P01HAB .pdf



Nom original: P01HAB.pdf

Ce document au format PDF 1.7 a été généré par Adobe InDesign CS5 (7.0) / Adobe PDF Library 9.9, et a été envoyé sur fichier-pdf.fr le 23/04/2020 à 20:37, depuis l'adresse IP 41.62.x.x. La présente page de téléchargement du fichier a été vue 149 fois.
Taille du document: 11.5 Mo (10 pages).
Confidentialité: fichier public


Aperçu du document


‫الكورونا وما بعدها‪:‬‬

‫االحراجات النظرية واالختيارات اإليديولوجية‬
‫أ‪.‬حميد بن عزيزة‬

‫الملحق المدني لجريدة الشعب‬

‫القِيَم يف عصرنا َكوْنية أو ال تكون‬
‫أ‪ .‬عبد المجيد الشرفي‬

‫الخميس ‪ 23‬أفريل ‪ - 2020‬العدد ‪23‬‬

‫ما بعد الكورونا‪،‬‬
‫كيف نؤسس‬
‫ملنظومة قيم جديدة‬

‫تصدر « الجريدة المدنية» بدعم من‬

‫مشاركات كل من‪:‬‬
‫نصرالدين ساسي‪ ،‬محمد صالح عمري‪،‬‬
‫فطين حفصية‪ ،‬خولة شبح‪،‬‬
‫يسير السحيمي‪ ،‬خالد كرونة‪،‬عبد الكريم الشابي‪،‬‬
‫غسان بسباس‪ ،‬ضياء تقتق‪،‬‬

‫الجريدة المدنية‬

‫‪2‬‬

‫‪3‬‬

‫القِيَم يف عصرنا َكوْنية أو ال تكون‬

‫االفتتاحية‬

‫نحن على حقّ وإن لم ندّع امتالك الحقيقة‬

‫مل ن ّدع يوما امتالك‬
‫الحقيقة‪ .‬فقط قلنا أننا‬
‫عىل حق‪ ،‬وأ ّن إمياننا‬
‫بالعدالة االجتامعية‬
‫ودفاعنا عن القطاع‬
‫العام دفا ٌع عن كرامة‬
‫التونسيات‬
‫عموم‬
‫سامي الطاهري‬
‫والتونسيني‪ ،‬وأن العدالة‬
‫الجبائية تحمي الدولة‬
‫ومتكّن من توزيع أكرث عدال للثورة وتكون أحد املداخل‬
‫الرئيسية لدولة دميقراطية يُحرتم فيها القانون‪.‬‬
‫يشل العامل ويزيد من فقر‬
‫مل نكن نتمنى وباء كهذا ّ‬
‫الفقراء وعذابات املستضعفني‪ .‬ونتمنى أن يذهب عن‬
‫اإلنسانية‪ .‬إنمّ ا نحن بصدد التنبيه أ ّن هذه األزمة كشفت‬
‫ما ك ّنا ننبه إليه يف كل حني‪ ،‬زمن االستعامر ومع دولة‬
‫االستقاللية وضد الدكتاتورية وض ّد الحكومات املتعاقبة‬
‫التي مل تستوعب الدرس الثوري للتونسيات والتونسيني‬
‫ومل تستجب ملطالبهن‪/‬م يف العدالة والكرامة‪.‬‬
‫كان عىل رأس املال‪ ،‬والسلطة التي تحميه (أو يحميها)‪،‬‬

‫أن يتمثلوا الدرس الوبايئ القايس ِ‬
‫ويعدلوا عن الجشع‬
‫واالستخفاف بحقوق الشغالني وعموم التونسيني‪ .‬لكن‬
‫خطاب رأس املال كان متعاليا وف ّجا‪ ،‬وفعله كان « ُجرما»‬
‫مبحاوالت تجويع العامل حني مل يدفع أجورهم من ما ٍل‬
‫هم صنعوه بعرقهم وبحرمانهم‪.‬‬
‫يتحمل القامئون عىل الدولة هذا املآل ألنهم ال يتخذون‬
‫القرارات الصائبة وال يُجربون رأس املال عىل االلتزام‬
‫تجاه العامل‪ .‬وكان عىل أصحاب القرار أن يكونوا أكرث‬
‫ٍ‬
‫بتهديد لتهدئة الخواطر دون‬
‫حزما‪ ،‬وعدم اإليهام‬
‫إجراءات حازمة متنع عن املاليني الحاجة والجوع‪.‬‬
‫وإذ يُعلن االتحاد العام التونيس للشغل أنّه مستعد‬
‫«للمعركة» فليس ألنّه يري ُدها ولكن ألنّه يستطيع النرص‬
‫فيها ُمنتصرِ ًا ملنظوريه وعموم املفقرين واملحرومني‪.‬‬
‫وهل ك ّنا ترسعنا نحو إعالنها؟! لقد قدمنا الحلول التي‬
‫تحقق سلام اجتامعية وتضمن للسلطة تسيري األمور‬
‫بكل مسؤوليّة‪.‬‬
‫حسب القدرات الحقيقية للدولة ّ‬
‫ومل نكن نتهجم عىل أحد أو نستف ّز أحدا‪ .‬ذهبنا إىل‬
‫التفاوض الهادئ رغم ضغوطات زمن الوباء‪ .‬بل إنّنا‬
‫بادرنا بالتضحية قبل أن تكون رشطا «فاحشا» ممن‬

‫ينهب مال البالد والعباد سنينا ث ّم يذهب إىل املنابر‬
‫واعظا دون خجل وال ُمروءة‪.‬‬
‫هل سيعود املنادون بالتفويت يف القطاع العام إىل‬
‫عبثهم؟ ال نستغرب طبعا‪ ،‬ولك ّن الدرس واضح‪ .‬واليوم‬
‫يتبينّ أننا مل نكن ندافع عن القطاع العام مبنطق‬
‫«نقابوي» بل مبنطق وطني مسؤول‪ .‬وتبينّ أ ّن مطالباتنا‬
‫ّ‬
‫ومقرتحاتنا لإلصالح كانت صائبة‪ .‬ولننظر إىل املنظومة‬
‫الرتبوية (مثال)‪ ،‬وقد وضعنا كل خرباتنا من أجل مرشوع‬
‫إصالحي وصربنا عىل استعامل امللف يف السياسة‪ ،‬ثم‬
‫ّ‬
‫ماذا؟ نعجز اآلن عىل تعليم عن بعد والحال أنّه منذ‬
‫نوفمباريات «بن عيل» إىل آخر حزب يف الحكم يُستعمل‬
‫املرشوع شعارا للمزايدة‪.‬‬
‫نحن اآلن أمام خيارات واضحة‪ .‬وسيلتف عدد أكرب‬
‫من التونسيات والتونسيني حول هياكل االتحاد العام‬
‫التونيس للشغل من أجل الدفاع عن مرشوع بناء‬
‫الدولة القوية عىل أساس العدالة االجتامعيّة‪ .‬ولن نقبل‬
‫املزايدات السياسية والرصاعات التي حرمت شعبنا‬
‫فرصا‪ ،‬ولن نسمح بحرمان األجيال القادمة من مستقبل‬
‫تكون فيه تونس العادلة بلدا ت ُحرتم فيه حقوقهن‪/‬م‪.‬‬

‫ملف العدد القادم‬
‫اآلراء ووجهات النظر الواردة يف هذا ملف العدد‪ ،‬وكل مقاالت الرأي‪ ،‬ال تعرب بالرضورة عن آراء أو وجهات نظر أو السياسات الرسمية لالتحاد العام التونيس للشغل ومؤسسة روزا لكسمبورغ‬

‫∑‬

‫إدارة الشأن العام وتكريس حقوق اإلنسان والحريات األساسية‬
‫البريد االلكتروني ‪journal.civic@gmail.com :‬‬

‫يكاد املالحظون يُجمعون عىل أ ّن وباء الكورونا الحايل بأبعاده‬
‫الكونية ال ب ّد أن يخلّف نتائج عميقة يف شتى مجاالت الحياة‪.‬‬
‫ومن الطبيعي‪ ،‬والحالة تلك‪ ،‬أن يو َجد تَ ْوقٌ مرشوع إىل منظومة‬
‫ِق َيم جديدة‪ ،‬نظرا إىل أ ّن العديد من املشاكل التي تعيشها‬
‫املجتمعات التي اجتاحها هذا الوباء ناتجة عن منظومة لها‬
‫ضلع يف عواقبه الوخيمة‪ .‬و ِمن أه ّم هذه العواقب احتالل عبادة‬
‫املال واإلثراء الفاحش الرسيع بكل الوسائل املكا َن األ ّول يف سلّم‬
‫ال ِق َيم‪ ،‬عىل حساب الحرية واملساواة والعدل وال َك َرم واإليثار‬
‫وحب الخري لآلخر‪ .‬لك ّن ما يجدر االنتباه‬
‫والتعاون والرحمة ّ‬
‫إليه أ ّن منظومة القيم ليست منظومة إرادية وقامئة بذاتها‪،‬‬
‫معزولة عماّ يحيط بها‪ ،‬بقدر ما هي إفراز الختيارات ذات صبغة‬
‫سياسية ‪ -‬اقتصادية يف الدرجة األوىل‪ ،‬إذ من املؤكّد أ ّن النظام‬
‫الرأساميل‪ ،‬وخصوصا منذ أن ساد شكله املتو ّحش الذي ال يراعي‬
‫يف الحياة إال الربح الوفري‪ ،‬وال يهت ّم مبا ينج ّر عنه من كوارث‬
‫بيئية ومن َم ٍآس اجتامعية‪ ،‬هو املسؤول عن هذا الوضع الكاريث‬
‫الذي ال يستفيد منه سوى األقوياء‪ ،‬إن بني الدول أو داخل كل‬
‫دولة‪.‬‬
‫فهل سينهار هذا النظام الرأساميل وقد وصل إىل‬
‫ح ّد اختلّت فيه كل التوازنات؟ إننا لسنا متفائلني كثريا يف هذا‬
‫املستوى‪ ،‬ال أل ّن للرأساملية‪ ،‬بإميانها بقدرة السوق املتناهية‪،‬‬
‫إمكاني َة الخروج ساملة متاما من األزمة الحالية‪ ،‬والتأقلم مع‬
‫مقتضيات حامية البيئة وتوفري قدر أدىن من العدل‪ ،‬بل أل ّن‬
‫البدائل لهذا النظام مل تتّضح بع ُد مبا فيه الكفاية بعد سقوط‬
‫املنظومة الشيوعية وتعثرّ التجارب االشرتاكية‪ .‬ونخىش أن يَحمل‬

‫عين على ‪..‬‬

‫تصدر « الجريدة المدنية» بدعم من‬

‫المدير المسؤول‬

‫نورالدين الطبوبي‬

‫الجـريـدة‬
‫المدنية‬

‫المدير‬

‫سامي الطاهري‬

‫فريق العمل‬

‫سمير بوعزيز‪ ،‬ضياء تقتق‪ ،‬محمد كريم السعدي‬

‫املقر ‪ 41 :‬شارع عيل درغوث ‪ -‬تونس ‪- 1001‬‬
‫الهاتف ‪ / 71 330 291 - 71 255 020 :‬الفاكس ‪- 71 355 139 :‬‬
‫العنوان االلكرتوين ‪ - journal.civic@gmail.com :‬الحساب الجاري بالربيد ‪:‬‬
‫‪ - 300 - 51‬السحب ‪ :‬مطبعة دار األنوار ‪ -‬الرشقية ‪ -‬تونس‬
‫الخميس ‪ 23‬أفريل ‪ - 2020‬العدد ‪23‬‬

‫الجريدة المدنية‬

‫اليوم العالمي‬
‫اليوم الدولي‬
‫للمندوبين‬

‫أ‪ .‬عبد المجيد الشرفي‬
‫لنا املستقبل املنظور يف جراب الرأساملية املنترصة َعود ًة إىل‬
‫األنظمة االستبدادية والفاشية التي تستغل الشعبوية لفرض‬
‫أمناط من العيش ال تستجيب لتطلعات الناس اىل الكرامة يف‬
‫كنف الحرية‪.‬‬
‫وينبغي أن ال نغفل من ناحية أخرى عن أن منظومة‬
‫القيم عموما غري قابلة للتغيرّ الرسيع‪ .‬وما ذاك إال أل ّن تغيري‬
‫العقليات أصعب وأبطأ من تغيري الظروف املادية‪ .‬وكثريا ما رأينا‬
‫عرب التاريخ تعايش منظومات قيمية عتيقة مع أوضاع جديدة‬
‫كل الج ّدة ماديا‪ ،‬يف مفارقات عجيبة تحتاج إىل استخالص‬
‫الدروس من نجاحها‪ ،‬كام هو الشأن يف اليابان منذ القرن التاسع‬
‫عرش‪ ،‬وقد نجح نجاحا باهرا يف اكتساب مهارات العرص مع‬

‫الحفاظ عىل تراتبية اجتامعية صارمة وعىل وضع دوين للمرأة‪.‬‬
‫عىل أ ّن ما يدعو يف املقابل إىل قَ ْدر معقول من‬
‫التفاؤل هو أ ّن إمكانيات التواصل التي وفّرتها الثورة الرقمية‬
‫بثّت يف أرجاء املعمورة طموحات مشرتكة إىل ما يضمن‬
‫الحريات الفردية والجامعية‪ ،‬برصف النظر عن االعتبارات‬
‫اإلثنية واللغوية والدينية وغريها‪ .‬واألرجح فيام نرى أ ّن البرشية‬
‫ُمق ِدمة عىل رصاعات حا ّدة عىل كل األصعدة يجدر بنا أن نكون‬
‫مستعدين ملواجهتها بالعلم واملعرفة ال بالخرافات واألوهام‪.‬‬
‫فذلك هو ما يح ّملنا مسؤولية بناء منظومة ِق َيم ليست نسخة‬
‫من املايض بل إبداعا خالقا ننخرط به يف التاريخ وال نكون فيه‬
‫عالة عىل غرينا أو واقعني تحت سيطرة هواة السياسة وتجار‬
‫الدين وجشع املستغلني‪.‬‬
‫إن تونس صغرية ال محالة مبساحتها و ِب َع َدد سكّانها‪،‬‬
‫وال شك أنها كانت تكون أقدر عىل هذا البناء لو تحققت الوحدة‬
‫املغاربية املنشودة‪ ،‬لكن ال يشء مينع إن ص ّح العزم ورغم كل‬
‫الصعوبات من أن تكون برجالها ونسائها‪ ،‬وبفضل عبقرية‬
‫شعبها وكفاءة نُ َخبها‪ ،‬يف طليعة الذين يتوصلون إىل الحلول‬
‫التي تبحث عنها البرشية قاطبة‪ ،‬وأمنوذجا يُحتذى يف االرتقاء‬
‫مبستوى الوعي باملواطَنة بكل رشوطها لدى كل الفئات‪ ،‬ويف‬
‫جعل االقتصاد يف خدمة الجميع ال يف خدمة أقلية محظوظة‪.‬‬
‫وليس هذا بعزيز عليها متى آمنت بقدرتها عىل ذلك‪ ،‬وتخلصت‬
‫من ال ُعقَد التي تعيقها عن ما يحقّق ِ‬
‫السلْم واألمان والسعادة‬
‫والتقدم‪ .‬ولِن ْذكُر دامئا أ ّن القيم يف عرصنا كونية أو ال تكون‪ ،‬وإن‬
‫تعددت السبل إليها واملظاهر التي تتجىل فيها‪.‬‬

‫اليوم الدولي للمندوبين‬
‫الذكرى الخامسة والسبعين لمؤتمر سان فرانسيسكو‬
‫املندوبون يحيون األمم املتحدة وبدون املندوبني من قبل بلدانهم‪،‬وبالتايل فإنهم‬
‫وجودهم ملا كانت هذه املنظمة كام يتبعون مصالح الحكومة التي يخدمونها‪.‬‬
‫هي‪ .‬فانهم يتفاوضون عىل االتفاقات‬
‫وينسقون مع بلدانهم‪ ،‬ويشكل بعضها وقد قررت الجمعية العامة لألمم املتحدة‬
‫تحالفات‪ ،‬والبعض اآلخر يكافح من أجل تسمية يوم ‪ 25‬أفريل باليوم الدويل‬
‫التنازالت‪ .‬وبهذه الطريقة يجسدون للمندوبني‪ ،‬وذلك لزيادة الوعي بالدور‬
‫الذي يقوم به ممثيل ومندويب الدول‬
‫التعددية التي متثلها األمم املتحدة‪.‬‬
‫األعضاء يف األمم املتحدة‪.‬‬
‫ميثل املندوبون بلدانهم يف اجتامعات‬
‫األمم املتحدة‪ .‬ما مل يكن هناك سيايس ذو باعتامدها القرار ‪ ،73/286‬تعرتف‬
‫رتبة أعىل‪ ،‬ويتحدث املندوبون ويصوتون الجمعية العامة بأهمية الدور الذي‬
‫نيابة عن بالدهم يف الجمعية العامة لألمم يضطلع به مندوبو الدول األعضاء يف‬
‫املتحدة‪ ،‬ويف منتديات أخرى‪ ،‬مثل مجلس األمم املتحدة يف تنفيذ األهداف الرئيسية‬
‫األمن التابع لألمم املتحدة‪ .‬ويتم تعيني لألمم املتحدة‪ ،‬وال سيام يف صون السالم‬

‫واألمن الدوليني واستخدام األداة الدولية‬
‫يف ترقية الشؤون االقتصادية واالجتامعية‬
‫للشعوب جميعها‪ ،‬ويف تعزيز وتشجيع‬
‫احرتام حقوق اإلنسان والحريات‬
‫األساسية‪ ،‬عىل النحو املتوخى يف ميثاق‬
‫األمم املتحدة‪ ،‬وكذلك يف تعزيز تعددية‬
‫األطراف الفعالة‪.‬‬
‫يعد يوم املندوبني الدويل لعام ‪2020‬‬
‫خاصا لسببني‪ ،‬أوال‪ ،‬سيتم االحتفال باليوم‬
‫ً‬
‫الدويل للمندوبني للمرة األوىل يف ‪25‬‬
‫أفريل ‪ ،2020‬وهو اليوم الذي يصادف‬
‫كذلك االحتفال بالذكرى الخامسة‬
‫والسبعني ملؤمتر سان فرانسيسكو الذي‬
‫أرىس أسس األمم املتحدة‪.‬‬
‫الخميس ‪ 23‬أفريل ‪ - 2020‬العدد ‪23‬‬

‫الجريدة المدنية‬
‫مقدمة‬

‫هل وجدنا‬
‫األجوبة؟‬

‫نحن فقط نحاول دخول األسئلة الجديدة‪ .‬مل نعرفها‬
‫من قبل‪ .‬أسئلة ال تثبت‪ ،‬وهذا الحدث الجلل يأيت كلّ‬
‫يوم بالجديد ويلغي ما سبق‪.‬‬
‫إنه زمن الكورونا‪.‬‬
‫كشفت األزمة الحالة الكثري‪ ،‬يف إدارة الدولة ونظام‬
‫العالقات االجتامعية ويف منظومة القيم التي تحكم‬
‫فعال والتي قد تكون غُلفت باليومي‪ .‬وعلينا أن نجمع‬
‫أكرث ما ميكن من املعطيات واملؤرشات ونحاول تحليلها‬
‫للبناء‪ ،‬ويف نفس اآلن نتفاعل مع األحداث حتى نحافظ‬
‫عىل االستمرار‪.‬‬
‫هي معركة ال نعرف كلّ األعداء فيها‬
‫هي معركة أكرث من طب ّية‪ ،‬وقد يسقط يف أيدي «الجيش‬
‫األبيض» كام يسمى‪ ،‬فبعد هذه األسابيع الطويلة بدأت‬
‫مشاكل االقتصاد التي تتجاوز األقطار وتُنبؤ األخبار‬
‫بأزمة مالية جديدة تصيب من له املال ومن ال ميلكه‪.‬‬
‫يف البداية كانت قيمة التضامن تأيت عىل كثري من‬
‫األلسن من أهل الحكم إىل أهل الخري وأهل الحق‬
‫وأهل الحاجة‪ ،‬لكن رسعان ما بدأ السعي إىل االلتفاف‬
‫عليها لتدفع الشغيلة الثمن ولتتضاعف أزمة الفئات‬
‫املفقرة واملهمشة‪.‬‬
‫كشفت الجائحة النسب الحقيقية للفقراء‪ ،‬وأيضا نسبة‬
‫التشغيل الهش حيث فقد عرشات اآلالف وظائفهم‪.‬‬
‫وبعد بطالة أيام قليلة كانوا تحت خط الفقر‪.‬‬
‫**‬
‫يف هذا امللف‪ ،‬نحن بصدد محاوالت قراءة األزمة بشكل‬
‫ُمختلف‪ .‬نحاول أن نبحث يف ترتيب «اإلنسان» بعدها‪.‬‬
‫ما بعد الجائحة ليس كام قبلها! ولكن ليس بالرضورة‬
‫إن هي كشفت ُحكم السوق أال ينترص السوق من‬
‫جديد‪ .‬إن هي إال موازين قوى‪ ،‬ولكن األكيد أن الكثري‬
‫من الناس حول العامل لن يصمتوا عىل غياب العدالة‬
‫وعىل استئثار قلة بالرثوات‪ ،‬فمع األزمة كانت الشعوب‬
‫يف مواجهة الخوف والجوع واملوت‪ ،‬ومل تتمكن‬
‫لالستعداد ليس فقط بسبب التفيش الرسيع للوباء‬
‫ولكن أيضا أنه مل تكن لهم مرافق صحية وخرب كاف‪.‬‬
‫**‬
‫نحن نبادر بهذا امللف علنا نفتح للرأي العام الوطني‪،‬‬
‫وللمفكرين والنشطاء والنقابيني بابا لبداية التفكري يف‬
‫منظومة القيم ونظام العالقات ما بعد الكورونا‪ ،‬ويقينا‬
‫أ ّن أمورا كثريا ستتغري مبارشة بعد رفع الحجر‪ ،‬وأن‬
‫تداعيات كثرية ممكنة‪.‬‬
‫العامل يتغيرّ ‪ ،‬وكل سيفتح دفرت الحساب‪ ...‬وه ّمنا أن‬
‫نُعيد التفكري يف اإلنسان وأن نؤسس لعامل أفضل ألجيال‬
‫لن نكون بينها‪.‬‬
‫ هل وجدنا األجوبة؟‬‫ نحن نحاول ترتيب األسئلة‪.‬‬‫املدنية‬
‫الخميس ‪ 23‬أفريل ‪ - 2020‬العدد ‪23‬‬

‫‪4‬‬
‫ما بعد كورونا النقابت يجب أن تكون في قلب الحراك القيمي‬

‫هذه املرحلة على قساوتها النفسية باعتبارها أشبه بالسجن املسيج بالخوف من‬
‫الفناء إال أنها ستكون بال شك محطة مهمة إلنعتاق الذات من سجن أكرب‬
‫عديدة هي املراجعات التي بات‬
‫يفرضها فريوس كورونا املستجد‬
‫خصوصا بعد حصيلته الكارثية‬
‫يف األرواح أوال وعىل املستويني‬
‫اإلجتامعي واالقتصادي ثانيا‬
‫حصيلة أكدت مبا ال يدعم مجاال‬
‫للشك بأن النظام الرأساميل الذي‬
‫نصرالدين ساسي* ساد بقيمه وأحالمه الوردية‬
‫وتركيزه املفرط عىل قيم النجاعة‬
‫وخوصصة الخدمات واملرافق‬
‫العامة والتفويت يف دور الدولة لصالح افراد ومجموعات تنشط يف‬
‫مختلف القطاعات قد أظهر حدوده وفشله يف التأسيس ملنظومة قيمية‬
‫ال تكون منتجة لألزمات وتكون قادرة عىل إدارتها يف حال وقوعها‪ .‬هذا‬
‫النظام أثبت حدوده خصوصا يف القطاع الصحي يف كافة الدول التي مر‬
‫بها الفريوس حيث ظهر جليا قيمة مؤسسات الدولة والقطاع العام يف هذا‬
‫املجال الحيوي وان القطاع الخاص مل يكن سوى واجهة ومجاال استثامريا‬
‫للربح ومل يحرص عىل متلك أدوات إدارة األزمات بشكل تشاريك وتضامني‬
‫فاعل‪.‬‬
‫يف تونس عرى هذا الفريوس بؤر الفقر وانعدام التوازن والتجانس‬
‫االجتامعي وهشاشة مواطن الشغل وضعف البنى التحتية والتخلف‬
‫التكنولوجي وتردي منظومتي التعليم والصحة زيادة عىل تدين مستويات‬
‫الحوكمة والحس املواطني وهذا االخري أثبت نجاعته يف إنجاح املعركة‬
‫ضد الفريوس يف عديد البلدان من خالل فعالية التزام املواطنني بضوابط‬
‫الحجر ومقاييس التباعد االجتامعي‪ .‬هذا الواقع الجديد الذي كان مغيبا‬
‫تحت الفتة االنتقال الدميقراطي وحمى الرصاعات السياسية واملحاصصات‬
‫الحزبية ظهر اليوم بأننا مازلنا بعيدين عن االنتقال الدميقراطي ومقوماته‬
‫عىل املستوى السيايس وإدارة الشأن العام للبالد ولعل بارقة األمل يف‬
‫تونس تكمن يف تنامي دور مكونات املجتمع املدين وتطوره يف إتجاهني‬
‫أوال عرب املساهمة الفاعلة واملبارشة يف إدارة األزمة من خالل التطوع‬
‫والتوجيه وإسناد الفيئات الهشة اجتامعيا أو عمريا كام ساهم املجتمع‬
‫املدين بفاعلية أيضا يف عمليات الفضح والتبليغ عن مختلف التجاوزات‬
‫بشكل «أحرج» السلط وحرك الرأي العام‪ .‬االتحاد العام التونيس للشغل‬
‫من جهته واصل لعب دوره الوطني منذ اإلعالن عن اكتشاف أول حالة‬
‫عدوى بهذا الفريوس يف تونس شهر مارس املنقيض حيث إنخرطت املنظمة‬
‫النقابية منذ البداية يف مسار مواجهة تفيش هذا الوباء وقد حرصت‬
‫أوال عىل الحفاظ عىل صحة العامل وحاميتهم وتفعيل التضامن النقايب‬
‫والعاميل والدفع نحو إقرار اإلجراءات االجتامعية بالتوازي مع إجراءات‬
‫إنقاذ املؤسسات االقتصادية وضامن شفافية إدارة هذه األزمة الصعبة‪.‬‬
‫متغريات ومجاالت مفتوحة للتفكري‬
‫جميع رجال الفكر وعلم االجتامع أكدوا بأن فريوس كورونا سيفصل‬
‫بالرضورة بني مرحلتني ما قبله وما بعده ومن املؤكد اليوم بحسب مجمل‬
‫األطروحات بأن العامل لن يعود إىل ما كان عليه يف السابق سواء مرحليا عىل‬
‫املدى القصري أو كذلك عىل املدى البعيد وقد بدأت هذه الجائحة بالفعل‬
‫يف إحداث تحوالت يف النظام الحايل بطرح عديد املتغريات ورضب عديد‬
‫الواجهات ودحض األكاذيب التي كانت تروج عىل أساس أنها نجاحات‬
‫للنظام الرأساميل لتفجر بؤرا وتفتح نوافذ للتفكري عىل مختلف املستويات‬
‫الذاتية والنفسية وكذلك االقتصادية واالجتامعية واالبستيمولوجية‪ ،‬صدمة‬

‫هذا القاتل املجهري املتخفي وعجز العلم عن كبح تفشيه وحقيقة هشاشة‬
‫دول ومجتمعات وقارات كلها عوامل قادحة للتفكري وإعادة النظر لبلورة‬
‫مقاربة قيمية جديدة تتناسب مع حقيقة األوضاع التي فضحها تفيش‬
‫هذا الوباء‪.‬‬
‫من جدران املنازل ومن الحجر الصحي املفروض عىل أكرث من سكان الكرة‬
‫األرضية تنطلق خيوط التحليل والتفكري يف مسار اإلنسان وسط هذا النسق‬
‫الجنوين الذي جعل من الذات اإلنسانية دمية يتحكم فيها منط االستهالك‬
‫وتراقصها العالمات التجارية ويحضنها الرخاء الكاذب من الحجر يجب أن‬
‫تبدأ املراجعات ومحاوالت بلورة رؤية جديدة لهذا العامل املجنون بالسعي‬
‫إىل أنسنتها وعقلنتها وعدم ترك املجال لتكون الذات فردا من قطيع ال‬
‫متلك ملصريها قدرا وال هي قادرة عىل صنع مصريها لذلك فإن هذه املرحلة‬
‫عىل قساوتها النفسية باعتبارها أشبه بالسجن املسيج بالخوف من الفناء‬
‫واملرض إال أنها ستكون بال شك محطة مهمة إلنعتاق الذات من سجن أكرب‬
‫وإنفالتها من قيود االستهالك ومنطه املفروض من النظام الرأساميل‪ .‬كورنا‬
‫سيدفع نحو عديد املراجعات وسيضع عديد القيم السائدة واملعلبة عىل‬
‫املحك وقد تأكد بأن نتائجه الراهنة واملستقبلية ستقوض املنظومة القيمية‬
‫التي باتت مهرتئة وغري متجانسة فهي من أول الضحايا الواجب إنعاشهم‬
‫بضخ «أكسيجني» اإلنسانية والبعد االجتامعي والتضامني حتى ال يفقد‬
‫اإلنسان إنسانيته وحتى يعود برغبة أكرب وقدرة أفضل عىل بناء عامله كام‬
‫يريد ويشتهي‪.‬‬
‫النقابات في قلب الحراك القيمي‬
‫تعترب النقابات من الفاعلني الرئيسني يف املشهد العاملي ما بعد الكورونا‬
‫باعتبارها من أكرث األطراف املترضرة مبارشة من تبعات هذا الفريوس والذي‬
‫تشري جل اإلحصائيات عىل أن فواتري الترسيح والبطالة ستكون باهظة عىل‬
‫األجراء يف مختلف املجاالت والقطاعات وعليه فإن الحركة النقابية مطروح‬
‫عليها اليوم قراءة هذا الواقع بشكل يدفع نحو التأسيس ملنظومة قيمية‬
‫جديدة من دعامئها أوال تعديل اإلختالالت من حيث العدالة االجتامعية‬

‫‪5‬‬
‫والجبائية والتنمية االقتصادية العادلة والتوازن الجهوي التي ساهم فيها‬
‫النظام الرأساميل املتوحش طوال العقود السابقة لذلك فإن الخطوة األوىل‬
‫التي يجب اتخاذها يجب أن تدعم قيمة العدالة وتكافؤ الفرص بني جميع‬
‫فئات وأفراد املجتمع‪ .‬وثاين الخطوات الرضورية يجب أن تكون عىل مستوى‬
‫إعادة االعتبار والقيمة لدور الدولة التي تبقى ضامنة ملدى النجاح يف مواجهة‬
‫األوبئة واألزمات ليعود مفهوم الدولة الراعية بقوة خاصة يف فرنسا وأملانيا‬
‫وكندا ومن بني املراجعات الرضورية كذلك عىل مستوى تفعيل قيم التضامن‬
‫العاميل والنقايب واإلجتامعي خصوصا وأن تبعات األزمة وكلفتها االجتامعية‬
‫ستكون باهضة من خالل ترسيح ماليني العامل وإحالتهم عىل البطالة وتنامي‬
‫الفقر والخصاصة وهو ما يقتيض تفعيل الجهود التضامنية ملواجهة مشرتكة‬
‫لهذه التبعات الوخيمة والتي من املنتظر ان تستمر طوال العامني القادمني‬
‫وهي فرتة سرتهق الشعوب عىل مختلف االصعدة‪.‬‬
‫من بني املجاالت االساسية املفتوحة عىل املراجعة هي تدعيم قيم املواطنة‬
‫واملامرسة الدميقراطية وتغليب الحس الوطني ومشاعر اإلنتامء للوطن حيث‬
‫أثبتت عديد املعطيات واملستجدات االخرية عزم عديد املؤسسات املنتصبة‬
‫خارج حدودها العودة إىل موطنها يف مهمة سيادية وطنية مع توصيات عدد‬
‫من الدولة إىل تقليص التوريد والتصدير واالعتامد عىل املنتجات املحلية‬
‫مبختلف أنواعها عالوة عىل تأميم الرشكات الهامة عىل غرار خطوط الطريان‬
‫وغريها من املؤسسات الوطنية الكربى والسيادية لذلك من الواجب اليوم‬
‫تدعيم قيم املواطنة واالنتامء وتخفيف أشكال التبعية ودفع ثقافة العمل‪ .‬من‬
‫ابرز امليادين التي تقتيض املراجعة واملرتبطة بأهمية دور الدولة هي أهمية‬
‫القطاع العام وخصوصا يف مجايل الصحة والتعليم حيث شكال هذين القطاعني‬
‫دعامة للبلدان يف مواجهة فريوس كورونا والحد من ضحاياه‪ ،‬لذلك اليوم ال‬
‫مفر من اإلستثامر يف هذين القطاعني الواعدين وإعالء قيمتهام لنتجنب جميعا‬
‫اإلنزالق نحو الهاوية او الوقوف عىل أسوار الدول وارتهان مصرينا باملعونات‬
‫ومبا تنتجه التكنولوجيا يف تلك البلدان‪.‬‬
‫النقابات مطروح عليها اليوم مراجعة سلم املهن ومدوناتها ونظم تأجريها‬
‫حيث أثبتت مواجهة فريوس كورونا أن خط املواجهة األول سواء من عامل‬
‫الصحة أو النظافة او االسالك االمنية والجيش والديوانة التي تواصل العمل‬
‫يف هذه الظروف الصعبة والخطرية ليست هي األعىل يف سلم التأجري ويف‬
‫املكاسب واإلمتيازات وظروف العمل بل هناك قطاعات اخرى تنعم بعديد‬
‫اإلمتيازات واألجور املرتفعة لكنها ال تلعب دورا يذكر يف األزمات والحروب‬
‫ويف معركة البناء وعليه فإن إعادة النظر يف األدوار املجتمعية وتثمني املهن‬
‫وتقريب نظم التأجري من اإلجراءات الهامة يف بناء العدالة االجتامعية وتدعيم‬
‫الشعور باالنتامء والتشجيع عىل البذل والعطاء‪.‬‬
‫وأخريا ال شك يف االنسان سينترص ضد الفريوس لكنه يبقى مطالبا باالنتصار‬
‫لذاته وبناء عامل جديد يسوده العدل واملساواة والتضامن والخري‪.‬‬

‫∑‬

‫الجريدة المدنية‬

‫أي دور لإلنسانيات‬
‫يف منظومة قيم جديدة؟‬
‫محمد صالح عمري‬
‫(أستاذ األدب العربي والمقارن‪ ،‬جامعة أكسفرد)‬
‫تستهدف الجائحة الحياة يف ح ّد ذاتها وبذلك يتح ّول الوجود اإلنساين يف أغلبه إىل محاولة‬
‫البقاء عىل قيد الحياة‪ ،‬ويصعب التفكري يف املستقبل أو االسترشاف‪ .‬ولعلّ ألبري كامو الذي‬
‫أعطانا يف رواية “الطاعون” أحد أكرث التأمالت عمقا يف املوضوع كان محقَا حني قال‪“ :‬ما‬
‫أقىس أن يحيى اإلنسان فقط مبا يعرفه أو يتذكره‪ ،‬مقطوعا عام يأمل فيه”‪ .‬وهي قساوة أن‬
‫“يعيش اإلنسان العقم املحبِط لحياة بدون أوهام”‪ .‬واألوهام هنا تعني فيام تعنيه التخييل‬
‫والتخيل‪ ،‬أي الفنون واآلداب بأنواعها‪ .‬والتاريخ يعلّمنا أ ّن مثل هذه الحاالت عادة ما تثري عىل املستوى الثقايف والفني تفاعالت تتأرجح‬
‫بني إغراء الديستوبيا أي تصوير مستقبل داكن للعامل واليوتوبيا باعتبارها تحتفل باألمل وتبقي عىل الرغبة يف عامل أفضل حتى وإن كان‬
‫يبدو غري قابل للتحقيق‪ .‬أما عىل مستوى التفكري فعادة ما يجنح الناس إىل تفكري الطوارئ أو التفكري االستعجايل ِع َوض التفكري املستدام‬
‫أو اإلسترشايف‪.‬‬
‫فقد أعادت الجائحة الحالية إىل السطح مفهومني متناقضني وهام العوملة العابرة للحدود والحدود املنغلقة عىل الذات‪ .‬فالفريوس‬
‫متوسال بوسائله‬
‫يف حلّه وترحاله مل يعرتف بحدود سلطان املال واألعامل والجنس والجندر وغريها‪ ،‬فشمل العامل بأرسه يف رسعة فائقة ّ‬
‫مثل عاملية ورسعة تنقّل البرش والبضائع‪ .‬أما ردود الفعل والتي متثلت أساسا يف إيقاف حركة املالحة والطريان وإغالق الحدود والعزل‬
‫والحجر والحظر والتباعد االجتامعي فجميعها مفاهيم حدودية باألساس‪ .‬وكانت النتيجة غياب التفكري ضد الحدود املادية وخارج‬
‫الحدود الفكرية املتوارثة‪ ،‬أي التفكري خارج التسييج واألسالك والجدران والخنادق من قبيل حائط األبرتايد اإلرسائييل وجدار الحدود‬
‫املكسكية وجدران البحر املتوسط العامئة وغريها‪.‬‬
‫ويف املقابل نالحظ تهميشا كامال ملؤسسات دولية مثل األمم املتحدة ومجالسها املختلفة وتنافسا دوليا محموما حول املواد الصحية‬
‫وتغ ّوال يف الحصول عليها إلنقاذ مواطني كل بلد عىل حدة‪ .‬والخالصة أ ّن الوباء كشف هشاشة الوجود اإلنساين يف شكله الحايل مهام‬
‫اختلفت نظم الحكم ودرجات «التقدم» االقتصادي واملعريف‪ .‬كام ع ّرى منظومة القيم الحالية ومؤساساتها‪ .‬وبذلك وضع املركزيات‬
‫موضع نقد وتساؤل‪ ،‬ومنها مركزية اإلنسان يف عالقته العدائية بالطبيعة ومركزية الغرب الرأساميل يف إخضاعه كل يشء ملفهوم التنافس‬
‫الربح و مركزية مفاهيم ومامرسات دينية وفكرية ت ّدعي احتكار الحقيقة واحتكار القيم‪ .‬وهو بذلك يدفع إىل التفكري يف بدائل وقيم‬
‫أمنت وأفضل‪.‬‬
‫وال يخفى أ ّن املسألة ليست نظرية بقدر ما هي عملية ومصريية‪ .‬فأكرث ما احتاجت إليه اإلنسانية زمن الجائحة هو التضامن اإلنساين‬
‫يف جميع مستوياته‪ .‬وأكرث ما جعلها تستطيع التغلّب عىل العزل والحجر هو الفنون والثقافة والعلم‪ ،‬فقد أصبح األطباء والعلامء نجوما‬
‫جديدة حلّت محلّ أيقونات االستهالك الرتفيهي املعهودة وانتفت ظواهر مثل املوضة واالستعراض لتع ّوض بنوع من تقديس ألشياء‬
‫ال عالقة لها باملشهدية والفرجة‪ ،‬مثل السرتة البيضاء واأللبسة الصحية الواقية‪ ،‬وغطّت الكماّ مات االبتسامات وكادت «السلفيات» أن‬
‫تصبح من املنكرات‪.‬وتقلّص حجم السياسيني واختفى العديد منهم خلف سلطان العلم واملعرفة العلمية التي أصبحت تحظى بنوع‬
‫من الثقة املطلقة مماّ جعل السلطة الدينية تسلّم لها بعض نفوذها‪ .‬ولك ّن الجوائح والكوارث كانت دامئا مداخل لالستبداد والفساد‪.‬‬
‫وتوسع العقول»‪ ،‬كام يقول الكواكبي‪.‬‬
‫ولذا وجب بناء يقظة نقدية أرى أ ّن أسسها تكمن يف اإلنسانيات‪ ،‬تلك العلوم التي «تكبرّ النفوس ّ‬
‫وعليها ميكن أن نع ّول من أجل بناء منظومة قيمية جديدة تأخذ بعني االعتبار التفكري العابر للحدود الراهنة كبوصلة‪ ،‬ونقد املركزيات‬
‫واملسلامت كأدوات‪ .‬ويف هذا االتجاه أتقدم باملقرتاحات التالية يف اإلطار العريب عموما والتونيس خصوصا‪.‬‬
‫التدخّل العاجل عىل املستويني املحيل والعاملي بهدف حامية اإلنسانيات امله ّددة ودعم اإلنسانيات الصاعدة يف نفس الوقت‪ .‬وأدعو‬
‫بالخصوص إىل تكثيف التبادل والحوار بني العامل العريب وبلدان “الجنوب العاملي” وخصوصا الشعوب التي م ّرت بحاالت استبداد وعنف‬
‫اجتامعي واثني وبانتقال دميقراطي‪ ،‬وذلك لتشابه املسارات التاريخية والتشكيالت االجتامعية والعالقة باملركز الغريب‪ .‬وال يخفى ما لهذا‬
‫التعاون من أهمية يف كرس املركزية الغربية وأمناط تبادل املعرفة‪.‬‬
‫الدعوة إىل مواصلة تفكيك ونقد املنظومتني االستعامرية واالسترشاقية‪ ،‬ومقاومتهام‪ .‬وهو عمل ذو طبيعة معرفية وسياسية يف نفس‬
‫الوقت‪ .‬ومن تبِعاتِه الدفع نحو التبادل الن ِّدي للمعرفة وتعميم وتنويع التجارب املقارنة‪ ،‬وكرس العالقة غري املتوازنة بني املركز والهامش‪،‬‬
‫وتثمني املعرفة املحلية (أي العربية والقُطرية يف هذا اإلطار) وإبالئها أه ّمية علمية مناسبة‪ .‬ولعل ترجمة العلوم اإلنسانية العربية إىل‬
‫لغات البحث عىل املستوى العاملي‪ ،‬مثل اإلنجليزية ولغات ها ّمة مثل الصينية واإلسبانية‪ ،‬يعترب العنوان البارز لهذا الهدف‪ ،‬باإلضافة إىل‬
‫رضورة التشبيك األفقي مع باحثني عىل قاعدة االتفاق حول األهداف املذكورة هنا‪.‬‬
‫ربط عالقة أوثق وأمنت بني منتجي اإلنسانيات العرب املقيمني يف الداخل واملقيمني يف الخارج أو يف املهجر‪ ،‬وتبادل الخربات والتجارب‬
‫بهدف مشرتك يتمثل يف تطوير ودعم اإلنسانيات العربية يف املجال الرتبوي وعموم املجتمع يف الخارج والداخل‪ .‬وهذا من شأنه‬
‫أن يسمح بدعم تناغُم واندماج ونرش اإلنسانيات يف املجالني معا‪ .‬واملالحظ أنّه باستثناء املجالني العائيل والديني توجد قطيعة بني‬
‫الجامعتني فيام يخص الفنون واآلداب واملعرفة العلمية‪ ،‬والحال أ ّن املهجر والوطن األم ميثّالن روافد وموارد هامة لإلنسانيات‪ ،‬وهو ما‬
‫مثّنته مجتمعات أخرى متكّنت من الربط الب ّناء بني الخارج والداخل‪.‬‬
‫ترسيخ معرفة اللغات األجنبية وتعميمها والحرص عىل الرتجمة‪ ،‬مبا يف ذلك نقل اإلنسانيات العربية إىل اللغات األجنبية وتكثيف ترجمة‬
‫اإلنسانيات األجنبية إىل العربية‪.‬‬
‫رضورة تدعيم حضور اإلنسانيات يف أي مرشوع إلصالح التعليم‪ ،‬وذلك عىل مستوى أفقي أي بإدراج اإلنسانيات ضمن مقررات جميع‬
‫كتخصص‪.‬‬
‫أنواع االختصاص‪ ،‬وعىل مستوى عمودي بدعم عمومي وخاص لإلنسانيات َ‬

‫الخميس ‪ 23‬أفريل ‪ - 2020‬العدد ‪23‬‬

‫الجريدة المدنية‬

‫‪6‬‬
‫الكورونا وما بعدها‪:‬‬

‫االحراجات النظرية واالختيارات اإليديولوجية‬

‫أ‪.‬حميد بن عزيزة‬

‫ألن اإلنسان هو القيمة املثىل‪،‬‬
‫يعود عىل املجتمع ضامن عيشه‪،‬‬
‫بتصور آليات تفصل األجرة عن‬
‫العمل‪ ،‬لندرته‪ ،‬وتضمن دخل‬
‫كرامة يصون ويحفظ الحياة‬
‫ذاتها‪ .‬كل الباقي هي ترقيعات‬
‫الغري‪.‬‬

‫متعددة‬
‫‪–1‬مقاربات‬
‫وتشخيصات متنافرة‬
‫بعضهم رأى يف جائحة الكورونا ظاهرة طبيعية عادية سيأيت‬
‫العلم عىل ردعها وتخليص اإلنسانية من وطأتها‪ ،‬وأنه من‬
‫السابق ألوانه االحتفاء بفناء العوملة‪ ،‬وبنمط حياتها‪ ،‬وان‬
‫اإلنسانية سوف تعود لسالف نشاطها‪ .‬أما الخطر الداهم‬
‫فليس يف الجائحة ذاتها بقدر ما ترتب عنها من تطور‬
‫مذهل يف طرق وأساليب املراقبة املعممة‪ ،‬املمنوحة من‬
‫التطبيقات التقنية املحددة ألمكنة تواجد األشخاص وتتبع‬
‫مسالك حركاتهم وتثبيت لقاءاتهم‪ .‬إن النقلة النوعية من‬
‫تقنية املراقبة «فوق الجلد» إىل املراقبة «تحت الجلد» هي‬
‫السمة املفزعة ملصادرة حرية البرش والنبش يف طبائعهم‬
‫وأشواقهم وميولتهم‪ .‬ومن مثة العمل عىل توظيفهم حسب‬
‫رغبات السلطة وطموحاتها‪ .‬ذلك هو الخطر املحدق الذي‬
‫يرصده مؤلف « اإلنسان العاقل» واالنسان االاله» يوان‬
‫نواههريري‪ 1،‬والذي يطرح من جديد مسالة الحدود‬
‫اإليتيقية التي يتعني عىل كل مجتمع وضعها أمام ممكنات‬
‫االنحرافات قصد فرض مراقبة مستمرة عىل الجميع(حمل‬
‫السوار البيو مرتي)‪ .‬وهو ما رأى فيه جيورجيو أقمبنان‪2‬‬
‫حيلة السلطة لفرض حالة طوارئ مستمرة‪ ،‬أي مصادرة‬
‫سلطوية للحريات‪ .‬ومثل هريري كرث‪ .‬ما نشهده ليس‬
‫إعالن موت العوملة بل بداية تشكل عوملة ثالثة‪ 3،‬تخصص‬
‫الثورة الرقمية واالنتقال الرقمي‪ ،‬وما تحمله من تغريات يف‬
‫سلوكيات العمل وأمناطه‪ ،‬ورمبا الحلم بحصول وفاق تاريخي‬
‫بني أنصار كينز وورثاء فريدمان‪ ،‬أي مصالحة بني الدولة‬
‫والسوق‪ ،‬بني العام والخاص‪ ،‬بني التخطيط واملبادرة الحرة‪.‬‬
‫وهو ما جعل البعض يتحسس «عودة السيايس»‪ ،‬والحنني‬
‫للدولة الراعية‪ ،‬والتنظري للسياسة االقتصادية « االرادية»‬
‫لدفع االقتصاد وإعادة بنائه من جديد‪ ،‬وكأنهم مل يفهموا‬
‫كام الحظه عن وجاهة بيتور‪ ،‬أن الوقت ليس للعودة لنمط‬
‫اإلنتاج ولعقيدة النمو الراسخة يف العقول‪ ،‬بل يف تفعيل‬
‫أدوات الوقاية املستعملة ضد الجائحة‪ ،‬ملقاومة العودة‬
‫لنمط العيش القديم والدفع نحو تغيري براديڤامت العالقة‬

‫‪https://www.letemps.ch/monde/monde-apres- 1‬‬
‫‪coronavirus-yuval-noah-harari‬‬
‫‪https://acta.zone/giorgio-agamben-coronavi� 2‬‬
‫‪>rusetat-dexception‬‬
‫‪Roger Guesnerie, « En route vers une 3ème 3‬‬
‫‪mondialisation ? », in La Tribune, 16 /04/2020‬‬

‫الخميس ‪ 23‬أفريل ‪ - 2020‬العدد ‪23‬‬

‫مع الطبيعة وتفعيل جاد ملبدأ املسؤولية‪ 4‬تجاهها وبناء‬
‫«عقد طبيعي» وتفعيل مضامينه‪ ،‬مبنح الطبيعة صفة الذات‬
‫القانونية‪ ،‬كام دعا له ميشال سار يف كتابه الشهري‪ :‬العقد‬
‫الطبيعي‪ .5‬يف نفس السياق تدعو عاملة االجتامع دومنيك‬
‫ميدي‪ 6‬إىل ممكن آخر‪ ،‬يقوم عىل أنقاض النموذج االقتصادي‬
‫واالجتامعي الذي وصل إىل حدوده‪ ،‬بعد أن حطم البرش‬
‫والطبيعة معا‪ ،‬وأن ما بعد كورونا هو تجسيد لقطيعات ما‬
‫بعد النمو‪ ،‬لتحقيق املصالحة املنشودة بني االنتقال البيئي‬
‫والعدالة االجتامعية‪ ،‬بني العمل النافع ومعناه ورشوط‬
‫الحياة اإلنسانية الحقيقية‪ .‬هناك متاثل كام يكتب عن‬
‫وجاهة‪ ،‬محمد رشيف فرجاين‪ 7‬بني سلعنة العامل وعوملة‬
‫األوبية‪ ،‬وأن مسؤولية اإلنسان واختياراته املعيشية كاملة‬
‫يف انخرام التوازن البيئي‪ ،‬وتواتر الجوائح ورسعة انتشارها‪.‬‬
‫إن مرشوع الدميقراطية االجتامعية هو تصور لنمط عيش‬
‫مغاير‪ ،‬يوفق بني حقوق الطبيعة وحقوق اإلنسان‪ ،‬يصالح‬
‫بني اإلنسان ومحيطه‪.‬‬
‫تلك هي بعض املقاربات حول ظاهرة كورونا وتداعياتها‪،‬‬
‫مل نأيت إال عىل القليل منها لضيق املساحة املخصصة لنا يف‬
‫هذا املقال املوجز‪ .‬ميكن الرجوع إىل مقال مطول يرسم فيه‬
‫كاتبه طبيعة العالقة بني تطور منط اإلنتاج الراس مايل ونشأة‬
‫األوبئة‪ ،‬وطرق انتقال العدوى من الحيوان إىل اإلنسان‪،‬‬
‫وكيف نفهم رسعة انتشارها وعبورها للقرات‪.8‬‬
‫‪ 2‬جائحة كورونا‪ :‬قيم الغد بين التسمية والواقع‬‫مل يجانب ماكيفيل وهيجل الصواب عندما رصدنا يف أزمنة‬
‫املحن‪ ،‬فرصا مثينة للتفكري‪.‬‬
‫لنفكر إذا يف سامت األزمة ويف جذورها ويف عواقبها‪ ،‬حتى‬

‫‪Hans Jonas, Le principeresponsabilité 4‬‬
‫‪Michel Serres, Le contrat naturel 5‬‬
‫‪https://acteursdeleconomie.latribune.fr/stra� 6‬‬
‫‪tegie.html‬‬
‫‪https://osae-marsad.org/2020/04/04/avant-et- 7‬‬
‫‪apres-corona-virus-des-enseignements-pour-l‬‬‫‪/avenir‬‬
‫‪https://lundi.am/Qu-est-ce-qu-il-nous-arrive- 8‬‬
‫‪par-Jerome-Baschet‬‬

‫نبني منظومة قيم جديدة‪ ،‬تعيد لإلنسان كرامته‪ ،‬وللمواطن‬
‫حرية املشاركة يف صنع العيش معا ومنح الغريية معناها‪،‬‬
‫وإحياء قيم العدل والتضامن وتقاسم املنافع واملخاطر‬
‫والتوزيع العادل للرثوات‪ .‬لقد كشفت جائحة كرونا عىل‬
‫أزمة النموذج وعىل حدود املنوال‪ ،‬لكن كشفت كذلك عىل‬
‫مخزون كبري من التعاطف الطبيعي بني األفراد‪ .‬مل يبق اآلخر‬
‫«جهنم» كام تقول وجودية سارتر‪ ،‬بل أضحى فرصتي‪ ،‬فرصة‬
‫جسدتها املامرسات التضامنية املتعددة‪ .‬وحتى تجربة الحجر‬
‫ورغم عنارص التفاوت االجتامعي والثقايف والرقمي‪ ،‬فقد‬
‫رسخت قيمة االلتزام وقبول املوانع‪ ،‬وذكرت البرش بحقيقة‬
‫الفناء املعارشة لهم‪ ،‬ورضورة التعود عىل العيش تحت رشط‬
‫الاليقني‪ .9‬لكن كشفت مبا ال يدعو للشك عن قيمة املجتمع‬
‫وثراء الحياة االجتامعية‪ ،‬وحاجة اإلنسان لها‪ ،‬وأن األنانية‬
‫ليست خصيصته‪ ،‬وأنه محمول بطبعه عىل التعاطف مع‬
‫اآلخر‪ .‬هذه القيم هي رهان عامل الجائحة‪ .‬كيف نوفق بني‬
‫العدالة االجتامعية والرشط البيئي والثورة الدميقراطية؟ لقد‬
‫حطم املنحى الغري مراقب للتطور التقني ولعوملة قرسية‪،‬‬
‫تحت رعاية سياسة نيو‪-‬ليربالية متوحشة‪ ،‬ال ترى يف اإلنسان‬
‫إال وسيلة‪ ،‬ألن همها األول املعلن هو الربح األقىص مهام‬
‫كانت السبل‪ .‬كل هذه القيم‪ 10‬صاغت منواال اقتصاديا‬
‫يقوم عىل منطق املنافسة املفرطة واملضاربة املستمرة‪،‬‬
‫بدون حواجز أو معايري‪ ،‬وعىل التهميش املعمم لفئات‬
‫اجتامعية عديدة‪ .‬ال هم له‪ ،‬ال املجتمع وال الطبيعة‪ .‬امل يكن‬
‫مسعى تاترش يف بداية الثامنيات‪ ،‬تفكيك كل يشء يقف‬
‫عائقا أمام تحرير االقتصاد كليا والتخيل الطوعي عن كل ما‬
‫هو عام؟ لقد مضت بعيدا يف تحطيم كل املرافق العامة‪،‬‬
‫مثل النقل والصحة والتعليم العمومي‪ .‬أكرث من ذلك‪ ،‬كان‬
‫همها وغايتها تحطيم فكرة املجتمع ذاتها‪ .‬وهو ما يعني‬
‫عمليا تحطيم كل األفكار املتعلقة بالتضامن أو التعاون‪ ،‬أو‬
‫الكرم‪ ،‬أو الهبة‪...‬الخ‪ .‬تصبح املهمة اليوم إعادة بناء وخياطة‬
‫كل فتقات السياسة العامة التاتشارية‪ ،‬وهو ما يعني إعادة‬
‫إدماج املرفق العام بكل عنارصه يف صلب عقل الدولة‪.‬‬
‫فالتفكري يف املابعد كورونا‪ ،‬هو طرح سؤال كيف‪ .‬كيف نفعل‬
‫قيمة املشاركة املواطنية إلنتاج املشرتك العمومي؟ وكيف‬
‫نسائل الالمساواة‪ ،‬وكيف نفعل قيمة االقتصاد التضامني‪،‬‬
‫وتثبيت قيم الجوار‪ ،‬فأشكال التضامن املحلية العديدة‬
‫ميكن أن تحمل آفاقا جديدة ترسخ دميقراطية جذرية تعيد‬
‫التفكري يف منط إنتاج وتوزيع واستهالك جديد‪ ،‬يقوم عىل‬
‫تلبية حاجات اإلنسان‪ .‬وألن اإلنسان هو القيمة املثىل‪ ،‬يعود‬
‫عىل املجتمع ضامن عيشه‪ ،‬بتصور آليات تفصل األجرة عن‬
‫العمل‪ ،‬لندرته‪ ،‬وتضمن دخل كرامة يصون ويحفظ الحياة‬
‫ذاتها‪ .‬كل الباقي هي ترقيعات الغري‪.‬‬
‫‪Edgard Morin, « Nous devons vivre 9‬‬
‫‪avec l’incertitude », in CNRS, Le journal,‬‬
‫‪06/04/2020‬‬
‫‪Noami Klein, La stratégie du choc. La 10‬‬
‫‪montée du capitalisme du désastre, Actes Sud,‬‬
‫‪2008‬‬

‫‪7‬‬

‫∑‬

‫الجريدة المدنية‬

‫قيم اإلنسان الجديد بعد كمّامة كوفيد !‬

‫بات التطلّع إىل صورة العامل‬
‫بعد انحسار كوفيد التاسع‬
‫عرش وجهة العقل اإلنساين‬
‫الذي مادت تحت أقدامه‬
‫«ثوابته» التي طاملا اطأم ّن‬
‫إليها ‪ .‬فقد تحطم عىل يد‬
‫كوفيد املتناهي يف الصغر‬
‫خالد كرونة‬
‫صنم «القيم اإلنسانية» التي‬
‫تشدّق بها جبابرة العرص من‬
‫املنترصين يف الحروب املدمرة‬
‫التي أرضموها‪ ،‬وأضحت صور طوفان النعوش تهزأ من املنظومات‬
‫التي تُدار بها املجتمعات «الراقية» وتسقط عنها أوهام الحصانة‬
‫ومركبات التعايل ‪ ..‬وما برحت مشهدية النعوش التي متأل الشاشات‬
‫االجتامعي وبدا العامل كرة متدحرجة‬
‫تطعن رسد ّية االنتظام ال ِقيمي و و‬
‫ّ‬
‫نحو هاوية بال قرار‪ ..‬ومل يشهد الناس وداع أحبتهم يف عجز أخرس‬
‫فقط‪ ،‬بل رأوا بأ ّم العني هشاشة املثل العليا التي أنتجتها مجموعة‬
‫الثامنية الكبار ومن يدور يف فلكها‪،‬وسقطت ورقة التوت عن شعارات‬
‫الحرية و حقوق اإلنسان وفق «طبعة» االقتصاد الح ّر‪ ،‬وترنّحت بعد‬
‫أن اختنقت بكماّ مات كوفيد متاثيل الدميقراطية التي ص ّنعها األقوياء‬
‫لتكريس سطوتهم‪ .‬ها هم اليوم عراة إال من عجزهم‪ ،‬وعيون الناس‬
‫تنظر إليهم يف ذهول وقد صارت قيمهم خرافة ال تشبه غري قطعة‬
‫سكر تذوب يف كوب ماء أو فقاعة يخرتقها الهواء فتنقاد إىل التاليش ‪.‬‬
‫إ ّن إعادة صياغة القيم و الع ْو َد إىل نحت املفاهيم مل يعد‬
‫مطمحا ألنتلجنسيا «مارقة» أو «بقايا» هواة اإليديولوجيا‬
‫كام وصموهم‪ ،‬بل فرضت نفسها حتْام تاريخ ّيا ال مناص‬
‫منه‪،‬تحتاجه البرشيّة إلعادة تعريف التضامن بني األمم‬
‫رئتي‬
‫بعد نهاية زمن «األمم املتحدة «و لتجديد الهواء يف ْ‬
‫الكوكب بعد أن عبثت به أدخنة مصانع املوت‪ ،‬وهي‬
‫قيم جديدة ستحاول جعل هذه األرض أكرث قابل ّية للحياة‬
‫للحفاظ عىل الجنس البرش ّي الذي عاد سؤال الكينونة‬
‫ليطفر عىل سطح اهتاممه بعد فجيعته التي استشعرها‬
‫وهو يبصرُ مبعدالت التل ّوث ومبفاعيل االحتباس الحرار ّي‬
‫التي صنعها جشع «الكبار» ‪.‬‬
‫قي ُم ما بعد كوفيد لن تولد برسعة‪ ..‬ستحتاج آالم مخاض‬
‫عسرية‪ ..‬ولك ّنها محكومة بالسري بعد عمى عقود نحو‬
‫استبدال مباحث «حوار الثقافات» و»حوار األديان» و‬
‫مفاهيم «الحق يف االختالف» بجرأة عىل معالجة أسباب‬
‫جوائح أخرى تنهش الجسد اإلنسا ّين املنهك‪ ..‬ستتجه‬
‫فيام نق ّد ُر صوب البحث يف مكافحة الجوع و قطع‬
‫دابر التط ّرف اإلرها ّيب و ستضع عىل بساط البحث وفق‬
‫مداخل جديدة قضايا الهجرة الرسيّة و آفات االتجار‬
‫بالبرش و تدمري البيئة و نهب مقدرات الرتاث املادي‬
‫(وغري املادي أيضا) للثقافة اإلنسانية‪.‬‬
‫طي صفحة الوجع ه ّينا‪ ،‬ولك ّن أجيال ما بعد‬
‫لن يكون ّ‬
‫ستشق طريقها حتام نحو مرافئ اإلنسان بعد‬
‫كوفيد‬
‫ّ‬
‫عاصفة كورونا ‪ ..‬وميكن أن نفرتض أنّها يف بداية أمرها قد‬
‫تعيش حرية البرشيّة القاسية وربمّ ا ه ّومت لفرتة يف أخيلة‬
‫الجمهورية األفالطونية ‪ ،‬مدفوعة بالظأم إىل قرار يعيد‬
‫تثبيت الضمري اإلنسا ّين ‪ ..‬قد تعود هذه األجيال زمنا إىل‬

‫شوارع مثاليّة يف مدينة الفارايب الفاضلة‪ ..‬ولك ّنها ستجد‬
‫يف النهاية طريقها أل ّن تاريخ البرشية يؤكّد أ ّن العلوم‬
‫كل وباء رداء جديدا‪،‬وال‬
‫اإلنسان ّية تنسج للعامل بعد ّ‬
‫نخاله يكون غري تحلّل من ثوب عوملة سلبت البرش حقه‬
‫يف الغذاء ويف عيش آمن لريحل نحو «أنسنة» أوفر عدال‬
‫عامدها إميان عميق بأ ّن أرسار املستقبل يكتنزها إنشاء‬
‫متاه بني العامل و بني العائلة‪ ..‬وهذا وحده كفيل بتخليص‬
‫الوعي اإلنساين من فردانيته ألنه سيعيد الربيق إىل عيش‬
‫مشرتك محتوم يتعاىل عن حسابات اللغة وعن جدران‬
‫األديان ويتجاوز أسوار اإليديولوجيات أيضا‪.‬‬
‫والمناص لعامل الغد الذي يضطرب يف أحشاء القديم‬
‫املتهالك من إعادة التساؤل حول جدوى ترسانات‬
‫الفتك وحول قيمة آالف القواعد العسكريّة التي متتص‬
‫كارتيالتها العمالقة ميزانيات الدول دون االلتفات إىل ما‬
‫يربو عن ‪ 75‬باملائة من سكان الكوكب الذين يعيشون‬
‫دون خط الفقر‪ ..‬يقفون منفردين يف مواجهة خط‬
‫اليومي بال نصري ‪ .‬لقد أبان كوفيد كذبة مناعة‬
‫املوت‬
‫ّ‬
‫«نادي الكبار النووي» الذي ترنّح أمام الفريوس املجهر ّي‬
‫ولك ّنه أبان أيضا أكذوبة التضامن بني الكبار أيضا‪،‬‬
‫وشهد الناس بأ ّم أعينهم إيطاليا تتلقى الدعم من دول‬
‫«محدودة النمو» و يهرع إليها أطباء كوبا وغرماء األمس‬
‫ساعة انهيار كربياء الرجل األبيض وساعة انكشاف عجز‬
‫األمرييك الذي ما انفك يصنع يف نفاق عىل مدى عقود‬
‫أسطورة تفوقه‪.‬‬
‫سيتأسس بال ّ‬
‫شك‬
‫إ ّن إعادة حياكة نسيج القيم الكربى‬
‫ّ‬
‫عىل مقوالت التم ّرد عىل يقينيات اللحظة القامئة املتولدة‬
‫عن قتامتها ‪ .‬وال ب ّد أن نأخذ مأخذ الج ّد يف تبينّ مسارات‬
‫التحوالت القادمة مثال قول العجوز «كيسنجر»‪« :‬إ ّن‬
‫األمريكان يكتشفون اليوم معنى املوت» ‪ .‬إنّها لحظة‬
‫إدراك فاجع لحصيلة حروب كثرية اندفعوا إليها بأوهام‬
‫الربح وخرجوا منها يحصون الخسائر‪ ،‬وهاهم يقارنون‬
‫أنفسهم بالصني التي مل تنفق دوالرا واحدا عىل نزاعات‬
‫مسلحة منذ نصف قرن‪،‬ورصفت جهودها للبحث عن‬
‫أسواق يف العامل ملا تنتجه آالف من مصانعها يف حني كان‬

‫وهم قيادة العامل و حلم توسيع النفوذ وراء عرشات‬
‫الحروب املبرشة بالوهم الدميقراطي و بالح ّريّة يبتلع‬
‫آالف مليارات الدوالرات من خزانة واشنطن‪.‬‬
‫إنّهم ال يكادون يصدقون اليوم آالف املكسيكيني الذين‬
‫ـــ ألنهم يعرفون «معنى الحياة» ـــ أضحوا يطالبون‬
‫باإلرساع يف إقامة جدار ترامب العازل بني البلدين بعد‬
‫أن حطّم كوفيد برسعة خارقة أوهام القوة ومتثالت‬
‫قادتهم الذين خالوا أنفسهم صناع التاريخ وبعد أن قَرب‬
‫نظريات «فوكوياما» مع ضحايا الجائحة وأحرق جثة‬
‫أفكار «هنتغتون» مع جثث قتىل كورونا ‪.‬‬
‫واألمر نفسه ينطبق عىل مهد «القيم اإلنسانية» املتعايل‬
‫يف القارة العجوز‪ :‬أوربّا ‪ ..‬هناك‪ ،‬عادت إىل الذاكرة صور‬
‫خمسني مليونا من أبنائها و من أبناء الشعوب املقهورة‬
‫التي كانت تحتلها م ّمن دفعت بهم إىل املوت إبّان‬
‫الحربني الكونيتني‪ ..‬كانت ريادة العامل و نرش «القيم‬
‫الكربى» وهام أفاقت منه بلدان القارة مثخنة بعد أن‬
‫فتك بها كوفيد فتكا ذريعا ‪ ..‬قتل كوفيد قبل آالف‬
‫البرش و ْهم تضامنهم وكشف أكذوبة «أيقونة الحضارة»‬
‫«رقي» الرجل األبيض وع ّرى العجز الفاجع أمام املوت‬
‫و ّ‬
‫يهب لر ّده عن إيطاليا (شهيدتهم) غري أطباء‬
‫الذي مل ّ‬
‫املارق «كاسرتو» واألصفر «يش جني» والثعلب «بوتني»‪..‬‬
‫إ ّن أوربّا اليوم غري أوربّا ِ‬
‫أمس‪ .‬لن تهرع إىل الكنائس‬
‫كام فعلت يف القرن الرابع عرش‪ ،‬أيّام املوت األسود الذي‬
‫حصد وقتها ثلث سكانها‪ ،‬ولن تحتمي بقوة الدولة كام‬
‫حصل يف القرن الثامن عرش ‪..‬‬
‫بات محكوما عليها أن تهاجر نحو اإلنسانية (بعبارة د‪.‬‬
‫فتحي املسكيني) وأن تشرتك يف صياغة رشوط الوجود‬
‫البرشي القادمة مع الهندي و الغواتياميل و االسرتايل‬
‫واألفغاين أيضا‪ .‬وصار لزاما عىل نخبتها أن تعيد تشكيل‬
‫وعيها بالعامل بدل االستمرار يف النظر بحياد بارد إىل‬
‫مخيامت اللجوء و بدل إدارة الظهر إىل القضايا العادلة‬
‫وبدل اإلرصار عىل معزوفة ص ّد «معاداة السام ّية»‬
‫لتجميل أبشع جرائم العرص‪ :‬اغتصاب فلسطني !‬
‫الخميس ‪ 23‬أفريل ‪ - 2020‬العدد ‪23‬‬

‫الجريدة المدنية‬

‫‪8‬‬

‫‪9‬‬

‫∑‬

‫زمن كورونا وما بعدها‬

‫يف من هو ذا مصلحة وطلب عىل عامل جديد‪ ،‬هو كذلك مبحث ال ميكن‬
‫القفز عليه‪ .‬وان وجد هذا الطلب عىل عامل جديد‪ ،‬ماهي حدود التمدد‬
‫التي ميكن لهذا العامل الجديد املفرتض ان يبلغها ؟ وماهي طبيعة التحوالت‬
‫داخل هذا التمدد ؟أي بعبارة أخرى ما الذي سيكون جديدا مستجدا‬
‫ومختلفا داخل هذا العامل الجديد؟‬
‫انه بعض من جدل الرضورات واالماين والرغبات مع املمكنات‪ ،‬علام وانه‬
‫جدل وليد بالكاد يطل براسه يف حرضة عمالق متنفذ قديم يسعى دوما اىل‬
‫احباط الرضورات املستجدة واستدامة املوجود وواد املمكنات‪.‬‬
‫حني تستمع اىل احد عتاة الخرباء األجانب يرصح ان كورونا سترسع املرور‬
‫من الرأساملية الصناعية إىل الرأساملية الرقمية فذلك ال يعني أننا سنحيا‬
‫هذه التحوالت محليا ووطنيا كفاعلني‪ ،‬بل كمنفعلني كام كنا سابقا وكام‬
‫يتيحه منوال التنمية بل ومنوال الوجود الذي اعتمدنا وهو السباحة يف قاع‬
‫تركات التنافسية املهملة‪.‬‬
‫سوف تعدل الراسامليةا لراكزة من ماهيتها وأدائها‪ ،‬وستعدل مع ذلك‬
‫ووفقا لذلك أدوار املنفعلني التابعني مع مراعاة اختالف احجامهم النسبية‬
‫طبعا داخل منوال التبعية العام‪.‬‬

‫تحليق فوق مشهدية من ضباب‬
‫يسير السحيمي‬
‫متفقد عام فوق الرتب متقاعد اخصائي التامين‬
‫خبير أنظمة الضمان االجتماعي‬

‫وجزما وعىل اختالف مستويات املتلقني‪ ،‬فقد حصلت الفائدة نظرا لصفة‬
‫هؤالء املتدخلني ومتتع الناس بغياب النقاش البيزنطي والسفسطة والتعامل‬
‫الكاذب والهامشية التي تدعي محورية‪.‬‬
‫أعادت كورونا تعديل األوتار‪ ،‬فال مجال يف مثل هكذا بالتوهات وحرب‪،‬‬
‫أن يطل برأسه منتحل صفة خبري من املشعوذين‪.‬‬

‫مدخل‬

‫حوارات أخرى‬
‫عىل أن هذا الصنف األول من الحوارات ليس األوحد‪ ،‬فكورونا استقدمت‬
‫معها كذلك مشعوذين من نوعية وافاق أخرى ومنهم صنف بكاؤون زمن‬
‫أن توجب الجلد والصرب وأصناف من طامعني نهاشني جشعني زمن ان‬
‫توجب االيثار والقناعة والتضحية‪.‬‬
‫جاء مع كورونا وغصبا عنها من اكتشفوا النفسهم مواهب يف الدعوة‬
‫ألشد مظاهر الليربالية توحشا واشد مؤامرات الطمع واملساومة واالنتهازية‬
‫خطورة‪ ،‬ذلك وهو أمر بديهي فإن كورونا تتنزل داخل احداثيات مجتمعية‬
‫بعينها‪ .‬فكورونا ال تتنزل بذات التبعات مثال يف الهند كام تتنزل يف تايوان‪،‬‬
‫ولقد باحت وهي تتنزل يف تونس اآلن وهنا بإحداثيات بعينها‪ .‬احداثيات‬
‫قد تكون صدمت البعض امنا كان لها قيمة كشف الغطاء‪ .‬فعىل سبيل‬
‫املثال ابانت انها اتاحت فرصة لكل متوحش وسمسار ومضارب ان يغرس‬
‫انيابه يف العظم الهش للفئات الشعبية املتضعضعة‪.‬‬
‫هذا يبغي اثراء فاحشا عىل حساب القوت البسيط من سميد وفارينة‬
‫ملواطن منهك غلبان‪ ،‬وذاك يستكرث عىل موظف يف األرض من اصغر بقايا‬
‫الرشيحة املتوسطة اجره ويدعو رصاحة اىل تجويعه وخطف بائس اللقمة‬
‫بني يديه‪.‬‬
‫ابانت كورونا كذلك‪ ،‬أن لهؤالء الجشعني طوابري خامسة من سامرسة‬
‫واعالميني مشبوهني وسياسيني فساد ومبيضني ومسديي خدمات مبقابل‪.‬‬
‫وقع تحويل وجهة نقاش مهم يتمثل يف عالقة القطاع العام بالقطاع‬
‫الخاص وعالقة القطاع الخاص بالدولة واملجتمع‪.‬‬
‫تم تحويل هذا النقاش اىل مساومات وقودها ومرمى نريانها تلك األجور‬
‫والجرايات الهزيلة ومواطن الشغل الهشة‪ ،‬ومل نستمع إىل علوية للمواقف‬
‫املتوازنة املتزنة التي وان اقرت بوجوب مرافقة الدولة للمبادرة الحرة‬
‫والقطاع الخاص فإنها ال تنىس الحديث يف طبيعة هذه املرافقة ومواصفات‬
‫هذا القطاع الخاص‪ .‬هل هو قطاع الحيتان الجشعة التي ال تشبع‪ ،‬وامست‬
‫خبرية يف تهريب ثروات الداخل اىل الخارج‪ .‬هل هو قطاع خاص تعود‬
‫اإلثراء دون موجب‪ ،‬ام هو قطاع خاص مجتهد موف بالتزاماته القانونية‬
‫واملجتمعية شفاف وتنافيس‪ .‬ذلك ان للدولة واجب مرافقة القطاع الخاص‬
‫السليم كرافعة لهذه املرافقة وعليها بالخصوص مسؤولية ان تدعم‬
‫وترافق الباعثني الشبان رفيعي التكوين مواطني السلوك متخرضي األداء‪،‬‬
‫ال أن تكون رهينة مرتهنة إلرادات األذرع املكرسة من سامرسة القطاع‬
‫الخاص ومتنفذيه ومضاربيه ومتامريه‪.‬‬
‫ليس عىل الدولة مسؤولية دعم فئات طفيلية انتهازية ال تحفر ال تبات‬
‫الربا‪ ،‬تحيا عىل التحيل والصفقات العمومية الريعية والالشفافة والعمليات‬
‫املشبوهة ووضعيات االحتكار وخنق املنافسة واملبادرة املستجدة وابتالع‬
‫صناديق بأكملها وخطوط متويل داخلية وخارجية‪ ،‬تتمعش من امتيازات‬
‫غري مستحقة وترفع يف لحظة مساومة وتهديدا شبح طرد العامل‪.‬‬

‫تناولت أعامل الخيال العلمي‪ ،‬مكتوبة أو سمعية برصية أوضاعا كالتي نحيا اليوم‪.‬‬
‫هاهنا فريوس يهاجم البرش والحضارة‪ ،‬يصيح أحد أبطال الرواية‪ :‬ليك يذهب‬
‫الفريوس يجب قتل االقتصاد‪.‬‬
‫تنكمش الحياة إىل حدها األدىن‪ ،‬ويعصف الفريوس بالكائنات البرشية املختبئة‬
‫والتي ال يربطها بالعامل الخارجي سوى وسائط الكرتونية‪ ،‬تتفرج من خاللها عىل‬
‫مشاهد الدفن الجامعي املخيفة‬
‫وال تقدر بالكاد عىل التصفيق للرصاع امللحمي‪ ،‬بني ابطال رابطوا قتاال باملستشفيات‬
‫وبني الرشير القاتل‬
‫هناك يف مشهد اخر من مشهديات الخيال العلمي‪ ،‬تتبخر كل قاعدة‬
‫للمعلومات وبخاصة منها تلك التي تهم الحسابات البنكية لالفراد‬
‫وللمؤسسات‬
‫يف غفلة من الزمن مييس الجميع معدما ال ميلك شيئا‪ ،‬عاجزا أن يربهن‬
‫أن له حسابا أو أرصدة أو وثيقة ملكية‪ ،‬وللمرء تخيل استتباعات ذلك‬
‫عىل املعامالت بل عىل الوجود أصال يف مشهدية أخرى تتبخر أنظمة تسيري‬
‫الكرباء واالتصاالت‪ ،‬تغرق الحياة يف ظالم بهيم ويرتاجع الوجود البرشي‬
‫اىل ساحات من البدائية بل من التوحش‪.‬‬
‫قدوم كورونا أخرج هذه السيناريوهات التي نسبت وظن انها استقرت‬
‫حرصا يف مجال الخيال العلمي اىل الواقع امللموس واملعاش واملستمر‪،‬‬
‫والذي لنئ حاولنا انكاره هذا اليوم فإن اليوم الذي يليه سوف يحمل اقرارا‬
‫به وان انكرنا‪.‬‬
‫وكام يف كل األزمنة‪ ،‬يعرف الراسخون يف العلم أن املمكن‪ ،‬ممكن الحدوث‬
‫مهام تضاءلت نسب التوقع غري أن اإلنكار وكذلك تكلفة الرعب الذي‬
‫يخلفه توقع األسوء‪ ،‬يحمالن البرش إىل نوع من العمى شبيه بذلك العمى‬
‫الذي يصاحبنا وينكر مرحليا حتمية املوت‪.‬‬
‫سنلتجئ يف هذا املقال اىل استعامل تقنية الجولة ‪ /‬التهويم يف الكتابة‬
‫والتناول‪ ،‬محاولة لتلمس ومسح أقىص ما أمكن من املشهد العام لقدوم‬
‫هذه الجائحة ولتداعياتها عىل أن نخصص ملوضوع بعينه يف خامتة املقال‬
‫توقفا وتسليط ضوء‪.‬‬
‫وهذا املوضوع مرتبط بتخصص صاحب املقال من ناحية‪ ،‬كام يفرض‬
‫نفسه من ناحية أخرى نظرا ألن طبيعة الجائحة وبخاصة معالجتها‬
‫يستدعيه‪ .‬وهذا املوضوع هو التأمينات والتأمينات االجتامعية زمن‬
‫كورونا وما بعدها‪.‬‬
‫كام أن عوامل االستتباعات مبحث أصيل ومتعارف يف االقتصاد‪ ،‬وال‬
‫احسب أن أمرا أنتج استتباعات كام فعلت هذه الجائحة‪ .‬وهذه‬
‫االستتباعات ليست اقتصادية فحسب بل شملت كل نواحي الوجود‪ ،‬بل‬
‫ومناحي الرموز واملتخيل‪.‬‬
‫حوارات‬
‫زمن األحداث السياسية واألزمات املالية‪ ،‬هرع من هب ودب اىل‬
‫بالتوهات التلفزيون ووسائط االعالم واالتصال كل يفتي جازما مبا ليس‬
‫له به علم وال تربطه به صفة‪ .‬جائحة كورونا فرضت أمرا مختلفا‪ ،‬أبانت‬
‫بوضوح معنى أن يتصدى لكل أمر أهله مل تكتف كورونا بذوي األهلية‬
‫والصفة‪ ،‬بل أوضحت لنا مجال تدخل كل واحد من هؤالء املختصني ذوي‬
‫الصفة‪ .‬فهنا طبيب مختص يف األمراض الفريوسية أو عامل بيولوجيا أحياء‬
‫وتحديدا فريوسات‪ ،‬وهناك طبيب يتحدث يف العالج واألدوية‪ ،‬وغري بعيد‬
‫منهم طبيب متخصص يف التخدير واإلنعاش يتحدث كل هؤالء كفريق‪،‬‬
‫متكامل إمنا كل يف تخصصه ال تطفل ألحدهم عىل آخر‪ ،‬بل إنك لتستمع‬
‫كثري املرات إىل قول ال أعلم‪ ،‬ذلك إن املعطيات املتوفرة ال تبيح إقرارا‬

‫الخميس ‪ 23‬أفريل ‪ - 2020‬العدد ‪23‬‬

‫سميد وفارينة‬
‫كادت السيدة كورونا أن تصيح خاطيني !‬
‫وتساءلت مبا ال يخلو من وجاهة ما الذي يجعل اريافا تونسية عرفت‬
‫منذ ازمنة غابرة االكتفاء الحيوي املعييش األدىن‪ ،‬بل كانت ازمنة الخصب‬
‫تفيض خريات‪ ،‬ما الذي يجعل هذه األرياف تتقاتل من أجل الظفر بشكارة‬
‫سميد؟ وما الذي يجعل قوتها ووجودها مرتهن بني ايدي وسيط ومحتكر‬
‫ومضارب؟‬
‫هل يليق هذا املصري بأرياف وقع التضحية بها منذ العصور الغابرة حد‬
‫اليوم بامتصاص فوائضها حد العظم واهاملها واخراجها من دورات التبادل‬
‫املجزية؟‬
‫ارياف وقع التعامل معها كام الحلقة األضعف وهي املزودة األساسية‬
‫للغذاء وهي خزان االيدي العاملة الرخيصة مصريها من مصري ذلك الغذاء‬

‫الذي تفتقده ازمنة الجوائح واألزمات ومن مصري تبادل ال متكافئ لصالح‬
‫أشباه مدن بنيت عىل مراتبية هجينة ابعد ما يكون من مفاتيح املراتبية‬
‫فيها االستحقاق‪.‬‬
‫كورونا أخرجت كزلزال اىل سطح األرض واقع هذه األرياف املرير‪ ،‬واقع‬
‫اإلنتاج النبايت والحيواين وواقع األسعار عند اإلنتاج‪ ،‬واقع اليد العاملة‬
‫الفالحية وبخاصة النسائية‪ .‬أخرجت كزلزال اىل سطح األرض‪ ،‬االفتقار‬
‫إىل ابسط البنى واقع الفقر والتهميش بل والرتاجع عن بعض منجز عىل‬
‫هشاشته ومنها تلك الربامج التاريخية التي عرفت بربامج التنمية الريفية‪.‬‬
‫واقع األرياف املرير لف بكثري من االنكار واالشاحة بالوجه بل ثبت انه‬
‫إقرار ضمني بالتضحية بهذه األرياف وسكانها الذين يئسوا من قدوم‬
‫التنمية فإما نزوح أو موت بطئ‪.‬‬
‫املضاربة بالسميد والفارينة مل يستهدف األرياف فحسب بل عرفت احزمة‬
‫املدن املزيفة ذات اإلشكالية‪ .‬نشط بارونات االتجار بكل يشء ومنه قوت‬
‫الناس وفتحت مسالك جديدة من تجارة مشبوهة ومن تخزين واحتكار‬
‫وتبدت بشاعة مشهد مجتمعي هو إىل الغاب اقرب‪.‬‬
‫اقتصاد مدينة أمستردام‬
‫مل ينبثق هذا االقتصاد الذي نسب اىل هذه املدينة الهولندية من عدم‪،‬‬
‫فجذوره بعيدة يف الزمن‪ .‬إمنا رسعت جائحة كورونا بتسليط األضواء عليه‬
‫وإعطاء دفع جديد لعنفوانه‪.‬‬
‫ولو اردنا تعريفا مبسطا لفلسفة هذا االقتصاد لقلنا انه اقتصاد يضع‬
‫الحاجيات البرشية يف محور السعي اىل النمو ويف محور التنمية‪ .‬وهذه‬
‫الحاجيات ذات طوابق ال يهمل فيها أي مستوى من الحاجة بدء مام‬
‫هو رضوري وحيوي للوجود البيولوجي وصوال اىل ما كان يعترب كامليا يف‬
‫أزمنة أخرى‪ .‬كل ذلك يف تناغم مع حاجيات وممكنات التفاعل السليم‬
‫واملستدام مع البيئة واملحيط‪.‬‬
‫قالت بلدية أمسرتدام انها ليست معنية بنقاش قطاع عام أو قطاع خاص‪،‬‬
‫فمحور االهتامم هو اإليفاء األمثل بحاجيات الصحة والتعليم والشغل‬
‫والثقافة والرتفيه والرياضة والبحث‪ ،‬وتحتل الطفولة داخل كل هذا منزلة‬
‫اثرية‪.‬‬
‫العام والخاص هام أدوات تنافسية تطور باستمرار لبلوغ الوفاء األمثل‬
‫بهذه االستحقاقات متددا ونوعية‪ .‬واعتربت بلدية أمسرتدام ان جائحة‬
‫كورونا فرصة ذهبية لتصحيح املنطلقات واألداء والنتائج‪ .‬فلهذه الجائحة‬
‫وجه من أزمة وهبوط‪ ،‬كام أن لها اوجها من رافعات ورفعة رافعات‬
‫تتمثل يف فرص جديدة للنمو وإعادة تصويب أولويات وميكانزمات‬
‫االستثامر واالستهالك‪ ،‬كام هي فرصة إلعادة تصويب أولويات إنتاج‬
‫الرثوات وتوزيع االستفادة منها‪.‬‬
‫فتحت بلدية أمسرتدام ورشات وأقرت إجراءات تشجيع عىل استنباط‬
‫متويالت يف مجاالت كمعالجة الفواضل املنزلية وإعادة االستعامل والتدوير‬
‫كام افتتحت ورشا بحثية ملقاربات جديدة يف موضوع امللك العمومي‬
‫املشرتك مبا يف ذلك فتح أبواب االستغناء الطوعي عن ملكيات خاصة‬
‫لفائدة امللك العام املشرتك‪ ،‬وهي فلسفة عىل نقيض صريورة السعي‬
‫املحموم ملزيد تكديس امللكيات الخاصة‪.‬‬
‫قالت بلدية أمسرتدام ان الورشة اكرب من هذه اإلجراءات فهي تهدف اىل‬
‫إضفاء معنى انساين متطور مستحدث وجديد للعقد االجتامعي وللعمران‬

‫البرشي وللتعايش السلمي الذيك مع البيئة واملحيط‪.‬‬
‫الدارس لهذه الدعوة ال ميكن ان يغفل دور الشباب يف كل هذا كام دور‬
‫التكنولوجيات املتطورة والذكاء املندمج الذي رفض ان يعترب قدرا صارما‬
‫التبعية لآللية والربحية وتبذير املوارد واملضاربة يف الفقاعات املالية‪.‬‬
‫املاء الصالح للرشاب ‪ /‬الغذاء ‪ /‬السكن االيكولوجي الالئق ‪ /‬البنية األساسية‬
‫املطورة باستمرار ملرافق الصحة ‪ /‬مناهج التعليم ‪ /‬خدمات النقل ‪/‬‬
‫الطاقات البديلة ‪ /‬منظومات اإلدماج االجتامعي املواطني ‪ /‬محو التمييز‬
‫بني الجنسني ‪ /‬املشاركة املواطنية ‪ /‬اعالء الثقافة وقيم الحرية وغريها‪،‬‬
‫مسالك لدفع هذا االقتصاد الجديد‪.‬‬
‫ليس قدرا‬
‫قد ال يكون ذا جدوى ان نردد بنوع من السطحية يتوجب منوال جديد‬
‫للتنمية‪ ،‬غري انه ليس قدرا كذلك‪ ،‬أن نحيا إىل ما النهاية بشاعة واقع‬
‫ومناويل وخيارات تخرجنا من مهلكة اىل مهالك أخرى اشد قسوة‪.‬‬
‫لقد كانت الرؤية العامة وبخاصة االقتصادية التي قادت أصحاب مقاليد‬
‫الحكم عندنا هي سعي اىل انخراط سلبي يف العوملة‪ ،‬وسيقول هؤالء وهم‬
‫مخطؤون خطاؤون أن تلك كانت اقىص املمكنات‪.‬‬
‫كانت نقطة االنطالق لهذا املنوال هي النظر اىل احتياجات العامل ومحاولة‬
‫االنخراط يف مسار السعي املحموم لتلبية حاجيات هذا العامل‪ ،‬وهو منطق‬
‫مقلوب عىل راسه كام سرنى‪ .‬ولقد تم لنا انخراط مشوه قزمي تابع‪ ،‬بني‬
‫عىل ما اعتقد انها ميزات تفاضلية نتمتع بها يف اطار هذا التقسيم العاملي‬
‫لألدوار‪.‬‬
‫بينت التجربة انه انخراط مشبوه يف مجمله جعل لصالح املتنفذين‬
‫واملستفيدين املحليني‪ ،‬والذي سيكون لهم دور كومبارس مير لحظة دون‬
‫ان ينبس بكلمة يف رشيط العوملة الطويل‪.‬‬
‫هذا املنوال يهمل مطلقا الحاجات الحيوية واالسرتاتيجية للمجتمع املحيل‬
‫وال ياخذها بعني االعتبار كمحور ومركز لكل مجهود تنمية وهو مشبوه‬
‫كذلك ألنه ينخرط يف مسار اتفه البقايا لهذا النظام املعومل‪ ،‬أي املساهمة‬
‫الهامشية يف بعض مكونات عمليات مناولة رخيصة املكافاة زهيدة القيمة‬
‫املضافة ال تتيح تقدما وال اكتسابا للمعرفة والعلوم وال التصاقا بحاجيات‬
‫السكان واالجيال القادمة بل وتبدد موارد هذه األجيال وترتهنها بضعف‬
‫النسيج االقتصادي وبرتاكم املديونية الفخ‪ .‬هو منوال بائس ال يفي‬
‫بحاجيات املجتمع الدنيا وال يتيح امال لتوثب قواه الشبابية وال مجاال‬
‫الصالحات تدمج املعرفة بتطبيقات عملية غايته القصوى إشباع حاجيات‬
‫فئات محلية قليلة‪ ،‬وضامن تبعية ال مفك منها ملصائر األوطان اسمى بعض‬
‫املتخصصني هذا املنوال مبنوال تنافسية القاع او اقتصاد الثغرات‪.‬‬
‫لذلك ومع مقدم كورونا يتبدى ان البقاء بني براثن هذه املناويل ليس‬
‫قدرا واملكوث بني مخالبها انتحار وموت محتوم وياس للقادم من األجيال‪.‬‬
‫اللهج بالبديل‬
‫القناعة برضورة البدائل امر مهم إمنا غري كاف‪ ،‬كام أن قدوم كورونا قد‬
‫ال يغري امرا ذا قيمة يف واقعنا فام استدام لعصور ال ينتهني يف لحظة‪ .‬ان‬
‫اإلقرار بان عاملا جديدا امىس رضوريا هو بداية الكالم‪ ،‬إمنا نهاية الكالم‬
‫هو التساؤل هل ان هذا العامل الجديد ممكن اإلنجاز والتشكل مبا حرض‬
‫لدينا من قوى وفاعلني ان محليا أي وطنيا او عامليا‪ .‬كام ان مبحث التفكري‬

‫تعديل ما بين الظرفي والمستدام‬
‫االزمات مرسع للطفرات أي للتحوالت الفجئية هي مقولة متعارف عليها‬
‫يف عامل األحياء الطبيعي وكذلك ومبيكانزمات مختلفة‪ ،‬يف املجال البرشي‬
‫االجتامعي‪.‬‬
‫الجدل واالختالف وارد جدا يف تقييم وتقدير طبيعة االزمات التي أبانت‬
‫عنها كورونا واستجلبتها‪ .‬كام ان االختالف سيكون اكرب يف متيش ومناهج‬
‫معالجة هذه االزمات‪ .‬وستتمدد هذه املعالجات‪ ،‬من دق طبول الحرب‬
‫واستثارتها من طرف عتاة االمربيالية املرتنحني‪ ،‬اىل االنتباه اىل مسائل ذات‬
‫قرب كالتزود بالغذاء‪ ،‬مرورا مبراجعة أولويات النسيج الصناعي وسياسات‬
‫االنفتاح والحامية‪ .‬لندع جامعة طبول الحرب ولنلتصق اكرث مبتغريات‬
‫بسيطة مستجدة‪.‬‬
‫فعىل سبيل املثال سرنى ان بعض املجتمعات عرفت خالل هذه االزمة‬
‫تطورا ملعامالت منتجي القرب املحليني الصغار‪ ،‬وقد واكبت بعض كربى‬
‫مساحات البيع هذا املتغري فتزايدت نسبة مقتنياتها وتزودها من هؤالء‬
‫املنتجني الصغار‪ .‬كام سارعت أسواق الجملة برتكيز قاعدة لتزويد الخواص‬
‫مبارشة مبا يحتاجون واستعاضت عن قدومهم اليها بالذهاب لهم‪.‬‬
‫وليس بخاف ان هذا التكيف الظريف عىل سبيل املثال قد يفتح افاقا‬
‫ليتواصل الظريف ويتحول اىل مجال املستدام‪ .‬موضوع العمل عن بعد‬
‫واسداء الخدمات بجميع اصنافها عن بعد والتعليم عن بعد وكل ما هو‬
‫عن بعد قد يتمدد ويخرج من رشنقة الظريف اىل املتواصل‪.‬‬
‫الطفرات الناتجة عن مقدم كورونا واضحة ال لبس فيها‪ ،‬فموضوع‬
‫كالترصف يف املخزونات االسرتاتيجية ولنئ كان قدميا فان نوعا من اإلهامل‬
‫أصابه امىس اليوم امرا ذا قيمة ال تضاهيها أخرى وقد شملت الطفرة كذلك‬
‫إعادة النظر الرسيعة يف الئحة ومكونات هذا املخزون االسرتاتيجي بل‬
‫إعادة تعريفه من جديد‪.‬‬
‫إعادة استجالب أجزاء هامة من النسيج الصناعي الذي فوتت فيه بعض‬
‫األمم يف اطار التقسيم العاملي لإلنتاج واملبادالت اضحى امرا ماثال امامنا‬
‫وستنتج عته استتباعات كربى‪.‬‬
‫كام ان التخصص املطلق وشديد الرتكيز اصبح محل إعادة نظر‪ ،‬فالوحدات‬
‫الصناعية اصبح مطلوبا منها ويف ظرف قيايس ان تتكيف مع مستلزمات‬
‫منتجات جديدة‪ ،‬ففي زمن تكسد فيه حركة السيارات بفعل الحجر امىس‬
‫رضوريا ان تقدر وحدات انتاج السيارات عىل التصنيع الرسيع ألجهزة‬
‫التنفس االصطناعي الحيوية والتي ال تنتظر اجاال‪.‬‬
‫الخطر السرباين والذي كان يرتاوح بني الخيال العلمي و الجوسسة بني كبار‬
‫العامل‪ ،‬اصبح خطرا يخىش قدومه متاما مثلام انبثقت كورونا‪ .‬واليوم تعترب‬
‫الحامية السربانية التي كانت سابقا محدودة نخبوية امرا حيويا وجب ان‬
‫يتصل بالحياة اليومية للسكان وحامية معطياتهم ومكاسبهم‬
‫تامين تجاري وتأمينات اجتماعية‬
‫يجمع الكل ان هذا الزمن يف معناه االقتصادي واالجتامعي بل والوجودي‬
‫مل يضاهيه زمن اخر نعرفه‬
‫فهذا التوقف والتعطيالت والهبوط الحاد يف دورة التجارة واملال واالجتامع‬
‫واإلنتاج فاق ما حصل زمن الحروب الكونية‪ ،‬ومل تتفوق الحروب الكونية‬
‫عىل زمننا الحايل سوى يف عدد القتىل‪ ،‬ذلك ان دورة اإلنتاج الكوين زمن‬
‫الحروب مل تعرف هذا الهبوط بل تكيفت مع اقتصاد الحرب يف أماكن‬
‫وتطورت ومتددت بفعل هذه الحرب‪ ،‬كام انها مل تشمل كل االصقاع كام‬
‫فعلت وفرضت كورونا‪ .‬ذلك انه وكام اسلفنا فان شعار الحرب عىل كورونا‬
‫هو وجوب قتل االقتصاد بفعل الحجر يك ننترص عىل كورونا‬

‫الجريدة المدنية‬

‫بينام كان شعار الحرب هو ‪ :‬املنترص هو صاحب االقتصاد األقوى‪ .‬قرر‬
‫الكون كله اويكاد توقفا للنشاط وتقدم املحاربون أصحاب امليدعات‬
‫البيض ملحاربة الرشير‪ .‬وكورونا التي تحدت الجميع‪ ،‬تحدت اإلنتاج‬
‫واألسواق والبورصات ودوائر املال‪ ،‬افردت قطاعا بعينه بتحد اكرب‬
‫وهذا القطاع هو قطاع التامني الذي يتمثل دوره املبسط يف جرب ارضار‬
‫الخسائر مهام كانت طبيعتها او أسبابهاعىل انه وقف امام كورونا فاغر‬
‫الفم ابلها دون سالح‪.‬‬
‫أخرجت كورونا لسانها هازئة به مستفزة‪ ،‬وتبدت كونيا محدودية مقارباته‬
‫و فلسفته والياته اذ هو مثيل محارب انتخب زمن عدوان لصده ولكنه‬
‫تبدى عاجزا جبانا دون أسلحة‪.‬‬
‫والسبب بسيط ودون إطالة او التيه يف تشعبات التخصص هو االيت ‪ :‬ال‬
‫يوجد كونيا أي يف كل البلدان تعريف ملفهوم الكارثة الصحية وبالتايل ال‬
‫وجود النظمة من التامني ومقاربات من القانون تتعلق بالكارثة الصحية‬
‫وبطبيعة الحال ستكون املعالجة لهذا االمر من زاوية التامني منعدمة مبا‬
‫ان الخطر ال تعريف له‬
‫أنظمة التامني وإعادة التامني تعرف من زمن مفهوم ومعالجة الكارثة‬
‫الطبيعية ومنها الفيضانات والزالزل واالنزالقات األرضية والجفاف املتواصل‬
‫واألعاصري العاتية وغريها‪ .‬كام ان مجال تامني هذه الكارثة الطبيعية‬
‫وإعادة تأمينها معلومة داخل دوائر التامني التجاري والصناديق الخصوصية‬
‫وااللتزمات امللقاة عىل كاهل الدولة‪.‬‬
‫الكارثة الصحية او الجائحة امر معلوم لدى الدوائر الصحية العاملية‪ ،‬إمنا‬
‫كان يحىض بإنكار ال ميكن أن يستمر يف دوائر أخرى ومن هذه الدوائر‬
‫مجال التامني وإعادة التامني‪.‬‬
‫صحيح ان امر املعالجة للكارثة الصحية وفق اليات التامني وإعادة التامني‬
‫الكالسيكية امر صعب وهو ما يستدعي أدوات معرفية وبحثية جديدة‬
‫وكذلك اليات للتصدي األمثل لهذا االمر‪ .‬فكام هو معلوم فان تقنيات‬
‫التامني تستند إىل قانون اإلعداد الكربى‪ ،‬وكذلك إىل التضامن يف توزيع‬
‫املخاطر‪.‬‬
‫فعىل سبيل املثال لو اخذنا التامني عىل املرض مثاال‪ ،‬يتم هذا التضامن‬
‫وتوزيع املخاطر بني سلسلة من االصحاء و سلسلة أخرى من املرىض يف‬
‫فرتة زمنية ما‪ ،‬متاما كام يتم جرب االرضار بني سلسلة من املكتسبات السليمة‬
‫واملكتسبات املترضرة‪ .‬امنا ما العمل حني يصبح الكوكب كله مترضرا‪،‬‬
‫والقطاعات كلها مترضرة والبرش كلهم ضحايا؟ وهل تتيح تقنيات إعادة‬
‫التامني صالبة وحياة لنظام تامني سوف يطلب منه ان يبادر بجرب ارضار‬
‫الجميع عام لحقهم زمن الجائحة الصحية؟‬
‫ال يعني ذلك ان الحلول مستحيلة فلنئ كان التضامن االفقي غري ممكن‬
‫زمن الكارثة الصحية الن الجميع مترضر‪،‬فان التضامن العمودي أي الزمني‬
‫بني سنوات طويلة ال تحل فيها الكارثة وسنة كسيحة ضحية ممكن‪ ،‬كام‬
‫ان االستئناس بتجربة الكارثة الطبيعية حيث يقوم نظام عام عمومي بدور‬
‫الحد األدىن‪ ،‬وحيث تبني مؤسسات التامني وإعادة التامني التجارية فوق‬
‫هذا النظام العام ما شاءت من طوابق‪ ،‬يف عالقة برغبات املؤمنني لديها‪،.‬‬
‫عىل كل ودون ان نغرق يف تفاصيل وتقنيات نقول ان اكرب الورشات يف‬
‫عالقة بكورونا ستستهدف قطاع التأمينات وستستدعى للغرض بحوثا‬
‫جديدة‪ ،‬يف مجال الرياضيات والتمويل ويف القانون املطبق عىل الجوائح‪.‬‬
‫وعىل سبيل املثال فقد قدمت مشاريع قوانني يف عديد البلدان املتقدمة‪،‬‬
‫تسعى اىل اعرتاف الدولة بالكارثة الصحية‪ ،‬وتدعوها اىل تعريفها واىل‬
‫ضبط االلتزامات املحمولة عليها‪ ،‬كام دعت فيدراليات كثرية لرشكات‬
‫التامني التجارية منخرطيها اىل التفكري بجدية يف إيالء موضوع الكارثة‬
‫الصحية عناية نظرا لألفاق الواعدة التي مينحها لتطوير قطاع التامني وهي‬
‫دعوات من زمن كورونا التي مل تأت فقط باالنتكاس‪ ،‬وإمنا مثلت فرصة‬
‫للتجديد والتوثب لكثري من القطاعات التي ظنت انها استوفت اكتاملها‪.‬‬
‫كام وضعت املؤسسة االقتصادية أمام تحديات جديدة‪ ،‬فلنئ كانت املؤسسة‬
‫مؤمنة ضد خسائر االستغالل مبا فيها تلك الناتجة عن الكوارث الطبيعية‪،‬‬
‫فان الكارثة الصحية او الجائحة كانت يف حساب العدم الذي ال ينكر فقط‬
‫قدومه‪ ،‬بل ال جواب للحد من تداعياته وبخاصة يف عالقة بالتامني‪ ،‬عىل‬
‫ان تحد اكرب وتساؤالت عظمى سوف تنفجر يف وجه مؤسسات التامني‬
‫االجتامعي او الضامن االجتامعي فتأثري الكارثة الصحية عىل أنظمة التامني‬
‫عىل املرض واضح‪ ،‬رغم أن مجاالتهام وان كانت متجاورة فإنها ال تتامهى‬
‫فأي تأثري لهذه الكوارث الصحية املستجدة عىل أنظمة الضامن االجتامعي؟‬
‫ورغم سهوله اإلقرار بإجابة‪ ،‬فتأثري هذه الجائحة كاريث‪ ،‬نظرا للهبوط‬
‫االقتصادي الحاد‪ ،‬خاصة أن تواصل‪ ،‬ونظرا كذلك النتظارات املضمونني بل‬
‫وانتظارات الدولة ذاتها من هذه األنظمة‪ ،‬التي كانت تشكو بدورها علال‬
‫هيكلية قبل مقدم كورونا‪ ،‬غري ان ذلك مبحث طويل‪ ،‬نكتفي باإلشارة‬
‫إليه هنا‪.‬‬
‫وحسبنا االجتهاد‬

‫الخميس ‪ 23‬أفريل ‪ - 2020‬العدد ‪23‬‬

‫الجريدة المدنية‬

‫‪10‬‬

‫اإلعالم زمن كورونا وحرب املعنى‬
‫فطين حفصية‬

‫إعالم األوبئة مفهوم مستجد في المعجم المهني‬
‫إجابة عن ذلك أصبح املختصون يف اإلعالم واالتصال يتداولون مبرور‬
‫الزمن الوبايئ يف العامل مفهوما مستجدا يف خندق املعركة وهو إعالم‬
‫األوبئة كحال الفريوس املستجد إذ أن حالة التعبئة اإلعالمية العاملية‬
‫العامة ملكافحة الوباء مل يسبق وجود مثيل لها يف الزمن أيضا إال‬
‫أثناء أحداث مصريية كالحرب العاملية الثانية أو مهمة ككؤوس العامل‬
‫أو منافسات األلعاب األوملبية التي تستقطب مليارات املشاهدين يف‬
‫قوس زمني محدد لكن يف حالة هذا الفريوس فإن هذا القوس ترك‬
‫مفتوحا زمنا وتعبئة ‪.‬‬
‫أما إذا اقرتبنا أكرث من تدقيق تفاصيل اإلعالم زمن الوباء فسنجد‬
‫الصدى النفيس لهذه الحرب الجارية يتوقف عند مقولة أب مدرسة‬
‫التحليل النفيس سيغموند فرويد وكأنها تحايك ما يحدث اليوم إذ يقول‬

‫الخميس ‪ 23‬أفريل ‪ - 2020‬العدد ‪23‬‬

‫«كورونا» تعدَل البوصلة‬

‫بنهاية شهر مارس املنقيض كان‬
‫ثالثة مليار من سكان العامل يالزمون‬
‫منازلهم يف عملية حجر صحي وفق‬
‫املصطلح التقني الطبي أو ما سمي‬
‫مجازا «احتجاز الرضورة»‪  ‬للتوقي‬
‫من حركة فريوس كورونا الذي يحدد‬
‫بوصلته الجغرافية والجسدية تحرك‬
‫البرش‪.‬‬

‫ومع اقرتاب شهر أفريل من إمتام أيامه‬
‫مازالت دول العامل التي تحولت إىل «بؤر سكانية مغلقة ومنغلقة عىل‬
‫نفسها» تبحث عرب مخابرها وخربائها عن حبل النجاة الوقايئ بشكل‬
‫قاطع واستئناف الحياة جزئيا عرب التخطيط للرفع التدريجي للقيود‬
‫الطارئة‪.‬‬
‫جمعا ينقل التفصيالن الزمنيان املتقاربان وحدة الهدف ومسلك‬
‫التعامل‪ ،‬أما تدقيقا وصفيا للوضع فإن دول العامل تجمع عرب صناع‬
‫قرارها أنها باتت يف حالة حرب مفتوحة مغايرة للتقليدية مع عدو‬
‫غري تقليدي تعتمد فيها أساسا عىل قوة اإلعالم الجامهريي لتجعل‬
‫منه السلم الذي تصعد عرب رسائله للمتلقي جملة قيم تاهت يف زحام‬
‫الفردانية‪ ،‬وعىل رأسها التضامن والتآلف والوحدة اإلنسانية وانضباط‬
‫الفرد ملصلحة املجموعة‪ ،‬عىل األقل يف املستوى القطري لكل دولة أو‬
‫مجموعة برشية إذا متت التجزئة الجغرافية ويف معناها الشامل إذا‬
‫تحثنا عن اإلنسانية الكونية‪.‬‬
‫يف كل ذلك أصبحت الحرية كقيمة وسلوك خارج دائرة النقاش املفتوح‬
‫عىل املستوى اإلعالمي فكل الحريات قيدت جربا ال اختيارا (الحريات‬
‫الشخصية مبفهومها الواسع ‪ -‬حرية التنقل ‪ -‬حرية السكن يف حاالت‬
‫الحجر اإلجباري‪ -‬حرية الفضاء العام والخاص‪ )...‬لترتك املجال للحرب‬
‫يف معناها التعبريي القوي كقيمة جديدة مبقتىض السياق الزمني‬
‫واملعييش فال صوت إعالميا منذ بداية العام الحايل يعلو فوق صوت‬
‫املجهود الصحي الحريب العاملي لقتال الفريوس املصنف وفق أغلب‬
‫وسائل اإلعالم بالقاتل‪.‬‬
‫وعند الحديث عن قيام أي حرب ولو كانت افرتاضية ال منطقة رمادية‬
‫تتوسط سري معاركها فإما قتال أو سالم لكن عرب أي سالح إعالمي‬
‫خصوصا أن العدو غري تقليدي؟‬

‫«نحن نسعى إىل أن نتجنب األمل أكرث من سعينا ألن نجد السعادة»‬
‫فاملعركة اإلعالمية يف بعدها النفيس تشحذ العزائم واالستعداد للتوقي‬
‫من العدو أوال وأساسا ‪.‬‬
‫وإذا طرحت الحرب وسائلها للتصدي لهذا الفريوس فإن اآللة القيمية‬
‫لتحقيق الطأمنينة هو ما ترسله وسائل اإلعالم إخبارا وتغطية وتوجيها‬
‫وتفسريا وتحسيسا وتحليال واستقصاء للمعلومة ودفعا للمتلقي بهدف‬
‫فتح ممرات آمنة له تبدأ صحيا بتطويق الفريوس مرورا بانكفائه نهاية‬
‫بإزالة خطره متاما لكن كل هذا بأي مثن؟‪  ‬‬
‫الحرب اإلعالمية عمود لسيكولوجية األوبئة‬
‫تجمع كل الدراسات االجتامعية السابقة والحالية ورمبا الالحقة أن‬
‫األوبئة ترتك آثارا طويلة عىل الشعوب وعىل عقلها الجمعي وضمريها‬
‫املتحرك وعىل اإلعالم هنا السعي إىل محوها بأرسع وقت ممكن‬
‫إذ تحدث سيكولوجية األوبئة وبرسعة تغيريات عميقة عىل الفرد‬
‫والجامعة سلوكا وعواطفا وترصفا وردة فعل وهو ما تتم معاينته‬
‫منذ ظهور فريوس كورونا ففي حني تنتهي كل الحروب الواضحة عىل‬
‫الوباء (الصحية واالقتصادية واالجتامعية والثقافية والنفسية واألمنية)‬
‫عند محطة أو سياق واضحني فإن الحرب اإلعالمية ال تنتهي مبجرد‬
‫انتهاء هذه املعارك بل ستظل املساحات اإلخبارية أساسا عىل اختالف‬
‫منصاتها املطروحة تقود الرتتيبات الجديدة ملا بعد كورونا ‪.‬‬
‫وتؤكد اإلحصائيات املنشورة يف هذا السياق ومنها ذكرا ال حرصا ما‬
‫أصدرته هيئة اإلذاعة الربيطانية أن األخبار املتعلقة بكورونا تحتل‬
‫صدارة االهتامم عىل املستوى العاملي ما جعل من كل نرشاتها مثال‬
‫تحتل املرتبة األوىل محليا إذ شاهد نرشة السادسة مساء التي‬
‫عرضت يوم ‪ 18‬مارس املايض عىل القناة التلفزيونية األوىل للمؤسسة‬
‫الربيطانية ‪ 9‬ماليني شخص وهو رقم مل تحققه منذ أعياد امليالد للعام‬
‫‪ ،2008‬أما مجلة تاميز األمريكية فقد أشارت يف دراسة أجرتها مؤخرا أن‬
‫عدد الصحف التي تناولت خرب انتشار فريوس كورونا تضاعف ب‪23‬‬
‫مرة مقارنة بفرتة انتشار وباء إيبوال يف العام ‪.2018‬‬
‫مؤرشان عامليان ال يجانبان أيضا الواجهة املحلية فنرشة أخبار الثامنة‬

‫‪11‬‬

‫∑‬

‫الجريدة المدنية‬

‫مساء بالقناة الوطنية تستأثر بنسب املشاهدة القياسية منذ وصول‬
‫الفريوس إىل البالد‪ ،‬إىل حد أن النسب اليومية والحصيلة الشهرية‬
‫املقدمة أكدت اقرتاب كل مؤرشات املشاهدة من النسب املائوية‬
‫املرتفعة جدا التي عرفتها سنوات ‪ 2012 /2011‬أو خالل أبرز املحطات‬
‫السياسية واألمنية واالقتصادية والرياضية الكربى عندما تجاوز سقف‬
‫املشاهدين الثالثة ماليني ونصف املليون كام تأكد بوضوح أن مؤرش‬
‫الزمن اإلخباري للفرد قد تضاعف بعرشات املرات عرب املواكبات‬
‫اليومية والحينية ليوميات الفريوس ‪.‬‬
‫وإذا كان اإلعالم التقليدي وخصوصا الشاشة الصغرية قد استعادا‬
‫مقود الجذب الجامهريي اليومي فإن املنصات اإلعالمية املطروحة‬
‫عىل الشبكة العنكبوتية والتواصلية عرفت إقباال اقرتب من النسب‬
‫الفلكية يف كل دول العامل‪.‬‬
‫وينقل القامئون عىل منصة ناتفليكس األمريكية أنها اضطرت لتقليل‬
‫جودة األفالم واملسلسالت التي تعرضها حتى تضمن توزيعا عادال‬
‫لجمهورها املوزع يف أركان العامل الخمسة‪ .‬أما محليا فإن الضغط الكبري‬
‫عىل رسعة تدفق االنرتنت من قبل املستخدمني مل يعد مرتبطا بساعات‬
‫الذروة االستهالكية فحسب بل بات ما يقرب من سبعة مليون ونصف‬
‫تونيس يصلون الساعات الطويلة بزمن اإلبحار العنكبويت ألغراض‬
‫مختلفة ‪.‬‬
‫إن االختبار املهم الذي يخوضه العامل اآلن ميثل محطة فارقة للشعوب‬
‫والدول مجتمعة أم مجزئة ومن املؤكد أن الريح آتية لتهب عىل‬
‫النظام العاملي الحايل فالعامل مل يعد كام كان وفق عامل االجتامع‬
‫الفرنيس آالن تورين حيث يشعر الجميع بالخوف و مييض نحو انتقال‬
‫وحيش مل يخطر عىل فكر أحد‪.‬‬
‫وإذا كان عامل االجتامع تورين الذي يقرتب سنا من إقفال قرن من‬
‫الزمن يرى بأن البرش يف أحلك املعارك الجارية ضد كورونا يعيش‬
‫الالمعنى فإن اإلعالم زمن األوبئة أعاد يف أغلبه عند هذه اللحظات‬
‫الفارقة من تاريخ البرشية صنع جملة معان وقيم تضامنية نزعت عن‬
‫بعض «بؤره» السعي املحموم للربح الرسيع بأي مثن ألن الصحة هنا‬
‫عىل املحك وهي التي ال تقدر بثمن‪.‬‬

‫«لدينا فرصة الستغالل إرتفاع‬
‫منسوب ثقة املواطنني يف‬
‫اإلعالم خالل هذه األزمة من‬
‫أجل اإلصالح ورأب الصدع معه‬
‫وكسبه يف صفنا»‪ ،‬هكذا تحدثت‬
‫الصحفية املستقلة مربوكة خذير‬
‫عن متثلها ملستقبل العالقة بني‬
‫اإلعالم واملجتمع‪.‬‬
‫خولة شبح‬
‫ال يشك اثنان يف أن اإلعالم لعب‬
‫دورا كبريا وطيلة شهرين يف‬
‫نقل املتغريات يف ظل «فريوس كورونا» الجديد‪ .‬وبارتفاع نسب‬
‫املتابعة يف ظل تعطش املواطنني ملعرفة املستجدات شكلت‬
‫وسائل اإلعالم منسوب ثقة محرتم ميكن البناء عليه يف املستقبل‪.‬‬
‫لكن األكيد أيضا أنه داخل املنظومة اإلعالمية نفسها بدأت‬
‫حالة من التفكر والنقاش‪ ،‬ولو بنسب متفاوتة‪ ،‬حول الدروس‬
‫املستخلصة من األزمة ومدى تأثريها عىل اإلعالم والصحفيني‬
‫أنفسهم‪.‬‬
‫خلية نحل ‪...‬‬
‫نحن نتحدث هنا عن دور اإلعالم الذي يستمد رشعية وجوده من‬
‫حاجة املجتمع إليه‪ ،‬وسط هذا الزخم الهائل من املعلومات التي‬
‫تتطلب كنس وتحليل دقيق قبل نرشها‪ ،‬يعمل آالف الصحفيني‬
‫واملراسلني الصحفيني عليها كخلية نحل‪.‬‬
‫داخل هذه القاعات بدأت مراجعة أولويات التحرير‪ ،‬إذ بان‬
‫بالكاشف أن كثريا من املواضيع االقتصادية واالجتامعية اللصيقة‬
‫بحياة املواطن مل تأخذ الحيز الكايف إىل اآلن‪ ،‬فقطاع الصحة مثال‬
‫كان شبه مغيب يف املحتويات اإلعالمية باستثناء بعض الربامج‬
‫والتقارير الصحفية التي تنرش بني الفينة واألخرى ومل يكن‬
‫هذا النوع من املواضيع محور اهتامم بالنسبة لوسائل اإلعالم‬
‫اال يف مناسبات قليلة كان آخر ملف «اللوالب القلبية منتهية‬
‫الصلوحية» الذي أثري يف ‪ 2017‬والذي مازال مصري التحقيق فيه‬
‫مجهوال‪.‬‬
‫تقول الصحفية مربوك خذير أنه «بعد سنوات من العمل اكتشفنا‬
‫أننا مل نركز سابقا مبا يكفي عىل هذا املوضوع رغم أهميته‬
‫القصوى عىل صحة املواطن ولو عملنا عليه سابقا لكان وعي‬
‫املواطن أكرب وكان واقع املنظومة الصحية أفضل»‪.‬‬
‫ويغيب عىل املشهد‪ ،‬مع بعض االستثناءات‪ ،‬الصحفيون املختصون‬
‫يف املجال الصحي والضيوف املؤهلون للحديث حول الوضع‬
‫الصحي من باحثني وجاءت كورونا لتضع الصحفيني أمام رضورة‬
‫تحديد من يخرب ومن يفرس‪.‬‬
‫وبالنسبة ملربوكة «األمر ليس متعلقا بالكورونا فقط»‪ ،‬ففي‬
‫ظل هذا الزخم الكبري من األخبار ال بد من وجود مختصني يف‬
‫بالتوهات وسائل اإلعالم وأجناس صحفية أخرى تعنى مبسائل‬
‫حيوية تحدث بالتوازي مع التغطية اليومية لألخبار‪ ،‬من ذلك‬
‫ملفات االحتكار والفساد التي مل يخض فيها يف السابق ومل يعاقب‬
‫املسؤولون عنها‪.‬‬
‫وبات من الثابت بالنسبة للصحفية املحرتفة «أهمية القيام‬
‫بأعامل صحفية عىل مواضيع استقصائية تهم الحقوق االقتصادية‬
‫واالجتامعية بهدف تغيري واقع املواطن والتي ان تم العمل عليها‬
‫سابقا كان ميكن أن تكون وطأة األزمة أقل مام هي عليه اآلن»‪.‬‬
‫ولكن الزخم الكبري للمعلومات التي تنرش حاليا عرب وسائل‬
‫اإلعالم متيزت باالنتقائية يف اختيار املواضيع وتوجيه الرتكيز عىل‬
‫املعلومة أو النقاش حول فريوس «كورونا» فقط وهو ما قد يؤدي‬

‫إىل تسطيح األفكار وتوحيدها إلغاء التعدد يف الرأي يف ظل دور‬
‫متزايد لألخبار والخطابات التبسيطية الجاهزة التي ميكن أن‬
‫تؤثر بطريقة غري مبارشة عىل معالجة املواضيع املتعلقة بحقوق‬
‫اإلنسان‪ ،‬وهو ما يضعنا صلب أخالقيات ورهانات وسائل اإلعالم‪.‬‬
‫واليوم بات يف ظل انتشار فريوس كورونا «تحدي دعم تقرير أو‬
‫تحقيق خارج دائرة تداعيات الفريوس» تحدي حقيقي قد يجعل‬
‫الوسيلة خارج دائرة اهتامم املواطن‪.‬‬
‫الجواب جاء من الهيئة العليا املستقلة لالتصال السمعي البرصي‪،‬‬
‫حيث دعت الهيئة وسائل اإلعالم إىل رضورة تنويع برمجتها‬
‫عمال بكراسات الرشوط التي أمضت عليها‪ ،‬قرار وجه بعديد‬
‫االنتقادات من قبل وسائل اإلعالم ولكنها رسعان ما اختفت يف‬
‫ظل التفسريات التي بدت منطقية ألغلبهم‪.‬‬
‫ويقول نائب رئيس الهيئة عمر الوساليت أن «الهيئة الحظت يف‬
‫رصدها لوسائل اإلعالم أنه حتى الحصص الرتفيهية باتت تتحدث‬
‫عن فريوس كورونا وهو ما قد يسطح املوضوع ويضع املواطن‬
‫يف مواجهة أزمات نفسية وتوترات داخل العائالت يف ظل تواصل‬
‫الحجر الصحي العام»‪.‬‬
‫بالنسبة لعضو الهيئة فإن غياب التنوع يف الربامج اإلعالمية هو‬
‫خسارة للمجتمع‪ ،‬ألن املجتمع حرم مصدرا مختلفا من حيث‬
‫الشكل‪ ،‬فال يجب أن تتغري االهتاممات السابقة حول الحريات‬
‫األساسية والدميقراطية والرقابة عىل عمل الحكومة‪ ،‬واليوم‬
‫التحدي املطروح أمام وسائل اإلعالم هي كيف تلعب دورها‬
‫املحوري يف تطوير املجتمع واالستجابة لتطلعات املواطن؟‬

‫أخلقة المجتمع‬
‫مل تكن مراجعة األوليات هي النقطة الوحيدة يف سلم نقاش‬
‫املهنني‪ ،‬ولكن ما يحصل يف املشهد اإلعالمي حسب الدكتور‬
‫فرج زميط األستاذ مبعهد الصحافة وعلوم اإلخبار «يندرج ضمن‬
‫املنظومة التفكرية حيث بات الصحفيون ينظرون إىل مامرساتهم‬
‫عن بعد وهي نقطة جيدة متكنهم من النقاش حول املنظومة‬
‫اإلعالمية وتطوير نفسها من الخارج‪ ،‬وهي ظاهرة صحية عايناها‬
‫يف سياقات تغطية األحداث اإلرهابية سابقا»‪.‬‬
‫املطلوب بعد هذه املراجعات أن يعمل قطاع اإلعالم عىل تعديل‬
‫نفسه قبل الوصول للعقوبات وتحسني مامرساته يف اتجاه الدور‬
‫االجتامعي ودوره يف أخلقة املجتمع‪.‬‬
‫حيث يقول الدكتور زميط ‪« :‬أن يكون اإلعالم فضاء للنقاش فهو‬
‫مساعدة للمتلقي يف أخذ موقف أو قرار عقالين من مسائل تهمه‬
‫تتبناه املجموعة وليس مبني عىل األيديولوجيا» ويشدد زميط‬
‫عىل أن الدور الرئييس للصحافة باألساس هو «إنارة ما هو مظلم‬
‫من بني الكم الهائل من األخبار وهو ما ميكن املتلقي من أخد‬

‫املعلومة الصحيحة بناء عىل ضوابط مهنية دقيقة»‪.‬‬
‫نعم‪ ،‬إن أي خرب‪ ،‬أي حدث خاصة ما يتعلق بفشل السياسات‬
‫العامة قد يثري ردود فعل من قبل املواطن عىل السلطة وقد‬
‫يدفع السلطة إىل اتخاذ إجراءات تصحيحية لفائدة املواطن وهذا‬
‫ما يدخل يف خانة مبدأ الواجب واملسؤولية يف التقيص والتأكد‬
‫وتعميم املعلومة والتي تلعبها وسائل اإلعالم‪.‬‬
‫ويعتقد عضو الهيئة العليا املستقلة لالتصال السمعي البرصي‬
‫عمر الوساليت أن «درجة تفهم وسائل اإلعالم لدورها األسايس يف‬
‫تغيري التوجهات العامة يف البالد‪ ،‬سيدعم مسؤوليتها يف تقديم‬
‫مضامني ذات جودة تعتمد عىل مصادر موثوقة ومختصة وتفادي‬
‫األخطاء التي وقعت فيها املايض»‪.‬‬
‫وسيكون اإلعالم يف مرحلة ما بعد الكورونا أمام تحديات إخراج‬
‫البالد من التداعيات االقتصادية واالجتامعية بعد مرور هذه‬
‫العاصفة‪ ،‬حيث يخوض العاملون يف القطاع نقاشات حثيثة حول‬
‫الدور املطلوب منهم يف دفع املجتمع يف اتجاه الخروج من األزمة‪.‬‬
‫هل نتغير؟‬
‫ويبدو أن املسألة تتطلب الكثري من العمل‪ ،‬حيث يرى الدكتور‬
‫فرج زميط أن «اإلعالم صفة عامة واملهنني وأرباب العمل ليسوا‬
‫جاهزين يف غياب رؤية واضحة رغم محاوالت التعديل الذايت يف‬
‫ظل ضعف التكوين وظروف العمل الهشة والوضع االجتامعي‬
‫الصعب للصحفيني أنفسهم»‪.‬‬
‫حيث بقي دور الدولة محدودا يف دعم اإلعالم وتركيز إسرتاتيجية‬
‫وطنية تدعو لها كل الهياكل املهنية للنهوض بقطاع اإلعالم‪ .‬حيث‬
‫مازالت مصادر التمويل توجه اإلعالم يف ظل اعتامد اإلشهار كأهم‬
‫«مصادر اإلسناد» بالنسبة للمؤسسات‪.‬‬
‫ويقول الوساليت أن «الدولة تتحمل املسؤولية يف وضع سياسة‬
‫عامة لإلعالم تقول عىل آليات دعم اإلعالم الخاص الذي قد‬
‫يعتمد أحيانا عىل اإلثارة ألنها ميكن أن تعود عليه مبوارد مالية‬
‫والتي عقدت جائحة كورونا ظروفه االقتصادية يف ظل شح موارد‬
‫اإلشهار»‪.‬‬
‫حيث ترى هيئة االتصال السمعي البرصي وعديد الهياكل املهنية‬
‫كالنقابة الوطنية للصحفيني التونسيني أنه من الرضوري تركيز‬
‫«صندوق دعم اإلعالم «لتمويل الربامج ذات الجودة يف القطاع‬
‫الخاص نظرا للدور الذي يلعبه يف إحداث التنوع والتوازن‬
‫واملنافسة مع رضورة دعم اإلعالم العمومي يف تسليط الضوء عىل‬
‫اهتاممات املواطن‪.‬‬
‫وحتى ال متر هذه الهزة التي دفعت الصحفيني إىل املراجعة‬
‫والتعديل حسب فرج زميط‪ ،‬يجب أن يكون املشهد أكرث وضوحا‬
‫مام سبق عرب تركيز آليات تعديل ذايت‪ ،‬كرتكيز الهيئة الدامئة‬
‫لالتصال السمعي البرصي وتركيز مجلس الصحافة الذي سيلعب‬
‫دورا تعديليا يف مجال الصحافة املكتوبة وااللكرتونية‪.‬‬
‫وترى الصحفية املستقلة مربوكة خذير أن «إصالح اإلعالم مير‬
‫مبارشة عرب إرادة الهياكل املهنية ليكون لديه تأثري أكرب عىل‬
‫املجتمع حتى ال متر هذه الهزة مرور الكرام ونعود إىل ما كنا‬
‫عليه سابقا ولتدارك األخطاء الكبرية التي ممرنا بها والتي دفعتنا‬
‫إىل اإلصالح»‪.‬‬
‫واليوم وبعد هذه التجربة الجديدة التي خاضها اإلعالم التونيس‬
‫فإنه بات من الثابت لدى املواطن أن الصحفي هو املصدر‬
‫األول للمعلومة الصحيحة وغري املضللة يف ظل األخبار الخاطئة‬
‫املنشورة عىل شبكات التواصل االجتامعي وهو فرصة لتدعيم‬
‫هذه الثقة والحفاظ عليها يف إعالم يخدم مصلحة املواطن‪.‬‬
‫الخميس ‪ 23‬أفريل ‪ - 2020‬العدد ‪23‬‬

‫الجريدة المدنية‬

‫‪12‬‬

‫صرخة الكورونا‪:‬‬

‫ما بعد كورونا‪ ،‬هل مازال للرأسمالية ما تضيف؟‬

‫كفى استنزافا للطبيعة والبشر !‬
‫غسان بسباس‬

‫ما الذي يحدث يف العامل هذه األيام؟ أي‬
‫اضطراب وأية بلبلة أحدثها هذا الفريوس‬
‫التاجي املستجد ‪ CoViD-19‬عىل نواميس‬
‫املجتمعات البرشية التي اعتادتها طيلة الثالثني‬
‫سنة األخرية؟ كيف أوقفت حركة االقتصادات‬
‫والبواخر والطائرات وأجربت مليارات البرش‬
‫عىل مالزمة ديارهم يف هذا الظرف الوجيز؟‬
‫كيف لنسق الحياة املتسارع الذي اعتدناه يف‬
‫الخمس عرشة سنة األخرية أن يتوقّف بهذا الشكل الحاد واملفاجئ؟ أين‬
‫البورصات وحركة السيارات والحافالت‪ ،‬ودخان املصانع املنبعث ليخنق‬
‫الحياة عىل الكوكب؟ أين حركتنا ومواعيدنا التي ال تنتهي ولهاثنا وراء‬
‫النقل ووراء مصاريف الحياة بشكل ألهى املرء عن أخيه وزوجه وبنيه‪،‬‬
‫بل شغله حتى عن نفسه وحقها عليه؟ كيف كشف هذا الكائن املجهري‬
‫والذي ال يحيى إال يف خاليا كائن حي آخر الوجه القبيح لحضارتنا ولعرصنا‬
‫وملجتمعاتنا خاليا من املساحيق؟‬
‫كان ال بد من وقوع هذه الجائحة العاملية لتفضح عيوب مجتمعاتنا‪،‬‬
‫وتكشف أن وراء هذا النسق الجنوين للحياة ولالقتصاد وللمجتمعات‬
‫فقر فادح يف أساسيات املجتمعات من صحة وغذاء وتربية وعمل الئق‬
‫يتناسب مع حاجيات املجتمع الحقيقية ال مع الحاجيات املفتعلة التي‬
‫تفرضها الطبقة املهيمنة عىل عالقات اإلنتاج يف العامل ومن يدور يف فلك‬
‫تحالفاتها من طبقات متم ّعشة من هذه الهيمنة‪.‬‬
‫منذ مطلع السبعينات‪ ،‬ترافق مسار الهيمنة الجنونية لألوليغارشية املالية‬
‫املضاربة عىل العامل مع بدايات الثورة الرقمية واملعلوماتية والربمجية‬
‫التي نعيش مثارها اليوم‪ ،‬وخلقت تطورا منقطع النظري لوسائل اإلنتاج يف‬
‫املجتمعات الرأساملية املتقدمة ودشنت بذلك مرحلة جديدة من تكثيف‬
‫رأس املال وتركيزه أكرث بكثري من بدايات نضج املرحلة االحتكارية املالية‬
‫املسامة «االمربيالية» يف مطلع القرن العرشين‪ .‬فحجم الرثوة العاملية ناهز‬
‫‪240900‬مليار دوالر سنة‪ ،12013‬واحتكر فيها ‪ 1%‬من سكان العامل (األكرث‬
‫ثراءا‪ )2‬حوايل ‪ 46‬باملائة من الرثوة العاملية‪ ،‬يف حني مل يتجاوز ‪ 3‬باملائة‬
‫نصيب ‪ 68,7‬باملائة من سكان العامل (األكرث فقرا)‪.3‬‬
‫واتخذ مسار تركّز الرثوة العاملية نسقا تصاعديا بشكل خيايل منذ ‪.2009‬‬
‫ففي سنة ‪ ،2017‬كان نصيب ‪ 47‬شخصا أألكرث ثراءا يف العامل يوازي نصيب‬
‫نصف سكان األرض األكرث فقرا أي حوايل أربعة مليارات من البرش‪ .‬ويف‬
‫سنة ‪ ،2018‬انحرس هذا الرقم أكرث وأصبح بني يدي ‪ 26‬شخصا األكرث‬
‫ثراءا‪.4‬‬
‫وبالتوازي مع تركّز الرثوات‪ ،‬ازداد الفقراء يف العامل فقرا‪ ،‬وازداد امله ّمشون‬
‫تهميشا‪ ،‬وتدهورت يف العامل جميع املرافق والخدمات الحياتية األساسية‬
‫للمجتمعات من غذاء ونظافة وصحة وتعلّم وحتى الهواء أضحى‬
‫قاتال‪ .‬فهذه الطغمة املالية العاملية استنزفت موارد الطبيعة بشكل غري‬
‫مسبوق يف تاريخ الكوكب‪ ،‬وجعلت معظم اإلنسانية تعيش يف ضغط‬
‫مد ّمر‪ .‬ومل ت ّدخر هذه القلّة االحتكارية املضاربة يف سبيل ذلك استعامل‬
‫جميع أدواتها السلطوية املتاحة من نخب سياسية حاكمة وحليفة‪ ،‬إىل‬
‫نخب جمعياتية ومنظامتية رديفة‪ ،‬ومن منظّرين اقتصاديني ومفكّرين‬
‫خانعني إىل ش ّن الحروب وافتعال الرصاعات املجتمعية املسلحة وتغذيتها‪،‬‬
‫إىل التضليل اإلعالمي والقصف املعلومايت اليومي والتحكم عن بعد يف‬
‫خيارات ونسق حياة معظم اإلنسانية التي بقيت تستهلك يف منتجاتها‬
‫وتساير خياراتها طمعا يف مصري أفضل أو للبقاء قيد الحياة يف أحيان كثرية‪.‬‬
‫ففي الوقت الذي ترتاجع منذ السبعينات نسب األداءات عىل الرشكات‬
‫ونسب األداءات عىل الرثوة‪ ،‬تتفاقم وتتن ّوع مختلف الرضائب التي‬
‫فتمس العامل والفالحني وغالبية‬
‫تثقل كاهل السواد األعظم من البرش‪ّ 5‬‬
‫املوظفني وأصحاب الحرف وأصحاب املهن الحرة وأصحاب املشاريع‬
‫الصغرى واملتوسطة‪ ،‬عالوة عىل جيوش املعطّلني وامله ّمشني املرتبطني‬
‫معيشيا بهذه الفئات‪ .‬وبدعوى املساواة يف الرضيبة يُخاتَل العدل‬
‫واإلنصاف‪ ،‬وتختلّ قدرة غالبية الطبقات واملجتمعات عىل البقاء قيد‬

‫الخميس ‪ 23‬أفريل ‪ - 2020‬العدد ‪23‬‬

‫الحياة وعىل ضامن املصاريف الرضورية للعيش الكريم ناهيك عن‬
‫االدخار أو تطوير املداخيل‪ .‬يف حني يتمتّع أصحاب الرثوات الضخمة‬
‫بجميع املداخل الترشيعية والحيل الجبائية لتخفيف نسب مساهمتهم‬
‫يف الرضائب وتنمية استثامراتهم ومتكينهم من توسيعها وإعادة استثامرها‬
‫أو إعفاء جلّها من األداءات‪.‬‬
‫ونفس ما متارسه الطغمة الربجوازية املضاربة املهيمنة عىل العامل بشكل‬
‫واسع‪ ،‬متارسه الطغم املالية الحليفة لها واملتشبهة بها من أصحاب الرثوات‬
‫املالية الريعية وغري املنتجة يف مختلف املجتمعات املتخلّفة اقتصاديا ومن‬
‫بينها تونس‪ .‬حيث تستأثر املجمعات العائلية الخمس والعرشون الكربى‬
‫املحتكرة للحياة االقتصادية وللمؤسسات املالية بأكرث من ‪ 85‬باملائة‬
‫من الرثوة وتتحكم يف مفاصل الحياة السياسية والجمعياتية والخيارات‬
‫االقتصادية واالجتامعية وما تبع ذلك من مؤسسات إعالمية ومفكرين‬
‫وإنتاج ثقايف‪ .‬كل هذا لتفرض يف معظمها نفس الخيار االستنزايف للطبيعة‬
‫واملد ّمر للمجتمعات البرشية ولألفراد‪.‬‬
‫وماذا خلفت لنا هذه الطغمة غري تفاقم املديونية‪ ،‬ومشارفة البالد عىل‬
‫اإلفالس مقابل مضاعفة ثرواتهم؟ وماذا أنتجت غري نسيج صناعي مد ّمر‪،‬‬
‫وفالحة مفقّرة بغري أفق‪ ،‬وتعليم يع ّمق التجهيل‪ ،‬وصحة ال تليق بكرامة‬
‫البرش وتفوق مصاريفها إمكانيات السواد األعظم‪ ،‬وحياة سياسية عفنة‬
‫تفوح باإلفساد واالرتباط مبصالح القوى االستعامرية واإلقليمية املعادية‬
‫ملصالح شعبنا‪.‬‬
‫كل هذه الحقائق التي كانت تقال لعقود طويلة بشكل غري مسموع‬
‫يف العامل ويف الوطن العريب ويف العامل أتاحت الكورونا فرصة ال لإلصداع‬
‫بها‪ ،‬ولكن ليقف عليها السواد األعظم من املضطهدين يف العامل بجميع‬
‫طبقاتهم ورشائحهم‪.‬‬
‫رصخة الطبيعة وانتقامها عرب الفريوس املستجد‪ ،‬هي رصخة عىل انتهاك‬
‫هذه الطغمة ألبسط توازنات الطبيعة وغزوها ألكرث أغوارها «حميمية»‬
‫واستقرارا عىل مدى ماليني السنني‪ ،‬من الغالف الجوي املنتهك‪ ،‬إىل الغابات‬
‫املدمرة‪ ،‬إىل القطبني املستباح جليدهام‪ ،‬إىل ثروات األرض الباطنية‪.‬‬
‫رصخة الطبيعة وانتقامها فضحت هشاشة خيارات هذه الطغم املمسكة‬
‫برقاب املجتمعات‪ ،‬واملستهينة بحياتها وكرامتها ناهيك عن تطورها‪.‬‬
‫فمن التعامل املتهاون مع مخاطر العدوى يف إسبانيا وإيطاليا وانقلرتا‬
‫حامية ملصالح الرشكات املستشهرة و»رشكات كرة القدم»‪ ،‬إىل الخطاب‬
‫الفايش لجونسون رئيس وزراء بريطانيا حول «مناعة القطيع والنذير‬
‫املستسلم بفقدان األحبة» قبل استدراك األمر حال تفيش الوباء‪ ،‬إىل‬
‫الخطاب الصبياين لساسة البيت األبيض حول استهداف الفريوس للصني‬
‫وإليران يف بداياته‪ ،‬ورفض القيام بأية إجراءات وقائية قبل أن تحل الكارثة‬
‫بدعوى الحفاظ عىل املصالح االقتصادية؛ وصوال إىل األصوات املرتفعة‬
‫لعدم املساس مبصالح الطغم املالية والتحذير من عواقب الحجر الصحي‬
‫الشامل يف العامل‪6‬؛ مرورا مبحاولة استغالل محنة الوباء لتحقيق مكاسب‬
‫عابرة ورخيصة سواءا بعداء رشكات األدوية الستعامل الكلوروكني كخيار‬
‫عالجي عاجل أو مبا فاح من صفقة الكاممات يف تونس والتي تشوبها‬
‫عىل األقل خروقات عديدة للمنطق السليم وللمنهجية السليمة حتى يف‬
‫الظروف االستثنائية؛ كل هذه األمثلة وغريها تكشف استهانة هذه الطغم‬
‫بحياة اإلنسان وبازدهار املجتمعات وكل همها استعادة نسق نشاطها‬
‫وأرباحها‪.‬‬
‫بل إ ّن خمسة عقود من خيارات الخوصصة وتدمري مؤسسات القطاع‬
‫العام يف العامل فضحت حجم الجرائم التي ارتكبت يف حق صحة املواطن‬
‫وغذائه‪ ،‬وفضحت أن هذا الخيار استنزف ثروات املجتمعات لصالح‬
‫يحسن الخدمات األساسية‬
‫حفنة من مصايص الدماء دون أن يرتقي وال ّ‬
‫مثلام دأب أنصار هذا الخيار عىل ترديده عىل مسامعنا‪ .‬فبنية املؤسسات‬
‫الصحية يف أكرث الدول الرأساملية تقدما يف أوروبا ويف أمريكا الشاملية‬
‫أضحت متدن ّية واإلطارات الص ّح ّية تعمل يف ظروف صعبة وال تستجيب‬
‫للرشوط األساسية يف حق اإلنسان يف الصحة ويف حياة كرمية‪ .‬وكانت‬
‫معظم هذه املستشفيات عاجزة عن التعامل بشكل فعال مع الوباء‪،‬‬
‫والحيلولة دون سقوط عرشات اآلالف من الضحايا‪ .‬فيام معظم املؤسسات‬
‫الصحية الخاصة وأطباء املامرسة الحرة يغضون البرص ويتعاملون وكأن‬

‫‪13‬‬

‫∑‬

‫الجريدة المدنية‬

‫الوباء يف كوكب آخر أو يسعون إىل مضاعفة أرباحهم برتفيع أسعارهم‪،7‬‬
‫عالوة عىل تواتر األخبار عن تكدس مئات الجثث يف نيوجريس يف الواليات‬
‫املتحدة يف إحدى مراكز رعاية الشيخوخة دون اعتناء برفعها ودفنها‪.‬‬
‫ميسهم الوباء يف صحتهم ويف أح ّبتهم‬
‫كأن لسان حال هذه الطغم قبل أن ّ‬
‫«اتركوهم ميوتون فمن املفيد أن يكون العامل أقل متقاعدين وأقل فقراء»‪.‬‬
‫رصخة الكورونا فضحت كذلك من جهة أخرى ضعف عدد الخربات‬
‫الرضورية يف املجهود التطوعي ويف التدخل االجتامعي يف أوقات الكوارث‬
‫رغم عديد املبادرات اإليجابية املتفرقة واملحدودة األثر مثل مجموعة‬
‫«كوجينة الزوايل» يف أحياء تونس الكربى خاصة ومبادرة «جرس التطوع»‬
‫للمكتب الجهوي للشباب العامل باالتحاد الجهوي للشغل بصفاقس أو‬
‫«املبادرة الشعبية للتصدي لوباء الكورونا» يف الجانب الوقايئ والصحي‬
‫باألساس وغريها من املبادرات التي انطلقت تلقائيا منذ اللحظات األوىل‬
‫لحظر التجول وقبل انطالق الحجر الصحي الشامل حتّى‪.‬‬
‫ولكن أعتقد أن تراجع أكرث من عقدين لحيوية وإشعاع منظامت مثل‬
‫الكشافة التونسية والهالل األحمر وما توفرانه من تكوين إسعايف وتطوعي‬
‫ومن انتشار لنواديهام يف األحياء واملؤسسات الرتبوية خلق ثغرة كبرية يف‬
‫تكوين وتدريب جيلني من الشباب التونسيني مل تنجح معظم التجارب‬
‫املستج ّدة يف ملء فراغها‪ .‬وهو أمر يستوجب تداركا رسيعا إن كانت هناك‬
‫مرحلة جديدة ما بعد «غرصة» وباء الكورونا‪.‬‬
‫إمياين يقودين إىل أن هذه اإلنسانية الخالقة واملبدعة لن تسمح بإعادة‬
‫إنتاج عقود االستنزاف وخيارات الفشل واإلفساد‪ .‬وآن ملضطهدي العامل‬
‫أن ينظموا صفوفهم ويستنبطوا أنجع األشكال التنظيمية واآلليات لوقف‬
‫هذا املسار املهلك لكوكبنا ولإلنسانية ولئال يكون التطور التكنولوجي‬
‫واالقتصادي بكلفة باهظة عىل األجيال القادمة‪ .‬كلّ هذا رهني –مع رشوط‬
‫أخرى‪ -‬يأن يحسن املضطهدون اإلصغاء لصوت الطبيعة وهي تنئ وحني‬
‫تزمجر‪.‬‬
‫(‪)Endnotes‬‬
‫‪ 1‬تقرير البنك السويرسي ‪ Crédit Suisse‬لسنة ‪ 2013‬حول الرثوة العاملية املنشور يف هذا الرابط‬
‫باالنقليزية‪https://www.allianz.com/en/economic_research/publications/specials_fmo/‬‬
‫‪agwr13e.html‬‬
‫‪ 2‬ال تتجاوز نسبة سكان العامل األكرث ثراءا (أي التي تتجاوز مداخيلهم السنوية ‪ 100‬ألف دوالر) ‪8,4‬‬
‫باملائة ويحتكرون ‪ 83,3%‬من الرثوة العاملية حسب نفس التقرير ذي املرجع أعاله‪.‬‬
‫‪ 3‬الذين تقل مداخيلهم السنوية عن ‪ 10.000‬دوالر حسب معايري نفس التقرير ذي املرجع أعاله‪.‬‬
‫ناهيك عن نصيب الرشائح األكرث فقرا يف هذه الفئة‪.‬‬
‫‪ 4‬هذا ال يعني أن بقية ال‪ 21‬ثريّا (‪ )21=47-26‬اندثرت ثرواتهم‪ ،‬بل إن نصيبهم مجتمعني أصبح‬
‫يتجاوز بكثري نصيب نصف البرشية‪ .‬ورمبا بلغ مجموع موارد ثلثي البرشية أو أكرث‪.‬‬
‫املرجع‪ :‬التقرير السنوي ألوكسفام حول «وضع التفاوت والالمساواة يف العامل» لسنة ‪rapport« 2018‬‬
‫‪»annuel sur l’état des inégalités‬‬
‫‪ 5‬يذكر تقرير أوكسفام املذكور أعاله‪ ،‬أن نسبة املساهمة يف مداخيل الرضائب لعموم األفراد يف العامل‬
‫توازي ‪ 85‬باملائة (الخصم من املورد عىل املرتبات ‪ ،22%‬الرضائب عىل االستهالك واألداء عىل القيمة‬
‫املضافة ‪ ،39%‬األداء عىل الدخل الفردي ‪ )21%‬يف حني أن مساهمة أصحاب الرشكات الكربى والرثوات‬
‫الكربى ال تتجاوز الـ‪ 15‬باملائة (‪ 11%‬موارد الرضيبة عىل الرشكات‪ ،‬و‪ 4%‬موارد الرضيبة عىل الرثوات)‪،‬‬
‫ويف نفس الوقت راكم أصحاب الرثوات الكربى ال‪ 47‬حوايل ‪ 900‬مليار دوالر انضافت إىل رصيد ثرواتهم‪.‬‬
‫‪ 6‬ترصيحات ترامب وجونسون وماكرون حول رضورة استئناف الحياة االقتصادية‪ ،‬وكذلك ترصيحات‬
‫نجيب ساويرس يف مرص وسمري ماجول وطارق الرشيف يف تونس‪ .‬عالوة عىل قيام عديد املؤسسات‬
‫األجنبية يف تونس مثل ‪ SAFRAN‬بسليامنو ‪ MICHAUD‬باملغرية وشلومربجر بصفاقس بالقيام بطرد‬
‫العامل وإنهاء تعاقدهم بدل التضامن معهم يف هذه املحنة‪.‬‬
‫‪ 7‬من قبيل ترصيح بوبكر زخامة رئيس الغرفة النقابية للمصحات الخاصة حول تحديد كلفة ليلة‬
‫اإلنعاش الواحدة بثالثة آالف دينارا‪.‬‬
‫وطبعا توجد استثناءات ملصحات سخرت طاقاتها تلقائيا ملعاضدة مجهود التصدي للوباء‪ ،‬كام عرب‬
‫بعض أطباء املامرسة الخاصة عن استعدادهم لإلسهام يف املستشفيات العمومية لتعزيز الكادر الصحي‬
‫الرضوري لالنتصار عىل الوباء‪.‬‬

‫دوالر فقط يف الحاالت األخرى وهو ما يفرس جزئيا االرتفاع‬
‫لقد تم الزج بنا منذ سقوط الجدار إىل عامل مصاب بالشيزوفرانيا‬
‫املفاجئ للحاالت املبلغ عنها والتي تخضع للمساعدة عىل‬
‫يحثنا عن الحريات والحقوق كقيم إنسانية «كونية»‪ ،‬ال يستغني‬
‫التنفس‪ .‬هنالك مووضع خطري آخر تبادى لنا من خالل الهجمة‬
‫عنها السوق من أجل االزدهار ومن ناحية أخرى ال يتواىن عن‬
‫والقرصنة من أجل الحصول عىل تجهيزات الحامية الشخصية‬
‫مصادرة حقوقنا يف البحث والتدقيق يف مرشوعية هذا السوق‬
‫كانت ضحيتها دول مثل ايطاليا وفرنسا وأملانيا والباربادوس‬
‫وعن مكانة اإلنسان فيه‪ ،‬وحتى محاوالت «أخلقة»االقتصاد‬
‫والجاماييك وحتى تونس وكان أهم القرانصة هي الواليات‬
‫املايل املعومل التي دعا إليها البعض بعد األزمة املالية العاملية‬
‫عبد الكريم الشابي‬
‫املتحدة األمريكية‪ ،‬الواليات املتحدة التي رفضت رفع الحظر‬
‫ألواخر العرشية األوىل من هذا القرن باءت بفشل مريع ودفنت‬
‫عن مواطني الدول مثل كوبا وفينزويال وإيران رغم أن األخرية‬
‫يف مهدها‪ .‬مع مرور االقتصاد املايل املعومل إىل أقىص درجات‬
‫من أكرث الدول املترضرة ورغم نداءات األمني العام لألمم املتحدة‬
‫الربحية واملراكمة عىل حساب قيم التعاون والتضامن والتآزر‬
‫بني الناس وجدنا أنفسنا بصدد إعادة تشكيل العامل‪ ،‬حروب جديدة أساسا يف غوترييز‪ ،‬للتخيل عن هذه العقوبات القاتلة‪ .‬يف الواليات املتحدة أيضا شاهدنا‬
‫املنطقة العربية وعىل مشارف روسيا‪ ،‬أعادت تدوير بعض الدكتاتوريات ونصبت طوابري سيارات ألكرث من‪30‬كيلومرت يف انتظار املساعدات الغذائية كام شاهدنا‬
‫دكتاتوريات جديدة متوافقة مع النظام العاملي الجديد وصوال إىل «ربيع عريب»مل أيضا يف الس فيغاس مساحات شاسعة من مآوي السيارات أعدت لينام فيها‬
‫يزهر شيئا سوى تخريب ليبيا وسوريا واليمن‪ ،‬مرورا بـ»الصني مصنع العامل»‪ .‬تأيت املرشدون وهم عرضة للمرض عوض إيوائهم وقتيا يف أحد آالف النزل الفارغة يف‬
‫علينا إذا جائحة كورونا لتذكرنا مبدى تحكم «األخالق الربوتستانية» يف مصائرنا املدينة‪ .‬رأينا أيضا كيف تم اختالق ماليني املليارات من الدوالرات بضغطة زر‬
‫فقط إلنقاذ وول سرتيت ورشكاته العمالقة‪.‬‬
‫منذ انتصارها يف رصاع قيادة العامل‪.‬‬
‫إن من أهم الدروس التي ميكن استخالصها رسيعا من تجاوب الدول مع‬
‫أزمة الكورونا الجديدة هو أن هشاشة الوضع الصحي العاملي مرتبطة أساسا‬
‫بسياسات التقشف يف املصاريف العمومية من طرف مختلف الحكومات‬
‫والكيانات اللبريالية‪ ،‬يظهر ذلك أساسا يف دول جنوب أوروبا مثل ايطاليا واسبانيا‬
‫ومن مثة فرنسا‪ ،‬هذه الدول تعاين‬
‫من وجودها داخل االتحاد األورويب‬
‫ومن تحديد سقف تدخل الدولة يف‬
‫املصاريف العمومية من أجل مزيد‬
‫املردودية والربحية للقطاع الخاص‬
‫وقطاع البنوك والتأمني‪ ،‬ما دفع القطاع‬
‫الصحي يف فرنسا مثال‪ ،‬إىل التدهور‬
‫الرسيع واللجوء إىل اإلرضابات‬
‫واملواجهات مع القوات البوليسية‬
‫قبيل أزمة الكورونا‪ ،‬واملالحظ أيضا‬
‫هو أن حركة هجرة اإلطار الطبي‬
‫والشبه طبي يف فرنسا نشيطة مثل‬
‫ما هو الحال بالنسبة لنا يف تونس‪.‬‬
‫تتمحور مشاكل القطاع الصحي يف‬
‫ضعف التجهيزات واقتطاع امليزانية‬
‫الذي يؤثر حتام عىل االنتدابات الجديدة إال إذا كانت متأتية من الخارج‪ ،‬ففرنسا‬
‫تعد جذابة إىل حد اآلن بالنسبة لعديد الكفاءات يف الجنوب‪ .‬كذلك هو الحال يف‬
‫الواليات املتحدة األمريكية التي يشرتط فيها التمتع بتأمني خاص باهض الثمن‬
‫إذا أردت الحصول عىل تغطية صحية جيدة مام دفع أحد املصابني بكوفيد‪19‬من‬
‫متساكني نيويورك قبل اإلعالن عن قانون الطوارئ إىل السؤال عن «من سيدفع‬
‫مثن وضعي تحت جهاز املساعدة عىل التنفس»وذلك ليك يقرر إن كان يريد‬
‫هذه الخدمة أو ال‪ .‬الوضع يبدو أكرث مأساوية عندما نعرف أنه مبوجب قانون‬
‫الطوارئ أصبحت املصحات تتقاىض ‪39‬ألف دوالر من أجل وضع كل مريض‬
‫كوفيد ‪19‬تحت جهاز املساعدة عىل التنفس يف حني تكلف نفس العملية ‪4700‬‬

‫من املفارقات أيضا أن دولة صغرية محارصة مثل كوبا أرسلت آالف األطباء‬
‫واإلطارات شبه الطبية إىل كل من طلب منها ذلك من الدول وأن الصني أرسلت‬
‫اإلمدادات اىل كل الدول مبا يف ذلك الواليات املتحدة وبالرغم من ذلك فنحن‬
‫ال نكاد نغفو حتى نستفيق مجددا عىل أخبار زائفة معدة لدق طبول الحرب‬
‫عىل «مصنع العامل»‪ .‬هذه العنرصية مل‬
‫تطل الصينيني فقط بل طالت األفارقة‪،‬‬
‫ضنا من بعض»األورومركزيني»أنه‬
‫ميكنهم االعتداء عىل أهلنا يف الجنوب‬
‫واعتبارهم حقال للتجارب‪.‬‬
‫لو أردنا االختصار فالقول أن العامل‬
‫اليوم يعاين من تغول القيم الربحية‬
‫عىل قيم التعاون والتآزر والتضامن‬
‫اإلنساين وال داعي يف هذا املجال إىل‬
‫التذكري مبآيس االحتكار واملضاربة‬
‫داخل البلد الواحد يف املواد األساسية‬
‫مثلام هو الحال يف تونس‪ .‬يف الواقع‬
‫ليست هذه األزمة سوى أزمة قيم‬
‫الليربالية التي تضع الربحية يف أعىل‬
‫سلم اهتامماتها فتهمل اإلنسان ألنه‬
‫ال يكون مجديا لها إال إذا كان عمال نشيطا أو ثريا متعاىف ويف كل الحاالت عليه‬
‫أن يكون مستهلكا نهام‪.‬‬
‫ونحن نقرتب من انفراج هذا الفصل من األزمة علينا أن نكون جادين مجتهدين‬
‫يف الدفاع عن قيم تعيد اإلنسان إىل مركز العملية اإلنتاجية واإلبداعية‬
‫واالجتامعية‪ ،‬علينا انتهاج مبادئ التضامن والتكامل بدال عن التنافسية والربحية‪.‬‬
‫لألسف يبدو من خالل التواصل الحكومي أننا سنكون عىل موعد مع املزيد‬
‫من «التضحيات»والتقشف ومساعدة «املضاربني»سنكون مجددا عىل موعد مع‬
‫النسخة املحلية املعدلة جينيا من «األخالق الربوتستانية»‪.‬‬
‫الخميس ‪ 23‬أفريل ‪ - 2020‬العدد ‪23‬‬

‫الجريدة المدنية‬

‫‪14‬‬

‫ظروف العامالت والعمال فرتة الحجر الصحي الشامل‬
‫ضياء تقتق‬
‫يف بادرة هي األوىل من نوعها عىل الساحة النقابية والوطنية‪ ،‬و من أجل تجميع‬
‫املعطيات املتعلّقة بوضع العماّ ل و العامالت يف فرتة الحجر الص ّحي الشامل والذي‬
‫رافقه اإلعالن عن حظر الجوالن‪ ،‬سعى فريق العمل بالجريدة املدن ّية املتك ّون‬
‫رئيس ّيا من الصحفي نرص الدين سايس عضو النقابة العامة لإلعالم وضياء تقتق‬
‫املترصف رئيس باالتحاد العام التونيس للشغل‪ ،‬من خالل استبيان إلكرتوين نرش عىل‬
‫عديد الصفحات النقاب ّية لالتحاد العام التونيس للشغل (فايسبوك)‪ ،‬إىل إبراز نتائج‬
‫أه ّم املظاهر التي مت ّيز الواقع املعييش للعماّ ل وذلك يف خطوة لبناء خطّة عمل من‬
‫شأنها التأثري يف السياسات املعتمدة حال ّيا وكذلك اثر الخروج من أزمة تفشيّ الوباء‬
‫العاملي كوفيد‪ -19‬ونتائجه املنتظرة عىل واقع الشغل ومستقبله‪.‬‬
‫منهجية العمل والفئة المستهدفة‪:‬‬
‫وجه القامئان عىل هذا العمل االستقصايئ مجموعة من األسئلة‬
‫وعددها ‪ 18‬تتعلّق بالنوع االجتامعي والرشيحة العمرية والجهة‬
‫وتحمل املسؤولية النقابية أو االنخراط يف املنظمة‪ ،‬والقطاع وفقا‬
‫للتقسيم الهيكيل باإلتحاد والقطاع االقتصادي سواء كان ذلك قطاعا‬
‫خاصا او وظيفة عمومية‪.‬‬
‫كام طرحت مجموعة اخرى من األسئلة تتمثّل يف طبيعة املسكن‬
‫وكيف ّية استغالله وعدد القاطنني بنفس املسكن و املرض باألمراض‬
‫املزمنة ووسائل التنقّل لاللتحاق مبق ّرات العمل وطريقة تقايض األجر‬
‫واستعامل البطاقات البنكية يف السحب أو املعامالت املال ّية و العمل‬
‫فرتة الحجر الص ّحي‪.‬‬
‫وشملت االسئلة كذلك الوضعية املهنية للعامالت والعامل وتشغيلية‬
‫املؤسسة ومدى احرتامها لتطبيق القانون‪.‬‬
‫وقد القى هذا االستبيان التفاعل اإليجايب من قبل ‪ 320‬مستجوبة‬
‫ومستجوب يتوزّعون عىل ‪ 24‬والية‪ ،‬و ‪ 38‬جامعة عامة اضافة اىل‬
‫النقابات الخصوصية‪.‬‬
‫تجدر املالحظة ان عملية تجميع املعطيات وتلقي االجابات انطلقت‬
‫يوم ‪ 28‬مارس لتستغرق أسبوعا وتنتهي يوم ‪ 5‬أفريل ‪ .2020‬ومتثّل‬
‫هذه امل ّدة النصف الثاين من فرتة الحجر الص ّحي الشامل الذي اق ّرته‬
‫السلطة التنفيذيّة وقبل التمديد فيه اكرث من م ّرة‪.‬‬

‫‪ - I‬نتائج عامّة ‪:‬‬
‫‪ - 1‬مشاركة النساء العامالت في البحث الميداني‬
‫شارك يف هذا االستبيان االلكرتوين ‪ 320‬مشاركة ومشارك ‪ ٪ 30‬منهم‬
‫من االناث و‪ ٪ 70‬من الذكور‪.‬‬
‫‪ - 2‬الشريحة العمرية ‪:‬‬
‫السن‪ ،‬شكّلت الرشيحة العمريّة املمثّلة للشباب العامل‪،‬‬
‫و بحسب ّ‬
‫أقلّ من ‪ 35‬سنة‪ ،‬نسبة ‪ ، ٪ 34.1‬والفئة بني ‪ 35‬سنة و ‪ 45‬سنة بلغت‬
‫النسبة ‪ ، ٪ 43.4‬أ ّما عىل مستوى الرشيحة العمرية بني ‪ 45‬سنة و ‪60‬‬

‫الخميس ‪ 23‬أفريل ‪ - 2020‬العدد ‪23‬‬

‫سنة فبلغت نسبة ‪ ، ٪ 21.2‬يف حني مل تتجاوز نسبة مشاركة من هم‬
‫فوق ‪ 60‬سنة الـ‪. ٪ 1.2‬‬
‫ونس ّجل ان نسبة مشاركة االناث يف كل مستوى من الرشائح العمرية‬
‫ضعيفة باستثناء من ه ّن من ‪ 45‬اىل ‪ 60‬سنة التي بلغت ‪، ٪ 42.65‬‬
‫حيث تراوحت النسب بني ‪ ٪ 24.46‬و ‪.٪ 29.36‬‬
‫‪ - 3‬الجهات و الجامعات العامة المشاركة ‪:‬‬
‫من خالل التفاعل تجسدت اعىل نسب املشاركة يف الجهات التالية‪:‬‬
‫تونس بنسبة ‪ ٪ 20.94‬و بن عروس بنسبة ‪ ٪ 19.06‬و اريانة بنسبة‬
‫‪ ٪ 8.44‬وبنزرت بنسبة ‪ ٪ 6.25‬اي مبا ميثل ‪ ٪ 54.69‬من الجهات‬
‫الـ‪ 24‬التي شملها االستبيان‪.‬‬
‫اما عىل مستوى القطاعات فقد تحصل قطاع السياحة والصناعات‬
‫التقليدية و التجارة و الصناعات الغذائية عىل أعىل نسبة مشاركة بـ‬
‫‪ ٪ 15.63‬يليه يف ذلك قطاع التعليم االسايس بـ ‪ ٪ 12.19‬ويف مرتبة‬
‫ثالثة قطاع املعادن و االلكرتونيك بـ ‪ ٪ 9.06‬و تكنولوجيا املعلومات‬
‫والخدمات بـ ‪. ٪ 7.81‬‬
‫‪ - 4‬االنخراط في العمل النقابي و تحمل المسؤولية‪:‬‬
‫من خالل السؤال املتعلق بالعمل النقايب نالحظ ان نسبة غري‬
‫املنخرطني باالتحاد ال تتجاوز ‪ ، ٪ 26.6‬يف حني متثل نسبة االنخراطات‬
‫يف االتحاد ‪. ٪ 73.5‬‬
‫تجدر االشارة اىل ان نسبة تحمل املسؤولية النقابية من جملة‬
‫املشاركات و املشاركني يف االستبيان ‪ ٪ 21.6‬تتوزع كاآليت‪14.4 :‬‬
‫‪ ٪‬يف القطاع الخاص و ‪ ٪ 28.89‬يف القطاع العام و ‪ ٪ 27.78‬يف‬
‫الوظيفة العمومية‪.‬‬
‫كام نالحظ من خالل االرقام و النسب ان نسب املتحمالت‬
‫للمسؤولية النقابية متدنية جدا امام املسؤولني النقابيني خاصة يف‬

‫القطاع الخاص بنسبة ‪ . ٪ 9.52‬اما يف القطاع العام فتبلغ النسبة‬
‫‪ ٪ 30.77‬وترتفع هذه النسبة اىل ‪ ٪ 40‬يف الوظيفة العمومية‪.‬‬
‫‪ - 5‬توزع المشاركات و المشاركين حسب طبيعة‬
‫القطاعات ‪:‬‬
‫وأخريا يف هذا املحور االول ومن خالل تقسيم القطاعات اقتصاديا‬
‫بني القطاع الخاص و القطاع العام والوظيفة العمومية‪ ،‬نالحظ‬
‫ان اعىل نسبة يف املشاركة لفائدة القطاع الخاص بـ‪ ٪ 46.6‬تليها‬
‫الوظيفة العمومية بـ ‪ ٪ 39.4‬و القطاع العام بـ ‪.٪ 14.1‬‬
‫عىل مستوى الرشائح العمرية تبني النتائج ان القطاع العام و‬
‫الوظيفة العمومية يشكوان من الته ّرم وارتفاع السن مقارنة بالقطاع‬
‫الخاص‪ .‬وهذا االخري يسجل اعىل نسبة من العامالت و العامل من‬
‫فئة الشباب من هن‪/‬هم دون سن الـ‪ 35‬بـ ‪ ٪ 45.64‬واعىل نسبة يف‬
‫الرشيحة العمرية من ‪ 35‬اىل ‪ 45‬سنة بـ ‪ .٪ 48.99‬ويف قراءة اخرى‬
‫متثل نسبة العامالت و العاملني يف القطاع الخاص من هن‪/‬هم دون‬
‫‪ 45‬سنة ‪ ٪ 94.63‬مقابل ‪ ٪ 75.55‬بالقطاع العام و ‪ ٪ 57.94‬يف‬
‫الوظيفة العمومية‪.‬‬
‫ويف تفاعل مع االرقام و النسب املنشورة بتاريخ ‪ 14‬افريل ‪2020‬‬
‫واملتعلقة بالوفيات نتيجة االصابة بفريوس الكوفيد ‪ 19‬يف مدينة‬
‫نيويورك ‪ ،‬نذكر ان نسبة الوفيات من االشخاص ممن هم دون ‪17‬‬
‫سنة تبلغ ‪ ،٪ 0.04‬وبالنسبة لالشخاص التي ترتاوح اعامرهم بني ‪18‬‬
‫و ‪ 44‬سنة تبلغ النسبة ‪ ،٪ 4.5‬اما بالنسبة لالشخاص التي ترتاوح‬
‫اعامرهم بني ‪ 45‬و ‪ 64‬سنة فتبلغ النسبة ‪ ٪ 23.1‬لتبلغ نسبة ‪72.3‬‬
‫‪ ٪‬ملن تجاوزوا ‪ 64‬سنة‪.‬‬
‫نالحظ ان نسب مشاركة النساء من القطاع الخاص متدنية حيث ال‬
‫تتجاوز ‪ ٪ 18.06‬و تبلغ ‪ ٪ 24.44‬يف القطاع العام لرتتفع يف الوظيفة‬
‫العمومية اىل ‪.٪ 42.86‬‬

‫‪15‬‬

‫∑‬

‫الجريدة المدنية‬

‫‪ - II‬النتائج المتعلقة باالسرة‪:‬‬
‫‪ - 1‬تركيبة العائلة القاطنة بنفس المسكن‪:‬‬
‫تفاعال مع االسئلة يف مستوى تركيبة العائلة القاطنة بنفس املسكن‪،‬‬
‫والتي تشمل العاملة او العامل والقرين‪/‬ة او ان وجد‪/‬ت و االصول‬
‫ان هم يف الكفالة او الفروع ان وجدوا‪ ،‬ابرزت النتائج ان اغلب‬
‫االجراء تفوق تركيبة ارسهم ‪ 4‬افراد وذلك بنسبة ‪ ٪ 60‬وتتوزع ابرز‬
‫النسب كااليت‪ ٪ 30.3 :‬للعائلة املتكونة من ‪ 4‬افراد و ‪ 29.7‬للعائلة‬
‫املتكونة لـ‪ 5‬افراد او اكرث‪.‬‬
‫‪ - 2‬االصابة باألمراض المزمنة‪:‬‬
‫فيام يعلق باألمراض املزمنة ومنها مرض السكري وضغط الدم و‬
‫امراض القلب و الرشايني والربو والرسطان ‪ ...‬صلب مكونات العائلة‬
‫الواحدة‪ ،‬فقد اشارت نتائج االستبيان اىل ان اكرث من نصف العائالت‬
‫يوجد بها حاالت اصابة واحدة عىل االقل مبرض مزمن ‪ ، ٪ 50.6‬بل‬
‫ان بعض العائالت تسجل اصابة اكرث من شخص واحد بأحد هذه‬
‫االمراض وذلك بنسبة ‪ ٪ 19.7‬ولنا ان نتخيل استتباعات ذلك عىل‬
‫مستوى ظروف العيش واملقدرة الرشائية و التغطية االجتامعية و‬
‫مصاريف العالج ‪...‬‬
‫تجدر االشارة اىل ان االحصائيات املتعلقة بحاالت الوفاة بفريوس‬
‫الكوفيد ‪ 19‬حسب ما رصحت به منظمة الصحة العاملية‬
‫كذلك‪ ،‬تربز لنا االرقام التفاوت يف االصابة باألمراض املزمنة لدى‬
‫العائالت حسب القطاعات االقتصادية‪ .‬حيث يسجل يف القطاع‬
‫الخاص ان نسبة ‪ ٪ 46.31‬من العائالت يوجد بها حالة او اكرث مصابة‬
‫مبرض مزمن‪ ،‬وهي نسبة تقل عن موظفي الدولة والبالغة ‪٪ 54.39‬‬
‫‪.‬من االرس ‪ ،‬وتتوزع اىل ‪ ٪ 60‬من العائالت يف القطاع العام و ‪52.39‬‬
‫‪ ٪‬من العائالت يف الوظيفة العمومية ‪.‬‬
‫وتفيدنا االرقام الصادرة عن منظمة الصحة العاملية املنشورة بتاريخ‬
‫شهر فيفري ‪ 2020‬واملتعلقة بدولة الصني قد رتبت نسبة الوفيات‬
‫مبرض الكوفيد ‪ 19‬و التي يشكو اصحابها من مرض مزمن حسب‬
‫الخطورة كالتايل‪ :‬امراض القلب و الرشايني ثم السكري ويتبعها الربو‬
‫فضغط الدم و الرسطان‪.‬‬

‫الكراء وهو ما يدل عىل نزعة اكتساب‬
‫ملكية العقارات املعدة للسكنى‪ .‬وتتعزز‬
‫نزعة استغالل املسكن من خالل ملكيته‬
‫خاصة لدى النساء‪ ،‬فمن مجموع النساء‬
‫املشاركات يف االستبيان ‪ ٪ 60.42‬منهن‬
‫ميتلكن منزال يف حني تنخفض هذه‬
‫النسبة لدى الذكور لتبلغ ‪.٪ 52.68‬‬
‫كام تبني لنا النسب املقدمة ارتفاع نسبة‬
‫استغالل املساكن عىل وجه الكراء لدى‬
‫الشباب ممن سنهم دون ‪ 35‬سنة لتبلغ‬
‫‪ ٪ 43.06‬مقابل ‪ ٪ 26.70‬من الشباب‬
‫من لديهم ملكية للمسكن‪ .‬وتبلغ اعىل‬
‫نسبة مللكية لسكن لدى من تجاوزوا سن‬
‫‪ 45‬وذلك بـ‪ ٪ 31.25‬مقابل االستغالل‬
‫عىل وجه الكراء لنفس الفئة املذكورة بـ‬
‫‪.٪ 11.80‬‬

‫‪ - 3‬طبيعة المسكن للعمال‪:‬‬
‫ويف نفس محور العائلة‪ ،‬نتبني من خالل نتائج االجابة عن اسئلة‬
‫االستبيان املتعلق بطبيعة املسكن الذي يقطنه االجراء الذي وقع‬
‫تقسيمه اىل ثالث انواع وهي املسكن الوظيفي و املسكن الجامعي‬
‫(عامرات) و املسكن الفردي (فيالت) ‪ ،‬يشكل املسكن اعىل نسبة من‬
‫بني كل انواع املساكن بنسبة بلغت الـ ‪ ٪ 58.13‬فيام ميثل املسكن‬
‫الوظيفي اقل نسبة حيث ال تتجاوز ‪.٪ 2.8‬‬
‫تجدر االشارة ان هذه املساكن اما انها تستغل عىل وجه الكراء‬
‫او تعود ملكيتها اىل االجراء‪ ،‬زقد ابرزت لنا النتائج ان ‪ ٪ 55‬من‬
‫املساكن تعود ملكيتها اىل االجراء مقابل ‪ 45٪‬منها تستغل عىل وجه‬

‫‪ - 4‬وسائل التنقل المعتمدة لاللتحاق بالعمل‪:‬‬
‫تكتيس وسائل التنقل اهمية بالغة يف الحياة االقتصادية و االجتامعية‬
‫بشكل عام ويف حياة العاملة و العامل بشكل خاص‪ ،‬ومن خالل‬
‫التعرف عىل وسائل التنقل املعتمدة من خالل املشاركات و‬
‫املشاركني يف االستبيان و املتمثلة يف الحافالت العمومية او الخاصة‪،‬‬
‫و امليرتو او قطارات األحواز‪ ،‬السيارات الخاصة ‪ ،‬السيارات اإلدارية‬
‫الدراجات النارية و الهوائية و االلتحاق مبقر العمل عىل القدمني‬
‫توصلت النتائج اىل اعتبار ان السيارات الخاصة هي وسيلة التنقل‬
‫االكرث استعامال بنسبة ‪ .٪ 34.69‬اما املرتبة الثانية فتحتلها الحافالت‬
‫بأنواعها بنسبة ‪ ٪ 23.75‬واملرتبة الثالثة اىل وسيلة التنقل الطبيعية‬

‫وهي القدمني حيث حضيت بنسبة ‪ ٪ 20.00‬من املشاركات‬
‫واملشاركني‪.‬‬
‫ومن النتائج التي توصل اليها هذا البحث نذكر ان استعامل‬
‫الدراجات النارية و الهوائية (‪ )٪ 9.1‬بقيت حكرا عىل الذكور وذلك‬
‫بنسبة ‪. ٪ 100‬‬
‫وتعترب اكرث وسائل التنقل استعامال لدى النساء هي السيارات‬
‫الشخصية بنسبة ‪ ٪ 40.63‬من العدد الجميل لهن‪ .‬كام تعترب هذه‬
‫الوسيلة هي االكرث اعتامدا لدى الذكور لكن بنسبة اقلّ ‪ ٪ 32.14‬من‬
‫بني املستجوبني الذكور‪.‬‬
‫من جهة اخرى افضت النتائج اىل ان االغلبية الساحقة من مستعميل‬
‫السيارات الوظيفية هم من فئة الذكور وذلك بنسبة ‪ ٪ 88‬مقابل‬
‫‪ ٪ 13‬فقط من نصيب النساء العامالت‪.‬‬
‫‪ - III‬النتائج المتعلقة بالمؤسسة و الجوانب المالية‪:‬‬
‫‪ - 1‬مباشرة العمل خالل فترة الحجر‪:‬‬
‫ميثل غلق املؤسسات و ايقاف جل االنشطة االقتصادية من خالل‬
‫فرض الحجر الصحي الشامل من ابرز مظاهر التوقي من جائحة‬
‫الكوفيد ‪ .19‬يف هذا االطار افاد املشاركات و املشاركني يف هذا‬
‫البحث ان اغلب املؤسسات اغلقت ابوابها حيث متثل نسبة من‬
‫التحقوا بالعمل صلب مؤسساتهم سوى ‪ ٪ 36.2‬مقابل ‪ 63.8‬ممن‬
‫الزموا بيوتهم يتوزعون اىل من ال يعمل بتاتا وبني من يعمل عن بعد‬
‫باستعامل االنرتنت‪.‬‬
‫ومتثل نسبة التزام املرأة بالحجر الصحي الشامل ومالزمة البيت‬
‫والتي بلغت ‪ ، ٪ 77.08‬مرتفعة مقارنة بنسبة نظريها الرجل والتي‬
‫بلغت ‪.٪ 58.04‬‬
‫وتتأكد هذه النسب بالتفصيل حيث مثلت نسبة النساء ممن بقني‬
‫باملنزل ‪ ٪ 67‬يف القطاع الخاص و ‪ ٪ 63.64‬يف القطاع العام و ‪85.17‬‬

‫الخميس ‪ 23‬أفريل ‪ - 2020‬العدد ‪23‬‬

‫الجريدة المدنية‬

‫‪16‬‬

‫نوافذ‬

‫‪ ٪‬يف الوظيفة العمومية يف حني سجلت نسب تواجد الرجال يف املنزل‬
‫تقهقرا حيث متثلت يف ‪ ٪ 61.02‬يف القطاع الخاص و ‪ ٪ 26.47‬يف‬
‫القطاع العام و ‪ ٪ 68.06‬يف الوظيفة العمومية‪.‬‬
‫وبحسب التنوع القطاعي‪ ،‬املؤسسات التي فتحت ابوابها‪ ،‬سواء تلك‬
‫التي استثنتها االوامر و القرارات االدارية او التي مل تحرتم القانون‪،‬‬
‫تسجل اعىل نسبة يف القطاع العام بـ ‪ ٪ 64.44‬ثم ‪ ٪ 37.58‬يف‬
‫القطاع الخاص وبنسبة متدنية يف الوظيفة العمومية بـ ‪. ٪ 24.60‬‬
‫‪ - 2‬تقاضي االجور خالل فترة الحجر الصحي‪:‬‬
‫ميكن القول ان من اهم املسائل التي لها انعاكاسات ها ّمة ومبارشة‬
‫عىل معيشة العامالت و العاملني وكذلك عىل املؤسسة خاصة تلك‬
‫التي اغلقت أبوابها‪ ،‬هي مسألة االجور‪.‬‬
‫وتنقسم الحاالت اىل ‪ 3‬مستويات ‪ :‬يتعلق املستوى االول بالحصول‬
‫عىل اجر كامل وذلك بنسبة ‪ ،٪ 73.4‬ويتعلق الثاين بالحصول عىل‬
‫جزء من االجر وذلك بنسبة ‪ ، ٪ 9.1‬اما فيام يتعلق مبستوى عدم‬
‫الحصول عىل االجر فبلغت النسبة ‪. ٪ 17.5‬‬
‫ومبزيد التمعن يف النتائج يتجىل لنا ان النساء هن االكرث عرضة لعدم‬
‫التمتع بكامل االجر بل هن االكرث عرضة لعدم الحصول عىل اجر‪.‬‬
‫حيث ان ‪ ٪ 35‬فقط من النساء العامالت يف القطاع الخاص تحصلن‬
‫عىل اجر كامل‪ ،‬فيام تصل نسبة الذكور اىل ‪ ٪ 57.63‬بنفس القطاع ‪.‬‬
‫و‪ ٪ 79.63‬من النساء العامالت يف الوظيفة العمومية تحصلن عىل‬
‫اجر كامل فيام تصل نسبة الذكور اىل ‪ ٪ 92.22‬بنفس القطاع‪.‬‬

‫بعد «الكوفيد‪ :»19‬تونس أخرى ممكنة… ولكن!!‬

‫بقلم ‪ :‬ضياء تقتق‬

‫بل ان ‪ ٪ 16.67‬من النساء العامالت يف الوظيفة العمومية مل يتقاضني‬
‫أجرهن مقابل نسبة ‪ ٪ 2.78‬لدى الذكور‪ .‬ايضا ‪ 38.71‬من العامالت‬
‫يف القطاع الخاص مل يتقاضني أجرهن أجرهن مقابل نسبة ‪27.97‬‬
‫‪ ٪‬لدى الذكور‪.‬‬
‫‪ - 3‬طريقة خالص االجور وكيفية سحبها‪:‬‬
‫فيام يتعلق بطريق خالص األجور تحيل النتائج اىل استمرار بعض‬

‫املؤسسات يف اتباع طريقة الخالص نقدا وتبلغ نسبتها ‪5.80( ٪ 5.94‬‬
‫‪ ٪‬من الذكور يتقاضون اجورهم نقدا يف حني ترتفع النسبة بشكل‬
‫طفيف لدى االناث ‪ ) 6.25‬يف حني ‪ 87.81‬من العامالت و العاملني‬
‫ميتلكون‪/‬كن حسابا جاريا بنكيا (‪ ٪ 87.95‬ذكورا و ‪ 87.50‬اناثا) اما‬
‫بالنسبة لطريقة الخالص عرب الحساب الجاري الربيدي فتبلغ نسبتها‬
‫‪ ٪ 6.25‬بالتساوي اناثا وذكورا‪.‬‬
‫من خالل النتائج نالحظ ان أجراء القطاع الخاص ميثلون ‪ ٪ 55‬من‬
‫بني من لديهم حسابا جاريا بريديا‪ ،‬يف حني ميثلون نسبة ‪ ٪ 43.8‬من‬
‫بني لديهم حسابا جاريا بنكيا‪.‬‬
‫لكن ما يجب العمل عىل تجاوزه وإصالحه هو طريقة الخالص نقدا‬
‫ويرتفع عددها يف القطاع الخاص‪ ،‬حيث نالحظ ان ‪ ٪ 78.9‬ممن‬
‫تلقون اجورهم نقدا ينتمون اىل هذا القطاع‪.‬‬
‫من خالل االجابات عىل السؤال املتعلق باستعامل البطاقات البنكية‬
‫و الربيدية يف السحب و املعامالت التجارية ملا توفّره من تجنب‬
‫لالكتظاظ امام شبابيك السحب وتجنب العدوى من الفريوس‬
‫وربحا للوقت‪ ،‬اظهرت النتائج ان نسبة هامة من العامل ال ميتلكون‬
‫بطاقات بنكية حيث بلغت ‪ . ٪ 30.3‬تجدر االشارة اىل ان نسبة‬
‫االناث مرتفعة نسبيا مقارنة بنظريتها لدى الذكور لتبلغ الثلث‬
‫‪ ٪ 33.33‬مقابل ‪ 29.02‬لدى العامل الذكور‪.‬‬
‫‪ - 4‬احترام المؤسسات لإلجراءات المتعلقة بالحجر‬
‫الصحي‪:‬‬
‫تشري نتائج البحث امليداين اىل ان أغلب العامالت و العامل ينتمون‬
‫اىل مؤسسات تشغل اقل من ‪ 100‬عاملة وعامل يف املنشاة الواحدة‬
‫وذلك بنسبة ‪. ٪ 56.9‬‬
‫يف حني تبلغ نسبة املؤسسات التي تشغل بني ‪ 100‬و ‪ 500‬عاملة‬
‫و عامل ‪ . ٪ 25.3‬اما املؤسسات التي تشغل اكرث من ‪ 500‬فتبلغ‬
‫نسبتها ‪.٪ 17.8‬‬
‫بحسب تحليل االجابات فان ‪ ٪ 79.4‬من املؤسسات بقطع النظر‬
‫عن تصنيفها القطاعي‪ ،‬تحرتم القانون واالجراءات مقابل ‪٪ 20.6‬‬
‫ال تحرتم تراتيب الحجر الصحي الشامل ويعترب استمرار نشاطها‬
‫حسب عامالتها وعاملها انتهاكا لحقوقهم وتهديدا لسالمتهم وسالمة‬
‫عائالتهم‪.‬‬
‫فنسبة ‪ ٪ 87.5‬من النساء العاملني يعتربن ان مؤسساتهن يحرتمون‬
‫االجراءات يف حني تنخفض هذه النسبة لدى الذكور اىل ‪.٪ 75.89‬‬
‫اما عىل ملستوى القطاعي‪ ،‬فا ّن أعىل نسبة لخرق القانون‪ ،‬سجلت‬
‫يف القطاع العام بـ ‪ ٪ 31,11‬بناء عىل اجابات العاملني صلب هذا‬
‫القطاع‪ .‬يليه القطاع الخاص بـنسبة ‪ 26.17٪‬من مجموع العاملني‬
‫فيه و الوظيفة العمومية بـ‪ ٪ 10.31‬من مجموع العاملني فيها‪.‬‬
‫وباالستفسار عن الوضعية املهنية للمشاركات و املشاركني يف‬
‫االستبيان‪ ،‬نجد ان ‪ ٪ 81.2‬مرتسمون وتبلغ نسبة املتعاقدين ‪، ٪ 15‬‬
‫اما عملة الحضائر املشاركون فتبلغ نسبتهم ‪.٪ 3.8‬‬

‫الخميس ‪ 23‬أفريل ‪ - 2020‬العدد ‪23‬‬

‫‪17‬‬

‫∑‬

‫الجريدة المدنية‬

‫منذ أن أطلّت الوفود من بني جلدتنا عىل املحروسة‪ ،‬حاملة لنا فريوس‬
‫الكوفيد‪ -19‬حتّى انطلق مسلسل العدوى حامال معه مزيدا من‬
‫الرتقّب والخوف‪ ،‬وهو ما ع ّجل بتعرية سوءاتنا وانكشاف جميع عيوبنا‬
‫االقتصادية واالجتامع ّية والسياس ّية وحتّى السلوك ّية‪.‬‬
‫مؤسسات اقتصادية قويّة ذات قيمة مضافة تساهم يف نجدة سكّان‬
‫فال ّ‬
‫هذا البلد‪ ،‬مرتهنة أ ّوال وآخرا إىل شامل البحر املتوسط‪ ،‬غايتها تحقيق‬
‫األرباح عىل حساب األرواح ‪.‬‬
‫وال إعتامدات طوارئ ومخزون مايل يس ّد الحاجة ويج ّنب التونس ّيات والتونس ّيني‬
‫التقلّبات‪ ،‬أو صندوق تعويضات يضمن الح ّد األدىن من العيش الكريم لضعاف‬
‫الحال والفئات الهشّ ة‪.‬‬
‫إضافة إىل ذلك‪ ،‬نعيش عىل وقع أزمة يحاول تطويقها فريق جمع كل ألوان‬
‫الطيف‪ ،‬ال بوصلة واضحة له‪ ،‬ذهب به األمر يف مقاومة الفساد إىل السطو عىل‬
‫وصوالت أكل املوظّفني أو بحث سبل عقد صفقات عموم ّية مع أصحاب شبهة‬
‫تضارب يف املصالح‪ ،‬و غلب عىل طابعه االستثامر الشخيص وتسجيل املواقف‬
‫عىس أن ينقذه ذلك من ه ّزة أو ه ّزات سياس ّية مرتقبة‪ .‬يتشارك هذا الفريق‪ ،‬ويف‬
‫مشهد رسيايل‪ ،‬ن ّواب شعب ميكن أن نطلق عىل بعضهم صفة «نوائب هذا الزمن»‪،‬‬
‫مه ّمتهم األصل ّية الترشيع‪ ،‬أ ّما صنيعهم فهو عرقلة كل الجهود املبذولة رغم قلّة‬
‫اإلمكانيّات املاديّة والبرشيّة‪ ،‬وذلك بقصد أو عن غري قصد‪ ،‬إضافة إىل استغالل‬
‫طيبة هذا الشعب باستثارة الجانب ال َعقَدي لديه‪.‬‬
‫مؤسسات‪ ،‬برتبة سامرسة‪ ،‬يس َع ْون دوما إىل التأكيد بأنّهم‪ ،‬أعداء‬
‫أناس ميتلكون ّ‬
‫للبسطاء‪ ،‬باألمس كانوا ميضون االتفاقات ويتلكّؤون يف التنفيذ‪ ،‬واليوم أصبحوا‬
‫ميضون ويرتاجعون بعد ساعات قليلة‪ .‬لو استشعر هؤالء رائحة التسخري من ِق َبل‬
‫ُ‬
‫من هم يف السلطة‪ ،‬لع ّدلوا خ ّط سريهم‪ ،‬لكن هيهات‪« ،‬متى يستقيم الظلّ والعود‬
‫أعوج»‪.‬‬

‫العموم ّية يتق ّدمها مرفق الص ّحة العموم ّية من خالل تركيز‬
‫مستشفيات متط ّورة مع توفري املع ّدات الحديثة زيادة عىل‬
‫األخصائ ّيني من مختلف األسالك الط ّب ّية وشبه الط ّب ّية‪.‬‬
‫تواجد ّ‬
‫يف يوم واحد احتفل جرناالت املرحلة بتدشني وحدة طبّية‬
‫وسط العرشات‪ ،‬ضاربني عرض الحائط بإجراءات الوقاية‪ ،‬يف‬
‫مشهد يجعل من الحديث عن االلتزام محلّ سخرية‪.‬‬
‫العبثي أنّه ويف نفس اليوم‪ ،‬ويف جنح الظالم‪،‬‬
‫وما د ّعم املشهد ّ‬
‫تسلّل «الرئيس» إىل إحدى املدن الداخل ّية‪ ،‬حامال معه علبة مؤونة‪ ،‬باحثا عن‬
‫مواطن نيس أن يسلّمها له‪ ،‬وكلّ ذلك وسط حشود من القوم مبا يشكّل خطرا‬
‫محدقا يه ّدد سالمته وسالمة املواطنات واملواطنني‪ ،‬وال يعطي انطباعا ج ّيدا عىل‬
‫القائد الساهر عىل احرتام القانون‪.‬‬
‫… بعيدا عن اإلشاعات أو اإلسهال يف الترصيحات و تدوينات السخرية من القدر‬
‫عرب شبكات التواصل االجتامعي‪ ،‬تعرتضني أحيانا بعض الكلامت الورديّة والحبىل‬
‫باألمل من قبيل‪:‬‬
‫مجتمعي‬
‫« ككلّ األزمات‪ ،‬قد تكون» أزمة الكورونا» فرصة لتونس ‪ :‬بروز توافق‬
‫ّ‬
‫التكنولوجي)» ‪.‬‬
‫العلمي والتط ّور‬
‫(الصحة‪ ،‬التّعليم‪ ،‬البحث‬
‫وطني عىل األساس ّيات‪ّ .‬‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫…‬
‫آ ٍه كم نعشق هذا البلد ونصبو إىل االرتقاء بظروف سكّانه نحو األفضل والعيش‬
‫بح ّرية و بكرامة تقوم عىل االستقالل ّية والعدالة االجتامع ّية‪.‬‬
‫و كم أمت ّنى أن يخيب ظ ّني يف نظريت للواقع‪ .‬هل ميكن مبثل هذه األجيال‪ ،‬والتي يف‬
‫جزء كبري منها تعاين من متالزمة» ستوكهومل» يف املحطّات االنتخابيّة‪ ،‬وهي ظاهرة‬
‫نفس ّية تصيب الفرد عندما يتعاطف أو يتعاون مع عد ّوه أو من أساء إليه بشكل‬
‫من األشكال‪ ،‬أو يظهر بعض عالمات الوالء له‪ ،‬فيام يعاين الباقي من أمراض نفسية‬
‫أخرى!!‬
‫حسب اعتقادي‪ ،‬تونس األخرى التي نريدها‪ ،‬ال ميكن أن يبنيها أو مي ّهد طريقها‬
‫من يخضع إىل إمالءات قوى مال ّية‪ ،‬دول ّية أو وطن ّية‪ ،‬وإىل لوب ّيات فساد استرشى‬
‫يف جميع مجاالت الحياة‪ .‬بل ال ميكن أن يؤمتن عليها من ال يخجل من طَ ْرق كلّ‬
‫األبواب يف جميع االتجاهات تس ّوال‪ ،‬ث ّم ينقلب مستشيطا غضبا متى فُتح أمامه‬
‫الحق يف التدقيق يف الديون‬
‫باب الحديث حول ّ‬
‫ملف «املديون ّية»‪ ،‬وطرح مسألة ّ‬
‫أو املطالبة بتعليقها حتّى ال نقول الغائها‪ ،‬والتجارب يف ذلك كثرية ال يسمح الفضاء‬
‫بالتع ّرض لها‪.‬‬

‫بقطع النظر عن لجنة مجابهة األمراض السارية و املستج ّدة املتك ّونة من خرية‬
‫بنات وأبناء هذا الوطن‪ ،‬يكاد ال مي ّر اليوم دون سامع ترصيحات من الحكّام تغذّي‬
‫االحتقان املتصاعد و املنبئ بانفجار اجتامعي يف القريب‪.‬‬
‫ولعلّ أبرز هذه الترصيحات تلك التي تعلّقت بإقرار اإلعانات والتي دفعت‬
‫بالجامهري إىل التزاحم واالكتضاض يف مراكز الربيد ويف املعتمديّات وغريها مبا‬
‫متس بالثقة تجاه الدولة‪ ،‬وته ّدد الص ّحة‪ ،‬وتذكّر بالحظ السيئ‬
‫يشكّل جرمية واضحة ّ‬
‫الذي جعل اإلنسان يولد عىل هذه الرقعة الجغرافية‪.‬‬
‫ويف انتظار املرور إىل مرحلة الحجر الص ّحي املم ّدد واملع ّدل واملو ّجه‪ ،‬ال يسعني‬
‫إال أن أختم مبا جاء يف قصيدة للشاعر العراقي «مظفّر النواب» عنوانها «االتّهام»‬
‫يتواصل الحجر الص ّحي الشامل يف بعض األحياء املرفهة نسب ّيا ويف شوارع املدن والتي قفزت إىل ذهني ملا ملست فيها من تطابق مع ما نعيشه‪:‬‬
‫الرئيسية‪ ،‬يف حني تنشد األحياء الشعبية التي مل تقل فيها الحركة إطالقا‪ ،‬رحمة ربها‪« .‬الذئاب هم قادة القافلة …‬
‫نحن يف سلّة املهمالت إذا انترصوا‬
‫يضاف إىل هذه املساوئ‪ ،‬ما يظهر للعيان من نعرات جهوية مت ّيز بني التونس ّيني يف وإذا هزموا‪ ،‬ح ّملونا هزميتهم كاملة»‬
‫الحق يف الحياة أسوة مبن حكمهم يف السابق وم ّيز بني الجهات يف تركيز الخدمات‬
‫ّ‬
‫الخميس ‪ 23‬أفريل ‪ - 2020‬العدد ‪23‬‬

‫الجريدة المدنية‬

‫‪18‬‬

‫الموقف‬

‫دروس يف الحجر الصحيّ!!‬

‫بقلم سمير بوعزيز‬

‫هل تعلمنا أشياء جديدة؟ هل رفعنا الشك عن املُبهم‪ ،‬ووقفنا عند النوايا‬
‫بال ُحجب؟ هل عرفنا أن املوت أقرب وإن أحببنا الحياة؟‬
‫مع الكورونا‪ ،‬مثة من تعلم دروسا بسيطة كأن يبقى يف البيت كثريا‪ ،‬أو‬
‫ينظر إىل السقف طويال‪ ،‬أو يكتشف طباع أهله‪.‬‬
‫منا من عرف أال أمر دائم وكل يشء منتظر‪ ،‬وعليه بعد اليوم أن يكون عىل‬
‫استعداد للطوارئ‪.‬‬
‫تكتشف نساء أزواجه ّن ويكتشف رجل أفراد األرسة وطول أطفاله وتوقيت‬
‫نومهم وأكلتهم املفضلة‪.‬‬
‫يكتشف كثريون تاريخ األوبئة‪ ،‬وأسامء املستشفيات واملسؤولني الساميني‬
‫يف قطاع الصحة والئحة باألدوية‪.‬‬
‫يكتشفون عواصم وبلدان جديدة وملوكا ورؤساء حكومات‪ ،‬وأيضا عناوين‬
‫جديدة لصحف وقنوات تلفزية ومواقع إلكرتونية تأيت بأخبار األدوية‬
‫أوبفواجع تدفع إىل اليأس‪.‬‬
‫هنالك من اكتشف أنه من املمكن االلتحاق مبجموعات عىل شبكات‬
‫التواصل للحديث يف كل يشء وإتيان أي أمر‪ .‬ميكنك أن تتعلم أمرا أو تخرج‬
‫يف مظاهرة أو تُسقط وزيرا أو تنرش نكتا‪.‬‬
‫منا من اكتشف قامئة الوزراء وصوت رئيس الحكومة وكاممة الرئيس التي‬
‫ال تردعه عن الكالم املُبهم يف بهيم الليل‪ ،‬وعن السري ليال كنائم هائم‪.‬‬
‫***‬
‫كشفت كورونا أ ّن أغلبنا فقري واكتشفنا فاسدين جدد حتى نسينا الفاسدين‬
‫القدامى‪..‬‬
‫نعرف اآلن أكرث كيف يتحالف املال والسياسة وكيف تدار األمور وأنه حتى‬
‫مع األوبئة واملوت هنالك من يبيع وهنالك من يشرتي‪ ،‬وبينهام من يعقد‬
‫الصفقة‪.‬‬
‫عرفنا أن «رأس مال» ال ه ّم له غري ربحه‪ ،‬وأنّه ال يرتاجع إىل اإلنسانية‬

‫الخميس ‪ 23‬أفريل ‪ - 2020‬العدد ‪23‬‬

‫حني الفاجعة‪ ،‬لك ّنه يزيد من رشاسته ومن وقاحته ويرفع صوته يف وجه‬
‫الفقراء‪ :‬جمهور من املستضعفني وعامل يوميني ووزراء بال فكر وأحزاب‬
‫بال عقيدة وبرملان بال مرشوع وبرملانيون بال أخالق‪ .‬فأ ّما املستضعفني فهم‬
‫ضحايا سياسات التفقري والتجويع‪ ،‬والعامل هم ضحايا االستغالل‪ ،‬والبقية‬
‫هم فقراء بحق‪.‬‬
‫***‬
‫الصحي صح ّيا لتبينّ ما كان الشارع يُخفيه ع ّنا‪ ،‬وما كان السعي‬
‫كان الحجر‬
‫ّ‬
‫اليومي يحجبه‪ .‬يجب أن نتعلّم أكرث بَعد ُه ونحن نتأكّد اليوم‬
‫وراء القوت‬
‫ّ‬
‫أ ّن قوى الجشع لن ترتك الناس‪ .‬فمن النافذين من أراد استثامر غياب‬
‫الجمهور لتمرير قانون تكميم األفواه‪ .‬ومن الحاكمني من يريد االنقالب‬
‫عىل الدولة وهو املمثل لرأس املال‪ .‬ومن الالعبني من يتسرت عىل الفاسدين‬
‫واملحتكرين‪.‬‬
‫الصحي‪ ،‬تبينّ من نحتاج فعال وما نحتاج فعال‪ :‬دولة للجميع‬
‫يف الحجر‬
‫ّ‬
‫عمومي يكفل العدالة بني التونسيات‬
‫وفضاء عمومي ال يحتكره أحد وقطاع‬
‫ّ‬
‫والتونسيني‪ .‬وعرفنا أ ّن العلم هو الحقيقة املشرتكة للبرشيّة وهو الضامن‬
‫يرض أن يكون خادما لسلطة رأس‬
‫لتق ّدم البرشية كلّام ُو ّجه لخدمتها ومل َ‬
‫املال ومواقع النفود كام فعلت قوى دينية أو إيديولوجية كثرية تشتغل‬
‫حسب الطلب لتُج ّهل وتد ّمر‪.‬‬
‫***‬
‫بعد الكورونا‪ ،‬سيحاول الطغاة أن يستثمروا‪ ،‬وعىل الشعوب أن تنترص إىل‬
‫األرض والطبيعة واإلنسان‪ .‬ستكون حربا أخرى‪ .‬لكن من املمكن أن تتغيرّ‬
‫طبيعة الرصاع واألكيد أنها ستكون حربا بني منظومات قيم ومبادئ‪.‬‬
‫الكائن املجهري الالمريئ يعلّم البرشية‪ .‬هل كان عليه أن يقتل مئات‬
‫اآلالف‪.‬؟رمبا كان ُمغاليا وقاسيا يف درسه‪ .‬ولكنه علّمنا الكثري‪.‬‬


Aperçu du document P01HAB.pdf - page 1/10
 
P01HAB.pdf - page 3/10
P01HAB.pdf - page 4/10
P01HAB.pdf - page 5/10
P01HAB.pdf - page 6/10
 




Télécharger le fichier (PDF)


P01HAB.pdf (PDF, 11.5 Mo)

Télécharger
Formats alternatifs: ZIP




Documents similaires


figmag dgse
tract militant
tract militant2
tract militant
8z049si
info 72

Sur le même sujet..




🚀  Page générée en 0.278s