دستور ‪ 1959‬الذي كان‬
‫ّ‬
‫"المحكمة اإلداريّة" وال يستعمل مصطلح "قضاء إداري" خالفا لدستور ‪ ،2014‬الذي أصبح‬
‫سلطة القضائيّة‪،‬بعد أن كان مع دستور ‪1959‬‬
‫من خالله القضاء اإلداري مدسترا في باب ال ّ‬
‫سلطة القضائيّة وهو باب متعلّق بمجلس الدّولة‪.‬‬
‫منصوص عليه في باب مستقل عن باب ال ّ‬
‫المكرسة لسائر القضاة‪،‬‬
‫من تبعات ذلك تمتيع قضاة المحكمة اإلداريّة بضمانات االستقالليّة‬
‫ّ‬
‫سابق حيث كانت حتّى صفة القاضي مح ّل ارتباك في القانون عدد ‪ 67‬لسنة ‪1972‬‬
‫خالفا لل ّ‬
‫المؤرخ في ّأول أوت ‪ 1972‬المتعلّق بتسيير المحكمة اإلداريّة وضبط القانون األساسي‬
‫ّ‬
‫ألعضائها‪،‬إذ لم يستعمل القانون مصطلح قاضي إالّ في الفصل ‪ 36‬منه‪ ،‬كان يستعمل‬
‫مصطلح "عضو المحكمة اإلداريّة" وهي مرجعيّة فرنسيّة باألساس تعكس التعامل مع قطاع‬
‫العدالة كمرفق عام تتكفّل الدّولة بتنظيمه وتشرف على تسييره‪ .1‬كنتيجة لذلك وقع التعامل‬
‫ّ‬
‫كموظفين عموميين وهي وضعية لن تدوم باعتبار أن تنصيص‬
‫مع القضاة اإلداريين‬
‫الدستور الجديد على القضاء اإلداري كجزء من السلطة القضائية من شانه أن يساهم في‬
‫إنهاء التبعية اإلدارية للقضاة اإلداريين( ب)‬

‫ب‪-‬‬

‫إنهاء التبعية اإلدارية للقضاة اإلداريين ‪:‬‬

‫تتنوع الن ُ‬
‫ظم القائمة الختيار القضاة وتعيينهم في أنحاء العالم‪ ،‬ويمكن للمرء أن يميّز بشكل‬
‫ّ‬
‫سلطة التشريعيّة أو التنفيذيّة) مثلما هو‬
‫عام التعيينات السياسيّة (حيث تقوم باالختيار ال ّ‬
‫معمول به على سبيل المثال في فرنسا وتونس‪ ،‬والتعيينات بانتخابات شعبيّة مثلما هو‬
‫معمول به على سبيل المثال في الواليات المتّحدة األمريكيّة وسويسرا والتعيينات الجماعيّة‬
‫(تقوم بها أجهزة مؤلّفة من القضاة فقط)‪ ،‬واالختيار عن طريق المجالس القضائيّة المتعدّدة‬
‫الطاهر الحمدي‪" ،‬الوظيفة القضائيّة"‪ ،‬مذ ّكرة لنيل شهادة الدراسات المع ّمقة في القانون الخاص‪ّ ،‬‬
‫‪ 1‬محمد ّ‬
‫كلية الحقوق والعلوم السياسيّة بتونس‪،‬‬
‫‪ ،1996-1995‬ص‪.50 .‬‬

‫‪37‬‬

‫القضاء اإلداري من خالل دستور ‪2014‬‬

‫متنوعة من النّظم المختلطة حيث يكون الجهاز الذي ير ّ‬
‫شح من نوع‬
‫التمثيل‪ ،‬أو مجموعة‬
‫ّ‬
‫(مجلس القضاء على سبيل المثال) والجهاز المكلّف بالتعيينات من طبيعة مختلفة (جهاز‬
‫التنوع يعكس اختالف الدّول في أسلوب التعيين‬
‫التعيينات السياسيّة على سبيل المثال)‪ .1‬هذا ّ‬
‫الذي تراه محقّقا الستقالليّة القضاء‪.2‬‬
‫ي طريقة من هذه ّ‬
‫الطرق طبقا للمعايير‬
‫ما يه ّمنا في هذا اإلطار هو تفضيل القانون الدّولي أل ّ‬
‫الدوليّة الستقالل القضاء من ناحية‪ ،‬ومن ناحية أخرى ربطها بما يوجد في تونس‪ ،‬وك ّل ذلك‬
‫بطبيعة الحال في عالقة مباشرة بطريقة انتداب أو تسمية القضاة اإلداريين‪.‬‬
‫والمقرر‬
‫صدد‪ ،‬أعربت لجنة مناهضة التعذيب واللّجنة المعنيّة بحقوق اإلنسان‬
‫ّ‬
‫في هذا ال ّ‬
‫سلطة‬
‫الخاص لألمم المتّحدة في عدّة تقارير عن البعثات القطريّة عن القلق من أن يكون لل ّ‬
‫التنفيذيّة قول الفصل في اختيار القضاة وتعيينهم‪ ،‬بالنّظر إلى الخطر الذي تنطوي عليه هذه‬
‫البنية فيما يتعلّق بحماية حقوق األفراد أمام الدّولة‪.3‬‬
‫من هنا نتبيّن ّ‬
‫سلطة التنفيذيّة في اختيار وتعيين القضاة ال يتماشى مع‬
‫أن التد ّخل المباشر لل ّ‬
‫المعايير الدوليّة الستقالل القضاء ورغم ذلك فقد وقع اعتماد هذه الطريقة في القانون‬
‫األول للمحكمة اإلداريّة أو‬
‫التّونسي فيما‬
‫ّ‬
‫يخص القضاة اإلداريين سواء تعلّق األمر ّ‬
‫بالرئيس ّ‬
‫بباقي أعضاء المحكمة‪.‬‬
‫سسة أصدق تعبير على‬
‫الرئاسة األولى للمحكمة اإلداريّة‪ ،‬تمثّل هذه المؤ ّ‬
‫على مستوى ّ‬
‫الوضع المتأرجح للقضاء اإلداري بين االستقالليّة الوظيفيّة (ولو بصورة نسبيّة) والتبعيّة‬
‫العضويّة لإلدارة‪ ،‬بما يجعله قريبا من اإلدارة حاميا المتيازاتها‪ . 4‬حيث يخضع تعيين‬
‫ينص الفصل ‪ 14‬جديد من‬
‫سلطة التقديريّة لإلدارة إذ‬
‫األول للمحكمة اإلداريّة لل ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫الرئيس ّ‬
‫األول بمقتضى أمر‬
‫القانون األساسي المتعلّق بالمحكمة اإلداريّة على أن "يت ّم تعيين ّ‬
‫الرئيس ّ‬
‫ّ‬
‫موظفي الدّولة أو من بين أعضاء المحكمة‬
‫األول من بين سامي‬
‫يصدر باقتراح من الوزير ّ‬
‫المقرر الخاص المعني باستقالل القضاة والمحامين‪ 24,A/HRC / 11/ 41‬مارس‪ ،2009,‬ص‪.8 .‬‬
‫‪ 1‬الجمعيّة العا ّمة لألمم المتّحدة‪" ،‬تقرير‬
‫ّ‬
‫‪ 2‬سليمان محمد الطماوي‪" ،‬السّلط الثالث في الدساتير العربيّة المعاصرة وفي الفكر السياسي اإلسالمي"‪ ،‬دراسة مقارنة‪ ،‬مطبعة جامعة عين‬
‫شمس‪ ،‬الطبعة ‪ ،1986 ،5‬ص‪.329 .‬‬
‫المقرر الخاص المعني باستقالل القضاة والمحامين‪ ،‬تقرير سابق الذكر‪ ،‬ص‪.9 .‬‬
‫‪ 3‬الجمعيّة العا ّمة لألمم المتّحدة‪ ،‬تقرير‬
‫ّ‬
‫‪4‬‬
‫‪Jenayeh (R.), « Le sursis à exécution des décisions administratives », RTD, 1977, p. 59.‬‬

‫‪38‬‬

‫القضاء اإلداري من خالل دستور ‪2014‬‬

‫سلطة السياسيّة في مجال اختيار‬
‫سلطة التقديريّة التي تتمتّع بها ال ّ‬
‫اإلداريّة"‪ 1‬وهو ما يعكس ال ّ‬
‫لرئاسة األولى للمحكمة‪.2‬‬
‫من تراه وحدها مناسبا لمنصب ا ّ‬
‫ّ‬
‫سامي بأنّه ك ّل عون عمومي يقوم بوظائف فيها قدر‬
‫في هذا اإلطار يمكن تعريف‬
‫الموظف ال ّ‬
‫من النّفوذ والتوجيه‪ ،‬ويقع تعيينه بطريقة تقديريّة‪ ،3‬هذه ّ‬
‫الطريقة تمت ّد حتّى للمدّة التي سيبقى‬
‫ّ‬
‫سامي أو عضو المحكمة اإلداريّة في رئاسة المحكمة‪ ،‬كنتيجة لذلك سلطة‬
‫فيها‬
‫الموظف ال ّ‬
‫ي‬
‫مطلقة لل ّ‬
‫سلطة التي تولّت أمر التعيين‪ ،‬تُتيح لها عزل ّ‬
‫الرئيس ّ‬
‫األول للمحكمة اإلداريّة في أ ّ‬
‫الرئيسة األولى للمحكمة‬
‫وقت تشاء وهو ما حدث بالفعل في عدّة مناسبات‪ ،‬آخرها عزل ّ‬
‫ّ‬
‫اإلداريّة‪ ،‬وك ّل ذلك يبرز ّ‬
‫األول من جهة‪ ،‬والستقالليّة المحكمة‬
‫الطابع الهش‬
‫لخطة ّ‬
‫الرئيس ّ‬
‫اإلداريّة من جهة أخرى‪ ،4‬ويتعارض مع الوظيفة القضائيّة التي تفترض في صاحبها ح ّد‬
‫األول ّ‬
‫وأن ّ‬
‫صة ّ‬
‫خطة‬
‫خطة ّ‬
‫أدنى من االستقرار عمال بمبدأ عدم القابليّة للعزل‪ ،‬خا ّ‬
‫الرئيس ّ‬
‫الرئيسي الذي يضطلع به في تسيير شؤون وأعمال المحكمة اإلداريّة‪،‬‬
‫ح ّ‬
‫ساسة نظرا للدّور ّ‬
‫لذلك ّ‬
‫سلطة السياسيّة وهو ما يجعل‬
‫فإن أكبر خطر يهدّدها هو تسييسها لغاية خدمة مآرب ال ّ‬
‫ّ‬
‫سلطة‬
‫بالخطة تحت الضّغط‬
‫المكلّف‬
‫والرقابة من قبل الجهة التي عيّنته والمقصود هنا ال ّ‬
‫ّ‬
‫صدد‬
‫التنفيذيّة‪ ،5‬م ّما يتعارض مع المعايير الدوليّة الستقالل القضاء حيث أوصى في هذا ال ّ‬
‫المقرر الخاص أن‬
‫صادر عن‬
‫التقرير ال ّ‬
‫ّ‬
‫سنوي للجمعيّة العا ّمة لألمم المتّحدة لسنة ‪ 2009‬ال ّ‬
‫ي محكمة معيّنة بتعيين رئيس المحكمة الخاص بهم‪.6‬‬
‫يقوم قضاة أ ّ‬
‫سلطة التنفيذيّة‪ ،‬تبعيّة تمت ّد‬
‫من خالل ما تقدّم‪ ،‬نتبيّن تبعيّة الرئاسة األولى للمحكمة اإلداريّة لل ّ‬
‫أيضا ألعضاء هذه المحكمة من خالل انسحاب آليّة التعيين على ك ّل األعضاء وفي ذلك ح ّد‬
‫مقومات المحاكمة العادلة‬
‫من استقالليّة المحكمة اإلداريّة تجاه اإلدارة وهو ما ال يتماشى مع ّ‬
‫المؤرخ في ‪ 24‬جويلية ‪.2001‬‬
‫‪ 1‬كما ت ّم تنقيحه بالقانون األساسي عدد ‪ 78‬لسنة ‪2001‬‬
‫ّ‬
‫‪Driss (A.), « Le premier président du tribunal administratif », colloque sur la réforme de la justice‬‬
‫‪administrative, du 6 – 7 décembre 1996, Tunis, 1999, p. 86.‬‬
‫ّ‬
‫األول للمحكمة اإلداريّة"‪ ،‬مذ ّكرة لنيل شهادة الدّراسات المع ّمقة في الحقوق (قانون عام)‪ ،‬كلّية الحقوق والعلوم‬
‫‪ 3‬عبد‬
‫الرزاق بن خليفة ‪ّ :‬‬
‫"الرئيس ّ‬
‫السياسيّة بتونس‪ ،1994 ،‬ص‪.10 .‬‬
‫‪4‬‬
‫‪Midoun (M.) : « Le Tribunal Administratif Tunisien, attributions, personnels et organisation », l’œuvre‬‬
‫‪jurisprudentielle du Tribunal administratif (collectif), C.E.R.P. 1990, p. 103.‬‬
‫‪ 5‬عالء الدّين شعباني ‪" :‬األسس الدّستوريّة للقضاء اإلداري في تونس" مذ ّكرة لنيل شهادة الماجستير بحث في القانون العام‪،‬كلية الحقوق بسوسة‪,‬‬
‫السّنة الجامعيّة ‪ ،2014/2013‬ص‪،.68 .‬‬
‫المقرر الخاص المعني باستقالل القضاة والمحامين‪ ،2009 ،‬الفقرات ‪.50 – 48‬‬
‫‪ 6‬تقرير‬
‫ّ‬
‫‪2‬‬

‫‪39‬‬

‫القضاء اإلداري من خالل دستور ‪2014‬‬

‫طبقا للمعايير الدوليّة التي تفترض وجود محكمة مستقلّة عن طرفي النّزاع وهي استقالليّة‬
‫صة وأنّه يقف أمام طرف في النّزاع أقوى منه بكثير‬
‫في‬
‫أمس الحاجة إليها المتقاضي خا ّ‬
‫ّ‬
‫سلطة العا ّمة‪.‬‬
‫على الورق أال وهو اإلدارة بما تتمتّع به من امتيازات ال ّ‬
‫غير ّ‬
‫أن الواقع يبرز عكس ذلك‪ ،‬على األق ّل على المستوى العضوي أو الهيكلي حيث يخضع‬
‫أعضاء المحكمة اإلداريّة سواء المستشارون المساعدون أو المستشارون إلى آليّة التعيين‬
‫عن طريق أمر‪.‬‬
‫ينص الفصل ‪ 19‬جديد من القانون األساسي ألعضاء المحكمة اإلداريّة‬
‫في هذا اإلطار‪،‬‬
‫ّ‬
‫األول‬
‫على أن "يت ّم تعيين المستشارين المساعدين بمقتضى أمر يصدر باقتراح من الوزير ّ‬
‫األول كما يلي‪:‬‬
‫وعرض من ّ‬
‫الرئيس ّ‬
‫خريجي المرحلة العليا للمدرسة القوميّة لإلدارة‬
‫أ‪ -‬عن طريق التسمية المباشرة من بين ّ‬
‫الحاملين لألستاذيّة في الحقوق أو لشهادة معادلة لها‪.‬‬
‫ب‪ -‬عن طريق مناظرة ّ‬
‫األول وتتض ّمن دراسة شهادات وأشغال‬
‫تنظم بقرار من الوزير ّ‬
‫وملفّات المتر ّ‬
‫شحين ومناقشة مع أعضاء اللّجنة وتفتح ‪:‬‬
‫‪ )1‬للمتر ّ‬
‫شحين الحاملين لشهادة الدّراسات المع ّمقة في القانون العام أو لشهادة معادلة‬
‫لها مع األستاذيّة في الحقوق أو لشهادة معادلة لها‪.‬‬
‫صنف "أ" الذين ال يتجاوز سنّهم خمسا وثالثين سنة في تاريخ فتح‬
‫‪ )2‬األعوان من ال ّ‬
‫المناظرة والحاملين لألستاذيّة في الحقوق أو لشهادة معادلة لها وال تق ّل أقدميتهم‬
‫صنف‪.".‬‬
‫عن خمس سنوات عمال مدنيا فعليا في هذا ال ّ‬
‫المؤرخ في ‪3‬‬
‫هذا الفصل الجديد كما ت ّم تنقيحه بالقانون األساسي عدد ‪ 40‬لسنة ‪1996‬‬
‫ّ‬
‫مرة فرصة االنتداب خارج إطار المدرسة القوميّة لإلدارة وهي‬
‫ألول ّ‬
‫جوان ‪ 1996‬أتاح ّ‬

‫‪40‬‬

‫القضاء اإلداري من خالل دستور ‪2014‬‬

‫طريقة ستم ّكن من الح ّد من الحضور المكثّف لإلداريين داخل الهيئات التي ستقاضي اإلدارة‬
‫إضافة إلى كونها تضمن استقالليّة أعضاء المحكمة اإلداريّة وكفاءتهم‪.1‬‬
‫نص الفصل ‪( 17‬جديد) من القانون األساسي ألعضاء‬
‫يخص المستشارين فقد‬
‫أ ّما فيما‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫المحكمة اإلداريّة على أن "يت ّم تعيين المستشارين بمقتضى أمر يصدر باقتراح من الوزير‬
‫األول‪:‬‬
‫األول وعرض من ّ‬
‫الرئيس ّ‬
‫ّ‬
‫الرتبة‬
‫‪ )1‬من بين المستشارين المساعدين الذين قضّوا أكثر من ستّة أعوام عمل في هذه ّ‬
‫م ّمن ت ّم إدراجهم بقائمة كفاءة تضبط من قبل المجلس األعلى للمحكمة اإلداريّة‬
‫الرسمي للجمهوريّة التونسيّة‪.‬‬
‫بالرائد ّ‬
‫وتُنشر ّ‬
‫‪ )2‬عن طريق مناظرة ّ‬
‫األول وتتض ّمن شهادات وأشغال وملفّات‬
‫تنظم بقرار من الوزير ّ‬
‫المتر ّ‬
‫شحين ومناقشة مع أعضاء اللّجنة‪.‬‬
‫ّ‬
‫صنف الفرعي "أ‪ "1-‬الحاملين لألستاذيّة في‬
‫وتُفتح هذه المناظرة‬
‫للموظفين من صنف "أ"‪ ،‬ال ّ‬
‫الحقوق أو شهادة معادلة لها والذين قضّوا أكثر من سبعة أعوام عمل مدني فعلي في هذا‬
‫صنف الفرعي‪.‬‬
‫ال ّ‬
‫من خالل ما تقدّم‪ ،‬أه ّم استنتاج يمكن الخروج به هو تعامل الدّولة مع القضاء اإلداري‬
‫ّ‬
‫كموظفين عموميين وهو‬
‫كمرفق عام وليس كسلطة وبالتّالي التعامل مع القضاة اإلداريين‬
‫سلطة القضائيّة كك ّل التي كانت تتّسم بالغموض والتدهور‪ ،‬بحيث كان‬
‫مشكل يتعلّق بال ّ‬
‫سلطة‬
‫يصعب اعتبارها كسلطة وإنّما‬
‫مجرد سلطة مضادّة يمارسها القضاة في إطار ال ّ‬
‫ّ‬
‫صة صلب التنظيم اإلداري للدّولة‪ ،4‬أو‬
‫التنفيذيّة‪ ،2‬أو‬
‫مجرد مرفق عام للدّولة‪ ،3‬أو هيئة خا ّ‬
‫ّ‬
‫‪1‬‬

‫‪Chikhaoui (L.) : « Les critères d’évaluation de la justice administrative », colloque sur la réforme de la justice‬‬
‫‪administrative, 6-7 décembre 1996, p. 132.‬‬
‫‪2‬‬
‫‪Jamel Ajroud : « Etat de droit et indépendance de la justice », in constitution et Etat de droit, actes du‬‬
‫‪colloque de commémoration du cinquantième de la promulgation de la constitution tunisienne du 1 er juin‬‬
‫‪1959, organisé par la faculté de droit de Sfax et l’association tunisienne de droit constitutionnel à Sfax le 6 et le‬‬
‫‪7 février 2009.‬‬
‫‪3‬‬
‫‪Mohamed Salah Ben Aïssa : « La compétence exclusive du Conseil Supérieur de la magistrature en matière‬‬
‫‪disciplinaire : quand le Conseil constitutionnel brise la jurisprudence du Tribunal administratif », mélanges en‬‬
‫‪hommage à Dali Jazi, Tunis, C.P.U., 2010, p. 169.‬‬
‫‪4‬‬
‫‪Néji Baccouche : « La protection de l’autorité publique dans le code pénal Tunisien », Tunis, C.R.E.A., 1986,‬‬
‫‪p. 85.‬‬

‫‪41‬‬

‫القضاء اإلداري من خالل دستور ‪2014‬‬

‫صة لرداءة‬
‫صة ال أكثر‪ ،1‬وذلك يعود خا ّ‬
‫بمثابة إدارة تحكم بمقتضى إجراءات ونتائج خا ّ‬
‫صة الفصل ‪ 66‬الذي‬
‫األحكام الدستوريّة المتعلّقة بال ّ‬
‫سلطة القضائيّة طبقا لدستور ‪ 1959‬خا ّ‬
‫نص على ّ‬
‫أن "تسمية القضاة تكون بأمر من رئيس الجمهوريّة بمقتضى ترشيح من المجلس‬
‫ّ‬
‫األعلى للقضاء وكيفيّة انتدابهم يضبطها القانون‪ ،‬وعليه ّ‬
‫سلطة القضائيّة قد ت ّم‬
‫فإن استقالليّة ال ّ‬
‫سلطة التنفيذيّة ممثّلة في رئيس الجمهوريّة في تسمية القضاة‪،‬‬
‫اإلخالل بها من خالل تد ّخل ال ّ‬
‫مجرد اقتراح أسماء القضاة"‪.2‬‬
‫في حين بقي دور المجلس دورا شكليا ينحصر في‬
‫ّ‬
‫إذا ما وقعت مقارنة هذا الفصل بالفصل ‪ 106‬من دستور ‪ّ ،2014‬‬
‫فإن الفصل الجديد يُع ّد‬
‫ينص على "يُس ّمى القُضاة بأمر رئاسي بناء على رأي مطابق من‬
‫إضافة نوعيّة حيث‬
‫ّ‬
‫صة إذا ما علمنا ّ‬
‫الرأي المطابق يعتبر األكثر قيمة قانونيّة‬
‫أن ّ‬
‫المجلس األعلى للقضاء"‪ ،‬خا ّ‬
‫من بين اآلراء األخرى‪ ،‬نظرا لطابعه اإللزامي وبالتّالي سيحض المجلس األعلى للقضاء‬
‫يخص تسمية القضاة‪.‬‬
‫الرئيسي فيما‬
‫ّ‬
‫بالدّور ّ‬
‫سامون بأمر رئاسي بالتشاور مع رئيس‬
‫كما‬
‫ينص نفس الفصل على "يُس ّمى القضاة ال ّ‬
‫ّ‬
‫الحكومة بناء على ترشيح حصري من المجلس األعلى للقضاء"‪.‬‬
‫سابق هي مصطلح‬
‫اإلضافة التي جاء بها الفصل الجديد مقارنة بالفصل ‪ 66‬من الدّستور ال ّ‬
‫"حصري"‪ ،‬الذي يفيد ّ‬
‫سامين ال يمكن إعدادها إالّ من قبل المجلس األعلى‬
‫أن قائمة القضاة ال ّ‬
‫سلطة التنفيذيّة كك ّل سيقتصر على التسمية‪.‬‬
‫للقضاء وبالتّالي دور رئيس الجمهوريّة وال ّ‬
‫في هذا اإلطار وباعتبار ّ‬
‫أقر بالقضاء اإلداري كجهاز قضائي مدستر في‬
‫أن دستور ‪ّ 2014‬‬
‫سلطة القضائيّة‪ّ ،‬‬
‫فإن هذه األحكام تنسحب عليه‪ ،‬وهو ما سيساهم في إنهاء التبعيّة‬
‫باب ال ّ‬
‫ّ‬
‫كموظفين عموميين وليس كقضاة بك ّل ما تحمله‬
‫اإلداريّة للقضاة اإلداريين نتيجة لمعاملتهم‬
‫الكلمة من معنى‪ ،‬وفي ذلك تدعيم لالستقالليّة الهيكليّة للقضاء اإلداري التي كانت منقوصة‬
‫نتيجة االرتباط العضوي بين المحكمة اإلداريّة من جهة واإلدارة من جهة أخرى‪.‬‬

‫‪2‬‬

‫‪Yadh Ben Achour : « Pouvoir gouvernemental et pouvoir administratif », RTD, 2/1977, p. 48.‬‬
‫رياض الجمل ‪" :‬استقالليّة القضاء اليوم"‪ ،‬مقال سابق الذّكر‪ ،‬ص‪.103 .‬‬

‫‪42‬‬

‫‪1‬‬

‫القضاء اإلداري من خالل دستور ‪2014‬‬

‫ارتباط سيقع تجاوزه في المستقبل نظرا لتنصيص دستور ‪ 2014‬على استقالليّة القضاء‬
‫اإلداري كجهاز قضائي (الفقرة الثانية)‪.‬‬
‫الفقرة الثانية ‪ :‬تنصيص الدستور على استقالليّة القضاء اإلداري كجهاز قضائي‬
‫أن "القضاء سلطة مستقلّة" وباعتبار ّ‬
‫نص دستور ‪ 2014‬على ّ‬
‫أن القضاء اإلداري أصبح‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫يتجزأ منها‪ّ ،‬‬
‫فإن أحكام االستقالليّة‬
‫سلطة القضائيّة وبالتّالي جزء ال‬
‫مدسترا ضمن باب ال ّ‬
‫سلطة تنطبق عليه‪.‬‬
‫المنصوص عليها في الدّستور والمرتبطة بهذه ال ّ‬
‫في هذا اإلطار وجب اإلشارة إلى ّ‬
‫تفرع عن مبدأ آخر أال وهو‬
‫أن استقالل القضاء كمبدأ ّ‬
‫سلط الذي يعتبر من أه ّم المبادئ الدستوريّة‪ ،‬أه ّمية يمكن أن نتبيّنها من‬
‫مبدأ الفصل بين ال ّ‬
‫خالل إعالن ج ّل األنظمة السياسيّة في العالم عن هذا المبدأ في دساتيرها‪ ،‬فال يكاد يخلو منه‬
‫دستور‪.1‬‬
‫صت الفقرة (هـ) في مقدّمة الدّستور اللّبناني التي أضيفت سنة ‪1990‬‬
‫فعلى سبيل المثال‪ ،‬ن ّ‬
‫على ّ‬
‫سلطات وتوازنها وتعاونها يُعتبر األساس الذي يقوم عليه نظام‬
‫أن مبدأ الفصل بين ال ّ‬
‫صت توطئة الدّستور التّونسي لسنة ‪ 2014‬على "تأسيس نظام‬
‫الحكم في لبنان‪ ،2‬كما ن ّ‬
‫سيادة فيها لل ّ‬
‫سلمي‬
‫شعب عبر التداول ال ّ‬
‫جمهوري ديمقراطي تشاركي‪ ،‬في إطار دولة مدنيّة ال ّ‬
‫سلطات والتوازن بينها"‪.‬‬
‫على الحكم بواسطة االنتخابات‬
‫الحرة‪ ،‬وعلى مبدأ الفصل بين ال ّ‬
‫ّ‬
‫وتتدعّم القيمة الدستوريّة لهذا المبدأ بتنصيص الدّستور التّونسي صلب الفصل ‪ 145‬المندرج‬
‫ّ‬
‫ضمن الباب التّاسع المتعلّق باألحكام الختاميّة على ّ‬
‫يتجزأ‬
‫أن "توطئة هذا الدّستور جزء ال‬
‫منه"‪.‬‬
‫سلط في النّظام الدّستوري‪ ،‬أه ّمية يمكن أن نتبيّنها‬
‫هذه القيمة تعكس أه ّمية مبدأ الفصل بين ال ّ‬
‫سواء من خالل دراسة األسس التّاريخيّة للمبدأ (أ) أو من خالل دراسة مفهومه (ب)‪.‬‬

‫‪1‬‬

‫‪Lepaulle Pierre : « La justice lenteur de la justice », préface de Mr. Le Bâtonnier Fernand, Payen, Paris – Payot,‬‬
‫‪France 1934, p. 49 et 51.‬‬
‫ّللا ‪" :‬مدى استقالليّة القضاء في لبنان"‪ ،‬مجلّة الدّراسات القانونيّة‪ ،‬العدد ‪ ،8‬كانون الثاني يناير ‪ ،2002‬ص‪.11 .‬‬
‫‪ 2‬عبد الغني بسيوني عبد ّ‬

‫‪43‬‬

‫القضاء اإلداري من خالل دستور ‪2014‬‬

‫سلط ‪:‬‬
‫أ‪ -‬األسس التاريخيّة لمبدأ الفصل بين ال ّ‬
‫الرغم من اقتران المبدأ باسمه‪ ،‬فقد‬
‫مبدأ الفصل بين ال ّ‬
‫سلط ليس من ابتداع "مونتسكيو" على ّ‬
‫سبيل إليه‪،‬‬
‫سبق لـ"جون لوك" أن دعا إليه‪ ،‬كما سبق لمف ّكرين وفقهاء عديدين أن م ّهدوا ال ّ‬
‫ومن أشهر هؤالء أرسطو في العصور القديمة الذي دعا إلى تقسيم وظائف الدّولة وفقا‬
‫لطبيعتها القانونيّة حيث يرى ّ‬
‫سلطة‬
‫أن للدّولة وظائف ثالث هي المداولة ويعني بها ال ّ‬
‫سلطة القضائيّة‪ ,‬أ ّما‬
‫سلطة التنفيذيّة والعدالة ويعني بها ال ّ‬
‫التشريعيّة‪ ،‬واألمر ويعني به ال ّ‬
‫فتختص‪ ،‬كما ذهب أرسطو‪ ،‬في إصدار القوانين وتولّي أمور الحرب‬
‫سلطة التشريعيّة‬
‫ال ّ‬
‫ّ‬
‫سلم وعقد المعاهدات والتصديق على أحكام اإلعدام وتقرير مصادرة األموال واإلشراف‬
‫وال ّ‬
‫على حسن سير األعمال في الدّولة‪.‬‬
‫فتختص في الفصل في‬
‫سلطة القضائيّة‬
‫سلطة التنفيذيّة‬
‫فتختص في تنفيذ القوانين وأ ّما ال ّ‬
‫أ ّما ال ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫الخصومات والجرائم‪ 1‬ومن ذلك يتّضح ّ‬
‫أن أرسطو كان ينظر إلى الوظيفة التشريعيّة نظرة‬
‫صها بمهام عديدة ومتش ّعبة‪.‬‬
‫أوسع من النّظرة ال ّ‬
‫سائدة لها اآلن فقد خ ّ‬
‫ما يه ّمنا في هذا اإلطار هو ّ‬
‫أن دعوة أرسطو إلى تقسيم وظائف الدّولة وفقا لطبيعتها‬
‫سلطات على أساس ّ‬
‫أن مثل هذا الفصل ال‬
‫القانونيّة قد أسهمت في التمهيد لفكرة الفصل بين ال ّ‬
‫يمكن إقامته من غير تقسيم وظائف الدّولة القانونيّة‪.‬‬
‫لذلك يمكن القول ّ‬
‫سلط يعود إلى العصور القديمة‬
‫أن وضع اللّبنات األولى لمبدأ الفصل بين ال ّ‬
‫وتحديدا الحقبة اإلغريقيّة‪ ،‬على أساس هذه اللّبنات بنى أغلب فقهاء العصر الحديث‬
‫سلطات‪.‬‬
‫نظرياتهم في الفصل بين ال ّ‬
‫سلطات من أ ّول وأبرز‬
‫في هذا اإلطار‪ ،‬تعتبر نظريّة "جون لوك" في الفصل بين ال ّ‬
‫سلط في العصر الحديث وذلك في مؤلّفه عن‬
‫النظريات التي‬
‫تطرقت لمبدأ الفصل بين ال ّ‬
‫ّ‬
‫"الحكومة المدنيّة" الذي صدر سنة ‪ ،21690‬فإذا كان أرسطو قد دعا إلى تقسيم وظائف‬
‫‪1‬‬

‫‪Geerge H. Sabine, « A history of political theory », Harrp & Coltd, London, 1969, p. 112.‬‬
‫‪Chevallier : « L’élaboration du principe de séparation de la juridiction administrative et de l’administration‬‬
‫‪active », L.G.D.J., 1970, p. 139.‬‬
‫‪2‬‬

‫‪44‬‬

‫القضاء اإلداري من خالل دستور ‪2014‬‬

‫الدّولة دون أن يدعو إلى الفصل بين الهيئات التي تمارسها‪ّ ،‬‬
‫فإن "لوك" دعا إلى الفكرتين‬
‫سلطات‪ ،‬فقد ذهب "لوك" إلى ّ‬
‫أن‬
‫رواد مبدأ الفصل بين ال ّ‬
‫معا ومن ث ّم فإنّه يُعتبر رائدا من ّ‬
‫ي نظام من نُظم الحكم الب ّد أن تقوم فيه سلطتان‪ ،‬سلطة تضع القوانين وسلطة تتولّى‬
‫أ ّ‬
‫سلم‪.‬‬
‫تنفيذها‪ ،‬مع ضرورة قيام سلطة ثالثة تتولّى إدارة الشؤون الخارجيّة وأمور الحرب وال ّ‬
‫نتيجة لذلك ّ‬
‫سلطة التشريعيّة‬
‫فإن "لوك" يرى ضرورة قيام ثالث سلطات في الدّولة‪ ،‬ال ّ‬
‫وتتولّى ّ‬
‫سلطة التنفيذيّة وتتولّى وضع القوانين التي‬
‫سلطة الثانية فهي ال ّ‬
‫سن القوانين‪ ،‬أ ّما ال ّ‬
‫سلطة‬
‫سلطة الثالثة فيس ّميها "لوك" ال ّ‬
‫سلطة التشريعيّة موضع التطبيق‪ ،‬أ ّما ال ّ‬
‫تضعها ال ّ‬
‫سلم وسائر العالقات الخارجيّة وتكون‬
‫االتّحاديّة أو التعاهديّة‪ ،‬وتتولّى إدارة أمور الحرب وال ّ‬
‫سلطة التنفيذيّة‪.1‬‬
‫مرتبطة بال ّ‬
‫سلطة‬
‫وبالتّالي حسب هذه النظريّة ال وجود لسلطة ثالثة مه ّمتها الفصل في النّزاعات وهي ال ّ‬
‫سلطة التنفيذيّة‬
‫سلطة التشريعيّة وال ّ‬
‫القضائيّة بل انبنت على وجود سلطتين أساسيتين هما ال ّ‬
‫سلطتين‪.‬‬
‫مع وجوب الفصل بين هاتين ال ّ‬
‫من خالل ما تقدّم نتبيّن ّ‬
‫سلط جذور تاريخيّة عميقة (منذ العصور‬
‫أن لمبدأ الفصل بين ال ّ‬
‫أن ذلك ال يمنع القول ّ‬
‫القديمة)‪ ،‬غير ّ‬
‫بأن األه ّمية الكبرى التي اكتسبها المبدأ والتي بقيت إلى‬
‫يومنا هذا قد ساهم فيها المف ّكر الفرنسي مونتسكيو من خالل كتابه "روح القوانين" الذي‬
‫صدر سنة ‪ 1748‬م‪.‬‬
‫سلط والتي وجدت رواجا‬
‫عبر هذا الكتاب قدّم مونتسكيو نظريّته المتعلّقة بالفصل بين ال ّ‬
‫فكريا وسياسيا كبيرا‪ ،‬حيث يرى ّ‬
‫ي نظام من نظم الحكم ينبغي أن‬
‫أن الغاية األساسيّة أل ّ‬
‫الحرية‪ّ ،‬‬
‫الحرية كما يرى مونتسكيو ال يمكن تحقيقها في نظام حكم تكون‬
‫لكن‬
‫تكون تحقيق‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫سلطات متر ّكزة في يد فرد واحد أو هيئة واحدة حتّى وإن كانت تلك الهيئة منتخبة من‬
‫فيه ال ّ‬
‫الحرية إذا ّ‬
‫قبل ال ّ‬
‫وزعت وظائف الدّولة على هيئات مختلفة بحيث‬
‫شعب‪ ،‬بل يمكن تحقيق‬
‫ّ‬
‫تحول ك ّل منها دون استبداد األخرى وتكون رقيبة عليها‪.‬‬

‫‪A.C. Kapoor, « Principles of political science », Delhi, 1967, p. 376.‬‬

‫‪45‬‬

‫‪1‬‬

‫القضاء اإلداري من خالل دستور ‪2014‬‬

‫أن وظائف الدّولة ينبغي أن ّ‬
‫ولتحقيق ذلك‪ ،‬يرى مونتسكيو ّ‬
‫توزع على سلطات ثالث هي‬
‫سلطة القضائيّة‪ ،‬كما يمكن الفصل بين تلك‬
‫سلطة التنفيذيّة وال ّ‬
‫سلطة التشريعيّة وال ّ‬
‫ال ّ‬
‫سلطات‪ ،1‬ومن ذلك يتّضح ّ‬
‫أن مونتسكيو ينظر إلى سلطة القضاء على أنّها سلطة مستقلّة‬
‫ال ّ‬
‫على خالف "لوك" الذي يعتبر وظيفة القضاء جزءا من الوظيفة التنفيذيّة على رأي بعض‬
‫الفقهاء‪ ،2‬أو جزء من الوظيفة التشريعيّة على رأي البعض اآلخر‪ ،3‬غير ّ‬
‫أن اإلشكال ارتبط‬
‫سلط (ب)‪.‬‬
‫بالمفهوم الذي وقع تبنّيه لمبدأ الفصل بين ال ّ‬
‫ب‪ -‬مفهوم مبدأ الفصل بين السّلط ‪:‬‬
‫سد من خالل "فكرة الفصل‬
‫سلطات‪ :‬مفهوم تقليدي يتج ّ‬
‫وقع تبنّي مفهومين لمبدأ الفصل بين ال ّ‬
‫سد من خالل "فكرة الفصل النّسبي"‪.‬‬
‫المطلق" ومفهوم حديث يتج ّ‬
‫فيما يتعلّق بفكرة الفصل المطلق‪ ،‬سادت هذه الفكرة في الحقبة التي أعقبت الثورة الفرنسيّة‬
‫مباشرة‪ ،‬فقد ذهب رجال تلك الثورة ومن عاصرهم من الفقهاء إلى ّ‬
‫أن الوظائف التي‬
‫مجرد اختصاصات‬
‫تمارسها الهيئات التشريعيّة والتنفيذيّة والقضائيّة في الدّولة ليست‬
‫ّ‬
‫صادرة من سلطة واحدة هي سلطة الدّولة‪ ،‬بل هي وظائف يعبّر ك ّل منها عن جانب من‬
‫صهم‬
‫جوانب السيادة في الدّولة‪ ،4‬فاأل ّمة عندما تختار أعضاء ال ّ‬
‫سلطة التشريعيّة فإنّها تخ ّ‬
‫سلطة التنفيذيّة فإنّها‬
‫دون غيرهم بممارسة الوظيفة التشريعيّة‪ ،‬واأل ّمة عندما تختار أعضاء ال ّ‬
‫سلطة القضائيّة‪.5‬‬
‫صهم دون سواهم بمباشرة الوظيفة التنفيذيّة وكذا الحال فيما يتعلّق بال ّ‬
‫تخ ّ‬
‫بناءا عليه‪ّ ،‬‬
‫فإن ك ّل هيئة من الهيئات الثالث إنّما جرى اختيارها من قبل األ ّمة لممارسة‬
‫وظيفة معيّنة هي تلك التي تتّفق مع طبيعتها‪ .‬ول ّما كان األمر كذلك‪ ،‬فإنّه ال يجوز أليّة هيئة‬
‫من تلك الهيئات أن تمارس وظيفة هي من اختصاص هيئة أخرى‪ ،6‬إذ أنّها بذلك تقدّم نفسها‬

‫‪1‬‬

‫‪Carré de Malberg : « Théorie générale de l’Etat », T. II, Paris, 1920, p. 3.‬‬
‫‪ 2‬ثروت بدوي‪" ،‬أصول الفكر السياسي"‪ ،‬دار النّهضة العربيّة‪ ،‬القاهرة ‪ ،1967‬ص‪.166 .‬‬
‫محمود محمد حافظ‪" , 3‬الوجيز في النظم السياسية و القانون الدستوري"‪ .‬دار النهضة العربية القاهرة ‪.1976‬ص‪.170‬‬
‫‪4‬‬
‫‪G. Burdeau : « Droit constitutionnel et institutions politiques », Paris, 1958, p. 112.‬‬
‫‪ 5‬ثروت بدوي‪" ،‬النّظم السياسيّة"‪ ،‬دار النهضة العربية القاهرة ‪ ،1973‬ص‪.334-333 .‬‬
‫‪6‬‬
‫‪Burdeau, op. cit., p. 112.‬‬

‫‪46‬‬

‫القضاء اإلداري من خالل دستور ‪2014‬‬

‫في أمور تخرج عن نطاق وظيفتها وتأتي بأعمال ال تتّفق مع إرادة األ ّمة التي اختارت‬
‫سلطات الثالث لممارسة مه ّمة معيّنة دون سواها من المه ّمات‪.1‬‬
‫أعضاء ك ّل سلطة من ال ّ‬
‫أ ّما فيما يتعلّق بفكرة الفصل النّسبي فهي تقوم على أساس ّ‬
‫أن سلطة الدّولة تمثّل وحدة ال‬
‫ّ‬
‫تتجزأ‪ ،‬غير ّ‬
‫أن للدّولة وظائف ثالث هي الوظيفة التشريعيّة والوظيفة التنفيذيّة والوظيفة‬
‫القضائيّة‪ ،‬وهذه الوظائف الثالث يجب أن ّ‬
‫توزع على هيئات ثالث بحيث تكون هناك هيئة‬
‫تختص بممارسة أمور التنفيذ وهيئة تباشر الوظيفة‬
‫تختص بممارسة التشريع وهيئة‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫القضائيّة‪ ،‬غير ّ‬
‫أن تلك الهيئات عندما تباشر تلك الوظائف ال تباشرها باعتبارها سلطات‬
‫منفصلة يمثّل ك ّل منها جانبا من جوانب السيادة‪ ،‬بل باعتبارها مجموعة من االختصاصات‬
‫تصدر من سلطة واحدة هي سلطة الدّولة‪ ،2‬وهذه االختصاصات ال يمكن الفصل بينها فصال‬
‫مطلقا لسببين ‪:‬‬
‫األول فهو ّ‬
‫صالح العام‪،‬‬
‫أ ّما ال ّ‬
‫أن هذه االختصاصات جميعا إنّما تمارس ألجل تحقيق ال ّ‬
‫سبب ّ‬
‫وبناء عليه فإنّه يجب أن يقوم تعاون وتنسيق بين الهيئات التي تباشرها وذلك ألجل تحقيق‬
‫تلك الغاية‪.‬‬
‫سبب الثاني فهو ّ‬
‫أن هذه االختصاصات يتداخل بعضها مع البعض اآلخر لدرجة ال‬
‫أ ّما ال ّ‬
‫تسمح بالفصل بينها فصال مطلقا‪ ،‬وبناء عليه فإنّه يجب أن تكون هناك درجة معيّنة من‬
‫المشاركة في ممارستها بين الهيئات العا ّمة المختلفة‪ ،3‬شريطة أالّ تؤدّي تلك المشاركة إلى‬
‫سلطة في يد واحدة منها‪.‬‬
‫إلغاء الفواصل القائمة بينها أو تركيز ال ّ‬
‫ي من هذين المفهومين وما وقع ذلك على‬
‫في هذا اإلطار‪ ،‬ما يه ّمنا هو تبنّي تونس أل ّ‬
‫استقالليّة القضاء كسلطة ؟‬
‫سلطة التأسيسيّة‬
‫صدد وبالنّظر إلى مناقشات المجلس القومي التأسيسي‪ ،‬كانت نيّة ال ّ‬
‫في هذا ال ّ‬
‫سلطة التشريعيّة‪،‬‬
‫سلطة التنفيذيّة أولويّة مقارنة بال ّ‬
‫األصليّة لسنة ‪ 1956‬واضحة في منح ال ّ‬
‫‪ 1‬ثروت بدوي‪" ،‬النظم السياسية"‪،‬مرجع سابق الذكر ص‪.334 .‬‬
‫‪ 2‬ثروت بدوي‪" ،‬النّظم السياسيّة"‪ ،‬مرجع سابق الذكر‪ ،‬ص‪.335 .‬‬
‫‪3‬‬
‫– ‪Michel Troper : « La séparations des pouvoirs et l’histoire constitutionnelle française », Paris, 1980, pp. 12‬‬
‫‪13.‬‬

‫‪47‬‬

‫القضاء اإلداري من خالل دستور ‪2014‬‬

‫سر على أساس طبيعة مرحلة بناء الدّولة وتجنّب إتباع التجارب األخرى‬
‫وكان ذلك يف ّ‬
‫والرابعة في فرنسا‪.1‬‬
‫الفاشلة التي تبنّت النّظام البرلماني كالجمهوريّة الثالثة ّ‬
‫ذلك ّ‬
‫أن رئيس الجمهوريّة آنذاك الحبيب بورقيبة وفي خطابه الذي ألقاه مباشرة بعد‬
‫المصادقة على دستور ‪ 1‬جوان ‪ 1959‬قال بك ّل وضوح "وإذا وجدتم في هذا الدّستور نفوذ‬
‫صولة وال‬
‫الرئيس في الجبروت وال ّ‬
‫الرئيس كبيرا وقويا فذلك ال حبّا في النّفوذ وال رغبة من ّ‬
‫ّ‬
‫رغبة من الحكومة في تضخيم ما لها من الصالحيات خوفا من ال ّ‬
‫شعب‪ ،‬وإنّما اخترنا ذلك‬
‫بعد المقايسة بين جميع األنظمة ومعرفة ما في النظام البرلماني من خطر عشناه و رأيناه‬
‫بأعيننا كالذي آلت إليه الجمهورية الثالثة والجمهورية الرابعة بفرنسا عندما كان األمر‬
‫راجعا إلى اعتبار الحكومة نائبة عن البرلمان ومسؤولة لديه وأعطينا الحرية للحكومة‬
‫لإلقدام على المشاريع واإلصالحات الضرورية ومنع الشلل والعجز والفوضى‪.2‬‬
‫يفهم إذن ّ‬
‫أن السلطة التأسيسية األصلية كانت تعتبر بأن السلطة الحقيقية في الدولة تعود إلى‬
‫السلطة التنفيذية وما وجود السلطة التشريعية إالّ ك ُمك ّمل للمشهد المؤسساتي من جهة‬
‫وكسلطة مؤهلة دستوريا لسن القوانين التي من شأنها تجسيد االختيارات والتوجهات‬
‫الكبرى التي تضبطها السلطة التنفيذية‪.‬‬
‫لذلك من الطبيعي أن يؤثر هذا المفهوم التأسيسي لفكرة الفصل بين السلط علىى المقاربىة‬
‫التىىىي تبناهىىىا المجلىىىس القىىىومي التأسيسىىىي تجىىىاه "السىىىلطة القضىىىائية" ذلىىىك ّ‬
‫أن‬

‫السىىىلطة‬

‫التأسيسية األصلية لم تكن تنظر إلى القضاء كسلطة قائمة بذاتها بل "كهيئىة قضىائية "ال‬
‫تنفصىىىىل كليىىىىا عىىىىن السىىىىلطة التنفيذيىىىىة‪ 3‬مىىىىن خىىىىالل ذلىىىىك نتبىىىىيّن إذن ّ‬
‫أن المفهىىىىوم‬
‫سىلط فىي‬
‫التأسيسي للوظيفة القضائية يندرج في إطار مفهىوم عىام لفكىرة الفصىل بىين ال ّ‬
‫تونس مىا بعىد االسىتقالل التىي تقىوم تبعىا لعى ّدة اعتبىارات سىياقية وظرفيىة علىى إعطىاء‬
‫األولويىىة الواضىىحة للسىىلطة التنفيذية‪،‬أولويىىة أدت إلىىى اإلخىىالل بىىالتوازن ب ىين السىىلط‬
‫الثالث للدولىة مىن خىالل هيمنىة السىلطة التنفيذيىة علىى السىلطة التشىريعيّة وعلىى القضىاء‬
‫‪ 1‬عبد السالم الفطناسي ‪" :‬استقالليّة القضاء في تونس"‪ ،‬األحداث القانونيّة التونسيّة‪ ،‬عدد ‪ ،21‬ص‪.2011 ،96 .‬‬
‫مناقشات المجلس القومي التأسيسي‪ ،‬المجلّد الثاني ‪ ،‬تونس‪ ،‬مركز البحوث والدراسات البرلمانية‪ ، 2009 ،‬ص ‪.351‬‬
‫‪17: pouvoir n° 16 p.p. la justice, histoire d’un pouvoir refusé in : « J.Foyer 3‬‬
‫‪2‬‬

‫‪48‬‬

‫القضاء اإلداري من خالل دستور ‪2014‬‬

‫الذي يقع التعامل معه إلى ح ّد يومنا هذا على أساس أنّىه مرفىق عىام تىدير شىؤونه السىلطة‬
‫التنفيذية‪.‬‬
‫كل ذلك أدى إلى الح ّد من استقاللية القضاء وهو ما ينطبىق أيضىا علىى القضىاء اإلداري‬
‫الذي عانى من تبعيته للسلطة التنفيذية‪.‬‬
‫كل هذه اإلشكاليات وقع تجاوزها على األقل علىى المسىتوى النظىري وذلىك مىن خىالل‬
‫الدسىتور الجديىىد للجمهوريىة التونسىىية لسىنة ‪ 2014‬الىىذي أعىاد االعتبىىار للقضىاء مىىن خىالل‬
‫التنصيص عليه كسلطة مستقلة صىلب الفصىل ‪ 1 102‬وباعتبىار أن القضىاء اإلداري أصىبح‬
‫جزء من هذه السلطة المسىتقلة ّ‬
‫فىإن ذلىك يعتبىر إقىرارا دسىتوريا باسىتقالليته كجهىاز قضىائي‬
‫وهو ما سيفسح المجىال لتخلصىه مىن تبعيتىه للسىلطة التنفيذيىة التىي عانىت الدولىة التونسىية‬
‫سلط باعتبار أن توازن النظام السياسي للدولة يقتضىي توازنىا علىى‬
‫من هيمنتها على باقي ال ّ‬
‫مستوى السلط المكونة له‪.‬‬
‫في هذا السياق نتبيّن المكانة المرموقة التي أصبح يحتلها القضاء اإلداري ويعود الفضل في‬
‫ذلك إلى دستور‪ 2014‬الذي لم يكتفي باإلقرار به كجهاز قضىائي مسىتقل‪ ،‬مىن خىالل إدراجىه‬
‫ضمن باب السلطة القضائية‪ ،‬بل قام بالتأسيس لهذا الجهاز عبىر تكريسىه لالمركزيىة القضىاء‬
‫اإلداري (المبحث الثاني)‪.‬‬
‫المبحث الثاني‪ :‬تكريس المركزية القضاء اإلداري‬
‫مىىن المآخىىذ التىىي كانىىت (والزالىىت) تثىىار إزاء القضىىاء اإلداري مىىن الناحيىىة التنظيميىىة ذلىىك‬
‫المأخىذ المتعلىىق بوجىود محكمىىة إداريىة واحىىدة بالنسىىبة لكامىل تىىراب الدولىة التونسىىية‪ ،‬األمىىر‬
‫الذي يحدث تباعدا بين المتقاضين غير القاطنين بالعاصمة أو بجوارها والمحكمىة اإلداريىة‪.2‬‬
‫واألمر الذي أدى بالبعض العتبارها " محكمة فيدرالية ذات نظام شبه رئاسي " مشىكلة‬

‫‪ 1‬الفصل ‪ 102‬من دستور ‪" 2014‬القضاء سلطة مستقلة تضمن إقامة العدل وعلوية الدستور وسيادة القانون وحماية الحقوق والحريات"‪.‬‬
‫‪ 2‬توفيق بوعشية‪ " :‬القضاء اإلداري بعد إصالحات ‪ 3‬جوان ‪ ،"1996‬التقرير التمهيدي ‪ ,‬أعمال ملتقى نظمته الجمعية التونسية للعلوم اإلدارية‬
‫بكلية العلوم القانونية والسياسية واالجتماعية بتونس يومي ‪ 12‬و‪ 13‬أفريل ‪ .2001‬منشورات مركز البحوث و الدراسات اإلدارية تونس‬
‫‪. 2002‬ص‪. 9‬‬

‫‪49‬‬


Documents similaires


Fichier PDF 1803 contentieux des pmi vg
Fichier PDF b 1
Fichier PDF chapitre 6
Fichier PDF a h
Fichier PDF a h droit const
Fichier PDF constitution tunisienne 27 janvier 2014


Sur le même sujet..