منارات فيفري 2020 .pdf



Nom original: منارات فيفري 2020.pdf

Ce document au format PDF 1.4 a été généré par Adobe InDesign CS5 (7.0) / Adobe PDF Library 9.9, et a été envoyé sur fichier-pdf.fr le 08/03/2020 à 12:18, depuis l'adresse IP 197.31.x.x. La présente page de téléchargement du fichier a été vue 362 fois.
Taille du document: 11 Mo (16 pages).
Confidentialité: fichier public


Aperçu du document


‫حوار العدد مع المفكر حسن عجمي‬

‫يستحيل تحقيق الديمقراطية الحقيقية يف العا َلم العربي بسيادة السوبر تخ ّلف‬
‫املتجسّد بتطوير األميّة والتخلف كاستغالل التكنولوجيا لنشر الجهل و التجهيل‪.‬‬

‫الملحق الثقافي لجريدة الشعب‬

‫تفرق دمه بين القبائل‬
‫محمد الجابلّ‬

‫رؤى حول» الربيع العربي» !‬

‫الخميس ‪ 27‬فيفري ‪ - 2020‬املوافق لـ ‪ 3‬رجب ‪ 1441‬هـ ‪ -‬العدد ‪84‬‬

‫محمد صالح التومي ـ املعرويف‪.‬‬

‫المركب عند إدغار‬
‫الفكر ّ‬
‫ً‬
‫فلسفة ومنهجا (ج‪)1‬‬
‫موران‬
‫املنترص الحميل‬

‫يف وجه احلاجة‬
‫إىل العلوم اإلنسانية‬

‫‪2‬‬

‫الخميس ‪ 27‬فيفري ‪ - 2020‬املوافق لـ ‪ 3‬رجب ‪ 1441‬هـ ‪ -‬العدد ‪84‬‬

‫كلمة العدد‬

‫تفرق دمه بني القبائل‬
‫محمد الجابلّ‬

‫تاريخنا ميلء باملؤامرات والدسائس واملكر‪ ،‬ومن تلك الدسائس ما‬
‫بات مرضب مثل كاجتامع أعيان قريش بدار الندوة والتخطيط لقتل‬
‫النبي (ص) حني قال أَبُو َج ْه ِل بْ ُن ِهشَ امٍ ‪:‬‬
‫« َوالل ِه إ َّن يِل ِفي ِه لَ َرأْيًا َما أَ َراكُ ْم َوقَ ْعتُ ْم َعلَيْ ِه بَ ْع ُد‪ .‬قَالُوا‪َ :‬و َما ُه َو يَا‬
‫أَبَا الْ َحكَمِ ؟ قَالَ ‪ :‬أَ َرى أَ ْن نَأْ ُخ َذ ِم ْن كُلِّ قَبِيلَ ٍة فَتًى شَ ابَّا َجلِي ًدا ن َِسي ًبا‬
‫َو ِسيطًا ِفي َنا‪ ،‬ث َّم نُ ْع ِطي كُلَّ فَتًى ِم ْن ُه ْم َسيْفًا َصا ِر ًما‪ ،‬ث َّم يَ ْع ِم ُدوا إلَيْ ِه‬
‫ضبَ َة َر ُج ٍل َوا ِح ٍد فَ َي ْقتُلُو ُه فَ َن ْسترَ ِي ُح ِم ْنهُ؛ فَ ِإنَّ ُه ْم إذَا‬
‫فَ َيضرْ ِ بُو ُه ِب َها رَ ْ‬
‫فَ َعلُوا َذلِ َك تَ َف َّرقَ َد ُم ُه يِف الْ َقبَائِ ِل جمي ًعا‪ ،‬فَلَ ْم يَ ْق ِد ْر بَ ُنو َعبْ ِد َم َن ٍ‬
‫اف َع ىَل َح ْربِ قَ ْو ِم ِه ْم جمي ًعا‪« ...‬‬
‫استدعيت هذه الواقعة من غدو ورواح عىل «دار الضيافة» بقرطاج حيث سعدنا أخريا بتشكيل‬
‫حكومتنا وبدت األحزاب والحزيبات عندنا يف شكل قبائل وعشائر تأتلف وتختلف حول املراعي‬
‫والكإل‪...‬‬
‫ويف غياب الحديث عن الربامج وممكنات االصالح الوطني بدا يل الشعب املسكني مورطا يف تسلط‬
‫جامعات صغرية ُمتحركة و ُمتنازعة و ُمتحررة من قيد املواطنة واالنجاز‪ ،‬شعب تف ّرق دمه بني القبائل‬
‫كان يعاين من دكتاتورية الفرد وبات يعاين من «دميقتاتورية» مجموعات من املتكلمني البارعني ‪...‬‬
‫يف غياب الوعي مبشكالت الواقع يفقد الحكم مرشوعيته‪ ،‬ويف غياب القدرة عىل االنجاز والنجاعة يفقد‬
‫السيايس براءته وبراعته وأهليته‪.‬‬
‫يبحث البعض عن نسب لهذه الحكومة وينسبها البعض إىل الرئيس لكننا نعتقد أنها حكومة الشاهد‬
‫وستواصل عىل النهج املسطور‪ ،‬فالحكومة امل ُتخلية قد رسمت التوجهات التي الفكاك منها‪ ،‬وعملت‬
‫بجهد واضح عىل تخريب ُممكنات االقتصاد الوطني الهش وعىل رأسها الفالحة رغم جذورها الضاربة‬
‫يف تربتنا ‪...‬‬
‫حكومة عنيدة رضبت عرض الحائط مببادرات عاجلة من رأيس السلطة عندنا‪...‬‬
‫أذكر ذلك ويف الذهن أمثلة قريبة وكثرية مل يبق منها غري مرارة الخيبات واملزايدات ‪...‬‬
‫أواخر ديسمرب حني اشتىك الفالحون من تبخيس منتوجهم يف صابة الزيتون طالعنا «رئيسنا السعيد»‬
‫يوم الخميس ‪ 26‬ديسمرب باجتامع عاجل فيه كبار املسؤولني للبحث عن حلول رسيعة وعاجلة ‪...‬بعدها‬
‫بساعات يوم الجمعة ‪ 27‬ديسمرب طالعنا رئيس مجلس النواب باجتامع طاريء وعاجل إلنقاذ املوسم‬
‫وتدارك االخالالت‪...‬سمعنا يف االجتامعني الكبريين كالما عن خلية أزمة وعن اآلليات وإجراءات عاجلة‬
‫وعن متابعة وعن الواجب ومسؤولية الفاعلني و‪....‬‬
‫والنتيجة تعرفونها إتالف جزيئ للمحاصيل وإرغام الفالح عىل قبول األمر الواقع‪ ،‬ثم يطالعنا وزير‬
‫الفالحة بالخرب اليقني يف آخر ترصيحاته بأن العقود أبرمت وهناك آفاق واعدة للتصدير مع حلول شهر‬
‫أفريل‪ ،‬وهذا ‪ -‬مربط الفرس كام يقال – ألن قلة من التجار والسامرسة بتواطىء رسمي عرب التسهيالت‬
‫والقروض وتفكيك ديوان الزيت وتعطيل فعله كانوا قد خططوا لإلستيالء عىل عرق الفالحني عرب مكيدة‬
‫تكدس املنتوج يف أشهر املوسم وغلق أبواب األسواق ‪ ،‬ثم فتحها بعد فوات األوان‪...‬‬
‫كنت أمتنى أن ال يتورط «رئيسنا السعيد» يف عملية االحباط امل ُمنهجة وفقد الثقة يف الفاعلني‪ ،‬كنت‬
‫أمتنى أن يدرك حدود قدرته وممكناته وأعتقد أن رئيس الحكومة الذي حرض االجتامع الطاريء‬
‫رسه وهو أول العارفني بأن األمور قد ُدبرت بليل وقد تم التخطيط لها منذ‬
‫والعاجل كان يضحك يف ّ‬
‫زمن ‪...‬‬
‫هذا النموذج القريب ال يجعلنا نطمنئ للواحق األمور ومن ذلك تبديل وجوه بأخرى‪ ،‬الربملائيون‬
‫ينزلقون للعبة املصالح واالستخفاف بالصندوق الذي ف ّرخهم ويفتعلون قضايا جانبية ال تعني الوطن‬
‫واملواطن‪...‬‬
‫«العني الزرقاء» وهو فصل من فصول روايتي مرايفء الجليد‪ ،‬فيه إشارة إىل فقد الخيار والقرار‪ ،‬فالعوملة‬
‫ومتاهة املديونية لن يرتكا للوطنية مجال فعل إال بإزاحة السامرسة والعمالء عن الخيار والقرار‪...‬‬
‫نشفق حقا عىل بعض الوجوه الجادة يف هذه الحكومة امل ُتنافرة‪ - ،‬رغم تفاؤلنا بوجودهم‪ -‬زمن‬
‫التفكك والرشوخ‪ ،‬وانشطار املنشطر يف أصله‪ ،‬عصا موىس جعلت نظرية الحكم عندنا ال تقوم عىل يشء‬
‫غري الفرقة والتنافر‪ ،‬يف الحكم كام يف املعارضة‪ ،‬وذاك من نتاج الفشل املقيم وتدويره بالقسطاط بني‬
‫الفرقاء‪ ،‬لعبة الشخصنة يف أحزاب تبتعد عن الواقع وتنهشه وتلوكه دون استبصار أو روية أو برامج‪...‬‬
‫املجالس‪ ،‬أحزاب تزايد بل تفاخر بجمهور لو أحصيناه ُمجتمعا ملا تجاوز ‪ 10‬يف املائة من‬
‫زا ُدها الكالم و ُ‬
‫القواعد املواطنية النشطة ‪...‬‬
‫قد نجد سببا ما للتفاؤل يف هذا الضباب املقيم ونردد مع سيد حجاب ذلك املقطع الشجي من ُمقدمة‬
‫أحد املسلسالت التي علقت يف الذاكرة‪:‬‬
‫« ليه يا زمن ما سبتناش أبرياء ؟»‬
‫منني بيجي الشجن‪ ..‬من اختالف الزمن‬
‫ومنني بيجي الهوى‪ ..‬من ائتالف الهوى‬
‫ومنني بيجي السواد‪ ..‬من الطمع والعناد‬
‫***‬
‫ليه يا زمان ما سبتناش أبرياء ؟‬
‫وواخدنا ليه يف طريق ما منوش رجوع‬
‫أقىس همومنا يفجر السخرية‬
‫وأصفى ضحكة تتوه يف بحر الدموع‬

‫ملاذا نحتاج التاريخ ؟‬
‫عاطف رجب*‬

‫«من ال يقرأ التاريخ يبقى‬
‫أبد الدهر طفال صغريا ً‪».‬‬
‫ماركوس سيرسو‬
‫«من إعتنى بالتاريخ ضم‬
‫إىل عمره أعامرا» حسن‬
‫حسني عبد الوهاب‬
‫يطرح تعاملنا مع التاريخ‬
‫يف زماننا الراهن إستفهامات عديدة‪ ،‬سواء التاريخ‬
‫كامدة مدرسية إذ أصبح مادة ثانوية ويف الجامعة‬
‫أصبح التاريخ ملجأ ألولئك الذين مل يحصلوا عىل‬
‫توجيه وألصحاب املعدالت املتدنية‪ ،‬أما خارج أسوار‬
‫املدارس والجامعات فإن دراسة التاريخ بقيت حكرا‬
‫عىل دارسيه وكل هذا يجعل السؤال عن جدوى‬
‫دراسة التاريخ مطروحا بشدة‪.‬‬
‫دراسات عديدة إهتمت بالتاريخ وجدواه‪ ،‬أوال‬
‫التاريخ هو أكرث العلوم التي تساعد اإلنسان عىل‬
‫فهم األحداث العامة والشؤون املعارصة بإعتباره‬
‫علم جامع بني علوم عديدة‪ .‬التاريخ إستمرار‬
‫وإتصال يف التطور‪ ،‬فهو يرصد توايل أحداث العامل‬
‫عىل مر الزمان والوقائع التي حدثت يف املايض‬
‫والتي تشكل األسس التي يقوم عليها الحارض والتي‬
‫سيقوم عليها املستقبل‪ .‬مينح التاريخ اإلنسان فرصة‬
‫لإلستفادة من عرثات وهفوات اآلخرين بإعتباره‬
‫تجربة عاملية أرحب من أي تجربة شخصية‪ ،‬يعترب‬
‫اإلنسان العامل األصغر واإلنسانية هي العامل األكرب‪،‬‬
‫فكام يحتاج اإلنسان الذاكرة ليسرتجع أخطاءه‬
‫وليصلح من خاللها مساره يف املستقبل فإن‬
‫اإلنسانية تحتاج التاريخ لتدارك هفوات املايض‬
‫والتأسيس ملستقبل أفضل‪ ،‬فإذا ما سرب اإلنسان‬
‫أعامق تاريخه فهذا يعزز ذاتيته ويتيح له الفرصة‬
‫لشذبها وتهذيبها‪.‬‬
‫ثانيا‪ ،‬التاريخ هو أداة لتعميق الوحدة الوطنية‬
‫وترسيخها وسالحا للنضال ضد القوى املهددة‬
‫للوحدة القومية‪ ،‬يحتاج اإلنسان أن يكون عاملا‬
‫بالتاريخ يك ال يصبح فريسة ولعبة للقوى الرجعية‬
‫التي تستثمر رسديات تاريخية بهدف السيطرة عىل‬

‫محور العدد القادم‬

‫اإلنسان وإخضاعه‪ ،‬فمثال يوظف‬
‫دعاة الفكر السلفي رسديات‬
‫وأساطري ال عالقة لها بالتاريخ قصد‬
‫اإلستقطاب والدمغجة وتقويض‬
‫أسس الوحدة الوطنية‪.‬‬
‫ثالثا‪ ،‬يحتاج اإلنسان لإلطالع عىل‬
‫تاريخ الشعوب املتقدمة لفهم أسباب تقدمها‬
‫واإلطالع عىل تاريخ الثورات ملعرفة أسباب نجاحها‬
‫وأسباب فشلها‪.‬‬
‫تراجعت اإلنسانيات _ويف مقدمتها التاريخ_‬
‫خطوات إىل الوراء لصالح العلوم األخرى‪ ،‬هذه‬
‫اإلزاحة املفروضة تدخل يف إطار إسرتاتجيات تهدف‬
‫إىل تبخيس العلوم اإلنسانية وتهميشها بإعتبارها‬
‫مرشوعا إلنتاج إنسان فاعل ومفكر وناقد وثائر‪ .‬يف‬
‫ظل هيمنة النظام الرأساميل وبالتايل هيمنة البعد‬
‫النفعي السلعي واملشاريعي عىل حساب الجانب‬
‫التفكريي والعقالين‪ ،‬فهيمنة اإلقتصاد عىل الجامعة‬
‫أفرزت فقرا فكريا ومعنويا رهيبا‪ .‬يسعى النظام‬
‫الرأساميل إىل تبخيس العلوم اإلنسانية وتهميشها‬
‫بوصفها املجال الوحيد القادر عىل رشح وتفسري‬
‫الظواهر اإلنسانية حول الفرد واملجتمع‪ ،‬وتهميشها‬
‫يعترب إقفاال ألبواب الفكر الحر والنقد بوصفه‬
‫دافعا للمجتمعات نحو التقدم والثورة عىل النظام‬
‫الرأساميل‪.‬‬
‫إن عالقة النظام الرأساميل بالتاريخ هي أبرز دليل‬
‫عىل قيمة التاريخ وأهميته‪ .‬يحتاج الرأسامليون‬
‫التاريخ لعدة أسباب أهمها إضفاء الغموض عىل‬
‫املايض وإقناع الناس بأن األوضاع الحالية إمنا هي‬
‫واقع ال مفر منه وغري قابل للتغيري‪ .‬يسعى النظام‬
‫الرأساميل عن طريق وكالئه إىل فرض طريقة لتدريس‬
‫التاريخ يف املدارس تحيل إىل أننا نحتاج فقط إىل‬
‫معرفة أي عائلة مالكة كانت عىل العرش ومتى‪ ،‬أي‬
‫التعلم عن طريق حفظ التواريخ واألحداث الهامة‬
‫للطبقة الحاكمة فتجعل التاريخ مجرد سلسلة من‬
‫األحداث دون التطرق إىل النمط الذي تجري وفقه‬
‫هذه األحداث‪ ،‬بالتايل يكتسب املتعلم القدرة عىل‬
‫وصف األحداث ويعجز عن تحليلها وتفسريها‬

‫فالتاريخ ليس سلسلة من الحوادث املنفصلة والغري‬
‫متوقعة بل هو جزء من سريورة مرتابطة ومفهومة‬
‫بوضوح وهو سلسلة من األفعال وردود األفعال‬
‫التي تشمل السياسة واإلقتصاد وكل جوانب التطور‬
‫اإلجتامعي وهو إجابة عن أسئلة عرصية متكن من‬
‫إستخالص الدروس وكشف الحقائق‪.‬‬
‫فهم التاريخ يقود اإلنسان إىل فهم تطور املجتمع‬
‫وأن الرأساملية ال تفيد سوى طبقة واحدة‪ ،‬لذلك‬
‫تسعى هذه الطبقة إىل إحكام سيطرتها عىل التاريخ‬
‫للتأكد من أن أفكارها ال تزال هي املهيمنة ويحيلنا‬
‫ذلك إىل أمثلة عديدة للسيطرة عىل التاريخ وطمسه‬
‫من قبل األديولوجيا الحاكمة‪ ،‬قام النازيون بحرق‬
‫كتب إعتربوها تخريبية كأعامل ألربت أينشتاين‬
‫وسيجموند فرويد وفرانز كافكا وكارل ماركس‪.‬‬
‫اليوم‪ ،‬تسعى العوملة إىل طمس التاريخ وتوظيف‬
‫رسديات توجه من خاللها التاريخ وتعمل من‬
‫خاللها عىل دمغجة اإلنسان لسببني؛ أوال‪ ،‬يعترب‬
‫التاريخ معطى ثقايف ومورد من أهم موارد التشكيل‬
‫الثقايف‪ ،‬لذلك تعمل العوملة عىل تهميشه يف إطار‬
‫سعيها إىل طمس الهويات وتذويب الخصوصيات‬
‫وفرض الهيمنة الثقافية األمريكية‪ .‬ثانيا‪ ،‬تسعى‬
‫العوملة إىل تسطيح الوعي الطبقي وتكريس إعتقاد‬
‫خاطئ يقوم عىل فكرة عدم إمكانية تغيري البنى‬
‫اإلجتامعية‪.‬‬
‫يقول الفيلسوف اإلنڨليزي ألدوس هكسيل «أهم‬
‫درس ميكن أن نستفيده من التاريخ هو أن البرش‬
‫ال يستفيدون كثريا من دروس التاريخ»‪ ،‬فلو إستفاد‬
‫اإلنسان من التاريخ وفهمه ملا كان حارضه كام هو‬
‫عليه اليوم وملا كان فريسة سهلة للعوملة‪ ،‬ففهم‬
‫التاريخ وفهم القوة الدافعة للتقدم البرشي وتغيري‬
‫املجتمع هو السبيل الوحيد نحو عامل مختلف‪.‬‬
‫*باحث يف التاريخ‬

‫محور العدد القادم ‪:‬‬

‫التحوالت األخالقية والقيمية في ظل‬
‫الثورة المعلوماتية والتواصلية الراهنة‬
‫البريد االلكتروني ‪manaratculturel@gmail.com :‬‬

‫المدير المسؤول‬

‫نورالدين الطبوبي‬

‫المدير‬

‫سامي الطاهري‬

‫أسرة التحرير‬
‫ منتصر الحملي ‪ -‬رشيدة الشارني ‪ -‬حسني عبد الرحيم ‪-‬‬‫إشراف وتنسيق ‪ :‬محمد الجابلي ‪ -‬سعدية بن سالم‬
‫منارات فلسفية إعداد األسعد الواعر‬
‫اإلخراج الفني ‪ :‬محمد كريم السعدي‬
‫السحب ‪ :‬مطبعة دار األنوار ‪ -‬الرشقية ‪ -‬تونس‬

‫املقر ‪ 41 :‬شارع عيل درغوث ‪ -‬تونس ‪ - 1001‬الهاتف ‪ / 71 330 291 - 71 255 020 :‬الفاكس ‪- 71 355 139 :‬‬
‫العنوان االلكرتوين ‪ - manaratculturel@gmail.com :‬الحساب الجاري بالربيد ‪300 - 51 :‬‬

‫‪3‬‬

‫الخميس ‪ 27‬فيفري ‪ - 2020‬املوافق لـ ‪ 3‬رجب ‪ 1441‬هـ ‪ -‬العدد ‪84‬‬

‫قضايا تمثيل الوحدة املعجمية دالليّا‬
‫عرض لكتاب د‪ .‬وسام العريبي‬

‫سوسن طيب العجمي‬
‫« اللغة أصوات يعرب بها كل قوم عن‬
‫أغراضهم ‪« ...‬‬
‫ابن جني‬
‫تعترب اللغة عالمة سيميائية أو ملكة‬
‫برشية ‪،‬كام بينت أغلب البحوث‬
‫والدراسات ‪ ،‬فاللغة شاهدة عىل كل‬
‫العصور التي مرت باإلنسانية جمعاء‪،‬‬
‫عرب حضارات متنوعة تدرجا إىل تعدد األلسن والرموز ‪ ،‬إذ تنضوي تحت‬
‫الهوية بل انّها متصلة بهوية اإلنسان يف كل شؤونه املنطوقة و املكتوبة ‪.‬‬
‫واللغة القاسم املشرتك يف تعدد الثقافات وتنوعها ومتايزها ومقارنة‬
‫بعضها بالبعض اآلخر عرب التاريخ اإلنساين‪.‬‬
‫و لها تحكم عجيب يف القدرات الذهنية فهي مكتسبة ومتثل أنساقا من‬
‫الرموز االعتباطية املنطوقة وهي عبارة عن فن تخاطبي لدى أفــراد‬
‫املجتمعات‪.‬‬
‫بناء عىل قدرات ذهنية تنمو من جملة املعارف اللغوية التي نتبينها يف‬
‫املعاين واملفردات واألصوات والقواعد تتولد يف ذهنية السامع والناطق‬
‫فتمكنه من إنتاج وفهم عدد ال متناه من جموع الخطاب وفهمه‪.‬‬
‫اللغة شبكة تواصلية تحتكم إىل عنارص دالة متفق عليها عند جامعات‬
‫لغوية بعينها كل مجموعة تسيطر عىل مدلوالتها الضمنية ومدلوالتها‬
‫املبارشة وكلها وسائل للخطاب والتخاطب تصب يف أدوات التبليغ‬
‫والتواصل فالظاهرة طبيعية والظاهرة اجتامعية تختلف من حضارة‬
‫ألخرى ومن مجتمع آلخر ‪.‬‬
‫ونستنتج من كتاب « الخصائص» البن جني أن موضوع اللغة شغل‬
‫القدامى العرب كام استحوذ عىل رغبة الوظيفيني الغرب يف رصد بنيتها‬
‫واإلسهاب يف البحث والتعليل والربهنة‪.‬‬
‫وما يهمنا يف هذا املوضوع اللغوي هو كتاب علمي لصاحبه الدكتور‬
‫واألستاذ يف علم اللسانيات « وسام العريبي» عنونه بــ « قضايا متثيل‬
‫الوحدة املعجمية دالليا « ويندرج ضمن سلسلة « كالم لسان» عن الدار‬
‫التونسية للكتاب ‪ /‬كلية اآلداب والفنون واإلنسانيات مبنوبة‪.‬‬
‫كتاب ضخم يحتوي عىل أكرث من ستمئة صفحة نوعي‪ ،‬أكادميي ‪ ،‬بدأه‬
‫بإهداء يف كلمتني ال ثالث لهام « إىل صابرين»‬
‫ثم ولج بنا إىل قامئة ملغزة أطلق عليها عنوان كبري هو « قامئة الرموز» ‪.‬‬
‫ثم فتحنا الكتاب عىل مقدمة رئيسية ‪،‬بني فيها منذ البداية شغله‬

‫الشاغل يف معالجة متثيل الوحدة املعجمية دالليا باعتبار ما ردده بعض‬
‫الباحثني أن « اللغة متثيل» والذي خصها «العريبي» بفحص شامل من‬
‫حيث تفكيك لفظ متثيل وقد استخلص أن البحث ليس اال بحثا يف «‬
‫النظام» ككلّ من وصف وقراءة وتعريف وتحليل وتجزئة‪ ...‬الخ‬
‫متوجها إىل مختلف النظريات اللسانية الحديثة ويقول يف هذا املتناول‬
‫« وكان متثيال سيميّا ذا منطلق توليدي ‪ ,‬وكان متثيال محوريا ذا منطلق‬
‫داليل محوري ‪ ,‬وكان متثيال تصويريا ذا مرجعية عرفانية تتضافر فيها كل‬
‫العلوم للتوصل إىل شكلنة ما يف أذهان الذوات املتخاطبة ‪ ,‬نحن ‪ ,‬اذن‬
‫‪ ,‬إزاء متثيالت متعددة لــ « مكون لغوي واحد « هو الوحدة املعجمية‬
‫واملركبات النحوية التي تحتويها وذاك التعدّد حادث طبيعي يعود إىل‬
‫تطور املعارف وتنوعها وتعدّد وسائل التمثيل وتشابكها»‬
‫هذا وقد وضح أن الوحدة املعجمية ال ميكن أن تكون مدخال جامدا ال‬
‫أهمية له إال مبدى مساهمته يف تكوين املكون الرتكيبي ضمن قواعد‬
‫محددة بل هي مجموعة مراحل نظرا ألهمية اعتباراتها العلمية‬
‫والداللية منها‪.‬‬
‫اعترب الدكتور وسام العريبي أنه أمام مجموعة من اإلشكاليات املطروحة‬
‫مام سبق ذكره عن التمثيل ومكوناته من حروف وجمل وفضاءاته‬
‫املكانية والزمانية ‪ ،‬وطرح إشكاليات أخرى عىل سبيل املثال املكونات‬
‫التخاطبية املتناهية والتحليل السيمي وأيضا معالجة التناول اللساين‬
‫الحديث ومدى التصاقه بالبنية الذهنية والعصبية وما تحمله من‬
‫ترادفات يف اللغات املختلفة واختالف دالالت اللفظ ‪.‬وقد أكد العريبي‬
‫يف تناول بحثه عىل أن يكون شامال ‪ ,‬مبسطا ليعيد النظر يف املناويل‬
‫السابقة ومستويات تحليلها وبني وجوب التدرج صعودا إىل مستويات‬
‫بعينها‬
‫فبدأ مبستوى أول‬
‫* إخضاع متثيل الوحدة املعجمية لشبكة من املعلومات التي وجب‬
‫توفرها يف كل مدخل معجمي‬
‫املستوى الثاين‬
‫* تعقد محتوى الوحدة املعجمية الداليل باعتبارها مكونا لغويا معقدا‬
‫املستوى الثالث‬
‫* ال أهمية لوحدة معجمية متغرية والثابت هو املقولة الفعلية أو مقولة‬
‫الحدث‬
‫املستوى الرابع‬
‫* اعتبار التمثيل مجموعة من املعلومات املبوبة ضمن متثيالت فرعية‬

‫مقاطع‬

‫باعتباره وسيلة نقدية للمعرفة اإلنسانية الشاملة من خالل اقرتاحه «‬
‫منوال الطبقات االنتقايئ « ‪.‬‬
‫وانتهى بنا إىل الباب الثالث وقد لقبه بــ « متثيل فعل الحركة طبقيا‬
‫انتقائيا» عرج عىل البابني السابقني وما استخلصه من قضايا لسانية‬
‫وغري لسانية ‪.‬‬
‫اختار « العريبي» يف الباب الثالث مناذج عن دراسة أفعال الحركة‬
‫كمفهوم بعض الحركات وداللتها والعالقات بينها‪ ،‬الستخالص بعض‬
‫الثوابت واملتغريات وقد راوح بني النظري والتطبيقي إما بتحليل ما‬
‫سبق ونقده أو بتجديد نظرية ما محافظا عىل األصول التي انطلق منها ‪.‬‬
‫وختم كتابه الفكري املفصل بتعميم ما استخلصه وما بينه مع وجوب‬
‫فهم الغاية منه إذ أن الخلفية لسانية ال نقاش يف ذلك لكن وحسب‬
‫اعتقاده آفاقه أرحب إذ تشمل معارف إنسانية متنوعة تهم الذات‬
‫اإلنسانية اثراء وتوظيفا ووضح يف خامتة الكتاب كل ما خلص إليه من‬
‫نتائج وصلت إىل مركزية بعض البنى اللغوية وثانوية أخرى وقد توغل‬
‫يف حقول بنيوية ومعجمية عميقة مل يرتك خصيصة مل مي ّر عليها يف طرق‬
‫التخاطب والتواصل باعتامد البنى اللغوية املبارشة والبنى الذهنية عرب‬
‫أزمنة متغرية من املايض إىل الحارض إىل ما يليه متخذا أبعادا فلسفية‬
‫وجودية تنم عن الحرية والشك والوصول أحيانا مثال أن ال تكون‬
‫« األنا أنا خطابية بل أنا تخاطبية»‬
‫هي نظرة رسيعة عىل كتاب فكري قد وجب وصفه بالفخم نظرا إىل‬
‫قلة املهتمني بهذه املسالك اللغوية الحديثة من العرب وقد شمر الغرب‬
‫عىل ساعديه يف بناء هذا املنحى حتى أننا اعتربناه املش ّيد األول واألخري‪.‬‬

‫سالم العطار‬
‫قصة‪ :‬أسامء محمد‬

‫شعر‪ :‬صفاء متاع الله‬

‫املسامري الستة‬
‫بيتي عىل وجه الكراء‬
‫سكانه السابقون خلفوا عىل‬
‫جدرانه ستة مسامري‪.‬‬
‫ليس يل لوحات فنية‪ ،‬يل معلقايت‬
‫الخاصة‪،‬‬
‫وزعتها عىل املسامري كاآليت‪:‬‬
‫املسامر األول‪ :‬تاريخ ميالدي‬
‫املسامر الثاين‪ :‬أحالمي املسامر‬
‫الثالث‪ :‬خيبايت‬
‫املسامر الرابع‪ :‬طيف حب محرتق‬
‫مازال يالحقني‬
‫املسامر الخامس‪ :‬لقبي املهني‬
‫املهرتئ سلفا؛‬
‫موظفة عمومية‬

‫متنوعة‬
‫املستوى الخامس‬
‫* أي متثيل لوحدة معجمية ما ليست له أية أهمية إذا مل يراع القصد‬
‫منه‬
‫املستوى السادس‬
‫* تحتفظ الوحدة املعجمية والجملة بتمثيلها املجرد يف النظام اللغوي‬
‫مرورا إىل الوظيفة اإلجرائية ‪.‬‬
‫وقد استخلص يف مقدمته أن الظاهرة التخاطبية ظاهرة لغوية خالصة‬
‫بل أكرث من ذلك إذ إنها ظاهرة إحالية ‪ ،‬سلوكية كام عرفها الخليل‬
‫«تصوير اليشء كأنه تنظر اليه» ‪.‬‬
‫قسم املفكر « وسام العريبي» كتابه العلمي إىل ثالثة أبواب متفرعة‬
‫إىل فصول‬
‫الباب األول اختار له عنوان‬
‫« مناذج من مناويل التمثيل اللسانية» بدأه مبقدمة شاملة بني غرضه‬
‫من عرض هذه املناويل وهي يف الحقيقة لباحثني ومنظرين يف علم‬
‫اللسانيات وقد اقترص اعتامدا عىل قوله عىل أربعة مناويل وهي‬
‫* التوليدي الرتكيبي ــــ عىل غرار « تشومسيك» و» هال»‬
‫* التوليدي الداليل وميثله « كاتز» و»فودور»‬
‫* التوليدي التأوييل ورائداه « غروبر» و»جاكندوف»‬
‫* التأويل العرفاين ومن مفكريه « روش» والنغاكار»‬
‫وقد اختار الدكتور «وسام العريبي» متشيا موحدا يف تقسيم كل فصل‬
‫وقد انتقى الخلفيات التي انطلق منها ممثلو املناويل األربعة يف متثيلهم‬
‫الوحدة املعجمية ناقدا ومصورا ومقارنا ومتمثال ‪.‬‬
‫أما الباب الثاين فقد عنونه بــ « متثيل الوحدة املعجمية الطبقي‬
‫االنتقايئ» وقد استدرك يف مقدمة الباب الثاين ما قدمه يف الباب األول‬
‫مستعرضا ما استخلصه من نتائج وذاكرا أهمها إذ يقول‬
‫« قدمنا يف الباب األول أهم املناويل اللسانية التي اهتمت بقضايا متثيل‬
‫الوحدة املعجمية ‪ ،‬واستخلصنا منها نتائج ‪ ،‬لعل أهمها انتشار الداللة‬
‫يف كل املكونات اللغوية مبا فيها املك ّون « املعجمي « املدروس والتدرج‬
‫من استقاللية الرتكيب إىل عدم كفاية الوسائل اللغوية لوصف اللغة‬
‫وانفتاحها عىل بقية املعارف اإلنسانية»‬
‫وقد بني أنه ارتأى يف هذا الباب الثاين أن يكون ممثال للخلفيات التي‬
‫اعتمدها مراجع نظرية يف تقديم منواله التمثييل منها القديم والحديث‬
‫والنحوي والبالغي والطرح حسب اعتقاده ليس إال طرحا إبستيمولوجيا‬

‫‪ .‬املسامر السادس‪ :‬مقعد شاغر‬
‫لتاريخ وفايت‬
‫‪ .‬وزعت كل ذلك عىل الجدران‪...‬‬
‫ثم منت‪.‬‬
‫دمعة‬
‫_ من أين يأتينا الحزن يا أيب؟‬
‫_ من شجرة التني العجوز‬
‫‪_ .‬وكيف يتسلل إلينا الحزن يا‬
‫أيب؟ _‬
‫ يتنكر يف شكل حب حارف‬‫ومحموم‬
‫‪_ .‬وكيف أعرف أنني حزينة؟‬
‫ تبدئني بالبحث عن اسفنجة‬‫متتص الدموع التي أغرقت قلبك‪_ .‬‬
‫هل هناك دواء للحزن يا أيب؟‬
‫_نعم‪ ،‬إلقاء شجرة التني العجوز يف‬
‫مدفأة البيت‬
‫‪ .‬أيب‪ ،‬أول نحات‪ .‬شكل أول دمعة‬
‫يف قلبي ذلك اليوم‪.‬‬
‫***‬

‫وحدة‬
‫مثل شجرة وحيدة‬
‫أعىل التلة‬
‫كنت أراقص ظيل املتآكل‬
‫إنه ينزف‪.‬‬
‫إنه ينزف‬
‫يف الشتاء‬
‫أميض أيامي يف غرفتي‬
‫أبني قصورا‬
‫وأسميها أحالما‪.‬‬
‫يف‪ .‬الربيع‬
‫تفتح أمي النافذة‬
‫فيتناثر الغبار‪،‬‬
‫الغبار الذي بنيت منه‬
‫قصوري‪.‬‬
‫كان علينا أن نبصق يف وجه العامل‬
‫عندما كان ذلك ممكنا‪.‬‬
‫اآلن‪ ،‬القمر الذي افرتس الشمس‬
‫القمر الذي أطلنا النظر إليه‬
‫قد أورثنا خيباته‪.‬‬

‫منذ أن انتقلنا إىل العيش هنا‪ ،‬أي منذ ستة أشهر تقريبا ‪ ،‬و سامل‬
‫العطار يرتدي املالبس نفسها ‪ .‬قميص أزرق فضفاض مطوي‬
‫الكمني و بنطلون «دنقري» يرفعه إىل فوق و يشده بإحكام‬
‫بخيط متني حتى « يتكمش « من اإلمام جراء ذلك الجذب‬
‫القوي‪ ،‬من الخلف يترسب البنطلون بني شقي مؤخرته فيقسمها‬
‫إىل شطرين مام يجعله عرضة للسخرية من أطفال الحي طوال‬
‫الوقت‪ .‬قضيت مدة طويلة أستيقظ عىل أمنية أن يغري سامل العطار مالبسه‪ ،‬كنت أعرف أن ذلك ليس سهال عىل‬
‫رجل أعزب خمسيني‪ ،‬خاصة ذلك النوع من الرجال مثله و أن ما أمتناه رمبا أمر صعب املنال ‪ ،‬رغم أنه يبدو أمرا بديهيا جدا‪ .‬بدأت تلك األمنية‬
‫تتالىش إىل قطعة مالبس واحدة‪ ،‬فقط يك أخرج تلك الرغبة املباغتة من رأيس‪ ،‬طربوشه الرمادي مثال أو جوربه املزركش‪ .‬كنت حال استيقاظي‬
‫من النوم أرسع الخطى نحو دكانه ‪ ،‬الذي يقع قبالة منزلنا‪ ،‬أدخل متعللة برشاء بعض األغراض‪ ،‬يف الغالب مل أكن يف حاجة لها ‪ ،‬ثم أنتهز الفرصة‬
‫إللقاء نظرة عىل مالبسه‪ ،‬و ككل مرة كنت أعود بخيبة أمل‪ .‬أصبح األمر أشبه باإلدمان أو الهلوسة‪ ،‬حتى أين بت أربطها بأشياء أخرى كمرور يوم‬
‫جميل مثال إن غري سامل مالبسه‪ ،‬تغري أحوال الطقس‪ ،‬صعود قيمة الدينار‪ ،‬إنخفاض األسعار و غريها‪ ...‬مل يكن ذلك إال اهدارا للوقت فحتى ذلك‬
‫الخيط الذي يشد به بنطلونه ظل عىل حاله منذ أن رأيته ألول مرة‪ .‬هكذا قررت أن أنىس األمر لألبد‪ .‬لكن حكايتي مع سامل العطار مل تتوقف‬
‫هنا‪ ،‬فباإلضافة إىل مالبسه كان سامل فضوليا كبريا‪ ،‬ال يرتك أحدا من متساكني الحي أو أي غريب مير من هناك دون أن يشيعه إىل آخر الشارع‪ ،‬مل‬
‫يكن أحد يستطيع أن يفلت من عيني سامل و لسانه‪ .‬كان يخرج كلام سنحت له الفرصة‪ ،‬أحيانا متناسيا زبائنه من أجل التجسس عىل أحدهم‪،‬‬
‫كان يحني ظهره قليال‪ ،‬يشد يديه اإلثنني إىل الخلف ثم يبدأ عملية التمشيط من حوله‪ .‬كثريا من متساكني الحي آنتقلوا للعيش يف أحياء أخرى‪،‬‬
‫أغلبهم ممن يؤمنون بالعني و الحسد‪ ،‬يقولون أن كل مصيبة حلت بهم كانت بسبب سامل العطار‪ ،‬أما البقية فقد ألفوا تلك الحركات و مل يعد‬
‫أحد يهتم بل أصبحوا يصنعون منها النكت للرتفيه عن أنفسهم‪ .‬كان يوم صيف شديد الحرارة‪ .‬مددت يدي إلسدال الستار و إغالق نافذة الغرفة‪.‬‬
‫كان سامل العطار بدوره يستعد للخروج ألخذ قيلولة العادة كام يفعل دامئا‪ .‬لكنه كعادته يلقي نظرة تفقدية أخرية‪ ،‬عل أحدهم مير من هناك‬
‫أو أن يباغته أحد الجريان للخروج‪ .‬حال سامعه صوت النافذة مد عنقه نحوي و بقي هكذا متسمرا يف مكانه دون حركة و كأن شيئا يشده إىل‬
‫األرض‪ .‬ظل رأسه هكذا مرفوعا و عيناه تكاد تخرجان من محجرهام‪ .‬أخرجت رأيس قليال من النافذة‪ ،‬يك يتسنى له رؤيتي أكرث‪ ،‬كنت أظن أن‬
‫ذلك رمبا يشعره باإلحراج فينزل رأسه‪ ،‬لكن ذلك كان دون جدوى‪ .‬يف ذلك الوقت بالضبط كان هناك خمسة أوالد‪ ،‬كانوا يف الثامنة من أعامرهم‬
‫أو رمبا أكرث بقليل ‪ ،‬كان جميعهم بالزي املدريس‪ ،‬ترسب ثالثة منهم إىل دكان سامل العطار بخطوات حذرة ثم إقرتب اإلثنان األخران من سامل و‬
‫اختفيا وراءه مبارشة‪ ،‬كان بني يدي أحدهم عصا طويلة‪ ،‬آقرتب أكرث حتى كاد أن يلتصق به دون أي حركة ميكن أن تشوش تركيز سامل العطار‪،‬‬
‫ثم غرس تلك العصا بني شقي مؤخرته ‪ ،‬و رشع اآلخر بدفعها إىل األمام ثم هربا جميعهم و الضحكات تكاد تهز أرجاء الحي‪ ،‬بعد أن غنام بقية‬
‫األوالد ما آستطاعوا من الحلويات املوضوعة أطرف الدكان‪ .‬شهق سامل بصوت عال ممزوج باألمل‪ ،‬حتى سقط ذلك الطربوش من رأسه كاشفا عن‬
‫أذنيه الكبريتني‪ .‬احمرت وجنتاه من شدة الخجل و بحركة رسيعة أقفل باب الدكان و أرسع الخطى نحو بيته الذي يقع قريبا من هناك مطئطئا‬
‫رأسه دون أي آلتفاتة واحدة‪ .‬ظل دكان سامل العطار مغلقا ملدة أسبوع كامل دون أن نرى له أثرا‪ .‬مر أسبوعان آخران و شهر دون خرب يذكر‪،‬‬
‫هكذا و منذ تلك الحادثة آختفى سامل العطار إىل األبد‪.‬‬

‫‪4‬‬

‫الخميس ‪ 27‬فيفري ‪ - 2020‬املوافق لـ ‪ 3‬رجب ‪ 1441‬هـ ‪ -‬العدد ‪84‬‬

‫الفكر املر ّكب عند إدغار موران فلسف ًة ومنهجا (ج‪)1‬‬
‫املنترص الحميل‬

‫النص عىل صيغة مداخلة‬
‫(ألقي هذا ّ‬
‫ايس الذي انتظم‬
‫ر‬
‫د‬
‫ال‬
‫خالل اليوم‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫باملعهد العايل للعلوم اإلنسانية‬
‫بتونس‪ ،‬بتاريخ ‪ 11-01-2020‬يف نطاق‬
‫أعامل وحدة البحث يف أسس املعارف‬
‫الحديثة وتقنياتها الّتي يرشف عليها‬
‫السعيداين‪،‬‬
‫األستاذ‬
‫الجامعي منري ّ‬
‫ّ‬
‫والعاملة ضمن مخرب بحوث يف التنوير‬
‫والحداثة والتنوع الثقايف‪ ،‬جامعة‬
‫تونس املنار‪).‬‬

‫من هو إدغار موران؟ ( ُولد يوم ‪ 8‬جويلية ‪ 1921‬بالعاصمة الفرنسيّة‬‫باريس)‬
‫يص ّنف معظم ال ّدراسني إدغار موران فيلسوفا وعامل اجتامع‪ ،‬ولك ّنه‬
‫يفضّ ل أن يُنظَر إليه باعتباره عاملا أنرتوبولوج ّيا حسب املفهوم‬
‫الجامعي ال ّراهن لكلمة أنرتوبولوجيا‪ .‬أي باعتباره عالِام‬
‫يك ال‬
‫الكالسي ّ‬
‫ّ‬
‫وبكل أبعاده‪ ،‬وال يدرس‬
‫يد ُرس اإلنسان عموما من مختلف جوانبه ّ‬
‫فقط املجتمعات األثريّة ‪ .Les sociétés archaïques‬يقول يف أحد‬
‫الصحاف ّية‪« :‬غالبا ما يعتربونني عاملا اجتامع ّيا‪ ،‬ولك ّنني يف الواقع‬
‫حواراته ّ‬
‫أفكّر وأشتغل عىل الطّابع الثاّلويث لإلنسان‪ :‬أي باعتباره فردا ومجتمعا‬
‫ونوعا‪ .‬إنّها األنرتوبولوجيا باملعنى القديم للكلمة‪ :‬أي باعتبارها ربطا‬
‫كل املعارف عن الكائن البرش ّي‪ ،‬وهو ما قادين إىل املعارف العابرة‬
‫بني ّ‬
‫خصصات ‪la transdisciplinarité 1».‬‬
‫للتّ ّ‬
‫هذا االنهامم واالشتغال األنرتوبولوجيّان بالكائن البرش ّي يف تط ّوره‬
‫وبكل تعقيداته وأبعاده جعال موران ينهل من مختلف العلوم اإلنسان ّية‬
‫ّ‬
‫واألساسيّة وكذلك اآلداب والحضارات القدمية والحديثة‪ ،‬عالوة عىل‬
‫اهتاممه األص ّيل بالفلسفة‪ .‬كام أنّه أحرز عىل شهادات علم ّية يف حقول‬
‫والسياسيّة والجغرافيا والتّاريخ‬
‫معرفيّة مختلفة كالعلوم االقتصاديّة ّ‬
‫والحقوق وغريها‪ .‬وقد ساعدته هذه الثّقافة الواسعة واملنفتحة‬
‫واملتنامية يوما بعد يوم عىل الخوض يف شتّى رضوب املعرفة ومختلف‬
‫كل هذا من بلورة‬
‫الفنون والجامليات وقضايا اإلنسان عموما‪ ،‬فمكّنه ّ‬
‫ما سماّ ه «الفكر املركّب» أو نظريّة التّعقيد الّتي بينّ مس ّوغاتها وأبرز‬
‫وجسد تطبيقاتها املختلفة يف عمله الضّ خم‬
‫أسسها وطريقة اشتغالها‪ّ ،‬‬
‫املمهور بـ «املنهج ‪ »Méthode‬عىل وجه الخصوص‪ ،‬وقد ألّفه عىل‬
‫مدار أكرث من ثالثني سنة ونرشه يف ستّة أجزاء‪.‬‬
‫كل هذه املعارف الّتي متكّن منها إدغار موران أفضت إىل إنتاج فكر ّي‬
‫ّ‬
‫وعلمي غزير وضخم ومتن ّوع‪ ،‬يف كافّة املجاالت تقريبا‪.‬‬
‫وفلسفي‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ولك ّننا سنكتفي هنا بذكر أه ّم املؤلّفات الّتي اهت ّم فيها تنظريا وتطبيقا‬
‫مبوضوع هذه املداخلة‪ ،‬أال وهو الفكر املركّب‪ .‬علام وأ ّن البعض القليل‬
‫منها فقط قد تُرجم إىل اللّسان العر ّيب‪.‬‬
‫الرباديغم املفقود‪ :‬الطّبيعة البرشيّة‪ .‬سنة ‪.1973‬‬‫املنهج‪ ،‬وهو يف ستّة أجزاء‪ ،‬أ ّولها «طبيعة الطّبيعة» عام ‪،1977‬‬‫حيث تناول مفاهيم ال ّنظام واالختالل واملنظومة واملعلومة‪ ،‬يف العامل‬
‫الفيزيا ّيئ‪ .‬وثانيها «حياة الحياة» عام ‪ 1980‬وقد اهت ّم فيه بالكائنات‬
‫الح ّية‪ ،‬أي بعلم الحياة‪ .‬الجزء الثّالث بعنوان «معرفة املعرفة»‬
‫سنة ‪ ،1986‬وفيه تط ّرق إىل املعرفة من زاوية أنرتوبولوجيّة‪ ،‬وبارش‬
‫إشكال ّية االيبستيمولوجيا املركّبة‪ .‬ويف الجزء ال ّرابع من املنهج املعنون‬
‫بـ «األفكار‪َ :‬مقا ُمها‪ ،‬حياتها‪ ،‬عاداتها وتنظيمها» واصل االشتغال عىل‬
‫جامعي‬
‫هذه االيبستيمولوجيا من خالل تناوله املعرفة من منظور‬
‫ّ‬
‫ومجتمعي‪ ،‬ودراسته لبعض املفاهيم الفلسفيّة مثل اللّسان واملنطق‬
‫ّ‬
‫والرباديغم مط ّبقا عليها منهجه‪ .‬أ ّما الجزء الخامس الّذي صدر عام‬
‫‪ 2001‬واملمهور بـ «إنسانيّة البرشيّة‪ :‬الهويّة البرشيّة» فقد ك ّرسه‬
‫ملسألة الثّالوث البرش ّي‪ ،‬أي الفرد واملجتمع وال ّنوع‪ .‬بينام توقّف يف‬
‫الصادر سنة ‪ 2004‬عند‬
‫السادس واألخري املعنون بـ «اإليتيقا» ّ‬
‫الجزء ّ‬
‫الشّ كوك والتّناقضات اإليتيق ّية‪ ،‬ودعا إىل ما سماّ ه «إيتيقا الفهم»‪.‬‬
‫مدخل إىل الفكر املركّب‪ ،‬سنة ‪.1990‬‬
‫‬‫ التّعقيد البرش ّي‪ ،‬سنة ‪.1994‬‬‫‪ -‬ذكاء التّعقيد‪ ،‬باالشرتاك مع جون لوي لوموانيي‪ ،‬سنة ‪.1999‬‬

‫ التّفكري الشّ امل‪ :‬اإلنسان وكونه‪ ،‬سنة ‪.2015‬‬‫‪ -‬املعرفة والجهل والغموض‪ ،‬سنة ‪.2017‬‬

‫‪ 1‬نظريّة المعرفة عند إدغار موران‪:‬‬‫ما هي املنطلقات املرجعيّة أو اإليبستمولوجيّة ملنظومة الفكر املركّب‬
‫عند إدغار موارن؟‬
‫عند دراسته للعلوم الحديثة‪ ،‬الحظ موران أنّها قد تط ّورت منذ القرن‬
‫وأسست لفكرة العقالن ّية القامئة عىل‬
‫السابع عرش تط ّورا الفتا وجنون ّيا‪ّ ،‬‬
‫ّ‬
‫وكل ما هو ما ّد ّي‪ ،‬كام أنّها ط ّورت‬
‫دراسة الطّبيعة والحياة والفيزياء ّ‬
‫تقنيات وطرقا ناجعة ومفيدة حقّقت بها تق ّدما كبريا للبرشيّة سواء يف‬
‫مجال الفيزياء أو علوم الحياة أو اإلعالميّة‪ .‬إالّ أ ّن هذا التّط ّور وهذا‬
‫قني قد أفضيا إىل معضلة‬
‫التق ّدم الكبريين عىل املستويني‬
‫العلمي والتّ ّ‬
‫ّ‬
‫كبرية‪ ،‬أال وهي أ ّن هذه العلوم قد أرست يف نفس الوقت مبادئ عا ّمة‬
‫صار جميع ال ّناس يط ّبقونها يف حياتهم اليوم ّية‪ ،‬وحتّى يف املجاالت الّتي‬
‫اتّضح فيها عجزها متاما عن فهم قضاياهم وعن حلّها‪.‬‬
‫فالعلوم الحديثة ‪-‬حسب إدغار موران‪ -‬أتت معها بطريقة مع ّينة‬
‫لرؤية األشياء‪ ،‬بطريقة تفكري تقوم عىل الفصل واالختزال والتّبسيط‪.‬‬
‫فلنئ كان العالِ ُم مضط ّرا عند دراسته ليشء أو لظاهرة ّما لتحديد‬
‫مجاله‪ ،‬وهذا أمر مفيد أ ّوليّا‪ ،‬إالّ أ ّن تطبيق هذه الطّريقة أو املنهج‬
‫يف مجاالت أخرى ستكون له تبعات ضا ّرة وعواقب وخيمة‪ .‬فهي‬
‫طريقة تبسيطيّة تفصل بني العنارص واألبعاد‪ ،‬وهي اختزاليّة ألنّها تعزل‬
‫الظّاهرة املدروسة أو عنرصا منها عن بق ّية الظّواهر والعنارص املك ّونة‬
‫بسيطي‬
‫لها‪ .‬ومن هنا‪ ،‬يستخلص إدغار موران أ ّن هذا التّفكري التّ‬
‫ّ‬
‫عصب والحروب‬
‫واالختزا ّيل يؤ ّدي إىل املانويّة الّتي تفيض بدورها إىل التّ ّ‬
‫والهمجيّة‪ ،‬إذ يت ّم عزل عنرص أو عنرصين من الظّاهرة عىل اعتبار أنّهام‬
‫يفسرّ انها ومن ث ّم يت ّم التّعامل معها عىل هذا األساس‪ .‬يقول موران يف‬
‫مقال له نرشته صحيفة لوموند منذ ثالث سنوات تحت عنوان «الترّ بية‬
‫ظل‬
‫السالم مقا َوم ٌة لذهن ّية الحرب»‪« :‬تنترش املانويّة وتنمو يف ّ‬
‫عىل ّ‬
‫االختزاليّة‪ ،‬فال يبقى سوى نضال الخري املطلق ضد الشرّ ّ املحض‪ .‬إنّها‬
‫تدفع نحو استبداد ال ّرؤية أحادية الجانب للفكر االختزا ّيل‪ ،‬وتغدو رؤي ٌة‬
‫بكل الوسائل‪،‬‬
‫للعامل تسعى فيها املانويّة العمياء إىل رضب أنصار الشرّ ّ ّ‬
‫مماّ يع ّزز‪ ،‬عالوة عىل ذلك‪ ،‬املانويّة لدى العد ّو‪ .‬ولذلك‪ ،‬يجب أن يكون‬
‫مجتمعنا بال ّنسبة للعد ّو هو األسوأ‪ ،‬ومواطنوه هم األسوأ‪ ،‬يك يجد‬
‫لنفسه ما ي ّربر رغبته يف القتل والتّدمري‪ .‬ما ينجم عن ذلك إذن‪ ،‬هو‬
‫أنّنا ألنّنا مه َّددون نعترب العد ّو الّذي يهاجمنا أسوأ ما خلقت البرشيّة‪،‬‬
‫وندخل نحن أيضا عميقا يف املانويّة بدرجات متفاوتة‪.2».‬‬
‫تأسست عليه املعرفة يف العلوم‬
‫وإذ يرفض موران هذا املنهج الّذي ّ‬
‫الحديثة‪ ،‬فذلك أل ّن منطقه القائم عىل التبسيط واالختزال لن ميكّننا‬
‫أبدا من بلوغ املعرفة اليقينية‪ .‬فبال ّرغم من «استحواذنا عىل القدرة‬
‫الحق ومل ندرك الحكمة الّتي بحث عنها‬
‫إالّ أنّنا مل نحصل عىل املعرفة ّ‬
‫األجداد طويال ألنّنا وقعنا يف التّبسيط واالختزاليّة»‪ .3‬كام يقول يف مكان‬
‫ستظل غري مكتملة‪ ،‬ليس فقط ألنّنا‬
‫آخر‪« :‬يجب أن نؤمن بأ ّن املعرفة ّ‬
‫كل ما هو معقّد وإنمّ ا أيضا أل ّن أي ّة‬
‫ال نستطيع بلوغ اليقني املطلق يف ّ‬
‫معرفة لها حدودها ال ّدماغ ّية والذّهن ّية والفكريّة‪ .‬ولنئ تشهد املعرفة‬
‫تق ّدما إالّ أنّها تزيد من الجهل بالقدر نفسه‪.4».‬‬
‫ينتقد موران هذا املنطق‪ ،‬وينتقد عىل وجه الخصوص األسس‬
‫اإليبستمولوجيّة التي قام عليها بارديغم العلم الحديث‪ ،‬أو براديغم‬
‫التّبسيط كام سماّ ه هو‪ ،‬واعتربه براديغام قدميا ينبغي تجاوزه وتغيريه‬
‫الصدد‪« :‬من املؤكّد أ ّن هناك‬
‫بأمنوذج جديد‪ .‬يقول موران يف هذا ّ‬
‫مقاومة متزايدة ملا ميكن تسميته بالتّفكري االختزا ّيل‪ ،‬أي ذاك الّذي‬
‫كل ّما يف معرفة األجزاء الّتي يتألّف منها‪ ،‬ومقاومة‬
‫يختزل معرفة ٍّ‬
‫«للمعرفة املج ّزأة» الّتي يقع فيها تقسيم الحقائق الطّبيع ّية املرتابطة‬
‫الكل ال تتطلّب فقط معرفة‬
‫إىل فروع واختصاصات‪ ...‬إ ّن معرفة ّ‬
‫الكل وإنمّ ا كذلك األفعال والتّأثريات املرت ّدة‬
‫العنارص الّتي تشكّل هذا ّ‬
‫الكل نشيطا‬
‫والكل عندما يكون هذا ّ‬
‫الّتي تحدث باستمرار بني األجزاء ّ‬
‫وح ّيا واجتامع ّيا‪ ،‬أي كالّ برشيّا‪.5.‬‬
‫جزيئي‪ ،‬يقرتح إدغار‬
‫ويف مواجهة هذا الفكر التّ‬
‫بسيطي االختزا ّيل التّ ّ‬
‫ّ‬
‫موران منهجا أو طريقا جديدا للمعرفة‪ ،‬طريقا رسم مالمحه ووضع‬
‫أسسه بنفسه ووصمه بـ «الفكر املركّب»‪ .‬فامذا يعني موران بعبارة‬
‫«مركّب»؟ وما هي أبرز خصائص هذا التّفكري؟‬

‫ّ‬
‫المركب وأهمّ خصائصه عند إدغار‬
‫‪ 2‬تعريف الفكر‬‫موران‪:‬‬
‫ ماذا يعني موران بكلمة مركّب؟‬‫يفسرّ إدغار موران هذا املفهوم يف مؤلَّفه «الفكر الشّ امل»‪ ،‬ويف‬
‫مشتق من كلمة ‪ complexus‬اليونان ّية الّتي‬
‫مؤلّفات أخرى أيضا‪ ،‬بأنّه ّ‬
‫مثل قطعة القامش املتألّفة من‬
‫تعني ما ت ّم نس ُجه مع بعضه البعض‪َ ،‬‬
‫خيوط كثرية‪ ،‬وهذه الخيوط الّتي يت ّم نسجها الواحدة مع األخرى هي‬
‫ككل‪« .‬تعني كلمة ‪ « complexus‬شيئا‬
‫الّتي تشكّل قطعة القامش ّ‬
‫مرتابطا»‪« ،‬منسوجا مع بعضه البعض»‪ ،‬وبالتّايل‪ ،‬فإ ّن التّفكري املعقّد‬
‫ياقي‪ ،‬أي من خالل الوصل‬
‫هو تفكري يربط من خالل التّحديد ّ‬
‫الس ّ‬
‫بالسياق من ناحية‪ ،‬ومن خالل محاولة فهم ما معنى منظومة ّما من‬
‫ّ‬
‫ناحية أخرى‪.6».‬‬
‫إذن‪ ،‬فالترّ كيب هو التّعقيد‪ ،‬والتّعقيد هو هذه الفكرة الّتي ترى يف‬
‫ظاهرة مع ّينة أو سريورة ّما منظومة من العنارص واألبعاد املتباينة‬
‫واملتظافرة فيام بينها يف آن معا‪ .‬ولذلك ال ب ّد للمعرفة من أن تل ّم بهذا‬
‫التّعقيد أو الترّ كيب يف الظّاهرة‪ ،‬عوضا عن تناول بُ ٍ‬
‫عد واحد واعتباره‬
‫كل تلك العنارص‬
‫رص األه ّم‪ .‬التّفكري املركّب بهذا املعنى هو اعتبار ّ‬
‫العن َ‬
‫واألبعاد جزءا ال يتج ّزأ من الظّاهرة املدروسة‪ .‬وهذا ما يعنيه موران‬
‫تحديدا مبفهوم «تع ّدديّة األبعاد «‪ ،multidimensionnalité‬الّذي‬
‫يعتربه أحد عنارص التّعقيد امله ّمة للغاية يف سياق يغلب عليه الشّ ّك‬
‫وانعدام اليقني‪.‬‬
‫السياق أيضا‪ ،‬يو ّجه إدغار موران نقدا الذعا للمنظومات‬
‫ويف هذا ّ‬
‫كل أصقاع‬
‫السائدة اليوم ال فقط يف الحضارة الغرب ّية بل ويف ّ‬
‫الترّ بويّة ّ‬
‫ال ّدنيا تقريبا‪ ،‬إذ يقول‪ « :‬تنطوي منظومتنا التّعليم ّية عىل فصل مأساو ّي‬
‫بني هذه القطبيات األساس ّية الثّالث املشكّلة للكائن البرش ّي (ويقصد‬
‫بها الكائن البرش ّي باعتباره فردا ومجتمعا ونوعا)‪ .‬ذلك أ ّن هذا الكائن‬
‫يُد َّرس من منظور البيولوجيا ومن منظور العلوم اإلنسان ّية بشكل‬
‫يفصل األ ّول عن الثّانية‪ ،‬وأفضل مثال عىل ذلك هو املعاملة الّتي يُخ َّص‬
‫وخاصة علم‬
‫بها ال ّدماغ‪ ،‬إذ باإلمكان دراسته عن طريق علم الحياة ّ‬
‫األعصاب‪ ،‬يف حني يت ُّم إلحاقُ ال ّنفس مبجال علم ال ّنفس‪ .‬وهكذا يقع‬
‫الفصل بني العلوم األساس ّية والعلوم اإلنسان ّية لتحليل املك ّون الواحد‬
‫الّذي يشكّل الكائن البرشي‪ ...‬إ ّن العلوم اإلنسان ّية بصفة عا ّمة مج ّزأة‪،‬‬
‫مماّ يح ّد بقدر كبري من مستوى االتّصال فيام بينها ويؤ ّدي بالفعل إىل‬
‫تفكيك كامل لفكرة اإلنسان‪ .7».‬ويعترب موران أ ّن صعوبة توخّي التّفكري‬
‫املركّب يف عاملنا اليوم ال تكمن فيه يف ح ّد ذاته بل يف اليقينيات الّتي‬
‫السنوات األوىل من التّعليم‪ ،‬والّتي مبوجبها‬
‫ت ّم غرسها يف أذهاننا منذ ّ‬
‫ينبغي ال ّنظر يف األشياء والظّواهر بصفة معزولة عن بعضها البعض‪،‬‬
‫وهكذا يصبح من شبه املستحيل إيجاد حلول للكوارث الّتي متيض إليها‬
‫البرشيّة بخطى حثيثة كالكارثة البيئ ّية عىل سبيل املثال‪ ،‬فيقول‪« :‬ولك ّن‬
‫اإليكولوجي صعب ج ّدا ألنّه يتعارض مع مبادئ فكريّة ت ّم‬
‫التّفكري‬
‫ّ‬
‫األسايس‪ ،‬حيث يعلّموننا القيام بقطع ال ّنسيج‬
‫غرسها فينا منذ التّعليم‬
‫ّ‬
‫املعقّد للواقع وتفكيكه‪ ،‬والفصل بني االختصاصات إىل أنّه يغدو ال ّربط‬
‫بينها يف املستقبل صعبا علينا‪ .‬ث ّم يقنعوننا بأنّنا محكومون بانغالق‬
‫االختصاصات‪ ،‬وبأ ّن الفصل بينها أمر رضور ّي‪ ،‬والحال أ ّن علوم األرض‬
‫وعلم البيئة تثبت اليوم أ ّن الجمع بني االختصاصات أمر ممكن»‪.8‬‬
‫الخاص ّية الثّانية من خصائص الترّ كيب عند موران متّصلة برضورة‬
‫ّ‬
‫األخذ بعني االعتبار العنارص غري املحتملة عند التّفكري والربمجة‪ .‬فنحن‬
‫رصف دامئا وفق برنامج معينّ ‪ ،‬أي وفق مجموعة من املها ّم املتعاقبة‬
‫نت ّ‬

‫‪5‬‬
‫واملنظّمة بشكل عقال ّين‪ .‬ولنئ يَعتَرب هذا التّمشيّ رضوريّا ومفيدا‪ ،‬غري أنّنا‬
‫يف كثري من األحيان ما نجد أنفسنا إزاء وضعيات أخرى من الالّمحت َمل أو‬
‫الالّمتوقَّع ‪ ،l’improbable‬أي أمام أشياء مل نتوقّع حدوثها‪ ،‬وحينها ال نعرف‬
‫السياق تغيرّ وال ّرهانات تغيرّ ت‪ .‬يف‬
‫رصف ألنّها وضع ّية جديدة وأل ّن ّ‬
‫كيف نت ّ‬
‫رصف‬
‫ت‬
‫لل‬
‫ّة‬
‫ط‬
‫خ‬
‫أي‬
‫ة‪،‬‬
‫ي‬
‫اتيج‬
‫رت‬
‫اس‬
‫يه‬
‫م‬
‫يس‬
‫ما‬
‫لوضع‬
‫ان‬
‫ر‬
‫مو‬
‫يدعونا‬
‫الحالة‪،‬‬
‫هذه‬
‫ّ‬
‫ّ ّ‬
‫ّ‬
‫رصف فيه‪ .‬فها هنا تحديدا نحتاج للتّفكري املركّب‬
‫يف محيط ال نعرف كيف نت ّ‬
‫أو املعقّد ألنّه سيم ّدنا مببادئ تسمح لنا بإدراك أشياء ال ميكن بدونه أن‬
‫نراها‪ .‬يقول إدغار موران‪ « :‬كلّام تعاملنا مع تط ّورات معقّدة تشتمل عىل‬
‫العديد من العالقات والتّفاعالت واالستجابات االنعكاس ّية ‪rétroactions‬‬
‫واملنازعات واملنافسات إالّ وكرب فينا انعدام اليقني‪ ،‬إذ ميكن للمرء أن يكون‬
‫عىل يقني من أ ّن اثنني مع اثنني يساوي أربعة‪ ،‬وعىل يقني من أنّه حني‬
‫يقوم مبثل هذه املعالجة الكيمياويّة سيحصل عىل مثل هذه ال ّنتيجة‪ ،‬ولكن‬
‫مبا أنّنا نحيا يف مجتمع‪ ،‬يف عامل‪ ،‬يف كوكب‪ ،‬يف عوملة‪ ،‬فليس بوسع املرء‬
‫أن يتخلّص من انعدام اليقني يف املستقبل بل وأيضا يف معرفة الحارض‪.‬‬
‫فاألحداث الّتي تنشأ تستغرق وقتا طويال قبل أن تندرج يف الوعي واملعرفة‪،‬‬
‫وال ب ّد إذن من بعض الوقت ومن مسافة لفهمها‪.9».‬‬
‫أ ّما الوجه األخري من وجوه التّعقيد عند موران فيتمثّل يف رضورة إدماج‬
‫ال ّد ِ‬
‫ارس أو الذّات الباحثة يف سريورة ال ّدراسة الّتي يقوم بها‪ .‬وهنا‪ ،‬يعود‬
‫موران م ّرة أخرى لينتقد العلوم الحديثة الّتي فصلت بني الذّات العارفة‬
‫وموضوع املعرفة‪ ،‬ظ ّنا منها أنّها بذلك الفصل تحقّق مبدأ املوضوع ّية‪ ،‬وهي‬
‫فكرة انطلقت مع ديكارت ومازالت مستم ّرة إىل يومنا هذا‪ .‬وعىل خالف‬
‫ذلك‪ ،‬تعترب فكرة التّعقيد أو الترّ كيب أ ّن من يقوم بدراسة ظاهرة ّما هو‬
‫ككل‪ ،‬أي إىل الذّات‬
‫جزء ال يتج ّزأ منها‪ ،‬لذلك ال ب ّد من ال ّنظر إىل الظّاهرة ّ‬
‫واملوضوع معا‪ .‬كتب إدغار موران يف كت ّيب ها ّم عن الترّ بية ما ييل‪« :‬هناك‬
‫حق قدرها حتّى اآلن‪ ،‬هي مسألة رضورة تنمية‬
‫مسألة خطرية‪ ،‬ال تق َّدر ّ‬
‫معرفة قادرة عىل فهم املشاكل الشّ املة والجوهريّة لتوضع لها املعارف‬
‫الجزئ ّية واملحلّ ّية‪ .‬إ ّن سيطرة معرفة مج َّزأة حسب االختصاصات تجعل من‬
‫الصلة بني األجزاء والكلّيات‪ ،‬لذا ينبغي لها أن‬
‫غري املمكن يف الغالب إقامة ّ‬
‫ترتك مكانها لنمط من املعرفة قادر عىل املسك مبوضوعاتها يف سياقاتها ويف‬
‫مركّباتها ويف كلّياتها‪.10».‬‬
‫تلخّص الفقرة التّالية الواردة يف فصل من فصول «التّفكري الشّ امل» الفرق‬
‫السائدة واملعرفة املنشودة من وجهة نظر إدغار موران‪« :‬إ ّن‬
‫بني املعرفة ّ‬
‫إعادة ال ّنظر يف املعرفة‪ ،‬ويف مصدرها‪ ،‬ويف الذّات العارفة‪ ،‬هو مك ّمل رضور ّي‬
‫رئييس إنمّ ا هي املبادئ الّتي‬
‫أليّة معرفة‪ ،‬مبا يف ذلك املعرفة الشّ املة؛ فام هو ّ‬
‫ننطلق منها لتنظيم العامل الّذي نعرفه‪ ،‬هو ما ميكن أن نس ّميه بـ»ال ّنموذج‬
‫‪ »le paradigme‬الّذي يتحكّم يف منظومات املعرفة والفكر‪ ،‬ذلك أ ّن أفكارنا‬
‫متتثل لنموذج من االختزال والفصل لسنا واعني به مع أنّه هو الّذي يو ّجه‬
‫منظومتنا التّعليم ّية كلّها‪ ،‬ومنظومتنا املعرف ّية بر ّمتها‪ ،‬ومنظومة تفكرينا‬
‫ظل حكم‬
‫بأرسها‪ ،‬ما عدا بعض االستثناءات الهامش ّية‪ .‬وحينام نكون يف ّ‬
‫كل‬
‫كل األشياء منفصلة عن بعضها البعض‪ ،‬ونرى ّ‬
‫هذا ال ّنموذج فإنّنا نرى ّ‬
‫كل ما يتناقض مع هذه ال ّرؤية‬
‫األشياء مخت َزلة يف أبسط عنارصها‪ ،‬ونظ ّن أ ّن ّ‬
‫ومحض جنون‪ .‬نحن إذن نعيش يف عرص يحتاج‬
‫ومحض حامقة‬
‫محض ثرثرة‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫إىل تغيري يف ال ّنموذج ونادرا ما يحدث هذا يف التّاريخ‪ ،‬واملقصود بذلك‬
‫هو االستعاض ُة عن الفصل بالتّمييز‪ ،‬وعن االختزال بالترّ ابط‪ :‬ينبغي التّمييز‬
‫وال ّربط يف آن واحد‪ .‬هذا هو براديغم التّعقيد‪.11».‬‬
‫ الهوامش‪:‬‬‫‪ 1‬مقتطف من حوار مع إدغار موران تحت عنوان «إدغار موران أو تقريض‬‫الفكر املركّب»‪ ،‬نرش يف العدد ال ّرابع من مجلّة ‪ Carnets de science‬لسنة‬
‫‪ ،2018‬ترجمة املنترص الحميل‪.‬‬
‫السالم مقاومة لذهن ّية الحرب‪ ،‬منارات‪ ،‬ع‪ ،71‬سبتمرب ‪.2018‬‬
‫‪ 2‬الترّ بية عىل ّ‬‫‪ 3‬إدغار موارن‪ :‬الفكر واملستقبل‪ :‬مدخل للفكر املركّب‪ ،‬ترجمة أحمد‬‫القصوار ومنري الحجوجي‪ ،‬دار توبقال‪ ،‬ال ّدار البيضاء‪ ،‬املغرب ط‪،2004 ،1‬‬
‫ص‪.15‬‬
‫‪ 4‬التّفكري الشّ امل‪ :‬اإلنسان وكونه‪ ،‬تر املنترص الحميل‪ ،‬يف انتظار ال ّنرش‪.‬‬‫‪ 5‬نفسه‪.‬‬‫‪ 6‬نفسه‪.‬‬‫‪ 7‬نفسه‪.‬‬‫‪Introduction à une politique de l’homme, éditions du Seuil, 8‬‬‫‪ .1999, P135‬املقتطف من ترجمتي‪.‬‬
‫‪ 9‬التّفكري الشّ امل‪ :‬اإلنسان وكونه‪ ،‬تر املنترص الحميل‪.‬‬‫‪ 10‬من مق ّدمة دراسة أع ّدها إدغار موران ملنظّمة اليونسكو الّتي نرشتها يف‬‫أكتوبر ‪ ،1999‬ث ّم نرشتها سوي ‪ Seuil‬سنة ‪ ،2000‬تر املنترص الحميل‪ ،‬مجلّة‬
‫الحياة الثّقاف ّية‪ ،‬ديسمرب ‪.2018‬‬
‫التّفكري الشّ امل‪ :‬اإلنسان وكونه‪ ،‬تر املنترص الحميل‪.‬‬
‫‪11-‬‬

‫الخميس ‪ 27‬فيفري ‪ - 2020‬املوافق لـ ‪ 3‬رجب ‪ 1441‬هـ ‪ -‬العدد ‪84‬‬

‫هيبة دون نفوذ خراب للدولة ‪/‬وسام السويسي‬
‫تعريب ‪ :‬غسان بسباس‬

‫هل مازال للدولة يف عرصنا‬
‫ما يكفي من السلطة‬
‫والنفوذ الذين ميكنانها دون‬
‫منازعة من مامرسة خاصية‬
‫احتكارها للعنف الرشعي؟‬
‫املالحظ أننا نشهد بشكل متزايد مظاهر متنوعة‬
‫من العنف الخارج عن سلطة الدولة وتأطريها‬
‫وذلك بوترية رسيعة تعطي االنطباع بأن الدولة‬
‫متخلّية عن دورها األصيل يف حامية جميع‬
‫مواطنيها والواقعني تحت نفوذها عىل إقليمها‪.‬‬
‫فأحداث السطو املسلح ويف وضح النهار‪ ،‬ومظاهر‬
‫العنف اللفظي اليومي ‪-‬يف اإلدارات العمومية عىل‬
‫سبيل املثال‪ ،-‬أو خطابات الكراهية بني النواب‬
‫يف املجلس الترشيعي تفضح بشكل أكرب فأكرب‬
‫تَ َر ُّسخ خيارات اإلفالت من العقاب وعجز الدولة‬
‫عن مامرسة صالحياتها ووضع ح ّد لكل ذلك‪.‬‬
‫وعىل ما يبدو مل ينجح املسار الدميقراطي الجديد‬
‫بعد اإلطاحة بالدكتاتورية السابقة – يف تخفيف‬‫الرصاعات بني املواطنني‪.‬‬
‫فهل الرشعية االنتخابية عقيمة لهذا الحد؟‬
‫هل املنتخبون عاجزون عن التحكم يف منسوب‬
‫العنف؟ الثابت أن الدولة فقدت اليشء الكثري من‬
‫هيبتها ونفوذها‪ .‬فمرحلة االضطراب واالنقسام‬
‫عىل امتداد البالد الالحقة لهروب بن عيل‪ ،‬مبا فيها‬
‫فرتة املجلس التأسييس‪َ ،‬وفَّرت أرضية خصبة لنجاح‬
‫الشعار األسايس للباجي قايد السبيس‪« :‬إعادة‬
‫إرساء هيبة الدولة»‪ .‬ولك ّن مهمة اسرتجاع نفوذ‬
‫الدولة وسلطتها مل تكن عىل نفس القدر لدى‬
‫إسالميي حركة النهضة بطبيعة الحال‪ ،‬باعتبارهم‬
‫معادين بنزعتهم العامليّة اإلسالمية ومرجعيّتهم‬
‫الفكرية ومصالحهم املرتسخة ملفهوم هيبة الدولة‪.‬‬
‫الخاصيّات التي ينبني عليها مفهوم‬
‫ولك ّن إحدى ّ‬
‫الهيبة هي عالقته الوثيقة بالوهم‪ .‬فهل يكفي‬
‫خداع الناس للنجاح يف الحكم وإعادة إرساء‬
‫الهيبة‪ ،‬خاصة وقد ارتبطت بإشاعة أوهام من‬
‫قبيل أن الهيئة واللباس وفصاحة الحاكمني كفيلة‬
‫بضامن طاعة املرؤوسني واحرتام املواطنني؟ يف‬
‫الواقع أيا كان اكتامل الهيئة و ُح ْسن املظهر‪ ،‬غياب‬
‫النفوذ الفعيل وضعف السلطة ال ميكن أن يُولِّدا‬
‫إال التمرد واالنفالت وعدم االحرتام‪ .‬وهذا ما‬
‫ميكن مالحظته بشكل ساطع يف التّباعد املتفاقم‬
‫بني عموم الناخبني ومتحزيب مختلف التشكيالت‬
‫السياسية املتجلّية من خالل نتائج االنتخابات‬
‫البلدية ‪ 2018‬وترشيعيات ‪2019‬‬
‫تتجل كل هذه النقائص والحدود يف مفهوم هيبة‬
‫ىّ‬
‫الدولة كام طرح بشكل حاد منذ ‪ 2013‬رغم أننا‬
‫منتلك سابقة تاريخية معارصة إبّان تعاطي النظام‬
‫مع أزمة التعاضد و»االشرتاكية الدستورية» أواخر‬
‫الستينات وبداية السبعينات‪ .‬إذ تزامن ال ُّنكُوص‬
‫الفجئي عن سياسة التعاضد مع املرض املزمن‬
‫لرئيس الجمهورية‪ ،‬يف الوقت الذي كانت الركيزة‬
‫األساسية الوحيدة املتبقّية للسلطة تتلخص يف‬
‫اسم الحبيب بورقيبة كرمز وتجسيد للدولة‪ .‬إذ‬
‫بادر «املجاهد األكرب» آنذاك بالتوجه بخطاب إىل‬
‫عموم الشعب التونيس من قرص قرطاج أكّد فيه‬
‫عزمه عىل إعادة إرساء هيبة الدولة من جديد‬
‫بل وسلطتها ونفوذها أيضا‪ .‬ويف هذا يتجىل خلط‬
‫مضمر ولكن واقعي وحقيقي‪ :‬باإلضافة إىل وهم‬

‫كفاية الهيبة‪ ،‬وهم التطابق بني النفوذ والسلطة‪.‬‬
‫ت ّم تعويض ضعف النفوذ ونقائصه بالتعسف‬
‫واإلفراط يف استعامل السلطة عند الحاكمني‬
‫يف البالد عىل امتداد عقود‪ .‬ومل يتمثَّلوا من َحلّ‬
‫لهذا التناقض إال عرب مزيد من التسلط والقمع‬
‫والدكتاتورية املغلفة بأقنعة النجاح والتنمية‬
‫والتقدم‪ ،‬غري أن هذه الفرتات كانت تنقطع دوريا‬
‫باضطرابات أو مترد أو انتفاض‪.‬‬
‫وبالعودة إىل راهن األحداث‪ ،‬وبقطع النظر عن‬
‫وجود عنرص جديد يتمثل يف عملية انتخابية عامة‬
‫حرة ورسية ومبارشة يف مسارها اإلجرايئ عىل‬
‫األقل‪ ،‬حافظ الحاكمون عىل نفس املستوى من‬
‫الفوىض والخلط والوهم يف مامرستهم للسلطة‪.‬‬
‫فإن يكون رئيس مجلس نواب الشعب يف نفس‬
‫الوقت رئيس الحزب الحائز عىل أكرث املقاعد يف‬
‫االنتخابات الترشيعية يج ِّرده من النفوذ الرضوري‬
‫لحسن إدارة النقاشات الربملانية وضامن سالستها‪.‬‬
‫رض بالنفوذ ويعرقل بَسط النظام‬
‫فغياب الحيادية ي ّ‬
‫ويُشرْ ِع األبواب أمام الخصومات األكرث رداءة‬
‫وبذاءة بني النواب‪.‬‬
‫فهيبة الوظيفة ال تضمن لوحدها ملن يشغلها‬
‫النفوذ املطلوب‪ ،‬بل يُفترَ َض أنه يستم ّدها ال من‬
‫األشخاص بل من املؤسسة وموقعه فيها‪ ،‬رشيطة‬
‫ونواميسها‪.‬‬
‫أن يَحرتِم شَ ا ِغلُ هذا املوقع املؤسس َة‬
‫َ‬
‫ويف غياب ذلك –وهو ما يحدث بشكل متواتر‪-‬‬
‫اليقوم الحاكمون إال بتلغيم مؤسسات الدولة‬
‫ويتعاظم حذر املواطنني منها وخرقهم لقوانينها‬
‫وتحديها‪.‬‬
‫ولنا مثال ساطع و ِعبرَ يف نتائج االنتخابات األخرية‪،‬‬
‫فالتصويت العقايب يف الترشيعية ضاءل بشكل‬
‫كبري حد االضمحالل بعض األحزاب التي ال ميكن‬
‫أن ننفي عنها امتالكها لجزء مهم من النفوذ‪ ،‬ويف‬
‫نفس الوقت وجد الناخبون يف شخص قيس سعيد‬
‫املنتخب يف الرئاسية تعويضا عن النقص الفادح يف‬

‫النفوذ لخلفه املرحوم الباجي قايد السبيس الذي‬
‫عجز حتى عن إدارة الخالفات داخل الندائيني‪.‬‬
‫فهل سيحظى يوما املنتخب الجديد مبا يكفي‬
‫من الهيبة –بخصاله وقدرته ال من حيث وظيفته‬
‫فحسب‪ -‬مبا يمُ ِّك ُنه من إعادة نفوذ الدولة التي‬
‫يرأسها؟‬
‫يف الدميقراطية‪ ،‬العنرص األسايس لإلجابة‬
‫الذي يسبق منطقيا تنفيذ الربامج االقتصادية‬‫سيايس باألساس ‪« :‬هل سرنى‬
‫واالجتامعية ‪-‬‬
‫ّ‬
‫يوما التونسيني يخضعون سواسية لنفس القانون‬
‫وتطبيقاته؟»‬
‫بتعبري آخر‪ ،‬هل ستجد معضلة تشكيل املحكمة‬
‫الدستورية – باعتبارها تجسيدا إلحدى مصادر‬
‫النفوذ املهمة وضامنة ملبدأ املساواة‪ -‬طريقها إىل‬
‫حلّ مرشوع يراعي مبادئ الكفاءة واالستقاللية‬
‫والتشبع بقيم دستور ‪ 26‬جانفي ‪ 2014‬وقدرة‬
‫أعضائها مجتمعني عىل فرض هيبة املؤسسة‬
‫ونفوذها؟‬
‫يف غياب ذلك ويف ظل تواصل الوضع املؤسسايت‬
‫األعرج الذي نعيشه‪ ،‬وجود هيبة السلطة دون‬
‫نفوذ حقيقي وكاف يه ّدد دون ريب بانهيار‬
‫وإفالس الدولة الحامية للحقوق والحريات‪.‬‬
‫غياب املحكمة الدستورية هو املنحدر األرسع‬
‫نحو هاوية تصاعد العنف والهسرتة يف العالقات‬
‫بني فئات املجتمع وتعبرياته السياسية‪ ،‬مبا يهدد‬
‫بجدية ويعزز التوقعات ‪-‬يف ظل ضعف الدولة‬
‫– ببلوغ منسوب عال من العنف ومن مظاهر‬
‫الذهان وجنون العظمة لدى النخب الحاكمة ويف‬
‫املجتمع‪ .‬فأمام تواصل التغييب املمنهج لهيئة‬
‫محكّمة كفأة وتحظى بنفوذ عىل الجميع يتنامى‬
‫خطر تحول الرصاع املجتمعي إىل نوبات حادة من‬
‫العنف املريض تحركه هواجس الخوف وأوهامه‪:‬‬
‫البيئة املثىل لرتعرع مختلف الشعبويات‪.‬‬

‫‪6‬‬

‫الخميس ‪ 27‬فيفري ‪ - 2020‬املوافق لـ ‪ 3‬رجب ‪ 1441‬هـ ‪ -‬العدد ‪84‬‬

‫رؤى حول» الربيع العربي» !‬
‫محمد صالح التومي ـ املعرويف‪.‬‬
‫عاش الوطن العريب منذ ‪ 17‬ديسمربـ‬
‫كانون األول ‪ 2010‬تاريخ إحراق محمد‬
‫البوعزيزي لجسده بسيدي بوزيد بتونس‬
‫احتجاجا عىل البؤس املحيط به حالة‬
‫غليان شكَل خروج املستبد زين العابدين‬
‫بن عيل إىل جدة بالحجاز وبدون رجعة‬
‫بتاريخ ‪ 14‬جانفي ـ كانون الثاين ‪2011‬‬
‫حافزا إلطالق اسم « ثورة الياسمني « عىل‬
‫ما وقع ‪ ،‬ومناسبة الستنساخ التجربة يف أحداث متتالية وقعت يف‬
‫مرحلة أوىل سنة ‪ 2011‬يف مرص ويف ليبيا ويف البحرين ويف اليمن‬
‫ويف سوريا مع محاولتني مل تستمرا حينئذ يف الجزائر ويف املغرب‬
‫األقىص‪ ،‬كام تكررت يف مرحلة ثانية خالل سنة ‪ 2019‬بالجزائر‬
‫وبالسودان وبالعراق وبلبنان‪ ...‬وقد أطلق عىل تلك األحداث‬
‫جميعها اسم « الربيع العريب»‪...‬‬
‫هل كانت هناك مؤامرة ؟‬
‫الحقيقة ـ وبعيدا عن هذا الترسع املقصود يف تسمية ماوقع‬
‫بالربيع ـ أن ما ج َد يثري أسئلة معرفية ومفاهيمية عديدة ال بد‬
‫من طرحها بكامل الجدية ؛‬
‫فلقد عرف العامل قبل هذا « ترتيبات» أطلق عليها اسم « الربيع»‬
‫‪،‬‬
‫مثل» ربيع براغ» الذي عرفته تشيكوسلوفاكيا سنة ‪ ،1968‬قبل‬
‫انقسامها فيام بعد إىل دولتني هام تشيكيا وسلوفاكيا‪،‬‬
‫ومثل « ثورة القرنفل» بالربتغال سنة ‪،1975‬‬
‫ومثل التحركات التي انطلقت مع بريوسرتويكا غورباتشوف سنة‬
‫‪ 1985‬وعرفت أوجها يف رومانيا بإعدام بعض الغاضبني هناك‬
‫لنيكوالي تشاوسيسكو وزوجته إيلينا يف الشارع وبدون أدىن‬
‫محاكمة‪ ،‬وهي التحركات التي ستؤدي شيئا فشيئا ‪:‬‬
‫إىل سقوط ما بقي من التجربة االشرتاكية باالتحاد السوفييتي‬
‫الذي كان متكونا من خمسة عرش جمهورية وقع التمهيد بتلك‬
‫الصفة النفراط عقدها يف ديسمرب سنة ‪،1991‬‬
‫وإىل هدم حائط برلني قبل ذلك يف نوفمرب ‪ 1989‬يف لحظة أريد‬
‫لها أن تكون تاريخية ورمزية وحتى مرسحية إذ تحت تضخيم‬
‫إعالمي منقطع النظري‪ ،‬إيذانا باالنتقال إىل القطبية األحادية ‪،‬‬
‫ومثل «الثورات امللونة « ‪:‬‬
‫بلون «الورود» التي وقعت يف جيورجيا يف نوفمرب ‪،2003‬‬
‫وبلون «الربتقال» التي وقعت يف أوكرانيا يف نوفمرب ‪، 2004‬‬
‫وبلون «الزنابق» التي وقعت بكريغيزيستان يف مارس ‪... 2005‬‬
‫وكل هذه الثورات امللونة تشرتك كام هو ملحوظ يف وقوعها‬
‫يف دول مجاورة لروسيا االتحادية‪ ،‬فالتحركات حول هذه األمة‬
‫تستهدفها إذن بدون منازع ؛‬
‫بل لقد اتضح عند النهاية أن املخابرات األطلسية كان لها دورها‬
‫الواضح يف رسم مسار تلك التحركات امللونة التي سموها باطال‬
‫« ثورات» وصوال بها إىل األهداف املرسومة لها سلفا من قبل‬
‫املستفيدين من ورائها من أطراف خارجية متحالفة مع عمالء يف‬
‫الداخل‪ ...‬وهي املسارات التي تصدت األمة الروسية بنجاح إىل‬
‫بعض جوانبها‪.‬‬
‫يستند العمل املخابرايت العرصي عىل ما توصل إليه علم الربمجية‬
‫العصبية األلسنية الذي تم اإلعالن عن اكتشافه يف « أمريكا» سنة‬
‫‪ 1970‬من طرف ريشارد باندالر وجوهن قريندار ‪ ،‬وتم اختباره‬
‫عىل األفراد كطريقة عالجية ألمراضهم النفسية ‪ ،‬ثم شيئا فشيئا‬
‫امتد اختباره إىل الجموع البرشية يف صيغ بلغت نقطة قصوى‬
‫سنة ‪ 2006‬مع روبري ديلتس‪ ،‬حيث انطالقا من إسهامه وصل‬
‫هذا العلم إىل جيله الثالث وأصبح مهتام بتغيري األنظمة والتأثري‬
‫عىل تحرك املجموعات واملنظامت ‪ ،‬ثم مل ينقطع تطويره منذ‬
‫ذلك الحني ؛‬

‫‪1/4‬‬

‫ويعتني هذا العلم باملحددات‬
‫السلوكية املشرتكة بني جميع البرشمهام‬
‫تباينت انتامءاتهم الجغرافية والثقافية‬
‫انطالقا مام هو لغوي وعصبي يف نفس‬
‫الوقت ‪ ...‬ومن مثة محاولة التأثريعىل‬
‫أدائهم الفردي أوالجامعي مع إمكانية‬
‫توجيههم سلبيا أو إيجابيا قدر‬
‫املستطاع نحو أهداف محددة سلفا ؛‬
‫وقد وجدت املخابرات املتطورة يف هذا‬
‫العلم وسيلة ناجعة ميكن استعاملها‬
‫للتأثري عىل حركة الجموع البرشية‬
‫مبا يجعلها تنساق يف املسارب التي‬
‫رسمت مسبقا داخل مراكز الدراسات‬
‫العمالقة ( الثينك ـ تانكس ) تحقيقا‬
‫لألهداف الكربى لألوليغارشيا أي‬
‫الطغمة املالية العاملية ‪.‬‬
‫وتتمثل الوسائل املعتمدة من‬
‫زاوية النظر التي تعنينا هنا يف‬
‫التظاهرخداعا باالستجابة إىل النوازع‬
‫البرشية والحاجيات األساسية لإلنسان‬
‫وهي حاجته إىل الطعام وإىل الحرية‬
‫وإىل االنتامء إىل دائرة روحية أو لغوية أو ثقافية‪ ...‬ولكنها إذ‬
‫تعمل عىل إطالق هذه النوازع من عقالها يف منحى أول أوعىل‬
‫التدخل يف منحى ثان يف مسارها بعد انطالقها‪ ،‬فهي تسعى إىل‬
‫االنحراف بها أثناء فوىض التحركات وتصادم اإلرادات واملصالح‬
‫لتضعها يف القوالب املراد تحقيقها‪...‬فتجد الجموع نفسها قد‬
‫عاشت إىل هذا الحد أو اآلخر حسب درجات تطورها وموازين‬
‫الرصاع داخلها أو بينها وبني أعدائها يف وهم كبري أويف نوع من‬
‫خداع النفس الذي قد ال ميكنها االستفاقة منه بسهولة كون هذا‬
‫الوهم تغذيه وسائل اإلعالم الجبارة ووسائط االتصال الحديثة‬
‫التي كثريا ما تلجأ إىل األكاذيب اإلعالمية املبهرجة ‪ ،‬وعادة ما‬
‫تكون سباقة يف نحت املفاهيم والتعابري والصياغات يف نطاق‬
‫حرب املعاين املضللة للعقل والنارشة للوعي الزائف‪ ...‬وهي‬
‫الحرب التي تخاض يف عرصنا هذا بدون رحمة وبال هوادة ‪.‬‬
‫ميكن أن يرى البعض يف مثل هذا الكالم تجسيبام ملا يسمى‬
‫بنظرية املؤامرة التي أجرب الكثريون وحتى من املفكرين املعروفني‬
‫عىل إعالن براءتهم من اعتناقها تجنبا للتبعات التي قد تنجر لهم‬
‫عن ذلك ماديا أو معنويا‪ ،‬ولكن األمر ليس متاما عىل هذه الشاكلة‬
‫بالنسبة إىل مانذهب إليه‪ ،‬ولذلك فنحن يف هذا الخصوص إزاء‬
‫توضيح البد لنا من تقدميه ؛‬
‫ال يندرج هذا التوضيح يف خانة نفي وجود املؤامرة ‪ ،‬وذلك ألن‬
‫املؤامرة موجودة فعال وواضحة للعيان متام الوضوح‪ ...‬بل إن‬
‫املستغرب أن ال تكون موجودة ‪ ،‬ألن حاجة األوليغارشيا املالية‬
‫إليها ال ميكن بكل بساطة إنكارها ‪ :‬فمصانع األسلحة ال بد لها من‬
‫تكسري السالح وافتعال الحروب إلعادة تشغيل آلياتها‪ ،‬ولوبيات‬
‫إعادة اإلعامر ال بد لها من إثارة نزعات التدمري لبيع معداتها‪،‬‬
‫ومخازن الصريفة العمالقة البد لها من نرش ثقافة االعتامد عىل‬
‫الغريوالدفع نحو االقرتاض ونبذ ثقافة االعتامد عىل الذات لتنمية‬
‫عائداتها ‪ ،‬والرشكات العابرة للجنسيات التي تنتج جميع أنواع‬
‫السلع الغذائية والدوائية والصحية وامليكانيكية واالتصالية يف‬
‫حاجة إىل الطاقة من نفط وغاز وإىل املواد األولية التي ميكن أن‬
‫تكون نادرة فيصل بها األمر إىل العدوان وإىل االحتالل وإىل افتعال‬
‫األمراض واألوبئة من أجل تشغيل ذاتها‪،‬‬
‫وهكذا فكل هذه املجاميع ترسم خططا معدة سلفا لبلوغ غاياتها‪،‬‬
‫وهذه الخطط التي قد تكون جهنمية أحيانا ال ميكن أن نشري‬
‫إليها إال بكونها تندرج يف خانة املؤامرة ؛‬
‫فيبقى التوضيح املقصود والذي نعتربه رضوريا‪ ،‬متعلقا فقط‬

‫بحدود هذه الخطط وهذه املؤامرات ومبدى تأثريها عىل من‬
‫تستهدفهم ‪ ،‬إذ ال بد لنا هنا من أن نعتمد نظرية العالقة الجدلية‬
‫بني األسباب الخارجية واألسباب الداخلية حتى تتضح املقاصد‬
‫متاما‪،‬‬
‫ولنقم بذلك من خالل ما يصيب أجسام الكائنات الحية من العلل‬
‫إذ من املفهوم أن الفريوسات والبكترييات والجراثيم ال ميكنها‬
‫كأسباب خارجية أن تجد طريقها إىل فرض نفسها وأداء مهامها إال‬
‫إذا وجدت يف باب األسباب الداخلية اختالال يف عمل نظام املناعة‬
‫وضعفا يف أداء الحصون الدفاعية التي من املفروض أن تحارص ثم‬
‫أن تصد أو أن تبيد كل هجوم خارجي ‪ ،‬ولكنها تعجز إما جزئيا‬
‫وإما كليا وألسباب متعددة عن القيام بذلك ‪ ، ،‬فذلك بالضبط ما‬
‫ميكن أن يقال عن األجسام االجتامعية والوطنية‪ ...‬ما من شأنه أن‬
‫يدخل إذن تنسيبا واضحا عىل نظرية املؤامرة كام يتم الرتويج‬
‫لها خطأ من طرف القائلني بها والرافضني لها عىل حد السواء‬
‫‪...‬فليس كل ماتخطط له األوليغارشيا املالية تدركه ‪ ،‬ألن إدراكها‬
‫ألهدافها كليا أو جزئيا أو فشلها يف إدراكها متاما رهني باملدى‬
‫من الضعف أومن القوة الذي تبديه املجتمعات املستهدفة عند‬
‫مواجهتها ملا يتسلط عىل كياناتها‪.‬‬
‫ولعله يجدر بنا هنا استحضار مثال جورج سوروس ‪ ،‬وهوامليلياردير‬
‫األمرييك الذي يزعم مساندة الحركات االجتامعية عرب العامل‬
‫وينادي بوجوب قيام حكومة عاملية ويرى نفسه أحد قياداتها‪،‬‬
‫والذي من املعروف أنه اخرتق بواسطة املال الكثري من الحركات‬
‫االجتامعية التي تنشب هنا أو هناك ومن ضمنها كمثال بارز‬
‫«الفوروم» أي املنتدى االجتامعي العاملي‪ ،‬حيث تم بالنسبة‬
‫لهذا الفوروم حرفه عن أهدافه األوىل املناهضة للنيو ليربالية‬
‫وللرأساملية ومن مثة تحويله إىل مجرد كرنفال تنفييس عن‬
‫املكارب و تائه األهداف واملرامي ‪.‬‬
‫لقد قال هذا املليارديرفيام قال ‪ :‬إن الحركات االجتامعية التي‬
‫تفتقر إىل قيادات تسري بها نحو أهدافها ميكن السيطرة عليها‬
‫وتسيريها يف املسارات التي تخدم غاياتنا ؛‬
‫والكثريون بفعل البهرج اإلعالمي الذي يقدم الرجل كفاعل خري‬
‫ال يدركون أن هذه األهداف ليست شيئا آخر غري توفري أسباب‬
‫الدميومة للنظام الذي تفرضه األوليغارشيا املالية العاملية والتي‬
‫هو أحد أعضائها كونه يحتل املرتبة الثالثة والعرشين يف «قامئة‬
‫فوربس» ألغنى أغنياء العامل برثوة تقدر بأربعة وعرشين فاصل‬
‫تسعة مليار دوالر‪ ،‬وهكذا فإن خالفه العلني والنسبي عند النهاية‬
‫مع بعض مكونات هذه األوليغارشيا يطال فقط طرق العمل‬

‫‪7‬‬
‫ولكنه ال ميس أبدا جوهر األهداف‪.‬‬
‫املجتمع املدين كحلم بورجوازي وامربيايل‪،‬‬
‫نصل هنا ومن خالل ماتقدم إىل مفهوم « املجتمع املدين»‬
‫ودوره املتنامي يف حياة األمم والشعوب ؛‬
‫ليس هذا املفهوم جديدا ‪ ،‬فالكثريون يرجعونه إىل مفهوم‬
‫«بوليس» اإلغريقي والذي يعني الحي ـ املدينة‪ ،‬والذي‬
‫طوره من ضمن من طوروه الفيلسوف افالطون يف‬
‫جمهوريته ‪،‬‬
‫وهناك من يرون أن أبو نرصالفارايب مبدينته الفاضلة‬
‫وعبد الرحامن ابن خلدون بحديثه عن أن ‪...‬اإلنسان مدين‬
‫بطبعه‪ ...‬قد كان لهام إسهامهام إىل هذا الحد أو اآلخر يف‬
‫التبشري بهذا املفهوم ويف نحت بعض معامله األولية ‪،‬‬
‫ونحن هنا نجد أنفسنا يف الحقيقة أمام مساجالت‬
‫تاريخية وفلسفية ال يسعنا املجال للتوقف عندها‪،‬‬
‫ولكنه يبقى من واجبنا اإلشارة بعد تجنبها إىل أن هذا‬
‫املفهوم مل يتخذ معناه الحديث إال مع نجاح الغليان‬
‫الثوري للطبقات الحرضية أو املدينية والتي تسمى‬
‫بلغات الغرب ‪ :‬الطبقات البورجوازية‪ ،‬وذلك عند متردها‬
‫بأوروبا عىل إجحاف قيود اإلقطاع رافعة شعارات‪ :‬دعه‬
‫يعمل ودعه مير‪...‬وحرية التجارة والصناعة‪ ،‬ومتوسلة‬
‫بحرية الفكر وبحرية املعتقد لرضب تحالف اإلقطاعيني‬
‫مع مؤسسة رجال الدين ‪ ،‬كام لفتح الباب أمام حرية‬
‫االستثامر وحرية االخرتاع ما مكن من التقدم العلمي ومن‬
‫تحقيق اإلنجازات التكنولوجية التي كانت من قبل تبقى‬
‫يف مجالها كمجرد خيال علمي نظري وكمجرد أحالم يف‬
‫رؤوس أصحابها‪.‬‬
‫وهكذا فإن مفهوم املجتمع املدين مل يدرك عمقه إال مع‬
‫تباشري الثورات البورجوازية األوروبية حيث برش به برنار‬
‫دي ماندفيل منذ ‪ 1714‬و ربط بينه وبني حب الذات أي‬
‫الفردية حيث من املعلوم أن الفردية هي أساس املجتمع‬
‫الرأساميل املراد ترسيخ دعامئه آنذاك ‪ ،‬ثم تناوله طوال‬
‫السنوات الباقية من القرن الثامن عرش من التقويم‬
‫املسيحي فالسفة األنوار بفرنسا وبربيطانيا وبالقارة‬
‫املسلوبة من أهلها واملسامة أمريكا‪ ،‬قبل أن يعود إليه‬
‫بعد ذلك يف أملانيا خالل القرن التاسع عرش كل من جورج‬
‫فيلهايم فريدريتش هيجل وتلميذه كارل ماركس‪،‬كون‬
‫أملانيا تأخرت هي وإيطاليا آنذاك عن الثورة البورجوازية‬
‫وعن تحقيق وحدتهام القومية التي تحتم قيام سوق‬
‫موحدة للدولة ـ األمة‪.‬‬
‫وإذ تخىل كارل ماركس مبعية صديقه فريدريك أنجلز عن‬
‫كتاب «اإليديولوجيا األملانية» ورميا به إىل «نقد الفرئان‬
‫« كام قاال بصورة مازحة ‪ ،‬وهو الكتاب الذي استعمال‬
‫فيه هذا املصطلح وعوضاه مبصطلح « عالقات اإلنتاج‬
‫االجتامعية « ‪ ...‬فإن تلميذهام اإليطايل أنطونيو قراميش‬
‫قد عاد إليه بشدة يف أواسط القرن العرشين مع صعود‬
‫الفاشية ببالده‪ ،‬ومحاولته تجديد الفكر الثوري عىل ضوء‬
‫املتغريات التي مست قواعد االجتامع البرشي يف عرصه‪...‬‬
‫ثم كان أن اهتمت مراكز الدراسات االمربيالية بهذا‬
‫املفهوم بقوة مع انبعاث الليربالية من جديد يف مثانينات‬
‫القرن العرشين تحت مسمى النيو ليربالية وحاجتها يف‬
‫نطاق هذا االنبعاث إىل مسح املساحيق االجتامعية‬
‫والكاينزية التي كانت قد اضطرت إىل وضعها عىل وجه‬
‫منط اإلنتاج الرأساميل بعد نجاح الثورة البلشفية بروسيا‬
‫وباملستعمرات السابقة للقيارصة أي باالتحاد السوفييتي‪،‬‬
‫فشهدنا يف نطاق التنافس بني املنظومتني سياسات‬
‫التأميم يف البلدان الليربالية وقيام الدولة الحامية للحقوق‬
‫االجتامعية فيها‪ ،‬وازدهار األحزاب بداخلها والتي سمت‬
‫نفسها اشرتاكية دميقراطية أو عاملية أو اشرتاكية مرة‬
‫واحدة يف حني أن جوهرفلسفتها السياسية بقي رأسامليا‬
‫وفرديا ‪ (...‬يتبع)‬

‫الخميس ‪ 27‬فيفري ‪ - 2020‬املوافق لـ ‪ 3‬رجب ‪ 1441‬هـ ‪ -‬العدد ‪84‬‬

‫أين املثقفون؟‬
‫ألبرتو مانغويل‬
‫ترجمة جامل الجاليص*‬
‫حاول الكتاب الذين واجهوا‬
‫فظائع كانت تبدو غري متوقَّعة‬
‫قبل عقد من الزمن تحليلَ‬
‫األحداث التي شهدوها‪ ،‬والتنديد‬
‫بها خالل الديكتاتورية العسكرية يف سبعينيات القرن‬
‫املايض يف األرجنتني‪ ،‬مل تكن إداناتهم دقيقة فحسب‪،‬‬
‫بل كان أفكارا ً متع ّمقة حول طبيعة العنف الذي تق ّره‬
‫الدولة والفساد األخالقي الذي كان أساس الخطاب‬
‫الرسمي‪.‬‬
‫يف ‪ 24‬مارس ‪ ،1977‬نرش الروايئ والصحفي رودولفو‬
‫والش خطاباً مفتوحاً إىل املجلس العسكري يتّهمه فيه‬
‫باملسؤولية عن «خمسة عرش ألف مفقود وعرشة آالف‬
‫سجني مظلوماً وأربعة آالف قتيل وعرشات اآلالف‬
‫م ّمن اضطروا إىل املنفى‪ .‬انتهت رسالته بهذه الكلامت‪:‬‬
‫«هذه هي األفكار التي أردت يف هذه الذكرى السنوية‬
‫األوىل لحكومتكم املؤسفة أن أخاطب بها أعضاء هذه‬
‫الطغمة العسكرية‪ ،‬دون أمل يف أن أُس َمع‪ ،‬ومتأكّدا ً أنيّ‬
‫سأتع ّرض لالضطهاد‪ ،‬لك ّنه وفاء بااللتزام الذي تعهدت‬
‫به منذ م ّدة طويلة للشهادة يف األوقات الحرجة‪« .‬‬
‫كان هذا مند منذ أربعني عاماً‪ ،‬غيرّ ت «األوقات‬
‫الحرجة» األبطال والسيناريوهات‪ ،‬لكنها مل تنته‪ .‬تشري‬
‫التقارير اإلخبارية إىل عدد ال يحىص من األحداث‬
‫الفظيعة كل يوم‪ ،‬ويف العديد من البلدان (روسيا‪،‬‬
‫سوريا‪ ،‬تركيا‪ ،‬فنزويال‪ ،‬الصني) يتع ّرض الصحف ّيون‬
‫والكتّاب للسجن والتعذيب والقتل يف بعض األحيان‬
‫بسبب نرش هذه األحداث للعموم‪ .‬لكن يف العديد من‬
‫البلدان األخرى‪ ،‬وخاصة تلك التي تخفي حكوماتها‬
‫فظائعها تحت ستار اإلجراءات الدميقراطية‪ ،‬ال يكفي‬
‫تقديم التقارير يف الوقت املناسب ومقتطفات من‬
‫الخطب السياسية‪.‬‬
‫أين هي‪ ،‬يف دميقراطياتنا املزعومة‪ ،‬األصوات الواضحة‬
‫واملتامسكة واملنتقدة يف زمننا‪ ،‬األصوات التي ال تكتفي‬
‫بشجب هذه الفظائع بل يفكّرون يف أسبابها الجذرية؟‬
‫يف عام ‪ ،1932‬يف مقالته «كالب الحراسة»‪ ،‬ن ّدد بول‬
‫نيزان بصمت العديد من املفكرين يف عرصه‪« .‬الفجوة‬
‫بني تفكريهم والكون املنكوب بالكوارث تتزايد كل‬
‫أسبوع‪ ،‬وال ينتبهون‪ ...‬كلّ من كان ينتظر بسذاجة‬
‫كلامتهم بدأ يف التمرد‪ ،‬أو الضحك‪« .‬‬
‫منذ فرتة أثينا القدمية عىل األقل‪ ،‬تعترب الشهادة يف‬
‫الوقت الحرج من واجبات املواطن‪ ،‬وهي عنرص من‬
‫مسؤوليته املدنية يف الحفاظ عىل مجتمع متوازن‬
‫تقريباً‪ .‬بالنسبة إىل القوانني واللوائح الرسمية‪ ،‬يجب‬
‫عىل الفرد مواجهتها باألسئلة باستمرار‪ :‬إنه يف التوتّر‬
‫(أو الحوار) بني ما يأمر به العرش واعرتاضات الشارع‬
‫يجب يوجد املجتمع‪ .‬هذا هو الفعل املدين‪ ،‬الذي‬
‫وصفه «ماركس» يف كتابه «أطروحات عن فيورباخ»‬
‫(‪ )1845‬بأنه الفعل «العميل النقد ّي»‪ ،‬هو الدور‬
‫املميز للمفكر‪.‬‬
‫منذ العصور القدمية‪ ،‬تولىّ املفكّر هذا ال ّد ْور يف‬
‫جميع املجتمعات التي أنشأتها اإلنسانية‪ .‬إما عن‬
‫طريق املطالبة باألجر املهني‪ ،‬مثل السفسطائيني‪،‬‬
‫عن أعاملهم يف «السوق العامة لألفكار»‪ ،‬أو ملجرد‬
‫حب الحقيقة والعدالة‪ ،‬مثل سقراط‪ ،‬أو عن طريق‬
‫ّ‬
‫تعسف الدولة‪ .‬مك َّرماً من‬
‫أو‬
‫الكنيسة‬
‫قسوة‬
‫معارضة‬
‫ّ‬

‫ِقبل مواطنيه أو مش َّوهاً ومضطهدا ً بسبب ترصيحاته‬
‫العامة‪ ،‬قام املثقف يف جميع األوقات تقريباً مبه ّمة‬
‫صوت املجتمع الناقد‪ .‬الحظ بعض املؤرخني أ ّن‬
‫الشخصية الحديثة للمفكّر ُولدت خالل احتجاجات‬
‫منتصف القرن التاسع عرش يف روسيا القيرصية‪ ،‬كفرد‬
‫من األنتلجسيا‪ ،‬البعض اآلخر وجد له جذورا ً يف جامعة‬
‫درايفوس املد َّربني من قبل إميل زوال يف فرنسا القرن‬
‫التاسع عرش‪ ،‬بينام يرى البعض اآلخر أصول املثقف‬
‫الجمعي عند كُتّاب التنوير‪ ،‬مثل لوك وفولتري وروسو‬
‫ّ‬
‫وديديرو‪.‬‬
‫ومع ذلك ‪ ،‬فإن هذا الدور ليس امتيازا ً حرصيّاً لكتّابٍ‬
‫معرتف بهم مثل زوال ولوك‪ :‬يجب أن يكون كل كائن‬
‫برش ّي قادرا ً عىل التفكري العاملي‪ .‬أحيانًا يكون املفكر‬
‫البارز هو السيد أو السيدة الجميع‪ ،‬الذي ال ميلك ما‬
‫ميكن أن نسميه صوتاً احرتافياً‪ .‬ميكن أن يكون هؤالء‬
‫الرجال والنساء (بشكل عام) غافلني عن الدور الذي‬
‫يلعبونه‪ ،‬باعتبارهم أشخاصاً عاديّني تعتمد أصواتهم‬
‫عىل األخالق‪ ،‬نقّادا ً طبيعيني لعرصهم‪ .‬مالحظة‬
‫غراميش يف كتابه «ك ّراس ‪)Cuaderno 12 ( »12‬‬
‫مفيدة هنا‪« :‬ال يوجد أي نشاط برشي ميكن أن‬
‫نستبعد فيه التدخالت الفكرية‪ ،‬ال ميكننا فصل‬
‫اإلنسان الخالق (‪ ) homo faber‬عن اإلنسان العاقل‬
‫(‪« .)homo sapiens‬‬
‫ميكن ألي إنسان عاقل‪ ،‬يف لحظات مع ّينة‪ ،‬أن يقف‬
‫ويتح ّدث نيابة عن كل من ُحكم عليهم بالبقاء‬
‫مجهولني‪ .‬قبل وقت قصري من أحداث ‪ 68‬مايو ‪ ،‬ح ّدد‬
‫إدوارد سعيد املفكر بهذه العبارات الواضحة‪:‬‬
‫«املثقف‪ ،‬كام أفهمه‪ ،‬ليس صانع سالم وال عامل‬
‫توافق‪ ،‬لكنه شخص يلتزم ويخاطر بنفسه كُليا عىل‬
‫حس نقد ّي دائم‪ ،‬شخص يرفض‪ ،‬مهام كانت‬
‫أساس ّ‬
‫الصيغ البسيطة واألفكار الجاهزة واملوافقات‬
‫التكلفة‪ّ ،‬‬
‫الك ّيسة عىل إعالنات وترصفات أولئك املوجودين يف‬
‫السلطة والعقول التقليدية األخرى‪« .‬‬
‫ما نحتاج إليه اليوم هو املثقفني امللتزمني الذين‬
‫يتح ّدثون بصوت عا ٍل وواضح عن وضعنا الحايل‪ .‬وهو‬
‫ما يذكّرنا‪ ،‬نهارا ً بعد نهار وليالً بعد ليل‪ ،‬بأن جوهر‬
‫اليوتوبيا هو عدم وجودها وأن مسؤولية املثقفني‬
‫ال تتمثل يف الحلم مبخططات مجتمع طوباوي لن‬
‫يكون أب ًدا ولكن يف أخذ الكلمة من أجل تحسني‬
‫املجتمع الذي هو اآلن مجتمعنا املتجذّر بارتياب يف‬
‫هذه األرض‪ .‬ميكننا القيام بذلك‪ ،‬جزئياً عىل األقل‪ ،‬من‬
‫خالل توجيه مرآة هذا العامل لكل من يسكنه من بيننا‬
‫وكذلك من خالل جعلنا نخجل من تقاعسنا‪.‬‬
‫يف مقال افتتاحي حديث‪ ،‬سأل تشارلز بلو‪ ،‬مراسل‬
‫صحيفة نيويورك تاميز‪ ،‬مواطنيه األمريكيني‪:‬‬
‫«أين كنتم عندما كانت الجثث تطفو عىل نهر ريو‬
‫غراندي؟ ماذا قلتم عندما تفاخر هذا الرئيس باالعتداء‬
‫عىل النساء والدفاع عن الرجال املتّهمني بكل ذلك‬
‫العنف؟ ماذا كان ر ّد فعلكم عندما قال إنه رأى أهل‬
‫الخري من بني النازيني؟ أين كان سخطكم عىل اآلالف‬
‫من القتىل يف بورتوريكو؟ ماذا فعلتم ؟ ماذا قلتم؟‬
‫وبالنسبة إىل الزمالء يف مهنتي‪ ،‬ماذا كتبتم؟ «‬
‫رمبا كانوا هناك‪ ،‬لكننا مل نسمع أصواتهم بعد بوضوح‪،‬‬
‫وال نرى حجمها‪ .‬رمبا‪ ،‬نظرا ً لكونهم معارصين‪ ،‬فنحن‬
‫قريبون منهم أكرث من الالزم‪ ،‬وليك نعرتف بفولتري‬
‫اليوم وسقراطه‪ ،‬فإننا نحتاج إىل مسافة قرن أو اثنني‪.‬‬
‫إىل جانب عائق القُرب‪ ،‬فإننا نعاين اليوم من عائق‬
‫آخر‪ ،‬أكرث خطورة‪ ،‬والذي يخفّت من هذه األصوات‬
‫أينام وجدت‪ ،‬كام نحن مقتنعون‪:‬‬
‫إن القرن الحادي والعرشين هو عرص فقدان اإلميان‬
‫بالكلمة‪.‬‬
‫ألول مرة يف التاريخ تقريباً‪ ،‬مل تعد أداة اللغة تُعترب‬
‫عمو ًما أداة للعقل‪ ،‬التي تسمح لنا بتقييم التجربة‬

‫ونقلها بكل دقة ممكنة‪ .‬كان الغموض و ّ‬
‫الشك‬
‫والتقريبية دامئًا من عنارص لغتنا‪ ،‬لكن عىل الرغم‬
‫من نقاط الضعف هذه (التي يح ّولها الشعراء إىل‬
‫قوى)‪ ،‬متك ّنا‪ ،‬لتوطيد العقل واملعنى‪ ،‬من وضع دعائم‬
‫مثل النربة‪ ،‬والنحو وأساليب ال تحىص للخطابة‪ ،‬وقد‬
‫نجحت بدرجات متفاوتة من الكفاءة حتى اآلن‪.‬‬
‫ومع ذلك‪ ،‬يبدو أ ّن الخطاب العام يعتمد اليوم بشكل‬
‫حرص ّي عىل التّواصل بني االنفعاالت‪ ،‬ومل يعد يُنظر‬
‫إىل التناقض عىل أنه نقطة ضعف يف الفكر بل كدليل‬
‫عىل األصالة‪ ،‬أصالة قناعة ليست نتيجة عن آليات‬
‫باردة لفكر عقالين‪ ،‬وإمنا عن دافع صادق منبثق من‬
‫«األعامق»‪ .‬تغريدة أو شعار تجار ّي يحمل اليوم وزناً‬
‫أكرب من مقال هادئ رصني‪ .‬يف ظل هذا املناخ غري‬
‫املعقول‪ ،‬يفقد الفعل الفكر ّي مكانته الراسخة‪ ،‬وكام‬
‫نعلم جيّدا ً جمي ًعا‪ ،‬تزدهر األخبار املزيّفة واألكاذيب‬
‫العامة ب ُح ّرية‪ .‬يت ّم تصوير املثقّفني من قبل السلطة‬
‫عىل أنّهم «أعداء الشعب» ويوضَ عون يف مواجهة‬
‫املواطن العادي‪ ،‬وهم متَّهمني باحتقاره‪ .‬لذلك‪ ،‬من‬
‫امله ّم أكرث من أي وقت مىض‪ ،‬يف قلب هذه االتهامات‬
‫واإلهامل واالزدراء‪ ،‬أن تق ّدم األصوات العاقلة‪ ،‬مثل‬
‫أصوات رودولفو والش يف املايض‪ ،‬شهاداتها بال هوادة‪.‬‬
‫ال يشء ميكن أن ي ّربر التخليّ الفكري‪.‬‬
‫أمام بوابة الجحيم‪ ،‬يرى دانتي حشد املرت ّددين الذين‬
‫يرفضهم الجحيم‪ ،‬وال يريد الفردوس قبولَهم‪ ،‬يركضون‬
‫يف دوائر‪ ،‬يالحقهم الذباب والدبابري‪.‬‬
‫قال يل‪« :‬هذه هي الهيئة البائسة التي تتلبّس هؤالء‬
‫الذين عاشت قلوبهم كئيبة دون هجاء ودون ثناء‪« .‬‬
‫علينا أن نختار‪ ،‬والخيار الذي يواجهه املثقّف هو‬
‫أن يكون أو ال يكون شاه ًدا حاسامً لعرصنا القايس‪:‬‬
‫مراقبة ورؤية مصري الضعفاء‪ ،‬الذين ال حول لهم وال‬
‫قوة‪ ،‬والذين ال صوت لهم‪ ،‬أولئك املحكومني بالنسيان‪،‬‬
‫الذين غرقوا يف سواحل المبيدوزا أو عىل ضفاف‬
‫نهر ريو غراندي‪ .‬ولكن‪ ،‬أيضاً‪ ،‬للدخول يف مناقشات‬
‫منطقية مع أولئك الذين ميسكون بني أيديهم القرارات‬
‫اإلسرتاتيجية التي يعتمد عليها مصري جميع األفراد‬
‫يحق لهم‪ .‬باختصار‬
‫الذين ُحرموا من الصوت الذي ّ‬
‫شديد‪ ،‬الخيار الذي ال جدال فيه هو التحدث أو‬
‫السكوت‪.‬‬
‫ألربتو مانغويل‬
‫ولد ألربتو مانغيل يف األرجنتني عام ‪ . 1948‬كان سكرتري‬
‫لبورخيس وقارئاً عندما أصيب بالعمى‪ .‬يف عام ‪،1968‬‬
‫غادر األرجنتني ‪ ،‬قبل القمع الرهيب للدكتاتورية‬
‫العسكرية‪ .‬سافر حول العامل وعاش يف فرنسا وإنجلرتا‬
‫وإيطاليا وتاهيتي وكندا التي منحته جنسيتها‪ .‬كان‬
‫أ ّول كاتب عىل قيد الحياة مينح اسمه إىل مركز توثيق‬
‫ومعلومات يف معهد فرنيس‪ .‬تم تعيينه مدي ًرا للمكتبة‬
‫الوطنية لألرجنتني يف نهاية ديسمرب ‪ .2015‬ترأّس‬
‫مانغويل لجنة تحكيم جائزة ‪ Cévennes‬للرواية‬
‫األوروبية‪.‬‬
‫نرش أكرث من خمسني كتاباً بني رواية ونقد وقصة‬
‫قصرية ومذكرات‪ ،‬ترجمت أغلب أعامله إىل عديد‬
‫لغات العامل ومنها اللغة العربية‪.‬‬
‫متت الرتجمة من موقع‪:‬‬
‫ّ‬
‫�‪https://www.nouvelobs.com/bi‬‬
‫‪bliobs/20191129.OBS21718/ou-sont-les-in‬‬‫‪tellectuels-par-alberto-manguel.html?fbclid‬‬
‫‪=IwAR2qN23vXbbsvnA9JFU48keu5fDUh3‬‬
‫‪zpo9Bt3mPDjVKI-M8iqyFM152mVUA‬‬
‫*روايئ ومرتجم‬

‫الخميس ‪ 27‬فيفري ‪ - 2020‬املوافق لـ ‪ 3‬رجب ‪ 1441‬هـ ‪ -‬العدد ‪84‬‬

‫‪8‬‬

‫حوار العدد مع المفكر حسن عجمي‬

‫يستحيل تحقيق الديمقراطية الحقيقية يف العا َلم العربي‬
‫بسيادة السوبر تخ ّلف املتجسّد بتطوير األميّة والتخلف‬
‫كاستغالل التكنولوجيا لنشر الجهل و التجهيل‪.‬‬
‫حاورته‪ :‬سعدية بن سامل‬

‫حسن عجمي‪ ،‬أكادميي لبناين وفيلسوف مج ّدد‪ ،‬وشاعر ينظم عامله الخاص‬
‫من خيال وواقع‪ ،‬جمع يف رؤيته الكون ّية بني الفلسفة والفيزياء‪ ،‬بحث يف‬
‫الوعي اإلنساين وإشكاالته واملخاطر التي ته ّدده‪ .‬انترص للمعرفة والفلسفة‬
‫ودعا إىل نقد املايض واإلميان باملستقبل ولذلك اتّسمت كتابات صاحب‬
‫و»السوبر حداثة»‪ ،‬باملستقبل ومبا بعد «ما بعد الحداثة»‪.‬‬
‫«مقام الراحلني» ّ‬
‫‪..‬سعي واضح لتجاوز عتبات العقل النقدي العريب عمقا ومصطلحا تلك‬
‫التي رسخها ‪ -‬مبناهج مختلفة‪ -‬مفكرون متقدمون كعابد الجابري والتيزيني‬
‫وسمري أمني ‪...‬‬
‫يف هذا الحوار‪ ،‬يكشف حسن عجمي عن مفهومه للفلسفة وعالقتها‬
‫بالعلم واملعرفة والحريّة وعن عالقة العريب بالدميقراطية وجملة أخرى من‬
‫املواضيع‪.‬‬

‫يهتم األستاذ حسن عجمي بالسوبر حداثة فما‬
‫هي أهمّ مالمح هذا التوجّه الفكري؟‬
‫السوبر حداثة مذهب فلسفي مختلف عن الحداثة و ما بعد‬
‫الحداثة‪ .‬فالحداثة تقول إ َّن الكون ُمح َّدد و لذا من املمكن‬
‫معرفته بينام ما بعد الحداثة تعترب أ َّن الكون غري ُمح َّدد ولذلك‬
‫من غري املمكن معرفته‪ .‬لكن السوبر حداثة تؤكِّد عىل أ َّن‬
‫الكون غري ُمح َّدد و رغم ذلك من املمكن معرفته من خالل‬
‫إىل السوبر حداثة أيضاً ‪ ,‬النظام السيايس و االقتصادي األفضل‬
‫ال ُمح َّدديته‪ .‬وبذلك تجمع السوبر حداثة بني مبدأ ال ُمح َّددية‬
‫هو النظام غري امل ُح َّدد بعقيدة سياسية أو اقتصادية أو دينية‬
‫العالَم و مبدأ إمكانية الحصول عىل املعرفة و لذا تختلف عن‬
‫مع ّينة ما يُح ِّررنا من سجون أية أيديولوجيا ُمح َّددة سلفاً‪.‬‬
‫الحداثة التي تقول مبُح َّددية العالَم كام تختلف عن ما بعد‬
‫فالال ُمح َّدد يُح ِّررنا من أية معتقدات ُمح َّددة يف املايض ما يجعله‬
‫الحداثة التي تقول باستحالة معرفة الكون كام هو‪ .‬للسوبر‬
‫يضمن تحقيق إنسانيتنا‪.‬‬
‫حداثة تطبيقات عديدة أوضحتُها يف كتابينْ أساسيني هام كتاب‬
‫ تهتمّ بالفيزياء وعالقتها بالوعي‪ ،‬أيّ عالقة‬‫«السوبر حداثة» و كتاب «السوبر حداثة يف مواجهة السوبر‬
‫تراها؟‬
‫تخلّف»‪ .‬فمثالً بالنسبة إىل السوبر حداثة ‪ ,‬من غري امل ُح َّدد‬
‫الكون و الوعي يُشكِّالن حقالً وجودياً واحدا ً ال يتجزأ‪ .‬فالفيزيايئ‬
‫ما هو الكون و مام يتك ّون و لذلك‬
‫الكبري جون ويلر يؤكِّد عىل الدور‬
‫تنجح النظريات العلمية املتن ّوعة يف‬
‫األسايس للوعي اإلنساين يف صياغة‬
‫من‬
‫تُحرِّرنا‬
‫الفلسفة‬
‫‬‫وصف الكون و تفسريه رغم اختالفها‬
‫الواقع‪ .‬و هو بذلك يعبرِّ عن اتجاه‬
‫و تعارضها كنجاح نظرية النسبية‬
‫اليقينيات غير القابلة للشك‬
‫سائد يف العلوم الفيزيائية املعارصة‪.‬‬
‫ألينشتاين القائلة بأ َّن قوانني الطبيعة‬
‫فنظرية ميكانيكا الك ّم العلمية‬
‫واالستبدال‪ّ .‬‬
‫فكل قضية‬
‫حتمية و نجاح نظرية ميكانيكا الك ّم‬
‫تقول بأ َّن قوانني الطبيعة احتاملية‬
‫في الفلسفة موضع نقاش‬
‫القائلة بأ َّن قوانني الطبيعة احتاملية‪.‬‬
‫و ليست حتمية عىل نقيض من‬
‫نتحرّر‬
‫أن‬
‫لنا‬
‫يضمن‬
‫ما‬
‫ونقد‬
‫هكذا تتمكّن السوبر حداثة من‬
‫نظرية النسبية ألينشتاين‪ .‬و لذلك‬
‫ّ‬
‫هكذا‬
‫الكاذبة‪.‬‬
‫ماتنا‬
‫ل‬
‫مُس‬
‫من‬
‫تفسري نجاح النظريات العلمية (رغم‬
‫بالنسبة إىل نظرية ميكانيكا الك ّم‬
‫اختالف هذه النظريات) و ذلك عىل‬
‫للفلسفة الدور األساس‬
‫‪ ,‬تتساوى كلّ االحتامالت املمكنة‬
‫ضوء ال ُمح َّددية الكون فتُو ِّحد بني‬
‫فيكون ال ُجسيم كاإللكرتون ُجسيامً‬
‫في بناء المعرفة اإلنسانية‬
‫إمكانية املعرفة و ال ُمح َّددية العالَم‪ .‬ونشرها ألنها عامل جوهري و موجة يف آن رغم أ َّن ال ُجسيم‬
‫فالسوبر حداثة متكّننا من الحصول‬
‫نقيض املوجة‪ .‬من املنطلق نفسه‪,‬‬
‫في إنتاج الحرية‬
‫عىل املعرفة كمعرفة ملاذا تنجح‬
‫تعترب ميكانيكا الك ّم أ َّن قطة‬
‫النظريات العلمية رغم اختالفها‪.‬‬
‫رشودنغر حية وميتة يف الوقت عينه‬
‫املبدأ األسايس يف السوبر حداثة هو‬
‫أل َّن احتامل أنها حية (من جراء‬
‫أ َّن الال ُمح َّدد يحكم العالَم والوجود و إمكانية املعرفة‪ .‬بالنسبة‬
‫عدم تعرضها إلشعاع قاتل) يساوي احتامل أنها ميتة (من جراء‬

‫تعرضها إلشعاع قاتل)‪ .‬ويف النموذج العلمي مليكانيكا الك ّم‬
‫تصبح هذه القطة إما حية وإما ميتة فقط حني ننظر إليها‬
‫ونعيها متاماً كام يقول الفيزيايئ جون ويلر‪ .‬هكذا الوعي يصوغ‬
‫بكالم آخر‪ ,‬الوعي يُح ِّدد الكون غري امل ُح َّدد‪ .‬ولذلك‬
‫الواقع‪ٍ .‬‬
‫الوعي رضوري الوجود ليك يتح ّدد الكون‪ .‬فالعالَم غري ُمح َّدد‬
‫لكننا نحن َمن نُح ِّدده من خالل وعينا‪ .‬من هنا الوجود اإلنساين‬
‫الواعي رضورة وجودية ليك يصبح الكون غري امل ُح َّدد ُمح َّددا ً‪.‬‬
‫فاإلنسان ُمح ِّدد الال ُمح َّدد و بذلك اإلنسان بوعيه يبني الكون‬
‫و الواقع‪ .‬ال كو ٌن بال إنسان و ال إنسا ٌن بال وعي يُن ِتج الوقائع‬
‫الواقعية و املمكنة معاً‪ .‬و عىل ضوء ميكانيكا الك ّم و مبدأ‬
‫ال ُمح َّددية العالَم ما دون الذري تنشأ فلسفة السوبر حداثة‬
‫و تطبيقها ملبدأ الال ُمح َّدد عىل العالَم ما فوق الذري أيضاً و‬
‫اعتبارها أ َّن املعرفة ممكنة رغم ال ُمح َّددية الكون‪ .‬فالال ُمح َّدد‬
‫الفلسفي يُح ِّررنا بال ُمح َّددية الكون وحقائقه ما يستلزم وجود‬
‫الدور الف ّعال لإلنسان يف بناء الكون و‬
‫صياغته‪.‬‬
‫ كتبتم سابقا «من الخطأ تعريف الكون والعقل‬‫والحياة على أنّها مجرّد معلومات فبرامج‬
‫«كومبيوتريّة» بل األصدق أن نحلّل المعلومات من‬
‫خالل مفاهيم الكون والعقل والحياة»‪ .‬لو فسّرت‬
‫هذه النّقطة أكثر ونحن في زمن الرّبوتيّة؟‬
‫يسيطر اليوم منوذج علمي وفلسفي مفاده أ َّن الكون والحياة‬
‫والعقل مج ّرد كومبيوترات متط ّورة‪ .‬فمثالً ‪ ,‬يقول الفيزيايئ‬
‫سيث لويد إ َّن كلّ نظام فيزيايئ هو عبارة عن عملية حساب‬
‫للمعلومات متاماً كالكومبيوتر و بذلك الكون كومبيوتر متط ّور‬
‫يقوم بحساب معلوماته بالذات‪ .‬أما النقد الفكري الذي ق ّدمته‬
‫ض ّد هذا النموذج فهو أنه من الخطأ اعتبار مفهوم املعلومة‬
‫مفهوماً أولياً ال يحتاج إىل تعريف وبذلك من الخطأ استخدام‬
‫مفهوم املعلومة لتحليل الكون والحياة و العقل بينام هو‬
‫مفهوم غامض يحتاج إىل تحليل يُوضِّ حه من خالل الكون و‬
‫الحياة و العقل‪ .‬فإن ع َّرفنا الكون و الحياة و العقل من خالل‬
‫أنها معلومات وقعنا حينئ ٍذ يف مشكلة كيفية تحليل املعلومات‬
‫أل َّن السبيل الوحيد لتحليل املعلومات كامن يف اإلشارة إىل‬
‫الكون وأحداثه فتتغري املعلومات بتغيرّ األحداث‪ .‬وبذلك يقع‬
‫النموذج العلمي والفلسفي السابق يف الدور املرفوض منطقياً‬
‫أال و هو يف هذا السياق تعريف الكون من خالل املعلومات‬
‫و من ث ّم تعريف املعلومات من خالل الكون‪ .‬من هنا املنهج‬
‫األفضل لتحليل الكون و الحياة و العقل هو اعتبارها غري‬
‫ُمح َّددة متاماً كام تقول السوبر حداثة‪ .‬فمن غري امل ُح َّدد ما هو‬
‫الكون و لذلك ينجح العلامء يف وصفه و تفسريه من خالل‬
‫مناذج علمية متن ّوعة و مختلفة كوصفه عىل أنه كومبيوتر‬
‫متط ّور أو سمفونية موسيقية (كام يف نظرية األوتار العلمية)‬

‫‪9‬‬
‫أو أنه مج ّرد وهم (كام يقول الفيزيايئ ليونارد سسكيند)‪ .‬هكذا‬
‫نجاح النظريات العلمية يف وصف الكون وتفسريه رغم اختالفها‬
‫و تعارضها داللة عىل أ َّن الكون غري ُمح َّدد ما هو متاماً كام تؤكِّد‬
‫السوبر حداثة‪.‬‬
‫ قلتم‪« :‬نحن سوبر متخلّفون ألنّنا نرفض العلم‬‫والمنطق ونستخدم العلوم من أجل التجهيل»‪ .‬هل‬
‫خرجنا من العقل المستقيل عند الجابري إلى العقل‬
‫المجهّل عند عجمي؟‬
‫هذا توصيف دقيق إىل ح ّد ما أل َّن العقل الحارض عقل سوبر‬
‫متخلّف مبعنى أنه يُط ِّور التخلّف و ال ينتجه فقط‪ .‬فنحن‬
‫افتتحنا عرصا ً جديدا ً أال و هو عرص السوبر تخلّف‪ .‬مثة فرق‬
‫كبري بني التخلّف و السوبر تخلّف‪ .‬فالشعب املتخلّف ال يُق ِّدم‬
‫شيئاً مهامً لإلنسان والحضارة فال يط ِّور شيئاً وال يتط ّور بينام‬
‫الشعب السوبر متخلّف يُط ِّور التخلّف من خالل تقديم ال ِعلم‬
‫عىل أنه جهل وتقديم الجهل عىل أنه ِعلم‪ .‬وبذلك الشعوب‬
‫السوبر متخلّفة ُمن ِتجة عىل نقيض من الشعوب املتخلّفة لكنها‬
‫ُمن ِتجة ألدوات تطوير التخلّف من خالل نرش الجهل والتجهيل‪.‬‬
‫و من آليات سوبر تخلّف مجتمعاتنا آلية استخدام التكنولوجيا‬
‫لنرش الجهل وال ِف نَت والحروب‪ .‬فكلّام يزداد رفض ال ِعلم والتفكري‬
‫العلمي وتزداد استخدامات التكنولوجيا يزداد تط ّور التخلّف‪.‬‬
‫فالشعوب السوبر متخلّفة تستخدم املنجزات الحضارية إلعالء‬
‫رايات الجهل والعنرصية والتعصب‪ .‬لذا نستغل ما أنجزه الغرب‬
‫ليك نع ِّزز سيادة تخلّفنا الكامن مثالً يف تقديس املايض و أسياده‬
‫ما َحتَّم سيطرة األنظمة الديكتاتورية عىل مجتمعاتنا وعقولنا‬
‫وسلوكياتنا أيضاً‪ .‬و ال نستطيع االنتصار عىل السوبر تخلّف سوى‬
‫من خالل السوبر مستقبلية التي تؤكِّد عىل أ َّن التاريخ يبدأ من‬
‫املستقبل والسوبر حداثة التي تقول بأ َّن الال ُمح َّدد يحكم العالَم‬
‫ما يتضمن التح ّرر من أية معتقدات وعقائد ُمح َّددة سلفاً‪.‬‬
‫ في مجتمع عربيّ يعاني جزء كبير منه أميّة‬‫عميقة‪ ،‬هل يعتقد األستاذ حسن عجمي أ ّن مجتمعا‬
‫بهذه الصّفة يمكن أن يعِيَ بوجوده‪ ،‬وأن ينجح‬
‫في الخيار الديمقراطي؟‬
‫الدميقراطية هي ُحكم الحقوق اإلنسانية كحق كلّ فرد يف أن‬
‫رصف‪ .‬لكن معظم العرب يعتقدون‬
‫يكون ُح ّرا ً فيام يعتقد و يت ّ‬
‫بأ َّن الدميقراطية هي مج ّرد انتخاب ملمثيل الشعب‪ .‬و هذه‬
‫داللة عىل سوبر تخلّفنا فمن املمكن للشعب انتخاب طغاة‬

‫الخميس ‪ 27‬فيفري ‪ - 2020‬املوافق لـ ‪ 3‬رجب ‪ 1441‬هـ ‪ -‬العدد ‪84‬‬

‫متاماً كام َح َدثَ يف التاريخ ويحدث يف معظم الدول العربية‪.‬‬
‫من هنا يستحيل تحقيق الدميقراطية الحقيقية يف العالَم‬
‫املتجسد بتطوير األم ّية والتخلف‬
‫العريب بسيادة السوبر تخلّف‬
‫ّ‬
‫كاستغالل التكنولوجيا لنرش الجهل و التجهيل‪ .‬فأم ّية املثقف‬
‫بكالم آخر ‪ ,‬نحن ال نعاين فقط‬
‫أكرث خطورة من أم ّية الجاهل‪ٍ .‬‬
‫من األم ّية بل نعاين أيضاً مام هو أخطر أال و هو السوبر أم ّية‬
‫وهي أم ّية املثقف الكامنة مثالً يف سوء فهم املفاهيم الحضارية‬
‫األساسية كسوء فهم معنى الدميقراطية وداللتها‪ .‬والخطوة‬
‫األوىل للخالص من عصور السوبر ظالم يف عالَمنا العريب تكمن يف‬
‫محاربة السوبر تخلّف والسوبر أم ّية من خالل فلسفة السوبر‬
‫حداثة والسوبر مستقبلية التي تح ّررنا من ُمح َّددية املعتقدات‬
‫والعقائد كام تح ِّررنا من أكاذيب املايض و خداعه‪.‬‬
‫ قلتم إ ّن النّظام الدكتاتوري مجموع يقينيات‬‫قامعة بالضّرورة لليقينيات األخرى‪ ،‬فهل نحن أمام‬
‫دكتاتوريات يخفي أحدها اآلخر ال غير؟ وكيف‬
‫يمكن تجاوز النظم الدكتاتوريّة؟‬
‫بالفعل نحيا بل منوت باستمرار يف ظل أنظمة ديكتاتورية‬
‫سياسية وثقافية وفكرية‪ .‬فالعديد من األنظمة التي ت ّدعي أنها‬
‫دميقراطية هي بالفعل أنظمة ديكتاتورية خفية‪ .‬ومثل ذلك‬
‫لبنان‪ .‬فالنظام اللبناين ديكتاتوري بطائفيته‪ .‬فطغاة الطوائف‬
‫اإلنسانية كحقنا يف الحرية و املساواة‪ .‬و بذلك السالم الذي‬
‫هم الذين يحكمون يف لبنان‪ .‬لكلّ طائفة دينية طغاة يحكمون‬
‫تدعو إليه الفلسفة اإلنسانوية هو األساس يف تحقيق العدالة‪.‬‬
‫طوائفهم ويختزلونها يف أنفسهم ويوزّعون الوظائف واملكاسب‬
‫فالعدالة اإلنسانوية هي تلك التي تتك ّون من السالم والحرية‬
‫عىل أتباعهم فقط ما ح َّول لبنان إىل نظام ديكتاتوري يقمع‬
‫واملساواة‪ .‬من هنا أيضاً ترفض الفلسفة اإلنسانوية الثنائيات‬
‫مواطنيه و يختزلهم إىل مج ّرد أعداد يف طوائفهم‪ .‬كام أ َّن أمريكا‬
‫كثنائية األنا واآلخر وثنائية املؤمن والكافر أل َّن هذه الثنائيات‬
‫نفسها تختزل فقراءها إىل مج ّرد أعداد للتصويت يف االنتخابات‬
‫مصادر ال ِف نَت والحروب‪ .‬أما العلمنالوجيا والعقلنالوجيا فأدوات‬
‫وبذلك متارس العبوديّة الجديدة كام يقول الفيلسوف «نعوم‬
‫أساسية من أدوات اإلنسانوية الفلسفية‪ .‬فالعلمنالوجيا أي علم‬
‫تشومسيك» ومتارس الديكتاتورية الخفية‪ .‬أما الخالص من‬
‫العلمنة تهدف إىل علمنة كل الظواهر من خالل فصلها عن‬
‫األنظمة الديكتاتورية فيكمن يف جعل‬
‫ماهياتها املاضوية ما يضمن تح ّرر‬
‫الحقوق اإلنسانية هي الحاكمة للنظام‬
‫بدالً من حكم فرد أو أفراد أو أحزاب‪ .‬و ‪ -‬مجتمعاتنا تقتل إنسانية اإلنسان من املايض من خالل اعتبار‬
‫ُ‬
‫ألن العدالة فيها الظواهر والحقائق قرارات إنسانوية‬
‫يت ّم ذلك من خالل والية املواطن حيث اإلنسان َّ‬
‫مستقبلية بينام العقلنالوجيا أيعلم‬
‫تت ِّحد كل السلطات يف أيدي املواطنني غائبة‪ .‬ولذا من الطبيعي‬
‫العقلنة فتهدف إىل عقلنة الظواهر‬
‫كالسلطات الترشيعية والتنفيذية‬
‫أن تنشأ الثورات ويولد‬
‫من خالل اعتبارها قرارات عقالنية‬
‫والقضائية ما ميكّن كلّ مواطن من‬
‫الحراك الشعبي في‬
‫ما يضمن الدور الف ّعال لإلنسان يف‬
‫مراقبة ومحاسبة أجهزة الدولة وسلطاتها‬
‫إنتاجها‪ .‬هكذا الفلسفة اإلنسانوية‬
‫عالَمنا العربي من أجل‬
‫ومحاكمة الحاكم واملسؤولني يف الدولة‪.‬‬
‫ضامنة حرية اإلنسان ودوره الف ّعال‪.‬‬
‫استعادة إنسانيتنا الحقة‬
‫فالدميقراطية الحقيقية قامئة عىل ُحكم‬
‫ تعتبرون العلم عمليّة‬‫املواطن و اعتباره السلطة ال ُعليا‪ .‬ثنائية‬
‫والحقيقية من خالل بناء‬
‫تصحيح مستمرّة‪ ،‬فهل‬
‫الدولة والشعب ثنائية الطغاة التي تقمع‬
‫دول ومجتمعات مبنية‬
‫ينطبق هذا المبدأ على األدب‬
‫الشعوب بأكاذيبها‪ .‬من هنا إن زالت هذه‬
‫على ضوء مبادىء‬
‫واإلبداع إجماال‪ .‬وهل يمكن‬
‫الثنائية املخادعة سادت الحريّة الحقيق ّية‪.‬‬
‫الحديث عن نظريّة نقديّة‬
‫العدالة كمبدأ الحرية‬
‫ يهت ّم األستاذ حسن عجمي باإلنسان‬‫بهذا المعنى؟‬
‫و مبدأ المساواة أمام‬
‫ووجوده فام هي أبعاد الوجود اإلنساين؟‬
‫العلوم و الفنون والفلسفة واآلداب‬
‫دافعت عنها‬
‫الفلسفة اإلنسانوية التي‬
‫ُ‬
‫القانون‬
‫تُشكِّل حقالً وجودياً وإبداعياً واحدا ً‬
‫يف كتايب األخري «الفلسفة اإلنسانوية ‪:‬‬
‫ال يتجزأ أال وهو حقل الوجود‬
‫العلمنالوجيا والعقلنالوجيا» تقول بوحدة‬
‫اإلنساين‪ .‬فاآلداب والفنون املختلفة‬
‫البرش والحضارات واألديان واملذاهب الفكرية واملعرفية‪.‬‬
‫تُعبرِّ عن فلسفات وعلوم عرصها والعكس صحيح‪ .‬وال ِعلم‬
‫فالفلسفة اإلنسانوية تؤكِّد عىل وحدة البرش مبعنى أ َّن كلّ‬
‫عمليّة تصحيح مستمرة أل َّن النظريات العلمية تُستب َدل بشكل‬
‫البرش يشكّلون إنساناً واحدا ً ال يتجزأ متاماً كام أ َّن كل الثقافات‬
‫دائم بنظريات علمية أخرى كاستبدال نظرية النسبية ألينشتاين‬
‫و الحضارات تشكّل حضارة واحدة ال تنفصل و كلّ األديان‬
‫بنظرية نيوتن العلمية‪ .‬فبينام كنا نعتقد مع نيوتن بأ َّن الزمن‬
‫واملذاهب الفكرية كاملثالية واملادية واحدة يف جوهرها‪ .‬هذه‬
‫مطلق وليس نسبياً أمسينا اليوم مقتنعني بقول نظرية أينشتاين‬
‫هي أبعاد الوجود اإلنساين التي بها يتمكّن اإلنسان من أن يرتقي‬
‫بأ َّن الزمن نسبي فيتسارع أو يتباطأ بتسارع أو تباطؤ األجسام‬
‫ويتط ّور‪ .‬فمن خالل وحدة البرش والثقافات واألديان ننجح يف‬
‫والظواهر املادية‪ .‬هكذا ال ِعلم يُح ِّررنا من اليقينيات املطلقة‬
‫السالم األسايس من أجل تحقيق أية عدالة‪ .‬فال حرية وال‬
‫تحقيق ّ‬
‫فال يقينيات يف ال ِعلم ما يضمن تط ّورنا املستمر‪ .‬املبدأ نفسه‬
‫مساواة بال سالم ألنه يف زمن الحروب وال ِف نَت ال تُح َرتم الحقوق‬

‫الخميس ‪ 27‬فيفري ‪ - 2020‬املوافق لـ ‪ 3‬رجب ‪ 1441‬هـ ‪ -‬العدد ‪84‬‬

‫صادق يف ميادين األدب و اإلبداع الفني‪ .‬فاآلداب‬
‫و الفنون عمليات تصحيح مستمرة و لذلك تتط ّور‪.‬‬
‫فكلّ عمل فني أو ِشعري أو نرثي عظيم بإبداعه هو‬
‫مبثابة تصحيح لِام جاء قبله ولذلك يرتقي عام سا َد يف‬
‫املايض‪ .‬و هذا التحليل يُشكِّل بالفعل نظرية نقدية‬
‫تهدف إىل اإلرتقاء عن معايري اإلبداع املاضوية‪.‬‬
‫ أيّ دور للفلسفة في نشر المعرفة‬‫اإلنسانيّة؟‬
‫الفلسفة تُح ِّررنا من اليقينيات غري القابلة للشك‬
‫واالستبدال‪ .‬فكلّ قضية يف الفلسفة موضع نقاش‬
‫ونقد ما يضمن لنا أن نتح ّرر من ُمسلّامتنا الكاذبة‪.‬‬
‫هكذا للفلسفة الدور األساس يف بناء املعرفة‬
‫اإلنسانية و نرشها ألنها عامل جوهري يف إنتاج‬
‫الحرية‪ .‬فال معرفة بال حرية متاماً كام ال حرية‬
‫بال معرفة‪ .‬فالفلسفة تُق ِّدم لنا الحقيقة أال و هي‬
‫أنه ال توجد حقيقة مطلقة ُمح َّددة ويقينية ما‬
‫يستلزم التفكري الدائم واستمرارية األبحاث العلمية‬
‫واملعرفية ويف هذا فضيلة كربى‪ .‬كام تُق ِّدم الفلسفة‬
‫األسس املعرفية للحقول العلمية واإلبداعية كافة‬
‫ألنها تهدف إىل تعريف املفاهيم األساسية كمفاهيم‬
‫العقل واللّغة واملعرفة فالعلامء الكبار كأينشتاين‬
‫و»ستيفن هوكنغ» هم أيضاً فالسفة كبار والعكس‬
‫صحيح‪ .‬فمثالً يقول أينشتاين بأ َّن الله ال يلعب‬
‫بالرند واملقصود أ َّن قوانني الطبيعة حتميّة فالكون‬
‫حتمي بينام يقول «ستيفن هوكنغ» بأ َّن الله يلعب‬
‫لكونها خالية من اليقينيات املخادعة التي تؤدي ال محالة إىل‬
‫بالرند و املقصود أ َّن قوانني الطبيعة احتاملية و ليست حتمية‪ .‬التعصب وال ِف نَت‪ .‬لكن مجتمعاتنا العربية مبنية عىل اليقينيات‬
‫و هذا الخالف خالف علمي وفلسفي يف آن‪ .‬فالفالسفة والعلامء الكاذبة كيقني أ َّن املايض أرقى حضارياً من أي مستقبل جديد‬
‫مختلفون حيال إن كان الكون حتمياً أم ال‪ .‬أما ّ‬
‫السوبر حداثة وممكن من جراء تقديس املايض ورموزه‪ .‬املعرفة اإلنسانوية هي‬
‫ُؤسس للسالم من خالل تأكيدها عىل أ َّن فقط املعتقدات‬
‫فتؤكِّد عىل أنه من غري امل ُح َّدد إن كان الله يلعب بالرند أم ال التي ت ِّ‬
‫ولذلك الكون حتمي واحتاميل يف آن فقوانينه الطبيعية حتمية التي تبني السالم هي التي تشكِّل معرفة حقيقية كاالعتقاد بأ َّن‬
‫يف عالَم ما فوق الذرة واحتاملية يف عالَم ما دون الذرة‪ .‬هكذا كلّ البرش يشكّلون إنساناً واحدا ً ال يتجزأ‪ .‬فاملعرفة قرار إنسانوي‬
‫العلمي جدل فلسفي أيضاً‪ .‬ال ِعلم‬
‫الجدل‬
‫ّ‬
‫يُت َخذ عىل ضوء ال ِق َيم اإلنسانية‬
‫والفلسفة حقل معريف واحد وهو أساس ‪ -‬المجتمعات العربية مسجونة ك ِق َيم الحرية والسالم واملساواة‪ .‬أما‬
‫قيام أية حضارة‪ .‬فال حضارة بال فلسفة‬
‫بالسوبر ماضوية التي تُحتِّم املجتمع العريب ف ُيق ِّدس املعارف‬
‫وعلوم‪ .‬وقياس تطور الحضارة هو قياس‬
‫املاضوية التي مت ِّيز بني األنا واآلخر‬
‫منو فلسفاتها وتط ّور علومها‪ .‬الشعوب سيادة االنغالق ورفض اآلخر‬
‫ّ‬
‫ما جعله مجتمعاً رافضاً لإلنسانوية‬
‫الديكتاتورية‬
‫األنظمة‬
‫وحُكم‬
‫التي ال تخوض يف الفلسفة والعلوم‬
‫ومعارفها‪.‬‬
‫وحُكم الجهل والتجهيل‪.‬‬
‫شعوب بائدة‪.‬‬
‫المجتمعات العربية سوبر‬
‫ يذكر األستاذ حسن عجمي‬‫في «السّوبر مستقبليّة»‬
‫ هل يعتقد األستاذ حسن ماضوية بامتياز ألنها تعتمد‬‫ّ‬
‫أن التاريخ يبدأ من الماضي أ ّن التاريخ يبدأ من المستقبل‪.‬‬
‫عجمي أن المجتمعات العربيّة قد فكرة َّ‬
‫أدركت المعرفة اإلنسانوية؟‬
‫و يتجه نحو الماضي و ينتهي لو تفضلتم بتوضيح هذه‬
‫املجتمعات العربية مسجونة بالسوبر‬
‫الفكرة‪.‬‬
‫َّ‬
‫سوى‬
‫ليس‬
‫المستقبل‬
‫وأن‬
‫فيه‬
‫ماضوية التي تُحتِّم سيادة االنغالق ورفض‬
‫بالنسبة إىل السوبر مستقبلية‪,‬‬
‫لماض ذهبي التاريخ يبدأ من املستقبل وبذلك‬
‫اآلخر و ُحكم األنظمة الديكتاتورية و ُحكم وجوه مشوّهة ٍ‬
‫الجهل والتجهيل‪ .‬املجتمعات العربية‬
‫تُع ِّرف الفلسفة السوبر مستقبلية‬
‫مُقدَّس ال يتكرّر‬
‫سوبر ماضوية بامتياز ألنها تعتمد فكرة‬
‫املفاهيم والظواهر من خالل‬
‫أ َّن التاريخ يبدأ من املايض و يتجه نحو‬
‫املستقبل‪ .‬من هنا تعترب السوبر‬
‫املايض و ينتهي فيه وأ َّن املستقبل ليس سوى وجوه مش ّوهة مستقبلية أ َّن الحقيقة قرار علمي يف املستقبل بينام املعنى قرار‬
‫ٍ‬
‫ملاض ذهبي ُمق َّدس ال يتك ّرر‪ .‬لذا تسجننا املجتمعات العربية اجتامعي يف املستقبل‪ .‬وبذلك تُع ِّرف الحقائق واملعاين من خالل‬
‫بعقائدها وسلوكياتها املاضوية فيغيب املستقبل كلياً عن الحضور مفهوم املستقبل ما يجعلها ظواهر مستقبلية ال تتحقق سوى‬
‫وتغتال عقولنا ومشاعرنا من جراء سيادة املايض وتقديسه‪ .‬عىل يف املستقبل عىل ضوء قراراتنا العقالنية والعلمية واإلنسانوية‪.‬‬
‫ضوء هذه االعتبارات ‪ ,‬املجتمعات العربية مل تدرك املعرفة للفلسفة السوبر مستقبلية فضائل معرفية عديدة منها أنها‬
‫اإلنسانوية القامئة عىل التح ّرر وسيادة املستقبل بل هي قاتلة تضمن حريتنا فتضمن بذلك تحقيق إنسانيتنا‪ .‬فبام أ َّن الحقائق‬
‫للمستقبل وإلنسانيتنا من خالل قمعنا بيقينيات املايض وقدسية واملعاين قرارات عقالنية يف املستقبل ‪ ,‬إذن الحقائق واملعاين‬
‫هوياتنا املاضوية‪ .‬املعرفة اإلنسانوية تُح ِّررنا فتحقق إنسانيتنا ليست متحققة يف املايض ما يضمن التح ّرر من املايض وسجونه‪.‬‬

‫‪10‬‬
‫واملقصود بأ َّن التاريخ يبدأ من املستقبل هو‬
‫تحليل الظواهر والحقائق كافة من خالل املستقبل‬
‫فتحويلها إىل ظواهر مستقبلية قادرة عىل تحريرنا‬
‫وتحقيق إنسانيتنا الكامنة يف الحرية‪ .‬باإلضافة إىل‬
‫ذلك متلك السوبر مستقبلية فضائل معرفية أخرى‬
‫كفضيلة ضامن استمرارية البحث املعريف والعلمي‬
‫بفضل اعتبار أ َّن الظواهر كافة ومن ضمنها‬
‫الحقائق واملعارف ليست سوى ظواهر مستقبلية‬
‫ال تتحقق سوى يف املستقبل ما يستلزم استمرارية‬
‫البحث عنها‪.‬‬
‫ تشهد البالد العربيّة حراكا شعبيا ملفتا‬‫ّ‬
‫المفكر‬
‫(لبنان‪ ،‬الجزائر‪ ،‬العراق‪ ،)..‬ما قراءة‬
‫حسن عجمي لما يحدث؟‬
‫ِ‬
‫امل ُح ِّرك األسايس للتاريخ هو العدالة امل ُع َّرفة بالقيَم‬
‫اإلنسانية ك ِقيَم الحرية والسالم واملساواة‪ .‬لذلك‬
‫تهدف كلّ املجتمعات ويهدف كلّ إنسان إىل‬
‫تحقيق العدالة األقىص وال ُعليا‪ .‬فال تتحقق إنسانية‬
‫اإلنسان بال تحقيق العدالة من خالل احرتام‬
‫الحقوق اإلنسانية كحق كلّ فرد بالتمتع بالحرية‬
‫والسالم واملساواة‪ .‬فغاية اإلنسان تحقيق إنسانيته‪.‬‬
‫وبذلك غايته تحقيق العدالة أل َّن من دونها يفقد‬
‫اإلنسان إنسانيته‪ .‬من هنا الثورات العربية متوقعة‬
‫وطبيعيّة لكونها تسعى إىل إحالل العدالة الحقة‬
‫وتحقيق إنسانية اإلنسان العريب‪ .‬وهي بذلك‬
‫السعي نحو‬
‫ثورات عىل ضوء امل ُح ِّرك األسايس للتاريخ أال وهو ّ‬
‫تحقيق العدالة وتطويرها‪ .‬مجتمعاتنا تقتل إنسانية اإلنسان أل َّن‬
‫العدالة فيها غائبة‪ .‬ولذا من الطبيعي أن تنشأ الثورات ويولد‬
‫الحراك الشعبي يف عالَمنا العريب من أجل استعادة إنسانيتنا‬
‫الحقة والحقيقية من خالل بناء دول ومجتمعات مبنية عىل‬
‫ضوء مبادىء العدالة كمبدأ الحرية و مبدأ املساواة أمام القانون‬
‫و مبدأ املساواة االجتامعية واالقتصادية‪ .‬ومن املستحيل أن‬
‫تنجح هذه الثورات يف االنتقال بنا من ُحكم الطغاة إىل أنظمة‬
‫دميقراطية سوى من خالل قبول ال ِعلم والتفكري العلمي واملشاركة‬
‫يف إنتاج العلوم أل َّن ال ِعلم خا ٍل من اليقينيات التي ال تقبل الشك‬
‫واملراجعة واالستبدال والتي بدورها تسجننا وتؤدي بنا إىل رفض‬
‫اآلخرين ما يناقض أي نظام اجتامعي دميقراطي‪ .‬بال ِعلم ننترص‬
‫وبال ِعلم نحيا‪.‬‬

‫‪11‬‬

‫الخميس ‪ 27‬فيفري ‪ - 2020‬املوافق لـ ‪ 3‬رجب ‪ 1441‬هـ ‪ -‬العدد ‪84‬‬

‫األصول اإلجتماعية‬
‫للغناء والرقص‬
‫حسني عبدالرحيم‬
‫«نحن ال نُعرف السحر تبعآ لشكل طقوسه لكن تبعآ للرشوط التي أُنتج‬
‫خاللها والتي تحدد املكانة التي يحتلها ضمن مجمل العادات اإلجتامعية»‬
‫(«مارسيل موس» يف «السوسيولوچيا واإلنرثبولوچيا»)‬
‫أثارت األزمة الفنية الكربى حول موسيقى «املهرجانات» يف مرص مناقشة‬
‫ضخمة ضمت متخصصني من كافة الدراسات اإلجتامعية والتاريخية ناهيك‬
‫عن أهل الفن!وكانت الظاهرة والتي إنطلقت قبل األحداث الثورية عام‬
‫‪ 2011‬يف ضاحية «الدخيله» الصناعية غرب مدينة «اإلسكندرية» وأصبحت‬
‫«الدواخليه «الفرقة التى دشنت هذا اإلتجاه ألغنايئ املوسيقي املتمرد‬
‫والجديد! أنترشت وتنوعت و تزايدت املوجة الفنية يف األحياء الشعبية‬
‫املهمشة غرب وجنوب القاهرة! وكانت حفالت األفراح واملسارح التي تقام يف‬
‫أزقة األحياء الشعبية ويعاقر خاللها املحتفلون املرشوبات الروحية ويدخنون‬
‫املخدرات وينطلقون يف الرقص متابعني للمغنني دون ضوابط كألتي تتضمنها‬
‫حفالت الطبقات الوسطي والتى تتم يف قاعات الفنادق ‪.‬‬
‫هذه ليست ظاهرة جديدة يف البالد العربية فقد سبقها «الراي «الجزائري‬
‫(شاب حسني وشاب مامي وشابة فضيله وشاب خالد)يف تسعينات القرن‬
‫العرشين والراب التونيس قبل وإبان الثورة! وأصبحت شهرة الرابية الشباب‬
‫ك»بلطي «و»سواج دوك» و»بيچ بيچ كالي»‬
‫كانت بداية الچاز االمرييك من مزارع القطن الجنوبية تعبري عن أآلم العبيدي‬
‫وتحول يف «نيو أوليانز «لنوع موسيقي وغنايئ خرج عن مألوف املوسيقى‬
‫امليلودي و الفيلهارموين ىف التاريخ األوريب الغنايئ األورو‪-‬األمرييك!وتبعه‬
‫إنتقاالت كربى عىل يد مغنيي البوب ‪-‬ميوزك والفولك حتى وصلنا إىل»‬
‫الراب» و»الهيب‪-‬هوب» االمرييك املتسيد لدى الشباب واألفرو‪-‬أمريكان‬
‫واملهاجرين! وصارت أسامء ك»چى ‪-‬زد «و «آيس كيوب» و»سنوب دوغ»‬
‫هي االسامء األملع يف عامل الغناء لدى الشباب‪.‬‬
‫يف «فرنسا» و»بلجيكا» كان الجيل الثاين من أبناء املهاجرين من شامل‬
‫أفريقيا هو حامل للموجة الجديدة من «الراب» الفرنيس وكانت أحياء‬
‫املهاجرين يف ضواحي باريس ومارسيليا حاضنته اإلجتامعية و أصبحت‬
‫مجموعات موسيقية ك»‪( »N.T.M‬معناهابأللغة العربية بذئ)ممثلة ملوجة‬
‫جديدة أقتحمت حصون الطبقة الوسطى الفنية ومنازلها وحفالتها وساهمت‬
‫يف ذلك مدارس الجمهورية التي يتزامل فيها «بيري «و»مومو»!‬
‫«لندن «كذلك ومع الثورة املوسيقيةالتى أحدثها» البيتيلز» يف الستينات‬
‫أنطلقت فيها الرصعات الغنائية امل ُحدثه من «هارد روك «و»ميتالز «وهي‬
‫موسيقى صاخبة مل تتعود عليها األجيال الرومانسية السابقة والتي هى‬
‫تحاول تأبيد ذوقها الخاص!‬
‫لن نناقش يف هذه العجالة الرصاع الذي دار منذ القدم بني القديم والجديد‬
‫يف كل مجاالت التعبري األيدلوچية األدبية والفنية فلم يستقبل الكالسيكيون‬
‫الرومانسية والتعبريية بأإلرتياح والرتحيب ومل تكن أعامل» فان كوخ»‬
‫التأثريية وال «بيكاسو»وبراك» والتكعيبية تُستقبل ببساط أحمر ومل يكن‬
‫الشعر الجديد معتربآ بني نقاد وكتاب األدب عند ظهوره أدبآ بأملرة!فهناك‬
‫دامئآ تقليد يدافع عن إستمراره ليس بوصفه ممثآل لعرص معني بل تعبريآ‬
‫عن كل عرص!‬
‫نقترص هنا عىل الغناء واملوسيقى والرقص فعىل الرغم من السيادة الفعلية‬
‫أليدلوچيا الطبقات املسيطرة إال أن هذه الفنون أبعد ماتكون عن مجال‬
‫السيطرة وهي ذات إرتباط عميق بقاع املجتمع كألسحر يف املجتمع القديم‬
‫وهي تتم خالل العمل يف الحقول وحفالت الزواج واملناسبات اإلحتفالية‬
‫املختلفة ولهذا فهي مرتبطة مبوروث آخر غري املوروث الرسمي! وتزمني‬
‫وإيقاع آخر غري الرزنامة الرشعية وإيقاع الحياة املنتظمة والرتاتبية!كان هناك‬
‫دامئآ غناء وموسيقى للقصور والكاتدرائيات يوازيه غناء وموسيقى شعبية يف‬
‫الحقول واألعراس!ومل يكن بينهم تقاطع! لقد أحتفظ لنا األرشيف بأإلبداع‬
‫األول بينام الذاكرة الشفوية نقلت الثاين!‬
‫غناء»زرياب « واملوشحات األندلسية كانت تؤدى يف قصور وتؤلف من‬
‫أجل إطراب نوع معني من املستمعني يتمتعون برغد العيش ومل يكن ذلك‬
‫هو الغناء الوحيد!ذلك إلننا عند سامعنا ل»املزود» و»الذكرة» نتعرف عىل‬
‫طريقة وأسلوب وموضوعات غناء وموسيقى أخرى حفظتها الذاكرة الشفوية‬
‫ومل تحفظها النوت املوسيقية وال األراشيف اإلذاعية حيث كانت ممنوعة‬

‫بأمر السلطة السياسية يف وسائل اإلعالم بينام تشدو بها الجامهري يف أفراحها!‬
‫مل تكن أغاين وال موسيقى «سيد درويش» إال خروج عن تقليد موسيقى‬
‫سابق هو أغاين وأسلوب «ال َهنك وال َرنك» ورائدها املغني وامللحن «محمد‬
‫عثامن» واملغنية «منرية املهدية» وغنتها»حبيبة مسيكة»يف تونس أوائل‬
‫القرن‪.‬مل يكن مغنيي القرن التاسع عرش يعتربون الغناء للعربجيةوالشاممني‬
‫والحشاشني مبا يليق التعبري عنه يف العلن والذي أخرجه من مجالس الطرب‬
‫اإلباحية إخرتاع الغرامفون واألسطوانة ليدخل الحياة اليومية والخاصة يف‬
‫بيوت ماليك األرايض وأثرياء الحرب وتنكرس املحافظية اإلجتامعية األخالقية‪.‬‬
‫مل تكن الكتابة والتغني عن الحشيش والكوكايني والعربجية والشاممني مبا‬
‫يناسب الذوق السليم ومل تكن اإليقاعات مبا يناسب مجالس الطرب املعروفة‬
‫آنذاك! والزجل الذي كتبه كل من «بديع خريي» و»محمود بريم التونيس»‬
‫مل يكن يعتربه أهل األدب مام يسمى األدب الرفيع وكانوا يخافون عىل اللغة‬
‫العربية الفصحى منه ذلك إلنها كانت الحاملة لنزعاتهم املحافظة عرب التاريخ‬
‫األديب للعرص الوسيط!‬
‫مل يكن كل أحياء موسيقي سوى إعادة إثراء مبكونات شعبية كانت تصطدم‬
‫يف كل مرة بتقاليد محافظة تطلق عىل نفسها الفن الراقي أو األدب‬
‫الرفيع!الذي مل يكن سوى الذوق السائد لطبقات ميسورة وقد تكلس حول‬
‫أقانيم وإداءات !نستطيع مالحظة ذلك يف الغرب املسيحي والرشق اإلسالمي‬
‫كام يف الرشق األقىص البوذي! يف املرسح والغناء واملوسيقى والرقص‪.‬‬
‫الجدال الذي أحدثه قرار منع موسيقى وغناء ا»ملهرجانات» يف مرصيأيت‬
‫ضمن هذا السياق! فخالل أكرث من نصف قرن تشكلت أحزمة حول املدن‬
‫فياميسمى يف بعض الدراسات اإلجتامعية العشوائيات وهي مناطق بعيدة‬
‫عن السيطرة واليربطها بحياة املدينة سوى السجون التى يرتادها كثري‬
‫من سكانها وخاصة الشباب!تكونت خالل ثالثة اجيال عىل األقل يف هذه‬
‫املجتمعات العديد من الظواهر الدينية والفنية‪،‬ومل يعد التكوين الفني‬
‫والديني الذي تكون وتطور لسكان يعملون يف وظائف ثابته وتربطهم‬
‫بألدولة عالقات منتظمة عرب التعليم والنظام الصحي والرضائب ومراكز‬
‫رشطة والرتفيه وبألطبع عرب الوعظ الديني الرسمي والغناء واملوسيقى التى‬
‫تبثها محطات إذاعية وتلفزية وتُرسم من خاللها الشهرة والنجوم!‬
‫تشكلت يف الضواحي حياة إجتامعيةمختلفةلها إيقاعها ومخاطرها وقواعدها‬
‫وتضامناتها وحتى غرامياتها وأصولها ومزاجها الخاص وكان من الطبيعي‬
‫واملنتظر أن يصدر عن هذا حساسيةفنية خاصة تشكلت عرب حفالت األعراس‬
‫من فرق من الشباب استعملت األجهزة اإلليكرتونيةالحديثة لإلستغناء عن‬
‫فرق العازفني (األوركسرتا)وعرب إيقاع ثابت يصاحب الصوت أو الصوتني‬
‫البرشيني تحىك حكايات عن األمل والحب والخوف والخيانه واملال بكلامت‬
‫ليست مام يتواجد يف األغاين الرسمية وبإيحاءات إيروتيكيه عنيفة كذلك‬
‫برومانسية مضطربة ومعذبة! كام عايننا يف الراب األمرييك والراي الجزائري‬
‫تتضمن كلامت أغاين املهرجانات املرصية كلامت وتعبريات فجة من صميم‬
‫الحياة اليومية وهى يف الغالب تحىك وال تغني مبيلودي ك»عبد الحليم‬
‫حافظ «وفريد األطرش «و»لطفي بوشناق»!إنها تعبري متمرد وصاخب‬

‫وذو نزعة متوحدةوفردية ومعاكسة لنزعات سكان قلب املدينة املتوسطني‬
‫األنقياء و املهذبني(املحافظني)!وجدت املوجة الجديدة وسيلة إتصال جديدة‬
‫يف الكاسيت ثم عاملية يف شبكة اإلنرتنت ويف اليو تيوب وأصبح مرتادي قناتها‬
‫عىل اليوتيوب مبئات املاليني ناهيك عن جمهورها املبارش يف األعراس الشعبية‬
‫التي التنقطع‪.‬تداعى ممثيل الثقافة والفن الراقيني للدفاع عن تاريخهم‬
‫وإرثهم ورزقهم بحجة الدفاع عن فن حقيقي يف مواجهة هجمة تتارية‬
‫من الفن املنحط وأصدرت نقابة املهن الفنية مبرص والتى يرتأسها مغني‬
‫مل يحقق نجاح متميز يف الغناء القديم هو»هاين شاكر «قرارآ مبنع أغاين‬
‫املهرجانات وحتى تقديم طلب إلدارة اليو تيوب مبنع قناتها !وكأن وظيفة‬
‫النقابات الفنية هو تحديد الذوق العام وليس الدفاع عن حريةالتعبريات‬
‫الفنية املختلفة واملتنوعة!‬
‫مل يعد»إيكا وأورتيجا «و»حسن شاكوش»و»كالي يب‪.‬يب‪.‬چي «و»الدخيلوية‬
‫« و»حمو بيكو»مغنيني رسيني فلقد تداولت كليباتهم مئات املاليني عرب‬
‫اليوتيوب وكتبت عنهم كربيات الصحف العاملية «الجارديان «والنيويورك‬
‫تاميز «ومل يعد بإمكان الرقيب أن مينعهم فامهي خصائص التسونامي الفني‬
‫الجديد والذي يعيش وسيبقى معنا حتى ترضخ أمامه املدارس الرسمية كام‬
‫رضخ األدب الرسمي أمام معلقة»عبد الرحمن الكايف»!أمل يتحصل مغني‬
‫فولك‪-‬ميوزيك هو «بوب ديالن «مؤخرآ عىل جائزة نوبل يف األدب وكان‬
‫تعليقة‪:‬مل أكن أعرف أنني أكتب أدبآ!‬
‫املوسيقى اإللكرتونية البسيطة املتمركزة حول إيقاع رسيع و راقص ومشاركة‬‫املستمعني بألرقص والغناء ورمبا التأليف !‬
‫الكلامت الحكائية الفجة واإليروتيكية !والتي تتشكل من لغة الحياة اليومية‬‫كود شعبي مزدوج متمرد ‪-‬محافظ كام هو الحال دامئآ يف الحركات القاعدية‬‫املوجة الجديدة كان سبقهتا متهيدات عىل يد «أحمد عدوية «وحسن‬
‫األسمر «يف نطاق ثقافة الكاسيت والدمج الرسيع لها ضمن التيار الرئيىس‬
‫عرب السينام!لكن املوجة الجديدة سيصعب دمجها بعد أحداث ثورية كبرية‬
‫وبإمتالك وسيلة عاملية للتوزيع وتحقيق الربح عرب قنوات يوتيوب وإستمرار‬
‫الناس يف الزواج وإقامة حفالت مرحة تتخللها أحيانآ ألفاظ نابية‪.‬‬
‫ركزت املرافعات الرسمية عىل جانب شخيص وهو التشجيع عىل تعاطي‬
‫املخدرات وهو ماليس حادث بجديد فألعديد من مغني البولوز العظام‬
‫والروك و»الشيخ سيد درويش «و»إمام عيىس «و»زكريا أحمد» كانوا كذلك‬
‫أصحاب مزاج!وهذا مل مينع تأثريهم الهائل يف تحوالت ثقافية كبرية! الحقيقة‬
‫التي نعرفها من زمن بعيد جيدآ هو أنتشار الهلع من الخطر يف املؤسسة‬
‫الثقافية الرسمية تجاه الكود الثقايف املتمرد عىل قواعدها الغنائية وعىل‬
‫سلطتها وهو الدافع الرئييس وراء املنع الوهمي نظرآ لتحول الفن الرسمي‬
‫ملواقع التهميش! سقط الفن الراقي يف مستنقع املحافظية ولن يعيش دون‬
‫تجديده من تحت وهذا ليس موضوعآ جديدآ فقد رأيناه يف كل الفنون عرب‬
‫التاريخ‪..‬عاش الفن امل ُنح ْط كام كانت تهتف الطليعة الفنية السوريالية يف‬
‫األربعينات أمام منع «أدولف هتلر» و»جوبلز «اللذان كانا يبجلون فن أملاين‬
‫عرقي وإمتثايل وليس فن جيد كام يدعون!‬

‫‪12‬‬

‫الخميس ‪ 27‬فيفري ‪ - 2020‬املوافق لـ ‪ 3‬رجب ‪ 1441‬هـ ‪ -‬العدد ‪84‬‬

‫سطينية‬

‫ورقات فل‬

‫وقائع تظاهرة ‪ 12‬آذار ‪ 2017‬احتجاجا على محاكمة‬
‫باسل األعرج بعد استشهاده اتسع اإلشتباك ‪ ...‬بعُث باسل‬

‫هذا كتاب اللحظة‪ ،‬وآمل أنني التقطتها‬

‫عادل سامرة‬

‫نعم‪ ،‬يوم طبيعي متاما ومطلقا‪ .‬عىل مدخل القرية مرت‬
‫الحافلة بجنود نقطة االحتالل‪ ،‬أحدهم يداعب كلبه املحتفل‬
‫به‪ /‬كالهام محتفل باآلخر يف حالة من فائض األمن واألمان‪.‬‬
‫أكرث من مئة فلسطيني‪/‬ة عرب حقيقيون يف وقفة احتجاج‬
‫بيافطة واحدة‪ ،‬وبال أية أداة حادة‪ .‬احتجاج عىل متابعة‬
‫الشهيد من محكمة محلية بعد رحيله‪ .‬نعم‪ ،‬نعم‪ ،‬الشهادة‬
‫ال تلغي التهمة‪ ،‬قد تؤجل إىل يوم القيامة‪ .‬كان االحتجاج أمام‬
‫مبنى املحاكم مبدبنة البرية‪ ،‬صبايا وشباب وبعض الشيوخ وبعض املحامني ومنهم املحاميان مهند‬
‫كراجة وأنس برغويث اللذين يدافعان عن باسل وزمالئه‪ ،‬ووسائل إعالم‪ .‬تقابلهم تنويعة الفتة من‬
‫األجهزة العسكرية‪/‬األمنية ‪ ،‬لباس جنود ولباس رشطة ‪ ،‬ورشطة خاصةوعدد كبري من البيس مالبس‬
‫مدنية‪ ،‬منفعلون‪ ،‬يشريون للجنود إىل هذا وإىل ذاك‪ .‬وحينام تم االعتداء عىل الشيخ الجهادي‬
‫خرض عدنان اندفع هؤالء يقولون ‪ :‬أيو أيوه ويضحكون‪ .‬وطبعا صوروا كل الناس عدة مرات‪.‬‬
‫يف وسط الجمع‪ ،‬كان باسل األعرج مشتبكا من خالل صوره التي كانت تبتسم‬
‫وتسجل كل ما يحصل بذكاء املثقف املشتبك وحصافة الشهيد الحي‪ .‬أقول لكم‪،‬‬
‫برصاحة‪ ،‬سمعت باسل األعرج يقول‪ :‬أما وأنتم تشتبكون‪ ،‬أنا مل أمت‪.‬‬
‫هتافات عادية ثم حامية تضمنت يا جاسوس ويا خاين ويا تنسيق أمني‪...‬الخ ومل‬
‫يتدخل الجنود‪ .‬بدأ والد الشهيد بالحديث ودعا للوحدة الوطنية‪.‬‬
‫وفورا هجم الجنود عىل الرجل! هذا مل افهمه! ليس الهجوم بل توقيته‪ .‬تبسمت‪،‬‬
‫تبسمت طويال‪ ،‬حينام أدركت أن من ينجب شهيدا فهو متهم‪ .‬مل اجد تفسريا آخر‪.‬‬
‫رد الشباب والصبايا موجة الهجمة األوىل ودفعوا الجنود إىل الوراء رغم الهراوات‬

‫التي كانت ترضب بكل قوة ممكنة ين ُّم عن تدريب غريب مريب ال أدري اين‪.‬‬
‫لكنني قرأت قبل اكرث من عرش سنوات مقالني يف عددين من مجلة ‪Against‬‬
‫‪ the Current‬لتشومسيك تضمنت ان الكوادر الوسيطة والعليا لسلطة الحكم‬
‫الذايت العسكريني يتدربون يف الواليات املتحدة‪ .‬حينها ايضا قلت طبيعي‪ ،‬فهمت‪.‬‬
‫لكن هذه املرة ايضا مل استغرب كام مل استغرب يوم تدنيس البالد بزيارة رئيس‬
‫دولة الدم امريكا جورج دبليو بوش حيث تم االعتداء «بإخالص» عىل تظاهرة‬
‫سلمية متاما‪.‬‬
‫هجم الجنود ثانية‪ ،‬وتصدى لهم الشباب والصبايا مجددا‪ .‬هل هي الجرأة؟ هل‬
‫هو االستغراب؟ هل هو الكراهية؟؟ ال أدري‪ .‬كن الصبايا حفيدات وديع حداد‬
‫يهجمن بجرأة مثرية للدهشة‪ .‬ذكرنني مبا كتبه أحد الرجعيني عن نساء كوميونة‬
‫باريس «إن هاتيك الهاربات من شغل البيت كن يتقمصن جان دارك بكل ِجدِّيةَّ‪،‬‬
‫ومل ي َك ُن ليرتددن يف مقارنة أنفسهن بها ‪ ...‬وخالل األيام األخرية ص َّمدت تلك‬
‫السليطات املولعات بالقتال أطول مام فعل الرجال خلف املتاريس»‪ .‬صمدت‬
‫تلك السليطات املولعات أكرث من الرجال!‬
‫وكتب آخر عن نساء الثورة البلشفية‪ « :‬هاتيك النسوة أقرب إىل الثورة من )‬
‫القادة الليرباليني املعارضني( وبالطبع فهن أكرث خطورة مبا ال يقاس ألنهن مادة‬
‫قابلة لالشتعال يف حالة توفر اية رشارة ل َِيشُ َّب الحريق»‪.‬‬
‫أما ما مل يحصل كام حصل يف الثورة البشفية فهو التايل‪:‬‬
‫«لقد تقدمت النسوة إىل الضباط بجرأة أكرث من الرجال‪.‬‬
‫وقبضن عىل بنادقهم‪ ،‬وحارصنهم وأمرنهم ب «وجهوا حرابكم إىل األرض وانضموا‬
‫إلينا»‬
‫ولكن‪ ،‬مل يرم اي جندي عصاه‪ ،‬ومل ينضم ايا منهم إىل التظاهرة‪ .‬لقد كانوا‬
‫منضبطني جدا يرضبون بكل عنف كام يامرهم عقيد‪ .‬وهذا طبيعي‪.‬‬

‫يف سجن نابلس قررت قيادته الصهيونية عام ‪ ،1969‬كام اذكر ‪،‬اقتحام غرف‬
‫السجن‪ .‬صاح أحد السجناء من مدينة نابلساعتقد هو مكاوي بغدادي‪« :‬دمك‬
‫عريب يا حمدان»‪.‬رمى حمدان العصا‪ ،‬وعاد للوراءـ غضب الصهاينة وأ ُجهض‬
‫االعتداء‪ .‬ملن ال يفهم الرشفاء‪ ،‬حمدان من بني معروف‪.‬‬
‫إرتد الجنود أماموجة املتظاهرين‪/‬ات‪ ،‬وبدأو بإطالق قنابل الصوت ‪،‬ورش الفلفل‪.‬‬
‫تراجع املتظاهرون‪ ،‬ثم هجموا ثالثة‪ ،‬ورضبوا قنابل الغاز املدمع‪ .‬قال الرفيق‬
‫كامل جبيل‪ :‬زمان ما شممنا هذا العطر‪ .‬اعتقل البعض ‪ ،‬ورضب كل من وقع‬
‫بأيدي الجنود ومنهم والد الشهيد‪.‬‬
‫قد يكون اغرب ما رأيت اختطاف شاب أو فتاة واقتياده‪/‬ها برضب متواصل!‬
‫اعتقال‪ ،‬وفهمنا‪ ،‬ولكن ملاذ الرضب بكل هذا الحقد‪.‬‬
‫لكني عدت وقلت طبيعي‪.‬‬
‫باختصار‪ ،‬ينبىء كامل املشهد بأن اسرتاتيجيا املثقف املشتبك ‪،‬العمليات الفردية‪،‬‬
‫اإلرضاب عن الطعام املديد‪ ،‬هي روافع لتوسيع رقعة اإلشتباك‪ ،‬وها هي تتسع‪.‬‬
‫قال يل‪ :‬ابتعد فأنت مستهدفا ‪،‬قلت ال‪ ،‬املستهدف أنت ايها الفتى‪.‬‬
‫نعم‪ ،‬باسل األعرج‪ ،‬نعم معتز وشحة نعم ارشقت قطناين نعم خرض عدنان نعم‬
‫بالل كايد‪ ،‬االشتباك يتسع‪ ،‬وال زال الجندي الصهيوين يالعب كلبه‪.‬‬
‫• ‪https://www.facebook.com/photo.php?fbid=17069967459‬‬
‫‪set=a.645512158796057.1073741825.100000118&80921‬‬
‫‪type=3&375873‬‬
‫• ‪/https://www.facebook.com/24fmpalestine‬‬
‫‪/videos/1098222770283452‬‬
‫• [‪.History of the Russian Revolution( )Socialism Today, no 73 ]1‬‬

‫مواجهة مفتوحة لصد الثورة المضادة‪ :‬ما العمل عربيا وفلسطينيا …‬

‫فلسطني من التسوية اىل التصفية ‪...‬‬
‫محارضة عادل سامرة يف نتجى نبض البايب يف رام الله‬

‫الحال العربي‬

‫ال االستهداف وال استزراع الكيان الصهيوين وال التجزئة باألمور الجديدة عىل الوطن‬
‫العريب‪ ،‬بل الجديد‪ ،‬وغري املنقطع عنها ‪ ،‬بل وليدها الطبيعي هو تحطيم الوعي‬
‫العرويب ومحاولة اجتثاثه‪.‬‬
‫مهدت لهذا ثالث مقدمات خطرة‪:‬‬
‫· مواقف تاريخية مضادة للعروبة (موقف الغرب الراساميل ‪ ،‬وموقف الشيوعية‬
‫التحريفية مبن فيها العربية‪ ،‬وموقف جامعة اإلخوان املسلمني)‪ .‬هذه املواقف مل تتغري‬
‫بغض النظر علت أو هبطت يف الخطاب والفعل‪.‬‬
‫· متأسس الدولة القطرية كعدو للدولة القومية ووصول خطابها إىل الحديث عن “كل‬
‫قطر عريب أمة وهوية خاصة” ناهيك عن ان كل نظام قطري كان ومل يتوقف عن شن‬
‫حرب أهلية ضدالشعب يف القطر نفسه‪ .‬إضافة إىل وجود حبل سرُ ٍّي بني القطريات‬
‫العربية والكيان الصهيوين وطبعا اإلمربيالية‪ .‬مصري ثاليث واحد‪ .‬انظروا لكيانات الخليج‬
‫ونظام مرص واألردن والكيان الصهيوين اإلشكنازي‪.‬‬
‫· وقمة الخطر لكل ما سبق وصوله حد تشغيل علني ألقطار عربية لرضب واحتالل‬
‫قطر عريب آخر وكان التأسيس العميل له ما حصل ضد العراق ‪.1991‬‬
‫هذه الجرمية هي التي اسست الستسهال قيام نظام حكم عريب عالنية مبامرسة ودعم‬
‫اإلرهاب واالحتالل إن أمكن قطر عريب آلخر تحت حجج وتربيرات زائفة عديدة‪ .‬أي‬
‫سطوع أنظمة بالعاملة ضد العروبة بال مواربة‪ .‬ويف هذا بالطبع كان للطابور السادس‬
‫الثقايف دوره‪ ،‬وها هو يتسع‪.‬‬
‫من بني كوارث هذا التوجه كان الربيع العريب‪/‬ربيع الريع‪ ،‬والذي من نتائجه قبول‬
‫العرب مبختلف أنواع االحتالالت مام جعل االحتالل الصهيوين لفلسطني مجرد أمر‬
‫عادي‪ ،‬ال يختلف عن قصف قطر واإلمارات ضد ليبيا القذايف‪ .‬ويف هذا تحول‬
‫االعرتاف بالكيان والتطبيع إىل براءة اخرتاع (سبق إىل ذلك آل سعود وآل رشيد‬
‫ولحق بهم التحريفيون حتى اليوم‪ ،‬فالكمربادور(‪ .‬أما التبعية ألمريكا فغدت‬
‫الفريضة السادسة لدى أنظمة وقوى الدين السيايس‪.‬‬
‫ويف عني هذه الورطة‪/‬ات مل تض ِّيع الثورة املضادة لحظة واحدة يف الشغل عىل‬
‫التحطيم النفيس والثقايف للمواطن العريب بهدف أن ينتهي إىل فردانية مهولة‪ ،‬مبعنى‬
‫كل فرد من ‪ 400‬مليون هو ذرة تدور يف مدارها فقط وتك ُّن عداء لكل الذرات‬
‫األخرى بل وتشتبك معها‪ .‬وهذا ما شكل اساس موات الشارع العريب الذي نراه‬
‫اليوم عياناً‪.‬‬
‫لعل التحول الذي أفرزه “الربيع العريب” أن غدت الخيانة عقيدة ودينا ويغدو الرد‬
‫بالسيف وﻻ غريه‪.‬لذا اكرر إن مل تعرف عدوك فأنت عدوي‪.‬‬
‫ترتب عىل هذا “الربيع” انتصار حقيقي للثورة املضادة تجسد يف‪:‬‬
‫· صعود علني ألنظمة التبعية حيث قدمت ألمريكا ما اسميته جيش أوباما‪/‬امريكا‬
‫الثالث (عرب مؤدلجني بالدين السيايس‪ ،‬وحاقدين عىل العروبة ومسلحني ومدربني‬

‫وممولني)‪.‬‬
‫· تحول املوقف العريب من القضية الفلسطينية من وجوب التحرير إىل‬
‫وجوب التصفية وبتواطؤ معظم القوى الفلسطينية‪ .‬ويتم تربير هذا‬
‫أكرث اليوم تذ ُّرعاً بانقسام فتح وحامس كام لو كانتا هام الشعب وهام‬
‫كابوساً‪ .‬ويردد هذا التذرع انتهازيون تاريخيون من الفلسطينيني‪.‬‬
‫هذا رغم أن القاعدة فيام يخص فلسطني هي‪ :‬أن القضية‬
‫واالستهداف لفلسطني وكل الوطن العريب‪ ،‬وعىل األنظمة العربية إما‬
‫أن تعمل للتحرير أو تنزوي‪ .‬أما أن يقوم أي فلسطيني بالتعسكر‬
‫مع هذا املعسكر العريب التابع أو ذاك‪ ،‬فهو إمنا يساهم بوعي وقصد‬
‫يف تأبني الوطن‪ .‬إن عىل الفلسطيني الحقيقي‪ ،‬وخاصة مع تراكم‬
‫“اسطبالت أوجياس” يف التطبيع واالعرتاف واستدخال الهزمية أن‬
‫يتجنب كل هؤالء وأن‪:‬‬
‫· إما ينحاز ملعسكر املقاومة واملامنعة‬
‫· أو ينزوي كام قال الشاعر‪:‬‬
‫“تن ّح ْي واجليس هنا بعيدا ً…‪.‬أراح الله منك العاملينا”‬
‫يف هذا املناخ ايضا‪ ،‬تفاقم وباء املوجة القومية الثالثة يف الوطن العريب متمظهرا ً‬
‫يف االستدوال الطائفي والقبائيل‪ ،‬وهي ظواهر ال تعيش للحظة دون االعتامد عىل‬
‫األجنبي‪ ،‬مبعنى أنها متظهرات عميلة بالرضورة والفطرة والقطع وال تبايل لفرط ما بها‬
‫من عمى‪ .‬هي ظواهر تقودها قيادات كمربادورية هشة مركبة عىل شارع من الجهل‬
‫واالنتفاع مام يجعل االستتباع أمرا ً بهيجا ومبهجاً‪ .‬ويف هذا املناخ وجدت انظمة وقوى‬
‫الدين السيايس ‪ ،‬أي الكيانات النفطية التابعة باملطلق وامللكيات األكرث تبعية ألنها‬
‫ليست ريعية‪ ،‬فرصتها للفتك بجسد العروبة‪ .‬وليس ما حصل ويحصل ضد العراق‬
‫وليبيا وسوريا واليمن هو نهاية هذه الهجمة‪.‬‬

‫ومل يكن لهذه الحالة ضد الجمهوريات وخاصة جيوشها أن‬
‫تظهر وتُعلن عن نفسها وبوقاحة تخلف ال نظري له لوال‬
‫أنها ُسبقت بانهيار القوى التي كانت تنادي وتنتمي إىل‬
‫الرسديات الكربى أي القوى القومية واليسارية العربية من‬
‫جهة‪ ،‬واألنظمة قومية االتجاه التي كانت تعتمد لبقائها‬
‫عىل قوى األمن الداخيل وحامية االتحاد السوفييتي‪،‬‬
‫وكانت متاىلء الغرب هنا او هناك ألجل بقائها‪ ،‬وما أن سقط‬
‫االتحاد السوفييتي حتى حز الغرب الراساميل اعتاقها‪.‬‬
‫وكأن الدوس عىل أعناق ذوي العباءات قد آن اوانه بعد‬
‫تدمري الجمهوريات‪ .‬ذلك أن عدو العروبة هو حتى ضد‬
‫تابعيه ألنه يريد وطنا كصحراء سياسة وبركت تجريف‪.‬‬
‫لذا كانت جولة ترامب‪/‬و األتاوية ورصاع الجواري الخليجية بعد أن ضاجعها لتحمل‬
‫منه سفاح نقيضا لبعضها البعض‪ .‬وأمريكا اآلن تقول قوال ُمرضياً للطرفني لكنه تطمني‬
‫طبيب السموم ملرضاه‪ .‬فام يهم امريكا هو أن تزيد األتاوات العلنية‪ ،‬وبدل التقشيط‬
‫والجباية وصلت إىل التحويل الطوعي املذل ملا بايدي هؤالء ليست فقط الصناديق‬
‫السيادية بل حتى السيولة املتوفرة باأليدي واملصارف‪.‬‬
‫مل يحصل يف تاريخ نظريات االقتصاد السيايس مثل هذا الطرد املحيل للفائض مجانا‬
‫إىل عدو الشعب‪ .‬هذا ليس تبادل ال متكاىفء‪ ،‬وليس تجارة‪ ،‬وليس نهباً بالقوة‪ ،‬وليس‬
‫مضاربة خارسة!‬
‫وهكذا‪ ،‬تشهد األيام الجارية‪ ،‬تخلصا مثريا ً للدهشة بتناقضه‪:‬‬
‫· تخلص عريب رسمي وفلسطيني من فلسطني لصالح الكيان الصهيوين‬
‫· تخلص العدو األمرييك األورويب من داعش لتوليد غريه‬
‫· وتخلص كيانات النفط من ثروتها إىل حد التعري‪.‬‬
‫كيف كل هذا املشهد السوريايل معاً؟‬
‫لذا‪ ،‬من الخطورة مبكان ما سيأيت‪ ،‬سواء بدائل داعش‪ ،‬ونحر أية مقاومة وخاصة‬
‫فلسطينية‪ ،‬واحرتاب جواري الخليج‪ .‬هل ميكن تلخيص املشهد إذن يف‪:‬‬
‫· بعد مرشوع الوحدة صار كل قطر قلق عىل وحدته‬
‫· هل سنشهد متفصالت كيانية أميبية يف كل قطر؟‬
‫· ومن سيظهر عىل السطح غري قوى الدين السيايس لكن عىل نطاقات صغرية طائفية‬
‫متداخلة مع قبائلية محرتبة؟‬
‫· ومن سيقود املرحلة غري الكيان الصهيوين‪.‬‬
‫وهذا السؤال برسم معسكر املقاومة ليعرف أن اآليت اشد وممتد‪.‬‬
‫وأخريا قد تكون املعركة املقبلة هي تحرير الخليج من أنظمته دحضاً لقيام تلك‬
‫األنظمة بتدمري الحوارض والجيوش العربية الجمهورية وصوال إىل واقع عرويب جديد‪.‬‬

‫‪13‬‬

‫الخميس ‪ 27‬فيفري ‪ - 2020‬املوافق لـ ‪ 3‬رجب ‪ 1441‬هـ ‪ -‬العدد ‪84‬‬

‫قضايا فلسفية‬
‫« صفحة لقضايا الفكر والفلسفة من اقتراح واشراف االستاذ األسعد الواعر»‬

‫الديمقراطية املحلية (ج‪)2 .‬‬
‫د‪ .‬نوفل الحنفي*‬
‫تقديم ‪ :‬يواصل األستاذ نوفل الحنفي يف هذا‬
‫العدد من « منارات « تحليل مفهوم الدميقراطية‬
‫املحلية بعد أن قدّم يف الجزء األول من مقاله‬
‫الصادر يف العدد السابق‪ ،‬قدم ما سماّ ه «‬
‫اآلليات التي تعبرّ عن فكرة املشاركة يف صنع‬
‫القرار « وهي آليات االستفتاء الشعبي واملبادرة‬
‫الشعبية وتقديم العرائض وامليزانية التشاركية‬
‫واستعامل التكنولوجيات الحديثة «‪ .‬سرنى يف هذا‬
‫الجزء الثاين طبيعة العالقات املوجودة بني مفهومي « الدميقراطية التمثيلية « و «‬
‫الدميقراطية املحلية « وما ينج ّر عن تلك العالقات من آثار عىل حياة املواطنني يف‬
‫شتى جوانبها‪.‬‬
‫(األسعد الواعر)‬
‫************‬
‫ال تلغي الدميقراطية املحلية الدميقراطية التمثيلية كليا‪ ،‬ولكنها تسعى لتتجاوز أوجه‬
‫القصور والعجز فيها مبحاولة حل املشاكل عن قرب‪ ،‬وضامن انخراط الجميع‪ ،‬وتطوير‬
‫التدبري املحيل والوطني عن طريق التكامل بني الدميقراطيتني‪ ،‬السيام و أن العديد من‬
‫التحركات االجتامعية (نسائية‪ ،‬بيئية‪ ،‬تنموية) مل تعد تجد يف الدميقراطية التمثيلية‬
‫سبال للتعبري عن حاجياتها ومطالبها و إيجاد حلول لها وهو ماجعل البعض يعترب انه‬
‫ليس هناك اتفاق حول إرجاع الدميقراطية التشاركية إىل الدميقراطية التمثيلية‪.‬‬
‫فحسب عامل االجتامع الربيطاين انطوين جيدنز “ليست –الدميقراطية التشاركية‪ -‬امتدادا‬
‫للدميقراطية التمثيلية أو الدميقراطية الليربالية وال حتى مكملة لها ولكنها من خالل‬
‫التطبيق تخلق صيغا للتبادل االجتامعي (املقصود هو األدوار االجتامعية)” والذي‬
‫وفق تصوره “تساهم موضوعيا ورمبا بشكل حاسم يف إعادة بناء التضامن االجتامعي”‪.‬‬
‫عندما نعود إىل الباحث السوسيولوجي الربيطاين انطوين جيدنر‪ ،‬فالدميقراطية‬
‫التمثيلية “صيغة لنظام حكم يتسم بانتخابات منتظمة وباالقرتاع العام وبحرية الفكر‬
‫والحق العام يف الرتشح للمناصب العامة وتشكيل روابط سياسية”‪ ،‬كام خلص إىل أن‬
‫الدميقراطية التمثيلية هى الحكم بواسطة جامعات تفصل بينها وبني الناخب العادي‬
‫ويخضع غالبا لهيمنة ‪-‬اهتاممات ‪-‬سياسية حزبية‪ ،‬فالدميقراطية التمثيلية وفق فهمه‬
‫هي وليدة الدميقراطية الليربالية التي ارتبطت بنشأة دولة الرفاه والدولة األمة فيام‬
‫بعد الحرب الثانية وان الهدف هو تقاسم املخاطر بني الحاكمني واملحكومني الناجمة‬
‫عن الحربني العامليتني‪ .‬والجدير ذكره فإن املدافعني عن الليربالية الدميقراطية وجدوا‬
‫ضالتهم يف الرتويج لها عند انهيار األنظمة االستبدادية والشمولية يف اروبا الرشقية‪.‬‬
‫ويقدم الباحث السالف الذكر يف كتابه “بعيدا عن اليسار واليمني‪ ،‬مستقبل السياسات‬
‫الراديكالية” فهمه الخاص به حول بزوغ الدميقراطية التمثيلية كحكم ارتبط بنشأة‬
‫الدولة األمة وبدولة الرفاه لإلجابة عن مخاطر الحروب وكيفية إدارة ذلك من خالل‬

‫التضامن بني فئات املجتمع‪ ،‬وان الدميقراطية التشاركية ‪/‬او التداولية ‪ /‬او‬
‫الحوار‪ ،‬هي جوابا بديال ورد عن مخاطر الليربالية الجديدة املتطرفة التي‬
‫تنادي بتقليص دولة الرعاية االجتامعية ‪ ،‬و أن من نتائج الدميقراطية‬
‫التشاركية درء املخاطر و اإلرشاك الفعيل للمواطنني يف تدبري الشأن العام‬
‫ملواجهة التحديات التي تطرحها العوملة املتوحشة‪.‬‬
‫رغم أن أصول الدميقراطية املحلية ضاربة يف عمق التاريخ‪ ،‬فإنّها يف‬
‫العرص الراهن مل تظهر إال يف ستينيات القرن املايض يف الواليات املتحدة األمريكية‬
‫حيث كانت أهم ما يدعو إليه اليسار األمرييك ملواجهة الفقر والتهميش‪ .‬و يف أوربا‬
‫الغربية‪ ،‬تنامت الدعوات تدريجيا إىل أهمية اعتامد الدميوقراطية التشاركية وصوال‬
‫إىل مؤمتر االتحاد األوريب حول الدميقراطية التشاركية املنعقد بالعاصمة البلجيكية‬
‫بتاريخ ‪ 8‬و ‪ 9‬مارس ‪ ،2004‬حيت تم التأكيد عىل “أن الدميقراطية التشاركية هي‬
‫الحل [ألزمة الدميقراطية األوربية] وقيمة مضافة لدول االتحاد األوريب” و “يجب عىل‬
‫الدميقراطية التشاركية ان تضخ دما جديدا للدميقراطية لتكمل الدميقراطية التمثيلية‬
‫وتنمية التعاون مع باقي الرشكاء االجتامعيني”‪.‬‬
‫تعنى الدميقراطية املحلية كيفية مشاركة املواطنني يف أخذ القرارات املحلية التي‬
‫تتعلق بهم و هي ال تقترص عىل االنتخاب بل باملكانة التي نرتكها ملبادرة املواطن و‬
‫مشاركته يف صنع القرار داخل مجالس األحياء و الجمعيات وهى تتطور يف السياق‬
‫املتعلق بتحديد القرارات التي تهم املتساكنني داخل املدينة و الحي و ميكن أن نحدد‬
‫هذا البعد التشارىك للدميقراطية املحلية يف أربعة مستويات أساسية ‪.‬‬
‫‪ .1‬الوظيفة االحتفالية ‪ Fonction festive‬و تهتم ببناء الروابط االجتامعية‪.‬‬
‫‪ .2‬اإلعالم ‪ L’information‬و هو رشط رضوري للمشاركة السياسية‪.‬‬
‫‪ .3‬التشاور و الحوار و النقاش و املداولة‪.‬‬
‫‪ .4‬املشاركة السياسية اى السعي إىل اقتسام السلطة‪.‬‬
‫تحرص الدميقراطية املحلية عىل تالىف بعض االنحرافات التي تهدد الدميقراطية‬
‫التمثيلية عندما يحتكر نواب الشعب الحياة السياسية و يعجزون عن التعبري عن‬
‫مجموع رهانات الحياة املحلية و هكذا فإن هذه الدميقراطية هي أحد مصادر حيوية‬
‫الحياة السياسية من خالل التحرر من املركزية املجحفة و االنفتاح عىل متثيلية األحياء‬
‫و املنظامت و التجمعات املهنية‪ ....‬كام أن هذه الوسائل ال تتعارض رضورة مع وسائل‬
‫الدميقراطية التمثيلية لكن املشكل االساىس يكمن يف كيفية ربطها يبعضها البعض من‬
‫أجل أن تكون أحسن تعبري عن املصالح املحلية و الرهانات الجامعية اى كيفية الربط‬
‫بني الرهان املحىل و الرهان الوطني العام اى البعد املحىل للدميقرطية ال يجب أن‬
‫يتعارض مع الفهم الوطني و الكوين حتى يتسنى لنا التخلص من عيوب الفهم الكوين‬
‫الجرد و الفهم املحىل الجزيئ الذي ميكن أن يدغدغ املشاعر الجهوية من خالل الرتكيز‬
‫عىل غياب العدالة بني الجهات‪.‬‬
‫صحيح أن الدميقراطية املحلية هي أداة لتسهيل املشاركة العامة و تقديم الخدمات‬
‫و االنفتاح عىل الجامعات املحلية ووضع حد للتهميش وتحسني نتائج التنمية‪ .‬لكن‬
‫التحول املفرط إىل املحلية ميكن أن يؤدي إىل بعرثة تقديم الخدمات وخصوصا عندما‬

‫متنح السلطات املحلية صالحيات تفوق قدرتها عىل التنفيذ وألن تعزيز السلطة املحلية‬
‫ميكن أن يخلق استبدادا ً محلياُ متَارس فيه سلطات ال تخضع للمحاسبة‪ ،‬ودون متثيل‬
‫دميقراطي أو مساءلة حقيقية‪ .‬ورغم هذه املخاطر التي قد تعيق االنتقال الدميقراطي‬
‫و الحكم الرشيد فإنه من الرضوري توفري االستعدادات املادية و الرمزية التي يحتاجها‬
‫التدبري املحىل من أجل التخلص من عيوب املركزية املجحفة و الجامعاتية املحلية‪.‬‬
‫تعترب الدميقراطية املحلية نظاما للحكم الرشيد وإعادة الثقة يف السياسات الحكومية‪،‬‬
‫وان من نتائجها التحاور وإيجاد الحلول للمشاريع التي تلقى معارضة قوية من‬
‫طرف املجتمع‪ ،‬وأنها طريقة للتقويم والتتبع واملراقبة الشعبية‪ ،‬وأنها كذلك عملية‬
‫لرتميم الدميقراطية التمثيلية‪ ،‬فالدميقراطية املحلية تجعل من املواطن العادي مركز‬
‫اهتامماتها بإعتبارها شكال من أشكال التدبري املشرتك للشأن العام املحيل يتأسس‬
‫عىل تدعيم مشاركة السكان يف اتخاذ القرار السيايس وهي تشري إىل منوذج سيايس‬
‫“بديل” يستهدف زيادة انخراط ومشاركة املواطنني يف النقاش العمومي ويف اتخاذ‬
‫القرار السيايس‪ ،‬أي عندما يتم استدعاء األفراد للقيام باستشارات كربى تهم مشاريع‬
‫محلية أو قرارات عمومية تعنيهم بشكل مبارش‪ ،‬وذلك إلرشاكهم يف اتخاذ القرارات‬
‫مع التحمل الجامعي للمسؤوليات املرتتبة عن ذلك‪ ،‬وتستهدف الدميقراطية املحلية‬
‫دمقرطة الدميقراطية التمثيلية التي أظهرت جليا بعض عيوبها وتعزيز دور املواطن‬
‫الذي ال ينبغي أن يبقى منحرصا فحسب يف الحق يف التصويت أو الرتشح والولوج‬
‫إىل املجالس املنتخبة محليا ووطنيا‪ ،‬بل ميتد ليشمل الحق يف اإلخبار واالستشارة‬
‫ويف التتبع والتقييم‪ ،‬أي أن تتحول حقوق املواطن من حقوق موسمية تبدأ مع كل‬
‫استحقاق انتخايب وتنتهي بانتهائه إىل حقوق دامئة ومستمرة ومبارشة متارس بشكل‬
‫يومي وعن قرب‪ ،‬وهي بهذا املعنى تتميز عن الدميقراطية التمثيلية التي متارس عرب‬
‫واسطة املنتخبني اللذين قد يتخلون عن دور االقرتاب من املواطن وإرشاكه يف صنع‬
‫وإنتاج القرارات وبذلك يصبح دور املواطن هو تتبع وتدبري الشأن املحيل دون وساطة‪،‬‬
‫كام يجب أن نحذر من تحول الالمركزية و الحكم املحىل إىل مجرد وسيلة يف يد‬
‫السلطات املركزية أو الجهوية‪ ...‬لضبط املجال و التحكم يف النخب املحلية وبدل أن‬
‫تكون الالمركزية مدخال لتحقيق الدميقراطية عرب إرشاك السكان إرشاكا فعليا فإنها‬
‫قد تصبح مجرد تقنية محصورة ضمن تصور بريوقرطى أو عبارة عن نزعة جامعاتية‬
‫مرشوطة و تابعة ملصلحة جامعة محلية ال تحرص إال عىل خدمة مصالح أتباعها مام‬
‫يجعل الجامعات املحلية محكومة بقوالب جامدة قلام تستجيب لحاجات املواطنني‬
‫و تطلعاتهم الحقيقية‪.‬‬
‫*أستاذ فلسفة السياسة بكلية اآلداب والعلوم االنسانية بالقريوان‪.‬‬

‫من دفاتر الفقد والرحيل ‪ /‬وداعا أيها الرجل املميز‬
‫غادرنا الزميل والنقايب والشاعر واملثقف املتميز‬
‫عامر العكرمي‪ ،‬كان شعلة وشعاعا‪ ،‬متعدد املواهب‬
‫شعره باللسان الفرنيس القى حظا من الحفاوة‬
‫والرتجمة واملتابعة املوسيقية والسينامئية‪...‬عرفه‬
‫مثقفوا زغوان يف كل املناسبات كام عرفه زائروا‬
‫املكان بحفاوته وجديته ‪...‬رحمه الله ورزق أهله‬
‫وذويه وأصدقاءه جميل الصرب والسلوان‪...‬‬
‫كم نتمنى أن يخلد إسمه وأن يقرتن بربيع الفنون‬
‫مثال أو بتظاهرات وفضاءات أخرى وهي كثرية يف‬
‫ربوع زغوان ‪...‬مقرتح نرفعه بكل لطف إىل مثقفي‬
‫زغوان وهم من خرية املثقفني بجدهم ووعيهم‬
‫وتفانيهم يف انجاح التظاهرات املميزة ‪ -...‬منارات‪-‬‬
‫‪:‬شعر‪ :‬عماّ ر العكرمي‬
‫– ترجمة صالح مورو عن اللّغة الفرنس ّية‬
‫لقد كبرِ تُ يا أيب‬
‫ٌ‬
‫أطفال‬
‫وصار َيل‬
‫ٌ‬
‫أطفال صغا ٌر‬

‫مثل ََك متا ًما يا أيب…‬
‫هرمت‬
‫لك ّنني‬
‫ُ‬
‫أنت‬
‫هرمت‬
‫كام‬
‫َ َ‬
‫ورحلت ع ّني‬
‫َ‬
‫أفريل‬
‫َ‬
‫ي‬
‫أ‬
‫من‬
‫ّامِ‬
‫ذاتَ يومٍ‬
‫لك ْن‪ ،‬هل ح ّقاً غادرتني؟‬
‫—– ‪-—— +++‬‬
‫هل تذك ُر بقايا الجر ِ‬
‫ائد‬
‫التي تعلّ ُمني فيها لغ َة موليار؟‬
‫ظل كوم ِة التّ ِنب‬
‫يف ِّ‬
‫قرب حيواناتِنا األليف ِة‬
‫َ‬
‫أنس شيئًا يا أيب…‬
‫مل َ‬
‫—– ‪—— +++‬‬
‫هل تذك ُر الفرت ِ‬
‫ات الجميل َة‬
‫يل قصيد َة ال ّد ِ‬
‫اب‬
‫ع‬
‫يك وقصيد َة الغر ِ‬
‫ح َني َ‬
‫كنت تتلو َّ‬
‫ِ‬
‫ِاألبيات‬
‫وكنت تحثّني عىل حفظ‬
‫َ‬
‫موريس وهيجو‬
‫و‬
‫ني‬
‫الفنت‬
‫ل‬
‫َ‬
‫َ‬
‫أنس شيئًا يا أيب…‬
‫مل َ‬

‫—— ‪—— +++‬‬
‫أحرس مع ابنِ ع ّمي‬
‫هل تذك ُر ح َني ُ‬
‫كنت ُ‬
‫قرب س ّك ِة الحدي ْد‬
‫بقراتِنا األرب َع… َ‬
‫وأنت مت ُّر حي َنها…‬
‫كنت ترمي لنا من القطا ِر َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫املفاجآت الهزيل ِة اللذيذ ِة الخراف ّي ِة…‬
‫تلك‬
‫أنس شيئًا يا أيب…‬
‫مل َ‬
‫—— ‪–—— +++‬‬
‫قلت َلك ذاتَ يومِ شتا ٍء‬
‫هل تذك ُر يا أيب ح َني ُ‬
‫قايضت بدلتي البيضا َء‬
‫إنّني‬
‫ُ‬
‫بكتاب كان عندي عزي ًزا‬
‫ٍ‬
‫غضبت م ّني يو َمها…‬
‫ما‬
‫َ‬
‫باركت حركتي مبتسماً يا أيب‬
‫َ‬
‫أنس شيئا…‬
‫مل‬
‫ترى؟‬
‫هل‬
‫َ‬
‫—— ‪–—— +++‬‬
‫نَ ْم يف سالمٍ يا أيب‬
‫أنت ما غادرتَنا أب ًدا…‬
‫َ‬
‫—— ‪—— +++‬‬
‫أيب‪ ،،،‬كدتُ أنىس‬

‫الجوز َة التي زرعتَها يف حديقتي‬
‫فقد كَبرُ تْ …‬

‫‪14‬‬

‫الخميس ‪ 27‬فيفري ‪ - 2020‬املوافق لـ ‪ 3‬رجب ‪ 1441‬هـ ‪ -‬العدد ‪84‬‬

‫حرية مولع بالتّاريخ‪ :‬صفاقس والنورمان أنموذجا (‪)1‬‬
‫ٍ‬
‫(حيرة في ثبتِ تاريخ حكمهم)‬
‫السايف‬
‫شاهني ّ‬

‫منذ مطلعِ القرنِ الثاين عرش ميالديّا ظهرت يف البحر‬
‫املتوسط قوة سياسيّة وبحريّة وعسكريّة جديدة‬
‫األبيض ّ‬
‫أخضعت جزيرة صقلية‬
‫أقضّ ت مضاجع القوى األخرى‪،‬‬
‫ْ‬
‫واتخذت منها مرتكزا لحكمها ومنطلقا لغزواتها‪ ،‬يس ّمى‬
‫أهلها «النورمان»‪ ،‬وهم خلي ٌط من أقوا ٌم أوروب ّية‬
‫بعضهم من السكوندينافيني أحفا ِد الفايكنغ‪ ،‬رجال‬
‫الشّ امل كام تشري التسمية( (�‪normands/ north‬‬
‫الفرنيس تس ّمى «نورماندي»(‪ ،)1‬وهم‬
‫‪ ،)men‬الذين استوطنوا منطقة يف الغرب‬
‫ّ‬
‫أصحاب املغامر ِات يف البحا ِر واألنها ِر ولهم فيها صوالتٌ وجوالتٌ خالل فرتة من العرص‬
‫ُ‬
‫املتوسط وتطلّ عىل ضفّتيه‪،‬‬
‫ّ‬
‫الوسيط(‪ .)2‬نقطة االرتكاز البحريّة التي ّ‬
‫تتوسط حوضيَ ْ‬
‫جعلت من سواحل هذا البح ِر‬
‫والتي اتّخذها النورمان مستق ّرا لحكمهم‪ ،‬أي صقل ّية‪،‬‬
‫ْ‬
‫الصنهاجيني‬
‫نصيب وف ٌري منها بعد أ ْن صار حكم ّ‬
‫قبل ًة ملغامراتهم‪ ،‬فكان لسواحل إفريقية ٌ‬
‫مثخنا بجرا ِح الف ِنت االضطرابات(‪ )3‬ومنهكا باملجاعات واألوبئة(‪ ،)4‬فض ُع َف‪ ،‬فطم َع يف‬
‫ملكهم األعادي يف ال ّداخل والخار ِج‪ .‬صارتْ سوا ِحل إفريقيّة وجه ًة لِشونة(‪ )5‬النورمانِ ‪،‬‬
‫ك ّرا وف ّرا‪ ،‬فكانوا يفتحون بعض مدنها وجزائرها ليطردوا منها ث ّم يخضعونها لهم م ّرة‬
‫أخرى حتّى أطردوا منها نهائيّا يف العرشيّة األوىل من النصف الثاين من ذلك القرن‪ ،‬وكذا‬
‫كا َن األمر مع صفاقس‪.‬‬

‫لست مؤ ّرخا وال باحثا يف التّاري ِخ‪ ،‬ولك ّني‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫أنصت إىل همس حكايا ُه وأصغي‬
‫مول ٌع به ُ‬
‫إىل قر ِع ِعبرَ ِ ِه لل ّن ِ‬
‫واقيس‪ ،‬وعلّة هذه املقال ِة‬
‫نص أد ّيب رسد ّي (لنقلْ‬
‫أنيّ‬
‫ُ‬
‫أزمعت كتابة ّ‬
‫ِ‬
‫“ح ّداثة”) قس ٌم منها عن “الحاجوجة»‪،‬‬
‫قصة تختل ُط فيها وقائ ُع التّاري ِخ‬
‫وهي ّ‬
‫بالخر ِ‬
‫افات الشعب ّية‪ ،‬تخلّ ُد ملحمة أهل‬
‫املحروسة صفاقس يف ذودهم عن حامها‬
‫وإسهامهم يف ذودهم عن حمى البالد ض ّد‬
‫القصة‬
‫النورمان الغزاة‪ ،‬وسنأيت إىل هذه ّ‬
‫بحثت يف مراجع التّاري ِخ املتاحة‬
‫الحقا‪ُ .‬‬
‫ع ْن كلّ ما يتعلّق بالنورمان يف صفاقس‬
‫حتّى أفهم ما كان يدور يف ذلك العرص من‬
‫ٍ‬
‫أحداث وأتبينّ أناسه كيف كانوا يعيشون‬
‫تلك املحنة‪ ،‬وذا من بديه ّيات األمور حتّى‬
‫لو كانت الكتابة التي أخوض فيها كتاب ًة‬
‫العجيب ومن طبائعها خيان ُة‬
‫أدبيّة رسديّة قوامها التخييلُ وديدنها‬
‫ُ‬
‫التّاري ِخ منط َق ُه وهي تستلهم منه ما ّدتها القصصيّة‪ ،‬وهي لعمري‬
‫خيان ٌة محمودة ألنها تحمل يف صلبها وفا ًء لطبائعِ الكتابة األدب ّية‬
‫ومنطقها الذي هو طعن ٌة لكلّ منطقٍ ‪ ،‬وهذا موضوع يطولُ فيه الكالم‬
‫وقد نفر ُد له الحقا مقاال‪ .‬امله ّم هو أين يف حال ِة من الحرية علّتها ما‬
‫ِ‬
‫األعالم‬
‫وقفت عليه من مخالف ٍة يف التواري ِخ وامل ّدة و‬
‫األحداث والوقائعِ و ِ‬
‫ُ‬
‫بني املراجع التي أتيحت يل حول هذه الحقبة من تاري ِخ املحروسة‪،‬‬
‫وإين لواج ٌد يف هذه الحرية لذّة‪.‬‬
‫ِ‬
‫البحث في ِه أو الكتاب ِة عنه أو‬
‫التّواري ُخ مه ّمة يف كتاب ِة التّاري ِخ أو‬
‫القص والف ّن عموما‪ ،‬وأ ّول ما لفت انتباهي هو‬
‫ِ‬
‫االستلهام منه يف ّ‬
‫التواريخ التي تؤ ّرخ لدخو ِل النورمان إىل صفاقس مظفّرين وإخضاعها‬
‫لحكمهم ولخروجهم منها مصحوبني بالهزمية والخذالن‪ ،‬وما شاب تلك‬
‫التواريخ من مخالف ٍة‪ .‬جاء يف كتاب “نزهة األنظار” للشيخ محمود‬
‫مقديش‪ ،‬ويعرف الكتاب باسم “دائرة مقديش»(‪ ،)6‬أ ّن النورمان‬
‫دخلوا صفاقس يف عام ‪ )7(1148‬وخرجوا منها وقد ضاع ملكهم يف‬
‫عام ‪ 1156‬أو ‪ ،)8(1157‬أي أ ّن م ّدة حكمهم دامت حوايل مثانية أو‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫مالحظات وضعها‬
‫سنوات‪ ،‬وذلك وفق ما ورد يف الهوامش من‬
‫تسعة‬
‫املحقّقانِ األديب مح ّمد محفوظ واألستاذ عيل الزواري حول التواري ِخ‬
‫الهجريّة الواردة في ِه وق ّدما ما يعادلها يف التقويم امليالدي‪ .‬ويف كتابٍ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫التأليف مع األستاذ يوسف الشرّيف حول “معجم الكلامت‬
‫مشرتك‬
‫آخر‬

‫والتقاليد الشعب ّية بصفاقس»‪ ،‬ذكر األستاذ عيل‬
‫الزواري ورشيكه أ ّن احتالل النورمان لصفاقس‬
‫كان سنة ‪ 1149‬وكان زوال حكمهم فيها سنة‬
‫‪ ،)9(1160‬أي أنهم قد ظلوا فيها حاكمني م ّدة‬
‫أحد عرش سنة‪.‬‬
‫من أوجه املخالفة‪ ،‬أيضا‪ ،‬يف التأريخ للنورمان‬
‫يف صفاقس‪ ،‬ما خطّه الدكتور جمعة شيخة‬
‫يف كتابَ ْي ِه «قرقنة وجربة من خالل كتب‬
‫ال ّرحالت” ث ّم “صفاقس عرب التاريخ من‬
‫خالل كتب ال ّرحالت”‪ .‬قال يف كتابه األ ّول‬
‫إ ّن النورمان احتلوا قرقنة يف عام ‪ 1145‬ث ّم‬
‫دخلوا صفاقس يف نفس السنة وقد خرجوا‬
‫منها نهائ ّيا يف عام ‪ ،)10( 1160‬أي أ ّن حكمهم‬
‫قد دام خمسة عرشة سنة‪ .‬أ ّما يف كتابه الثاين‪،‬‬
‫وقد نرشه بعد سنة من األ ّول‪ ،‬فيشري إىل أنّهم‬
‫وغني عن البيان‬
‫دخلوا املهديّة عام ‪ّ ،1148‬‬
‫أ ّن دخولهم املهديّة كان يف نفس السنة التي‬
‫دخلوا فيها صفاقس بل يف نفس األسبوع(‪،)11‬‬
‫ث ّم يقول إ ّن خروجهم منها كان عام ‪،)12( 1156‬‬
‫وهو ما يعني أ ّن مدة حكمهم فيها ملْ تد ْم غري‬
‫ٍ‬
‫سنوات‪.‬‬
‫مثانية‬
‫متى دخل النورمان صفاقس فحكموا أهلها ومتى‬
‫خرجوا منها وقد فقدوا حكمهم؟ وكم دام هذا‬
‫الحكم؟ ال أستطي ُع أن أعرف‪ ،‬ناهيك أنه مثة من‬
‫يذهب بهذه املخالفة بعيدا‪ ،‬وال أتح ّدث هنا عماّ‬
‫أورده عثامن الكعاك يف كتابه “جزر قرقنة‬
‫يف األدب والتاريخ” حني قال “واستوىل‬
‫لوجار الثاين عىل قرقنة سنة ‪ 452‬هـ”(‪)13‬‬
‫أي قبل قرنٍ من الحادثة‪ ،‬وهو وال ريب‬
‫مطبعي وهو يقصد سنة ‪542‬‬
‫خطأ‬
‫ّ‬
‫هـ(‪( )14‬تقريبا ‪ 1147‬أو ‪ 1148‬ميالديّا)‪،‬‬
‫ولكني أقصد مثال ما ذهب إليه الدكتور‬
‫محمود عبد املوىل حني أورد يف كتابه‬
‫الساف وسلقطة» أ ّن احتالل‬
‫عن “قصور ّ‬
‫النورمان للمهديّة كان عام ‪،)15(1153‬‬
‫وقد أرشنا آنفا إىل أنّهم احتلوا صفاقس بعدها بأسبوع‪.‬‬

‫وقفت عليها إىل قصوري ع ْن‬
‫قد تُ ْعزى هذه املخالفة التي‬
‫ُ‬
‫معرفة حالة الك ّر والف ّر يف حرب مدنِ إفريقيّة وقتها وجزائرها‬
‫ض ّد النورمان‪ ،‬فتكون كلّ هذه التواري ِخ الواردة صحيحة‬
‫وتكون تلك املخالفة واقعة يف ذهني فقط‪ ،‬ولك ّنها حالة‬
‫قص عن تلك الحقبة من‬
‫حقيقيّة أعيشها ككاتبٍ يرو ُم كتابة ّ‬
‫تاريخنا‪ ،‬فصحيح أ ّن املخالفة يف التواريخ طفيفة‪ ،‬عموما‪ ،‬وال‬
‫ٍ‬
‫سنوات‪ ،‬ولك ّنها قد تحدثُ لخبطة عندي وأنا بصدد رسم‬
‫تتخطّى بضع‬
‫بعض الشخص ّي ِ‬
‫معا ِمل ِ‬
‫ات يف س ّنها وشتّى التغيرّ ات التي تطرأ عليها من‬
‫وقت دخولهم صفاقس إىل يوم خروجهم منها‪ ،‬فقد يصب ُح الطفلُ شابّا‬
‫ٍ‬
‫ِ‬
‫بأحداث أخرى‬
‫الحدث‬
‫والشّ اب كهال والكهل شيخا‪ ،‬ث ّم عند ربط ذلك‬
‫تجري يف العامل يف تلك الحقبة‪ ،‬كاحتالل الصليب ّيني لبالد الشرّ ق وما تاله‬
‫يك وآ ِل أيّوب‪ ،‬فقد تحدثُ هذه املخالفة ولو‬
‫من مقاومة لهم من آ ِل زن ّ‬
‫بعام أو عام ِني ارتباكًا يف اختيار رموز تلك املرحلة يف بالد الشرّ ق‪.‬‬
‫كانت ٍ‬
‫ٍ‬
‫ّريف يف األمر هو ما دار من جدل حول مسألة التقويم‬
‫يبقى الط َ‬
‫املعتمد يف تأري ِخ خروجهم نهائ ّيا من صفاقس‪ ،‬فلنئ اتفقت املراج ُع‬
‫أنّه كا َن يوم احتفا ٍل ِ‬
‫برأس السنة املسيح ّية‪ ،‬يف “يناير”‪ ،‬شارك فيه أهايل‬
‫رشا‪ ،‬فإ ّن مسألة التقويم فيها‬
‫صفاقس تو ّددا مخاتال للنورمان يضمر ّ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫البعض إىل أ ّن رأس السنة الذي احتف َي به وقتها كا َن‬
‫نظ ٌر‪ ،‬إذ يش ُري ُ‬
‫وفق التقويم األعجمي (العجمي) الذي يسبق التقويم الذي نعرفه‬

‫اليوم بأربعة عرش يو ًما‪ ،‬أي أنه قد كا َن يوم‬
‫‪ 14‬جانفي(‪ )16‬من عام ‪ 1156‬أو ‪ 1157‬أو‬
‫‪ 1160‬إلخ‪..‬‬

‫(يتبع)‬
‫املراجع املعتمدة‪:‬‬
‫ الزواري (عيل) والرشيف (يوسف)‪ ،‬معجم‬‫الكلامت والتقاليد الشعب ّية بصفاقس‪ ،‬دار‬
‫محمد عيل الحامي‪ ،‬ط‪ ،2‬صفاقس‪.2016 ،‬‬
‫ شيخة (جمعة)‪ ،‬صفاقس عرب التّاريخ ومن‬‫خالل كتب الرحالت‪ ،‬املغاربيّة للطباعة‬
‫والنرش واإلشهار‪ ،‬ط‪ ،1‬تونس‪.1995 ،‬‬
‫ شيخة (جمعة)‪ ،‬قرقنة وجربة من خالل‬‫كتب الرحالت‪ ،‬املغاربيّة للطباعة والنرش‬
‫واإلشهار‪ ،‬ط‪ ،1‬تونس‪.1994 ،‬‬
‫الساف‬
‫قصور‬
‫ عبد املوىل (محمود)‪،‬‬‫ّ‬
‫وسلقطة من خالل الحضارة والتص ّوف‬
‫والعمران‪ ،‬دار العامل الثالث للنرش والتوزيع‬
‫واالتصال‪ ،‬تونس‪ ،‬سبتمرب ‪.1984‬‬
‫ الك ّعاك (عثامن)‪ ،‬جزر قرقنة يف األدب والتّاريخ‪ ،‬مراجعة املرشي‬‫الشيل (عبد اللطيف)‪ ،‬دار قرطاج للنرش والتوزيع‪ ،‬صفاقس‪.2018 ،‬‬
‫ الك ّعاك (عثامن)‪ ،‬جزر قرقنة يف األدب والتّاريخ‪ ،‬نرش جمعيّة النهوض‬‫بالطالب القرقني‪ ،‬صفاقس‪.1955 ،‬‬
‫ مقديش (محمود)‪ ،‬نزهة األنظار يف عجائب التواريخ واألخبارـ‬‫تحقيق عيل الزواري ومحمد محفوظ‪ ،‬دار املغرب اإلسالمي‪ ،‬ط‪ ،1‬ج‪،1‬‬
‫بريوت‪.1988 ،‬‬
‫ نورث (مايكل)‪،‬‬‫اكتشاف بحار العامل‬
‫من العرص الفينيقي إىل‬
‫الزمن الحارض‪ ،‬ترجمة‬
‫عدنان عبّاس عيل‪،‬‬
‫سلسلة عامل املعرفة‪،‬‬
‫عدد‪ ،475‬الكويت‪،‬‬
‫أغسطس (أوت) ‪.2018‬‬
‫_____الهوامش______‬
‫‪ 1‬الك ّعاك (عثامن)‪ ،‬جزر قرقنة يف‬‫األدب والتّاريخ‪ ،‬نرش جمع ّية النهوض‬
‫بالطالب القرقني‪ ،‬صفاقس‪،1955 ،‬‬
‫ص‪.27‬‬
‫‪ 2‬نورث (مايكل)‪ ،‬اكتشاف بحار العامل‬‫من العرص الفينيقي إىل الزمن الحارض‪،‬‬
‫ترجمة عدنان ع ّباس عيل‪ ،‬سلسلة عامل‬
‫املعرفة‪ ،‬عدد‪ ،475‬الكويت‪ ،‬أغسطس‬
‫(أوت) ‪ ،2018‬ص‪.40‬‬
‫‪ 3‬الكعاك‪ ،‬مذكور‪ ،‬ص‪.29‬‬‫الساف‬
‫‪ 4‬عبد املوىل (محمود)‪ ،‬قصور ّ‬‫وسلقطة من خالل الحضارة والتص ّوف‬
‫والعمران‪ ،‬دار العامل الثالث للنرش والتوزيع واالتصال‪ ،‬تونس‪ ،‬سبتمرب ‪ ،1984‬ص‪.68-69‬‬
‫‪ 5‬املركب املع ّد للقتال‪.‬‬‫‪ 6‬مقديش (محمود)‪ ،‬نزهة األنظار يف عجائب التواريخ واألخبارـ تحقيق عيل الزواري ومحمد محفوظ‪ ،‬دار‬‫املغرب اإلسالمي‪ ،‬ط‪ ،1‬ج‪ ،1‬بريوت‪.1988 ،‬‬
‫‪ 7‬مقديش‪ ،‬مذكور‪ ،‬ص‪.490‬‬‫‪ 8‬نفسه‪ ،‬ص‪.491‬‬‫‪ 9‬الزواري (عيل) والرشيف (يوسف)‪ ،‬معجم الكلامت والتقاليد الشعب ّية بصفاقس‪ ،‬دار محمد عيل الحامي‪،‬‬‫ط‪ ،2‬صفاقس‪ ،2016 ،‬ص‪.148‬‬
‫‪ 10‬شيخة (جمعة)‪ ،‬قرقنة وجربة من خالل كتب الرحالت‪ ،‬املغاربيّة للطباعة والنرش واإلشهار‪ ،‬ط‪ ،1‬تونس‪،‬‬‫‪ ،1994‬ص‪.14-15‬‬
‫‪ 11‬مقديش‪ ،‬مذكور‪ ،‬ص‪.489‬‬‫‪ 12‬شيخة (جمعة)‪ ،‬صفاقس عرب التّاريخ ومن خالل كتب الرحالت‪ ،‬املغاربيّة للطباعة والنرش واإلشهار‪ ،‬ط‪،1‬‬‫تونس‪ ،1995 ،‬ص‪.15-16‬‬
‫‪ 13‬الكعاك‪ ،‬مذكور‪ ،‬ص‪.30‬‬‫قرقني أصيل وعاشق و ّيف‬
‫‪ 14‬أعيد نرش الكتاب وقد راجعه األستاذ املرشي الشيل (عبد اللطيف)‪ ،‬وهو كاتب ّ‬‫لألرخبيل‪ ،‬ولك ّن الخطأ املشار إليه ملْ يُتَدا َر ْك يف هذه الطبعة الجديدة فوجب التنويه إىل ذلك (دار قرطاج‬
‫للنرش والتوزيع‪ ،‬صفاقس‪.)2018 ،‬‬
‫‪ 15‬عبد املوىل‪ ،‬مذكور‪ ،‬ص‪.69‬‬‫‪ 16-‬الزواري والرشيف‪ ،‬مذكور‪ ،‬ص‪.148‬‬

‫‪15‬‬

‫الخميس ‪ 27‬فيفري ‪ - 2020‬املوافق لـ ‪ 3‬رجب ‪ 1441‬هـ ‪ -‬العدد ‪84‬‬

‫شعر الجمهوريّة األولى (‪:)1956/2011‬‬

‫من التصنيف الشّكلي إىل التّصنيف اإليديولوجي‬
‫بقلم رياض خليف‬
‫يطرح هذا املقال سؤال تصنيف تط ّور التّجربة‬
‫الشّ عريّة التّونسيّة زمن الجمهورية األوىل (من‪1956‬‬
‫إىل ‪. )2011‬ويفكّر يف التصنيف الشكيل الذي اتسمت‬
‫به قراءات هذا الشعر‬
‫و تصنيفات مراحله مقرتحا تجاوزه التّسامه‬
‫بالتداخل و عدم ال ّدقّة يف مواقع كثرية‪.‬فإذا كان هذا‬
‫يك إىل أمناط مختلفة‬
‫الشّ عر قد تح ّول من تو ّجه كالسي ّ‬
‫من أشكال الكتابة الشعريّة الحديثة فإ ّن تح ّوال آخر صمت عنه الخطاب الثقا ّيف‬
‫الرسمي و تجاهله وهو انفصال جانب من الكتابة الشعريّة عن خطاب السلطة‬
‫و خروجها عن جلبابها‪.‬‬

‫‪ 1‬تصنيفات المعارك اللغويّة‪:‬‬

‫يتناول الباحثون الحراك الشّ عري التّونيس ‪،‬باعتباره حراكا يتّخذ من‬
‫الشّ كل رهانا ومداره رصاع بني الكالسيكية بشكلها العمودي وغنائ ّيتها‬
‫املألوفة وبني الحداثة التي فتحت باب التجريب الشكيل واللغوي‬
‫وأ ّدت إىل ظهور اتجاهات شعرية متم ّردة عىل العمود الشعري وأوزان‬
‫الخليل وعىل اللّغة العربيّة ونواميسها ‪.‬فلقد أباح بعضهم تجاوز‬
‫الشكل الشعري القديم وزنا وإيقاعا وتوزيعا عىل البياض وتصنيفا‬
‫أجناسيا وفتح الباب ملزج الفصحى بالعا ّمية وباللّغات األجنبية‪.‬‬
‫فجامعة يف غري العمودي والح ّر تخلّوا عن الوزن والتفعيلة وبحثوا‬
‫«عن أشكال وصياغات تجريبية جعلتهم يدمجون اللغة الفرنسية‬
‫يف العربية ويعمدون إىل استعامل خطوط غليظة وأخرى دقيقة و‬
‫كلامت مقلوبة»‪1‬ودعوا «إىل الكتابة بالعامية وأساسا التونسية»‪2‬‬
‫وظهرت عديد اليافطات فوق نصوص األدباء مبختلف‬
‫تياراتهم ومشاربهم ومن أبرزها الكتابة املضادة وإنتاج‬
‫وخلق وإنشاء ولوحة وخرب وشعر ال يعتمد التفعيلة‬
‫والقصيدة املضادة‪ 3‬لتع ّوض التصنيف التقليدي‬
‫للكتابة الشعرية ووسمها بأنها قصيدة أو شعر‪...‬‬

‫ولك ّن لهذا الحراك اللغوي والشكيل وجه إيديولوجي‪،‬‬
‫فال ميكن أن نقرص متييز الحركات واالتجاهات الشعرية‬
‫عىل أساليب كتابتها وعزلها يف بوتقة التجريب اللغوي‬
‫ذلك أن البعد اإليديولوجي مضمر أو معلن يف مختلف‬
‫التّجارب الشّ عرية‪.‬فمعارك املدارس الشعرية يف تونس‬
‫مل تكن مج ّرد معارك لغوية بل هي معارك يؤثر فيها الخارج النيص‬
‫السياق وهو ما يق ّر به خالد الغريبي إذ يؤكد أنّه « ال تكاد لحظة‬
‫أو ّ‬
‫من لحظات الشعر التونيس تخلو من معارك بني القديم والجديد ‪.‬وال‬
‫السياس ّية أثرها يف نوع هذه‬
‫للسياقات الثقاف ّية واملعرف ّية و ّ‬
‫شك فإن ّ‬
‫املعارك»‪4‬وهو ما يذهب إليه محمد الهاشمي بلوزة يف مقدمة كتابه‬
‫إذ يعترب أن»نظرية الفن للفن قد عفا عنها الزمن وأصبح الفن عموما‬
‫سواء كان انعكاسا للواقع أو تجاوزا له ال ميكن أن يكون إال يف عالقة‬
‫حميمة مع املجتمع بغض النظر عن طبيعة هذه العالقة «‪5‬معتربا أن‬
‫«الشعر ال ميكن أن يكون مبنائ عن االيدولوجيا» ‪6‬‬
‫والحقيقة أن السؤال اإليديولوجي مل يغب عن الجدل الذي ساد‬
‫يف املؤمترات وامللتقيات الشعرية التأسيسية وانتقل إىل الصحف‬
‫واملجالت‪ .‬ولعلّنا نذكر من ذلك ما ورد يف بيان املنحى الواقعي‪ 7‬فهو‬
‫يطرح تصورا مشبعا بااليدولوجيا ومنترصا ملفهوم الفن امللتزم صوت‬
‫الواقع «انطالقا من أن الفن ملتزم بطبعه منحا والحقيقة أن السؤال‬
‫اإليديولوجي مل يغب عن الجدل الذي ساد يف املؤمترات وامللتقيات‬
‫الشعرية التأسيسية وانتقل إىل الصحف واملجالت‪ .‬ولعلّنا نذكر من ذلك‬
‫ما ورد يف بيان املنحى الواقعي‪ 8‬فهو يطرح تصورا مشبعا بااليدولوجيا‬
‫ومنترصا ملفهوم الفن امللتزم صوت الواقع «انطالقا من أن الفن ملتزم‬
‫بطبعه منحاز يف هذا الرصاع االجتامعي إىل جانب هذا الطرف أو‬
‫ذاك أن بصفة واضحة أو مقنعة يطرح الشعراء والفنانون الواقعيون‬

‫عىل أنفسهم النضال عىل واجهة الفن إىل جانب قوى الحياة والتقدم‬
‫يف مجتمعهم» ‪9‬وهذه املقولة تجعل الشعر منغمسا‬
‫يف الواقع وحامال لرؤية إيديولوجية وهي تناهض‬
‫مقولة عزل الفن يف أطره الضيقة»يف املقابل شهدت‬
‫أواخر العرشية املاضية التي عرف فيها شعبنا محنا‬
‫ليس من السهل نسيانها تطور تيار شعري نكويص‬
‫يدعو إىل التحلل والتفسخ والحياد الزائف إزاء الرصاع‬
‫االجتامعي الدائر ويقوم عىل رفع شعار الفن للفن‬
‫ومعاداة التعابري الثقافية التقدمية باسم نقاوة الفن‬
‫من لوثة السياسة وتناقض الفنان مع السيايس‪01»...‬‬
‫هذا املوقف املرفوض من طرف هؤالء الذين‬
‫وصفهم الطاهر الهاممي بالبورجوازيني الصغار مربزا‬
‫«بروز ال ّنزعة الجديدة القدمية عند بعض املثقفني‬
‫والسياسيني البورجوازيني الصغار بالخصوص نحو التملص اليائس‬
‫والوهمي من أي التزام ال مع هذا وال مع ذاك انطالقا من النظرة‬
‫املعروفة والشاذة القائلة بان الفنان مخلوق من طينة خاصة ما فوق‬
‫برشية»‪11‬‬
‫فالجام ّيل و الشّ كيل مل يكن ال ّدافع الوحيد للكتابة الشّ عريّة بل إ ّن‬
‫اله ّم اإليديولوجي هو الذي كان يبثّ يف هذه التّجارب روحا إضافيّة‬
‫‪.‬فالكلمة اإلبداعية تعبري إيديولوجي باألساس و ال قيمة للخطاب‬
‫األد ّيب خارج إطاره اإليديولوجي مثلام يؤكّد ذلك ميخائيل باختني و‬
‫غريه من أنصار املناهج السوسيولوج ّية يف تحليل األدب‪.‬فكيف ميكن‬
‫أن نقرأ مراحل تط ّور الشعر التّونيس يف تلك الفرتة ايديولوجيّا؟‬

‫‪ 2‬نحو تصنيف ايديولوجي‪:‬‬

‫انطالقا من هذا التو ّجه واالهتامم بالبعد‬
‫اإليديولوجي‪،‬يبدو أ ّن تصنيف الشّ عر‬
‫التّونيس تصنيفا شكليّا ال يف بالغرض و‬
‫يهمل ملمحا أساس ّيا من مالمح الكتابة‬
‫الشّ عريّة التّونس ّية ‪.‬فعدم االنضباط‬
‫الف ّني و التّم ّرد عىل أساليب الكتابة‬
‫إيديولوجي و حرص‬
‫كان يقابله انضباط‬
‫ّ‬
‫عىل الوفاء لرسالة فكريّة‪.‬فاملوقف من‬
‫السلطة كان أساسا رئيس ّيا وال ميكن‬
‫ّ‬
‫إهامله‪.‬‬
‫‪ 2-1‬شعر السلطة‪...‬شعر الشّ عب‬
‫نقسم الشعر التّونيس إىل مجالني متوازيني‬
‫يف هذا اإلطار ّ‬
‫تعايشا مع بعضهام‪ .‬شعر تح ّبه السلطة ويساندها ويطلب و ّدها و‬
‫شعر آخر يقتنص فرصة ال ّرفض واالحتجاج ويحلم بالثّورة و بوطن آخر‬
‫ليؤسس خطابه‪.‬‬
‫ويحتفي بصوت الهامش ّ‬
‫‪2-1‬شعر تحبه السلطة‬
‫ال ميكن فصل هذا االتجاه يف الكتابة الشعرية عن صورة مثقف‬
‫السلطة وتو ّجهاته عموما‪،‬فهو يسري يف مواكب السلطة ويحتفل‬
‫بخطابها ورموزها‪.‬وقد ساد هذا التوجه لعقود يف املد ّونة الشعريّة‬
‫التّونسية و ذاع صيت العديد من الشّ عراء م ّمن تألّقوا يف كتابة مدائح‬
‫للحبيب بورقيبة واإلشادة بقراراته وانجازاته ودوره يف معارك التحرير‬
‫ومنهم أحمد اللغامين‬
‫و الشاذيل عطاء الله والطاهر القصار والنارص صدام والهادي نعامن‬
‫ومحمد الشعبوين وعامر بوترعة‪...‬‬
‫لقد كان التّباري يف إرضاء السلطة وجلب اهتامم الزعيم موطن اهتامم‬
‫العديد من الشعراء وهو ما حاول بعضهم مواصلته زمن بن عيل من‬
‫خالل قصائد تشيد به ومبرحلة حكمه باعتبارها عهدا جديدا‪ .‬يف حني‬
‫خيرّ آخرون عدم االقرتاب من جحر السلطة وكتابة قصائد مساملة ال‬
‫تقرتب وال تبتعد‪ .‬وقد حرص أغلب االشعراء خصوصا يف مرحلة بن‬
‫السيايس‬
‫السيايس املحليّ واالبتعاد عن دائرة القلق‬
‫عيل عىل تج ّنب ّ‬
‫ّ‬

‫مكتفني مبواضيع وجدان ّية‬
‫و تلوينات عاطف ّية ولغوية مكتفني بالخوض‬
‫يف جراح املنطقة العربية وخصوصا القضيّة‬
‫الفلسطينية وسقوط بغداد ‪.‬‬
‫‪2-2‬كتابة إزعاج السلطة أو الكتابة بصوت الهامش‪:‬‬
‫شق عصا‬
‫يف املقابل برزت تجارب عديدة تضمر ّ‬
‫الطاعة وتلتحم بخطاب الهامش‪،‬خطاب الحراك‬
‫السيايس والنقايب واالحتجاج االجتامعي أو خطاب‬
‫الطبقات الضعيفة والرأي اآلخر‪.‬فكانت تعبرّ عن‬
‫االجتامعي وتخوض‬
‫السيايس و‬
‫قلق من ال ّراهن ّ‬
‫ّ‬
‫يف هواجس الشّ عب املقموع وتتج ّرأ عىل قول‬
‫املسكوت عنه وهو ما ولّد تجارب شعرية مشتبكة‬
‫مع السلطة ومتنافرة مع خطابها‪ .‬وقد استطاعت‬
‫نصا شعريّا جديدا ومختلفا‬
‫هذه التّجارب أن تحقق بديال شعريا وتكتب ّ‬
‫متنصال من لغة املركز وطقوسه و تدخل كتابة الذات املعدمة يف إطار‬
‫ّ‬
‫اسرتاتيجيات هذه الكتابة إذ تلوح يف املد ّونة الشّ عريّة التونسية صور‬
‫الذات الفقرية والجائعة والبائسة والتائهة يف املدينة التي تصبح فضاء‬
‫تض ّور وأمل‪.‬فتنحو الكتابة الشعرية يف هذا املجال نحو التقاط لغات‬
‫الغرباء والجائعني واملعدمني وتتب ّنى أوجاع «الربوليتاريا»والفئات‬
‫الشعبية وتصدح بآالم العماّ ل والفالّحني والجائعني واملظلومني يف‬
‫املدينة‪ ،‬باعتبارهم هامشا مضطهدا يف املركز‪.‬فع ّجت تجاربهم مبا‬
‫يعانيه هؤالء من غربة وضياع وكوابيس وحرية وضيق واحتقار وجوع‬
‫و الحقيقة أن كتابة املدينة‪،‬كثريا ما ارتبطت يف الشعر املعارص بكتابة‬
‫االغرتاب والغربة خصوصا عند الشّ عراء الذين التحقوا باملدن الكربى‪،‬‬
‫الصغرية ومن الطّبقات االجتامع ّية‬
‫قادمني من األرياف والقرى واملدن ّ‬
‫الفقرية واملحافظة‪ .‬فقد كانت ألكرثهم حاالت صدمة وارتباك وضياع‬
‫ورصاع مع الواقع الجديد ومع الفضاءات الغريبة عن وجدانهم وهو‬
‫ما تكشف عنه املدونة األدبية التونسية الواسعة‬
‫التي متيز جانب منها بحالة تصادم بني املدينة‬
‫واملثقف وهو شأن أوالد أحمد و مختار اللغامين و‬
‫منور صامدح و غريهم‪.‬‬
‫خامتة‪:‬‬
‫يتجاوز هذا التقسيم املقرتح‪ ،‬تداخل التصنيفات‬
‫الشكليّة و ما فيها من ضبابيّة يف بعض الجوانب‬
‫و تداخل يف التجارب و تق ّدم خيار التقسيم‬
‫االيديولوجي خيطا رابطا بني التجارب الشعرية‬
‫التونسية‪.‬و لعلّه ميكننا القول إ ّن الخروج عن الشكل العمودي‬
‫يك كان يف ح ّد ذاته رغبة ايديولوجيّة و محاولة لتجاوز الثّقافة‬
‫الكالسي ّ‬
‫الرسمية والخطاب السلطوي فإذا كانت أغلب التجارب الشّ عريّة ذات‬
‫التّو ّجه املنارص للسلطة تحافظ عىل الشكل التقليدي و ال تتجاوزه‬
‫إال بقدر ضئيل ‪.‬فام م ّيز الشعر الرافض و املضا ّد هو غلبة األشكال‬
‫الحداثيّة عليه و اعتناقه كتابة هدم النموذج الشعري‪.‬‬
‫(‪)setondnE‬‬
‫‪ 1‬تهامي الهاين‪ :‬الحداثة يف الشّ عر التّونيس املارص‪،‬تونس‪،‬األطلسيّة لل ّنرش ‪،‬ط‪1‬سنة ‪ 2010‬ص‪27‬‬
‫‪ 2‬املرجع نفسه ‪،‬ص‪27‬‬
‫‪ 3‬م ن ص‪31‬‬
‫‪ 4‬خالدالغريبي‪ :‬الشّ عر التّونيس وأشكال الكتابة الجديدة (كتاب جامعي) تونس‪،‬دار صامد‪،‬ط‪1‬‬
‫سنة ‪ 2006‬ص‪166‬‬
‫الصدى‪،‬نونس ‪،‬الدار التّونسيّة لل ّنرش ‪،‬ط‪ 1‬سنة ‪1992‬ص‪13‬‬
‫‪ 5‬محمد الهاشمي بلوزة‪،‬السؤال و ّ‬
‫‪ 6‬املرجع السابق‪،‬ص‪15‬‬
‫‪ 7‬بيان الحاممات ملجموعة املنحى الواقعي الذي أمضاه كل من الطاهر الهاممي ومحمد معايل‬
‫وسمرية الكرساوي يف أعقاب ملتقى الشعر الجديد جويلية‪1981‬‬
‫‪ 8‬فبيان الحاممات ملجموعة املنحى الواقعي الذي أمضاه كل منن الطاهر الهاممي ومحمد‬
‫معايل وسمرية الكرساوي يف أعقاب ملتقى الشعر الجديد جويلية‪1981‬‬
‫‪ 9‬الطاهر الهاممي‪:‬مع الواقع ّية يف االدب والفن‪،‬تونس‪،‬دار النرش للمغرب العريب ط‪1‬سنة‪ 1984‬ص‪5‬‬
‫‪ 10‬الطاهر الهاممي‪:‬مع الواقعيّة يف االدب والفن‪ ،‬ص‪5‬‬
‫املرجع السابق ‪:‬ص‪11 8‬‬

‫‪16‬‬

‫الخميس ‪ 27‬فيفري ‪ - 2020‬املوافق لـ ‪ 3‬رجب ‪ 1441‬هـ ‪ -‬العدد ‪84‬‬

‫دارات‬

‫إص‬

‫مكتبة منارات ‪ :‬بقلم سعدية بن سالم‬

‫السياسة للكاتب والفنان التشكييل السوري «بولس رسكو»‪ ،‬بعنوان «عرص الظلامت الجديد» (ملفات التالعب‬
‫للقاصة والروائيّة املتميّزة «بسمة الشوايل»‪ّ ،‬‬
‫نلقي الضوء يف هذا العدد عىل ثالثة أعامل كالعادة‪ ،‬واخرتنا هذه امل ّرة مجموعة «تاء» ّ‬
‫ونصا يف ّ‬
‫السوري وإجالء التّعتيم عن العقول املستباحة بق ّوة ناعمة ترشع لنوع جديد من الحروب وبأسلحة غري تقليدية‪ .‬ونختم أعامل هذا العدد بتقديم موجز لسرية الكاتبة والباحثة‬
‫بالعقول ودورها يف الحرب عىل سوريا) وهي محاولة إلعادة قراءة املشهد ّ‬
‫اللبنان ّية «مينى العيد» وهي سرية وردت يف جزأين‪« ،‬أرق الروح» و»زمن املتاهة»‪.‬‬

‫الشوالي‪ :‬تاء‬
‫بسمة ّ‬

‫«تاء»‪ ،‬مجموعة قصصيّة للمبدعة «بسمة‬
‫الش ّويل»‪ ،‬صدرت عن دار ابن عريب للنرش‪،‬‬
‫يف طبعتها األوىل سنة ‪ .2020‬وردت يف ‪161‬‬
‫صفحة‪ ،‬وض ّمت عرش قصص هي عىل التوايل‪،‬‬
‫الحب اسقني‪ ،‬ض ّمة‪ ،‬بندول الحنني‪،‬‬
‫خمرة‬
‫ّ‬
‫ال ّنحاس يستيقظ بوقا‪ ،‬فوىض خالّقة‪ ،‬تاء‪ ،‬ب ّية‪،‬‬
‫أقل‪ ،‬عرائش الحنظل‪ ،‬شجرة الطّاووس‪.‬‬
‫خوخ ّ‬
‫كتابة «بسمة الشوايل» مبهرة وملغزة يف‬
‫الوقت ذاته‪ ،‬ذلك اإللغاز الذي يدفع املتلقّي‬
‫إىل التش ّبث بالقراءة بحثا عن كنه الحكاية‪،‬‬
‫عن حقيقتها‪ ،‬يصعب أن نجد من يكتب بلغة‬
‫«بسمة الشوايل» أو هو قادر عىل االقرتاب‬
‫من عواملها عىل كرثة املشرتك بني تلك العوامل‬
‫وعوامل اآلخرين‪ ،‬إالّ أ ّن يف اشرتاكها معهم تف ّرد‬
‫قصصها‬
‫قصصها‪ُ .‬‬
‫ال يدركه غريها‪ .‬هكذا حدّثت ُ‬
‫الواقعي بالفكر ّي وبالخيا ّيل‬
‫تلك التي متزج‬
‫ّ‬
‫وبالرسيا ّيل أحيانا‪.‬‬
‫اختارت بسمة ملجموعتها عنونا «تاء»‪ ،‬ويقال‬

‫يف حرف التاء إ ّن املقصود به تالوة القرآن حتّى‬
‫تجد وحدة الذات‪ .‬ويضعنا التعريف والخ ّط‬
‫الذي كتبت به «التاء» عىل الغالف فضال عىل‬
‫الصورة املصاحبة يف عمق الحركة وشطحات‬
‫ّ‬
‫املتص ّوفة وهم يكابدون يف سبيل االلتحاق‬
‫بالجوهر من جديد والتخلّص من العارض الذي‬
‫يعوق حلولهم يف املتعايل‪.‬‬
‫من البداية تصنع «بسمة الشوايل» عاملها‬
‫الخاص وتجعل من شخصياتها عىل بساطتهم‬
‫ّ‬
‫يف أغلب األحيان شخصيات إىل التص ّوف أقرب‬
‫قصة «تاء» التي‬
‫وتجسد ّ‬
‫وإىل املكابدة أميل‪ّ .‬‬
‫منحت اسمها إىل املجموعة تلك املكابدة‪،‬‬
‫شظف العيش‪ ،‬واملعاناة وانتظار الخالص‪،‬‬
‫الخالص من سطوة زوج ينتظر املوت ويحلم‬
‫بالحور وأنهار الخمر والعسل يف ج ّنة الخلد‪،‬‬
‫وال ينىس‪ ،‬وهو ذاته ينتظر الخالص من الجسد‪،‬‬
‫الصابرة التي‬
‫أن يبالغ يف اإلثقال عىل الزوجة ّ‬
‫تذبل يوما بعد آخر وتفقد ماء الحياة من ّكل‬

‫رص عىل حجزه ّن‬
‫جسمها‪ ،‬ويُثقل عىل بنات ي ّ‬
‫يف البيت منتظرا الرحيل وتاركا إياهم يف عنق‬
‫زوجته تدبّر أمرها معه ّن‪.‬‬
‫تعيد «بسمة الشوايل» تركيب الواقع دون أن‬
‫تسقط يف تكراره أو عكسه آليا‪ ،‬تجعل الفكرة‬
‫إشارة وغمزا وتعلّق متلقيها إىل آخر الحكاية‪،‬‬
‫بل إنها قادرة عىل سامعه شهقته املفاجئة ّ‬
‫وأف‬
‫الضّ يق بسلوك شخص ّية ما‪ ،‬وزفرة التعاطف مع‬

‫شخصيّة أخرى‪ .‬بني خميسة وخميس «تاء»‬
‫تسقط من عني الطبيب املعالج» تاء» هي‬
‫املسافة بني الحياة واملوت‪ ،‬تاء أفصحت عن‬
‫نفسها منذ البداية عندما اختارتها الكتابة‬
‫لتجعلها سابقة للفعل «س ّجى»ـ تس ّجى» عىل‬
‫خالف ما يوحي به بق ّية القول الذي ير ّجح‬
‫استعامل «يس ّجى»‪.‬‬
‫تاء تراوح راقصة بني «هو» و»هي» حضورا‬
‫رص أن ترتقي بها‪ ،‬هي خميسة‪،‬‬
‫وغيابا‪ .‬وت ّ‬
‫تلك التي نخرها املرض دون أن تفطن‪ ،‬دون‬
‫أن ترتاح أو تتلقى عالجا‪ ،‬تلك التي انسحبت‬
‫بهدوء وقد اعتقدت منذ حول وأيام أ ّن القدر‬
‫ينتظر خميس الذي تأخر عن تلبية داعي ربّه‪.‬‬
‫حرصت «بسمة الشوال»ي أن تجعل لقصصها‬
‫مداخل‪ ،‬فقبل السرّ د الب ّد من إطار تغازل فيه‬
‫اللغ ُة املتلقي وهي تعدّه للحكاية‪ ،‬تقول يف‬
‫الصرب حوال‬
‫«تاء»‪« :‬كان االنتظار قد أدرك من ّ‬

‫الحواس‪،‬‬
‫وأيّاما عسرية‪ .‬غلّق التقى أبواب‬
‫ّ‬
‫وفتح عليه باب الريّان‪ ،‬يدخله الخيال من‬
‫أ ّي نعمة شاء» (ص‪ .)81‬وتقول يف فاتحة‬
‫«شجرة الطاووس»‪« :‬يرضبون شهوة الطّعام‬
‫عرض ال ّرفض فيشهق الجوع جدارا من ضباب‬
‫يتكثّف يوما عن يوم ومدى لحظات ما فتئت‬
‫تتل ّبد كلقمة عسرية الهضم جافّة‪( .‬ص‪.)151‬‬
‫مجموعة متجذّرة يف بيئتها‪ ،‬منغرسة يف املكان‬
‫وما فيه ومن فيه‪ ،‬بفضائه املكاين وأسامء‬
‫أهله‪ ،‬وعاداتهم وهواجسهم وبؤسهم املقيم‬
‫الذي ال يكاد يغادر إالّ ليعود‪ ،‬فيفضح الحيف‬
‫االجتامعي والتهميش والفقر الذي ال مينع‬
‫السلطة من الطمع يف أهله فتج ّند الشباب‬
‫العاطل عن العمل الهارب من شدقي الفقر‬
‫وتلقي به يف ّفك املوت املرتبّص دون أن تخربه‬
‫كيف يدافع عن نفسه أو تنجده‪.‬‬
‫مجموعة مغرية بقراءات ال قراءة واحدة‪ ،‬يف‬
‫بنائها وأسلوبها وتصادي حكاياتها‪.‬‬

‫بولس سركو‪ ،‬عصر الظلمات الجديد «ملف التالعب بالعقول ودورها في الحرب على سوريا»‬
‫عرص الظلامت الجديد‪ ،‬هو كتاب ُص ّنف يف‬
‫السياسيّة صادر عن دار ديار للنرش‬
‫خانة الكتب ّ‬
‫والتوزيع تونس يف طبعته األوىل سنة ‪،2019‬‬
‫السوري‬
‫للفنان التشكييل والكاتب السيايس ّ‬
‫«بولس رسكس»‪ .‬وهذا الكتاب هو امتداد لكتاب‬
‫سابق صادر أيضا عن دار ديار لل ّنرش والتوزيع‬
‫– تونس بعنوان‪»« :‬نوبة الوحش ّية النيولربال ّية‪-‬‬
‫العدوان عىل سورية» ربط فيه صاحبه‪ ،‬مثلام‬
‫يذكر يف مقدّمة الكتاب «بني هذه ال ّنوبة‬
‫املتو ّحشة للعوملة األمريكيّة وبني أحداث ذلك‬
‫التاريخ املشؤوم الذي اقتيد فيه ال ّناس مذهب ّيا‬
‫وطائف ّيا وعرق ّيا إىل املجزرة الكربى وهو يظ ّنون‬
‫أنفسهم ث ّوار حريّة وكرامة‪( ».‬ص‪.)5‬‬
‫ويعلّل «بولس رسكو» اختياره لعنوان كتابه‬
‫مبسائل فيقول‪»« :‬اختيار عنوان الكتاب «عرص‬
‫الظلامت الجديد» مل يكن فقط كونه العنوان‬
‫األمثل‪ ،‬األكرث دقّة للعرص الذي نحيا فيه إنمّ ا هو‬
‫ر ّد مبارش أيضا‪ ،‬عىل العنوان الفرعي (تطلّعات‬
‫إىل عرص الظّلامت الجديد) يف كتاب ألفن توفلر‬
‫السلطة) ومحاولته اإلضاءة عىل تطلّعات‬
‫(تح ّول ّ‬
‫جامعات أصوليّة هزيلة نبذها التط ّور الفكري‬
‫بهدف التّعتيم عىل هويّة رعاتها الفعليّني‬
‫السلطة الذين منحوا‬
‫أصحاب الق ّوة والثرّ وة و ّ‬
‫تلك الجامعات إكسري الحياة وأوصلونا إىل هذا‬

‫لعرص‪.)8( »...‬‬
‫يض ّم الكتاب‪ ،‬إضافة إىل املقدّمة‪ ،‬ستة مقاالت أو‬
‫ملفاّت مثلام أسامها صاحبها وهي عىل التوايل‪:‬‬
‫غافروش املنتحر بسكّني الثقافة‪ ،‬خفافيش‬
‫عرص الظّلامت الجديد‪ ،‬نهايات ظالميّة مخجلة‬
‫لل ّنخب املأجورة من اليسار‪ ،‬بعض كبار املنظّرين‬
‫للمجازر يف سوريّة وشبكاتهم‪ ،‬وضاعة املغتصبني‬
‫عىل أرصفة العوملة املتو ّحشة واللرباليون الجدد‬
‫وحوش تتق ّنع بالحقوق املدنيّة‪.‬‬
‫يحفر «بولس رسكو» يف التاريخ ويف ثورات‬
‫الشّ عوب وأفكارها ويجعل منها خلف ّية علم ّية‬
‫لتفكيك اسرتاتيجيات الحروب الجديدة التي‬
‫يش ّنها األمريكان عىل املنطقة بجيش غري تقليد ّي‬
‫وأدوات مستحدثة متثل بعض النخب أه ّمها‪.‬‬
‫يف «غافروش املنتحر بسكّني الثقافة» عاد‬
‫الكاتب إىل مت ّرد ‪ 1832‬يف باريس وثورة عامل‬
‫باريس ‪ ،1848‬وما شهدته من صدام بني الطبقة‬
‫العاملة والربجوازيّة التي مل تر يف تحالفها مع‬
‫السلطة‪.‬‬
‫العماّ ل إالّ ذريعة للوصول إىل ّ‬
‫وميّز «رسكو» بني نوعني من العنف املوظّف‬
‫عىل تطلعات الربوليتاريا ونبّه إىل عنف ماد ّي‬
‫ملموس وعنف ناعم ميارس عىل اإلرادة‬
‫واعتربه الكاتب أخبث أنواع العنف‪ .‬يقول فيه‪:‬‬

‫«والعنف الذي مارسته الربجوازيّة للحيلولة‬
‫دون تحقيق مصالح العماّ ل مل تكن غري املقدّمة‬
‫لعنف متعدّد الوسائل مل يتوقف‪ ،‬متثلت أخبث‬
‫صوره يف الثقافة املضادّة التي ستسري بوعي‬
‫العماّ ل بعكس مجرى التط ّور التقدّمي لتحمي‬
‫اإلمرباطورية من أيّة مصائب ثوريّة قادمة‪،‬‬
‫وهذه كانت ال ّدوافع األوىل للقضاء عىل فكر‬
‫األنوار فيام بعد وإحالل العصب ّيات الدين ّية‬
‫البائدة محلّه‪ ،‬واقتياد ال ّناس نحو رشيعة الغاب‬
‫اعتامدا عىل ما تبقى بنفوسهم من آثار املايض‬
‫املظلم‪( ».‬ص‪.)14‬‬
‫مثّل غياب املرشوع الفكري أو ضعفه واإلعراض‬
‫عن التسيّس واألحزاب عامال رئيسيّا يف هزمية‬
‫الشباب الفرنيس وفشل مت ّرده‪ ،‬وقد أق ّر سارتر‬
‫سنة ‪ ،1964‬وهو الذي قاطرة جيل من املثقفني‪،‬‬
‫أ ّن إعراض الشباب عن التس ّيس الذي يجعله‬
‫بعيدا عن األحزاب واألفكار ويجعله ال يحلم إالّ‬
‫بال ّرفاه هو ّأحد أسباب الفشل‪ .‬يقول «ساركو»‪،‬‬
‫«أق ّر سارتر بذلك وهو يعرف دون أدىن ّ‬
‫شك أنّه‬
‫فقط يف مجتمع بال سياسة وال أحزاب ميكن أن‬
‫يؤدّي التالعب بالعقول دوره عىل أكمل وجه‪».‬‬
‫(‪.)18‬‬
‫إ ّن التع ّرض إىل املقاالت جميعها يحتاج مساحة‬
‫نخصصها للتعريف‬
‫غري هذه املساحة التي ّ‬

‫بالكتب‪ ،‬لكن ما تجدر اإلشارة إليه هو ذاك‬
‫ال ّربط الذيكّ بني املايض والحارض وبني دور‬
‫القوى الناعمة‪ ،‬مثل اإلعالم‪ ،‬يف إعادة صوغ‬
‫الوعي الفردي والجمعي وتوجيهه الوجهة التي‬
‫تبغيها دون الخوف من أدىن مت ّرد أو تكذيب‬
‫للحكاية التي يرسدها اإلعالم وتُقبل العقول‬
‫عىل تق ّبلها ث ّم الدّفاع عنها‪ .‬ويعترب الكاتب أ ّن‬
‫ما وقع يف سوريّا هو نتيجة لكثري من خيانات‬
‫ال ّنخب ولحرب غري تقليديّة تستهدف الوعي‬
‫وتغازل املشاعر وتستميل القناعات أو ما تبنيه‬
‫وسائل اإلعالم املو ّجهة من قناعات‪ .‬وثورة‬
‫الشعب السوري‪ ،‬أو فئة منه مل تخرج عن هذه‬
‫القاعد‪ .‬يقول يف «وضاعة املغتصبني عىل أرصفة‬
‫العوملة املتو ّحشة»‪« :‬هذه األعراض املزمنة‬
‫من الكيديّة والوقاحة والتناحة والتصميم عىل‬
‫العدوان ّية املفرطة منذ تجاوز قناة الجزيرة‬
‫وغريها مهمة اإلعالم إىل مه ّمة صياغة الحدث‬
‫السوري والرشاكة التامة يف العدوان‪ ،‬من خالل‬
‫ّ‬
‫الفئات املغتصبة ثقاف ّيا التي نجحت يف استالب‬
‫وعيها من خالل التحريض عىل العنف واإلرهاب‬
‫والتّدمري واختالق وفربكة أفالم الفيديو وإنفاق‬
‫آالف الدوالرات عىل تهريب وسائل اتّصال عرب‬
‫األقامر االصطناع ّية للمعارضني السوريني يف‬
‫السيادة والتبع ّية‬
‫الدّاخل تبينّ أ ّن املعركة بني ّ‬

‫أرق الروح ليمنى العيد‬
‫«أرق ال ّروح» هي الجزء األ ّول من‬
‫سرية مينى العيد‪ ،‬الباحثة اللبنان ّية‬
‫خاصة‪ ،‬صدرت «أرق‬
‫يف السرّ ديات ّ‬
‫الروح» عن دار اآلداب بريوت يف‬
‫طبعتها الثانية سنة ‪ ،2015‬واختارت‬
‫لها عنوانا فرع ّيا (سرية روائ ّية)‪،‬‬
‫لتعقبها بعد ذلك بجزء ثان اختارت‬
‫له من العناوين «زمن املتاهة» وهو‬
‫عبارة عن سرية فكرية مثلام دونت‪.‬‬

‫نص تنقل فيه مينى‬
‫«أرق ال ّروح» ّ‬
‫العيد أه ّم مراحل حياتها منذ الوالدة‬
‫إىل لحظة الكتابة‪ ،‬تستم ّد مادتها مماّ‬
‫سمعته من أخبار تجري عىل ألسنة‬
‫الكبار ومن ذاكرتها‪ ،‬حني غدت قادرة‬
‫عىل تخزين األحداث‪ ،‬وتلجأ أحيانا إىل‬
‫الخيال إلعادة تركيب الحدث وفق‬
‫مقتضيات ما يجب أن يكون‪.‬‬

‫وتكمن أهميّة سرية مينى العيد يف‬
‫الظرفية الزمان ّية التي وجدت فيها‪،‬‬
‫ظرف ّية وافقت بدايات تدريس‬
‫الفتيات‪ ،‬وتركه ّن عىل مقاعد الدراسة‬
‫بعد الفرتة االبتدائيّة‪ ،‬مرحلة‬
‫صادفت ثراء فكريا وفن ّيا وجامل ّيا‬
‫وانفتاحا إبداع ّيا يسود البالد العرب ّية‬
‫رغم املآيس واالنكسارات والحروب‬
‫األهلية (اللبنانية) وتلك التي تدور‬

‫عىل األرايض الفلسطينية‪ .‬ولشخصيّة‬
‫مينى التائقة إىل العلم واملرصة عليه‬
‫واملسافرة عرب العامل وراء الندوات‬
‫واللقاءات الفكريّة‪ ،‬مينى األ ّم ومينى‬
‫الباحثة ومينى املد ّرسة والكاتبة‬
‫والسياس ّية‪ ،‬لشخص ّية مينى ال ّدور‬
‫األكرب يف ثراء التجربة ومرشوعية‬
‫انتقالها من تجربة فرديّة إىل سرية‬
‫جديرة بالقراءة‪.‬‬

‫التي تبلغ ذروتها القصوى ستكون طويلة‬
‫وقاسية‪( ».‬ص‪.)136‬‬
‫كتاب يحاول البحث يف خبايا االسرتاتيجيات‬
‫الجديدة للحروب التي ال تدفع فيها البلدان‬
‫املستفيدة والقوية أبناءها للموت العبثي وإنمّ ا‬
‫تحرص أن تو ّجه الجار إىل قتل جاره واألخ إىل‬
‫اإلطاحة بأخيه عرب برمجة وعي اإلنسان وتحويل‬
‫حي إىل آلة قابلة للربمجة وإعادة‬
‫عقله من كائن ّ‬
‫الربمجة‪ .‬إنه زمن استعباد جديد يحاول «بولس‬
‫رسكو» إماطة اللثام عليه والتنبيه إىل مخاطره‬
‫وإىل رضورة التصدّي له‪.‬‬


Aperçu du document منارات فيفري 2020.pdf - page 1/16
 
منارات فيفري 2020.pdf - page 2/16
منارات فيفري 2020.pdf - page 3/16
منارات فيفري 2020.pdf - page 4/16
منارات فيفري 2020.pdf - page 5/16
منارات فيفري 2020.pdf - page 6/16
 




Télécharger le fichier (PDF)


منارات فيفري 2020.pdf (PDF, 11 Mo)

Télécharger
Formats alternatifs: ZIP



Documents similaires


info71
prog 2011 au 13 06
datasheet bc549c transistor
precher dans le desert cr jnas
newsletter novembre 2014
newsletter september 2015