منارات اكتوبر .pdf



Nom original: منارات اكتوبر.pdf

Ce document au format PDF 1.7 a été généré par Adobe InDesign CC 2015 (Macintosh) / Adobe PDF Library 15.0, et a été envoyé sur fichier-pdf.fr le 10/10/2020 à 10:26, depuis l'adresse IP 196.224.x.x. La présente page de téléchargement du fichier a été vue 426 fois.
Taille du document: 846 Ko (9 pages).
Confidentialité: fichier public


Aperçu du document


‫في انتظار الحياة لكمال الزغباني‬

‫متعة الفن وحرقة األسئلة‬
‫محمد ّ‬
‫الجابل‬

‫كمال الزغباني ‪:‬‬

‫الملحق الثقافي لجريدة الشعب‬

‫املثقف املُشتبك واملولع‬
‫بالتأسيس واملبادرات‬

‫الخميس ‪ 1‬أكتوبر ‪ - 2020‬املوافق لـ ‪ 14‬صفر ‪ 1441‬هـ ‪ -‬العدد ‪85‬‬

‫كمال الزغباني‬
‫أحمد بن صالح‬
‫فقيدا السياسة واألدب‬
‫جلّول ع ّزونة‬

‫حوار يف العمق حول ال ّثقافة‬
‫الزغباين‬
‫واإلرهاب مع كامل ّ‬

‫‪2‬‬

‫الخميس ‪ 1‬أكتوبر ‪ - 2020‬املوافق لـ ‪ 14‬صفر ‪ 1441‬هـ ‪ -‬العدد ‪90‬‬

‫كلمة العدد‬

‫ماذا تراكم فاعلون؟‬
‫سعدية بن سامل‬

‫تعود املنارات يف موسم ثقايف جديد بكثري من‬
‫األسئلة التي باتت تحتاج ال إىل إجابة فقط وإمنا‬
‫إىل مرور عاجل إىل الفعل‪ ،‬إىل انخراط فع ّيل يف‬
‫واقع يتفلّت يوما بعد آخر يف ظلّ ترشذم عام‬
‫يف كلّ املجاالت وما الثقافة إالّ مظهر من مظاهر‬
‫االنهيار املسترشي تعليام وص ّحة ومرفقا عموم ّيا‬
‫وقيام أخالق ّية واقتصادا وسياسة‪ .‬طالت لحظة الرت ّدد والتجارب املنعزلة‪ ،‬طالت‬
‫لحظة التخبّط بحثا عن ذات تفي إىل قيمها التق ّدميّة املبدئيّة وتجد أرضا صلبة‬
‫يؤسس لغد أفضل‪.‬‬
‫لتغرس فيها مرشوعها اإلنسا ّين الذي ّ‬
‫نؤسس لثقافة فاعلة يف بلد تغلق فيه دور الثقافة‪،‬‬
‫وقد تستب ّد بنا الحرية‪ ،‬كيف ّ‬
‫نؤسس لثقافة يف بلد تُستبدل فيه‬
‫وإن فٌتحت فهي خاوية عىل عروشها‪ ،‬كيف ّ‬
‫قاعات السينام مبحالّت لبيع املأكوالت الرسيعة‪ ،‬يف بلد توضع يف ساحات مدنه‬
‫نؤسس للثقافة يف بلد تسيطر عىل قطاعات ثقافية‬
‫منحوتات منفّرة؟ كيف ّ‬
‫نؤسس لثقافة «منقذة» يف مجتمع‬
‫فيه عالقات املحسوب ّية واإلخوان ّية؟ كيف ّ‬
‫نؤسس لثقافة مواكبة للعرص يف‬
‫استرشى فيه العنف والفوىض والتفكّك؟ كيف ّ‬
‫بلد مل يراجع مفاهيمه للثقافة بعد ومل يضع لنفسه تص ّورا لإلنسان الذي يريد‬
‫بناءه‪ ،‬يف بلد ينجح دامئا يف إبعاد املثقف حامل املرشوع عن مواقع القرار؟‬
‫هل هناك ما يرجى من سلطة اإلرشاف يف ظلّ صمت الهياكل الرسم ّية وتواطئها‬
‫املخصصة للثقافة كل سنة ويف اعتبارها نشاطا من‬
‫بالتقليص من االعتامدات ّ‬
‫درجة ثانية ويف ظلّ العمل املفكك بني هياكل ال ّدولة لكأ ّن كلّ وزارة جزيرة‬
‫منعزلة عن غريها هل ينتظر الوضع العام يف البالد مبادرات سلطة اإلرشاف‬
‫ومشاريعها أم أ ّن الثقافة فعل متم ّرد بطبعه ال يخضع ملشاريع مسطّرة؟‬
‫ث ّم‪ ،‬هل مازلت املحامل التقليديّة تفي بالغرض وتجذب الر ّواد؟ هل مازال لدور‬
‫الثقافة وهجها القديم ولنوادي السينام مريدوها؟ هل مازال الكتاب يجذب‬
‫القارئ ويُتبادل يف ساحات املعاهد بذات الشغف الذي كان؟‬
‫إ ّن بناء واقع ثقا ّيف جديد يتستلزم ‪،‬بدءا‪ ،‬تشخيصا دقيقا للواقع ويف ضوء ذلك‬
‫التشخيص توضع خطط العمل وتوضع الربامج ويبدأ التنفيذ وهذا عمل هياكل‬
‫وجامعات ال عمل افراد‪ ،‬عمل جامعات تؤمن أ ّن الثقافة هي منقذة الشعوب‬
‫وبانية اإلنسان ومهذّبة الطبيعة‪ ،‬أ ّن الثقافة هي الحصن املنيع أمام الرداءة‬
‫وانعدام الذوق وغياب اإلرادة وسيادة ثقافة القطيع‪ ،‬جامعات تعمل وتق ّيم‬
‫متغيات العرص وتقرتب من العدد األوفر‬
‫عملها دوريّا وتشذّب وتط ّور لتواكب ّ‬
‫من الفئات االجتامعية‪ .‬جامعات تجرؤ عىل الحلم وتجرؤ عىل خوض غامر‬
‫املعركة‪ ،‬معركة بناء اإلنسان‪ ،‬وتجرؤ عىل نفسها فتطورها‪ .‬تجرؤ أن تلتحم بالناس‬
‫فعال وال تكتفي بالتنظري والخطب الحامسية يف الفضاءات املغلقة‪ ،‬تجرؤ عىل‬
‫خاصة بعد سنوات‬
‫خوض الحرب‪ ،‬فلن تجد الطريق مهادا وال السبيل بساطا ّ‬
‫عديدة من الهدم والتشكيك والتمييع لكلّ القيم والتجريء عىل كلّ جميل وكلّ‬
‫اعتبار ّي‪.‬‬
‫الساسة‪،‬‬
‫أمام املثقف اليوم معركة حقيق ّية وهو األمل األخري إلنقاذ ما أفسده ّ‬
‫وإنقاذ ما ميكن إنقاذه بعد استرشاء األم ّية والعنف وفقدان املعنى‪ .‬فامذا تراكم‬
‫فاعلون؟‬

‫اتحاد العام التونسي للشغل‬
‫تأبني كمال الزغباني‬

‫شكرا بيت الرواية‬
‫ما فتيء «البيت املعمور» مجددا‪ ،‬مواكبة عميقة وطريفة لروح‬
‫الفقيد املبدع كامل الزغباين‪ ،‬وهو ملن عرفه يكره ملناسبات‬
‫الرسمية – يف حياته أو بعد رحيله‪ -‬حفلة الحياة خيار مبدع‬
‫وصائب يتالءم مع الفقيد الذي استهلك الحياة قبل أن تستهلكه‪،‬‬
‫واستنزفها قبل أن تستنزفه وهو يف ذلك سليل مبدعني رحلوا‬
‫قبل املواعيد املألوفة وأقدمهم أمري الصعاليك طرفة ابن العبد‬
‫‪...‬منارات‬
‫‪ 10:00‬االفتتاح‪ :‬فقرة موسيقية يؤمنها الفنان «مروان األزرق»‬
‫بعنوان صب حان ‪20‬دق‬
‫ كلمة السيد وليد الزيدي وزير الشؤون الثقافية أو من ميثله‪.‬‬‫ كلمة السيد كامل الرياحي مدير بيت الرواية‬‫تجربة كامل الزغباين األدبية والفكرية‪ :‬إدارة الروائية سعدية بن‬
‫سامل‬
‫ الروايئ محمد الجابيل‪ :‬مداخلة حول رواية‪ :‬يف انتظار الحياة‬‫ الناقد أرشف القرقني‪ :‬مداخلة حول رواية مكينة السعادة‬‫ القاص األسعد بن حسني‪ :‬قراءة يف مخطوط كامل الزغباين األخري‬‫«سباحة حرة»‬
‫الناقد محمود طرشونة‪ :‬قراءة يف رواية «يف انتظار الحياة»‬‫ الفيلسوف سليم دولة‪ :‬كامل الزغباين املتوغل‬‫ املفكرة حياة حمدي‪ :‬كامل الزغباين قارئا لدولوز أوالفلسفة‬‫ض ّد البالهة‬
‫‪ 13:30‬الشهادات‪ :‬إدارة اإلعالمية سندس زروقي‬
‫ الشاعر النارص الردييس‪ :‬كامل الزغباين وسنوات الجمر‬‫ املخرج املرسحي واملمثل غازي الزغباين‪ :‬كامل الزغباين املتعدد‬‫ املخرج السيناميئ واملمثل نرص الدين السهييل‪ :‬حلم الجامعة‬‫الشعبية‬
‫ الناقد جلول عزونة‪ :‬قراءة يف تجربة رابطة الكتاب األحرار‬‫ الناقد نور الدين الخبثاين ‪ :‬كامل الزغباين األديب والفيلسوف‬‫واإلنسان‬

‫محور العدد القادم‬

‫‪ 14:30‬أمسية شعرية مهداة إىل روح كامل الزغباين‪ :‬إدارة الشاعر‬
‫جامل الجاليص‬
‫ الشاعرة آمال موىس‬‫ الشاعرة فاطمة بن فضيلة‬‫ الشاعر الطيب بوعالق‬‫ الشاعر املنصف الوهايبي‬‫ الشاعر النارص الردييس‬‫ الشاعر رحيم جامعي‬‫ الشاعر آدم فتحي‬‫ الشاعر محمد الهادي الوساليت‬‫ الكاتب توفيق العلوي‬‫‪ : 15:30‬اسرتاحة‬
‫من طقوس كامل الزغباين أنه يعيد قراءة رواية «دون كيشوت»‬
‫مليغيل دي رسفانتس» كلّ سنة لذلك يهدي له بيت الرواية‬
‫مرسحية‪« :‬دون كيشوت كام نراه»‬
‫‪« 16:00‬دون كيشوت كام نراه» دراماتورجيا وسينوغرافيا‬
‫واخراج‪ :‬الشاذيل العرفاوي‬
‫نص‪ :‬ميخائيل بولغاكوف‬
‫مخرج مساعد‪ :‬لطفي الناجح‬
‫متثيل‪ :‬عبد القادر بن سعيد محمد املنصف العجنقي‬

‫محور العدد القادم ‪:‬‬

‫في ظل واقع مأزوم هل من سبيل إلى مبادرات تستعيد‬
‫تفعيل األبعاد القيمية المعرفية الثقافية‪...‬‬
‫البريد االلكتروني ‪manaratculturel@gmail.com :‬‬

‫المدير المسؤول‬

‫نورالدين الطبوبي‬

‫‪3‬‬

‫الخميس ‪ 1‬أكتوبر ‪ - 2020‬املوافق لـ ‪ 14‬صفر ‪ 1441‬هـ ‪ -‬العدد ‪90‬‬

‫المدير‬

‫سامي الطاهري‬

‫أسرة التحرير‬
‫ منتصر الحملي ‪ -‬حسني عبد الرحيم ‪-‬‬‫إشراف وتنسيق ‪ :‬محمد الجابلي ‪ -‬سعدية بن سالم‬
‫منارات فلسفية إعداد األسعد الواعر‬
‫اإلخراج الفني ‪ :‬محمد كريم السعدي‬
‫السحب ‪ :‬مطبعة دار األنوار ‪ -‬الرشقية ‪ -‬تونس‬

‫املقر ‪ 41 :‬شارع عيل درغوث ‪ -‬تونس ‪ - 1001‬الهاتف ‪ / 71 330 291 - 71 255 020 :‬الفاكس ‪- 71 355 139 :‬‬
‫العنوان االلكرتوين ‪ - manaratculturel@gmail.com :‬الحساب الجاري بالربيد ‪300 - 51 :‬‬

‫الله أكرب الله أكرب الله أكرب‬
‫نو ّدع اليوم الرفيق كامل الزغباين الوداع األخري‪ ،‬نو ّدع أستاذ الفلسفة والكاتب الروايئ والفيلسوف‬
‫املتم ّرد عىل التفاهة والرداءة واملفكّر الح ّر املنطلق بال قيود‪ ..‬ونحن نو ّدعه نس ّجل خسارة أخرى‬
‫للجامعة وللفلسفة عىل وجه التحديد بعد فيصل الكشو ومصطفى كامل فرحات ومحمد نجيب عبد‬
‫املوىل وعيل لجنف وخسارة أخرى للحقل الثقايف عموما وكأ ّن هذه السنة حطّت مبآسيها لتزيد آالمنا‬
‫وتع ّمق جراحنا‪.‬‬
‫ولد رفيقُنا كامل الزغباين يوم ‪ 6‬سبتمرب ‪ ،1965‬بوادي الزيتون بحامة قابس‪ ،‬وزاول تعليمه االبتدايئ‬
‫تحصل عىل‬
‫مبدرسة الدغباجي مبسقط رأسه‪ ،‬وواصل تعليمه الثانوي باملعهد املختلط بالحامة‪ ،‬أين ّ‬
‫بكالوريا آداب يف جوان ‪ , 1984‬ليلتحق بعدها بكلية اآلداب منوبة وينال األستاذية يف الفلسفة يف‬
‫‪.1989‬‬
‫ويف أثناء دراسته الجامعية ناضل يف صفوف االتحاد العام لطلبة تونس وظلّ عنرصا قاعديا مل يطلب‬
‫موقعا أو مسؤولية‪.‬‬
‫وتول تدريس الفلسفة باملعهد النموذجي للفنون بالعمران ومل ينقطع عن تحصيل‬
‫زاول مهنة التعليم ّ‬
‫العلم بنهم ورشاهة فينجح سنة ‪ 1991‬ويفوز بشهادة الكفاءة يف البحث‪ ،‬وينتقل بعدها إىل الدراسة‬
‫ويتحصل فيها عىل شهادة التربيز يف نفس االختصاص سنة ‪ 1992‬ث ّم يحصد‬
‫بكلية اآلداب ‪ 9‬أفريل‬
‫ّ‬
‫شهادة الدكتوراه يف الفلسفة سنة ‪.2011‬‬
‫الله أكرب الله أكرب الله أكرب‬
‫لقد مت ّرس فقيدنا عىل النضال صلب االتحاد العام لطلبة تونس ومنه انتقل إىل ساحات النضال‬
‫النقايب والعاميل والثقايف‪ ،‬ولقد أسهم مبقاالته السجاليية العميقة يف جريدة الشعب لسان حال االتحاد‬
‫العام التونيس للشغل يف طرح إشكاليات فكرية عديدة ح ّركت جدال متواصال عىل امتداد سنوات ث ّم‬
‫تول عضوية هيئة تحرير ملحق منارات بجريدة الشعب ولك ّنه‪ ،‬وهو الكاتب الح ّر‪ ،‬فّضّ ل أن يلعب دور‬
‫ّ‬
‫الكاتب عىل أن يدير التحرير‪ ،‬فكان يسهم‪ ،‬يف ط ّيات صفحات منارات‪ ،‬بأعمق الكتابات وأكرثها تح ّررا‬
‫وجرأة‪ ،‬فأثرى مضمون العديد من األعداد حتّى صار غياب مقاالته عنها أمرا ملحوظا‪.‬‬
‫لقد كانت التجربة الثقافية والفكرية لفقيدنا متن ّوعة وثرية‪ ،‬ولن أقف يف هذا الحيز الض ّيق عند‬
‫تفاصيلها إذ ساهم الفقيد يف تأسيس “رابطة الكتاب األحرار” بالتعاون مع عدد من املثقفني التونسيني‬
‫يتقصونها‬
‫سنة ‪ 2001‬وأثرى الساحة األدبية التونسية مبجموعة من اإلصدارات موكول للباحثني ّ‬
‫ويدرسونها‪ ،‬ولك ّني سأتوقّف عند مبادرة فريدة كان لكامل دور رئييس يف انبعاثها وهي الجامعة‬
‫الشعبية محمد عيل الحامي التي شكّلت نقلة نوعية لثقافة القرب يف األحياء الشعبية وبني الفئات‬
‫املفقّرة وكانت تجسيام فعليا لشعار الجامعة الشعبية والتعليم الدميقراطي وتفعيال ملموسا لدور‬
‫املثقّف اليساري يف مقاومة الجهل والتط ّرف وقد رحل كامل ويف نفسه حلم أن تتج ّدد هذه املبادرة‬
‫الثورية وتستم ّر لتكون بديال عن سياسات اإلقصاء والتهميش والحيف والتجهيل‪.‬‬
‫فإن باسم مناضالت ومناضيل االتحاد العام التونيس للشغل وباسم أعضاء‬
‫وأمام هذا املصاب الجلل‪ّ ،‬‬
‫الجامعة العامة للتعليم العايل والجامعة العامة للثقافة وكل نقابات الفنون داخل االتحاد أنعى رفيقنا‬
‫املثقف العضوي والكاتب الح ّر كامل الزغباين الذي قال عنه الشهيد شكر بلعيد‪ « :‬إنّه ضم ُرينا الحي‬
‫ومرآتُنا الصادقة»‪.‬‬
‫كام أتق ّدم يف األخري أتق ّدم وببالغ األىس واللوعة إىل ابنيه عائلته وأصدقائه ورفاقه بأصدق عبارات‬
‫التعزية واملواساة راجيا لهم جميعا جميل الصرب والسلوان‪.‬‬
‫وداعا كامل الزغباين‪ ..‬سنح ّيي كينونتك بعد انقطاع الجسد عن االشتغال يف شهر مولدك بأجمل ما‬
‫نستطيع‪ ..‬ومنيض يف عشق الحياة حتّى الثّاملة كام عشقتها أنت‪ ..‬نعدك لن تتعطّل ماكينة السعادة‪..‬‬

‫محور خاص بالفقيد ‪...‬‬

‫كمال زغباني‬
‫ماذا سأكتب عنك حبيبي ؟‬
‫غازي الزغباين‬
‫كامل العم أو األخ أو الصديق أو العشري و هو الذي كتب يف فن العرشة ؟‬
‫كامل زغباين الروايئ الفيلسوف الشاعر الفالّح النديم القاص املعلّم األستاذ الناقد الرفيق الساخر الف ّنان‬
‫اإلنسان املنصت املو ّجه النصوح املحب املجنون ‪...‬‬
‫سأكتب عن كامل زغباين كمنهج و طريقة عيش ‪.‬‬
‫كنت محظوظا بوجوده جانبي يف كل مراحل تق ّدمي يف هذه الحياة وكان تأشرييت األوىل للولوج لعوامل‬
‫العاصمة الليليّة يف سن مبكّرة فجالست رفاقه و تشبّعت بنقاشاتهم و دافعت عن أحالمي املراهقة‬
‫امليض يف طريقي ‪.‬‬
‫باملرسح والسينام و كان دامئا يحثّني عىل ّ‬
‫من الحامة لصفاقس لسبيطلة للمحرس لقرنبالية للمهديّة محطات عديدة كان فيها‬
‫و أحيانا ع ّمي و صديقي يف كل األوقات‪ ،‬كانت له طاقة عجيبة‬
‫كامل أخي األكرب‬
‫لنرش الحب و القيم و جعل اآلخرين يتقبلونه رغم االختالفات االيديولوجية فكانت‬
‫عالقاته مبحيطه و جريانه شديدة الطرافة و تنتهي دامئا بالتعايش و بتق ّبلهم لبشاشته و‬
‫جنونه و يف كل مدينة نزل فيها كامل إالّ و ترك بصمة و جعل الناس يتذكرونه ويحبونه‬
‫فكان مروره مبدينة املحرس التي أحبها كامل كثريا و كان منزله فيها عبارة عن ناد ثقا ّيف‬
‫و متنفس للمبدعني و املثقفني بالجهة فكان يختار دامئا منزال ذو حديقة و كان الزوار‬
‫يشاركونه االبداع و اإلعتناء بالنباتات و هنا سأتحدث عن زغبانيا كمفهوم لجعل مكان‬
‫ما مساحة مثمرة لإلبداع و الفن و الجامل‪.‬‬
‫الكل يعرف زغبانيا هذه املساحة التي استأجرها كامل قاحلة و أنبتها و جعلها مثاال‬
‫مصغرا لزغبانيا األم أو زغبانيا األصل « السانية » التي ترعرع فيها و اشتغل فيها يف‬
‫الحا ّمة‪ ،‬هذه السانية كانت لسنني طويلة صورة الج ّنة يف مخ ّيلتي ‪.‬‬
‫خاصة فكان يحادثها و يس ّميها و يغمرها حبّا‬
‫كان كامل محبّا للنباتات و يعاملها معاملة ّ‬
‫فتثمر‪ .‬فزغبانيا التي عرفها الكثري يف منزله األخري بجهة املروج سبقتها زغبانيات حتى و‬
‫إن مل يس ّميها كزغبانيا املحرس و زغبانيا صفاقس و زغبانيا املهديّة ‪.‬‬
‫كامل و رغم انشغاله الكبري و انغامسه يف الكتابة و البحث كان قادرا عىل إعطاء موجات كبرية من الحب يف العائلة كلام كانت له إطاللة‬
‫امليض يف اختالفهم ‪.‬‬
‫و كان حاضنا لكل شبابها مح ّفزا الجميع عىل ّ‬
‫القصص ّية األوىل « اآلخر » عىل جعل الغالف من رسم سليم ابن أخيه الذي مل يتجاوز‬
‫رص عند نرشه مجموعته ّ‬
‫كان مرهف اإلحساس و أ ّ‬
‫حينها سن العارشة إميانا منه مبوهبته ‪.‬‬
‫كانت هداياه كتبا و اسطوانات و لن أنىس ذات شتاء عندما أقمت مبستشفى األطفال بباب سعدون ملدة ثالثة أسابيع و كانت الزيارات‬
‫ملدة ساعة واحدة من خالل البلور‪ ،‬كان لحضور كامل اليومي طاقة سحريّة لتجاوز هذه التجربة الحياتيّة القاسيّة وكانت هديّته يل‬
‫الثالث ّية العظيمة فاكتشفت عوامل نجيب محفوظ صغريا و تغلّبت عىل الخوف و االنتظار بفضل ابتسامة كامل‪.‬‬
‫أنت دامئا هنا « حبيبي »‬

‫من مدونة الفقد واألحزان‬

‫وداعا صديقي بل صديق الجميع عبدالرحمان عزيّز‬
‫تتعاقب أخبارنا الحزينة يف عامنا هذا‪ ،‬أحبة رحلوا تباعا محمد بن صالح ‪ ،‬محمد‬
‫الزريبي‪ ،‬محمد صالح لخمريي‪ ،‬عبالحميد الورغي‪ ،‬حسني لزهاري وأخريا كامل الزغباين‬
‫وعبدالرحامن عزيّز‪...‬‬
‫كل الذين رحلوا تشابهوا كل من موقعه يف رسم مالمح جيل‪ -‬بسوابقه ولواحقه‪ -‬يحلم‬
‫ويفكر ويشتاق اىل الفعل الخري النري‪...‬جيل بعيد االستقالل ذاك الذي تطلع للحلم‬
‫والبناء لكنه واجه الخيبة وما يشبه االستحالة‪...‬‬
‫جيل احرتم االنسان يف ذاته بعيدا عن التطرف أو التعصب‪ ،‬وتاق اىل آفاق انسانية‬
‫أرحب‪...‬‬
‫رحم الله عبدالرحامن عزييز ‪...‬منذ الثامنينات مل ينقطع حبل الود بيننا‪ ،‬كان دائم‬
‫السؤال عن األحوال وغالبا ما يكون الشأن العام ومنه ممكنات الفعل يف واقع مفروض‬
‫لكنه مرفوض ‪ ،‬كنت اسأله عن أحوال صفاقس وأهلها وعن زماليئ املميزين يف تلك‬
‫الربوع وكان رحمه الله دائب النشاط والتطلع كصندوق أحالم تعاقبت منذ عرشيات‬
‫وأجيال ‪...‬‬
‫برحيله نفقد وجها مميزا ذكيا فطنيا ‪...‬رحمك الله يس عبدالرحامن ورزق أهلك‬
‫وذويك وأصدقاءك الكثريين جميل الصرب والسلوان م‪/‬ج ‪ -‬منارات ‪-‬‬

‫الفقيد عبد الحميد الورغي « املاتر» مبناسبة تكرميه بعد التقاعد‬

‫‪4‬‬

‫الخميس ‪ 1‬أكتوبر ‪ - 2020‬املوافق لـ ‪ 14‬صفر ‪ 1441‬هـ ‪ -‬العدد ‪90‬‬

‫‪5‬‬

‫الخميس ‪ 1‬أكتوبر ‪ - 2020‬املوافق لـ ‪ 14‬صفر ‪ 1441‬هـ ‪ -‬العدد ‪90‬‬

‫محور خاص بالفقيد ‪...‬‬

‫محور خاص بالفقيد ‪...‬‬

‫في انتظار الحياة لكمال الزغباني‬

‫متعة الفن وحرقة األسئلة‬
‫محمد ّ‬
‫الجابل‬

‫رحل كام الزغباين لكنه معنا وبيننا‪ ،‬نصا مبدعا وفكرا‬
‫جامحا وخياال خالقا‪...‬‬
‫املبدع هو من وهب الجانب األكرب من حياته‬
‫لرؤيته وفنه و ُمقاربتة لذاته واآلخرين انطالقا من‬
‫موقع مخصوص ُمتميز بصدقه وثرائه يف صلة بلحظة‬
‫يختلط فيها الذايت باملوضوعي كام تتداخل فيها االبعاد النفسية واالجتامعية‬
‫والحضارية التاريخية‪...‬‬
‫رواية يف انتظار الحياة نص مميز يف تعبريه عن الذات الكاتبة مبا تحمله من أبعاد‬
‫عميقة ‪ -‬فنا وحياة – وأعتقد أن مقاربة النص هي أفضل ما به نكرم روح ُمبدعنا‬
‫الذي سيظل حارضا بيننا فكرا ووجدانا ‪...‬‬
‫ الشخصية ووجهات النظر‬‫تبدأ الرواية بفصل أول موسوم بسمة الفن «تحليق» وهي‬
‫اللوحة اللغز أو اإلثارة التي تفصل بني الحياة بفجاجتها والفن‬
‫بانسيابه فينقلنا الكاتب من سؤال الفن اىل سؤال الحياة وتبدأ‬
‫املشاهد من تعارض عاملني انطالقا من وعي مجروح وعاطفة‬
‫ُمكتظة و ُمختنقة عند لحظة حائرة من شخصية خائرة هي‬
‫شحصية «فادية» التي جعلها الكاتب بوابة الجحيم وامل ُتعة‪ :‬جحيم‬
‫الحارض بغموضه و ُمتعة املايض بتألقه فكانت املراوحة بني الكشف‬
‫واألنكشاف ‪ :‬كشف يف الخارج ووظيفته تنضيد الكون الروايئ‬
‫وتحديد العالقات بني فواعله ومن أهمها تحديد اويل لشخصية‬
‫«فادية» يف عالقتها بشخصية البطل من خالل إطار مشحون‬
‫بالدالالت التي تستبق تطور الحدث وتهيئ له املرجعية األساس‬
‫ونعني بها مرجعية العشق والفن والجنون ومن هذا الكشف‬
‫يتجىل املكان ويتحدد الزمان ونعني به الزمن الداخيل الحاضن‬
‫للحدث فإذا باللحظة الحارضة تنفتح عىل ما يزيد عن السنة من‬
‫خالل التذكر أو األسرتجاع ويضعنا الكاتب مبهارة وذكاء نادرين‬
‫عىل حافة أسئلة تنطلق من القمة املوتورة يف وعي الشخصية‬
‫الحارضة وتجرنا قرسا اىل عوامل أخرى فيها حضور شفاف ومبهم‬
‫لشخصية غائبة هي شخصية البطل «عيىس الرشقي» الذي يحرض‬
‫من زاويتني األوىل من ذاكرة فادية ومن حركتها الباحثة والثانية‬
‫من منت مبارش يف صلة بالظرف الحاوي لتداعيات البطل ورؤاه‪...‬‬
‫فالبطل أصيل الجنوب التونيس ومن «الرشاقة» بدأت خطاه ويف‬
‫الجامعة تشكل وعيه كام تشكلت المباالته وبعض عدميته ويرد‬
‫تحديد شخصية البطل عىل لسان» فادية» فرتتسم معامل دالة‬
‫بتناقضها فهي شخصية تجمع بني «الشيطانية‪ ،‬الالأخالقية‪ ،‬الجنون‪،‬‬
‫املالئكية‪ ،‬البشاعة‪ ،‬الرعب‪ ...‬توليفة عجيبة من العنارصاملتنافرة‬
‫التي ميثل اجتامعها يف شخص واحد خرقا لكل القواعد‪« ...‬أن يكون‬
‫عيىس الرشقي قد ُوجد فذلك يُشكل صفعة للنوع البرشي برمته‪...‬‬
‫ص‪ »29‬ومن هذا التنافر تكتسب شخصية البطل خصوصية يف‬
‫مستويى الوعي والالوعي لتكون خري شاهد إدانة وإثبات عىل‬
‫واقع أساسه التعدد والخديعة وتكتسب من ذلك مهابة الحقيقة‬
‫املغيبة‪ :‬حقيقة الوضوح املؤمل الذي هو من بعض القداسة‪،‬‬
‫قداسة الصلب عىل خشبة الوعي األنساين يف واقع مرفوض لكنه‬
‫مفروض بآليات متمكنة الطاقة لألفراد عىل مواجهتها فكانت‬
‫شيطانبتة «تنطوي عىل رضب فريد من القداسة ومن الجاملية‬
‫الساحرة‪ ...‬جاملية نصل سكني حاد مرهف وشديد اللمعان‪...‬‬
‫ص‪ »29‬شخصية ممحونة بالدواخل ومشحونة بحركتني متداخلتني‬
‫و ُمتناقضتني إحداهام يف ظاهر الفراغ واألخرى يف باطن العدم –‬
‫ظاهر الفراغ يواجه بالسخرية الفاجعة سخرية األنفصال والتباعد‬
‫والقرف وباطن العدم يواجه بشوق ُمبهم إىل املطلق ومنه اإلنتحار‬
‫والجنون‪...‬‬
‫شخصية طفل «ميور رأسه بطفولة رشيرة» وشاب مسكون بهاجس‬
‫املعرفة ومترد الثورة وألق الفن يجد ذاته بكل طاقاتها حبيسة‬
‫عمل هو أقرب إىل الدجل منه إىل أي يشء آخر – ان يرد عىل‬
‫أسئلة املراهقني يف صحيفة مغمورة أو قل ُمبتذلة – ص‪ – 151‬بعد‬
‫أن عمل فرتة نادل مقهى ما كان لهذه الشخصية أن تقاوم لوال‬

‫سالح السخرية و» مل يكن يدخر جهدا يف إظهار المباالته الجذرية‬
‫بكل ما كان يجري يف البالد ويف العامل من أحداث سياسية لكنها مل‬
‫تعتقد يوما يف صدق تلك الالمباالة‪ ...‬ظلت موقنة أنه مل يكن يوما‬
‫ُمحايدا تجاه ما كان يحدث حوله قد يكون استبد بروحه رضب من‬
‫اليأس العميق بسبب ما عاشه وما عايشه من إحباطات ونكسات‬
‫فردية او جامعية وجعله يعزل نفسه داخل قوقعة ُمعتمة من‬
‫العدمية امل ُستهرتة»ص‪205‬‬
‫و»عيىس الرشقي» مبا هو يعكس واجهتني إحداهام واجهة جيل‬
‫إنكرست أحالمه وخابت تطلعاته‪ ،‬واألخرى واجهة أكرث إيغاال‬
‫وإيالما هي واجهة األنسان يف إحساسه بعدم األكتامل ووعيه‬
‫الحاد بعبثية وجوده وانسحاقه داخل الحدود‪...‬‬
‫ومن جوانب اإلمتاع يف الكشف الروايئ أن نعرف مالمح البطل‬
‫من خالل تداعيات فادية لحظة حريتها إزاء الظرف وإزاء اختفاء‬
‫عيىس املفاجىء‪ ...‬ثم ينفتح النص عىل نص آخر هو منه قريب‬
‫وكأن الرواية قدت من منت وهامش لتكون لعبة الكشف مرايا من‬
‫خاللها تنعكس الشخصيات متآلفة او متنافرة ومنها يتنزل الحدث‬
‫يف دوائر لولبية تتسع فتضيق حسب تشابك العالقات بني فواعل‬
‫النص «قررت الذهاب اليه وجدت نفسها عاجزة عن تحديد الغاية‬
‫األساسية من ذلك»‪.‬‬
‫مل تعد تدري مالذي ستفعله عندما تجده وما سيكون رد فعلها‬
‫عندما تعرف مصريه‪ .‬هل كانت ستقتله أم سرتمتي بني أحضانه‪.‬‬

‫هل كانت سرتمي بالظرف يف وجهه أم ستبيك عىل صدره أو عىل‬
‫قربه ؟» ص‪ 157-‬وتبدأ املتاهة من دوائر البحث‪ :‬فادية تبحث‬
‫عن عيىس ماديا ومعنويا وفيه تبحث عن ذاتها وعيىس يبحث‬
‫عن نفسه يف ُمعابثة اآلخرين ويف أقنعة السخرية ويف إتحاده‬
‫أو يف أزدواجيته مع إسامعيل يف وضوحه وثورته أو يف تناقضه‬
‫وجنونه‪ ...‬ويتداخل كل ذلك بأوراق عيىس التي هي منت روايئ‬
‫قائم بذاته فيه تزداد املكاشفة توغال يف األقايص ومعها تزداد متعة‬
‫الكشف من خالل حركتني متوازيتني وأحيانا ُمتناقضتني‪ :‬إحداهام‬
‫يف الوعي واألخرى يف الواقع‪ ،‬ويحيلنا الكاتب بخبث فني إىل هذا‬
‫املنت املوصوف واملوسوم بالفوىض والتداخل عىل لسان فادية «عدد‬
‫من النصوص املتداخلة ‪...‬عبارة عن جملة من املقاطع القصرية أو‬
‫املطولة‪ ...‬شكل سرية ذاتية قامئة عىل اإلعرتاف املفصل والحميمي‬

‫أو عىل التداعي الحر‪...‬ص‪»39‬‬
‫ولنئ احتل الفن إحد الفضاءات املميزة يف النص من خالل‬
‫شخصيتي فادية وعيىس يف حسهام املشرتك واملجسد يف صلتهام أو‬
‫يف تحليقهام صمتا كان أم حوارا‪ ،‬فإن للحب الحيز األكرب بل يكاد‬
‫يحتل املساحة املشهدية يف فضاءات النص ضمن تعاود أو إلحاح‬
‫يجعالن منه املبحث األهم الحاضن لوجهات النظر واملولد للرؤية‬
‫األكثف التي منها أو من حاللها تتناسل الرؤى األخرى يف الرواية‪...‬‬
‫فالحب ومنه اللذة ينفتحان عىل الرغبة يف تحققها أو يف استبصارها‬
‫خياال خلبا أو يف خيبة عدم اكتاملها‪ ،‬الرغبة املتلفعة برداء العاطفة‬
‫أو املوتورة تحت حجاب الحياء أو املتقدة تحت برقع العفة أو‬
‫العارية الجامحة الجانحة الفجة والفاجرة واملنفجرة ‪.‬‬
‫فلسفة اللذة هي ألق يشد النص يف نسيج حريري شفاف فيه ُمتع‬
‫مع عذابات القدرة عىل تفكيك الرغبة اإلنسانية ووضع الذات‬
‫تحت مجهرها الفاضح وتتبعها يف لحظاتها املرتاكبة من الحلم إىل‬
‫اإلنجاز ومنهام أحيانا إىل القرف أوامللل أو الألشمئزاز والتقزز‪...‬‬
‫وغالبا ما تومض الرغبة من شوق العاطفة وتتقد يف لهيب الجسد‬
‫وتنطمس يف لظى الفكر «كانت تقف صامتة تعانقه بعينني تبللتا‬
‫ولها وتحنانا‪ ...‬بدا لهام ذلك الصباح مبكيا من فرط جامله»ص‪66-‬‬
‫«كان يرعبها ان تدرك معنى الشهوة وعذاب التطلع إىل اللذة‬
‫القريبة النائية‪ ...‬هذا الجسد كم متقته كم تعشقه تلمست مواضع‬
‫األمل حتى استقرت عىل أشدها حدة ‪,‬أعىل البطن أسفل الصدر‬
‫حيث كانت األرنب الصغرية تخبط خبط عشواء‪...‬ص‪»72‬‬
‫وغالبا ما يرسم الكاتب للذة إطارا حافا فيه كشف لخفايا الذات‬
‫ويصلح مدخال لفلسفة الجنس يف ذلك اللقاء املبهم بني النقائض‪،‬‬
‫ويف ذلك التامس الشفيف بني اإلدراك والشعور‪ ،‬ويف ذلك اإلنتقال‬
‫املؤمل من إنشداد الرغبة إىل خيبة التباعد وحموضة اإلنتهاء‪ ،‬وتكاد‬
‫كل املشاهد الجنسية رغم تألقها تؤول إىل إحساس ُمتعاود بسأم‬
‫النهايات وباحتقار شديد التخفي لرجفة اللذة وصبوة الجسد‪:‬‬
‫«ضاجعها قبل النوم دعها تنام قبلك إستمع إىل شخريها الذي يشبه‬
‫صفري الريح يف قصبة مهملة شم رائحة كريهة إستمع إىل رضاطها‬
‫إندم إلنك جعلتها تنام قربك‪ ...‬أتركها تغادرك تنفس الصعداء‪...‬‬
‫«ص‪.167‬‬
‫ويف هذا اإلعرتاف الوارد يف شكل بيان تتبدى إستحالة التعويض يف‬
‫الجنس أو يف اللذة وتعود الذات إىل سأمها األزيل ُمتعايشة معه‬
‫أو رافضة له إال أنها حالة فيه بشجاعة وجرأة نادرتني ‪ ...‬ويتحول‬
‫الجنس من الرغبة والحاجة إىل قصدية بليغة الداللة قصدية تبديد‬
‫العبث وتخفيف اإلغرتاب يف محاولة يائسة لرتميم الدواخل ورأب‬
‫تصدعات الكيان ورتق خروق الكون ‪...‬قصدية صنع لحظة انتشاء‬
‫ومحاولة اإلمساك بها محاولة عابثة صورها “كافكا” يف رواية القرص‬
‫بقوله “كان جسامهام املضطربان ال يجعالنهام ينسيان واجبهام بل‬
‫يذكرانهام به كانا ينهشان يف جسميهام كام تنبش الكالب البائسة‬
‫يف األرض وكانا يجران بلسانيهام كل عىل وجه اآلخر إلتامسا‬
‫لسعادة أخرى يف يأسهام وعجزهام ‪ ”...‬ص‪ 72-‬ومن عبث الحب‬
‫أن تتجدد الصبابة كام الحياة ومن عبث الشهوة أن تتقد كلام‬
‫خبت هو الجنس يف الرواية ظاهره حياة وباطنه عدم بدايئ يف‬
‫تألقه كام يف إنطفائه منزع حياة دون أن يكونها ظأم إىل الكيان‬
‫وشوق الينتهي ورغبة التشبع‪...‬‬
‫ومن تفكيك الرغبة تجىء األسطورة مكملة لألبعاد لتكون “عائشة”‬
‫مدخال يراوح بني اللذة واألمل هي “عشتار” بابل أو البغي املقدس‬
‫من خاللها استطاع الكاتب األنتقال من فلسفة الجنس واللذة إىل‬
‫إجتامعيتهام مبعنى املحمول الوظيفي الجديد‪ ،‬ويف جسد عائشة‬
‫يتقاطع الكون الروايئ بل ينفتح عىل فضاءات وفضاعات مرسومة‬
‫مبهارة فنان وبخربة إيديولوجي ماكر فنستعيد أزمنة داخلية‬
‫مفتوحة عىل ذاكرة حية تنقلنا من فضاء مدين إىل فضاء ريفي كان‬
‫قد لفظ عائلة األختني “فادية و عائشة” لتتشبث األوىل بالدرس‬
‫ومنه الفن ولتتلبس الثانية بالجسد ومنه العهر ويف فصل”جسد‬
‫عائشة” تنعرض مبهارة فنية مأساة أرسة ومنها مأساة طبقة ويف‬
‫كل ذلك أزمة مجتمع‪ ،‬وقد استطاع الكاتب الغوص الدقيق يف‬
‫الشخصيات ظاهرا وباطنا لريصد ظواهر اإلنسحاق واملهانة‬

‫من خالل ردود األفعال املرتاوحة بني الوعي‬
‫والالوعي واملتجلية يف عالقات أفراد األرسة‬
‫ببعضهم البعض أفرادا جمعهم الدم وشتتهم‬
‫الوزر الطبقي واإلصطدام بنقائض الواقع سواءا‬
‫يف بساطة الريف أو يف تعقد العاصمة‪...‬‬
‫ومن جسد عائشة تبدأ املأساة ‪ :‬من نضجه‬
‫امل ُبكر ومن تفتح مسامه ومن شبق مدير‬
‫مدرسة إبتدائية يف أرياف “تالة” ومن عيون‬
‫أهل القرية املُ شتهية واملتهمة ترحل األرسة بل‬
‫تفر إىل ضباب العاصمة وضياعها‪ ،‬حيث يوغل‬
‫كل يف تطرفه ‪:‬تطرف مداره الواقع وجسد عائشة‬
‫كرد فعل إزائهام معا ‪ :‬فادية تنكر جسدها‬
‫وتكره أنوثتها كنقيض لجسد عائشة وأخ يتحول‬
‫من التسكع إىل تطرف ديني يحتمي به‪ ،‬وأب‬
‫يحتجب خلف الخمرة والعنف‪ ،‬وأم تنطمس‬
‫خلف الهزال واملرض‪ ...‬عامل يرزح تحت عهرين ‪:‬‬
‫عهر عائشة‪ ،‬رسمته الطبيعة وغذاه الواقع‪:‬‬
‫“ تخرج من بني طيات ثيابها قطعة مرآة‬
‫صغرية وترشع يف تأمل وجهها وشعرها عىل‬
‫مرآة البرتول‪ ...‬وتبدأ يف الدوران املحلق‪ ...‬كانت‬
‫تتدرب عىل ترقيص عجيزتها الصغرية وعىل‬
‫جعل نهديها الناشئني يهتزان ‪ ...‬ص‪”88‬‬
‫وعهر املدينة النهمة لكل ىشء جعال الكل‬
‫يرتنح بطريقة ما‪ ،‬لكن املأساة املوغلة تتكاثف‬
‫بل تجتمع يف شخصية األب الذي نزل السلم‬
‫درجا درجا وتحول من العنف إىل الخنوع‬
‫وأصبح متواطئا مع الحضيض بل متمعشا منه “‬
‫واستبدل فقرا أبيا يف الريف بفقر ذليل يف املدينة‬
‫“ واستطاع “الزغباين “ أن يصور تدحرج روحه‬
‫وأن يرصد ردود أفعاله املتناقضة من خالل عني‬
‫إبنته” فادية “ فتصور املعاناة من منظور داخيل‬
‫ضمن إنفصال واتصال ومشاركة هي إىل البوح‬
‫أقرب “ كان الخمر ميكنه من تحويل القهر إىل‬
‫عنف‪ ،‬وكنا نحن وخصوصا أمي وعائشة املجال‬
‫األمثل لترصيف تلك الشحنات‪...‬‬
‫لكن الخمرة كانت تتطلب املزيد من املال‪...‬‬
‫وكانت عائشة صاحبة الحل‪ ...‬تغيبت يوما كامال‬
‫ثم عادت تسلم أيب نقودا ‪..‬لحظة رأيته يدافع‬
‫عنها ويشكر لها تفكريها يف البحث عن شغل‬
‫ملساعدته‪..‬رأيته ينحدر روحيا إىل قاع ال قرار له‬
‫من الذل وانعدام الكرامة ص‪”93‬‬
‫وتتجسد درامة ساخرة يف سلوك األب وتناقض‬
‫ردود أفعاله بني ذل الحاجة وانتفاض البقايا‬
‫فيشجع عائشة ويتكل عليها لكنه يعنفها وينكل‬
‫بها بني الحني واآلخر‪ ،‬فيكون جسد عائشة مجاال‬
‫الستقطاب آخر ينفجر فيه ومن خالله مترد‬
‫عاجز ألب مهزوم‪ ،‬ومن الطرافة أن تتعايش‬
‫عائشة مع ذلك الوضع بل أن تنتظر تعنيف‬
‫األب بعد أخذه النقود التي غالبا ما تكون ورقة‬
‫من فئة العرشين دينارا ‪...‬‬
‫ حيل النص ومكر الكتابة‬‫كل رواية هي مزيج من العنارص وبلغة أهل‬
‫الكيمياء كلام استطاع الكاتب استعامل الخليط‬
‫ووفق يف تركيب عنارصه كلام كان نصه أمتع‬
‫وأكرث إقناعا عىل اعتبار أن الرواية خرب وخطاب‬
‫فهي خرب من جهة الرؤى ووجهات النظر وهي‬
‫خطاب من جهة حيل التبليغ ووسائط اإلتصال‬
‫ويف هذا املزج يتحدد مصري النص يف تكامل بني‬
‫وجاهة املضامني وجاملية التواصل وال تغليب‬
‫لطرف عىل آخر ألن النص بجمعه ووحدته‬
‫ومنهام يكتسب تفردا ويحل يف املتعة باعتبارها‬
‫املؤسس األوحد للفن ‪ ...‬وتبدأ حيل النص من‬

‫وضعية الراوي كاختيار أويل من خالله تتحدد‬
‫مالمح األجزاء األخرى يف بناء النص ألنه املحدد‬
‫لوجهات النظر يف بنيتها السطحية كالضامئر أو‬
‫يف بنيتها العميقة كالشخصيات واألفعال وقد‬
‫استطاع «الزغباين» أن يترصف يف وظيفة الراوي‬
‫وأن ينقله من الوحدة إىل التعدد يف فصول‬
‫النص كأن يجعل الرواية مرايا تتعدد بتعدد‬
‫الشخصيات فتكون البداية مع راو تقليدي‬
‫عليم فينساب الرسد مع ضمري الغائب « هي‬
‫فادية يف حريتها إزاءه أي إزاء البطل املختفي‬
‫« ثم ننتقل إىل راو مندمج مع البطل فينساب‬
‫الرسد بحرارة أنا املتكلم يف رضب من املكاشفة‬
‫أو اإلعرتاف ثم يعود إىل نحن يف رسد فادية‬
‫لحكاية عائلتها ثم يفاجئنا الكاتب بحيادية ما‬
‫أو يفرضها يف مراوحة بني الظاهر والباطن من‬
‫خالل تداعيات يف ذات الشخصية عىل أن الحيلة‬
‫األهم واألكرث طرافة يف املستوى األول هي حيلة‬
‫التامهي بني شخصيتي عيىس وإسامعيل فاألول‬
‫وجه للثاين جمعهام وعي حاد وفرقتهام سيل‬
‫ُمواجهة التناقض فحل األول يف عدمية ساخرة‬
‫وحل الثاين يف مطلق الجنون وهام ذات واحدة‬
‫بني نزعتني ُمتناقضتني ‪.‬‬
‫ومن حيلة املضمون العميق إىل حيلة أخرى‬
‫تجمع بني الراوي والبطل والكاتب لنتوهم أن‬
‫البطل الذي اختفى هو الكاتب املعلوم واملسمى‬
‫والذي يُفاجئنا يف مناسبتني ليتسلم الظرف ومنه‬
‫يختط املنت الروايئ هو «كامل الزغباين «يرسل‬
‫خيط اللعبة فيتحرك عامل الشخصيات كالدمى‬
‫فينعتق فرتة ثم يعود إليه ص‪ 85‬و ص‪259-‬‬
‫ومن هذه اللعبة الفنية متكن الكاتب من تجاوز‬
‫الحدود التقليدية املعلومة للراوي واستطاع وأن‬
‫مييز نصه بسيامت الطرافة والجدة فيام ميكن‬
‫أن يسمى بامليتاروايئ ‪ :‬أن ينقد النص ذاته وأن‬
‫يُفصح عن بعض خباياه ومن ذلك اإلفصاح – إذا‬
‫أحسن الكاتب توظيفه – تخلق أبعاد مجازية‬
‫وفنية تزيد النص إرشاقا وإمتاعا كام نجد يف‬
‫هذه الرواية ‪...‬‬
‫ومن حيل الكتابة فضاء آخر هو فضاء التعبري‬
‫وهو من أهم الفضاءات إذ من خالله ينعرض‬
‫النص ويتمظهر بجمعه يف اللغة مبختلف‬
‫وظائفها اإلبالغية أو اإلنفعالية سواءا يف الرسد‬
‫أو يف الوصف أو يف الحوار فبدت لغة الرواية‬
‫ُمحققة ملقاصدها وتألقت خاصة يف الوظيفة‬
‫اإلنفعالية التأثريية ومنها الشعرية ‪ :‬وظيفة‬
‫الزمت الرواية يف كل فضاءاتها ‪ :‬من شفافية‬
‫الرسد إىل انسيابية الوصف ومنهام إىل كثافة‬
‫وألق الحوار‪»- :‬كانت أغلب الربك الصغرية قد‬
‫اختفت بعد من الساحة تاركة عىل اإلسفلت‬
‫آثار بللها والتامعها وجد القمر إليها مدخال‬
‫بعد أن تحرر نهائيا من مضايقة بقايا السحب‬
‫‪ ،‬ظهر ضياؤه أكرث فتنة وهو ينبجس من سواد‬
‫اإلسفلت وميد إىل السامء أشعته املبللة ليجر‬
‫نحو األعامق صورته األوىل ‪...‬رأى الشمس تنبت‬
‫يف أعامق البرئ ذات قيلولة شديدة الحر كان‬
‫النداء املنطلق من قمر اإلسفلت أكرث عنفا‬
‫وروعة من أن يقاوم ‪...‬و‪ ...‬ص‪ .»245‬واستطاع‬
‫الكاتب أن يصوغ نسيجا تتكامل وظائفه بني‬
‫شفافية اإليحاء وعمق الداللة‪...‬‬
‫ومن متع التبليغ ما تطلعت إليه الرواية من‬
‫عمق فكري جعلها تعيد إنتاج املعرفة يف‬
‫حوارات مطولة حول املصري واملسؤولية واإللتزام‬
‫والعبث والفن والحياة والالجدوى ‪...‬‬
‫‪-‬‬

‫خلود‬

‫إلى روح كمال الزّغباني‪.‬‬
‫قصة‪ :‬نادية الذوادي‬

‫تح ّدث ال ّناس طويال عن ال ّرجل الخالد الذي ال ميوت والذي يسكن يف سفح جبل‬
‫السعيد‪ .‬مل يره أحد مييش يف األسواق‪ ،‬وال اقرتب أحد من بيته‬
‫شاهق يف اليمن ّ‬
‫الكبري الذي اعتكف فيه ال يغادره منذ قرون مل يحصها إنسان‪.‬‬
‫السبعة التي تحرس خلود‬
‫وغري بعيد عن البيت‪ ،‬يف أعىل ذلك الجبل توجد ال ّنسور ّ‬
‫ش ّداد‪ .‬فقد كان ش ّداد رجال خالدا كتب عليه الّ ميوت‪.‬‬
‫السحيقة كان ملكا إلرم ذات‬
‫قالت العرب أ ّن هذا ال ّرجل الذي ولد يف العصور ّ‬
‫وتجب ونيس ال ّناس يف عهده الله‪،‬‬
‫العامد التي نافست ج ّنات عدن‪ .‬وقد طغى ّ‬
‫ومتسكوا بلذاتهم التي‬
‫منه‬
‫سخروا‬
‫الشور‪ .‬حني أرسل الله لهم هودا‬
‫فاقرتفوا ّ‬
‫كل ّ‬
‫ّ‬
‫صنعوا لحراستها أصناما يعبدونها‪.‬‬
‫جاءهم هود يدعوهم إىل إله عظيم ال يرونه‪ ،‬فسخروا منه ونبذوه‪ .‬اشتىك ال ّنبي ربّه فأرسل عىل عاد ريحا محت‬
‫إرم ذات العامد‪.‬‬
‫حني وجد ش ّداد مدينته خرابا تعشّ ش فيها الغربان‪ ،‬سأل الله الخلود عساه يعيد بناء إرم ذات العامد‪ .‬قال إللهه‬
‫إ ّن يف رأسه أحالما لقومه ولن يكفي ما تبقّى من عمره لتحقيق هذه األحالم‪ .‬ولسبب مل يعلمه ال ّناس منحه الله‬
‫الخلود‪ ،‬وسخّر له سبعة نسور عظام يحرسون خلوده فال يقربه املوت‪.‬‬
‫لك ّن ش ّداد طلب الخلود وابتعاد املوت ونيس أن يطلب معه الشّ باب الدائم والعافية األبديّة‪ .‬ومل يفكّر يف أن‬
‫يأخذ معه يف طريق الخلود أح ّبته‪.‬‬
‫ومضت الحياة به حارب وملك وحكم وامتلك نساء كثريات أنجنب له أبناء أنجبوا له أحفادا‪ .‬لك ّن إرم ذات العامد‬
‫مل تستعد أمجادها‪ .‬كرب ال ّناس حوله‪ ،‬مات الكثريون وبقي هو يعيش يف سفح جبل ميني تحيط به نسوره التي‬
‫متنع عنه املوت‪.‬‬
‫شاخ ال ّرجل‪ .‬مل يعد قادرا عىل ال ّنزول إىل القرى القريبة منه واالختالط بال ّناس الذين كان ملكا عىل آبائهم‬
‫وأجدادهم يوما‪ .‬كان األ ّولون يوصون أبناءهم خريا بال ّرجل الخالد‪ .‬ويويص األبناء من يأيت بعدهم بالعجوز‪.‬‬
‫وظلّت ال ّنسور تحلّق بعيدا وتعود إىل الجبل الذي تحرس منه ش ّدادا‪.‬‬
‫أصبح العجوز يواجه الفراغ حوله وعتمة ال ّزمن بال ّنوم طويال يف بيت كبري ال أحد يعرف من بناه ومتى بني‪.‬‬
‫يتمش قليال حول البيت العتيق‪ ،‬تطالعه من بعيد أبنية مختلفة ويسمع‬
‫وعندما يستيقظ وينظر من ال ّنافذة أو ّ‬
‫تتغي وظلّت رابضة يف مكانها‪.‬‬
‫ألسنة ال يفهمها‪ .‬وحدها ال ّنسور مل ّ‬
‫أحيانا كان ال ّرجل الخالد يرى نريانا تشتعل ويستمع إىل عويل يغرق قلبه‪ .‬كان يعرف أن أحفاده يقتتلون‪.‬‬
‫تغيت مالمحهم‪ .‬لك ّنهم تغيّبوا زمنا‬
‫كثريا ما زاره األحفاد‪ .‬أصبحوا يأتون ليتف ّرجوا عليه وعىل ال ّنسور‪ ،‬لشد ما ّ‬
‫تغيهم‪.‬‬
‫طويال‪ .‬وكلّام تق ّدم ال ّزمن كلّام اشت ّد ّ‬
‫ومبرور القرون‪ ،‬أصبح ش ّداد ينام كثريا وكان نومه يطول‪ .‬ويف نومه الطويل‪ ،‬أصبح يحلم بطائر املوت ويتح ّدث‬
‫معه‪ .‬وذات نوم سأله‪ :‬أما من سبيل إىل ال ّرحيل؟‬
‫السامء متاحا لل ّرجل الخالد ليطلب ال ّنوم األبدي كام طلب ذات يوم خلوده‪.‬‬
‫مل يعد طريق ّ‬
‫والسامء‪ ،‬زار ملك املوت ال ّرجل العجوز يف منامه م ّرة‪ ،‬ومل يكتف بإرسال طائر‬
‫األرض‬
‫تسعها‬
‫ال‬
‫وأل ّن رحمة الله‬
‫ّ‬
‫املوت نائبا عنه‪.‬‬
‫سأله ملك املوت ماذا فعلت يا شداد يف حياتك الطويلة عدا ال ّنوم وال ّنسيان‪ .‬تذكّر العجوز الوحيد أنّه كان يريد‬
‫السابقة‪ .‬قال له ملك املوت‪« :‬أين إرم ذات العامد؟ ها أنت يف سفح جبل‬
‫إعادة إرم ذات العامد إىل أمجادها ّ‬
‫منيس‪ ،‬يزورك أبناؤك للتّع ّجب من رؤيتك وينسون وجودك عند أول منحدر يعرتضهم وهم يغادرون‪ .‬أنت قابع‬
‫ّ‬
‫يف بيتك ال تغادره منذ فجر اإلنسانيّة»‪.‬‬
‫أفاق من سباته الطّويل ونظر من ال ّنافذة فإذا ال ّنسور عىل حالها كام كانت مذ آالف السنني‪.‬‬
‫تذكّر أنّه رجل هرم ال يقوى عىل الخروج والعيش مع ال ّناس الذين أصبحوا يع ّمرون األرض‪ ،‬وتذكّر أيضا أنه لن‬
‫يكون قادرا عىل املوت وال ّنسور تحرس خلوده‪.‬‬
‫السابع‪ ،‬ولك ّنه مل يعد‪ .‬وبينام كانوا‬
‫ذات يوم أفاق حارس الغابة‪ ،‬فوجد ال ّنسور قد نقصوا نرسا‪ .‬انتظر ال ّناس ال ّنرس ّ‬
‫ينتظرون عودته‪ ،‬بدأ ال ّنسور يختفون واحدا تلو اآلخر‪ ،‬وبدأ ال ّناس يتح ّدثون عن نفوق نسور الجبل باستغراب‬
‫وامتعاض أحيانا‪.‬‬
‫يتوصلوا إىل سبب واضح‪.‬‬
‫بحث الكثريون يف األمر ومل ّ‬
‫بعد زمن قصري من نفوق ال ّنرس األخري‪ ،‬عرف ال ّناس من حارس البيت الكبري الذي يقع يف سفح الجبل أن ساكنه‬
‫الخالد نام ومل يستيقظ‪ .‬قال الطّبيب الذي جاء لفحصه‪»:‬هذه امل ّرة لن يستيقظ‪ .‬إنّه ليس نامئا‪ .‬لقد رحل ع ّنا»‪.‬‬
‫قال الحارس حائرا‪:‬مات مثلنا؟»‪.‬‬
‫أي طقوس يدفن ال ّرجل الخالد‪ ،‬فهم مل يعرفوا عنه سوى أنّه رجل من عصور‬
‫نعم مات مثلكم‪ .‬مل يعرف أحد وفق ّ‬
‫سحيقة نسيه املوت‪.‬‬
‫وتبسم‪ .‬ذكر‬
‫بعيد‬
‫ميني‬
‫جبل‬
‫سفح‬
‫يف‬
‫يعيش‬
‫كان‬
‫الذي‬
‫العتيق‬
‫جل‬
‫ر‬
‫ال‬
‫ة‬
‫قص‬
‫قدمية‬
‫جريدة‬
‫بعد سنوات‪ ،‬قرأ يف‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫الكاتب أن أحدا مل يعرف لل ّرجل عمرا أو لغة‪ ،‬وذكر أيضا أن نسورا كبرية كانت تعيش يف ذات الجبل سبقت‬
‫ال ّرجل إىل املوت‪ .‬مأل الكاتب مقاله بأسئلة عن ال ّنسور عن ال ّرجل الذي نسيه املوت‪ .‬تساءل عن عالقة موته‬
‫بنفوق ال ّنسور واحدا إثر اآلخر‪ .‬لك ّنه مل يكن ميلك اإلجابة‪.‬‬

‫‪6‬‬

‫الخميس ‪ 1‬أكتوبر ‪ - 2020‬املوافق لـ ‪ 14‬صفر ‪ 1441‬هـ ‪ -‬العدد ‪90‬‬

‫محور خاص بالفقيد ‪...‬‬

‫املثقف املُشتبك واملولع بالتأسيس واملبادرات‬

‫عبدالحليم ملسعودي‬

‫تطول الحياة أو تقرص يف عدد األيام ‪...‬لكنها تقاس باملنجز فيها‬
‫كامل الزغباين الجامع بني الفكر واالبداع عاش حياة فنان حقيقي‪...‬‬
‫استنفذ أيامها فكرا ومعايشة ومنها هاجس املبادرة والتأسيس‪...‬‬
‫يف رابطة الكتاب األحرار سنة ‪2001‬‬
‫كان من املبادرين املؤسسني لرابطة الكتاب األحرار منذ سنة ألفني‬
‫مع أصدقاء ورفاق جلول عزونة سليم دولة الحبيب الحمدوين‬
‫الجابل‪ ،‬والقت املبادرة صدى كبريا‬
‫ّ‬
‫نورالدين الشمنقي ومحمد‬
‫يف ذلك الفراغ حيث التف حولها عدد كبري من املثقفني النريين‬
‫ووقعوا عرائض مساندة مفتوحة تجاوزت إمضاءاتها امليئات‪...‬‬
‫مام فرض فتح حوار وجدل معلن يف الجرائد القليلة « كجريدة‬
‫الصدى» حيث كان الصحفي محسن بن أحمد صاحب املبادرة يف‬
‫فتح صفحات الجريدة لتحقيقات واستبيانات يستقيص من خاللها‬
‫آراء الكتاب واملثقفني يف شأن التعدد الثقايف وتأسيس رابطة‬
‫الكتاب األحرار‪...‬‬

‫يف الجامعة الشعبية محمد عيل الحامي بسيدي حسني سنة ‪2016‬‬
‫لِ َم الجامعة الشعبية؟ كامل الزغباين‬
‫يأيت مرشوع الجامعة الشعبية تأسيسا عىل مبدأ استحقاقي أسايس‬

‫ال تل ّبيه مختلف أشكال وهياكل التعليم األخرى عمومية كانت أم‬
‫الحق الكوين واملطلق يف اكتساب‬
‫خاصة (بفعل طبيعتها ذاتها) ‪ّ :‬‬
‫ّ‬
‫وتبادل وتداول املعرفة النظرية والعملية بشتّى أبعادها دون‬
‫أيّة معايري أو رشوط إقصائية مهام كان نوعها (العمر‪ ،‬املستوى‬
‫التعليمي‪ ،‬الوسط االجتامعي‪ ،‬الوضعية االقتصادية…‪.).‬‬
‫وهو يل ّبي أيضا حاجة مل ّحة إىل تبادل معريف مغاير للتعليم‬
‫رشط باعتبارات سياسية واقتصادية مرتبطة مبقتضيات‬
‫النظامي امل ّ‬
‫النظام الرأساميل املعومل‪ .‬بذلك تكون الجامعة الشعبية مرشوع‬
‫خروج من الفعل التعليمي باعتباره فعل هيمنة عىل األجساد‬
‫والعقول من خالل إحداثيات سلطوية ظاهرة أو خفية (معامرية‪،‬‬
‫زمانية‪ ،‬برامجية…) لجعله تبادال معرفيا تفاعليا ح ّرا من شأنه‬
‫املستقل للذات واملساهمة املوجبة يف‬
‫ّ‬
‫توفري ممكنات البناء‬
‫الوسط املهني واالجتامعي‪.‬‬
‫كام يل ّبي مرشوع الجامعة الشعبية حاجة لدى جموع مختلفة‬
‫(ال س ّيام يف األحياء الشعبية والقطاعات املفقّرة وامله ّمشة فيها)‬
‫استُبعدت لسبب أو آلخر من مواصلة التعلّم ضمن النظام‬
‫التعليمي الرسمي يف مستوى ما من مستوياته‪ .‬وهي تحتاج إىل‬
‫زاد معريف يف عالقتها مبعيشها اليومي ويف عالقاتها مبحيطها املهني‬
‫واملوسع عىل ح ّد سواء‪.‬‬
‫والعائيل واالجتامعي املض ّيق‬
‫ّ‬
‫لِ َم هنا واآلن؟‬
‫الحي الشعبي “سيدي حسني السيجومي”‬
‫ونعني بالـ”الهنا”‬
‫ّ‬
‫الذي سرتكّز به النواة األوىل ملرشوع الجامعة الشعبية‪ .‬هذا‬
‫الحي‪ ،‬كغالبية األحياء الشعبية بتونس الكربى وبغريها من املدن‬
‫ّ‬

‫محور خاص بالفقيد ‪...‬‬

‫زغبانيا‬

‫كمال الزغباني ‪:‬‬

‫كام بادرت جريدة الوحدة الشعبية بتشجيع من الصديق عادل‬
‫الحاج سامل فتح فضاءات للجدل حول رضورة التعدد الثقايف‬
‫ووجاهة التأسيس ‪...‬وكان أن اقرتحت ندوات حوارية مفتوحة بني‬
‫الكتاب وسائر املعتنني بالشأن الثقايف‪...‬‬
‫وكذا الشأن مع مجلة الطريق الجديد والحقا «مواطنون» ‪...‬منابر‬
‫قليلة لكنها شديدة الخصوصية والفاعلية سعى املثقفون من‬
‫خاللها التعريف باملبادرة وذلك االلتفاف مهد السبيل ألن تشق‬
‫الرابطة طريقها رغم العراقيل القانونية أن تفرض التعامل الجدي‬
‫مع بادرة تأسيسها وأن ال تهمل مطالبها املرشوعة – كام تعود‬
‫النظام‪ -‬بل أن يستجاب لطلبها بالرفض املوثق واملعلن‪...‬ثم بعد‬
‫سنوات من التقايض يف املحكمة اإلدارية بتطوع من املحامي‬
‫الصديق املثقف «لزهر العكرمي» أن يلحق الرفض بتعالت واهية‬
‫غري مقنعة لكنها عىل كل حال تعترب خطوة يف اتجاه فرض تعامل‬
‫قانوين يحرتم إرادة الكتاب واملثقفني وال يلقي مطالبهم املرشوعة‬
‫يف سلة امل ُهمالت‪...‬‬
‫والتفاف املثقفني حول رابطة الكتاب األحرار مكنها من فرض‬
‫نشاطات متقطعة رغم املنع والحصار ‪...‬ندوات عديدة وملتقيات‬
‫بإسناد معنوي من منطامت قليلة كرابطة حقوق االنسان واتحاد‬
‫الطلبة ومنطمة التالري‪...‬ومن ذلك االرصار تم الغاء اجراء االيداع‬
‫القانوين الذي كان يعرقل الكتب ومينع بعضها ويفرض أن ينتظر‬
‫بعضها يف أقبية املطبعات اإلذن بعد أشهر ‪– ...‬منارات‪-‬‬

‫‪7‬‬

‫الخميس ‪ 1‬أكتوبر ‪ - 2020‬املوافق لـ ‪ 14‬صفر ‪ 1441‬هـ ‪ -‬العدد ‪90‬‬

‫(‪)1‬‬
‫اكع عىل ركبتيه متاما كأفلوط ني �‪Plo‬‬
‫كأنه اآلن ر ٌ‬
‫‪ tin‬الفيلسوف األسيوطي يتأمل العامل من خالل‬
‫السية يف تعاليم البهجة و‬
‫زهرة يف حديقته ّ‬
‫الجامل يف « التاسوعات «‪ .‬هو كامل ال ّزغباين‬
‫الباحث عن السعادة يف ما بعد امليكانيكا‪ ,‬و‬
‫يبدو أنه قد وجدها ناظرا إليها يف أفق مغلق‬
‫يبرش بالعناية اإللهية يف الح ّبة األوىل‪ ,‬البذرة‬
‫الصفر‪ ,‬الواعدة بالجنة األرضية ‪ ,‬أو لنقل تحديدا الجنة عىل األرض البوار ‪ ,‬يف‬
‫األرض الحجرية الضحضاح الجاحدة بنفايات البناء و اإلسمنت و شظايا القرميد‬
‫و البلور املكسور ‪ ...‬كامل ال ّزغباين املثقف الفيلسوف اليائس من «املشاريع‬
‫التونسية» والهارب من ضيق الفكر عىل جادة اليسار‪ ,‬و من «البهيموقراطيا‬
‫التونسية» الخاصة التي تقلل من األعامر واإلمعان يف الحط من األقدار قد‬
‫تو ّجه مبارشة إىل « التدبري « ‪ ,‬لكنه تدبري متو ّحدٌ إىل حني ‪ ,‬ليعيد إلينا رسدية‬
‫االكتفاء الذايت بالنفس أو عىل األقل االقتصار يف أوقات قائظة عىل االحتفال‬
‫بالفردانية بوصفها الطريق الوعرة الوحيدة للحرية واالنفالت من النكد اليومي‬
‫الذي ال مثيل له يف تونس‪ ,‬ذاك النكد اليومي الذي تح ّول إىل قيمة ال مثيل لها‬
‫يف اإلقتصاد السيايس للمعنى يف هذا املناخ العكر القرسي و القهري الذي ابتلينا‬
‫به يف هذه البالد ‪ ,‬ذاك النكد اليومي الذي مينعك من اجرتاح أية داللة استعالئية‬
‫النتحار فلسفي ممكن يليق بالراهن ال ّذهبي املنفرط بني أناملنا ‪ -‬نحن البلهاء‬
‫‪ -‬كال ّزبد يف ما بعد ‪ 14‬جانفي‪.‬‬

‫التونسية الكربى‪ ،‬يتوفّر إيجابا وسلبا عىل خصائص تجعله حاضنة‬
‫حي ذو كثافة‬
‫أوىل للمرشوع مستجيبة لدواعيه وأهدافه‪ .‬فهو ّ‬
‫سكّانية عالية يوجد به عدد من املصانع واملدارس واملعاهد‪ .‬لك ّن‬
‫به أيضا نسب ال بأس بها (سيكون من مها ّم الجامعة التدقيق فيها‬
‫عرب مركز الدراسات الذي سيت ّم تركيزه بالتوازي) من االنقطاع‬
‫املدريس‪ ،‬يف مراحل ومستويات متع ّددة‪ ،‬ومن البطالة‪ .‬كام أ ّن‬
‫أبناء األحياء الشعبية عموما يعيشون حاالت مركّبة من اإلحباط‬
‫والتهميش واإلقصاء املؤدية إىل شتّى أصناف االنحراف والنقمة‬
‫والهروب إىل حلول انتحارية غالبا (اإلدمان بأنواعه والهجرة‬
‫التعصب الديني للوقوع ضحية عصابات إجرام‬
‫الرسية و‪/‬أو‬
‫ّ‬
‫وتهريب أو جامعات إرهابية)‪ .‬وليس أفضل من التفاعل املعريف‬
‫الح ّر سبيال لتقليص تلك النزعات السلبية والخطرة‪.‬‬
‫أ ّما “اآلن” فنعني به ما وصلت إليه “الحالة التونسية” بعد‬
‫خمس سنوات من اندالع املسار الثوري وشتّى املظاهر املوجبة‬
‫والسالبة التي رافقته وتفاعلت ضمنه‪ .‬وقد ب ّينت أغلبها أ ّن‬
‫امليض بذلك املسار إىل أقىص ممكناته وانتظارات الناس منه ال‬
‫ّ‬
‫مي ّر بالعمل السياسوي الحزبوي محدود األفق وإنّ ا بفعل نضايل‬
‫أفقي وموضعي قائم عىل التقاسم( (‪ )partage‬والقرب (�‪proxi‬‬
‫‪ )mité‬من أجل اإلنصات املنتبه لتمكني العدد األقىص املمكن من‬
‫الخاص‬
‫تلك القطاعات من أدوات فهم وتحليل وفعل يف واقعهم‬
‫ّ‬
‫والعا ّم عىل ح ّد سواء‪ -....‬منارات‪-‬‬

‫(‪)2‬‬
‫قص أظافره فهو لن يخدش إال فروة الرأس‬
‫يهمل‬
‫من‬
‫عىل‬
‫تخافوا‬
‫ال‬
‫ّ‬
‫حني تلتم ُع أو تتوقّ ُد يف ذهنه فكرة طائشة قد يح ّولها إىل حلم و‬
‫قص‬
‫يح ّو ُل الحلم إىل انتكاسة للحزن ‪ ...‬ال تخافوا عىل من يهمل ّ‬
‫أظافره لعله بستعملها يف التقاط حصاة أو نواة يح ّولها إىل مفهوم‬
‫‪ ...‬ال تخافوا عىل من درس جول دلوز ‪ Gilles Deleuze‬يربّ ُت عىل‬
‫الحجر بالتحنان حتى يحوله إىل فكرة ثم إىل مفهوم ‪ ...‬ال تخافوا‬
‫عىل من خرب أرسار النسغ و العروق و الجذامري ( ‪)Rhizomes‬‬
‫التي هي عروق العروق الالمتنهية يف تفرعات األفكار واملفاهيم و‬
‫تأثرياتها املتبادلة ‪ ...‬ال تخافوا عليه ‪ ...‬هذا الكامل ال ّزغباين و هو‬
‫الخفي‬
‫يكتفي بنفسه عائدا إىل تربة األسالف يقلب أدميها و دفأها‬
‫ّ‬
‫وقض فيها ما أمكن من سعادة االكتفاء الذايت ُمبتهجا بن ّوارة‬
‫و يُ ُ‬
‫تح ّولت إىل مثرة ستتحول إىل ما يشد الكائن ألمل ممكن ضد اليأس‬
‫وضد العقر والجحود و ض ّد ما أفسده عليه و علينا املتهافتون يف‬
‫هذا البلد‪ ...‬قد يسأل سائل هل يستأهل مربع الزغباين األخرض كل‬
‫هذا الحديث ؟ أقول أجل ‪ ...‬ألن ما قام به ال ّزغباين بيان عميل عىل‬
‫ما ميكن أن نقوم به من أجل مجابهة هذا الخراب املع ّمم يف البلد‬
‫‪ ,‬هذا البلد الذي حلمنا كجيل بأن يكون أكرث بهاء و رحابة و أقل‬
‫جحودا و تهميشا ‪ ,‬و ألن « زغبانيا « فكرة أو نظرية فبامكانها أن‬
‫تكون صالحة بدءا بقدرة صاحبها و هو فيلسوف سارد عىل تفعيلها‬
‫كامنيفستو ‪ ,‬بيان مستقبيل ملقرتح عميل ‪.‬‬
‫(‪)3‬‬
‫كامل ال ّزغباين ليس من الجيل املرتفّه أو املرتف الذي بإمكانه أن‬
‫يقض العطلة يف « املنزل الريفي « أو يف منتجع خاص‪ ,‬و ال هو‬
‫ّ‬
‫من يسار أخرض إيكولوجي تنصل عن طواعية من «طاوية» النضال‬
‫يف الرصاع الطبقي‪ ,‬لكن املؤكد أنه تخلص من بؤس االيدولوجيا‬
‫و سخافة الشعارات و اتجه بحدس أكرث صفاء ووضوحا يف تدبري‬
‫الخاصة و العامة املختزلة يف اجرتاح األرض الضحضاح‬
‫شؤونه‬
‫ّ‬
‫يف مربع أريض وعر أمام سكناه كان ‪,‬كام ذكرت‪ ,‬مصبا للنفايات‬
‫ليحوله إىل « زغبانيا « ج ّنة صغرية يوزّع ُصورها عىل الفايس بوك‬
‫كعالمة يائسة عن سعادة ممكنة ‪ ,‬لكنه يتباهى بدهشة ال متناهية‬
‫كمن اكتشف النار ألول م ّرة ‪ ...‬تلك هي ”زغبانيا“‪ ,‬هكذا يسميها‬
‫كامل مازحا‪ ,‬لكنها يف الحقيقة مترين عىل اجرتاح « اليوطوبيا» أو‬
‫طوباويته الخاصة‪ ,‬فــ ”زغبانيا“ يف الحقيقة ليست إال مفهوما عمليا‬
‫للتدبري ‪ ,‬شكل من أشكال املقاومة التي يبتكرها املثقف املطرود‬
‫من ثقافة القطيع و تربية الجموع لريتب أولويات شؤونه الخاصة‬

‫كمواطن صالح بشهادة دكتوراه يف الفلسفة و راتب بروليتاري ال‬
‫يفتق عبقرية و ال يرتّق كرامة ‪.‬‬
‫لكن « زغبانيا « هذه هي انكفاء هرمي من أجل مت ّدد أفقي‬
‫جذموري ممكن ألنها مرشوع فردا ّين ميكن استيال ُدها ال استنساخُها‪,‬‬
‫يف مجاالت شتى مفتوحة عىل التدبري ‪ ” ...‬زغبانيا ” هي جمهورية‬
‫« مهاباد « دون أن تكون كرديا لكن بإمكانك أن تكون فردانيا من‬
‫أجل فردانية جامعية ممكنة‪ ” ,‬زغبانيا ” استعارة لفكرة املبادرة‬
‫رسي‬
‫النفعية الغائبة اليوم يف فضائنا العمومي‪ ,‬وهي أيضا مترين ّ‬
‫إلدارة الشأن الذايت تساوقا مع صورة املثقف النابتة يف « تدبري‬
‫املتوحد « الباجي ( ابن باجة ) ‪ ,‬أو هي التغيري يبدأ من عتبة الباب‬
‫السكني‪” .‬زغبانيا ” ح ّجة فردانية عىل مشاريع التنمية الظاهرة‬
‫ّ‬
‫الخفية‪ ,‬الخطية و املوازية يف هذا البلد الذي أصبح فيه تدشني‬
‫رشكة تقشري الفواكه الجافة انجازا نوعيا يزاحم رهانات التجارة‬
‫العاملية ‪.‬‬
‫(‪)4‬‬
‫هل مثة اليوم مجال لليوطوبيات يف ظل هذا االنحصار ال ّرهيب و‬
‫الرتاجع املتزايد لهامش الحريات واالبتكارات واإلبداعات؟‬
‫هل بإمكان « املثقف التونيس « اليوم الذي يجد نفسه عىل هامش‬
‫الهامش‪ ,‬خارج حسابات السياسة و مدامكها و األحزاب و مزالقها‬
‫و التّجمعات وتهافتها‪ ,‬أن يرسم عىل األقل بقلم الرصاص عىل الورق‬
‫جزيرته املشتهاة وجمهوريته الخاصة بعد أن تم طرده بتعسف من‬
‫شؤون الجمهورية الثانية ليحل محله‬
‫السمسار‬
‫ّ‬
‫والشّ عبوي‬
‫واملافيوزي‬
‫وال ّزبوين‬
‫والخبري‬
‫و الفقيه‬
‫واملستخري (من االستخارة)‬
‫ومحرتفو « املجتمع املفتوح»؟‬
‫لكأن التاريخ يف حقيقته ال يتحرك يف بالدنا إال يف منطق هذا «الال‬
‫مكتمل األبدي « الذي يُعي ُدنا كل م ّرة إىل املربعات األوىل التي‬
‫تخفي بدورها مربعات أكرث قتامة خلناها قد ذهبت بال رجعة‪,‬‬
‫و عليه فإن هذا « املثقف» التونيس املستقل مضطرا يف لعبة‬
‫عبثية أن يعيد أسئلة مالذه املمكن خارج البذاءة و الرداءة و‬

‫االمتهان الرخيص بثمن خسارته الوجودية املحضة مستعيدا أسئلة‬
‫ما قبل الثورة الكوبرنيكية فيدرك أن الكرامة اإلنساني ة �‪Homi‬‬
‫‪ nis dignitate‬كمفهوم ابتدعه بيكو دي مرياندوال ‪Jean de la‬‬
‫‪ Mirandole‬ليس إال مفهوما متخيال استلهمه صاحبه من ثقافة‬
‫عربية متخيلة ُر ّوات ُها ب ّحارة أو ت ّجار عرب متخيلون عىل ضفاف‬
‫أوروبية متخيلة‪ ...‬إن حجم االرتداد واالنحطاط الفكري و األخالقي‬
‫والنكوصية املعرفية التي شهدها اليوم مثال يف استعداء مقرتحات‬
‫تقرير الحريات الفردية واملساواة عىل املجتمع التونيس استكامال‬
‫ملساره اإلصالحي لهو أمر مفزع حقا ومخيف يدفعك من حيث ال‬
‫تشعر إىل االستكانة و التقوقع و االنخراط يف نومة الدببة القطبية ‪.‬‬
‫لكن يخطئ من يظن أن ابتكار « طوباوية « ما‪ ,‬هو هروب أو‬
‫انسالخ عن الواقع‪ ,‬و يخطئ من يظن أن ابتكار الطوباوية انخراط‬
‫يف التوحد املريض أو الرسية‪ ,‬بل عىل العكس متاما الطوباوية هي‬
‫وعي حاد بالواقع ومعاناة دؤوبة يف محاولة تغيريه‪ ,‬و الثابت ملن‬
‫يطلع عىل « اليوطوبيا « ‪ Utopia‬لتوماس مور ‪, Thomas More‬‬
‫سيدرك أن كتابه استعارة عىل إمكانية ميالد دولة الحرية البديلة‬
‫عىل دولة الجزيرة الربيطانية الحالكة امللتفعة باألسامل القروسطية‬
‫رغم انطالق تباشري عرص األنوار يف نهاية القرن السادس عرش ‪...‬‬
‫و أعتقد بجدية أن حان الوقت اليوم يف هذا السديم التونيس أن‬
‫نتجرأ عىل اإلفصاح عىل « طوباوياتنا « بشكل عميل و نظري ‪.‬‬
‫(‪)5‬‬
‫أنا شخصيا مل أزر « زغبانيا « رغم دعوة كامل املفتوحة لزيارتها من‬
‫أجل حديث مطول عن « اليوطوبيا « و عن « السعادة األرضية « و‬
‫عن « الجامعة الشعبية « و عن « األنغواصة « و هي أقىص درجات‬
‫ال ّرعب التونيس ‪ ,‬لكن مجرد ترصد أخبارها كمتلصص يحفزين عىل‬
‫التفكري يف ما ميكن تدبريه من « طوباويات « عملية ممكنة‪ ,‬عىل‬
‫األقل عىل مستوى التفكري و التخمني و التأمل و الكتابة و حتى‬
‫الرثثرة ‪.‬‬
‫و ال أدري وأنا أفكر يف « اليوطوبيا « أو يف ” زغبانيا ” أدرك أن‬
‫التاريخ يتق ّدم ألن بذورا طوباوية زرعها بعض من املتفردين كانوا‬
‫دامئا عىل الهامش فتحولت يف تربتها إىل أدغال‪ ,‬و ال أدري ملاذا أفكر‬
‫اآلن يف ما بذره الطاهر الحداد و محمد عيل الحامي و الشّ ايب يف‬
‫الرتبة التونسية لنعيش اليوم كل هذه الفرص الضائعة التي تعيدنا‬
‫إىل الوراء النكويص ‪ ...‬رمبا ألننا انقطعنا عن أن نكون طوباويني‬
‫مثلام هو حال متوحد « زغبانيا « ‪.‬‬

‫‪8‬‬

‫الخميس ‪ 1‬أكتوبر ‪ - 2020‬املوافق لـ ‪ 14‬صفر ‪ 1441‬هـ ‪ -‬العدد ‪90‬‬

‫‪9‬‬

‫الخميس ‪ 1‬أكتوبر ‪ - 2020‬املوافق لـ ‪ 14‬صفر ‪ 1441‬هـ ‪ -‬العدد ‪90‬‬

‫محور خاص بالفقيد ‪...‬‬

‫محور خاص بالفقيد ‪...‬‬

‫حوار يف العمق حول ّالثقافة واإلرهاب مع كمال الزّغباني‬
‫* يحيى املبدع بالكلامت والرؤى واألفكار‪...‬خلود أبدي يتقد لحظة غياب‬
‫الجسد‪...‬كامل ككل املبدعني عاش من أجل الرمز والقيمة واملعنى‪ ...‬تلك‬
‫اإلعتبارات املتسامية التي تقاوم املوت والفناء‪...‬من أجل الحب والعدل‬
‫والخري والحرية‪...‬منارات تستعيد لحظات التألق وهي كثرية يف مسرية مبدعنا‬
‫‪...‬وتنرش حوارا محمال بالدالالت وهو من الحوارات األوىل يف سلسلة الحوارات‬
‫– منارات‪-‬‬
‫والسعي إىل الكامل‪:‬‬
‫كامل ّ‬
‫أبدا‪ ،‬مل يخل لقاء من لقاءاتنا وال جلسة من جلساتنا‪ ،‬عىل امتداد ‪ 25‬سنة‬
‫صداقة‪ ،‬من الطّرافة وال ّتجديد وتكسري القواعد ومن كثري من الجنون‪ .‬وهكذا‬
‫سيظل عالقا بذاكريت ما حييت‪.‬‬
‫كان لقاؤنا مبناسبة هذا الحوار الّذي ّ‬
‫فقد ك ّنا اتّفقنا من قبل م ّرات عديدة عىل االجتامع إلجرائه ولكن مل يتس ّن‬
‫لنا ذلك‪ ،‬ألسباب عديدة‪ ،‬إالّ قبيل ‪ 3‬أيّام من دخول الجريدة إىل املطبعة‪.‬‬
‫وحني التقينا أخريا يف قلب العاصمة‪ ،‬وانتحينا ركنا قص ّيا يف فضاء ال تنزل‬
‫األحزان ساحته‪ ،‬حدثت مفاجأة أربكتني شخص ّيا ألنّه كان ميكن أن يبطل‬

‫الحوار بسببها ويضط ّرنا ‪-‬نحن أرسة تحرير املنارات‪ -‬إىل تأجيل العدد الجديد‪.‬‬
‫السابقة والالّحقة‪ ،‬كنت أعتمد‬
‫خالل هذا اللّقاء الجميل واملمتع ككل ّلقاءاتنا ّ‬
‫عىل تقنية ال ّتسجيل بلوحتي‪ ،‬وبني مفصل وآخر من مفاصل الحوار‪ ،‬كنت‬
‫أوقف ال ّتسجيل لنرتك العنان لتداعياتنا الح ّرة‪ ،‬وألتث ّبت من أنّني قد س ّجلته‬
‫بالفعل قبل استئناف الحوار من جديد‪ ...‬وهكذا دواليك عىل امتداد خمس‬
‫ساعات كاملة كانت كلّها نقاش وحوار وضحك ونوادر واستحضار لذكرياتنا مع‬
‫وخاصة منهم عبد الحفيظ املختومي وسنان الع ّزايب وشكري‬
‫أح ّبتنا ال ّراحلني‪ّ ،‬‬
‫بلعيد وعامد الحاج سايس‪ ،‬وحديث عن مشاريع كتاب ّية واقرتاحات ملجابهة‬
‫المي واالنحسار اليسار ّي وال ّتقدّمي يف بالدنا‪ ،‬ح ّتى فرغنا من الحوار‬
‫امل ّد الظّ ّ‬
‫مع فراغ آخر د ّن من دنان ديونيزوس‪.‬‬
‫حينها‪ ،‬طلب م ّني كامل أن يعيد مشاهدة املحور األخري من حوارنا‪ ،‬فضغطت‬
‫عىل ز ّر ال ّرجوع إىل الخلف‪ ،‬وسلّمته اللّوحة وانرصفت لقضاء حاجة‪ .‬عندما‬
‫عدت إىل طاولتنا‪ ،‬نظرت يف وجه كامل فرأيت فيه تعبرية غريبة‪ ،‬مل تكن‬
‫استغرابا بالضّ بط وال المباالة متاما‪ ..‬كانت أقرب إىل ال ّتسليم بيشء رهيب‬

‫حححح‪ ،‬ال ّتسجيل‬
‫ْ‬
‫وال ميكن ردّه‪ ..‬نظر يل بدوره وقال يل بنربة شبه قدريّة «بَ‬
‫طار»‪ ..‬ظننته ميزح يف البداية‪ ،‬ولكن حني ك ّرر ما قاله منذ حني‪ ،‬ساورين الشّ كّ‬
‫ح ّتى تأكّدت من «املصيبة» بنفيس حني أخذت اللّوحة وبحثت عن ال ّتسجيل‬
‫ومل أعرث عليه‪ ...‬كنت محبطا متاما حني قال يل إنّه قد ضغط سهوا عىل ما‬
‫يبدو عىل ز ّر الحذف‪ ،‬ث ّم حاول أن يه ّون ع ّيل األمر بأن طلب م ّني أن أرسل‬
‫ّ‬
‫سيتول ال ّتفاعل معها حني يعود إىل البيت ويرسل يل‬
‫له األسئلة مكتوبة وهو‬
‫إجاباته مكتوبة جاهزة‪...‬‬
‫وبالفعل‪ ،‬مل ينم كامل ليلتها‪ ،‬كدأبه يف أغلب ليايل عمره‪ ،‬وأرسل يل إجاباته يف‬
‫الصباح الباكر‪ ،‬وبدوري أرسلتها إىل صديقي مح ّمد ّ‬
‫الجابل بعد أن راجعتها‬
‫ّ‬
‫وقمت بتنظيمها وتقدميها‪.‬‬
‫ولك ّني‪ ،‬بعد ‪ 3‬سنوات من ذلك اللّقاء‪ ،‬مازلت أتساءل إىل اآلن‪« :‬هل سهوا‬
‫حقّا حذف كامل ال ّتسجيل‪ ،‬أم أ ّن رغبته يف الكامل الّتي أعرفها عنه هي الّتي‬
‫جعلته يحذفه عمدا؟؟؟؟»‪.‬‬

‫حاوره‪« :‬منترص الحميل»‬
‫مزيج رائع ومبدع هو بني املاركسيّة وال ّنيتشويّة وفلسفة التّفكيك‪ ،‬متع ّدد املشارب‬
‫واالهتاممات واالختصاصات‪ ،‬عميق يف تحليله‪ ،‬رشيق ساخر يف أسلوبه‪ ،‬رائق وراق يف‬
‫تخييله‪ ،‬فاعل يف محيطه كتابة وجسدا وجنونا‪ ،‬قلق كأ ّن ال ّريح تحته ال يستكني لثابت‬
‫وال يستق ّر يف مكان‪ .‬مشاكس للمسلّامت‪ ،‬مه ّدم للوثوقيات‪ ،‬محفّز غريه عىل االنهامك‬
‫يف الفكر واالنهامم باآلخر وبالذّات‪ .‬ن ّحات مفاهيم‪ ،‬دبّاغ أفكار‪ ،‬صبّاغ مشاريع من‬
‫روحه وعقله وتربته‪ .‬ح ّر حتّى الثّاملة‪ ،‬مرتبط بشعبه من أعىل رأسه حتّى أخمص‬
‫قدميه‪ .‬هذا هو بإيجاز مخلّ صديقي وعشريي كامل ال ّزغباين الّذي تكفي ّربا لل ّداللة‬
‫عىل قيمته الفكريّة واإلنسان ّية شهادة ال ّزعيم الشّ هيد شكري بالعيد عنه قبيل اغتياله‬
‫ببضعة أيّام‪ ،‬حني ذكره يف سياق حديثه عن املفكّرين واملصلحني التّونسيني الّذين قارعوا‬
‫مجتعي قائم عىل العدل والح ّريّة والتّن ّوع والتّع ّدد‬
‫ّالمي ودافعوا عن مرشوع‬
‫ّ‬
‫الفكر الظ ّ‬
‫واالختالف‪....‬ولنئ طالت يد الغدر اإلرها ّيب هذا ال ّزعيم فأردته شهيدا فإ ّن كامل ال ّزغباين‬
‫املبشين بالعودة‬
‫مازال ينحت وجوده املبدع ويع ّري سوءات ومؤامرات وخيانات كلّ ّ‬
‫إىل الوراء أو املهللّني لحداثة غفل من إنسانيتها‪ ،‬سواء بسواء‪ ،‬وذلك رغم كلّ ما يتع ّرض‬
‫له من تهديدات ومضايقات من هناك ومن هنا‪ ....‬لهذا تواعدنا وألجله انتحينا مكانا‬
‫قصيّا‪ ،‬وكان ثالثنا دينوزيس‪.‬‬
‫بعيدا عن التحليالت السطحية والتبسيطية لظاهرة‬
‫اإلرهاب السائدة في اإلعالم التونسي اليوم‪،‬‬
‫ومحاولة لفهمها في العمق‪ ،‬هل لك أن تكشف‬
‫لنا عن آليات اإلرهاب؟ كيف يمكن أن يتحول إنسان‬
‫«عادي» إلى إرهابي؟‬
‫اإلرهاب ظاهرة مركّبة ومعقّدة‪ ،‬من جهة بواعثها وأسبابها‪ ،‬كام‬
‫من جهة البنى الذهنية والنفسية والحضارية واالجتامعية التي‬
‫كل مراحل‬
‫تنمو ضمنها ومتارس أعاملها التدمريية‪ .‬لقد عرفت ّ‬
‫كل م ّرة‬
‫التاريخ اإلنساين مثل هذه الظواهر وإن كانت تتل ّون ّ‬
‫بتلوينات جديدة‪ .‬إ ّن املرتكز الذهني والنفيس األ ّول للظاهرة‬
‫اإلرهابية‪ ،‬لتح ّول إنسان “عادي” إىل “إرهايب” كام قلت‪ ،‬هو‬
‫ذلك اإلميان –الذي ال أسباب عقالنية له‪ -‬بإمكان وجود حقيقة‬
‫مطلقة وبإمكان امتالكها و”التبشري” بها ونرشها وفرضها بالق ّوة‪،‬‬
‫عرب “فتح” املناطق والبلدان التي ال تؤمن بها‪ ،‬أو حتّى تلك التي‬
‫تؤمن بها ولكن “زاغت” عنها عىل هذا النحو أو ذاك‪ .‬هذا اإلميان‬
‫يرتبط غالبا باملق ّدس‪ ،‬املق ّدس الديني تحديدا (حتّى إن وجدت‬
‫بعض مظاهر أخرى‪ ،‬إيديولوجية مثال‪ ،‬تتّخذ تلوينات من القداسة‬
‫الدينية)‪ ،‬الذي يحمل يف داخله رفضا عميقا للحياة باعتبارها‬
‫جرمية‪ ،‬باعتبارها “خطيئة أصلية”‪ .‬من مث ّة يصبح الجسد يف ح ّد‬
‫ذاته عبئا باعتباره مسكنا أ ّول للخطيئة‪ .‬أ ّما مسكنها اآلخر فهو‬
‫العامل “الدنيوي” نفسه‪ .‬من مث ّة تأيت تلك النزعة التدمريية القامئة‬
‫عىل الكراهية‪ ،‬كراهية الحياة يف الذات كام يف اآلخر‪ ،‬واالضطغان‬
‫(‪ )ressentiment‬إزاءها‪ .‬واالضطغان عند نيتشه هو ذلك‬
‫اإلحساس االنفعايل السلبي الذي يسكن عادة الكائنات املفتقرة‬
‫ملستطاعات إبداعية والتي تن ّمي بداخلها (بفعل رفض الحياة‬

‫والحب والفرح‪،‬‬
‫لكل ما يرمز إىل الحياة‬
‫وتجرميها) كراهية جذرية ّ‬
‫ّ‬
‫وعادة ما يكون االضطغان متل ّبسا باإلحساس (الالم ّربر) بالضيم‪.‬‬
‫ويزداد األمر تعقيدا ومدعاة إىل جهد تفكييك دقيق مل ّا تتلبّس‬
‫تلك األسباب الذهنية والنفسية‪ ،‬عىل قاعدة رؤية أخالقوية للذات‬
‫واآلخر والعامل ذات خلفيات الهوتية وميتافيزيقية‪ ،‬باعتبارات‬
‫حضارية وأخرى اجتامعية‪ .‬إ ّن القهر الحضاري الذي تعيشه‬
‫الشخصية (الفردية والجامعية) العربية اإلسالمية اليوم (منذ انهيار‬
‫اإلمرباطورية العثامنية واحتالل القوى االستعامرية الصاعدة عىل‬
‫املناطق التي كانت تهيمن عليها تحت لواء «الخالفة) مثال متولّد‬
‫من رضب من الرنجسية الحضارية املجروحة ‪ :‬كيف لـ»خري أ ّمة‬
‫أخرجت للناس» أن تغدو عىل هذه الدرجة ومن الهوان والدونية‬
‫مقارنة بغريها من األمم؟‬
‫أ ّما البعد االجتامعي للظاهرة فهو مرتبط بتلك القطاعات الواسعة‬
‫من امله ّمشني واملقهورين‪ ،‬يف األحياء الشعبية الكربى ويف املناطق‬
‫املفقّرة واملستبعدة من شتّى أشكال الحقوق االقتصادية والسياسية‬

‫والثقافية‪ ،‬الذين أنتجتهم سياسات هذه الدول املرتهنة بالكامل‬
‫للدوائر االستعامرية بعد االستقالالت الشكلية التي مل تنتج سوى‬
‫نادرا حكومات وطنية مستقلّة فعليا‪ .‬تلك األحياء واملناطق باتت‬
‫إذن مجاال خصبا لتنامي ظواهر االنحراف والتهريب والجرمية‬
‫كل‬
‫التعصب الديني الناتج عن اليأس من ّ‬
‫املنظّمة‪ ،‬إىل جانب‬
‫ّ‬
‫إمكان ّ‬
‫كل الطاقات الحيوية‬
‫لرتق اجتامعي‪ ،‬فيت ّم بواسطته تحويل ّ‬
‫إىل طاقات تدمريية للذات كام لآلخر‪.‬‬
‫ذكرت أن اإلرهاب ليس ظاهرة حديثة بل قديمة جدا‪،‬‬
‫فما الذي جعلها تتحول منذ بضعة عقود من الزمن إلى‬
‫وباء عالمي كوني؟‬
‫ فعال‪ .‬وهذا بعد آخر ينضاف إىل تلك املذكورة آنفا ‪ :‬خصوص ّية‬‫كل سلطة‬
‫اللحظة التاريخية من تط ّور الرأساملية العاملية‪ .‬تحتاج ّ‬
‫هيمنية دوما إىل عد ّو تص ّوره عىل درجة من الق ّوة ومن «الخبث»‬
‫الذي يجعله خطرا مطلقا عىل البرشية جمعاء‪ .‬وتوظّف ذلك‬

‫الخطر‪ ،‬والخوف املتولّد عنه‪ ،‬يف تربير سياساتها عىل شتّى األصعدة‬
‫كل األفراد واملجموعات التي تناهض وتقاوم تلك‬
‫ويف تخوين ّ‬
‫سلمي‪ .‬إىل حدود نهاية‬
‫ى‬
‫ت‬
‫ح‬
‫أو‬
‫عنيف‬
‫عىل‬
‫الجائرة‪،‬‬
‫السياسات‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫الثامنينات‪ ،‬كان ذلك العد ّو الرضوري هو «امل ّد األحمر»‪ .‬ومع‬
‫انهيار ما كان يس ّمى باملعسكر الرشقي‪ ،‬كان الب ّد من «إنتاج»‬
‫عد ّو آخر‪ ،‬عد ّو رهيب وقادر عىل تهديد األمن والسلم يف العامل‬
‫ورضب منط العيش عىل الطريقة الغربية‪...‬إلخ‪...‬ويحسن طبعا أن‬
‫األقل) وغري مح ّدد املعامل‬
‫يكون هذا العد ّو غامضا (تنظيميا عىل ّ‬
‫كل املامرسات مهام‬
‫حتّى يت ّم باسم «الحرب الشاملة» عليه تربير ّ‬
‫كانت فظاعتها ومهام كانت درجة تنافيها مع املبادئ والقيم‬
‫التي ت ّدعي الليربالية الدفاع عنها‪ .‬لقد وظّفت الرأساملية العاملية‬
‫تصب‬
‫مختلف تلك العوامل التي أتينا عليها منذ حني‪ ،‬لتجعلها ّ‬
‫كلّها ضمن اسرتتيج ّياتها الجديدة يف الهيمنة املطلقة عىل العامل‬
‫ومق ّدرات الشعوب بعد زوال «الخطر الشيوعي»‪ .‬وال فائدة يف‬
‫بكل تلك األسلحة األمريكية واملع ّدات‬
‫التذكري‪ ،‬تدليال عىل ذلك‪ّ ،‬‬
‫كل م ّرة لدى اإلرهابيني‪ ،‬ناهيك‬
‫والتجهيزات التي يعرث عليها يف ّ‬
‫عن شتّى أشكال الدعم واالحتضان التي حظي بها زعامء الحركات‬
‫أسايس مع‬
‫املسمة زورا «معتدلة» والحال أنّها يف تناغم‬
‫اإلسالمية ّ‬
‫ّ‬
‫التنظيامت األش ّد غل ّوا وعنفا‪.‬‬
‫ يرى سامويل هنتنغتون‪ ،‬هذا الخبير في مجلس األمن‬‫الوطني األمريكي‪ ،‬في كتابه «صدام الحضارات» سنة‬
‫‪ 1996‬أن الشعوب ستتحد مستقبال حسب توافقاتها‬
‫الثقافية الحضارية‪ ،‬وأن الصدام بين الحضارات ال مفر‬
‫منه‪...‬أال يعتبر هذا الموقف ‪ -‬الرؤية مؤسسا لما صار‬
‫يعرف اليوم بصناعة اﻹرهاب؟ أي أساس العولمة‬
‫الليبرالية المتوحشة؟!‬
‫ هذا بالضبط ما كنت أحاول رشحه إجابة عىل السؤال السابق‪:‬‬‫إ ّن «مفكّرين» مثل راولس وفوكوياما وهنتنغتون وغريهم مكلّفون‬
‫كل م ّرة مت ّر فيها الهيمنة‬
‫بصياغة القوالب النظرية الجديدة يف ّ‬
‫الرأساملية عىل ثروات العامل ومق ّدرات الشعوب من مرحلة إىل‬
‫أخرى‪ .‬ينتج هؤالء الفالسفة رضبا من «الرأسامل املفهومي»‬
‫(التعاقدية الجديدة‪...‬نهاية التاريخ‪...‬رصاع الحضارات‪...‬إلخ‪ ).‬التي‬
‫وتوسع ومزيد‬
‫ترسخ يف العقول املتلقّية رشوط استدامة الهيمنة ّ‬
‫ّ‬
‫طغيان النظام الرأساميل عىل األصعدة االقتصادية والسياسية‬
‫والثقافية واإلعالمية‪.‬‬
‫تو ّقفت عند األبعاد الحضاريّة والنّفسيّة لظاهرة‬
‫اإلرهاب‪ ،‬فماذا لو تحدّثنا بأكثر تفصيل عن العوامل‬
‫السّوسيولوجيّة‪ .‬كيف تفسّر مثال المفارقة التّالية‬
‫وهي أ ّن عددا كبيرا من التّونسيين ممّن التحقوا‬
‫بالجماعات اإلرهابيّة غير المؤمنة بالدّولة المدنيّة‬
‫والحداثة هم من خرّيجيّ مدارسنا المدنيّة أو‬
‫الجمهوريّة؟‬
‫أبناء املدارس الحداثيّة م ّمن اعتنقوا هذه العقيدة التّكفرييّة‬
‫الحضاري‪ .‬فانطالقا من‬
‫اإلرهاب ّية هم من تح ّدثنا عنهم يف البعد‬
‫ّ‬
‫النجسيّة الجامعيّة والفرديّة املجروحة‪ ،‬تجعلهم يعتربون‬
‫فكرة ّ‬
‫أنفسهم ضحايا لنظام يسحق مرجعياتهم ال ّنفس ّية والحضاريّة‬
‫فيامرسون عليه وعىل ذواتهم أيضا نوعا من العنف األقىص فيصبح‬
‫املوت بال ّنسبة إليهم هو الهاجس الطّاغي‪ .‬مبعنى أن التّاناتوس ‪le‬‬
‫‪ tanatos‬أي ال ّرغبة يف املوت هي الّتي تح ّركهم أكرث من إيروس‬
‫‪ Eros‬أو بيوس ‪ Bios‬أي من ال ّرغبة يف الحياة‪ .‬لك ّن الظّاهرة‬
‫األخرى امله ّمة الّتي الحظها الكثريون لكن الب ّد من تفكيكها هو‬
‫انتامء عدد كبري ج ّدا م ّمن يلتحقون بهذه العصابات اإلرهاب ّية‬
‫ويقع انتدابهم وتكليفهم بعمليات انتحاريّة إىل األحياء الشّ عبيّة‬
‫واملناطق املفقّرة واملقص ّية‪ .‬فاملجموعة الّتي قيض عليها مؤ ّخرا يف‬
‫بن قردان ينتمي أغلب عنارصها اإلرهابيّة إىل األحياء الشّ عبيّة‬
‫والسيجومي‪..‬‬
‫كحي التّضامن واملنيهلة ّ‬
‫املحيطة بتونس العاصمة ّ‬
‫هؤالء هم أناس قد فقدوا األمل ومل يجدوا يف ال ّدولة التّونسيّة‬
‫عرب تاريخها الحديث ومنذ عهد البايات غري االستبعاد والتّهميش‬
‫سيايس ومن املشاركة يف الفعل‬
‫أي قرار‬
‫واإلقصاء بل أبعدوا متاما من ّ‬
‫ّ‬
‫كل حقوقهم االجتامع ّية واالقتصاديّة‬
‫يايس وحرموا كلّ ّيا من ّ‬
‫ّ‬
‫الس ّ‬
‫بالضورة إىل‬
‫الحق‪ .‬هذا ما يفيض ّ‬
‫الحق يف ّ‬
‫بل مل يكن لهم أصال ّ‬
‫تنامي هذا الشّ عور باالستبعاد وعدم االنتامء إىل هذه األرض وهذا‬
‫املجتمع الّذي يعيش فيه هؤالء األشخاص عىل جميع املستويات‬

‫والصحيّة‪.‬‬
‫االقتصاديّة واملعيشيّة واالجتامعيّة والثّقافيّة واملعرفيّة ّ‬
‫هكذا تصبح مرجعياته مرجعيات أخرويّة ضف إىل ذلك الحركات‬
‫اإلسالمويّة الّتي ت ّدعي االعتدال والوسطيّة الّتي تشتغل بتسارعات‬
‫مختلفة‪ .‬فهذه األخرية تركّز أنشطتها يف جوامع يف أحياء شعب ّية‬
‫وتنصب أميّة من أكرث ال ّناس تش ّددا يف نفس الوقت‬
‫وتسيطر عليها ّ‬
‫اإلعالمي ال ّرسمي بخطاب‬
‫الخطاب‬
‫مستوى‬
‫عىل‬
‫الّذي تنطق فيه‬
‫ّ‬
‫وعرصي الخ‪...‬‬
‫ووطني‬
‫معتدل‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫إذا كان القهر االجتماعي والنّفسيّ من العوامل‬
‫األساسيّة وراء الجنوح إلى اإلرهاب فماذا عن القهر‬
‫الوطنيّ‪ ،‬وإرهاب الدّولة؟ كيف نميّز بين التجاء‬
‫مجموعات ما إلى العنف القاتل لفرض عقيدة مّا على‬
‫بقيّة مكونات المجتمع والتجاء شعب مّا كالشّعب‬
‫الفلسطينيّ مثال إليه لمقاومة المستعمر من أجل‬

‫التّحرّر خاصّة أمام عدم اعتراف أغلب الدّول الغربيّة‬
‫في تشريعاتها بحقّ المقاومة؟‬
‫بالفعل‪ ،‬كانت فرنسا عىل سبيل املثال تنعت املناضلني يف تونس‬
‫والجزائر باإلرهاب (الفالّقة) ألنّهم ميارسون عمليات «تقتيل» ض ّد‬
‫بعض املع ّمرين أو الجنود م ّمن احتلّوا أرضيهم‪ .‬إذن تصبح كلمة‬
‫كل طرف من أجل ابتذال‬
‫اإلرهاب نفسها كلمة غامئة يستعملها ّ‬
‫اآلخر وتدنيسه وتجرميه حتّى لو كان هذا اآلخر يدافع عن قض ّية‬
‫الوطني‪ .‬لكّن من الجهة األخرى نجد‬
‫نبيلة مثل قض ّية التّح ّرر‬
‫ّ‬
‫الوطني‬
‫مناضلني فرنسيني أنفسهم كانوا يساندون حركة التّحرير‬
‫ّ‬
‫وطني بل وساهموا يف‬
‫يف الجزائر عىل اعتبار أنّها حركة تح ّرر‬
‫ّ‬
‫العمليات العنيفة ض ّد املستعمر‪ .‬ففي اللّحظة الّتي تشعر فيها‬
‫السبل متاحة ومرشوعة من أجل‬
‫بأ ّن وطنك مغتصب تصبح ّ‬
‫كل ّ‬
‫تحريره‪ .‬وهذه مقاومة وليست إرهابا كام يعتربها املستعمر‬
‫لتجريم املقاومني‪.‬‬
‫هل يعني هذا أ ّن القتل كفعل نفي للحياة يكون في‬
‫حاالت معيّنة مشروعا وفي حاالت أخرى مجرّما؟ أال‬
‫يتناقض هذا مع روح التّفكير الفلسفيّ واألخالق‬
‫الفلسفيّة المدافعة عن الحياة كقيمة غير قابلة‬
‫للنّقاش وعن الحقوق اإلنسانيّة السّامية؟‬
‫السلم‬
‫بطبيعة الحال إ ّن الغاية القصوى من فكر الفالسفة هو ّ‬
‫الصورة املثال ّية‬
‫والتّعايش‪ .‬لك ّن التّاريخ ليس ج ّنة وعىل هذه ّ‬
‫اليوتوب ّية‪ .‬إنّه أيضا رصاع ونزاعات فال ميكن أن تكون متسامحا‬
‫إزاء من اغتصب أرضك وحقوقك وخريات بالدك وإالّ فإنّك تقبل‬
‫بالهوان والذ ّّل وبأن تكون مستعبدا‪ .‬انطالقا من هذا فإنّه منذ‬
‫اللّحظة الّتي تصري فيها تقايس من استعامر واستعباد لك ولشعبك‬
‫الحق يف أن تخرج عىل ذلك ال ّنظام وأن‬
‫ولخريات بالدك يكون لك ّ‬
‫األسايس‬
‫املبدأ‬
‫ن‬
‫أل‬
‫ر‬
‫ر‬
‫ح‬
‫ت‬
‫ال‬
‫أجل‬
‫من‬
‫بكل الوسائل املمكنة‬
‫تقاوم ّ‬
‫ّ‬
‫ّ ّ‬
‫ّ‬
‫واملق ّدس الوحيد يف تاريخ البرشيّة هو الح ّريّة واالستقالل ّية‪.‬‬
‫في هذا السّياق يقول جون بودريا ر �‪Jean Boudril‬‬
‫‪ - lard‬وهو ّ‬
‫مفكك للعولمة وللعنف الّذي تمارسه ‪-‬‬
‫في مقال مشهور بعنوان «روح اإلرهاب» نشره في‬
‫صحيفة لوموند بعيد أحداث ‪ 11‬سبتمر ‪« 2001‬إنّهم‬
‫هم (يعني اإلرهابيين) من قاموا بهذه األحداث‬

‫‪10‬‬

‫الخميس ‪ 1‬أكتوبر ‪ - 2020‬املوافق لـ ‪ 14‬صفر ‪ 1441‬هـ ‪ -‬العدد ‪90‬‬

‫‪11‬‬

‫الخميس ‪ 1‬أكتوبر ‪ - 2020‬املوافق لـ ‪ 14‬صفر ‪ 1441‬هـ ‪ -‬العدد ‪90‬‬

‫محور خاص بالفقيد ‪...‬‬
‫اإلرهابيّة لكنّنا نحن (ويقصد الغرب اللّيبراليّ) من‬
‫أردناها»‪ .‬أليست العولمة اللّيبراليّة إذن شكال من‬
‫أشكال اإلرهاب؟‬
‫مث ّة أشكال متع ّددة لإلرهاب‪ .‬فإرهاب ال ّرأسامليّة املعوملة كام‬
‫تح ّدثنا عنه يف البداية يف أبعاده الثّالثة األساس ّية من سلعنة‬
‫يل وثاوي من اإلرهاب‪.‬‬
‫وتنميط أو رقمنة وتبهيم هو شكل داخ ّ‬
‫أن تنتج هذه العوملة جملة من اآلليات الّتي متحو وتفسخ بها‬
‫كلّيا خصوصيّة وفرادة وإبداعيّة أفراد أو مجموعات فهو شكل‬
‫من األرهاب‪ .‬وأن تقيم نوعا من املق ّدسات مثلام تفعل ال ّدوائر‬
‫اإلمربياليّة مع ما يس ّمى «دولة إرسائيل» باعتبارها مق ّدسا‬
‫ومنوذجا وواحة من ال ّدميقراطية وسط صحراء من ال ّدكتاتوريات‬
‫والتّخلّف هو أيضا شكل من اإلرهاب املرتبط بالعوملة‪ .‬ومن مث ّة‬
‫كل شخص ينتمي إىل هذه «ال ّدولة» يصبح مق ّدسا وتكون‬
‫فإ ّن ّ‬
‫قيمته مساوية لقيمة آالف األشخاص اآلخرين‪ .‬فيكون ر ّد فعلها‬
‫يل»‪ .‬هذا ناجم‬
‫بالتّايل قتل ألف فلسطيني مقابل فرد «إرسائي ّ‬
‫الصهيو ّين كيان مق ّدس‬
‫عن خلق صورة معيّنة هي أ ّن الكيان ّ‬
‫باسم ما كان قد تع ّرض له من محارق أو استثناء أو معاداة‬
‫للساميّة الخ فيصبح للمنتمني له قيمة أرفع من البقيّة وت ّربر‬
‫ّ‬
‫رشعي عن ال ّنفس‪ .‬هذا إذن‬
‫دفاع‬
‫ّها‬
‫ن‬
‫بأ‬
‫ة‬
‫ي‬
‫الجامع‬
‫املجازر‬
‫تلك‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫شكل من اإلرهاب يقوم عىل إنتاج تفاوت عىل مستوى االنتامء‬
‫معي يعطيه قيمة مضافة‬
‫لألشخاص من منطلق انتامئه إىل كيان ّ‬
‫مقارنة بغريه من األشخاص‪.‬‬
‫رصح بوجود تخطيط أو اسرتاتيجيا غرب ّية‬
‫قولة بودريار ت ّ‬
‫لصناعة اإلرهاب تكون فيها الجامعات اإلرهابيّة أداة لل ّرأسامليّة‬
‫السياق أيضا يعترب سمري أمني أ ّن‬
‫العامل ّية املتو ّحشة‪ .‬ويف هذا ّ‬
‫كل املجموعات والتّنظيامت واألحزاب الديّنيّة يف الوطن العر ّيب‬
‫ّ‬
‫دون استثناء إنّ ا هي ذراع لل ّدوائر اإلمربيال ّية العامل ّية ولسياساتها‬
‫ورشكاتها العابرة لألوطان‪ .‬هل لك أن توضّ ح لنا أكرث هذه العالقة‬
‫وأهدافها؟‬
‫من املعلوم أ ّن اإلخوان املسلمني يف أ ّول نشأتهم يف مرص كانت‬
‫لديهم عالقات مبارشة تنظيم ّيا مع ال ّدوائر االستعامرية الربيطان ّية‬
‫أ ّوال ومع الوهابيّة الّتي كانت مت ّولهم ثانيا‪ .‬إذن ال ّ‬
‫شك يف أنّهم‬
‫كل الحركات‬
‫ذراع من أذرع ال ّرأسامل ّية العامل ّية‪ .‬وقس عىل ذلك ّ‬
‫اإلخوانيّة يف األقطار العربيّة مبا فيها تونس‪ ،‬فهي قد نشأت يف‬
‫كل‬
‫عالقة مبامرسة هيمن ّية كانت متارسها ال ّدول يف ال ّداخل وض ّد ّ‬
‫األنفاس التّح ّرريّة والتّق ّدميّة‪ .‬ففي تونس مثال من املؤكّد والثّابت‬
‫اإلسالمي الّتي صارت اليوم تس ّمى بحزب ال ّنهضة‬
‫أ ّن حركة االت ّجاه‬
‫ّ‬
‫ستوري ملقاومة‬
‫قد خلقت يف عالقة مبارشة بالحزب االشرتايكّ ال ّد‬
‫ّ‬

‫محور خاص بالفقيد ‪...‬‬

‫السبعينات‪ .‬وقد ح ّدثني ال ّدكتور‬
‫امل ّد‬
‫ّ‬
‫اليساري يف الجامعة يف فرتة ّ‬
‫الشيف بواقعة لها داللة كبرية‪ .‬فالحبيب بورقيبة كان يطّلع‬
‫مح ّمد ّ‬
‫عىل تحرير أفضل مقال يف الفلسفة الحائز عىل أفضل عدد خالل‬
‫السبعينات فهاله أ ّن أحدها كان مصبوغا متاما بالفكر األحمر‪.‬‬
‫ّ‬
‫السجن وبدأت الجامعة تفلت من‬
‫يف‬
‫آفاق‬
‫جامعة‬
‫كانت‬
‫حينها‬
‫ّ‬
‫البورقيبي‪ .‬فاجتمع بوزرائه وتساءل عن كيفيّة‬
‫سيطرة ال ّنظام‬
‫ّ‬
‫معالجة هذه املسألة‪ .‬فكان من بني االقرتاحات األساس ّية أن يت ّم‬
‫تعريب اإلنسانيات يف الباكالوريا وبرمجة التّفكري اإلسالمي للتّص ّدي‬
‫ملا يس ّمى االت ّجاهات الحديثة‪ .‬ومن بني الربامج الّتي صارت تد ّرس‬
‫اإلسالم واالتّجاهات اإللحاديّة وعىل رأسها ال ّداروينيّة والفرويديّة‬
‫اإلسالمي‬
‫واملاركس ّية‪ .‬ويف نفس الفرتة ت ّم تكني جامعة االت ّجاه‬
‫ّ‬
‫من مجلّة املعرفة الّتي ستطبع يف مطابع جريدة العمل‪ ،‬كام ت ّم‬
‫الص ّياح الّتي كانت تالحق الطّلبة والتّالميذ‬
‫إلحاقهم مبيليشات ّ‬
‫وال ّناشطني اليساريني وال ّنقابيني‪ .‬من مث ّة تك ّونت حركة االتّجاه‬
‫الإلسالمي الّتي تح ّولت فيام بعد إىل حزب ال ّنهضة الّذي كان يعلن‬
‫ّ‬
‫انتامءه رصاحة إىل تنظيم اإلخوان املسلمني رغم أنّهم يحاولون‬
‫اإلسالمي صار‬
‫اليوم إنكار ذلك‪ .‬ولكن حني قوي نفوذ االتّجاه‬
‫ّ‬
‫السيناريو نفسه تك ّرر يف إفغانستان‪،‬‬
‫عد ّوا لل ّنظام‬
‫البورقيبي‪ .‬هذا ّ‬
‫ّ‬
‫وفيتي‬
‫الس‬
‫د‬
‫امل‬
‫ملقاومة‬
‫طالبان‬
‫ة‬
‫ي‬
‫عود‬
‫والس‬
‫أمريكا‬
‫خلقت‬
‫فبعد أن‬
‫ّ‬
‫ّ ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫صارتا تعتربانها عدوة وحركة إرهابيّة وهو ما يحدث اليوم أيضا‬
‫مع حركة داعش اإلرهاب ّية‪ .‬إذن‪ ،‬ليست هذه األحزاب والجامعات‬
‫اإلسالمويّة سوى ذراعا لل ّرأسامليّة املعوملة‪.‬‬
‫السياسة ال ّرسم ّية يف بالدنا عىل أ ّن الثّقافة هي‬
‫منذ فرتة‪ ،‬تؤكّد ّ‬
‫اللّبنة األوىل واألساسيّة يف مقاومة اإلرهاب والتّط ّرف‪ .‬لكن أال‬
‫ظل غياب‬
‫يصبح ذلك من باب املهاترات والكليشيهات الفارغة يف ّ‬
‫كل لسياسة تنمويّة شاملة؟‬
‫ّّ‬
‫من املؤكّد أ ّن ال ّدعوة إىل تنمية املعرفة والثّقافة والذّكاء واإلبداع‬
‫مجتمعي‬
‫باعتبارها األسس الّتي ميكن أن ينهض عليها بناء مرشوع‬
‫ّ‬
‫وسيايس جديد بإمكانه ان يص ّد هذه الظّواهر املرض ّية مثل‬
‫وثقا ّيف‬
‫ّ‬
‫اإلرهاب واالنحراف وغريهام هي دعوة صحيحة‪ .‬لك ّن املحزن حقّا‬
‫والسياسة ال ّرسم ّية‬
‫هو أ ّن املنتوج الثّقا ّيف الّذي ير ّوج له اإلعالم ّ‬
‫الفولكلوري وطابع الكيتش‪ .‬من ذلك‬
‫اليوم يغلب عليه الطّابع‬
‫ّ‬
‫أ ّن طريقة االحتفال مبرور ستّني سنة عىل استقالل تونس كانت‬
‫الحق الّتي ميكن أن تكون‬
‫فلكلوريّة متاما وال عالقة لها بالثّقافة ّ‬
‫ص ّدا لإلرهاب‪ .‬فالثّقافة الحقيق ّية الّتي ميكنها أن تكون قادرة‬
‫باالجتامعي‬
‫عىل مقاومته هي أ ّوال املرتبطة ارتباطا عميقا ووثيقا‬
‫ّ‬

‫واملعييش يف حياة ال ّناس باألحياء الشّ عبيّة‪ ،‬بحياة هؤالء املرتوكني‬
‫ّ‬
‫السياسيون إالّ عند االحتفاليات الفلكلوريّة‬
‫ّرهم‬
‫ك‬
‫يتذ‬
‫الّذين ال‬
‫ّ‬
‫البائسة أو قبل االنتخابات باعتبارهم أرقاما يف بطاقات تعريف‬
‫السلوك من تعايل واحتقار‪ .‬بهذه‬
‫وأصوات تشرتى ّ‬
‫بكل ما يف هذا ّ‬
‫كل معنى إذا ج ّرد وفصل عن االجتامعي‬
‫الطّريقة‪ ،‬يفقد الثّقا ّيف ّ‬
‫الحيوي املتعلّق بأجساد ال ّناس وعالقاتهم اليوم ّية فيام‬
‫واملعييش‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ويظل الخطاب عن الثّقافة خطابا‬
‫بينهم ونفسياتهم ومعاناتهم‪ّ .‬‬
‫إعالم ّيا فوق ّيا ومج ّرد شعار أجوف‪ .‬من هنا انبثق مرشوع فكرة‬
‫الجامعة الشّ عبيّة الّتي تذهب إىل ال ّناس يف القسمة والقرب‬
‫واقتصادي ومعر ّيف وثقا ّيف وف ّن ّي‬
‫اجتامعي‬
‫واملشرتك‪ .‬مث ّة مشرتك‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫تقاسم بني ال ّناس وأن يت ّم تثمينه والذّهاب به إىل‬
‫ينبغي أن يُ َ‬
‫األقىص دون تعايل ودون تعامل ودون تلقني ودون أيّة أبعاد‬
‫تسلّط عليهم وتجعلهم مج ّرد متلقّني مستهلكني ملنتوج ثقا ّيف‬
‫معي‪ .‬كام ينبغي أن ندرك أ ّن ال ّنظام القائم‬
‫أو ف ّن ّي أو معر ّيف ّ‬
‫بكل اآلليات الّتي يشتغل بها هو أيضا مج ّرد منظومة وقع‬
‫حاليّا ّ‬
‫إنتاجها وتسويقها وتثبيتها عىل نحو أنّها تصبح نوعا من الواجهة‬
‫املوهمة بأنّها ض ّد اإلرهاب‪ .‬فإذا كان من مك ّونات الحكومة‬
‫الحال ّية أشخاص تأكّد أنّهم ضالعون يف العمليات اإلرهاب ّية ويف‬
‫السالح وتخزينه وتسهيل أنشطة اإلرهابيني‬
‫تسهيل ترسيب ّ‬
‫ال ّدعويّة وغريها ويف اغتياالت سياس ّية ويف تصالح مع مافيات‬
‫تنتمي إىل الت ّجمع وورثته فكيف ميكننا تص ّور أن يكون هؤالء‬
‫ض ّد اإلرهاب؟؟ إذن ال ب ّد أن يدرك الجميع أ ّن مث ّة مغالطة‬
‫كربى يف هذا التّمييز بني أحزاب إسالمويّة معتدلة وجامعات‬
‫إرهاب ّية قادمة من الخارج‪ .‬فهؤالء من إنتاج مك ّونات موجودة‬
‫اآلن يف نظام الحكم الحا ّيل يوزّعون األدوار فيام بينهم بني‬
‫متش ّدد وعنيف من جهة وبني معتدل هو يف املامرسة الفعل ّية‬
‫منخرط أصال يف تلك املنظومة التّي هي بدورها مرتبطة بال ّدوائر‬
‫ال ّرأسامل ّية املعوملة‪.‬‬
‫أنت مختص وكاتب في الفلسفة واإلنسانيات ومهتمّ‬
‫بالشّأن العموميّ وبالسّياسة في معناها الشّامل‬
‫والعامّ ومن مؤسّسي الجامعة الشّعبيّة ولكنّك‬
‫أيضا كاتب روائيّ صدرت لك مجموعة قصصيّة‬
‫«اآلخر» ورواية «في انتظار الحياة» وتستعد اآلن‬
‫لنشر رواية جديدة بعنوان «ماكينة السّعادة»‪ .‬كيف‬
‫ترى دور الرّوائيّ والكتابة اإلبداعيّة ال فقط في‬
‫مقاومة اإلرهاب والتّعصّب بل كذلك في بناء هذا‬
‫المشروع المجتمعيّ واإلنساني الجديد الّذي تحدّثت‬
‫عنه آنفا؟‬
‫من الطّرائف أ ّن روايتي األوىل الّتي فرغت من كتابتها سنة‬
‫‪ 1998‬قد كتبت فيها أحداثا تقول بالضّ بط ما حدث يف ‪ 2005‬يف‬
‫سليامن‪ .‬تح ّدثت عن مجموعة من اإلسالمويني تلتقي يف جامع‬
‫بنب عروس وينظّمون حركة ويستع ّدون للقيام بهجوم مسلّح‬
‫والشطة فتقع نفس األحداث تقريبا يف سليامن كام‬
‫عىل الجيش ّ‬
‫السعادة»‬
‫وصفتها ال ّرواية قبل سبع سنوات‪ .‬ويف رواية «ماكينة ّ‬
‫أيضا أتح ّدث عن مجموعة من الّذين «ميارسون ال ّرياضة» يف‬
‫سمي ويصلّون جامعة‬
‫يني ال ّر ّ‬
‫الواحات ويخرجون عىل ال ّنظام ال ّد ّ‬
‫الصحراء ويتد ّربون عىل ال ّرياضات القتال ّية‬
‫وسط الغابة ويف ّ‬
‫السالح وهم أنفسهم الّذين سيامرسون فيام بعد عمليات‬
‫وحمل ّ‬
‫إرهاب ّية‪ .‬كتبت هذا قبل فرتة من اكتشاف هذه املجموعات يف‬
‫السبعينات حتّى نهاية ‪2005‬‬
‫الواقع ووصفت نشأتها منذ بداية ّ‬
‫– ‪ 2006‬زمن نهاية أحداث ال ّرواية‪ .‬مبعنى آخر‪ ،‬إ ّن لدى اإلبداع‬
‫عري مقدرة عجيبة عىل‬
‫السينام ّيئ أو‬
‫املرسحي أو ال ّروا ّيئ أو الشّ ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫يل لنبض املجتمعات ولفهم الظّواهر حتّى قبل أن‬
‫اخ‬
‫د‬
‫ال‬
‫االنصات‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫تحدث‪ .‬كام ا ّن داخل اإلبداع ال ّروا ّيئ أو غريه مقدرة عىل التّعبري‬
‫عىل الفرادة وعىل االختالف واملغايرة يف ال ّن ّص نفسه‪ .‬أل ّن يف‬
‫هذا األخري أصوات متع ّددة ورؤى مختلفة تتناقض جوهريّا مع‬
‫تلك الفكرة الّتي تح ّدثنا عنها يف البداية الّتي هي ا ّدعاء امتالك‬
‫عصب ومن ث ّم العنف األعمى‬
‫الحقيقة املؤ ّدية إىل شتّى أشكال التّ ّ‬
‫اإلبداعي يف ح ّد ذاته هو مقاومة من‬
‫واإلرهاب‪ .‬بحيث إ ّن الفعل‬
‫ّ‬
‫جهة كونه يبدع من داخل رشوطه‬
‫ّ‬
‫الخاصة إمكانات وجود تذاويتّ‬
‫‪ intersubjectivité‬فيها تع ّدد وتغاير وتن ّوع ض ّد أشكال الواحديّة‬
‫بالضورة إىل تلك‬
‫واإلميان بالحقيقة املطلقة واإلطالقيّة الّتي تؤ ّدي ّ‬
‫الظّواهر العنيفة‪.‬‬

‫غوايات «الزغباني» األخرية‬
‫حسني عبد الرحيم‬

‫حيث اختلط الحلم بالكارثة!‬

‫سيتحدث القرن الواحد‬
‫والعرشين ك»ديلوز»هكذا‬
‫أعلن «ميشيل فوكو» ذات يوم‬
‫من القرن العرشين ومازلنا يف‬
‫العقد الثاين من القرن الواحد‬
‫الصامت!لكن‬
‫والعرشين‬
‫غوايات «ديلوز» الثالث تحدثت‬
‫لبعض الوقت يف «تونس»ثم‬
‫توقفت عن الحديث بفعل‬
‫أزمة قلبية يف «زغبانيا»‬
‫بضاحيةاملروج»بتونس العاصمة‬

‫«كامل الزغباين» ولد ب»حامة قابس»هو من اختارته غوايات‬
‫«ديلوز «ليتحدث بإسمها وبلسانه هو الذي عىل األرجح لن‬
‫ينطلق مجددآ بعد ان وافته املنية مساء أحد األيام من سبتمرب‬
‫يف ضاحية ال تُشبه بأى شكل «غابة الحامة» بنخيلها الوارف‬
‫وال ضاحية «سان ديني» الباريسية بحاناتها الحميمة حيث‬
‫تكلم «ديلوز» بينام كان يُدخن كام لوكان ياكل الدخان محاطآ‬
‫بتالميذه ىف «االمفاتياتر ‪« A‬الذي صار بهم ومعهم يشبه‬
‫«سقراط» املنتحر!‬
‫«أجورا»أغريقية مستحدثة وهو يف وسطها ُ‬
‫إختيار «كامل» ل «چيل ديلوز» لكتابة اطروحة جامعية‬
‫للدكتوراه يف الفلسفة ليس أمرآ غريبآ ملن ورثوا يوتوبيا حركة‬
‫‪ 1968‬سواء كانوا من سكان «الحي الالتيني» أو «حامة‪-‬‬
‫قابس»فوراثة الثورات املنهزمة هو أم ُر شائع بني املثقفني‬
‫!(التصدح منريڤا إال حني يحل الغسق)فأالب» ديلوز» نفسه‬
‫هو من كان املبرش ب ربيع ‪ 68‬ويف ذات الوقت املعلن‬
‫لنهايته يف خطاب ما بعد البنيوية وملحقاتها من تفكيكية‬
‫وعدمية جديدة التنفك أن تتجدد بإستمرار عقب كل هـزمية‬
‫تاريخيةمروعة! مل تكن نواتج «‪ »68‬قد أستوعبت بعد كحركة‬
‫فكرية لتجديد أُطر النظام السائد لتُعلن نهايتها حتى من قبل‬
‫إنتحار «ديلوز» بزمان وبقلمه وعىل لسانه ويف نفس مدرجات‬
‫الجامعة التى أعلنت إنطالقها بشعار «فلنضع الخيال يف‬
‫السلطة»! ومل تكد الثورة يف تونس تبدأ حتى أُعلنت نهايتها‬
‫بانتخاب وزير داخلية بورقيبة «بطريريركآ «ورئيسآ!‬
‫كان «الزغباين» احد ممثيل شبيبة ثورية تعلقت كثريآ بحلم‬
‫تغيري شامل للحياة ودون إدراك بشكل كايف لصعوبة ذلك‬
‫دون توفر الطبقة وألحزب والتي اثبتت النتائج السوفيتية‬
‫نهاية صالحيتهم يف سياق التاريخ الذي مل ينتهي وإزاء هذا‬
‫الفراغ انبثقت السلوى الديلوزية وهي تعبري مزدوج عن نهاية‬
‫السياسة كمدى اسرتاتيجى والدخول يف «مثانينيات»الدرجة‬
‫صفر من السياسة! و»نفاذ صرب الحرية» بحسب «ميشيل فوكو‬
‫«والذي يف معناه الواضح االنتقال من سياسة اإلستيالء عىل‬
‫السلطة ل»السياسة»معاكسة السلطة!‪Anti-pouvoire‬‬
‫«چيل ديلوز» فيلسوف محرتف واستطاع التعبري عن هذا‬
‫االنقالب يف الواقع بخطاب تحلييل فلسفي اليستهدف أن يكون‬
‫الحكمة اإلبتدائية وال النهائية بل مجرد تدخل يف املنتصف!‬
‫الثاليث (فوكو‪ -‬ديلوز ‪-‬نيجري) مثلوا هـذا التحول من ثورة‬
‫مهزومة إلمكانيات التمرد الجزيئ غري اإلسرتاتيچي يف مجرى ال‬
‫«ال حدث»بثالثة أقانيم تحليلية هيكلية!‬

‫التستدعي الفلسفة الحديثة بدايات مؤسسة فأملهم هو‬‫اإلندماج يف حركة وتظهر طبيعة العملية نفسها يف املنتصف‬
‫( ديلوز وجوتاري ‪-‬ألف هضبة) ووظيفة الفلسفة ليس انتاج‬
‫املعني بل املفهوم‪.‬‬
‫الحركةاالفقية «الريزوم ‪-‬الجذربون‪ -‬وليست الرأسية‬‫الشجرية‪-‬هي عملية تشكل كل جديد يف الفكر والفن‬‫واملجتمع دون جذر بل عملية إمتداد وتوزع للرغبات أفقيآ‪.‬‬
‫امللتيتود(املتنوع) (نيجري ‪-‬هاردي)‪-‬التعبري التكويني الزماين‬‫للذات التاريخية الفاعلة‪.‬‬

‫الثقايف باستقالله عن السلطه وكان انتاج كامل يف هذه املرحله‬
‫غري تدريسه للفلسفة هو عمل روايئ واحد! «يف إنتظار الحياة»‬
‫وبعد الثورة رواية «ماكينة السعادة» الذي فاز بجائزة «البشري‬
‫خريف»يف معرض الكتاب وظهر يتسلم الجائزة وهو يرتدي‬
‫قميص «موش مسامح»وكذلك تحريره لكتاب تذكاري عن‬
‫صديقه أستاذ الفلسفة الراحل «سنان العزايب»(فن العرشة)‬
‫وكذلك تجميع ملقاالته النقدية بعنون( أخالط يف البهيمو‬
‫قراطية والثورة)! خالل ذلك كانت مبادرة الجامعة الشعبية‬
‫ب»سيدي حسني»والتي انسحب منها رسيعآ!‬

‫«ديلوز» وفوكو» مبرشين ومعلنني وعالمات رمزية ألزمة مركبة‬
‫ثالثية األبعاد ‪:‬أزمة التاريخانية الحداثية وأزمة إلسرتاتيچية‬
‫التحرر وأزمة للنظرية النقدية!بتعبري آخر ازمة سالح النقد‬
‫ونقد السالح(«دانييل بن سعيد»‪-‬عظمة وبؤس ديلوز ‪-‬فوكو)‪..‬‬
‫ومبعنى آخر االنتقال من سياسة( الشعب‪ -‬الطبقة‪ -٠‬املواطنه‪-‬‬
‫الحدود ‪-‬السيادة) إيل ىش انتقايل عرب عنه «نيجرى‪-‬هوليداي»‬
‫ب»املتعدد»! وهى مظاهر إلفول «براديجم» الحداثة بفروعها‬
‫املختلفةدون بزوغ جديديَستدعى قبل كل شئ حدث مؤسس‬
‫مل تكونه العملية الثورية الشاملة يف ‪ 1968‬كام كانت الثورة‬
‫القارية ‪ !1848‬وهذا هو الرس يف عودة املكبوت الديني كام‬
‫أنبثق بعد الثورة اإليرانية والتى تحمس لها «ميشيل فوكو»بهذا‬
‫املعنى الفرويدي‪.‬‬

‫من املمكن إعتامد املفهوم «البهيموقراطية» كإنجاز‬
‫لل»ألزغباين» يف املجال الديلوزي النتاج املفاهيم وهو مايعني‬
‫يف املقام األول ان هناك عملية ممنهجة من نرش الجهالة‬
‫وكذلك لتحويل االفراد ملجرد تابعني محدودي املقدرة عىل‬
‫التمييز!ولكن الحركة الفعلية يف تكوينات أفقية كانت هي‬
‫املحك الفعيل الختياراته الديلوزية من حيث انتامء هذه‬
‫الحركات لطابع هو «املتنوع» ‪ Multitudes‬الذي يتشكل و‬
‫يتحرك أساسآ ىف شبكات افقية وليس تراتبية شجرية وهذا‬
‫هو املعنى املتضمن يف ظهوره بقميص ل»موش مسامح» اثناء‬
‫تسلمه لجائزة الرواية!‬

‫«كامل الزغباين» اىت من مكان معبأ بذكريات املتمردين‬
‫املنهزمني ف»حامة قابس» تستدعي عىل الفور ذكرى‬
‫«الدغباجي «و «محمد عيل الحامي» وآخرين معارصين‬
‫كأملرحوم»نوفل ناجح»(عشري آخر للزغباين)وهي مبعنى ما‬
‫مأساوية ورمانسية تحررية حتى حدها األقىص!‬
‫أثناء املرحلة ماقبل ثورية كان تأسيس «الكتاب االحرار‬
‫«والذي كان «الزغباين»احد املبادرين من أجل الخروج من‬
‫إحتكار» إيليت ثقايف»سلطوي لتقديم وتقييم املعنى االديب‬
‫والجاميل وللخروج من متاهة املبايعة والتأييد والتى أضحت‬
‫فعل مسئ للمثقف كذات مفكرة وعىل الرغم من النشاط‬
‫املحدود واملراقب كان لهذه املبادرة رشف إنقاذ بعض الفعل‬

‫يف تحريره وتقدميه للنصوص املجمعة لصديقه «سنان‬
‫العزايب» بعنوان «فن العرشة»يتأىت العنرص الجوهرى يف فكر‬
‫«الزغباين»والذي عرب عنه يف أحاديث اخرى مسجلة بتعبري‬
‫«العوملة التى تحول كل منا ألرقام» فالبحث عن «العرشة»‬
‫هو نقيض لعالقات نفعية وهو عودة رمزية للحامة بعالقاتها‬
‫الحميمة ويأيت بعد ذلك العمل الفعيل لتحويل خرابة مهجورة‬
‫بأملروج لحديقة غناء «زغبانيا» ل»حرية نفد صربها» ومل‬
‫تعطها الثورة أي من وعودها الوفرية ومل ينتح عنها سوى‬
‫إعادة أنتاج النظام القديم!وعىل الرغم من الخسارة مل يتنكر‬
‫«كامل» للفعل الثوري الذي اعطانا كام رصح « عىل األقل‬
‫حرية التعبري» لنقول مانقول ونحقق أحالمآ طوباوية صغرية‬
‫عىل األرض!‬

‫‪12‬‬

‫الخميس ‪ 1‬أكتوبر ‪ - 2020‬املوافق لـ ‪ 14‬صفر ‪ 1441‬هـ ‪ -‬العدد ‪90‬‬

‫محور خاص بالفقيد ‪...‬‬

‫كمال الزغباني ‪ /‬أحمد بن صالح ‪ /‬فقيدا السياسة واألدب‬
‫جلّول ع ّزونة‬
‫كمال الزغباني ‪ :‬رحيل مفاجيء بال سابق‬
‫إعالم‬

‫تقديم‪:‬‬
‫املتحصلة عىل‬
‫كنت أعترب رواية كامل الزغباين يف إنتظار الحياة‬
‫ّ‬
‫الكومار الذهبي سنة ‪« 2002‬ق ّمة اإلبداع الروايئ يف تونس‬
‫ويف الوطن العريب‪ ،‬لبنائها املحكم‪ ،‬ورسدها املش ّوق – ونحن‬
‫دامئا حفدة شهرزاد يف حاجة إىل الحكايات التّي ال تنتهي وتحملنا يف‬
‫أجواء غرائبيّة وعجائبيّة تسمو بنا – ولو يف الخيال إىل عوامل يف قطيعة مع‬
‫روتني الحياة اليوم ّية وإكراهاتها الرباقامت ّية – لحاجة روح ّية مغروسة فينا‬
‫تدفعنا دامئا إىل التحليق يف عامل ما فوق االحتياجات املاديّة الغريزيّة –‬
‫ألصل فينا مركّب من الروحان ّيات – وعمق النظر يف رواية كامل الزغباين‬
‫لرتكيبة الشخوص وتعقيد أبعادها ومع كلّ ذلك انسانيّتها الهشّ ة‪ ،‬مع لذّة‬
‫الرسد والحيك»‪.‬‬
‫كان ذلك رأيي – وما يزال – يف هذه الرواية – ق ّدمته – بحضور املؤلّف‬
‫يف مداخلة يل يف بيت الرواية يف جانفي ‪ – 2019‬تحت عنوان محطّات يف‬
‫مسرية الرواية التونسيّة خالل نصف قرن‪...‬‬
‫رحيل مفاجئ وبال سابق إعالم‪:‬‬
‫الجابل بعد دفن كامل‪:‬‬
‫سألت صديقي مح ّمد ّ‬
‫هل أعلمك كامل عىل عزمه الرحيل؟‬
‫نظر إ ّيل بعمق وحرية‪ ...‬وبعد صمت قصري قال‪:‬‬
‫ال والله ‪ ...‬ال !‬
‫عيب كبري أن يرتكنا هكذا ! مبا مق ّدمات وال تفسريات كيفام تكون ! وهو‬
‫أصغرنا ! يذهب هكذا يف س ّن العطاء والخيال‪ ،‬يف عمر ال ‪ 55‬سنة !‬
‫أليس يف ذلك إهدارا للطاقات والقدرات؟ هل نضب خياله الدفّاق؟ أم أ ّن‬
‫مخزون ضحكاته املد ّوية الساخرة من البهمولوجيا *وأصحابها وهم كثّ‬
‫اليوم قد نضب؟‬
‫ال أظ ّن وال أخالني إلّ وأنا أستمع إىل تلك الضحكات املاكرات مد ّوية‬
‫يف فضاء مقربة الجلّ ز الكبري‪ ...‬نعم‪ ،‬ما هي مسموعة ! أال تسمعها؟ أال‬
‫تسمعونها اآلن؟ ها هي نازلة من مكان قربه‪ ،‬من أعايل الجلّ ز‪ ،‬تسابقنا‬
‫إىل باب املقربة !‬
‫أرهفوا األسامع‪...‬‬
‫إ ّن البهمولوجيا تُه ّدد البالد باإلبتالع‪..‬‬
‫يقول كامل الزغباين عن زمن كتابة جزء من نصوصه زمن بن عيل‪:‬‬
‫« إ ّن الحصار كان مرضوبا عىل املنابر القليلة التّي كانت تنرش نصوصه‬
‫بسبب التجويق التبهيمي الذّي كان نظام بن عيل ميارسه عىل عقول‬
‫التونسيّني بالتواطؤ مع جهاز إعالمي منغلق وقمعي ومع وسط ثقايف‬
‫كانت تسيطر عليه عصابات من املنتفعني واملتزلّفني»*‬
‫وقد حاول كامل الزغباين التعريف الدقيق للبهامة (‪ )bêtise‬والحامقة‬
‫(‪ )sottise‬والغباوة (‪ )stupidité‬والبالهة (‪ )idiotie‬والسذاجة (‪)naïf‬‬
‫والكانديد (‪ )le candide‬والصواب (‪ )le bon sens‬والحس املشرتك (‪le‬‬
‫‪ ، )sens sommun‬كلّ تلك املعاين هي معاين ملطّفة للبهامة‪.‬‬
‫إ ّن كامل الزغباين أبدع يف هذا التدقيق اللغوي ليقنعنا حقّا أ ّن القاسم‬
‫املشرتك ألغلب ّية البرش هو محدوديّة الذكاء وعدم الشعور اللّ واعي‬
‫بطغيان البهامة وهو درس فلسفي كبري لنتذكّر دامئا حدودنا وقصورنا‬
‫وبالتايل تفاهتنا‪ .‬ولنتواضع حقّا أمام جالل الطبيعة وجامل الورود والزهور‬
‫وزقزقة العصافري وأنّنا يف اآلخر مخلوقات «تطلق الريح» وتتغ ّوط مثل كلّ‬
‫الحيوانات – فام أبلغ هذا الدرس وما أنفذ قهقهة كاتبنا‪.‬‬
‫كاتب ممتاز‪:‬‬
‫لقد ب ّينت من قبل عبقريّة كامل الزغباين الكاتب بأمثلة عديدة‪ ،‬وأريد‬
‫الرسامني اإلنطباعيّني‬
‫هنا فقط التذكري بلمساته تلك اإليجابيّة – عىل غرار ّ‬
‫تحس‬
‫تكاد‬
‫ال‬
‫فرشاة‬
‫(‪ )Les peintres impressionnistes‬برضبات‬
‫ّ‬
‫لرسوم ارتعاشة املاء وتر ّدد الضوء وهو يشء صعب يتطلّب من القارئ‬
‫استعدادا لتذ ّوق األحاسيس النافرة وتذبذب الحياة يف رعشة الهواء‪...‬‬
‫وكيف أنّه يف رواية يف إنتظار الحياة ‪ -‬مثل ما فعل ‪Gustave Flaubert‬‬
‫حب يف رائعته ‪ Mme Bovary‬فوصف لقاءا لحبيبني‬
‫حني وصف ليلة ّ‬
‫داخل عربة يج ّرها جوادان‪ ،‬وكيف أنّه اكتفى بتصوير عرق الحصانني وهنا‬
‫نحن نرى كامل الزغباين يصف لقاء حبيبني مكتفيا بوصف ذوبان شمعتني‬

‫حتّى النهاية وبوصف انزالق قطرتني من خمر‬
‫ماغون ‪ Magon‬عىل فم الزجاجة‪...‬‬
‫القص لدى كاتبنا‪ ،‬فيها عمق وإيحاء‬
‫تلك فن ّيات ّ‬
‫يعطيان الثقة لثقافة القارئ حتّى يتمتّع وينعم‬
‫بهذا األدب الرفيع‪.‬‬
‫خامتة‪:‬‬
‫فهل أعطى كامل الزغباين كلّ ما عنده عندما ق ّرر‬
‫أن يغادرنا هكذا؟‬
‫يبقى عزاؤنا أن نقرأ مبح ّبة و ٍحرف ّية وموضوع ّية‬
‫ما ترك لنا من روايات وقصص وخصوصا ما تركه‬
‫مخطوطا عىس أن يطبع حتّى نتغذّى به فن ّيا‪.‬‬
‫***‬

‫أحمد بن صالح ‪ :‬شعلة من نشاط‬

‫تقديم‪:‬‬
‫كان يس أحمد‪ ،‬شعلة من ذكاء وشعلة من نشاط‪ ،‬وكنت وأنا تلميذ يف‬
‫الصادق ّية يف ستّينات القرن العرشين‪ ،‬أم ّر كلّ يوم من القصبة‪ ،‬أمام مق ّر‬
‫وزارة املال ّية حال ّيا‪ ،‬مع الساعة السابعة والنصف صباحا ألرى س ّيارة يس‬
‫أحمد – املرسيديس البيضاء – رابضة هناك‪ ،‬فك ّنا نعلم أ ّن صاحبها –‬
‫الوزير القو ّي عندئذ وهو يتح ّمل مسؤول ّية وزارة املال ّية ووزارة التخطيط‬
‫ووزارة اإلقتصاد (الصناعة والتجارة‪ )...‬يعمل منذ الفجر الباكر يدرس‬
‫امللفّات ويتّخذ القرارات قبل حلول املوظّفني‪ ،‬ألنّه سيكون عليه التو ّجه‬
‫صباحا نحو شامل الجمهوريّة التونس ّية‪،‬ليرشف عىل تدشني تعاضديّة مثال‬
‫– وعند الزوال‪ ،‬ال ب ّد له من تر ّؤس اجتامع شعبي عام بوسط البالد‪ ،‬وبعد‬
‫الظهر عليه حضور مزمتر إحدى الشعب بالجنوب التونيس‪ ....‬كان ذلك‬
‫ديدنه كلّ يوم وهو يتنقّل عرب كامل الواليات ويضع حجر األساس ملعهد‬
‫أو معمل أو جرس أو مق ّر شعبة دستوريّة*‬
‫بعض الذكريات معه‪:‬‬
‫ال يفسد الخالف للو ّد قض ّية‪:‬‬
‫كان آخر لقاء معه ‪ -‬رحمه الله – منذ أكرث من سنة – رأيته جالسا يف أحد‬
‫قلت له‪:‬‬
‫اإلجتامعات العا ّمة فتو ّجهت إليه – وبعد تقبيله والسالم عليه ُ‬
‫والتمسك باملبادئ والدفاع‬
‫« يس أحمد‪ ،‬أنت زعيمنا‪ ،‬تعلّمنا منك النضال‬
‫ّ‬
‫عنها واإلستامتة يف ذلك كيفام تكون التضحيات والتفاؤل دامئا واإلرصار‬
‫عىل تحقيق األهداف رغم العراقيل واألقوال والنقد‪ ...‬ومع ذلك فقد جاء‬
‫زمن اختالفنا فيه وافرتقنا‪»...‬‬
‫قاطعني يس أحمد‪:‬‬
‫«إ ّن االختالف ال يفسد للو ّد قص ّية‪.‬‬
‫فعاودت تقبيله قائال‪:‬‬
‫« لقد علمنا تحت إمرتك يف الرسيّة والعلن ّية ومل نر منك إلّ الصرب عىل‬
‫الفرتات الصعبة‪ ،‬وهي كثرية يف حياتك – ونظافة اليد املطلقة – ومل نر‬
‫الخاصة‪ ،‬إنّ ا حلمك األكرب هو مصلحة تونس ال‬
‫فيك أ ّي ميل للمصالح ّ‬
‫غري وذلك منذ تولّيك األمانة العا ّمة لإلتحاد العام التونيس للشغل‪ ،‬وأخذ‬
‫املشعل مبارشة إثر مقتل فرحات حشّ اد (بعد فرتة انتقال ّية قصرية ملحمود‬
‫املسعدي) وإصداعك بربنامج اإلتحاد االجتامعي واالقتصادي لتونس‬
‫املستقلّة ومحاولتك تطبيقه بعد ذلك رغم املعارضني‪.‬‬
‫مشموم بن صالح‪:‬‬
‫وكنت رأيتك أ ّول م ّرة يف جويلية ‪ 1964‬يف سوسة وأنت تُرشف عىل اجتامع‬
‫اصطف عدد من الطلبة‬
‫ض ّم الناجحني الجدد يف شهادة الباكالوريا وقد‬
‫ّ‬
‫وكنت أحدهم وتو ّجهت إليك بالسؤال التايل‪:‬‬
‫الجدد إللقاء أسئلة عليك – ُ‬
‫كيف لك أن تقوم بربنامج التخطيط الثاليث األ ّول – وهو استرشاف زمني‬
‫مم‬
‫لوقت مل يأت بعد – وهل ميكن تاليف املفاجآت والعراقيل املمكنة؟ ّ‬
‫يجعل نسبة نجاح هذه السياسة ضئيلة؟**‬
‫وأظهرتَ غضبا واضحا ودافعت عن فكرة التخطيط بق ّوة وبالحجج‬
‫العقل ّية الكثرية‪ ،‬ضاربا املثل لعديد تجارب الدول االشرتاكية يف العامل‬
‫وخصوصا الدول االسكندينافية وقد أبقيتني واقفا أمامك ألستمع لجوابك‪،‬‬
‫وعند االنتهاء طلبت م ّني االقرتاب وأهديتني مشموم الفلّ الكبري الذّي‬
‫كان معك !‪ ،‬وكانت تلك الهديّة مجال ‹غرية» كثري من األصدقاء !‬
‫يف باريس‪:‬‬
‫وكنت – مع جمع من الطلبة – التقيناك يف سفارة تونس بباريس ربيع‬

‫وساهمت يف النقاش وذلك‬
‫‪ 1968‬بحضور سيادة السفري مح ّمد املصمودي‬
‫ُ‬
‫كنت شاهدته‬
‫بأن أرشت إىل املفارقة بني خطابك حول نجاح التعاضد وما ُ‬
‫قبل أشهر قليلة وأنا أزور تعاضديّة أ ّم العظام بوالية القريوان من الفرق‬
‫عب‬
‫الواضح بني الدعاية الرسميّة (خطاب السيّد الوايل) وواقع الحال الذّي ّ‬
‫لنا عنه املتعاضدون مبارشة حني قالوا لنا‪:‬‬
‫« ال تص ّدقوا الرسميّني‪ ،‬نحن يف التعاضديّة ال ننال من التعاضديّة إلّ مائة‬
‫وخمسني ملّيام وكيلو ونصف سميد وأحيانا نبقى أكرث من نصف شهر‬
‫ننتظر ذلك ‪ -‬فنحن إىل املجاعة أقرب !!‬
‫وغضب م ّني يس أحمد م ّرة أخرى وطفق يقول‪ ،‬هناك صعوبات ال‬
‫وسيتغي وجه تونس نحو األفضل‪.‬‬
‫محالة‪ ...‬ولك ّننا ننظر للمستقبل‬
‫ّ‬
‫بن صالح يف السويد‪:‬‬
‫وصحبته مل ّدة أسبوع يف ستوكهومل لحضور مؤمتر منظّمة اإلشرتاكيّة الدوليّة‬
‫مع ابراهيم حيدر ربيع ‪ 1989‬وهناك عرفت يس أحمد مبارشة وحضور‬
‫بديهته وإشعاع ذكائه ونكته التّي ال تنتهي وج ّو األلفة واملحبّة الخالصني‬
‫ودفئ قربه وحكاياته التّي ال تنتهي عن أصدقائه يف العامل‪ :‬في ّيل براندت‪،‬‬
‫مستشار أملانيا وبرونو كرايسيك‪ ،‬مستشار النمسا وكرنسيك‪ ،‬الوزير األ ّول‬
‫السويدي وكذلك ذكرياته مع بورقيبة وصالح بن يوسف والباهي األدغم‬
‫واملنجي سليم وفرحات حشّ اد والباي املنصف وكيف أنّه مات يف حضنه‬
‫يف مدينة بو ‪( Pau‬جنوب فرنسا)‪...‬‬
‫وبكلمة موجزة‪ ،‬كان اللقاء معه‪،‬سواء يف بيته أو عند مصاحبته يف السويد‪،‬‬
‫كان ح ّيا دامئا ومرحا ج ّدا ومفيدا إىل أعىل الدرجات فكنت أشعر وأنا معه‬
‫باملحبّة والفخر واإلعتزاز‪***.‬‬
‫بن صالح يف بيتي‪:‬‬
‫زارين أحمد بن صالح يف بيتي عند خروجي من سجن بن عيل يوم ‪7‬‬
‫نوفمرب ‪( 1989‬كنت السجني األ ّول للدكتاتوريّة) ونظّم أصدقايئ‪ :‬منري‬
‫الهممي حفل استقبال لطيف بتلك املناسبة حرضه كلّ من‬
‫كشّ وخ وح ّمة ّ‬
‫صالح الحمزاوي وعزيز املاطري ومح ّمد الطاهر الشايب والبشري الصيد‬
‫والتيجاين حرشة واملرحوم عبد الرحامن عبيد‪...‬‬
‫خامتة‪:‬‬
‫ورغم اعرتايض عىل بن صالح اختياراته – كتحالفه مع النهضة مثال‪،‬‬
‫ومحاولة – وهو عىل رأس حركة الوحدة الشعب ّية أن يفرض اختياراته‬
‫الشخصيّة – رغم مناقشتها جامعيّا ونقدها – [ انظر مقايل بجريدة‬
‫الوحدة‪ :‬حركة الوحدة الشعب ّية والبنصالحيون فإنّنا نعت ّز بأنّنا عملنا معه‬
‫واستفدنا من تجربته وتن ّعمنا بصحبته وثقافته املتن ّوعة والعميقة‪.‬‬
‫*أزيلت كلّ تلك الرخامات عند عزله سنة ‪.1969‬‬
‫**يف الحقيقة سمعت هذا النقد من طرف أيب وأخي محمود (الفالحان‬
‫أخي دخل يف علم‬
‫بدون أرض) رحمهام الله – وهام ير ّددان مقوله‪ّ :‬‬
‫ّرب؟!! «‬
‫قص يل بن صالح‪ ،‬عالقته الحميمة ب‪ Erlander‬الوزير األ ّول‬
‫*** ّ‬
‫السويدي مل ّدة ثالثني سنة وتواضعه وسكناه يف دار الشعب وكيف كان‬
‫يأيت يوميّا للوزارة األوىل عن طريق املرتو‪...‬‬
‫**** يف الحقيقة سمعت هذا النقد من طرف أيب وأخي محمود (الفالحان‬
‫أخي دخل يف علم‬
‫بدون أرض) رحمهام الله – وهام ير ّددان مقوله‪ّ :‬‬
‫ّرب؟!! «‬
‫قص يل بن صالح‪ ،‬عالقته الحميمة ب‪ Erlander‬الوزير األ ّول السويدي‬
‫ّ‬
‫مل ّدة ثالثني سنة وتواضعه وسكناه يف دار الشعب وكيف كان يأيت يوم ّيا‬
‫للوزارة األوىل عن طريق املرتو‪...‬‬

‫‪13‬‬

‫الخميس ‪ 1‬أكتوبر ‪ - 2020‬املوافق لـ ‪ 14‬صفر ‪ 1441‬هـ ‪ -‬العدد ‪90‬‬

‫عيو ٌن يراد لها ّأل تبصر‬

‫ّ‬
‫المعطين عن العمل‬
‫إهداء إلى الدّكاترة وحاملي الماجستير واألستاذيّة واإلجازة‬

‫قصة‪ :‬أحمد مال*‬
‫الصغرية بلهفة‪،‬ووضعها‬
‫جمع تلك الوريقات ّ‬
‫الصغري‬
‫بعناية يف محفظة صارت جزءا من عامله ّ‬
‫‪.‬ترافقه أيّام الح ّر والق ّر وتشهد عىل أفراحه‬
‫الصغرية حكاية‬
‫القليلة وخيباته الكثرية‪،‬ولألوراق ّ‬
‫يف منتهى األه ّمية فقد كان يطلب من تالميذه أن‬
‫حصة من كلّ عام درايس‪ ،‬وسيان أن يكون‬
‫يكتبوا ما ع ّن لهم يف آخر ّ‬
‫هو أم هم أو مادرسوه طيلة عام درايس موضوعا لها فأصغر التّالميذ‬
‫وأدناهم مستوى قد ينبّهك إىل هنات يف درسك أو يف تعاملك أفضل‬
‫من أمهر متفقّد قد يزورك ثالث أو أربع م ّرات طيلة مسارك املهني‪.‬‬
‫السنة ال ّدراسية ‪ ...2000/2001‬يغادر القاعة‬
‫تنتهي آخر ّ‬
‫حصة من ّ‬
‫سعيدا ومحزونا يف ذات الوقت‪ ،‬وكان مصدر سعادته لتوفّقه يف‬
‫إنهاء الربنامج وبناء تواصل إنساين مبتعلّمني سيجتازون العام القادم‬
‫امتحان الباكلوريا‪،‬وكان موجوعا أل ّن نسبة منهم قد ال يتس ّنى له رؤيتها‬
‫مجدّدا‪،‬وكان ملهوفا عىل قراءة ما خطّت أناملهم ‪.‬‬
‫كانت شمس أواخر ماي تلهب املنازل واألرض والبرش بش ّواظها‪ ،‬وكانت‬
‫بعض شجريات عىل جانبي الطّريق من تلك الّتي نجت من العطش‬
‫وهجامت العنز تبدو واجمة كأجساد مح ّنطة ع ّن لخرباء علم األحياء‬
‫إيقافها‪،‬وكان الطّريق شبه خال فال سيارات وال د ّراجات ‪،‬وعندما اقرتب‬
‫من مخبزة الشّ ارع ال ّرئييس رأى بعض صبية يخرجون منها مح ّملني خبزا‬
‫ساخنا أو يلجونها وجلّهم ممسك قطعا نقدية مؤكّد أنّها تع ّرقت بفعل‬
‫الحرارة واالحتكاك‪...‬‬
‫األكف املمسكة بخبز ساخن أو بقطع‬
‫كانوا شعثا غربا وبالريب أ ّن ّ‬
‫نقدية برائحة الفسفاط قد استعملت يف مهام أخرى كالّلعب أو العراك‬
‫أو الكتابة‪ .‬ولفت انتباهه طفل يقتطع جزءا من خبزة ويقدّمه لق ّط‬
‫مرقّط صغري‪.‬‬
‫كان املشهد بتفريعاته منطيا‪ ،‬ومل يقو عىل إخفات شوقه لقراءة وريقات‬
‫خطّها تالميذه‪.‬‬
‫وحني اقرتب من منزله كانت طيور الدّوري تهاجم مشمشة جارته‬
‫الصاع‬
‫العجوز كالعادة ‪،‬وقد استنتج ذلك من خالل رسب تطاير فجأة‪ .‬و ّ‬
‫بني العجوز السبعينية وطيور الدّوري ليس غريبا عليه ‪،‬فحني تبسط‬
‫الشّ مس سلطتها عىل املكان وينتبذ السكّان األماكن الظّليلة تفد هذه‬
‫السموق فال أحد يستطيع اعتالءها‬
‫الطّيور املفسدة وتعتيل الشّ جرة ّ‬
‫‪،‬وتحريكها هو الحلّ األفضل للظّفر بثامرها صغرية الحجم شديدة‬
‫الحالوة‪.‬‬
‫والطّريف أ ّن جارته العجوز وطيور الدّوري يعيشان يف وئام طيلة أشهر‬
‫السنة‪ ،‬ث ّم تندلع الحرب بينهام موسم املشمش‪،‬فعىل مدار العام تراها‬
‫ّ‬
‫الشسة باملاء وبقايا الطّعام‪ ،‬وحني يسقط فرخ من‬
‫تز ّود هذه الطّيور ّ‬
‫عش بلون ال ّرماد‪ ،‬وقد تدفع مثنا‬
‫أعشاشها الكثرية تجتهد يف إعادته إىل ّ‬
‫باهضا لذلك كأن تسقط أو تجرح أو يعاود الوجع عمودها الفقري‪...‬‬

‫فرح لعدم انقطاع املياه ‪،‬وسارع باالغتسال واالستحامم فهباءات‬
‫الفسفاط ال ّرقيقة تستسلم فقط للامء الفاتر الكثري‪ ،‬وقراءة رسائل‬
‫تالميذه تقتيض صفاء روحيا ب ّوابته أن يندلق املاء عىل الجسد فريسل‬
‫األخري رسائله إىل الذّهن وال ّروح والوجدان‪.‬والينىس الشّ اب الّذي كان‬
‫السيد املسيح يوم شبّه لهم صلبه رسالة تلميذه ذات عام ‪:‬‬
‫يف عمر ّ‬
‫«أريد أن أكرب برسعة ألعمل وأحمل جدّيت املريضة بال ّروماتيزم إىل‬
‫حا ّمة الجريد أو قرية املحاسن»‪.‬‬
‫كان تلميذه طلعة ومل يعقه جسده الواهن عن املنافسة عىل املراتب‬
‫األوىل‪ ،‬والحظ أ ّن خطّه يصبح عسري القراءة يف الشّ تاء‪ ،‬وعرف بأ ّن‬
‫الصغري كان جسده بؤرة لل ّروماتيزم أيضا‪.‬‬
‫الطّفل ّ‬
‫كانت رسائل تالميذه قد خطّت عىل أوراق صغرية ‪،‬ولكن وريقة صغرية‬
‫جدّا وبحجم علبة الوقيد كانت محكمة الطّي لفتت انتباهه ‪،‬وذكّره‬
‫حجمها بتامئم كان يخطّها أحد جريانهم يف ريفهم البعيد‪،‬وكان يعيش‬
‫بالسمق‪ ،‬وميكن أن يكون‬
‫عىل ما تجود به ال ّنساء مثنا لتامئم يخطّها ّ‬
‫الثّمن مالليم قليلة أو دقيقا أو بيضا أو مترا أو س ّكرا أو حطبا‪،‬وكان‬
‫تيس‬
‫االعتقاد راسخا يف أذهان األهايل بأ ّن «حروز» املولدي الكتّاب ّ‬
‫ال ّزواج ملن تقدّم به ّن العمر‪ ،‬وتفتح أبواب ال ّرزق وتكرث ال ّزبدة يف الّلنب‬
‫وتج ّنب املوايش هجامت الذّئاب ‪،‬وتجعل االمتحان سهال ‪،‬ولك ّن سؤاال‬
‫أربك صاحبنا منذ غرارة صباه‪ :‬كيف لتامئم املولدي أن تنفع حقّا وما‬
‫يشبه الحرب الّذي ترسم به أسامء الّله الحسنى و حروفها و رموزها‬
‫يستحرض من صوف نزخ ملبّد تتخلّله بقايا بعر ركّزها البول والعرق‪.‬‬
‫عقد مشابهة بني متائم ذلك الشّ يخ الّذي جاب بلدان املغرب العريب‬
‫الصغرية محكمة الطّي ودون‬
‫وتتلمذ عىل شيوخ وسحرة وبني الوريقة ّ‬
‫تردّد التقطها بيمناه وفتحها بصعوبة‪.‬‬
‫مفصلة عن ذلك العام‬
‫تدافعت إىل ذاكريت املخلخلة مشاهد مج ّزأة ّ‬
‫بخاصة وأنا ألتقي تلميذي الّذي مل أره منذ‬
‫بعا ّمة وذلك اليوم ّ‬
‫زهاء العرشين عام تقريبا‪ ،‬فهو صاحب ال ّرسالة محكمة الطّي الّتي‬
‫استوقفتني ذلك اليوم‪ .‬كتب تلميذي‪:‬‬
‫أحلم بال ّنجاح يف امتحان الباكلوريا مبعدّل جيّد يخ ّول يل االلتحاق بكلّية‬
‫الطّب لعلّني أكون سببا يف استعادة شقيقتي التّوأم القدرة عىل اإلبصار‪.‬‬
‫نجح تلميذي يف العام املوايل مبالحظة ‪:‬حسن يف امتحان‬
‫الباكالوريا شعبة علوم تجريبية ولك ّنه مل يلتحق بكلّية‬
‫وتحصل عىل الدّكتورا منذ‬
‫الطّب بل و ّجه لدراسة الكيمياء‬
‫ّ‬
‫أعوام سبعة ويشتغل منذ حصل عىل اإلجازة نادال مبقهى‪.‬‬
‫مل أتع ّرف إليه يف البداية ولك ّن ابتسامته يل وسالمه الحا ّر وسؤاله عن‬
‫بلدتنا ومعهدنا جعلني أتوقّع أنّه م ّمن جمعتني بهم قاعات الدروس‪.‬‬
‫السفر فقد قضيت أزيد من عرش ساعات يف قطار‬
‫كنت متعبا من وعثاء ّ‬
‫متهالك تدحرج مساء من املتلوي بلدة البزز ال ّزرقاء والحرارة الظّاملة‬
‫وأقدم البلدات املنجمية ‪....‬كان قطارا متداعية عرباته‪ ،‬وكان سريه يشبه‬
‫انسياب ثعابني سباسبنا موسم طرح أثوابها ‪،‬ففي كلّ محطّة يصل إليها‬

‫قِراءة يف ِرواية «الدجال» لشوقي الصليعي‬
‫سمرية بن مصباح‬

‫ما مييز رواية «الدجال»‬
‫أنها أ ْحيت من الذاكرة‬
‫أصواتا رشقية وغربيّة‪،‬‬
‫أصواتا ُمختَلِف َة املشارب‬
‫فصولَ ال ّرواية‬
‫أثْ َرتْ‬
‫ُ‬
‫منها ما كان ظاهرا جليّا‬
‫يَ ْنتَ ِس ُب ألَ ْص ٍل تناسل منه قدميا أو حديثا‪ ،‬ومنها‬
‫ما كان خَفيّا يّ َ‬
‫هديك إليه بِلط ِْف لَف ٌظ أو تشبي ٌه أو‬
‫ترسخ يف الذاكرة وتَ َح ّولَتْ‬
‫ِعبار ٌة تستدعي َم ْرجعا َ‬
‫يف الخطاب إىل لغة ِب ْك ٍر تُ ْن ِت ُج «ال ّن َص املفرد» لوحة‬
‫فُسيفسائية نَ َج َح صاحبُها يف التنسيق بني قطعها‬
‫حتى َصارت َح َّملَ ًة لجملة من الرسائل ورغم كثاف ِة‬
‫األصوات وتن ُّو ِعها يف رِواية «الدجال» فإنها قادَتْ‬
‫وساعدت عىل َربْ ِط «مفاصل امل َ ْعنى»‬
‫السد َ‬
‫ح َرك َة َّ‬
‫بشكل يستجيب يف م َواطن لذائقة القارئ ولِ َم‬
‫تَواض َع عليه ال َن ْق ُد من ُحدُو ِد التَّ ِ‬
‫ناص وط ُرق إجرائه‬
‫يف الرسد ويُخلُّ يف مواطن أخرى بكُلِّ ذلك فرتاو َحتْ‬
‫«النص امل ُ ْف َر ِد» بني‬
‫ُسلْطة «جمع من النصوص» داخل ّ‬
‫االع ِتدال والشط ِّط‪.‬‬
‫كَشفت األصواتُ عن َولَعِ الكاتبِ بالفلسفة‬
‫ناسلُ من هذ ِه‬
‫واألُسطور ِة والفنونِ واألَدبِ فَهي تَتَ َ‬
‫ِ‬
‫األصوات يف‬
‫ال َعوالِمِ وأجىل مظاه ِر حضو ِر هذه‬
‫ال ّرواي ِة‪ :‬تَ ْق ِني ُة التَ ْص ِدي ِر وهي أكرث التقنيات يف الرواية‬
‫رض فكرة أن «النص املفرد» هو يف الحقيقة «جمع‬
‫ت ِف ُ‬
‫من النصوص»‪.‬‬
‫صدَّر الكاتب شوقي الصليعي رِواية «الدّجال»‬
‫بقو ٍل آلنا أخامتوفا ‪ »» Anna akhmatova‬وهو‬

‫اِسم ُم ْستَ َعا ٌر للشاعرة الروسية آنا ا َندرييفنا ‪Anna‬‬
‫‪ )Andreievna » » (1866-1989‬ثم تَ َن َوعَتْ الرواف ُد‬
‫وتو ّزعَتْ عىل اثنني وأربعني فصال اِستدعي ِخالَلَهاَ‬
‫الكاتب مثانية و عرشين صوتاً غربيا ألدباء و ُمنظّرين‬
‫ُ‬
‫مثل ماركيز‪ -‬سان جون بريس‪ ...‬ورسامني كبيكاسو‬
‫وفالسفة كنيتشه مقابل أربعة أصوات رشقية وهي‬
‫محي الدّين بن عريب‪-‬إبراهيم الكو ِين وتواتر صوته‬
‫لِ ِ‬
‫يف خمسة فصول‪ :‬الفصل الثالث‪-‬الثامن ‪/‬الثاين عرش‪/‬‬
‫الرابع عرش والسابع والثالثني‪ .‬تاله دوقَلة املنبجي –‬
‫املتنبي و أبو فراس الحمداين هذه األصواتُ امل ُ ْعلُ َن ُة‬
‫تتعالق مع مضمون ِه بشك ٍل من‬
‫يف َصدْر كّل فص ٍل‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫ض بيكاسو مثال لإلبالغ عن إبداع ال ّرسامة‬
‫األشكا ِل ف َح َ َ‬
‫ِ‬
‫ً‬
‫الكاتب‬
‫«شارلوت» لوحة أهدتها ابْ َنت َها َم ْريَم و َح َض‬
‫ُ‬
‫الساخ ُر يف الفص ِل الثامن واألربعني املعنون «برمية‬
‫ّ‬
‫ْس أف َُق اِنتظار‬
‫القوس» وهو ا َخ ُر ف ُُصو ِل الرواية ليك ِ َ‬
‫القارئ الذي أ َخ َذتْه ُاألحداثُ املتنامي ُة ن ْحو ما ت ََّص َو َر ُه‬
‫النهاي َة وإذا هو ليس إال يف ُحلمٍ ‪...‬‬
‫إال أن أصواتا أخرى َمبْثُوثَة ًيف فصول الرواية ترصيحا‬
‫األس» يف‬
‫عىل ِغ َرا ِر َما َردَّدتْه ُفتاة «يَ ْغل ُُب عليها َ‬
‫الصفحة الثالث ِة والسبعني ِمن الفصل الثالث عرش‬
‫امل َ َع ْن َونِ ب ‪»:‬أهل الهوى» أليب الطيب املتنبّي‪:‬‬
‫وض*** إِ ْن ِمتُّ ش ْوقاً‬
‫«ما يف هَوا ِدجكُم ِم ْن ُم ْهجتي َع ُ‬
‫ٍ‬
‫َوالَ في َها لَهاَ ثَ ُن أو موظَّ َف ًة يف اِستدْالل كاستحضار‬
‫أسطورة ميديا التي خاَنَتْ َوطنهاَ من أجل عشيِقها‬
‫ما أفىض بها إىل ن ْح ِر صغرييْهاَ‪ »....‬وجاء َصوتُ جورج‬
‫أمادو يف عنوانٍ لروايت ِه الشهرية «ميتتان لرج ٍل واح ٍد»‬
‫وهي نُسخ ٌة يَهب َها ال ّنا ِدلُ الشَّ غ ُ‬
‫ُوف باألدب لعامرة‬
‫الهداجي فأنْهى ق َرا َءتَها يف ِ‬
‫ّريف يف‬
‫ثالث ساعات‪ .‬والط ُ‬

‫يخال املسافر أ ّن الجسم الحديدي قد ق ّرر االعتصام‬
‫وعدم التّقدّم إىل األمام وهكذا يكون حال الثعابني‬
‫أيام تطرح تلك األثواب البيضاء الشّ فّافّة إذ تصبح‬
‫بطيئة الحركة وتعلق بكلّ ما قد يصادفها من‬
‫نباتات وأشواك وحجارة وتبدأ حركاتها املعهودة‬
‫الساعات يف جيئة وذهاب‪.‬‬
‫فتتقدّم وتتأخّر ومتيض ّ‬
‫وصل القطار املحطّة الهثا منهكا وال تسل‬
‫عن حال مسافرين تعتعتهم الكرايس‬
‫الحاقدة‪،‬وسالت أرواحهم قبل أن يسيل العرق من‬
‫أجسادهم‪،‬فمسافة يقطعها قطار ياباين رسيع يف ساعة قطعها قطار‬
‫املتلوي تونس العاصمة يف أزيد من عرش ساعات‪ ،‬وال أنىس تعليق أحد‬
‫املسافرين‪»:‬متوت ناس وتحيا ناس ومانوصلوش للعاصمة»‪.‬‬
‫عاد القطار ليلتها لنقل املغضوب عليهم من ساكنة الجمهورية‬
‫التّونسية بعد أشهر من الغياب لعلل اجتامعية باألساس‪ ،‬وأثخن‬
‫املسافرين إيجاعا يف األرواح واألجساد‪ ،‬وكان الهزيع األخري من ليل‬
‫العاصمة يلملم أشالءه حني نزلت وخدر يغىش قدمني أضناهام ليل‬
‫بنكهة طَرقات الحديد ‪.‬‬
‫اقرتح صديقي أن نلوذ مبقهى قريب وهناك حدث ما مل أتوقّعه‪ :‬دكتور‬
‫الكيمياء طويل القامة شديد ال ّنحافة ينطق بكلمة‪« :‬سيدي» ويردفها‬
‫بجمل أوجعت وأسعدت يف آن‪.‬‬
‫نطق بعض كلامت كام ينطقها أبناء البلدات املنجميّة ترقيقا وإمالة‬
‫وتفخيام‪،‬وحني احتضنني اشتممت رائحة طني أصيل مل تفلح روائح‬
‫السيارات‬
‫السجائر والشّ يشة وعطور ال ّنساء و دخان ّ‬
‫القهوة بأنواعها و ّ‬
‫املرسعة يف إزاحتها‪.. .‬نعم اشتممت رائحة طني أم العرائس وأريافها‬
‫وسمعت طقطقات جمر يلهب أواين طينية ح ّولتها أياد نساء ماهرة‬
‫من طورها الخام إىل طور االستعامل‪،‬وكدت أرى نتف طني امتزجت‬
‫فيها سمرة مركّزة وخرضة باهتة تتناثر عىل وجنات وخصالت شعر‬
‫ومالبس تقليدية ترشح بعبق ثقافات من عربوا‪..‬‬
‫السادسة علوم تجريبية حني جمعتني به‬
‫بالسنة ّ‬
‫كان فاضل تلميذا ّ‬
‫قاعات الدّرس‪،‬وكان مميّزا يف جميع املواد ‪.‬توفّ والده الّذي ينحدر‬
‫الشكة‬
‫من والية من وسط البالد التّونسية يف حادث شغل ‪،‬وقبلت ّ‬
‫العمالقة والدته األ ّمية كعاملة نظافة ‪،‬وحني نجح ابنها يف امتحان‬
‫الباكالوريا أحيلت عىل التّقاعد وغادرت األرسة وفرية العدد البلدة‬
‫يتبق لها من رابط إلّ قرب والد دهسته ج ّرافة صفراء ذات‬
‫املنجمية ‪،‬ومل ّ‬
‫يوم أربد نابت فيه ال ّرياح ال ّرملية عن الّليل يف حجب ال ّرؤية‪.‬‬
‫م ّرت سنوات كثرية وخلخلنا ال ّزمن مورفولوجيا ونفسيا ولك ّن شوقي إىل‬
‫معرفة هل سمح املارد الجبّار بأيّامه ولياليه وفصوله لتلميذي بإجراء‬
‫عملية جراحية دقيقة لشقيقة توأم قد تستعيد بواسطتها القدرة عىل‬
‫اإلبصار كان كبريا‪،‬فقد كانت يف العارشة من عمرها حني تناهى إىل‬
‫األرسة خرب موت والدها يف حادث شغل فبكته ليومني وثالث ليال ث ّم‬

‫الفص ِل‬
‫األص َوات ُحضُ و ُر ص ْو ِت الكاتبِ شاع ًرا يف ْ‬
‫هذه ْ‬
‫ِ‬
‫السادس والثالثني املعنون «يف ِضيَافَ ِة الشاعرة» وقد‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫تفي بالو َِصال يف أ ْو ِج ال ُحلمِ ‪:‬‬
‫أَنْط ََق‬
‫بتاني َم ت ْح ِ‬
‫ْ‬
‫العاشقي َ َ‬
‫ِ‬
‫الص ْمتِ‬
‫«مراك ُب الغيابِ تتَاميَلُ يف َّ‬
‫وكُلّ امل َ َوانِعِ تَ ُحولُ ب َني املاء وب َني ال ُجذُورِ»‬
‫وجاء يف ال ّرد عىل ُسؤالِ‪َ :‬م ْن تَر ِان بِالنسبة إليك؟‬
‫«أن ِْت الكَو ُن وأنا يف سام ٍء ِ‬
‫منك‬
‫تغْشَ اين َد َوائ ُر ُحل ِ‬
‫ْمك‬
‫فأهت ُّز كَقاربٍ شُ ّد وِثاَقُه إىل ميناء»‪ٍ.‬‬
‫وكان الَبُ َّد ِإل ْحكامِ هذا التَّ َناغُم بني األصوات من‬
‫اِقْ ِتدَار عىل تَطْوِيعِ اللُّ َغ ِة ألدا ِء هذه امل ُ ِه َم ِة ف َجا َءتْ‬
‫اب‬
‫ص ًة للف ََصا َح ِة َسا ِخ ِر ًة ِم ّم شَ َ‬
‫لُ َغ ُة «الدجال» ُم ْنتَ ِ َ‬
‫ِ‬
‫ٍ‬
‫الس ِ‬
‫َ‬
‫نوات األخرية من عاميّة بَلغَتْ َح ّد‬
‫ال ِكتابَ َة يف َّ‬
‫َ‬
‫إِفْسا ِد َر ْونَقِ امل ْع َنى ‪ -‬كرتجمة شعر الشايب إىل العامية‬
‫أو رواية الغريب «أللبري كامو»‪ُ -‬م َراو َحة ًْبي الشِّ ْعريَّ ِة‬
‫وص ِف فُ ْرشَ اة األكوارال‪ ...‬والعقالنية يف َمواط َن مبا‬
‫يف ْ‬
‫مل تَأْلَ ْف ُه الذَّائِق ُة يف مقام ال ِعشْ قِ كاستعامل التعبري‬
‫«من باب اإلذالل ال ّروحي والعطف الفوقي» لِ َو ْص ِف‬
‫َحالَ ِة ُم ِحبٍ ‪....‬‬
‫رصدتُه يف الفصل الثالث‬
‫و ِم َم يُولّ ُد هذا التَنا ُغ َم َما َ‬
‫العنوانِ‬
‫والتّصدي ٍر مع‬
‫والفصل األ ْربع َني من اِنسجامِ‬
‫املعاجمِ امل ُؤدِّي ِة لِ َم اِ ْختَ َزاله من معنى‪.‬‬
‫عنوان الفصل الثالث الربوليتاري الثائر صدّره الكاتب‬
‫بقول للروايئ الليبي املعارص إبراهيمِ الكُو ِين صاحب‬
‫راوية «املجوس» التي صدرت سنة ‪ 2015‬انشغلَ فيها‬
‫ِصا ِع الَقبَائِ ِل َعىل َز َعا َم ِة قَري ِة «واو» ولهذا االِ ْخ ِتيا ِر‬
‫بِ َ‬
‫ٌ‬
‫ِصلَة وثيقة مبا يُ َعالجه الكاتب شوقي الصليعى يف‬
‫الفصل الثالث‬

‫أصبحت تلميذة ال ّرابعة ابتدايئ عمياء‪.‬‬
‫قدّم لنا القهوة «ديراكت» قائال‪»:‬ستعجبك قهوة‬
‫تلميذك دكتور الكيمياء بال ريب وعىل الوجه‬
‫الصقيل ابتسامة مل تفلح يف إخفاء حزن دفني‪....‬‬
‫ّ‬
‫ففي ‪ 2002‬نجح فاضل يف امتحان الباكلوريا‬
‫وارتقى برسعة يف الجامعة التّونسية‪ ،‬ورأى‬
‫السياسات العرجاء‪....‬مل يجمع‬
‫أحالمه تشفطها ّ‬
‫عرش مثن إجراء العملية لشقيقته وخرس حبيبة‬
‫أوىل مل تتح ّمل ضغط أرستها ‪،‬وأضاع ثانية أعجبت‬
‫بثقافته وانبهرت بعبقريته ولك ّن طول بطالته جعلها تنسحب فجاءة‪.‬‬
‫قال ‪:‬حني صاح عبدالنارص لعويني ‪»:‬بن عيل هرب» رأيتني وأمثايل‬
‫من خ ّريجي الجامعة التّونسية ننتدب للعمل وير ّد لنا االعتبار‪،‬وحني‬
‫سمعت بهيأة الحقيقة والكرامة خ ّمنت أنّنا سنكون من أولوياتها‬
‫كجرحى الثّورة علام بأ ّن عددا كبريا مل يجرح أيّام الثورة ومل يكن ثوريا‪...‬‬
‫قلت ‪:‬كان لرسالتك يف آخر يوم من ذلك العام ال ّدرايس وقع عىل نفيس‬
‫وتساءلت كثريا عن شقيقتك التّوأم وهل أبرصت مجدّدا‪.‬‬
‫قال‪:‬يف بالدنا تفتح األبواب يف وجه الّلصوص وأعداء الحياة والع ّرافني‬
‫وذوي الوالء لقوى خارجية وتغلق باملغاليق واملزاليج يف وجه حملة‬
‫الشّ هائد العليا وأردف لو أخفقت يف دراستي وانخرطت يف لعبة‬
‫السياسة املوازية لكنت من األعيان ‪،‬والستطعت‬
‫االقتصاد املوازي أو ّ‬
‫مرافقة شقيقتي إىل دولة من دول املتوسط لتجري عملية جراحية‬
‫دقيقة كان ميكن أن تعيد ال ّنور إىل عينني انطفأتا حني تر ّجل والدي‬
‫دهسا‪.‬‬
‫وأضاف‪:‬إنّها لكبرية من الكبائر أن تواصل دراستك إىل آخر مرحلة يف‬
‫بالد يتشدّق حكّامها باالنتصار إىل العلم والقانون واملدنية ويسقطون‬
‫يف أ ّول اختبار‪ ،‬فتتبدّى مخالبهم وأنيابهم وعنرصيتهم‪.‬‬
‫تصقّعت قهويت «الدّيراكت»ونسيت أمرها لدقائق معدودة ومل أنتبه‬
‫إىل نثار سكّر ينهمر خارج فنجان قدّمه يل تلميذي دكتور الكيمياء‪...‬‬
‫ومل يكن مساغ القهوة شديدة الربودة بأش ّد مرارة من كلامت صدع بها‬
‫الصباح‪...‬‬
‫فاضل يف ذلك ّ‬
‫وختم ‪:‬لقد نسيت قواعد الكيمياء العضوية والّالعضوية والفيزيائيّة‬
‫والحيويّة ‪،‬وأصبحت خايل الذّهن من تفاعالتها وما ميكن أن ينج ّر عن‬
‫أخالطها‪.‬‬
‫‪....‬يراد ألمثال فاضل وشقيقته ألّ يبرصوا‪...‬‬
‫حاسة اإلبصار ؟‬
‫وهل بقي ما ينعش ّ‬
‫*‬
‫إحساس خاص وأنا أقرأ قصة أحمد مال بن أم العرايس‪ ،‬تداعت‬
‫ذكريات تلك املدينة األجمل بناسها واتقاد الوعي فيها وعدت بذاكريت‬
‫اىل عرشيات بعيدة فيها من الحلم اليشء الكثري‪ ،‬كل الود والتقدير‬
‫لتلك الربوع وأهلها‪ ...‬منارات ‪ /‬م‪-‬ج‬

‫وما أورده فيه من مصطلحات‬
‫يَ ْغل ُُب َعليها ال ُّنزو ُع إىل «قول‬
‫الفعل» إذ يقول إِبراهيم الكوين‬
‫«الطاقة التي ينبغي أن تنفق‬
‫إلنجاز الفعل تستهلك لقول‬
‫الفعل»‬
‫ف َّغل ََب يف الفصل َمعاج َم و ِعبار ٍات‬
‫تُ َر ِّس ُخ هذا املوقف‪ ،‬جاء يف هذا الفصل‬
‫السيايس‪ -‬األسئلة‬
‫السياسية – ال َج َدلُ ّ‬
‫ال ِحوارات ِّ‬
‫السيايس‬
‫السياسية‪ -‬الربنامج ّ‬
‫ّ‬
‫تيّا ٌر ثو ِر ّي‪ -‬التَّيارات امل ُتنا ِحرة‪ -‬اليمني الديني‪-‬‬
‫املاركسيّون‪ -‬القوميون‬
‫الدميقراطية‪ -‬إيديولوجية الحرب‪ -‬اإلكراهات‬
‫التكتيكية‪ -‬البُنى الفوقية‬
‫التعبري ُة األنرتوبولوجية‪ -‬قصيدة ثورية‪ -‬أنشطة‬
‫نضالية‪ -‬االنتلجنسيا ال ِحزبية‬
‫كام أشار إىل أسامء مرجعية «سقراط» و«صخرة‬
‫الخطابة» وسيّد قطب‪ ،‬تر وتسيك‪...‬‬
‫زخر هذا الفصل مبُ ْصطَل ٍ‬
‫َحات كَشفتْ ثقاف َة الطّلبة‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫واِنْدفا َعهم يف تَبَ ِّني إي ْديُولوجيات و ُم ْعتقدات فكانت‬
‫أدَا ًة لنقد َوفْ َر ِة الكالمِ واِنعدام الفعال وتَ ْر ِدي ِد‬
‫الشِّ َعار ِات دون تفكري‬
‫وص ّد َر الكاتب الفصلَ األربعني املعنون بـ مضارب‬
‫األسالف ببيت أليب الطيب املتنبي‪:‬‬
‫لوب بتطْ ِريَة ٍويف البداو ِة ُح ْسن‬
‫« ُح ْس ُن ال َحضَ ا َر ِة م ْج ٌ‬
‫غ ُري مجلوبٍ »‬
‫غَلبت عليه م َعا ِج ُم البداوة الضَّ اربة يف ال ِقدمِ َوتَضْ ِم ُني‬
‫ُصو ٍر ُمو ِغلَ ٍة يف ما أَلِفت ُه الذَّائِ َق ُة التقليدية من بَيانٍ‬

‫ومن هذه امل َعاجم البدويّة‪:‬‬
‫مضارب البدو – معمعان‬
‫الفيايف –‬
‫ُ‬
‫الفيايف‪ -‬ال ّنجيبَةُ‪ -‬ال َه ْو َد ُج‪ -‬الرا ِحلَةُ‪-‬‬
‫القافلة‬
‫ومن األفعال املنجزة‪َ :‬ه َم َز َم ِطيَّت ُه‬
‫نصب الخيام – ي ْدقُ ْق َن األوتاد ‪-‬‬
‫– ْ‬
‫َج ْندلُوهام (متحدثا عن الطِّرا ِد)‬
‫ومن التضمني قَولُه َو ِاصفًا نزول الصيادين بوادي «غري‬
‫ذي زَرعٍ» و أَ ْوبَتَهم «وقد َع ْس َع َس الليل» «تَ ْره َُق‬
‫وجوههم غ َ ََبةُ»‬
‫الفصل صور َة َوا َح ٍة اِكْت َملَ‬
‫أشاعت اللّغ ُة يف هذا ْ‬
‫لجم ِل الجنوب التونيس‬
‫َج َملُها وق َّد َمتْ صورة َ‬
‫وجسدتْه حركاتُ‬
‫الذي نَطَقَتْ به ْأصواتُ الطَبيع ِة َّ‬
‫الشُ خ ِ‬
‫ُوص وفا َحتْ ب ِعطْر ِه أدواتُ ال ّزين ِة التَقليدي ِة‬
‫التي َج ّملتْ بها النسا ُء «مريم»‬
‫َو َعلَ أَه ّم املشا ِغ ِل التي أعلنتها الرواية من خالل هذه‬
‫األصوات امل َع ِّ َب ِة عن ثَ َرا ِء ثقافة الكاتب ومن خالل‬
‫لغة قُدَّتْ بِح َر ِفية وتَ َف ُننٍ فَضْ الً َع ْن َم ْو ِهبَ ٍة ‪َ :‬وضْ ُع‬
‫ش ِد‬
‫امل ُبد ِع عموما والكاتب خ ُُصوصاً و َمشْ هد «املُتَ َ ِّ‬
‫«السعداوي»‬
‫اآلبق يف ثيا ِب ِه امل ُ ْزرية» وهو البائع ّ‬
‫يرصخ « َحبْكَة للبيع» ويضع الفتة «يرجي الدفع‬
‫بالدوالر» ي ْعلِ ُن َع ْن تَ ْه ِم ِ‬
‫يش الكَاتِبِ ال َح ِّق ُمقابل‬
‫ِ‬
‫االِ ْحتفاء «بغازي» و ُمكافأتِ ِه ب َجوائ َز ال يَ ْستحقُّها بَلْ‬
‫يَنالُ َها لِام يتَّ ِصف به من تَ َزل ٍُّف و ُو ُصولِيّ ٍة‪ ،‬قد يَكون‬
‫تَرجم ًة ل َواقعِ الكتابة اإلبْدَا ِعيَة يف تُون ِِس و َما ُصو َر ُة‬
‫«الرسام الكاريكاتوري الكبري» «ضيف الرشف» الذي‬
‫ْرب مل َ ْنزلَ ِة املُبْد ِع‬
‫ي ْح ِملُ وطنه يف ريشته سوى بَ ِدي ٍل أق َ‬
‫ال َح ِّق ي َنالُ َش َف التبْ ِجيِل‪.‬‬

‫‪14‬‬

‫الخميس ‪ 1‬أكتوبر ‪ - 2020‬املوافق لـ ‪ 14‬صفر ‪ 1441‬هـ ‪ -‬العدد ‪90‬‬

‫ورقات فلسطينية‬

‫ما تبقى لكم أو ما تبقى لنا ؟‬
‫املثقف املشتبك ‪ :‬بني الخيار والضرورة‬
‫عادل سامرة‬
‫بدك تصري مثقف‪،‬‬
‫بدك تصري مثقف مشتبك‪.‬‬
‫ما بدك تشتبك‪،‬‬
‫ال منك وال من ثقافتك!‬
‫باسل األعرج‬
‫ما تبقى لكم هو عنوان الرواية الثانية من مدونة‬
‫الفقيد غسان كنفاين‪ ،‬رمبا ونحن نقف عىل الحافة‬
‫الخطرة جاز السؤال ما تبقى لنا بعد عرشيات من‬
‫أحالم مغدورة غري ممكنات الصدق والوضوح ومنهام‬
‫رضورة املقاومة‪...‬نقاوم من وماذا وكيف‪...‬ذواتنا أوال‬
‫يف صلة بلحظتنا الحرجة‪ ،‬كيف نخرج من دوائر العدم‬
‫واالستالب‪ ،‬كيف نخرج من سلوك القطيع الخانع‬
‫التابع‪...‬كيف نخرج من العامية الفكرية مبا هي تكرار ممجوج ‪...‬‬
‫نحن أوال ثم يأيت الواقع املوضوعي‪ ،‬العقل النقدي والضمري الجمعي ‪...‬‬
‫كل الذين خرجوا من القطيع – عرب التاريخ‪ -‬انترصوا لذواتهم دون عناء السؤال‪،‬‬
‫طرفة بن العبد بن املقفع أبو حيان التوحيدي أبو العالء املعري ‪...‬وغريهم كثري يف‬
‫كل األزمنة ‪...‬املثقف بني الوجود والعدم بني الفردية وحدودها والجامعية وآفاقها‬
‫من التمرد إىل امللحمية و االلتزام ومنهام إىل العضوية واإلشتباك ‪...‬‬
‫مسرية شائكة ترتك شعاعا وصدى ولعل باسل األعرج يف حراكه الكثري واملثري ويف‬
‫كتاباته القليلة قد عاش االشتباك واختط سبل املمكن ‪...‬‬
‫ويف كتابه املثقف املشتبك ييضء املفكر عادل سامرة املصطلح من خالل مسرية‬
‫باسل األعرج‪ ،‬ليكون االشتباك مصريا ال مناص منه لكل من آمن باإلنسان كقضية‬
‫ضمن ممكنات الحرية والعدالة يف كل زمان ومكان ‪...‬‬
‫نحن يف زمن طمس املعامل ال بد أن نكتسب الجرأة عىل مراجعات نقدية كربى فيها‬
‫شجاعة التوصيف وجرأة املواجهة ‪« ...‬منارات»‬
‫يف فاتحة الكتاب يقول د عادل سامرة‪:‬‬
‫«مل أتوفع أن يأيت أي حدث يدفعني عىل وجه الرسعة لتجميع ما كتبته عن قضايا‬
‫حارقة يف حياة ونضال شعبنا العريب الفلسطيني‪ .‬وليس هناك قط ما يدعوك للكتابة‬
‫والشغل أكرث من حدث الشهادة‪ .‬هكذا حفزتني روح الشهيد باسل األعرج ألجمع‬
‫ما كتبت عن املثقف الثوري النقدي الذي وجدته تعريفا ناقصا ما مل يكن املثقف‬
‫مشتبكا‪ .‬وكنت قد صغت هذا املصطلح منذ سنوات ردا عىل مثقفي مدارسنا )‬
‫أقصد الجامعات املحلية( الذين وصفني بعضهم ب «املثقف االنتحاري » انغامسا‬
‫من جانبهم يف مستنقعات التيار السائد محليا وعربيا وعامليا‪.‬‬
‫هالني وأدهشني استخدام باسل ل «املثقف املشتبك‪ ،‬والعمليات الفردية » ‪،‬‬
‫فوجدت رمبا من املفيد أن اجمع ما كتبته عن املثقف املشتبك‪ ،‬وعن الدور الهام‬
‫للعمليات الفردية يف‬
‫حالة التدهور النضايل لشعبنا‪ ،‬يف األزمة الجارية‪ ،‬ويف ما يسمى الربيع العريب حيث‬
‫هذه العمليات هي رتق الفجوة بني فرتة الصعود النضايل املاضية وفرتة الصعود‬
‫النضايل القادمة‬
‫مام يعطي هذه العمليات أهمية بالغة‪ .‬إىل جانب ذلك وضعت هنا بعض ما كتبته‬
‫عن االنتفاضة الجارية ايضا وعن اإلرضابات البطولية عن الطعام‪ .‬لقد أضفت ملحقا‬
‫باإلنجليزية من الصحافة الصهيونية‪ ،‬وذلك ألبيت أنهم مل يغريوا كذبهم بأن نضال‬
‫أبطالنا إرهاباُ‪ ،‬وأكدت أن باسل بادئهم بالنار قبل أن يتمكنوا من املبادئة‪ ،‬كام‬
‫تعرتف بأنه تم إعدام باسل بشكل حاقد ألن ذخرية سالحه كانت قد نفذت‪ .‬وجدت‬
‫كذلك رضورة لوضع بعض ما كتبته باإلنجليزية عن هذه القضايا الهامة والتي‬
‫سيحفظها التاريخ ال شك‪ .‬هذا من جهة‪ ،‬وليك يقرأ قارىء اإلنجليزية بعض رؤية‬
‫شعبنا يف مواجهة ونقد ونقض ألطروحات التيار السائد والتيار الحامل‬
‫اي دُعاة دولة واحدة‪ ،‬دميقراطية‪ ،‬ثنائية القومية‪ ،‬علامنية‪ ،‬دولة مع املستوطنني‪...‬‬
‫الخ يف حني أن ما يرص عليه العدو هو دولة يهودية خالصة لكل مستوطنيها‪ .‬هذا‬
‫كتاب اللحظة‪ ،‬وآمل أنني التقطتها»‬
‫كل فكرة وليدة الواقع‪ ،‬والواقع هو الوجود املادي الذي واجهنا بل تحدانا لنبلغ‬
‫نحن البرش لحظة الوعي األوىل لينطلق هذا الوعي يف جدلية أبدية مع الواقع‬
‫ذاهبني معاً يف ارتقاء ال حدود له يتطور بني تح ٍد ووعي مضاد أو مقاوم وصوالً ملا‬
‫هو أعىل وأوعى‪ .‬وهكذا يظل اإلنسان حاضنة أو رحم الوعي التي تتوسط الوجود‬
‫والوعي وبدون هذا اإلنسان الذي يصبح واعياً ال يكتسب الواقع معناه وال يرتقي‬
‫الوعي إىل ما نرى ومن ثم نحلم‪.‬ليس املثقفون‬
‫فريقاً واحدا ً‪ ،‬هناك تنويع هائل من املثقفني ألن لكل بيئة تحدياتها ولكل عقل‬
‫قدرته عىل االستجابة والرد والتأثري يف البيئة‪.‬‬
‫أما هذه الكلمة ففي حق املثقف املشتبك‪ .‬هو مشتبك ألن ما يفهمه هو ذخرية‬
‫إلطالق نور التفكري مام ينفي عنه صفة ِ‬
‫السجِل‪ ،‬فهو حالة سجال حتى مع من‬
‫يتقاطع معهم‪ ،‬يبحث‬
‫عن ما هو أبعد من النص‪ ،‬مأخوذ بالرؤية فليس مجرد ُمقرئ‪ .‬يبحث عن النقاش‬
‫والجدل‪ ،‬بل هو وليد الجدل والتناقض‪ .‬كل فكرة فيها معنى ولكن ال بد أن فيها‬
‫ضعفاً ما‪ ،‬جميل أن نفهم‬

‫‪12‬‬
‫املعنى وجميل أن نرى عدم اكتامل املعنى لنصل إىل ما هو أعىل‪ .‬وعي‬
‫املثقف املشتبك ال يساوم وال يهدأ هو ميتطي حصان الجسد حتى‬
‫يكبو‪.‬املثقف املشتبك مهموم مشغول بالناس بنقل ما لديه إىل‬
‫اآلخرين ألنهم أوالً أعطوه‪ ،‬هو تراكم املعرفة من أجل الثورة‪ ،‬لذا‬
‫هو الوجه اإلنساين النقيض لرتاكم الرثوة التي هي دعامة الثورة‬
‫املضادة‪ .‬تراكامن يقفان كضدين ال يجمعهام سوى مواصلة البحث‪:‬‬
‫تراكم املعرفة بحثاً عن تغيري العامل وتراكم الرثوة بحثاً عن استغالل‬
‫اإلنسان‪ .‬هذا قلق يف اتجاه وذاك قلق يف اتجاه نقيض‪ .‬هذا يقوم عىل‬
‫القيمة االستعاملية للوعي مجسدا ً يف فكرة‪ ،‬وذاك يقوم عىل القيمة‬
‫التبادلية للمعرفة مجسدة يف سلعة وصوالً بالربح الالمحدود إىل الرتاكم‬
‫الالمحدود‪ .‬أما القيمة التبادلية هذه فهي التي “سلَّعت‪ -‬من سلعة”‬
‫الكثري من املثقفني فصاروا بضاعة متيش عىل قدمني عارية من األخالق‬
‫تعرض نفسها يف السوق وتفاخر ب ُعريها من املعنى األساس‪ ،‬معنى الوجود اإلنساين‪.‬‬
‫كان من أقدم هموم اإلنسان البدايئ سرت عريه‪ ،‬أما عرص ما بعد الحداثة‪ ،‬ففيه‬
‫مفاخرة بالوعي العاري‪.‬‬
‫يفتح هذا لنا عىل الرضورة االجتامعية االقتصادية الثقافية الطبقية يف التحليل األخري‬
‫التي ولَّدت املثقف املشتبك‪ .‬وهذه الرضوررة هي تجسيد الحق‪ ،‬هي التحدي يف‬
‫الرد والص ِّد للزيف وامتهان وعي الناس وبيعه واستخدامه‪.‬‬
‫فاملثقف املشتبك مبا هو وليد روح املجتمع‪ ،‬روح اإلنسان عامة‪ ،‬يتجاوز كونه تجميع‬
‫معارف بل يتجاوز كونه ثورياً ونقدياً ذاهباً حيث االشتباك‪ ،‬ألن الوعي الالإنساين‬
‫هناك يقاتل البرشية‪.‬‬
‫لذا يبحث املثقف املشتبك عن بؤر الرصاع ويكون فيها‪ .‬من هنا ليس مجرد سجل‪،‬‬
‫بل حالة مقاومة مبنية عىل كون الحياة مقاوم ًة او رصاعاً‪ .‬ولوال عدوانية مثقف‬
‫السوق والقيمة‬
‫التبادلية واالستغالل واالضطهاد وانتهاؤه باإلنسان إىل االغرتاب بتنوعاته‪ ،‬ومنها‬
‫االغرتاب الجسدي الوجودي عن الوطن‪ ،‬حالة فلسطني‪ ،‬لوال هذه لكان املثقف‬
‫املشتبك رساماً أو شاعر غزل تحبه كل النساء ألنه يحبهن جميعاً‪.‬‬
‫يف حالتنا العربية يشتبك املثقف مع مختلف أنظمة الحكم‪ ،‬ليس فقط ألن لها‬
‫جرامئها وانحرافاتها بل حتى ملجرد كونها أنظمة بل طاملا يف مجتمع طبقي فهي‬
‫نقيضة وعيه بال مواربة‪ .‬ويشتبك مع مثقفي السلطان‪ ،‬ويشتبك بال توقف مع‬
‫املثقفني يف خدمة اآلخر‪ ،‬أي مثقفون يف خدمة عدو األمة‪.‬‬
‫ويشتبك مع مثقفي االستدعاء الذين استدعوا احتالل العراق الذي ما زال لحم‬
‫نسائه وأطفاله شوا ًء يُقدم للغرب الرأساميل وخاصة قادته ورشكاته الكربى‪ ،‬وتُرسل‬
‫أطباق كثرية من هذا‬
‫اللحم اإلنساين املشوي إىل تل ابيب ليأكل شيلوخ اللحم شوا ًء‪ .‬ال يُشوى لحم اإلنسان‬
‫بوعي سوى يف عرص رأس املال وريع النفط املفخخ يف الخليج‪ ،‬يُقدم مغلَّفاً بلفافات‬
‫الحرية‬
‫والدمقرطة وحقوق اإلنسان‪ .‬وحني يوضع الطبق عىل طاوالت أوباما وساركوزي‬
‫وهوالند وأحفاد بلفور ونتنياهو‪ ،‬يقهقهون وهم ينزعون لفائف الحرية لتوزع لهم‬
‫هيالري ذلك اللحم يف أطباق من ذهب ُصقلت من مصاغ بلقيس ملكة اليمن‬
‫السعيد يف املايض‪ .‬توزع هيالري األطباق بعد أن تنعكف سيقان أبناء سعود وآل ثاين‬
‫وهم ٌ‬
‫وقوف يحملون األطباق عىل رؤوسهم خدماً للحفل املاسوين ووراءهم سيل من‬
‫الحكام العرب بني حامل املاء‬
‫أو الصابون أو عود الند والرند لتسويك أنيابهم‪/‬ن‪.‬‬
‫يشتبك املثقف املشتبك مع مثقفي الصدى الذين يلهجون برتديد ما يُكتب يف‬
‫الغرب الرأساميل‪ ،‬يلهجون ويلهثون ألنهم مل يتمثلوا ما يرددون كمن ابتلع الحىص‪.‬‬
‫املثقف املشتبك ال يقبل الحياد‪ ،‬فمصري البرشية ال يحتمل مثقفاً محايدا ً يجيد‬
‫التلطي خلف املجرد والرمزي والفلسفي الذي يُباعد بينه وبني الواقع امل ّر‪ .‬هذا‬
‫املثقف يأخذ دوره يف الصف وينفق عمره مشتبكاً‪ ،‬لذا ال يعرف يف عمره الردة وال‬
‫التخاذل وال التقاعد‪ .‬ويف النهاية لهذا املثقف دور دائم يف النقد والتصدي‪ .‬دوره‬
‫دائم ألنه مثقف تاريخي ليس يوميا وال لحظياً‪ ،‬هو حالة‬
‫تأسيس‪ ،‬حالة تناضل لتصحيح مسار التاريخ الذي اختطفته‬
‫امللكية الخاصة والطبقات املست ِغلة ومؤخرا ً رأس املال بتنوعاته‪ :‬اإلنجلو‬
‫اكسوين‪،‬والفايش والنازي والصهيوين والريعي النفطي‪..‬الخ‪ .‬وهزمية هؤالء ليست‬
‫مسألة وقت قصري‪ ،‬لذا‪ ،‬ال‬
‫ينتظر املثقف‪/‬ة املشتبك‪/‬ة أكاليل الغار عىل رأسه‪/‬ها‪ ،‬لكنه يعلم أن النرص آت وأن‬
‫أحدا ً يف يوم قد يكون قريباً سوف يُت َّوج بإكليل الغار‪ ،‬واحد أو واحدة‪ .‬هذا املثقف‬
‫مقاوم‪ ،‬ومن يقاوم هو يف طريق االنتصار كمرشوع وليس كفرد‪.‬‬
‫مالحظة‪:‬‬
‫بيان ال ‪ 55‬كان ضد العمليات االستشهادية ونُرش يف الصحافة املحلية عىل‬
‫نفقة االتحاد األورويب‪:‬‬
‫)انظر كتاب مثقفون يف خدمة االخر ‪:‬بيان ال ‪ 55‬منوذجا‪-‬عادل سامرة(موجود‬
‫عىل موقع كنعان اإللكرتوين‪.‬‬
‫وقائع تظاهرة ‪ 12‬آذار ‪ 2017‬احتجاجا عىل محاكمة‬
‫باسل األعرج بعد استشهاده‬
‫اتسع اإلشتباك ‪ ...‬بُعث باسل‬

‫دم الفرشاة وإكسري ال ّروح‬

‫الغنائيّة يف أعمال الرّسام‬
‫التونسي «لطفي الغول»‬
‫فتحي بن مع ّمر‬
‫السياحيّة األشهر‪،‬‬
‫إذا كنتَ من الذين يعرفون تونس ومناطقها ّ‬
‫ال ميكن لك بأ ّي حال من األحوال أالّ تذكر جزيرة جربة الحاملة‬
‫الواقعة جنوب رشقي البالد التونسية‪ ،‬وال أن تنىس من جزيرة‬
‫وربا أعرقها عىل اإلطالق‪ ،‬وهي قرية «قاللة»‬
‫جربة أشهر قراها ّ‬
‫النامئة يف وداعة تُغري بالحلم وعيش البدايات جنوب غريب تلك‬

‫الجزيرة‪.‬‬
‫هي املوج تستقبلك «قاللة» لتُحمل عىل أجنحة االكتشاف‬
‫عىل شاطئ هادئ خفيف الغُمر ّ‬
‫األمازيغي األ ّول مبشاهدها العتيقة‪ ،‬املوغلة يف زمن البدايات‪ ،‬تلك املشاهد‬
‫والحلم إىل ال ّزمن‬
‫ّ‬
‫التي تسحرك سواء دخلت إليها عرب منبسط أجيم الساحيل بعد رحلة ممتعة يف العبّارة‬
‫املسمة لديهم «البطّاح» أو دخلت إليها عرب «القنطرة الرومانية» امل ُقامة يف خ ّط متوا ٍز مع‬
‫ّ‬
‫ما كان يُ ّسمى قدميا لدى األجداد األمازيغ سكّانها األصليني «أَبْرِي ْذ نِ ِإلَغ َْمنْ» أي «طريق‬
‫الجامل» يف إشارة إىل مكان ميكن أن تعربه الجامل إىل الضّ فة األخرى إذا َج َز َر البحر وانحرس‬
‫نقطتي بالجزيرة املنبسطة عرب هضبة‬
‫املدّ‪ .‬كام تُبهرك املشاهد وأنت تدخل إليها من أعىل ْ‬
‫املسمة حديثا «الكوبري» ومن فوقها يُشاهد أحد أجمل مشاهد غروب‬
‫« َم ْر ْصف ْ‬
‫ُوض» ّ‬
‫الشّ مس يف العامل أو دخلت إليها من طريق مي ّر بهضبة «تْالتْ » أو «زقاغْ» ذات البعد‬
‫األسطوري وحكايا التّاريخ الغابرة التي تتجدّد وتحيا وتنبعث وأنت تتج ّول يف القريّة أو‬
‫قتي بني لوحات املعرض الدّائم امل ُلحق مبرسم الف ّنان لطفي‬
‫تسافر مشدوها بعينني ُمش ّو ْ‬
‫شبَها فأب ّرتْه وأحبّها فاحتضنته واعترصته حتّى تقاطر ذوبا وعشقا‬
‫الغول ابن القرية الذي أُ ْ ِ‬
‫مبداد فرشاته لريسم لنا أروع اللّوحات التي تحاول أن متسك مبا تراه العني للحظة وتخىش‬
‫ُحب ونشتهي من أثري هذه القرية وسحرها‬
‫عليه من االنفالت‪ ،‬كام تحاول أن تحتفظ مبا ن ّ‬
‫الغابر الذي بدأت تعصف به رياح العوملة كام عصفت به يف أماكن عديدة من العامل يف زمن‬
‫االلتباس الحضاري واختالط األجناس والثّقافات‪.‬‬
‫الرسام األربعيني يبدو من خالل لوحاته عاشقا مهووسا بـ»قاللة»‪ ،‬يعدو‬
‫لطفي الغول الف ّنان ّ‬
‫الغض الذي ال يعرف‬
‫عىل صهوة فرشاة تالحق تفاصل محيّاها الجميل وتضاريس جسدها ّ‬
‫وربا‬
‫الهرم إليه طريقا رغم آالف السنني وسطوة ال ّزمن‪ .‬غري أ ّن لطفي ويف تجربة متف ّردة ّ‬
‫األوىل من نوعها يستعمل مادة من املواد املستخرجة من بواطن أرض القرية وهي «الطني»‬
‫الذي يستخرجه أهل «قاللة» إىل اليوم من أعامق قد تصل إىل األربعني والخمسني مرتا حيث‬
‫تجد نفسك إذا ما نزلت إىل «املعدن» كام يس ّمونه يف بطحاء دامسة الظالم لرتاهم عىل ضوء‬
‫شموع خافتة ينتزعون بفؤوس حادّة وسواعد أبيّة طينا به دأب األجداد منذ القديم عىل‬
‫رص لطفي الفنان‬
‫صناعة أوانيهم الفخاريّة‪ .‬تلك الطّني التي يستخرجونها بإرصار «سيزيفي» يُ ّ‬
‫املبدع عىل هرسها بحنان وطحنها بشوق وخلطها مباء دافق يخرج من بني صلب «قاللة»‬
‫وترائبها ليصنع منها ذوبا يستعمله لرسم لوحاته التي يتعلّق موضوعها بـ»قاللة» وهل له‬
‫غريها عشقا وهوسا؟‬
‫بهذا «الذّوب الطّيني» (‪ )Barbotine d’argile‬يرسم لطفي الغول مستعيضا عن الفرشاة‬
‫بأصابعه الغضّ ة وكفّه حينا‪ ،‬وحينا آخر بأدوات عتيقة كان جدّه ال ّخ ّزاف األشهر بالقرية‬
‫«مسعود الغول» يستعملها يف صناعة أوانٍ خزفيّة فنيّة كان أ ّول من ابتكرها مثل تحفة‬
‫السحري» وغريها من التّحف الفنيّة التي يواصل ابنه «الحبيب الغول» وهو والد‬
‫«الجمل ّ‬
‫لطفي صناعتها إىل اليوم بنفس ف ّني منقطع ال ّنظري‪.‬‬
‫يرسم لطفي كام ال يرسم اآلخرون‪ ،‬ألنّه ال يتمثّل موضوعا لريسمه بل تسكنه املوضوعات‬
‫والصخر وال ّرخام والجدران‬
‫فتتدافع وتنبجس عىل محامل رسم عديدة كالقامش والخشب ّ‬
‫والساحات والجرار الفخّارية ومختلف األواين الخزفيّة ويف تجربة فريدة جذوع‬
‫واملسطّحات ّ‬
‫السحر من هذا‬
‫ال ّنخيل‪ .‬وهذا ما يعطي لتجربته الفنيّة هذا الثّ اء املتف ّرد‪ ،‬إذ فيها ينبعث ّ‬
‫الطيني» الذي ال تكاد تشعر بالفرق بينه‬
‫التّزاوج الفريد بني مختلف هذه املواد «والذّوب‬
‫ّ‬
‫الرسامون عادة‪ ،‬فلطفي ميزج برباعة بني مختلف هذه‬
‫وبني مختلف املواد التي يستعملها ّ‬
‫املواد ويُدمجها مع «الذّوب الطيني» فنحصل عىل تناغم عجيب بني أصالة الطّني خلقا‬
‫وضجيج األلوان وفحيح اإلبداع الذي يلسع العني فتلتهب دهشة وهي تتم ّعن تلك اللّوحات‬
‫ُسهب فضا ًء وتاريخا وامتدادا وموضوعا ومعنى وداللة بقدر ما‬
‫امل ُكتنزة باملشاهد التي ت ُ‬
‫تخترص وتوجز‪ ،‬وقدميا قيل «البالغة يف اإليجاز»‪.‬‬
‫الرسام الف ّنان الصامت إالّ من صخب األلوان ترصخ‬
‫بيد أنّه يف هذا اإليجاز عند لطفي ّ‬
‫اللّوحاتُ عاليا وتصدح بغنائية تعترص شعريّة مختلف الفنون لتقدّمها لك إكسريا يُبهج‬
‫شاخصتي ويسافر بك يف نفس‬
‫بعيني‬
‫ْ‬
‫ال ّنفس حني ميسك بك أسريا أمام اللّوحة ثابتا ال تتح ّرك ْ‬
‫الوقت بعيدا عرب التأريخ أو األعامق أو املدارس الفنيّة يف هرولة فكريّة محاوال إدراك املعنى‬
‫ّ‬
‫وفك الشفرات التي تنطوي عليها تلك املشاهد‪ .‬فال تكاد تدرك أأنت أمام مشاهد واقعيّة‬
‫حيّة محسوسة نابضة صاخبة أم أمام مشاهد مج ّردة يعتو فيها التّجريد ويغايل حتّى يُعيدك‬
‫إىل الواقع لتقارن بني امللمح والغمز والصورة الحقيقيّة التي كنتَ ّربا قد رأيتها فاستق ّرت‬
‫أحس َن لطفي صياغتها وكأنّ ا هو من رآها أو‬
‫يف ذهنك أو تخيّلتها فانبنت وتشكّلت بطريقة َ‬
‫تخيّلها وكأنّك أنت من رسمتها؟ وتلك إحدى أبرز نقاط القوة يف تجربة الف ّنان حني يجعلك‬
‫املتجسد‬
‫الرسام‪ ،‬بني املج ّرد‬
‫ّ‬
‫الحي‪ ،‬بني ذاتك وذات ّ‬
‫تسافر أوب ًة وذهابا بني اللّوحة واملشهد ّ‬
‫لوح ًة تحاول أن تنقل لك فكرة مج ّردة وبني الفكرة املج ّردة ذاتها‪ ،‬وتلك شعريّة الغنائية‬
‫الساحرة رسام‪.‬‬
‫ّ‬
‫إ ّن تجربة لطفي تتعتّق أكرث فأكرث كلّام غاص يف التّجريد ألنّه يسافر بك بعيدا ليعيدك إىل‬
‫الساحر‪ ،‬إىل بساطة املشهد وروعة التقاليد وعمق ال ّروح البسيطة املتم ّهلة‬
‫زمن البدايات ّ‬
‫السعة القصوى وتشابه األذواق والطّعوم‪.‬‬
‫األخّاذة يف زمن ّ‬

‫‪15‬‬

‫الخميس ‪ 1‬أكتوبر ‪ - 2020‬املوافق لـ ‪ 14‬صفر ‪ 1441‬هـ ‪ -‬العدد ‪90‬‬

‫مراجعات لطفي عيسى لسرديات االنتماء واستعاراتها يف كتاب « أخبار التونسيني»‬
‫د‪ .‬عادل النفايت*‬
‫عن دار مسكلياين للنرش والتوزيع بتونس صدر لألستاذ‬
‫والباحث يف التاريخ الثقايف لطفي عيىس سنة ‪2019‬‬
‫كتاب أخبار التونسيني‪ :‬مراجعات يف رسديات االنتامء‬
‫واألصول‪ .‬للكاتب اصدارات وبحوث ودراسات تاريخية‬
‫عديدة باللغتني العربية والفرنسية‪ ،‬عالوة عىل نشاط‬
‫صحفي منتظم حول قضايا ومواضيع متصلة بالواقع‬
‫التونيس واإلقليمي‪ .‬نال امل ُؤلف موضع الدرس يف معرض الكتاب الدويل بتونس يف دورته‬
‫الخامسة وثالثني جائزة الطاهر الحدّاد للبحوث يف اإلنسان ّيات‪ ،‬اعرتافا بتوفّق صاحبه يف دراسة‬
‫جوانب من حياة التونسيني يف نهاية القرن التاسع عرش ومطلع القرن املوايل من خالل مقاربة‬
‫تاريخية انرتوبولوجية‪ ،‬باحثا يف مد ّونات مل توضع بالرضورة بغرض التأريخ‪ُ ،‬مستخلصا منها‬
‫بعض ما يف الشخص ّية التونس ّية من متثّالت ومعايري يف النظر ووعي بأه ّم مجاالت االنتامء‬
‫إىل تونس‪ .‬يدعونا هذا االستحقاق باإلضافة إىل معرفتنا بنبوغ صاحبه يف كتاباته التاريخية‬
‫املتخصصة يف التاريخ الثقايف يف بعديها النظري وامليداين‪ ،‬واجتهاده يف تضمني بحوثه مبضامني‬
‫نظرية جديدة ومبتكرة يف تخصصات انسانية مختلفة‪ ،‬إىل تسليط الضوء عىل تقاسيم منجزه‬
‫ومعانيه‪.‬‬
‫ونستهل هذا التقديم بالتذكري باإلشكالية العامة التي تناولها الكاتب وتع ّمق فيها‪ ،‬والتي‬
‫حامت حول كيفية نشوء مشاعر متآلفة بني عنارص مجموعة برشية وقبولها بالعيش املشرتك‪،‬‬
‫عىل رقعة ترابية ُمعلّمة بأمارات تضاريسية وثقافية معلومة‪ ،‬وجعلتهم يتوافقون حول انتامء‬
‫موحد‪ .‬وغ ّني عن الب ّيان أن هذه االشكالية ليست مستحدثة أو وليدة الساعة‪ ،‬وإمنا هي‬
‫مشغل بحثي يحيل عىل حرية فكرية تقاسمها عدد من املؤرخني والباحثني التونسيني ومن غري‬
‫التونسيني منذ سنوات‪ .‬وهو ما يدفع إىل االعتبار بدور السياقات يف إثارة مثل تلك االشكالية‬
‫ومعاودة ظهورها أو بروزها كلام حصل أمر مستجد‪ ،‬يحري الساكن ويعيد صياغة التوافقات أو‬
‫املواضعات‪ .‬ومهام يكن من أمر فأنه من الثابت أن قامئة الكتّاب التونسيني والباحثني الذين‬
‫أثاروا موضوع «التونسة» وحاولوا البت يف مميزات الشخصية التونسية طويلة‪ ،‬نستحرض من‬
‫بينها البشري بن سالمة وسعد غراب وهشام جعيط‪ ،‬املنصف وناس والهادي التيمومي وغريهم‬
‫من الباحثني والباحثات الذي تعرضوا جزئيا أو تفصيليا إىل ذات املسألة‪.‬‬
‫كام أنه من الثابت لدينا أن لطفي عيىس كان عىل دراية مبحاور تلك الرسديّات‪ ،‬مام جعله‬
‫يتخذ لنفسه يف مقاربته لنفس اإلشكالية مسلكا فريدا‪ ،‬تجنبا للسقوط يف االجرتار و ُمساءلة‬
‫ذات الشأن وفقا لعروض راوحت بني الظرف أحيانا والعمق يف أحيان أخرى‪ ،‬محاوال مراجعة‬
‫محتويات جملة من املصادر مل تكن مثار أهل الباحثني يف الحقل التاريخي من قبل‪ .‬فقد تابع‬
‫املنهج التأوييل يف دراسة عينات من تلك املصادر وإعادة تركيب مضامينها ومعانيها ضمن‬
‫اشكالية كربى متصلة مبقومات بناء الهويّة التونسية‪ ،‬عىل غرار الخرافات الشعبية واألحاجي‬
‫واألمثال الواردة يف كتاب سامل ونيس «الحكايات الخرافية والشعبية»‪ ،‬والتدقيق يف بعض‬
‫املؤلفات املغمورة التي مل يجر تداولها كثريا مثل كتاب «مفتاح التاريخ» ملحمد البشري صفر‪،‬‬
‫و»الرزنامة التونسية» ملحمد بن الخوجة‪ ،‬و»العادات والتقاليد التونسية» ملحمد بن عثامن‬
‫الحشاييش‪ ،‬وثالثة مقاالت لألب أندري دميريسمني (‪André Demeerseman )1993 – 1901‬‬
‫نرشت بني سنة ‪ 1958‬و‪ 1961‬وهي‪« :‬تأمالت يف دراسة الشخصية التونسية»‪ ،‬و»بحث يف‬
‫الشخصية األساسية لتونس» و» مساهمة يف دراسة عالقة اللغة العربية والشخصية التونسية»‪.‬‬
‫ومن نافلة القول أن الباحث لطفي عيىس قد اختار بدوره االشتغال عىل قضية «التونسة» دون‬
‫إطالق أو تعميم‪ ،‬بل ركز جهوده عىل فرتة زمنية محددة شكلت مفصلة زمنية دقيقة يف تاريخ‬
‫التونسيني وبخاصة مراقبة ذلك املرور املتأين يف مستوى متثالت التونسيني لذواتهم وآلخرهم‬
‫القريب أو البعيد‪ .‬فقد غطت املدة الزمنية املقرتحة العقدين األخريين من القرن التاسع عرش‬
‫وامتدت إىل العقدين األولني من القرن املوايل‪ .‬ففي تلك الفرتة عايش التونسيني انتقال سلس‬
‫بني زمنني‪ :‬زمن االحتالل وما قبله‪ ،‬وما رافقه من تح ّوالت ملحوظة يف مستوى الحياة الفكرية‬
‫والعلمية وانعكاساتها الب ّينة عىل الذهنيات وبخاصة لدى النخب املتعلّمة‪ ،‬التي أقبلت عىل‬
‫التعامل بشغف مع الصحف (مثلام ييش بذلك غالف الكتاب)‪ ،‬باعتبارها وسيلة اخبارية‬
‫محدثة سحرت ألباب املثقفني التونسيني بعد أن ثبتت جدارتها يف اطالع قرائها عىل مجريات‬
‫األمور يف الساحتني الوطنية والدولية‪.‬‬
‫قسمه‬
‫طُبع الكتاب يف مجلد واحد متضمنا لثالمثائة وخمسون صفحة من القطاع املتوسط‪ّ .‬‬
‫صاحبه إىل مقدمة عامة عنونها ب «زمن للخرافة‪ ،‬زمن للرسد»‪ ،‬وأربعة فصول واتّبعها بخامتة‬
‫عامة‪ .‬وتضمنت الصفحات األخرية قامئة ثرية ومتنوعة من املصادر واملراجع باللغتني العربية‬
‫والفرنسية‪ ،‬التي استند إليها الباحث لبناء مخطوطته‪ ،‬ومن شأنها أيضا إنارة سبيل الباحثني‬
‫املنشغلني بدراسة مواضيع متصلة مبحتويات الكتاب‪ .‬وملزيد تقريب مضامني املدونة موضع‬
‫الدرس إىل الق ّراء‪ ،‬ارتأينا التوقف ببعض من التفصيل أو باقتباسات لبعض ما ورد يف كل فصل‪،‬‬
‫يف محاولة منا لإلملام مبضامينه وتحليالت الكاتب‪.‬‬
‫عمل لطفي عيىس يف مقدمة أثره عىل معالجة مسألة دقيقة وذات أهمية قصوى يف مجال‬
‫البحث‪ ،‬تتعلق برشوط املعرفة التاريخية معرجا عىل العالقة الوطيدة بني ذكر الخرب وبناء‬
‫يتعي عليه متّلك أساليب‬
‫الرسدية‪ ،‬مبعنى هل يقترص دور اإلخباري أو املؤرخ عىل ذكر الخرب أم ّ‬
‫أدبية وفنية رفيعةـ‪ ،‬ورصيد ثري من املفردات واملعاين حتى يقدر عىل ش ّد املتابع أو القارئ؟‬
‫مال الكاتب إىل تغليب الفرضية الثانية‪ ،‬مستشهدا بجملة من الشهادات واألمثلة ولعدد‬
‫من املؤرخني الذين تم االجامع من حولهم حول أدوارهم الريّادية يف التأريخ ألزمنة أوروبا‬
‫والعامل بدأ من شيرشون (‪ 106‬ق‪.‬م‪ 43 -‬ق‪.‬م) ‪ Cicéron‬وتاسيت (‪56‬م – ‪120‬م) ‪Tacite‬‬
‫وفرواسار (‪ Froissart )1410 - 1337‬وجيل ميشيل(‪ .Jules Michelet )1874 - 1798‬وخلص‬
‫إىل رضورة القطع مع التقليد السائد يف الفصل بني الخرب والرواية‪ ،‬داعيا إىل إدماج املعطيات‬
‫الوثائقية أو املصدرية والتحاليل املتصلة بها يف ثنايا الرواية‪ ،‬فلم يعد من املنطقي وفق تصور‬
‫لطفي عيىس أن يقوم املؤرخ بتفضيل الرواية عىل رسم الوقائع أو االعتبار بعكس ذلك‪ ،‬فكتابة‬
‫التاريخ وفق منظوره هو صناعة‪ ،‬والصناعة عند املؤرخ تشرتط توفر موارد أساسية كالخرب‬

‫وأدوات اإلبالغ والرسد‪.‬‬
‫قامت االشكالية العامة لكتاب «أخبار التونسيني» حول مسألة مثرية ومربكة يف آن‪ ،‬تتمثل‬
‫يف طرق إدراك التونسيني ملسألة الزمن التاريخي وألساطري تأسيس مجالهم وتك ّون شخصيتهم‬
‫القاعدية‪ .‬ففي محاولة السرتجاع ذاكرة ضائع األزمنة عىل ح ّد تعبري لطفي عيىس‪ ،‬وضع‬
‫فقسمها إىل أربعة‬
‫الكاتب تصوره الخاص لألزمنة التونسية وفق نوعية املصادر املتعامل معها‪ّ ،‬‬
‫أزمنة كربى‪ ،‬ال تتخذ رضورة نسقا تط ّوريا وفق خط كرونولوجي أفقي كام اعتاد تداوله بني‬
‫املؤرخني‪ ،‬بل هي أزمنة متداخلة تقبل بتزامن زمنني أو أكرث‪ ،‬استجابة لحاجيات التونسيني يف‬
‫خلق وشائج وصالت تضمن تآلفهم واجتامعهم‪ ،‬وهذه األزمنة هي‪« :‬زمن الحكاية» و»زمن‬
‫املجال» و»زمن الرزنامة» ثم «زمن الذات أو الوجدان»‪.‬‬
‫سمه ب»ديوان الخرافات الشعبية التونسية»‪ ،‬إىل‬
‫سعى لطفي عيىس يف الفصل األول الذي ّ‬
‫مساءلة جانب من رصيد التونسيني من الحكايات واألمثلة الشعبية واألحاجي‪ ،‬والتعامل معها‬
‫كمصادر تاريخية لها حبكتها الخاصة من حيث الخطاب واللغة والبناء والرسد‪ .‬وهي مرويّات‬
‫تكفلت بتغطية مجزية لجوانب مهمة متصلة بالحياة اليومية للتونسيني داخل املسورات‬
‫وخارجها‪ ،‬ووثّقت للذاكرة املشرتكة وكشفت مواطن الشخصية الجامعية‪ .‬وقد نجحت هذه‬
‫الخرافات حسب ما أورده «لطفي عيىس» يف نقل متثل التونسيني العميق لخصوصيات‬
‫الوسط الذي عاشوا داخله‪ ،‬دون أن ننىس عرضها للقيم والطباع التي حكمت حياتاهم‪ .‬ورغم‬
‫أهمية املتون اإلخبارية الواردة يف هذا الصنف من املصادر‪ ،‬إالّ أنه‬
‫تم التعامل معها بكثري من التجاهل نتيجة وثوقية املدارس التاريخية‬
‫املفرطة ومتسكها الصارم برشوط صناعة املعارف التاريخية‪ .‬وهو ما‬
‫حدّا بالكاتب إىل الدعوة إىل رضورة مراجعة أبستمولوجيا املعرفة‬
‫التاريخية وفلسفتها‪ ،‬واالعرتاف بالقيمة اإلخبارية ملا حفظته الذاكرة‬
‫الجامعية للشعوب من حكايات وأمثال تم تداولها بني الناس‪ ،‬طاملا أن‬
‫مرآتها املحدبة قادرة عىل عكس مراحل مهمة من معيش املجتمعات‬
‫قبل التمكن من وضع ضوابط املعرفة التاريخية يف الربع األخري من‬
‫القرن التاسع عرش‪ ،‬وهو ما أحال تلك النوعية من املصادر إىل أسفل‬
‫سلم اهتامم الباحثني اعتبارا لعدم توافقها مع رشوط القراءة السياقية‬
‫الصارمة والدقيقة‪.‬‬
‫تتطلب دراسة الحكايات الشعبية واألمثال واألحاجي وفق رؤية لطفي‬
‫عيىس جهدا مضنيا وتركيز كبري لبلوغ معانيها ودقيق تحليالتها‪ ،‬مع‬
‫األخذ بعني االعتبار رضورة اإلملام بفرادة كلمها وصياغاتها املخصوصة‬
‫واتخاذ جميعها من العجائبي والخارق ركنا رئيسا يف بناء الرسد‪ .‬األمر‬
‫الذي نتكشف بفضله عىل مضامني تحيل عىل الطبيعة البرشية‪ ،‬وذلك‬
‫حال التعويل عىل استعارات لها صالت وثيقة مبدرك سلوك التونسيني‬
‫الواقعي‪ ،‬وأشكال توصلهم إىل تجاوز معيقات التعبري واإلبالغ العادية‪ ،‬وبلوغ املعاين السامية‬
‫دومنا نسيان لحاجات التسلية وتزجية الوقت عىل ح ّد تعبري الكاتب‬
‫انشد الفصل الثاين املوسوم ب «رسدية االنتامء يف مفتاح التاريخ» إىل منجز محمد البشري‬
‫صفر (‪ )1917 1865-‬باعتباره مؤلف قليل التداول بني معرش املؤرخني والباحثني التونسيني‪،‬‬
‫رغم نظرته الفريدة املجدّدة للرسدية التاريخية التونسية‪ .‬ف»مفتاح التاريخ» هو يف األصل‬
‫جملة من املحارضات يف التاريخ قدمها محمد البشري صفر يف املدرسة الخلدونية عىل مسامع‬
‫طلبة الجمعية الخلدونية بني ‪ ،1908 – 1897‬إبّان خضوع البالد ملعاهدة الحامية‪ ،‬وفقدان‬
‫التونسيني الستقالل قرارهم السيايس‪ .‬فقد عمد الكاتب إىل اعادة صياغة انتامءات التونسيني‬
‫وتوثيق صالتهم بجملة من الغرييات راوحت بني توسيع أفاقهم الزمانية‪ ،‬عرب التذكّري مبختلف‬
‫الحضارات الكربى التي وسمت تاريخ التونسيني القديم‪ ،‬وفتح أعينهم عىل تعدّد انتامءاتهم‬
‫املكانية من خالل ربطها بقديم تاريخ املغرب واملسلمني ووسيطه‪ ،‬وحديثه ومعارصه‪ ،‬مع‬
‫الحرص يف جميع ذلك عىل اطالعهم عىل حقيقة اتصال ماضيهم كام حارضهم بالبحرية‬
‫املتوسطية‪ ،‬والتشديد عىل ذلك التداخل بني تاريخ التونسيني وتاريخ أمم أوروبا مبا فيها‬
‫تاريخ «األمة الفرنسية الحامية» والجارة املتوسطية االيطالية واململكة الربيطانية‪ .‬فقد تبيّنت‬
‫للطفي عيىس بعد مراجعة منجز محمد البشري صفر تلك النقلة النوعية التي حدثت يف‬
‫فكر صاحبه والتي قامت عىل إعادة تأسيس فكرة االنتامء عىل قاعدة االنفتاح عىل اآلخر‬
‫الجغرايف والزمني‪« ،‬األليف» منه و»الغريب»‪ ،‬وذلك بغية الح ّد من االحساس بالدونية‬
‫املزدوجة ‪ -‬املرشقية والغربية ‪ -‬والرتكيز املريض عىل محور حضاري واحد‪ ،‬وإقناع املتلقي‬
‫بتوفّر مشرتك تاريخي وثقايف بني التونسيني‪ ،‬مع حضور عنارص تهجني أفصحت عىل قدرات‬
‫تركيبية سمحت باالنفتاح عىل العديد من الغرييات الحضارية والثقافية‪ ،‬حاملة لبذور القبول‬
‫يخصهم وتشكيلهم ألمة‪ ،‬عاشت عىل‬
‫باملثاقفة واالختالط‪ ،‬تكيّفا مع توفر التونسيني عىل وطن ّ‬
‫مجال اعتباري تح ّول بالتقادم إىل حيّز لالنتامء وتش ّوفت ساكنته إىل التعايف من جميع مظاهر‬
‫االنطواء التي الزمتها لقرون‪.‬‬
‫تطرق لطفي عيىس يف الفصل الثالث من مؤلفه‪ ،‬وهو فصل وسمه بـ»زمن االستطالع‬
‫وحب املعرفة الجذىل»‪ ،‬إىل دراسة مضامني «الرزنامة التونسية»‪ ،‬التي أرشف عىل تحريرها‬
‫الجرنال محمد بن الخوجة (‪ )1943 - 1869‬وبلغ عددها ‪ 16‬عددا صدرت بدون انقطاع‬
‫من سنة ‪ 1901‬إىل موىف سنة ‪ .1917‬حيث تضمنت تلك الدوريات معارف مستحدثة عملت‬
‫عىل توسيع االهتامم باألخبار الفلكية والجغرافية والتاريخية واألدبية واإلدارية والسياسية‬
‫والجاملية والفنية وغريها من املواضيع املستطرفة من قبل النخب الجديدة املندرجة ضمن‬
‫التقاليد الوليدة للتونيس الجديد‪ ،‬وعزوف عن دواعي الركون إىل االجرتار والتقليد والجمود‪،‬‬
‫تبي ملؤلفنا‬
‫مع الدفع باتجاه االنخراط يف نبض الكون‪ .‬وضمن تقييمه ملنجز محمد بن الخوجة ّ‬
‫أن ما انجزه ضمن مغامرة «الرزنامة التونسية» قد شكّل اسهاما معرفيا تجميعيا غري غريب‬
‫عن مثقف تونيس ُعرف بنشاطه العلمي الغزير ضمن الصحف واملجالت التونسية الثقافية‬
‫والعلمية‪ ،‬والتي أبانت عىل سعة اطالع صاحبها عىل املصادر واملراجع رشق وغربا‪ ،‬وقدرة‬
‫استثنائية عىل ربط مضامينها بالثقافة املحليّة التونسية‪ .‬كام اعترب لطفي عيىس أن مضامني‬
‫الدورية كانت متممة لألغراض التوعوية واإلخبارية التي من أجلها بعثت مجلة «الحارضة»‬
‫بش بها عدد من محرريها من بني النابهني من التونسيني‪.‬‬
‫ولألفكار الحداثية التي ّ‬

‫ن ّوه لطفي عيىس مبجهودات ْمحمد بن الخوجة يف عنايته ب»زمن الرزناةمة�‪Temps calen‬‬
‫‪ « daire‬والتقيّد بزمنية جديدة تحقق حول بعد اجامع كبري بني الشعوب املتحرضة من دون‬
‫والتخل التدريجي عن جميع التقوميات املوروثة‪،‬‬
‫ّ‬
‫غريه من األزمنة الدينية أو الروحية األخرى‪،‬‬
‫ترسخ الوعي بوحدة املصري البرشي‪ .‬وهي‬
‫كالدائرية أو الزراعية أو الطقسية‪ُ ،‬محيال عىل ّ‬
‫فكرة جديدة عمل املؤرخون واإلخباريون بشكل الفت عىل تقريبها من األذهان عرب شدّها‬
‫إىل قوائم تحويل ومقابلة ق ّربت بني التقوميني الشميس املسيحي والقمري اليهودي‪ ،‬فشكّلت‬
‫جهودهم لبنة أساسية عىل طريق اكساب الزمن التاريخي طابعا منفصال عن التص ّورات‬
‫الدينية التعبّدية‪.‬‬
‫كام عاين الكاتب نفس املضامني الحداثية تقريبا يف موسوعة « األدب التونيس يف القرن‬
‫الرابع عرش» التي تصدى لتحرير محتوياتها زين العابدين السنويس (‪ ،)1965 - 1898‬عند‬
‫أواخر عرشينات القرن املايض‪ .‬فقد راهن هذا املؤلف بدوره عىل التجديدات الحاصلة يف‬
‫أشكال املعالجة األدبية التونسية شكال ومحتوى‪ ،‬وذلك بغرض اثبات حقيقة النقلة الفكرية‬
‫التي عاشتها نخب األدب والفن من خالل الرتكيز عىل شواغل مـُحدثة أخذ ضمنها اإلحساس‬
‫باالنتامء الوطني والرغبة يف التح ّرر واالنعتاق ومقاومة الظواهر االجتامعية والثقافية البالية‬
‫املفرطة يف الحسيّة موقع الصدارة‪ .‬فقد تضمنت تلك الرسدية تراجام ألدباء الثلث األول من‬
‫القرن العرشين‪ ،‬ومختارات من أعاملهم الفنية وذلك يف إطار خطة الكاتب إلعادة استكشاف‬
‫مايض التونسيني ونفض الغبار عنه‪ ،‬وليكتسب مدلوال محدثا يسمح‬
‫باالنفتاح عىل دواعي التجديد وحب املعرفة الجذىل‪ .‬ومن تلك الشخصيات‬
‫التي تم االحتفاء بها يف املوسوعة وعدت من قامات األدب التونيس يف‬
‫ذلك الحني تعرض هذا الفصل إىل‪ :‬محمد الشاذيل خزندار وحسني الجزيري‬
‫وسعيد أبو بكر وصالح النيفر ومحمد الفائز والهادي املدين وأبو القاسم‬
‫الشايب وأحمد خري الدين ومحمد مناشو وسامل األكودي‪ ،‬وجميعهم أدباء‬
‫وشعراء تونسيون كتبوا يف األدب وفق رهانات السياقات الوطنية واستجابة‬
‫للذائقة املحلية‪.‬‬
‫شدّد لطفي عيىس عند النظرة التجديدية التي حملها كتاب السنويس‬
‫حول املعرفة التاريخية الجديدة‪ ،‬إذ استنتج «أن عقلية األمم مل تعد تكتفي‬
‫مبعرفة األسباب النفسية لالنقالبات التاريخية‪ ،‬بل البد للمؤرخ اليوم من‬
‫الجداول الواضحة والخرائط ملختلف األعرص‪ ،‬وال يكون كتابه مستوىف إذا‬
‫كان خلوا من الرسوم واملناظر الرصيحة‪ .‬عىل أن تجدّد التواريخ وسبكها‬
‫عىل العقلية العرصية ليس من األعامل الهينة البسيطة‪ ،‬بل ميكن أن ينسبك‬
‫قبل بضع عرشات سنني ميضيها املجدّدون يف املالحظة والنقد والتعبري»‪.‬‬
‫خصص املؤلف الفصل الرابع من كتابه إىل ما نعته ب»مراجعات حول‬
‫ّ‬
‫شخصية التونسيني»‪ ،‬مستعرضا عينات أدبية مختارة حاز خطابها من وجهة‬
‫نظره عىل كثري من الطرافة‪ ،‬ألنها اختارت االشتغال عىل مقومات الشخصية التونسية من خالل‬
‫بعض البحوث امليدانية‪ ،‬عاملة عىل التعريف بسكان البالد التونسية‪ :‬عرقا ولغة وتراثا وسلوكا‬
‫وأعامال وأياما‪ .‬ومن تلك املنتقيات اختار الكاتب التوقف عند مؤلف «الهدية أو الفوائد‬
‫العلمية يف العادات والتقاليد التونسية» ملحمد بن عثامن الحشاييش‪ ،‬الذي ع ّد جردا مفصال‬
‫وميداين لتقاليد التونسيني وعاداتهم‪ ،‬مستعرضا جملة من املعطيات أحالت عىل مضمون‬
‫الثقافة املادية ومختلف املعارف والقيم واملعايري التي طبعت ترصفات التونسيني وسلوكاتهم‪،‬‬
‫محاوال من خالل ذلك توسيع اطالع أعوان اإلدارة الحامية عىل ما شكّل الشخصية القاعدية‬
‫للتونسيني‪ .‬ويف ذات الغرض استجلب لطفي عيىس املقاالت الثالثة لألب أندري دميريسيمن‬
‫(متت االشارة إليها سابقا) والتي تعرضت بالدراسة إىل تاريخ التونسيني وماضيهم الالتيني‬
‫الروماين دومنا نسيان للجذور العربية اإلسالمية وفق قراءة مشوبة بنفس استرشاقي عىل ح ّد‬
‫توصيف لطفي عيىس‪ .‬حيث تضمنت تلك املقاالت أسس نظرته للشخصية التونسية‪ ،‬مع ّوال‬
‫يف تحديد معاملها الكربى عىل الجهد امليداين الذي بذله بغية التع ّرف عىل طباع ساكنة البالد‬
‫ومزيد فهم واقعهم املعيش‪ ،‬وفق قراءات متواشجة مع عروض الحشاييش‪ .‬وخلص لطفي‬
‫عيىس يف نهاية عروضه إىل تحديد الخطوط العريضة للشخصية التونسية‪ ،‬تلك التي اختزلها يف‬
‫أربعة وهي‪ :‬وحدتها‪ ،‬وتنوعها‪ ،‬وامتدادها وتواصلها‪ ،‬مع بعض من التفصيل يف كل ركن منها‪.‬‬
‫ما ميكن استنتاجه بعد االطالع عىل تضاعيف كتاب أخبار التونسيني‪ ،‬مراجعات يف رسديّات‬
‫االنتامء واألصول أنه مؤلف فريد اكتسب فرادته من جانبني أساسيني‪ .‬فمن وجهة نظر اخبارية‬
‫فقد نجح الكاتب ويف جانب كبري من الكتاب يف استحضار زخام معرفيا وفريا حول معاش‬
‫التونسيني وحياتهم الثقافية يف شقيها املادي والالمادي‪ ،‬واملسار التط ّوري للوعي التونيس‬
‫وخاصة لدى فئة املتعلمني الذين أقبلوا عىل قيم الحداثة الغربية وعربوا عن رغبتهم يف‬
‫االنصهار ضمن املشرتك اإلنساين‪ ،‬مقتنعني بزوال عهد االنطواء واالنغالق عىل الذات‪ ،‬يف زمن‬
‫أخذ فيه النفوذ االستعامري الفرنيس يف التمدّد داخل هياكل الدولة التونسية ومؤسساتها‪،‬‬
‫وداخل نسيج سكان البالد الثقايف واالجتامعي‪ .‬كام اتضحت يف نفس ذلك السياق مؤرشات‬
‫بليغة عن بداية تفكري التونسيني بخصوص مالمح شخصيتهم القاعدية املستندة إىل مشرتك‬
‫حضاري أثيل يعود إىل عهود ما قبل اإلسالمية‪ ،‬لـ ّمـا اشعت قرطاج ومن بعدها افريقيا ‪Africa‬‬
‫عىل املتوسط وجانب من الصحراء االفريقية‪.‬‬
‫كام تنم فرادة ما أنجزه لطفي عيىس يف جانب آخر عىل جرأة يف اقتحام مجاالت مجددة‬
‫منهجا وتص ّورا وتركيبا‪ ،‬حتى وإن مل يسلم ارتياد تلك املغامرة من مخاطر عدة ومنزلقات شتى‪،‬‬
‫هذا فضال عن متسك جانب غري قليل من الباحثني بأساليب ومناهج يف البحث والتمحيص‬
‫يكاد حارض املعارف اإلنسانية واالجتامعية أن يعفو عنها متاما‪ .‬ولكن سعة اطالع املؤلِف عىل‬
‫منجز املدارس التاريخية واإلنسانية غربا ورشقا‪ ،‬ورصيده املعريف الرثي واملتجدّد‪ ،‬كام متلّكه‬
‫ألدوات الرسد التاريخي وفصاحة بيّانه‪ ،‬قد أسعفه جميعها يف خوض مثل تلك املراوحة املنتجة‬
‫لغزيز الداللة باقتدار وأناة‪ ،‬بحيث بدا لنا أن مثل هذا األثر البديع يف جنسه ميكن االعتبار‬
‫مبحصلته معرفيا وتحويله إىل أمنوذج ميكن االستفادة منه يف مساءلة موضوع االنتامء وطرح‬
‫سؤال األصول‪ ،‬وخاصة بالنسبة للمجتمعات التي ثبت تقاطع مساراتها التاريخية أو تشابهها‬
‫مع ما حملته «أخبار التونسيني»‪./.‬‬
‫باحث يف التاريخ الثقايف املغاريب واملتوسطي‬

‫‪16‬‬

‫الخميس ‪ 1‬أكتوبر ‪ - 2020‬املوافق لـ ‪ 14‬صفر ‪ 1441‬هـ ‪ -‬العدد ‪90‬‬

‫دارات‬

‫إص‬

‫مكتبة منارات ‪ :‬بقلم سعدية بن سالم‬

‫القصة‬
‫نعود يف هذا العدد مع مجموعة جديدة من األعامل التونسية التي متثّل لبنة يف بناء مدونة تونسيّة ثريّة يف شتى أمناط اإلبداع‪ .‬ونصوصنا لهذا العدد نصوص رسديّة تتوزّع بني ّ‬
‫والقصة القصرية ج ّدا‪ .‬وهي أعامل لألدباء «نورة الورتاين» يف مجموعتها القصص ّية «ليلة انتىش فيها القمر»‪ ،‬ومحمد بوحوش يف مجموعته القصصية القصرية ج ّدا «عطس ونباح» ث ّم‬
‫ّ‬
‫مجموعة األديب الهادي الخرضاوي «أيّام الحجر»‪.‬‬

‫نورة الورتاني بين طرافة اليومي ومشهد ّيته‬

‫صدرت الطّبعة األوىل من « ليلة انتىش فيها القمر»‬
‫عن دار سا ّرة للنرش سنة ‪ ،2017‬وقدّم لها الناقد‬
‫البشري الجلجيل‪ ،‬وتتك ّون املجموعة من إهداء‬
‫فتصدير فتقديم ف ِعقد من ثالث حبّات ففهرس‪.‬‬
‫استعارت «نورة الورتاين» ملجموعتها صورة ال ِعقد‬
‫فإذا هي تتكون من ثالث حبات يف كلّ ح ّبة‬
‫مجموعة من النصوص‪ .‬وهي نصوص بلغت يف‬
‫الحبّة األوىل خمسة عرش ّنصا ويف الحبّة الثانية‬
‫مثانية نصوص ويف الحبّة األخرية واحدا وعرشين‬
‫ّنصا‪.‬‬
‫والعنوان جملة تامة الدّاللة والرتكيب‪ ،‬تحدّد الزمن‬
‫رغم إطالقيته‪ ،‬فهي ليلة ولكنها ليلة مخصوصة قد‬
‫ال تتك ّرر فام يف كلّ ليلة ينتيش القمر‪ .‬واإلسناد‬
‫الوارد بني الفعل (انتىش) والفاعل (القمر) يحيلنا‬
‫عىل شعريّة تكرس الحدود بني‪ ،‬األجناس األدب ّية‪ ،‬بني‬
‫الشّ عر والقص‪.‬‬
‫يختزل العنوان املجموعة يف ليلة واحدة‪ ،‬فإىل أ ّي‬
‫القاصة بال ّزمن داخل املجموعة‪.‬‬
‫ح ّد نجد التزاما من ّ‬
‫القاصة عملها بعد اإلهداء إىل كلّ‬
‫استهلّت ّ‬
‫الحق مل‬
‫الصادقني يف تونس بتصدير ألفالطون «إ ّن ّ‬

‫يصبه ال ّناس من كلّ وجوهه‪ ،‬بل أصاب منه كلّ‬
‫إنسان جهة» لتضعنا منذ البداية يف مجال النسب ّية‬
‫وتعدّد الرؤى يف املوضوع الواحد وكأنها دعوة‬
‫خفيّة لتوسيع مجال الرؤية وقبول املختلف‪.‬‬
‫جمعت «نورة الورتاين» يف الحبّة األوىل من عقدها‬
‫املرتسخة يف املجتمع وبني السيايس‬
‫بني الطرافة ّ‬
‫السؤال والغضب‬
‫نحو‬
‫الدافع‬
‫و‬
‫املقتحم لليومي‬
‫ّ‬
‫النص‬
‫السخرية‪ .‬ومن مظاهر الطرافة ما نقرؤه يف ّ‬
‫و ّ‬
‫القصيص األ ّول «لقد تجاهل أقراطي»‪ ،‬طرافة يف‬
‫الشخصيات‪ :‬الحاجة آمنة‪ ،‬والشيخ‪ ،‬وخديجة‪،‬‬
‫للسمع‪ ،‬وتقوم الطرافة عىل التقابل‬
‫والك ّنة املسرتقة ّ‬
‫بني املتص ّور الذي ينطبع يف ذهن القارئ من‬
‫تقديم الشخصيات وتص ّور الشخصيات حول نفسها‬
‫النص‬
‫وخاصة تص ّور الحاجة آمنة والشيخ‪ .‬ونقرأ يف ّ‬
‫ّ‬
‫وصفا للشيخ فتقول ال ّراوية‪« :‬فهو شيخ ناهز املائة‬
‫شديد البنية مستقيم القامة‪ ،‬ثابت الخطو‪ ،‬سليم‬
‫الصوت حازم املواقف وكثري الجدال‬
‫العقل حا ّد ّ‬
‫وخاصة‬
‫والعتاب والطّلبات املعقولة وغري املعقولة ّ‬
‫بالنسبة إليها وهي يف عقدها الثّامن»‪ ،‬عجوزان‬
‫متقدّمان يف الس ّن يب ِّوئهام التص ّور الجمعي صورة‬

‫النص يكرس‬
‫منطيّة عن العالقات الزوجيّة‪ ،‬غري أ ّن ّ‬
‫ذلك التص ّور حني تأيت العجوز باحثة عن دواء‬
‫للشيخ الذي كرث رشوده ومكوثه أمام البيت بل‬
‫إنّه أصبح فجأة ينادي زوجته بلقب «يا حاجة»‬
‫ومل ينتبه إىل األقراط الجديدة التي استبدلت بها‬
‫«املحي» يزداد التباسا حني‬
‫األسورة‪ .‬هذا الوضع‬
‫ّ‬
‫الساردة أالّ تُسمع متلقيها فحوى الحديث‬
‫رص ّ‬
‫ت ّ‬
‫رسته آمنة لخديجة‪« :‬اقرتبت الحاجة آمنة‬
‫الذي أ ّ‬
‫من خديجة ووشوشتها جملة اتّسعت لها عيناها‬
‫استغرابا ث ّم ندّت عنها ضحكة قهقهت إثرها‬
‫رس تلميحا ال ترصيحا‬
‫عاليا‪(».‬ص‪ ،)28‬ث ّم ينكشف ال ّ‬
‫القص حني يفاجأ القارئ وخديجة عىل‬
‫يف خامتة ّ‬
‫ح ّد سواء بصوت آمنة ذات العقد الثامن من العمر‬
‫تدب يف صحن الدار تحمل فطائر وعسال‪:‬‬
‫«وهي ّ‬
‫«يا خديجة‪ ،‬تعايل أقبلك يا خديجة لقد عاد الحاج‬
‫بعد غياب» (ص‪.)29‬‬
‫كرست «نورة الورتاين» الصورة النمطيّة للزوج‬
‫املتقدّم يف الس ّن والقامئة أساسا عىل نفي الجسد‬
‫واختارت أن تؤكّد عىل تشبثهام بالحياة إىل آخر‬
‫رمق وهو اختيار نراه يف توافق مع التصدير‪ ،‬إذ‬

‫لكلّ حقيقة يراها ولكلّ تص ّورات تعنيه ليس من‬
‫حقّه أن يفرضها عىل تص ّور اآلخر لذاته ورغباته‬
‫ورؤيته للحياة‪.‬‬
‫وع ّجت الحبة األوىل باإلحاالت السياسيّة‪ ،‬لذلك‬
‫نقرأ يف بعض العناوين‪ :‬رحلة الشيخني‪ ،‬ونذكر كيف‬
‫اكتسب لفظ الشيخني إحالة تاريخ ّية فيها كثري من‬
‫الغضب والسخرية يف الوقت نفسه وهو ما ينطبق‬
‫أيضا عىل عنوان الدستور مبا يحمله من ثقل إحايل‬
‫عند املتلقي‪ .‬زاده الحوار ترسيخا‪-« :‬من حقي أن‬
‫أرفض زوجا ال يناسبني‪...‬‬
‫‪ ...‬فحريّة االختيار كذبة اخرتعناها نحن ال ّرجال‬‫وأقنعنا بها إناثا ليخرتن من نختار له ّن‪...‬‬
‫ما هذه الصورة القامتة‪ ...‬امرأة منكرسة خانعة يف‬‫نؤسس للجمهوريّة‬
‫أجمل فرتة يف تاريخنا‪ .‬ونحن ّ‬
‫الثانية‪ ...‬موضوعك مستهلك ممجوج ال مكان له‬
‫بيننا‪( »..‬ص‪.)40‬‬
‫يف الحبّة األوىل يطلّ علينا عنوان املجموعة يف ّنص‬
‫منفصل‪ ،‬لندرك أ ّن العنوان ال يختزل املجموعة وإمنا‬
‫هو جزء منها ال غري‪.‬‬
‫القاصة من املشاهد وبها‬
‫تكثف‬
‫يف الح ّبة الثانية‬
‫ّ‬

‫لمحمد بوحوش‬
‫مجموعة عطس ونباح ّ‬
‫صدرت الطّبعة األوىل من مجموعة عطس‬
‫ونباح للشاعر والروايئ والقاص «مح ّمد‬
‫بوحوش» يف طبعتها األوىل سنة ‪،2020‬‬
‫قصة‬
‫وتتكون املجموعة من ثالث ومثانني ّ‬
‫قصرية جدا وهو ف ّن برع فيه الشاعر «محمد‬
‫بوحوش» وأصدر فيه أكرث من عمل‪.‬‬
‫يتقن مح ّمد بوحوش نهايات قصصه‪ ،‬ونعلم‬
‫لب العمل يف هذا‬
‫أن تلك النهاية هي ّ‬
‫الصنف من النصوص‪ ،‬وكأننا ببوحوش يحرص‬
‫أن يرتك قارئه يف دهشة ال تنتهي‪ ،‬يقول يف‬
‫«ترسخت يف ذهنه فكرة قتله‪ .‬أخذ‬
‫مراوغة‪ّ :‬‬
‫بندق ّيته ومىش إليه‪ .‬طلقة‪ ،‬اثنتان‪ ،‬ثالث‪...‬‬
‫ومل يسقط‪ ...‬ارتجفت يداه‪ ،‬وتعرث بالوهم‪...‬‬
‫قهقهت البندق ّية وسقطت‪ ...‬خ ّزان ال ّرصاص‬
‫كان فارغا»(ص‪.)5‬‬
‫النص‬
‫يف‬
‫الواردة‬
‫املفردات‬
‫تيش بعض‬
‫ّ‬
‫بنهايات محتملة مثل لفظ الوهم‪ ،‬قهقهت‬

‫البندقية (ما يحيل عىل الحلم)‪ ،‬غري أ ّن‬
‫السارد أىب إالّ أن يأيت مبا يفاجئ ويحدث‬
‫شهقة االكتشاف واإلعجاب‪.‬‬
‫وكثريا ما يتجه «مح ّمد بوحوش»‪ ،‬يف أعامله‬
‫السابقة أو يف هذا العمل‪ ،‬إىل النحت‪ ،‬نحت‬
‫كلامت جديدة من كلامت سابقة لتأدية‬
‫معاين حادثة‪ ،‬يقول يف «ث ّم»‪:‬‬
‫كتب تدوينة موسومة ب‪ :‬ال ّرجل املبضحك»‬
‫املبضحك‪ :‬الذي يجمع بني البكاء والضحك‬
‫معا (ص‪.)6‬‬
‫القصص القصرية ج ّدا عند «مح ّمد بوحوش»‪،‬‬
‫هي مجال للتعبري عن الحرية‪ ،‬لطرح السؤال‬
‫الذي يعرب الخاطر فجأة ث ّم يستق ّر فيه‪ ،‬وقد‬
‫يبدو للوهلة األوىل بسيطا ال داعي له لك ّنه ال‬
‫يغادر‪ ،‬يعيدنا إىل أسئلة الطفولة التي تبحث‬
‫عن تفسري ما حولها وخلق عالقات بني‬
‫املوجودات حتى تشعر بالتوازن مع الكون‪،‬‬

‫غري أ ّن أسئلة «مح ّمد بوحوش» هذه تتجاوز‬
‫الظاهر من البحث عن االنسجام مع الكون‬
‫خفي يلمع برقا خاطفا يف الذّهن ث ّم‬
‫إىل نقد ّ‬
‫يعلق ال يبارح ومن هذه األسئلة ما نقرؤه‬
‫يف ومضة «مج ّرد سؤال‪« :‬أسند ظهره إىل‬
‫شجرة‪ .‬وضع «الكالشنيكوف» جانبا‪ ،‬نظر إىل‬
‫الشّ جرة وزيّه العسكري‪ ،‬وأطرق متسائال عن‬
‫العالقة بني اللّون األخرض والحرب» (ص‪.)8‬‬

‫تأخذ ومضات «مح ّمد بوحوش» مواضيع‬
‫متن ّوعة‪ ،‬من اليومي إىل االجتامعي إىل‬
‫السيايس إىل األديب‪ ...‬لك ّنها يف تن ّوعها تحافظ‬
‫عىل نزعتها إىل ال ّنقد وإىل السخريّة‪ ،‬ثنائ ّية‬
‫رافقت معظم ومضات املجموعة ومن‬
‫الومضات السياس ّية نقرأ‪« :‬كذب ‪ ...‬كذب‬
‫‪ ....‬كذب‪ ...‬فتجمع األنصار حوله‪ .‬استعذب‬
‫فانفض‬
‫األمر فكذب‪ ...‬وكذب‪ ...‬وكذب‪...‬‬
‫ّ‬

‫الناس من حوله‪ ،‬وصار إىل‬
‫العزلة‪( ».‬ص‪ ،)52‬ونقرأ يف‬
‫عالقة اإلعالم بالسياسة‪:‬‬
‫«ح ّرر مقاله بعناية وذكاء‬
‫ووسمه ب‪ :‬الرئيس الذي‬
‫ال يريده الشّ عب؟ أرسله‬
‫إىل رئيس التحرير صباحا‪.‬‬
‫يف املساء قرأ الجريدة‪،‬‬
‫فوجد مقاله بصفحتها‬
‫األوىل موسوما ب‪ :‬ال ّرئيس الذي يريده‬
‫الشّ عب‪( ».‬ص‪.)53‬‬
‫األدب التلمي ُح‪ ،‬هكذا نجد يف نصوص‬
‫ُ‬
‫مجموعة «عطس ونباح» التي متت ّد عىل‬
‫املتوسط‪،‬‬
‫ثالث وتسعني صفحة من الحجم ّ‬
‫هو تلميح م ّر مؤمل أحيانا‪ ،‬ساخر أحيانا‬
‫أخرى‪ ،‬هو م ّر يف إحالته عىل معاناة الشعب‬
‫يف غابة الذئاب‪« :‬رسم بقرة خرضاء اللون‬

‫تعنون ّنصها‪ :‬وهي باعتبار الذِّكر أربعة مشاهد‪،‬‬
‫قال فيها الناقد «بشري الجلجيل»‪« :‬أ ّما القسم الثاين‬
‫فجاء عىل شكل ال ّرواية يف فصول متعاقبة أو عىل‬
‫شكل املرسح ّية وفق مشاهد وفصول ترابطا بني‬
‫األحداث وتواصال بني الشخصيات» (ص‪.)13‬‬
‫ترصف‬
‫يف الحبة الثالثة اختارت «نورة الورتاين» أن ّ‬
‫قصصا قصرية جدّا ال تتعدّى أطولها الصفحة‬
‫(القفة) وال تقل عىل ثالثة أسطر‪ ،‬ومن األمثلة نقرأ‬
‫أحب كلّ نساء الكون‬
‫يف شهريار ال ّنساء‪ّ « :‬‬
‫خانته امرأتنان‬
‫فقتل األوىل انتقاما‬
‫فوارته الثانية غراما‪( ».‬ص‪)121‬‬
‫تنويعات قصص ّية تؤكّد قدرة الكاتبة «نورة‬
‫الورتاين» الرسدية وتحكمها يف نبض املتلقّي‪.‬‬

‫رس الناظرين‪ .‬تحتها رسم‬
‫ت ّ‬
‫ذئابا تنهش قوامئها‪ .‬حول‬
‫الصورة رسم أناسا عراة‬
‫ّ‬
‫بأفواه فاغرة‪( »...‬ص‪.)39‬‬
‫وهو ساخر يف نقده لواقع‬
‫أدب املواقع االجتامع ّية‪،‬‬
‫يقول‪ »:‬نرش نصوصه عىل‬
‫صفحات الفايسبوك‪ .‬جاءته‬
‫إشارات اإلعجاب وتعليقات‬
‫املديح املريح تباعا‪ .‬انتفخت أوداجه فرحا‪،‬‬
‫وسال لعابه‪ ،‬فتو ّهم أنه صار أكرب شاعر‪ .‬أحد‬
‫النقاد الكبار علّق عىل تدويناته قائال‪« :‬لقد‬
‫زغردوا يف أذنه»‪( .‬ص‪.)40‬‬
‫نصوص قصرية‪ ،‬مكتنزة باملعنى‪ ،‬طريفة‬
‫يف طرحها‪ ،‬عذبة يف لغتها كساها «مح ّمد‬
‫خاصة به‬
‫بوحوش» من شعريّته ما يجعلها ّ‬
‫محيلة عليه شاعرا وناقدا وساردا‪ ،‬ال بغريه‪.‬‬

‫الصحي‬
‫أ ّيام الحجر لهادي الخضراوي أو يوميات تونس ّية من واقع الحجر ّ‬

‫يف تسع وعرشين لوحة أخرج الكاتب‬
‫والشاعر الهادي الخرضاوي يف طبعة‬
‫أوىل (سبتمرب ‪ )2020‬مجموعته «أيّام‬
‫الحجر»‪ ،‬وهي عبارة عىل مجموعة‬
‫من اللوحات أو اليوميّات إن شئنا‬
‫استهلّها مبقدّمة تن ّزل املجموعة يف‬
‫إطارها التاريخي ويف عالقة بفعل‬
‫الجراثيم والكائنات الصغرية غري املرئية‬
‫يف اإلنسان وحضارته‪ ،‬يقول‪« :‬إ ّن هذه‬
‫الصغر التي تزورنا‬
‫الكائنات الالمتناهية ّ‬
‫اليوم والتي تتكاثر بأعداد خرافية يف‬
‫كلّ لحظة ال تصيب البرش حيثام تشاء‬
‫عىل كامل كوكب األرض مهام تباعدت‬
‫ديارهم بعرشات آالف األميال فحسب‬
‫بل إنّها تحبس الطائرات والبواخر‬

‫والقطارات وتعطّل املصانع واملدارس‬
‫وتغي سطح‬
‫وجميع مناهل الحضارة ّ‬
‫األرض وسامها‪( ».‬ص‪ .)7‬ث ّم أعقب‬
‫الكاتب املقدّمة باستهالل أكّد فيه عىل‬
‫الصدقيّة انطالقا‬
‫القدرة عىل كسب ّ‬
‫نص كتبه ال ّروايئ الطّاهر بن جلّون‬
‫من ّ‬
‫بطلب من إذاعة فرنس ّية وحاز إعجابا‬
‫كبريا بل وأوهم املتابعني بأنّه يتحدّث‬
‫من واقع تجربة شخصيّة‪ ،‬هذا االستهالل‬
‫يجعلنا ننتبه إىل أ ّن هادي الخرضاوي‪،‬‬
‫وإن سيذكر يف مجموعته هذه بعض‬
‫الخاصة به فإنّه قبل ذلك‬
‫اليوميات‬
‫ّ‬
‫يكتب األدب ويط ّوع الخيال إىل حكاية‬
‫تروى تستم ّد أحداثها من عامل ممكن‬
‫التحقّق لتوفر رشوط تحقّقه‪ ،‬عامل نراه‬

‫بأشخاصه وأحداثه ولغته قابال للتشكّل‬
‫ومعبا عن حقيقة ال ينفي أننا مل نعشها‬
‫ّ‬
‫قابليتها ألن تكون‪.‬‬
‫ترصد مجموعة «الهادي الخرضاوي»‬
‫بعض سلوكات الناس أيّام الحجر أو‬
‫بتعبري أدقّ وقع الحجر عىل اإلنسان‪،‬‬
‫ذاكرة وسلوكا وعالقات‪ ،‬عالقات‬
‫تتأسس من جديد بنظرة مختلفة كأ ّن‬
‫البقاء ضمن العائلة لفرتات طويلة هو‬
‫اكتشاف جديد ألفرادها وإعادة ترتيب‬
‫للعالقات بينها وقد يكون االكتشاف‬
‫محبطا ومح ّفزا لتغيري الواقع مثلام‬
‫حدث مع جارة السارد يف الحكاية‬
‫الثالثة «خمرية العيوب» تقول الجارة‬
‫يف زوجها‪« :‬امله ّم أنّني عرفته اآلن عىل‬

‫حقيقته التي اتّضح يل بجالء ّأن كنت‬
‫السنني املاضية‪.‬‬
‫أجهلها متاما طوال ّ‬
‫اكتشفت اليوم أنّه ال يُحتمل وق ّررت‬
‫بعد تر ّو أن أنفصل عنه يف أقرب‬
‫وقت‪ ».‬وفشلت محاوالت السارد أن‬
‫النص‪:‬‬
‫أتغي رأيها فاكتفي بالعليق آخر ّ‬
‫ّ‬
‫«من حسن الح ّظ أ ّن املحاكم اآلن‬
‫مغلقة وعىس بعد ذلك أن يطيح ال ّزمن‬
‫الطّلق مبا خطّط له الزمن املضغوط»‬
‫(ص‪.)20‬‬
‫إ ّن اإلنسان يف الزمن املضغوط غريه يف‬
‫الزمن الطّلق إذ تضيق الفكرة وتنضغط‬
‫الذاكرة فتختبئ كثري من الحقائق بني‬
‫طياتها فتنىس أو تش ّوش ولذلك نيس‬
‫السارد أن أخته قد توفيت وظلّ يه ّم‬
‫ّ‬

‫كلّ مرة مبكاملتها أو زيارتها‪ ،‬ونيس‬
‫موعد عيد زواجه فقدّمته الذاكرة‬
‫وأقنعته به‪ .‬ولك ّن الذاكرة املضطربة‬
‫ال تعدم أن تتحايل متى أرادت وأن‬
‫تسعف صاحبها بحلول ما كان له‬
‫أن يهتدي إليها يف وضع عام يح ّجر‬
‫فيه التجوال‪ ،‬يقول السارد يف اللوحة‬
‫الخامسة عرشة «الحق يف امليش»‪ :‬امليش‬
‫رضور ّي لص ّحتي مثل الخبز متاما ولكن‬
‫قواعد الحجر الص ّحي يف هذه األيّام‬
‫تسمح بالخروج لرشاء الخبز وال تسمح‬
‫بالخروج ملج ّرد امليش‪ .‬وجدت الحلّ ‪:‬‬
‫أصبحت أخرج لرشاء الخبز من املخبز‬
‫القريب ث ّم أميش بعد ذلك ومعي‬
‫كيس الخبز مسافة ستّة كيلومرتات‬

‫ذهابا وإيّابا وهي حيلة أبدت نجاعة‬
‫تا ّمة أمام أعني ّشطة مراقبة احرتام‬
‫الحجر‪(».‬ص‪.)59‬‬
‫«أيّام الحجر»‪ ،‬مجموعة طريفة‬
‫تندرج ضمن منط من األدب مخصوص‪،‬‬
‫أدب من واقع األزمات والحجر بأنواعه‪.‬‬


Aperçu du document منارات اكتوبر.pdf - page 1/9
 
منارات اكتوبر.pdf - page 3/9
منارات اكتوبر.pdf - page 4/9
منارات اكتوبر.pdf - page 5/9
منارات اكتوبر.pdf - page 6/9
 




Télécharger le fichier (PDF)


منارات اكتوبر.pdf (PDF, 846 Ko)

Télécharger
Formats alternatifs: ZIP



Documents similaires


madame bovary
modle d 1
bovary
neo magazine   troisieme numero
commentire compose pierre
mme bovary

Sur le même sujet..