P01HAB .pdf



Nom original: P01HAB.pdf

Ce document au format PDF 1.7 a été généré par Adobe InDesign CS5 (7.0) / Adobe PDF Library 9.9, et a été envoyé sur fichier-pdf.fr le 26/03/2020 à 11:17, depuis l'adresse IP 102.157.x.x. La présente page de téléchargement du fichier a été vue 34 fois.
Taille du document: 11.7 Mo (10 pages).
Confidentialité: fichier public


Aperçu du document


‫سمير الشفي‪ :‬لـ «الجريدة المدنية»‪:‬‬

‫نطالب أن تكون املنظمات االنسانية والدول األكرب‬
‫قدرة يف التعاطي مع جائحة كورونا أكثر انصافا مع‬
‫الدول الضعيفة ومن بينها فلسطني املحتلة‬
‫الملحق المدني لجريدة الشعب‬

‫في ذكرى يوم األرض ‪:‬‬

‫االف التونسيني ساهموا يف نحت‬
‫تاريخ املقاومة الفلسطينية‬
‫محمد سفينة‬

‫الخميس ‪ 26‬مارس ‪ - 2020‬العدد ‪22‬‬

‫الحرب على كورونا هي أيضا‬
‫حرب قيم ومبادئ‪..‬‬

‫اإلعالم طبيب ثان‬
‫يف خندق مواجهة كورونا‬
‫فطين حفصية‬

‫عبد الباسط بن حسن‬

‫يف املسؤولية‬
‫املشرتكة !!‬
‫تصدر « الجريدة المدنية» بدعم من‬

‫سامي الطاهري‬

‫الجريدة المدنية‬

‫‪2‬‬

‫‪3‬‬

‫االفتتاحية‬

‫الحرب على كورونا هي أيضا حرب قيم ومبادئ‪..‬‬

‫يف املسؤولية املشرتكة !!‬

‫سامي الطاهري‬

‫نحتاج يف هذا السياق‬
‫الراهن إىل التضامن‬
‫والوحدة الوطنية إميانا‬
‫وقوال وفعال‪ .‬ونعتقد‪،‬‬
‫يف االتحاد العام التونيس‬
‫للشغل‪ ،‬أنّه عىل الجميع‬
‫تح ّمل املسؤولية لتجاوز‬
‫هذه األزمة‪ ،‬وأيضا‬
‫ملواجهة نتائجها كتح ّد‬

‫سيكون صعبا وال ّ‬
‫شك‪.‬‬
‫لقد عملنا منذ اليوم األول لهذه «املعركة» عىل دعم‬
‫وإسناد كل جهود الدولة بتقديم النصح واملشورة وبخلق‬
‫املبادرات النقابية والشعبية لدعم هذه الجهود بالتربع‬
‫والتط ّوع‪ ،‬كام كان لنا الدور الرئييس‪ ،‬من خالل هياكلنا‬
‫النقابية جهويا وقطاعيا يف تشخيص وضع أغلب الهياكل‬
‫الحيويّة التي تحتا ُجها البالد يف هذه الظروف‪ ،‬وساهمنا يف‬
‫خلق مناخ عمل خال من التوتر بتأجيل مطالب منظورينا‪،‬‬
‫والكثري منها يُفرتض أنه عاجل‪.‬‬
‫كل األطراف إىل رضورة‬
‫وباملقابل فإنّه من املهم أن نُنبه ّ‬

‫تغليب املصلحة العليا للوطن والشعب وعدم استغالل‬
‫الظرف الصعب لتحقيق مصالح سياسيّة أو ربحيّة‪ ،‬وعدم‬
‫االلتفاف عىل جملة من حقوق الشغالني والفئات الضعيفة‬
‫املس من الحريات إال مبقتضيات القانون أو‬
‫يف املجتمع أو ّ‬
‫ما تفرض ُه اإلجراءات االستثنائية للحجر الصحي العام‪.‬‬
‫ونعترب أ ّن كثريا من اإلجراءات االقتصادية التي عرب عنها‬
‫رئيس الحكومة غري عادلة‪ ،‬ومنها ما ال وجوب له يف السياق‬
‫الراهن‪ ،‬وتستفيد منها املؤسسات االقتصادية الكربى‪ ،‬هذا‬
‫إضافة إىل أنها تخالف القانون‪ .‬وإن كان القصد تقديم‬
‫خدمة لـ»رأس املال» من أجل استاملته يف االنخراط يف‬
‫الجهد الوطني ملجابهة «كورونا» فإ ّن الصواب أن تفرض‬
‫الدولة عىل الجميع تح ّمل املسؤولية وأال تتعامل مع‬
‫أطراف متتلك أسباب الدعم بارتباك‪.‬‬
‫األصل بالنسبة إلينا هو االنخراط الطوعي والوطني‬
‫كل حسب قدرات ِه‪،‬‬
‫واملسؤول‪ ،‬وأن نكون جميعا رشكاء ّ‬
‫ونعتقد أ ّن الطبقة العاملة صاحبة الفضل يف بناء الثورة‬
‫ولها اآلن أن تستفيد منها‪ ،‬بقطع النظر أين خزنت‪ ،‬من‬
‫أجل أن تتوفر لها ُسبل ووسائل الحامية من هذه الجائحة‪.‬‬
‫وللتذكري فإ ّن الطواقم الطبية وشبه الطبية وموظفات‪/‬و‬

‫وعامالت وعامل الصحة كلهم من هذه الطبقة الشغيلة‬
‫تنضاف إليهم قوى الجيش واألمن والحامية املدنية وعامل‬
‫وكل أهلهم وأحيائهم وقراهم‪ ،‬هؤالء هم‬
‫البلدية‪ ،‬بل ّ‬
‫اآلن يف الواجهة األوىل للتص ّدي‪ .‬يواجهون الوباء وحدهم‬
‫ويتقاسمون معنا بقية أنواع العناء نتيجة الوضع العام‪.‬‬
‫فهل أن الدولة مع هؤالء املنقذين أو هي مع قلّة نهبت‬
‫لعقود وتساوم اليوم ببعض الدعم لربح منتظر بعد األزمة‪.‬‬
‫األمر األكيد‪ ،‬أ ّن أغلب من وصل الحكم منذ عقود‪ ،‬وإىل ما‬
‫بعد الثورة‪ ،‬وإىل اليوم بتحالف مع رأس املال‪ ،‬لهذا يجد أن‬
‫هذا األخري صاحب فضل عليه‪ ،‬فريىض أن يدفع بالجميع‬
‫إىل املعاناة وال يُزعج صاحب الفضل عليه‪.‬‬
‫ملن شاء أن يرىض أن يكون من الخدم‪ ،‬ولكن العامل‬
‫وعموم الشغالني ال يخدمون إال دولتهم وشعبهم‪ .‬وال‬
‫يقبلون أن يساومهم أحد عىل سالمتهم أو خبزهم أو‬
‫مستقبل األجيال‪.‬‬
‫ومع هذا فنحن دامئا نأمل يف أن يتعقّل من تو ّهم استعباد‬
‫التونسيات والتونسيني أو االستعالء عليهم‪ ،‬وندعو من‬
‫سهى إىل العودة إىل الرشد‪ .‬والزلنا نعترب أن الجميع رشيك‬
‫يف الوطن إال من أىب‪.‬‬

‫ملف العدد القادم‬
‫اآلراء ووجهات النظر الواردة يف هذا ملف العدد‪ ،‬وكل مقاالت الرأي‪ ،‬ال تعرب بالرضورة عن آراء أو وجهات نظر أو السياسات الرسمية لالتحاد العام التونيس للشغل ومؤسسة روزا لكسمبورغ‬

‫∑‬

‫ما بعد الكورونا‪ ،‬كيف نؤسس ملنظومة قيم جديدة‬
‫البريد االلكتروني ‪journal.civic@gmail.com :‬‬

‫الحرب عىل وباء كورونا تدور اليوم أساسا‬
‫يف مجايل الصحة واملعلومات‪ .‬هنا الحظنا‬
‫جهدا كبريا‪،‬رغم النقائص‪ ،‬لوزارة الصحة‬
‫واإلطار الطبي وشبه الطبي وعددا من وسائل‬
‫اإلعالم للوقاية وتوفري املعلومة ونرش الوعي‪..‬‬
‫ولكن الحرب عىل كورونا أظهرت كذلك‬
‫مظاهر رعب مبالغ فيه وأنانية يف التعامل‬
‫مع اآلخر واحتكارا للموارد الغذائية وتالعبا‬
‫باألسعار ولهفة وإشاعات مربكة وضعفا‬
‫لقيم التضامن واحرتام الكرامة اإلنسانية‪.‬‬
‫عبد الباسط بن حسن‬
‫ما ينقصنا اليوم أمام خطر الوباء الداهم هو وحدة‬
‫متضامنة اجتامعية حول مجموعة القيم واملبادئ والفوىض واالنفالت يف التعامل مع خطر الوباء‪.‬‬
‫واملامرسات التالية‪:‬‬
‫‪ .3‬اعتبار حامية اآلخرين من صميم حامية النفس‬
‫‪.1‬انضباط املسؤولية التام الذي يجمع كل مؤسسات وتجنب مظاهر العنف اللفظي وانتهاك معنويات‬
‫الدولة واملجتمع املدين واإلعالم والقطاع الخاص املصابني باللقاء وتحقريهم‪.‬‬
‫واملواطنني واملواطنات لتعبئة كل املوارد وبناء‬
‫الرؤية املشرتكة‪.‬‬
‫‪ .4‬إعالء قيمة التضامن يف كل مستويات العالقات‬
‫االجتامعية ونبذ مظاهر األنانية وبناء الثقة بني‬
‫‪ .2‬احرتام مبادئ دولة القانون وتطبيقها عىل الدولة واملجتمع‪.‬‬
‫الجميع واملحاسبة عىل كل مظاهر التسيب‬
‫عين على ‪..‬‬

‫تصدر « الجريدة المدنية» بدعم من‬

‫المدير المسؤول‬

‫نورالدين الطبوبي‬

‫الجـريـدة‬
‫المدنية‬

‫المدير‬

‫سامي الطاهري‬

‫فريق العمل‬

‫سمير بوعزيز‪ ،‬ضياء تقتق‪ ،‬محمد كريم السعدي‬

‫املقر ‪ 41 :‬شارع عيل درغوث ‪ -‬تونس ‪- 1001‬‬
‫الهاتف ‪ / 71 330 291 - 71 255 020 :‬الفاكس ‪- 71 355 139 :‬‬
‫العنوان االلكرتوين ‪ - journal.civic@gmail.com :‬الحساب الجاري بالربيد ‪:‬‬
‫‪ - 300 - 51‬السحب ‪ :‬مطبعة دار األنوار ‪ -‬الرشقية ‪ -‬تونس‬
‫الخميس ‪ 26‬مارس ‪ - 2020‬العدد ‪22‬‬

‫الجريدة المدنية‬

‫اليوم العالمي‬
‫للتضامن مع‬
‫الموظفين‬
‫المحتجزين‬
‫والمفقودين‬
‫‪ 25‬مارس‬

‫‪ .5‬ضامن حق النفاذ إىل املعلومة الدقيقة والفعالة‬
‫واملوحدة ملواجهة انعدام الثقة والتشكيك وأرتباك‬
‫املعلومة‪.‬‬
‫‪ .6‬ضامن الحق يف الحامية والصحة واملعلومة‬
‫للجميع بدون متييز مع إيالء عناية خاصة للفئات‬
‫املهمشة والضعيفة مثل املسنني وذوي اإلعاقة‬
‫والالجئني وسكان املناطق النائية‪.‬‬
‫‪ .7‬محاربة مظاهر االحتكار والتالعب باألسعار‬
‫ولهفة األنانية‪.‬‬
‫‪.8‬حامية العامل والعامالت واملؤسسات االقتصادية‬
‫من آثار وباء كورونا‪.‬‬
‫وباء كورونا يزحف ولكنه ال ميكن أن ينترص عىل‬
‫إرادة الحياة لدى املجتمع إذا ما تحركنا جميعا‬
‫بفاعلية تجمع بني االستعداد الصحي الفعال‬
‫ونرش الوعي وروح التضامن بني الجميع واحرتام‬
‫القانون والثقة بني مؤسسات الدولة واملجتمع‪.‬‬
‫هي القيم واملبادئ تحمينا فلنتحرك جميعا وبرسعة‬
‫يف هذا االتجاه‪.‬‬

‫حماية الموظفين األمميين‬
‫القى مئات الشجعان (من الرجال والنساء عىل‬
‫السواء) حتوفهم يف خدمة األمم املتحدة منذ‬
‫تأسيسها يف عام ‪.1945‬‬

‫اعتامد الجمعية العامة اتفاقية بشأن سالمة‬
‫موظفي األمم املتحدة واألفراد املرتبطني بها يف‬
‫‪ 9‬ديسمرب ‪.1994‬‬

‫ويف أثناء التسعينيات‪ ،‬أدت زيادة عدد بعثات‬
‫حفظ السالم التابعة لألمم املتحدة وتضخم‬
‫أحجامها إىل زيادة عدد املعرضني لألخطار‪.‬‬
‫وزاد عدد من القوا حتوفهم يف أثناء التسعينيات‬
‫عن األعداد يف العقود األربعة السابقة مجتمعة‪.‬‬
‫ويف تلك الفرتة‪ ،‬بدأ الوعي يذكو بني الدول األعضاء‬
‫واملوظفني عىل حقيقة مفادها أنه كلام زاد نشاط‬
‫األمم املتحدة يف املستقبل زاد استهدافها‪.‬‬
‫ورسعان ما اعتمد مجلس األمن الدويل يف سبتمرب‬
‫‪ 1993‬أول قرار معني بأمن املوظفني‪ .‬وتبع ذلك‪،‬‬
‫مفاوضات معقدة يف اللجنة السادسة (اللجنة‬
‫القانونية) التابعة للجمعية العامة بشأن اعتامتد‬
‫اتفاقية قانونية دولية لحامية موظفي األمم‬
‫املتحدة‪ .‬وكانت نتيجة تلك املفاوضات هي‬

‫وكان السفري كولني كيتنغ ممثل نيوزيلندا هو‬
‫أبرز الساعني خروج تلك االتفاقية إىل النور‪.‬‬
‫وقد رشح يف مقابلة مع مركز أنباء األمم املتحدة‬
‫األسباب الكامنة وراء االتفاقية فقال ’’يجب أن‬
‫يكون مجلس األمن مستع ًدا للدفاع عن العاملني‬
‫يف امليدان‪ .‬يجب أن يكون عىل استعداد إلدانة‬
‫الهجامت عىل األفراد بغض النظر عن كينونة‬
‫الطرف املهاجم‘‘‪،‬‬
‫وأضاف قائال‪’’ :‬يتعني عىل اإلدارة إتاحة املوارد‬
‫املناسبة لألشخاص العاملني يف امليدان مبا يقلل‬
‫املخاط التي يتعرضون لها‪ ،‬وذلك يعني التدريب‪،‬‬
‫وإتاحة املعدات األمنية‪ ،‬ليس لألفراد العسكريني‬
‫وحسب وإمنا للمدنيني كذلك‘‘‪.‬‬

‫املنشأ‬
‫يتوافق اليوم الدويل للتضامن مع املوظفني‬
‫املحتجزين واملفقودين يف كل عام مع الذكرى‬
‫السنوية الختطاف أليك كوليت‪ ،‬وهو صحفي‬
‫سابق كان يعمل مع وكالة األمم املتحدة لإلغاثة‬
‫والتشغيل يف الرشق األدىن عندما اختطفه أحد‬
‫املسلحني عام ‪ .1985‬وقد عرث عىل جثته أخريا يف‬
‫وادي البقاع اللبناين يف عام ‪.2009‬‬
‫وقد تزايدت يف السنوات األخرية أهمية اليوم‬
‫الدويل للتضامن مع املوظفني املحتجزين‬
‫واملفقودين بسبب اشتداد الهجامت التي تشن‬
‫ضد األمم املتحدة‪.‬‬
‫الغاية‬
‫يشكل هذا اليوم مناسبة لحشد الجهود‪ ،‬واملطالبة‬
‫بتحقيق العدالة‪ ،‬وتعزيز تصميمنا عىل حامية‬
‫موظفى األمم املتحدة وحفظة السالم وزمالئنا يف‬
‫األوساط غري الحكومية والصحافة‪.‬‬
‫الخميس ‪ 26‬مارس ‪ - 2020‬العدد ‪22‬‬

‫الجريدة المدنية‬
‫مقدمة‬

‫«الكورونا»‬
‫والصهيونية‬

‫كنا نو ّجه كل الجهد ليكون هذا العدد حول يوم‬
‫األرض الفلسطيني و»خيارات النضال من أجل التصدي‬
‫لصفقة القرن األمريكية والغطرسة الصهيونية»‪ ،‬لكن‬
‫هذه «الكورونا» أربكت العامل‪.‬‬
‫نحن عىل يقني أنّه يف أحلك الظروف ال يجب السهو‬
‫عىل هذه املناسبة الفلسطينية‪/‬اإلنسانية التي يحاول‬
‫خاللها األحرار ويف كل عام أن يعربوا عىل الدعم لشعب‬
‫احتلت أرضه و شرُ ّد يف كل أرض‪ .‬واليوم مع هيمنة‬
‫النظام العاملي الجديد االمربيايل فقد الدعم الشعبي‬
‫منسوب ُه وجعلت املتغريات املحلية واإلقليمية والدولية‬
‫الشعب تنرصف أكرث إىل شؤونها سواء بحكم ما تعيشه‬
‫من حروب وأزمات‪ ،‬أو بحكم قدرة قوى االستعامر‬
‫عىل فرض قرارتها‪.‬‬
‫إ ّن حرب اإلنسانية اليوم عىل «الكورونا» هي حرب من‬
‫أجل الحياة‪ ،‬وهنا تلتقي كل القيم من أجل إنسانية‬
‫اإلنسانية‪ .‬وهذه الحرب ستغيرّ الكثري‪ ،‬وقد تعيد‬
‫للتضامن اإلنساين ما فقده‪ .‬ستغري الكثري من املوازنات‬
‫وستمكّن من إعادة التفكري يف رضورة مجابهة كل‬
‫غطرسة ومحاوالت االستفراد بالقرار من قبل قوى‬
‫االستعامر الجديد الهيمنة االمربيالية‪.‬‬
‫دامئا ما كانت هذه األزمات‪ ،‬رغم ما تحمله من مآيس‪،‬‬
‫مدعاة للمراجعات الكربى وإلعادة التفكري يف مركز‬
‫اإلنسان ويف النظام العاملي ويف أولويات اإلنسانية ويف‬
‫سبل املقاومة من أجل إنسانية اإلنسان‪.‬‬
‫حني ال يكون أحد يف منآى عن األمل‪ ،‬يكون األمر مختلفا‬
‫متاما‪ .‬وبعد ذلك يكون من املمكن إعادة التأسيس‬
‫لبناء التضامن اإلنساين ومواجهة كل أشكال الغطرسة‬
‫والهيمنة واالحتالل والترشيد والتجويع والقتل‪.‬‬
‫كان من امله ّمن بالنسبة إلينا يف هذا العدد‪ ،‬أن نبحث‬
‫يف مواقف االتحاد العام التونيس للشغل من القضية‬
‫الفلسطينية يف ظل الراهن العريب والدويل‪ ،‬لهذا كان‬
‫لنا حوار مع الس ّيد سمري الشفي األمني العام املساعد‪.‬‬
‫وال يرتبط األمر بكوننا يف جريدة االتحاد‪ ،‬وحسب‪ ،‬بل‬
‫ألن االتحاد يكاد يكون من آخر القالع الشعبية العربية‬
‫التي تجعل القضية الفلسطينة يف مركز نضاالتها مهام‬
‫كانت الظروف املحلية أو اإلقليمية أو الدولية‪ ،‬ولعلّ‬
‫الفعاليات التي نظمها بعد اإلعالن عام يُسمى بـ»صفقة‬
‫القرن» خري شاهد‪ ،‬رغم أ ّن االستحقاقات الداخلية يف‬
‫تونس كانت كثرية‪.‬‬
‫وهذا ما نعبرّ عليه يف االتحاد العام التونيس للشغل‬
‫بالبوصلة‪ ،‬متاما مثلام يكون االتحاد متقدما يف الدفاع‬
‫عن حقوق الشغالني والفئات الشعبية فإنه ال يسهو‬
‫عن القضايا العربية‪ ،‬وعىل رأسها القضية الفلسطينة»‬
‫وكل قضايا التحرر يف العامل‪.‬‬
‫املدنية‬
‫الخميس ‪ 26‬مارس ‪ - 2020‬العدد ‪22‬‬

‫‪4‬‬

‫االتحاد يتزعم منظمات املجتمع املدني‬
‫يف الحرب على الكورونا‬
‫مبارشة ومنذ البداية بعد تسجيل أول‬
‫حالة إصابة مبرض الكورونا ببالدنا‬
‫والذي تزامن مع انعقاد الهيئة اإلدارية‬
‫الوطنية أصدر االتحاد بيانه برضورة‬
‫االستعداد الهادىء واملدروس للتعاطي‬
‫مع هذه الجائحة بشكل فعال‪ ،‬أوال‬
‫من خالل التعامل اإلعالمي يف وقت‬
‫األزمات‪ ،‬وهذا عنرص مهم يف توجيه‬
‫نصرالدين ساسي* الرأي العام وطأمنته وعدم الدفع به‬
‫إىل بؤر الهلع واالرتباك‪ ،‬وما ميكن أن‬
‫يرتتب عنه من فوىض قد تصعب من‬
‫مهام وإمكانيات مجابهة املرض‪ .‬ركز االتحاد كذلك منذ البداية عىل أهمية العناية‬
‫باملرفق الصحي العمومي اعتبارا لحساسية دوره يف مقاومة انتشار املرض والحد‬
‫من الخسائر التي ميكن أن يتسبب فيها يف حال تزايد أعداد املصابني‪ .‬وقد طالب‬
‫االتحاد كذلك بالدعم الرسيع لكافة املستشفيات ومتكني إخوتنا من الوسائل واألدوات‬

‫والتجهيزات الرضورية يف مثل هذه الكوارث وذلك ألن القطاع الصحي العمومي يبقى‬
‫املالذ األخري لكافة التونسيني والتونسيات‪.‬‬
‫تحركات هامة على مستوى الجهات والقطاعات‬
‫وجه االتحاد دعوات إىل االتحادات الجهوية والقطاعات ملتابعة أوضاع انتشار هذا‬
‫املرض املستجد وذلك لسببني مهمني‪ ،‬أوال الوقوف عىل االستعدادات الجهوية ومدى‬
‫جاهزيتها‪ ،‬وثانيا بلورة خطط لحامية العامالت والعامل وتجنيبهم مع عائالتهم خطر‬
‫العدوى أو اإلصابة باملرض‪ .‬وقد تشكلت يف الغرض مبختلف الجهات خاليا أزمة ملتابعة‬
‫األوضاع وتحسيس املواطنني بأهمية التوقي من هذا املرض مع رشح أساليب وكيفية‬
‫الوقاية منه وقد كانت هناك عديد اللقاءات الجهوية بني االتحادات ومندوبات الصحة‬
‫لتبادل املعلومات وإعداد خطط التوقيع من إمكانيات االنتشار الرسيع لهذا الفريوس‪.‬‬
‫عىل مستوى القطاعات‪ ،‬فقد حرص قطاع النسيج مثال عىل توجيه بعض املؤسسات‬
‫نحو إسناد املجهود الوطني يف إنتاج الكاممات الواقية وكذلك الشأن بالنسبة لقطاع‬
‫املواد الصيدلية حيث تم إعداد خطط بالتنسيق مع الطرف النقايب من أجل ضامن‬
‫تزود السوق التونسية بكافة املستلزمات الطبية والصيدالنية دون نقصان بالنظر إىل‬

‫‪5‬‬

‫∑‬

‫تضاعف الطلب عىل عديد املنتجات من كاممات وقفازات ومواد مطهرة‪.‬‬
‫إجراءات إضافية‬
‫بعد املرور إىل املرحلة الثانية من تفيش الوباء‪ ،‬تحرك االتحاد مرة أخرى يف‬
‫االتجاه أالستباقي أوال من خالل الدعوة إىل التربع بيوم عمل دعام لقطاع الصحة‬
‫العمومية وذلك من منطلق قناعاته ملحدودية اإلمكانيات املتاحة والتجهيزات‬
‫مبستشفياتنا العمومية‪ .‬هذا املقرتح رسعان ما تبلور ليفيض إىل يوم وطني للتربع‬
‫لصالح املستشفيات العمومية بهدف متكينها من مستلزمات مجابهة وباء كورونا‪.‬‬
‫عىل صعيد آخر اعد االتحاد قامئة بالقطاعات املعنية مبواصلة العمل وخصوصا‬
‫منها الحساسة والحياتية‪ ،‬مطالبا السلط بتحمل مسؤوليات وتجنب استفحال‬
‫الوباء بشكل قد يتجاوز كل اإلمكانيات املتاحة واملتواضعة وقد نسق يف هذا‬
‫اإلطار مع السلط العليا لفرض احرتام هذا املقرتح حامية ألرواح التونسيني‪،‬‬
‫خصوصا مع إشكاليات تنقل العملة إىل املصانع وما ميكن أن يتعرضوا له من‬
‫مخاطر العدوى لهم والعائالت‪ .‬وفعال كان هناك تجاوب مع هذه املقرتحات التي‬
‫أصبحت واقعا وإجراءات اتخذت قبل عديد البلدان األوروبية‪ .‬ولعل قيمة هذا‬
‫اإلجراء قد تكتشف الحقا بحسب نسبة تفيش املرض من عدمه حيث أشارت بعض‬
‫تقارير منظمة الصحة العاملية إىل أن اإلجراءات االستباقية املتخذة يف بالدنا‪ ،‬والتي‬
‫كانت بدفع وضغط من املنظمة الشغيلة‪ ،‬قد تساهم يف التقليص بقرابة الخمسة‬
‫والثالثني باملائة من انتشار الفريوس‪.‬‬
‫هذه القرارات مل يرتكها االتحاد دون متابعة‪ ،‬بل عمل بالتنسيق مع هياكله‬
‫الجهوية والقطاعية إىل حث النقابات عىل متابعات كل املؤسسات التي ال تحرتم‬
‫قانون الغلق وترص عىل تشغيل العامل وتعريضهم للخطر حيث تم يف هذا‬
‫الصدد منع كل املؤسسات التي حاولت التأثري عىل العامل أو تهديدهم للعودة‬
‫إىل العمل وقد جرى التشهري بالعديد منها عىل صفحات التواصل االجتامعي وذلك‬
‫حفاظا عىل صحة العامالت والعامل وتجنيبهم العدوى‪.‬‬

‫الجريدة المدنية‬

‫واملستلزمات وتوزيعها بشكل عادل وشفاف إىل حني تجاوز األزمة وقد طالب‬
‫االتحاد يف هذا االتجاه بسحب اإلعفاء من دفع أقساط القروض املستوجبة عىل‬
‫كافة العامل عىل مدى ستة أشهر‪ ،‬وهو إجراء من شأنه أن يخفف العبء عىل‬
‫اإلجراء يف هذا الظرف العصيب وينتظر أن تفعل بعض اإلجراءات يف هذا الصدد‬
‫من خالل لقاءات منتظرة بني وفد نقايب يتقدمه األخ األمني العام وبني الجامعة‬
‫املهنية للبنوك‪ .‬كام طالب االتحاد بسن إجراءات خصوصية وعاجلة عرب توجيه‬
‫مرسوم خاص بتعبئة املوارد الجبائية وخاصة عىل القوات للتمكن من توفري كل‬
‫الدعم للتونسيات والتونسيني من أجل مساعدتهم عىل تجاوز هذه األزمة الصعبة‪.‬‬
‫وتحرص املنظمة النقابية‪ .‬باألساس عىل بلورة خطة وطنية ملجابهة هذه الجائحة‬
‫يساهم فيها الجميع من أجل إنقاذ البالد كمرحلة أوىل وعاجلة‪.‬‬

‫أهمية اإلجراءات االجتماعية‬
‫رغم إدراكه لخطورة الوضع بالبالد فإن االتحاد تحرك‪ .‬مجددا من أجل توجيه بعض‬
‫الخيارات املنتهجة من السلطة السياسية خصوصا عند اإلعالن عن الحجر العام‬
‫والتنصيص عىل جملة من اإلجراءات التي تخص املؤسسات‪ ،‬وتغييب اإلجراءات‬
‫االجتامعية للعامل والتونسيني يف هذه الظروف العصيبة وقد أبدى االتحاد‬
‫عدم رضاه من الدعوة إىل الحجر العام دون إجراءات ترتيبية وتنظيمية واضحة‬
‫بخصوص عمليات التزويد والتموين للشعب التونيس‪ ،‬وهي من املعظالت التي‬
‫يجب الحرص عىل تنظيمها وإسنادها للجيش الوطني تجنبا بعمليات االحتكار‬
‫والرتفيع يف األسعار واملتاجرة بقوت التونسيات والتونسيني‪ .‬كام نبه االتحاد إىل‬
‫غياب اإلجراءات املتعلقة مبصري العامالت والعامل الذين توقفوا عن العمل وكيفية‬
‫دعمهم ومتينكهم من مستلزمات الحياة الكرمية اعتبارا بأن هذا الخيار هو من‬
‫أجل حامية الوطن وعىل الحكومة أن تكون مدركة لدورها يف توفري كل الحاجيات‬

‫ضرورة طلب المساعدة الدولية‬
‫كانت لالتحاد عديد اللقاءات الهامة‪ ،‬ولعل أبرزها كان مع محافظ البنك املركزي‬
‫السيد مروان العبايس‪ ،‬حيث تم التأكيد عىل رضورة دعوة الهيئات واملؤسسات‬
‫املالية املانحة واملقرضة لتونس إىل توخي املرونة يف سداد القروض املستوجبة عىل‬
‫البالد مبا ميكنها من توفري متويالت إضافية ملجابهة الوباء‪ .‬كام متت املطالبة من‬
‫هذه الهيئات بإسناد البالد يف حربها ضد الكورونا بتوجيه مساعدات مالية خاصة‬
‫واستثنائية بإمكانها توفري املستلزمات الصحية والتجهيزات التي تفتقر إليها تونس‬
‫يف اقرب اآلجال وأرسعها‪.‬‬
‫ويتواصل جهد االتحاد بالتنسيق مع عدد من مكونات املجتمع املدين النشيطة‬
‫واملستقلة من أجل تكثيف عمليات املتابعة والتبليغ عىل كل التجاوزات مهام‬
‫كان نوعها وذلك حفاظا عىل كل قدرات البالد ومتاسكها إىل حني تجاوز هذه‬
‫األزمة الصعبة‪.‬‬

‫العالم على صفيح ساخن‬

‫املعركة ضد الكورونا‪...‬‬

‫آمال الشاهد‬
‫يحبس العامل أنفاسه منذ أسابيع بسبب عدو داهم‬
‫هاجم البرشية وجميع شعوبها تقريبا وانترش بشكل‬
‫مرعب وغري مفهوم يف رسعة قياسية‪ ،‬عدو قاتل‬
‫ومتحول وعابر لجميع الحدود ولكنه ال يرى وهو‬
‫فريوس الكورونا الذي ينتقل بالعدوى بني األشخاص‬
‫ويسبب أعراضا عديدة تصل إىل ضيق التنفس‬
‫واالختناق وإلحاق رضر غري قابل للتدارك بالرئتني‬
‫خصوصا ملن هم يف سن متقدمة أو من يعانون من‬
‫أمراض مزمنة وخطرية‪.‬‬
‫وصل هذا الوباء الكوين منذ فرتة إىل تونس التي مل تبق‬
‫يف منأى من رشه وخطره عىل غرار بلدان العامل األخرى‬
‫وهو ينترش اليوم بشكل محري ومتصاعد ينتظر الجميع‬
‫كيف ستقع مجابهته والحد من رسعة انتشاره وإلحاق‬
‫الهزمية به بأخف األرضار‪.‬‬
‫الكورونا وباء انطلق من الصني ويقال أن مصدره‬
‫األول كان حيوان خفاش ثم انتقل يف مرحلة ثانية‬
‫عرب حيوان آخر اسمه البانقوال يف أواخر ديسمرب من‬
‫السنة الفارطة‪ ،‬أصيب يف البداية فرد بهذا املرض ونقل‬
‫العدوى لعائلته املقربة ثم أخذ املرض يف االنتشار‪،‬‬
‫خصوصا وسط أحد األسواق الكربى الذي تباع فيه كل‬
‫أنواع الحيوانات مبدينة ووهان‪.‬‬
‫كان من املمكن التعامل مع هذه الظاهرة التي‬
‫حصلت يف ووهان بحذر وبحكمة أكرب وبرسعة كبرية‬
‫يف التوقي منه‪ ،‬لكن لألسف كان الترصف عكس ذلك‪،‬‬
‫إذ بقيت عرشات السفرات الجوية متواصلة بني الصني‬
‫وعدد من بلدان أوروبا وبالخصوص مع فرنسا‪ ،‬مام‬
‫أحدث الكارثة‪ ،‬كام يؤكد ذلك الدكتور عصام بن عياد‪،‬‬
‫وهو طبيب تونيس مختص يف التبنيج واإلنعاش يف‬
‫إحدى أكرب املستشفيات بباريس‪.‬‬
‫تعرض الطبيب الصيني الذي كان يتعامل منذ البداية‬
‫مع حاالت املصابني بالعدوى‪ ،‬ملضايقات عديدة من‬
‫السلط الصينية‪ ،‬حينام بدأ ينبه منذ ‪ 30‬ديسمرب‬

‫لخطورة هذا املرض ولقدرته عىل الفتك باآلالف‬
‫من الضحايا‪ ،‬وقد نرش ذلك عىل وسيلة للتواصل‬
‫االجتامعي‪ ،‬و وقع إجباره عىل الرتاجع وعدم الحديث‬
‫علنا عن ذلك‪ ،‬حتى ال يقع نرش الهلع بني السكان‪.‬‬
‫ثم أصيب هذا الطبيب و هو يل وينليانغ باملرض هو‬
‫بدوره وتويف بعد ذلك يف بداية شهر‬
‫فيفري الفارط‪ .‬وعادت السلطات‬
‫الصينية فيام بعد‪ ،‬يف بداية شهر‬
‫جانفي من السنة الحالية‪ ،‬لالعتذار‬
‫له وتكرميه بعدما وقفت عىل فداحة‬
‫األمر وما سببه من كارثة إنسانية‬
‫وصحية‪.‬‬
‫فردة الفعل األوىل تكون دامئا محاولة‬
‫تبسيط املرض وحتى االستخفاف به‬
‫وبتبعاته‪ ،‬مام يعطي للفريوس فرصة‬
‫لالنتشار ولعدوى عدد كبري من‬
‫االشخاص‪ ،‬رغم أن الفرتة الفاصلة بني‬
‫موقف الطبيب الصيني واقتناع السلط الصينية بصدق‬
‫أقواله مل تكن فرتة طويلة‪ ،‬بل هي أيام معدودة‪.‬‬
‫ورغم عودة الوعي بشكل رسيع للسلط التي وضعت‬
‫كامل منطقة ووهان يف عزل تام ويف حجر صحي صارم‬
‫ونهايئ لجميع السكان‪( ،‬تعد مدينة ووهان ‪ 11‬مليون‬
‫نسمة)‪ ،‬ورغم إنشائها ملستشفيني اثنني يف مدة ال‬
‫تتجاوز عرشة أيام‪ ،‬إال أن انتشار املرض وعدد املصابني‬
‫به وعدد الضحايا الذين ماتوا بسببه كان مرتفعا جدا‬
‫وصادما‪.‬‬
‫كان باإلمكان فعليا مجابهة املرض بشكل فعال ومنعه‬
‫من االنتشار بهذا الشكل حتى أصبح وباء كونيا‪ ،‬وخري‬
‫مثال عىل ذلك هو ما فعلته كل من كوريا الجنوبية‬
‫واليابان وهونك كونغ‪ ،‬وهي بلدان مجاورة للصني‪،‬‬
‫وقد نظن أنه من املنطقي أن تكون من أكرث بلدان‬
‫العامل املترضرة من العدوى القادمة من الصني‪ ،‬إال أن‬
‫عكس ذلك هو الذي حصل وأصبحت القارة األوروبية‬

‫البعيدة جغرافيا عن الصني أكرث مناطق العامل ترضرا‬
‫ومعاناة من الوباء‪ .‬فقد استطاعت هذه البلدان‬
‫السيطرة عىل املرض منذ بدايته وطوقته بوسائل‬
‫وقائية ناجعة ورسيعة و منعته من االنتشار ومن‬
‫إصابة أعداد كبرية من السكان ‪.‬‬
‫وحتى يف الصني فإن الوفيات يف أغلبيتها الساحقة مل‬
‫تتجاوز منطقة ووهان ماعدا بضعة وفيات منترشة‬
‫بشكل ضئيل يف جهات أخرى من الصني‪ .‬لكن اليقظة‬
‫والجهود الخارقة متواصلة اليوم‬
‫هناك للتحكم يف الوباء والتقليل‬
‫من حاالت العدوى الجديدة‬
‫وخاصة القضاء عىل إمكانية وفاة‬
‫املزيد‪.‬‬
‫ويضيف الدكتور بن عياد أن تلك‬
‫البلدان املجاورة للصني ترصفت‬
‫بدرجة وعي وحيطة عالية جدا‪،‬‬
‫ولكن علينا أن ال ننىس أنها عانت‬
‫يف السابق من وباء السارس يف‬
‫‪ 2003‬وأصبحت لها الخربة الكافية‬
‫مع هذا النوع من الفريوسات‬
‫الخطرية والتي تستطيع أن تحصد أرواح اآلالف من‬
‫الضحايا يف فرتات وجيزة وبرسعة ال ميكن تخيلها‪.‬‬
‫لذلك كانت عىل درجة كبرية من االحتياط وترصفت‬
‫بشكل استباقي مع وباء الكورونا فأغلقت برسعة‬
‫حدودها وقامت بتقص دقيق وآيل للسكان بالخصوص‬
‫من كان منهم مسافرا بالخارج ومن هو حامل ألعراض‬
‫املرض‪ ،‬وجعلتهم ميكثون يف منازلهم ملدة أربعني‬
‫يوما‪ ،‬وهنالك من هته البلدان من أعطى السكان‬
‫سوارا الكرتونيا يسمح بالتعرف حينيا عىل موقعهم‬
‫وتحركاتهم من مكان آلخر‪ ،‬ويكتشف مخالفتهم‬
‫لقرار االعتكاف باملنزل إذا ما خرجوا‪ .‬كل هذه الطرق‬
‫الناجعة مكنت حتى من معرفة دقيقة لكل من اتصل‬
‫بهم األشخاص الذين يشتبه يف مرضهم‪ ،‬وساعد يف‬
‫إنقاذ العديد من األرواح البرشية‪ .‬ال ميكن يف الحقيقة‬
‫أن نطلب من الناس احرتام الحجر الصحي والتعويل‬

‫بشكل تام عىل الثقة يف احرتامهم التام لذلك‪ ،‬ونحن نرى‬
‫أن التجربة يف تونس قد أكدت العكس‪ ،‬وأثبتت أنه ال‬
‫ميكن التعويل عىل وعي الناس وتحميلهم املسؤولية بكل‬
‫ثقة‪ ،‬فالعديد من الناس الذين طلب منهم عدم التحرك‬
‫وااللتزام بالبقاء يف املنزل قد خرقوا االتفاق ومل يحرتموه‪.‬‬
‫ويضيف محديث أن من أهم األسباب األخرى التي جعلت‬
‫تجربة تلك البلدان املذكورة ناجحة يف تحدي الوباء‬
‫والتقليل من خطورته هي أنها اختارت القيام بالتحليل‬
‫للتثبت من العدوى بشكل آيل وليس بشكل اختياري أو‬
‫انتقايئ‪ ،‬ولكن علينا أن نعرتف أن هذه اإلمكانية مل تكن‬
‫متاحة لكل البلدان‪ ،‬ففرنسا مل تفعل ذلك وكذلك إيطاليا‬
‫وتونس‪.‬‬
‫ويف الحقيقة ال ميكن مقارنة هذه البلدان فهي مختلفة‬
‫عن بعضها‪ ،‬ففي فرنسا يوجد نظام صحي وطبي قوي‬
‫ومتني ومؤسس عىل هياكل منظمة وقوية وعرصية‬
‫بإمكانها أن تتخطى عقبة الوباء وأن تقاومه وأن تتجاوز‬
‫هذه الكارثة دون أن ينهار‪ ،‬يف الحقيقة سيموت الكثريون‬
‫هذا أمر مفروغ منه‪ ،‬لكن النظام الصحي سيخرج دون‬
‫خسائر جسيمة‪ ،‬ال ميكننا مقارنة األمر مع ما ميكن أن‬
‫يحصل يف تونس مثال‪ ،‬إذ ليس لدينا ما ميكن أن نجابه به‬
‫مجرد احتامل وقوع الكارثة‪ .‬فاملنظومة الصحية يف تونس‬
‫ضعيفة ومتأخرة عىل أكرث من صعيد وال ميكنها املقاومة‬
‫يف حال تفىش الوباء بشكل موسع‪.‬‬
‫ويعتقد الدكتور عصام بن عياد‪ ،‬و هو ليس الطبيب أو‬
‫الخبري الوحيد يف هذا املوقف‪ ،‬أن القرارات الراديكالية‬
‫والناجعة قد تأخرت بأسبوع عىل األقل‪ ،‬و كل الحسابات‬
‫العلمية واإلحصائيات التي وقع األخذ بها يف تجارب بلدان‬
‫أخرى سبقتنا يف استقبال الوباء‪ ،‬تؤكد أنه كان علينا عدم‬
‫الرتدد و تشديد اإلجراءات الوقائية يف وقت مبكر أكرث‬
‫بكثري‪ .‬فاملقارنة مع عدد السكان بتونس ومساحتها ومع‬
‫طبيعة التونيس وعقليته وسلوكه وعاداته اليومية‪ ،‬مجرد‬
‫تسجيل خمس إصابات بعدوى الكورونا يعترب نسبة‬
‫مرتفعة وتتطلب الذهاب إىل حلول راديكالية دون تفكري‬
‫أو انتظار‪ .‬وبالتايل فال بد من الخضوع متاما ودون مناقشة‬
‫للحجر الصحي التام وعدم الخروج من البيت إال للرضورة‬
‫وبعد الحصول عىل ترخيص‪.‬‬

‫أما يف فرنسا فإن عدد املصابني ما فتئ يتصاعد بشكل‬
‫ملحوظ‪ ،‬و ينتظر األطباء من يوم آلخر قدوم املوجة‬
‫األعنف و األعىل من عدد اإلصابات‪ ،‬أي ما يعرف بفرتة‬
‫أوج الوباء‪ ،‬فهذا املرض يشبه ظاهرة التسونامي‪ .‬و فرنسا‬
‫متر اليوم بنفس ما مرت به إيطاليا‪ ،‬ونفس هذا القول‬
‫ينطبق عىل إسبانيا‪.‬‬
‫ويف الحدود املجاورة تواصل إيطاليا املنكوبة عيش‬
‫الكارثة اإلنسانية الصادمة التي لحقت بها‪ .‬ومن هنالك‬
‫تاتينا شهادة فتحي املردايس‪ ،‬وهو صحفي تونيس متزوج‬
‫بإيطالية ويقيم يف منطقة بولزانو بشامل إيطاليا عىل‬
‫حدود النمسا‪ ،‬و بها حاليا قرابة ألفي شخص موضوعني‬
‫يف الحجر الصحي و ‪ 60‬مريض بالكورونا مقيمني يف‬
‫املستشفى‪ ،‬و تويف بها ‪ 56‬ضحية لوباء الكورونا‪ .‬هذه‬
‫املنطقة تشبه أكرث يف نظامها وحوكمتها و حتى يف طبيعة‬
‫سكانها وانضباطهم األنظمة الجرمانية‪ ،‬بحكم قربها من‬
‫النمسا و تأثرها بها إىل حد بعيد‪ .‬كان السكان هنا واعني‬
‫بشكل كبري وقاموا باحرتام القانون وتطبيق الحجر الصحي‬
‫بدقة وانضباط‪ ،‬وتحمل جميع سكانها املسؤولية والتزموا‬
‫بالبقاء يف البيت‪ ،‬أما يف بقية مناطق إيطاليا فقد استخف‬
‫اإليطاليون مبوضوع مرض الكورونا يف البداية‪ ،‬وبقيت‬
‫بعض املناطق التي لها نسبة مبادالت تجارية مرتفعة جدا‬
‫مع الصني‪ ،‬مثل بادوفا وميالنو التي ترضرت كثريا‪ ،‬مفتوحة‬
‫وتستقبل الوفود الصينية كام بقي سكانها يسافرون للصني‬
‫دون أخذ أي احتياطات‪ ،‬وفيها أسواق ضخمة تضاهي‬
‫مساحتها مساحة والية عندنا يف تونس‪ ،‬يسريها الصينيون‬
‫ويزودونها بالبضائع وباملواد التجارية املستوردة من‬
‫الصني‪ ،‬كان انتشار الفريوس يف بداياته بطيئا مام جعل‬
‫اإليطاليني يطمئنون وال يخشون منه كثريا‪ ،‬لكن انعكاس‬
‫هذا السلوك كان فيام بعد دراماتيكيا ليس عىل إيطاليا‬
‫وحدها ولكن عىل كامل القارة األوروبية‪.‬‬
‫حينام أصبح انتشار فريوس كورونا يف إيطاليا الفتا خصوصا‬
‫يف جهة اللومبارديا يف الشامل ويف كرميونا بدأت السلط‬
‫اإليطالية يف اتخاذ بعض القرارات الجزئية و املرحلية‬
‫متابعة أو متاهيا مع تصاعد وترية العدوى‪ ،‬ومل تكن‬
‫قرارات قطعية وجذرية‪ ،‬مام أدى إىل تفاقم الوضع إىل‬
‫ما أصبح عليه اليوم‪ ،‬وإيطاليا تحتل املرتبة األوىل يف عدد‬

‫ضحايا وباء الكورونا متجاوزة يف ذلك الصني نفسها مصدر‬
‫املرض‪.‬‬
‫بقيت كل املصانع تعمل وبقيت الرشكات مفتوحة يف‬
‫األيام األوىل التي رضب فيها الوباء بشدة ومل تقع الوقاية‬
‫كام كان مستوجبا مام فتح الباب للعدوى بشكل مكثف‬
‫وترك إيطاليا يف هذه املأساة‪ .‬كانت يف البداية ـ أولوية‬
‫الحكومة اإليطالية هي الجانب االقتصادي والتجاري لكن‬
‫ما خلفه ذلك من نتائج ال تغتفر عواقبه‬
‫عىل الصعيد اإلنساين واالجتامعي‪.‬‬
‫ويواصل محدثنا واصفا ما تعيشه إيطاليا‬
‫وشعبها‪ ،‬ليؤكد أن اإليطاليني أصابهم‬
‫يف فرتة معينة من هذه األيام العصيبة‬
‫اليأس واإلحباط بسبب ما أصبحوا يعانونه‬
‫وبسبب عجز الدولة وعجز املنظومة‬
‫الصحية الرسمية عن مجابهة موجات‬
‫املرض القاتل‪ ،‬لكن ما أعاد لهم شيئا من‬
‫األمل وخفف وطأة األعداد الصادمة‬
‫من األموات‪ ،‬هو التضامن الذي شهدته‬
‫بالدهم من قبل أصحاب رؤوس األموال‬
‫وأصحاب الرثوات الطائلة واملستثمرين‬
‫اإليطاليني واملشاهري الذين يحظون بسمعة عاملية من‬
‫الفنانني والعبي كرة القدم والسياسيني ومصممي املوضة‬
‫واألزياء الذين مل يرتددوا يف ضخ آالف مئات املليارات من‬
‫ثرواتهم يف خزينة الدولة اإليطالية لتتمكن من تجهيز‬
‫املستشفيات وتوفري املعدات الطبية الرضورية ووسائل‬
‫الوقاية ومداواة املرىض باآلالف وتوفري مالجئ محمية‬
‫ملئات املرشدين يف الشوارع ممن ال سند لهم وال منازل‬
‫يأوون إليها‪ ،‬فالدولة اإليطالية مل تجد نفسها مضطرة‪ ،‬رغم‬
‫التأخري يف اتخاذ القرارات ورغم تقدم األزمة وتعمقها‪ ،‬ألن‬
‫تطالب الشعب باملساهامت املالية والتربعات‪ ،‬بل تكفل‬
‫بذلك وبشكل تلقايئ ودون أي تردد أو مجادلة أصحاب‬
‫الرثوات الذين هبوا للوقوف إىل جانب كل أفراد الشعب‬
‫يف ماساته وملساندة الدولة اإليطالية‪.‬‬
‫ولقد أظهر اإليطاليون رغم املأساة التي ال توصف روح‬
‫تحد وشجاعة أمام املرض وأظهروا تشبثا بالحياة وحبا لها‬
‫عكسه ما كانوا يقومون به كل ليلة تقريبا ويف كل أرجاء‬

‫بالدهم‪ ،‬من خروج عرب الرشفات والنوافذ للغناء والعزف‬
‫سويا و لتحية الطواقم الطبية واملمرضني واملسعفني‬
‫ومساندتهم معنويا فيام يقومون به من أداء للواجب‬
‫املهني‪ .‬وعكسته أيضا باقات الزهور والورود التي كانوا‬
‫يرسلونها مع سائقي سيارات اإلسعاف إلىل املستشفيات‬
‫واملراكز الطبية و اإلسعافية‪.‬‬
‫وحتى الجاليات العربية املقيمة يف إيطاليا أظهرت الكثري‬
‫من التضامن اإلنساين عرب التربعات‬
‫وعرب مساعدة كبار السن يف توفري‬
‫احتياجاتهم أو إيصالها لهم إىل‬
‫منازلهم‪ ،‬كام عربوا عن استعدادهم‬
‫للتربع بالدم إذا ما كانت املستشفيات‬
‫يف حاجة لذلك‪.‬‬
‫و يروي لنا محدثنا السيد فتحي‬
‫املردايس قصة جميلة ومؤثرة‬
‫كعرشات القصص اإلنسانية الصادقة‬
‫التي تحدث يف ظروف مامثلة رغم‬
‫قسوتها ورغم عبثية األمل الذي تسببه‪،‬‬
‫يف أحد األحياء و خالل الحجر الصحي‬
‫أرص شاب إيطايل عىل إهداء خطيبته‪،‬‬
‫التي تقطن يف حي آخر‪ ،‬باقة زهور يف يوم مولدها‪ ،‬وخرج‬
‫كل منهام يف آخر الشارع املطل عىل الحي اآلخر‪ ،‬وكان‬
‫رجال الرشطة الواقفني عىل حدود الحيني‪ ،‬الواسطة يف‬
‫إعطاء الفتاة باقة الزهور التي أحرضها خطيبها‪.‬‬
‫يعصف اليوم وباء الكورونا باآلالف من الناس و بعرشات‬
‫الشعوب يف كل قارات العامل تقريبا‪ ،‬متاما كام عصفت‬
‫باإلنسانية عىل مر تاريخها آفات كثرية كالطاعون والكولريا‬
‫والحربان العامليتان األوىل والثانية‪ ،‬ويؤكد جل العلامء‬
‫واألطباء أنه لن يبقى أي بلد مبنأى عن هذا الوباء الخطري‪،‬‬
‫و أن جميع شعوب االرض تقريبا سيصيبها منه الرضر و‬
‫لو بدرجات متفاوتة‪ ،‬لكنه تجربة أخرى جديدة تعرفها‬
‫اإلنسانية قد تضعفها وقد تؤملها وقد تتسبب لها يف‬
‫الكثري من الخوف ومن الحزن ومن األمل لكنها ستجعلها‬
‫متمسكة أكرث من ذي قبل بالحياة وقد تجعلها يف قادم‬
‫السنوات أكرث تضامنا وأكرث رحمة بالضعفاء‪.‬‬

‫الخميس ‪ 26‬مارس ‪ - 2020‬العدد ‪22‬‬

‫الجريدة المدنية‬

‫‪6‬‬

‫اإلعالم طبيب ثان يف خندق مواجهة كورونا‬
‫يف السابع والعرشين من ديسمرب‬
‫‪ 2019‬أخرب الطبيب الصيني تشانغ‬
‫جيك مينان من احد مستشفيات‬
‫مقاطعة هويب السلطات الصحية‬
‫لبالده انه بصدد التعامل مع‬
‫مرض مستجد ناجم عن فريوس‬
‫كوروين جديد‪ .‬وحني كانت دول‬
‫فطين حفصية‬
‫العامل تعد الساعات ثم الدقائق‬
‫فالثواين لتوديع العام تسعة وعرش‬
‫والفني كان عدد الحاالت املؤكدة املصابة بالفريوس يف الصني‬
‫يتم املائتني وسبعني حالة‪ .‬تسارعت دورة « الفريوس الوافد»‬
‫عندما بدأ بعبور الحدود والبلدان وعندها بدأت أخباره تتصدر‬
‫عناوين الصحف ونرشات األخبار وتوجهات شبكات التواصل‬
‫االجتامعي واملنصات االفرتاضية وصوال إىل تاريخ الحادي عرش‬
‫من مارس عندما استكملت منظمة الصحة العاملية تحذيراتها‬
‫لتصنفه وباء عامليا أو ما يعرف بالجائحة واستنهضت كل الدول‬
‫والحكومات لبذل كل الجهد لصد انتشاره والحد من خسائره‬
‫البرشية‪ .‬مل تكن تونس كبقية دول العامل بعيدة عن «التهديد‬
‫الصحي الزاحف « ومنذ اإلعالن رسميا عن تسجيل أول حالة‬
‫يف الثاين من مارس تواترت رسعة التدابري الوقائية واإلجرائية‬
‫مع الصعود الصاروخي لحصيلة الفريوس إصابة ووفاة وعدوى‬
‫ومساحة جغرافية يف أركان العامل حيث بدا» «السيناريو‬
‫املرعب» الذي تعيشه الجارة البحرية ايطاليا وبدرجة اقل‬
‫فرنسا وإسبانيا يف الضفة األخرى للمتوسط دافعا مهام ومنطقيا‬
‫للميض يف قرارات موجعة اجتامعيا واقتصاديا لخفض انتشاره‬
‫عىل األقل يف مرحلة أوىل‪.‬‬
‫تزامنا مع النرشة الصحية اليومية للجنة القارة ملتابعة انتشار‬
‫فريوس كورونا الجديد مبقر وزارة الصحة كانت وسائل اإلعالم‬
‫املسموعة واملرئية تعدل ساعاتها اإلخبارية والربامجية عىل كافة‬
‫األخبار املحيطة به أما وسائل اإلعالم املكتوبة واالليكرتونية فان‬
‫أعمدتها وبطاقاتها وزواياها وصفحاتها مخصصة يف األغلب‬
‫للفريوس املتمدد يف الجغرافيا واإلحصائيات‪ .‬املتابع للتناول‬
‫اإلعالمي يف تونس مبحامله املختلفة ال يفوته أوال التأكيد أن‬
‫املعالجة يف بدايتها كانت إخبارية بحتة أي تقترص عىل نرشات‬
‫األخبار أو ما تنقله بعض الصحف فقبل إعالن تونس رسميا عن‬
‫اكتشاف أول حالة بداية الشهر الجاري مل يكن كثري من التونسيني‬
‫يعرفون شيئا عن الفريوس أو خاصيته أو وسائل التوقي منه أو‬
‫مخاطره وهو ما تبني بشكل واضح يف حالة الالمباالة والالهتامم‬

‫الخميس ‪ 26‬مارس ‪ - 2020‬العدد ‪22‬‬

‫باملحاذير الوقائية لدى العديد يف الفضاء العام ( تجمعات ‪-‬‬
‫مقاهي ‪ -‬أسواق ‪ -‬أماكن عمل ‪ -‬حفالت ‪ )....‬ومل يبدأ الشعور‬
‫الجامعي بـ»الخطر الكامن» إال بعد اقرتاب الدولة ومؤسساتها‬
‫«كويص رشعي عىل األمن الصحي القومي» من استنفاذ كل‬
‫أدوات اإلجراءات املتبعة ملحارصة زحف الفريوس‪.‬‬
‫عند اإلعالن عن الرصد املخربي لحالة ثانية مصابة بالفريوس‬
‫بادرت التلفزة الوطنية اثر النرشة الرئيسة لألخبار بتقديم‬
‫أول ملف خاص يف وسائل اإلعالم املحلية حول كورونا ودعت‬
‫الفرق الصحية املختصة واملتدخلة واإلدارات املختصة املدنية‬
‫منها والعسكرية ضيوفا لهذا امللف الذي حظي بنسبة متابعة‬
‫مرتفعة مع بدء اإلحساس بالخطر القادم‪ .‬ورغم قيام املرفق‬
‫العمومي بومضة تحسيسية وحصة تفسريية يومية قبلها‬
‫بقليل فإن «الهبة الجامعية» ملتابعة مستجدات الفريوس يف‬
‫تونس إعالميا مل تنطلق رسميا إال مع إعالن رئيس الحكومة‬
‫متبوعا يف الزمن برئيس الجمهورية عن حزمة إجراءات أوىل‬
‫ملكافحة الفريوس الذي بات يتنقل محليا بشكل يومي‪ ،‬وهنا‬
‫ميكن توصيف الوضع املتدرج يف التناول اإلعالمي باالنتقال من‬
‫األخبار املجرد يف مرحلة أوىل إىل التحسيس والتوعية والتفسري‬
‫يف مرحلة ثانية نحو «شد األحزمة والتحذير والدفع نحو الشعور‬
‫املواطني الفردي» باملسؤولية يف مرحلة ثالثة متاشيا مع القرارات‬
‫الحكومية والرئاسية املتخذة وفق ما تتيحه الصالحيات املتاحة‬
‫لرأيس السلطة التنفيذية‪ .‬هذه الدرجات الثالث من املعالجة‬
‫اإلعالمية املحلية كانت تسري باملوازاة مع «ساحة افرتاضية‬
‫منفلتة» ميدانها شبكات التواصل االجتامعي ظل هذا األعالم‬
‫املحيل واإلدارات االتصالية واإلعالمية الحكومية تحاول تطويق‬

‫سلسلة األخبار الزائفة واإلشاعات واملعلومات الخاطئة الواردة‬
‫فيه حتى أصبح عدد من وسائل اإلعالم هذه يكافح عىل ثالث‬
‫جبهات ‪ :‬أوىل تتعلق بتقديم املعلومة املحينة والصحيحة عن‬
‫الفريوس وانتشاره واملجهودات الجارية وثانية بالتحسيس‬
‫والتفسري والتنبيه والتحليل ملا يتصل به وثالثة لدحض هذه‬
‫األخبار الكاذبة وصد اإلشاعات واملعلومات الخاطئة‪ .‬ميكن يف‬
‫هذا املجال ذكرا ال حرصا أن نسوق أمثلة تسجيل حاالت وفاة‬
‫بسبب كورونا ‪ -‬اعتبار الثوم عالجا فعاال ‪ -‬درجات الحرارة‬
‫املرتفعة متنع انتشار املرض ‪ -‬انتشار الجيش التونيس يف البالد‪....‬‬
‫ومثل هذه األخبار الكاذبة والزائفة التي تعرف يف املهنة‬
‫بالفايك نيوز تداولت بعضها بعض املنابر اإلعالمية ما جعل‬
‫خطرها مضاعفا لجمعها الوجود يف اإلعالم التقليدي فضال عن‬
‫الجديد كام أثبتت التحوالت اليومية املواكبة للفريوس أن خطر‬
‫الشائعات يكاد يعادل املجهود اليومي ملكافحة انتشاره‪ .‬هذا‬
‫االنفالت ليس سمة تونسية رصفة فمع حالة «الرعب القادم» يف‬
‫ما يزيد عن مائة ومثانني دولة يف العامل تحدثت منظمة الصحة‬
‫العاملية عن معركة أخرى تكاد تعادل املعركة مع الوباء وهي‬
‫ما أطلقت عليه معركة األخبار الوبائية أو أكرث األخطاء العرشة‬
‫الواردة ( ‪ )Top 10‬ومن أهمها أن عدوى الفريوس تتم عرب‬
‫الحرشات وان استهالك القنب الهندي والثوم ميكن أن يكون‬
‫أداة للشفاء من الفريوس وان املرض ال يقتل إال كبار السن‬
‫الن مناعة البقية أقوى وان هذا الفريوس جاء كسباق محموم‬
‫بني مصانع األدوية وأخريا أن فريوس كورونا يأيت يف إطار حرب‬
‫جرثومية عاملية‪.‬‬

‫‪7‬‬
‫ومع «حالة اإلسهال» يف املعلومات الخاطئة عىل منصات التواصل‬
‫االجتامعي وقبل أن تكون عدد من وسائل اإلعالم الرقمية يدا‬
‫مينى للفوىض أوصت منظمة الصحة العاملية وبضغط مدين كبري‪،‬‬
‫أوصت إدارة الفايسبوك واليوتيوب واالنستغرام‪ ،‬وهي من أكرث‬
‫املنصات تأثريا يف العامل التواصيل االفرتايض‪ ،‬باتخاذ إجراءات أكرث‬
‫وضوحا وحزما ملكافحة املعلومات الخاطئة‪ .‬ويف منطقة شامل‬
‫أفريقيا والرشق األوسط أعلنت إدارة فايسبوك رشاكتها مع منصة‬
‫«فتبينوا» لتدقيق املحتوى يف ‪ 19‬دولة بينها تونس للتدقيق يف‬
‫صحة األخبار املضمنة يف صور وفيديوهات حول فريوس كورونا‬
‫حيث تأكد مبجال ال يدعو للشك أن «الحجر االفرتايض» لألخبار‬
‫الخاطئة والصور والفيديوهات الزائفة جزء من املعركة حيث‬
‫األسوأ مل يأت بعد يف عدد من الدول‪.‬‬
‫من الناحية العملية واملهنية يف الترصيف اإلعالمي لتطور‬
‫الفريوس محليا ميكن القول أننا مررنا بثالثة أزمنة يف وسائل‬
‫اإلعالم مبتلقيها املختلفني ‪ :‬سامعني وقارئني ومشاهدين‪ ...‬يتعلق‬
‫األول بالتغطية األوىل للحالة األوىل املصابة بالفريوس وما فتحته‬
‫من نقاش وتعريف باستعدادات الدولة وتدابريها للتصدي له‬
‫وتحسيس املواطن بخطورة األمر وآليات التوقي والحيطة يف‬
‫الفضاءين العام والخاص‪ ،‬أما الزمن اإلعالمي الثاين فيهم موازاة‬
‫يوميات الفريوس يف تونس مع ما تقوم به مؤسسات الدولة من‬
‫وزارات وإدارات وواليات من مجهود عىل أرض الواقع‪ .‬أما الثالث‬
‫فهو التعريف والتبسيط لحزمة اإلجراءات والتدابري االحرتازية‬
‫األخرى التي انبثقت عن اجتامع مجلس األمن القومي وتالها‬
‫رئيس الجمهورية يف كلمة مبارشة للشعب يف حني سنكون أمام‬
‫زمن إعالمي غري مرغوب باملرة لكنه وارد عىل طاولة اإلعالميني‬
‫ومفتوح للمستقبل وهو كيفية التناول والتغطية اإلعالمية مهنيا‬
‫وأخالقيا عند تسجيل تواتر يف حاالت الوفيات أو ارتفاع عدد‬
‫الضحايا وما ميكن أن يحدثه من إرباك للمواطن واملجموعة‬
‫خصوصا عندما ترفق األخبار املحزنة والصور املؤثرة يف وسائل‬

‫∑‬

‫اإلعالم التقليدية ب» سيل « اإلشاعات واملشاعر عىل حد السواء‬
‫يف الشبكات التواصلية االجتامعية ‪.‬‬
‫اإلعالم الجديد أو البديل حالة إسهال‬
‫معلوماتي وآليات فرز مطلوبة‬
‫هذه األزمنة اإلعالمية وان تختص كل واحدة منها بظرف تطرحه‬
‫الظروف املوضوعية واألحداث واملكان والنتائج فإنها تكاد تكون‬
‫واحدة عند الدول التي مسها الوباء مع فوارق تتصل بتنويع‬
‫األشكال الصحفية املعروضة أمام املتلقي ‪ :‬أخبار تفسري نقل‬
‫تحقيقات استقصاء أو التوغل يف اختصاص صحفي دقيق يكاد‬
‫يكون مفقودا يف تونس وهو الصحافة الطبية والصحية والعلمية‬
‫إذ تشري اإلحصاءات املنشورة مثال أن رقم مبيعات املجالت‬

‫الجريدة المدنية‬

‫والدوريات الطبية تضاعف بشكل رسيع يف الواليات املتحدة‬
‫منذ الكشف عن وصول الفريوس إىل البالد ورشوع الرئيس‬
‫األمرييك يف اتخاذ تدابري وقائية‪.‬‬
‫ومع بدء الخط التصاعدي لحصيلة فريوس كورونا يف تونس‬
‫ميكن االستنتاج أن الدولة واإلعالم أصبحا طبيبني كل من موقعه‬
‫ملكافحته ووقف رسيان عدواه يف مرحلة أوىل وجمعا هدفا واحدا‬
‫وهو عدم السامح للفريوس باالنتشار مثل حرائق الغابات وكل‬
‫له سالح إطفاء‪ :‬اإلعالم باإلخبار والتوعية والتفسري واستنهاض‬
‫روح املسؤولية واحرتام اإلجراءات املعلنة والدولة مبؤسساتها‬
‫لتأكيد تدخلها وردة فعلها والتصدي للعدو املشرتك والغابة‬
‫األخرى التي يحجبها وأهمها الثمن االقتصادي واالجتامعي‪.‬‬

‫الخميس ‪ 26‬مارس ‪ - 2020‬العدد ‪22‬‬

‫الجريدة المدنية‬

‫‪8‬‬

‫‪9‬‬

‫∑‬

‫الجريدة المدنية‬

‫سمير الشفي‪ :‬لـ «الجريدة المدنية»‪:‬‬

‫نطالب أن تكون املنظمات االنسانية والدول األكرب قدرة يف التعاطي مع‬
‫جائحة كورونا أكثر انصافا مع الدول الضعيفة ومن بينها فلسطني املحتلة‬
‫يحيي الفلسطينيون يوم االثنني القادم ‪ 30‬مارس ‪ ،2020‬ذكرى يوم األرض يف‬
‫أجواء مشحونة إثر ما يعرف بصفقة القرن والتي تسعى عربها االدارة األمريكية إىل‬
‫ثنيهم عن التمسك باألرض والهوية الوطنية التي يحاول االحتالل الصهيوين قمعها‬
‫وإزالتها من الوجود‪.‬‬
‫فالشعب الفلسطيني الذي خرج يوم ‪ 30‬مارس ‪ ،1976‬يف مظاهرات ردا عىل‬
‫اغتصاب حقوقه ومصادرة أراضيه‪ ،‬يحيي ذكرى هذا اليوم تحت وقع مبادرة‬
‫الرئيس األمرييك ترامب وتحت آثار جائحة فريوس «الكورونا» التي أثرت عىل‬
‫حياة الفلسطينني مثلهم كمعظم دول العامل لتضاف إىل مصائبهم مصيبة جديدة‪.‬‬
‫وللحديث عن صفقة القرن وعن مقاومة التطبيع يف تونس ودور االتحاد يف دعم‬
‫القضية الفلسطينية كان لـ «الجريدة املدنية» لقاء مع السيد سمري الشفي األمني‬
‫العام املساعد لالتحاد العام التونيس للشغل املسؤول عن قسم الشباب العامل‬
‫واملرأة واملجتمع املدين‪.‬‬
‫حوار‪ :‬حاتم بوكرسه ‪ -‬صور‪ :‬كريم السعدي‬

‫صفقة القرن‪ ،‬كيف نعرّفها في مسار سلب‬
‫األرض الفلسطينية من وعد بلفور إلى اليوم؟‬
‫إن صفقة القرن هي استمرار ملسلسل االحتالل واملصادرة‬
‫وااللتفاف عىل الحق الوطني الفلسطيني عرب مبادرة ادعى‬
‫فيها رئيس اإلدارة االمريكية انه ميلك مرشوع تسوية للقضية‬
‫الفلسطينية ولكن بالنظر إىل مضمون هذه املبادرة يتضح‬
‫بأنها صفقة تعمل عىل التفويت الكامل يف القدس‪ ،‬مبا تحمله‬
‫من رمزية دينية مسيحية وإسالمية وعاصمة تاريخية للدولة‬
‫الفلسطينية‪ ،‬والتفويت فيها مطلقا بشكل كامل وتعسفي لفائدة‬
‫االحتالل اإلرسائييل ويضاف إىل ذلك االنهاء الكامل لحق العودة‬
‫الذي ميس أكرث من ستة مليون فلسطيني مهجر منذ سنوات‬
‫‪ 48‬و‪ 67‬ومنذ كل املحطات التي تكثف فيها العدوان الصهيوين‬
‫عىل الشعب الفلسطيني وعىل األمة العربية‪ ،‬وهيأ أيضا رضب‬
‫«الرشعية الدولية» التي نصت عىل حق الفلسطينيني يف العودة‬
‫إىل ديارهم‪ ،‬وتفكيك للجغرافيا الفلسطينية من خالل تثبيت‬
‫مستوطنات االحتالل يف الضفة الغربية‪ .‬وهو مايعني عمليا عدم‬
‫وجود إمكانية إقامة دولة فلسطينية ذات وحدة جغرافية بشكل‬
‫نهايئ مام يقيم الدليل عىل أن هذه الصفقة ال تعدو أن تكون‬
‫سوى مؤامرة من االمربيالية والصهيونية واستمرارا لالستعامر من‬
‫أجل انهاء القضية الفلسطينية وتدمري هذا الوجود الفلسطيني‪.‬‬
‫ونحن نتساءل عن أي رشعية متتلكها اإلدارة االمريكية والواليات‬
‫املتحدة االمريكية برمتها يف تقديم «وعد من ال ميلك ملن ال‬
‫يستحق»؟! ألن هذه األرض هي امللكية االزلية للشعب‬
‫الفلسطيني وللشعب العريب وال ميكن ألي جيل من األجيال‬
‫الحالية أن يصادر حق األجيال املقبلة يف أرضهم ومستقبلهم‬
‫ومن مثة فإننا نجزم بأن هذا املرشوع هو استمرار للمرشوع‬
‫التصفوي للقضية الفلسطينية وما كان ليتجرأ أي كان عىل طرح‬
‫هكذا مبادرات لوال حالة البؤس التي تعيشها املنطقة العربية‬
‫والنظام الرسمي العريب‪.‬‬
‫هذا التوصيف الذي قدمته يحيلنا بالضرورة إلى‬
‫السؤال التالي وهو مدى مساهمة الخالفات‬
‫الفلسطينية الداخلية وضعف القرار العربي في‬
‫تمادي اإلدارة األمريكية في دعمها التام للعدو‬
‫الخميس ‪ 26‬مارس ‪ - 2020‬العدد ‪22‬‬

‫الصهيوني؟‬
‫ميكن القول دون تردد أن انهيار النظام الرسمي العريب منذ‬
‫عرشات السنني وخاصة منذ الترشيع للعدوان األمرييك العاملي‬
‫سنة ‪ 1991‬عرب العدوان عىل العراق‪ ،‬كان اعالن وفاة لهذا النظام‬
‫وتداعت إثره كل ما سميت بالثوابت العربية‪ ،‬وس ُهل للواليات‬
‫املتحدة األمريكية وللعدو الصهيوين أن يستبيحا كل املحرمات‬
‫وكل الخطوط الحمراء عىل اعتبار أن هذا النظام الرسمي العريب‪،‬‬
‫عىل عالته فيام مىض‪ ،‬كان ميثل حدا أدىن من التضامن ومن‬
‫املوقف العريب املشرتك إزاء عديد القضايا الكربى وعىل رأسها‬
‫طبعا القضية الفلسطينية‪.‬‬
‫ولكن اليوم أصبح املال العريب والنفط العريب هو أحد الوسائل‬
‫املعتمدة لتمرير مثل هذه املشاريع الصهيونية إضافة إىل‬
‫حالة التفكك التي يعيشها الشعب الفلسطيني واالقتتال‬
‫الفلسطيني‪-‬الفلسطيني وكل الخالفات الداخلية التي أثرت‬
‫عىل صورة القضية الفلسطينية وأثرت بشكل جوهري عىل‬
‫املقاومة مام يطرح اليوم وبقوة إعادة النظر يف التعامل مع‬
‫القضية الفلسطينية حتى تستعيد بريقها وصورتها كقضية عادلة‬
‫للشعب الوحيد الذي مازال يرزح تحت االحتالل املبارشوميكن‬
‫القول بأن األمر يبقى يف يد الفلسطينيني والعرب ولكن السؤال‬
‫املطروح هو ما العمل؟‬

‫مجلس وزراء ترأسه رئيس‬
‫الحكومة السابق يوسف‬
‫الشاهد ودعا فيه إلى عدم‬
‫خلط الرياضي بالسياسي‬
‫في إشارة بينة وواضحة‬
‫لقبول الحكومة التونسية‬
‫بأن تقع مبارايات رياضية بين‬
‫فرق وطنية تونسية وفرق‬
‫العدو الصهيوني‬
‫لم نعد نسمع عن مشروع تحرّر عربي‪ ،‬وعن مشروع‬
‫قومي لتحرير فلسطين‪ ،‬سواء على مستوى االنتاج‬
‫الفكري أو المستوى التنظيمي؟‬
‫إن القضية الفلسطينية ال ميكن تناولها من زاوية معزولة‬
‫ومجزئة فعندما نتحدث يف سنة ‪ 2020‬عن صفقة القرن وعن‬
‫اإلنهاء الرسمي والتاريخي لهذه القضية من خالل هذه املبادرة‬
‫املشؤومة فإنه من الغباء التعامل مع هذه املبادرة مبعزل عن‬
‫السياسات األمريكية تجاه القضية الفلسطينية منذ أكرث من‬
‫‪ 30‬سنة ألن الواليات املتحدة األمريكية والصهيونية العاملية‬
‫عملت بشكل ممنهج ووفقا إلسرتاتيجية معلومة ومدروسة‬

‫الخرتاق العقل العريب واالنتليجينسيا العربية والثقافة العربية‬
‫واملسلامت العربية يف جانبها الثقايف واالجتامعي واالقتصادي‬
‫من خالل اخرتاق البعض من قادة الرأي العريب واملثقفني من‬
‫الشباب العريب وما سهل هذا االخرتاق هو تعاط بعض الجموع‬
‫مع هذه القضية بشكل انفعايل أي عىل سبيل املثال فإن‬
‫الحامسة واالنفعال يطغيان عىل الساحة كلام كانت محطة‬
‫لعدوان غاشم أي أن هذا العدوان يستنفر الحمية عرب مظاهرات‬
‫ومسريات ورد فعل رافض له فقط‪ ،‬إال أن النخب العربية وقادة‬
‫الرأي والفكر والسياسة مل ينجحوايف صياغة تصورات ملرشوع‬
‫تحرري عريب ووطني يف عالقة باالستعامر واالمربيالية ككل‪،‬‬
‫وباملرشوع الصهيوين بشكل مخصوص‪ ،‬وهو ما يبني تداعيات‬
‫االسرتاتيجية األمريكية الصهيونية التي عملت عىل متييع هذه‬
‫القضية والتعامل معها كتفصيل من تفصيالت الحياة اليومية‪.‬‬
‫إن هذا الوضع يحيلنا إىل جملة من املراجعات التي يجب أن‬
‫تؤخذ بعني االعتبارات وأذكر منها أنه عىل قادة وصناع الرأي‬
‫أن يفكروا ويطرحوا يف الكليات والجامعات وامللتقيات كيفية‬
‫إعادة صياغة ميثاق عريب جديد تقع بلورته عىل قاعدة املصالح‬
‫الواقعية لالمة العربية والوطن العريب وأن تأخذ هذه الصياغة‬
‫بعني االعتبار مشاركة ومساهمة املجتمع املدين واملنظامت‬
‫واألحزاب والتشكيالت الشعبية يف بلورته خالل العرش سنني‬
‫القادمة حتى يقع فرضه عىل النظم الرسمية العربية‪ ،‬ألن قضية‬
‫املواجهة مع هذا املخطط االستعامري الذي ال يستهدف فلسطني‬
‫فقط بل كل املنطقة العربية والتي تختزل تقريبا أكرث من ‪60%‬‬
‫من احتياطات الطاقة يف العامل ويضاف إىل ذلك املقاومة التي‬
‫يجب أن تبقى كشعلة وضّ اءة وقادرة عىل التقليص والحد من‬
‫هذا املرشوع‪.‬‬
‫ويف تونس رغم اننا لسنا يف متاس مع العدو الصهيوين فان االخرتاق‬
‫والعدوان مل يعفي تونس من نصيبها من العدوان الصهيوين‬
‫عرب عديد الجرائم التي اقرتفها كغارة حامم الشط واغتيال أبو‬
‫جهاد وأبو اياد وغريها من الجرائم التي ارتكبت عىل ارض‬
‫تونس‪ .‬ولذلك فإن املقاومة التي يجب أن نتسلح بها هنا هي‬
‫مقاومة التطبيع بكل أشكاله من السيايس واالقتصادي إىل الثقايف‬
‫والريايض‪ .‬وهنا أندد باالخرتاق الذي حصل عرب قرار مجلس وزراء‬
‫ترأسه رئيس الحكومة السابق يوسف الشاهد ودعا فيه إىل عدم‬
‫خلط الريايض بالسيايس يف إشارة بينة وواضحة لقبول الحكومة‬
‫التونسية بأن تقع مبارايات رياضية بني فرق وطنية تونسية وفرق‬
‫العدو الصهيوين‪ .‬وهذا ميثل صفعة كبرية ملنحى مقاومة التطبيع‪.‬‬
‫ونحن يف االتحاد العام التونيس للشغل املتبني للقضية‬
‫الفلسطينية منذ نشأته ال ميكن بأي حال من األحوال القبول‬
‫بهذا السلوك‪ .‬وقد أعددنا لذلك عدة تحركات من أجل التصدي‬
‫لعملية االخرتاق الخطرية التي تحصل عىل الساحة التونسية من‬
‫قبل مروجي التطبيع والسياسات التفريطية ومن بينها أننا كنا‬
‫قد برمجنا مؤمترا وطنيا ملناهضة التطبيع يف تونس يشرتك يف‬
‫فعالياته كل القوى السياسية الوطنية ومنظامت املجتمع املدين‬
‫والنخب حتى يتم إصدار جملة من التوصيات واملقررات ومن‬
‫املبادرات من اجل رسم اسرتاتيجية ثقافية وتربوية وتعليمية‬
‫وتكنولوجية تحصن بالدنا ومؤسساتنا وشبابنا من االخرتاق‬

‫الصهيوين لكن هذا الوضع الخطري الذي متر به بالدنا واإلنسانية‬
‫جمعاء يف عالقة بفريوس كورونا جعلنا نؤجل هذا املؤمتر حتى‬
‫تجتاز تونس والبرشية هذه الكارثة الحاصلة اآلن لنستأنف هذا‬
‫الربنامج بعد القضاء عليها‪.‬‬
‫كنت قد أشرت إلى المجلس الوزاري لرئيس الحكومة‬
‫السابق يوسف الشاهد وقراره بعدم خلط الرياضي‬
‫بالسياسي والذي سميته باالختراق الكبير لمقاومة‬
‫التطبيع في التونس فهل تعتبر أ ّن نظام الحكم‬
‫الحالي في تونس مُطبّع مع الصهيونية؟‬
‫إن الحديث عن نظام حكم مطبع يف تونس فيه قدر كبري‬
‫من املغاالة فنحن عندما نتحدث عن نظام حكم ومؤسسات‬
‫دولة ميكننا القول بأنه هناك اخرتاق لها من طرف مجموعات‬
‫معينة وتشكيالت معينة من قادة الفكر وقادة القرار مدافعة‬
‫عن مرشوع التطبيع وعن مرشوع االعرتاف بالكيان الصهيوين‬
‫بغية انهاء القضية الفلسطينية كام تجدر اإلشارة أنه هناك‬
‫داخل النظام ذاته أصوات مهمة وقوية تتبوأ مراتب متقدمة يف‬
‫مقاومة املرشوع التطبيعي فكام ذكرنا سابقا قرار هذا املجلس‬
‫الوزاري يف عالقة باملباريات الرياضية مع الصهاينة حيث رشعها‬
‫بطريقة شبه مبارشة‪ ،‬فإنني أذكر أيضا أنه هناك عىل رأس الدولة‬
‫التونسية رئيس الجمهورية قيس سعيد والذي حدد موقفه من‬
‫القضية الفلسطينية ومن التطبيع الذي ارتقى به إىل مرتبة‬
‫الخيانة العظمى‪ ،‬وهناك أيضا قوى يف الربملان التونيس السابق‬
‫أو الحايل التي تقاوم التطبيع وتقدم املبادرات لتجرميه بقوة‬
‫القانون كام أنه هناك تشكيالت يف املشهد السيايس ويف املجتمع‬
‫املدين يف تونس تقوم مبقاومة هذا املرشوع‪.‬‬
‫وإين اعتقد بأنه لوال أوضاع تونس االقتصادية واالجتامعية التي‬
‫غرقت البالد فيها نتيجة تراكامت سابقة ونتيجة سياسات غري‬
‫جريئة وغري شجاعة اعتمدتها الحكومات املتعاقبة بعد ثورة ‪17‬‬

‫ديسمرب‪ -14‬جانفي جعلت من املجتمع التونيس وقواه الحية ال‬
‫تجد املتنفس الحقيقي لبلورة تصوراتها وتطلعاتها إزاء القضايا‬
‫الداخلية فام بالك بالقضية الفلسطينية فهذا الواقع الصعب‬
‫واملتغري جعل الكل يتفاعل معه وينفعل يف قضايا حينية من‬
‫مشكلة إىل أخرى ونتيجة لألوضاع املأزومة فإن قدرتنا عىل‬
‫التفكري الهادئ واالسترشايف يف قضايانا الداخلية ذات الصبغة‬
‫االسرتاتيجية أو يف قضايانا املتعلقة مبحيطنا وأمننا القومي بقيت‬
‫مهمشة مع العلم أن هذه الحالة ال تخص تونس فحسب بل‬
‫تنسحب عىل عديد األقطار األخرى التي بقيت يف حالة ارتباك‬
‫وهلع متواصل وهو أمر ال يجب أن يستمر بل يجب أن تكون‬
‫هناك بدائل حقيقية يف إعادة تحصني البيت العريب الداخيل‬
‫ومن مثة إعادة ترتيبه وفقا ملصالحنا بصياغة تشاركية بني‬
‫مختلف الكتل السياسية الوازنة يف املجتمعات العربية‪.‬‬
‫كنت قد ذكرت أن قيس سعيد وهو على رأس الدولة‬
‫قال بأن التطبيع يرتقي ألن يكون خيانة عظمى‬
‫فهل يمكن الوثوق في خطاب رئيس الجمهورية‬
‫الداعم صراحة للقضية الفلسطينية وهل تعتبر‬
‫قانون تجريم التطبيع ضرورة تشريعية في ظ ّل‬
‫المسار الحالي في تونس؟‬
‫إن قضية الوثوق هي مسألة أخالقية باعتبار أن الفكر السيايس ال‬
‫يحكم عىل الظواهر بالنوايا وإال أصبحنا يف إطار الشعوذة‪ ،‬ولكن‬
‫املواقف الرسمية املعلنة لرئيس الجمهورية‪ ،‬سواء قبل نجاحه‬
‫يف االنتخابات الرئاسية أو بعد توليه رئاسة الجمهورية‪ ،‬هي إىل‬
‫جانب القضية الفلسطينية وهي أمر ليس غريبا عن الخندق‬
‫املقاوم للمرشوع الصهيوين وحتى منذ سنوات عديدة فقد‬
‫عرف عنه كأستاذ جامعي برؤيته املشهود لها كمعظم زمالءه يف‬
‫الجامعات التونسية برفض املرشوع الصهيوين ومبقاومة التطبيع‬
‫معه فام بالك عندما يؤكد يف خطاب إدالء القسم يف مجلس‬

‫نواب الشعب عىل أن التطبيع خيانة عظمى وعىل أن القضية‬
‫الفلسطينية ليست متاعا ميكن املقايضة به يف أي صفقة من‬
‫الصفقات‪ .‬وهو موقف مرشف حقيقة بغض النظر عن أن هذه‬
‫املوقف كاف لدعم القضية الفلسطينية بشكل ملموس أم ال‪.‬‬
‫ولكن من املفروض أن تبلور هذه املواقف املبدئية إىل إجراءات‬
‫فعلية وبالنظر إىل حجم تونس االسرتاتيجي ويف ظل هذا‬
‫التشتت العريب واالخرتاق األمرييك االستعامري لألنظمة الرسمية‬
‫وسيطرته عىل القرار العريب يف جل العواصم العربية‪ ،‬فإن هامش‬
‫املناورة يبقى صغريا ولكنه ميكن أن يطرح بشكل متدرج عرب‬
‫سياسات داخلية من خالل تجريم التطبيع واعتبار التعامل مع‬
‫الكيان الصهيوين خيانة وتواطئا وتفريطا يف الحق الفلسطيني‬
‫وهو أمر ليس بالهني فإن تحقق ذلك فهو سيكون شكال من‬
‫أشكال املقاومة الحقيقية والفعلية‪.‬‬
‫فضال عن ذلك ففي صورة نجاح التجربة التونسية‪ ،‬ببعديها‬
‫االجتامعي واالقتصادي‪ ،‬بعد النجاح السيايس ميكن أن يشكل‬
‫منوذجا ملحيطها إن أضيف اىل ذلك البعد االسرتاتيجي يف عالقة‬
‫باألمة العربية وقضاياها وعىل رأسها القضية الفلسطينية‪.‬‬
‫وميكنني التأكيد عىل أن هذه القضية ساكنة يف قلوب كل‬
‫التونسيني رغم حالة االحباط والصعوبات التي نعيشها اآلن بل‬
‫وأسمح لنفيس بالقول بأنها ساكنة يف قلوب كل جامهري األمة‬
‫العربية‪.‬‬
‫وإنني انوه بأن املقاومة والدفاع عن القضية أصبحت محل‬
‫نضال مدين جمعيايت يف البالد الغربية من خالل حركات‬
‫املقاطعة التي أصبحت متثل كابوسا للكيان الصهيوين يف مجاالت‬
‫سياسية وأكادميية واقتصادية والتي فرضت عىل العديد من‬
‫املؤسسات مراجعة تعامالتها مع دولة االحتالل ولذلك فإن‬
‫املقاومة مبختلف أشكالها وإن كانت اليوم تعاين عدة صعوبات‬
‫فإنها تبقى ال غنى عنها بل يجب تجديد طرقها بشكل يتالئم مع‬
‫العرص ومع طبيعة كل قطر ودولة‪.‬‬
‫الخميس ‪ 26‬مارس ‪ - 2020‬العدد ‪22‬‬

‫الجريدة المدنية‬

‫‪10‬‬

‫تجاه القضية الفلسطينية؟‬
‫هي قضية اسرتاتيجيات وخيارات كربى لشعوب وأمم يراعى‬
‫فيها ميزان القوى والتحالفات التي تنطلق من تحديد معسكر‬
‫األصدقاء واألعداء إضافة إىل تحديد معسكر «املتفرجني» كام‬
‫يجب فيها عىل األحزاب والنخب واألنظمة الوطنية (عىل قلتها)‬
‫وحتى عىل الفلسطينيني مبختلف فصائلهم أن يعيدوا ترتيب‬
‫أوضاعهم وأن تعاد صياغة اسرتاتيجية مقاومة متعددة األذرع‬
‫من الثقايف إىل امليداين وملا ال املقاومة املسلحة عندما يكون‬
‫ذلك متاحا‪.‬‬
‫أضيف إىل كل هذا أيضا السياسة الديبلوماسية وهي بطبيعة‬
‫الحال ليست باألمر الهني فالعامل الذي شهد تغيريات كربى‬
‫منذ سنة ‪ 1990‬وانهيار االتحاد السوفيايت الذي جعله يخضع‬
‫إىل القطب الواحد وهو الواليات املتحدة األمريكية التي يعلم‬
‫الجميع أنها الحامية الكربى لهذا املرشوع الصهيوين فإننا اليوم‬
‫نعيش إعادة التشكل للتوازنات الدولية فهناك مجتمع دويل‬
‫جديد تتم صناعته بخطى حثيثة وتتمثل سيمته األساسية يف‬
‫تعدد األقطاب ويجب أن ال نكون بعيدين عن هذه التشكالت‬
‫الدولية الجديدة‪ ،‬كام يجب أن تكون لنا قراءة علمية تأمن‬
‫مصالحنا من خالل إقامة جسور تعاون مع هذه األقطاب‬
‫والتكتالت الجديدة‪ ،‬مام يفرض علينا التعامل مع الكتل‬
‫والقوى التي تأمن لنا مصالح أكرث مام سيتيح لنا إمكانيات‬
‫اكرب يف التفاوض ويف املناورة وبالتايل دفع هذه الدول وهذه‬
‫القوى لالنحياز إىل الرشعية الدولية عىل الرغم من تحفظنا‬
‫عىل جزء كبري من قرارتها (إال أننا اليوم يف وضع هو دون ما‬
‫حددته الرشعية الدولية) وبالتايل الضغط عىل الواليات املتحدة‬
‫األمريكية من أجل سحب هذه املبادرات ومراجعة سياساتها‬
‫املتعارضة مع أسس «الرشعية الدولية» والثابت أن «يوم‬
‫األرض» سيبقى تعبريا عىل إرصار الشعب الفلسطيني والشعب‬
‫العريب عىل امليض قدما وتقديم قوافل الشهداء من أجل حرية‬
‫هذه األرض وكرامة االنسان العريب الذي سيبقى الحارس األمني‬
‫ألرضه وكرامته‪.‬‬

‫وهنا أعترب أن قانون تجريم التطبيع هو رضورة ألنه يف املبدأ‬
‫العام يف الدستور والقوانني لكل الشعوب فإن التعامل مع‬
‫العدو فهو يعترب خيانة ‪ ،‬وهو ما تضمنته كل املجالت الجزائية‬
‫يف كل الدول‪،‬بأن عقوبة هذا الفعل هي العقوبة القصوى‪.‬‬
‫ونحن ال نجد أن التعامل مع حركة صهيونية معادية لإلنسان‬
‫ونحن نجد أن االمم املتحدة يف قراراتها قد صنفت الصهيونية‬
‫بالعنرصية (بالعودة إىل قرار الجمعية العامة لألمم املتحدة‬
‫‪ ،3379‬الذي اعتمد يف ‪ 10‬نوفمرب‪ 1975‬بتصويت ‪ 72‬دولة‬
‫بنعم مقابل ‪ 35‬بال (وامتناع ‪ 32‬عض ًوا عن التصويت)‪ ،‬يحدد‬
‫القرار «أن الصهيونية هي شكل من أشكال العنرصية والتمييز‬
‫العنرصي») وهو مكسب مل يكن ليتحقق لوال املقاومة مبختلف‬
‫أشكالها‪ ،‬وقد أصبح هذا القرار اليوم دون معنى أمام هذه‬
‫الهجمة الرشسة وأمام عملية االحتواء التي قام بها العدو ووقع‬
‫فيها تبسيط هذا القرار وتتفيهه ثم تغييبه‪ ،‬ولذلك فنحن يف‬
‫أمس الحاجة اليوم إلعادة تحيني مثل هذه القرارات وتثبيتها من‬
‫خالل تسليح الفكر اإلنساين والعريب بشكل عام والقرار الوطني‬
‫بشكل خاص بهذه الضوابط والثوابت‪.‬‬
‫رغم خطورة الموقف في فلسطين ال نجد للتضامن‬
‫العربي الذي ذكرته إال مساحات صغيرة ال تؤ ّثر على‬
‫الدول من أجل التحرّك وال تقلق القوى الدولية الكبرى‬
‫والكيان المحت ّل خاصة بعد أحداث الربيع العربي التي‬
‫ما زلت تلقي بضاللها على المنطقة وتحدث فيها‬
‫تغييرات عميقة؟‬
‫من نافلة القول الحديث عن التغيريات العميقة التي حدثت يف‬
‫الوطن العريب يف العرشية األخرية‪ ،‬ومن الحكمة مبكان أن نسلط‬
‫الضوء عىل هذه االحداث التي كان لها عالقة مبارشة بالتدهور‬
‫الغري مسبوق يف التعاطي مع القضايا العامة بشكل عام والقضية‬
‫الفلسطينية بشكل خاص‪ ،‬ألن ما اصطلح عىل تسميته بالربيع‬
‫العريب والذي كان يف جزء منه حراكا شعبيا يف العديد من األقطار‬
‫رسعان ما وظف ووقع تحريف وجهته االصيلة كنضال مرشوع‬
‫للشعوب من أجل التحرر ومن أجل بناء الدولة الدميقراطية‬
‫املدنية وترسيخ قيم املواطنة‪ ،‬إىل أن يوظف من طرف قوى‬
‫استعامرية وقوى ال تريد الخري لشعوب هذه املنطقة يف عمليات‬
‫اقتتال داخيل ورسعان ما وقع استخدام االجهزة االستخباراتية‬
‫لجامعات تكفريية ظالمية ال تؤمن حتى بحق االنسان يف الحياة‬
‫فام بالك بقضية الدميقراطية التي يعتربونها بدعة وضاللة‪ ،‬ومن‬
‫مثة فان املؤامرة عىل جسد هذه األمة وعىل مستقبل هذه‬
‫األمة شهدت استخدام كل األسلحة التقليدية واملبارشة يف عالقة‬
‫بالحروب والنزاعات املسلحة أو استخدام األسلحة الجديدة‬
‫ضمن اسرتاتيجية صيغت منذ أكرث من ثالثة عقود يف عالقة‬
‫اخرتاق وتوجيه العقل العريب مبسلامت ترضب يف الصميم وحدة‬
‫نسيجه االجتامعي وترضب ثوابته الوطنية والقومية واإلنسانية‬
‫األمر الذي ما أفرزته تطورات األوضاع يف العرشية األخرية‪.‬‬
‫ولهذا فنحن نجد اليوم أقطار مواجهة حقيقية سقطت يف هذه‬
‫املؤامرة فنحن حينام نتحدث عن حرب داخلية بالوكالة تستنزف‬
‫فيها قدرات شعب بأرسه ودولة كاملة وهي سوريا حيث سقط‬
‫منذ تسعة سنوات أكرث من نصف مليون قتيل من الشعب والجيش‬
‫السوريني ومن املرتزقة املأجورين من قبل الصهيونية واالستعامر‪.‬‬
‫هذا النزيف شمل العراق الذي يرزح منذ أكرث من ثالثني سنة‬
‫تحت وطأة هذه املؤامرة ومازال الجرح مل يندمل‪ ،‬بل إين أقول‬
‫أن العراق الذي كانت منوذجا مرشقا للتعايش والتنوع الثقايف‬
‫والعرقي والطائفي أصبح هذا التنوع بفعل اسرتاتيجية الفنت‬
‫واذكاء النعرات االثنية والطائفية والعرقية وشحنها مهددا يف‬
‫وحدته ومتاسكه وماليني العراقيني الذين سقطوا ضحية هذه‬
‫املؤامرة وقس عىل ذلك يف اليمن وليبيا التي مازالت تعاين‬
‫الخميس ‪ 26‬مارس ‪ - 2020‬العدد ‪22‬‬

‫‪11‬‬

‫اجلنا المؤتمر‬
‫الوطني التصدي‬
‫للتطبيع إلى‬
‫مابعد اجتياز‬
‫جائحة الكورونا‬
‫األمرين من تفكك الدولة وحالة الحرب بني الليبيني والتدخالت‬
‫األجنبية لوضع اليد عىل ثروات الشعب الليبي‪.‬‬
‫فكل هذه األوضاع تجعل من الحديث عىل القضية الفلسطينية‬
‫يف حاجة إىل إعادة صياغة رؤية جديدة من قبل املثقفني العرب‬
‫يف عالقة باملرشوع التحرري الوطني والقومي مبسلامت جديدة‬
‫وأطر وتصورات تواكب هذه املتغريات وتكون متالمئة مع الواقع‬
‫ومستجيبة النتظارات وأحالم شعوبنا‪.‬‬
‫ومن مثة فإننا يف االتحاد العام التونيس للشغل ندرك أن كل‬

‫مايحدث يف األقطار املنهكة بالنزاعات واالقتتال الداخيل وخطر‬
‫التقسيم أو يف غريها من الدول العربية التي هي أحسن حاال‬
‫ولكنها مرتهنة باالستعامر الجديد حيث ارتبطت يف سياساتها‬
‫ارتبطا وثيقا بالصناديق املالية الدولية التي فككت قدرة الشعوب‬
‫عىل تأمني أمنها الغذايئ وتأمني قوت مجتمعاتها وأصبحت‬
‫تحت رحمة القروض واملنح‪ ،‬فإننا ندرك أن الحديث عن القضية‬
‫الفلسطينية قد يبدو نوعا من الهروب من الواقع ومن مشكالته‬
‫ولكنه بالنسبة اىل قادة الرأي وصناع القرار يجب أن نأخذ هذه‬
‫املتغريات بعني االعتبار ودون أن تكون حائال أو مربرا للتنصل‬
‫من االلتزامات األخالقية والسياسية واعتبار القضية الفلسطينية‬
‫ليست فقط قضية تعاطف واسناد مجرد لشعب يسعى‬
‫اىل التحرر من االستعامر املبارش‪ ،‬بل يجب أن تكون القضية‬
‫الفلسطينية حارضة يف ذهن املواطن العريب وصناع القرار العرب‬
‫كقضية أمن قومي‪ ،‬ألنه يجب أن ال ننىس بأن هذا املرشوع‬
‫الصهيوين االمربيايل ال يستهدف رقعة جغرافية محددة فقط‪،‬‬
‫وهي أرض فلسطني التاريخية‪ ،‬وإمنا يستهدف املنطقة ككل‬
‫من خالل تفتيتها ووضع اليد عليها لتمرير سياساته االحتاللية‬
‫واطامعه التوسعية واالستفراد مبقدراتها وحتى يف حالة التفكك‬
‫والوهن التي نعيشها يجب أن ال تغيب هذه القضية ألن كل ما‬
‫نعيشه ليس مبعزل عن هذا املرشوع الذي انتصب بقوة السالح‬
‫منذ سنة ‪.1948‬‬
‫كيف يمكن استعمال القانون الدولي واآلليات الدولية‬
‫لبناء خطة نضالية قادرة على صدّ الخيارات األمريكية‬

‫كيف يمكن لالتحاد العام التونسي للشغل أن يدفع‬
‫الحركة النقابية العالمية لمزيد االلتزام بدورها تجاه‬
‫القضية الفلسطينية؟‬
‫إن االتحاد العام التونيس للشغل مل يتوقف مطلقا يف نضاله‬
‫والتزامه بالدفاع عن القضية الفلسطينية إقليميا ووطنيا ودوليا‬
‫والوقائع التاريخية تقيم الدليل عىل هذا االلتزام املبديئ يف كل‬
‫املناسبات التي يتواجد فيها االتحاد وإين أستحظر للزعيم النقايب‬
‫الراحل الحبيب عاشور إثر الغزو الصهيوين سنة ‪ 1982‬حني كان‬
‫نائبا لرئيس منظمة النقابات العاملية الحرة التي تظم آنذاك أكرث‬
‫من ‪ 220‬مليون منخرط والتي رفضت إصدار بيان تنديد بهذا‬
‫الغزو ليجمد الزعيم الحبيب عاشور عضوية االتحاد يف هذه‬
‫النقابات ومل تستأنف عضوية االتحاد فيها إال بعد أن راجعت‬
‫موقفها وأصدرت بيانات مساندة للثورة الفلسطينية ومنددة‬
‫باالحتالل ومل تتوقف مثل هذه املواقف املبدئية من االتحاد بل‬
‫استمرت يف كل املحطات وجعلت يف كل أوراق وأنشطة االتحاد‬
‫الدويل للنقابات الئحة أو ورشة تهتم بالقضية الفلسطينية‬
‫وأذكر بأننا قد نجحنا خالل املؤمتر األخري املنعقد يف كوبنهاغن‬
‫سنة ‪ 2018‬يف املساهمة يف فوز ممثل عن النقابات الفلسطينية‬
‫بعضوية الهيئة املديرة لالتحاد الدويل للنقابات وهو أمر مل يكن‬
‫ليتحقق لوال دعم االتحاد مبعية نقابات أخرى عربية وغري عربية‬
‫مؤمنة بالقضية الفلسطينية‪.‬‬
‫كام أذكر أنه يف ‪ 2018‬عندما أعلن الرئيس األمرييك «ترامب»‬
‫عن قراره بنقل السفارة األمريكية إىل القدس واعتبارها العاصمة‬
‫األبدية للكيان الصهيوين فإننا باإلضافة البيانات واملسريات التي‬
‫خرجت آنذاك فقد قمنا يف ‪ 20‬جانفي ‪( 2019‬ذكرى تأسيس‬

‫∑‬

‫االتحاد العام التونيس للشغل) مبؤمتر دويل ملساندة القضية‬
‫الفلسطينية وحرضته أكرث من خمسني نقابة عربية ودولية‬
‫وصدر فيه بيان تونس الرافض لهذا القرار األمرييك التعسفي‬
‫الذي يرضب حق الشعب الفلسطيني ويرضب الرشعية الدولية‪.‬‬
‫ودعني أذكر مبواقف الزعيم الراحل يارس عرفات «أبو عامر»الذي‬
‫كان يعترب االتحاد العام التونيس للشغل والزعيم الحبيب عاشور‬
‫جزءا من الخارجية الفلسطينية والصوت الحر املدافع عن الثورة‬
‫الفلسطينية وهي شهادة نعتز بها ولكنها تحملنا مسؤولية كبرية‬
‫وأمانة تاريخية‪.‬‬
‫كام أذكر أن االتحاد العام التونيس للشغل‪ ،‬وإثر نيله لجائزة‬
‫نوبل للسالم‪ ،‬وعند مشاركتنا يف كل امللتقيات واملنتديات مل‬
‫ندخر أي جهد للفت نظر الرأي العام الدويل إىل معاناة الشعب‬
‫الفلسطيني وإىل جرائم دولة االحتالل وانتهاكها للحقوق الوطنية‬
‫املرشوعة للفلسطينيني وفقا ملواثيق األمم املتحدة وللمواثيق‬
‫الدولية لحقوق االنسان‪.‬‬
‫وإن صوت املكتب التنفيذي الحايل لالتحاد وعىل رأسه األمني‬
‫العام األخ نور الدين الطبويب كان عاليا يف عالقة بالقضية‬
‫الفلسطينية وأذكر حضور األخ األمني العام يف مؤمتر النقابات‬
‫بالرنويج يف ‪ ،2018‬حيث ألقى كلمة مع األمني العام التحاد‬
‫نقابات عامل فلسطني يف افتتاح هذا املؤمتر‪ ،‬لتصدر عن مؤمتر‬
‫النقابات الرنويجية قرار تاريخي مبقاطعة الكيان الصهيوين‬
‫سياسيا ونقابيا واقتصاديا وهو يندرج يف إطار نضالنا وإمياننا‬
‫بأن الدفاع عن القضية الفلسطينية هو من صميم الدفاع عن‬
‫قضايانا الوطنية واملحلية انطالقا من قناعة ال يرتق إليها شك‬
‫بأن القضية الفلسطينية ال ميكن أن تعترب إال قضية أمن قومي‬
‫تونيس وهو األصل يف هذه املسألة‪ ،‬كام أن االتحاد عىل استعداد‬
‫ألن يعطي من حجم العمل والنضال ما هو كاف لرتجيح كفة‬
‫الحق والخري والسالم الحقيقي الذي تعود به كل أرايض فلسطني‬
‫إىل أهلها‪.‬‬
‫وتجدر اإلشارة أنه بعد مترير صفقة القرن األمريكية سيعمل‬

‫الجريدة المدنية‬

‫االتحاد العام التونيس للشغل‪ ،‬من خالل مشاركته يف كل‬
‫أنشطة وملتقيات االتحاد الدويل للنقابات‪ ،‬عىل اقناع رشكاءنا‬
‫يف االتحاد الدويل برضورة بناء اسرتاتيجية وخطة عمل إلسقاط‬
‫هذه الصفقة وانا عىل ثقة بأن معظم النقابات الدولية أصبحت‬
‫تدرك رشعية ومرشوعية هذا الحق الفلسطيني وخطورة هذه‬
‫املؤامرة األمريكية التي هي جزء من سياسات قدمية متارس‬
‫بأدوات جديدة وتعرب عن بشاعة املوقف األمرييك تجاه القضية‬
‫الفلسطينية‪.‬‬
‫تعيش بالدنا والعالم اآلن على وقع جائحة (حسب‬
‫تصنيف منظمة الصحة العالمية) وهي «فيروس‬
‫كورونا» وفلسطين المحتلة التي تعتبر منطقة‬
‫منكوبة مثلها مثل العديد من الدول إضافة إلى‬
‫أنها ترزح تحت االحتالل ويمكن أن تتضرر أكثر بعدد‬
‫اإلصابات التي حدثت داخل الكيان المحتل فهل حياة‬
‫الشعب الفلسطيني أيضا مرتهنة بحياة محتله؟‬
‫نحن أمام هذه الجائحة ال منلك إال أن نترضع إىل الله أن يحمي‬
‫االنسان من مخلفاتها ومآسيها ومن آثارها املدمرة عىل حياته‬
‫واستقراره وهي تحتاج منا جميعا أن نكون أكرث تضامنا وحذرا‬
‫كام نطالب أن تكون املنظامت االنسانية والدول األكرث قدرة‬
‫عىل التعاطي مع هذه الجائحة أكرث انصافا مع الدول الضعيفة‪،‬‬
‫التي من بينها فلسطني املحتلة والتي ال متتلك إمكانيات مواجهة‬
‫هذه الكارثة‪ ،‬كام يجب أن نتعاطى مع هذا الفريوس بأكرث قدر‬
‫من الرصامة من خالل االلتزام بتعليامت األجهزة واملنظامت‬
‫الطبية وأن ال نتعاطى معها باستخفاف فتكون عواقبه وخيمة‬
‫ومدمرة عىل كل الشعوب وبالتايل فنحن نسال الله أن يحمي‬
‫تونس وكل الشعوب من هذه اآلفة التي باتت تهدد االنسانية يف‬
‫حياتها ويف سالمتها وأن يحمي شعبنا يف فلسطني من مخاطرها‬
‫وآثارها‪.‬‬
‫الخميس ‪ 26‬مارس ‪ - 2020‬العدد ‪22‬‬

‫الجريدة المدنية‬

‫‪12‬‬

‫‪13‬‬

‫∑‬

‫في ذكرى يوم األرض ‪:‬‬

‫كلنا فلسطينيون‬

‫االف التونسيني ساهموا يف نحت تاريخ املقاومة الفلسطينية‬
‫عىل مدى عقود من الزمن مثلت القضية‬
‫الفلسطينية للتونسيني قضية ذاتية‬
‫ارتبطت بفكر وعاطفة التونسيني كام‬
‫قدمت تونس يف كل املحطات النضالية‬
‫ومحطات املقاومة ضد االستعامر الصهيوين‬
‫االف املتطوعني واملقاتلني ومئات الشهداء‬
‫منذ النكبة اىل االن ‪.‬‬
‫تونسيون يف النواتات األوىل للمقاومة‬
‫الفلسطينية‬
‫محمد سفينة‬
‫رغم البعد الجغرايف بني البلدين بدأ‬
‫االرتباط التونيس بالقضية الفلسطينية منذ ما‬
‫قبل نكبة عام ‪ ،1948‬حيث تشكّل الوعي التونيس حول القضية‬
‫الفلسطينية منذ فرتة العرشينيات‪.‬‬
‫أما وقد كانت الجغرفيا حاجزا للتواصل املبارش بني تونس وفلسطني‪،‬‬
‫فقد كانت أوىل خطوات املقاومة التونسية يف مواجهة املد الصهيوين‬
‫يف فلسطني هي التربع لصالح املقاومة فقد وصلت بعض التربعات‬
‫من الشعب التونيس إىل فلسطني‪ ،‬بعد نداء االستغاثة الذي وجهه‬
‫املفتي “أمني الحسيني” بعد ثورة الرباق ‪ ،1929‬لنجدة املقاومني‪،‬‬
‫كام كانت حصيلة الحملة الثانية لجمع التربعات حتى أواخر‬
‫ديسمرب ‪ 1936‬ما مجموعه ‪ 90‬ألف فرنك فرنيس‪.‬‬
‫وعىل الرغم من عدم العلم بالعدد الحقيقي للذين استطاعوا اجتياز‬
‫الحدود املرصية‪ ،‬فقد قارب عدد املتطوعني الذين حاولوا الدخول‬
‫إىل فلسطني حوايل ‪ 3‬آالف تونيس‪ ،‬وبعضهم تم احتجازه أثناء‬
‫محاولتهم العبور‪ ،‬أما من استطاع الدخول إىل فلسطني فقد حارب‬
‫يف صف املتطوعني السوريني أو ضمن متطوعي مرص أو لبنان‪ ،‬أو‬
‫انضم إىل الفصائل الفلسطينية املسلحة‪ .‬وكان املتطوعون من تونس‬
‫العاصمة تليها صفاقس ثم سوسة والساحل وقابس‪ .‬كام كان معظم‬
‫هؤالء الحرفيني‪ ،‬والعماّ ل والفالحني الفقراء‪ ،‬والعاطلني عن العمل‪،‬‬
‫ومن طلبة جامعة الزيتونة‪.‬‬
‫وكان املتطوعون التّونس ّيون الذين يجتازون الحدود التونسية اللّيبية‬
‫ينقلون عرب شاحنات إىل مدينة بنغازي‪ ،‬ويقوم قنصل مرص ببنغازي‬
‫بتحويل املتط ّوعني إىل مدينة مرىس مطروح عىل مقربة من الحدود‬
‫املرصية الليبية‪ ،‬وبعد خضوعهم لفحوصات طبية دقيقة وتسليمهم‬
‫تصاريح لدخول الرتاب املرصي‪ ،‬وعند بلوغهم ثكنة مرىس مطروح‪،‬‬
‫يقسمون إىل كتائب صغرية‪ ،‬ويرشع‬
‫يجري إعطاؤهم زيًا عسكريًا‪ ،‬ثم ّ‬

‫الخميس ‪ 26‬مارس ‪ - 2020‬العدد ‪22‬‬

‫كام استشهد عمر قطاط إثر عملية بطولية بجنوب لبنان‬
‫حني كان بصدد إيصال اإلمداد واملؤونة للمبعدين من‬
‫فلسطني يف مرج الزهور بالجنوب اللبناين للمساهمة‬
‫يف دعم وتعزيز صمودهم يف مواجهة العدو الصهيوين‪.‬‬
‫يف جويلية ‪ 1993‬قدم البطل فيصل الحشاييش نفسه شهيدا إثر‬
‫مشاركته يف عملية فدائية ضد دورية صهيونية جنوب لبنان عىل‬
‫مشارف فلسطني‪.‬‬
‫سامي بن الطاهر الحاج عيل اسم آخر يضاف إىل القافلة فبتاريخ ‪11‬‬
‫جانفي ‪ 1995‬أقام البطل صحبة رفاقه كمينا لقافلة صهيونية عىل‬
‫الطريق الواقعة بني بلدة الطيبة اللبنانية ومستوطنة مسكافعام يف‬
‫فلسطني املحتلة واستشهد هناك‪.‬‬
‫كامل السعودي البدري و بليغ أنور اللجمي استشهدا يف‪ 1996‬اثر‬
‫عملية جريئة يف منطقة الرسيرة بالجنوب اللبناين عىل مشارف‬
‫فلسطني وقد كانا ضمن مجموعة الشهيد يحيى عياش أحد‬
‫التشكيالت العسكرية املقاتلة للجبهة الشعبية القيادة العامة‪.‬‬

‫يف تدريبهم عىل استعامل الرشاشات والبنادق ورمي القنابل‪ ،‬فضلاً‬
‫عن التمرينات الرياض ّية املكثفة‪ ،‬كام يحصل املتطوعون عىل تربية‬
‫سياسية واجتامع ّية ودين ّية‪.‬‬
‫وقد وصلت املجموعة األوىل من املتطوعني إىل مدن بيت لحم ويافا‬
‫والقدس واشتبكوا مع الصهاينة‪ ،‬واستشهد منهم ‪ 11‬تونسيًا‪ ،‬منهم‬
‫عبد الحميد الحاج سعيد وبلقاسم عبد القادر ومحمد التونيس‬
‫وثالثتهم استشهدوا جنوب القدس‪ ،‬والشهيد عيل بن صالح التونيس‪،‬‬
‫الذي استشهد يف مدينة يافا عام ‪.1948‬‬
‫تطور عدد ودور التونسيني يف املقاومة الفلسطينية بعد حرب ‪67‬‬
‫بعد حرب ‪ 67‬تزايد الوعي بقضية فلسطني خاصة مع تعدد الفصائل‬
‫الفلسطينية املقاتلة وخاصة منها اليسارية والتي كانت قبلة لعديد‬
‫الشبان التونسيني سواء داخل األرايض الفلسطينية أو خارجها حيث‬
‫بلغ عدد املتطوعني سنة ‪ 1967‬حوايل ‪1825‬ليتطور هذا العدد يف‬
‫فرتة السبعينيات و ليسقط منهم الكثري شهداء يف عمليات مقاومة‬
‫موجعة لالحتالل اإلرسائييل‪.‬‬
‫يف شهر جويلية من سنة ‪ 2008‬استقبلت تونس ‪ 8‬رفات لشهداء‬
‫ممن شملتهم عملية التبادل بني الكيان الصهيوين وحزب الله اللبناين‬
‫والشهداء هم ميلود بن ناجح والذي استشهد يف ‪ 27‬من نوفمرب‬
‫‪ 1987‬خالل عملية الطائرات الرشاعية التي نفذتها القيادة العامة‬
‫للجبهة الشعبية لتحرير فلسطني وعمران الكيالين املقدمي الذي‬
‫استشهد يف ‪ 26‬من أفريل ‪ 1988‬يف عملية ر ًدا عىل اغتيال أبو جهاد‬
‫يف تونس الشهر ذاته‪ ،‬وشملت العملية أيضً ا جثامني كل من خالد‬
‫بن صالح الجاليص وفيصل الحشاييش وسامي بن الطاهر الحاج عيل‬
‫ورياض بن الهاشمي بن جامعة وكامل بن السعودي بدري والطالب‬
‫بليغ بن محمد أنور اللجمي‪.‬‬
‫ومل يتوقف عداد الشهداء التونسيني الذين أهدوا أعامرهم لقضيتهم‬
‫األم ففي ديسمرب من عام ‪ 1988‬قام خالد بن صالح الجاليص بعملية‬
‫بطولية مبنطقة املنارة بالجليل األعىل شامل فلسطني مقدما نفسه‬
‫شهيدا تونسيا جديدا ثم كتب اسم آخر عىل القامئة وهو مقداد‬
‫الخليفي يف نوفمرب ‪ 1990‬حني نفذ عملية جهادية صحبة رفاقه ضد‬
‫دورية صهيونية يف مزارع شبعا لرتتقي بذلك روحه إىل خالقه شهيدة‬
‫عىل ظلم الكيان الصهيوين‪.‬‬

‫تجارب تونسيين في المقاومة الفلسطينية‬
‫الناشط السيايس عمر املاجري من الذين كانت لهم تجربة االنخراط‬
‫يف املقاومة الفلسطينة وعن تجربته يقول إن الرجة أحدثتها هزمية‬
‫‪5‬جوان ‪1967‬أسست لبداية وعي جديد بأبعاد القضية الفلسطينية‪.‬‬
‫يوم ‪ 9‬جوان من العام ‪1967‬غادرت الثكنة التي أوقفت فيها مع‬
‫عدد كبري من املواطنني منذ مساء ‪ 5‬جوان يف املظاهرات التي‬
‫شهدتها العاصمة‪ .‬و نتج عن ذلك اإليقاف حرماين من اجتياز‬
‫امتحان الجزء األول من شهادة الباكالوريا و طردي من كافة معاهد‬
‫تونس و أحوازها‪ .‬السنوات األربع التي تلت تلك األحداث قضيتها‬
‫يف البحث عن أسباب تلك الهزمية املدوية و حصلت فيها عىل‬
‫شهادة الباكالوريا وعىل جواز سفر بعد عامني من االنتظار قررت‬
‫يف نهايتها السفر للدراسة الجامعية ببغداد‪ .‬قبل انتقايل إىل بغداد‬
‫كانت املنطقة قد شهدت حدثني هامني ‪:‬تصفية الوجود الفلسطيني‬
‫باألردن و وفاة جامل عبد النارص و بداية صعود اليمني إىل الحكم‬
‫يف مرص‪ .‬كانت بغداد عندما وصلت إليها يف خريف ‪ 1971‬تحتضن‬
‫أطيافا واسعة من التنظيامت اليسارية والوطنية وخصوصا منها‬
‫الفلسطينية والخليجية واملنظامت الطالبية ‪.‬كام كانت أرصفتها‬
‫ومكتباتها تزخر بالكتب من مختلف األفكار وبأسعار زهيدة‪.‬‬
‫كنت عند حلويل ببغداد أعيش مخاض االنتقال من الفكر القومي‬
‫بنسختيه النارصية والبعثية عندما أتيحت يل فرصة حضور اجتامع‬
‫شعبي بإحدى ضواحي ببغداد لجورج حبش األمني العام للجبهة‬
‫الشعبية لتحرير فلسطني وتواصل ذلك اللقاء مع الجبهة إىل حدود‬
‫‪ 1974‬بعد أن تعزز بتبني خط الرفض ملرشوع التسوية\التصفية‬
‫الذي برز بعد حرب أكتوبر‪ .1973‬الجبهة دربتنا عىل السالح وجورج‬
‫حبش غرس يف أذهاننا أن السالح العريب ال ميكن أن يوجه إال للعدو‬
‫الصهيوين‪ .‬شهد عام ‪ 1974‬تبني املجلس الوطني الفلسطيني ما‬
‫أطلق عليه برنامج النقاط العرش والذي يقر بناء سلطة وطنية‬
‫فلسطينية عىل جزء يقع تحريره من األرض الفلسطينية‪ .‬و قد شكل‬
‫ذلك الربنامج منذ ذلك الوقت الثغرة التي أحدثها اليمني املهيمن‬
‫عىل منظمة التحرير يف جبهة املواجهة مع العدو الصهيوين ودشن‬
‫مسار تصفية القضية وأحدث رشخا أعاد تقسيم منظامت املقاومة‬
‫مبا فيها تلك املنتمية إىل جبهة الرفض‪ .‬ويف خضم الحوارات التي‬
‫تشق الصف الفلسطيني والعريب انتقلت إىل باريس بعد إمتام‬
‫الدراسة ببغداد خريف‪ 1975‬وتزامن ذلك مع بداية عالقة مع‬
‫بروز خط اليسار داخل حركة فتح الرافض لخط القيادة وكان أبرز‬
‫رموزه ناجي علوش ومنري شفيق وحنا مقبل و ينسق نشاطه بساحة‬
‫فرنسا الشهيد محمود صالح‪ ..‬وقد مثلت تلك العالقة نقلة نوعية يف‬
‫عالقتي بالقضية الفلسطينية تبني رؤية جديدة تضع قضية تحرير‬
‫فلسطني يف صدارة موضوعات املرشوع القومي الدميقراطي العريب‬
‫بتأسيس حركة التحرير الشعبية العربية‪ .‬يف عام ‪ 1978‬حدث الصدام‬

‫الجريدة المدنية‬

‫األول بيننا و بني قيادة منظمة التحرير عندما‬
‫انتقلنا إىل بريوت ملواجهة االجتياح الصهيوين‪،‬‬
‫إذ واجهتنا تلك القيادة بالسالح واالعتقال بعد‬
‫أن رفضنا وقف إطالق النار ووقع ترحيلنا اىل‬
‫الساحات التي قدم منها رفاقنا‪ .‬وحدث التصادم‬
‫الثاين عام ‪ 1982‬بعد ترحيل القيادة الفلسطينية‬
‫إىل تونس إذ اعتقلنا وحوكمنا‪ .‬متوقعت شخصيا‬
‫منذ انطالق مسار التسوية\التصفية مدركا منذ‬
‫البداية خطر ذلك عىل النضال العريب من أجل‬
‫التحرر والوحدة ‪ .‬وأثبتت الوقائع منذ انطالق‬
‫خط التصفية أن فلسطني متثل جدار الصد األول‬
‫الذي يحمي األمة و يحصنها من االخرتاقات‬
‫كام الوقائع التي حدثت عىل األرض أن الرصاع‬
‫مع املرشوع الصهيوين مهمة موكولة لكل‬
‫الدميقراطيني والوطنيني يف مختلف الساحات‬
‫العربية ألن ذلك الرصاع هو رصاع اسرتاتيجي‬
‫وحضاري يتطلب رفع كلفة املرشوع الصهيوين‬
‫عىل القوى التي تدعمه‪.‬‬
‫حسني الهاممي من نفس جيل املناضل عمر‬
‫املاجري يقول‪ ،‬التحقت بالجبهة الشعبية لتحرير‬
‫فلسطني سنة ‪ 1977‬صحبة الراحل عبد الحفيظ‬
‫املختومي ويف أفريل ‪ 1978‬اثر اجتياح جنوب‬
‫لبنان سافرت من الجزائر حيث كنت ادرس هناك‬
‫إىل سوريا صحبة مجموعة من املتطوعني ودخلنا‬
‫إىل لبنان عن طريق التهريب بحكم أن العالقة‬
‫بني الجبهة الشعبية والنظام السوري آنذاك مل‬
‫تكن جيدة واثر رحلة شاقة عىل القدمني استقبلنا‬
‫أمني عام الجبهة الشعبية لتحرير فلسطني جورج‬
‫حبش وتلقينا تدريبا رسيعا ومكثفا وهو ما يسمى‬
‫بتعلم القتال يف الحرب‪ ،‬ويف الجنوب تنقلنا إىل عدة‬
‫مواقع تعرفت خاللها عىل مقاتلني تونسيني مثل‬
‫املناضل الراحل عامر الغول وكذلك مقاتلني عرب‬
‫وأجانب و ما يبقى يف الذاكرة من تلك الفرتة هو‬
‫أن تجربة املتطوعني التونسيني يف مختلف الفصائل‬
‫الفلسطينية كانت ايجابية جدا وهو ما عايشته كام‬
‫كانت فرصة للتكوين الفكري والسيايس إىل جانب‬
‫التكوين العسكري‪.‬‬

‫الوضع الفلسطيني والدولي‬
‫الراهن وخيارات المقاومة ‪:‬‬

‫مع تطورات الوضع الدويل يف عالقة بالقضية‬
‫الفلسطينية والوضع الفلسطيني الداخيل‪،‬‬
‫تتعدد اآلراء حول خيارات املقاومة ضد االحتالل‬
‫اإلرسائييل‪ ،‬حيث يقول املناضل حسني الهاممي أنه‬
‫من حيث املبدأ ما اخذ بالقوة ال يسرتجع إال بالقوة‬
‫و الكفاح املسلح هو الحل والخيار الوحيد للمقاومة‬
‫ضد االحتالل‪.‬‬

‫قبيل انتخابه رئيسا للبالد يف ‪2014‬عرب الرئيس الراحل الباجي قايد‬
‫السبيس عن فكرة مهمة بخصوص دولة االحتالل الصهيوين‪ ،‬رسعان‬
‫ما تناساها املقربون منه ومل يستفد منها أنصار القضية الفلسطينية‬
‫من أحزاب معارضة أو من مؤسسات املجتمع املدين‪ .‬الفكرة عىل‬
‫بساطتها هي أن دولة االحتالل هي اخر بؤرة متارس امليز العنرصي‪،‬‬
‫بعد سقوط نظام بريتوريا العنرصي يف جنوب افريقيا وللتذكري فان‬
‫سقوط هذا النظام أىت عىل اثر حملة مقاطعة واسعة قامت بها‬
‫العديد من املنظامت الغري الحكومية والشخصيات والدول دعام‬
‫عبد الكريم الشابي للمقاومة الشعبية سلمية كانت أو مسلحة يف وجه األبارتهايد الظامل‬
‫الذي يعمل عىل متكني أقلية من التحكم املطلق يف مقدرات البالد‬
‫من وسائل االنتاج واألرض وبالتايل اخضاع األغلبية من أصحاب‬
‫األرض اىل أردء أنواع العبودية‪ ،‬حيث ال يحق لهؤالء ال املشاركة يف صنع القرار وال تشملهم نفس‬
‫القوانني وال ترتتب عليهم نفس الحقوق والواجبات من هنا كان نضال الشعب الجنوب افريقي من‬
‫أجل املساوات يف الحقوق السياسية ومن أجل استعادة السيادة عىل مقدرات البالد من وسائل انتاج‬
‫و عىل رأسها األرض‬
‫يك ال أطيل ونحن بصدد الحديث عن يوم األرض ‪ ،‬ويف يوم األرض تحديدا نستطيع استعادة الحديث‬
‫عن وحدة املصري الفلسطيني وعن أحقية النظال وأولويته عن كل التكتيكات‪ ،‬أعتقد بأننا نخطأ بحق‬
‫الفلسطينيني كلام تعمقنا يف التفاصيل كام أننا نخطأ يف حق فلسطني اذا لجأنا اىل لزومية «نرىض مبا‬
‫يرىض به الفلسطينيون»ألنها رسعان ما تتحول اىل «نرىض مبا يرىض به فلسطينيون»بحذف األلف والالم‬
‫وبالقبول بأقرب الفلسطينيني الينا وأقلهم ازعاجا لتوجهاتنا ممثال عن الشعب الفلسطيني دون منازع‬

‫الدكتور عبد اللطيف الحنايش مختص يف التاريخ‬
‫املعارص وله عديد املؤلفات حول تاريخ القضية‬
‫الفلسطينية‪ ،‬إىل جانب كونه من املناضلني‬
‫املتطوعني يف املقاومة الفلسطينية يف فرتة ما‪ ،‬يقول‬
‫أن املقاومة الفلسطينية ال ميكن مقارنتها بأي حركة‬
‫مقاومة يف العامل بحكم اختالل موزاين القوى بني‬
‫قوى املقاومة الفلسطينية وقوى االحتالل الصهيوين‪،‬‬
‫حيث أنه ليس هناك مقاومة مستمرة‪.‬‬
‫وأضاف الحنايش انه هناك تيار مقاوم وقوي يتزعمه‬
‫مروان الربغويث وهو ما يعرف باملقاومة السلمية‬
‫املدنية‪ ،‬مبعنى محارصة الكيان الصهيوين وعدم‬
‫التطبيع معه مع تركيز مقاومة مدنية يف الداخل‬
‫والخارج وتعرية سياسات النظام الصهيوين خاصة‬
‫وان املقاومة املسلحة تم إسقاطها عىل مفهوم‬
‫اإلرهاب والخلط بينهام حيث تم استغالل املرجعية‬
‫الدينية لحركة حامس وألصقوا تهمة اإلرهاب عىل‬
‫كل فعل مقاوم‪.‬‬
‫كام أن مفهوم التحرر الوطني قد تغري بعد‬
‫اتفاقية أوسلو هذا إىل جانب أن بلدان الطوق‬
‫العريب قد أصبحت ضد املقاومة املسلحة فاملقاومة‬
‫الفلسطينية كانت دوما تفتقد إىل القاعدة اآلمنة‬
‫للثورة التي كانت خارج الحدود بعد حرب ‪ 67‬يف‬
‫لبنان واألردن حيث تم إخراجها يف فرتة الحقة‪ ،‬اآلن‬
‫الظرفية تختلف والواقع الفلسطيني وكذلك الدويل‬
‫مختلفان وعىل الشعب الفلسطيني إبداع أشكال‬
‫جديدة من النضال دون األسلحة النارية ولنا هنا‬
‫مثال « انتفاضة الحجارة « واستنباط طرق سلمية‬
‫للنضال لتأليب الرأي العام الدويل وفضح التواطؤ‬
‫العريب وخاصة التطبيع مع الكيان الصهيوين الذي‬
‫سقطت فيه عديد الدول العربية وخاصة منها دول‬
‫الخليج العريب‪.‬‬

‫نحن نقتل القضية كلام سمحنا ألنفسنا التوغل يف التفاصيل والحال أن ال عدالة يف األرض ما مل ينل‬
‫عموم الشعب الفلسطيني حقه يف تقرير املصري واستعادة السيادة التامة عىل مقدرات البالد وعىل‬
‫رأسها األرض ‪ ،‬ففي مقابل االحتالل «كلنا فلسطينيون»كام قال جيلعاد اتسمون عازف الجاز الندين‬
‫والجندي السابق يف جيش االحتالل الذي أصبح من معاديا للصهيونية وأصبحت الصهيونية معادية له‬
‫لدفاعه عن الحق الفلسطيني وتذكريه «الرجل األبيض»أن الدم الفلسطيني يف غزة أو يف حلب هو أيضا‬
‫دم «فلسطيني»يف أثينا ويف بالتيمور كلنا فلسطينيون ومعنييون بالتذكري بأن طريق الحرير بني واشنطن‬
‫وتأل أبيب هي طريق معبدة بدماء املعدمني‪ ،‬لذا وألننا كلنا فلسطينيون ومن ضمننا الشهيدة راشيل‬
‫كوري التي افتدت بروحها يف مثل هذا اليوم من عام ‪2003‬منزال لعائلة فلسطينية أمام جرافة االرهاب‬
‫الصهيونية‪ ،‬و من ضمننا نرمان فنكلشتاين األستاذ الجامعي الذي أطرد من عمله جراء مواقفه الداعمة‬
‫للقضية العادلة ومل يشفع له أن والديه كانا من الناجني من الهولوكوست‪ ،‬من ضمننا أيض الكاتب‬
‫الفرنيس املغريب جاكوب كوهني الذي تفطن اىل سخافة الطرح الصهيوين بعد أن تم نقله من املغرب اىل‬
‫األرايض املحتلة ورسعان ما انتقل اىل فرنسا مدافعا عن عدالة القضية وهو محارص من قبل ميليشيات‬
‫السايانيم كام يسميهم هو يف كتابه «ربيع السايانيم»‪ ،‬من ضمننا أخريا وليس اخرا روجري ووترز عازف‬
‫القيتار املعروف واملغني السابق ملجموعة بينك فلويد‪ ،‬من ضمننا كل هؤالء وأكرث مليارات من البرش‬
‫علينا أن نوحد أصواتهم يف الدفاع عن «فلسطينيتهم»ألنها السبيل اىل تحررهم هم أيضا من احتالل‬
‫القوى املهيمنة‪ ،‬علينا أن ال نتعبهم يف مهاتراتنا و من منا كان عىل حق أيام حرب البسوس‪ .‬كل ما‬
‫علينا القيام به هو التذكري بعدالة قضيتنا وبأننا لن نرىض بالتطبيع مع الظلم ومع امليز العنرصي ومع‬
‫الطائفية ومع دويالت القمع الدينية والالدينية‪ .‬ما يجب أن تصدح به أصواتنا كمناضلني و كمؤسسات‬
‫للمجتمع املدين هو أن مطلبنا هو العدالة لكل فلسطيني‪ ،‬وبأن لكل فلسطيني حقه يف النضال كام‬
‫يرتئي اىل غاية تحقيق العدالة‬
‫يف األخري‪ ،‬عادة ما يحرضين موقف بريين ساندرز‪ ،‬املرشح الدميقراطي يف األدوار التمهيدية لالنتخابات‬
‫الرئاسية األمريكية‪ ،‬األكرث تفهام للقضية الفلسطينية حيث ال يؤيد حل الدولة الواحدة بعرقيتني بأن‬
‫هذا سوف يؤدي اىل»زوال ارسائيل»وهو ما يرفضه طبعا‪ ،‬عىل الرغم من معاداته لصفقة دونالد ترامب‬
‫و نتانياهو‬
‫ونحن نعيش تحت وطأت الفريوس كورونا الذي أدخل الرعب يف القلوب لرسعة انتشاره نذكر أن‬
‫األرايض املحتلة سجلت ‪250‬حالة اصابة بالفريوس أغلبها للفلسطينيني (أكرث من ‪140‬حالة يف الضفة)‬
‫هذا جزء بسيط من املعادلة‪ ،‬أن تكون صاحب األرض و أن تكون أكرثية دميغرافية و أن يطلب منك‬
‫القبول بالعيش عىل أقل من ‪15‬باملائة من مساحة أرضك‪ ،‬أن ال تحىض برعاية صحية مامثلة للمحتل‬
‫وال ببنية تحتية سليمة وال سيادة لك عىل حدودك لتتالىف العدوى‪ ،‬وعليك فوق هذا أن تسمي هذا‬
‫الغيتو «دولة‬
‫الخميس ‪ 26‬مارس ‪ - 2020‬العدد ‪22‬‬

‫الجريدة المدنية‬

‫‪14‬‬

‫حول مفهوم مقاومة التطبيع‬

‫غسان بسباس‬

‫يرد مصطلح «التطبيع» يف مجاالت عدة مختلفة‬
‫تخدم سياقات متشابهة‪ :‬ففي علم االجتامع‪ ،‬يعني‬
‫«التطبيع» العمليات االجتامعية التي تتح ّول فيها‬
‫األفكار واألفعال والسلوكيات (التي قد تكون غري‬
‫مقبولة سابقاً أو مستهجنة) إىل أمر «طبيعي»‬
‫ومقبول وعادي‪ ،‬وجزء من الحياة اليومية للناس‬
‫ضمن منظومتهم القيمية‪ /‬االجتامعية‪ .‬أما يف‬
‫الدبلوماسية وعامل العالقات الدولية‪ ،‬فـ«التطبيع»‬
‫يعني عودة العالقات السياسية واالقتصادية والتجارية والثقافية وغريها بني‬
‫دولتني كانتا قبل ذلك يف حالة حرب أو عداء أو انقطاع للعالقات بينهام‪ ،‬أو‬
‫مل تتمتعا بأية عالقة كانت‪ .‬ويف العربية‪ ،‬تستعمل كلمة التطبيع أيضاً يف سياق‬
‫التعامل مع الخيل مبعنى‪ :‬الرتويض وتهيئة الحصان ليتقبّل راكبه ويطيعه‪.‬‬
‫أول دخول لهذا املصطلح يف سياق العالقة مع «إرسائيل» يف املنطقة العربية‬
‫كان إثر توقيع معاهدة «كامب ديفيد» بني نظام أنور السادات يف مرص والكيان‬
‫الصهيوين عام ‪ ،21979‬كنتيجة مبارشة للمعاهدة‪ ،‬جرى «تطبيع» العالقات‬
‫بني «البلدين» (باملعنى الدبلومايس)‪ ،‬ومحاولة استئناف العالقات االقتصادية‬
‫والسياسية والثقافية والتجارية والسياحية وغريها‪ ،‬مام أدى إىل ظهور مبارش‬
‫لحركة «مناهضة التطبيع» كر ّد فعل يف األوساط الشعب ّية‪ ،‬والثقاف ّية‪ ،‬والحزب ّية‬
‫امل ُعارضة‪ ،‬التي رفضت إقامة عالقات من أي نوع مع «إرسائيل» عىل أي مستوى‪،‬‬
‫ودانت وج ّرمت (معنويّاً) أي اتصال أو تعاون ومن أي نوع كان مع «إرسائيل»‬
‫كنظام أو مؤسسات (حكومية كانت أو «مدنيّة»)‪ ،‬أو عىل مستوى األفراد‪.‬‬
‫مع فصل مرص من جامعة الدول العربية إثر توقيع اتفاقية «كامب ديفيد»‪،‬‬
‫ومقاطعتها نسبيّاً عىل املستوى العريب‪ ،‬ظلت مقاومة التطبيع ومفرداتها‬
‫ومفاهيمها محصورة يف القطر املرص ّي ومل تتجاوزه عىل نحو مؤثر إىل غريه من‬
‫األقطار العربية النحسار املامرسات التطبيعية داخل مرص يف حينه‪.‬‬
‫لكن منذ بداية التسعينات‪ 3‬ومع خروج العالقات التي جمعت النظام‬
‫الرسمي العريب باملؤسسات الصهيونية من ضبابية الرسية إىل وضوح العلن‪،‬‬
‫وتح ّول «إرسائيل» عىل الصعيد الرسمي العريب إىل «رشيك» أو «صديق» يف‬
‫أسوأ األحوال‪ ،‬مبا يف ذلك افتتاح متثيليات دبلوماسية أو تجارية لها يف كثري‬
‫من العواصم العربية‪ ،‬واملجاهرة بإقامة عالقات تجارية أو سياسية أو ثقافية‬
‫أو غريها يف أخرى‪ ،‬أو إىل دولة معرتف بها عىل حدود األرايض املحتلة قبل‬
‫عام ‪ 1967‬مع عدم التح ّرك الستعادة األرايض املحتلّة األخرى ضمن هذا‬
‫املنطق (الضفة الغربية‪ ،‬غزة‪ ،‬شبعا‪ ،‬الجوالن‪ ،‬وغريها) والقبول بـاملحافظة‬
‫عىل «األمر الواقع» يف أحسنها؛ تح ّول التطبيع من املستوى الرسمي واملجال‬
‫السيايس (الذي كان مطبِّعاً يف األساس قبل كل تلك االتفاقيات واملعاهدات)‬
‫إىل قضية ع ّمت املنطقة العرب ّية كاملة بكامل مستوياتها‪ ،‬وصارت مفردات‬
‫مقاومتها جزءا ً يومياً من النضال الشعبي لفعالياتها السياسية واملدنية‪،‬‬
‫إذ صار تح ّدي التطبيع تحديّاً عاماً يطل برأسه يف كل مكان‪ :‬من القطاع‬
‫السياحي‪ ،‬ومن التجارة واملنتجات االستهالكية‪ ،‬ومن مهرجانات األفالم‬
‫واللقاءات الثقافية‪ ،‬ومن الصحافة واإلعالم‪ ،‬ومن املجال السيايس ذاته طبعاً‪.‬‬
‫ورغم هذا التاريخ الطويل لحركة مقاومة التطبيع‪ ،‬إال أن املادة النظرية‪/‬‬
‫املفاهيمية املتعلّقة بها‪ ،‬التي ميكن عىل أساسها بناء املواقف واألولويات‬
‫واإلجابة عن األسئلة‪ ،‬نادرة‪ .‬إذ يغيب الفهم العميق ملاهية املرشوع‬
‫الصهيوين نفسه‪ ،‬وبالتايل بناء تعريف مفاهيمي يرتقي بكلمة التطبيع من‬
‫خانة «الشتيمة» إىل خانة «املفهوم املعريف»‪ ،‬ويعمل عىل االنتقال مبقاومة‬
‫التطبيع من خانة «رد الفعل» االنفعالية إىل خانة «الفعل» الذي يحتكم‬
‫برشوطه ال برشوط خصمه‪ ،‬ويقدر –بنا ًء عىل ذلك‪-‬عىل التأسيس للمستقبل‪.‬‬

‫راهنية تأصيل مفهوم التطبيع‬

‫يف سياق تح ّول معظم األنظمة الرسم ّية العربية‪ 4‬إىل صيغة االنخراط املتسارع‬
‫والفع ّيل يف املرشوع الصهيوين‪ ،‬فإن الحال يستدعي تعميق تعريف التطبيع‬
‫ومقاومته‪ ،‬واالنتقال به من حالة ر ّد الفعل املرتبط مبواجهة النتائج (أي مواجهة‬
‫العالقات الناتجة عن معاهدات «السالم» ومرحلة االعرتاف الرسمي بـ«إرسائيل»‬
‫مثل العالقات السياسية واالقتصادية والتجارية والثقافية والرياضية وغريها)‪ ،‬إىل‬
‫مواجهة املسبّب ذاته‪ ،‬وهو هنا املرشوع االستعامري االستيطاين الصهيوين ودولته‪.‬‬

‫الخميس ‪ 26‬مارس ‪ - 2020‬العدد ‪22‬‬

‫‪15‬‬
‫التأسيسية للصهيونية وتحويل النظر إىل مفرزاتها فقط‪.‬‬
‫فعلينا أال ننىس أن االستعامر (الربيطاين والفرنيس) كان هو العامل األسايس‬
‫يف إنشاء الحركة الصهيونية ومن مثة «إرسائيل» ودعمها كقاعدة استعامرية‬
‫متق ّدمة له يف سياق سعي االستعامر لنهب موارد الدول املستع َمرة لصالح‬
‫اقتصادها الرأساميل‪ ،‬ولفتح أسواق جديدة ملنتجات وسلع هذا االقتصاد‪،‬‬
‫وحيث إن املنطقة العربية متتلك أهمية جيوسرتاتيجية كبرية يف ما يتعلق‬
‫بطرق التجارة العاملية الربيّة والبحريّة‪ ،‬ومتتلك احتياطيّات كربى من النفط –‬
‫عصب االقتصاد الرأساميل املعارص ‪ ،-‬فقد أُنشئت «إرسائيل» يف قلب املنطقة‬
‫العربية‪ ،‬لتكون‪ ،‬من جهة‪ ،‬قاعدة استعامرية متق ّدمة للحفاظ عىل املصالح‬
‫االستعامرية والتدخل العسكري أو السيايس املبارش من أجل ذلك‪ ،‬ولتشكل‪،‬‬
‫من جهة أخرى‪ ،‬ضامناً إلدامة تبعيّة املنطقة عرب إعاقة تح ّرر شعوبها‪ ،‬وهو‬
‫ما يؤكد أن «إرسائيل» هي دولة وظيفية مرتبطة عضوياً باالستعامر والقوى‬
‫العاملية املهيمنة يف سياقها الرأساميل‪ ،‬ولهذا مل يكن مستغرباً أن تتح ّول الحركة‬
‫الصهيونية و«إرسائيل» من الحاضنة الربيطانية (قبل وبعد الحرب العاملية‬
‫األوىل) إىل الواليات املتحدة (بعد الحرب العاملية الثانية) مع صعود هذه‬
‫األخرية كأكرب ق ّوة إمربيالية يف العامل‪ ،‬وليس مستغرباً أن الدعم العسكري‬
‫واملايل والسيايس لـ«إرسائيل» تضطلع به الواليات املتحدة األمريكية واالتحاد‬
‫األورويب عىل نحو خاص‪ ،‬ولن يكون مستغرباً إن تح ّولت «إرسائيل» يف‬
‫املستقبل إىل جزء عضوي من إمربيالية أخرى يف حال تغيرّ ميزان القوى العاملي‪.‬‬

‫منظومة التطبيع االقتصادية‪ :‬االستعمار‬
‫واالمبريالية والرأسمالية‬

‫الجوهري يف تعريف التطبيع هو‪ :‬االعرتاف برشعية‬
‫الكيان االستعامري االستيطاين الصهيوين املسمى‬
‫«إرسائيل»‪ ،‬ورشعية مرشوعه‪ ،‬ورشعية االستعامر‬
‫االستيطاين يف فلسطني‪ ،‬والتعاطي معها عىل أنها‬
‫جميعها أمر طبيعي أو مسألة تح ّتمها «الواقعية‬
‫السياسية» أو أي م ّربر آخر‪.‬‬
‫فالجوهري يف تعريف التطبيع هو‪ :‬االعرتاف برشعية الكيان االستعامري‬
‫االستيطاين الصهيوين املسمى «إرسائيل»‪ ،‬ورشعية مرشوعه‪ ،‬ورشعية االستعامر‬
‫االستيطاين يف فلسطني‪ ،‬والتعاطي معها عىل أنها جميعها أمر طبيعي أو مسألة‬
‫تحتّمها «الواقعية السياسية» أو أي م ّربر آخر‪.‬‬
‫«إرسائيل» لكونها التشكل املاد ّي لالستعامر االستيطاين الصهيوين متثّل‬
‫ظلامً ال ميكن القبول به ملج ّرد وجوده‪ ،‬حالها يف ذلك كحال املوقف‬
‫من أي نوع من أنواع الظلم كالعبوديّة واالستغالل وغريهام‪ ،‬فكيف إن‬
‫أضفنا إليها سلسلة طويلة من املذابح واالعتداءات‪ ،‬وارتباطاتها مع القوى‬
‫اإلمربيالية واالستعامر‪ ،‬وتوسعيّتها ومحاولتها الهيمنة عىل محيطها‪ ،‬بل‬
‫وأدائها دورا ً مساندا ً لألنظمة القمعية والديكتاتورية يف العامل (جنوب‬
‫أفريقيا‪ ،‬العديد من أنظمة دول أمريكا الوسطى والجنوبيّة‪ ،‬وغريها)؟‬
‫هكذا نستطيع القول إ ّن التطبيع يتمثّل مادياً مبساحة كبرية من املواقف‬
‫السياسية واملامرسات املختلفة التي تبدأ من االعرتاف (املبارش أو غري‬
‫املبارش) برشعية املرشوع االستعامري االستيطاين الصهيوين و‪ /‬أو القبول بقيام‬
‫الدولة الصهيونية عىل أي مساحة مهام كانت من أرايض املنطقة العربية‬
‫املحتلة منذ االستعامر الربيطاين‪ /‬الفرنيس؛ ومتت ّد لتشمل أية عالقات (مثل‬
‫العالقات االقتصادية أو السياسية أو الثقافية أو الرياضية أو غريها) مع هذا‬
‫الكيان أو مؤسساته أو أفراده‪ ،‬أو الرتويج له بأشكال مختلفة‪ ،‬أو الدعوة‬
‫إىل التعايش معه والقبول به كأمر واقع‪ ،‬أو أية مامرسات أخرى ترشعن‬
‫«إرسائيل» ومؤسساتها وتدخلها كمك ّون «طبيعي» ومقبول يف نسيج املنطقة‪.‬‬
‫وتكتسب األفعال املرتتّبة عىل نتائج «معاهدات السالم» أو مستحقّاتها‪« ،‬قيمة»‬
‫تطبيعية أكرب‪ ،‬مثل أخذ تأشرية دخول (فيزا) من السفارات «اإلرسائيلية»‪.5‬‬
‫بهذا املعنى‪ ،‬تتساوى مقاومة التطبيع مع مقاومة الصهيونية واملرشوع‬
‫الصهيوين‪ .‬بَ ْيد أ ّن مفهوم مقاومة التطبيع يشري أكرث إىل التح ّوالت التي نشأت يف‬
‫فرتة «السالم» والعالقات العلنيّة لألنظمة العربيّة مع «إرسائيل»‪ ،‬وانزياح هذه‬
‫العالقات عن املستوى السيايس فقط (أثناء العالقات الرسيّة) إىل كافة املستويات‬
‫األخرى‪ ،‬ويؤكد عىل الطبيعة «املجتمعيّة» واالخرتاقيّة األعمق للتطبيع‪ ،‬وعملها‬
‫عىل مستوى تزوير الوعي والذاكرة الجمع ّية والتاريخ‪ .‬وهو ما يؤكد بدوره عىل‬
‫رضورة ترابط العمل عىل هذه السياقات والعوامل الداخلية والخارجية بسبب‬

‫تشابكها العضوي‪ ،‬ويجعل من الرضوري تقديم خطاب متكامل يقدم رؤية ال‬
‫تتناقض مستوياتها املختلفة مع بعضها البعض‪ ،‬وتوضح ترابط بنية االستعامر‬
‫الخارجي مع الهيمنة الداخلية‪ ،6‬وتقدم نقدا ً شامالً إلفرازات بنية الهيمنة‬
‫هذه وأدواتها املتناقضة بكل ّيتها مع العدالة ومصالح املجموع االجتامعي‪.‬‬
‫لذلك كله فإن مفهوم «التطبيع» ومقاومته أشمل وأعمق‪ ،‬وأكرث ارتباطاً بواقعنا‬
‫املعارص‪ ،‬ويحيلنا ال عىل الصهيونية بشكلها املنفصل املج ّرد‪ ،‬بل عىل الصهيونية‬
‫واالستعامر واالمربيالية معاً‪ ،‬وارتباطهم الوثيق‪ ،‬وافرازاتهم الجغرافية والسياسية‬
‫والهوياتية والفكرية‪.‬‬

‫الصهيونية حركة عنصرية استيطانية‬
‫باألساس‬

‫تتلخّص أعمدة خطاب التأسيس والتثبيت املرش ِعن للحركة الصهيونية يف‬
‫ثالثة أمور جميعها مفربكة‪ :‬أ ّولها العمل عىل تحويل الدين اليهودي‪7‬إىل‬
‫عرقي واحد وتاريخ مشرتك‪ ،‬وثانيها ا ّدعاء التمثيل‬
‫قوم ّية ذات أصل‬
‫ّ‬
‫الحرصي لليهود واليهوديّة‪( 8‬رغم وجود جامعات يهودية متديّنة وعلامنية‬
‫ترفض الصهيونية)‪ ،‬وثالثها االستناد إىل فهم مح ّدد وحر ّيف للمقوالت‬
‫األسطورية التوراتية (التي ال أساس حقيقي لها يف الواقع) يف سياق تربير‬
‫الحق التاريخي يف االستعامر االستيطاين وإبادة السكان األصليني (وهي‬
‫باملناسبة ذات املفاهيم التوراتية التي استعملها املستعمرون البيض األوائل‬
‫يف األمريكيتني)‪ ،‬وتحويل الرواية التوراتية األسطوريّة إىل رواية تاريخية‪.9‬‬
‫الحركة الصهيونية حركة براغامت ّية‪ ،‬وال مشكلة لديها يف العمل عىل‪ ،‬وترويج‪،‬‬
‫عنارص ليست أساسية فيها‪ :‬فهي ال تجد مشكلة يف توظيف القومية من جهة‪،‬‬
‫وتوظيف الدين والخرافات الدينية من جهة أخرى‪ ،10‬وكان خيار تأسيس‬
‫مرشوعها يف الجنوب الغريب لبالد الشام واحدا ً من ع ّدة بدائل جغرافية أخرى يف‬
‫مناطق أخرى من العامل‪ ،‬مام يعني أن آباء الصهيونية املؤسسني كانوا واعني متاماً‬
‫للتزوير الذي تقوم عليه أطروحتهم‪ .‬إال أن هذه الطروحات الرباغامتية تنكشف‬
‫متاماً عند فحص تناقضات املجتمع «اإلرسائييل» الداخلية‪ :‬الرصاع الشديد بني‬
‫العلامنيني واملتديّنني‪ ،‬والتمييز السافر بني «اإلرسائيليني» البيض (األوروبيني)‬
‫واليهود املل ّونني (العرب واألفارقة)‪ ،‬ووجود مستعمرين من غري اليهود (من‬
‫الروس تحديدا ً)‪ ،‬كل هذا يدحض فكرة أن العامل املو ّحد للمجتمع «اإلرسائييل»‬
‫هو الدين اليهودي‪ ،‬ويؤكد عىل أن الرابط االستعامري االستيطاين هو األساس‪،11‬‬
‫وأن الحركة الصهيونية هي يف األساس حركة استعامر استيطاين مرتبطة عضوياً‬
‫بالبنى االستعامرية واالمربيالية والرأساملية‪ ،‬وأن هذا هو العامل األكرث أهمية‬
‫يف مواجهة مرشوعها وتفكيكه من حيث أخالقيته ورشعيته أوالً‪ ،‬وفعاليته ثانياً‪.‬‬
‫لهذا تعمل الصهيونية عىل نحو حثيث عىل تحويل مقوالتها املز ّورة إىل حقائق‬
‫«طبيعية»‪ ،‬ورصف النظر عن األساس املوضوعي للصهيونية من خالل تطبيع‬
‫النسخة املز ّورة من «الحقائق» واملفاهيم واألسس‪ ،‬مام يضمن االنتقال من‬
‫مستوى تفكيك هذه األخرية‪ ،‬إىل مستوى مناوشة النتائج املرتتّبة عليها‪ ،‬مع‬
‫النوعي الكبري بني األمرين‪ ،‬وهو ما يؤدي إىل استبباب القواعد‬
‫مالحظة الفارق‬
‫ّ‬

‫علينا أن نالحظ محاوالت الواليات املتحدة واالتحاد األورويب املستمرة لدمج‬
‫«إرسائيل» اقتصادياً يف املنطقة من خالل تعزيز وتشجيع التجارة البينية‪،‬‬
‫واتفاقيات التجارة الحرة واملدن الصناعية‪ ،‬والتصدير من خالل املوانئ االرسائيلية‪،‬‬
‫ومشاريع البنية التحتية الكربى مثل قناة البحرين وشبكات الكهرباء والغاز‬
‫وسكك الحديد وغريها‪ .‬إن محاولة «إرسائيل» التح ّول إىل املحور االقتصادي‬
‫األكرب واملحوري يف املنطقة العربية وما بعدها (ما س ّمته الواليات املتحدة‪ :‬الرشق‬
‫األوسط األوسع) من خالل إخضاع املحيط اقتصادياً وتحويله إىل مخزن للعاملة‬
‫الرخيصة (اتفاقيات التجارة الح ّرة واملدن الصناعية املؤهلة‪QIZs‬مع األردن‬
‫ومرص والسلطة الفلسطينية عىل سبيل املثال) ومنفذ استهاليك للتسويق السلعي‬
‫يشري عىل نحو مبارش إىل مسألتني‪ :‬األوىل هي مركزية املنظومة االستغاللية‪/‬‬
‫الهيمنية الرأساملية بالنسبة لـ«إرسائيل» ووضعها هي نفسها كجزء فاعل من‬
‫هذه املنظومة عىل املستوى العاملي‪ ،‬الثانية أن رؤية «إرسائيل» ملحيطها الحيوي‬
‫املبارش تتعدى حدودها امليثولوجية (من النيل إىل الفرات) إىل منطقة متتد من‬
‫املغرب عىل األطليس إىل آسيا الوسطى رشقاً‪ ،‬وهو ما يفسرّ التنافس الرشس بني‬
‫القوى اإلقليمية الثالث («إرسائيل»‪ ،‬تركيا‪ ،‬إيران) يف م ّد النفوذ يف هذه املساحة‪.‬‬
‫كل هذا يؤدي بنا إىل القول بأن مواجهة املرشوع الصهيوين والتطبيع‪ ،‬تعني‬

‫«إرسائيل» دولة وظيفية مرتبطة عضوياً باالستعامر‬
‫والقوى العاملية املهيمنة يف سياقها الرأساميل‪ ،‬ولهذا‬
‫مل يكن مستغرباً أن تتح ّول الحركة الصهيونية‬
‫و«إرسائيل» من الحاضنة الربيطانية (قبل وبعد‬
‫الحرب العاملية األوىل) إىل الواليات املتحدة (بعد‬
‫الحرب العاملية الثانية)‬

‫∑‬

‫مواجهة الرأساملية أيضاً‪ ،‬من حيث أن األوىل هي جزء ال يتجزأ من بنية الثانية‪.‬‬

‫التطبيع والتمويل األجنبي‬

‫االندماج [االقتصادي] اإلقليمي مينع النزاعات من خالل جعل «الرشكاء‬
‫التجاريني معتمدين أكرث عىل بعضهم البعض»‪ ،‬هذا ما ورد حرف ّياً يف‬
‫«اسرتاتيجية التعاون التنموي مع الرشق األوسط وشامل أفريقيا‪ ،‬أيلول ‪2010‬‬
‫– كانون األول ‪ »2015‬لوكالة التنمية الدولية السويدية (‪ )SIDA‬التابعة‬
‫لوزارة الخارجية السويدية‪ ،‬هذه االسرتاتيجية التي تركز عىل مشاريع املياه‬
‫اإلقليمية الكربى العابرة للحدود (مع «إرسائيل» طبعاً)‪ ،‬وعىل دمج «إرسائيل»‬
‫اقتصادياً يف املنطقة العربية‪ ،‬كمق ّدمة أساسية لتصفية قضية االستعامر‬
‫االستيطاين الصهيوين وتطبيع «إرسائيل» يف املنطقة العربية (بلغة وكالة‬
‫التنمية السويدية‪« :‬منع النزاعات» كام يرد أعاله)‪ ،‬وكمق ّدمة إللحاق املنطقة‬
‫متاماً بالسوق الرأساملية العاملية (بكلامت وكالة التنمية السويدية‪« :‬االندماج‬
‫[االقتصاد ّي االقليمي سيكون‪ ،‬خطوة باتجاه االندماج يف السوق العاملية»)‪.‬‬
‫الوكالة السويرسية للتنمية والتعاون (‪ )SDC‬تضع ضمن أولوياتها ملنطقة‬
‫«الرشق األوسط» تحقيق «سالم مستدام» ودعم «الوسائل السلم ّية لحل‬
‫النزاعات»‪ ،‬واإلشارات واضحة إىل «إرسائيل»‪ ،‬فمع من سيتم تحقيق «السالم»‬
‫وحلّ «النزاع» يف منطقة «الرشق األوسط» إن مل يكن األمر متعلّقاً بإرسائيل؟‬
‫جئنا بهذين املثالني من دولتني لهام تأثري سيايس قليل (السويد وسويرسا) للربهنة‬
‫عىل أنه حتى مثل هذه الدول «الصغرية» ذات التأثري القليل‪ ،‬تدفع بكامل ق ّوتها‬
‫باتجاه إدماج «إرسائيل» يف املنطقة وتطبيعها (من خالل املشاريع املشرتكة‪،‬‬
‫التعاون والتواصل عرب الحدود‪ ،‬مبادرات السالم‪ ،‬مبادرات حل النزاعات‪،‬‬
‫التعامل مع «اإلقليم» كوحدة واحدة متكاملة)‪ .‬فإذا كان هذا حال املنظّامت‬
‫التمويلية التابعة للدول «الصغرية»‪ ،‬فكيف الحال إذا مع املمولني الكبار‬
‫مثل الـ‪ USAID‬التابعة للخارجية األمريكية‪ ،‬أو االتحاد ال‬
‫الكربى مثل مؤسسة آنا ليند التي تعلن بكل وضوح أهدافها التطبيعية؟‪12‬‬
‫ال نسمع شيئاً من هذه الجهات عن االستعامر االستيطاين والتوسعية‬
‫والعدوانية والقتل والترشيد واملذابح والهيمنة‪ ،‬كل ما نسمعه منها هو عن‬
‫«السالم» و«حل النزاعات» و«التعايش» و«م ّد الجسور» و«الدمج االقتصادي»‬
‫و«مشاريع البنى التحتية املشرتكة» واملشاريع الثقافية املشرتكة‪ .‬إن هؤالء‬
‫املم ِّولني (والجهات التي تأخذ األموال منهم وتنفذ مشاريع بالتعاون معهم)‬
‫ال يوزّعون األموال هكذا دون تبعات‪ ،‬فكلّهم يعملون وفقاً السرتاتيج ّيات‬
‫مكتوبة وواضحة يف ما يتعلّق مبنطقتنا‪ ،‬وبالتايل فهم يشاركون بشكل كبري‬
‫بإعادة انتاج املنطقة ودمج «إرسائيل» فيها باملعنى البنيوي وعىل الصعد‬
‫االجتامعية واالقتصادية والثقافية‪ ،‬وتشكيل فئات مرتبطة مالياً باملم ّولني‪ ،‬مبا‬
‫يؤدي إىل إنتاج تبعية اقتصادية كربى داخل املجتمعات ال تستطيع االنفكاك‬
‫عن املم ّولني (الضفة الغربية كنموذج واضح عىل هذا األمر)‪ ،‬وبنفس الوقت‪،‬‬
‫يعمل التمويل عىل تدمري محاوالت انجاز استقاللية مالية للمشاريع املحلية ألن‬
‫التمويل – وببساطة ‪ -‬موجود من الخارج‪ ،‬وهو ما يؤدي إىل املزيد من التبعية‪.‬‬
‫التمويل األجنبي إذا ً هو جزئية داخل بنية التطبيع الكبرية بأبعادها االقتصادية‬
‫والسياسية والجيوسياسية التي رشحناها سابقاً‪ ،‬بل إنها أكرب أثرا ً ألنها تعتمد‬
‫عىل انتاج التبعية املالية املبارشة‪ ،‬وبالتايل تأبيد الهيمنة‪ ،‬ووأد محاوالت إنجاز‬
‫املشاريع بشكل مستقل‪ ،‬وتعمل عىل تطبيع «إرسائيل» من خالل مسارات‬
‫عميقة (نفسية‪ ،‬اجتامعية‪ ،‬ثقافية) تعمل عىل مستويات الوعي والخطاب‪.‬‬
‫وهكذا فإن مقاومة التمويل األجنبي هو جزء ال يتجزأ من مقاومة التطبيع‪.‬‬

‫بين مقاومة التطبيع‪ ،‬ومقاطعة «إسرائيل»‬
‫وداعميها‬

‫املقاطعة ليست اسرتاتيجية عمل‪ .‬املقاطعة آلية – قد تكون واحدة من‬

‫الجريدة المدنية‬

‫ضمن آليات أخرى كثرية ‪ -‬لتحقيق اسرتاتيجية‪ .‬االسرتاتيجية نأخذها من‬
‫مقاومة التطبيع‪ ،‬ويف حالة «إرسائيل»‪ ،‬ينبغي أن تكون االسرتاتيجية هي‬
‫إنهاء الظلم التاريخي الناتج عن املرشوع االستيطاين االستعامري الصهيوين‪،‬‬
‫أي تصفيته‪ .‬هذا يتطلب جهدا ً أممياً‪ /‬دولياً عىل صعيد القوى املناهضة‬
‫للظلم واالستعامر واالمربيالية‪ ،‬ألن مواجهة «إرسائيل» تعني وبالرضورة‬
‫مواجهة القوى الدولية الكربى املساندة لها واملرتبطة بها عضوياً (الواليات‬
‫املتحدة واالتحاد األورويب عىل نحو أسايس)‪ ،‬ومواجهة النظام االقتصادي‬
‫االستغاليل الهيمني الذي متثله (الرأساملية)‪ .‬لن تستطيع قوى محلية الطابع‬
‫هزم «إرسائيل» و َمن هم وراءها‪« .‬عوملة املقاومة» يف مواجهة املرشوع‬
‫الصهيوين هي رضورة‪ ،‬لكن الرضوري أيضاً تحديد الهدف الذي تريد تحقيقه‬
‫هذه املقاومة‪ :‬تصفية املرشوع الصهيوين‪ ،‬ال الوصول إىل تسويات معه (حل‬
‫الدولتني‪ ،‬حل الدولة الثنائية القومية‪ ،‬حل الدولة الدميقراطية العلامنية)‪.‬‬
‫حمالت املقاطعة العربية والدولية تح ّول مواجهة «إرسائيل» إىل مسؤولية‬
‫فرديّة‪ /‬اجتامع ّية من جهة‪ ،‬وعاملية من جهة أخرى‪ ،‬وهذا أمر هام جدا ً‪ ،‬لكن‬
‫إشكاليتها الكبرية هي اقتصار معظمهاعىل العمل عىل األداة (املقاطعة) دون‬
‫العمل عىل تبني اسرتاتيجية جذرية‪ ،‬وهذه نقطة ضعفها‪ .‬ولهذا فال تعارض بني‬
‫املقاطعة ومقاومة التطبيع إن تب ّنت حمالت املقاطعة مفاهيم واسرتاتيجيّات‬
‫مقاومة التطبيع املرتكزة عىل طبيعة الحركة الصهيونية االستعامرية اإلحاللية‬
‫وعالقاتها مبصالح الطبقات العربية املتمعشة من واقع التجزئة والهزمية والدول‬
‫االمربيالية‪.‬‬
‫(‪)Endnotes‬‬
‫‪ 1‬الذي ينتمي األفراد املعتقدون به ـــ مثلهم مثل املعتقدين بأية أديان أخرى أو أولئك الذين ال‬
‫يعتقدون بأي دين ‪ -‬إىل مروحة واسعة من القوميات واالثنيات والخلفيات واملرجعيات الفكرية‬
‫والسياسية والهويات ّية‪.‬‬
‫‪ 2‬وبرعاية من الواليات املتحدة األمريكية التي ُوقّعت هذه املعاهدة تحت إرشافها الكامل‪ ،‬والتي استم ّر‬
‫النظام الحاكم يف مرص يف الحفاظ عليها وعىل ما ترتّب عليها من نتائج تحت رئاسة حسني مبارك‪ ،‬ويف‬
‫حقبة محمد مريس واإلخوان املسلمني ث ّم يف حقبة سلطة السييس العسكريتارية‪.‬‬
‫‪ 3‬مع انطالق أعامل مؤمتر مدريد للسالم (‪ )1991‬الذي حرضته منظمة التحرير الفلسطينية وحكومات‬
‫دول الطوق (سوريا‪ ،‬لبنان‪ ،‬األردن) والراعيني (أمريكا واالتحاد السوفيايت) إلطالق عملية «السالم» مع‬
‫«إرسائيل» التي كانت حارضة أيضاً‪ ،‬ولتمهيد الطريق أمام توقيع معاهدة أوسلو مع منظمة التحرير‬
‫الفلسطينية (‪ )1993‬ومن ثم معاهدة وادي عربة مع النظام األردين (‪.)1994‬‬
‫‪ 4‬من أكرث مظاهرها بذاءة تهليل األنظمة الخليجية خاصة بـ»صفقة القرن» إثر اإلعالن عنها يف ‪29‬‬
‫جانفي ‪ ،2020‬عالوة عىل تقديم اإلمارات لدعم للكيان الصهيوين يف مواجهة فريوس الكورونا يف الوقت‬
‫الذي تتع ّمد سلطات االحتالل اإلرضار باألرسى ونقل العدوى إليهم وترفض اتخاذ اإلجراءات الرضورية‬
‫لحاميتهم‪.‬‬
‫‪ 5‬من هنا تتأتىّ عىل سبيل املثال خطورة التطبيع السياحي الذي تقوم به بعض وكاالت األسفار التونسية‬
‫مثل «‪ « TunisiaBayTravel‬و «‪ .»Go Makka‬فمثل هذه األفعال تعرتف بِـ وتؤكد (بشكل مبارش‬
‫وغري مبارش) عىل رشعيّة «إرسائيل» وسيادتها عىل األرايض التي استعمرتها‪ ،‬وبالتايل أحقيّتها يف إعطاء‬
‫تأشريات الدخول إىل هذه األرايض (كعمل سياد ّي)‪ ،‬وفوق ذلك ميثّل أخذ التأشرية «اإلرسائيلية»‬
‫قبوالً مبارشا ً مبعاهدات «السالم» ونتائجها‪ ،‬فلوال مثل هذه املعاهدات مل تكن السفارات واملمثل ّيات‬
‫لتوجد يف العواصم العرب ّية‪ ،‬ومل تكن «سلطة أوسلو» (املنزوعة السلطة يف الواقع) لتوجد كوكيل عن‬
‫االستعامر الصهيوين يف بعض مناطق الضفة الغربية‪ ،‬ومل يكن مواطنو الدول العربيّة ليستطيعوا أخذ‬
‫مثل هذه التأشريات والتصاريح لدخول األرايض املحتلة عامي ‪ 1948‬و‪ 1967‬من األساس (باستثناء بعض‬
‫الفلسطينيني ممن كانت لهم عائالت يف االرايض املحتلة عام ‪ 1967‬ممن كانوا يستطيعون استصدار‬
‫«تصاريح احتالل» خاصة لهم للزيارة)‪ .‬هذا إضافة إىل القيمة الدعائية التي تكسبها «إرسائيل» عرب‬
‫االدّعاء بأنها دولة «دميقراطية» و«منفتحة» مت ّد ذراعيها للجميع بينام يرفضها اآلخرون «املنغلقون»‪،‬‬
‫الجمعي للناس‪ ،‬وعىل مدار فرتة‬
‫وفوق ذلك فإن هذه املامرسات تفتح الباب رويدا ً رويدا ً يف الفهم‬
‫ّ‬
‫تاريخية أطول‪ ،‬لتح ّول «إرسائيل» (من خالل زيارتها) إىل أمر «طبيعي» ومقبول‪.‬‬
‫‪ 6‬ال طبيعية الكيان الصهيوين الناتجة عن التقسيم االستعامري للمنطقة العربية تحيلنا أيضاً عىل‬
‫الطبيعية الكيانات القُطرية الناتجة عن نفس التقسيم‪ ،‬والعالقة العضوية التي تجمع كل هذه الكيانات‬
‫بعضها ببعض ككيانات وظيفيّة مفرغة من امكانيات التح ّرر وتابعة للقوى اإلقليمية والدولية (بنى‬
‫الهيمنة)‪،‬‬
‫‪ 7‬الذي ينتمي األفراد املعتقدون به ـــ مثلهم مثل املعتقدين بأية أديان أخرى أو أولئك الذين ال‬
‫يعتقدون بأي دين ‪ -‬إىل مروحة واسعة من القوميات واالثنيات والخلفيات واملرجعيات الفكرية‬
‫والسياسية والهوياتيّة‪.‬‬
‫‪ 8‬وتتساوى بذلك الصهيونية مع األصوليات الدينية التي تدّعي لنفسها متثيلها وحدها للدين‪ ،‬وصواب ّية‬
‫تفسريها الحرص ّي للنص الديني‪ ،‬وتنفي تن ّوع وتعدّد القراءات والتأويالت والتفسريات واملذاهب داخل‬
‫بنية الدين الواحد‪ ،‬وتجعل منه ظاهرة ما فوق تاريخية‪.‬‬
‫‪ 9‬هذه هي األعمدة املفربكة التي يسقط يف فخّها الكثري ممن يُشغلون مبقاومة الصهيونية‬
‫والتطبيع‪ ،‬بينام تقوم تص ّوراتهم االنفعالية بتعزيز املرشوع الذي يراد مواجهته‪ .‬فالقول (مثالً)‬
‫إن الصهيونية تساوي اليهودية‪ ،‬وإنهام وجهان لعملة واحدة‪ ،‬يع ّزز مقوالت الصهيونية الثالث‬
‫جميعها‪ .‬فيؤكد النظر إىل اليهودية كقومية ال كدين يتوزّع أفراده عىل كل القوميّات والخلفيّات‬
‫الفكريّة‪ ،‬ويؤكد متثيل الصهيونية الحرص ّي لليهود (رغم خطأ ذلك)‪ ،‬ويع ّزر الفهم املحدّد والحر ّيف‬
‫للمقوالت األسطورية التوراتية ويتب ّنى تاريخ ّيتها املز ّورة رغم وجود تيارات إصالحية وتفكيكية‬
‫كبرية داخل اليهودية واملسيحية ال تفهم النص الديني بحرف ّيته‪ ،‬هذا باإلضافة إىل النقد العلمي‪/‬‬
‫العلامين الذي يأيت من خارج النص الديني ال من داخله‪ .‬وفق ذلك‪ ،‬سيؤدي املوقف العدايئ من‬
‫اليهود بصفتهم يهودا ً‪ ،‬إىل دفع املزيد منهم إىل أحضان الصهيونية‪ ،‬بدالً من العمل عىل العكس‪.‬‬
‫‪ 10‬رغم أنها قامت أصالً عىل أكتاف غري املؤمنني والعلامنيني (بن غوريون وموشيه دايان مثالً)‪.‬‬
‫‪ 11‬مع ما تفرزه الرأساملية من واقع طبقي داخل مجتمع املستوطنني أنفسهم‪ ،‬وهو واقع ال يلغي‬
‫حقيقة أن جميع تلك الطبقات هي جزء من مرشوع االستعامر االستيطاين بكليّته‪.‬‬
‫‪ 12‬معظم وكاالت التمويل واملعاهد الثقافية تتبع لوزارات الخارجية يف بالدها(‪SIDA، USAID،‬‬
‫‪ ،SDC، CIDA، British Council، Institut Français‬وغريها) وبالتايل فهي جزء من ذراع السياسة‬
‫الخارجية لبلدانها التي تدعم «إرسائيل» باملطلق ويف كل املحافل وتحت كل الظروف‪.‬‬

‫الخميس ‪ 26‬مارس ‪ - 2020‬العدد ‪22‬‬

‫الجريدة المدنية‬

‫‪16‬‬

‫إبراهيم الرفاعي لـ»الجريدة المدنية»‪:‬‬

‫لم يرتاجع الدعم الشعبي لفلسطني‪ ،‬لكن الشروط واالستحقاقات‬
‫باتت أسرية املعادلة الوطنية املحلية واملعادلة اإلقليمية والدولية‬

‫اغتصاب الكيان الصهيوين لألرض الفلسطيني ظل محفورا يف الذاكرة الشعبية‬
‫العربية ملا يف ذلك من دوس للكرامة وانتهاك للمقدسات وهتك للعرض‪.‬‬
‫ويظل يوم األرض الذي يوافق ‪03‬مارس من كل سنة مناسبة للتذكري بحقوق‬
‫الشعب الفلسطيني وللتنديد باالحتالل الصهيوين لفلسطني‪ .‬واملالحظ أن‬
‫الدعم الشعبي لفلسطني يعرف تراجعا غري مسبوق‪ ،‬وللبحث يف تاريخية‬
‫مسار الدعم الشعبي وأه ّم محطاته ولتبينّ أشكاله الراهنة ومدى قدرتها‬
‫عىل التأثري يف القرار الدويل‪ ،‬كان لنا الحوار اآليت مع الدكتور إبراهيم‬
‫الرفاعي أستاذ القانون العام والعلوم السياسية بكلية املنار ‪ -‬تونس ورئيس‬
‫االتحاد العام للحقوقيني الفلسطينيني بتونس‪.‬‬
‫ملياء بوزيان‬

‫لو تحدثنا عن طبيعة مسار الدعم الشعبي للقضية‬
‫الفلسيطنية؟‬
‫التعاطف الشعبي مع القضية الفلسطينية هي ظاهرة موجودة بقوة وثابتة‬
‫ال نقاش فيها‪ ،‬إن عىل املستوى الفلسطيني أو العريب‪ -‬اإلسالمي مبكوناتهام‪،‬‬
‫يف كافة املراحل التي مرت بها القضية الفلسطينية والسؤال ينبغي أن يرتكز‬
‫عىل «ماهية الرشوط التي عطلت أو فعلت هذه الطاقة ؟ «ويف الحقيقة‬
‫هي طاقة قد أخضعت لرشوط سلبية غالبة أدت إىل تعطيلها أو تغييبها أو‬
‫حرفها عن مسارها أو إحباطها ملا وصلت يف حاالت توافرت لها بعض رشوط‬
‫التفعيل‪ ،‬إىل التجميد من جديد أو توظيفها لخدمة مشاريع سلطوية أخرى‪،‬‬
‫وهذا ما شكل ظاهرة أخرى الشتغال رشوط تفعيل أو تعطيل طاقة الدعم‬
‫الجامهريي إزاء فلسطني القضية املركزية لهذه الجامهري يف كل مراحل‬
‫القضية الفلسطينية‪ .‬وقد تعلقت جل هذه الرشوط التي تحكمت بهذه‬
‫الطاقة الجامهريية الداعمة‪ ،‬مبوازين القوى اإلقليمية والدولية‪ ،‬يف فرتات ما‬
‫قبل انقسام العامل إىل قطبني اشرتايك ‪ -‬رأساميل وما بعدها‪ ،‬ثم انهيار العامل‬
‫االشرتايك والهيمنة النسبية لألحادية القطبية الرأساملية بقيادة أمريكا‪ ،‬وما‬
‫واكب هذا التغيري يف املحاور اإلقليمية املتمحورة حول هذا القطب أو ذاك‪،‬‬
‫طبيعة األنظمة السياسية يف اإلقليم تبعا لهذا التغيري وانتقالها من أنظمة‬
‫ممركزة صلبه إىل أنظمة هشة تراوح وتتوزع بني أنظمة غري ممركزة لسطلتها‬
‫السياسية واستمرارية بعضها األخر باملركزة‪ ،‬وإن تأثر الكل مبوجات االنتقال‬
‫الدميقراطي‪ ،‬وحركاتها الثورية الجامهريية يف العامل ‪.‬‬
‫ماذا عن الثورة الفلسطينية وانطالقتها؟‬
‫الثورة الفلسطينية عام ‪ 6391‬كانت هبة جامهريية أطرتها نخبة سياسية‬
‫من املناضلني‪ ،‬وأقلقت االنتداب الربيطاين‪ ،‬الذي تسلح بصك االنتداب بعد‬
‫إدماج وعد بلفور يف صلبه‪ ،‬تحضريا لقيام الوطن القومي لليهود يف فلسطني‪،‬‬
‫فطلبت بريطانيا تدخال من أنظمة رسمية عربية يف طور التكوين وتحتاج‬
‫بدورها للدعم الربيطاين ليك متسك بقوة بالسلطة وال تفقدها‪ ،‬لدعمها يف‬
‫مرشوعها االنتدايب‪ ،‬من جهة أوىل‪ ،‬وان تقنع قيادة الثورة بوعود بريطانية‬
‫«كانت زائفة» من جهة ثانية‪ ،‬وهو ما أدى إىل تقديم هذه األنظمة العربية‬
‫لضامنات بريطانية مقابل تعليق أنشطة الثورة‪ ،‬وهو ما وقع فعال وأنهى‬
‫ثورة عام ‪.6391‬‬
‫هذا هو الحدث الفارق إذا إلفراغ الشحنة الثورية وزرع الكيان‬
‫الصهيوني في قلب األمة؟‬
‫هكذا ذهبت الهبّة الجامهريية يف تلك الفرتة‪ ،‬وعىل ذات الشاكلة كانت‬
‫تفرغ الهبات الجامهريية املوالية وسط جملة من سياسات الخداع والقوة‬
‫الربيطانية‪ ،‬إىل أن قامت عصابات اإلرهاب الصهيونية بدعم بريطاين مبارش‬
‫بحرب ومجازر عام ‪ 8491‬وسياسات خداع كربى وغدر مبقاومة الشعب‬
‫الفلسطيني‪ ،‬املتوجة بإعالن بريطانيا إنهاء االنتداب يف ‪ 51‬أيار ‪ 8491‬وهو‬
‫ذات اليوم الذي تم اإلعالن فيه عن قيام «دولة إرسائيل»‪ ،‬وما تبع ذلك من‬
‫ترشيد الشعب الفلسطيني‪ ،‬وبينام كانت الجامهري الفلسطينية تكافح من‬
‫أجل تغلبها عىل اآلثار الكارثية للحرب فقد استقطب جانب من الجامهري‬
‫الفلسطينية يف تلك الفرتة‪ ،‬ليناضل من أجل فلسطني من داخل عدة أحزاب‬
‫وحركات عربية‪ ،‬ذات طابع قومي أو يساري أو إسالمي‪ ،‬وضمن استقطابات‬
‫وبرامج األنظمة الرسمية العربية املختلفة يف تلك الفرتة‪.‬‬

‫الخميس ‪ 26‬مارس ‪ - 2020‬العدد ‪22‬‬

‫يف املشاركة وانعدام التأطري والتخطيط والتسليح واإلمكانات اللوجستية‬
‫وانعدام الغطاء السيايس يف املواجهة‪ ،‬تم متكني الصهاينة بكل رشوطها‬
‫وإمكاناتها‪ ،‬التي افتقرت له الحالة الجامهريية املتعاطفة مع القضية‬
‫الفلسطينية‪ .‬من زاوية ثانية فقد كانت تلك الجامهري زمن الحرب الباردة‬
‫تستقطب يف الجوار الفلسطيني من قبل أحزاب قومية ويسارية متع ّدده‬
‫ومتنوعة ويف غالب األحيان متصادمة رغم تالقيها بشكل أو بأخر عىل دعم‬
‫القضية الفلسطينية‪ ،‬لكنها إما أنها كانت أحزاب سلطة وإلضفاء مرشوعية‬
‫للسلطة أو أحزاب معارضة تسعى إىل السلطة ونزع املرشوعية عن سلطة‬
‫قامئة‪ ،‬وكلها كانت بدرجات متفاوتة أدوات سلطة توظيفا‪ ،‬وتأطريا للجامهري‪،‬‬
‫وكانت التباينات ويف أحيان كثرية تؤدي إىل صدامات بني هذه األحزاب أو‬
‫بني بعضها والسلطة القامئة بأحزابها الداعمة تنعكس عىل أولويات الجامهري‬
‫وتوظيفها بهذا االتجاه أو ذاك‪ ،‬ما أفقد الحالة الجامهريية املتعاطفة مع‬
‫القضية الفلسطينية من طاقتها اإليجابية وتأطريها وحشد طاقتها ضد العدو‬
‫الرئييس‪.‬‬

‫كيف استعادت جماهير شعبنا في فلسطين عافيتها بعد‬
‫النكبة ؟‬
‫يف حدود ‪ ،5691‬زمن انطالقة الثورة الفلسطينية‪ ،‬توزّعت الطاقة‬
‫الجامهريية الفلسطينية عىل فصائل منظمة التحرير الفلسطينية املتعددة‬
‫بتأطريها وقياداتها الوطنية املختلفة‪ ،‬وتشكل حركات أخرى بعد النصف‬
‫الثاين من الثامنينات أبرزها حركة املقاومة اإلسالمية «حامس» وحركة‬
‫الجهاد اإلسالمي‪ ،‬وقد قادت كل الفصائل‪ ،‬وما تزال‪ ،‬الطاقة الجامهريية‬
‫الفلسطينية إىل يومنا هذا‪ ،‬مع األخذ بعني االعتبار لبعض التباين يف الثقل‬
‫الجامهريي لهذه الفصائل‪ ،‬باإلضافة إىل تنوع وتعدد الضغوط واملامرسات‬
‫اإلحتاللية واالستقطابات اإلقليمية والدولية واالصطفافات التي تتمركز عىل‬
‫هذه الفصائل بطابعها الوطني أو اإلسالمي‪ ،‬ما ينعكس بدوره عىل الحالة‬
‫الجامهريية‪ ،‬املتأثرة بهذا التنوع والتعدد الفصائيل يف إطار متسك الحالة‬
‫الجامهريية عموما بحتمية الوحدة الوطنية الفلسطينية ومبقاومة االحتالل ‪.‬‬
‫ما حجم الدعم الشعبي للقضية الفلسطينية ؟ وهل من تأثير‬
‫لذلك على المسار التاريخي للقضية؟‬
‫يخضع حجم تعاطف ودعم الجامهري العربية واإلسالمية لقضيتها املركزية‬
‫فلسطني‪ ،‬طبيعته‪ ،‬لذات الرشوط تقريبا‪ ،‬فمنذ ما قبل حرب ‪ 8491‬كانت‬
‫الشعوب العربية متضامنة مع قضية الشعب الفلسطيني بأشكال مختلفة‪،‬‬
‫بل شهدت حاالت معينة من الثورات انخراط قيادات عربية فيها لكن‬
‫الجامهري العربية عموما غلب عليها االنشغال يف همومها الخاصة قبيل‬
‫االستقالل‪ ،‬لكنها كانت تتفاعل يف حدود دنيا‪ ،‬مل تكن كافية وال مجدية تبعا‬
‫لهيمنة الرشوط السلبية املحيطة عىل الدور املأمول من هذه الشعوب يف‬
‫املنعطفات الجوهرية للقضية الفلسطينية‪ ،‬ففي حرب عام ‪ 8491‬كانت‬
‫هناك جهود صادقة وجبارة لتجسيم هذا التعاطف الجامهريي‪ ،‬للقتال إىل‬
‫جانب إخوانهم يف فلسطني ومنها انخراط البعض فيها ومحاولة الكثريين‬
‫من أبناء الشعب التونيس‪ ،‬لكن املعادلة اإلقليمية والدولية وموازين القوى‬
‫العسكرية وتكتيكات الحرب واسرتاتيجياتها واألداء الرسمي العريب يف هذه‬
‫الحرب التي آلت إىل فرض أمر واقع النكبة‪ ،‬كانت أكرب بكثري من بعض‬
‫ر ّدات الفعل للبعض من الجامهري العربية‪ ،‬التي افتقرت أيضا للشمولية‬

‫هل لعبت األنظمة دورا سلبيا في كبح جماح الجماهير وتراجع‬
‫الدعم الشعبي لفلسطين؟‬
‫لقد سادت األنظمة املركزية تلك الحقبة‪ ،‬ما أدى إىل جعل تلك الجامهري‬
‫حبيسة سياسات تلك األنظمة‪ ،‬وما أدي إىل افتقار القضية الفلسطينية و‬
‫ثورتها إىل رديف عريب يتكامل معها‪ ،‬فاعل وجندي‪ ،‬إال حني تداخل وتكامل‬
‫اله ّم الذايت لهذه الجامهري ونخبها مع الوضع الفلسطيني‪ ،‬حني يلعب‬
‫الفلسطيني يف التحليل السيايس والواقع السيايس واإلمكانات عىل اختالفها‬
‫كمر ّجح للموازين يف مواجهة موازين داخل لبنان عىل سبيل الحرص‪ ،‬وهذا‬
‫األمر أي الزج بالفلسطينيني كوضعية مل يكن يف صالح القضية الفلسطينية‬
‫اسرتاتيجيا‪ ،‬وإن خدمها تكتيكيا يف فرتة‪ ،‬ولكن هذه الخدمة لفلسطني‪ ،‬مل‬
‫تكن سوى الفخ الذي دفعت فيه الثورة الفلسطينية للتآكل واالحرتاق يف‬
‫أتون الحرب األهلية اللبنانية‪ ،‬التي حكمتها وحكمت فيها دور الجامهري‬
‫معادلة إقليمية ودولية ومحليه‪ ،‬مل تكن لتسمح بتحرير فلسطني من‬
‫داخل لبنان مبقدار ما كانت تحرض ليك تكون محرقة للقضية الفلسطينية‬

‫‪17‬‬
‫وإن شكلت مرحلة الوجود الفلسطيني بلبنان‬
‫رافعة بارزة للقضية الفلسطينية يف مجاالت‬
‫محددة ومعينه‪ ،‬لكنها انتهت بخروج املقاومة‬
‫الفلسطينية من لبنان‪ ،‬وسط استمرارية التعاطف‬
‫الجامهريي العريب‪ ،‬حبيس معادلة السلطة يف كل‬
‫دولة عربية وحبيس املعادلة اإلقليمية والدولية‬
‫وحبيس ضيق رقعة التأطري املجدي يف دعمه‬
‫للقضية الفلسطينية‪.‬‬
‫كيف تقيّمون اليوم واقع الدعم‬
‫الشعبي للقضية الفلسطينية في‬
‫المنطقة العربية‪ ،‬ومسألة المقاطعة‬
‫كأحد أشكال المقاومة؟‬
‫اليوم وبعد سقوط العديد من األنظمة العربية‪،‬‬
‫وتحول األوضاع فيها إىل حرب أهلية وتدخالت‬
‫لقوى خارجية فيها كسوريا واليمن وليبيا‪ ،‬وناهيك‬
‫الوضع يف العراق وسري بعض الدول يف طريق‬
‫االنتقال الدميوقراطي بعد كل ما شهدته تونس‪،‬‬
‫ومتا شهده دول عربية أخرى كالجزائر‪ ،‬وما آل‬
‫إليه الحراك يف السودان‪ ،‬فعن أي أولويات ميكن‬
‫الحديث يف ظل هذه األوضاع للحالة الجامهريية‬
‫املتعاطفة الداعمة للقضية الفلسطينية؟‬
‫مل يرتاجع التعاطف مع فلسطني‪ ،‬بل إن‬
‫رشوط االستحقاقات تبعا ملعادلة األولويات‬
‫و»الحراكات» قد باتت أسرية املعادلة الوطنية‬
‫املحلية واملعادلة اإلقليمية والدولية املحيطة‬
‫بهذه األوضاع ما ينعكس سلبا عىل إمكانية نقل‬
‫التعاطف إىل الدعم الحقيقي للفلسطينيني‪.‬‬
‫أجل‪ ،‬كل هذا ال ينفي مختلف أشكال الدعم‬
‫والتعاطف مع القضية الفلسطينية من اعتصامات‬
‫إىل املظاهرات‪ ،‬البيانات‪ ،‬امللتقيات واملؤمترات‬
‫وأشكال أخرى من الدعم املادي‪ ،‬ملا تجد فيه هذه‬
‫الشعوب أن القضية متر مبنعطف نوعي خطري‪،‬‬
‫فإن هذه الشعوب تعرب مبا أمكنها التعبري عنه‬
‫من أشكال تعاطف ودعم‪ ،‬ويظل شكل املقاطعة‬
‫بأبعادها املختلفة من أبرز أشكال الدعم‪ ،‬رغم‬

‫∑‬

‫الحاجة إىل تنسيب وعقلنه وتطوير هذا الشكل‬
‫النضايل سواء تعلق األمر يف ضبط معايري ملفهوم‬
‫املقاطعة ومقاومة التطبيع وضبط إطاره القانوين‬
‫إضافة إىل تطوير أدواته مبا يتناسب مع تطوير‬
‫العدو ألدوات اخرتاقاته‪ ،‬من جهة أوىل‪ ،‬وللحيلولة‬
‫دون الخلط بني واجب املقاطعة ومقاومة «‬
‫التطبيع» وبني واجب دعم الشعب الفلسطيني‪.‬‬
‫كيف تقيمون ال ّدعم الشعبي التونيس لفلسطني؟‬
‫إن مختلف أشكال التعاطف والدعم يف تونس مل‬
‫تتوقف يوما‪ ،‬وما فتئ الشعب التونيس يواصل‬
‫جهوده لتجاوز الرشوط املعيقة إليصال هذا‬
‫الدعم إىل مستوياتها األعىل‪ ،‬من ذلك ما شهدته‬
‫تونس من أشكال دعم الشعب الفلسطيني يف‬
‫مواجهته املستمرة ملا يس ّمي بصفقة القرن‪،‬‬
‫من فعاليات عىل كل األصعدة الرسمية‬
‫والشعبية بكافة مكوناتها من جمعيات وأحزاب‬
‫ونقابات ووسائل تواصل‪ ،‬وكلها داعمة للقضية‬
‫الفلسطينية‪ ،‬يف مواجهة مشاريع خطط تصفية‬
‫حقوق الشعب الفلسطيني‪ ،‬وهو ما خلق األثر‬
‫اإليجايب الكبري يف نفوس الشعب الفلسطيني بكل‬
‫مكوناته ومستوياته الرسمية وغري الرسمية‪ ،‬مثلام‬
‫كان يخلق هذا األثر اإليجايب يف كل مناسبة وقف‬
‫فيها الشعب التونيس مع قضيته املركزية قضية‬
‫فلسطني‪ ،‬األمر الذي يلحظ يف كل مناسبة أو‬
‫حدث يخص فلسطني‪ ،‬كام ال ينفي كل ما تقدم‬
‫تنامي حركات الدعم الشعبي املنترشة يف أوروبا‬
‫ويف دول كثرية يف العامل‪.‬‬
‫لكن تبقى تلك السياقات محكومة برضورة‬
‫االستمرارية‪ ،‬يف مختلف أشكال التعبري عن‬
‫التعاطف والدعم وتطوير هذه األشكال‬
‫وتنويعها‪ ،‬ليك تستطيع أن تشكل خرقا حقيقيا يف‬
‫املواجهة مع العدو الرئييس وهو العدو الصهيوين‬
‫وامتداداته‪ ،‬مبا يكافئ مع أساليبه واسرتاتيجياته‬
‫واخرتاقاته‪ ..‬وكل ذلك يتطلب إعادة القراءة‬
‫املعمقة لهذا الدور الجامهريي‪ ،‬من أجل دور‬
‫أجدى وأكرث فاعلية‪.‬‬

‫الجريدة المدنية‬

‫نوافذ‬

‫في ذكرى االرض‪ :‬فلسطين بين وباء‬
‫عابر وسرطان قائم‬
‫بقلم ‪ :‬ضياء تقتق‬
‫يف انتظار ما سيسفر عنه مسار التفاوض يف اتفاقية «سايكس‬
‫بيكو» يف نسخته الجديدة بعنوان األلفية الثالثة‪ ،‬والتي وقع‬
‫تعليق الحديث عنه‪ ،‬سواء ممن يدافعون عن محتواه‪ ،‬او من‬
‫الذين يحاولون التصدي له برشاسة رغم ما يحاك ضد هؤالء بدءا‬
‫بالتعتيم اإلعالمي الدويل حول التحركات التي تسبح ضد تيار‬
‫التطبيع بشكل خاص وضد تيار محاولة قرب القضية الفلسطينية‬
‫كقضية إنسانية‪ ،‬وبوصلة كل القضايا العادلة بشكل عام‪ ،‬باعتبارها ملفا كغريه من امللفات‪،‬‬
‫والتعاطي معها كازمة عابرة يتوجب حلها من خالل تنازالت يقدمها اصحاب االرض واصحاب‬
‫الحق‪ ،‬يقابلها ضخ اموال تقدمها انظمة امربيالية واخرى رجعية عميلة تنطق اللغة العربية‪.‬‬
‫نحيي هذا العام الذكرى ‪ 72‬الحتالل ‪ 48‬والذكرى ‪ 44‬لتاريخ اإلرضاب العام يف فلسطني‬
‫واستشهاد ‪ 6‬فلسطينيات وفلسطينيني إثر الهبة الشعبية قصد التصدي لتهويد الجليل ومصادرة‬
‫آالف االرايض الفلسطينية‪ ،‬او ما يسمى بيوم االرض الفلسطيني ‪ 30‬مارس‪ ،‬والتي دأب االتحاد‬
‫العام التونيس للشغل‪ ،‬يف تونس‪ ،‬نصري القضية الفلسطينية منذ تأسيسه‪ ،‬عىل إحيائها والتذكري‬
‫بها من خالل التظاهرات العلمية والثقافة وامللتقيات واملسريات االحتجاجية‪ .‬اال اننا نالحظ‬
‫يف هذا املستوى وبالتوازي مع هذه االنشطة انخفاض التأثري والتأثر عىل الوعي الجمعي‬
‫للتونسيات والتونسيني‪ ،‬حتى اننا اصبحنا ال نخجل من الحديث عن وكاالت أسفار تونسية‬
‫تنظم رحالت جامعية قصد زيارة املقدسات واألرايض املغتصبة وذلك يف وضح النهار‪.‬‬
‫كام ال يفوتني االستغراب اىل حد التعجب من انخراط جامعة التنس يف مسار تطبيع واضح‬
‫اختار نواب الشعب عدم تجرميه بنص القانون‪ ،‬وجرمه اتحاد حشاد يف دستور املنظمة منذ‬
‫املؤمتر العادي ‪ 23‬املنعقد بقمرت ذات جانفي ‪.2017‬‬
‫وفيام تتخبط فلسطني يف حجر مضاعف‪ ،‬يتعلق الحجر األول باغتصاب الكيان الصهيوين‬
‫ألرايض هذا البلد املنتهكة حقوق شعبه‪ ،‬سواء تلك الخاضعة للسلطة الفلسطينية او تلك‬
‫املتجاوزة لحدود هذه السلطة‪ ،‬أما الحجر الثاين فهو صحي‪ ،‬حيث تنقل الينا األنباء هذه األيام‬
‫اصابة ‪ 40‬حالة بفريوس الكورونا مبعدل ‪ 7.6‬حاالت ‪ /‬املليون ساكن‪ .‬تواصل سلطات الرسطان‬
‫املسترشي مروقها عن تطبيق االتفاقيات الدولية ضاربة عرض الحائط حقوق اإلنسان يف‬
‫حدودها الدنيا مبا يف ذلك الحق يف الحياة‪ ،‬حتى ال نتكلم عن الفصل العنرصي ونظام االبارتيد‬
‫واملامرسات االستيطانية‪« .‬فقطاع غزة» يعيش الحظر لدرجة االختناق منذ ‪ ،2007‬وسط‬
‫تواطئ مفضوح وجيل من الحكومات األمريكية بشقيها الدميقراطي والجمهوري‪ .‬بل موغلة يف‬
‫الغطرسة التي تجاوزت استعامل «حق الفيتو» يف مجلس االمن و الجمعية العامة ذهبت اىل‬
‫اعتبار القدس عاصمة الكيان الصهيوين يف تحد سافر ملشاعر الشعوب املجاورة لفلسطني وكافة‬
‫املدافعني عن القضايا االنسانية العادلة‪ ،‬وذلك يف محاولة لتأبيد هذا الكيان الرسطاين وفرض‬
‫األمر الواقع قصد التطبيع معه‪.‬‬
‫يف انتظار ما ستسفر عنه نتائج تفيش وباء الكورونا أو ما يطلق عليه ‪ ،covid-19‬من وفيات‬
‫طالت املؤسسات االقتصادية يف الداخل والخارج والتي تفوق بأضعاف مضاعفة الوفيات املتزايد‬
‫عددها لدى البرش‪ ،‬لن تتغري املواقف اال بهبات الشعوب ضد انظمتها الرجعية املتواطئة مع‬
‫حامة الصهيونية وكرس حاجز الصمت لديها سواء كان ذلك يف املنابر او يف الشوارع‪.‬‬
‫كام لن تتغري املواقف يف اعتبار التطبيع خيانة عكس ما يحاول البعض جعله وجهة نظر‪ .‬أما‬
‫عن سبب هذا اإلرصار يف التشبث املبديئ بام القضايا‪ ،‬نستحرض ما خلده درويش يف احدى‬
‫لواحته الخالدة‪:‬‬
‫«عىل هذه األرض سيد ُة األرض‪ ،‬أم البدايات أم النهايات‪.‬‬
‫كانت تسمى فلسطني‪ .‬صارتْ تسمى فلسطني»‬
‫الخميس ‪ 26‬مارس ‪ - 2020‬العدد ‪22‬‬

‫الجريدة المدنية‬

‫‪18‬‬

‫الموقف‬

‫الجائحة واإلنسان‬

‫بقلم سمير بوعزيز‬

‫الطبيع ُة تنادي بإعادة التنظيم من جديد يف أوج اللحظة التي زعم فيها اإلنسان‬
‫أنّه أحكم الهيمنة كل ّيا‪ .‬لن يكون األمر قبل «الكارثة» كام بعدها‪ .‬األمر ليس‬
‫فقط إعادة ترتيب العالقات بيت الدول وداخل السوق‪ ،‬إنّه إعادة التفكري يف‬
‫عالقات اإلنسان بالعامل فكرا وماهية ومستقبال‪.‬‬
‫هل كان األمر منتظرا؟ هل كان رضوريا؟ هل هو من منطق الصريورة؟ ال أحد‬
‫توقع متاما‪ ،‬عىل أ ّن الفكر اإلنساين وفّر ما به يمُ كن التوقع‪ ،‬ون ّبه‪ .‬واآلن يجب‬
‫إعادة التفكري لبناء العامل الجديد‪.‬‬
‫إ ّن منظومة القيم الغالبة تحتاج تفكيكا من أجل إعادة بنائها مبا توفّر لإلنسانية‬
‫يف هذه اللحظة من تاريخها الحديث‪ .‬ال أحد بإمكانه أن يكون مبنآى عن إرادة‬
‫الطبيعة التي أتت بأمر مل يكن من املمكن االستعداد له مهام كان التقدم‬
‫الذي أحرزه اإلنسان وما حققه من أداوات حامية الوجود اإلنساين‪ .‬اإلنسانية‬
‫مه ّددة فعال‪ ،‬والناس يهربون إىل ال ُعزلة وإىل االختباء والتخفي من خطر أصغر‬
‫من أن يصدوا دونه األبواب‪.‬‬
‫***‬
‫املواجهة بالهروب‪ .‬ومل توفّر لنا الطبيعة ما ميكّن من رؤية العدو‪ .‬واألصل أنّه‬
‫كان من املفروض أن ننتبه إىل ما نراه‪ ،‬إىل اإلنسان وإىل فعله تجاه اإلنسانية‬
‫والطبيعة عىل حد سواء‪ .‬كان االعتقاد أ ّن مثة مهرب دامئا‪ ،‬وليعلم اآلن أ ّن‬
‫الهروب صعب وأ ّن األمل أحدق ووحدها الطبيعة ستجيب بوقف الكارثة بعد‬
‫أن تجربنا عىل طرح أكرث ما ميكن من أسئلة‪.‬‬
‫اإلجابات عن األسئلة اإلنسانية الكُربى سوف تحيلُنا إىل ُصغرى األسئلة‪ ،‬يف حياتنا‬
‫اليومية وعالقاتنا‪ .‬سوف لن نرى الفريوس بالعني املجردة‪ ،‬ولك ّننا سنتمكن من‬
‫رؤية أنفسنا ومن حولنا بشكل أوضح‪ّ ،‬كل من حولنا من أشخاص وعالقات‬
‫وفضاءات‪ .‬إ ّن «الكورونا» التي ال تُرى سوف تسمح لنا بأن تعطى ألبصارنا مع‬
‫النظر إبصارا‪.‬‬
‫يف األسئلة الصغرى والكربى‪ ،‬لن يبقى أقوياء عىل الصورة التي هم عليها‪ .‬ولن‬
‫يبقى الضعفاء عىل ما عرفوه عن حالهم‪ .‬وأيضا‪ ،‬سيُعاد النظر يف من سيحكُم‬
‫ومن «يتحكّم» وستقع مراجعة الخطاب واألفعال والرثوة‪.‬‬
‫***‬

‫الخميس ‪ 26‬مارس ‪ - 2020‬العدد ‪22‬‬

‫سننظر إىل النبتات والحيوانات والجبال واألطفال بعيون أخرى‪ .‬سنتذوق األكل‬
‫بطعم آخر‪ .‬س ُنق ّبل بشكل جديد‪ .‬سنستقبل الصباحات عىل غري ما عرفنا‪.‬‬
‫سنطرق األبواب كأننا مل نعرفها من قبل‪ .‬سنلمس األشياء بأصابع جديد‪ .‬سنح ّدد‬
‫املسافات من جديد‪ ،‬ونسري عىل نحو مل نعرفه‪.‬‬
‫«الكورونا» ليس فريوسا فقط‪ ،‬إنّه نقطة نظام من الطبيعة‪.‬‬
‫واليوم ال يزال «أهل ٍ‬
‫صلف» عىل حالهم‪ ،‬مل يستوعبوا ما كان‪ .‬أو هم فهموه‬
‫لك ّن رفض االنصياع للتغيري يجعلهم يتعنتون‪ ،‬ويحاولون أن «يصمدوا» أمام‬
‫إرادة التغيري فال يضيعوا شيئا من مصالحهم‪ ،‬ويواصلون الهيمنة‪.‬‬
‫رأس املال يحاول التأقلم مع األزمة بأن يسيرّ ها ويُسايرها ويتج ّنب يقظة‬
‫األغلبية‪ .‬يحاول أن يق ّدم «الصدقة» عوض أن يتح ّمل الواجب اإلنساين‪ ،‬حتى‬
‫لكل السبل أن‬
‫يربز كمنقذ للبرشية‪ .‬يهرب من املوت ليفنى اآلخرون‪ .‬يعمل ّ‬
‫يغطي ما يتعرى منه بفعل «الكورونا»‪ .‬يتسرت بخدمه يف األنظمة وعىل منصات‬
‫ويتمسك بـ»السلطان»‪.‬‬
‫اإلعالم‪ .‬يسعى أن يَظهر كمتحكم أوحد يف الحلول‪،‬‬
‫ّ‬
‫***‬
‫هذا الدرس اإلنساين الكبري‪ ،‬فرصة ملراجعة مسار اإلنسانية الحديث وتقسيم‬
‫الجغرافيا والنفوذ والرثوات‪ .‬فرصة ملراجعة الرصاعات والنزاعات والحروب‪.‬‬
‫وفرصة إلعادة قراءة اإلنسان‪.‬‬
‫ال يجب أن تكون التغريات يف مستوى التوازنات والعالقات الدولية فحسب‪،‬‬
‫بل يف جوهر ما آل إليه التاريخ بعد استعامل ّكل القاعد القدمية يف العيش‪.‬‬
‫يجب أن إعادة ترتيب القيم‪ .‬يجب االنتصار لقيم العدالة واملساواة‪.‬‬
‫يجب فس ُخ األسئلة وإعادة بنائها من جديد مبا ميكن أن يُوصلنا إىل تركيب‬
‫«اإلنسان» بشكل جديد‪ .‬ولعلّها نهاية ممكنة‪ ،‬رمبا جدلية وطبيعية إىل كائن‬
‫غادر الطبيعة إىل تركيبة أخرى‪ .‬رمبا والدة أخرى جديدة إن انترصت القيم‬
‫واندحر التو ّحش‪.‬‬




Télécharger le fichier (PDF)

P01HAB.pdf (PDF, 11.7 Mo)

Télécharger
Formats alternatifs: ZIP







Documents similaires


oumayma
olivier mail
aihr iadh human rights press review 2013 12 27
cv assia
aihr iadh human rights press review 2013 12 19
aihr iadh human rights press review 2013 12 20