منارات ديسمبر 2019 .pdf



Nom original: منارات ديسمبر 2019.pdf

Ce document au format PDF 1.4 a été généré par Adobe InDesign CS5 (7.0) / Adobe PDF Library 9.9, et a été envoyé sur fichier-pdf.fr le 25/01/2020 à 19:21, depuis l'adresse IP 197.31.x.x. La présente page de téléchargement du fichier a été vue 146 fois.
Taille du document: 10.1 Mo (16 pages).
Confidentialité: fichier public


Aperçu du document


‫حوار منارات لهذا العدد مع األستاذة زهية جويرو‬

‫إنه ملن العار‪ ،‬يف رأيي‪ ،‬على دولة ينصّ دستورها على‬
‫املساواة بني املواطنني واملواطنات أن تظ ّل بعض قوانينها‬
‫تشرع للتمييز يف الحقوق على أساس الجنس‪.‬‬

‫الملحق الثقافي لجريدة الشعب‬

‫اليباب‬
‫األرض‬
‫ُ‬
‫ٌ‬
‫الزحاف‬
‫ُ‬
‫والجراد ّ‬
‫محمد الجابلّ‬

‫الخميس ‪ 26‬ديسمرب ‪ - 2019‬املوافق لـ ‪ 7‬ربيع الثاين ‪ 1441‬هـ ‪ -‬العدد ‪82‬‬

‫في ظل غياب اإلستحقاق اإلجتماعي واإلقتصادي‪...‬‬

‫أي أفق للديمقراطية ؟‬
‫الفلسفة االجتماعية‬
‫لليبرالية الجديدة*‬

‫بيير بورديو ‪PIERRE BOURDIEU‬‬
‫ترجمة املنترص الحميل‬

‫‪2‬‬

‫الخميس ‪ 26‬ديسمرب ‪ - 2019‬املوافق لـ ‪ 7‬ربيع الثاين ‪ 1441‬هـ ‪ -‬العدد ‪82‬‬

‫األرضُ اليبابٌ و الجرادُ الزحّاف‬
‫محمد الجابلّ‬
‫أصداء تجول بذاكريت لحظة الكتابة‪:‬‬
‫األرض اليباب أو الخراب‪،the waste land‬‬
‫قصيدة ت س إليوت الشهرية التي تُصور‬
‫عاملا ُمثقال بالخوف والذعر والرغبات‬
‫العقيمة لجيل ُمحبط بعد الحرب العاملية‬
‫األوىل ‪...‬رواية أديبنا الكبري عبدالقادر‬
‫بلحاج نرص»الزيتون ال ميوت» تلك التي نرشت يف سبعينيات القرن املايض‪...‬‬
‫قصيد العاصفة «نحن ال نشبه ما كنا نريد» لشاعرنا فتحي النرصي ‪...‬الكتب‬
‫امل ُقدسة ومنها االصحاح العارش وحديث الجراد الطائر والزحاف حيث قال‬
‫الرب ملوىس‪:‬‬
‫« ُم ّد يدك عىل أرض مرص‪...‬فصعد الجراد وغطى وجه كل األرض حتى‬
‫أظلمت وأكل جميع عشب األرض وجميع مثر الشجر‪...‬‬
‫سنوات القحط التي انغرست يف ذاكرة األجيال‪ :‬عام الروز‪ ،‬عام العجاج‬
‫لصفر‪ ،‬عام الطاعون عام بوصفري‪...‬عام الجراد‪...‬‬
‫عامنا هذا املدخول برياح شتى ونحن عىل مشارف الرأس منه‪...‬‬
‫«ما تبقى لكم ؟» الرواية الثانية للشهيد غسان كنفاين‪...‬‬
‫رموز وعالمات تتجمع وتزدحم يف الذاكرة أخىش أن ال تكون خالصة هذا‬
‫العام‪ ،‬عام «العشاء األخري» عىل مائدة أوهامنا‪...‬‬
‫يف زمن قديم وبعد نزول غيث نافع‪ ،‬وكنت ُمصادفة يف صفاقس‪ ،‬عجبت‬
‫حينها من سؤال تجار «الربع» يف زواياهم الدافئة عىل حدود الغيث‬
‫وكمياته‪ ،‬ودعواتهم واستبشارهم البادي عىل وجوههم‪...‬وقال يل أحدهم ملا‬
‫سألت ُمستغربا حامسهم يف ما معناه ‪« :‬كل صابة يف فالحتنا تُحرك السواعد‬
‫وتُطيل األرجل وتُزيل هم الديون وغم الكساد وتُرسح النوايا الحسنة –‬
‫نوايا البناء والتعمري‪ -‬وتطرد توجس الرش والفساد‪...‬وخ ُريها عميم ينال‬
‫الجميع ويصلنا نحن الجالسني هنا – فوق سداتنا ودكاكيننا‪ « -‬تذكرت كل‬

‫مليكة عمراين‬

‫ذلك وتذكرت ذلك الصخب الجميل امل ُتعاود يف صابة الزيتون ‪...‬شاحنات‬
‫وجرارات وعربات وأطفال ونساء وسواعد كادحة تتحرك قبل يقظة الطري‬
‫وال تهدأ‪...‬الوجوه العازمة امل ُحملة بالنوايا الحسنة الخرية‪»...‬الزيتون‬
‫ال ميوت» إال عندنا‪...‬مع اعتذاري ألديبنا الكبري عبدالقادر بلحاج نرص‪...‬‬
‫ميوت يف تربته وبني أهله وناسه وهو يتحلقون حوله يف مراث بادية عىل‬
‫وجوههم وال يجدون لها الكالم ‪...‬‬
‫أتخمنا الحديث عن الفساد و ُمحاربته‪ ،‬بل جعلنا له هيئات ولجان وإدارات‬
‫ورشاكات وعقود وتعلميات‪...‬الغش والرشوة والتهريب‪...‬فساد أصغر ينخ ُر‬
‫األفراد وبعض األجهزة وهو يُخفي‪ -‬ويا للعجب‪ -‬فسادا أكرب ينخ ُر الدولة‬
‫بأعىل من فيها‪...‬صاب ُة القمح املحروقة واملاطرة وامل ُبددة عىل الطرقات تُعلن‬
‫عىل حجم الجرم الذي س ُيسجله التاريخ عرب أجيال‪...‬ديوان الزيت الذي‬
‫تحول من مؤسسة وطنية تعديلية إىل ُمؤسسة ربحية حتى بات رشيكا‬
‫ويفيض مرات حتى‬
‫املؤامرة‪...‬الحليب الذي ينقطع فجأة يف املحالت‬
‫يف‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫يُسكب يف املاسورات والطرقات‪...‬إنها جرائم دولة بامتياز ونحن يف حالة‬
‫حرب ُمعلنة لكنها بطرق ُمموهة وخبيثة‪...‬نحن يف حالة حرب وحصار‪...‬‬
‫العبث مبقدرات الوطن ورضب املواقع االسرتاتيجية القتصادنا امل ُنهك هام‬
‫من أرقى الجرائم وأبشعها‪...‬‬
‫سواعد عاطلة و ُمعطلة‪ ،‬وما مين به الله وما تجود به األرض يتلقفه الجراد‬
‫«الزحاف والطائر» عرب خطط جهنمية ال تخفى عىل أحد‪...‬توريد القمح‬
‫الفاسد‪ ،‬والحليب‪ ،‬ودعم الزيوت النباتية وتبديد القروض وعرقلة التنمية‬
‫‪...‬كلها من أشد املؤامرات‪ ،‬تلك التي توجب ًمحاكامت عاجلة رادعة ال‬
‫انتظار فيها‪...‬‬
‫رئيسنا الغاضب أسال حربا كثريا وأسئلة حني أشار إىل مؤامرات ودسائس‬
‫خطرية‪...‬فهو مل يرتد قناع الكذب والتضليل والتحفظ والدبلوماسية بل نطق‬
‫بلسان حالنا‪ ،‬نعم هناك مؤامرات يف كل مكان منها الكبري ومنها الصغري‪...‬‬
‫هناك إجرام ومجرمون‪ ...‬هناك خطر يتهدد الفروع والجذور وقد يعصف‬
‫بكل يشء‪...‬‬

‫قصائد قصرية‬

‫‪ 1‬ـ ابتسامة‬
‫تلك االبتسامة الغامضة والحزينة‬
‫هي زادي‬
‫وسط عامل الخراب والفوىض‬
‫‪ 2‬ـ يحيك الخ ّياط الغرز‬
‫ويستعمل اإلبر‬
‫لوخز ضمري العامل امل ّيت‬
‫‪ 3‬ممحاة‬‫تكتب الشاعرة بقلم الرصاص‬
‫ومتحو باملمحاة‬
‫ما خلّفه الرصاص‬
‫‪ –4‬رحيل‬
‫سقط البيت‬
‫لكن الحجارة‬
‫ما سمحت يل بالرحيل‬
‫‪ –5‬ناي‬
‫صار الناي يف يدي‬

‫محور العدد القادم‬

‫يغضب‪ ...‬حكومات بني‬
‫أحزاب وحزيبات وجامعات ‪...‬البعض يرىض واآلخر ُ‬
‫التشكيل والتشليك ‪...‬كالم كثري وصو ٌر وترصيحاتٌ ونوايا ووالءات ووالئ ُم‪...‬‬
‫لكن ما خفي هو األعظ ُم‪...‬‬
‫«السعيد» وأفضلها ما تعلق‬
‫مجازات من مأثورنا تحرضين مع صورة رئيسنا ّ‬
‫يف املخيال ب»القشة»‪ :‬تلك التي يتعلق بها الغريق لحظة يأسه‪ ،‬أم هي‬
‫تلك التي «تقصم ظهر البعري» يف مثلنا املعروف‪...‬أميل ُمتصل بقشة تقصم‬
‫ظهر «منظومة فاشلة وعميلة» مل نر منها غري الخراب بل أن ٌحفر الطريق‬
‫بقدميها وجديدها شاهدة عىل حالنا‪...‬‬
‫«ما تبقى لنا» غ ُري توافق من نوع آخر‪ ،‬توافق املواطنة واإلرادات الخرية‬
‫ما قبل السياسة وما بعدها ‪...‬وحد ُة أبناء الرتاب وملح األرض‪...‬وحدة أبناء‬
‫السحاب واألمل دون أنانيات وحسابات وحد ُة «أفضل البقايا» بجديد‬
‫مرحلتنا‪...‬الوعي الجديد برضورات املرحلة وآلياتها وتفعيل طاقاتنا الوطنية‬
‫وحاميتها من نهب الوكالء ‪...‬رئيسنا الجديد بتفويضه الكبري له مجاالت‬
‫فعل كثرية ننتظرها ‪ -‬ما قبل الكارثة‪ ...-‬وال ب ّد من استبعاد الفاشلني من‬
‫إدارة الشأن العام حتى لو كلفنا ذلك بدعة جديدة‪ ،‬أن نرىض بإسداء «نهاية‬
‫خدمة ٌمجزية» من األموال العامة لتلك الوجوه املنحوسة بهدف أن يحلوا‬
‫عن سامئنا وحتى ال نتورط أكرث يف خراب عميم‪...‬‬
‫هناك ضباب لكن هناك ضوء يف النفق البعيد‪ ،‬هذه األرض الطيبة تُنتج‬
‫األخيار واألرشار والتاريخ عرب حقبه شاه ٌد عىل ذلك‪...‬‬
‫عا ُمنا هذا الذي نودعه بسكون األحزان واملرايث والجنائز ‪...‬مرايث الطاقات‬
‫والخريات الضائعة‪ ،‬مرايث القمح والزيتون ‪...‬إال أن ذلك الزيت املتأليلء‬
‫وامل ٌعلق يف أغصانه سينبثق منه ومن نوره وخريه عزما وفكرا وإرادة قد‬
‫تكون فاتحة عامنا الجديد‪...‬‬
‫الصعاب‪،‬‬
‫سيكون عاما أخرض ُمش ّعا تتجدد فيه ومنه الطاقات الخري ُة وتنتهي‬
‫ُ‬
‫رغم عواء الذئاب ورغم أرساب الجراد وزحف القوارض‪...‬رغم ذلك سيكو ُن‬
‫عا ُمنا الجدي ُد ٌمباركا بغلبة األرض الطيبة والجذور األصيلة وامل ُعاندة‪...‬‬

‫محور العدد القادم ‪:‬‬

‫الدولة الوطنية‬
‫في زمن الليبرالية الجديدة ‪:‬‬
‫حل ؟‬
‫أي مأزق وأي ّ‬
‫البريد االلكتروني ‪manaratculturel@gmail.com :‬‬

‫خشبا وإسمنتا‬
‫أينك يا أغنيايت ؟‬
‫‪ –6‬صباح األحد‬
‫يف صباح األحد‬
‫والحزن يغمر البالد‬
‫نلتقي يف مفرتق شارعني‬
‫تتشابك أيدينا يف سالم عابر‬
‫تختفي ابتسامتك الرقيقة‬
‫وينفجر كالنا بالبكاء‬

‫المدير المسؤول‬

‫نورالدين الطبوبي‬

‫المدير‬

‫سامي الطاهري‬

‫أسرة التحرير‬
‫ منتصر الحملي ‪ -‬رشيدة الشارني ‪ -‬حسني عبد الرحيم ‪-‬‬‫إشراف وتنسيق ‪ :‬محمد الجابلي ‪ -‬سعدية بن سالم‬
‫منارات فلسفية إعداد األسعد الواعر‬
‫اإلخراج الفني ‪ :‬محمد كريم السعدي‬
‫السحب ‪ :‬مطبعة دار األنوار ‪ -‬الرشقية ‪ -‬تونس‬

‫املقر ‪ 41 :‬شارع عيل درغوث ‪ -‬تونس ‪ - 1001‬الهاتف ‪ / 71 330 291 - 71 255 020 :‬الفاكس ‪- 71 355 139 :‬‬
‫العنوان االلكرتوين ‪ - manaratculturel@gmail.com :‬الحساب الجاري بالربيد ‪300 - 51 :‬‬

‫‪3‬‬

‫الخميس ‪ 26‬ديسمرب ‪ - 2019‬املوافق لـ ‪ 7‬ربيع الثاين ‪ 1441‬هـ ‪ -‬العدد ‪82‬‬

‫صاحب الهوى قرطاج ‪/‬‬
‫رحيلك موجع يا صاحبي‬

‫يف مراحل الشباب خلنا أنفسنا خالدين‪ ،‬وبتقادم السنني يبدأ الغراب يحلق‬
‫حولنا‪ ،‬غراب املوت ذلك الذي ننساه يف انشغالنا‪...‬يحوم حولنا وحول من نعرف‬
‫ومن نحب ومن نقدر‪...‬هذه امل ّرة فقد موجع بحجم الكارثة‪ ،‬زمييل وصديقي‬
‫محمد بن صالح يرتجل يوم حقوق االنسان‪ ،‬حقوقا كانت من مشاغله وأولياته‪،‬‬
‫ذلك الرجل الجامع و ّدا وثقافة ومبدئية‪ ،‬القابع يف صومعته ال يكاد يربحها –‬
‫رس يل م ّرة‬
‫مدينة املنستري‪ -‬كان يجلس وحيدا يف مقهى الشاطيء متأمال ‪...‬أ ّ‬
‫متندرا بعزلته‪ ،‬أنه صادف أن تكلم مع نفسه وأن نادل املقهى – حني يلحظ‬
‫حركة شفتتيه‪ -‬يأتيه متسائال بأدب إن كان يطلب أو يريد شيئا‪...‬يف جلساتنا‬
‫مع الزمالء كان األكرث هدوءا وحكمة وكان يفرض الصمت إذا نطق بنربات‬
‫رصينة هادئة‪...‬‬
‫مثقف موسوعي وعلم من أعالمنا‪ ،‬تعددت آفاقه ومشاغله بني الرتجمة والنقد‬
‫لكن الشعر كان األغلب عىل مسريته‪ ،‬ألنه كان من القالئل تدقيقا وتحقيقا‪،‬‬
‫وألنه صاحب رؤية ومرشوع كان يع ّد مدونة مرجعية بحثية فيها استقصاء ما‬
‫قبل النص‪« ،‬الهوى قرطاج» تلك املوسوعة الشعرية ذات البعد امللحمي – من‬
‫حسن حظي‪ -‬أين عايشت مخاضها فيام كان يرشح من مبدعنا سؤاال وبحثا‬
‫يف تاريخنا القديم‪ ،‬تلك الجدور واألحقاب ويف تاريخنا الحديث من تدقيق‬
‫وتحقيق‪...‬ال أنىس فرحة صديقي ونحن نشد الرحال إىل العاصمة يف سيارته‬
‫العجوز لإلتفاق حول نرش الكتاب‪ ،‬وفرحتنا معا بطبعته األنيقة وامل ُحصنة إتقانا‬
‫‪...‬كان حييا خجوال يف كل ما اتصل باملال‪ ،‬لكني انتزعت منه نسخا ووزعتها عىل‬
‫زمالئنا يف املعهد الذين تحمسوا حبا وفخرا باملبدع الذي يجايلهم ويجاورهم ‪...‬‬
‫مسرية الراحل تثري أسئلة حول ثقافتنا الوطنية ووضعية الكتاب واملبدعني‪،‬‬
‫محمد بن صالح كاتب معروف ومقروء ويف رحلتي الطويلة تفاجأت بق ّراء من‬
‫أجيال مختلفة يحفظون مقاطع من دواوينه ‪ « :‬أنت كالزهرة ال تبرصين» أو‬
‫من دواوينه األخرى‪...‬فضال عن حضوره خالل عرشيات يف االعالم الثقايف واملنابر‬
‫املدنية والحقوقية‪ ،‬تجاهلته املؤسسات الرسمية وهنا تكون رضيبة املوقف‬
‫واملوقع لكتاب ابتعدوا عن الزحام وآثروا الدور الطبيعي‪ ،‬أولئك الذين اشتغلوا‬

‫عىل نصوصهم انطالقا من إرادتهم الح ّرة وفكرهم املستنري – برصف النظر عن‬
‫ترصد املآالت والبحث عن الصدى الخاوي‪-‬‬
‫ّ‬
‫مل ينل محمد بن صالح جوائز كربى –فيام أعلم‪ -‬لكنه نال الجائزة األكرب وهي‬
‫جائزة الحب والتقدير لذات هادئة يف صخبها مثقلة بحب الوطن بل االنسانية‬
‫جمعاء‪...‬‬
‫مل ينله من التكريم واالضواء والصور والسفر ما نال العرشات من كتاب‬
‫املناسبات املتواضعني بقياسه –كام وكيفا‪ -‬ذات معرض كتاب بعيد الثورة‬
‫اقرتحنا مشاركته تكرميا وترشيفا باسم رابطة الكتاب االحرار ولبى الدعوة مع‬
‫جمع من رفاقه املرسحيني والشعراء‪ ،‬وتح ّمس لتأسيس فرع لرابطة الكتاب‬
‫االحرار بالساحل وانخرط حينها يحدوه أمل‪ -‬كام حدانا جميعا‪ -‬بأن نخرج‬
‫بثقافتنا الوطنية من دوائر التهميش والحصار والسطحية ‪...‬‬
‫رحل فقيدنا لكنه بيننا فكرا وكلمة ح ّرة وجودا ووجدانا‪ ،‬روحا خالدة من نبات‬

‫كل هذا الفقد ‪ /‬األرض الخراب‬
‫ابراهيم عبداملجيد‬

‫اكرت من اسبوعني اآلن ونفقد بني يوم وآخر فنانا‬
‫جميال احبه الناس وشاءت الحياة ان اقرتب منه‬
‫أو أعرفه عن قرب يف الفن والبيت والشارع‬
‫والحياة بزخمها ومن بني هذا الفقد افقد‬
‫صديق عمر مل يكن فنانا وال مخرجا وال ممثال‬
‫وال كاتبا لكنه كان نبع الهام يل يف الحياة كام‬
‫كان نبع البهجة ‪ .‬مضت أكرث من سنتني مل اقابله ألين ال أسافر ايل االسكندرية وال‬
‫غريها من املدن املرصية خارج القاهرة ووجدت يف البيت مالذا من رؤية حياة‬
‫ضاعت ومدن انتهت ومايض يستيقظ باالمل عيل فقد الجامل ‪ .‬صديقي هذا‬
‫هو واحد من اربعة من االصدقاء فقدنا واحدا منهم منذ عدة اعوام ثم فقدناه‬
‫منذ ايام ‪ .‬هؤالء االربعة امضيت معهم اجمل ايام الشباب قبل وبعد ان انتقل‬
‫من القاهرة ‪ .‬كانت لقاءاتنا ضحكا ال ينتهي مع غرينا من االصدقاء يف منطقة‬
‫الدخيلة والعجمي ال اعرف اين ذهب الباقون لكن هؤالء االربعة مل تنقطع‬
‫عالقتي بهم ابدا ومل يكن ممكنا ان ازوراالسكندرية دون أن التقيهم وهم‬
‫الدكتور مجدي شحاتة وحسني اللنش ومحمد ابو سالمة وسعيد وهبة ‪ .‬هؤالء‬
‫االربعة كانو مصدر الهام لروايتي « بيت الياسمني « وان غريت اسامءهم فكل‬
‫ماكانوا يقولونه من ضحك وقفشات صنع الرواية ‪ .‬وسعيد وهبة استوحيت‬
‫من حياته ومن شكله وبنيانه الجسدي شخصية شجرة محمد عيل املوظف‬
‫الذي كان متعهد الخروج بالعامل للمظاهرات يف استقبال الرئيس السادات‬
‫لكنه يقتسم االجر الذي سيرصف للعامل معهم وال يذهبون ايل املظاهرة ‪.‬‬
‫لقد حيك يل سعيد الحكاية يف اواخر السبعينات وكيف فعلها موظف زميل‬
‫له يعرفه وتم كشفه وظلت الفكرة يف روحي حتي كتبت الرواية عام ‪. 6891‬‬
‫اخذت من سعيد حياته وحبه لصيد السمك بالبندقية اسفل ماء البحر وخفة‬
‫دمه والحقيقة ان االربعة لهم خفة دم فائقة عيل الزمن ‪ .‬اضفت ايل ماقالوه يف‬
‫سهراتنا الكثري وجعلته حياة الربعة اشخاص اخرين كانوا قوام الرواية‬

‫رايت سعيد آخر مرة منذ عامني مرهقا متعبا ال يبتعد عن البيت اال ايل مقهي‬
‫قريب ‪ .‬اصابه العمر واصابه الصيد تحت املاء طول العمر بامراض يف الظهر‬
‫والكيل وفقد زوجته الكرمية الجميلة ومل نعد نضحك كام كنا نضحك من قبل‬
‫‪ .‬تذكرت اللقاء االسبق وكان اخر ضحك اقرتفناه وانا استخدم هذا اللفظ كأن‬
‫الضحك جرمية وانا اقصد ذلك فهذا زمن ع ّز فيه الضحك واري فيه البكاء‬
‫هو املطر ‪ .‬رحت اذكره بآخر قفشاته ومل يكن يزيد عن االبتسامة ‪ .‬كانت‬
‫هذه القفشات والضحك يوم سافرت حني كنت قادرا عيل السفر للعزاء يف‬
‫اخ الدكتور مجدي شحاتة االصغر طارق الذي مات ضحية الرسطان مبكرا‬
‫وكان اليوم جمعة ‪ .‬وصلت مبكرا فاخذت طريقي ايل بيت سعيد يف الدخيلة‬
‫وجلست معه وقدمت لنا زوجته رحمها الله الشاي وقلت له هيا بنا نحرض‬
‫الجنازة فقال يل ساذهب ايل املقابر مبارشة ولن اذهب ايل الجامع ‪ .‬سالته‬
‫ملاذا قال يل الجامع الذي امامي له شيخ ال يكف كل جمعة يف لعن اليهود‬
‫والنصاري والعامرة املجاورة له كلها اصدقاء عمر من املسيحيني تركوا العامرة‬
‫ايل سكن بعيد ‪ .‬ليس ذلك فقط ‪ .‬آخر مرة صليت فيها اطال يف الركعة ‪ -‬ليس يف‬
‫السجدة ‪ -‬وانا ظهري تاعبني وكدت اقع فوجدت نفيس اقول لنفيس من التعب‬
‫هو بيعمل ايه ابن ‪ ...‬الكلب دا ؟ فإذا مبن يجاورين يسمعني و يرد عيل قائال‬
‫سيبك منه دا راجل ابن مرة ‪ ....‬واكملنا الصالة اكتم الضحك واستغفر الله مام‬
‫حدث غصبا عني وانا غري قادر وانتهينا ‪ .‬ذهبت تشاجرت مع الشيخ وقلت له‬
‫يا اخي الرحمة هناك مريض يصلون ومل اعد اذهب ايل الجوامع ‪ .‬رصت اصيل‬
‫يف البيت ‪ .‬طبعا ضحكت بقوة وخرجت من االمل عيل فقد حبيبي االخ االصغر‬
‫لصديقي الدكتور مجدي شحاتة وانتظرت معه حتي تحركنا ايل املقابر مبارشة‬
‫بعد الصالة ‪ .‬يف الطريق قال يل يا اخي شاهدت فيلام عن ناس تعبد الفرئان يف‬
‫امريكا الجنوبية ‪ .‬يجلسون يف جامع ابيض جميل ويبتسمون ويضحكون ونحن‬
‫الذين نعبد ربنا الذي خلقنا وخلق الفرئان منيش مكرشين وندخل الجوامع‬
‫ونخرج منها مكرشين‬
‫مل يكن سعيد متواقفا ابدا مع ماحوله وحول كل خالفه ايل ضحك مثل بقية‬

‫هذه الرتبة الجميلة ماءا وسامءا ‪...‬رحلة هوى تلقايئ متجذر –دون حساب‬
‫أو غاية‪ -‬يختزن وجوها واحقابا من قرطاج اىل الكاهنة وتدمر‪...‬من أبوليوس‬
‫املدوري إىل ابن خلدون والشايب واملسعدي‪...‬‬
‫ستكون بيننا يا صاحبي روحا ونصا عىس ان ينتبه الفاعلون يف مزاريب ثقافتنا‬
‫لنصوصك العميقة واملنشورة يف أصقاع كثرية منها دمشق واملانيا‪...‬عىس ان‬
‫تجمع يف موسوعة ثرية هي منا مبكان الوجود والوجدان ‪...‬من نصوص الفقيد‬
‫‪ :‬املواسم‪ /‬أنت كالزهرة ال تبرصين‪ /‬الهوى قرطاج‪ /‬امرأة تنظر يف اتجاه املاء‪/‬‬
‫أحوال عائشة‪ /‬مائة عام من القرية‪ /‬مل يبق إال الشعراء‪ /‬الشعراء عىل اليمني‬
‫وعىل اليسار الشعراء‪ /‬الشعراء يدخلون املدينة‪ /‬دروب الغجر «مختارات‬
‫شعرية معربة»‪ /‬أعامل رين شار «تعريب»‪...‬‬
‫محمد الجابليّ – منارات‪-‬‬

‫االصدقاء االربعة ‪ .‬كان يصطاد السمك من تحت املاء يف الدخيلة او العجمي‬
‫ويعود ليعزمنا عيل الغداء بالسمك كله ‪ .‬كلوا ياوالد الكلب ونضحك ‪ .‬وذات‬
‫مرة عاد متاخرا بصيد وفري من العجمي وكان متعبا فجلس عيل الرصيف‬
‫يسرتيح قليال وامامه الغلق فيه اطراف ظاهرة من السمك فوقفت امامه سيارة‬
‫مرسيدس وقال من بداخلها من الشباك تعايل وريني السمك بتاعك ‪ .‬فلم يرد‬
‫عليه ‪ .‬ساله مش انت بتبيع سمك قوم تعايل وريني السمك ‪ .‬فنادي سعيد‬
‫صعيدي غلبان مير امامه واعطاه الغلق بالسمك باملجان وقال ملن يف العربة‬
‫خلصت بعته ببالش ‪ .‬هو أويل ‪ ،‬يالال عدي من قدامي ‪ .‬وعاد سعيد دون سمك‬
‫يضحك ويقول علشان راكب مرسيدس فاكرين حاقوم اروح له وبعدين هو‬
‫انا شكيل بياع سمك ؟ ‪ .‬كان سعيد موظفا معي يف الرتسانة البحرية ويف اخر‬
‫لقاء منذ سنتني قال يل انت مش جدع ياابراهيم ‪ .‬ليه ياسعيد ‪ .‬قال يل غريت‬
‫اسمي يف الرواية وخليته شجرة محمد عيل ليه ماخلتوش سعيد وهبة ‪ .‬الرواية‬
‫ترجمت انجليزي وفرنساوي وطلياين كان ممكن حد ييجي من هناك ياخد‬
‫الشباب والدي الوربا احسن من املغامرة وركوب مراكب ربنا اعلم توصل وال‬
‫أل ‪ .‬طبعا ضحكنا الن اوالده وابنته الجميلة الحمد لله يف وضع طيب وقلت له‬
‫ياسعيد انت ماكنتش بتتظاهر مع العامل بفلوس انت حكيت يل القصة عن‬
‫واحد زميلك عملها مرة فاخذتها واخذت منك كل جميل يف الحياة ‪ .‬كتري جدا‬
‫احكيه عن سعيد وهبة الذي عرفت بصعوده ايل الله االسبوع املايض بعد الوفاة‬
‫بيومني من حسني ومجدي وانا عائد يف املساءايل البيت فصارت دموعي معي‬
‫يف الطريق وال تزال ‪ .‬كيف حقا اشتقت اليه كثريا يف االسابيع املاضية وعدم‬
‫قدريت وال رغبتي يف السفر كنت اعرف انه يشعر بها دون ان اكلمه ‪ .‬رايتك‬
‫كثريا ياسعيد يف الفضاء امامي ‪ .‬اللهم امد يف عمر حسني ومجدي اخر ما تبقي‬
‫من ضحك السنني ‪ .‬سامحني ياسعيد عيل الحزن يف مكاين ‪ .‬يوما ما ساسافر ايل‬
‫االسكندرية وازورك واعتذر لك رغم اين اعرف انك تدرك حجم اعتذاري ‪ .‬رؤيتك‬
‫يف الفضاء جعلتك امامي دامئا يا اعز الناس ‪ .‬ولعل املالئكة وجدت بينها اآلن من‬
‫يايت ضاحكا من األرض الخراب !‬

‫‪4‬‬

‫الخميس ‪ 26‬ديسمرب ‪ - 2019‬املوافق لـ ‪ 7‬ربيع الثاين ‪ 1441‬هـ ‪ -‬العدد ‪82‬‬

‫الفلسفة االجتماعية لليربالية الجديدة*‬
‫بيير بورديو ‪PIERRE BOURDIEU‬‬

‫ترجمة املنترص الحميل‬

‫أتوسع هنا يف أطروحة‪-‬‬
‫أو ّد أن ّ‬
‫يستدعي تقدميها وقتا طويال‬
‫– تعترب أ ّن ما يس ّمى «اللّيربال ّية‬
‫الجديدة» ومحاول َة بنائها‬
‫عىل شكل من أشكال العلوم‬
‫االقتصاديّة‪ ،‬هي يف الواقع فلسفة‬
‫اجتامع ّية‪ .‬لقد تحدّث أحدهم‬
‫قبيل عن «قض ّية مجتمع»‪:‬‬
‫وهو تعبري غالبا ما ُيستخدم‬
‫الصحيح أ ّن‬
‫باستخفاف‪ ،‬خصوصا يف املناظرات ال ّتليفزيون ّية‪ ،‬ولكن من ّ‬
‫االجتامعي‪.‬‬
‫موضوع حديثنا هنا هي قض ّية اجتامع ّية‪ ،‬أي رؤية للعامل‬
‫ّ‬
‫اللّيربالية الجديدة نفسها تقدّم نفسها عىل أنّها رؤية متامسكة للعامل‪،‬‬
‫مبن ّية عىل عدد من املقرتحات الّتي تزعم أنّها علم ّية‪ ،‬ولكن ميكن أن‬
‫نر ّدها إىل ما يس ّميه علامء األعراق أو علامء االجتامع «منظومة قيم ّية‪،‬‬
‫إيتوس ‪ ،»ethos‬أي مجموعة من القيم‪ ،‬الضّ من ّية يف معظمها‪ ،‬ال ّراسخة‬
‫يف أكرث أساليب العيش شيوعا وأكرثها دنيو ّية وأكرثها يوم ّية‪ .‬وهذا‬
‫«اإليتوس» هو ما سأحاول رشحه هنا‪.‬‬
‫املبدأ األ ّول الّذي يستند إليه ال ّنموذج اللّيربايل الجديد هو أ ّن‬
‫االقتصاد مجال منفصل عن املجتمع‪ ،‬تحكمه قوانني طبيع ّية وكون ّية‬
‫يجب عىل الحكومات أن تتج ّنب مخالفتها‪ .‬واملبدأ الثّاين هو أ ّن‬
‫السوق هي الوسيلة املثىل يف املجتمعات ال ّدميقراط ّية لتنظيم اإلنتاج‬
‫ّ‬
‫والتّجارة بكفاءة ونزاهة‪ .‬واملبدأ الثّالث‪ ،‬وهو أكرثها دوريّة‪ ،‬يتمثّل‬
‫يف أ ّن العوملة تتطلّب تخفيض ال ّنفقات الحكوم ّية‪ ،‬ال سيام يف املجال‬
‫االجتامعي‬
‫االجتامعي‪ ،‬أل ّن الحقوق االجتامع ّية يف الشّ غل والضّ امن‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ُمكْلفة ومختلّة عىل ح ّد سواء‪ .‬وخالفا ملا يقال يف كثري من األحيان‪،‬‬
‫فإ ّن هذه املبادئ متجذرة بعمق يف تقليد طارئ‪ ،‬وليست كون ّية‬
‫عىل اإلطالق‪ ،‬ومرتبطة بالتّاريخ املخصوص ملجتمع مخصوص‪ ،‬هو‬
‫املجتمع األمرييكّ‪.‬‬
‫باملناسبة‪ ،‬أعرف أ ّن هذا الكالم سيجعلني عرضة لالتّهام مبعاداة‬
‫أمريكا‪ .‬فاسمحوا يل بأن أرشح هذا‪ :‬إ ّن األشخاص إيّاهم ‪-‬يف أكرث‬
‫وفييتي بـ «معاداة‬
‫األحيان‪ -‬الّذين كانوا يتّهمون منتقدي االتّحاد ّ‬
‫الس ّ‬
‫الشّ يوع ّية»‪ ،‬يسارعون اليوم إىل شجب أ ّي تحفّظ – حتّى وإن كان‬
‫واقع ّيا ‪ -‬معتربينه متعلّقا بـ «معاداة أمريكا»‪ ،‬هذا عالوة عىل‬
‫أنّه يت ّم استخدام هذا ال ّنعت بشكل انتقا ّيئ للغاية‪ ،‬مثل‪Nouvel‬‬
‫‪ ، Observateur‬وهو مكان يعبرّ فيه من يدافعون عن «معاداة‬
‫أمريكا»‪ ،‬ولكن أيضا من يدينون «الشّ يوع ّية»‪ ،‬وحرك َة املثليني والحرك َة‬
‫السحاقيات‪ ،‬الخ‪ .‬من الواضح أنّه ال يوجد حسب رأيي‬
‫ال ّنسويّة وحركة ّ‬
‫أ ّي نوع من العداء ألمريكا‪ ،‬وأعتقد أ ّن الكثري من األمريكيني ‪ -‬الّذين‬
‫أعرفهم وأح ّبهم ‪ -‬سيتّفقون مع ما سأقوله حول املنظومة األمريك ّية‪،‬‬
‫وهم أ ّول من يعاين منها‪ .‬فهناك «معاداة ألمريكا» أمريك ّية أيضا‪.‬‬
‫يجب أن نعلم كذلك أ ّن عددا مع ّينا من الحركات العامل ّية املناهضة‬
‫لإلمربيال ّية قد انطلقت من الواليات املتّحدة األمريك ّية‪ -‬مثل الحركة‬
‫املؤيدة لرضيبة توبني ‪ Tobbin‬عىل سبيل املثال‪ .‬وباملثل‪ ،‬أعتقد أن‬
‫عددا مع ّينا من الحركات ‪ -‬مثل حركتكم – سيكون من مصلحتها أن‬

‫السياس ّية‪.‬‬
‫تعتمد عىل حركات أمريك ّية الكتساب الق ّوة ّ‬
‫يك هي أ ّن ال ّدولة قد ت ّم تحجيمها إىل‬
‫السمة األوىل للمجتمع األمري ّ‬
‫ّ‬
‫منهجي «الثّور ُة املحافظة» اللّيربال ّية‬
‫بشكل‬
‫وأضعفتها‬
‫األدىن‪،‬‬
‫د‬
‫الح ّ‬
‫ّ‬
‫الجديدة‪ .‬هذا املجتمع يتم ّيز مبفارقة‪ ،‬فهو متق ّدم ج ّدا اقتصاديّا‬
‫وعلم ّيا من ناحية‪ ،‬ومتأخّر ج ّدا اجتامع ّيا وسياس ّيا من ناحية أخرى‪.‬‬
‫وحتّى األسس الّتي تقوم عليها ال ّدميقراط ّية األمريك ّية فهي موضع‬
‫يخص أداءها‪ :‬فمع ّدالت االمتناع عن التّصويت مرتفعة‬
‫تساؤل فيام ّ‬
‫للغاية‪ ،‬وهناك مآخذ حول طريقة متويل األحزاب‪ ،‬وكذلك التّبع ّية‬
‫لوسائل اإلعالم واملال ‪ ...‬هذا ال ّنموذج من ال ّدميقراط ّية املتق ّدمة‬
‫هو‪ ،‬من بعض ال ّنواحي‪ ،‬قديم ج ّدا‪ .‬فإحدى خصائص ال ّدولة‪ ،‬الّتي‬
‫يتّفق عليها جميع علامء االجتامع‪ ،‬مع ماكس فيرب ‪ Max Weber‬أو‬
‫نوربرت إيلياس ‪ ،Norbert Elias‬هو أنّها تع ّرف نفسها بأنّها هي‬
‫الّتي تحتكر املامرسة املرشوعة للعنف‪ :‬ولكن‪ ،‬إن كان هناك بالفعل‬
‫بلد ال تحتكر فيه ال ّدولة العنف إالّ بدرجة ضئيلة‪ ،‬فهي الواليات‬
‫السالح البالغ عددهم ‪ 70‬مليونا‪.‬‬
‫املتّحدة بالحاملني فيها ّ‬
‫ثانيا‪ ،‬إ ّن هذه ال ّدولة هي يف حالة ضمور‪ ،‬أو دولة ِر ْدف‪ ،‬من ال ّناحية‬
‫االقتصاديّة‪ :‬فقد انسحبت تدريج ّيا من االقتصاد‪ ،‬وت ّم تحويل املنافع‬
‫السكن‪ ،‬أو األمن‪ ،‬أو التّعليم‪ ،‬أو الثّقافة‪ ،‬إىل‬
‫العا ّمة مثل ّ‬
‫الص ّحة‪ ،‬أو ّ‬
‫سلع تجاريّة‪ .‬فأصبح املستخدمون زبائن‪ .‬يحدث كلّ هذا باالعتامد‬
‫عىل رؤية فلسف ّية يت ّم تلخيصها يف عبارة املساعدة الذّات ّية ‪Self‬‬
‫‪ ،Help‬وهي تعني أن ّاألفراد يجب أن يحقّقوا بأنفسهم خالصهم‬
‫الذّا ّيت‪ .‬هذه هي ال ّرؤية الكالفينية القدمية الّتي مبوجبها يساعد‬
‫ال ّر ّب أولئك الّذين يساعدون أنفسهم‪ ،‬وهي رؤية أصبحت مك ّونة‬
‫ملا يس ّمى‪ ،‬يف اللّغة ال ّدارجة‪« ،‬العقل ّية» األمريك ّية‪ .‬وهكذا‪ ،‬نالحظ‬
‫يف ال ّدراسات االستقصائ ّية االجتامع ّية أ ّن األشخاص املفصولني من‬
‫وخاصة الفرنسيني ‪ -‬إىل‬
‫رشكتهم مييلون ‪ -‬بشكل يثري دهشة األوروبيّ ‪ّ ،‬‬
‫تحميل أنفسهم مسؤولية هذا الفصل‪ .‬إ ّن هذا التّمجيد للمسئول ّية‬
‫الفرديّة ‪ -‬الّذي هو من صميم ال ّرؤية املحافظة للمجتمع ‪ -‬قد ت ّم‬
‫ترحيله حتّى إىل حكوماتنا االشرتاك ّية املزعومة‪ :‬لقد سمعنا أ ّن رئيس‬
‫وزراء يدين «ال ّرؤية االجتامع ّية»‪ ،‬الّتي ح ّددها بنزوعها إىل إلقاء‬
‫مسؤولية املرض أو االنحراف أو الجرمية أو تعاطي املخ ّدرات عىل‬
‫عاتق عوامل «اجتامع ّية»‪.‬‬
‫الخاص ّية الثّالثة لل ّدولة األمريك ّية هي حقيقة أنّها مل تعد حاملة‬
‫ّ‬
‫لل ّرؤية الّتي ميكن أن نس ّميها «هيغل ّية‪-‬دوركهامي ّية»‪ ،‬والّتي تعترب‬
‫ال ّدولة نوعا من «الوعي األعىل» بال ّنسبة لألفراد‪ ،‬قادرة عىل دمج‬
‫التّوقّعات واملطالب الّتي ميكن أن تكون متناقضة ومتضاربة‪ ،‬وعىل‬
‫التّحكيم باسم «املصلحة العا ّمة»‪ ،‬وباسم متثيل للمصلحة الجامع ّية‬
‫يُفرتض أنّه إيجا ّيب‪ .‬إ ّن هذه ال ّرؤية‪ ،‬الّتي مل تكن أبدا قويّة ج ّدا يف‬
‫التّقاليد األمريك ّية‪ ،‬قد ت ّم اغتيالها بواسطة «الثّورة املحافظة» (كان‬
‫هناك حديث عن «الثّورة املحافظة» يف أملانيا يف الثّالثينيات فيام‬
‫يتعلّق بالحركات الّتي سبقت ظهور ال ّنازيّة)‪ ،‬الّتي هي حركات‬
‫محافظة تتظاهر بأنّها ثوريّة‪ .‬وصحيح أ ّن اللّيربال ّية الجديدة تتق ّدم‬
‫مق ّنعة بقناع لغة «اإلصالح» و»الثّورة» و»الحراك» و»التّغيري»‪ ،‬معتربة‬
‫أ ّن أولئك الّذين يعارضونها هم «حمقى» و»رجعيون» و»ماضويون»‪،‬‬
‫الصعب مقاومتها‪ ،‬فذلك ألنّه بإمكانها أن تحايك‬
‫إلخ‪ :‬فإذا كان من ّ‬
‫الثّورة يف أفعالها األكرث محافظة‪ .‬ميكنها مثال محاكاة االهتامم مبصري‬
‫املرىض الفرد ّي‪ ،‬بينام هي بصدد تصفية الحامية االجتامع ّية ‪...‬‬
‫يجسد الشكل املتط ّرف‬
‫سمة أخرى للمجتمع األمري ّ‬
‫يك هي أنّه ّ‬

‫املحسوس لروح ال ّرأسامل ّية‪ .‬يبدأ ماكس فيرب كتابه «األخالقيات‬
‫نص جميل ج ًدا كتبه‬
‫الربوتستانت ّية وروح ال ّرأسامل ّية» بتعليق عىل ّ‬
‫بنيامني فرانكلني ‪ - Benjamin Franklin‬ميكن ألصدقائنا اللّيرباليني‬
‫أن يستلهموا منه! ‪ -‬الّذي يضع الفرد وخري الفرد يف قلب الوجود‬
‫االجتامعي‪ ،‬أو «مرشوع املجتمع» كام‬
‫اإلنسا ّين‪ ،‬يف قلب املرشوع‬
‫ّ‬
‫يقال‪ .‬يخضع هذا ال ّنص لنوع من منطق حساب األرباح الفرديّة‪ ،‬ال‬
‫السعادة‪،‬‬
‫فقط األرباح ال ّنقديّة‪ ،‬بل ميكن حتى الحديث عن أرباح ّ‬
‫ولكن دامئا يف داخل منطق فرد ّي وحسا ّيب‪ .‬وإنّها ل‬
‫حقيقة أنّه ما من مجتمع معارص آخر قد حقّق عقل ّية حساب ّية إىل‬
‫هذا الح ّد‪ .‬هناك‪ ،‬عىل سبيل املثال‪ ،‬كتاب عن سوسيولوجيا التّعليم‬
‫األكادميي» ‪ -‬وهو وصف لهذه‬
‫السوق‬
‫– تحت عنوان «مكان ّ‬
‫ّ‬
‫االتّفاقيات الّتي تُعقد م ّرة كلّ عام‪ ،‬وغالبا يف نيويورك‪ ،‬حيث يبيع‬
‫السوق حيث عليك أن‬
‫األكادمييون أنفسهم بطريقة أو بأخرى يف ّ‬
‫يك‬
‫تجعل نفسك جذّابا للمشرتين املحتملني‪ .‬لقد توغّل العالَم األمري ّ‬
‫العلمي‪ ،‬إلخ‪ - .‬الّتي‬
‫يف األكوان األكرث ابتعادا – كالحقلني األد ّيب و ّ‬
‫تأسست ض ّد منطق املال‪ :‬عندما نذهب إىل الواليات املتحدة‪ ،‬دامئا‬
‫ّ‬
‫ما تصيبنا ال ّدهشة من رؤية الوحش ّية الّتي يتكلّم بها ال ّناس عن‬
‫قيمتهم بال ّدوالر ‪ -‬وحش ّية ميكننا فيها التّمييز بني الفضائل‪ ،‬ولك ّنها ال‬
‫تريض كثريا االنتظارات اإلنسان ّية‪.‬‬
‫يقودين هذا إىل استحضار عبادة الفرد وال ّنزعة الفرديّة‪ ،‬أي ما تدعوه‬
‫األمريك ّية دورويث روس ‪ Dorothy Ross‬بـ»الفرديّة امليتافيزيق ّية»‬
‫الّتي هي أساس كلّ ال ّنظريّة االقتصاديّة وتق ّربنا إىل فلسفة العمل‬
‫هذه الّتي تعترب نفسها «فرديّة منهج ّية»‪ ،‬والّتي ال ميكنها أن تعرتف‬
‫إالّ باإلجراءات املحسوبة الّتي يقوم بها وكيل معزول بدراية ووعي‪،‬‬
‫الجامعي ليس أكرث من تجميع ألعامل فرديّة‪:‬‬
‫اعتبارا إىل أ ّن العمل‬
‫ّ‬
‫واحد زائد واحد‪ ،‬زائد واحد‪ ،‬الخ‪ .‬ما يت ّم تجاهله هنا هو أ ّن االفراد‬
‫ميكن أن يتغيرّ وا بفعل التّبادل‪ ،‬وأ ّن التّبادل يغيرّ يف طبيعة التّبادل‬
‫واألشياء املتبادلة‪ ،‬وأ ّن األفراد الّذين سيتقاسمون «املاء وامللح»‪ -‬وهو‬

‫‪5‬‬
‫تعبري يقال يف جميع األعراف‪ -‬سوف يشكّلون مجتمعا ستكون مصالحه متعالية عىل املصالح‬
‫الفرديّة‪ ،‬وسوف يكونون قادرين عيل الثّورة مع بعضهم البعض‪ ،‬الخ‪.‬‬
‫يك هو‬
‫االجتامعي األمري ّ‬
‫هناك موضوع آخر يف برنامج اإلنجيل اللّيربا ّيل الجديد وهو أ ّن ال ّنظام‬
‫ّ‬
‫نظام دينامييكّ‪ ،‬مقارنة بصالبة املجتمعات األوروبّيّة‪ ،‬وأنّه يقرن اإلنتاجيّة مبرونة عاليّة‪ .‬هذه‬
‫ال ّرؤية لعامل قائم عىل «املرونة» والقدرة عىل التّكيّف تفيض إىل اعتبار انعدام األمن مبدأ إيجابيّا‬
‫الجامعي‪ ،‬وإىل جعل انعدام األمن مح ّرك املجتمع ذاته‪« .‬هل تريدون أن تجعلوهم‬
‫يف التّنظيم‬
‫ّ‬
‫الصحافيني؟ إذن ال تكلّفوا‬
‫يعملون‪ ،‬إذن اجعلوهم يف وضعيّة غري مستق ّرة!» ‪« ...‬تريدون مراقبة ّ‬
‫الوقتي ‪ .»!CDD‬هذه فلسفة اجتامعيّة‬
‫أنفسكم عناء فرض ال ّرقابة‪ ،‬بل طبّقوا عقود التّشغيل‬
‫ّ‬
‫متناقضة متاما مع ما كان يس ّمى يف القرن التّاسع عرش «التّضامن» ‪ -‬وهو تقليد كان مشرتكا يف‬
‫كثري من األحيان بني علامء اجتامع وأطبّاء‪ ،‬إنّها فلسفة «عضويّة»‪ ،‬مشتبه بها قليال فضال عن‬
‫ذلك ‪...‬‬
‫الوظيفي‪،‬‬
‫ما أحاول أن أقوله هنا هو أ ّن هذه الفلسفة الفرديّة‪ ،‬هذا اإلعالء من شأن التّنقّل‬
‫ّ‬
‫يؤ ّدي إىل أنواع جديدة من عقود العمل متنافرة متاما مع كلّ ما اكتسبته املجتمعات االوروبّيّة‬
‫وما بنته يف تاريخها‪ .‬وتكمن ق ّوة هذه اللّيرباليّة الجديدة يف زعزعه األمن‪ ،‬وإبقاء ال ّناس‪ ،‬حتّى‬
‫االجتامعي‪ ،‬يف حالة عدم استقرار‪ ،‬وذلك بجعل انعدام‬
‫الهرمي‬
‫يف مستويات عالية من التّسلسل‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫األمن ال ّدائم هذا مح ّركا للطّموحات والتّطلّعات وما إىل ذلك‪ .‬ويف الوقت نفسه‪ ،‬فإ ّن عقود‬
‫العمل هذه هي عقود مح ّددة – إذ مل يعد هناك سوى حاالت مح ّددة‪ -‬وهي تخلق تن ّوعا من‬
‫ترسخ نفسها يف البنى الذّهنيّة أيضا‪ .‬يت ّم‬
‫شأنه‪ ،‬بال ّنظر إىل ق ّوة اآلليات االجتامعيّة‪ ،‬أن يجعلها ّ‬
‫تكريس فرديّة االفراد عن طريق تجريدهم من املجتمع‪ ،‬وبانتزاعهم من ال ّرابطة االجتامعيّة‬
‫األساسيّة الّتي تنشأ يف العمل‪ .‬فال ينبغي االستهانة بهذا الخصم القادر عىل تثبيت انعدام األمن‬
‫يف قلب البُنى ذاتها‪ ،‬أي يف قلب األماكن الّتي كان يُنظر إليها عىل أنّها ثوابت وثابتة‪ ،‬والّتي تتمثّل‬
‫وظيفتها يف الطأمنة‪ .‬وباملناسبة‪ ،‬حني كنت أعمل يف الجزائر‪ ،‬أذهلني أ ّن العماّ ل اليوميني‪ -‬الّذين‬
‫يعملون يف وظائف غري مستق ّرة‪-...‬كانوا يقولون يل‪ ،‬بوترية الفتة‪ ،‬إنّهم كانوا تائهني‪ :‬يف الشّ ارع‪،‬‬
‫ويف ال ّزمن‪...‬‬
‫هذه الفلسفة اللّيرباليّة الجديدة هي أيضا «داروينيّة جديدة»‪ ،‬مبعنى أ ّن األقوياء فقط هم‬
‫الّذين سيبقون عىل قيد الحياة‪ .‬وهي تستبعد أ ّي تضامن إزاء «البطّات العرجاء»‪ ،‬إن كانوا‬
‫رشكات أو أفرادا‪.‬‬
‫يك يع ّج بالتّناقضات‬
‫بطبيعة الحال‪ ،‬ميكن اعتبار هذا العرض تبسيطيّا‪ -‬فاملجتمع األمري ّ‬
‫الصحة‬
‫والتّعقيدات‪ ،‬الخ‪ .‬ولكن يجب أن نرى جيّدا أ ّن استرياد هذا ال ّنموذج ونقله ‪-‬يف مجال ّ‬
‫كام يف العديد من املجاالت األخرى‪ -‬لهام عواقب وخيمة‪ ،‬نظرا أل ّن ما يت ّم تلغيمه هو نظام من‬
‫خاصة وأ ّن هذا ال ّنموذج يفرض نفسه من خالل‬
‫القيم‪ ،‬هو «إيتوس» موروث من تقليد بأرسه‪ّ .‬‬
‫رسيّة»‪-‬وأنا أفضّ ل أن أقول من خالل «عنف رمز ّي»‪ ،‬وأعني به أشكاال من الهيمنة‬
‫آليات «إقناع ّ‬
‫َ‬
‫الّتي متا َرس بإعانة ال واعية من املضط َهدين‪ ،‬املتواطئني بطريقة ّما مع اآلليات الّتي يكونون‬
‫ضحيّتها‪ .‬وهو يق ّوض‪ ،‬بطريقة ما‪ ،‬أسس الحضارة األوروبّيّة‪ .‬يف عام ‪ ،1995‬عندما تحدثت يف‬
‫محطّة قطار ليون‪ ،‬قلت عىل ما أذكر‪« :‬إ ّن ما هو عىل ّ‬
‫املحك هي حضارة»‪ ...‬وبعد التّفكري مليّا‪،‬‬
‫استخدمت كلمة كبرية‪ ،‬لقد بالغت»‪ .‬ولكن كلّام فكّرت يف األمر اعتقدت أكرث‬
‫قلت لنفيس‪« :‬لقد‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫بأنيّ كنت محقّا‪ ،‬مبعنى أ ّن املقصود بالفعل هي ثقافة‪ ،‬هي تقاليد ثقافيةّ‪ ،‬أنتجت جامعيّا ونُقلت‬
‫جامعيّا‪ ،‬ت ّم اخرتاعها ببطء شديد‪ ،‬وخصوصا يف القرن التّاسع عرش‪.‬‬
‫السياسيّة عن اجتامعاته‪ ،‬من لندن‬
‫يتح ّدث مارسيل ماوس ‪ Marcel Mauss‬يف كتاباته ّ‬
‫إىل فرانكفورت‪ ،‬ويرشح كيف ت ّم اخرتاع التّضامن يف حالة «حادث عمل»‪ ،‬ومفهوم «التّأمني‬
‫الص ّح ّي»‪ ،‬والتّعاونيات‪ ...‬ربمّ ا يخرتع األمريكيون جزيئات‪ ،‬أ ّما نحن‪ ،‬فقد اخرتعنا أشكاال اجتامعيّة‬
‫ّ‬
‫املؤسسات ويف العقول‪...‬‬
‫ومجاالت «تشارك» تفرتض نضاال ض ّد العالقات االجتامعية القامئة يف ّ‬
‫وتفرتض أيضا العرشات والعرشات من االخرتاعات‪ ،‬وكلّها مستوحاة من نفس رؤية العامل الّتي‬
‫السعادة الجامعيّة‪.‬‬
‫يو ّجهها البحث عن ّ‬
‫قد يبدو هذا الكالم ساذجا أو سخيفا اليوم‪ .‬ولكن ال ب ّد من ال ّنظر إىل أ ّن هناك‪ ،‬وراء هذه‬
‫الفلسفة اللّيرباليّة الجديدة‪ ،‬قوى اجتامعيه‪ :‬اقتصاديّة‪ ،‬عندما مت ّر عرب املنظّامت الكربى للتّجارة‬
‫ال ّدوليّة؛ وقانونيّة‪ -‬سياسيّة‪ ،‬عندما مت ّر عرب بروكسل‪ .‬ومع ذلك‪ ،‬إذا كان هناك يشء مييّزنا عن‬
‫الص ّحة‪ ،‬فإنّها بالتّأكيد هذه ال ّرؤية «التّضامنيّة» املوجودة يف مبدأ‬
‫املنظومة األمريكيّة يف مجال ّ‬
‫مؤسسة مثل التّعاونيّة‪ .‬ولكن‪ ،‬أال تزال التّعاونيات تعاونيات‪ ،‬وملاذا مل نعد نفهم حتّى فلسفة‬
‫ّ‬
‫التّعاونيات‪ ،‬إن مل يكن ذلك ألنّها ابتُليت بالفلسفة اللّيربالية الجديدة الّتي تقول‪« :‬علينا أن‬
‫نصنع األرباح‪ ،‬يجب علينا إعادة االستثامر»‪...‬‬
‫أفلم يحن الوقت املناسب بع ُد ألخذ أفضل ما ت ّم اخرتاعه سابقا‪ ،‬وإحيائه من خالل اخرتاعه‬
‫من جديد؟‬
‫*عنوان ال ّن ّص وضعته هيئة تحرير صحيفة «اإلنسانيّة ‪ »l›Humanité‬ونُرش يف عدد ‪ 4‬نوفمرب‬
‫‪.1999‬‬

‫الخميس ‪ 26‬ديسمرب ‪ - 2019‬املوافق لـ ‪ 7‬ربيع الثاين ‪ 1441‬هـ ‪ -‬العدد ‪82‬‬

‫ثورة التحرّر من السوبر تخلّف‪:‬‬

‫ثورة السالم‬

‫حسن عجمي‬
‫الثورة الحقيقية هي ثورة‬
‫التح ّرر من السوبر تخلّف‪.‬‬
‫أما السوبر تخلّف فهو‬
‫تطوير التخلّف من خالل‬
‫تقديم ال ِعلم عىل أنه جهل‬
‫وتقديم الجهل عىل أنه ِعلم‬
‫ؤسس لسيطرة األنظمة‬
‫ما يُ ِّ‬
‫الديكتاتورية ويدعم بقاءها‪ .‬لذلك الثورة الحقة هي التي‬
‫تح ِّررنا من السوبر تخلّف والديكتاتورية معاً‪.‬‬
‫تُن ِتج األنظم ُة الديكتاتورية السوبر تخلّف ليك تبقى وتنترص‬
‫فتبني مؤسسات اجتامعية واقتصادية وثقافية تُط ِّور التخلّف‬
‫وتُق ِّدم ال ِعلم عىل أنه جهل والجهل عىل أنه ِعلم‪ .‬مثل ذلك‬
‫ترسيخ فكرة أ َّن الشعب غري واع ٍ مبا يكفي ليك يتح ّول النظام‬
‫إىل دميقراطي وينتخب األفضل لل ُحكم‪ .‬ويت ّم تقديم هذه‬
‫الفكرة عىل أنها ِعلم أساسه أ َّن فقط الشعوب الواعية قادرة‬
‫عىل انتخاب األفضل فتحقيق الدميقراطية واملصلحة العامة‬
‫ومصلحة البالد‪ .‬لكن هذه ليست فكرة علمية بل هي جهل‬
‫أل َّن الدميقراطية قامئة يف األساس عىل التسليم العقالين بأنه‬
‫ال يوجد فرد أو مواطن أكرث وعياً من فرد أو مواطن آخر أو‬
‫أفضل منه ولذا كل املواطنني متساوون ما يؤ ِّهلهم جميعاً‬
‫النتخاب ممثليهم ورؤسائهم وحكوماتهم‪.‬‬
‫نرش الجهل والتجهيل‬
‫هذا مثلٌ عىل تقديم الجهل عىل أنه ِعلم وكيفية استخدام‬
‫ذلك لتدعيم سلطة النظام الديكتاتوري ما يؤكِّد عىل أ َّن‬
‫األنظمة الديكتاتورية ال تنتج التخلّف فقط بل تط ِّوره من‬
‫خالل نرش الجهل والتجهيل وتقديم الجهل عىل أنه ِعلم‬
‫وتقديم ال ِعلم عىل أنه جهل‪ .‬فال ِعلم القائم عىل املساواة‬
‫بني الناس يُق َّدم يف النظام الديكتاتوري عىل أنه جهل مبا أ َّن‬
‫يف األنظمة الديكتاتورية األفضلية لألكرث وعياً الذي يُح ِّدده‬
‫الطاغية دون سواه رغم أنه علمياً ال يوجد َمن هو أكرث‬
‫وعياً أل َّن كل البرش متساوون وإال خرسوا إنسانيتهم التي‬
‫ميتلكونها بالرضورة‪.‬‬
‫هكذا تفضيل وعي عىل آخر أو عقيدة عىل أخرى أو جامعة‬
‫عىل أخرى أساس قيام النظام الديكتاتوري وهذا ما نجيده يف‬
‫عالَمنا العريب مبرشقه ومغربه ألننا نرفض اآلخر املختلف عنا‬
‫فكرياً وعقائدياً وسلوكياً ما َحتَّ َم نشوء سلطة الطاغية كحلّ‬
‫جذري ملنع االقتتال فيام بيننا‪ .‬أما ماهية الدميقراطية وسيادة‬

‫الحقوق اإلنسانية فكامنة يف مبدأ عدم التفضيل كتفضيل‬
‫أيديولوجيا أو عقيدة عىل أخرى أو تفضيل سلوك عىل آخر‪.‬‬
‫ال حرية وال حقوق إنسانية مع التفضيل ألنه ينفي ويلغي‬
‫املساواة بني السلوكيات املتن ّوعة واملعتقدات املختلفة‬
‫الواقعية منها واملمكنة التي ينتجها أو قد ينتجها اإلنسان‬
‫ويغتال مبدأ أ َّن كل السلوكيات واملعتقدات متساوية يف‬
‫مقبوليتها وقيمتها رغم اختالفها‪ .‬وبِال هذا املبدأ اإلنسانوي‬
‫يستحيل أن توجد حرية وأن تُح َرتم الحقوق اإلنسانية‪.‬‬
‫قبول اآلخر ونشوء الدميقراطية‬
‫مبا أ َّن النظام الديكتاتوري يصوغ التخلّف ويُط ِّوره‪ ،‬إذن‬
‫الحلّ الوحيد للتح ّرر من السوبر تخلّف كامن يف الخالص‬
‫من األنظمة الديكتاتورية‪ .‬والخطوة األوىل نحو الخالص من‬
‫السوبر تخلّف واالنتقال من نظام ديكتاتوري إىل دميقراطي‬
‫كامنة يف قبول ال ِعلم واملشاركة يف بنائه‪ .‬وبذلك التح ّول إىل‬
‫الدميقراطية ال يحدث سوى عن طريق ثورات سلمية كثورة‬
‫إنتاج العلوم فالسالم سبيل التط ّور وتحقيق الدميقراطيات‬
‫وسبيل احرتام الحقوق اإلنسانية‪ .‬من هنا ثورة التح ّرر من‬
‫السوبر تخلّف واألنظمة الديكتاتورية هي ثورة السالم‪.‬‬
‫ال ِعلم خا ٍل من اليقينيات وبذلك بقبوله واملشاركة يف‬
‫إنتاجه نتح ّرر من تعصبنا ملعتقدات مع ّينة دون أخرى ما‬
‫يؤدي إىل قبول اآلخر فنشوء الدميقراطية الحقيقية بحقوقها‬
‫اإلنسانية العاملية فالدميقراطية أساسها قبول اآلخر فاملساواة‬
‫بني الجميع‪ .‬فال دميقراطية وال حقوق إنسانية (كحق كل‬
‫رصف) بال علوم وتفكري‬
‫فرد يف أن يكون ُح ّرا ً فيام يعتقد ويت ّ‬
‫علمي وبال مشاركة يف بناء العلوم أل َّن ال ِعلم قائم عىل رفض‬
‫اليقينيات امل ُِّؤسسة لألنظمة الديكتاتورية من جراء رفض‬
‫مالك اليقينيات لآلخرين‪ .‬ال يقينيات يف ال ِعلم فالنظريات‬
‫العلمية تُستب َدل بشكل مستمر بنظريات علمية أخرى‬
‫كاستبدال نظرية النسبية ألينشتاين بنظرية نيوتن العلمية‪.‬‬
‫بذلك املجتمع القائم عىل اليقينيات الرافضة بطبيعتها‬
‫للمعتقدات املختلفة عنها هو مجتمع غري ِعلمي وغري‬
‫دميقراطي‪ .‬فال ِعلم بال دميقراطية متاماً كام ال دميقراطية بال‬
‫ِعلم‪.‬‬
‫ؤسس لل ِف نَت والرصاعات والحروب ألنه يعتمد‬
‫السوبر تخلّف يُ ِّ‬
‫عىل رفض ال ِعلم ما يُحتِّم التعصب لليقينيات فرفض اآلخر‪.‬‬
‫لذلك األنظمة الديكتاتورية امل ُن ِتجة للسوبر تخلّف مصدر‬
‫ال ِف نَت والحروب‪ .‬ال سالم مع الطاغية وال حياة مع الطغاة‬

‫‪6‬‬

‫الخميس ‪ 26‬ديسمرب ‪ - 2019‬املوافق لـ ‪ 7‬ربيع الثاين ‪ 1441‬هـ ‪ -‬العدد ‪82‬‬

‫الديمقراطية الكالمية الهشّة‬
‫عاطف رجب‬
‫مثاين سنوات م ّرت عىل رحيل النظام‬
‫الدكتاتوري يف تونس وبداية مرحلة‬
‫جديدة من تاريخ تونس يس ّميها‬
‫البعض «مرحلة اإلنتقال الدميقراطي»‪،‬‬
‫نظريّا حققت تونس تقدما مهماّ يف‬
‫إنتقالها الدميقراطي بإرساء أسس‬
‫الدميقراطية كانت بدايتها بدستور‬
‫جديد متّت صياغته يف إطار مجلس تأسييس منتخب‪ .‬الدستور‬
‫التونيس يبدو دميقراط ّيا تقدم ّيا من الجانب النظري فهو ينص‬
‫عىل حريّة التعبري والرأي ويضمن حريّة الضمري واملعتقد كام‬
‫يف ّرق بني السلط الثالث الترشيعيّة والتنفيذيّة والقضائيّة ويحول‬
‫دون إحتكار السلطة بيد شخص أو فئة بعينها‪ ،‬كام حدد الدستور‬
‫التونيس مهام الجيش واألمن‪ .‬مؤسسات أخرى ضامنة للدميقراطية‬
‫تم تركيزها مثل الهيئة العليا املستقلة لإلنتخابات وهي هيكل‬
‫يسهر عىل تنظيم اإلنتخابات ويضمن تكافئ الفرص بني املرتشحني‬
‫ويسهر عىل الشفاف ّية والحياد‪ ،‬هيئة الحقيقة والكرامة والتي‬
‫إعتنت بالعدالة اإلنتقال ّية‪ ،‬املجلس األعىل للقضاء‪ ،‬الهايكا كسلطة‬
‫تعديليّة تراقب اإلعالم وتضمن إستقالليّته وعدم خضوعه ألي‬
‫سلطة‪ ،‬الهيئة الوطنية ملكافحة الفساد وغريها من املؤسسات‬
‫األخرى‪ ،‬كلّها إنجازات نظريّة مل تطبق بعد‪.‬‬
‫هذا التقدم النظري يف مسار اإلنتقال الدميقراطي‬
‫مل يرافقه تقدما إقتصاديّا يعزز النظام الدميقراطي‬
‫ويكسبه مناعة وصالبة ومينحه الطابع التطبيقي‬
‫‪ ،‬بل أن الوضع اإلقتصادي يزداد إنحدارا وتدهورا‬
‫حتّى صار يهدد اإلنتقال الدميقراطي بصفة فعليّة‪،‬‬
‫نسبة البطالة ال تزال يف حدود ‪ 15%‬من النشيطني‪،‬‬
‫نسبة الدين العام تجاوزت ‪ 73%‬من إجاميل الناتج‬
‫الوطني الخام‪ ،‬نسبة الدين الخارجي شهدت‬
‫إنفجارا مخيفا بتجاوزها ‪ 85%‬يف حني مل تتجاوز‬
‫‪ 40%‬قبل الثورة‪ ،‬بالتوازي فإن أسباب قيام الثورة‬
‫ضد النظام السابق ال تزال قامئة واملتمثلة أساسا‬
‫يف إختالل التوازن الجهوي فاملناطق الداخل ّية التي‬
‫مثّلت الرشارة األوىل للثورة ال تزال عىل حالها بل‬
‫إزدادت تدهورا ورغم الحديث عن الالمركزية‬
‫املزعومة إال أنها مجرد شعارات ومزايادات سياس ّية‬
‫يف ظل عجز الدولة عن تقديم مرشوع واضح‬
‫لذلك فال ميكن الحديث عن الالمركزية وعن تنميّة‬
‫املناطق الداخليّة يف ظل غياب البنية التحتية‬
‫الرضوريّة واألرض ّية املالمئة لإلستثامر بتلك املناطق‪.‬‬
‫مثّل الفساد الذي كان عنوانه أرسة الرئيس املخلوع‬
‫أحد أبرز أسباب الثورة‪ ،‬سنة ‪ 2018‬تؤكد منظمة‬
‫الشفافيّة الدولية عىل أن مؤرش الفساد تجاوز ما‬
‫كان عليه قبل عرش سنوات أي يف عهد الدكتاتوريّة‪،‬‬
‫كام أن إحصائيات املعهد التونيس للدراسات‬
‫اإلسرتاتجيّة تؤكد عىل أن الطبقة الوسطى التي‬
‫مثّلت إحدى دعائم اإلقتصاد التونيس شهدت هي‬
‫األخرى تراجعا مهام من ‪ 70%‬سنة ‪ 2010‬إىل ‪50%‬‬
‫سنة ‪ ،2018‬تعترب الطبقة الوسطى إحدى دعائم‬
‫النمو إقتصادي مبا أنها متثل قوة إستهالكيّة وهي‬
‫ضامنة للنظام الدميقراطي بتوجهاتها السياسية‬
‫التقدمية وأهم ّية مستواها العلمي‪ ،‬فرتاجع الطبقة‬
‫الوسطى يعني رضورة إتساع الطبقة الفقرية التي‬
‫تعترب ق ّوة جذب لإلقتصاد التونيس نحو األسفل‪.‬‬
‫فهل ميكن الحديث عن مستقبل للدميقراطية يف‬
‫ظل هذه األوضاع اإلقتصاديّة واإلجتامع ّية؟‬

‫املؤكد أنه ال مستقبل للدميقراطية أمام اإلنهيار‬
‫اإلقتصادي_اإلجتامعي‪ ،‬وهذا ما ملسناه خالل‬
‫اإلنتخابات األخرية التي أفرزت مجموعة من‬
‫الشعبويني الذين إستثمروا األوضاع اإلقتصادية‬
‫للوصول إىل مراكز الحكم والقرار فمنهم من‬
‫إستثمر يف الفقر وإتخذ الفقراء سلّام للوصول إىل‬
‫ثورجي‬
‫مجلس النواب ومنهم إستثمر يف خطاب‬
‫ّ‬
‫ممزوج بنفحات دين ّية ومنهم من إستغلّ تردي‬
‫بنفسجي ويعمل‬
‫الوضع اإلقتصادي ليطل بخطاب‬
‫ّ‬
‫عىل إحياء النظام السابق حيث كانت األوضاع‬
‫أفضل مماّ هي عليه اليوم‪.‬‬
‫بعد مثاين سنوات من الثورة‪ ،‬أدى الفشل اإلقتصادي‬
‫واإلنهيار اإلجتامعي إىل ظهور خطرين يه ّددان‬
‫اإلنتقال الدميقراطي؛‬
‫أ ّوال‪ ،‬ظهور الخطاب الشعبوي كإمتياز إنتخايب خالل‬
‫اإلنتخابات األخري‪ ،‬فالشعبويّة تو ّجه سيايس يعمل‬
‫عىل تقديس الشعب وي ّدعي التمثيل الحرصي له‬
‫وحاميته من النظام ونخبته السياسيّة‪ ،‬فهو يسعى‬
‫إىل دغدغة مشاعر األغلب ّية بصياغة خطابا عىل‬
‫مقاس الشعب بإستعامل أساليب متن ّوعة ترتكز‬
‫أساسا حول إسرتجاع الترّ اث‪ ،‬منهم من يستعمل‬
‫الرتاث الديني أو الترّ اث القريب املتعلّق بالنظام‬
‫السابق‪ ،‬بالتوازي يعمد الخطاب الشعبوي إىل‬
‫الساحة السياس ّية من‬
‫التقسيم وخلق أعداء عىل ّ‬
‫خالل التقسيم إىل «نحن» و»هم» وهي مربرات‬
‫لسياساتهم اإلقصائيّة من خالل التخويف من‬
‫اآلخر وخلق «فوبيا النخبة الحاكمة» وخلق ثنائ ّية‬
‫النقي والنخبة الفاسدة وتعارض إرادة‬
‫الشعب ّ‬
‫الشعب ومصالح النخبة‪ .‬يشكّل الخطاب الشعبو ّي‬
‫خطرا حقيقيّا وأحد أبرز «الفريوسات» املرتبصة‬
‫بالنظام الدميقراطي خاصة بالبلدان التي مل‬
‫ترتسخ بها التجارب الدميقراط ّية والتزال يف مرحلة‬
‫جنينيّة‪ ،‬فتؤدي بذلك إىل تخريب املشهد السيّايس‬
‫واإلجتامعي ونسف مؤسسات الدولة عىل غرار‬

‫الخطاب ال ّداعي إىل اإلستغناء عن مجلس نواب‬
‫الشعب أو الدعوة إىل تغيري الدستور وتغيري نظام‬
‫الحكم أو الدعوة إىل هدم العالقات الخارج ّية‬
‫للبالد‪.‬‬
‫ثانيا‪َ ،‬خل ََق نزيف التداين ما يشبه الدكتاتويّة‬
‫اإلقتصادية‪ ،‬فاملؤسسات املاليّة العامليّة امل ُ ْقرِضة‬
‫(صندوق النقد الدويل‪ ،‬البنك العاملي) هي يف األصل‬
‫وسائل للسيطرة عىل إقتصادات ال ّدول النامية‬
‫من خالل إغراقها بالديون ومن مث ّة السعي إىل‬
‫السيطرة عليها بفرض إمالءات وإصالحات تدخل‬
‫يف خانة اإلبتزاز بغاية جعل األنظمة اإلقتصاديّة‬
‫للدول النامية هوامش إلقتصادات الدول الكربى‪،‬‬
‫هذه السياسة تدفع األنظمة املحليّة إىل مامرسة‬
‫تسلّط إقتصادي مقنن عىل شعوبها من خالل‬
‫اإلغراق الرضيبي وترفيع األسعار وتدمري املقدرة‬
‫الرشائ ّية‪ ،‬تم إعتامد هذه السياسة يف تونس منذ‬
‫الثورة حيث بلغ التداين الخارجي مرحلة الالرجعة‬
‫فالدراسات العلميّة الرسميّة تؤكد أن تسديد ديون‬
‫تونس الخارجية يحتاج أكرث من ثالثني سنة أي‬
‫أن األجيال السابقة ستواصل دفع رضيبة فشل‬
‫النخب الحاكمة وبالتايل يبدو طوباويّا الحديث‬
‫عن دميقراطية تضمن الكرامة والعدالة اإلجتامعية‬
‫والتطور يف ظل اإلرتهان والخضوع إلمالءات‬
‫خارجية‪.‬‬
‫ميكن تلخيص العوامل املساهمة يف تشكيل هذا‬
‫املشهد يف أربعة عوامل رئيسيّة‪:‬‬
‫أ ّوال‪ ،‬غياب املشاريع التنمويّة واإلقتصاديّة منذ‬
‫الثورة إىل اليوم‪ ،‬فالقروض واملساعدات املال ّية‬
‫والهبات ت ّم توظيفها لتسديد األجور ودفع فواتري‬
‫النضال بدل توظيفها يف إستثامرات وبنى تحتيّة‬
‫تساهم يف تنمية اإلقتصاد ودفع عجلة اإلستثامر‪.‬‬
‫رس َب رجال املال‬
‫ثانيا‪ ،‬زواج السلطة والرثوة‪ ،‬فتَ َّ‬
‫واألعامل إىل السلطة حيث نجد عدد كبري منهم‬
‫يف مجلس نواب الشعب وعدد ٱخر يحتل مناصب‬

‫قياديّة داخل األحزاب الكربى‪ ،‬يف حني خيرّ البعض‬
‫اآلخر التواري عن األنظار مقابل الدفع بسخاء‬
‫لتمويل األحزاب ومتويل حمالتهم اإلنتخاب ّية‬
‫كنتيجة للتنافس السيايس املتصاعد وذلك مقابل‬
‫ضامن خدمة مصالحهم اإلقتصاديّة وتوفري‬
‫إمتيازات إقتصاديّة وهو ما مكّن أصحاب املال من‬
‫السيطرة عىل مفاصل الدولة بتواطئ الساسة وهو‬
‫ما ساهم يف تشكّل أوليغارش ّية جديدة ظهرت جل ّيا‬
‫عند تدخل الحكومة لدى اإلتحاد األورويب وطلبها‬
‫رفع التجميد عن أموال أحد أبرز رموز النظام‬
‫السابق وصهر الرئيس املخلوع ‪.‬‬
‫ثالثا‪ ،‬نقائص النظام اإلنتخايب وثغراته التي تسمح‬
‫بوجود الفاسدين يف الحكم‪ ،‬فهذا النظام اإلنتخايب‬
‫أوصل أحد أباطرة التهريب إىل مجلس نواب‬
‫الشعب‪ ،‬كام أن نائب ٱخر تلقى خرب نجاحه يف‬
‫اإلنتخابات الترشيع ّية بني قضبان سجنه من أجل‬
‫قضايا فساد مايل وته ّرب رضيبي ليغادر السجن‬
‫ويلتحق مبجلس النواب متمتعا بالحصانة الربملانيّة‬
‫وهو ما يجعل مقاومة الفساد املسترشي شبه‬
‫مستحيلة يف ظل وجود فاسدين عىل رأس السلطة‪.‬‬
‫رابعا‪ ،‬عجز النخب السياسية الدميقراطيّة عن‬
‫تجديد خطابها واإللتحام بالطبقات الشعبيّة‬
‫فبقيت متش ّبثة بالخطاب النخبوي املتعايل الغري‬
‫مقبول من الطبقات الشعب ّية التي أصبحت خ ّزانا‬
‫إنتخابيّا للشعبويني‪.‬‬
‫الدميقراطية عىل وضعها الحايل يف تونس ال تتجاوز‬
‫كونها دميقراطية كالم ّية هشّ ة ال مستقبل لها فكل‬
‫املؤرشات توحي بسقوطها املدوي وبتع ّمق حالة‬
‫اإلحباط وتواصل التفقري والتدهور اإلجتامعي‪،‬‬
‫يف خطابتهم يستعمل ساسة تونس بكثافة عبارة‬
‫«اللعبة الدميقراطية» وأرجح أن تلك العبارة‬
‫هي أكرث عباراتهم صدقا فليست الدميقراطية‬
‫سوى لعبة تلهي الشعب عن أخطاءهم املتكررة‬
‫وفشلهم الذريع وجرائهم يف حق البالد وشعبها‪.‬‬

‫‪7‬‬

‫الخميس ‪ 26‬ديسمرب ‪ - 2019‬املوافق لـ ‪ 7‬ربيع الثاين ‪ 1441‬هـ ‪ -‬العدد ‪82‬‬

‫االنتخابات الرئاسية والتشريعية تعيد صياغة المشهد السياسي‬

‫وتسلم السلطة للحركة اإلسالمية‪ ،‬الحل يف الجبهة الجمهورية املتحدة‬
‫الهالمة قيس سعيد والشبكة‬
‫الفايسبوكية المحكمة‬

‫إننا إذا دققنا يف نسبة الذين صوتوا يف الدور األول لقيس‬
‫سعيد فقد كان من بينهم ما يزيد عن الـ ‪ 47%‬شباب‬
‫مثقف ترتاوح أعامرهم بني الـ‪ 18‬والـ‪ 25‬سنة‪ ،‬مماّ يعني‬
‫أن جلّهم يزاول دراسته بني «الباك‪ »...‬ومرحلة اإلجازة‬
‫ويف أحسن الحاالت املاجستري‪ ،‬وهو صنف منغمس يف‬
‫الفضاء االفرتايض وغالبا ما يكون مشاركا يف مجموعات‬
‫مغلقة متأل فراغه وتؤطره يف التعبئة التي يقوم بها إلنجاز عمل بعينه‪ .‬وحسب بعض‬
‫املختصني فإن هذه املجموعات تجند يف الظروف العادية ما يفوق عن الـ‪ 350‬ألف‬
‫منتم ويف حاالت التعبئة القصوى ميكن أن تصل إىل ‪ 1400‬ألف‪ ،‬وهو عدد الذين سحبوا‬
‫متابعتهم لقناة الحوار التونيس خالل يومني‪ ،‬مع العلم أن ما يزيد عن الـ‪ 900‬ألف‬
‫قد انسحبوا يف الساعات األوىل‪ ،‬كرد فعل عقايب عىل موقف القناة من قيس سعيد‪.‬‬
‫وذلك عىل الرغم من أن موقفها مل يكن مناهضا له بل ملج ّرد أنها طالبته بالكشف عن‬
‫وجهه وبتوضيح مواقفه من القضايا الحارقة التي تهم مستقبل البالد ومن األسلوب الذي‬
‫سيتناول به السياسة الخارجية والدفاع‪.‬‬
‫إن أمثال هذه الشبكات هي التي لعبت أدوارا خطرية يف العديد من‬
‫البلدان فقد أثرت بدرجة كبرية يف انتخاب ترومب للرئاسة األمريكية‬
‫والتصويت لفائدة خروج بريطانيا من اإلتحاد األورويب‪ .‬إن أمثال هذه‬
‫الشبكات أيضا هي التي استعملتها جامعات السلفية الجهادية الداعشية‬
‫عىل النطاق العاملي يف استاملة وتجنيد الشباب إىل بؤر التوتر‪ .‬وقد ال يكون‬
‫نفس األشخاص الذين أداروا مختلف هذه العمليات لكن ما هو ثابت‬
‫أنها نفس املنظومة يف أطوار تكنولوجية وخوارزمية مختلفة‪ ،‬أي أنه ميكن‬
‫ملجموعات مختلفة أن تقتنيها يك تستخدمها ألغراضها الخاصة‪ ،‬وقد تكون‬
‫تحت قيادة واحدة‪ .‬لذلك فإننا نعتقد أن مثل هذا العمل ال ميكن أن يقوم‬
‫به شباب متطوعون لهم ولع بالشبكة بل هو عمل محرتف ألجهزة تقود‬
‫جيشا افرتاضيا شبكيا يحدد أهدافه ويش ّن هجامته فيستحوذ عىل املجال‬
‫الذي يفتحه كلام سنحت له الفرصة ذلك‪.‬‬
‫‪ 3‬ـ قيس سعيد نقطة التقاطع بين المجالسية واللجان الثورية‬
‫واإلمارات اإلسالمية‬
‫مل يكن قيس سعيد الوحيد الذي دعا إىل ترك التصويت عىل القامئات‬
‫لفائدة التصويت عىل األفراد يف دورتني يف دوائر ضيقة (املعتمديات)‪ ،‬لكن‬
‫إضافته تتمثل يف أن املرشح يتقدم مبرشوع يتم انتخابه عىل أساس االلتزام‬
‫به ويأخذ عىل عاتقه ما يريد الشعب تحقيقه وال يت ّم قبول الرتشّ ح إال‬
‫بتزكية عدد من الناخبني‪ ،‬مل يحدده بعد‪ ،‬وإذا مل يلتزم بذلك «تسحب منه‬
‫العهدة»‪ .‬هذا بشأن السلطة املحلية‪ ،‬أما فيام يتعلق بالسلطة الجهوية‬
‫فيتم تكوينها من ممثيل السلط املحلية وبنفس األسلوب تتألف السلطة‬
‫املركزية التي ال تفعل شيئا سوى الوقوف عند مشيئة السلط املحلية‬
‫التي متثل سلطة الشعب وبرنامجها ليس سوى تجميعا للربامج املحلية‬
‫والجهوية‪ .‬ولسائل أن يسأل أي دور للقائد السيايس‪ ،‬فردا كان أو حزبا أو‬
‫تحالفا‪ ،...‬وأي مسؤولية ميكن له أن يتحملها يف املجتمعات؟ ال شيئا غري‬
‫األسفار التي يحملها‪ .‬ألن عملية االنتقاء القاعدية هذه تشبه إىل حد كبري‬
‫عملية االنتقاء الطبيعي باعتبارها ال تقيم وزنا للوعي النخبوي أو الطليعي‬
‫الذي يتقدم به للشعب والذي يكرسه مرشوع الدولة واملجتمع ومنوال‬
‫التنمية واملرشوع الثقايف والرتبية والتعليم وسائر الحاجيات املجتمعية‪،‬‬
‫بدعوى أن كل هذا موجود عند الشعب وما علينا إال العودة إليه كلام كنا‬
‫يف حاجة إىل ذلك‪ ،‬مماّ يعني أن خياراتنا ستتغري حسب «إرادة الشعب»‪،‬‬
‫متاشيا مع شعار «الشعب يريد»‪ .‬وهكذا يفقد املجتمع مرجعياته األساسية‬
‫التي تحدد يف إطار املراحل التاريخية لتطوره والتي تلعب النخب الدور‬
‫األسايس يف تأثيثها ووضعها‪ ،‬لتع ّوضها التفاعالت العفوية للشعب بشكل ال‬
‫متناهي‪ .‬ومبثل هذا املقرتح يضع قيس سعيد الوعي النخبوي أو الطليعي‬
‫يف موقع متخلف بالنسبة للوعي األويل أو إدراك اإلنسان يف مرحلة الوعي‬
‫العفوي ليح ّوله إىل وعي شعبوي‪ .‬وعىل هذا األساس ميكن أن نفهم كيف‬
‫أمكن للمجموعات التي تبدو متناقضة أن تجد نفسها يف فضاء واحد‬
‫وضعه قيس سعيد أو وضع له؟‬
‫لقد وجدت املجموعتان املجالسية وروابط حامية الثورة نفسيهام بصورة‬
‫تلقائية عىل مقربة من «النبي املجهول» يف الحراك االجتامعي منذ ‪14‬‬
‫جانفي‪ .‬فقد كان لألوىل شبه مجموعة حزبية وضعت فيها نظرية املجالس‬
‫حيّز التطبيق دون أن يرتقي بها أصحابها إىل تجربة للسلطة القاعدية‪،‬‬

‫‪4 /3‬‬

‫يخدم نفسه بنفسه بأن يؤسس حزبا ويرتشح للرئاسة‪.‬‬
‫وما أن أعلن عن نيّة الرتشّ ح للرئاسة حتى بدأ اسمه يربز يف‬
‫استطالعات الرأي ويتصدرها وبدأت ماكينة حركة النهضة‬
‫ورئاسة الحكومة تتحرك ضده وانتهى األمر باستدعائه‬
‫للقطب القضايئ فقرر حاكم التحقيق إبقائه يف حالة رساح‬
‫مع إجراءين تحفظيني املنع من السفر وتجميد األموال‪ .‬لكن‬
‫مبجرد أن استأنف محاموه القرار التحفظي حتى أصدرت‬
‫دائرة االتهام قرارا بإيقافه‪ .‬وظل يف السجن حتى يف الحملة‬
‫االنتخابية للطور األول من الرئاسية التي فاز فيها باملرتبة‬
‫الثانية ليتمكن من املرور إىل الطور الثاين ومل يطلق رساحه‬
‫إال قبل أربعة أيام من االنتخاب‬
‫ات‪.‬‬

‫لكن الثانية انطلقت تجربتها من «لجان حامية الثورة» التي تأسست يف‬
‫األحياء بعد رحيل الراحل بن عيل عن السلطة والتي جمعت بني «الروابط»‬
‫ومجموعات يسارية ونخص بالذكر منها مناضيل وأنصار حزب العامل‪ .‬وقد‬
‫أرادت األطراف املشاركة يف «اللجان» أن تجعل منها ما يشبه السلطة‬
‫املحلية من النمط «السوفيايت» بحيث قررت إجراء انتخابات محليّة‬
‫ووطنية‪ .‬وخالل هذه العملية ت ّم طرد اليساريني من قبل اإلسالميني بالعنف‬
‫املنظم من املؤمترات واستولوا عىل «اللجان»‪ ،‬ث ّم أرادوا أن يجعلوا منها‬
‫أطرا قانونية فتقدموا بطلب تأشرية لـ»رابطات حامية الثورة» التي حصلوا‬
‫عليها‪.‬‬
‫وزيادة عىل هذين الجامعتني فقد أعلن سيف الدين الرايس‪ ،‬الناطق‬
‫الرسمي باسم «أنصار الرشيعة»‪ ،‬مساندته لقيس سعيد ألنه ال يرى يف‬
‫مرشوعه عائقا أمام قيام اإلمارات اإلسالمية التي ميكن لها إال أن تتأقلم‬
‫مع املجالس واللجان الثورية‪ .‬ونو ّد أن نوضّ ح بأ ّن إعالن املساندة وحده‬
‫ال يكفي لتأكيد إمكانية االنسجام مع املرشوع «الرئايس»‪ ،‬بحيث يكفي‬
‫أن نشري إىل مساندة حركة النهضة له أتت يف إطار البحث عن «العصفور‬
‫النادر»‪ .‬أما حركة الشعب فإنها ساندت قيس سعيد للتقارب الرصيح بني‬
‫مرشوعه وبني املجالسية واللجان الثورية ألنه كان قد أعلن عزمه عىل‬
‫حلّ الربملان (التمثيل تدجيل) وحلّ األحزاب (من تحزب خان) والجمعيات‬
‫خاصة وأن التفاهم مع حركة ال ميثل عائقا ألنها عادت إىل املسار الثوري‪.‬‬
‫أما مساندة األحزاب اليسارية والدميقراطية فلم يكن للتقارب يف الشكل‬
‫التنظيمي أو األيديولوجي أو السيايس بل ملجرد التباين مع «الفساد»‬
‫و»املنظومة القدمية»‪.‬‬
‫نتتبع اآلن مسار صعود نبيل القروي‬
‫‪ 1‬ـ نبيل القروي رجل أعمال ال شأن له بالسياسة يترشح للرئاسة‬
‫أسس نبيل القروي قناة نسمة أيام حكم بن عيل وللتذكري بأنها كانت‬
‫مغاربية وبعيدة كل البعد عن الربامج السياسية وحتى اإلعالمية ومل تبدأ‬
‫مغامرتها تلك إال يف أواخر عهد بن عيل‪ .‬ثم بعد ‪ 14‬جانفي أصبح نشيطا‬
‫يف تطوير قناته يك تلعب دورا هاما يف الحوار السيايس والفكري الذي‬
‫كان قابل بني مرشوعني للدولة واملجتمع‪ .‬ولعب دورا كبريا صحبة سليم‬
‫الرياحي يف اإلعداد للقاء باريس بني الشيخني ولعبت قناة نسمة دورا مهام‬
‫يف حملة الراحل األستاذ الباجي قايد السبيس ويف حملة مرشح الجبهة‬
‫الشعبية حمه الهاممي وأصبح من بني قادة نداء تونس ثم انسحب‪.‬‬
‫وشاءت الظروف أن تويف ابنه خليل يف حادث مرور فتو ّجه للعمل الخريي‬
‫عن طريق جمعية أسسها للغرض «خليل تونس» التي صعد نجمها‬
‫برسعة ومعها نجم نبيل القروي الذي تو ّجه بهذا العمل إىل مناطق الظل‬
‫يف الجهات املحرومة من التنمية ويف األحياء الشعبية باملدن الكربى‪ .‬ومل ّا‬
‫تعززت عالقاته بـ»الفقراء» تو ّجه طموحه‪ ،‬وهو «مص ّعد الرؤساء»‪ ،‬إىل أن‬

‫‪ 2‬ـ الصعود الصادم لنبيل القروي‬
‫مل يكن لنبيل القروي سابق عالقة بالسياسة يف السلطة أو‬
‫املعارضة لكن بعد ثالث سنوات من وفاة ابنه ومن العمل‬
‫الخريي يف املناطق التي غابت فيها السلطة قرر خوض‬
‫غامرها مستهدفا رئاسة الدولة واألغلبية النسبية يف الربملان‪،‬‬
‫أي رئاسة الحكومة‪ .‬وكأن ذلك سيكون سهال عليه خاصة وأن‬
‫السياسة ليست موضوعا يد ّرس يف املعاهد والكليات بل هي‬
‫فكر ومامرسة ومرشوع مجتمعي يرافق املرء منذ أن أعطى‬
‫لنفسه هوية وبدأ يظهر عليه االلتزام بها ويعمل عىل أن‬
‫تأخذ مكانها يف املجتمع ويناضل يف سبيل تحقيق املرشوع‬
‫الذي يجمعه مع غريه من املناضلني يف حزب أو تجمع سيايس‬
‫آخر‪ .‬إن السياسة معرفة ودربة وخربة ال تكتسب إال بعد فرتة طويلة نسبيا‪،‬‬
‫مل ّا تتجمع عند امرئ تجعل منه رجال سياسيا ميكن له أن يطمح للرتشح‬
‫إىل مراكز حساسة‪ .‬لكن مرور نبيل القروي الرسيع من رجل أعامل إىل‬
‫العمل الخريي فإىل السياسة أمر يدعو إىل التفكري؟ إن صعوده الصادم‬
‫لنبيل القروي مقارنة بباقي املرشحني يعود إىل أنه تو ّجه إىل املواطن التي‬
‫كانت الدولة فيها غائبة واستعمل قناة يف عمله االتصايل بشكل يسرّ عليه‬
‫ربط صلة مبارشة بالجامهري املفقرة‪ ،‬وزاده رصاعه مع الحكومة و»الهايكا»‬
‫سمعة بينها‪.‬‬
‫لقد اتبعت حركة النهضة نفس التميش يف املرحلة التأسيسية زيادة عىل‬
‫عنوان الضحية الكربى للمنظومة السابقة وعىل أنها «تخاف ريب» فكانت‬
‫لها الغلبة يف انتخابات املجلس‪ ،‬لذلك آمل يف أن يعيد التجربة نفسها أو‬
‫ما يشبهها‪ .‬لكن من مسك بالسلطة وأدارها وتعرف عىل أهمية املصالح‬
‫التي متثلها تعلم حرفة تصفية خصومه والتحوط منهم يك ال يتقاسموا معه‬
‫الغنيمة لذلك ضبطت حركة النهضة مخططل إلفشاله يف الدور الثاين من‬
‫االنتخابات الرئاسية وهي تستعد لتفكيك حزبه ومؤسسته اإلعالمية يف‬
‫املرحلة القادمة‪.‬‬
‫‪ 3‬ـ نبيل القروي والشعبوية؟‬
‫ما من شك يف أن نبيل القروي حاول استاملة فقراء تونس وكسبهم إىل جانبه‬
‫برفع شعار «نقطعو تسكرت الفقر»‪ ،‬رغم أنه يعلم أن مواجهة الفقر من‬
‫مهامت الدولة إذا كانت توجهاتها اجتامعية تضامنية وليس بالعمل الخريي‬
‫الذي تقوم به األحزاب والجمعيات وليس بالعطاءات واملساعدات الظرفية‬
‫التي يقوم بها األفراد أو الدولة نفسها‪ .‬لكن برنامج نبيل القروي الذي‬
‫حاول رشحه يف املناظرة التي جمعته بقيس سعيد جعل تحقيق النهوض‬
‫االقتصادي واالجتامعي مرتبطا بصورة أساسية باالقتصاد الرقمي وبالسياحة‬
‫بجلب االستثامرات وهذا ال يجعل منه برنامجا شعبويا‪ ،‬ألن الشعبوية‬
‫ليست سوى خطابا سياسيا يتحدث لغة الشعب بل هي معاداة للحريات‬
‫العامة والفردية مبا فيها حرية التنظيم الحزيب واملدين لتعوضهام بتنظيم‬
‫شبه عسكري‪ .‬لكن مرشوع السيد نبيل القروي االقتصادي واالجتامعي‬
‫رغم الغموض الذي يحوم حوله هو برنامج ليربايل قائم عىل تحرير الدينار‬
‫وتحرير االقتصاد من القوانني االشرتاكية التي تك ّبله إىل ح ّد اآلن وتعيق‬
‫املبادرة فيه‪ .‬وملرافقة هذا الربنامج يقرتح مناهضة الفقر‪ ،‬وهو بذلك مل‬
‫يرتق حتى إىل مستوى الليربالية االجتامعية‪ .‬وهذا ال يجعل منه برنامجا‬
‫وخطابا شعبويا‪ .‬لذلك فإن ضم نبيل القروي و»قلب تونس» إىل التيار‬
‫الشعبوي من شأنه يكسو خياراتهام االقتصادية واالجتامعية الحقيقية‬
‫بجانب اجتامعي أقرب إىل األخالق اإلسالمية الخاصة بالصدقة …‬

‫‪8‬‬

‫الخميس ‪ 26‬ديسمرب ‪ - 2019‬املوافق لـ ‪ 7‬ربيع الثاين ‪ 1441‬هـ ‪ -‬العدد ‪82‬‬

‫حوار منارات لهذا العدد مع األستاذة زهية جويرو‬

‫إنه ملن العار‪ ،‬يف رأيي‪ ،‬على دولة ينصّ دستورها على‬
‫املساواة بني املواطنني واملواطنات أن ّ‬
‫تظل بعض قوانينها‬
‫تشرع للتمييز يف الحقوق على أساس الجنس‪.‬‬
‫حاورتها‪ :‬سعدية بنسامل‪.‬‬

‫ضيفة هذا العدد باحثة متم ّيزة يف مجالها‪ ،‬ساهمت بفعال ّية يف البحوث‬
‫الحضارية املتعلّقة خاصة باملجال الديني والتي قاربتها من زاوية عقل ّية‬
‫علمية مبا يقتضيه املنهج األكادميي‪ .‬وعرفت بدفاعها عن حقوق املرأة‬
‫واإلنسان عامة تشهد لها الجامعة التونسية والجامعات العربية بالكفاءة‬
‫وهي التي كانت من بني الحاملني لصورة املثقف والجامعي التونيس يف‬
‫ورسخت األثر الط ّيب لكفاءاتنا هناك‪.‬‬
‫الجامعات العربية ّ‬
‫الس ّيدة «زه ّية جويرو» مناصب إدارية إىل جانب مشغلها البحثي‬
‫تقلّدت ّ‬
‫وهي اليوم مديرة معهد تونس للرتجمة‪ .‬نستضيفها يف هذا الحوار لنلقي‬
‫بعض ضوء عىل مسائل يف البحث والجامعة واإلدارة والحقوق والشأن‬
‫الوطني العام‪.‬‬
‫ تسته ّل األستاذة جويرو مسؤوليتها على رأس‬‫معهد تونس للترجمة بحصول المعهد على جائزة‬
‫اإلنجاز األولى‪ ،‬أال يضاعف هذا المنجز المسؤولية؟‬
‫ إن إدارة معهد يف حجم معهد تونس للرتجمة ويف قيمته‬‫العلمية مسؤولية كبرية يف ذاتها‪ .‬فهذا املعهد منذ تأسيسه‬
‫استطاع أن يساهم مساهمة فعالة يف تعريف القارئ العريب‬
‫بأعامل مرتجمة من ألسنة مختلفة من أفضل ما أنتج يف‬
‫اختصاصاتها ومن مجاالت متعددة علمية وفكرية وأدبية وفنية‪،‬‬
‫كام ساهم باملستوى نفسه يف تعريف القراء من ألسنة أخرى‬
‫بأفضل ما أنتجه تونسيون باللسان العريب‪ .‬وقد ت ّوجت العديد‬
‫من الرتجامت التي أنتجها املعهد بجوائز وطنية وعربية حصل‬
‫عليها مرتجمون ومرتجامت عىل أعامل بعينها‪ ،‬ث ّم توجت جهود‬
‫املعهد كاملة مؤخرا بجائزة الشيخ حمد للرتجمة والتفاهم‬
‫الدويل وهي كام ذكرت جائزة اإلنجاز األوىل وتبلغ قيمتها املالية‬
‫مائتي ألف دوالر‪ .‬ومن البديهي أن يحرص كل من يتولىّ إدارة‬
‫املعهد عىل استئناف جهود التميز وعىل أن يحقّق اإلضافة التي‬
‫تتيح للمعهد مزيدا من اإلشعاع ومتكنه من مواصلة مساره يف‬
‫التعريف باملعارف واآلداب والفنون العاملية إىل القراء العرب‬
‫خاصة إىل‬
‫والتعريف مبا ينتج يف هذه املجاالت عربيا وتونسيا ّ‬
‫الق ّراء عرب العامل‪ .‬وشخصيا أنا حريصة كل الحرص عىل أن أكون‬
‫يف مستوى هذه املسؤولية وعىل أن أواصل ما بدأه زماليئ‬
‫يرسخ حضور املعهد وإشعاعه عربيا وعامليا‪.‬‬
‫وأضيف إليه ما ّ‬
‫ما هي تصورات األستاذة جويرو إلدارة المعهد‬‫وما هي مشاريعها القادمة؟‬
‫أرى أوال أن يويل املعهد مزيدا من العناية لفئتني مل تأخذا‬
‫حظّهام من منشورات املعهد وهام الشباب واألطفال‪ ،‬لذلك‬
‫أنوي أن نتو ّجه نحو ترجمة مزيد من األعامل التي تطرح قضايا‬
‫الشباب والتي تحظى أكرث من غريها بعنايتهم وربمّ ا نفكر‬
‫بإنشاء سلسلة يف هذا االتجاه نريدها أن تساهم يف الرفع من‬
‫مستوى الوعي والثقافة العامة عند الشباب وتتو ّجه إىل أوسع‬
‫عدد منهم‪ .‬عندي كذلك حلم يف الحقيقة وهو أن نجمع أكرب‬

‫عدد من قصص األطفال من كل الثقافات يف العامل وأن نرتجمها‬
‫إىل اللغة العربية ترجمة تراعي استقامة اللغة وجامليتها من‬
‫جهة وما تقتضيه أصول الرتبية العلمية واألخالقية لألطفال من‬
‫أجل تنشئتهم عىل قيم االنفتاح وتقبل االختالف والتن ّوع ومن‬
‫أجل الت ّعرف إىل مختلف الثقافات من بوابة الكتابة املو ّجهة‬
‫إىل األطفال‪.‬‬
‫أرغب كذلك يف أن يويل املعهد مزيدا من العناية ملا تنتجه‬
‫قارتنا ‪ ،‬إذ تحظى اآلداب اإلفريقية باللغتني الفرنسية واألنقليزية‬
‫خاصة بعناية يف البلدان الناطقة بهاتني اللغتني ونطمح إىل أن‬
‫تكون تونس بوابة لتعريف القارئ العريب بهذا اإلنتاج ومن مثة‬
‫لتوطيد العالقات الثقافية العربية اإلفريقية‪ ،‬وقد رشعنا بعد‬
‫يف وضع اللبنات األوىل لهذا املرشوع وذلك بربط عالقات مع‬
‫بعض املؤسسات الجامعية والبحثية اإلفريقية ترجو أن ترى‬
‫النور قريبا‪.‬‬
‫سنواصل كذلك يف نرش «األنوار التونسية» عن طريق ترجمة‬
‫اإلنتاج التونيس يف مختلف االختصاصات‪ ،‬اإلنتاج الذي يخدم‬
‫الدور الذي نريده لتونس يف محيطها العريب‪ ،‬مركزا لنرش الفكر‬
‫التنويري وثقافة التق ّدم والعقالنية والتحديث من جهة‪ ،‬والذي‬
‫يخدم صورة تونس يف محيطها املتوسطي ويعقد الصلة بني‬
‫تونس وأبنائها املهاجرين من الجيل الثاين والثالث ممن تصعب‬
‫عليهم القراءة باللغة العربية‪ ،‬نريد أن يظلّوا عىل صلة ببالدهم‬
‫عن طريق اإلنتاج التونيس املنقول إىل اللغات التي يتقنونها‪.‬‬
‫إضافة إىل مجال الرتجمة نفكر يف املعهد يف تفعيل مجال‬
‫التكوين يف الرتجمة والرتجمة الفورية ولنا تصورات عديدة يف‬
‫هذا املعهد ونحن بصدد تدارسها‪ .‬ويظل املجال مفتوحا أمام‬
‫كل املختصني واملعنيني باألمر لكل االقرتاحات وملا يراه ويق ّره‬
‫املجلس العلمي للمعهد‪.‬‬
‫‪-‬لمن توجّه الترجمات في رأي األستاذة جويرو؟ وأي‬

‫وظيفة للترجمة في مجتمع ال يقرأ؟‬
‫إذا سلمنا بأن املجتمع ال يقرأ فإن الرتجمة وسائر األنشطة‬
‫املنتجة للكتاب تصبح غري مجدية‪ ،‬ولكن الوضع ليس عىل‬
‫هذه الحال يف الحقيقة‪ .‬وبالرغم من انحسار عدد ق ّراء الكتاب‬
‫الورقي ومن الصعوبات التي يلقاها إنتاج الكتاب يظل للقراءة‬
‫أحبّاء ور ّواد يقبلون عىل اإلنتاج الجيّد‪ .‬وبكل موضوعية تحظى‬
‫منشورات املعهد‪ ،‬سواء منها تلك التي نرشها سابقا بنفسه أو‬
‫التي نرشها وينرشها حاليا بالتعاون مع نارشين آخرين بإقبال‬
‫من الق ّراء سواء يف تونس أو خارجها‪ ،‬وخاصة يف البلدان العربية‬
‫حيث تحظى كتب املعهد التي يشارك بها يف املعارض العربية‬
‫بإقبال كبري‪ .‬وعىل كلّ أرى أنه من الواجب أن يفكر كل املعنيني‬
‫باألمر يف وضع خطة علّها تساهم يف الدفع إىل اإلقبال عىل‬
‫القراءة ويف الرتويج للكتاب الجيّد‪ ،‬فالقول بأن املجتمع ال يقرأ‬
‫والتسليم بذلك أمر مخيف علينا أن نقاومه‪.‬‬
‫ يقول نارش كتابك اإلسالم الشّ عبي‪« :‬اتضح أن “التدين‬‫الشعبي” مرتبط باملقدس أكرث من ارتباطه بالدين الذي ال يمُ ثل‬
‫إال بنية واحدة ضمن البنى املشكِّلة للمقدس» فهل من توضيح‬
‫لهذه الفكرة‪.‬‬
‫يقوم هذا الرأي عىل قاعدة مفهومية متيز بني الدين بوصفه‬
‫منظومة اعتقادية تضبطها عادة املرجعيات العاملة‪ ،‬واملق ّدس‬
‫بوصفه منظومة أوسع وأشمل من الدين العامل ميكن أن‬
‫تتسع لعقائد شعبية من بينها يف املجال اإلسالمي مثال عقيدة‬
‫الصلحاء‪ ،‬أي االعتقاد يف أن أشخاصا معينني ميلكون من التقوى‬
‫ومن القدرات الخارقة ما ميكنهم من القيام بعدد من األدوار‬
‫كالوساطة بني املؤمن وربّه وإشفاء األمراض الخطرة وحلّ‬
‫املشكالت املستعصية‪ ،‬ولذلك يحظى هؤالء عند من يعتقدون‬
‫يف صالحهم برضب من التقديس‪ .‬كام قد تشمل دائرة املقدس‬
‫عادات ذات أصول دنيوية يف الواقع إال أنها تحظى باعتبار‬
‫مبالغ فيه يرتفع بها إىل مستوى من التقديس‪ ،‬من ذلك عىل‬

‫‪9‬‬
‫سبيل املثال عادة «الزردة» ببالدنا التي ظلت إىل وقت قريب‬
‫احتفاال شعبيا ميثّل طقسيا ووظائفيا»ح ّجا مص ّغرا» لذلك كان‬
‫يحظى باحرتام يصل ح ّد التقديس قبل إن يتحول ‪ ،‬وإن نسبيا‪،‬‬
‫إىل احتفال فلكلوري‪.‬‬
‫ما الذي في رأيك يعمّق ازدهار اإلسالم السياسي‬‫في مجتمع مثل المجتمع التونسي؟‬
‫هناك جملة من العوامل تضافرت يف التوسع الشعبي لإلسالم‬
‫السيايس‪ ،‬من بينها نوعية الثقافة الدينية املتداولة واملر ّوجة‪،‬‬
‫وهي ثقافة يف الغالب تقليدية ج ّدا من جهة وشكالنية تغلب‬
‫التديّن الظاهر الشكالين عىل التدين تجربة روحية مدخلنة‬
‫وعميقة يعيشها املرء يف ما بينه وبني ربّه وسلوكا نابعا من قيم‬
‫التعايش والتسامح واملح ّبة وخلقا يستند إىل الصدق والنزاهة‬
‫وتحمل املسؤولية املجتمعية‪ ،‬وقد استغلت جامعات اإلسالم‬
‫السيايس هذه الثقافة وقدمت نفسها أمنوذجا ممثال لذلك التدين‬
‫الشكالين كام تتصوره تلك األغلبية من خالل الشكل الخارجي يف‬
‫الهيئة واللباس ومن خالل التظاهر بالحرص عىل آداء الفرائض‬
‫الدينية استعراضيا‪ .‬فضال عن ذلك استثمرت جامعات اإلسالم‬
‫السيايس ومازالت تستثمر ما تر ّوج له من «مظلومية» تعرضت‬
‫لها من األنظمة السياسية االستبدادية‪ ،‬وكأنها هي وحدها من‬
‫ظلمت وعانت من ذلك االستبداد والحال أن ما عانته كل‬
‫تيارات املعارضة بتونس مثال من القوميني ومن اليساريني من‬
‫هذا االستبداد ليس باألقلّ ‪ .‬وبعد أن وصلت هذه الجامعة إىل‬
‫السلطة باتت تستثمر أيضا يف فقر الفئات الشعبية ويف حاجتها‬
‫رشع لها رشاء األصوات مبقابل مادي حقري عن طريق‬
‫استثامرا ّ‬
‫التعامل مع فقرها وحاجتها مبنطق الصدقة واإلحسان وكأن‬
‫توفري موارد العيش الكريم وتوفري الشغل والتنمية االقتصادية‬
‫الحقيقية التي متكن هذه الفئات من حفظ كرامتها ليس هو‬
‫ما كان عىل هذه الجامعة بحكم موقعها السيايس يف الحكم أن‬
‫تعمل عىل توفريه للشعب استجابة للمطالب التي ثار من أجلها‪.‬‬
‫ميكن أن نضيف إىل هذا عوامل أخرى خارجية تتمثل بإيجاز يف‬
‫التقاء أنظمة متناقضة الطبيعة حول مصلحة واحدة استوجبت‬
‫دعم اإلسالم السيايس ‪ ،‬أمريكا وبريطانيا دعام اإلسالم السيايس‬
‫ومداه بالتمويالت الضخمة حتى تظال عربه وبوساطته مهيمنة‬
‫عىل البلدان التي تعتربها مجالها الحيوي فال تخرج من تحت‬
‫هيمنتها لو تولت الحكم فيها قوى وطنية معادية لكل أشكال‬
‫االستعامر‪ ،‬بعض القوى اإلقليمية مثل تركيا أو إيران دعمت هي‬
‫األخرى اإلسالم السيايس لروابط إيديولوجية خاصة ومصلحية‬
‫أيضا‪ ،‬بعض األنظمة العربية والخليجية خاصة دعمت اإلسالم‬
‫السيايس خوفا من عدوى الثورة ‪.‬‬
‫ ّ‬‫أكدت في حوار لمؤسسة «مؤمنون بال حدود»‬
‫أ ّن تصور المجتمعات اإلسالمية لوظيفة المرأة هو‬
‫تصوّر تقليدي‪ ،‬فما السبيل في رأيك إلى تغيير‬
‫هذا التم ّثل؟‬
‫للواقع دور كبري يف تغيري هذه التمثالت شئنا ذلك أم أبينا‪.‬‬
‫إن خروج النساء إىل العمل املأجور غيرّ ويغيرّ وضع النساء‬
‫ووظائفهن يف الواقع‪ ،‬يظل تغري الذهنيات والتمثالت أبطأ من‬
‫تغيرّ الواقع ال محالة ولكنها ستتغيرّ هي األخرى حتّى وإن‬
‫استغرق تحولها وقتا وحتّى إن واصلت النساء دفع مثن هذا‬
‫البطء من راحتهن ومن حقوقهن واستقرارهن النفيس‪ .‬نحتاج‬
‫املؤسسات يف العمل من أجل تغيري الذهنيات‬
‫إىل أن تساهم ّ‬
‫ومقاومة آثار النظام الباترياريك ‪ ،‬للمؤسسة التعليمية دور‬
‫أسايس ولذلك يجب مراجعة الربامج يف اتجاه القضاء عىل‬
‫التصورات املعادية لحقوق النساء وملبدأ كونهن مواطنات‬
‫للمؤسسة اإلعالمية كذلك الدور نفسه وعلينا‬
‫كامالت الحقوق‪ّ ،‬‬

‫الخميس ‪ 26‬ديسمرب ‪ - 2019‬املوافق لـ ‪ 7‬ربيع الثاين ‪ 1441‬هـ ‪ -‬العدد ‪82‬‬

‫املساواة الكاملة يف الحقوق والواجبات أيضا وعىل القضاء عىل‬
‫كل أشكال العنف املادي والرمزي املسلط عىل النساء ملج ّرد‬
‫كونهن نساء‪.‬‬
‫ تقرنين بين تحرير المرأة والتخلّص من االستبداد‬‫فأيّ رابط بين األمرين‪ .‬وهل لهذا عالقة بتزامن‬
‫استقالل تونس مع صدور مجلة األحوال الشخصيّة‬
‫مثال؟‬
‫هذا الرأي يف الحقيقة هو خالصة قراءة يف فكر بعض أعالم‬
‫اإلصالح يف تونس من جهة‪ ،‬وقراءة يف واقع التجربة التاريخية‬
‫يف تونس ويف غريها من البلدان من جهة أخرى‪ .‬لقد متت رشعنة‬
‫االستبداد يف البلدان العربية واإلسالمية غالبا بالدين وبالدين‬
‫نفسه رشعن الظلم والتمييز املسلطني عىل النساء‪ ،‬لذلك كان‬
‫التفكري يف التخلص من االستبداد مدخال للتفكري يف اإلصالح‬
‫الديني مثلام كان هذا الفكر مقرتنا بدوره بالتفكري يف تحرير‬
‫النساء ‪ ،‬ولعل الجامع األوثق بني املطلبني هو تخليص الدين‬
‫من التوظيف لرشعنة االستبداد السيايس ولالستمرار يف الهيمنة‬
‫عىل النساء معا‪ .‬وعلينا أن نراقب اليوم الدور الذي تقوم به‬
‫الحركات النسوية والفكر النسوي‪ ،‬وهو أحد تيارات الفكر‬
‫التح ّرري عامليا‪ ،‬يف مقاومة األنظمة االستبدادية بعد أن أدركت‬
‫النساء أن تح ّررهن رهني التح ّرر من استبداد تلك األنظمة‪.‬‬

‫أن نراقب الربامج التي تقدم يف اإلعالم املريئ خاصة ألنها إىل ح ّد‬
‫اآلن ما زالت تر ّوج عن وعي أو دونه يف صور دونية وسلبية عن‬
‫املرأة‪ ،‬للقانون أيضا دور ها ّم‪ ،‬يجب أن تكون القوانني مناسبة‬
‫ تعيش تونس اليوم مرحلة دقيقة وطنيا وإقليميا‪.‬‬‫لألدوار الحقيقية التي تقوم بها النساء‪ ،‬إذ ليس من املنصف وال‬
‫هل ترين في القائمين على الدولة القدرة على‬
‫من العدل أن تكون نسبة هامة من النساء معيالت لعائالتهن‬
‫الخروج بالبالد إلى برّ األمان؟ وما الدور الذي يجب‬
‫أو مساهامت بنسبة كبرية يف إعالتها وبالرغم من ذلك يظل‬
‫على المجتمع المدني القيام به؟‬
‫رشع لعدم إنصافهن أو ملعاملتهن مبعايري تتناقض مع‬
‫نجاح تونس يف تجاوز الصعوبات التي تواجهها اليوم ويف‬
‫القانون ي ّ‬
‫ينص‬
‫مبدأ املواطنة الكاملة‪ ،‬إنه ملن العار يف رأيي عىل دولة ّ‬
‫كسب رهان البناء الدميوقراطي والتنمية االقتصادية والعدالة‬
‫دستورها عىل املساواة بني املواطنني واملواطنات‬
‫االجتامعية يتوقف يف نظري عىل االلتزام‬
‫أن تظلّ بعض قوانينها ترشع للتمييز يف الحقوق‬
‫الواضح والرصيح والصادق من كل القوى‬
‫ ما يروّج عن‬‫عىل أساس الجنس‪.‬‬
‫السياسية واملدنية بخطة اسرتاتيجية تحرتم‬
‫النخبة التونسية‬
‫ومؤسساتها ومقتضيات‬
‫مدن ّية ال ّدولة‬
‫ّ‬
‫ هل تعتبر األستاذة جويرو أ ّن خروج‬‫التح ّول الدميوقراطي‪ ،‬وأؤكّد أنه ليس‬
‫من سباب ومن‬
‫المرأة التونسية إلى العمل وتقلّدها‬
‫بإمكان أي حزب سيايس أن ينجح يف‬
‫تقييمات سلبية‬
‫لمناصب هامة في المجتمع قد غيّر‬
‫إدارة تونس إذا مل يحرتم هذا التو ّجه ومل‬
‫خطة‬
‫إال‬
‫أراها‬
‫ال‬
‫حقيق ًة من تمثالتنا حول المرأة؟‬
‫ينخرط يف هذه الخطة‪ ،‬وعىل حزب حركة‬
‫نحو‬
‫موجهة‬
‫نعم غيرّ خروج املرأة التونسية إىل العمل من‬
‫النهضة أن يحسم أمره وأن يتحول‪ ،‬بعيدا‬
‫التمثالت الجامعية حول املرأة ووضعها يف‬
‫االستمرار في‬
‫عن املخاتلة وعن ازدواجية الخطاب‪ ،‬إىل‬
‫حزب مدين وأن يعمل بالتايل عىل تدعيم‬
‫املجتمع ويف األرسة وحول وظائفها‪ .‬عندما استبعاد الجامعي‬
‫نرى يف كل لحظة ويف كل مكان حرص اآلباء‬
‫مدنية الدولة بدل العمل عىل إقامة حكم‬
‫عن مواقع القرار‬
‫واألمهات عىل أن يحظى أبناؤهم وبناتهم عىل‬
‫ديني لن ينجح أبدا يف إقامته بتونس‪ ،‬عليه‬
‫ألن الجامعي‬
‫قدم املساواة بالفرص نفسها يف التعليم ويف‬
‫أن يعرف كيف يقرأ تاريخ هذه البالد‬
‫يمكن‬
‫ال‬
‫الحقيقي‬
‫سائر الحقوق‪ ،‬عندما نرى نسبة حضور الفتيات‬
‫وواقعها وتو ّجهات شعبها كامال‪ ،‬ال تو ّجه‬
‫يف كل مستويات التعليم وخاصة التعليم العايل أن يمنح السياسي أنصاره الذين ال ميثلون إال أقلية قليلة ما‬
‫ونسبة تفوقهن ندرك وجها من وجوه هذا‬
‫ّ‬
‫فتئت تتناقص‪ ،‬ونوعية الوعي العام ال‬
‫صكا على بياض‪.‬‬
‫التغيرّ ‪ .‬قد ال يكون التغري متناسبا يف كل األوساط‬
‫وعي منخرطيه‪ ،‬عليه أن يعيد قراءة تاريخ‬
‫االجتامعية ولكن التغري قائم ومستم ّر‪ ،‬قد ال‬
‫العالقة بني الديني والسيايس قراءة علمية‬
‫ينعكس هذا التغري إيجابا وباملستوى نفسه عىل كل فئات‬
‫موضوعية ال قراءة مؤدلجة مبنية عىل مصادراته العقائدية‪،‬‬
‫النساء حيث مازالت النساء الريفيات عىل سبيل املثال ونساء‬
‫إن أراد أن يحكم تونس وأن ينجح يف إدارتها‪ .‬عىل كل الذين‬
‫الفئات االجتامعية الدنيا أقل الفئات النسائية حظوة ‪ ،‬قد‬
‫سيكون لهم موقع يف إدارة الشأن العام يف تونس يف قادم األيام‬
‫يتعامل املجتمع عموما مع النساء بذهنيات مختلفة تتعايش‬
‫أن يدركوا أن املنوال االقتصادي الحايل‪ ،‬إن ص ّح الحديث عن‬
‫فيها بقايا الذهنية الذكورية وبعض مبادئ الذهنية املساواتية‬
‫منوال‪ ،‬لن يسمح أبدا بتحقيق األهداف التي ثار من أجلها‬
‫ولكن كل هذه النقائص ال تنفي حقيقة التغريات الجارية‪ ،‬كل‬
‫شعبنا‪ ،‬فال تنمية وال تشغيل وال عدالة اجتامعية وال خدمات‬
‫ما نحتاج إليه هو مزيد من العمل‪ ،‬ال من الحركات النسوية‬
‫عمومية تستجيب للحد األدىن من انتظارات الشعب‪ ،‬يحتاج‬
‫وحدها بل من كل قوى املجتمع املدين ومؤسسات الدولة‪ ،‬عىل‬
‫األمر حسب ما أرى‪ ،‬وإن كان رأي غري مختص‪ ،‬إىل شجاعة يف‬
‫مقاومة التصورات واملواقف والقوانني املناهضة لحق النساء يف‬
‫اتخاذ قرار القضاء عىل الفساد وعىل التهريب والتهرب الرضيبي‬

‫الخميس ‪ 26‬ديسمرب ‪ - 2019‬املوافق لـ ‪ 7‬ربيع الثاين ‪ 1441‬هـ ‪ -‬العدد ‪82‬‬

‫وقرار إرجاع «االقتصاد املوازي» إىل الدورة االقتصادية النظامية‬
‫وإرساء سياسة جبائية عادلة ونظام تعويض عادل وقرار مبادالت‬
‫اقتصادية مع الخارج تراعي أوال وأساسا مصالح تونس والرشوع‬
‫الفعيل يف تنفيذ هذه القرارت‪ ،‬كام يحتاج الوضع إىل أن تكون‬
‫رؤوس األموال التونسية أكرث وطنية وأن يعرف أصحابها أن انهيار‬
‫تونس اقتصاديا هو انهيار لهم أوال وأن إنقاذ تونس من مثل هذا‬
‫املصري يقتيض منهم تضحيات‪ ،‬عىل املنظمة املهنية الوطنية التي‬
‫رفضت دامئا أن يدفع الشغالون وحدهم مثن األزمات االقتصادية‬
‫أن تعمل يف اآلن ذاته عىل نرش ثقافة العمل عند الشغالني والحثّ‬
‫عىل مزيد البذل وملا ال التطوع من أجل دفع عجلة اإلنتاج‪ ،‬عىل‬
‫املجتمع املدين أن يقوم بدوره يف دعم هذه الخطة االسرتاتيجية‬
‫باملراقبة النزيهة والفعالة وبحثّ التونسيني عىل العمل‪ ،‬وأنا أعترب‬
‫أن تونس متلك من الكفاءات ومن املقدرات ما ميكنها من تجاوز‬
‫هذه املرحلة الصعبة والدقيقة لو انخرط الجميع يف مجهود‬
‫وطني لإلنقاذ وتقاسمنا التضحيات وقام كل واحد مبا يتوجب‬
‫عليه أن يقوم به يف املوقع الذي هو موجود فيه‪.‬‬
‫ كيف تقيم األستاذة جويرو التجربة الدميقراطية يف تونس؟‬‫أنا أعترب أن التجربة الدميوقراطية التونسية بدأت بداية طيبة‬
‫ومازالت قادرة عىل االستمرار‪ ،‬لكن هناك مخاطر تته ّددها‪،‬‬
‫مآىت هذه املخاطر عديدة‪ :‬مستوى الوعي السيايس العام الذي‬
‫مل يسمح إىل حد اآلن بإنتاج ناخب قادر عىل أن يختار بوعي‬
‫ومبسؤولية وذلك ما يفرس يف نظري تدين نسبة الناخبني الفعليني‬
‫من جهة ونوعية االختيار االنتخايب الذي تتحكم فيه معطيات‬
‫تتعارض يف كثري من الحاالت مع التوجه الدميوقراطي‪ ،‬وهو ما‬
‫يفرس انتخاب أطراف تعرف بتناقضها الجوهري مع الدميوقراطية‪،‬‬
‫من مآيت هذه املخاطر وصول مجموعات تعمل يف الواقع بعكس‬
‫ما تقتضيه الدميوقراطية‪ ،‬وإن كان الخطاب والظاهر عىل خالف‬
‫ذلك‪ ،‬إىل مواقع السلطة يف البالد وهو ما ميثل تهديدا حقيقيا‬
‫للحكم املدين الذي ال تكون دونه دميوقراطية‪ ،‬من مآيت هذا‬
‫الخطر كذلك هشاشة الطبقة السياسية التونسية التي عربت عن‬
‫قلة خربة وقلة مصداقية معا مام ترتبت عليه حالة عامة من‬
‫النفور من العمل السيايس بأشكاله التقليدية ‪ .‬وبالرغم من هذه‬
‫املخاطر أرى أن املجتمع املدين‪ ،‬وهو الذي لعب تاريخيا ويف كل‬
‫التجارب الدميوقراطية دور الوسيط بني السلطة والشعب ودور‬
‫الضامن لسلطة الشعب التي ال يكون دونها نظام دميوقراطي‪،‬‬
‫ميلك من القوى ومن الخربات ما يسمح له بالنهوض بهذا الدور‬
‫وخاصة إذا حافظ عىل استقالليته ونأى بنفسه عن التوظيف‬
‫السيايس داخليا وخارجيا والتزم بوظيفته مراقبا وضامنا لسلطة‬
‫الشعب‪.‬‬
‫ نأى الجامعي بنفسه لسنوات طويلة عن الخوض‬‫في الشأن العام والمساهمة الفعالة فيه‪ .‬هل كان‬
‫اختيارا صائبا أم كان هروبا من المسؤولية؟ وأيّ دور‬
‫للجامعيّ اليوم؟‬
‫خاصة يف‬
‫يف الحقيقة ‪ ،‬ومن خالل ما أعرف عن الوسط الجامعي ّ‬
‫مجال اآلداب والعلوم اإلنسانية‪ ،‬وهو من جهة مجال اختصايص‬
‫ومن جهة أخرى املجال املؤهل أكرث من غريه ليكون له رؤية يف‬

‫الشأن العام‪ ،‬ال أعترب أن الجامعي نأى بنفسه كام تقولني‪ ،‬لقد‬
‫تخص قضايا كثرية تتنزل‬
‫كان له دامئا رؤى وتصورات ومواقف ّ‬
‫يف صلب الشأن العام‪ .‬أنتجت الجامعة التونسية أعامال عىل‬
‫غاية من الدقة والوضوح والعلمية والرصامة يف مختلف ميادين‬
‫الشأن العام‪ ،‬يف القانون ويف االجتامعيات ويف الفكر والثقافة ويف‬
‫االقتصاد واإلدارة ويف الشأن الديني والسيايس وغريه‪ ،‬والعجيب‬
‫أن الكثري مام أنتجته الجامعة التونسية استفادت وتستفيد منه‬
‫مؤسسات وأنظمة وبلدان كثرية‪ ،‬إذن فاإلشكالية ليست من‬
‫النخبة إمنا هي راجعة إىل انعدام الحلقة الواصلة بينها وبني‬
‫من بيدهم سلطة القرار وسلطة التنفيذ‪ ،‬وظيفة الجامعي أن‬
‫يفكر وأن يرسم السياسات العامة يف مختلف املجاالت ‪ ،‬ووظيفة‬
‫السيايس يف الحكم أن يضع تلك الخطط والسياسات موضع‬
‫الجامعي عن مواقع‬
‫السيايس دامئا‬
‫تقرير وتنفيذ‪ ،‬وقد استبعد‬
‫ُّ‬
‫َّ‬
‫القرار والسلطة‪ .‬إذن ما ير ّوج عن النخبة التونسية من سباب‬
‫ومن تقييامت سلبية ال أراها إال خطة موجهة نحو االستمرار يف‬
‫استبعاده عن مواقع القرار ألن الجامعي الحقيقي ال ميكن أن‬
‫مينح السيايس صكّا عىل بياض وال أن يقف‬
‫موقف امل ّربر واملس ّوغ لالختيارات السياسية‬
‫خاصة إذا كان تقييمه لها سلبيا‪ ،‬لذلك‪ ،‬وألن‬
‫والءه غري مضمون دامئا يستبعده السيايس‪.‬‬
‫ درّست في الجامعة التونسيّة‬‫وفي جامعات عربيّة‪ .‬أيّ موقع‬
‫للجامعة التونسية اليوم بين بقية‬
‫الجامعات؟‬
‫بكل صدق‪ ،‬ومن خالل تجربتي الخاصة‪،‬‬
‫ما يتمتع به الجامعي التونيس من تقدير‬
‫عال أينام حلّ ويف أي الجامعات د ّرس ثابت‬
‫ال شك فيه‪ ،‬يكفي أن تستمعوا إىل شهادات‬
‫الجامعات التي د ّرس ويد ّرس فيها تونسيات‬
‫وتونسيون‪ ،‬هناك تقدير كبري غالبا وهناك‬
‫إقبال عىل االستفادة من الخربات الجامعية التونسية‪ ،‬ويشمل‬
‫هذا التقدير إىل جانب األشخاص اإلنتاج العلمي للجامعيني‬
‫التونسيني‪ ،‬فاإلقبال عليه كبري يف مجمل البلدان العربية ويكفي‬
‫النظر إىل معارض الكتب يف العواصم العربية حتى تروا شواهد‬
‫فعلية عىل التقدير الذي يحظى به هذا اإلنتاج‪.‬‬
‫الحقيقة أن هذا التقدير والتثمني وإن كان شهادة لصالح‬
‫الجامعة التونسية إال أنهام تحوال يف الحقيقة‪ ،‬ويف ظل غياب‬
‫خطة للمحافظة عىل الكفاءات الوطنية يف كل املجاالت ‪ ،‬إىل‬
‫خطر يهدد جامعاتنا وبالدنا‪ ،‬أعداد الجامعيني من الرتب العليا‬
‫تتناقص بشكل مفجع نتيجة فتح أبواب الهجرة عىل مرصاعيه‪،‬‬
‫أفضل الخريجني يف قطاعات حيوية مثل الطب والهندسة يف كل‬
‫االختصاصات وغريهام تتهافت عليهم بلدان أخرى وبلدنا يخرس‬
‫هذه الكفاءات دون تعويض‪ ،‬ال أدري هل حكومتنا عىل وعي مبا‬
‫يحصل يف هذا املجال أم ليست كذلك؟‬
‫ ما رأي األستاذة «جويرو» في منظومة إمد مثلما‬‫نشهدها في الجامعة اليوم؟‬
‫لو نظرنا إىل وضع التعليم العايل إجامال اليوم لوجدنا تراجعا كبريا‬
‫يف املستوى العام ‪ ،‬وهو تراجع رسيع يف الزمن‪ ،‬املقارنة بني خريج‬
‫الجامعة منذ عرش سنوات وخريج اليوم تبني فارقا ملحوظا يف‬
‫املستوى العا ّم‪ ،‬هل يعود هذا الرتاجع إىل منظومة إمد؟ أعتقد‬
‫أن ذلك جزيئ وإن لهذا الرتاجع أسبابا معقّدة ال ميكن اختزالها يف‬
‫هذه املنظومة‪ ،‬ويبدو يل أن من األسباب األخطر هو أن وزارتنا‪،‬‬
‫ومن ورائها دولتنا‪ ،‬ال تويل عناية يف ما تقرتح من أنظمة وبرامج‬
‫وغري ذلك من مكونات العملية التعليمية‪ ،‬إال العتبار وحيد هو‬

‫‪10‬‬
‫الضغط عىل الكلفة املادية ‪ ،‬وهذا اختيار بدأ من حكم بن عيل‬
‫واستمر بصفة أوسع بعده وهذا أرض كثريا باملستوى العلمي‪ ،‬قد‬
‫يكون من املفيد أن نفكر يف الكيف‪ ،‬إذ ليس من املجدي يف رأيي‬
‫أن نفتح التعليم العايل لنسب كبرية من املتعلمني وأن تكون‬
‫الكفاءات التي تتوفّر يف الخريج متدنية‪ ،‬التعليم العايل يف كل‬
‫البلدان نخبوي وال أرى رضرا يف ذلك إذ باإلمكان التفكري يف أنواع‬
‫أخرى من التعليم تسمح باكتساب مهارات وخربات أجدى يف‬
‫مجال التشغيل بدل تخريج عرشات اآلالف من حاميل الشهادات‬
‫العليا يف اختصاصات ليس لها أي أفق تشغييل‪ ،‬األمر يحتاج يف‬
‫نظري إىل حوار وطني وإىل شجاعة يف اإلصداع بالحقائق وجرأة‬
‫يف اتخاذ القرارات بعيدا عن الشعبوية التي ال نفع فيها‪.‬‬
‫ أيّ مستقبل للعلوم اإلنسانية في ظ ّل عزوف الشباب‬‫عن التكوين الفردي وانعدام أفق العمل؟‬
‫أعترب أن من أخطر األخطاء التي وقع فيها نظامنا التعليمي‪ ،‬وهو‬
‫خطأ ذو وجهني‪ ،‬يتمثل يف توجيه التالميذ ذوي أضعف املعدالت‬
‫إىل العلوم اإلنسانية‪ ،‬والحال أن هذه‬
‫االختصاصات يف أكرث البلدان تق ّدما يو ّجه‬
‫إليها أفضل الطالب‪ ،‬ألنها هي االختصاصات‬
‫التي تخرج أولئك الذين يضعون سياسات‬
‫الدولة واسرتاتيجياتها والذين يعلمون األجيال‬
‫القادمة ويبنون عقولها‪ ،‬وباختصار هم من‬
‫تقوم عليهم الدولة واملجتمع‪ ،‬أما الوجه الثاين‬
‫فيتمثل يف املآل الذي يؤول إليه الكثري من‬
‫خريجي هذه االختصاصات وهو البطالة‬
‫املط ّولة لذلك فمن الطبيعي أن ينفر الطالب‬
‫من هذه االختصاصات ‪ .‬من األسباب األخرى‬
‫لفقدان العناية بالعلوم اإلنسانية أنها ال‬
‫تدرج يف أغلب االختصاصات يف مجال العلوم‬
‫الصحيحة والتقنيات ‪ ،‬لذلك يكون التكوين‬
‫الفكري والثقايف لخريجي هذه االختصاصات‬
‫محدودا وضعيفا وهو ما قد يجعلهم عرضة للتجييش‬
‫اإليديولوجي‪ ،‬وهذا ما يفرس انتشار األفكار املتطرفة لدى عدد‬
‫مرتفع نسبيا من خريجي هذه االختصاصات‪ .‬عىل وزارتنا أن‬
‫تعرف أن مستقبل بالدنا رهني مستوى األهمية التي نوليها لصناع‬
‫الفكر والعقول‪ ،‬وليس فقط لصناع البضائع االستهالكية‪.‬‬
‫ كيف ستوفق األستاذة «جويرو» بين المسؤولية‬‫اإلدارية ومشاغلها البحثية؟‬
‫للعمل اإلداري الذي توليته وجه علمي أكادميي يف الحقيقة‬
‫وهذا ما ميكن أن يسهل ع ّيل نسبيا إمكانية التوفيق بني العمل‬
‫اإلداري والعمل البحثي‪ ،‬كنت ومازلت ال أستطيع العيش بعيدا‬
‫عن القراءة والكتابة ولو كان ذلك عىل حساب أنشطة أخرى‬
‫ممكنة‪ ،‬هام عاملي ومتعتي لذلك ال مير يوم دونهام ‪ ،‬هذا مرهق‬
‫ال محالة ولكنه ممتع‪ .‬سبق وقلت أعاله إن بالدنا تحتاج منا يف‬
‫هذا الظرف الصعب أن نضاعف جهودنا وأن نعمل دون كلل‬
‫كلّ يف ميدانه ومن موقعه ومن عاديت إذا دعوت إىل أمر أن أبدأ‬
‫بنفيس‪ ،‬لذلك أنا أعمل بكل ما أوتيت من جهد من أجل أداء‬
‫واجبي والنهوض بوظيفتي عىل أكمل وجه ممكن‪.‬‬
‫إين مؤمنة بأن بالدنا ستتجاوز هذه املرحلة الصعبة‪ ،‬وأنا كليّ ثقة‬
‫يف كفاءات هذه البالد ويف أنها ستتحمل مسؤولياتها تجاه بالدنا‬
‫وشعبنا يف الوقت املناسب وستعيد إىل تونسنا الحبيبة مكانتها‬
‫بوصفها قاطرة التقدم والتحديث والتنوير والبناء الدميوقراطي‬
‫يف البالد العربية ‪ ،‬وستعيد إىل شعبنا حقه يف العيش الكريم ويف‬
‫الفرح ويف الحلم مبستقبل أفضل ‪.‬‬

‫‪11‬‬

‫الخميس ‪ 26‬ديسمرب ‪ - 2019‬املوافق لـ ‪ 7‬ربيع الثاين ‪ 1441‬هـ ‪ -‬العدد ‪82‬‬

‫يف الزّحام ّ‬
‫الثقايف‬
‫بقلم‪:‬رياض خليف‬

‫(‪)1‬يف التّدجيل الثّقايف‬
‫إذا رأيتم مثل هذا ال ّد ّجال الثّقايف أو م ّر‬
‫عىل صفحاتكم خربه فال تبالوا به و ال‬
‫تنزعجوا ‪...‬فذلك نوع من املرض املسترشي‬
‫يف مشهدنا الثّقايف‪...‬ال تبالوا و»ال جناح‬
‫عليكم» أن تجمجموا أو تعلّقوا فكلّنا‬
‫نعرف هذه الحقيقة و هذا املرض‪...‬مرض‬
‫ال ّنجاح الوهمي الذي يصيب بعض املرشفني عىل التّظاهرات‬
‫الثّقاف ّية ‪...‬هم يكتبون عن نجاحاتهم و بطوالتهم قبل أن تنطلق‬
‫تظاهراتهم و ال يقبلون نقدا أو تعليقا‪...‬‬
‫«البلوك» مصري املتطاولني و املتصعلكني و محاويل االقرتاب من‬
‫الهامات الطّويلة املدعومة ب ّرا وبحرا و ج ّوا بفيالق من املنافقني‬
‫الصليعي يف إحدى‬
‫والال أدريني عىل ح ّد تعبري الشّ اعر جامل ّ‬
‫قصائده القدمية‪...‬‬
‫********‬
‫رش البل ّية ما يضحك»‪...‬‬
‫ربمّ ا يدخل هذا الحديث ضمن باب «من ّ‬
‫وأ ّي ضحك هو؟ ضحك كالبكاء عن بالد تسلّم مشهدها الثّقايف‬
‫مك ّدون من أمثال أيب الفتح االسكندري وغريهم م ّمن بيل بهم‬
‫املشهد الثّقايف وامت ّدت عروقهم هنا وهناك وربمّ ا صار البعض‬
‫ينصح برتكهم يهرولون ويفعلون ما شاؤوا تج ّنبا لهم ولرشورهم‬
‫ولبكائهم الشّ ديد‪ .‬فهؤالء أيضا شديدو البكاء كثريو التّذ ّمر‬
‫من الحاسدين وأعداء ال ّنجاح والحياة‪...‬كثريا ما ح ّولوا فضح‬
‫مامرساتهم إىل جحود لجهودهم و إغالقا لألبواب أمامهم ونسيانا‬
‫لجهودهم املضنية و تاريخهم املنري‪...‬‬
‫****‬
‫يك ّررون يف كلّ مناسبة نفس السيناريو ونفس الخطوات وينعمون‬
‫الساحة الثّقاف ّية‬
‫بصمت ّ‬
‫وجمجامتها وتعليقاتها و دعواتها بالتّوفيق و«دوام األلق»‬
‫مامرسني دجال و تزييفا ال حدود له متناسني ما يقال عن شاكر‬
‫نفسه‪.‬ال يفشل هؤالء و ال يخطئون فهم رسل ثقاف ّية أنعم بها‬
‫الخالق عىل البالد‪.‬كلّ ما ينجزونه يعانق ال ّنجاح و كثريا ما يبلغ‬
‫درجة التّسيس والبناء واملبادرة ‪.‬و تلك حكمتهم‪...‬فالقلق بصبح‬
‫حيويّة والجامهري القليلة تصبح أعدادا غفرية والعروض التّافهة‬
‫تصبح منعشة و مج ّددة‪...‬‬
‫****‬
‫إنّها بركات كلّ » د ّجال ثقايف‪:‬‬
‫يضع الربامج و التظاهرات وفق أهوائه واسرتاتيجياته‪...‬‬
‫نصيب للمسؤول األكرب منه وآخر ألصحابه املقربني وآخر‬
‫الصامتني الذين ال يه ّرجون وال يالحظون‬
‫للمثقفني املوالني ّ‬
‫وال يحت ّجون الذين تكفيهم دعوة شفويّة لينض ّموا إىل الجوقة‬
‫وليشيدوا بصاحبنا فالن و ما أتاه من فعل خالق يعيد الثقافة‬
‫للبالد والبالد للثقافة‪...‬‬
‫و ال بأس من نصيب للحزب القو ّي فتلك س ّنة األ ّولني‪...‬‬
‫*********‬
‫يعلن يف الصحف و اإلذاعات و الصفحات االّجتامع ّية‪...‬‬
‫يزعج ال ّناس بطلب مشاركة منشوره وإعالنه وأحيانا يكون‬
‫خفيف الظل‪...‬يطلب تعليقا‬
‫أو عالمة إعجاب‪...‬‬
‫ينفّذ التظاهرة أو النزر القليل مام أشاع إنه يعتزم القيام به‪،‬‬
‫مختتام األمر عادة بتسليم أوراق مق ّواة لبعض الضّ يوف تحت‬

‫عنوان تكريم و اعرتاف بالجميل‪...‬‬
‫ث ّم ينربي معلنا ال ّنجاح والتألق يف كل مكان مشيدا بالضّ يوف و‬
‫املسؤولني قاطبة و بدور منظّم التّظاهرة الذي هو نفسه طبعا‪...‬‬
‫ملتجئا أحيانا إىل أسامء وهم ّية أو ال مصداق ّية لها‪.‬‬
‫******‬
‫ويف النهاية ‪:‬‬
‫كثريا ما يختفي مثل هذا ال ّدجال تاركا عماّ له و ضيوفه يف حرية‬
‫يلهثون خلفه زمنا طويال بحثا عن أجورهم وهكذا حتّى ينبثق‬
‫من موعد أخر و يظهر يف تظاهرة جديدة ودورة جديدة من‬
‫ال ّنجاح و التّألّق‪...‬‬
‫تنبيه‪:1‬أي تشابه يف املامرسات مع منظمي تظاهراتنا غري مقصود‬
‫ولك ّنه ينسب متاما إىل هذه الطّائفة املتنفّدة ثقاف ّيا‪...‬‬
‫قيايس‪...‬‬
‫تنبيه‪:2‬كفّوا عن إعالن نجاحاتكم بأنفسكم ويف وقت ّ‬
‫انتظروا األصداء ودعوا املتف ّرجني و اإلعالميني يق ّيمون‪...‬فأ ّي‬
‫تقييم ذايت ال موضوع ّية له‪..‬‬
‫(‪ )2‬رسالة إىل شاعر‬
‫جلست اآلن ألكتب‪(...‬الحظ أين مل أقل أخذت قلمي وأوراقي‬
‫وانتحيت ركنا قصيا‪...‬فلقد بدأت عاداتنا الورقية التي ورثناها‬
‫تنقرض ‪...‬مل نعد نسجل أرقام الهواتف عىل دفاتر صغرية أو‬
‫جذاذات ‪...‬مل نعد نبعث برسائل بريدية ومل نعد يف أغلب األحيان‬
‫نكتب مسودات نصوصنا عىل الورق‪...‬لقد اكتسبنا عادات‬
‫الكرتونية كثرية ويبدو أنها تتجه نحو االستيالء علينا متاما‪...‬فلم‬
‫يبق لنا شيئ خارج هذا االلكرتوين واالفرتايض‪)...‬‬
‫حان دور كتابك الذي أرسلته يل منذ مدة طويلة‪...‬تأخرت عنك‬
‫كثريا ملشاغل كثرية ويوميات متعبة أكرث‪...‬لجراح تهز املعنى وتربكه‬
‫فمعذرة ‪...‬ها قد توكلت عىل الله‪...‬بدأت أحارص األفكار‪...‬أالحق‬
‫املعاين واملباين‪...‬أحاول اإلمساك بالخيط الرفيع الذي سألج منه‬
‫مقالتي عن تجربتك‪...‬احرتت يف الزاوية التي سأتوقف عندها‪...‬‬
‫مثة أسئلة مربكة تنتصب أمامي ‪...‬مل يربكني كتابك فهو عادي‬
‫كعرشات الكتب التي متر يف وقت وجيز‪...‬من املطبعة اىل بعض‬
‫القراء ثم تعرج عىل بعض وسائل اإلعالم ثم تختفي وتظل يف‬
‫الرفوف ولكنها أسئلة أخرى‪(...‬يحدث أن يكون صاحب الكتاب‬
‫محظوظا فتتداول خرب كتابه املواقع االجتامعية ويكتب عنه‬
‫بعض أصحابه ويخرج علينا هو يف صفحته االجتامعية منتشيا‪...‬‬
‫ها قد كتبوا عني‪...‬مسألة الرواج مسألة حظ ولكنها مسألة خربة‬

‫ذاتية يف الرتويج والتسويق وبفنون مختلفة‪. ..‬‬
‫ماجدوى أن أتحدث عن إيقاع شعرك أالن؟ماجدوى أن الفت‬
‫االنتباه إىل طريقتك يف التصوير الشعري أو متيز لغتك الشعرية؟ما‬
‫جدوى أن أشري إىل نصوصك الثورية وثوريتك املتواصلة وتحيتك‬
‫للشهداء والشمل قد تف ّرق‪...‬أليس من الهزء بالقراء أن أضعك‬
‫إىل جانب محمود درويش وسميح القاسم وأمل دنقل ومظفر‬
‫النواب وغريهم؟هل ميكن اآلن الحديث عن شاعر ثوري؟(هذه‬
‫مفارقة أيضا فنحن يف زمن املدون الثوري و الفيسبويك الثوري‬
‫وليس يف زمن الشاعر الثوري‪...‬يتداول الناس التدوينات مثلام‬
‫كنا نتداول القصائد يف األزمنة القدمية) ‪...‬ما جدوى أن نبحث يف‬
‫شعرية شاعر وما سنكتبه سيظل مجرد حرب عىل ورق ‪...‬لن يرفع‬
‫عنك قولنا إنك شاعر متميز الغبار‪...‬لن يلتفت إليك احد‪...‬ولن‬
‫يهتم احد إذا قلت أنك شاعر رديء وعملك بسيط ‪...‬ستستمر‬
‫كام أنت‪...‬ميكن للبعض أن يواصل تصدره املشهد ويحافظ عىل‬
‫حضوره وهو يف قمة ضحالة تجربته‪...‬ميكن لهم الخروج بال خجل‬
‫وادعاء الفحولة والبطولة وع ّدة الطالق الذي يستحقونه بعد‬
‫افتضاح رسقة أدبية مل تنقض‪...‬‬
‫شاعر أنت‬
‫أو لست بشاعر‪...‬‬
‫أمر ال يهم أحد‪...‬هذه البلدان التي ضيعت هويتها وسيادتها‬
‫ووحدتها وأمانها وخبز أبنائها ويتمتهم ال يه ّمها أن تضيع شعرية‬
‫شاعرها أو أن يضيع شعرها كله‪...‬هذه البلدان التي ضيعت‬
‫رجالها ‪...‬رشدتهم وقتلتهم ورجمتهم أو أطلقت خلفهم غلامنها‬
‫وصبيتها وسلمت نفسها ألكرث من «رويبضة»ال يه ّمها أن تسلم‬
‫ثقافتها وشعرها وصحفها إىل رديئني‪..‬‬
‫خطرت يل هذه األسئلة وأربكتني‪...‬‬
‫ازدردت سجائر كثرية‪...‬تقلبت هنا وهناك‪...‬حاولت أن أدفع‬
‫وساويس الخطرية وأقمع ذهني ‪..‬مل امسك بخيط يقنعني يف هذه‬
‫اللحظة‪...‬ذهبت إىل صفحة التواصل االجتامعي آمال اسرتاحة‬
‫قليلة قبل العودة إليك و إىل نصوصك‪...‬تشعب املوقف أكرث‪...‬‬
‫ألقيت بكتابك‪...‬ورحت أصعد وأنزل‪...‬أصعد وأنزل مح ّركا الفأرة‬
‫‪...‬‬
‫عىل صفحات التواصل االجتامعي دفعة جديدة من أخبار‬
‫البلد و الشعر والشعراء‪.‬أترك كتابك‪...‬محبطا حد النخاع‪...‬أغلق‬
‫الحاسوب وأميض‪...‬‬

‫الخميس ‪ 26‬ديسمرب ‪ - 2019‬املوافق لـ ‪ 7‬ربيع الثاين ‪ 1441‬هـ ‪ -‬العدد ‪82‬‬

‫‪12‬‬

‫حوارات يف أملسرح مع جمال ساسي‬
‫املرسح يف تونس كان له أفضلية عىل مجمل الفاعليات األدبية والفنية‬
‫ألسباب متعددة منها رغبة دولة اإلستقالل إلستخدامة كاداة للتحديث‬
‫وللرتبية اإلجتامعية املوجهة وكذلك الرتويج لنمط حياة جديد عىل األقل يف‬
‫العاصمة واملدن الكربى وكان «الحبيب بورقيبة» عاشقآ للدراما املرسحية‪..‬‬
‫كذلك كان ومازال النشاط أملرسحي ملجئآ للتعبري املعارض واليساري خارج‬
‫املجال ألسيايس أملبارش‪..‬وكانت الفرق املرسحية املرصية وأملرشقية تقوم‬
‫بتقديم العديد من املواسم املرسحية يف البالد التونسية قبل تشكل التيارات‬
‫املرسحية والكادرات من الفنانني والتقنيني اللذين تدربوا يف فرنسا وكذلك‬
‫يف أملرشق!ومتكن العمل أملرسحي يف تونس من»تحقيق سبق عىل بقية أفرع‬
‫أملرسح العريب بتطوره عرب إحتكاك املرسحيني بأملرسح الفرنيس أساسآ! خالل‬
‫السنوات املاضية بدأت أزمة مرسحية لها جوانب مختلفة رأينا مناقشتها‬
‫مع العديد من العاملني كفنانني ونقاد وكتاب مرسحيني حتى ميكن للجميع‬
‫العمل عىل فتح أفق جديد للمرسح يف تونس!لقد أخرتنا أن تكون البداية‬
‫مع ممثل لظننا بأن التمثيل هو حجر الزاوية للعمل أملرسحي وكان إختيارنا‬
‫ملمثل ليس كأملمثلني فهو ماميكن تسميته مناضل مرسحي !كاتب ومخرج‬
‫أحيانآ وممثل للسينام والتليفزيون ومن قبل ومن بعد مرسحي يكفي‬
‫حضوره عىل الركح إلستثارة الخيال!حديثنا مع املمثل «جامل سايس»الذي‬
‫يتجاوز تاريخه الفني الثالثني عامآ ومازال كل موسم يتحفنا بجديد!هذا‬
‫الحوار تم بعد نهاية «أيام قرطاچ املرسحية» والتي شهدت العرض الذي‬
‫قدمه لإلطفال وأخرجه «الساحر»‬
‫بداية يا جمال تعطينا فكرة عمومية عن‬‫نشاطك التمثيلي خالل مايزيد عن ربع قرن‬
‫عملت خالل أكرث من ثالثني سنة كممثل متفرغ ومل أعمل‬
‫مبهن أخرى وكان هذا ومازال مخاطرة إجتامعية كبرية‬
‫بسبب وضع املمثل يف املجتمع التونيس الهش للغاية‬
‫فأإلنتاج قليل وامليزانيات محدودة وتعتمد يف جانب كبري‬
‫منها عىل الدعم الحكومي ولكن كان ومايزال إختياري‬
‫هذا الذي مل أندم عليه وحصيلته ُمرضية حوايل عرشين‬
‫عمل متثييل للسينام والتلڤزة وحوايل أربعني عمل مرسحي‬
‫كممثل ومثاين أعامل قمت بإخراجها ومل تتاح يل املناسبة‬

‫للتمثيل خارج تونس! كانت بدايايت يف املرسح املدريس‬
‫بأملعهد الصادقي مع «حامدي املزدي «كان بداية عميل‬
‫التمثييل السينامىئ أملعروض للجمهور األول هو دوري يف‬
‫فيلم «الحلفاويني»مع «فريد بوغدير»‬
‫كيف تقيم مرحلة التأسيس ؟‬‫املرسح الوطني يف تونس برئاسة» عىل بن عياد»أنتج‬
‫مرسحيات ولَم يؤسس حركة مرسحية وخلفة «املنصف‬
‫السوييس «واملحاولة األوىل للخروج خارج أُطر الرسمية‬
‫كانت من طرف الراحل «حسن النكاع» الذي أخرج‬
‫«نسخة طبق األصل» ومثل فيها «توفيق البحري» وهي‬
‫مرسحية صامته عن نص للكاتب األملاين»بيرت هندكه»‬
‫وكانت مرسحيته الثانية واألخرية هى مرسحية»جواز سفر»‬
‫مع فرقة قارة بألقريوان! ثم فرقة «أملرسح الجديد»والذي‬
‫كان اسمها األصيل «أملرسح العضوي» والذي أعطاها االسم‬
‫الذي نعرفه اليوم هو األديب «محمد أملسعدي»وهي‬

‫شكلت ثورة يف التكنيك واملواضيع واإلداء أملرسحي‬
‫والدرامتوچيا وكان فنانيها الطليعيني «توفيق الجبايل‬
‫«و»فاضل الجزيرى»و» رجاء فرحات» و»رؤوف بن عمر‬
‫«و»چليله بكار» و»محمد أدريس «و»فاضل الجعايبي» !‬
‫كانت باكورة إنتاجهم «ضحى وألرشق الحائر «يف قفصة‬
‫ثم «عسالة النوادر»عىل املرسح البلدي ومثلت يف «قاعة‬
‫يحي» وضمت «جليلة بكار «ورجاء عامر «وسينوغرافيا‬
‫«فاضل الجزيري» ثم مرسحية «العرس» عىل املرسح‬
‫البلدي مع «محمد إدريس» و»جليلةبكار» و»فاضل‬
‫الجزيري»!‬
‫إنشقاق ء»توفيق الجبايل» و»رجاء عامر» و»املنصف‬
‫صايم «عن «أملرسح الجديد «لتكوين فرقة «مرسح فو «‬
‫ومن أهم أعامله مرسحية «متثيل كالم» وشكل ثراء جديد‬
‫للمرسح أملستقل مازال يطرح أسئلته الفنية واإلجتامعية‬
‫عىل الحركة املرسحية!‬
‫مسارح الهواة ونوادي أملرسح من ‪ 84 - 79‬كانت تحت‬
‫إرشاف الحزب الدستوري الحاكم وذات توجيه سيايس‬
‫وفني لخدمة أهداف الحكم آنذاك ولكنها بشكل ما نرشت‬
‫ثقافة مرسحية يف الجهات خارج الوسط املحرتف وتكوين‬
‫جمهور للفن أملرسحي!‬
‫تجربة « عز الدين جنون» و»مرسح الحمراء» رافد آخر‬
‫للتنوع أملرسحي فأملوقع وسط ألحومة الشعبية وفيِ قلب‬
‫ألسوق والحياة اليومية ينقل إيقاع وموضوعات ألحياة‬
‫أليومية لداخل القاعة وللكتابة والتمثيل املرسحي ذاته‬
‫وكانت املرسحية األخرية «شقف» والتى مل يستكملها‬
‫الراحل تعبري قوي عن ذلك ومن حسن الحظ قامت أبنته‬
‫«سريين جنون» بتكملتها وعرضت للجمهور وسط إحتفاء‬
‫بالغ من الجمهور والنقد‪.‬هذه النواة أملرسحية ينبغي أن‬
‫تستمر بإبداعاتها املتميزة والهامة!‬
‫تأسيس «املعهد العايل للفن أملرسحي» خطوة جديدة لكنه‬
‫بدآل من أن يكون تابعآ لوزارة الثقافة صار من مشتمالت‬
‫وزارة التعليم!وهو الذي خرج من صفوفه املئات من‬
‫أساتذة أملرسح يعملون باملعاهد واملدارس ويساهمون‬
‫كفنانني أحيانآ يف أعامل مرسحية متنوعة‪.‬‬
‫ماهو تقديرك لحالة الفن ألمسرحي اليوم؟‬‫هناك أزمة مركبة فعملية إنتاج عمل مرسحي متكامل فنيآ‬
‫يستدعي ثالث عوامل هي الزمن والتمويل والفضاء !فثالثة‬
‫شهور عىل األقل رضورية إلنتاج عمل متكامل وجيد وهي‬
‫تفرتض ممثل متفرغ (قار) وجزء من خلية مرسحية تعمل‬
‫بإحرتاف وفق مواعيد ثابته وبرنامج محدد ! بينام اآلن‬
‫عملية اإلختيار العشوايئ والوقتي للممثلني لىك يشرتكوا‬
‫يف عمل واحدرسيع وينرصفوا وليس النشاط ضمن خلية‬
‫مرسحية لها منظورات وتوجه إسرتاتيچي هناك اآلن حوايل‬
‫‪ 270‬رشكة إنتاج مرسحي تتعارك يف بينها عىل الحصول‬
‫عىل الدعم الوزاري وتقوم بتقديم مرشوعات تناسب ذلك‬
‫ويدعمها مجموعات للضغط مام أدى لحرمان مشاريع‬
‫جيدة مستحقة فعآل للدعم وتدعيم اخرى التساوى!‬
‫هناك أزمة يف الكتابة املرسحية يتم محاولة تجاوزها‬
‫عرب الكتابة الجامعية للممثلني بينام املخرج والدرماتوچ‬
‫يديرون عملية تحقيق ذلك عىل ال ُركح وهى تجربة ولج‬

‫‪13‬‬
‫إليها «فاضل الجعايبي» وأنتج خاللها أعامل حظيت‬
‫مبشاهدة واسعة وتغطية نقدية متنوعة!‬
‫هناك مشكلة يف اإلنتاج الحايل تتمثل يف حالة املمثلني‬
‫الذين ينبغي أن يكونوا رشكاء وليس مجرد خدامة!هناك‬
‫من ناحية أخرى طالسم مرسحية وإستعراض للعضالت‬
‫أملعرفية وغياب الذات الفنيه وغياب أملرشوع الفكري‬
‫عن غالبية أملرسحيني هناك محاوالت مرسحية طاغية‬
‫دون إلتزام!أنا ال أقصد اإللتزام السيايس حيث انني مل‬
‫أنخرط يف أى جامعة سياسية بل اإلنتامء لحساسية فنيه‬
‫و رغبة يف تنوير وإثراء الثقافة الشعبية و التواصل مع‬
‫الجامهري التى تذهب للمرسح للتمتع والفهم وليس‬
‫ملجرد الشطيح‪.‬‬
‫هناك مشكلة السياسة الثقافية الينبغي إنتاج‬
‫املرسحيات يف العاصمة ثم بعد ذلك زيارتها لألقاليم‬
‫ينبغي توطني املرسح يف األقاليم إنتاجآ وعرضآ!هناك‬
‫اآلن ستة مراكز للفنون الدرامية والركحية دون وجود‬
‫قانون قار لها وليس لبعضها مقرات مناسبة !ينبغي‬
‫خلق مرسح آخر يراعي الخصوصية الثقافية للمنطقة‬
‫‪..‬وتأسيس العنرص البرشي الفني قبل الهيكل اإلداري‬
‫والتخلص من هيمنة عروض الذكار التي تتبناها الوزارة‬
‫!األن لدينا حوايل‪1100‬بطاقة إحرتاف والجميع يخدموا‬
‫أصحابهم فقط!يتبغي تجاوز الحياة الهشة لغالبية‬
‫املرسحيني بنظام مايل ثابت كمثل مخصصات العاملني‬
‫بألعروض بعض الوقت بفرنسا أو نظام مشابه يضمن‬
‫كرامة الفنانني‪.‬‬
‫مؤخرآ قمت بتقديم مرشوع ‪ In-Stage‬ماهو خطوطة‬‫العامة؟‬
‫ترتكز الفكرة عىل بناء ورشات مرسحية لصغار السن‬
‫حول فنون أملرسح لخلق حساسية وتقوم الوزارة‬
‫مبسؤلية املؤطرين ويقوم الصغار بتحضري العروض‬
‫بينام دورنا فقط يكون اإلرشاف الفني دون األمور‬
‫املالية !وذلك يف الواليات األربعة والعرشين وفيِ النهاية‬
‫تعقد مسابقة وطنية للتنافس مينح جوائز مادية وأدبية‬
‫وأملرشوع قُدم للوزارة التى مل تجاوبنا!‬
‫يبقى سؤال شخصي ‪..‬أنت األخ األصغر‬
‫للشهيد «الفاضل ساسي» الذي استشهد‬
‫في وسط العاصمة بينما كنت في بداية‬
‫نشاطك الفني‪..‬كيف أثرت هذه المأساة على‬
‫ممارستك الفنية ؟‬
‫الفاضل يكربين بعامني وكان مثقف متنوع يقرأ يف‬‫كل شئ وكان غرامه أكرث بألسينام وكان من مؤسيس‬
‫السينامئيني الهواة وكنا نسكن املدينة بجوار جامع‬
‫الزيتونه وفيِ قلب األسواق وكانت الدار مكتبة مفتوحة‬
‫يحرض «الفاضل» كتبها من «نهج الدباغني» القريبة‬
‫وبها حلقات نقاش بإستمرار يحرضها العديد من‬
‫الناس الذين صاروا فاعلني ثقافيني وسياسيني فيام بعد!‬
‫فاضل شجعني عىل العمل بأملرسح ولكني فضلت عدم‬
‫اإلنخراط ألسيايس مع تعاطفي مع التيار التقدمي‬
‫ولكني أعتربت أملرسح هو مجال كفاحي الذي تفرغت‬
‫له منذ ذلك الحني!‬
‫أنتهى حديثنا مح «جامل سايس «وتستمر الحوارات‬‫يف املرسح يف لقاءات قادمة مع مخرجني ونقاد وكتاب‬
‫مرسحيني وممثلني آخرين بتوجهات مختلفة لىك يديل‬
‫كل طرف برأيه والنقد والنقاش مفتوح للجميع وعلينا‬
‫فقط تأطري النقاش وطرح األسئلة ونرش لآلراء املخلفة!‬
‫فإىل لقاء‬
‫حسني عبدالرحيم‬

‫الخميس ‪ 26‬ديسمرب ‪ - 2019‬املوافق لـ ‪ 7‬ربيع الثاين ‪ 1441‬هـ ‪ -‬العدد ‪82‬‬

‫يَوْمِيَّاتٌ ‪19‬‬

‫الرجل النصف‬

‫عمر السعيدي‬

‫وعىل الله رزقه‪ ،‬وإن مل يسع‪ ،‬ككل‬
‫دابة عىل األرض‪ .‬بقدرته مييش‪ ،‬متوكئا‬
‫عىل عصاتني‪ .‬يتأ ّخر‪ ،‬يتعطّل‪ ،‬يتعب‬
‫ولك ّنه يف األخري يصل‪ .‬وبحدث ذات‪.‬‬
‫يوم‪ . ....‬وبرحم ريب عبده إذ يجعل‬
‫البطء حركة والعناء يرسا‪.‬‬
‫إنّها العربة املتحركة ‪.‬صار يولج يف مح ّركها املفتاح ‪،‬فيصوت‬
‫مدندنا‪ .‬ميسك بطريف مقودها وينطلق نحو باب الله‪،‬باب‬
‫الرزق أين تع ّود أن يخ ّيم‪ .‬تجري العربة وسط ال ّزحام بكل‬
‫يرس ‪.‬‬
‫تتأسف لحاله‪ .‬ال تقلْ‬
‫ال‬
‫تغضب يف وجهه ‪.‬ال تحقرنّه ‪.‬ال ّ‬
‫ْ‬
‫كان عليه أن ‪.‬وكان عليه أن ‪.‬وكان وكان ‪ .‬قد يذهب يف‬
‫ِ‬
‫وليكتف‬
‫ظنك أن زواجه خطأ‪ .‬وقد كان عليه أن ال يفعل‪.‬‬
‫بنفسه يعولها من فتات الصدقات التي يتلقاها إن شفقة‬
‫أو تضامنا مع أمثاله يف غياب سيادة الدولة بالوعي نحو‬
‫هذه الفئة من العجزة ‪ .‬تنكر أصواتهم إن صاحوا‪ .‬وتصم‬
‫بحق ‪.‬وال متلك أجهزتها إال أن تأسف‬
‫ّ آذانها إن طالبوا ّ‬
‫ملوتهم إن ماتوا فتمسح دمع باك وتتمنى للميّت الرحمة ‪.‬‬
‫قد تحت ّج لظروف رجل نصف أ ْج َع ُب (بطني) و(أ ْج َع ُب)‬
‫ضعيف العمل‪ .‬بل ال يعمل أصال ‪.‬إن كان العمل حركة‬
‫كأن يرفع من الحجر أركان بيت ويبث يف األرض ذكورة‬
‫‪.‬ويُجري يف تربتها املاء ويعزق مرتقبّا رحمة الله‬
‫خشية الربد والثلج وغضب الطبيعة ‪ .‬ولكنه ال يفعل هذا‬
‫أبدا ‪.‬ويكتفي بان يسيرّ عربة مبحرك آ ّيل إىل حيث يجلس‬
‫كل يوم ‪ ،‬صباحا وظهرا ومساء ‪ .‬ربيعا وصيفا ‪.‬شتاء وخريفا‬
‫‪.‬وخالل األعياد وحني يفرح البلد ببطوالته الواهية ‪.‬‬
‫السفليان كثريا حتى كادا يختفيان ‪.‬ورأى أنه‬
‫ضمر طرفاه ّ‬
‫من األفضل إخفاءهام مبالءة زرقاء كثيفة ال يغيرّ ها أو‬
‫يتخلىّ عنها وإن صيفا ‪ .‬يف املقابل عظمت بطنه واتسع‬
‫صدره واشت ّد زنداه و انبسطت كفاه وصفا وجهه وحسن‬
‫واحم ّرت وجنتاه ‪ .‬واسو ّد شعر رأسه واستطال حتى صار‬
‫مغريا لكثري من ال ّنساء يُلقني عليه نظرة وهن يقطعن‬
‫الطّريق إىل الضفة األخرى وقد عقص شعره إىل الخلف كام‬
‫يفعل العبو الكرة ‪ .‬يا سبحان الله ‪.‬كأنه قُ ّد نحتا ‪.‬‬
‫خيرّ أن يُخ َّيم يف هذا املكان كلّ يوم ‪ .‬مكان يلتقي عنده‬
‫طريقان رسيعتان تتقاطعان يف دائرة منه يتفرع عنها‬
‫طريقان يذهب واحد إىل الغرب و يتجه آخر إىل الجنوب ‪.‬‬
‫كثريا ما بغص الطريق بالسيارات عند ساعات الذروة‬
‫خاصة تلك التي تفلت من النظام لتأخذ انحناءة أو اتجاها‬
‫محظورا لتقف أمام مدرسة ابتدائية لنقل األبناء عند‬
‫انتهاء الدوام املدريس ‪.‬‬
‫ال أحد يدفعه ‪ .‬عربته آلية بها محرك ‪.‬قادرة عىل السري‬

‫يف الطرقات بل والجري أيضا وأخذ املنعطفات واجتياز‬
‫النتوءات بكل مرونة ‪ .‬يحاذرها صباحا حني يقرتب من‬
‫مكان التخييم قليال قليال فتصعد ‪ .‬يسكتها ‪.‬يفتح مظلة‬
‫كبرية يف أيام الح ّر وعند الطلّ ‪ .‬يغرسها بني طرفيه الرقيقني‬
‫‪ .‬يغطّي رأسه وميكن صغرييْه من مساحة من الظلّ أو‬
‫الدفء ليلعبا‪.‬‬
‫«حسن وحسنية» توأم يهام جامل خلقة وعليهام مسحة‬
‫فقر وحاجة ‪ .‬حافيان أغربان ‪ ،‬يلعبان دون أن يغامرا‬
‫باالبتعاد عن العربة قليال ‪.‬وحني يتعبان ‪ ،‬تركب البنت‬
‫عند قدميه ويعتيل حسن قاعدة العربة من الخلف ‪.‬‬
‫ال يطلب صدقة ‪ .‬ال يشكو حاال‪ .‬ال مي ّد يدا ‪ .‬ولكنه يُحظى‬
‫من املا ّرة باالهتامم والرأفة ‪ .‬ميرون به فيلقون يف إناء‬
‫معدين قطعا نقدية ذات قيمة وأحيانا أوراقا ماليّة ‪.‬تتأثر‬
‫خاصة بهذا املشهد ‪ .‬يرك ّن س ّياراته ّن جانبا وميك ّنه‬
‫النساء ّ‬
‫الصغرييْن فيشعرن بالرضا واألسف معا ‪.‬‬
‫من مال ويالطفن ّ‬
‫أحيانا ينضاف إىل املشهد حضور زوجته الشابة القادمة‬
‫من الريف البعيد ‪ .‬لديها بعض جامل وكثري من السذاجة‪.‬‬
‫ال شك أنها قدمت من هناك من ربوع الفقر والجدب‬
‫لتتنسم نسائم مدينة غري منضبطة‪ .‬جاءت لتستظل بظل‬
‫رجل وإن كان نصفا‪،‬‬
‫سيكفيها التّجوال يف مسارب التيه وراء نعاج عجاف يف‬
‫أرض مجدبة ‪ ،‬قد قلّ ماؤها وثار غبارها واستعر الج ّو‪،‬‬
‫فهجرها كثريون إىل جنة موعودة ‪ .‬مبانيها صفيح وقصدير‪.‬‬
‫السيارة وترين املدينة وتستظلني بظل‬
‫رمبا ِقيل لها سرتكبني ّ‬
‫رجل وإن كان نصفا ‪.‬‬
‫ال شك أنه سيدفئها بنصفه األعىل‪ .‬وقد أدفأها فعال ‪.‬‬
‫سيضمها إىل صدره فتأخذها رعشة اللذة ‪.‬ويذهب برد‬
‫تحس بالحرارة ترسي بني أغصانها الشابة ‪ .‬وال‬
‫عظامها و ّ‬
‫يهم إن كان رجال نصفا‪.‬‬
‫أحست بطراوة عودها ورسى ماؤه دافئا يف أرحامها ‪.‬‬
‫ّ‬
‫فكانت النطفة فالعلقة فاملضغة فالجنني ث ّم الصغري‬
‫يسعى وميرح‪ .‬وميأل بطنه مبا يجنيه األب من عطف الناس‬
‫وحسناتهم‪.‬‬
‫حني يأيت املساء وتقلّ حركة السيارات وظهور القوم يف‬
‫هذا املكان‪ ،‬وتنعدم األصوات ويغادر الصغار مدارسهم إىل‬
‫السبات‪ .‬ينتفض الرجل النصف‬
‫البيوت‪ ،‬تتهيأ املدينة إىل ّ‬
‫بجذعه العلوي‪ .‬ينفض املالءة فتمت ّد رجالن ضامرتان‬
‫أمامه‪ .‬يقفز حسن أمامه ممسكا بيديْه الصغريتني املقودين‬
‫وتستقر خلفه حسنية محتضنة جنبيه‪ .‬عندها تنطلق‬
‫العربة خلف رسب من السيارات تطوي األرض ط ّيا ‪.‬‬
‫حينها ‪ ،‬تشيل الزوجة عىل ظهرها ما فاض عن العربة من‬
‫أبنائها الثالثة وتأخذ طريقها يف هدوء ودعة ‪ ،‬إىل حيث‬
‫الحي ويف نفسها راحة محارب‬
‫تسكن بعيدا عند طرف ّ‬
‫حقّق بعض نرص يقيم به اإلود ومينع به عن العائلة حياة‬
‫رشد ‪.‬‬
‫الت ّ‬

‫‪14‬‬

‫الخميس ‪ 26‬ديسمرب ‪ - 2019‬املوافق لـ ‪ 7‬ربيع الثاين ‪ 1441‬هـ ‪ -‬العدد ‪82‬‬

‫«كوباني» لـ»جان دوست»‪:‬‬

‫جمَل ُة الرّواية يف جمَلةٍ من الرّواية‬
‫السايف‬
‫شاهني ّ‬

‫«خرجوا من مهرجان بناء الدّول بخفّي لوزان» (جان دوست‪ ،‬رواية‬
‫«كوباين»)‬
‫لن أتحدّث عن رواية «كوباين» لجان دوست‪ .‬سأتحدّث فقط عن هذه‬
‫الجملة املربكة التي وردت يف رواية «كوباين»‪ .‬استوقفتني طويال وأنا‬
‫أقرأ الرواية‪ .‬وكثريا ما كنت أطوي الصحائف منها تلو الصحائف ألعود‬
‫إليها متأ ّمال ومتألّام يف آن معا‪ .‬جمل ٌة واحد ٌة تتكثّف فيها ُج ْملَ ٌة من‬
‫األحداث التي جرت يف الواقع وكذلك األحداث التي دارت رحاها يف عامل الرواية‪ .‬هي جملة عابرة‬
‫مفتاح إن ظفرت بها ‪-‬يف تقديري‪ -‬أ ّمنت لنفسك‬
‫لعاملني‪ :‬عامل الواقع وعامل التخييل‪ ،‬وهي جمل ٌة‬
‫ٌ‬
‫دخوال سويّا لعامل الرواية‪ ،‬وغنمت بعضا من حقائق ال ّتاريخ ورسديّاته‪.‬‬
‫جمل ٌة لو اقتطعتها ‪-‬هكذا وكام هي‪ -‬من‬
‫سياقها الرسدي التخيي ّيل‪ ،‬وق ّدمتها للعموم‬
‫سيفهم كنهها البعض ويرا َها ترقى إىل ّ‬
‫مصاف‬
‫األمثال الخالدة‪ ،‬وسيقف كثريون أمامها وقفة‬
‫حائر غري مدرك بخفاياها وإ ْن أدرك َم ْعلَ ِم ّيتَ َها‬
‫(‪ )monumentalité‬األسلوب ّية‪ ،‬من هم الذين‬
‫«خرجوا»؟ وما «مهرجان بناء الدول» هذا؟‬
‫وما «لوزان»؟ وما ُخفَّا َها؟ ولو تركت الجملة‬
‫كام هي‪ ،‬يف سياقها ذاك‪ ،‬فلن يختلف األمر‬
‫كثريا‪ ،‬سيظلّ فَا ِه ُم َها مدركًا أهم ّيتها ف ّنا وفكرةً‪،‬‬
‫ويظلّ من َ‬
‫فحسب مأخوذا ِب َها وقد‬
‫أدرك جَماَ ل َها‬
‫ُ‬
‫يس َعى إىل البحث عماّ وراء الجام ِل من ال ِف َك ِر‬
‫وقد ال يسعى‪ ،‬وقد يسعى فيظفر بضالّته وقد‬
‫ال يظفر‪.‬‬
‫جملة واحدة‪ ،‬ولك ّنها ثرثارة منّا َم ٌة تفتح الباب‬
‫عىل مرصاعيه أمام الخوض –ولو جزئ ّيا‪ -‬يف‬
‫مسألة التلقّي والبحث يف املتلقّي‪ :‬املتلقي‬
‫رسمت يف ذهني تخطيطا لهذا‬
‫لهذه الرواية‪.‬‬
‫ُ‬
‫املتلقّي من خالل تلقّيه فقط لهذه الجملة‪ .‬من‬
‫يكون هذا املتلقي؟ ما ثقافته؟ ما هواجسه؟ ما‬
‫معرفت ُه؟ ما استعداده لتلقي املعرفة؟ ما درجة‬
‫تفاعله مع أناس ال يعرفهم ولك ّنه بات يعرف‬
‫–وهو يقرأ هذه الرواية‪ -‬أنّهم يتعذّبون؟ هل‬
‫سيظلّ أسري فتنة الف ّن أم سيتخطّا َها ليدرك‬
‫أ ّن الشخص ّيات لنئ كانت «ورق ّية» فإ ّن معاناة‬
‫البرش ال ميكن أن تكون «ورق ّية»؟‬
‫ليك ْن هذا التخطيط‪:‬‬
‫متلق يقرأ هذه الجملة وال يلتفت أبدا إليها‬
‫‪ّ 1‬‬‫وال تثري فيه أي رغبة يف معرفة يشء ما أيّا كان‪.‬‬
‫متلق يقف أمام هذه الجملة‪ ،‬وهو ال يعرف‬
‫‪ّ 2‬‬‫«لُوزان»‪ ،‬فيخالها مثال «لوز» يف صيغة املث ّنى‪،‬‬
‫وألن معارفه اللغوية قد تكون محدودة ال‬
‫يفطن إىل أن الجملة ال تستقيم ضمن املركّب‬
‫اإلضايف وإال لكانت «بخفي لو َزيْن»‪ ،‬ث ّم إ ّن‬
‫مفردة «لوز» من املر ّجح –كام تشري بعض‬
‫املراجع اللغويّة‪ -‬أنّها ال تتغيرّ يف صيغة املث ّنى‬
‫والجمع وتبقى كام هي‪« :‬لوز»‪.‬‬
‫‪ 3‬متلق تكون له معارف لغويّة كربى بحكم‬‫االختصاص ‪-‬مثال‪ -‬وهو ال يعرف «لُوزان» كذلك‪،‬‬
‫ويحسب أيضا أن املقصود هو «لوز» يف صيغة‬

‫املثنى‪ ،‬فيفطن إىل الخطإ اللغوي ولك ّنه يعزو‬
‫ذلك إىل أن الكاتب كورد ّي ويكتب بلغة غري‬
‫لغته األم وبالتايل من املمكن أن تكون له عرثات‬
‫لغويّة‪.‬‬
‫متلق يعرف الكاتب‪ ،‬ويعرف أنه يجيد‬
‫‪ّ 4‬‬‫العرب ّية ومولع بها كام يجيد لغته األ ّم ولغات‬
‫أخرى يرتجم منها وإليها‪ ،‬فال يخطر بذهنه‬
‫مطلقا أن تصدر عنه مثل هذه العرثات اللغويّة‪،‬‬
‫ولك ّنه ال يعرف «لوزان» وير ّجح –مثال‪ -‬أنه‬
‫اسم علم كورد ّي وأ ّن الكاتب عمد إىل «تكريد»‬
‫(‪ )kurdisation‬املثل املعروف «جاء بخف ّْي‬
‫ح َنينْ »‪.‬‬
‫متلق يعرف «لوزان»‪ ،‬ورمبا يكون زارها‬
‫‪ّ 5‬‬‫أصال‪ ،‬أو له صحب أو أهل أو خالن فيها‪ .‬ولكنه‬
‫رس‬
‫ال يكلف نفسه حتى عناء التساؤل عن ّ‬
‫وجود «لوزان» يف هذا السياق السرّ دي ال ّروايئ‪.‬‬
‫متلق يعرف «لوزان» ويتساءل عن رس‬
‫‪ّ 6‬‬‫وجودها يف ذلك السياق‪ ،‬ولك ّنه ٍ‬
‫منتش بقراءة‬
‫رس وينهمك‬
‫الرواية‪ ،‬فريجئ البحث عن هذا ال ّ‬
‫يف القراءة وينىس األمر‪.‬‬
‫متلق يعرف «لوزان»‪ ،‬ويستطرف «الطّرس»‬
‫‪ّ 7‬‬‫(‪ )palimpseste‬يف عبارة «خفّي لوزان» التي‬
‫تعود بنا إىل ذاكرة اللغة فنستذكر –كام أسلفنا‪-‬‬
‫«جاء بخفّي حنني»‪ .‬ويظل عىل حاله منتشيا به‬
‫ال يتق ّدم خطوة‪.‬‬
‫متلق يعرف «لوزان» ويستطرف «الطّرس»‬
‫‪ّ 8‬‬‫رسا وراءه‪ ،‬فيفتح «غوغل»‬
‫ولكنه يستشعر أ ّن ّ‬
‫ويبحث‪ ،‬ويظل يبحث‪ ،‬ولكنه ال يعرث عىل يشء‬
‫ذي بال‪ ،‬ألنه غفل عن كون الكاتب كورديّا‬
‫ويحيك تاريخ الكورد‪ ،‬فلم يكتب مثال‪« :‬لوزان‬
‫والكورد» (أو «األكراد» وهي تسمية ال أستعملها‬
‫ألن غالبية «الكورد» ال يحبونها ألسباب يطول‬
‫رشحها وليس هذا مجال الخوض فيها)‪.‬‬
‫متلق يعرف «لوزان»‪ ،‬ويستطرف «الطرس»‪،‬‬
‫‪ّ 9‬‬‫رس ويفطن إىل أن الكاتب كورد ّي‬
‫ويستشعر ال ّ‬
‫ويحيك تاريخ الكورد‪ ،‬ويبحث يف «غوغل» عن‬
‫ضالته فيجدها‪.‬‬
‫متلق شاءت األقدار أن يكون عليام بتاريخ‬
‫‪ّ 10‬‬‫الكورد (يكون مثال قد قرأ كتاب «األكراد تاريخ‬
‫شعب وقضية وطن» ألحمد تاج الدين) فيعرف‬

‫أن هذه الجملة هي مفتاح الرواية‪ ،‬وربمّ ا اعترب‬
‫ذلك نوعا من «االستباق» (‪ )prolepse‬ينكشف‬
‫من خالله ما سيأيت به قادم األحداث يف الرواية‪.‬‬
‫متلق قرأ سابقا لنفس الكاتب‪ ،‬جان‬
‫‪ّ 11‬‬‫دوست‪ ،‬رواية «ثالث خطوات إىل املشنقة» التي‬
‫وردت فيها عبارة مشابهة تقطر شعريّة‪« :‬إنه‬
‫حجر لوزان‪ .‬الحجر الذي هشم مزهرية سيفر»‪،‬‬
‫فيقرأ الجملة التي نحن بصدد الخوض فيها عىل‬
‫نص آخر موا ٍز (‪ )épitexte‬لنفس الكاتب‬
‫ضوء ّ‬
‫ويفطن إىل أنه صاحب مرشوع يف الكتابة وهو‬
‫يكتب من خالل هذا املرشوع‪.‬‬
‫«لوزان»‪ ،‬معاهدة «لوزان» (‪ )1923‬ليست‬
‫مفتاحا لرواية أدب ّية قوامها «التخييل» و»العوامل‬
‫املمكنة» إلخ‪ ..‬هي مفتاح لرسدية تاريخ ّية‬
‫مثخنة بالجراح من املظامل تلو املظامل مازال‬
‫وأنصت إىل‬
‫يعيشها شعب لو تأملت تاريخه‬
‫ّ‬

‫ف ّنه واطلعت عىل ثقافته واقرتبت منه ستح ّبه‬
‫وتحب أن تربطك به رابطة أخويّة ال تنفصم‬
‫ّ‬
‫عراها‪ ،‬إنه الشعب الكوردي‪.‬‬
‫لوزان‪ ،‬كانت «الح َج َر الذي هشّ م املزهريّة»‪.‬‬
‫جاءت معاهدة لوزان لتقيض عىل أمل الكورد‬
‫يف نيل حقّهم اإلنساين يف تقرير املصري اتّصاال‬
‫أو انفصاال‪ ،‬جاءت لترضب بنود معادة «سيفر»‬
‫الحق‪ ،‬إال أ ّن قوى البغي‬
‫(‪ )1920‬التي تق ّر بهذا ّ‬
‫يف العامل وتخاذل األصدقاء التقيا معا ليخطّا‬
‫مصريا مجهوال لشعب برمته ظلّ يتو ّجع إىل‬
‫اليوم‪.‬‬
‫كلّام تح ّدثت إىل كورد ّي أحسست بوخز يف‬
‫الضمري ألين أراه يغرتب يف اللغة العربية وهو‬
‫يخاطبني بها‪ ،‬وتساءلت مل ال يكون األمر‬
‫عيني صديق كوردي‬
‫معكوسا‪ .‬كلّام نظرتُ يف ْ‬
‫رأيت وجع القرون يف قرن ّيتهام‪ ..‬وتش ّوفت املجد‬
‫شمت صباحه» كام قال أبو‬
‫«ومن وراء الغيوم ُ‬
‫القاسم الشايب‪.‬‬

‫‪15‬‬

‫ما افرتقنا‬
‫شعر عيل مسعود‬

‫ما افرتقنا‬
‫غري إنّا ما شدونا ما عدونا‬
‫الكف أزهار اللّقاء‬
‫ما منت يف ّ‬
‫ما ابتعدنا ما اقرتبنا‬
‫ما انحنينا نجمع األصداف نحيك للمساء‬
‫ما افرتقنا بل وهبنا القلب أكواب السكون‬
‫وأباريق الظنون‬
‫وشظايا الذكريات‬
‫كم منا موج الجدائل‬
‫مثل أيّامي البعيدة‬
‫مثل ليل يحتيس وجه القمر‬
‫وحرويف يف انتشاء‬
‫تنتقي أفراح همسك‬
‫مثل ح ّبات املطر‬
‫كم نأت أبراج ثغرك‬
‫فأناجيها قليال‬
‫بوصال مستعر‬
‫بحرير األغنيات‬
‫بخطى مالت تهادت‬
‫راقصت نبض الوتر‬
‫ما افرتقنا‬
‫بل منحنا الشمس أرسار الرساب‬
‫وتناثرت هشيام‬
‫تحت ريح من عتاب‬
‫والتحفنا كالحيارى بتجاعيد القدر ‪.‬‬

‫الخميس ‪ 26‬ديسمرب ‪ - 2019‬املوافق لـ ‪ 7‬ربيع الثاين ‪ 1441‬هـ ‪ -‬العدد ‪82‬‬

‫حوار أدبي مع الشاعرة منى الرزقي‬

‫الشعر لسان حالنا ومالذنا وتعبري‬
‫عن خيبات أوطاننا‬
‫تعترب التجربة الشعرية التونسية‬
‫الحديثة متطورة والفتة ‪ ،‬وقد حققت‬
‫أسامء كثرية مت ّيزها وأثبتت تف ّوقها و‬
‫فرادة تجربتها خارج الوطن ويعترب فوز‬
‫الشاعرة التونسية الشابة منى الرزقي‬
‫بالجائزة األوىل لإلبداع العريب يف مجال‬
‫الشعر عن اإلصدار األ ّول «للياسمني‬
‫نهايات أخرى» والتي تنظّمها دائرة‬
‫الثقافة بالشارقة رشفا لتونس وتف ّوقا‬
‫للشعر التونيس ومت ّيزا للشاعرة القادمة‬
‫من الرسس ‪،‬مدينة األساطري واألحالم‬
‫التي أنجبت عددا مهام من املبدعني‬
‫الكبار يف شتى املجاالت والقابعة يف‬
‫صمت عىل تخوم الكاف‪ ،‬مع هذه‬
‫الشاعرة املتم ّيزة كان ملنارات هذا‬
‫اللقاء الخاطف (رشيدة الشارين )‬

‫‪ 1‬ـ فزت بجائزة الشارقة‬
‫لإلبداع العربي في‬
‫مجال الشعر‪ ،‬المركز‬
‫األوّل عن اإلصدار‬
‫األوّل ‪ ،‬ماذا يم ّثل لك‬
‫هذا الفوز ؟‬
‫جرت العادة أن يقع تكريم الشعراء‬‫والكتّاب الذين بلغوا مكانة كبرية ولكن‬
‫هذه الجائزة اهتمت أساسا بالذين‬
‫مل يطبعوا كتابهم األ ّول بعد وذلك‬
‫ما مينحها قيمة حقيقية ‪ ،‬هذا الفوز‬
‫مكّنني من االنتهاء من مخطوطي األ ّول‬
‫وطباعته من جهة ومن جهة أخرى‬
‫جعلني أؤمن أنّه بإمكاين الذهاب‬
‫بقصيديت إىل أفق أرحب ‪.‬‬

‫‪ 2‬ـ شارك في الدورة‬
‫شعراء من بلدان عربية‬
‫عديدة‪ ،‬هل يمكن‬
‫أن نتحدّث عن الشعر‬
‫كضرورة في هذه‬
‫الفترة المتوترة ؟‬
‫يجب الحديث عن الشعر كرضورة‬‫يف هذه الفرتة ويف غريها من الفرتات‬
‫‪ ،‬نحن بحاجة دامئة وأكيدة للشعر‬
‫ألنّه لسان حالنا ومالذنا باعتباره أحد‬
‫الحب‬
‫أه ّم أشكال التعبري عن الجامل و ّ‬
‫والحرب وخيبات أوطاننا التي ال تنتهي‪.‬‬

‫‪ 3‬ـ يحيل عنوان أثرك‬
‫«للياسمين‬
‫الفائز‬
‫نهايات أخرى « على‬
‫الثورة التونسية ‪ ،‬هل‬
‫هو تعبير عن خيبة ؟‬
‫نعم يف العنوان ما يحيل عن الخيبة‬‫والنهايات الال متوقّعة واملباغتة‬
‫والثورات املخ ّيبة آلمال الشعب الذي‬
‫ثار ض ّد الجوع أصبح اآلن أكرث جوعا‬
‫مام كان عليه يف السابق حادت ثورته‬
‫عن مسارها لك ّن األمل يجب أن يظلّ‬
‫ح ّيا دامئا ‪.‬‬

‫‪ 4‬ـ ما هي أهمّ‬
‫التجارب الشعرية التي‬
‫تأثرت بها ؟‬
‫تأثرت بتجربة بدر شاكر السيّاب ‪،‬‬‫محمود درويش وسعدي يوسف ‪.‬‬

‫‪ 5‬ـ تقيمين بمدينة‬
‫السرس من والية‬
‫الكاف ‪ ،‬ما سرّ هذه‬
‫المدينة العريقة التي‬
‫أنجبت عددا مهمّا من‬
‫المبدعين ؟‬

‫لقد أنجبت الرسس العديد من‬‫رس‬
‫املبدعني يف مجاالت مختلفة ‪ ،‬يظلّ ّ‬
‫هذه املدينة خف ّيا لكنها ما تزال تسقينا‬
‫ماء الشعر وتهبنا أرساره وخفاياه ‪.‬‬

‫‪ 6‬ـ كيف ترين مدينتك‬
‫اآلن ؟‬
‫أحب هذه املدينة وأتنفّس بصعوبة‬
‫ّ‬
‫خارج أسوارها ‪ ،‬هنا كتبت قصائد‬
‫ديواين وهنا أيضا أشتغل بهدوء عىل‬
‫أعاميل القادمة ‪.‬‬

‫‪ 7‬ـ كيف تقيّمين‬
‫حضور المرأة التونسية‬
‫بعد الثورة ؟‬
‫ـ بعد الثورة أصبح للمرأة التونسية‬
‫حضور حقيقي وفاعل ‪ ،‬سابقا كان‬
‫حضورها مج ّرد شعارات زائفة من‬
‫أجل تكوين صورة مرشذفة لتونس‬
‫يف الخارج ‪ ،‬املرأة اليوم تشارك وتبدع‬
‫بحريّة ‪.‬‬

‫‪ 8‬ـ ما هو مشروعك‬
‫اإلبداعي القادم ؟‬
‫ـ أنهيت مجموعتي الشعرية الثانية‬
‫وسوف أنرشها قريبا ‪.‬‬

‫‪16‬‬

‫الخميس ‪ 26‬ديسمرب ‪ - 2019‬املوافق لـ ‪ 7‬ربيع الثاين ‪ 1441‬هـ ‪ -‬العدد ‪82‬‬

‫دارات‬

‫إص‬

‫مكتبة منارات ‪ :‬بقلم سعدية بن سالم‬

‫السنة اإلدارية ثالثة نصوص كالعادة‪ .‬نصوص تبحر يف مجاالت اإلبداع والجامل واألدب املتن ّوعة‪ .‬نصوص تنشئ الجامل أو تتحدث عنه فتنشئ جامال آخر ال يقل طرافة‪.‬‬
‫نقدّم يف آخر عدد لهذه ّ‬
‫نقدّم يف هذا العدد‪ ،‬أربع ساعات يف مطار قرطاج للهادي الخرضاوي وهي رواية تسيّج لنفسها زمانا ومكانا وتنشئ عاملا ضمنهام ث ّم قراءة يف العامرة الرسيالية لشاكر لعيبي وهي نحت آخر يف الجامل‪ ،‬ث ّم رواية الدّجال لشوقي الصليعي وهي مجمع‬
‫لألمناط وملصادر الجامل‪.‬‬

‫أربع ساعات في مطار قرطاج للهادي الخضراوي‬

‫رواية يف ‪ 200‬صفحة صادرة يف طبعتها األوىل‬
‫يف نوفمرب ‪ ،2019‬جميع حقوقها محفوظة‬
‫للمؤلّف رواية تحدّد زمانها ومكانها منذ‬
‫العنوان‪ ،‬مكان ال يغادر بهو االنتظار يف املطار‬
‫وزمان ال يتجاوز حدود ما طرأ من خطب‬
‫عطّل مسار األحداث املفرتضة يف سلّم الرتتيب‬
‫العادي (أربع ساعات)‪ ،‬وتعلن‪ ،‬يف انطباع أ ّويل‪،‬‬
‫أنها ستكون رواية الفضاء الواحد‪ ،‬لك ّنه فضاء‬
‫متّسع يف مستوى الحجم‪ ،‬مطار ويف مستوى‬
‫الشخصيات التي توجد فيه رضورة‪ ،‬تلك‬
‫الشخصيات التي الب ّد لها من فضاءات تحملها‬
‫معها أنىّ ذهبت‪ .‬ولذلك بنى الروايئ الهادي‬
‫الخرضاوي عمله عىل الشخصيّات وحكاياتها‬
‫املختلفة‪ ،‬حكايات تنش ّد بخيط رقيق إىل‬
‫حكاية املطار التي تُقدح بإعالن مفاجئ عن‬
‫توقف الرحالت دون إبداء سبب واضح لذلك‪.‬‬
‫يف ذاك االنتظار الذي أعقب اإلعالن عن توقف‬
‫تطل الحكايا وتتن ّوع وهي تنقسم‬
‫الرحالت ّ‬
‫يف زمانها ونوعها صنفني‪ ،‬حكايات قبل إعالن‬

‫سامي الغروزناوي عن نيته يف تفجري الحقيبة‬
‫الغريبة وحكايات بعد اإلعالن‪.‬‬
‫ميكننا تفكيك الرواية إىل حكايتني إطاريتني‬
‫وحكايات متض ّمنة‪ ،‬الحكاية إطارية كربى هي‬
‫حكاية تعطّل العمل يف املطار والحديث عن‬
‫إرضاب فجئي للعامل انج ّر عنه الدخول يف‬
‫مفاوضات مع املسؤولني وتعطيل ملصالح‬
‫املسافرين‪ ،‬وحكاية إطارية ثانية هي حكاية‬
‫سامي الغروزناوي صاحب الحقيبة املهملة‬
‫التي تبني فيام بعد أنّها تحوي قنبلة أراد‬
‫تفجريها يف الطائرة املتجهة إىل روسيا وحني‬
‫تأ ُخ ٍر لإلقالع إىل موعد غري محدّد وانكشف‬
‫أمر الحقيبة أو كاد ق ّرر تغيري الخطة وتفجري‬
‫الحقيبة يف املطار وبني اإلعالن عن تفجري ن ّية‬
‫تفجري الحقيبة وموعد تفجريها ينقل ال ّراوي‬
‫الذي اختار التح ّرك بني مجموعة من املسافرين‬
‫وأخرى دون أن يغيرّ يف محتوى ما يرويه‬
‫«املسافرون»‪ ،‬وبعد أن كانوا يع ّرفون بأنفسهم‬
‫أصبحوا يكتبون وصايا ويرتكون اعرتافات‬

‫ومنهم من خيرّ التشبّث بالحياة إىل آخر رمق‬
‫طردا للخوف وإرصارا عىل الحياة‪ ،‬يقول رؤوف‬
‫الصفحة الثالثة واألربعني بعد املائة‪:‬‬
‫مراد يف ّ‬
‫الصامت الالّمريئ‬
‫«ال أريد أن أرى هذا الخوف ّ‬
‫يحوم فاحذروه فهو أكرث خطورة وبأسا من‬
‫جميع أصناف الخوف‪ .‬إ ّن من ّوه أشبه بنم ّو ح ّبة‬
‫البطاطا تحت األرض هو يف آن واحد البذرة‬
‫والجذر والجذع والثّمرة‪».‬‬
‫يختلف حضور الشخصيات يف ال ّرواية فاعلية‬
‫وعددا‪ ،‬فالشاب الوسيم سامي الغروناوي‬
‫الذي كان يف البدء اسام من قامئة أسامء‬
‫أخرى يقدّم نفسه عىل أنّه مهندس يف مجال‬
‫األمن املعلومايت يتبينّ مع تقدّم ال ّرواية‪ ،‬أنّه‬
‫إرها ّيب خطر ويتح ّول إىل شخص ّية مح ّركة‬
‫لألحداث ومتحكمة بشكل ما يف ما تقوله بقية‬
‫الشخصيات وما تفعله‪ .‬كيف ال وهو القادم من‬
‫مجاهل االنتقام امليلء بالكراهية والقدرة عىل‬
‫األذى‪ .‬سامي الغروزناوي املاسك بآلة التحكم‬
‫يف القنبلة املوضوعة يف الحقيبة والقادرة عىل‬

‫تفجري الجميع شخصيّة من شخصيات قليلة‬
‫نامية يف هذه ال ّرواية وفاعلة‪.‬‬
‫خصص ال ّروايئ لشخصيات ِذكرا واحدا( لطفي‬
‫ّ‬
‫وخصص ألخرى‬
‫السعدي وزينب البستانجي‪ّ )..‬‬
‫ّ‬
‫أكرث من ِذكر عىل غرار (إياد الربجي وزياد‬
‫الربجي وأرشف غزال وهاين طاهر‪ ،)..‬شخصيات‬
‫رغم الخطر املحدق كانت تخطّط لغدها إن‬
‫أُسعفت بالحياة وهي التي واجهت املوت أكرث‬
‫من م ّرة لنكتشف واقع املوت املرتبّص يف ّكل‬
‫زوايا املدينة‪.‬‬
‫عمل‪ ،‬كرس به هادي الخرضاوي منط ال ّرواية‬
‫وأطل عىل بناء آخر ممكن دون‬
‫الكالسيكيّة ّ‬
‫إغفال لقضايا التي تعالجها ال ّرواية دون سقوط‬
‫يف املبارشت ّية‪.‬‬
‫خالف البناء التقليدي بتقليص مساحة السرّ د‬
‫وفسح املجال لشخصيات مختلفة لرسد‬
‫حكاياتها القصرية التي ال رابط بينها يف الواقع‬
‫غري أ ّن اإلطار املكاين وطبيعة الشخصيات‬
‫املوجودة فيه تجعل هذا النمط التسجييل‬

‫مناسبا لواقع الحال‪ ،‬منط تسجييل يحيل فيه‬
‫الروايئ ينتقل فيه الروايئ بني املمكن واملتخ ّيل‪،‬‬
‫ممكن يف الشخصيات القامئة ومتخيل يف‬
‫الشخصيّة القادمة من املستقبل تبحث عن‬
‫دليل براءتها‪ .‬ويحيل فيها عىل أمراض تنخر‬
‫املجتمع وتهدّد بتقويضه مثل الخيانة وتدهور‬
‫الخدمات الصح ّية وهجرة األدمغة وتهميش‬
‫الشباب والكفاءات وبؤس اإلنسان واإلرهاب‬
‫باعتباره الخطر األكرب املناهض للحياة‪.‬‬
‫رواية أخرى تضاف إىل املكتبة التونس ّية تتم ّيز‬
‫بعمق طرحها وطرافة بناءها وسهولة تلقيها‪.‬‬

‫شاكر لعيبي‪ :‬العمارة السريالية‬
‫قراءة معمارية جمالية في عمارة مطماطة وتطاوين ونفوسة‬
‫ضمن سلسة فنون صدرت عن دار ديار‬
‫للنرش والتوزيع تونس ‪ ،2018‬دراسة للشاعر‬
‫والجامعي شاكر لعيبي اختار لها «العامرة‬
‫الرسيالية» عنوانا أصليا و»قراءة معامريّة‬
‫وجاملة يف عامرة مطامطة وتطاوين وجبل‬
‫نفوسة» عنوانا فرعيا وقد قام العنوان عىل‬
‫عالقة تفسريية تجيل بعض غموض عن العنوان‬
‫األصيل وتحدّد مجال القول يف العنوان الثاين‬
‫وتحرصه‪.‬‬
‫يستدرج لعيبي منذ البداية الذّهن للبحث‬
‫يف عالقة السرّ ياليّة باملعامر وهي التي كانت‬
‫حركة فكرية ثقافية فنيّة فوق واقعيّة تنظر‬
‫يف التشكيل النفعي للمنتج الفني دون‬
‫اخذ باالعتبار‪ ،‬أو هذا ما تعلن عنه‪ ،‬املسألة‬
‫الجامليّة يف ذاتها‪.‬‬
‫تقع القراءة يف ‪ 272‬صفحة وتتك ّون من مقدّمة‬
‫وخمسة أقسام إضافة إىل مجموعة من املالحق‬

‫الصفحتني ‪.230-262‬‬
‫بداية بني ّ‬
‫خصص األستاذ لعيبي مقدّمة كتابه إىل يف‬
‫ّ‬
‫حيّز كبري منه إىل العالقة بني الشّ عر واملعامر‬
‫وقد اختار عنوانا «الخيال يف الشّ عر والخيال‬
‫يف ال ِعامرة» وتساءل يف مفتتحها «هل ميكن أن‬
‫تكون العامرة نوعا من الشّ عر باملعنى األقرب‬
‫إليه‪ ،‬وليس يف إطار (الشّ عريّة) و(الوظيفة‬
‫الشّ عريّة)‪ .‬ومبعنى امتالك العامرة لطاقة‬
‫الصورة واملخ ّيلة وتنبثق من طبقات‬
‫تستحدث ّ‬
‫املنطقي‪ ،‬ال ّنرثي‪ ،‬العقالين‪ ،‬بل يف نطاق‬
‫الوعي‬
‫ّ‬
‫تحديد ممكن للشّ عر املنهمك بشكل ال ّرسالة‬
‫وعىل الدّوا ل ‪ signifiant‬وليس املدلوالت �‪si‬‬
‫‪ gnifié‬عىل ما يقول جاكوبسون‪( .‬ص‪.)9‬‬
‫إ ّن العالقة بني الشّ عر واملعامر هي عالقة بناء‬
‫وحلم وخيال قبل الكون وبعده‪ ،‬وهام يلتقيان‬
‫عند شاكر لعيبي يف عالقتهام بالسرّ ياليّة‬
‫يقول يف الشّ عر» يف الشّ عر هناك دوما يشء‬

‫من االستعارة أو أ ّن القصيدة نفسها هي‬
‫استعارة مط ّولة أحيانا» ويقول يف املعامر‪« :‬إ ّن‬
‫بنية معامريّة مهام كانت منطقيّة وهندسيّة‬
‫ورياضيّة فإنّها ستقرتب عىل يد معامر ّي مبدع‬
‫معارص من حقول الخيال العريضة‪.)10( .‬‬
‫الخيال هو القاسم املشرتك األ ّول بني الشّ عر‬
‫رسي‬
‫واملعامر‪ّ ،‬‬
‫والصورة املتخيّلة هي الحبل ال ّ‬
‫الواصل بينهام‪.‬‬
‫لنئ كانت أقسام القراءة عمال تطبيقيا‬
‫استدالليا يستند إىل مناذج منجزة من العامرة‬
‫فإ ّن املقدّمة مثلت مهادا نظريّا متامسك‬
‫الطّرح يضع الشعر يف تقاطع مع العامرة يقول‬
‫الكاتب‪« :‬أن يضع املرء الشعر يف مواجهة‬
‫وتقاطع مع العامرة بالشّ كل الذي نضعه فيه‬
‫الصورة ‪développer‬‬
‫يريد فحسب (تظهري ّ‬
‫‪ )l’image‬بتناقضاتها ومفارقاتها‪ .‬وال يستهدف‬
‫للصورة التي متتلك مثل أ ّي صورة‬
‫متزيقا ّ‬

‫وحدة داخل ّية مهام كانت حدّة التناقضات‬
‫بني عنارص تكوينها‪ .‬يتواجه ف ّن الشّ عر مع ف ّن‬
‫العامرة أحيانا مبرارة لك ّنهام يتقاطعان بجسارة‬
‫وبطريقة غري متوقّعة‪.)15-16( .‬‬
‫خصص شاكر لعيبي القسم األ ّول من قراءته‬
‫ّ‬
‫ملطامطة فوسم القسم بالعامرة تحت –‬
‫وخصص القسم الثاين‬
‫األرضيّة يف مطامطة‪ّ .‬‬
‫لقصور تطاوين (العامرة الحلميّة‪ ،‬قصور‬
‫تطاوين)‪ .‬أ ّما القسم الثالث فكان لعامرة حرب‬
‫النجوم‪ ،‬قرص الحدادة وقرص أوالد دبّاب‪ّ ،‬ما‬
‫القسم الرابع فاعتنى فيه صاحبه بحفريات‬
‫الالوعي ومتثّل لذلك بقرص نالوت وقرص كاباو‬
‫وقرص الحاج وقرص بن نريان ومنازل الجبل‬
‫الغريب ولغرف القصور وللمقارنة بني قصور‬
‫الطّني املغربيّة وعامرة الجزيرة العربيّة‪.‬‬
‫خصصه‬
‫أ ّما القسم الخامس واألخري فقد ّ‬
‫للوحدة اللّونية ورمزيّة التمثالت‪.‬‬

‫كتابة حاملة وقراءة تعكس متثال جامل ّيا‬
‫مخصوصا لفعل الكتابة يبحث يف خباياها وإن‬
‫أوهم بالبعد عن مشغل الجامل‪.‬‬

‫الدجال لشوقي الصليعي‬
‫رواية ّ‬
‫عن دار زينب للنرش والتوزيع‪ ،‬صدرت‬
‫رواية الد ّجال لصاحبها جامل الصليعي يف‬
‫طبعتها األوىل بعنوان سنة ‪ ،2019‬استهل‬
‫الروايئ عمله بإهداء إىل روح أ ّمه ث ّم‬
‫بتصدير آلنا أخامتوفا تقول فيه‪« :‬هكذا‬
‫الحب‪ :‬تارة يتل ّوى كمثل أفعى وميارس‬
‫هو ّ‬
‫سحره يف أنحاء القلب وطورا يهدل كياممة‬
‫الحب‪:‬‬
‫عىل حافة نافذيت البيضاء‪ .‬هكذا هو ّ‬
‫قد يربق عىل الجليد املتأللئ أو يرتاءى يل يف‬
‫غفوة القرنفلة‪ ،‬لك ّنه بعناد وصمت يخطف‬
‫م ّني راحة البال‪ .‬أسمعه ينتحب برقّة يف‬
‫صالة كامين املعذّب وكم أخاف حني يعلن‬
‫قدومه يف ابتسامة رجل غريب»‪.‬‬
‫عىل امتداد ‪ 304‬صفحة و‪ 42‬فصال‪ ،‬رسم‬
‫شوقي الصليعي بالكلامت مسار الحكاية‪،‬‬

‫حكاية الفن والجامل واألدب‪ ،‬وما بدء‬
‫روايته بفصل الشاعرة إالّ دليل عىل حرص‬
‫ال ّروايئ عىل التح ّرك ضمن فضاء جام ّيل‬
‫يجمع سائر الفنون‪ .‬لذلك ال نستغرب يف‬
‫الفصل األخري حني يقول‪ :‬يتأرجح هاشم بني‬
‫بالغة اللغة وبالغة األلوان‪ ،‬حامال ذكرياته‬
‫القريبة البعيدة سلساال من املشاعر لتي ال‬
‫وجدود لها خارج منت الفنون وكلّام فرغ‬
‫من ملحمة ط ّوحت به التجربة التي ال‬
‫تهدا يف بحر من التجارب التي ال تنتهي‬
‫يحس منذ زمن بعيد برغبة جامحة يف‬
‫وهو ّ‬
‫تحويل حياته من صباغ الفرشاة ومعارض‬
‫تشكيليّة إىل كلامت درامية تعكس مسريته‬
‫الفن ّية‪ .‬كان يرجو أن يستفيد من حافظته‬
‫الشعريّة الواسعة وخياله الف ّياض يف كتابة‬

‫تجسد جوهر وجوده‪».‬‬
‫رواية عجائبية‬
‫ّ‬
‫فقرة تختزل مالمح فنان يجمع بني الشعر‬
‫والقصة القصرية والفن التشكييل والرواية‪،‬‬
‫ّ‬

‫ال ّرواية حماّ لة األمناط صاهرة بعضها‬
‫ببعض‪ .‬أمناط تظهر لفظا (يف العناوين)‬
‫وتظهر شعرا‪:‬‬
‫بنت النخلة‬
‫قُ ّننت يف ال ُعلب‬
‫فازت عىل الصفراء‬
‫بنت العنب‪.‬‬
‫وتقول إحدى شخصياته «وترنمّ ت ببيت‬
‫للفيتوري‪:‬‬
‫يف حرضة من أهوى‬
‫لعبت يب األشواق‬
‫حدّقت بال عني ورقصت بال ساق‬
‫وزحمت بطبويل ورايايت اآلفاق‬
‫مملوكك ولك ّني سلطان العشاق» (‪)72‬‬

‫الصليعي‪،‬‬
‫وتظهر رسام بالكلامت‪ ،‬فشوقي ّ‬
‫وهو يرسدُ‪ ،‬يكثّف من املشاهد الوصف ّية‬
‫وكأنه يشكل باأللوان والخطوط ال باللفظ‬
‫أو هو يجعل من اللفظ خطوطا متناسقة‪،‬‬
‫الساعة‬
‫يقول عىل سبيل املثال‪« :‬يف تلك ّ‬
‫املتأخّرة من اللّيل‪ ،‬كان الهدّاجي يخطو يف‬
‫املاء حني يلتصق رسواله بهيكله العظمي‬
‫وهو يختلج من الربد لك ّنه يكافح للوصول‬
‫الصخرة والتيّار يتالعب به فيتشبّث‬
‫إىل ّ‬
‫بحراشفها املدبّبة ويرشع يف تسلّقها بدبيب‬
‫السلطعون‪.‬‬
‫واثق وبطيء كدبيب ّ‬
‫و ّيف لعامله الروايئ ولعالقته باملشاهد وبعامل‬
‫األساطري يف سبيل خلق أسطورته الروايّة‬
‫الصليعي رواية الد ّجال‪.‬‬
‫يكتب شوقي ّ‬




Télécharger le fichier (PDF)

منارات ديسمبر 2019.pdf (PDF, 10.1 Mo)

Télécharger
Formats alternatifs: ZIP







Documents similaires


article arss 0335 5322 1977 num 14 1 2554
so14 p2 mauss
8 les cadres de l incorporation faure
watine pierre bourdieu et les me dias
pierre bourdieu l identite et la representation Elements pour une reflexion critique sur l idee de region 2
questions de sociologie