جمال الدين الأفغاني والتحليل التاريخي .pdf



Nom original: جمال الدين الأفغاني والتحليل التاريخي.pdfAuteur: USER

Ce document au format PDF 1.5 a été généré par Conv2pdf.com, et a été envoyé sur fichier-pdf.fr le 29/08/2019 à 18:56, depuis l'adresse IP 41.92.x.x. La présente page de téléchargement du fichier a été vue 121 fois.
Taille du document: 23.6 Mo (666 pages).
Confidentialité: fichier public


Aperçu du document


‫‪‬‬

‫‪‬‬
‫‪‬‬

‫رشيد بلواد ‪1440‬ه‪2019 -‬م‬

‫جمال الدين األفغاني والتحليل التاريخي‬

‫{بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق'}(األنبياء‪)18‬‬

‫‪2‬‬

‫المسلمون والتاريخ‬

‫تنويه‪ :‬طبيعة هذا العمل كما غايته تحقيقية‪ ،‬ليست هي من صنف اإلبداع الشعري‬
‫واألدبي؛ فنحن في فضاء منطقي صرف مبناه على الحقائق والميزان‪ ،‬ومن ثم تحتم إيراد‬
‫ما استوجب من هذه الحقائق كمعطيات مقررة في بحوث وأعمال سابقة‪.‬‬

‫‪3‬‬

‫جمال الدين األفغاني والتحليل التاريخي‬

‫المحتوى‬
‫الصفحة‬
‫مقدمة‬

‫‪11‬‬

‫قضايا َمنهج ّية في المفاهيم واأل عب ََا‬
‫الباب األول‪َ :‬‬

‫‪25‬‬

‫الفصل األول‪ :‬من "الوطنية في شعر شوقي" إلى "االتجاهات الوطنية في األدب‬
‫‪26‬‬
‫المعاصر" التغيّر األ عْب اعادي‬
‫الفصل الثاني‪ْ :‬بُعع د ما 'فوق‪ -‬الوطنية' لقضية جمال الدين األفغاني‬

‫‪32‬‬

‫الفصل الثالث‪ :‬عضل في المنظار‪ :‬الواقع ْبين المضمون والقراءة‬
‫وثوق العدالة ال يوجب صحة األحكام‬

‫‪42‬‬

‫الفصل الراْبع‪ :‬العامل النفسي ْبين اإلخْبار والقراءة‬
‫اإلشكال المفاهيمي عند محمد حسين‬
‫الفصل الخامس‪ :‬مفهوم "التغريب" السلْبية والخطورة‬
‫الباب الثاني‪ :‬تطبيق ال َمنهج‪ ،‬تقويم الرجال= تقويم ال َُقول االستخالفية‬

‫‪48‬‬
‫‪58‬‬
‫‪68‬‬

‫ُصادرة القصوى ومعايير األحكام‬
‫الفصل األول‪ :‬الم ا‬
‫الميزان االستخالفي للعقول الجمعيَّة‬
‫الفصل الثاني‪ :‬العقل الفقهي أو الرْبانية‬
‫‪4‬‬

‫‪69‬‬

‫المسلمون والتاريخ‬

‫‪79‬‬

‫خطر وضالل مقولة 'عصمة اإلجماع'‬
‫الباب الثالث‪:‬الموازنة من جهة الَقي ة والتمكين‬
‫‪85‬‬

‫الفارابي والغزالي‬
‫الفصل األول‪ :‬مِعيار العقيدة‬

‫‪89‬‬

‫‪ -1‬قانون التفصيل وح ّل عقال علم الكالم‬

‫‪90‬‬

‫‪ُ -2‬‬
‫الخلق العلمي وتزكية النفس‬

‫‪96‬‬

‫‪ -3‬اْبن الوزير ومحارة علم الكالم‬

‫‪99‬‬

‫‪ -4‬الغزالي وسلم الحكمة (العقل)‬

‫‪106‬‬

‫الفصل الثاني‪ :‬مِعيار القوّ ة والتمكين‬

‫‪110‬‬

‫‪ -1‬ال فقه لمن افرّ ق ْبين العقل الفقهي والعقل الصّناعي‬
‫‪ -2‬األْباطي ُل واألسمارُ ال تنحصر في قضيتي المتنْبي والمعرّ ي‬

‫‪111‬‬
‫‪116‬‬

‫‪ -3‬المفعولية والفاعلية أو التسويغ والمقاومة في الفكر السياسي‬
‫ْبين اْبن خلدون والفاراْبي‪ :‬سرّ الترويج‬

‫‪119‬‬

‫الباب الرابع‪ :‬المنهاج اإلسالمي وسنن التاريخ‬

‫‪127‬‬

‫الفصل األول‪ :‬حلف القومية‪ :‬من التحرف إلى االنتكاس‬

‫‪128‬‬

‫‪ -1‬القومية العربية وتوهين قوة األمة اإلسالمية‬

‫‪129‬‬

‫‪ -2‬الجامعة العربية سالح مزدوج وكمين‬

‫‪150‬‬
‫‪5‬‬

‫جمال الدين األفغاني والتحليل التاريخي‬

‫الفصل الثاني‪ :‬الدين والعلمانية‪ ،‬وحدة العلم والدين والفلسفة‬

‫‪158‬‬

‫‪ -1‬العقل العربي بين خيبة التجربة العلمانية وإشكال تصوره للدين‬

‫‪159‬‬

‫‪ -2‬أستاذية المسيحية الصّليْبية للعقل العرْبي اإلسالمي الحديث‬
‫و ع‬
‫حوض العلوم اإلنسانية!‬

‫‪165‬‬

‫‪ -3‬ضرورة الحوار‪ :‬الوعي بحصول التبديل وباستنباتية العقول‬
‫وحوضيَّة المفاهيم‬

‫‪170‬‬

‫‪ -4‬وحدة الدين والعلم والفلسفة وتحتم إعادة بناء مفهوم العلمانية‬

‫‪173‬‬

‫الفصل الثالث‪ :‬التاريخ يكتب ويتكلم‬

‫‪181‬‬

‫الفصل الرابع‪ :‬الوعي التاريخي وتشكل «المثقف المستع َمر»‬

‫‪201‬‬

‫‪ -1‬الوظيفة الشهودية مرتكز القوة الوجودية للعرب‬

‫‪202‬‬

‫‪ -2‬مفهوم العلم في الحوض االستعماري‬

‫‪208‬‬

‫‪ -3‬الحوْ ض العلماني الغربي والوعي الوجودي‬
‫‪214‬‬

‫استبدال وحي األرض بوحي السماء‬
‫الفصل الخامس‪ :‬رائز د‪ .‬فرج فودة وأكذوْبة االستقالل‬

‫‪221‬‬

‫الفصل السادس‪ :‬الدجل العلماني‪ ،‬الدولة الدينية والدولة المدنية‬

‫‪235‬‬

‫الفصل السابع‪ :‬األصل الديني للثقافة والدوستورانية الغربية‬

‫‪244‬‬

‫‪6‬‬

‫المسلمون والتاريخ‬

‫الفصل الثامن‪ :‬مفارقة العلمانية والديمقراطية‪ ،‬الدولة اإلسالمية والحزب اإلسالمي ‪259‬‬
‫‪260‬‬
‫‪ -1‬تناقض جمال البنا في الجمع بين الشريعة وتحييد اإليمان‬
‫‪ -2‬د‪ .‬إياد القنيبي وحزب العدالة والتنمية التركي‬
‫وقفو المرء ما ليس له به علم‬

‫‪270‬‬

‫الباب الخامس‪ :‬العالمية ووبال العقل الالتاريخي‬

‫‪315‬‬

‫الفصل األول‪" :‬العالمية" و"علمية" قوة التاريخ‬
‫المفهوم القوي ‪ -‬الصحيح‪ -‬لالستخالف‬
‫‪ -1‬العالمية سنة نظماتية قاهرة‬

‫‪316‬‬
‫‪317‬‬

‫‪ -2‬لماذا ابن خلدون وابن رشد وليس الفارابي وابن سينا؟!‬

‫‪323‬‬

‫‪ -3‬العلماء العقل الجمعي لألمة هم المسؤولون ومصدر الهزيمة‬

‫‪331‬‬

‫‪ -4‬أباطيل وأسمار ‪ ..‬وأغالل‬

‫‪354‬‬

‫‪ -5‬عقل الغزالي ومعيار البناء بالعلم أو معيار االستخالف القوي لألمة‬

‫‪365‬‬

‫الفصل الثاني‪ :‬دولة االستخالف والمفهوم الحق للعمل الصالح‬

‫‪368‬‬

‫‪ -1‬بطالن ثنائية (الدولة الدينية‪ ،‬الدولة المدنية) والمفهوم الحق للعمل الصالح‬

‫‪369‬‬

‫‪ -2‬االستْبداد واالجتماع األناني حاجزا الطور التاريخي المؤسساتي‬
‫‪376‬‬

‫المصدر الوحيد للقوّ ة‬
‫الباب السادس‪ :‬الماسونية بمصر قبل األفغاني بمائة عام‬
‫‪7‬‬

‫جمال الدين األفغاني والتحليل التاريخي‬

‫‪384‬‬

‫استكناه الماسونية‬
‫الفصل األول‪ :‬الماسونية والعمل واالستخالف‬

‫‪385‬‬

‫‪ -1‬داللة الكوس والبركار عند الماسونية‬

‫‪386‬‬

‫‪ -2‬الدعاء هو العبادة والبناء – حقيقة االستخالف‪ -‬موطئ قدم الدعاء‬

‫‪402‬‬

‫‪ -3‬حرب العُقول‪ :‬الد اجل والتضليل‬

‫‪401‬‬

‫‪ -4‬الرّ مز الماسوني‪ :‬التمويه والحقيقة‬
‫وتداخل منظمة الصّليب الوردي والماسونية‬

‫‪404‬‬

‫صعود الغرب التاريخي في عقل‬
‫‪ِ -5‬م انصة فلورنسا ل ُ‬
‫‪422‬‬

‫سعادة الدارين لمحمد الفاراْبي‬
‫الفصل الثاني‪ :‬مِعيارية الرياضيات وحقيقة االستخالف‬

‫‪426‬‬

‫‪ -1‬الغرب يأخذ المفتاح والرقم السِّرِّ ي في تسخير قوى االستخالف‬
‫‪427‬‬

‫في األرض من المسلمين‬

‫‪439‬‬

‫‪ -2‬االستخالف‬
‫الفصل الثالث‪ :‬ج اهاد الدكتور رشدي راشد وفريق عمله‬

‫‪446‬‬

‫‪ -1‬الدكتور رشدي راشد وندا ُء أصحاب ال ّسمرة يوم حنين‬

‫‪447‬‬

‫‪ -2‬دجاجلة على العقل الصناعي (الكوس والْبركار)‬
‫‪454‬‬

‫كما دجاجلة على اللغة والثقافة‬
‫‪8‬‬

‫المسلمون والتاريخ‬

‫‪ -3‬أصل القوّ ة االستكشافية لمحمود شاكر ورشدي راشد‬

‫‪460‬‬

‫‪466‬‬

‫الباب السابع‪ :‬اآلن واإلنسان نتاج التاريخ‬
‫الفصل األول‪ :‬دليل الهيمنة الكونية للمِعيارية الرياضية‬

‫‪467‬‬
‫‪470‬‬

‫الفصل الثاني‪ :‬اكتساح زنجي رهيب! مناورة تاريخية أم هي سكين صليْبية؟‬
‫ّ‬
‫التنزل الخلقي لإلنسان أو القضاء والقدر‬
‫الفصل الثالث‪:‬‬

‫‪478‬‬

‫الفصل الراْبع‪ :‬تأصيل علم النفس ومحدودية فلسفة اإلنسان‬
‫التع ّدد ال اعوالمي للطفل‬

‫‪491‬‬

‫الفصل الخامس‪ :‬قراءة نقدية لتوطئة الشيخ أْبي عْبد الرحمان‬
‫ل"مصادر األحكام عند اْبن حزم"‬

‫‪500‬‬
‫‪529‬‬

‫الفصل السادس‪ :‬الحسم في سؤال أصل اللغة‬
‫الفصل الساْبع‪ :‬فطرة مخارج الحروف وعلمية عالقة الصوت ْبالمعنى‬

‫‪534‬‬

‫الفصل الثامن‪" :‬التذوّ ق" عند محمود شاكر وآلية التحليل والتركيب‬

‫‪541‬‬

‫الفصل التاسع‪ :‬علم تأويل األحالم وآلية التحليل والتركيب‬
‫وخطأ اْبن حزم في مسألة الضّمير‬
‫الفصل العاشر‪ :‬قضية المتنْبي وآلية التحليل والتركيب‬
‫الفصل الحادي عشر‪" :‬التذوّ ق" في مرجع المعجمية ومِعيار العلمية‬
‫الفصل الثاني عشر‪ :‬المقاْبر واألكواخ الكئيْبة‬
‫‪9‬‬

‫‪545‬‬
‫‪553‬‬
‫‪557‬‬
‫‪561‬‬

‫جمال الدين األفغاني والتحليل التاريخي‬

‫الباب الثامن‪ :‬هاء األفغاني والماسونية أو مشاكلة السالح‬

‫‪570‬‬

‫الفصل األول‪ :‬األفغاني في بيت أبيه براء‬
‫‪571‬‬

‫من تدهور مصر وهوان األمة‬
‫الفصل الثاني‪ :‬العين التاريخية لصقر أفغانستان‬

‫‪580‬‬

‫الفصل الثالث‪ :‬ال ّدهاء السياسي حكمة وليس خيانة‬
‫مُصادرة األفغاني للماسونية سالحا في المواجهة‬
‫الباب التاسع‪ :‬المَيار البَ ي في قضية جمال ال ين األفغاني‬
‫الفصل األول‪ :‬المعيار ال ُْبعدي دليل السرقة الصّليْبية للعمل العرْبي الرياضي‬

‫‪602‬‬
‫‪611‬‬
‫‪612‬‬

‫الفصل الثاني‪ :‬المعيار البعدي والحكم بالحق في قضية جمال الدين األفغاني‬

‫‪627‬‬

‫استنباط‪:‬‬

‫‪648‬‬
‫‪661‬‬

‫المصادر والمراجع‬

‫‪10‬‬

‫المسلمون والتاريخ‬

‫مقدمة‬
‫الحمد هلل الذي خلق اإلنسان في أحسن تقويم وشرفه بالحجا خليفة مكرما على في‬
‫األرضين‪ ،‬والصالة والسالم على رسول هللا النبي العربي األمين المرسل رحمة للعالمين‪،‬‬
‫أما بعد‪...‬‬
‫ذات يوم كنا نقول بأن حصوننا مهددة من داخلها‪1‬؛ إنها اليوم ما عادت مه َّددة من‬
‫داخلها فحسب‪ ،‬فالعد َّو أمسى هو مالكَها وسيدها والمتحكم في رقاب أهلها‪ ،‬يولي منهم‬
‫من يشاء ويعزل من يشاء‪ ،‬ويحل لهم من شريعتهم ويحرم‪ ..‬بيده مقاليد األمور؛ والرفع‬
‫عند فقهاء اللغة في صيغة المضارع إفادته سيرورة حدوثية من غير مقاومة جديرة أن‬
‫تذكر‪ .‬وكذلك جعل ربك – سبحانه وتعالى! البيان صورة طباقا لما يقع وما يحكى‪،‬‬
‫واللسان العربي لسان القرآن المجيد على اختالف األلسن له ميزة التناسق مع بعد الزمن‪،‬‬
‫ب َّينا من قبل على مشكاتها‪ 2‬خطأ ما استقر عليه قومنا في تقعيد النحو العربي‪ ،‬وألزمنا عليه‬
‫التقويم وحددنا صحيح أنساق اإلعراب‪ .‬أما اإلبانة فهي كما قال محطم قداسة المذهبية ابن‬
‫حزم ‪ -‬رحمه هللا! ‪ -‬ال ميز فيها بين لغات البشر‪.‬‬
‫الحصون التي كانت باألمس حصونا‪ ،‬هي اليوم بمن فيها لغة وثقافة وبرامج تعليم‬
‫ودساتير‪ ،‬أمست نمطا علمانيا فسوقا عن الدين مفروضا‪ ...‬ومن يقل منهم إني مسلم فذلك‬
‫داعشي‪ 3‬يدعو لدولة شريعتها اإلسالم‪ ،‬الدين الذي ال تقبله األمم المتحدة في النظام العالمي‬
‫الجديد وتقبل ما سواه أن يكون دينا‪.‬‬

‫‪1‬‬

‫هذا عنوان لكتاب للدكتور محمد محمد حسين رحمه هللا‬
‫‪2‬‬
‫في كتابنا "نقض مقولة التقسيم وتصحيح النحو العربي"‬
‫‪3‬‬
‫نسبة 'داعش' اختزال‪' :‬دولة اإلسالم في العراق والشام'‪ .‬وما خرقت داعش لشيطنة كل ما له صفة اإلسالمي انتماء وسياسة‪،‬‬
‫للتنكيل باألمة وبالحرائر واألحرار من الثوار‪ ،‬إال من بعد سقوط مشعل الثورة العربية البوعزيزية المجيدة‪ ،‬من اليد المصرية التي أسكرتها‬
‫صفارة "شعب مصر العظيم" ومن بعد االنقالب‪ .‬ولقد كان درسا جليا يمأل آفاق االعتبار‪ ،‬درس فشل االنقالب على الحكومة المسلمة في‬
‫تركيا‪ ،‬حكومة الرجل القائد المغوار رجب الدين أ ردوغان‪ ،‬مثل القائد الذي يشعر ويدرك مسؤولية من وراءه‪ ،‬وأن سالمته من بعد هللا هي‬

‫‪11‬‬

‫جمال الدين األفغاني والتحليل التاريخي‬

‫ال‪ ،‬بل انظر! إن الشطر المقاوم عن دينه الحق اتباعا لمن سبق باإليمان بإحسان‪،‬‬
‫كأفغانستان والشام والعراق ذبح وقتل تقتيال‪ ،‬ومن استبقوه في هذه الجهة‪ ،‬في البالد التي‬
‫تسمى بالغرب اإلسالمي‪ ،‬يسومونه سوء العذاب من الذل عيانا‪ ،‬تأنيث البالد والمجتمع‬
‫تأنيثا فائقا معتاد درجة العلمانية من حيث النسبة األنثوية في األجور وكثافة الحركة‬
‫النسائية المرورية (بالسيارة)‪ -‬كأنما األصل في العمل والخروج من البيت هو للمرأة‬
‫وليس للرجل‪.-‬‬
‫ال ْبل إنّ اإلذالل للمسلمين ا‬
‫ْبلغ ح ّدا أن تصْبح أوطانهم ُم املكة لغيرهم وْبسعي صليْبي‬
‫ظاهر واضح؛ ُي اهجرُ المُسلمون والعرب من ديارهم ْبمخططات منظمات ْبل وأممية‪،‬‬
‫و ُي اوطن ْبمؤتمرات حفظ حقوق األقليات والهجرة األغراب والعلوج من األفارقة في الْبالد‬
‫العرْبية وفي مغرْبها ْبشكل خطير! وما ْبقي وطن في التاريخ محفوظا إال ْبدماء الوطنيين‬
‫من رجاله ونسائه وأرواح شهدائه‪ ،‬وأيّ شاهد هو يوم غدرة الزنوج ْبالْبصرة ألولي‬
‫الْبصائر‪.‬‬
‫إنّ المسلم ال يكون عنصريا‪ ،‬فتلك جاهلية من الجاهلية األولى‪ ،‬ليست من اس ِويِّ الخلق‬
‫اإلنساني حتى‪ .‬المسلم يكون رحيما ويكون إنسانيا أكثر من غيره‪ ،‬مع المسلم ومع غير‬
‫المسلم‪ ،‬ليس يكون إنسانا إذا لم ينظر إليه كونه أخاه‪ ،‬ويقتسم معه غذاءه إذا اقتضى الحال‪.‬‬
‫لكن حين ترى ْبأم عينيك عملية التقتيل والترحيل القسري إلخوانك يخرجونهم من ديارهم‬
‫وأوطانهم يموتون غرقى في اليم أو مشردين في الغرب‪ ،‬مخططا صهيونيا وصليْب ّيا ساريا‬
‫على قدم وساق‪ ،‬ونسق االستنْباط هو من األنساق الفطرية األولية في العقل اآلدمي‬
‫السوي‪ ،‬فْبعد الشام والعراق وليْبيا واليمن لم تْبق إال أنت‪ ،‬ومن لم ُيْبصر وال يعقل وال‬
‫يسمع فذلك جزاؤه‪.‬‬

‫أمانة على عاتقه‪ ،‬التي بسالمتها سلمت األمة اإلسالمية أكيدا‪.‬‬
‫‪ -‬من غير تثقيف وال تدبيج‪ ،‬وروح الكلمة أبلغ من ذلك‪-‬‬

‫‪12‬‬

‫المسلمون والتاريخ‬

‫إن العشر ْبل أدنى ْبكثير من عشر هؤالء األفارقة الذين اكتسحوا المغرب األقصى شاء‬
‫هللا تعالى أن يكشف لنا أمرهم ومعدنهم في الديار الليْبية إْبان أحداث الثورة (الْبوعزيزية)‪،‬‬
‫حين طفقوا يقتحمون على الناس دورهم‪ ،‬ولم يْبالوا ْبما كانوا يقدمون لهم من الحسنى‪،‬‬
‫ولكنها الطْبيعة الحيوانية الكامنة السريعة إلى التحول في أي لحظة من اللحظات‪ ،‬في كل‬
‫ْبشر‪ ،‬كما في رواية أكيرا سيزيكو (السرب العاوي) أو الذئاب العاوية‪ ،4‬وليس يرد قدرها‬
‫الماثل في األفق كأنه سحاْبة ريح ْبدماء ممطر إال ما ْبثه هللا تعالى في الشعوب من فطرة‬
‫حب األوطان والموت من أجلها – ومن لم يذد عن ع‬
‫حوضه ْبسالحه يهدم‪ -‬فشْبر من‬
‫الوطن أعز من األرض ذهْبا‪ ،‬وقد اتحد حكم الفقهاء والقانون الوضعي في حرمة‬
‫التصرف للحاكم والمحكوم فيما هذه صفته‪ ،‬حكما ال يحتمل تأويال وال يُلحق ْبتقييد تأْبيدا‪.‬‬
‫ولنكن أكثر إْبانة عن الحقيقة الخطيرة التي يعيش في وضعها المغارْبة وهم عنها الهون‬
‫وغافلون لشروطهم وخاصة وعيهم السياسي وظروفهم الحياتية‪ ،‬إنه ال يخدعنكم مظهر‬
‫التقوى والمسْبحة (السْبحة)‪ ،‬فإن ما سجله تاريخ المغرب على غرار العرب في ظل مقولة‬
‫آلية التغالب لتعيين الخلف من ْبعد موت اإلمام أو حدوث خالفات ومنازعة حول الحكم‪،‬‬
‫وكثيرا ما كان أيضا ْبين الملك وأوالده‪ ،‬ما حدث من تقتيل وهتك ألعراض العذارى في‬
‫خدورهن‪ ،‬وسْبي للنساء واألطفال وما إلى ذلك من الئحة أْبشع األعمال وأكثرها دموية‬
‫ووحشية‪ ،‬ما كان ذلك إال ْبين مسلمين يصومون ويصلون ويحملون مسْبحات وإن كانوا ال‬
‫يحملونها على صدورهم كما يفعل األفارقة‪ .‬ولكنها الطْبيعة الْبشرية وقانون التغالب هذا‬
‫الذي يدل داللة واضحة على الموقع والطور التاريخي‪ .‬وهذا الوضع والشرط األخير هو‬
‫الذي يمثل هالكا يوشك أن يحين أوانه‪ .‬وإنه ال عذر للجاهل ْبسنن التاريخ وناموسه‪ .‬وأشد‬
‫هللا حافظ هذه الْبالد‪ ،‬وكذلك كان في سوريا من يقول قولهم‬
‫الناس جهال هو الذي يقول‪ :‬إن ا‬
‫وفي اليمن وفي ليْبيا‪ ،‬وهل أرض أشرف وأعظم حرمة من ْبيت هللا الحرام؟ وهذا نْبأ‬
‫التاريخ نسوقه ْبالحق‪:‬‬

‫‪4‬‬

‫‪LA MEUTE HURLANTE LES NightHowlers ABYSSES- AKIRA SUZUKO-HACHETTE LIVRE.1998.‬‬
‫‪LIBRAIRIE DES CHAMPS- ÉLYSÉES‬‬

‫‪13‬‬

‫جمال الدين األفغاني والتحليل التاريخي‬

‫"وقد سار أْبو طاهر‪ْ 5‬بجيشه إلى مكة النتزاعها من عامل العْباسيين فانتهى إليها في ‪7‬‬
‫ذي الحجة من عام ‪ 317‬فخرج إليه أمير مكة يومها اْبن محارب في جماعة من األشراف‬
‫يسألونه أموالهم فلم يشفعهم فقاتلوه فهزمهم ووضع سيفه في الطائفين والمصلين‬
‫والمتفرقين في مكة وشعاْبها وصاح ْبه الناس أتقتل جيران هللا؟ فقال‪ :‬ليس ْبجار من خالف‬
‫أوامر هللا‪ .‬وظل كذلك حتى قتل ما يرْبو على ثالثين ألفا‪ ،‬دفن كثيرا منهم في ْبئر زمزم‪،‬‬
‫كما دفن ْبعضهم في المسجد الحرام ْبغير غسل وال تكفين وال صالة‪ ،‬ونهب جيشه أموال‬
‫الحجاج وأهل مكة‪ .6‬وكان ممن قتل ْبمكة أميرها اْبن محارب والحافظ أْبو الفضل محمد‬
‫ْبن الحسن الجارودي وهو متعلق ْبْباب الكعْبة‪ ،‬وقتل إمام الفقهاء الحنفية أْبو سعيد‬
‫الْبردعي وكثير من العلماء الصوفية‪ .‬وممن هرب قاضيها يومئذ يحيى القرشي إلى وادي‬
‫رهجان‪ .‬وقد نهب القرامطة داره وفيها ما قيمته مائة ألف دينار وخمسون ألف دينارا‪.‬‬
‫وشمل النهب الْبيوت حتى أصْبح أهل مكة يستعطون الناس‪.‬‬
‫وركض أْبو طاهر وهو سكران شاهرا سيفه راكْبا فرسه‪ ،‬ودخل المطاف فْبالت فرسه‬
‫وراثت‪ ،‬وصعد إلى ْباب الكعْبة وهو يقول‪:‬‬
‫أنا ْباهلل وْباهلل أنا‬

‫يخلق الخلق وأفنيهم أنا‬

‫وفي ‪ 14‬ذي الحجة قلع الحجر األسود من مكانه وذهب ْبه إلى ْبالده هجر‪ .‬وْبقي‬
‫موضعه خاليا يضع فيه الناس أيديهم للتْبرك نحو اثنين وعشرين سنة‪ .‬ثم أعاده القرامطة‬
‫‪7‬‬
‫ْبعد ذلك قائلين‪ :‬أخذناه ْبقدرة هللا ورددناه ْبمشيئة هللا‪".‬‬
‫هذا في حرمة المكان‪ ،‬أما من جهة حرمة اإلنسان؛ فهذا ذو النورين من المْبشرين‬
‫ْبالجنة رضي هللا عنه‪ ،‬حرموه حتى الماء وتسلقوا عليه الجدران وأحرقوا الْباب وقتلوه‬
‫وهو يقرأ القرآن ويناشدهم هللا! أية فعلة أشنع من هذه تنفذها أيدي ونفوس أْبناء الساْبقين‬
‫‪5‬‬

‫أبو طاهر القرمطي‬
‫‪6‬‬
‫شفاء الغرام للفاسي‪ 218/2‬وقال صاحب درر الفوائد المنظمة (وقتل في المسجد الحرام ألفا وسبعمائة‪ ،‬وقيل‪ :‬ثالثة عشر‬
‫ألفا من الرجال والنساء وهم يتعلقون بالكعبة‪ ،‬وردم بهم زمزم ودفن بعضهم في المسجد ص‪ -235‬المرجع‪-‬‬
‫‪7‬‬
‫تاريخ مكة‪ :‬تأليف أحمد السباعي‪ -‬مطبوعات نادي مكة الثقافي‪ -‬الطبعة السابعة – ص‪172..170‬‬

‫‪14‬‬

‫المسلمون والتاريخ‬

‫من المهاجرة واألنصار؟! قتلوا هذه النفس الزكية ظلما وعدوانا في الشهر الحرام والْبلد‬
‫‪8‬‬
‫الحرام لثمان عشرة خلت من ذي الحجة سنة خمس وثالثين!‬
‫ما كان هذا الوقت مناسْبا وال مالئما للضيافة على اإلطالق ولو كان طالب الضيافة‬
‫يحمل خمسمائة سْبحة في يمينه وألفا ْبالشمال! وكم هو مهين أن يطرق هؤالء على أهل‬
‫الدار أْبواب مساكن (وللْبيوت حرمتها عرفا وقانونا) كل صْباح كأنهم وهللا جْباة‬
‫الضرائب! فوا ضيعة غيرة الخطاْبي وعزة الزرقطوني! آستقواء على الشعب العزيز وال‬
‫زال ظل الْبوعزيزي التاريخي وْبالحق لم يذهب‪ .‬فتوى كتاب األمير صادف غرضا‬
‫مترْبصا للصليب؟!! وهنا أقولها صادعا ْبها قْبل يوم الحساب للمستقوين على أْبناء أحياء‬
‫القصدير من حديثي النعمة والسمنة من المتتْبعين وإن يشأ هللا تعالى أفصل في هذا األمر‬
‫الخطير تفصيال – حاشا أْبناء الناس منهم والصّالحين – المتتْبعين الذين ال زالت أقدامهم‬
‫ْبها آثار السقي من عيون وأنهار الْبوادي‪ ،‬من هو الفاعل ومن المفعول ْبه‪ ،‬وهناك نظرية‬
‫علمية على هذا التأصيل‪ ،‬تأصيل الظواهر الوجودية والسياسية ْبالخصوص ْبميز الذكر‬
‫واألنثى على من يملك القوّ ة‪ ،‬فصال ْبين المتحكم والمتحكم فيه‪ .‬وهكذا قالها التاريخ‬
‫سأوريكم دور من يْبيعون أوطانهم ويتركون الْبالد مترعة يدخلها الداخل ويفعل ما يشاء‬
‫ويخرج سالما ال حارس للدار إذا‪ْ .‬بعد قضية السكاح هذا ْبلد الخطاْبي والزرقطوني لكم‬
‫معشر أفارقة وزنوج مؤتمر مجلس دول شمال األطلنطي مستْباح‪ .‬لكن يا حسرة على‬
‫ضياع أمانة الْبوعزيزي العظيمة في مصر ْبالذات وسقوط المشعل التاريخي‪ ،‬وكل ما‬
‫يعيشه كل ثوري عرْبي من ْبعدها وما ْبكى رضيع في وسوريا واليمن لفقدان من ترضعه‬
‫إال من هذا السخف المصري‪ ،‬سخف العقل الحامل لمسؤولية ثورة الخامس والعشرين‪،‬‬
‫التي هي في ذات اآلن أمانة ثورة العرب جميعا‪ .‬وما انقلْبت فرحة الثورة إلى اضطهاد‬
‫السجون إال جراء القنوع ْبإطراء كقصة الثعلب والغراب‪.‬‬

‫‪8‬‬

‫إتمام الوفاء في سيرة الخلفاء تأليف المرحوم الشيخ محمد الخضري بك المفتش بوزارة المعارف ومدرس التاريخ‬
‫اإلسالمي بالجامعة المصرية‪ -‬الطبعة التاسعة ‪1383‬ه‪1964 -‬م – ص‪205‬‬

‫‪15‬‬

‫جمال الدين األفغاني والتحليل التاريخي‬

‫إذن فْبعد إذالل االستْبداد لقرون ْبالفقه السياسي إياه‪ ،‬فقه الماوردي وإحكام القْبضة‬
‫السلطانية‪ ،‬تأتي الصّليْبية لتجهز على الرّ وح‪ ،‬فال الحصون ْبقيت وال أرواح من ْبداخل‬
‫الحصون‪ ،‬وروح األمة هو دينها وعرضها‪.‬‬
‫اِعلم أخي‪ ،‬أن الذي يقول ْبأن العقل مصدر التشريع أقول‪ :‬هذا حكمه في الشرع أنه‬
‫كافر لم يْبلغ ْبعد مْبلغ علم الحق وليس له من الفلسفة الحق حكمها وصفتها‪.‬‬
‫واعلم على درجة هذا العلم‪ ،‬أن من جعل العقل عدوا له‪ ،‬فهو سفيه العقل خادم‬
‫للشيطان‪ ،‬أزرى ْبنعمة هللا عليه‪ ،‬ساهم ويساهم في هدم حصون المسلمين‪ ،‬فال تْبقى لهم‬
‫في الدين والدنيا ْباقية؛ فإنّ العقل ْبه العم ُل وْبه الصّناعة وْبه التقدي ُر‪ .‬فالعق ُل ْبهذا هو‬
‫القنطرة والعقل هو الطائرة والعقل هو الْبارجة الحرْبية والعقل هو الصاروخ والعقل هو‬
‫القنْبلة النووية والعقل هو الذي ْبحول هللا وقوته ْبه األمنُ ‪ .‬ولسنا في حاجة للقول ْبأن‬
‫المنطق كذلك على نفس التمايز وجب إدراكه وتصوّ ره‪ ،‬على مْبدإ االختالف لْبنية قوله‬
‫لق ك امنع ال اي عخ ُ‬
‫تعالى {أف امنع اي عخ ُ‬
‫ون‬
‫توي‬
‫الذين ايعع ل ُم ا‬
‫ا‬
‫لق' أ افال تذكرُ ا‬
‫ون'}(النحل‪ )17‬و{ق عل اه عل ايسع ِ‬
‫ون'}(الزمر‪ )10‬وأيضا الفلسفة‪ ،‬فهي في الطور األول كان ينضوي تحتها‬
‫ين ال ايعع ل ُم ا‬
‫اوال ِذ ا‬
‫الرياضيات والهندسة وعلوم الصّناعة‪ ،‬التي هي المنتجة للعتاد الحرْبي‪ ،‬كما هو من أهم‬
‫المرتكزات – لعلك ال تعلم هذا األمر‪ -‬في نظمة الْبناء الفلسفي العلمي الصّرف ألْبي نصر‬
‫الفاراْبي‪.‬‬
‫وهذه العقل‪ -‬فوْبيا أو العداء للعقل‪ ،‬ليس يرى إال خدمة وكيدا صليْبيا نجح في ْبثه أعداء‬
‫األمة كيدا مْبيتا‪ ،‬وْبطرائق محمكة شتى‪ ،‬ور ّسخت في عقول المسلمين علمائهم وعامتهم‪،‬‬
‫وها هو اليوم الدليل الشاهد المشهود؛ وإال فما السّْبب الجلي المادي في الهزيمة وهدم‬
‫الحصون والتس ّيد على أمر األمة؟!‬
‫إن أْبعدا الناس عن العلمية وعن العدل واإلنصاف الذي يمكث على حال المجادلة في‬
‫ترجيح عقلين ومنحيين؛ ال يفيء إلى الحق سجيس عجيس‪ ،‬وهو يرى أمامه كفة أشالها‬
‫الميزان على األخرى وترجحها كل الرجحان‪ .‬وهذا هو حال المكذْبين المنكرين الذين ال‬
‫‪16‬‬

‫المسلمون والتاريخ‬

‫يعيرون معايير تحري الصدق اهتماما وال يحفلون ْبدالئله حتى يروا العذاب األليم‪ ،‬كما‬
‫يقول هللا عز وجل في كتاْبه العزيز‪:‬‬
‫ير'}(الملك‪)10‬‬
‫{وقالوا لا عو كنا انسع امعُ عأو انعع ِق ُل اما ُكنا ِفي أصع احا ِ‬
‫ا‬
‫ب الس ِع ِ‬
‫ون'}(‪)29‬‬
‫{ ِا عن اطلِقُوا إلى اما ُك عن ُت عم ْب ِه ُت اك ِّذ ُْب ا‬
‫ون'}(المطففين‪)17‬‬
‫{ثم يُقا ُل اه اذا ال ِذي ك عن ُت عم ْب ِه ُت اك ِّذ ُْب ا‬
‫ون'}(الدخان‪)47‬‬
‫{إن اه اذا اما ُك عن ُت عم ْب ِه اتمع ات ُر ا‬
‫ْبزغ فجر أمريكا "لما أسرفت إنجلترا في استغالل المستعمرات ضد مصلحة أهلها‬
‫ولمصلحة إنجلترا وحدها لم يطق األحرار صْبرا على ذلك‪ ،‬رغم داعي القراْبة والعصب‪،‬‬
‫وحارْبوا ْبريطانيا وهم في ثالث عشرة مستعمرة فقط‪ ،‬وهزموها ْبفضل إيمانهم ْبعدالة‬
‫قضيتهم وْبفضل اتحادهم‪ .‬وجاء في إعالن استقاللهم «نتعاهد فيما ْبيننا على ْبذل أرواحنا‬
‫‪9‬‬
‫وأموالنا وشرفنا المقدس‪ ،‬معتمدين وثيق االعتماد على حماية العناية اإللهية ورعايتها»"‬
‫وانفجر غضب الشعب الروسي أو قل العقل التاريخي الروسي وشيد في عشرين سنة‬
‫ما عطلته القيصرية لقرون‪ ،‬ألن أنظمة في االجتماع الْبشري ال تجتمع والتطوّ ر‬
‫التاريخي؛ الج اهاد ْبالنفس والمال نقيض األنانية والرْبوْبية االجتماعية والسياسية؛ هل ذهب‬
‫ترامب ْبل هل فكر في غصب إال قوما ظالمين!‬
‫ونهضت الياْبان والصين والهند ْبعزيمة فوالذية‪ْ ،‬بعقل تاريخي كاسح لألوهام مفرق‬
‫فرق‪ ،‬وهاهي اليوم من ْبعد ما‬
‫ْبين الحق والْبااطِ ل من غير عقدة تاريخية‪ ،‬وال ذعر وال ا‬
‫كاْبدت ‪ -‬واإلنسان خلق في كْبد‪ -‬ها هي أمم ْبثقافاتها مستقلة ولها من القوّ ة ما إن شاءت‬
‫تحكمت في النسق الوجودي العالمي‪..‬‬

‫‪9‬‬

‫التيارات السياسية في الشرق العربي‪ :‬محمد عبد الباري – سلسلة اخترنا لك‪ -...‬دار المعارف‪،‬مصر ‪ -1957‬ص‪61‬‬

‫‪17‬‬

‫جمال الدين األفغاني والتحليل التاريخي‬

‫وإن أمع ار قومي يا رب لمريب‪ ،‬هم ليسوا من هذا كله في شيء‪ ،‬ليس عندهم للعقل‬
‫التاريخي وال للنقد الذاتي وال للج اهاد ْباألرواح والمال‪ ،‬ليس ذلك عندهم ْباعتْبار؛ إنما‬
‫عدوهم هو الماسونية‪ ،‬ال يعرفون عدوا غيرها‪ ،‬على طرف لسانهم!‪ ،‬ويا رب سْبحانك لم‬
‫خلقت الماسونية كما كان سؤال الذين من قْبلهم‪ :‬رب لم خلقت الشيطان ولم لم ُترع ِد ِه قتيال؟!‬
‫إن قومي يقولون إن الماسونية ْبيدها مقاليد تحرّ رهم‪ ،‬فإن هي تركتهم وشأنهم استقام‬
‫أمرهم وحصل لهم نوال ما يتوقون إليه ويرضاه هللا تعالى لهم ورسوله صلى هللا عليه‬
‫وآله وسلم‪ ،‬وإن كانت األخرى‪ -‬وكأن مقاليد السماوات واألرض – والعياذ ْباهلل– ْبيدها‪،‬‬
‫كانت هي القاضية! هذه هي النظرية المسلم ْبها تسليما ألن الناس ال يكادون يتحرّ رون من‬
‫خطاْبها‪.‬‬
‫فإذا كانت الماسونية اخترقت كل شيء‪ ،‬فاعلم أن الكل يستخدمها لحساْبه؛ قال رسول‬
‫‪10‬‬
‫ْبس اف ِه امنع ينحو ْبهذا إلى معنى‬
‫هللا صلى هللا عليه وآله وسلم‪" :‬الحرب خدعة" ‪ .‬وأعع ظِ عم ا‬
‫دعوة االنضواء‪ .‬إن المانع عن التحرّ ر والعزة وحماية الحدود والولد واألوطان ليس هو‬
‫الماسونية يقينا؛ كل األمم تحمي أوطانها وهي حامية حانية على أْبنائها‪ ،‬ولم تحل ْبينها‬
‫وْبين عزتها وسيادتها وحرية دينها ال األمم المتحدة وال الماسونية‪ .‬وكذلك قالوا ويقولون‬
‫إن اليهود هم الذين وراء المأساة الكْبرى والحدث الجلل لنهاية وحل الخالفة العثمانية؛ إنما‬
‫هي عوامل مفعلة على شرط اختالالت المسؤول فيها هو عقل الكيان‪ ،‬عقل الخالفة‬
‫كمؤسسة تاريخية‪..‬‬
‫ولما جاء رجل من أقصى الشرق يسعى في التاريخ وْبعلم الحق لم تأت أمة العُرب‬
‫والمُسلمون ْبمثله منذ قرون ْبشاهد الفعل واألثر ال مجرّد الدعاوى والوهم كما عند قوم؛‬
‫وما أظن إال أنه علم وذروة سامقة للعلم والحكمة إليها يقاس عظام الرجال من مثل غاندي‬
‫ونهرو ال هو يقاس إليهم؛ قال يا أمتي ويا قوم إن األمم يأتمرون ْبكم ليغزوكم ويقتسموكم‬
‫فهْبوا من غفلتكم وأعدوا العدة لمالقاة عدوكم وأنا لكم ناصح أمين! كان يكفي ألذكياء‬
‫الصّليْبيين والصهيونيين – وأذكياؤهم ليسوا كأذكيائنا‪ -‬أن ال يهملوا وهم يدونون مذكراتهم‬
‫‪10‬‬

‫البخاري (‪ )3030‬عن جابر بن عبد هللا‪ ،‬ومسلم (‪ :)4637‬شبكة السنة النبوية وعلومها‬

‫‪18‬‬

‫المسلمون والتاريخ‬

‫– ألنهم يعلمون أن أذكياءنا يقرؤون ما يكتْبون‪ -‬أن يذكروا أن جمال الدين األفغاني انتظم‬
‫في الماسونية‪ ،‬كان يكفيهم ذلك للقضاء على روح خصمهم ومنع قفو طريقه التحرري من‬
‫ْبعده‪ ،‬خصمهم الذي فكر في استعمال جميع األسلحة الممكنة إلنقاذ أمته من مخالب‬
‫الوحوش والكواسر ومنها الماسونية‪ ،‬ورد سهامها أو ْبعض منها إلى نحر العدو‪ ،‬وكذلك‬
‫كان كافيا إلْب اععاد أقوى وأنجع السالح الممثل في األنساق العلمية والفكرية‪ ،‬ألنها ْبالذات‬
‫من رأي هذا الرجل الغريب كما يقول من ال يفقه ما معنى القول في تقويم وجود‬
‫المخلوقات من الحيوان واإلنسان‪ ،‬وْبالطْبع سيكون هذا الجسم موضوع القضية مقضيا‬
‫عليه‪ ،‬إال من وهم في تمثيل اإلسالم وتمثيل عقل األمة اإلسالمية‪.‬‬
‫إن جمال الدين األفغاني رحمه هللا ليس فقط عنوان طور لألمة العرْبي اإلسالمية‪ ،‬رجل‬
‫ْبقدر أمة لم يصارع سمك القرش كما في رائعة هرنست همنغواي "الَجوز والبحر" ْبل‬
‫واجه امْبراطوريتين استعماريتين ْبل أكْبر اإلمْبارطوريات االستعمارية‪ ،‬هو ليس ْبهذه‬
‫آثار ُه عم' او ُكل اشيع ء‬
‫الداللة في األرض والسماء‪{ :‬إنا انحع نُ ُنحع يي عال ام عو اتى او ان عكتبُ اما قد ُموا او ا‬
‫ضعف العقل‬
‫ص عي اناهُ ِفي إ امام ُمْبين'}(يس'‪ْ )11‬بل هو أيضا دليل في التاريخ على ا‬
‫أاحع ا‬
‫الجمعي المصادر لتمثيل عقل األمة‪ ،‬لكنه عقل نظام أمة مْبدلة أذهب هللا تعالى نورها‪،‬‬
‫ومن لم يجعل له نورا فما له من نور‪ .‬وإن األمة التي ال تصنع وال تعد العدة هي أمة غير‬
‫تقية‪ ،‬وأنها تعيش في التاريخ على غير المفهوم الحق لالستخالف‪ ،‬وعلى غير تالوة حقة‬
‫ت}‪.‬‬
‫وفقه صحيح لمعنى‬
‫{الذين آ ام ُنوا او اع ِملُوا الصّالحا ِ‬
‫ا‬
‫لئن كان جمال الدين األفغاني‪ ،‬هذا الرجل العظيم ْبقدر الفعل والتاريخ‪ ،‬والرجال يسمون‬
‫رجاال ْبميزان السماء واألرض وليس فقط ْبالْبعد التوالدي الذي تشاركهم فيه الحمر‬
‫والدواجن والعجماوات‪ .‬لئن كان علما ْبقي ويْبقى شاهدا‪ ،‬فهذا شاهد اليوم على الوجه‬
‫المقاْبل‪ ،‬أمسى فيه العرب يفتقدون لرجل وقائد مثل صالح الدين األيوْبي وجمال الدين‬
‫األفغاني وأردوغان‪ ،‬وإال فما تأويل وما تفسير هذا السقوط ْبمصر لمشعل ثورة األمة‪،‬‬
‫ثورة ْبذلت دونها المهج وفداها الرجال والنساء في تونس أْبي قاسم الشاْبي وسوريا‬

‫‪19‬‬

‫جمال الدين األفغاني والتحليل التاريخي‬

‫واليمن‪ ،‬وليْبيا عمر المختار ْبرجال أْبهروا العالمين‪ ،‬وأظهروا الصّورة الحقيقية للعرب‬
‫في إعالم أمريكا والغرب‪..‬؟؟؟‬
‫يقول علي عزت ْبيجوفيتش رحمه هللا – وأهل الرْباط والثغور أحق ْبالفتوى‪ -‬ولوال أن‬
‫ليس ُْبد من التفصيل لوددت أنني استغنيت ْبكلمته هاته عن الكالم؛ وما إخالها إال ْبركة من‬
‫ْبركات كتْبها هللا للمجاهدين في سْبيله‪ ،‬ذكرا حسنا في الدنيا وشفاعة تعطى لسْبعين يوم‬
‫قلوْبهم مرض في ريْبهم يترددون؛ يقول من له‬
‫الدين‪ ،‬كما جاء في الخْبر‪ ،‬وذر الذين فِي ِ‬
‫حق القول‪:‬‬
‫«يواجه المُسلمون اختيارا صعْبا ينْبغي عليهم أن يتجنْبوا فيه اختيار أحد طرفين‬
‫متعارضين‪ :‬الرفض التام للحضارة الغرْبية أو اتْباعها اتْباعا أعمى فكالهما خطر على‬
‫نفس المستوى‪ ،‬ذلك ألننا إذا لم نتعاون ْبإيجاْبية فإن ضعفنا سوف يمتد إلى ما ال نهاية‪،‬‬
‫وإذا قْبلنا هذه الحضارة ْبال تمييز ْبين ما فيها من خير وشر فسوف نخسر هويتنا ‪ ...‬نحن‬
‫ال نستطيع أن ننعزل ونقطع أنفسنا عن العالم‪ ،‬ويجب علينا أن نهتدي في هذا ْبقول نْبينا‬
‫الكريم‪" :‬الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق ْبها‪".‬‬
‫كما يجب أن نعي حقيقتين رْبما يغيْبان عن أذهاننا‪ :‬الحقيقة األولى هي أن هذه الحضارة‬
‫هي نتاج مشاركة عالمية لعدد كْبير كمن العلماء ينتمون إلى قوميات وأديان مختلفة‪،‬‬
‫والثانية هي أن قوّ ة الغرب ليست في اقتصاده وقوته العسكرية فحسب‪ ،‬فهذا هو الجانب‬
‫الخارجي منها‪ ،‬ولكن القوّ ة الحقيقية للغرب تكمن في النقد الفكري‪ ،‬وهذا ما ينْبغي أن‬
‫نفهمه وأن نمارسه في حياتنا‪».‬‬
‫روح النقد الفكري هي روح "أطيعون ما أطعت هللا فيكم!" و"أصاْبت امرأة وأخطأ‬
‫عمر" ولكن روح الماوردية و"األحكام السلطانية" ال تْبقي على هذه الرّ وح وال تذر منها‬
‫شيئا‪.‬‬
‫و ُيحذر عزت ْبيجوفيتش مما س ّماه ْبالتقليد الطفولي للمظهر الخارجي للحضارة الغرْبية‬
‫ألن هذا المظهر يحمل في طياته ْبطانة ثقافية غير مشهودة‪ ،‬ولكنها ممزوجة ْبكراهية‬
‫‪20‬‬

‫المسلمون والتاريخ‬

‫عميقة واحتقار شديد لإلسالم والمسلمين موروث من زمن الحروب الصّليْبية ‪ ..‬وهذا ما‬
‫يفسر لنا كيف أن أْبناءنا عندما يحتكون ْبهذه الحضارة وينْبهرون ْبها يشعرون ْبعقدة‬
‫النقص تجاهها‪ ،‬ويتشرْبون روح العداء لإلسالم وقيمه وتاريخه ومن ثم ينشأ عندنا ذلك‬
‫الصراع األزلي ْبين دعاة الحداثة والتْبعية للغرب وْبين المحافظين المتصلْبين على التقاليد‬
‫‪11‬‬
‫‪ ..‬وقد مزق هذا الصراع كثيرا من المجتمعات المسلمة وأدى إلى نتائج كارثية‪.‬‬
‫إنها لألسف نتائج كارثية حقا‪ ،‬تسير ْباألمة على منحى تفاعل منهك وممزق لكيانها كل‬
‫ممزق‪ْ ،‬بفعل حقل احتقان مفعل ْبالغرب االستعماري الذي لم تزل ْبيده مقاليد األمور‪ ،‬حقل‬
‫لوحتاه الزاويتان العلمانية والسّلفية‪.‬‬
‫إنها قضية شائكة‪ ،‬قضية من كْبريات القضايا التاريخية والفكرية التي احتد الخالف‬
‫فيها؛ ولما كانت الميزة الخاصة للحق عدم االختالف‪ ،‬فْبقدر ُْبعد الذوات ومناهجها عن‬
‫الحق تفاقم واشتد خالفها‪.‬‬
‫لكن القضية الموازية‪ ،‬أو صلب القضية‪ ،‬هي تحري الحكم ْبالحق وذلك ليس يكون إال‬
‫ْبالوضع الصحيح األقوم للقضية‪ ،‬الوضع الذي لها في ميزان السماوات واألرض ال على‬
‫األهواء ومالءمات السياسات والمذاهب ونزوعات األشخاص‪ ،‬وكل ما ليس على الوضع‬
‫ا‬
‫الحق والميزان فهو يقينا من هاتيك األهواء‪ .‬يقول هللا تعالى‪{ :‬فإنع‬
‫تنازعع ت عم فِي اشيع ء فرُ دوهُ‬
‫تأويال'}(النساء‪)58‬‬
‫ون ْبا ِ‬
‫ول إنع ك عنت عم عتؤ ِم ُن ا‬
‫إلى ِ‬
‫هللا اوالر ُس ِ‬
‫هلل او عال اي عو ِم اآلخ ِِر' ذل اِك اخ عي ٌر اوأحع اسنُ ِ‬
‫{و اما ع‬
‫هللا'}(الشورى‪ )8‬ويقول ّ‬
‫عز مِن‬
‫اختل عفت عم فِي ِه مِنع اشيع ء افحُ ك ُم ُه إلى ِ‬
‫ويقول سْبحانه‪ :‬ا‬
‫{و اما تفرقوا إال مِنع اْبعع ِد اما اجا اء ُه عم عالع عِل ُم' اْبغيا اْبيعن ُه عم'}(الشورى‪ )12‬ويقول سْبحانه‪:‬‬
‫قائل‪ :‬ا‬
‫ت ْب اما أ عن از ال ِمنع ِك اتاب اوأ ِمرع ُ‬
‫ت اوال اتتْبعع أهع اوا اء ُه عم' اوق عل آ ام عن ُ‬
‫{فلِذل اِك ع‬
‫فادعُ اواسع ت ِق عم ك اما أمِرع ا‬
‫ت أنع‬
‫أعع ِد ال اْب عي انك عم' هللاُ ارْب انا او ارْبك عم' ل انا أعع امال انا اولك عم أعع امالك عم' ال حُ جة اْب عين انا او اْب عينك عم' هللاُ ايجع ام ُع اْب عين انا'‬
‫اوإل عي ِه عال امصِ يرُ '}(الشورى‪)13‬‬
‫‪11‬‬

‫مذكرات علي عزت بيجوفيتش الرئيس السابق لجمهورية البوسنة والهرسك‪ -‬ترجمة وإعداد محمد يوسف عدس مستشار‬
‫سابق بهيئة اليونسكو‪ -‬كتاب المختار – ص‪150-149‬‬

‫‪21‬‬

‫جمال الدين األفغاني والتحليل التاريخي‬

‫وعليه فما من سْبيل أوفق في تحري الحق هو الصدور عنه والسير على نوره والحكم‬
‫ْبه‪ ،‬ووجوْبه في ما اجل من المختلف فيه وعظام األمور أولى وأدعى‪ ،‬ومن خالفه كان من‬
‫صنف النفوس المجادلة ْبغير علم وال هدى وال كتاب منير‪ ،‬ثانية عطفها تضل عن الحق‬
‫ولو كانت تعد في نفسها أو يعدها مريدوها وأتْباعها من المشيخة التقية المهدية المهتدية‪،‬‬
‫فإن لكل شيء حقيقة‪ ،‬فالسيف ْبرهانه ساحة الوغى‪ ،‬والتقوى رْبنا عز وجل أعلم ْبما في‬
‫الصدور‪ .‬أْبو ْبكر الصديق رضي هللا عنه قامع الردة كان حتى وهو خليفة رأس أمة‬
‫رهْبان الليل وفرسان النهار يحلب للعجائز واأليتام شياههم وما كان لعمله ذاك شاهده إال‬
‫هللا‪.‬‬
‫إن ما نجعله نورا لمنهجنا هو كتاب رْبنا تعالى الذي له الحمد كله أن ال إله إال هو لم‬
‫يجعل له شريكا في ملكه وحكمه سْبحانه‪ ،‬وسنة نْبينا محمد ْبن عْبد هللا صلى هللا عليه‬
‫وسلم أحب إلينا من أنفسنا؛ فهذا مرجع نهجنا‪ :‬العلم والحكمة‪.‬‬
‫فأعظم قانون ال نهج يصح من دونه وال اعتداد ْبقول من قائل من ْبعده‪ ،‬هو قانون تْبعية‬
‫الحكم على مطلق أْبعاد القيمة الحقائقية للسعة العلمية منصوصا أصال صريحا ثاْبتا في‬
‫تحاجو ان انا ِفي هللاِ او ُه او ارْب انا او ارْبك عم اول انا أعع امال انا اولك عم أعع امالك عم' او انحع نُ ل ُه‬
‫القرآن المجيد‪{ :‬ق عل أ ا‬
‫قولون إن إ عْب ارا ِهي ام اوإسع اماعِ ي ال اوإسع اح ا‬
‫قوب اواألسع اْبا اط كانوا ُهودا‬
‫ون' أ عم اي‬
‫ُم عخلِ ُ‬
‫اق او ايعع ا‬
‫ا‬
‫ص ا‬
‫هللا' او اما هللا ُ ا‬
‫ْبغا ِفل‬
‫صا ارى' ق عل أأنت عم أعع ل ُم ِأم هللاُ' او امنع أظل ُم ِممنع كت ام اش اهادا ة عِ عندا هُ ِم ان ِ‬
‫أو ع ان اَ ا‬
‫ِب اعليعك عم القِتا ُل اوه اُو ُكرع هٌ لك عم'‬
‫لون'}(الْبقرة‪ )139-138‬وقوله عز وجل‪ُ { :‬كت ا‬
‫اعما اتعع ام ا‬
‫تكرهُوا اشيعئا اوه اُو اخ عي ٌر لك عم' او اع اسى أنع ُتحِْبوا اشيعئا اوه اُو اشر لك عم' اوهللاُ ايعع ل ُم' اوأ عنت عم‬
‫او اع اسى أنع ا‬
‫ُون'}(الْبقرة‪)215‬‬
‫ال اتعع لم ا‬
‫فإذا كان لودفيغ فتنشتاين(‪ )1951-1889‬وهو ينهج الصرامة قد أحال الفلسفة انطْباقا‬
‫تحليال لغويا‪ ،12‬أي أن ينْبغي أن ننظر إلى الفيلسوف اْبتداء‪ ،‬ليس قائال ولكن مستنطقا‬
‫ورد كل التعقيدات واإلشكاالت‬
‫ومستنطقا للواقع والوجود كفضاء عالئقي وقائعي‪ ،‬ا‬
‫‪12‬‬

‫انظر‪ :‬المنطق وتصور فتجنشتين للفلسفة‪ ،‬د‪ .‬عبد هللا الجسمي‪-‬عالم الفكر‪ -‬المجلد التاسع والعشرون‪ -‬العدد األول‪-‬‬
‫يوليو‪ /‬سبتمبر‪2000‬‬

‫‪22‬‬

‫المسلمون والتاريخ‬

‫الفلسفية ْبالضْبط إلى اعتْبار مناطات األْبنية المقوالتية المنطْبقة ْبالتصورات‪ ،‬اعتْبارا غير‬
‫منطقي‪ ،‬ألنها غير محددة تحديدا منطقيا جوهريا‪ْ ،‬بل جوفاء فارغة من المعنى‪ .‬ولقد سْبقه‬
‫إلى هذا القانون تحديدا اْبن الوزير رحمه هللا في علم الكالم من قْبله ْبخمسة قرون‪ ،‬كما‬
‫سنذكره فيما ْبعد‪ .‬ومنه أخرج أي فتنشتاين كل ما هو من المعتقد حسب تعْبير السياق‪.‬‬
‫فإذن يلزمنا االنتْباه إلى كون هذا القانون وتعْبيره – وعلى خطر التعْبير المؤدي إلى‬
‫المتصور‪ -‬هو امتداد على منحى مْبدئه وفلسفته ورؤيته للرياضيت مما سميناه ْبمْبدإ‬
‫ْبروور‪ -‬فتنشتاين‪ ،‬مْبدإ الوجودية والواقعية الرياضية‪ .‬وعلى ضوء هذا فشرطه لتحصيل‬
‫تفلسف من غير ما تشهده الفلسفة من إشكاالت ال مخرج لها‪ ،‬ليس له خلفية دينية‪ ،‬وإنما‬
‫خلفية محض معاييرية ومنهاجية قوية‪ ،‬للصعود إلى رْبوة الرؤية النقية الحقة من غير‬
‫شوائب المْبهم والالمحدد والْبشري والنسْبي واالنتمائي ما دون الحق في الواقع والوجود‪.‬‬
‫إننا في هذا الجهد المتواضع االْبتدائي األولي لما يشاء سْبحانه أن يتلوه‪ ،‬الذي نرجو فيه‬
‫رْبنا عز وجل ْبلوغ المراد‪ ،‬على هذا النسق المنهاجي نؤسس ونْبني‪ ،‬وْبتوسيع أو ْبسديد‬
‫اللفظ ْبالصعود المنهاجي على المستويين‪:‬‬
‫‪ -1‬مستوى المعطيات ْبجعل أوالها شهادة أن ال إله إال هللا محمد رسول هللا‪ ،‬فهي شهادة‬
‫لها صيغة محددة جوهريا‪ ،‬ألن كل ذراتها الْبيانية محددة‪ ،‬فاهلل تعالى أول المعارف‪،‬‬
‫والمكافي الفلسفي والعلمي والفقهي لذات هللا العلي العظيم األول واآلخر سْبحانه وتعالى‬
‫الذي ليس كمثله شيء وهو السميع الْبصير‪ ،‬هو عين روح المنطق وروح قانونه ألن‬
‫المنطق ما هو إال إسقاط للحق؛ فمصداقية المنطق ْبقيومية الحق‪.‬‬
‫‪ -2‬مستوى سعة النسق ْبالصعود واالتساع من التمثيل المنطقي الخطي والْبياني‬
‫الطْبيعي إلى االعتْبار الجوهري‪ ،‬المجلي ألْبعاد العناصر والوقائع الممثلة منطقيا‪.‬‬
‫هو إذا نسق التحليل والتركيب على المعيارية الرياضية والهندسية الجوهرية مستوفيا‬
‫ْبذلك أعلى درجات التحقيق‪ .‬فهذه المعيارية هي قصارى إمكان تحري الحق في العلم‬
‫والعمل اإلنساني‪ ،‬ولنكون على الصراط المستقيم وعلى أقوم الطريق تالوة لقوله تعالى‬
‫‪23‬‬

‫جمال الدين األفغاني والتحليل التاريخي‬

‫تتْبع‬
‫اس ا‬
‫القوي العزيز‪ { :‬ايا دا اوُ ُد إنا اج اعل ان ا‬
‫اك اخلِي افة فِي األرع ِ‬
‫ض فاحع ك عم اْبي اعن الن ِ‬
‫ْبالح ِّق اوال ِ‬
‫{وأقِيمُوا‬
‫هللا'}(ص‪ )25‬وقوله عز وجل وهو العزيز الحكيم‪ :‬ا‬
‫ْبيل ِ‬
‫عال اه اوى فيُضِ ل اك اعنع اس ِ‬
‫عال او عز ان ع‬
‫ْبالقِسع طِ اوال ُت عخسِ رُ وا عالم ا‬
‫ان'}(الرحمان‪)7‬‬
‫ِيز ا‬
‫‪‬‬

‫‪24‬‬

‫المسلمون والتاريخ‬

‫الباب األول‬
‫قضايا َمنهج ّية في المفاهيم واأل عب ََا‬
‫َ‬

‫‪25‬‬

‫جمال الدين األفغاني والتحليل التاريخي‬

‫الفصل األول‬
‫من "الوطنية في شعر شوقي" إلى "االتجاهات الوطنية في األدب المعاصر"‬
‫التغيّر األْب اععادي‬

‫يقول محمد محمد حسين ‪ -‬رحمه هللا!‪ -‬مستهال مقدمة كتابه "االتجاهات الوطنية في‬
‫األدب المعاصر"‪:‬‬
‫«كان اتجاهي أول األمر إلى أن أكتب عن الوطنية في شعر شوقي‪ .‬ولما اجتمعت لي‬
‫مادة البحث‪ ،‬رأيت أن الذين كتبوا عن هذا الشاعر قد ظلموه ظلما بينا في وطنيته‪.‬‬
‫ونظرت فإذا شوقي ليس وحده هو الذي مدح السلطان عبد الحميد‪ ،‬فقد كان ذلك اتجاه‬
‫شعراء العصر جميعا‪ .‬ونظرت فإذا شوقي لم يكن وحده الموالي لتركيا‪ ،‬فقد كانت‬
‫مغاضبة تركيا وقتذاك ال تعني إال مواالة أعدائهم وأعداء مصر األنجليز‪ .‬ونظرت فإذا‬
‫الرجل لم يكن وحده الذي مدح عباسا – وإن تكن صناعته ووظيفته قد اقتضته ذلك – فقد‬
‫كان عباس في الفترة األولى من حياته موضع مدح كل الشعراء‪ ،‬بل وموضع حب‬
‫المصريين جميعا وآمالهم‪.‬‬
‫ورجعت إلى كتابات العصر وصحفه وتاريخه‪ ،‬فإذا كل ذلك يوحي بأن وطنية هذه‬
‫الفترة لم تكن هي وطنيتنا‪ ،‬وأن قيمها لم تكن هي قيمنا‪ ،‬وأن تفكيرها لم يكن هو تفكيرنا‪،‬‬
‫فالخطأ في الحكم يرجع في معظمه إلى تغير مفهوم (الوطنية) على مر األيام‪ .‬فالذين‬
‫يدرسون أدب الصحراء والفطرة في الجاهلية ال ينصفون إذا وزنوه بموازين الحضارة‬
‫والمدنية في القرن العشرين‪ .‬والذين يدرسون شعراء ما قبل اإلسالم يظلمون إذا وزنوهم‬
‫بموازين اإلسالم‪ .‬والجيل الذي يولد في هذه األيام يخطئ إذا درس آداب آبائه بعد عشرين‬
‫عاما أو ثالثين فحكم على الذين مجدوا (الملكية) بالخيانة‪ ،‬وكذلك كان شأن الدارسين مع‬
‫شوقي‪ .‬الموه لميوله التركية حين كانت الرابطة العثمانية حديث كل األمم اإلسالمية‪.‬‬
‫‪26‬‬

‫المسلمون والتاريخ‬

‫وغضوا من قدره ألنه كان رجل القصر حين كان عباس ساكن القصر موضع أمل‬
‫الوطنيين من المصريين وقدوتهم في مقاومة االحتالل في شطر حياته‪.‬‬
‫وعند ذلك خطر لي أن ال أقصر تاريخ الوطنية على شوقي‪ ،‬وأن أؤرخ لالتجاهات‬
‫الوطنية في الشعر العربي في مصر جملة‪ ،‬ورأيت أن مثل هذا البحث قد يصحح كثيرا‬
‫من األحكام السابقة العاجلة‪ ،‬وقد يعين على وضع مقاييس صحيحة للقيم الوطنية‬
‫وتطورها‪ .‬فليس من اإلنصاف أن يحاسب الناس على أسس مباينة كل المباينة أو بعض‬
‫المباينة ألسس العصر الذي عاشوا فيه وعبروا عن قيمه واتجاهاته‪.‬‬
‫وليس من البحث العلمي أن يدرس الشاعر منفصال عن بيئته التي استمد منها تجاربه‪.‬‬
‫ومن هذا يبدو أن البحث في لبه يستهدف تصحيح القيم الوطنية والقيم النقدية في دراسة‬
‫‪13‬‬
‫الشعراء المعاصرين‪».‬‬
‫ض أخيه هو عم ٌل صال ٌح‪ْ ،‬بل هو من خير األعمال التي‬
‫ال شك أن اذب المرء عن عِ رع ِ‬
‫يرجى لها عند هللاِ تعالى عظيم الثواب؛ فعن أْبي الدرداء رضي هللا عنه‪ ،‬عن النْبي صلى‬
‫ار اي عو ام القِ ايا امة"‪ 14‬وفي‬
‫ض أخِي ِه ارد هللا ُ اع ِن اوجع ِه ِه الن ا‬
‫هللا عليه وسلم قال‪ " :‬امنع ارد اعنع عِ رع ِ‬
‫‪15‬‬
‫ض أخِي ِه ع‬
‫هللا أنع يُعع تِق ُه م اِن النار"‬
‫لى ِ‬
‫ْبال اغ عي اْبة اكانّ احق اع ا‬
‫صحيح الجامع‪ " :‬امنع ارد اعنع عِ رع ِ‬
‫ان‬
‫ض أخِي ِه اك ا‬
‫وفي صحيح وضعيف الجامع الصغير لأللْباني وصححه‪ " :‬امنع ارد اعنع عِ رع ِ‬
‫‪16‬‬
‫ار اي عو ام عالقِ ايا امةِ"‬
‫لا ُه ح اِجاْبا م اِن الن ِ‬
‫وحسن أيضا أن تتمخض فكرة الكتابة عن الوطنية في شعر شوقي ‪ -‬رحمه هللا!‪ -‬وتربو‬
‫مساحتها فتتسع إلى الكتابة في شأن أعظم هو التأريخ لالتجاهات الوطنية في الشعر‬

‫‪13‬‬

‫االتجاهات الوطنية في األدب المعاصر – الجزء األول – من الثورة العرابية إلى الحرب العالمية األولى – بقلم الدكتور‪/‬‬
‫محمد محمد حسين‪ -‬الناشر مكتبة ابن تيمية – ص ‪( 9-8‬مقدمة الطبعة األولى)‬
‫‪14‬‬
‫صحيح رواه الترمذي وأحمد – موسوعة األحاديث النبوية المترجمة و موقع اإلسالم‪ :‬أخرجه الترمذي وحسنه (‪)1439‬‬
‫وألحمد من حديث أسماء بنت زيد نحوه‬
‫‪15‬‬
‫طالئع المسند لإلمام أحمد بن حنبل – حديث ‪ -6262‬تحقيق أحمد شاكر‪ .‬ملتقى أهل اإلسالم‬
‫‪16‬‬
‫‪ -11208‬تخريج السيوطي والبيهقي في السنن الكبرى‪ :‬انظر حديث رقم‪ 6263 :‬في صحيح الجامع‪ -‬الموسوعة الشاملة‬

‫‪27‬‬

‫جمال الدين األفغاني والتحليل التاريخي‬

‫العربي في مصر‪ ،‬الذي من شأنه عالوة أو باإلضافة إلى غرضه التصنيفي البحت‪ ،‬يقول‬
‫الكاتب إنه يرى فيه ويبتغي من ورائه تصحيح كثيرا من األحكام السابقة العاجلة‪ ،‬حسب‬
‫تعبيره‪ ،‬وقد يعين على وضع مقاييس صحيحة للقيم الوطنية وتطورها‪.‬‬
‫واضح أن هذا البحث والتقصي باعتباره نظرا في موضوع محدد بغاية تصنيفية‬
‫لمادته‪ ،‬هو من حيز الدراسة والعمل النقدي ال يخرج عنه‪ .‬ومنه إذا أريد له أن يكون‬
‫علميا حقيقا وجديرا بهذه الصفة أن يط َّبق عليه ما يطبق على حيزه ونظيره من المعيارية‬
‫أو المعايير‪ .‬هذه المعيارية أو الحيز المنهاجي الذي هو بمثابة حجر الزاوية فيه والشرط‬
‫األساس في ذات قيمته ومصداقيته في الحق‪ ،‬قد أواله األستاذ محمود محمد شاكر رحمه‬
‫هللا من االهتمام ما يناسب قدره وخطره‪ ،‬واستجاله من كل جوانبه‪ ،‬حتى تجلى فأضحى‬
‫واضحا سابغ الوضوح‪ ،‬ماثال ألهل العلم وأولي البصائر ال يضامون في حقيقته‪ .‬بل وكان‬
‫ذلك المرتكز العلمي الحق الذي ر َّد به رحمه هللا الكيد الصليبي على جبهة قلب وروح‬
‫العرب كذات وأمة وتاريخ‪ ،‬في لغتها وشعرها وأدبها‪ ،‬ثم ال يغربن عنك أن اللغة هي‬
‫حاملة ثقافة األمة‪.‬‬
‫نوجز القول بأن ما سماه محمود شاكر ب"ما قبل ال َمنهج" هو مبطل بالحق لمطلق‬
‫التناول والمأخذ االستشراقي وما يلحق به وتابعه وأوصاله من األدب العربي؛ فاألدب‬
‫العربي ال ينبغي وال تستكنهه إال المورثات أو الجينات العربية أصال ومنشأ‪ .‬وأرى أنَّ كل‬
‫ما ذكره األستاذ شاكر مسندا إياه إلى شبه‪ -‬مفهوم "ما قبل ال َمنهج" هو من حقيقة المنهح‬
‫ذاتها بالمعنى الذي له في القاموس العلمي والمنطقي‪ ،‬وهو الذي ينبغي أن يحمل عليه‬
‫شامال كامال غير منقوص‪ .‬لكن الذي أضطره إلى هذه المعالجة البيانية وألزمه إياها‪ ،‬إنما‬
‫هو الوضع المحدث في العملية الدراسية والنقدية بعامل حادث دخيل‪ ،‬ممثل لعنصر وركن‬
‫الدارس والناقد‪ ،‬مختلف جوهريا وعالئقيا في شروطه مع نظمة المنهج بمفهومه الساري‬
‫وتصوره السَّائد والشائع‪ .‬فاألصل أنَّ ركن ال َّدارس والناقد هو من موضوع مكونات‬
‫شروط المنهج ومكوناته‪ ،‬إال أن الذي اعتبره و نظر إليه شاكر هنا هو إشكال الحيثيات‬
‫والشروط الطارئة والخطيرة من حيث الموضوع المتص َّدى له‪ ،‬وإليها ينبغي أن يصمد‬
‫‪28‬‬

‫المسلمون والتاريخ‬

‫الرد الحاسم‪ ،‬والمحافظة أو باألحرى إكراه الحفاظ على المفهوم الساري المحيَّد فيه هذا‬
‫الشرط الحادث أو الشروط الدخيلة والحادثة‪ .‬فال جرم أن يحصل تداخل عنده بين‬
‫"ال َمنهج" وما جعله وسمَّاه "ما قبل المنهح"‪:‬‬
‫«ولفظ «المنهج» يحتاج مني هنا إلى بعض اإلبانة‪ ،‬وإن كنت ال أريد به اآلن ما‬
‫اصطلح عليه المتكلمون في مثل هذا الشأن‪ ،‬بل أريد «ما قبل المنهج»‪ ،‬أي األساس الذي‬
‫ال يقوم المنهج إالَّ عليه‪ .‬فهذا الذي سمَّيته هنا «منهجا» ينقسم إلى شطرين‪ :‬شطر في‬
‫تناول المادة‪ ،‬وشطر في معالجة التطبيق‪ .‬ويؤسفني أن أكتب هذا في مخاطبة أستاذ‬
‫جامعيٍّ ‪.‬‬
‫ف اش عطرُ المادة يتطلب‪ ،‬قْب ال كل شيء‪ ،‬اجمع اعها من امظا ِّنها على وجه االستيعاب المتيسر‪،‬‬
‫ف هذا المجموع‪ ،‬ثم تمحيص مفرداته تمحيصا دقيقا‪ ،‬وذلك ْبتحليل أجزائها ْبدقة‬
‫ثم تصني ا‬
‫متناهية‪ ،‬وْبمهارة وحذر‪ ،‬حتى يتي ّسر للدارس أن يرى ما هو ازيعفٌ جل ّيا واضحا‪ ،‬وما هو‬
‫صحي ٌح مستْبينا ظاهرا‪ْ ،‬بال غفلة‪ ،‬وْبال اهوى‪ ،‬وْبال تسرع‪ .‬أما شطر التطْبيق فيقتضي‬
‫إعادة تركيب المادة ْبعد انفي از عيفها وتمحيص جيِّدها‪ْ ،‬باستيعاب أيضا لكل احتمال للخطأ أو‬
‫الهوى أو التسرّ ع‪ ،‬ث ّم على الدارس أن يتحرّى ْبكل حقيقة من الحقائق موضعا هو ّ‬
‫حق‬
‫ٌ‬
‫خليق أن يشوّ ه‬
‫موضعها‪ ،‬ألن أخفى إساءة في وضع إحدى الحقائق في غير موضعها‪،‬‬
‫اعمُودا الصّورة تشويها ْبالغ القْبعح والشناعة‪.‬‬
‫وهذا شي ٌء واضحٌ‪ ،‬فيما أظن‪ ،‬ما كان أغناني عن ترداده على مسمع أستاذ جامعيّ ‪.‬‬
‫ولكن يْبقى شي ٌء هو مفروضٌ اْبتداء‪ ،‬ال يصلح شي ٌء مما قلته إال ْبه‪ ،‬اْب عيدا أنّ الناس قد‬
‫ُي عخدا عون عنه أو يتجاهلونه لهوى غالب على النفس‪ ،‬أال وهو الدارس الذي يعالج ال امنهج‬
‫‪17‬‬
‫ْبشطريه‪ .‬فالدارسُ ينْبغي أن يكون قد ملك األسْباب التي تجعله أهال لمعاناة ال امنهج»‪.‬‬
‫فالشروط التي ساقها محمود شاكر في شطري ال امنهج‪ :‬المهارة‪ -‬الحذر‪ -‬التمحيص‬
‫الدقيق‪ْ -‬بال غفلة‪ْ -‬بال هوى‪ْ -‬بال تسرع ‪ ...‬هذه كلها تتوقف على عنصر الدارس من حيث‬
‫‪17‬‬

‫أباطيل وأسمار‪ ،‬الجزءان األول والثاني‪ :‬أبو فهر محمود محمد شاكر‪ ،‬ص‪ - 20-19‬الناشر‪ :‬مكتبة الخانجي بالقاهرة‬

‫‪29‬‬

‫جمال الدين األفغاني والتحليل التاريخي‬

‫التذوق" المفروض في هذا‬
‫هو ذات علمية‪ .‬والمختلف هنا هو أن شرط ما أسماه ب" ّ‬
‫الوضع‪ ،‬والذي يؤول إلى شرط المنشأ العرْبي‪ ،‬ليس من معتاد الشروط وشائعها في‬
‫معهود المواضيع ُم احي ٌد فيها‪.‬‬
‫التذوق" الذي أْبرزه األستاذ محمود شاكر‪ ،‬والذي ذهب في حقيقته‬
‫شرط أو امنهج " ّ‬
‫مذهْبا إلى اح ِّد أنع جعله ينسحب ويسري إطالقا ال اقتصارا على أهل االستشراق والذين هم‬
‫آلثارهم مقتفون‪ ،‬وتحديدا في ذ ِّْب ِه عن عرض المتنْبي ‪ -‬رحمه هللا!‪ -‬شاعر العرْبْبة‬
‫والعروْبة ْبال منازع‪ ،‬الذي هو في حقيقة األمر اذب عن عرض الهوية العرْبية والثقافة‬
‫العرْبية؛ فكما أن ليس كل من درس الفلسفة أو قرأ تاريخها يمكن له أن يترجم الْبيان‬
‫الفلسفي إلى الْبيان الطْبيعي‪ ،‬فكذلك ليس كل من تعلم العروض وعرض إلى درس الشعر‬
‫وتاريخ الشعراء‪ ،‬ليس في مكنته الغور واستكناه الحقائق واإلحساسات التي عجت في‬
‫مهجة الشاعر حتى كانت شعرا‪ ،‬ال يختلف في إحساس النفس وعالمها عن هدير الْبحر‬
‫وموجه حينا‪ ،‬وال هو في عينها دون رونق ما يكون في الطْبيعة من الجمال واألثر‬
‫الخالب األخاذ حينا تارة أخرى‪.‬‬
‫هذا الشرط الْبياني من ال امنهج الذي هو شرط النشأة أو المنشأ اللغوي يقاْبله في‬
‫موضوعنا شرط اآللية العقلية من المنهاج‪.‬‬
‫الهدف األو ال أو الموضوع أول ما‬
‫فإذا كان الدكتور محمد محمد حسين قد صرح أن‬
‫ا‬
‫رفع الْبغي الذي تعرّ ض‬
‫ْبدأ كان هو رصد الوطنية في شعر أحمد شوقي يهدف من ورائه ا‬
‫له هذا الرجل ْبغير حق فيما يراه‪ ،‬وجمع أمره في التصدي له ْبالكشف عن جملة من‬
‫األدلة‪ ،‬من إْبراز دالة ْبيانية ْبين العنصر المعجمي ل"القومية" ومفهومها أو ْبدقيق اللفظ‬
‫مفاهيمها حسب ال ِقطع التاريخية ْبفاصِ ل دا ِّل وج ِّد ها ّم "فاصل الحرب الَالمية األولى"‪،‬‬
‫وعالقة هذه المفاهيم الْبدلية ب"الجامَة اإلسالمية" و"الجامَة المصرية" و"القومية"‬
‫اتساع الموضوع اتساعا على نحو ودرجة‪ ،‬نراها خرجت عن‬
‫وغيرها‪ ،‬فإن هذا أدى إلى ا‬
‫طوق النسق الذي أْبقى الكاتب عليه االتساع الموضوعاتي كأنه لم يتسع‪ ،‬من دون وعي‬
‫غير األول ْبالتأكيد‪ ،‬ليس في سعته فحسب ْبل في ماهيته وطْبيعته!‬
‫أنه استحال موضوعا ا‬
‫‪30‬‬

‫المسلمون والتاريخ‬

‫‪‬‬

‫‪31‬‬

‫جمال الدين األفغاني والتحليل التاريخي‬

‫الفصل الثاني‬
‫ُْبعع د ما 'فوق‪ -‬الوطنية" لقضية جمال الدين األفغاني‬

‫إنه لو كان محددا أمر الوطنية تحديدا‪ ،‬وكانت اتجاهاتها كذلك محددة‪ ،‬جاز حينها ْبل‬
‫كان ليس يحق وال هو ْبجائز إال اعتْبار الموضوع ذا صْبغة أدْبية خالصة‪ .‬والحال أن‬
‫الوضع ليس كذلك‪ .‬فالموضوع هو ْبحق موضوع الوطنية وسؤال كشف طيفها الخطوطي‬
‫كمجال‪ .‬وهذا المجال مولد ومستحثة مُكوّ نات طيفه أو اتجاهاته ْبتحريض وأثر مولدات‬
‫أقطاب معينة‪ ،‬هي المفعلة والفاعلة والمؤثرة في الموضوع‪ ،‬متنافسة فيه ومحددة ْبقضاء‬
‫هللا وقدره وسننه لمصيره‪ :‬اإلنجليز‪ -‬الخالفة‪ -‬القصر‪ -‬فرنسا – جمال ال ين األفغاني!‬
‫الماهية والطْبيعة التاريخية السياسية لهذا الموضوع الذي وجد الكاتب الدكتور محمد‬
‫محمد حسين نفسه ْبداخله واتجاهه ْبغير سعي منه‪ ،‬والسعي يكون عن تحديد ورسم مدرك؛‬
‫هذه الطْبيعة المخالفة تماما لطْبيعة الموضوع المتسع عنه أو منه‪ ،‬لها من الدليل ما ْبه‬
‫القطع والحسم من جهة الْبنية ومن جهة المضمون أيضا‪ .‬فأما الدليل الْبنيوي فهو امعع ل ُم‬
‫الكتاب الْب ِّين الذي هو "الما‪ -‬قبل" و"الما‪ -‬بَ " ْبالنسْبة إلى فاصل الحرب الَالمية‬
‫والمرجع عند‬
‫األولى‪ .‬وأما من جهة المضمون‪ ،‬فكون الكتاب أصْب اح الدلي ال المقو ال ْبه‬
‫ا‬
‫كثيرين في الحكم على جمال الدين األفغاني‪ ،‬حكم ْبصيغة تقرير ماسونيته أو انتمائه إلى‬
‫المحفل الماسوني‪ ،‬وْبُت في الحكم عندهم وقضي األمر!‬
‫الكتاب ْبقي في آليته األولى ونسقه األول المتناسب‬
‫لكن الذي ينْبغي أن ننتْبه إليه هو أن‬
‫ا‬
‫والطْبيعة األدْبية الْبيانية‪ ،‬وما الْبيان في الموضوع المتسع إال كاشفٌ عن عناصر ونتاجات‬
‫جواهر في تمايزها واختالفها؛ وإنما ال ُمف ِّعل فيها هي األقطاب الواردة أعاله؛ فيحكم‬
‫ا‬
‫ويقضى في قطب منها ْبمثل هذا القول‪:‬‬

‫‪32‬‬

‫المسلمون والتاريخ‬

‫«وحقيقة األمر في حركة الشيخ محمد عْبده وأستاذه جمال الدين األفغاني الذي اقترن‬
‫اسمه ْبه في الشطر األول من حياته ال تزال تحتاج إلى مزيد من الوثائق التي توضح‬
‫موقفهما وتزيل ما يحيط ْبه من غموض ومن تناقض فيما اجتمع حولهما من أخْبار‪ .‬فْبينما‬
‫ينزله رشيد رضا – ومعه كل أتْباع الشيخ محمد عْبده الذين ازداد عددهم على األيام –‬
‫منزلة االجتهاد في الدين‪ ،‬ويرفعونه إلى أعلى درجات الْبطولة واإلخالص الذي ال تشوْبه‬
‫شائْبة‪ ،‬كان كثير من علماء الشريعة المعاصرين له يتهمونه ْبالمروق من الدين‬
‫واالنحراف ْبه وتسخيره لخدمة العدو‪ .‬فإذا تركنا هؤالء وهؤالء ممن قد يجد الطاعنون‬
‫سْبيال إلى رميهم ْبالتحيّز والمحاْباة‪ ،‬أو التحامل والتزمت‪ ،‬وجدنا كثرة من النصوص في‬
‫كتب ساسة الغرب ودارسيه تصوّ ر رأيهم فيه وفي مدرسته وتالميذه ومكانه من الفكر‬
‫الحديث‪ .‬وهي جميعا تتفق على تمجيده واإلشادة ْبه وْبما أداه لالستعمار الغرْبي من‬
‫خدمات‪ْ ،‬بإعانته على تخفيف حدة العداء ْبينه وْبين المسلمين‪ ،‬وهو عداء يستتْبع آثارا‬
‫سياسية تضر مصالحه وتهدد ْبإذكاء الثورات التي ال تفتر وال تنقطع‪.‬‬
‫وإلى جانب ذلك كله نجد إشارات صريحة في كتاب ألحد كْبار رجال الماسونية في‬
‫مصر – ومن المعروف أنها دعوة تخدم الصهيونية العالمية‪ -‬تؤكد أن جمال الدين‬
‫األفغاني كان رئيسا (محفل كوكب الشرق) الماسوني‪ ،‬كما تؤكد أن محمد عْبده كان‬
‫عضوا في هذا المحفل؛ إذ يقول‪:‬‬
‫"وقد ظهرت الماسونية في سورية في مظهر اإلخالص والمحْبة أثناء الحوادث العراْبية‬
‫سنة ‪ 1882‬فإن اإلخوان المصريين والمهاجرين الذين جاءوا سورية قاْبلهم إخوانهم‬
‫ْبالترحيب العظيم‪ ،‬ودعوهم إلى محافلهم ومنازلهم‪ .‬وكان األفاضل الشيخ محمد عْبده‬
‫وإْبراهيم ْبك اللقاني وحسن ْبك الشمسي وجماعة المرحوم السيد جمال الدين األفغاني‬
‫وغيرهم يحضرون معنا في محفل لْبنان ويخطْبون‪ ،‬فيشنفون أسماع السوريين ْبخطْبهم‬

‫‪33‬‬

‫جمال الدين األفغاني والتحليل التاريخي‬

‫النفيسة وأحاديثهم الطلية‪ .‬ونال األستاذ الشيخ محمد عْبده رتْبة الْبلح والصدف من‬
‫‪18‬‬
‫المندوب األمريكي الذي حضر إلى محفل لْبنان‪".‬‬
‫ومما يؤكد هذه النصوص ويزيد قيمتها أن الشيخ محمد رشيد رضا – وهو أكثر تالميذ‬
‫‪19‬‬
‫محمد عْبده تعصّْبا له – قد أيدها في كتاْبه (تاريخ األستاذ اإلمام)‪».‬‬
‫لئن كان منطلق الدكتور محمد محمد حسين هو الدفاع عن وطنية شوقي والذبِّ عن‬
‫عِ رع ضِ ِه‪ ،‬ورأى بأنَّ مثل هذا البحث قد يصحح كثيرا من األحكام السابقة العاجلة؛ فإنَّ‬
‫الموضوع بتطوره االتساعي أضحى موضوعا آخر لم يعد شأن شوقي فيه وال شأن األدب‬
‫فيه إال بمثابة الغطاء على ما تكون القشرة من القلب والنواة المنطبقة في األقطاب األربعة‬
‫المولدة للمجال‪ .‬ومنه فلم يعد األمر تصحيح األحكام السابقة العاجلة ‪ -‬على تعبير الدكتور‬
‫– بل أصبحنا والوضع هذا حيال عدم مالءمة منهجية من حيث التقدير في المكونات‬
‫والبنية؛ فتقرير حكم أو إسناد صفة لمكون موضوعاتي ليس أي مكون بل من هو قطب‬
‫خطير من مولدات حقيقته ومجاله؛ وال يظننَّ امرؤ أننا هنا بصدد الدفاع عن جمال الدين‬
‫األفغاني وال عن غيره؛ فإنَّ هللا تعالى هو الحق المبين‪ ،‬وهللا ج َّل جالله غني عن العالمين‪.‬‬
‫وسوف يأتي يوم وما هو ببعيد‪{ :‬يوم هم بارزون' ال يخفى على هللا منهم شيء' لمن الملك‬
‫اليوم' هلل الواحد القهَّار' اليوم تجزى كل نفس بما كسبت' ال ظلم اليوم' إنَّ هللا سريع‬
‫الحساب'}(غافر‪ .)16‬وجمال الدين األفغاني ليس بمعجز في األرض وال في السماء‪ ،‬هو‬
‫ومن وااله ومن عاداه‪ ،‬كلهم إلى ربهم يحشرون‪ ،‬وعند ربهم يختصمون‪ ،‬وكلهم يوفى‬
‫حسابه‪ ،‬ال ظلم يومها‪ ،‬وما ربك بظالم للعبيد‪.‬‬
‫هذا كالم حتى يعلم موقعنا من الموضوع؛ ثم إنَّ هذه الخالل من التحامل والتعصب‬
‫ونحوها‪ ،‬هذه ال قيمة وال دخل لها في العلمية وفي ميزان الحق وهللا خبير بما يعملون‪:‬‬
‫‪18‬‬

‫فضائل الماسونية ص‪ .119‬وراجع كذلك مقدمة الكتاب‪ ،‬وقد أصبح ذلك ثابتا ثبوتا قطعيا من مجموعة الوثائق التي‬
‫نشرتها جامعة طهران مصورة سنة ‪ 1963‬تحت رقم ‪ ،841‬نقال عما عثر عليه من أوراق جمال الدين تحت اسم (جمال‬
‫الدين‪ ،‬مشهور به أفغاني)‪.‬‬
‫‪19‬‬
‫االتجاهات الوطنية في األدب المعاصر – الجزء األول‪ -‬ص‪381-380‬‬

‫‪34‬‬

‫المسلمون والتاريخ‬

‫{إنَّ هللا يأمركم أن تؤدوا األمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين ال َّناس أن تحكموا بالعدل'‬
‫إنَّ هللا نع َّما يعظكم به' إنَّ هللا كان سميعا بصيرا'}(النساء‪)57‬‬
‫{يا أيها الذين آمنوا كونوا َّقوامين بالقسط شهداء هلل ولو على أنفسكم أو الوالدين أو‬
‫األقربين' إن يكن غنيا أو فقيرا فاهلل أولى بهما فال تتبعوا الهوى أن تعدلوا' وإن تلووا أو‬
‫تعرضوا فإنَّ هللا كان بما تعملون خبيرا'}(النساء‪)134‬‬
‫{يا أيها الذين آمنوا كونوا َّقوامين هلل شهداء بالقسط' وال يجرم َّنكم شنآن قوم على أال‬
‫تعدلوا' اعدلوا هو أقرب للتقوى' واتقوا هللا' إنَّ هللا خبير بما تعملون'}(المائدة‪)9‬‬
‫أقول‪ :‬الحكم بهذا المرجع من القول الذي يعده أصحابه دليال أو أدلة‪ ،‬هو حكم مردود‬
‫على البداهة‪ ،‬لنقضه باإلبطال معنى الحكمة في العقول‪ ،‬فهو ال يتوافق والقضية سواء في‬
‫القدر أو في وعاء التناول والمأخذ الذي تتناول وتؤخذ به األمور‪ ،‬ال لقدر جمال الدين‬
‫األفغاني كرجل وإنسان‪ ،‬ولكن للبعد الذي يتناول فيه الموضوع وتطرح عليه القضية‬
‫ويوضع عليه اإلشكال‪ .‬وذلك ما يدحض ضالل المأخذ بميزان السماوات األرض كما‬
‫سوف يستبين ويتجلى؛ وهذه هي الغاية التي ننهض بها بحول هللا تعالى وقوته في هذا‬
‫الكتاب‪.‬‬
‫فإذا كان سْبيل الْبطش واإلمساك المادي ْباألشياء المجسمة الصلْبة هو اليدين‪ ،‬واإلمساك‬
‫ُدركا وعددا هو العدد أو األعداد؛ فمقاْبل وجوب صناعة الوعاء الذي يحمل‬
‫ْبها ك ّما م ا‬
‫جملة ذرات التراب أو القدر من السائل كالماء حيث ليس يكفله الكفان‪ ،‬كانت عْبقرية ثاْبت‬
‫ْبن قرة‪ 20‬رحمه هللا في أول صناعة الوعاء العقلي الحق من ذات ُسلم األعداد وخصائصها‬
‫ليحمل ويمسك العقل ْبالمقادير غير الْبسيطة سواء على المساحة أو األحجام قْبل أن ينجلي‬
‫ويتْبلور حساب التكامل مع رياضيات منتهى الصغر‪.‬‬

‫‪20‬‬

‫ثابت بن قرة هو عنوان ودليل أن التقدم العلمي لألمم مصدرا لقوة كيانها وتمكينها إيجابا وسلبا مناطه العقل الجمعي‬
‫السياسي والفقهي المؤسساتي‪ ،‬فهذا هو بعد التعليل لتقدم األمم وانحطاطها وعزها وذلها‬

‫‪35‬‬

‫جمال الدين األفغاني والتحليل التاريخي‬

‫وكذلك هنا ال يمكن أن يحمل الموضوع على اإلمكان العقلي الحق والصّحيح إال ْبنسق‬
‫وعاء متناسق وكفل للموضوع الذي لم يعد يقتصر على الوطنية في شعر شوقي‪ْ ،‬بل‬
‫استحال مركْبا في ْبنيته ليس على ْبساطة الموضوع األول‪ ،‬وال على ُْبعده‪ ،‬إنما على متعدد‬
‫من األْبعاد‪ .‬ومنه استلزم لحمله عقليا في أدنى ما يلزم تعميل وتطْبيق السلم الْبياني في‬
‫تصريف معنى الوطنية ْبحسب ال امواطن‪ ،‬تعميله وتطْبيقه على األْبعاد الهامة الكافية‬
‫للموضوع ممثلة ْبالطْبع في المفاهيم والحقائق أو العناصر المحورية والموجهة لهاتيك‬
‫األْب اععاد ْبالتحديد‪.‬‬
‫نعني إذا نحن صمدنا إلى هذا المِعيار الحق‪ ،‬وكان ْبذلك نهجنا في الدفاع عن شوقي‬
‫وعن وطنيته نهجا من حيث المِعيار أقو ام‪ ،‬فإننا إنع لم نأخذ ْبه وْبمِعيار التناسق له مصاحْبا‬
‫منتظما‪ ،‬أي ليس مقتصرا على مفهوم الوطنية ْبل على أْب اععاد الموضوع غير الْبسيط‪ْ ،‬بكل‬
‫المفاهيم الموجهة األساس المضافة إليه من "الجامَة اإلسالمية" و"الجامَة المصرية"‬
‫و"القومية" و"الماسونية"‪ ،‬إن لم نعمل ْبه سوف لن نكون في حكم الدفاع ْبل في وضع‬
‫الْبغي والظلم للعدل والحق وْبالطْبع للعلمية‪ ،‬ليس يكون فيه جمال الدين األفغاني وال‬
‫غيره‪ ،‬وسواء أكان مسلما حقا أو منافقا أو ماسونيا أو شيطانا في إهاب رجل أو غير ذلك‪،‬‬
‫ليس هو في ذلك إال مادة وموضوعا لعملية الحكم الذي هو المعني ْباالهتمام عندنا؛ وإن‬
‫اس ْبالْبرِّ او ات عن اس عو ان أ عنفُ اسك عم اوأ عن ُت عم‬
‫ُرُون الن ا‬
‫هللا عز وجل يقول على وجه العظة واإلنكار‪{ :‬أتأم ا‬
‫لون'}(الْبقرة‪)44‬‬
‫اب' أ افال اتعع ِق ا‬
‫تتلون عال ِك ات ا‬
‫ا‬
‫فإذا كان صحيحا‪ ،‬وكان ْبذلك الدفاع عن شوقي ذك ّيا وقو ّيا‪ ،‬كان صحيحا ْبأن الوطنية‬
‫لم تكن مستقرة في مدلولها ومعناها‪ ،‬وال ثاْبتة المفهوم والمأخذ حسب المسارات أو القطع‬
‫الزمنية السياسية وفي مصر وحدها ولمُكوّ ناتها‪ ،‬وأن حقيقتها في هذه القطعة ليست هي في‬
‫ما ْبعدها وال التي قْبلها‪ ،‬وأنها عند هذا المُكوّ ن ليست هي في تصوّ ر المُكوّ ن أو المُكوّ نات‬
‫أليس يكونُ مُروقا عن النهج‬
‫غيرها‪ .‬إذا كان هذا من النظر السديد الذكيّ والشاهد القويّ ‪،‬‬
‫ا‬
‫العلمي الكيل ْبمكيالين‪ ،‬وفسوقا عن الحق ْبأن تعتْبر الموجهات التي لها نفس القيمة الْبنائية‬
‫كما هي أو هو مفهوم "الوطنية" حين كان الموضوع ْبسيطا مقترنا ومقتصرا فقط على‬
‫‪36‬‬

‫المسلمون والتاريخ‬

‫شوقي لقصد الدفاع عنه والذبّ عن عرضه‪ ،‬أن تعتْبر هذه المفاهيم ويُنظر إليها في‬
‫الموضوع ال ُمتسِ ع‪ ،‬سكونية ثاْبتة على قيمة واحدة وتصوّ ر ومفهوم واحد مستقرة ال تتغيّر‪.‬‬
‫وْبمعنى آخر قريب‪ :‬هل كان لعناصر "الجامَة اإلسالمية" و"الجامَة المصرية"‬
‫و"القومية" و"الماسونية" نفس القيمة ونفس العملة أو اآللية السياسية عند جميع‬
‫األطراف‪ ،‬هي نفسها في االعتْبار والتوظيف؟؟! هل ل"القومية" في سوريا نفسه المعنى‬
‫والمأخذ الغائي الوظيفي والمقصود الذي كان في الحجاز؟ ونفس األمر ْبالنسْبة ل"الجامَة‬
‫المصرية" لدى شركاء الوطن والوطنية في مصر؟ وهل كانت عالقة "الماسونية"‬
‫هو عند فرنسا وعند اإلنجليز وعند ولي عهد القصر وعند األفغاني‬
‫ومأخذها وتوظيفها هو ا‬
‫هي نفسها واحدة في حقيقتها وواحدة في الغاية منها؟؟؟‬
‫وهنا أسوق تذكيرا ومدارسة‪ ،‬فإن آفة العلم النسيان وال يزال العلم ينفع صاحْبه ما دام‬
‫يعمل ْبه‪ ،‬نسوق ما يروى من قصة قضاء شريح الكندي رحمه هللا في قضية الدرع ْبين‬
‫اإلمام علي رضي هللا عنه واليهودي أو النصراني‪ ،‬على ما هي عليه من الضعف من‬
‫جهة الصحة في ذاتها على ميزان أهل التحقيق ومعايير الرواية وعلم الحديث‪ ،‬ولكن‬
‫نسوقها من حيث هي في مضمونها وأثرها وداللتها‪ ،‬التي ليست إال داللة تعلق اإلنسان‪،‬‬
‫ْبله اإلنسان المؤمن الذي يخاف رْبه‪ْ ،‬بله اإلنسان الذي يلْبس لْباس العلمية‪ -‬والعلم ال يقوم‬
‫اس أنع اتحع ك ُموا ع‬
‫ْبال اع عد ِل'}(النساء‪)57‬؛‬
‫إال على الميزان‪ -‬تعلقه ْبالعدل‪ :‬ا‬
‫{وإذا احكمع ت عم اْب عي ان الن ِ‬
‫«روى الْبهيقي رحمه هللا في "السنن الكْبرى" في ْباب إنصاف الخصمين في المدخل‬
‫عليه واالستماع منهما واإلنصات لكل واحد منهما حتى تنفد حجته‪ ،‬وحسن اإلقْبال‬
‫عليهما" ورواية القصة عن اإلمام الشعْبي حيث يقول‪:‬‬
‫خرج علي ْبن أْبي طالب إلى السوق‪ ،‬فإذا هو ْبنصراني يْبيع درعا‪ ،‬قال‪ :‬فعرف علي‬
‫الدرع فقال‪ :‬هذه درعي‪ْ ،‬بيني وْبينك قاضي المسلمين‪ .‬قال‪ :‬وكان قاضي المسلمين شريح‪،‬‬
‫كان علي استقضاه‪ .‬قال‪ :‬فلما رأى شريح أمير المؤمنين قام من مجلس القضاء‪ ،‬وأجلس‬
‫عليا في مجلسه‪ ،‬وجلس شريح قدامه إلى جانب النصراني‪ ،‬فقال علي‪ :‬أما يا شريح لو‬
‫كان خصمي مسلما لقعدت معه مجلس الخصم‪ ،‬ولكني سمعت رسول هللا صلى هللا عليه‬
‫‪37‬‬

‫جمال الدين األفغاني والتحليل التاريخي‬

‫وسلم يقول‪( :‬ال تصافحوهم‪ ،‬وال تْبدءوهم ْبالسالم‪ ،‬وال تعودوا مرضاهم‪ ،‬وال تصلوا‬
‫عليهم‪ ،‬وألجئوهم إلى مضايق الطرق‪ ،‬وصغروهم كما صغرهم هللا اقض ْبيني وْبينه يا‬
‫شريح‪ .‬فقال شريح‪ :‬ما تقول يا أمير المؤمنين؟ قال علي‪ :‬هذه درعي ذهْبت مني منذ‬
‫زمان‪ .‬قال فقال شريح‪ :‬ما تقول يا نصراني؟ قال‪ :‬فقال النصراني‪ :‬ما أكذب أمير‬
‫المؤمنين‪ ،‬الدرع هي درعي‪ .‬قال فقال شريح‪ :‬ما أرى أن تخرج من يده‪ .‬فهل من ْبينة؟‬
‫فقال علي رضي هللا عنه‪ :‬صدق شريح‪ .‬قال فقال النصراني‪ :‬أما أنا فأشهد أن هذه أحكام‬
‫األنْبياء‪ ،‬أمير المؤمنين يجيء إلى قاضيه وقاضيه يقضي عليه‪ ،‬هي وهللا يا أمير المؤمنين‬
‫درعك‪ ،‬اتْبعتك من الجيش وقد زالت عن جملك األورق‪ ،‬فأخذتها‪ ،‬فإني أشهد أن ال إله إال‬
‫هللا‪ ،‬وأن محمدا رسول هللا‪ .‬قال‪ :‬فقال علي رضي هللا عنه‪ :‬أما إذا أسلمت فهي لك وحمله‬
‫على فرس عتيق‪ ،‬قال فقال الشعْبي‪ :‬لقد رأيته يقاتل المشركين‪.‬‬
‫(وفي الحلية ألْبي نعيم (‪:)4/139‬‬
‫«فقال شريح‪ :‬صدقت وهللا يا أمير المؤمنين‪ .‬إنها لدرعك ولكن ال ْبد من شاهدين‪،‬‬
‫فدعى قنْبرا مواله والحسن ْبن علي وشهدا إنها لدرعه‪ .‬فقال شريح‪ :‬أما شهادة موالك فقد‬
‫أجزناها‪ ،‬وأما شهادة اْبنك لك فال نجيزها‪ .‬فقال علي‪ :‬ثكلتك أمك‪ ،‬أما سمعت عمر ْبن‬
‫الخطاب يقول‪ :‬قال رسول هللا ‪ -‬صلى هللا عليه وسلم‪ :-‬الحسن والحسين سيدا شْباب أهل‬
‫الجنة‪ .‬قال اللهم نعم‪ .‬قال‪ :‬أفال تجيز شهادة سيد شْباب أهل الجنة؟ وهللا ألوجهنك إلى‬
‫‪22‬‬
‫(ْبانقيا)‪ 21‬تقضي ْبين أهلها أرْبعين يوما ثم قال لليهودي‪ :‬خذ درعك‪)».‬‬
‫قال (لجنة اإلفتاء من دار اإلفتاء)‪ :‬وقد ْبحثنا في هذه القصة فتْبين أنها تشتمل على ما‬
‫يضعف الثقة ْبتفاصيلها‪:‬‬
‫أما من حيث اإلسناد‪ ،‬فقد قال اْبن الملقن رحمه هللا‪" :‬في إسناد هذا الحديث ضعفاء‪،‬‬
‫أولهم أسيد ْبن زيد الجمال‪ .‬قال يحيى‪ :‬هو كذاب‪ .‬الثاني عمرو ْبن شمر الجعفي وهو‬
‫‪21‬‬

‫اسم بلدة في العراق (النص)‬
‫‪22‬‬
‫األلوكة‪ -‬المجلس العلمي‪ ،‬الموضوع‪ :‬قصة شريح القاضي مع سيدنا علي رضي هللا عنه ‪ ...‬ما مدى صحة الرواية؟؟؟؟‬

‫‪38‬‬

‫المسلمون والتاريخ‬

‫ضعيف جدا‪ .‬وقال الشيخ تقي الدين ْبن الصالح‪ :‬هذا الحديث لم أجد له إسنادا يثْبت" انتهى‬
‫من "الْبدر المنير (‪.)599/9‬‬
‫وأما من حيث المتن‪ ،‬فال يستغرب هذا العدل واإلنصاف الذي عاشته الرعية في زمان‬
‫الخلفاء الراشدين والسيرة مليئة ْبمثل هذه النماذج السامية من صور تحقيق العدل‬
‫واستقالل القضاء الشرعي‪ .‬وال نستْبعد أن يكون للقصة أصل قائم‪ .‬غير أن المتن في‬
‫رواية الْبيهقي يشتمل على حديث مرفوع إلى النْبي صلى هللا عليه وسلم يخالف األحاديث‬
‫الصّحيحة ‪ .‬فقوله في الحديث‪( :‬وال تصافحوهم( لم يثْبت في السنة النْبوية‪ .‬وقوله‪( :‬وال‬
‫تعودوا مرضاهم) يخالف هدي النْبي صلى هللا عليه وسلم الذي كان يعود أهل الكتاب‪»...‬‬
‫ْبالنسْبة للقضية التي نحن ْبصددها‪ ،‬وإن لم تشخص ْبع ُد في كليتها توافقا امنهج ّيا مع ما‬
‫الحد األقصى والمنتهى فكرا وعمال ْبخصوصها‪ ،‬هو ْبالتحديد‬
‫ُيرى‬
‫األنسب لطْبيعتها‪ ،‬فإن ا‬
‫ا‬
‫والتعيين وكامل التمثيل عرض الدكتور محمد محمد حسين في كتاْبه "اإلسالم والحضارة‬
‫الغربية"‪ ،‬ونحن على وفاق تام مع تنويهه‪:‬‬
‫«وقْبل أن أْبدأ الحديث عنها أحب أن ألفت النظر إلى أمرين يجب أن يضعهما الْباحث‬
‫في هذا الموضوع نصب عينيه‪ ،‬لكي يأمن الزلل‪ ،‬ولكي ال يضل الطريق‪ ،‬ولكي ال يُخدع‬
‫عن حقائق األمور‪.‬‬
‫أحد هذين األمرين هو حاجتنا الشديدة إلى إعادة النظر في تقويم الرجال‪ ،‬ألن كثيرا‬
‫ممن نعتْبرهم دعائم النهضة الحديثة لم يُصْبحوا كذلك في أوهام الناس إال ْبسْبب الدعايات‬
‫المغرضة‪ ،‬التي أرادت أن تضعهم في هذه المنزلة‪ ،‬لتحقق ْبذلك أغراضها في نشر‬
‫مذاهْبهم والتمكين آلرائهم‪ ،‬وألن كثيرا من اآلراء المنحرفة التي لم تكن تستطيع أن تجد‬
‫طريقها إلى الفكر اإلسالمي وإلى مجتمعاته‪ ،‬قد أصْبح قْبولها ممكنا‪ْ ،‬بنسْبتها إلى هذه‬
‫الزعامات وإلى هؤالء األئمة‪ ،‬الذين ال يتطرق إلى الناس شك في إخالصهم وعلمهم‪.‬‬
‫والواقع أن كثيرا من هؤالء الرجال قد أحيطوا ْباألسْباب التي تْبني لهم مجدا وذكرا ْبين‬
‫الناس‪ ،‬ولم يكن الغرض من ذلك هو خدمتهم‪ ،‬ولكن الغرض منه كان وال يزال هو خدمة‬
‫‪39‬‬

‫جمال الدين األفغاني والتحليل التاريخي‬

‫المذاهب واآلراء التي نادوا ْبها والتي وافقت أهداف االستعمار ومصالحه‪ .‬فقد أصْبح‬
‫يكفي في ترويج أي مذهب فاسد في تأويل اإلسالم ‪ -‬كما الحظ جب في كتاْبه‪ 23‬أن يقال‪:‬‬
‫إنه يوافق رأي فالن أو فالن من هؤالء األعالم‪ .‬ويكفي في التشهير ْبأي رأي سليم أن‬
‫يُنسب إلى ضيق األفق‪ ،‬الذي ال يالئم ما اتصف ْبه هذا أو ذاك من سعة األفق والسماحة‬
‫وصحة الفهم لروح اإلسالم‪ ،‬على ما تزعمه الدعايات‪ .‬وليس مهما أن يكون ذلك عن‬
‫حسن قصد منهم أو عن سوء قصد‪ ،‬وليس مهمّا أن يكون االستعمار هو الذي استخدمهم‬
‫المذاهب واآلراء‪ ،‬أو أن تكون هذه اآلراء قد‬
‫لذلك‪ ،‬ووضع على ألسنتهم وأقالمهم هذه‬
‫ا‬
‫نشأت ْبعيدا عن حضانته ورعايته‪ ،‬ثم رآها نافعة له‪ ،‬فاستغلها وعمل على ترويجها‪ .‬المهم‬
‫في األمر هو أن هذا المجد الذي يُنسب لهؤالء األفراد ليس من صنعهم وال هو من‬
‫الشعوب التي عاشوا فيها‪ ،‬ولكنه من صنع القُوى التي استخدمتهم أو التي تريد أن‬
‫تستغلهم‪ ،‬سواء كانت هذه القوى هي االستعمار أو هي الصهيونية العالمية ْبمختلف‬
‫وسائلها وأجهزتها‪.‬‬
‫‪...‬‬
‫ونحن حين ندعو إلى إعادة النظر في تقويم الرجال‪ ،‬ال نريد أن ننقص من قدر أحد‪،‬‬
‫ولكننا ال نريد أن تقوم في مجتمعنا أصنا ٌم جديدة معْبودة ألناس يزع ُم الزاعمون أنهم‬
‫معصومون من كل خطأ‪ ،‬وأن أعمالهم كلها حسنات ال تقْبل القدح والنقد‪ ،‬حتى أن‬
‫المخدوع ْبهم والمتعصّب لهم والمُروِّ ج آلرائهم ليهيج ويموج إذا وصف أحد الناس إماما‬
‫من أئمتهم ْبالخطأ في رأي من آرائه‪ ،‬في الوقت الذي ال يهيجون فيه وال يموجون حين‬
‫يوصف أصحاب رسول هللا صلى هللا عليه وسلم ْبما ال يقْبلون أن يوصف ْبه زعماؤهم‬
‫‪24‬‬
‫المعصومون»‬
‫نحن إذا متفقون تمام االتفاق على هذا المِعيار القيمي والتقويمي المتن ّْبه والنْبيه‪ .‬أوال‬
‫لوجود مثل هذه الطريقة لدى محرفي الحقائق ممن يلْبسون الحق ْبالْبااطِ ل من شياطين‬
‫‪24‬‬

‫‪Modern Trends in Islam‬‬
‫اإلسالم والحضارة الغربية – ص‪49..47‬‬

‫‪40‬‬

‫‪23‬‬

‫المسلمون والتاريخ‬

‫الجن واإلنس‪ .‬والعنصر الثاني الذي يدل ويؤكد على هذا الن اْباهة والقيمة المِعيارية العلمية‪،‬‬
‫هو أخذه مْبدأ أنع ال عصمة على اإلطالق إال للوحي الكريم‪ .‬والعلم الحقيق ْبهذه الصّفة‪،‬‬
‫وكذلك أهله‪ ،‬ال يهتمون ْبهذا الصنف من الناس الذين ذكرهم الدكتور الكريم في الشطر‬
‫األخير من كالمه‪ ،‬ممن يتعصّْبون لألشخاص‪ .‬ومن ال يحفظ مقام رسول هللا صلى هللا‬
‫عليه وسلم ومقام صحْبه رضي هللا عنهم‪ْ ،‬بما يحق من التوقير واإلجالل وما ينْبغي لهم‬
‫من المنزلة في الحق‪ ،‬ومن يضعهم موضع غيرهم من الخلق – وهم المصطفون من رْبهم‬
‫الخالق العليم لصحْبة نْب ّيه األمين صلى هللا عليه وسلم‪ -‬من ُيساويهم و ُيقحمهم في إشكاالت‬
‫وكالم على سْبيل الدعامات في الخطاب الشعري أو الجدلي فهذا على أدنى التقييم إما‬
‫سفيه أو رجل ال خالق له‪ .‬فال تعصّب في العلم ولكن سلوك الحق والقول ْبه ولو على‬
‫نفسك واألقرْبين‪ .‬الحق يكون ليس للشخص ْبذاته ولكن للقول الذي يقول ْبه وللحكم الذي‬
‫يقضي ويحكم ْبه؛ فأ عقْبحع ْبالتعصب هذا خلة و اشقحا له ولقحا!‬
‫ذلكم هو نهجنا في هذا الجهد‪ ،‬الذي نرجو فيه من هللا ولي التوفيق الحسن والتسديد‪ .‬وال‬
‫ْبد من التذكير والتسطير ْبقوّ ة على أننا أو األكثرين منا ُيفرق ْبين القول والعمل أو ْبين‬
‫القول والتصديق؛ فنحن دأْبنا على الْبدء واإلعالم ْبهذا المِعيار أو ذاك من المعايير ْبل‬
‫الكثير واألعظم منها‪ ،‬من قول الحق ليس إال الحق وتحريه والحكم ْبه والنزول على حكمه‬
‫ومقتضاه‪ ،‬ولرْبما ْبالحلف واليمين‪ ،‬ولكن ما ُيعتم حتى ُيكذب حالنا دعوانا‪ ،‬كأننا لسنا‬
‫الرجل الذي تكلم آنفا وحرص على أن ُيصدر كالمه وكتاْبه ْبذكر هذه المعايير‪ ،‬وْبأن في‬
‫خالفها ومخالفتها الزلل والضّالل؛ وما أضرّ على العْباد من الزلل في ما يخص حقيقة أو‬
‫أقْبح من الضّالل حين يكون هذا الضّالل في األخطر من‬
‫حقائق تهم أمة ْبأكملها‪ ،‬وما ا‬
‫المقامات ومعاليها!‬
‫‪‬‬

‫‪41‬‬

‫جمال الدين األفغاني والتحليل التاريخي‬

‫الفصل الثالث‬
‫عضل في المنظار‪ :‬الواقع ْبين المضمون والقراءة‬
‫وثوق العدالة ال يوجب صحّ ة األحكام‬

‫اْبن القيم‬
‫اْبن تيمية و ا‬
‫وعالِ ٌم اعلا ٌم من األعالم‪ ،‬وإن ا‬
‫إن أْبا حامد الغزالي إما ٌم من األئمة ا‬
‫وغيرهم ممن ْبلغ درجتهم هم كذلك من أئمة هذه األمة وعلمائها وأعالمها رحمهم هللا‬
‫ص ّديقين والشهداء والصّالحين! وحسْبهم أن هللاا تعالى‬
‫جميعا وجزاهم عن أمتهم جزاء ال ِّ‬
‫نو اه ْبأولي العلم ْبأكثر ما نوه وفضل ْب ِه خلقا من عْباده على ْبعض؛ ونزل في ذلك كثير من‬
‫اآليات وأيضا في حديث رسول هللا صلى هللا عليه وسلم؛ وذلك فضل هللا تعالى يؤتيه من‬
‫يشاء‪ .‬لكن عندما يجنح الكثيرون ممن ألمحنا إليهم إلى عدم قْبول الخطإ فيهم وال‬
‫يتصوّ رونه قط ساريا عليهم‪ ،‬فقد أمسوا يتصوّ رونهم على غير صفة الْبشر‪ ،‬أحالوهم‬
‫معصومين ال يخطئون؛ والنْبي صلى هللا عليه وآله وسلم هو آخر النْبيئين‪ ،‬فال نْبي ْبعده‬
‫وال معصوم ْبعده عليه الصالة والسالم! فهذه الحقيقة هي التي ينْبغي أن تستقر في خلد‬
‫األكثرين ممن ال يفوتهم أن يصدروا ْبها خطْبهم وكتْبهم‪ ،‬ثم ال يعتم أن يكذب حالهم‬
‫دعواهم‪ .‬واألنكى من ذلك وهذا من طريف العجائب وعجيب الطريف‪ ،‬أنهم يرمون‬
‫غيرهم ْبالتعصب لألشخاص وهم في عماية عن حالهم‪ ،‬والحمد هلل تعالى‪ ،‬له الحكم يوم‬
‫الدين ال يشرك في حكمه أحدا‪ .‬والتْبعة الخطيرة لهذه النحلة في المعرفة والمذهب في‬
‫ال امنهج‪ ،‬المكوث على أحكام خاطئة قاصرة ال يْبغون عنها حوال‪ ،‬ألنها صدرت عن هذا‬
‫العالم‪ ،‬وهو في ذلك ال يخرج عن كونه رجال من الناس يصيب حينا ويخطئ فيجانب‬
‫الصواب حينا آخر وأحيانا أخرى؛ وقد جاء في العلم الحق والخْبر اليقين من غير تحامل‬
‫التحذير من زلة العالم‪ .‬والمثال العظيم في هذا الضّالل شاخصا لمن حد ْبصره وهو شهيد‬
‫فينظر فيكون من المستْبصرين‪ ،‬وكذا في جرمه الذي وجد فيه المستشرقون والصّليْبيون‬
‫غرضهم في ضرب الجناح القوي للمسلمين وأمتهم‪ ،‬أمة الشهود‪ ،‬وضرب رسالة اإلسالم‬
‫‪42‬‬

‫المسلمون والتاريخ‬

‫التي قرن سْبحانه وتعالى القوي العزيز إنزالها ْبإنزال الحديد والْبأس الشديد‪ ،‬المثال في‬
‫ذلك هو الحكم القاصر الخاطئ للغزالي واْبن تيمية وما ْبينهما وما ْبعدهما‪ ،‬ممن يعتْبرون‬
‫هم العلماء المصادرين تمثيل منْبر وعقل المسلمين واألمة‪ ،‬حكمهم ودعواهم ْبأن اْبن سينا‬
‫كان يقول ْبأن هللا‪ -‬سْبحانه عما يصفون!‪ -‬ال يعلم الجزئيات‪ ،‬وإن هم في ذلك إن هم إال‬
‫متقولون وإن هم إال مفترون‪ ،‬ويلقون السمع لشراحهم من الصّليْبيين وأذناْبهم‬
‫ومسترضعيهم أو من قصور عقولهم الذي دل عليه مآلهم‪ْ ،‬بأن الفاراْبي رحمه هللا يْبوِّ ئ‬
‫الفيلسوف منزلة أعلى من النْبي ‪ -‬كذْبا وجهال ماحقا ْبأنفسهم‪ -‬مما سوف نعود إليه الحقا‬
‫ضرورة امنهجيّة واستداللية ولو ْباقتضاب‪.‬‬
‫وكذلك هنا فرق ْبين اإلخْبار والتقييم عن الثقة العدل‪ْ ،‬بل وْبين اإلخْبار ومطلق القول؛‬
‫فال يجب الخلط الْبتة ْبين هذه الدرجات واألصناف‪ .‬وفي كل ال قيمة وال مصداقية لمطلق‬
‫الدعوى قوال أو حكما عند هللا تعالى والراسخين في العلم إال ْبسلطان‪ ،‬والسلطان هو الدليل‬
‫والْبرهان؛ يقول هللا تعالى في محكم التنزيل ْبلسان عرْبي مْبين‪{ :‬ق عل اهاتوا ُْبرع اها انك عم إنع‬
‫ين'}(الْبقرة‪ )110‬ويقول عز من قائل‪{ :‬يا أيها الذين آمنوا كونوا َّقوامين بالقسط‬
‫صا ِد ِق ا‬
‫ك عنت عم ا‬
‫شهداء هلل ولو على أنفسكم أو الوالدين أو األقربين' إن يكن غنيا أو فقيرا فاهلل أولى بهما‬
‫فال تتبعوا الهوى أن تعدلوا' وإن تلووا أو تعرضوا فإنَّ هللا كان بما تعملون‬
‫خبيرا'}(النساء‪)134‬‬
‫فهذه آيات هللا تعالى أنزلها علينا ربنا بالحق‪ ،‬ليس الغاية منها علمها أماني‪ ،‬وما كان‬
‫نصح كتاب ربنا أن يتخذ ترانيم‪ ،‬إنما تالوته بمعنى اتباعه والعمل به حق العمل فذلك‬
‫حقيق اإليمان‪ ،‬والصحابة والسلف الصالح رضي هللا عنهم كانوا ال يتجاوزون اآلية حتى‬
‫يفقهوها حق الفقه ويعملوا بها‪.‬‬
‫يكاد اإلشكال ْبخصوص الموضوع الكْبير الذي عرض له الدكتور محمد محمد حسين‬
‫في مؤلفه "اإلسالم والحضارة الغربية" ْبل كنه هذه القضية الشاغلة الشائكة حقا‪ ،‬يكاد‬
‫يكون مستقرا متواجدا في نفس عنوان الكتاب‪ ،‬ألننا لو أنعمنا النظر ْبالخروج عن الذات‬
‫المكلومة والمأزومة التي ال ترضى ْبالسفلية والدونية ألمتها‪ ،‬وهذه هي النفس الحية‬
‫‪43‬‬

‫جمال الدين األفغاني والتحليل التاريخي‬

‫والتاريخية التي تأْبى الهزيمة‪ ،‬وتصرّ على هذا اإلْباء وال تني فيه ن افسا من أنفاس‬
‫وجودها‪ ،‬وهذا المؤلف في نقده التكويني وأصله كما ذكر في مقدمته مثل جليّ وواضح‬
‫لها؛ لو أنعمنا النظر وقرّ رنا ْبما يقتضيه شرط الموضوعية العلمية وجاوزنا هذا العائق‬
‫النفساني‪ ،‬لرأينا أن الصّواب في العنوان ليس "اإلسالم والحضارة الغربية" ولكن‬
‫"ال ُمسلمون والتاريخ"؛ فلئن كان المضمون من جهة اإلخْبار هو صحيح ْبال شك‪ ،‬هذا‬
‫المضمون الذي عرضه الدكتور إجماال في مقدمته‪:‬‬
‫«وموضوع هذا الكتاب هو هذه الحلقة األخيرة من صالت الشرق والغرب‪ ،‬التي جرت‬
‫أحداثها خالل القرنين األخيرين‪ ،‬في جانْبها الثقافي‪ ،‬وفي أثرها في اإلسالم ْبصفة خاصة‪.‬‬
‫وهي صالت تميزت عن الصالت األخرى التي ت ّمت من قْبل ْبطاْبع معيّن‪ ،‬يرجع إلى‬
‫ظروف هذا االتصال التي تغاير كل ما سْبقها من ظروف ومالْبسات‪ ،‬فقد كان اتصال‬
‫اإلسالم ْبغيره من الحضارات والثقافات دائما اتصال الغالب ْبالمغلوب‪ ،‬أو اتصال الن ِّد‬
‫ْبالن ِّد‪ .‬أما اتصاله ْبالغرب في هذه الفترة األخيرة‪ ،‬فقد كان اتصا ال المغلوب ْبالغالب‪.‬‬
‫ب في شعاره وزيِّه ُ‬
‫وْبخلقه وسائر أحواله وعوائده)‬
‫والمغلوب (مُول ٌع أْبدا ْباالقتداء ْبالغالِ ِ‬
‫كما يقول اْبن خلدون‪.‬‬
‫والموضوع طويل متع ّدد الجوانب ظهرت فيه عشرات الكتب التي كتْبها المستشرقون‬
‫في تطوّ ر الفكر اإلسالمي الحديث‪ ،‬وفي تتْبع أثر التغريب‪ ،‬أو ما يسمونه‪ 25‬في مختلف‬
‫ْبالد المسلمين‪ ،‬يعينون ْبذلك المخططين من رجال االستعمار على التقدير الصّحيح‪ ،‬وعلى‬
‫مراجعة ما كان‪ ،‬ورصد ما سيكون‪ ،‬من مخططاتهم‪ .‬ولم يكن قصدي في هذه الفصول إلى‬
‫قص عد ُ‬
‫ت‬
‫أن أستقصي ذلك الموضوع المتشعب‪ ،‬وال أن أحصي مراحله ومجاالته‪ ،‬ولكن ا‬
‫الع اربُ والمُسلمون‪ ،‬ول عم يتنْبهُوا إلى أهمّيته ا‬
‫طرهِ‪ ،‬على‬
‫إلى فتح هذا الْباب الذي ل عم ايلِجع ُه ا‬
‫وخ ِ‬
‫كثرة ما شغل الغرب وْباحثيه في نصف القرن األخير على الخصوص‪ ،‬وفيما تال الحرب‬
‫العالمية على األخص‪ .‬وقد تتْبعت في هذه الفصول ما طرأ على الفكر اإلسالمي الحديث‬
‫من تطوّ ر نتيجة اختالطه ْبالفكر الغرْبي‪ ،‬وْبالحضارة الغرْبية منذ ْبدء المرحلة األولى‬
‫‪Westernization‬‬

‫‪44‬‬

‫‪25‬‬

‫المسلمون والتاريخ‬

‫على يد رفاعة طهطاوي‪ ،‬وخير الدين التونسي وجمال الدين األسد ْبادي المشهور‬
‫ْباألفغاني وتلميذه محمد عْبده‪ ،‬إلى ما تال ذلك من مراحل وتطوّ رات ْبعد الحرب العالمية‬
‫صورع ُ‬
‫ت هذا التطوّ ر من جانْبيه‪ :‬من جانْبه اإلسالمي‪ :‬الذي سعى إلى اقتْباس‬
‫الثانية‪ .‬وقد ا‬
‫صالح من الفكر الغرْبي المعاصر ليستعين ْبه في نهضته التي يحاول فيها أن يلحق‬
‫ال ّ‬
‫ْبركب الحضارة‪ ،‬ومن جانْبه الغرْبي‪ :‬الذي يحاول أن يطْبع العالم اإلسالمي ْبطاْبعه‬
‫الحضاري‪ ،‬وأن يُشجع على إيجاد فكر إسالمي متطوّ ر ُي اْبرِّ ر األنماط الغرْبية‪ ،‬التماسا‬
‫لمحو الطاْبع المميّز للشخصية اإلسالمية‪ ،‬ليستعين ْبذلك على إيجاد عالئق مستقرة ْبينه‬
‫‪26‬‬
‫وْبين الْبالد اإلسالمية تخدم مصالحه‪».‬‬
‫هذا المضمون من جهة اإلخْبار هو صحيح ْبإطاره ال ُعدولي الموثوق‪ ،‬فنحن نتخاطب‬
‫في إطار إيماني‪ ،‬والمؤمن كما جاء في الخْبر الشريف المؤمن ال يكذب؛ ْبل ُنجل من أ ّمتنا‬
‫من اهتم وهمه حالها وأمرُ ها‪ .‬وإن قيمة هذا الرجل الدكتور محمد محمد حسين هي ْبالذات‬
‫ُصدقا فيه‪:‬‬
‫هي ما عْبر أو ْباألصح ما قاله م ا‬
‫قص عد ُ‬
‫الع اربُ والمُسلمون‪ ،‬ول عم يتنْبهُوا إلى‬
‫ت إلى فتح هذا الْباب الذي ل عم ايلِجع ُه ا‬
‫«ولكن ا‬
‫أهمّيته ا‬
‫طر ِه»‬
‫وخ ِ‬
‫وأ ّما الصّفة اإلخْبارية لهذا المضمون فهي التي دل عليها قوله‪:‬‬
‫صورع ُ‬
‫ت هذا التطوّ ر من جانْبيه»‬
‫«وقد ا‬
‫فالْبيان تصويري = إخْباري وهذا هي العالقة الحقة والصّحيحة لهذا المضمون وْبهذا‬
‫الْبيان ْبالواقع والفعل التاريخي‪.‬‬
‫نصرنا أخانا ظالما أو مظلوما‪،‬‬
‫ومن أجله وْبناء عليه‪ ،‬فكما أن من واجب نصيحة الدين‬
‫ا‬
‫كان واجْبا علينا نصرُ ه مُخطئا أو مصيْبا؛ فتصديقنا ليس يمتد وال ينسحب على ما يتجاوز‬
‫ا‬

‫‪26‬‬

‫اإلسالم والحضارة الغربية – ص‪8-7‬‬

‫‪45‬‬

‫جمال الدين األفغاني والتحليل التاريخي‬

‫المؤمن‬
‫المضمون كإخْبار‪ ،‬فإنا نرى شيئا ْبخصوص قراءة هذا المضمون وتفسيره‪ .‬وإن‬
‫ا‬
‫صد ٌق في شهادته ولكن في تعليله وتفسيره متحتم عليه اإلدالء ْبحقيقة ذلك‪.‬‬
‫العد ال ُم ا‬
‫فلئن كان قول محمد حسين‪:‬‬
‫«من جانْبه اإلسالمي‪ :‬الذي سعى إلى اقتْباس الصّالح من الفكر الغرْبي المعاصر‬
‫ليستعين ْبه في نهضته التي يحاول فيها أن يلحق ْبركب الحضارة»‬
‫إن كان له قيمة استداللية ارتكازية عندنا كما سوف يتضح‪ ،‬فإن قوله‪:‬‬
‫«ومن جانْبه الغرْبي‪ :‬الذي يحاول أن يطْبع العالم اإلسالمي ْبطاْبعه الحضاري‪ ،‬وأن‬
‫يُشجع على إيجاد فكر إسالمي متطوّ ر ُي اْبرِّ ر األنماط الغرْبية‪ ،‬التماسا لمحو الطاْبع المميّز‬
‫للشخصية اإلسالمية‪ ،‬ليستعين ْبذلك على إيجاد عالئق مستقرة ْبينه وْبين الْبالد اإلسالمية‬
‫تخدم مصالحه»‬
‫إن فيه ل عينا من الكالم ومن جهة الْبيان اختالال‪.‬‬
‫أما األول فالكالم واللفظ المطاْبق المْبين هو أنه من الجانب الغرْبي امتدا ٌد للحرب‬
‫الصّليْبية في أعتى صورها وشرِّ ما يكون من مرسوم أهدافها؛ فهي تْبغي إلى شيء واحد‬
‫ص ّممت عليه وأقسمت أن ال تحيد عنه‪ ،‬هو تمزيق األمة اإلسالمية كل ممزق‪ ،‬كما هو‬
‫التعْبير أو ما عْبر عنه محمود شاكر رحمه هللا‪ .‬ولو عاش محمد حسين إلى اليوم لوقف‬
‫على هذه الحقيقة ْبأم عينيه‪ ،‬هو الواقع اليوم في تطْبيق جار على قدم وساق لمخطط ْبرنار‬
‫لويس ْبالشاهد والمشهود‪ُ ،‬م ِح اي شط ُر الدول العرْبية على مرأى العالمين ْبعد أن تحكمت‬
‫الصّليْبية ْبمكرها وسْبقها في العدة والْبأس الشديد في كل المرافق والمؤسسات المسيرة‬
‫لشريعة الغاب العالمية‪ ،‬فنشْبت مخالْبها في الجسم العرْبي تفتك ْبه فتكا‪ ،‬وتقطعه إرْبا إرْبا‪،‬‬
‫وتمزقه وتحيله مسخا‪ .‬ومنه فال مضارعة وال تزامن الوجودين‪ْ ،‬بين حدث التمزيق وكيان‬
‫الدول اإلسالمية؛ وهذا ْبالطْبع هو االختالل الثاني الذي سطرنا عليه‪.‬‬

‫‪46‬‬

‫المسلمون والتاريخ‬

‫ودائما ْبخصوص هذا المفهوم للمضمون الذي هو ْبحق مفهوم محوري هنا امنهج ّيا‪ ،‬فال‬
‫شك أن القارئ أو القارئة المتْبع لْبناء هذا الحديث ْبعقل واع ملقيا السمع وهو شهيد‪ ،‬لن‬
‫يحجب عنه أن هناك عالوة على ما تم ّي از من صنفي المضمون‪ ،‬اإلخْباري والقراءاتي أو‬
‫التفسيري‪ ،‬أن هناك صنفا ثالثا مما هو في تقاطعهما وتداخلهما؛ وذلك مع االعتْبار لمْبدأ‬
‫التسديد والتقريب؛ فالتغليب واإلهمال والترجيح كل ذلك من المِعيار األساس فيما هو من‬
‫قياس وأحكام تخصّ مجا ال أْب اععاد العمل الْبشريّ الطْبيعية‪.‬‬
‫وكذلك مما ال ينْبغي إغفاله‪ ،‬وهو يدخل في إحقاق الحق‪ ،‬أن كون تميز الدكتور محمد‬
‫محمد حسين ْبأوّ ل من يلج هذا الحقل إنما هو ْبحسب الواقع على التقريب األوحد في وقته‬
‫أو من ضمن القلة التي حققت وتميزت ْبتحقيق شرط هذا االقتحام والولوج؛ وذلك ليس‬
‫يحصل إال ْبشأو من العلم ْبعيد‪ ،‬من حيث أسسه ومناهجه ودروْبه‪ ،‬وعلى درجة من سعة‬
‫االضطالع والخْبرة ْباآلخر اهتماما ْبشأن األمة وتأكيدا ْبجهد مجاهد‪ ،‬جعله في الواقع‬
‫أميرا لسرية من جند األمة على آخر وأخطر الجْبهات‪.‬‬
‫‪‬‬

‫‪47‬‬

‫جمال الدين األفغاني والتحليل التاريخي‬

‫الفصل الراْبع‬
‫العامل النفسي ْبين اإلخْبار والقراءة‬
‫اإلشكال المفاهيمي عند محمد حسين‬

‫سنْبدأ ْبحول هللا تعالى ْبذكر ما يمثل المضمون الذي لسنا نقف فيه احد التصع ديق ْبالنسْبة‬
‫لصنفه األول‪ ،‬فحسب‪ْ ،‬بل ينْبغي التنويه ْبهذا الجهد الجليل الجهيد الذي أنفقه الكاتب ْبغاية‬
‫الوقوف عليه‪ ،‬سواء على المستوى المادي العملي أو من الناحية الفكرية‪ ،‬التي يتطلب فيها‬
‫هذا العمل في خطره وحجمه استغراقا فكريا ووجوديا‪ ،‬يضحي من أجله المرأ ْبأغلى ما‬
‫يهم ويهتم ْبه عموم الناس ويجعلونه الرفاه والحظ الذي ال ينْبغي فواته من هذه الحياة‪ .‬ثم‬
‫سنعرض منه للصنف الثاني الذي ينطْبق ْبه مركز ثقل الموضوع؛ كما أن ثمة مُكوّ نا ْبيانيا‬
‫سوف يشاطرني القارئ أن ال سْبيل للتغاضي عنه وعن التفاوت الْبنيوي الناتج عنه‪ْ .‬بل‬
‫سيكون من حيث ما تمثله النظماتية من المصداقية والنجاعة العلميتين امنهجا ونسقا‪،‬‬
‫سيكون ْبذلك هو الوليجة قريْبة الشقة والطريق األقرب‪ ،‬للدخول إلى الموضوع من كل‬
‫أْبواْبه ونواحيه‪ ،‬حيث يهم مناطات ومرتكزات ْبيانية ونقطا ْبؤرية للموضوع متصوّ را‬
‫مقارب‪.‬‬
‫كمضمون عند الكاتب ْبنحو محدد‪ ،‬وعند من هو أو من هم في تصوّ ره على نحو ِ‬
‫وْبالطْبع ال عالقة لهذا ْبالفن األدْبي وال الْبالغي منه في جانْبه وتجليه األسلوْبي‪ .‬وإن يكن‬
‫منها شيء فهو وظيفة اللغة التعْبيرية كإعراب عما ي ُِريد المتكلم شفها أو كتاْبة اإلفصاح‬
‫واإلْبانة عنه‪ .‬لكنه مرتْبط ارتْباطا متماسكا ْبالموضوع كواقع وكحقيقة وكجوهر‪ .‬ومن ثم‬
‫فهذه النقاط الْبؤرية والمرتكزات اللغوية‪ ،‬لها كامل الصّفة التمثيلية والتعيينية لتصوّ ر‬
‫الواقع؛ فهي ْبالتالي تنحو ْبنا منحى يمكن من خالله اْبتداء الحكم على مدى متانة ورصانة‬
‫هذا الْبناء والتصوّ ر إن نحن عرضناه على مِعيار التناسق واالنتظام‪.‬‬
‫أثاره والحظ في مؤلف‬
‫القارئ‬
‫لعل‬
‫المستْبصر الذي يقرأ لِيفه ام‪ ،‬يقرأ ْبتْبصر‪ ،‬ال شك قد ا‬
‫ا‬
‫ا‬
‫"اإلسالم والحضارة الغربية" من االختالالت المتكرّ رة في لفظة "اإلصالح"‪ ،‬االختالالت‬
‫‪48‬‬

‫المسلمون والتاريخ‬

‫التي ال تستقيم ال على الْبعد المعجمي أو الْبعد الْبالغي على الس اواء‪ .‬لكن األسوء في‬
‫التصريف وكان فيه من التفاوُ ت وفساد الْبيان المهيكل للتصوّ ر ما هو جلي ومْبينٌ ‪ ،‬والذي‬
‫ال ينْبغى أن نغضى أو نغض الطرف عنه‪ ،‬هو العنصر الْبياني العظيم الخطر والشأن‬
‫"اإلسالم"‪ .‬ومعه استتْباعا شْبه المفهوم الملتْبس ج ّدا "تطوير اإلسالم"‪ ،‬كما هو األمر‬
‫واضحا كذلك ْبالنسْبة ل"الحضارة الغربية" و"التغريب" و"االستَمار"‪.‬‬
‫أيضا‪ ،‬وفي نفس المُكوّ ن الْبياني الهيكلي‪ ،‬هناك تعاْبير ْبعيدة عن السداد وغير سليمة‬
‫قطعا‪ ،‬قد يجوز مع ذلك التساهل فيها وإهمالها إن هي لم تمس الْبناء الجوهري للقضية‪،‬‬
‫لكن في عكس ذلك كما هو الحال هذه‪ ،‬في وضع الكاتب إطار الموضوع في النسق‪:‬‬
‫«كل ذلك يْبين ْبوضوح قوّ ة سلطان العادات والتقاليد على الناس‪ ،‬وأن النفس إذا ألفت‬
‫‪27‬‬
‫شيئا لم تكد تتحول عنه إال ْبصعوْبة ْبالغة‪ ،‬وْبْبطء شديد‪».‬‬
‫العالقة التمثيلية التي ساقها الدكتور هي ْبكامل الوضوح ليست على منحى استنْباطي‬
‫ْبقانون األحرى أو التضمن‪ ،‬وإنما هي على التطاْبق‪ْ .‬بيد أن أمر الدين وحقيقته‪ ،‬ليس ذلك‬
‫من العادات وال التقاليد‪ ،‬فال االستنْباطي يجوز والتطاْبقي أشد عسفا‪ .‬والذي يزيد المثل‬
‫سوءا هو أن التحول –انظر قوله!‪ -‬وإن طال أمد عالجه ولو اشتدت صعوْبته‪ ،‬فإنه‬
‫حاصل ال محالة؛ وهذه هي الطامة الكْبرى في فكر عْبد الرحمان ْبن خلدون ال ُم ارو ِج له‪،‬‬
‫والذي لألسف نجد الكاتب يجعله مرجعا في قوانينه إلى ح ّد التفاقم والتناقض في ْبعضه‪.‬‬
‫فالدين هو من الحق العلي الحكيم‪ ،‬أما التقاليد والعادات ف ِمما تذ ُروه الرياح مع هشيم‬
‫التاريخ!‬
‫فمن المضمون الخْبري الجليّ ‪:‬‬
‫«في مختتم القرن الثامن عشر ومع مطلع القرن التاسع عشر الميالدي كان عصر‬
‫النهضة في أورْبا قد آتى ثماره في كل قطاعات الحياة العلمية والتطْبيقية واالقتصادية‪،‬‬
‫‪27‬‬

‫ن م – ص‪12‬‬

‫‪49‬‬

‫جمال الدين األفغاني والتحليل التاريخي‬

‫وكان من آثار ذلك تعاظم نفوذ كثير من الدول الغرْبية وانتشارها في اآلفاق‪ ،‬وتطلعها إلى‬
‫ْبسط نفوذها عن طرق الغزو الحرْبي والتوسع االستعماري‪ .‬وْبمقدار ما كانت الدول‬
‫الغرْبية آخذة في التقدم والصعود‪ ،‬كانت الدول اإلسالمية وفي مقدمتها الدولة العثمانية‬
‫آخذة في التدهور واالنحالل‪ ،‬وكان اكتشاف قوى الْبخار والكهرْباء والْبترول والالسلكي‬
‫في القرن‪ 19‬ذا أثر في توسيع المسافة ْبين قوّ ة الغرب وضعف الْبالد اإلسالمية‪... .‬‬
‫وكانت الْبالد العرْبية موضع طمع االستعمار اإلنجليزي واالستعمار الفرنسي اللذين‬
‫ينتظران انحالل الدولة العثمانية وسقوطها لينقضا عليها ويقتسماها ْبينهما‪.‬‬
‫‪...‬‬
‫وأمام هذا الشعور ْبالخطر ْبدأ اإلحساس ْبضرورة تعزيز الجيوش في الْبالد اإلسالمية‪،‬‬
‫وتطلع المُسلمون إلى األخذ ْبأساليب الْبالد الغرْبية في تنظيم جيوشها وتسليحها‪ ،‬ولكنهم‬
‫حين تطلعوا إلى ذلك‪ ،‬وجدوا أن هذا الهدف الحرْبي ال ْبد أن تصاحْبه نهضة علمية‪.‬‬
‫أدركوا أن الغرب قد سْبقهم ْبآماد ْبعيدة‪ ،‬وأن األمر ليس ْبالسهولة التي يتصوّ رونها‪ ،‬فقد‬
‫كانت الجيوش الحديثة تعتمد على خْبرات علمية في الهندسة‪ ،‬وفي العلوم الطْبيعية‬
‫والكيميائية‪ ،‬وكانت ترعاها خْبرات طْبية وْبيطرية‪ ،‬وكانت هذه الخْبرات جميعا تحتاج إلى‬
‫إعداد طويل في نماذج من المدارس تختلف عن النماذج التي انتهى إليها التعليم في الْبالد‬
‫اإلسالمية‪ ،‬حين أصْبح مقصورا على العلوم الشرعية وما تحتاج إليه مما كان معروفا‬
‫ْبعلوم الوسائل‪ ،‬أي أن العلوم األخرى لم تكن تدرس إال لكي تكون وسيلة لفهم العلوم‬
‫‪28‬‬
‫الشرعية وتطْبيقها‪».‬‬
‫ومما هو متقاطع فيه الصنفان الخْبري والقراءاتي‪ .‬إن ههنا كما هو في غالب وج ّل‬
‫الفصل األول من المؤلف‪ْ ،‬باعتْبار أن الخْبري فيه هو من المجمع عليه من األخْبار‬
‫واألحوال والوقائع‪ ،‬من غلب المسلمين وتخلفهم‪ ،‬وغلْبة الصّليْبيين ْبل وكل أمم األرض‬
‫وسيرهم قدما في التاريخ واألرض المسخرة للعْباد ْبناموس الخلق والعلم‪ ،‬والترْبص‬
‫‪28‬‬

‫ن م – ص‪15-14‬‬

‫‪50‬‬


Aperçu du document جمال الدين الأفغاني والتحليل التاريخي.pdf - page 1/666
 
جمال الدين الأفغاني والتحليل التاريخي.pdf - page 3/666
جمال الدين الأفغاني والتحليل التاريخي.pdf - page 4/666
جمال الدين الأفغاني والتحليل التاريخي.pdf - page 5/666
جمال الدين الأفغاني والتحليل التاريخي.pdf - page 6/666
 




Télécharger le fichier (PDF)


جمال الدين الأفغاني والتحليل التاريخي.pdf (PDF, 23.6 Mo)

Télécharger
Formats alternatifs: ZIP



Documents similaires


bibliophilia exportpdf
brussolo
vente 5 avril 2014 1
bibliotheque gucl 20161110
foliefurieuse
v8skaven

Sur le même sujet..