manarat novembre 2020 .pdf



Nom original: manarat-novembre-2020.pdf

Ce document au format PDF 1.4 a été généré par Adobe InDesign CS5 (7.0) / Adobe PDF Library 9.9, et a été envoyé sur fichier-pdf.fr le 24/11/2020 à 10:42, depuis l'adresse IP 165.51.x.x. La présente page de téléchargement du fichier a été vue 120 fois.
Taille du document: 11.5 Mo (16 pages).
Confidentialité: fichier public


Aperçu du document


‫بقلم برناديت بينسود فانسون ‪Bernadette Bensaude-Vincent‬‬

‫السلطة‪،‬‬
‫حين تغيب ّ‬
‫الحقيقي‬
‫اإلعالمي‬
‫على‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫السلطة‪.‬‬
‫أن يكون هو ّ‬
‫سعدية بنسامل‬

‫أزمة القيم في المجتمع الحديث*‬

‫الملحق الثقافي لجريدة الشعب‬

‫كورنيليوس كاستورياديس‬
‫‪Cornelius Castoriadis‬‬
‫ترجمة املنترص الحميل‬

‫الخميس ‪ 12‬نوفمرب ‪ - 2020‬املوافق لـ ‪ 26‬ربيع األول ‪ 1442‬هـ ‪ -‬العدد ‪89‬‬

‫يف ظل واقع مأزوم هل من سبيل‬
‫إىل مبادرات تستعيد تفعيل األبعاد‬
‫القيمية املعرفية الثقافية‬
‫حوار العدد مع األستاذ د‪ .‬عثمان البرهومي‬

‫تخضع تقسيمات ال ّزمن إلى نوع من‬
‫إما الحوادث‬
‫المنطق الداخلي الذي تقوده ّ‬
‫وإما الظواهر االجتماع ّية أو‬
‫الكبرى‪ّ ،‬‬
‫وإما غيرها من الظواهر التي‬
‫االقتصادية‪ّ ،‬‬
‫تطغى على نسق الحياة االجتماع ّية‪.‬‬

‫‪ 15‬اكتوبر ‪1890‬‬
‫ميالد وعبرة واعتبار‬
‫في ذكرى ميالد محمد علي الحامي‬

‫تأسيس جامعة عموم المثقفين‬
‫التونسيين ‪ ...‬أمر ممكن ؟‬
‫محمد يّ‬
‫الجابل‬

‫‪2‬‬

‫الخميس ‪ 12‬نوفمرب ‪ - 2020‬املوافق لـ ‪ 26‬ربيع األول ‪ 1442‬هـ ‪ -‬العدد ‪89‬‬

‫كلمة العدد‬

‫حني تغيب السّلطة‪،‬‬
‫على اإلعالميّ الحقيقيّ أن يكون‬
‫هو السّلطة‪.‬‬
‫سعدية بنسامل‬

‫السب‬
‫وأنت تتصفّح مواقع التواصل االجتامعي يفاجئك ك ّم ّ‬
‫والشّ تم املو ّجه من الجميع إىل الجميع‪ ،‬يفاجئك أيضا ضيق‬
‫األفق والنزق والتوتر الذي يغلب عىل الردود‪ ،‬يصدمك ك ّم‬
‫الحقد والتشفّي والشامتة يف الخصوم وحتى يف غري الخصوم‬
‫الذين ال تربط الشاتم بهم أ ّي عالقة‪ ،‬ك ّم العنف غري امل ّربر وك ّم‬
‫التعصب والقدرة عىل الثلب‬
‫التسطّح يف التفكري واالنغالق و ّ‬
‫وهتك األعراض‪ .‬وتتساءل إن كان هذا األمر طبيعيا يف مجتمع قام بـ»ثورة»؟‪ ،‬وحني تنظر يف‬
‫طبيعي‪ ،‬لألسف‪ ،‬أل ّن املسألة ال تتعلّق‬
‫الوضع العام للبالد ال متلك إالّ أن تقول نعم‪ .‬هو أمر‬
‫ّ‬
‫بالثورة يف ذاتها والتي من املفرتض أنّها قامت ض ّد الحيف االجتامعي وانعدام األفق وطلبا‬
‫للشّ غل والحريّة والكرامة الوطن ّية‪ ،‬وإمنا هي عىل عالقة مبا ساد بعدها‪ ،‬عىل عالقة باليومي‬
‫وبالسيايس وبالقدرة الرشائ ّية وبالوضع العلمي وبالوضع االجتامعي املرتبك وبالوضع األمني‬
‫وبالوضع اإلعالمي‪ ،‬كلّ ما حولنا يتهاوى شيئا فشيئا أزمة اقتصاديّة خانقة ترمي بالبالد إىل حافة‬
‫اإلفالس‪ ،‬إن مل تكن قد انزلقت إىل اله ّوة بعد‪ ،‬وضع اجتامعي متف ّجر تفاقم فيه الفقر وتفاقم‬
‫يس‬
‫فيه التفاوت االجتامعي وتفاقمت فيه الجرمية املقرتنة باإلفالت من العقاب‪ ،‬وضع سيا ّ‬
‫نعاين انفالت ساسته وخطابهم البائس وتناحرهم ولغطهم الذي رضب بكل القيم عرض الحائط‬
‫وتجاوز كلّ الخطوط األخالق ّية والعرف ّية‪ .‬تفكيك ألركان ال ّدولة بلغ بها مرحلة من الوهن يبدو‬
‫الصعب اليوم أن تستعيد عافيتها بسهولة‪ ،‬بالد تسري دون تص ّور قيمي وأخالقي عدا نفث‬
‫من ّ‬
‫أكرث ما ميكن من أسباب التناحر و»التدافع» امل َريض الذي ال يبني ذاتا وال مجتمعا‪ .‬بالد وضعت‬
‫األحزاب والجامعات واألفراد‪ ،‬فيها‪ ،‬أيديها عىل اإلعالم فأصبح كلّ يغ ّني عىل لياله‪ ،‬ويف سبيل‬
‫الحصول عىل أكرب عدد من املتابعني هو مستع ّد أن يق ّدم أرذل ما يف املجتمع ويحتفي به قدوة‬
‫لشباب فقد كلّ مرجع وأمنوذج‪ .‬تع َّد َد القادة الذين ال ميلكون الح ّد األدىن من مق ّومات القيادة‪،‬‬
‫فكرا وأخالقا وبرامج تسمو باملواطن‪ ،‬واختفت حكمة القيادة‪.‬‬
‫نجحت حمالت التجييش التي أقيمت ليال نهارا عىل كافة املنابر يف زرع بذور الشقاق يف‬
‫مجتمع خلناه متجانسا يف ح ّده األدىن‪ ،‬ونجح يف جعل الجميع متوثّبا للنيل من الجميع‪ ،‬كتلة‬
‫من نار الحقد والعنف إن مل تجد ما تأكله‪ ،‬بعد أن تايت عىل األخرض واليابس ستأكل نفسها‪.‬‬
‫ماذا ميكن ان نفعل يف كلّ هذا؟ ماذا ميكن أن ننقذ ومن بإمكانه أن ينقد ووفق أ ّي رؤية؟‬
‫من يبني من جديد حني تتخلىّ الدولة عن دورها وحني يه َّمش العلامء واملربّون واملثقفون‬
‫ويستباحون فالبعض يهاجر والبعض ينسحب لتسود الغوغاء؟‬
‫ال دليل وال قبس من فعل يلوح يف أفق كثري الغبار إىل ح ّد اآلن‪ ،‬ال أحد بوصلته اإلنسان يف ذاته‬
‫وال الوطن الذي غدا صورة هالم ّية يطعن الكلّ فيه ويبت ّزونه‪ ،‬من أين نبدأ؟‬
‫يحيلني السؤال عىل حكاية مفادها أ ّن أملانية استوقفت رجال بعد الحرب العاملية الثانية‬
‫صف االنتظار قائلة‪« :‬لقد خرسنا الحرب و ُد ّمرت مدننا وفقدنا‬
‫حاول أن يتجاوز دوره ف ّ‬
‫شبابنا واغتُصبت بناتنا ولك ّننا مل نفقد أخالقنا‪ ،‬وبهذه األخالق سنبني أملانيا من جديد فارجع‬
‫إىل مكانك»‪ ،‬وندرك أ ّن األخالق تتجاوز ذلك الح ّيز القيمي الض ّيق الذي يحرشها البعض فيه‪،‬‬
‫األخالق هي الثقافة يف كلّ أبعادها‪ ،‬ثقافة العمل والنظام والجامل والف ّن واحرتام اآلخر‪،‬‬
‫الثقافة هي القدرة عىل التفكري وهي الحريّة التي تقف عندما تبدأ حريّة اآلخر‪ ،‬الثقافة هي‬
‫القدرة عىل االبتكار والقدرة عىل االخرتاع والقدرة عىل التعايش والقدرة عىل التسامي فوق‬
‫السفاسف‪ ،‬الثقافة هي العمل الجامعي عىل بناء وطن يحرتم اإلنسان ويحفظ كرامته وقدرة‬
‫الفرد يوظّف طاقاته يف خدمة املجتمع‪ .‬فأين نحن من األخالق الواجبة لبناء الوطن من جديد‪،‬‬
‫الصالح؟ من تراه يعطي املثل يف مجتمع‬
‫السلطة السياس ّية وغياب املواطن ّ‬
‫أين نحن يف غياب ّ‬
‫يرتنّح بفعل التح ّوالت املحل ّية واإلقليم ّية والدول ّية؟ من تراه ميسك زمام املبادرة يف مجتمع‬
‫اعتاد الكسل ونبذ العمل وسخر من العلم والتعلّم بعد أن رمى التعلّم طالبيه يف عرض البطالة‬
‫االجتامعي األ ّول؟‬
‫وهو الذي كان املصعد‬
‫ّ‬
‫تؤسس إلنقاذ األجيال القادمة بعد ان أضعنا جيلني‬
‫اآلن وهنا‪ ،‬الب ّد من فعل رسيع‪ ،‬من بداية ّ‬
‫عىل االقلّ ‪ ،‬الب ّد من هيكل ذي سلطة وامتداد يبدأ رحلة بناء اإلنسان من جديد تعضده بق ّية‬
‫السلطة الثقا ّيف عىل‬
‫قوى املجتمع الح ّية التي تُبعث دامئا من رمادها‪ .‬حني يغيب مرشوع ّ‬
‫السلطة التي تقود القاطرة وعىل الجميع‪ ،‬كلّ من موقعه أن‬
‫اإلعالمي‬
‫الحقيقي أن يكون هو ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫يعيد البوصلة إىل وجهتها الحقيق ّية‪.‬‬

‫جديد الكتاب‬
‫ضمن سلسلة «وقائع األيام» الصادرة عن الدار التونسية للنرش‪ ،‬كتاب‬
‫جديد لألستاذ عبداللطيف الحنايش بعنوان‪:‬‬
‫السلفية التكفريية العنيفة يف تونس من شبكات الدعوة اىل تفجري‬
‫العقول…املؤلف أ د عبداللطيف الحنايش له إصدرات عديدة وهو‬
‫باحث معروف يف التاريخ املعارص وأستاذ التعليم العايل بجامعة منوبة‪،‬‬
‫له عديد االسهامات يف ندوات ومؤمترات حول قضايا التاريخ واملعارصة‬
‫يف تونس وخارجها ‪...‬‬
‫ضمن سلسلة «وثقائع األيام‬

‫مبادرة جميلة ‪ /‬شكرا دار وشمة ‪ /‬شكرا‬
‫املبدعة فاطمة بن فضيلة‬

‫دار وشمة للنرش تتمنى الشفاء العاجل للكاتب الكبري توفيق فياض و هو عىل فراش املرض منذ مدة‪.‬‬
‫قم بسالم أيها املبدع ابناؤك ينتظرون زيارتك مرة أخرى‬

‫محور العدد القادم‬

‫محور العدد القادم ‪:‬‬

‫عشر سنوات من ثورة الكرامة‪:‬‬
‫حصاد هزيل وطموحات مشروعة‬
‫البريد االلكتروني ‪manaratculturel@gmail.com :‬‬

‫المدير المسؤول‬

‫نورالدين الطبوبي‬

‫المدير‬

‫سامي الطاهري‬

‫أسرة التحرير‬
‫ منتصر الحملي ‪ -‬رشيدة الشارني ‪ -‬حسني عبد الرحيم ‪-‬‬‫إشراف وتنسيق ‪ :‬محمد الجابلي ‪ -‬سعدية بن سالم‬
‫منارات فلسفية إعداد األسعد الواعر‬
‫اإلخراج الفني ‪ :‬محمد كريم السعدي‬
‫السحب ‪ :‬مطبعة دار األنوار ‪ -‬الرشقية ‪ -‬تونس‬

‫املقر ‪ 41 :‬شارع عيل درغوث ‪ -‬تونس ‪ - 1001‬الهاتف ‪ / 71 330 291 - 71 255 020 :‬الفاكس ‪- 71 355 139 :‬‬
‫العنوان االلكرتوين ‪ - manaratculturel@gmail.com :‬الحساب الجاري بالربيد ‪300 - 51 :‬‬

‫‪3‬‬

‫الخميس ‪ 12‬نوفمرب ‪ - 2020‬املوافق لـ ‪ 26‬ربيع األول ‪ 1442‬هـ ‪ -‬العدد ‪89‬‬

‫‪ 15‬اكتوبر ‪1890‬‬
‫ميالد وعبرة واعتبار في ذكرى ميالد محمد علي الحامي‬

‫تأسيس جامعة عموم املثقفني التونسيني ‪ ...‬أمر ممكن ؟‬

‫«ال يكفي أن يكون لإلنسان عقل‪ ،‬إمنا املهم أن يحسن استخدامه‪ ،‬ألن أعظم‬
‫العقول مستعدة ألكرب الفضائل كام هي مستعدة ألكرب الرذائل‪ (« ...‬ديكارت(‬
‫تاريخنا القريب فيه فيه عرب للناظرين‪ ،‬فيه بوادر حركة ومقاومة تجمع الخريين‬
‫النريين ضمن آفاق وطنية ال تحد بح ّد‪ ،‬ممكنات تخرج من رحم الواقع املتغري‪...‬‬
‫محمد عىل الحامي فقري املولد واملنشإ لكنه أثرى حياته عرب سعي‬
‫دؤوب جمع بني الفكر والفعل ترسخ يف الوعي من جهة الرتاكم‬
‫املعريف مؤصال ومؤسسا ضمن ممكنات مفروضة لكنها مرفوضة‬
‫يف واقع متحجر‪...‬‬
‫كان محمد عيل الحامي أول من ربط حركة املطالب الوطنية‬
‫التونسية بالقواعد الشعبية بعد أن كانت تتو ّجه لنخبة صغرية‬
‫مثقفة ذات طبيعة برجوازية‪ ،‬وهذا ما تسبب بقطيعة بينه‬
‫وبني الحزب الحر الدستوري‪ ،‬قائد الحركة الوطنية يف ذلك الوقت‪،‬‬
‫دفعته إىل التفكري يف صيغة تنظيمية جديدة للنضال الجامهريي‬
‫ضد االستعامر‪ ،‬فوجد ضالته يف العمل النقايب‪.‬‬
‫فبادر إىل تأسيس منظمة نقابية مع رفيقه الطاهر الحداد‪،‬‬
‫واختار لها اسم جامعة عموم العملة التونسيني كان هذا مولد‬
‫أول تنظيم نقايب مستقل يف تونس واملنطقة العربية ككلّ وكان‬
‫ذلك يف نوفمرب ‪ .1924‬جمع التنظيم شخص ّيات شيوعية وأخرى‬
‫دستورية‬
‫ولكن يف مطلع عام ‪ 1925‬أي بعد بضعة أشهر فقط من ظهورها تحالف ضدها‬
‫االشرتاكيون والدستوريون واإلصالحيون‪ ،‬مبا جعلها تبقى شبه منفردة أمام‬
‫التتبعات العدلية وبالفعل أحيل قادتها عىل املحاكمة والنفي‪ ،‬مبا قىض عليها‪...‬‬
‫قبل سنوات تفاءلت مببادرة من فقيدنا العزيز كامل الزغباين ورفاقه حني أسسوا‬
‫«الجامعة الشعبية» وقلت يف ذايت‪ :‬ها أن األمور بدأت تتغري‪ ،‬وها أن املبادرات‬

‫األصيلة قد بدأ وميضها حيث بدؤوا حراكا مختلفا مل تعهده الساحة الثقافية‬
‫ملا فيه من تأصيل املمكنات وملا فيه من وعي برضورة التأسيس املتمهل آلفاق‬
‫ممكنة‬
‫لكن تلك املبادرة الخالقة مل تعمر طويال وعصفت بها رياح ما‪...‬‬
‫قبل زمن قريب ومن دار الثقافة بن رشيق تنادى الحارضون‬
‫وتحمسوا لتأسيس «جبهة ثقافية جامعة « تدفع وتؤطر‬
‫الفعل الثقايف كرافد مغيب ومهمش يف مشهدنا القاتم‬
‫وظلت الدعوة مجال نظر قابل لإلنجاز يف انتظار خطة عمل‬
‫وتفعيل ونقاش لرسم معامل أرضيتها‪...‬‬
‫جامعة عموم املثقفني التونسيني أمر ممكن بل رضورة‬
‫ملحة فيها ممكنات خالقة تصل بني الحلم واالنجاز ‪...‬تربط‬
‫بني جزئيات كثرية مفككة يف واقعنا املتشظي‪...‬بني الفكري‬
‫املعريف يف نقد الواقع وبني تفعيل ممكنات اإلشتغال عليه‬
‫‪...‬إمكانية الصلة بني الحراك النقايب والثقايف وكذا الصلة بني‬
‫السيايس والثقايف من منطلقات تحرتم استقاللية املثقف‬
‫وخصوصية تفاعله اإلرادي الح ّر مع الواقع املتغري‪...‬‬
‫الهدف األسمى يكمن يف خلق أطر جامعة لتعبئة طاقات‬
‫مهمشة يف مسريتنا املربكة‪...‬طاقات الكتاب واملبدعني بل‬
‫عموم املثقفني الذين سئموا االنتظارية الخائبة يف تبعية‬
‫للفعل السيايس بانحرافاته البينة‪ ،‬طاقات نقدية احرتفت سبل التوصيف‬
‫والتنظري وتفكيك آليات الواقع دون أن تتاح لها فرص الفعل واإلنجاز‪...‬طاقات‬
‫نحتاج إليها ظل مكانها فارغا يف املسرية املتعجلة‪...‬‬
‫جامعة دميقراطية واسعة االنتشار والفعل تجمع ما تشتت وتنفتح عىل آليات‬
‫ُمستجدة للتواصل امليداين مع عموم املفقرين واملهمشني‪ ،‬وتجدد الوعي‬

‫مراسلة المغرب –منارات‪:-‬‬

‫السياسة الثقافية يف املغرب‬
‫من سيئ إىل أسوأ‬
‫إن وزير الثقافة‪،‬عثامن الفردوس‪ ،‬بقراره حجب دعم الكتاب والجمعيات الثقافية املهتمة بالثقافة املغربية يرتكب جرمية‬
‫يف حق الكاتب والفاعل الثقايف املغريب‪ ،‬ويلزم بذلك العقل املغريب حجرا مثلام ألزمت كورونا جسده الحجر‪=.‬‬
‫إبراهيم أزوغ‬
‫هل من صيغة يستطيع بها املغرب أن يعيش عرصه وراهنه مواكبا ركب الحضارات املتقدمة ‪ ،‬بدل الركون إىل التخلف‬
‫عرب تهميش الثقافة والعلم؟ وهل هناك إسرتاتجية ما دون املساس بروح هويته وثقافته وقيمه؟‬
‫تأيت هذه األسئلة لرصد الرتاجع الحاد يف االهتامم بالثقافة الذي بات نهجا وسياسة لوزارة الثقافة يف املغرب‪ ،‬يف سياق‬
‫عاملي تعصف فيه العوملة باالقتصاد والسياسة وتهدد األمن الثقايف للشعوب واألمم وتفرض تحدياتها عىل القيم والهوية‬
‫الثقافية وعىل االستقرار املجتمعي‪.‬‬
‫إن ما أقدم عليه وزير الثقافة الجديد من حجب لدعم الكتاب والجمعيات الثقافية املهتمة به‪ ،‬وما أقدم عليه سلفه قلبه‬
‫من حرمان هذه الجمعيات من أروقتها يف املعرض الدويل للكتاب يفضح أوال‪ ،‬السياسة الثقافية «الرعائية» للبالد القامئة‬
‫عىل التحكم واإلخضاع؛ سياسة تسيري األفراد‪ ،‬بدل سياسة املؤسسات التي تؤسس مشاريعها عىل ميثاق ثقايف وطني يقوم‬
‫عىل املشاركة واإلرشاك‪ .‬ويفضح ثانيا‪ ،‬عجز الوزارة عن وضع خطة مرشوع ينهض بالفعل الثقايف يف املغرب بدل إفراغه‬
‫من معناه وأهدافه التي ال تنفصل عن مشاريع اإلصالح والتقدم واألمن الثقايف الذي ال يقل أهمية عن األمن السيايس‬
‫واالقتصادي‪ ،‬وثالثا‪ ،‬يكشف أن حزب الحصان اإلداري‪،‬سيظل متدثرا فيام تبقى من أنفاسه األخرية بعباءة فارسه مرددا‬
‫بشعاراته الجوفاء واملبتذلة وفيا لسياسته العقيمة ومكرسا لها‪ ،‬عوض أن يفسح املجال لنقاش واسع وهادئ حول سبل‬
‫إعادة وصل روابط الكتاب بالتنمية‪ ،‬ودوره يف إرساء ثقافة املؤسسة التي اجتهد وزراؤه يف إخفائها أو محوها‪.‬‬
‫إن عثامن الفردوس بقراره حجب دعم الكتاب والجمعيات الثقافية املهتمة بالثقافة املغربية يرتكب جرمية يف حق‬
‫الكاتب والفاعل الثقايف املغريب‪ ،‬ويلزم بذلك العقل املغريب حجرا مثلام ألزمت كورونا جسده الحجر‪.‬‬
‫إن أي مجتمع يروم االنخراط يف الحداثة والتفاعل العاملي املوسع‪ ،‬ال بد أن يأخذ يف االعتبار أهمية الفعل الثقايف يف‬
‫إعداد مجال وإنسان عقالين أصيل يف قيمه وهويته‪ ،‬ومسؤولية املؤسسة الثقافية وسياساتها يف دعم الفاعل الثقايف وتوفري‬
‫الرشوط التي تسمح له بإنتاج قراءات للتحوالت التي يعرفها املجتمع‪ ،‬ورؤى تراهن عىل التقدم وفقا ملنظور استرشايف‬
‫ومستقبيل‪.‬‬
‫وألن وزارة الثقافة ببلداننا عمياء صامء وبكامء‪ ،‬فإن مسؤولية انخراط املثقف والجمعيات الثقافية يف حوار موسع‬
‫وجريء لتعميق التفكري يف السياسة الثقافية للوزارة املسؤولة‪ ،‬واالحتجاج عىل التدبري املرتجل وامللتبس للشأن الثقايف‬
‫ثابتة ومؤكدة‪ ،‬ذلك أن الوضع الثقايف والنهوض بالقراءة والكتاب وجعلهام يف مقدمة اهتاممات مؤسسات الدولة الثقافية‬
‫شأن عام‪ ،‬للمثقف فيه دور الرصد واملساءلة والنقد والرفض وتقديم أفكار ورؤى بديلة ملعالجة االختالل‪.‬‬

‫النقدي بالواقع وامكانيات الفعل فيه‪ ...‬هيكل ثقايف له متثيليات فاعلة يف كل‬
‫شرب من ربوع ترابنا ويحمل مشعل الحوار البناء بني فيئاته خاصة الشبابية‬
‫صانعة املستقبل حتى ال يظل العقل النقدي محجوبا داخل الحلقات الضيقة‬
‫بأفقها «النخبوي» املحدود واملهدور‪...‬‬
‫تاريخنا القريب ميلء بالعرب نتذكرها لنفخر بها ونحيي روادها‪ ،‬لكن قد يُصيبنا‬
‫خجل كثري ألننا مل نحافظ عىل تلك الروح الخالقة‪ ،‬روح املبادرة والتفاؤل‬
‫باملمكنات والسعي إىل قدح روح املواطنة الخرية تلك الكامنة يف جموع كثرية‬
‫من أبناء هذا الوطن‪...‬‬
‫املثقف دوما خارج القطيع لكنه بروحه ووعيه خارج دوائر اليأس واإلحباط‬
‫والعدمية ‪...‬‬
‫دعوة إىل أبناء جييل وإىل األجيال السابقة والالحقة ‪...‬ما قبل االيديولوجيا‬
‫وما بعدها ‪...‬هناك آفاق كثرية جامعة ‪...‬آفاق الوعي املواطني الفاعل بروحه‬
‫الصادقة والخالقة‪...‬ال ترتكوا الوطن نهشا للضباع ووكالئهم ‪...‬‬
‫لسنا جيال معطوبا ما دمنا نحلم ونبادر ‪...‬فلننه حياتنا برشف كام عشناها‬
‫دوما‪...‬‬
‫محمد الجابل‬

‫من صخب الكتب وجدل القضايا‬

‫النص االبداعي ‪ :‬من مدار الفكر إىل مسار النقد‬
‫د محمد عبدالعظيم‬

‫صدر عن دار «بن عريب للنرش»‬
‫كتاب جديد لألستاذ محمد عبد‬
‫العظيم بعنوان « النص اإلبداعي‬
‫من مدار الفكر إىل مسار النقد»‬
‫مبقدمة لألستاذ حامدي صمود‪.‬‬
‫واألستاذ عبدالعظيم جامعي‬
‫متحصل عىل دكتوراء الدولة‬
‫يف اللغة واآلداب العربية صدرت له أعامل سابقة منها ‪ :‬يف‬
‫ماهية النص الشعري بريوت ‪ / 94‬اللزوم واإلبداع يف األدب‬
‫بريوت ‪ /2008‬من قضايا النص الشعري مركز النرش الجامعي‬
‫تونس‪...‬‬
‫يف الكتاب الجديد إشكاليات قدمية متجددة وهو توثيق‬
‫لبحوث قدمها املؤلف يف مناسبات ثقافية أكادميية يف منابر‬
‫متعددة يف تونس وخارجها‪...‬‬
‫احتوى الكتاب عىل أربعة مباحث بني املقدمة والخامتة‪ ،‬أثار‬
‫فيها الكاتب جملة من القضايا النقدية منها ما شغل النقاد‬
‫لزمن طويل وجاءت بالعناوين التالية ‪ :‬وإذا التقى النصان‪،‬‬
‫املعري والنص املختلف‪ ،‬الفصول والغايات‪ :‬خصائص النص‬
‫وسؤال النوع‪ ،‬وإذا التقى البعدان‪ ،‬النص الشعري يف مفرتق‬
‫األزمنة‪ ،‬التليجاين شاعر األزمنة املتداخلة‪...‬‬
‫ال ميكن ان نفي الكتاب حقه يف هذا الحيز املحدود لكننا‬
‫سنعرج عىل بعض ما ملسنا فيه من قضايا تستدعي الكثري من‬
‫الجدل والسؤال‪:‬‬
‫عالقة القرآن بالشعر‪ :‬خصها الكاتب مببحث مهم استقىص‬
‫فيه آراء القدامى واملحدثني واستعرض الحجج واألحاديث‬
‫واآليات تلك التي قدحت قوادح االختالف يف املبحث االشكايل‬
‫وخلص الباحث اىل استنتاجات مهمة باعتامد اللسان وسعى‬

‫اىل تأصيلها ضمن ارضية موقع حضاري تتدافع فيه القيم‬
‫بقدر تدافع األجناس الفنية ويف صلة مبا أثاره هذا الكتاب‬
‫املهم نعتقد أن موقف القرآن من الشعر وبلغة العرص كان‬
‫«موقفا تكتيكيا اسرتاتيجيا» فلجم وقمع ماكان منه مذكرا‬
‫ببنية جاهلية وقيمها لكنه احتضن وشجع ما كان منه متناغام‬
‫مع الجديد وممكناته يف الرسالة الجديدة‪...‬وخلص الكاتب‬
‫إىل قضية أشمل يف صلة الشعر بالنرث وله آراء طريفة مميزة‬
‫بعمق مرجعها‪...‬ألن املقاربة الفنية يف عمقها هي مقاربة‬
‫حضارية شمولية والفرتات الفنية يف تدافع األجناس واملدارس‬
‫تخفي بل تستبق رصاعا حضاريا يف االنتقال بني مواقع مختلفة‬
‫للحضارة الواحدة‪ ،‬وما قضية الشعر والنرث إال مؤرش انتقال من‬
‫«البيان اىل الربهان» بلغة الجابري وهي انتقال من عفوية‬
‫املشافه إىل ثبات القيد والتدوين بعبارة الجاحظ‪...‬وهي‬
‫انتقال من بداوة الرتحال إىل قرار واستقرار املدن الناشئة‪...‬‬
‫وهي انتقال‪ -‬بحد ما‪ -‬من خطاب التأثري واالنفعال إىل خطاب‬
‫التبليغ والحجاج‪...‬‬
‫أثار انتباهي يف الكتاب ما أشار له الكاتب يف باب التفاعل‬
‫والرصاع والتأثري املتبادل بني القرآن والشعر ما كان من سعي‬
‫األولني إىل اقتباسات كثرية من القرآن وتلك االقتباسات مل‬
‫ترث حفيظة املتعايشني مع املجال الصاخب – كام يحصل يف‬
‫واقعنا‪ -‬من ذلك اقتباس أيب صخر الهذيل يف قوله‪:‬‬
‫أما والذي أبىك وأضحك والذي * أمات وأحيا والذي أمره‬
‫األمر‬
‫الذي هو اقتباس من قوله تعاىل‪ « :‬وإنه هو أضحك وأبىك‬
‫وإنه هو أمات وأحيا‪ »...‬ص‪62‬‬
‫حسبنا يف هذا الحيز أن نشري إىل أصالة هذا املصنف وتدقيق‬
‫مراجعه وثراء استخالصاته الفكرية الحضارية‪ ،‬يف صلة‬
‫بالقضايا الكربى التي ظلت مدار أسئلة ‪...‬‬
‫‪-‬منارات‪-‬‬

‫‪4‬‬

‫الخميس ‪ 12‬نوفمرب ‪ - 2020‬املوافق لـ ‪ 26‬ربيع األول ‪ 1442‬هـ ‪ -‬العدد ‪89‬‬

‫أزمة القيم في المجتمع الحديث*‬

‫كورنيليوس كاستورياديس ‪Castoriadis Cornelius‬‬
‫ترجمة املنترص الحميل‬
‫‪ - 1‬مقدّمة‪:‬‬
‫موضوع مناقشة اليوم هو‬
‫«أزمة املجتمع الحديث»‪.‬‬
‫وأو ّد أن أبدأ بذكر ما يبدو‬
‫أنّه مفارقة هائلة للمجتمع‬
‫ناعي الحديث وطريقة‬
‫ّ‬
‫الص ّ‬
‫رصفهم‬
‫عيش ال ّناس وت ّ‬
‫فيه‪ .‬إنّه التّناقض بني‬
‫قدرة البرشية الالّمحدودة‬
‫الواضحة يف عالقتها بيئتها املا ّديّة من ناحية (التّقنية‬
‫أصبحت أكرث ق ّوة‪ ،‬والظّروف املادّية تخضع بشكل متزايد‬
‫للسيطرة‪ ،‬وميكننا أن نستخرج من املادّة ك ّم ّية مضطردة من‬
‫ّ‬
‫الطّاقة‪ ،‬وما إىل ذلك)‪ ،‬والفوىض ال ّرهيبة والشّ عور بالعجز يف‬
‫مواجهة مشاكل املجتمع‪ ،‬ومشاكل البرش‪ ،‬وطريقة عمل‬
‫ال ّنظم االجتامعيّة‪ ،‬وغري ذلك‪ ،‬من ناحية أخرى‪.‬‬
‫واسمحوا يل أن أعطي مثاال أو مثالني‪ .‬ميكن لرجل العلم‬
‫تقريبي عن عدد املج ّرات املوجودة‬
‫اليوم أن يخربكم بشكل‬
‫ّ‬
‫السنوات الضّ وئيّة حول‬
‫داخل شعاع قطره ستّة مليار من ّ‬
‫السيد ماكميالن ‪،Macmillan‬‬
‫يس‪ .‬ولكن ّ‬
‫ال ّنظام الشّ م ّ‬
‫رئيس الوزراء آنذاك‪ ،‬مل يكن يعرف ما يجري خلف الباب‬
‫املجاور‪ ،‬يف قض ّية بروفومو ‪ .Profumo‬قد يبدو هذا وكأنّه‬
‫قصة مضحكة‪ ،‬ولك ّنه يلخّص الوضع العام بطريقة الفتة‬
‫ّ‬
‫لل ّنظر‪ .‬وباملثل‪ ،‬ميكننا استخراج ك ّميات هائلة من الطّاقة‬
‫من قطع صغرية من املوادّ‪ ،‬ولكن إذا حاول ال ّرؤساء‪ ،‬يف‬
‫مصنع أو منظّمة أخرى‪« ،‬استخراج» حركة إضاف ّية واحدة‬
‫من العماّ ل‪ ،‬فإ ّن مقاومة مدهشة تحدث‪ ،‬ويف ال ّنهاية قد ال‬
‫ينجحون يف ذلك‪.‬‬
‫وهذا ال يعني أنّه‪ ،‬من وجهة نظر ما ميكن تسميته‬
‫«البيئة الدّاخلية» للمجتمع‪ ،‬مل تحدث أ ّي تغيريات‪ ،‬بل‬
‫وحدثت يف بعض الحاالت تغيريات كبرية وتدريجيّة‪ .‬فام‬
‫يس ّمى باالزدهار هو اليوم أوسع نطاقا مماّ كان عليه يف‬
‫املايض (عىل ال ّرغم من أنّه ينبغي للمرء أن ينظر بشكل‬
‫أكرث تحديدا إىل ما يتك ّون منه هذا االزدهار)؛ فهناك‬
‫الص ّحة العا ّمة‪ ،‬وما إىل‬
‫تحسن يف ّ‬
‫انتشار للثّقافة‪ ،‬وهناك ّ‬
‫ذلك‪ .‬ولك ّننا نواجه مفارقة ثانية هنا‪ .‬فهذا املجتمع‪ ،‬الّذي‬
‫السكان‪ ،‬إىل‬
‫السلع ‪ -‬وحيث يشارك ّ‬
‫ينتج الكثري جدّا من ّ‬
‫وسع يف الثرّ وة – هذا املجتمع الّذي‬
‫ح ّد ما‪ ،‬يف هذا التّ ّ‬
‫يبدو أنّه خلق ظروفا معيشيّة أقلّ قسوة ملعظم ال ّناس‬
‫الّذين يعيشون فيه‪ ،‬ال يقدّم صورة تعبرّ عن رضا أكرب‪،‬‬
‫وعن سعادة أكرب ألكرب عدد من البرش‪ .‬فال ّناس ساخطون‪،‬‬
‫يتذ ّمرون‪ ،‬يحت ّجون؛ والصرّ اعات ال تني يف ازدياد‪ .‬وحتّى لو‬
‫السخط يتّخذ أشكاال مختلفة‪ ،‬فإ ّن هذا املجتمع‬
‫كان هذا ّ‬
‫األكرث ثراء وازدهارا ربمّ ا يحتوي عىل توتّرات أكرث من معظم‬
‫املجتمعات األخرى املعروفة يف التّاريخ‪.‬‬
‫توفّر هذه املفارقات‪ ،‬بطريقة ما‪ ،‬تعريفا أ ّول ألزمة‬
‫املجتمع الحديث‪ .‬ولكن هذه طريقة سطحيّة لل ّنظر إىل‬
‫الظواهر الّتي تواجهنا‪ .‬وإذا ما ع ّمقنا املناقشة‪ ،‬فإنّنا نرى‬
‫أ ّن األزمة تتجلىّ عىل جميع مستويات الحياة االجتامع ّية‪.‬‬
‫‪ - 2‬أزمة القيم‪:‬‬
‫لنبدأ بجانب يعترب املاركسيون التّقليديون أنّه ينتمي‬
‫ببساطة إىل «البنية الفوقيّة» للمجتمع‪ ،‬بوصفه ظاهرة‬
‫ثانويّة وفرع ّية‪ ،‬ولك ّنني أعتربه أنا مهماّ للغاية‪ ،‬وأعني به‬
‫أزمة القيم االجتامع ّية واإلنسان ّية‪.‬‬
‫ال ميكن أل ّي مجتمع أن يوجد من دون مجموعة من‬
‫القيم الّتي يعرتف بها جميع أعضائه تقريبا ويلتزمون‬
‫بها‪ .‬واملسألة هنا ليست معرفة ما إذا كانت هذه القيم‬
‫صالحة أم ال ‪ -‬أو ما إذا كانت تخفي آليات حقيق ّية ينجح‬
‫بها جزء من املجتمع يف استغالل البقيّة‪ .‬كانت هذه‬
‫املجموعة من القيم رضوريّة لتامسك جميع املجتمعات‬
‫الّتي نعرفها والشتغالها ‪ -‬مبا يف ذلك املجتمعات املنقسمة‬
‫إىل طبقات‪ .‬فهذه القيم هي الّتي تو ّجه دوافع ال ّناس‬
‫وأفعالهم باستمرار وتجعلها متامسكة داخل املجتمع‬
‫بأرسه‪ .‬وال ميكن أن تت ّم هذه الوظيفة عن طريق العنف أو‬

‫اإلكراه فحسب‪ ،‬أو فقط بقانون‬
‫العقوبات الّذي يقول‪« :‬ال تفعل‬
‫السجن‬
‫ذلك‪ ،‬وإالّ فسوف يكون ّ‬
‫مصريك»‪ .‬هناك حاجة إىل يشء‬
‫إضا ّيف‪ .‬أل ّن القانون ال يصوغ إالّ‬
‫ما مينع‪ .‬وال ميكنه أن يوفّر حوافز‬
‫إيجابيّة‪ ،‬أو تو ّجها إيجابيّا يجعل‬
‫ال ّناس قادرين عىل إعطاء محتوى‬
‫للحياة االجتامع ّية‪.‬‬
‫مع ذلك‪ ،‬كلّنا نعلم (وهذا ما‬
‫قد قيل منذ فرتة طويلة‪ ،‬وهو‬
‫ما ال يقلّل من أه ّميته) أ ّن‬
‫مثل هذه املجموعة من القيم‪ ،‬مثل هذه املنظومة من‬
‫الغايات املقبولة من الجميع واملعتقدات املشرتكة حول‬
‫ما هو صواب وخطأ‪ ،‬وما ينبغي وما ال ينبغي القيام به‬
‫(بغض ال ّنظر عماّ يقوله قانون العقوبات) مل يعد موجودا‬
‫ّ‬
‫يف املجتمع ال ّراهن‪.‬‬
‫لقد كان هناك سؤال يف جميع املجتمعات‪ ،‬ويف جميع‬
‫الفرتات التّاريخية‪ ،‬عن منزلة اإلنسان يف العامل ومعنى‬
‫الحياة االجتامعيّة والحياة بشكل عا ّم‪ .‬وقد حاولت كلّ فرتة‬
‫من التّاريخ أن تقدّم إجابة عىل هذه األسئلة‪ .‬ال يتعلّق‬
‫األمر مبا إذا كانت هذه اإلجابات صحيحة أم ال؛ فالحقيقة‬
‫البسيطة املتمثّلة يف أ ّن هناك إجابة كان يخلق التّامسك‬
‫لل ّناس الّذين يعيشون خالل هذه الفرتات التّاريخيّة‪،‬‬
‫ويعطي هدفا ألعاملهم ويضفي املعنى عىل حياتهم‪ .‬أ ّما‬
‫اليوم‪ ،‬فليس هناك إجابة تذكر‪ .‬نحن نعلم أ ّن القيم الدّينية‬
‫مل تعد موجودة‪ ،‬وأنّها قد ذابت عمليّا‪ .‬وما كان يس ّمى‬
‫القيم األخالقيّة (طاملا أنّه ميكن متييزها عن القيم الدّينية)‪،‬‬
‫هي أيضا قد انحلّت عمل ّيا‪ .‬فهل ماتزال هناك معايري‬
‫أخالق ّية مقبولة قامئة يف مجتمع اليوم؟‬
‫الصحافة‪ ،‬وما‬
‫للسلطات القامئة‪ ،‬و ّ‬
‫سمي‪ّ ،‬‬
‫عىل املستوى ال ّر ّ‬
‫رسمي يعرتف بنفسه‪ ،‬بشكل‬
‫إىل ذلك‪ ،‬ال يوجد سوى نفاق ّ‬
‫الخاصة‬
‫شبه رصيح‪ ،‬عىل أنّه مج ّرد نفاق وال يأخذ معايريه ّ‬
‫عىل محمل الجدّ‪ .‬ويف املجتمع بشكل عا ّم‪ ،‬تسود سخرية‬
‫واسعة ال ّنطاق للغاية‪ ،‬تغذّيها باستمرار األمثلة الّتي تقدّمها‬
‫الحياة االجتامعيّة (الفضائح‪ ،‬وغريها)‪ .‬والفكرة العا ّمة هي‬
‫أنّه ميكنك أن تفعل أ ّي يشء‪ ،‬وال «ضري» يف ذلك‪ ،‬طاملا‬
‫أنّه ميكنك الخروج من فعلتك كالشّ عرة‪ ،‬وطاملا أنّه ال يت ّم‬
‫القبض عليك‪.‬‬
‫إ ّن ما ظهر يف أوروبّا الغربّية لفرتة طويلة‪ ،‬بوصفه قيمة‬
‫كون ّية تق ّوي لحمة املجتمع‪ ،‬وأعني بها فكرة األ ّمة‪ ،‬والق ّوة‬
‫الوطن ّية‪ ،‬والعظمة الوطن ّية‪ ،‬مل تعد قيمة مقبولة‪ .‬وما كان‬
‫حقيقي‬
‫الحقيقي ‪ -‬أو ما كان يُزعم أنّه أساس‬
‫يشكّل أساسها‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ قد اختفى‪ .‬يف املايض‪ ،‬عندما كانت الدّول الكبرية تدّعي‬‫أنّها تلعب دورا ها ّما يف الشؤون العامل ّية‪ ،‬كان هذا يف كثري‬
‫من األحيان من باب املخادعة‪ .‬ولكن اليوم‪ ،‬ال ميكن أل ّي‬
‫دولة أن تدّعي ذلك‪ ،‬باستثناء أمريكا وروسيا‪ .‬وحتّى بالنسبة‬
‫لهذين البلدين‪ ،‬يبدو بوضوح أ ّن هذا «الدّور القياد ّي يف‬
‫الشّ ؤون العامل ّية» ليس إالّ توغّال يف مأزق العداء ال ّنوو ّي‪.‬‬
‫هل ميكن للمعرفة أو الف ّن أن يوفّرا القيم ملجتمع اليوم؟‬
‫أ ّوال‪ ،‬دعونا ال ننىس أ ّن املعرفة والف ّن ليس لهام أه ّمية أو‬
‫السكان‪ ،‬عىل األقلّ‬
‫معنى إالّ لدى فئات محدودة جدّا من ّ‬
‫حال ّيا‪ .‬وبشكل أع ّم‪ ،‬يف التّاريخ‪ ،‬كلّام لعب الف ّن دورا يف‬
‫الحياة االجتامع ّية‪ ،‬مل يكن أبدا غاية مكتفية بذاتها‪ .‬فقد‬
‫كان جزءا من أنشطة مجتمع ّما يعبرّ عن حياته يف هذا‬
‫الف ّن وبواسطته‪ .‬كان هذا هو الحال يف فرتة إليزابيت‪.‬‬
‫وكذلك يف عرص ال ّنهضة‪ .‬وأيضا يف اليونان القدمية‪ .‬مل يعش‬
‫اإلغريق القدماء أو شعب عرص ال ّنهضة من أجل الفن‪ ،‬بل‬
‫كانوا يولون لف ّنهم قيمة كربى ألنّهم كانوا يحقّقون أنفسهم‬
‫ويرون مشاكلهم يف هذا الف ّن‪ .‬لقد كان لحياتهم معنى هو‬
‫هذا املعنى الّذي عبرّ عنه إبداعهم الف ّني يف أرقى أشكاله‪.‬‬
‫وماذا عن املعرفة؟ هي أيضا‪ ،‬مبعناها الدّقيق‪ ،‬تقترص‬
‫اليوم عىل أقلّية صغرية‪ .‬ويف الوقت نفسه‪ ،‬هناك أزمة‬
‫ضخمة آخذة يف التّطور يف صلب العلم‪ .‬هذه األزمة هي‬

‫مدونة الفقد واألشجان‬
‫في الذكرى التاسعة لرحيل «الكنعاني‬
‫المغدور»‬
‫**‬
‫فأسكنوين‬
‫قلوبهم بكل براءة‬
‫دون ضجيج‬
‫أو صخب‬

‫نتيجة لالنقسام املتزايد باستمرار بني مجاالت املعرفة‬
‫خصص املتزايد‪ ،‬ولحقيقة أ ّن العالِم اليوم‬
‫املخصوصة‪ ،‬وللتّ ّ‬
‫هو بالضرّ ورة شخص لديه معرفة أكرب فأكرب حول عدد من‬
‫األشياء الّتي أصبحت أصغر فأصغر‪ .‬وبني العلامء أنفسهم‪،‬‬
‫أو عىل األقلّ بني أولئك الّذين لديهم رؤية أوسع‪ ،‬يسيطر‬
‫شعور عميق باألزمة حول ما كان يعترب‪ ،‬حتّى وقت قريب‪،‬‬
‫الصلب للمعرفة اإليجابيّة‪ .‬كان نيوتن يعتقد أنّه‬
‫األساس ّ‬
‫كان يكتشف حقائق خالدة‪ ،‬وأنّه كان يقرأ صفحة من‬
‫اإللهي‪ .‬أ ّما اليوم‪ ،‬فال يوجد‬
‫كتاب الطّبيعة األبد ّي أو الخلق ّ‬
‫عامل يعتقد أنّه عندما يكتشف «قانونا» يكتشف حقيقة‬
‫أبديّة‪ .‬هو يعرف فقط أنّه قد يكون موضو َع ثالث ِة أسطر‬
‫يف تاريخ للفيزياء أو للكيمياء‪ ،‬ثالثة أسطر تقول‪« :‬إ ّن‬
‫محاوالت فالن لرشح خصوصيات هذه الظّاهرة يف عام‬
‫‪ 1965‬قد خلقت بعض اآلمال‪ ،‬مماّ أدى إىل ظهور ال ّنظرية‬
‫‪ X.‬ومع ذلك‪ ،‬ت ّم تجاوز هذه ال ّنظريّة يف وقت الحق من‬
‫خالل صياغة ال ّنظريتني ‪ Y‬و‪»Z .‬‬
‫العلامء أنفسهم‪ ،‬مثل أوبّنهامير ‪ ،Oppenheimer‬لديهم‬
‫تص ّور مثري لجانب آخر من جوانب األزمة‪ .‬والسبب يف‬
‫خصص‪ ،‬مل ينعزلوا عن املجتمع ككلّ‬
‫ذلك هو أنّهم‪ ،‬بهذا التّ ّ‬
‫فحسب‪ ،‬بل عزلوا أنفسهم عن بعضهم البعض أيضا‪ .‬ومل‬
‫علمي يستعمل لغة مشرتكة‪ .‬فبمج ّرد‬
‫يعد هناك مجتمع ّ‬
‫خصص‪ ،‬لن يستطيع التّواصل بعد‬
‫أن يتجاوز املرء حدود التّ ّ‬
‫اآلن‪ ،‬ألنّه مل تعد هناك أرضية مشرتكة تذكر‪.‬‬
‫ماذا يحدث يف هذه الظّروف؟ وما هي القيم الّتي يقدّمها‬
‫املجتمع ملواطنيه اليوم؟ إ ّن القيمة الوحيدة الباقية هي‬
‫االستهالك‪ .‬من املفرتض أن يكون الحصول عىل عدد متزايد‬
‫من األشياء أو األشياء الجديدة قادرا عىل ملء حياة الناس‬
‫متاما وتوجيه جهودهم وجعلهم راغبني يف العمل‪ ،‬وما‬
‫إىل ذلك‪ .‬لن أخوض كثريا يف هذه ال ّنقطة الّتي تعرفونها‬
‫جميعا جيّدا‪ .‬وسأكتفي باإلشارة إىل ما يقدّمه ذلك من‬
‫إجابة جزئيّة وغري مرضية‪ ،‬حتّى ولو كان ذلك من قبيل‬
‫املخادعة‪ .‬ال ميكن لل ّناس بالفعل اليوم ملء حياتهم فقط‬
‫عن طريق العمل لكسب املزيد من املال الّذي من شأنه‬
‫أن يسمح لهم برشاء جهاز تلفزيون أكرث حداثة‪ ،‬وهل ّم‬
‫السبب األسايس‬
‫السائد أكرث فأكرث‪ .‬و ّ‬
‫ج ّرا‪ .‬هذا هو الشّ عور ّ‬
‫لذلك هو‪ ،‬بطبيعة الحال‪ ،‬أ ّن هذا االستهالك‪ ،‬يف محتواه‪ ،‬ال‬
‫يتوافق مع احتياجات إنسانية حقيق ّية‪ .‬إذ يجري التّالعب‬
‫به عىل نحو متزايد لضامن أن توفّر املشرتيات منفذا إلنتاج‬
‫سلع استهالكية بشكل متزايد باستمرار‪ .‬إ ّن هذا ال ّنوع‬
‫من الوجود يصبح سخيفا‪ ،‬بالضرّ ورة تقريبا‪ .‬ويت ّم حرش‬
‫القيمة التي تعطى الكتساب أكرب قدر من األشياء أو من‬
‫األشياء «العرصيّة» يف عمليّة دحض ذايتّ دائم‪ .‬ذلك أ ّن‬
‫هذا االكتساب ليس له نهاية‪ .‬فكلّ ما يه ّم هو امتالك يشء‬
‫إضا ّيف‪ ،‬يشء أكرث «حداثة»‪ .‬وبدأ ال ّناس ي ُعون أكرث مبا يعرف‬
‫اآلن يف الواليات املتّحدة باسم «سباق الجرذان»‪ .‬فأنت‬
‫تحاول كسب املزيد من املال حتّى تتمكّن من االستهالك‬
‫أكرث من جريانك‪ .‬وأنت تقدّر نفسك‪ ،‬إذا جاز التّعبري‪ ،‬أكرث‬
‫من جريانك أل ّن لديك مستوى من االستهالك أعىل منهم‪،‬‬
‫وهل ّم ج ّرا‪.‬‬
‫*جزء من مقال تحت عنوان «أزمة املجتمع الحديث»‪،‬‬
‫نرش يف ‪ 8 ،Communs Lieux‬نوفمرب ‪.2018‬‬

‫**‬
‫الذكرى التاسعة لرحيل عبدالحفيط املختومي‪ ،‬رغم السنني الطويلة أكاد‬
‫أملحك يف منعطفات املدينة‪ ،‬هاشا باشا كعادتك ترسع الخطو اىل زواياك‬
‫الحميمة محفظة الجلد بذاكرة أجيال وغليون أنيق يذكر مبثقفني عربوا ‪...‬‬
‫لن نخىش الفقد والغياب ألنك هناك‪ ،‬عرفت املكان قبلنا ومألته صخبا‬
‫وودا وشدوا‪...‬‬
‫ال شك انك احتفيت مبن غادروا‪...‬أراك تقدمهم واحدا واحدا لندمائك هناك‬
‫يف «إحدى طبقات الجنة» وتعرفهم بخمرة «ال يخالط الرأس منها تدويم»‬
‫بعبارة أيب العالء‪...‬لحق بك جمع كبري‪:‬‬
‫أوالد أحمد‪ ،‬سنان العزايب‪ ،‬محمد صالح لخمريي‪ ،‬ومحمد الزريبي‪ ،‬وعبد‬
‫الحميد الورغي‪ ،‬وحسني لزهاري‪...‬كامل الزغباين آخر الالحقني أعرف أنك‬
‫ابتهجت مبقدمه بشكل خاصة ‪...‬انه األقدر عىل جميل العربدة وصخب‬
‫الجنان‪...‬‬
‫م‪/‬ج ‪-‬منارات‪-‬‬

‫أحبتي‬
‫يا موطن األحالم‬
‫ما أجملك‬
‫حني ترتدي‬
‫ثوب البرشية‬
‫و تتخذ الحب و الصحبة‬
‫مذهبا‬
‫تتوجه‬
‫ميثاق وجوديتي‬
‫يا موطن األحالم‬
‫ما أجملك‬
‫فكلام‬
‫أنهكني السفر‬
‫يا موطن األحالم‬
‫ما أجملك‬
‫تحملني رياح الحب‬
‫و السفر‬

‫نحو االعرتاف‬
‫مع نفيس‬
‫حينها اتوج مشاعري‬
‫قصائدا يف مديح‬
‫حب أحبتي األول‬
‫يا موطن األحالم‬
‫ما أجملك‬
‫حني وهبتني حب‬
‫أحبتي‬
‫فأسكنوين‬
‫قلوبهم بكل براءة‬
‫دون ضجيج‬
‫او صخب‬
‫ياموطن األحالم‬
‫ما أجملك‬
‫املورسيك املغدور‬

‫‪5‬‬

‫الخميس ‪ 12‬نوفمرب ‪ - 2020‬املوافق لـ ‪ 26‬ربيع األول ‪ 1442‬هـ ‪ -‬العدد ‪89‬‬

‫إمكانية ومسارات الجبهة الثقافية‬
‫حسني عبد الرحيم‬
‫هل هناك إمكانية واقعية لتجميع املثقفني التونسيني يف مبادرة وطنية للدفاع عن‬
‫مايُعتقد بأنه التيار الرئيىس الحدايث امل ُه ْدد بفعل الردة األصولية سواء يف املجال‬
‫العام أو يف الفضاءات الثقافية وكذلك وسائل اإلعالم املختلفة؟ واقع الحال أن‬
‫الوضع شديد التعقيد بفعل تشكل هذه الفئة اإلجتامعية(املثقفني) بعد اإلستقالل‬
‫يف داخل إطار مرشوع الدولة الثقاىف والذي كان مرشوعا يهدف بأألساس للرتويج‬
‫ملستهدفاتها السياسية ضمن قبضة إستبدادية محكمة لكن رحيل املئات للدراسة‬
‫والبحث سواء يف جامعات أوربية وفرنسية بأألساس قد أخرج العديدين من‬
‫حظرية الثقافة الرسمية بينام كانت أوربا تعج بأإلتجاهات اليسارية الجديدة‬
‫وعىل األخص املاركسية‪..‬العديدين أتجهوا رشقآ للجامعات العربية وخاصة يف»‬
‫سورية «و»العراق»وتكونت لديهم حساسية قومية عربية!لكن وظائف الدولة‬
‫ظلت هي العامل الحاسم يف تحديد فعاليتهم الالحقة حيث ان رشوط العيش‬
‫عرب التأليف أو اإلبداع يف مجاالت مختلفة كاملرسح والسينام كانت غري متوافرة‬
‫نظرآ للحدود الضيقة للسوق الثقايف وإعتامد غالبية اإلنتاج الثقايف عىل دعم وزارة‬
‫الثقافة وكذلك عىل دعم الواليات بربمجة العروض يف املناسبات الثقافية سواء‬
‫كانت عروض مرسحية او سينامئية وحتى الندوات الشعرية والندوات االدبية‪.‬‬
‫الجامعات تشكل إستثناءآ إذ كانت هناك إمكانيات ألصوات متنوعة‬
‫لكنها ظلت محصورة داخل نطاق الجدل األكادميي وأسوار الكليات‬
‫فيام عدا أصوات قليلة استطاعت الخروج بافكارها للرأى العام الثقايف‬
‫مثل املرحوم» توفيق بكار» وكذلك بعض االصوات يف نوادي السينام‬
‫وجمعيات سينام الهواة وجمعيات أدبية معينة وكذلك نشاط متنوع‬
‫لجمعية» رابطة الكتاب األحرار « وخاصة نشاط فرعها مبدينة «بنزرت»‬
‫السنوات األخرية‪.‬‬
‫التيار الرئييس بقى متمرتسآ يف ألصحافة واإلذاعة والتلڤزة وطبعآ يف‬
‫العديد من املدارس العليا والجامعات عىل الرغم من وجود حركة طالبية‬
‫متطورة لكنها مل تفرز داخل الكادر التعليمي ما ميكن أن يُعترب تيارآ‬
‫فكريآ‪-‬ثقافيآ مناوئ بفعل القمع املستدام طوال عقود وكذلك بسبب‬
‫التهميش للعمل الثقايف بجانب الرصاعات املطلبية والسياسية أملبارشة !‬
‫بعد الثورة أنفجرت هذه الطاقات املقموعة سواء يف حركة النرش‬
‫واإلنتاج املرسحي والسيناميئ ويظهر هذا يف ملتقيات أدبية أو مهرجانات‬
‫سينامئية كمهرجان «قليبية «لسينام الهواة ومهرجان «قربة» ملرسح‬
‫الهواة ومهرجان «الكاف» ملوسيقى الجاز‪ ،‬والعديد من املهرجانات‬
‫الحديثة يف الواليات املختلفة كمهرجان سينام «قابس فن» ‪.‬‬
‫العديد من دور ألنرش الجديدة أصدرت عرشات الكتب لحساسيات‬
‫متنوعة ومختلفة! وكانت وسائل التواصل اإلجتامعي كذلك نافذة هامة‬
‫فألعديد من الكتاب قاموا بعمل مدونات أدبية ومنتديات إفرتاضية!‬
‫وكذلك بدأت الصحف الكربى تخصص صفحات من إصدارتها لنرش‬
‫العديد من اإلبداعات الجديدة! والفضاءات الثقافية املستقلة التى تعد‬
‫بالعرشات صارت مالجئ لالبداع الفردي والجامعي ومحاولة تشكيل‬
‫واقع ثقايف جديد وتعددي!‬
‫واقع الحال أن الحالة أختلفت نوعيآ عن ذي قبل مع إستمرار سيطرة‬
‫نسبية للتيار الرئييس السابق وبطبيعة الحال ينشأ نزاع بني الفاعليات‬
‫القدمية والحساسيات املستحدثة! وخاصة يف ظل رصاع سيايس محتدم‬
‫عىل السلطة! مل تصل الحالة بعد لإلحرتاب الثقايف العلني ولكن وراء‬
‫األكمة ما وراءها من خالفات وتناقضات جوهرية يف سبيلها لإلنفجار‬
‫الالحق!‬
‫هل هناك تيار رئييس جديد؟‬
‫هذا التشكل مازال يعاين مخاضا عسريا وذلك السباب بعضها موروث‬
‫من النظام السابق وبعضها جديد والعديد منها ميارس تأثريه عىل الحياة‬
‫الثقافية دون التعبري عن ذلك تشكل أطروحات واضحة ومحددة لذلك‬
‫فأملناورات الثقافية التنقطع وتنفجر أحيانآ يف غضب وقتى رسيعآ ما‬
‫يهدأ عرب مساومات تنتهي بإعادة توزيع لألنصبة بني املطالبني بحق‬
‫اإلعرتاف واآلخرين الحائزين تاريخيآ عليه‪.‬‬
‫هناك نزوع جهوي يتشكل منذ عقود وتضاعف بعد تضعضع املؤسسة‬
‫الثقافية القدمية والتى تحاول مل صفوفها عرب مشاريع كربى كمدينة‬
‫الثقافة والعديد من املراكز الدرامية يف نواحي عديدة‪،‬واملهرجانات‬
‫الفلكلورية للجهات والنشاطات املتنوعة للمندوبيات الثقافية وجميعها‬
‫يدخل يف نطاق إعادة إحياء التيار الرئييس القديم‪.‬‬
‫هل هناك إمكانيات لتشكيل الحساسيات الجديدة ضمن تيار وطني‬

‫بديل و جامع؟‬
‫هذا رهان رضوري وعاجل يف ظل تيبس الفاعليات القدمية ولكنه ليس‬
‫مضمون النجاح بفعل إنتشار الشلل والعصبيات الثقافية التى متاثل لحد‬
‫كبري العصبيات الجهوية والتحيزات السياسية والتى تقوم العديد منها‬
‫برفع شعارات كبرية تنتهي مبجرد إقتناص بعض الفرص للتحقق لدى‬
‫املؤسسة الثقافية‪ -‬هنا أو هناك‪ -‬وتقديم مصالحها الصغرية عىل إمكانية‬
‫خلق تيار ثقايف جديد هو بألرضورة دميوقراطي ومستقل عن آليات‬
‫الدولة !‬
‫تشكيل تيار ثقايف دميوقراطي مهيكل رضورة ويسلتزم الدخول يف تلك‬
‫املغامرة توافر رشوط هي بأألساس فكرية ومتتلك القدرة الحجاجية‬
‫عىل إقناع الفاعلني يف الحقل الثقايف برضورتها ونجاعتها سواء للجمهور‬
‫وملبدعي اإلنتاج الثقايف أنفسهم اللذين تشكل حالة اإلغرتاب عن الواقع‬
‫والحياة اليومية خطر كبري عىل تطور إبداعهم وكذلك التموقع يف مواقع‬
‫فكرية تجاوزتها الحياةالثقافية يف غالبية البلدان وخاصة «فرنسا» حيث‬
‫أن زاد النظريات النقدية الرئييس ‪-‬الذى نفذ ‪-‬قد أىت أساسآ لبالدنا من‬
‫هناك عرب الجامعات ومن خاللها للحياة الثقافية وللمبدعني والنقاد‬
‫وللكثريين من املتلقني !‬
‫األمر يستدعي أطروحة كربى مامثلة ملا فعلة «طه حسني « يف «مستقبل‬
‫الثقافة يف مرص» يف أربعينات القرن العرشين «وكذلك ‪-‬لحد ما‪« -‬أندريه‬
‫مارلو»فيام يخص الثقافة الفرنسية بعد الحرب العاملية الثانية ومع حكم‬
‫«ديجول»!‬
‫مبا نبدأ والحال ماهو عليه ؟الميكن بألطبع إنتظار أن تتفتق قريحة‬
‫ُمفكر كبري عن أطروحة كربى ولكننا ميكننا بألقطع إجراء حوار ثقايف‬
‫ُم َعم ْم يسمح بانتاج أفكار إسرتاتيچية كربى أو حتى إنتقالية لدى البعض‬
‫حول تأسيس جديد لثقافة بديلة يف ظل أخطار محدقة و تشكل الثقافة‬
‫أحد الحصون الهامة للدفاع عن متاسك املجتمع وتطوره يف مسار يض ْمن‬
‫عدم اإلنقطاع عن تاريخه الثقايف العتيق ولكنه يف ذات الوقت يسمح‬
‫بأإلنتقال لثقافة جديدة تتطلبها التحوالت الكربى يف البالد والعامل املحيط‬
‫بنا والذي مل نعدجزرآ منعزلة عنه ويأتينا يف كل دار ومقهى بأفالمه‬
‫وكتبه و مبارياته و موسيقاه ومودات املالبس وغواياته ‪.‬‬
‫«مؤمتر وطني للمثقفني» قد يكون الخطوة األوىل امللحة إلستجالء‬
‫الوضع ومجابهة التحديات وإنطالق نقاش معمم حول «مستقبل‬
‫الثقافة يف تونس» ‪،‬مؤمتر اليستبعد إال من يختارون إستبعاد أنفسهم‬
‫من هذا النقاش غري الحكومي واملحكوم بربنامج ملوضوعات محددة‬
‫رئيسية وليست تفصيالت إجرائية‪ ،‬تقدم قبله أوراق فكرية تنرشها‬
‫مدونة مخصصة لذلك طوال شهور عدة قبل إنعقاد جمع املتحاورين‬
‫اللذين سيتناقشون حول محتوى هذه الدراسات والتحليالت املتنوعة‬
‫واملختلفة! السجال رضوري إلن اإلختالفات رضورية لكن هذا األمر‬
‫الينبغي له أن يأخذ صفة اإلحرتاب الثقايف! هذا األمر ممكن عىل املدى‬
‫القصري بعد إنجالء االزمة الصحية وليس مستعجآل جدآ ليك اليتم بصورة‬
‫إرتجالية تكون هى يف النهاية تكرار ملناقشات املقاهي الثقافية املتنوعة‬
‫واملنترشة يف املدن الكربى!‬
‫من يقوم بإعداد ذلك املؤمتر؟ هناك مثقفني وباحثني معروفني مبواقفهم‬

‫املستقلة و يحوزون عىل الثقة املفرتضة من غالبية الفاعلني الثقافيني‬
‫سواء يف البحث األكادميي أو اإلبداع األديب والفني والعديد منهم لن‬
‫يتوانوا عن القيام بواجب هذا التأطري الرضوري كبداية ملناقشة عامة بني‬
‫كافة أطراف الجامعة الثقافية‪،‬وهناك إمكانية واقعية أن تقوم «املكتبة‬
‫الوطنية» مع النقابات الثقافية والجمعيات الثقافية بألتضامن إلنجاح‬
‫هذا العمل وبألطبع العديد من الهيئات الجامعية ألتى يهمها املشاركة‬
‫يف إنجاح هذا العمل الرضوري يف هذا الوقت بألذات الذي رمبا يكون‬
‫مفصليا يف تاريخ البالد ‪.‬‬
‫السؤال املوضوعي هو هل سيتمخض عن ذلك تشكيل هيئة دامئة‬
‫ك»جبهة للمثقفني»؟‬
‫السؤال وبألتايل اإلجابة سابقتني ألوانهام!حيث النستطيع التعرف اآلن‬
‫عىل التوجهات واإلختالفات ونقاط العمل املشرتك املمكنة قبل خروج‬
‫النقاش من مسامرات املقاهي ملؤمتر دميوقراطي يجمع تيارات ثقافية‬
‫وأدبية وفنية ونقدية متنوعة ومختلفة ودخولها يف حالة حوار لتحديد‬
‫األخطار وأملستهدفات واملمكنات لجعل الجامعة الوطنية مرتكزة عىل‬
‫واقع ثقايف متطور ومنغرس يف تاريخ البالد وقادر يف الوقت نفسه عىل‬
‫طرح أفاق‪.‬‬
‫الثقافة ليست حاصل جمع الفاعليات الفردية للمثقفني واملجموعات‬
‫الثقافية لكنها بأألساس توجه عام يتشكل ضمنه مفاهيم وفاعليات‬
‫وحساسيات وتطبعات وهذا اليحدث من تلقاء نفسه ولكنه يفرتض‬
‫مبادرات للتجمع والتناظر حول قضايا مصرييه ‪،‬والغرض ليس توحيد‬
‫ثقايف عىل الطريقة «الجدانوفية «والتى تستبعد التنوع واإلختالفات‬
‫ولكن الغرض أألسايس هو التعرف عىل اإلختالفات وتحديد التخوم بينها‬
‫وإمكانيات العمل املشرتك يف ظل الرصاع‪.‬‬
‫األمر ليس إخرتاعآ جديدآ عىل الصعيد الثقايف فلقد شهدت العديد من‬
‫البالد يف أزمان مختلفة مثل هذه التجمعات للحوار الثقاىف وتكوين‬
‫مواقف مشرتكة يف ظل أزمات متنوعة وكانت احيانآ تتم عىل مستوى‬
‫قاري (كتاب آسيا وأفريقيا)وعاملي(مؤمتر الكتاب يف الثالثينات) وسواء‬
‫مبشاركة السلطات الرسمية أو دون ذلك ‪.‬‬
‫إذا كانت مهمة الجبهة السياسية قد القت عوائق وإخفاقات بسبب‬
‫رهانات السياسة ذاتها فالوصول لجبهة ثقافية ليس كذلك عرب طريق‬
‫معبد ومفروش بالزهور!فألعوائق رمبا كانت أكرث نظرآ لعالقة الثقافة‬
‫بألهوية والتاريخ املمتد حتى من قبل تكون املجتمع السيايس الحايل‬
‫والرصاعات الثقافية وإن مل يُحمل فيها السالح إال أنها قد تكون تسويغ‬
‫ألعامل عنيفة قد تتجاوز الرصاع الفكري والخطايب واملناظرات‪.‬‬
‫الدعوة للتجمع والحوار ليست كذلك دعوة ملصالحات فكرية شكلية‬
‫وعهود التتجاوز القاعات املغلقة وسجالت اإلجتامعات إلنها بأألساس‬
‫دعوة للمواجهة والتناظر املبني عىل تفهم للتوجهات املخالفة والرصاع‬
‫معها املثبت والذي يعتمد تقاليد الرصاعات الفكرية املنضبطة والخالقة‬
‫والذي يشكل الذاكرة الثقافية الوطنية‪.‬‬
‫املهم هو الرشوع يف العمل الذي يحمل وعودآ بألنجاحات و كذلك‬
‫اإلخفاقات املحتملني لكنهام ال يستوجبان لنا مراقبة الوضع من خلف‬
‫ساتر زجاجي! «هنا رودس فلرنقص هنا»‪.‬‬

‫‪6‬‬

‫الخميس ‪ 12‬نوفمرب ‪ - 2020‬املوافق لـ ‪ 26‬ربيع األول ‪ 1442‬هـ ‪ -‬العدد ‪89‬‬

‫تعدّد األصوات يف رواية «آخر املوريسيكيات» لخديجة التومي‬
‫فتحي البوكاري‬
‫توطـئة‪:‬‬
‫لكلّ روايئ أسلوبه وتقنياته وغاياته من كتابة‬
‫الرواية‪ .‬فهناك من يعتمد عىل الخط املبارش يف الحيك‬
‫مرتكزا عىل الصوت الواحد‪ ،‬صوت السارد العليم‬
‫املتحكّم يف خيوط الرسد‪ ،‬بغية فرض الحقيقة الواحدة‬
‫ورؤيته الرسدية عىل املتلقّي دون مواربة أو التفاف‪،‬‬
‫وهناك َم ْن يَعمد إىل تقنية تعدد األصوات الرسدية (‪ )POLYPHONIE‬لغاية عرض‬
‫مختلف التص ّورات عرب تكثري األصوات وتعداد الرؤى واألساليب‪ .‬فمن خالل تفاعل‬
‫الشخصيات تُطرح األفكار واملواقف املتناقضة من منظورات وأساليب متعددة‬
‫ومختلفة‪ ،‬تصب يف النهاية يف مصب الحقيقة الواحدة‪ ،‬يستخلصها القارئ بكل‬
‫هدوء ويعتقد فيها إىل حد اليقني‪ ،‬وقد تُرتك خامتتها مفتوحة عىل كل االحتامالت‬
‫والتأويالت من أجل كرس حاجز التوقّع وإلثارة الدهشة وتوسيع دائرة التخيّل لدى‬
‫القارئ الذي يسطّر يف النهاية نهايتها‪.‬‬
‫تعد رواية خديجة التومي “آخر املوريسيكيات”‪ ،‬الصادرة مبرص عن‬
‫دار البشري للثقافة و العلوم سنة ‪ ،2018‬واحدة من هذه الروايات‬
‫البوليفونية املرتكزة أساسا عىل التفاعل الجميل بني املرجعي والجاميل‪،‬‬
‫حيث وظّفت الكاتبة السيايس والتاريخي كخمرية يف عجينة األحداث‬
‫نصها‬
‫املتخيّلة وبأسلوب راق جذّاب‪ .‬كام أنّها قد أحكمت قبضتها عىل ّ‬
‫فعددت فيه اآلراء واملواقف الفكرية من منظورات رسدية مختلفة‬
‫ون ّوعت فيه الصيغ وأساليب الحيك وكثّفت من استعامل العتبات‪،‬‬
‫كل ذلك بهدف خلط وجهات نظر محمولة عندها سابقا قبل الثورة‬
‫ّ‬
‫وإعادة إنتاج عصارة حقائق جديدة ورؤية إيديولوجية مغايرة‬
‫تح ّولت إليها الكاتبة عىل هدي تجربتها الجديدة املكتسبة بعد الثورة‬
‫إثر انخراطها ومشاركتها يف إدارة الشأن العام‪ ،‬تخلص إليها مبهارة قائد‬
‫النص‪.‬‬
‫أوركسرتا األصوات املتع ّددة‪ ،‬رغم قلّة الشخصيات املتحاورة يف ّ‬
‫ومن هذا املنطلق‪ ،‬سنسعى إىل اكتشاف جملة األفكار واملبادئ‬
‫نصها الروايئ املوسوم بـ» آخر‬
‫التي قامت الكاتبة مبراجعتها يف نسيج ّ‬
‫املوريسيكيات» عرب توظيف تقنية تع ّدد األصوات‪.‬‬
‫مق ّومات الرواية البوليفونية وخصائصها الف ّنية‪:‬‬
‫ارتبط مصطلح «تعدد األصوات» أو «البوليفينية» يف ميدان األدب‬
‫باسم الناقد الرويس ميخائيل باختني (‪ ،)1895-1975‬ق ّدمه أل ّول‬
‫م ّرة عند تفكيكه لطريقة بناء روايات دوستويفسيك وذلك يف كتابه‬
‫«قضايا األعامل اإلبداع ّية لدوستويفسيك» الصادر سنة ‪ 1929‬والذي‬
‫ت ّم تنقيحه وأعيد نرشه سنة ‪ 1963‬تحت عنوان «قضايا دوستوفسيك‬
‫الشعرية»(‪)1‬‬
‫يعترب باختني يف مق ّدمة كتابه ذاك أ ّن دوستويفسيك (‪)1821-1881‬‬
‫من أعظم املبتكرين يف مجال الشكل الفني‪ ،‬لقد ابتكر‪ ،‬نو ًعا جدي ًدا‬
‫متا ًما من البناء الفني‪ ،‬أُطلق عليه اسم تعدد األصوات‪.‬‬
‫ويعرف الدارسون الرواية املتعددة األصوات بأنّها رواية حوارية تتسم‬
‫بالتع ّدد يف الرؤى اإليديولوجية ووجهات النظر‪ ،‬واللغات واألساليب‪،‬‬
‫واألجناس األدبية واملنظورات الرسديّة‪ ،‬ويف الشخصيات املتحاورة‬
‫فيام بينها وفق انتامئها االجتامعي وتكوينها الثقايف مع إلزامية حياد‬
‫الكاتب وعدم انحيازه أل ّي شخصية‪ ،‬أي أن يرتكز خطابها باألساس‬
‫عىل مبدأ الحواريّة (‪ )Dialogisme‬كشكل من أشكال العالقة بني‬
‫األنا واآلخر املختلف عن مفهوم الحوار (‪ )Dialogue‬الذي هو‪ ،‬يف‬
‫تص ّور إيرينا تيلكوفسيك‪ ،‬شكل من أشكال التفاعل اللفظي بني األفراد‬
‫(مبعنى تبادل الكالم) ‪ ،‬ذكرت هذا يف بحثها حول مفهوم ميخائيل‬
‫باختني للحوار ومصادره االجتامعية (من خالل دراسة كتابه «قضايا‬
‫األعامل اإلبداعية لدوستوفيسيك» (‪ .))1929‬وأشارت إىل أ ّن باختني‬
‫قد توصل إىل استنتاج مفاده أن السمة املميزة ألعامل دوستويفسيك‬
‫هي طابعها الحواري‪ ،‬ليس كوسيلة‪ ،‬ولكن كغاية يف حد ذاته‪ ،‬فال‬
‫نجد مؤلفًا أو راويًا يصف الشخصيات ويعرضها ومييزها‪ ،‬لكننا نجد‬
‫حوارات األبطال الذين يتم بناءهم عرب كلامت تخاطبهم‪.‬‬
‫وهكذا فإ ّن البوليفونية تجسد العالقة الضمنية بني الكاتب وشخوصه‬
‫واألصوات املجهولة التي تعمل عىل الترصيح بأشياء عىل لسان املؤلف‬
‫دون اإلعالن عن نفسها‪.‬‬

‫ومن هذا النهج األديب سنبحث عن صوت خديجة التومي غري املعلن‬
‫واملدمج يف أصوات أبطالها املدافعني عن وجهات آرائهم ومعتقداتهم‬
‫يف محيك الرواية‪.‬‬
‫وهنا‪ ،‬ميكن للمرء أن يسأل مشتبكا‪ :‬مبا أن الحديث عن صوت الكاتب‬
‫يعني ضمنيا اإلشارة إىل عدم الحياديّة‪ ،‬فعالم ندرج هذه الرواية ضمن‬
‫حقل الرسد البوليفوين وقد أسقطنا عنها سمتني من سامتها وهي‬
‫تعدد الشخصيات وإلزام ّية حيادية املؤلّف؟‬
‫يف تقديري‪ ،‬اإلجابة عن هكذا سؤال يتطلّب م ّنا حفرا عميقا يف املرجع‬
‫التاريخي لهذا املصطلح املتشابك مع البعد اإليديولوجي لواضعه‪ .‬وهذا‬
‫األمر يحتاج إىل بحوث ودراسات مع ّمقة وإىل مراجع موصولة بهذه‬
‫اإلشكالية وهو موضوع ال ميكن مناقشته باستفاضة يف هذه الورقات‬
‫خصيصا للحديث عن إصدار تونيس يف عامل الرواية‪ ،‬إالّ‬
‫القليلة املع ّدة ّ‬
‫أنّني سوف أكتفي هنا باإلشارة إىل الرؤية السلطوية لباختني يف صياغة‬
‫نظرية الهيكل املتط ّور لألعامل دوستويفسيك األدبية املوسوم بالبناء‬
‫الفني الحديث‪ ،‬فهو يف الغالب أسري للنزعة املاركسية‪ ،‬يتعقب النص‬
‫بخلفية إيديولوجيّة‪ ،‬وبدايته كانت مع رسدية نشأة هذا الجنس األديب‬
‫الذي يعود به صاحبه إىل عامل الكوميديا وارتباطها العميق بالفلكلور‪،‬‬
‫فقط من أجل القول إن نشأة الرواية نشأة شعبيّة‪ ،‬تفنيدا ملزاعم‬
‫القائلني ببورجوازية أصولها امللحمية‪ ،‬وبطبيعة الحال‪ ،‬أحسن تعبري‬
‫عىل الشعبيّة يف بناء الرواية هي كرثة الشخصيات والفوىض‪ .‬تقول‬
‫زهرا بهشتي‪ ،‬طالبة دکتوراه يف قسم اللغة العربية وآدابها بجامعة‬
‫سمنان بإيران‪ ،‬يف بحثها املوسوم بتجليات الرسد البوليفوين يف رواية‬
‫«اعرتافات كاتم الصوت» ملؤنس الرزاز باعتباره مظهرا من مظاهر ما‬
‫بعد الحداثة‪“ :‬ووفقا ألصحاب هذه املدرسة (أي الرسد البوليفوين) ال‬
‫ميثل العامل نظاما واحدا ً‪ ،‬بل ليست القاعدة إال عدم النظام‪ .‬وهكذا‬
‫وصلت الفلسفة األوربية يف مرحلة ما بعد الحداثة إلی ضياع ودخلت‬
‫يف الالهدفية أو ما ميكننا تسميته بالتيه؛ أو الالثبات”‬
‫خاص ببناء دوستويفسيك األديب‬
‫من املمكن أن يكون هذا املعامر ّ‬
‫رغم اعوجاجه‪ ،‬فوفقا ملعارصيه يعترب شكسبري وبلزاك من أسالف‬
‫دوستويفسيك يف مجال تعدد األصوات‪ .‬أ ّما متلقّفو هذه التقنية‬
‫الجديدة من النقّاد العرب فهم يقفون إىل جانب باختني يف كون تعدد‬
‫األصوات عند بلزاك تنحرص فقط يف عنارص محد ّدة‪.‬‬
‫ومن املفارقة العجيبة أن تكون أوىل أعامل املهندس العسكري‬
‫املدافع عن املحرومني ترجمة إلحدى روايات بلزاك‪ ،‬وأن تكون رواياته‬
‫العاكسة لتجربته وأفكاره الطوباوية االشرتاكية ذات النزعة الدينية‬
‫والحاملة لتجربة سجنه مبعسكر االعتقال بسيبرييا ألربع سنوات‬
‫كاملة‪ ،‬مزعجة ومدانة‪ ،‬فبالنسبة لدوستويفسيك تع ّد االشرتاكية‬

‫تجسيدا للكاثوليك ّية الرومان ّية املعادية للمسيح ّية وحليفها الطبيعي‪،‬‬
‫وبالنسبة لقادة الثورة البلشفية فهي أعامل مزعجة ألنها قاممة‬
‫ومحض هراء وهم ال ميلكون الوقت إلضاعته يف قراءة الغباء‪ ،‬ومدانة‬
‫مليول الرجعية املتعلّقة بها‪ ،‬عىل ح ّد تعبري فالدميري إيليتش (لينني)‪.‬‬
‫يف مقدمة كتابها “دوستويفسيك‪ ،‬موسكو‪ ،‬الحارس الشاب” (طبعة‬
‫‪ ، )2013‬أوردت ليودميال ساراسكينا ترصيحا علنيا لغوريك أشار‬
‫فيه‪ ،‬يف ذروة الثورة الروسية األوىل‪ ،‬إىل العد ّوين الرئيسيني لروسيا‪:‬‬
‫رشا‬
‫تولستوي ودوستويفسيك‪ ،‬يقول‪“ :‬ال أعرف من أعداء الحياة أكرث ّ‬
‫منهام‪ ،‬إنهام يريدان مصالحة الجاين والضح ّية ويريدان تربير قربهام‬
‫من املعذِّبني وعدم مباالتهام مبعاناة العامل‪ ...‬هذا عمل إجرامي”‪.‬‬
‫وتواصلت تحفظاته وتعقبه إىل سنة ‪ ،1934‬كان يصفه يف خطاباته‬
‫بالعبقري الرشير‪ .‬كام أعلن الناقد األديب الربوليتاري شكلوفسيك ذات‬
‫م ّرة‪ ،‬سنوات بعد نرش باختني دراسته حول أعامل دوستويفسيك‪،‬‬
‫أنّه “ال ميكن فهم دوستويفسيك خارج الثورة وال ميكن فهمه بخالف‬
‫أنه خائن وكتبت لوناشارسيك‪“ :‬ال ميكننا التعلم من دوستويفسيك‪،‬‬
‫ال ميكن للمرء أن يتعاطف مع تجاربه‪ ،‬وال يستطيع املرء أن يقلد‬
‫طريقته‪ ...‬بالنسبة لشخص جديد ولد من الثورة ويساهم يف انتصارها‪،‬‬
‫رمبا يكون من غري الالئق عدم معرفة عمالق مثل دوستويفسيك‪ ،‬لكن‬
‫سيكون من املحرج متا ًما‪ ،‬إذا جاز التعبري‪ ،‬الوقوع تحت تأثريه»‪.‬‬
‫يف الحقبة السوفييتية‪ ،‬مل تستطع قسوة لينني‪ ،‬وتعنت غوريك‪،‬‬
‫وجوقة «اإلنسانيني الربوليتاريني» املنسقة بشكل جيد‪ ،‬عىل حد‬
‫تعبري ساراسكينا‪ ،‬أن تعدم وجود الربجوازي الصغري يف األدب‪ .‬تقول‬
‫ساراسكينا‪ « :‬كان من املستحيل تجاهل حقيقة وجود دوستويفسيك‬
‫يف األدب‪ :‬فقد اعتربه األكادمييون أعظم فنان عاملي يف القرن التاسع‬
‫عرش‪ ،‬لكن من أجل دراسته ومعرفته‪ ،‬كان النقد املاركيس يعتقد أنه‬
‫يجب أن يتم فقط تحت شعار الغلبة باعتباره العدو األيديولوجي‬
‫األقوى الذي خدمت أفكاره الثورة املضادة»‪ .‬ث ّم تضيف يف مكان آخر‬
‫أنّه من املدهش أن يقاتل نقاد التشكيل الجديد العمالق العاملي‪،‬‬
‫واتهامه بعدم فهم الجدلية التاريخية‪ .‬وفقًا ملنطق الربوليتاريا‬
‫املنترصة‪ ،‬عاىن دوستويفسيك املسيحي هزمية هائلة‪ ،‬ألنه توقع الثورة‬
‫وتوقع حتميتها‪ ،‬وقام بتشويهها ومحاربتها عبثًا لفرتة طويلة‪.‬‬
‫كانت ساراسكينا تقف يف ركن زمني معقّم قد خفّت فيه ح ّدة املوجات‬
‫الثوريّة‪ ،‬ولهذا فقد كانت تنطق بيقني وموضوع ّية بأن الناقد املاركيس‪،‬‬
‫بريفرزيف‪ ، Pereverzev‬قبل وقت طويل من اعتقاله ألول مرة يف‬
‫عام ‪ ،1938‬متكن من غرس فكرة فائدة دوستويفسيك الخاصة لقضية‬
‫الثورة‪ .‬ال ميكن استبعاد أفكار دوستويفسيك بالسخرية واالستهزاء‪،‬‬
‫ولكن ميكن للمرء أن يحاول استغالل عبقريته‪ ،‬وتوظيفها يف خدمة‬
‫الثقافة الجديدة‪ .‬أتاحت هذه الفكرة املغرية الفرصة لدراسة تراث‬
‫دوستويفسيك اإلبداعي‪ ،‬واستمرت فرصة تكييف الكالسيكية الخطرية‬
‫للثقافة االشرتاكية حتى التسعينيات وأصبحت األساس األيديولوجي‬
‫لألعامل األكادميية الكاملة‪ ،‬وتساءلت هل كان الكائن الخارجي‬
‫للكاتب مفصولاً بجدار ال ميكن اخرتاقه عن واقع الرواية‪ ،‬وهو الكائن‬
‫الذي سادت فيه “الواقعية باملعنى األسمى”؟ أم أن الحدود بينهام‬
‫مهتزة‪ ،‬ومتأللئة‪ ،‬ومتحركة‪ ،‬ومتغرية مبهارة؟‬
‫فهل هو العقل العلمي الخالص َم ْن دفع باختني ألن يرى حياد‬
‫مؤلف كتاب “اإلخوة كارامازوف” يف خطابه اإلبداعي وخفوت صوته‬
‫لتحل محلّه الشخصيات؟ أم أن نقل صوت الكاتب‬
‫وتحجيم دوره ّ‬
‫إىل الشخصية األدب ّية هي نار التطهري لتلميع صورة دوستويفسيك‬
‫املتف ّحمة لعقود عديدة يف أعني قادة الثورة البلشفية؟‬
‫من الواضح جدا أن باختني‪ ،‬يف أواخر الثالثينيات‪ ،‬كان يأمل يف إعادة‬
‫إنشاء صورة الكاتب العظيم من أجل تغيري موقف املاركسيني من‬
‫الرجعية الرصيحة‪ .‬عندما تعجز الثورات عن إنتاج رموزها الثقاف ّية‬
‫تلجأ إىل تنظيف رموز الدولة العميقة ورسكلتها‪ ،‬فبعد عقد من‬
‫حدوث الثورة البلشفية‪ ،‬وبعد م ّد وانحسار للثورة املضادة وقواها‬
‫املعادية‪ ،‬تغيرّ ت أمزجة الجامهري وانقلبت املفاهيم‪.‬‬
‫لهذه األسباب مج ّمعة‪ ،‬ويف هذا اإلطار املح ّدد ميكن لتقنية تعدد‬
‫األصوات أن تشمل العمل الروايئ لخديجة التومي الخايل من الحيادية‬
‫وكرثة الشخصيات واملتض ّمن أله ّم مق ّومات الخطاب البوليفوين‪.‬‬

‫‪7‬‬

‫الخميس ‪ 12‬نوفمرب ‪ - 2020‬املوافق لـ ‪ 26‬ربيع األول ‪ 1442‬هـ ‪ -‬العدد ‪89‬‬

‫صدى أبي القاسم الشّابيّ يف ّ‬
‫الثورات العربيّة*‬
‫مح ّمد بوحوش‬
‫ متهيد‪:‬‬‫يوجد إجامع عىل أ ّن الشّ اعر أبا القاسم الشّ ا ّيب كان مجدّدا سواء‬
‫أكان ذلك يف شعره أو يف موقفه من الشّ عر القديم والخيال‬
‫الشّ عر ّي العر ّيب‪ ،‬أو من الحياة واملسألة الوطن ّية إبّان االستعامر‬
‫الفرنيس املبارش لتونس‪ .‬فهو من بني كوكبة األدباء والفقهاء‬
‫ّ‬
‫السياس ّيني والف ّنانني واملفكّرين لعرص اتّسم بال ّنهضة واإلصالح‬
‫و ّ‬
‫والثّورة عىل القديم ومقاومة االستعامر‪ .‬بقي الشّ ا ّيب ح ّيا يف ضمري ال ّناس‪ ،‬وبقي صداه‬
‫االجتامعي يف‬
‫الوطني و‬
‫مش ّعا يف معظم الدّول العرب ّية الّتي عرفت مرحلتي ال ّتح ّرر‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ال ّنصف األ ّول والثّاين من القرن العرشين‪.‬‬
‫تحاول هذه املقالة الجواب عن األسئلة ال ّتالية‪ :‬ملاذا بقي الشّ ا ّيب ح ّيا يف ضمري ال ّناس؟ وما‬
‫ظل صداه يرتدّد يف االنتفاضات والثّورات الشّ عب ّية‬
‫أسباب إشعاعه وخلوده؟ وكيف وملاذا ّ‬
‫العرب ّية؟ وكيف ميكن أن يُستثمر ثقاف ّيا وسياح ّيا؟‬
‫الصدى كانت الكلمة أي كان الشّ عر‬
‫الصدى‪ ،‬وخلف ّ‬
‫الصوت وبقي ّ‬
‫رحل ّ‬
‫متجسدا باألساس يف بيت الشّ ا ّيب الشّ هري‪:‬‬
‫ّ‬
‫إذا الشّ عب يوما أراد الحياة ‪/‬فال ب ّد أن يستجيب القدر‬
‫وال ب ّد للّيل أن ينجيل ‪ /‬وال ب ّد للقيد أن ينكرس‪.‬‬
‫لعلّه من األهم ّية مبكان التّذكري بأ ّن الكلمة يف ح ّد ذاتها بال مدلول وبال‬
‫حياة‪ ،‬وبال خلود ما مل تعتنقها الجامهري‪ ،‬فتتح ّول إىل قناعة وق ّوة ماديّة‬
‫وفعل ثور ّي أو تغيري ّي‪ .‬هكذا كانت ال ّرساالت يف جميع األديان‪ .‬فلو مل‬
‫طي ال ّنسيان‪ ،‬وملا ارتقت إىل مرتبة املق ّدس إذ‬
‫يتب ّناها ال ّناس ألضحت يف ّ‬
‫يتجسد يف‬
‫أن‬
‫دون‬
‫ومن‬
‫البرش‪،‬‬
‫دون‬
‫من‬
‫ذاته‬
‫ال معنى للمق ّدس يف ح ّد‬
‫ّ‬
‫فعل أو سلوك أو عقيدة أو أسلوب حياة‪ .‬حينئذ تلجأ الشّ عوب يف حاالت‬
‫مع ّينة كالحالة الثّوريّة أو حالة الهزمية‪ ،‬أو يف شتّى األزمات أيّا كانت إىل‬
‫االستجارة بالكلمة أي باملق ّدس الّذي تب ّنته‪ .‬فصناعة ال ّرموز واملق ّدس هام‬
‫ابتكار جامهري ّي بامتياز إىل ح ّد قد ينحرف فيه املق ّدس أو ال ّرمز ّي فيكون‬
‫عىل سبيل االستعارة والترّ ميز من ذلك أيقونة مح ّمد البوعزيزي الّذي أصبح‬
‫يف العرف الثّور ّي رمزا للثّورة حتّى وإن كان البوعزيزي قد حرق نفسه‪ ،‬وهو‬
‫السياسة‪ :‬فاإلرها ّيب‬
‫ما يخالف العقيدة واملق ّدس‪ .‬كذلك هو الشّ أن يف مجال ّ‬
‫عندما يف ّجر نفسه له مرجعتيه يف الكلمة أي يف فهم الكتاب ويف املق ّدس‬
‫يايس يف‬
‫حني يرصخ مر ّددا‪ :‬اللّه أكرب‪ .‬وال يخفى عىل أحد من أ ّن ال ّنظام ّ‬
‫الس ّ‬
‫البورقيبي وال ّنوفمرب ّي قد استثمر صورة ال ّرمز الشّ عر ّي‬
‫تونس يف العهدين‬
‫ّ‬
‫متمثّال يف أيب القاسم الشّ ا ّيب حني أضيفت بعض أبيات قصيدته إرادة الحياة‬
‫ونيس‪ .‬كام ال يخفى أيضا عىل أحد لجوء عديد‬
‫إىل ال ّنشيد‬
‫الوطني التّ ّ‬
‫ّ‬
‫السياسيّني إىل توظيف كلامت الشّ ا ّيب يف خطاباتهم من قبيل‪ :‬الشّ عب يريد‪،‬‬
‫ّ‬
‫وال ننىس كذلك االنتفاضات الّتي شهدتها تونس عىل م ّر التّاريخ الحديث‬

‫وصوال إىل ثورة ‪ ،2011‬تلك الّتي تر ّدد فيها صدى الشّ ا ّيب بكرثة‪ :‬إذا الشّ عب‬
‫يوما أراد الحياة‪ ،‬أو يف صيغة من هذا ويف شعار‪ :‬الشّ عب يريد إسقاط‬
‫ال ّنظام‪ ،‬تحديدا‪.‬‬
‫ومل يقترص األمر عند هذا الح ّد فجلّ ثورات ال ّربيع العر ّيب‪ ،‬وجلّ االنتفاضات‬
‫السودان‬
‫من تونس إىل ليبيا إىل مرص إىل اليمن إىل العراق وسوريا ولبنان و ّ‬
‫قد تب ّنت بشكل أو بآخر كلامت الشّ ا ّيب املتمثّلة يف إرادة الحياة‪.‬‬
‫رس خلود الشّ ا ّيب‪:‬‬
‫‪ّ 2‬‬‫بقيت من الشّ ا ّيب بعض القصائد املتو ّهجة الّتي تع ّد عىل أصابع اليد‬
‫الواحدة‪ .‬وبقي وهجه بالخصوص يف قصيدته إرادة الحياة‪.‬‬
‫من رحم الواقع أي من واقع التخلّف واالستعامر جاءت هذه القصيدة‬
‫وكأنّها مبن ّية عىل مقولة‪ :‬كيفام تكونوا يولّ عليكم‪ .‬فإذا كنتم كذا حدث‬
‫كذا دون تحديد معنى ملا سنكون‪ ،‬وملن سيولىّ علينا‪ .‬كان الشّ ا ّيب فطنا‬
‫ويقظا يف خطابه‪ ،‬كام كان مج ّددا إذ كان بإمكانه القول‪ :‬إذا املر ُء يوما أراد‬
‫الحياة‪ .‬لك ّنه كان يف عرص جديد استخدم فيه اللّغة الحديثة والبسيطة يف‬
‫توليفة جميلة ومغايرة فاستعمل املفردة املعارصة‪ ،‬ومنها مفردة الشّ عب‪.‬‬
‫ولقد كان جواب الشرّ ط محصورا باإلرادة أي إرادة الحياة لذلك ال ب ّد للقدر‬
‫من االستجابة‪ .‬ومبعنى آخر‪ ،‬ويف شكل مختلف فإ ّن القدر يقرتن بفعل ّما‪.‬‬
‫الشء‪ ،‬وهو أيضا إحالة عىل االستطاعة‬
‫والقدر يف اللّغة هو أيضا مقدار يّ‬
‫والقدرة‪ .‬وليس القدر من القدريّة الّتي ال دخل فيها لإلنسان‪ .‬ولعلّ البيت‬
‫الثّاين‪ :‬فال ب ّد للّيل أن ينجيل‪ /‬وال ب ّد للقيد أن ينكرس‪ ،‬يوضّ ح أ ّن القدر‬
‫متمثّل يف معنى اللّيل ومدلوالته من استعامر وفقر وتخلّف‪ ،‬وهي القيود‬
‫الّتي يجب أن تنكرس‪.‬‬
‫ال ّ‬
‫شك يف وجود أسباب أخرى لخلود الشّ ا ّيب منها ما ذكرت يف فقرة جدل ّية‬
‫الكلمة والفعل‪ ،‬ومنها نصوص شعريّة أخرى له من قبيل صلوات يف هيكل‬
‫الحب ونشيد الج ّبار‪ ،‬وتونس الجميلة وغريها‪ .‬لكن لسائل أن يتساءل ملاذا‬
‫ّ‬
‫بقي الشّ ا ّيب حيّا فيام نُيس شعراء آخرون ال يقلّون قيمة منه؟‬
‫والجواب هو‪ :‬تب ّني الجامهري ألبياته الشّ عريّة ودمجها يف الفعل الثّور ّي إىل‬
‫ح ّد صارت الكلمة معه مبثابة عقيدة‪ .‬هنا تكمن رمزيّة الشّ ا ّيب وخلوده‪.‬‬
‫هكذا دمجت الذّاكرة الجامع ّية والفرديّة الكلمة وارتقت بها إىل مرتبة‬
‫سمي وال ّرمز حتّى إ ّن شخصيّة الشّ اعر أضحت من املق ّدس يف‬
‫ال ّنشيد ال ّر ّ‬
‫السياس ّيني‪.‬‬
‫بعض‬
‫ولدى‬
‫ي‬
‫خبو‬
‫ن‬
‫ال‬
‫و‬
‫عبي‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫العرف الشّ ّ‬
‫‪ 3‬ماذا بقي من الشّ ا ّيب؟‪:‬‬‫السؤال املخاتل معان ع ّدة‪ .‬منها بقاء ال ّرمز ح ّيا يف الذّاكرة الشّ عب ّية‪،‬‬
‫لهذا ّ‬
‫االجتامعي‪ ،‬ومنها أيضا ال ّرؤية الفنيّة يف شعر الشّ ا ّيب‬
‫ومنها اقرتانه بالفعل‬
‫ّ‬
‫للسائد‪ ،‬وكرسه لقيود البالغة القدمية واللّغة ذات املفردات‬
‫وتجاوزه ّ‬
‫الغامضة‪ .‬فلغة قصيدة إرادة الحياة بسيطة يف مفرداتها غري أ ّن الشّ عر ال‬

‫يهت ّم فقط باأللفاظ بل يف‬
‫التّآلف فيام بينها وصهرها‬
‫يف معنى يرتقي بها إىل‬
‫أعمق ال ّدالالت‪ ،‬ويدمجها‬
‫يف صلب الحياة‪ ،‬فتعبرّ عن‬
‫هموم ال ّناس وقضاياهم‪ .‬مث ّة هنا مجال آخر للتّوضيح ولنقارن‪ ،‬إن جازت‬
‫املقارنة‪ ،‬بني أيب الط ّيب املتن ّبي وبني أيب القاسم الشّ ا ّيب‪ .‬فلقد كان املتن ّبي‬
‫شاعرا بليغا وشاعر حكمة باألساس غري أ ّن صداه ظلّ فرديّا بينام أصبح‬
‫صدى الشّ ا ّيب جامع ّيا يرنو يف شكل ّما إىل العامل ّية‪ .‬وخالصة املقارنة تلك‬
‫هي أ ّن املتنبّي كان شاعر البالط وال ّنخبة الحاكمة فيام كان الشّ ا ّيب شاعر‬
‫الشّ عب والحياة‪.‬‬
‫لقد دأبت الحكومات املتعاقبة يف تونس منذ عهد إعالن وثيقة االستقالل‬
‫عىل توظيف الشّ ا ّيب سياس ّيا وال ّنظر إليه من زاوية مشاهري تونس الّذين‬
‫يغنون صورتها أو سمعتها يف الخارج وال ّداخل‪ ،‬ومن ث ّم تلميع صورة‬
‫الحكومات واألنظمة‪ ،‬وهي تدرك ج ّوان ّيا أ ّن استثامر الشّ ا ّيب سياس ّيا هو‬
‫سيف ذو ح ّدين‪ :‬ح ّد ملدح ال ّنظام وتثبيت رشعيّته وإشهار سمعته‪ ،‬وح ّد‬
‫للثّورة عليه وتب ّني شعار التّغيري‪.‬‬
‫أ ّما شعبيّا ويف عرف ال ّنخبة املثقّفة فإ ّن الشّ ا ّيب يظلّ رمزا مه ّمشا ألسباب‬
‫كثرية منها أن ال يشء تقريبا يخلّده ماديّا كوجود معلم له يليق بشهرته‬
‫ورمزيته كأن يكون مركزا ثقافيّا دوليّا‪ ،‬وال حتّى وجود متحف له أو بيت‬
‫شعر باسمه أو غري ذلك‪.‬‬
‫سياحي‬
‫بينام كان باإلمكان أن يتح ّول مقام ّما أليب القاسم الشّ ا ّيب إىل مزار‬
‫ّ‬
‫وثقا ّيف يخلّد شخصه وشعره وعبقريّته ويفيد بلده يف مجال التّنمية‪ .‬لك ّن‬
‫السابق الحبيب‬
‫يايس ظلّ مهيمنا لذلك نجد مزارا لل ّرئيس ّ‬
‫الجانب ّ‬
‫الس ّ‬
‫السوفيا ّيت‬
‫ّحاد‬
‫ت‬
‫اال‬
‫يف‬
‫األمر‬
‫كان‬
‫مثلام‬
‫‪.‬‬
‫يب‬
‫ا‬
‫للشّ‬
‫له‬
‫مثيال‬
‫نجد‬
‫وال‬
‫بورقيبة‪،‬‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫سابقا فلقد غطّى معلم لينني أو مزاره لسنوات عديدة عىل معلم بوشكني‬
‫عىل سبيل املثال‪ .‬غري أ ّن ال ّزمن سيتغيرّ حتام فسيبقى ال ّرمز الثّقا ّيف وينىس‬
‫يايس يف يوم ّما‪ .‬وها قد حدث يف بلد آخر ويف زمن مىض حني نزع‬
‫ال ّرمز ّ‬
‫الس ّ‬
‫متثال لينني‪ ،‬وبقي متثال بوشكني يف روسيا شامخا‪.‬‬
‫ الخامتة‪ :‬إ ّن الشّ عوب ت ّواقة إىل صناعة ال ّرموز واملق ّدسات فهي جزء من‬‫يني‬
‫هويّتها ومرجع ّياتها‪ .‬واملق ّدس وال ّرمز ّي قد ال ينتميان إىل الحقل ال ّد ّ‬
‫الفني‪ ،‬وكذا حال أيب القاسم الشّ ا ّيب يف إرادة‬
‫بل ميكن أن ينتميا إىل املجال ّ‬
‫الحياة‪ .‬يخلد الشّ اعر حني تر ّدد الجامهري شعره مبلء حناجرها إبّان الفعل‬
‫االجتامعي الثّور ّي بالخصوص‪ .‬ولذلك صار الشّ ا ّيب مرجعا يف الهويّة والذّاكرة‬
‫ّ‬
‫الصدى خالدا‪.‬‬
‫وبقي‬
‫وت‪،‬‬
‫الص‬
‫رحل‬
‫ا‪.‬‬
‫ي‬
‫ح‬
‫صداه‬
‫وسيظلّ‬
‫الجمع ّية‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫* مقالة ح ّررت مبناسبة الذّكرى ‪ 86‬لوفاة أيب القاسم الشّ ا ّيب‪.‬‬

‫من باريس ‪ :‬شهادة باحثة جامعية‬

‫سرديات صالحة للكتابة والغناء واألمل‬
‫إرشاق كرونة*‬

‫جئت إىل فرنسا طالبة منذ أربع‬
‫سنوات‪ .‬ال توحي هيئتي الخارجيّة بأ ّي‬
‫شكل من أشكال التديّن‪ .‬يظهر للعيان‬
‫أنّني عربيّة ولكّن دون تحديد ديني أو‬
‫مذهبي أو طائفتي ‪ -‬والحمد لله أنّنا‬
‫يف تونس‪ -‬ال نويل أهمية للمذاهب والطوائف‪.‬‬
‫اخرتت أ ّن أعيش يف مدينة تكاد تخلو من العرب العاربة‬
‫واملستعربة بعد تجربة سنة كاملة بينهم يف إحدى ضواحي‬
‫باريس‪ ،‬مل أشعر فيها باختالف عن املدن الشعب ّية التونسية‬
‫التي ال ميكن لفتاة أن تخرج فيها وحدها بعد الثامنة‬
‫مساء وال ميكن عىل سبيل املثال أن ترتدي فيها تن ّورة!‬
‫اضطررت يف الصائفة األوىل التي حرضت فيها إىل باريس‬
‫إىل العمل حتّى أؤ ّمن معلوم كراء أ ّول بيت يل وكنت‬
‫أعمل ليال يف مؤسسة تصنيع أدوية‪ .‬كان الطريق إىل‬
‫العمل يستغرق ثالث ساعات من التنقّل جيئة وذهابا‪.‬‬
‫خاصة رحلة العودة منها‬
‫أعرتف أنها كانت تجربة صعبة ّ‬
‫أل ّن قطارات الضواحي بعد منتصف الليل ال متتىلء إالّ‬

‫بالدهامء والسواد وما خلّف الضبع‪.‬فضال عن رحلة تجديد‬
‫اإلقامة املضنية والتعامل املهني مع األجانب خارج املبنى‬
‫وداخله‪ .‬أذكر أنّني انتظرت تحت املطر م ّرة وتحت الثلج‬
‫م ّرة يف طابور طويل لتعاملني املوظّفة ‪ -‬من أصول بولونية‬
‫حسب ما بدا يل ‪ -‬معاملة قذرة رغم أ ّن ملفي كامل!‬
‫يف املدينة الجديدة والبعيدة عن باريس‪:‬‬
‫تشاء األقدار أو الصدف‪ -‬سيّان‪ -‬أن يكون بورقيبة قد سجن‬
‫يف زمن ماء يف هذه املدينة‪ .‬عرفت ذلك بعد قدومي إليها‪ .‬وال‬
‫أعرف ملاذا تذكّرت النخيّل الذي رضب والدي ورفاقه جذوره‬
‫يف رجيم معتوق سنة ‪.86‬‬
‫فرحت بالنظام والنظافة وخلّوها من نظرات العرب التي‬
‫تراقب الهندام وترتبّص باللهجة حتى تتبينّ أصلك‪ .‬عر ّيب‬
‫واحد متكّن من انتقاد مالبيس معتربا أنّني أتشبّه بالفرنسيني‬
‫وأ ّن ما أفعله حرام أعاقب عليه يوما ما‪ .‬طبعا مل أستطع‬
‫تقديم شكوى ألنيّ كنت عىل عجل يف طريقي إىل العمل‪.‬‬
‫وفرحت باحرتام املواعيد اإلدارية واملعاملة السليمة يف‬
‫دوائر الرشطة‪ .‬لّك ّنني مل أنج من عنرصية بعض السكّان‪.‬‬
‫أذكر م ّرة أن رجال رصخ يف وجهي يف القطار الذي يقلّ إىل‬

‫تلك املدينة‪ -‬أ ّن لغتي األ ّم مزعجة للسامع إذ صعدت إىل‬
‫القطار وأنا أتحدث يف الهاتف كام يحدث للجميع أن يفعل‬
‫! وأ ّن الفرنسيّة أجمل وأنبل من هذه اللغة التي ال يفهمها‪.‬‬
‫جاء يجلس يف املقعد بجانبي‪ .‬مل أنبس ببنت شفة إال عندما‬
‫وضع يده يف وجهي فقلت له إنّه يستطيع أن يغيرّ مكانه!‬
‫وكنت م ّرة يف املرتو ذاهبة إىل العمل‪ .‬أذكر أنّني كنت منهكة‬
‫إذ عملت يف تلك الفرتة يف ضاحية باريس من الساعة الخامسة‬
‫صباحا إىل منتصف النهار ثم كان ع ّيل أن أركض وراء قطار‬
‫الضاحية ألصل إىل العمل الثاين يف باريس إذ ال أستطيع أن‬
‫أتأخّر عىل األطفال الذين ينتظرونني يف مدرستهم‪ .‬ارتطمت‬
‫بحقيبة رجل جالس يف املرتو واعتذرت إليه يف حركة عفوية‪.‬‬
‫غري أنّني صعقت بصوت امرأة يرصخ يف وجهي بالجملة‬
‫الشهرية عن املهاجرين الذين يحتلّون بالدهم وعن املهاجر‬
‫الذي يفتقر إىل األخالق والتحضرّ ثم وصفت العرق العريب‬
‫بالقذر‪ .‬انفجرت بالبكاء‪ .‬كنت متعبة إىل درجة ال أستطيع‬
‫معها الدفاع عن النفس‪ .‬دافعت ع ّني صب ّية فرنسية أعتقد‬
‫أنها طالبة‪ .‬دارت كلّ هذه األحداث بني سنتي ‪ 2017‬و‪2019‬‬
‫خالل هذين اليومني وبعد زخم األحداث التي تعيشها فرنسا‬

‫إثر جرمية مقتل األستاذ خرج إ ّيل شاب أعتقد أنّه مراهق‬
‫مدرسة من نفق محطّة القطار عند عوديت من العمل مص ّفرا‬
‫ومصفّقا‪ :‬براااافو يا عرب مع ما ل ّذ وطاب من شتائم!‬
‫كنت يف كلّ مرة ألتزم الصمت األمر الذي يبدو يل غريبا ألنني‬
‫عادة ال أسكت!‬
‫ال يفوتني طبعا أ ّن تجربتي يف فرنسا أمثرت شهادتني من‬
‫أعرق جامعاتها (السوربون) وفرصة نرش كتايب األول يف‬
‫واحدة من أشهر دور نرشها (الرماتان) وأنّها مكنتني‬
‫من زيارة عواصم أوروبيّة أخرى وشبكة عالقات كبرية‬
‫وتجارب يف ميادين عمل مختلفة ألصبح بهذا النضج‪.‬‬
‫وهذا ما ساعدين عىل تجاوز الحوادث التي ذكرت‪.‬‬
‫ال ميكن لخطاب الكراهية أن يقتل اإلنسان فينا‪ ..‬اإلنسان‬
‫الذي ينتمي إىل كل األخالق الحميدة وإىل كلّ دين سمح‪.‬‬
‫قال املسعدي «قد تكون العلل من م ّحييات الحياة»‪ .‬هذه‬
‫امل ّحييات تلتقط رسديّات من يومنا ومن حزننا ومن غربتنا‪.‬‬
‫رسديات صالحة للكتابة والغناء واألمل‪.‬‬
‫*باحثة يف السوربون ‪20/10/29‬‬

‫الخميس ‪ 12‬نوفمرب ‪ - 2020‬املوافق لـ ‪ 26‬ربيع األول ‪ 1442‬هـ ‪ -‬العدد ‪89‬‬

‫‪8‬‬

‫حوار العدد مع األستاذ د‪ .‬عثمان البرهومي‬

‫تخضع تقسيمات الزّمن إىل نوع من املنطق الداخلي الذي تقوده إمّا الحوادث الكربى‪ ،‬وإمّا الظواهر‬
‫االجتماعيّة أو االقتصادية‪ ،‬وإمّا غريها من الظواهر التي تطغى على نسق الحياة االجتماعيّة‪.‬‬
‫ضيفنا لهذا العدد هو الدكتور عثامن الربهومي‪ ،‬أستاذ التاريخ بالجامعة التونس ّية‬
‫وعضو األمانة العامة لالتّحاد الدويل للمؤرخني‪ ،‬عرف األستاذ الربهومي بنشاطه‬
‫العلمي والنقايب وانخراطه يّ‬
‫الكل يف قضايا املجتمع والتح ّوالت التي يشهدها الوضع‬
‫العام يف الداخل والخارج‪ .‬يف ما ييل من حوار نطلّ مع األستاذ الربهومي عىل التاريخ‬
‫يف عمومه وعىل التاريخ املعارص الذي أضحى الجميع يديل فيه بال ّرأي عىل غري ب ّينة‪،‬‬
‫ونطلّ من خالله عىل مشاغل األستاذ عثامن الربهومي الباحث الذي صدر له مؤّخرا‬
‫كتاب بعنوان الجباية والدّولة واملجتمع‪ – .‬منارات‪-‬‬
‫لماذا يتم التحقيب في التاريخ وماهي خصائصه وأنواعه ؟‬
‫التحقيب يف التاريخ يعني تقسيم التاريخ يف الزمن إىل حقب متميزة‪ ،‬إما بالنسبة‬
‫لتاريخ عاملي مفرتض أو بالنسبة لتاريخ حضارة ما بني ظهورها وسقوطها أو بالنسبة‬
‫لتاريخ أمة أو بلد أو جامعة‪ ،‬ويختلف التحقيب تب ًعا للحقول املعرفية‪ .‬وقد بدأ علم‬
‫التاريخ يف صورة تحقيب‪ ،‬فالتاريخ املكتوب هو أصالً تقويم وتحقيب‪ ،‬أما التجزئة‬
‫الفلكية حسب السنني والعقود فقد متت يف مراحل الحقة‪ ،‬والحقبة التاريخية ليست‬
‫فرتة زمنية معزولة عن األحداث‪ ،‬بل هي وحدة نظرية نشأت بعد دراسة األحداث‬
‫والوقائع باالعتامد عىل ما توفر لدينا من مادة مصدرية بقايا مادية للحضارات‬
‫اإلنسانيّة من أثار أو شواهد ورسوم أو مخطوطات أو مصادر أدبية عبارة عىل‬
‫مؤلفات إلخباريني ومؤرخني وجغرافيني وشعراء وأدباء وقصص شعبية وأعامل فنية‬
‫أو وثائق أرشيفية وعقود ورسائل ومعاهدات وخطط عسكرية ‪ ....‬وغريها‪ .‬مام ترك‬
‫اإلنسان من أثار مادية وثقافية ( غري مادية )‪ ،‬ميكن االستفادة منها لكتابة التاريخ مبا‬
‫توفر لنا من تقنيات جديدة أو مستحدثة‪.‬‬
‫والتاريخ علم يُعنى فيه املؤرخون بدراسة املايض اإلنساين ويبحثون ويحللون ما ترك‬
‫القدماء‪ ،‬حاز عىل اهتامم الكثري من العلامء واملفكرين عىل مر العصور يف مختلف‬
‫الحضارات ولدى أمم مختلفة‪ .‬لذلك أصبحت مسألة الزمن والتحقيب التاريخي‬
‫تحتلّ مركز االهتامم يف العلوم اإلنسانيّة واالجتامعيّة ‪ ،‬إذ ما انفكّت تثري نقاشً ا حول‬
‫االختصاصات واإلشكاليات واملقاربات‪ ،‬التي من الواجب اعتامدها يف دراسة التاريخ‪.‬‬
‫وقد اهتم الدارسون يف العامل الغريب بشكل خاص بهذا املوضوع منذ قرون‪ ،‬لك ّنه مل‬
‫يحظ باهتامم كبري يف البالد العربية ويف العامل غري األورويب بشكل عام‪ ،‬لذلك ميكن‬
‫أن نقول أن هذا األمر أ ّدى إىل نقاش وتفكري له بعد معريف‪ ،‬حول التحقيب فحصل‬
‫اختالف يف التحقيب التاريخي‪.‬‬
‫والتحقيب مشتق من الحقبة «‪ »Période‬وهي وحدة زمنية متميزة وتقرتب يف‬
‫معناها من املدة «‪ »Dureé‬وهي الزمن الذي يتدفق بني حدين لظاهرة معينة ميثالن‬
‫بداية ونهاية‪ ،‬والتحقيب عملية ذات مظهرين‪ ،‬األول موضوعي يستوحى من الواقع‬
‫التاريخي‪ ،‬وما يطرحه املؤرخ يف شكل فرضية بإمكان الدراسات املنجزة أن تؤكده أو‬
‫تفنده‪ ،‬واملظهر الثاين يرتبط مبوقع املؤرخ يف الحارض والذي ينظر من خالله إىل املايض‬
‫واملستقبل‪ ،‬وهكذا نجد تعد ًدا وتنو ًعا يف التحقيبات املقرتحة سواء عىل صعيد التاريخ‬
‫العاملي أو التواريخ املحلية‪ ،‬وذلك نتيجة تعدد املعايري املعتمدة من طرف كل اتجاه‬
‫أو مدرسة تاريخية يف تقسيم التاريخ إىل حقب‪.‬‬
‫وعليه اختلفت الحقب التاريخية وتعددت خصائها‪ ،‬حيث دأب املؤ ّرخون عىل‬
‫السؤال بالنسبة إلينا‬
‫تناول التاريخ بصفته جملة من الحوادث املتعاقبة يف الزمن‪ ،‬و ّ‬
‫هو كيف ننظر إىل هذا الزمن؟ وكيف نتعامل معه ونحن جزء منه؟ أي هل أن‬
‫املوضوعية مطلوبة دامئا يف كتابة التاريخ؟‬
‫لقد أوكلت مهمة اإلجابة عن هذه األسئلة إىل املؤ ّرخني املحرتفني‪ ،‬ولكنهم مل يتّفقوا‬
‫انطالقًا من ع ّدة عوامل‪ ،‬منها ما هو أيديولوجي ومنها ما هو معريف‪ .‬اليشء الذي‬
‫جعل املؤ ّرخ العريب مالز ًما لتقسيامت إ ّما غربية أو محلّية وطنية‪ ،‬قد ال تعطي إىل‬
‫تقسيم الزمن التاريخي قيمة تسمح بتطوير الكتابة التاريخية واالرتقاء بها إىل أفضل‬
‫ما أنتج العقل البرشي من فكر وثقافة‪.‬‬
‫ما الفرق بين التاريخ الحديث والمعاصر؟ وأين تقف الحدود بينهما أم‬
‫أن التاريخ ّ‬
‫خط متواصل؟‬
‫لو نظرنا إىل مختلف األمم‪ ،‬لوجدنا تقسيامت مختلفة للزمن‪ ،‬وهي تقسيامت‬
‫تخضع إىل نوع من املنطق الداخيل الذي تقوده إ ّما الحوادث الكربى‪ ،‬وإ ّما الظواهر‬
‫االجتامعيّة أو االقتصادية‪ ،‬وإ ّما غريها من الظواهر التي تطغى عىل نسق الحياة‬
‫االجتامع ّية‪ ،‬وهو ما يسمح بالقول إ ّن هناك تحقي ًبا يعتمد الحوادث منطلقًا‪ ،‬وميكن‬
‫أن نس ّميه التحقيب بالحوادث‪ ،‬وآخر يعتمد الظواهر االجتامعيّة واالقتصادية‪ ،‬وميكن‬
‫أن نس ّميه التحقيب بالظواهر‪ ،‬وثالثًا يعتمد األجيال والسالالت‪ ،‬وميكن أن نس ّميه‬
‫التحقيب باألجيال والسالالت‪.‬‬
‫وتبقى أبرز التحقيبات التحقيب األورويب‪ ،‬الذي يعتمد األحداث البارزة يف التاريخ‬

‫األورويب أساسا لضبط الزمن حتى إذا كان الحدث غري أورويب‪ ،‬انطالقا من ظهور‬
‫الكتابة ليقع تقسيم التاريخ إىل خمس فرتات‪:‬‬
‫فرتة ما قبل التاريخ ‪ :‬تبدأ منذ ظهور اإلنسان إىل اكتشاف الكتابة حوايل ‪ 3500‬قبل‬
‫امليالد‪.‬‬
‫فرتة التاريخ القديم ‪ :‬تبدأ مع ظهور الكتابة وتنتهي بسقوط اإلمرباطورية الرومانية‬
‫سنة ‪ 476‬م ‪.‬‬
‫فرتة التاريخ الوسيط‪ :‬تبدأ من ‪ 476‬م وتنتهي سنة ‪1453‬م بسقوط القسطنطينية‬
‫بيد العثامنيني‪ .‬أو باكتشاف القارة األمريكية سنة ‪1492‬م‪ .‬مع اختالف املؤرخني يف‬
‫تحديد نهاية هذه الحقبة وفقا إىل أحداث محلية‪ .‬حيث ميتد التاريخ الوسيط لدينا‬
‫إىل نهاية الدولة الحفصية‪.‬‬
‫فرتة التاريخ الحديث‪ :‬تبدأ من سنة ‪1492‬م إىل ‪1789‬م ( الثورة الفرنسية )‪ ،‬وسميت‬
‫حديثة بسب تعدد مظاهر الحداثة لدى الحضارة الغربية وانتشار الطباعة وتطور‬
‫الفكر اإلنساين والتح ّرر والعقالنية والتخلص التدريجي من هيمنة الكنيسة واملؤسسة‬
‫الدينية‪ .‬وميتد التاريخ الحديث لدينا يف تونس بني ‪1574‬م سيطرة العثامنيني عىل‬
‫إفريقية و‪1881‬م تاريخ االستعامر الفرنيس للبالد‪.‬‬
‫الفرتة املعارصة‪ :‬تبدأ من ‪1789‬م وينتهي مع القرن العرشين‪ ،‬وهي فرتة الثورات‬
‫األوروبية والتوسع االستعامري‪ ،‬وكذلك حركات التحرر يف العامل الثالث‪ .‬أما بالنسبة‬
‫إىل تونس فالتاريخ املعارص ارتبط بصفة أساسية بالفرتة االستعامرية أي تواصل بني‬
‫‪ 1881‬و‪ 1956‬وهي الفرتة التي متيزت بالنضال الوطني ومقاومة االستعامر بكل‬
‫الوسائل واألشكال عرب النضال السيايس والنقايب وعرب األدب والشعر والصحافة‪...‬‬
‫وغريها‪.‬‬
‫وقد أضاف املؤرخون يف السنوات األخرية حقبة جديدة سميت بـ «التاريخ اآلين أو‬
‫التاريخ الراهن»‪ :‬وهو التاريخ الذي يصنع اليوم‪ ،‬ويس ّمى أيضً ا تاريخ الزمن الراهن‪،‬‬
‫وهو تاريخ يصنع بصفة يومية‪ ،‬من خالله ميكن للمؤ ّرخ أن يدرس الحارض ليسترشف‬
‫املستقبل‪ ،‬إالّ أنّه تاريخ صعب وغري مكتمل النتائج‪ ،‬وتبقى االستنتاجات املتعلّقة‬
‫بهذه الحقبة استنتاجات موقّتة‪ ،‬وتتغيرّ حاملا يقع االطالع عىل الوثائق التي تهمها‪.‬‬
‫ومهام يكن من أمر فإن التاريخ خط طويل‪ ،‬ضمنه يدرس املؤرخ كافة مظاهر الحياة‬
‫اإلنسان ّية املاضية‪ ،‬االجتامع ّية والثقافية‪ ،‬متا ًما مثل الحوادث السياسية واالقتصادية‪،‬‬
‫كام يدرس بعضهم املايض بهدف الوصول لفهم آلية تفكري وعمل الناس يف األزمنة‬
‫املختلفة عىل نحو أفضل‪ ،‬بينام يبحث آخرون عن العرب املستفادة من تلك األعامل‬
‫واألفكار‪ ،‬لتكون ُموجها للقرارات والسياسات املعارصة‪ ،‬ومن البديهي القول إن‬
‫املؤرخني اختلفوا فيام بينهم يف الرأي حول ِعرب التاريخ والد ّروس املستخلصة منه كل‬
‫حسب قناعاته أو انتامءه العقائدي أو اإليديولوجي أو الفكري‪ ...‬إلخ‬
‫تح ّدثت يف محارضة لك حول الطريقة الشاب ّية وقادة الحرب‪ ،‬عن الصرّ اع الرتيك‬
‫االسباين يف السيطرة عىل تونس وأرشت إىل املساعدة التي وجدها الطرف الرتيك بتعلّة‬
‫الدفاع عن اإلسالم واملسلمني‪ ،‬ما الذي تغيرّ يف رسديّات االستعامر بني األمس واليوم ؟‬
‫مل يعد من املمكن دراسة تاريخ املنطقة العربية واإلسالمية انطالقا من الحدث ومن‬
‫السيايس ومن الزعامت‪ ،‬بل وجب لفهم هذا التاريخ تحليله والوقوف عند إشكالياته‬
‫الكربى‪ ،‬باعتباره سريورة تتداخل فيها العوامل والظرفيات الداخلية والخارجية‪ ،‬املادية‬
‫والرمزية‪ ،‬حتى تفرز أوضاعا معقدة تختلف التعبريات عنها من أزمة إىل تخلف إىل‬

‫تبعية‪ ،‬وذلك حسب املنطلقات وزوايا النظر‪ .‬وعىل اختالف املواقف‪ ،‬فال توجد موانع‬
‫منهجية وفكرية وحضارية تحول دون تنويع عوامل ومناذج تفكري « الرباديغم �‪Para‬‬
‫‪ « digme‬التاريخ العريب واإلسالمي بكل مظاهره وتعبرياته من خلدونية وماركسية‬
‫وليربالية وقومية‪.‬‬
‫وبالتايل فإن أي رصاع مهام كان غطاؤه سيايس ‪ -‬اقتصادي أو ديني‪ ،‬هو يف األصل‬
‫رصاع لتحقيق منفعة ومصلحة‪ .‬وما حصل يف الحوض الغريب للمتوسط خالل‬
‫القرن السادس عرش من رصاع بني اإلسبان واألتراك العثامنيني‪ ،‬ال يختلف عن بقية‬
‫الرصاعات التي عرفتها مناطق أخرى من العامل حيث كان الهدف منها السيطرة‬
‫واالستعامر والنفوذ‪ ،‬لذلك وقفت كل املكونات املؤطرة للمجتمع بالبالد التونسية‬
‫وقتها أي القبائل والزوايا ضد هذا الشكل من االستعامر والغزو الخارجي‪.‬‬
‫لذلك نقول إنه مل يتغري الكثري يف رسديات االستعامر عرب التاريخ‪ ،‬سوى املنهج‬
‫واألسلوب واإلمكانيات‪ .‬حيث يقال إن املنترص هو من يكتب التاريخ‪ ،‬ويبدو هذا‬
‫صحيحا يف البداية‪ ،‬فخالل الفرتات املاضية من ينترص يف معركة أو حرب هو من يدون‬
‫يف الكتب ويرتك له أثرا‪ ،‬يف حني يُغفل عمداً معلومات أخرى ذات أهمية وقيمة يف‬
‫اكتامل الصورة بشأن الحدث‪ ،‬فلو أن دولة من الدول دخلت حرباً مع دولة أخرى‪،‬‬
‫واستخدمت الدولة املنترصة يف هذه الحرب أسلحة محرمة دولياً‪ ،‬فام يذكر بشأن‬
‫هذه الحرب يبعد منه ذكر هذه األسلحة‪ ،‬وعدد القتىل‪ ،‬واملصابني‪ ،‬وال يظهر إال‬
‫الجانب اإليجايب‪ ،‬وما ميكن أن يلمع صورة الدولة املنترصة‪ .‬نفس اليشء عىل مستوى‬
‫األفراد والزعامء فاألمر كذلك صحيح بالنسبة لهم إذ ال يذكر بني تاريخهم إال ما هو‬
‫جميل‪ ،‬أما ما هو سيئ فيطمر يف عامل النسيان‪ ،‬وإن قدر وذكر فيذكر داخل األوراق‬
‫ويف امللفات‪ ،‬وذلك بهدف املحافظة عىل الصورة املرشقة الرباقة لهذا الزعيم أو القائد‪،‬‬
‫وال تظهر هذه الحقائق إال بعد ذهاب صاحبها‪.‬‬
‫لكن من املفيد التساؤل حول مستقبل كتابة التاريخ‪ ،‬هل أن تدوين التاريخ وكتابته‬
‫ونقله بصورة صحيحة وصادقة يف الوقت الراهن مثله مثل العصور السابقة‪ ،‬حني‬
‫ال وجود للكامريا والتسجيل الصويت‪ ،‬واملريئ‪ ،‬والتقنيات الحديثة كافة؟ بال شك‬
‫أن ثورة التقنية أحدثت‪ ،‬بل فرضت واقعاً جديداً يف آلية كتابة التاريخ وتدوينه‬
‫مام يقربه بصورة كبرية إىل الواقعية واملوضوعية‪ .‬ترى هل سيكتب التاريخ بشأن‬
‫األحداث املعارصة والثورات العربية بشكل صحيح‪ ،‬وسليم‪ ،‬ملاذا حدثت؟ وكيف‬
‫كانت مجرياتها؟ وماذا انتهت إليه؟‬
‫هذه األسئلة وغريها متثل اإلجابة عنها بصورة دقيقة‪ ،‬وموضوعية تاريخاً من تاريخنا‬
‫يحق لألجيال الحالية والقادمة أن تقرأه بصورته الصحيحة‪ ،‬لذا فإن املؤسسات‬
‫الجامعية ومراكز البحث العلمي‪ ،‬مطالبة بكتابة تاريخ هذه الحقبة‪ ،‬خاصة تاريخ‬
‫ثوراتها‪ ،‬ليس إلينا فقط وإمنا للمجتمعات كافة‪ .‬ألن من عملوا هذه الثورات غريوا‬
‫يف مسرية التاريخ‪ ،‬لذا ال بد من معرفة مقدار ما أحدثوه من تغيري ‪ ...‬وهل سنشهد‬
‫كتب تاريخ مختلفة أكرث موضوعية تدرج ضمن برامجنا الرسمية ؟ هذا ما أمتناه !‬
‫اعتبرت أ ّن القرن السّادس عشر هو بمثابة « العلبة السّوداء» لتاريخ‬
‫افريقيّة (تونس اليوم ) لماذا؟ وأيّ تداعيات لتلك الفترة على الحاضر‬
‫والحال أنّكم قد اشرتم إلى عالقة ممكنة بين الماضي والحاضر؟‬
‫من الطبيعي أن يكون لألحداث التاريخية الكربى يف حياة األمم والشعوب‪ ،‬تأثريها‪،‬‬
‫ومن الطبيعي أيضاً‪ ،‬أن تفخر هذه األمم والشعوب مبا هو إيجايب يف تاريخها‪ ،‬أحداثاً‬
‫وحضارات ورموزاً‪ ،‬لكن أن يحول هذا التأثري دون إدراك املتغريات وأن تتحول هذه‬
‫اإليجابيات إىل مقدسات‪ ،‬ال متس وال تناقش وال يقرب منها التغيري‪ ،‬فذلك يتقاطع‬
‫مع طبيعة الحياة اإلنسان ّية يف متثل املايض وإدراك جوهر الحارض‪ ،‬هذا اإلدراك الذي‬
‫يفتح الطريق إىل املستقبل‪.‬‬
‫السوداء « لتاريخ إفريقية وتونس‪،‬‬
‫لبة‬
‫ع‬
‫ال‬
‫«‬
‫مبثابة‬
‫عرش‬
‫ادس‬
‫الس‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫وإذا اعتربتُ القرن ّ‬
‫نظرا إىل قوة وعظّمة األحداث العسكرية والسياسيّة‪ ،‬حيث كانت املنطقة مجاال‬
‫لرصاع عنيف بني قوتني مختلفتني األتراك واإلسبان‪ ،‬لكل منهام اسرتاتيجيته العسكريّة‬
‫والسياسيّة واالقتصاديّة والدينيّة‪ .‬ومجموع هذه األحداث تحمل يف طياتها تفسريات‬
‫ألوضاع املنطقة ولشخصية أهلها وتاريخهم إىل حد اليوم‪ .‬فالحضور العثامين واإلسباين‬
‫املادي والثقايف متعايش ببالدنا ويف سلوك وعادات وتقاليد أهلها‪.‬‬
‫إن أ ّي تجربة إنسانية ال تنفتح عىل املستقبل تنتهي إىل التاليش‪ ،‬إذ شهد التاريخ‬
‫اإلنساين منذ إطالالته األوىل رصاعات إقليمية ومحلية‪ ،‬ورمبا تواصلت هذه الرصاعات‬
‫فع َّرضت الحياة االنسان ّية إىل حاالت كارثية‪ ،‬لكنها مل تستمر‪ ،‬فتغريت العالقات بني‬
‫املتصارعني وتحولت إىل عالقات إيجابية‪ ،‬ثم إن القوى ذاتها التي كانت يف مرحلة‬
‫تاريخية ما‪ ،‬وقود تلك الرصاعات وضحيتها‪ ،‬طاملا تغريت مواقعها يف الحرب والسلم‪،‬‬
‫فالعدو يصبح حليفاً وقد يصبح الحليف عدواً‪ .‬وهنا ميكن االنطالق من تجربة أوروبا‬
‫التي عاشت عىل وقع حروب تواصلت مئات السنني خالل تاريخها الحديث‪ ،‬كام‬

‫‪9‬‬
‫مزقتها الحرب العاملية األوىل والثانية مبئات املاليني من القتىل واملجاريح واملرشدين‪.‬‬
‫ورغم الدمار الذي أصابها وقع تحكيم العقل يف النظر إىل التاريخ والتطلع إىل‬
‫املستقبل‪ ،‬فكانت الوحدة التي هي سبب القوة االقتصادية بعملة موحدة وبرامج‬
‫موحدة يف مجاالت اقتصاية ويف مجال الطاقة والطاقات البديلة خدمة لإلنسان‬
‫األورويب‪.‬‬
‫يف الوقت الذي مل يتجاوز فيه العرب واملسلمني إرثا تاريخيّا قدميا ورصاعات تعود‬
‫إىل قرون ال تزال تقسم العامل االسالمي إىل شيعة وسنة‪ .‬وما يرتتب عن ذلك من‬
‫نزاعات يغذيها هذا الخالف يف الجزيرة العربية وبني طوائف الشعب الواحد يف لبنان‬
‫والعراق‪...‬وغريها‪.‬‬
‫لذلك ومن الواجب بالنسبة إىل عاملنا العريب واإلسالمي التحذير من أن أي موقف‬
‫يتكئ عىل التاريخ وحده‪ ،‬تغيب عليه املوضوعية‪ ،‬ينبغي أن يعتمد عىل العقل ألف‬
‫مرة ومرة‪ ،‬واالبتعاد عن العاطفة وترديد الببغاوات‪ ،‬ألف مرة ومرة أيضاً‪.‬‬
‫وميكن االنطالق من التجربة األوروبية‪ ،‬حيث ربطت فلسفات التاريخ‪ ،‬التي عرفت‬
‫رواجا واسعا يف أوروبا خالل القرنني الثامن عرش والتاسع عرش‪ ،‬بني «العقل»‬
‫و»الواقع»‪ ،‬فأعطت للتاريخ عقال ومنحت للعقل تاريخا‪ ،‬فربطت بني «املستقبل»‬
‫الذي هو مجال العقل‪ ،‬مجال املمكن الذي مل يتحقق‪ ،‬وبني «املايض» الذي هو مجال‬
‫التاريخ‪ ،‬مجال املمكن الذي تحقق‪ ،‬فدمجت «املستقبل املايض» و»املستقبل اآليت»‬
‫يف صريورة واحدة تبلغ قمتها وكامل سريورتها يف الحارض ( األورويب ) الذي أصبح‬
‫ينظر إليه ال عىل أنه مجرد التقاء املايض باملستقبل‪ ،‬بل عىل أنه نقطة اندماج «حاصل‬
‫املمكنات التي تحققت» و»مرشوع املمكنات التي يجب أن تتحقق»‪.‬‬
‫كنتم من الدّاعين‪ ،‬بعد إسقاط النظام في ‪ ،2011‬إلى إنشاء مجلس‬
‫وطنيّ تأسيسيّ وهو ما تمّ بعد ذلك‪ ،‬بعد عشر سنوات من الحدث‬
‫وما ترتب عنه‪ ،‬هل كانت فكرة المجلس التأسيسي صائبة؟ هل‬
‫اإلشكال في فكرة المجلس أو في ما ترتب عن ذلك المجلس؟‬
‫لقد حصل إجامع لدى كل املتابعني للشأن السيايس يف تونس بعد سقوط حكم بن‬
‫عيل سنة ‪ ،2011‬أن اإلشكال يف النظام السيايس وهو ميثل أحد أسباب الركود والعطالة‬
‫التي ميزت الوضع العام بالبالد‪ .‬وبشكل خاص بعد ‪ 2005‬حيث تفاقمت األزمات‬
‫السياسية واالقتصادية وأدت إىل ردة فعل عنيفة لدى أهايل الحوض املنجمي سنة‬
‫‪ 2008‬تواصل خاللها الحصار ملدن الجهة بأم العرائس والرديف واملتلوي إىل أكرث‬
‫من ‪ 6‬أشهر‪ .‬وأدت هذه األزمة إىل إبراز عيوب النظام الحاكم‪ ،‬وفشل أسلوب القمع‬
‫والحل األمني يف التعامل مع مطالب الجامهري إثر انتشار البطالة وغالء األسعار وتأزم‬
‫الوضع االجتامعي‪.‬‬
‫فأجمع ممثلو األحزاب ومنظامت املجتمع املدين والفاعلني السياسيني واملثقفني‪ ،‬إىل‬
‫أن انتخاب مجلس وطني تأسييس سوف يخرج البالد من الوضع السيايس الذي كانت‬
‫فيه‪ ،‬وبالتايل يؤسس إىل مرحلة جديدة‪ ،‬يقع خاللها إعالن دستور جديد ينص عىل‬
‫حامية الحقوق والحريات وضامن حرية الفكر واملعتقد والتنظيم يف إطار أحزاب‬
‫أو جمعيات‪ .‬إضافة إىل رضورة أن يضمن الدستور الجديد‬
‫للبالد‪ ،‬الحقوق االقتصادية واالجتامع ّية‪ ،‬استجابة للمطالب‬
‫التي ثار من أجلها الشعب التونيس واملتمثلة بالخصوص يف‬
‫الحق يف الشغل والسكن الالئق والصحة والتعليم‪.‬‬
‫لكن لألسف الحزب األول وقتها حركة النهضة‪ ،‬صاحب‬
‫املرجعية اإلسالمية‪ ،‬استغل هذه الفرصة للرتاجع عن‬
‫مكاسب الشعب التونيس‪ ،‬يف التعايش السلمي وحرية‬
‫املعتقد ومجلة األحوال الشخصية ورفض تعدد الزوجات‪...‬‬
‫وغريها‪ ،‬من املواضيع التي اعتربت محسومة بالنسبة إلينا‬
‫منذ زمن بعيد‪ .‬وهذا ما أفقدنا الكثري من الوقت لتجاوز‬
‫مرحلة التأسيس التي كان من املفروض أن تدوم سنة‬
‫واحدة‪ .‬وساهم ذلك يف تنامي الخطاب العنيف والتهديد‬
‫بالقتل ووجد اإلرهاب طريقه للتدخل يف الخالفات‬
‫السياسية فكانت االغتياالت التي طالت الشهيدين شكري‬
‫بلعيد يف ‪ 6‬فيفري ‪ 2013‬ومحمد الرباهمي يف ‪ 25‬جويلية‬
‫‪.2013‬‬
‫ولنئ كانت فكرة املجلس الوطني صائبة وخرسنا الكثري من الوقت يف االنتقال‬
‫الدميقراطي‪ ،‬فإن ما يحصل من حولنا ببعض البلدان العربية ويف جوارنا من تقاتل‬
‫وهدم لكل مقدرات األوطان يدعونا إىل التفاؤل‪.‬‬
‫أيّ دور للمؤرّخ اليوم والبالد تشهد تحوّالت عميقة وتجاذبا وصراعا‬
‫يصل حدّ محاولة االستحواذ على التاريخ أو تحويل وجهته؟ خصوصا‬
‫وأننا نشهد في السنوات األخيرة تشكيكا في ك ّل األحداث التاريخية‬
‫والشخصيات‪ ،‬قديمها وحديثها‪ ،‬عالمَ تنمّ الظاهرة وماهي‬
‫تداعياتها؟‬
‫يجدر بنا القول أن ما وصلت إليه الدراسات والبحوث التاريخية يستحق التنويه‬
‫والتشجيع‪ ،‬حيث مل تتوقف الجامعة التونسيّة عىل القيام بدورها يف إنارة الرأي‬
‫العام والبحث واصدار مؤلفات عىل غاية من األهمية تناولت مواضيع محظورة‬

‫الخميس ‪ 12‬نوفمرب ‪ - 2020‬املوافق لـ ‪ 26‬ربيع األول ‪ 1442‬هـ ‪ -‬العدد ‪89‬‬

‫حول شخصيات معارضة للنظام الحاكم أو حول ظواهر مل تأخذ حظها يف الخطاب‬
‫واإلعالم الرسميني‪ .‬سواء خالل الفرتة البورقيبية أو زمن حكم بن عيل وما صاحب‬
‫ذلك من مراقبة وتوجيه لإلعالم‪ .‬نحن بالجامعة التونس ّية مل نكن نخضع إىل أي ابتزاز‬
‫أو تسلط وحتى الذين كتبوا للتقرب إىل السلطة أو تجنبوا الكتابة يف مواضيع خوفا‬
‫من التضييق كانت مرتبطة برقابة ذاتية مارسها بعض الباحثني عىل أنفسهم‪ .‬لذلك ال‬
‫أشاطر الرأي القائل بإعادة كتابة التاريخ‪ ،‬وهو ما طالبت به هيئة الحقيقة والكرامة‪،‬‬
‫بعد تقدميها شهادات ضحايا اتهموا الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة بارتكاب جرائم‬
‫دولة قد وجدت صدا لها يف وسائل االعالم‪ .‬خصوصا وأنها عرضت خالل جلسة علنية‬
‫شهادات لبعض أنصار الزعيم التونيس صالح بن يوسف اتهموا فيها الحبيب بورقيبة‬
‫بتعذيبهم وتصفية بعض معارضيه بعد االستقالل‪ .‬وركزت هذه الشهادات عىل انتقاد‬
‫النظام البورقيبي واتهامه بتهميش املناضلني الذين رفعوا السالح ضد فرنسا والتآمر‬
‫عىل قتلهم النحيازهم إىل خصمه صالح بن يوسف‪ .‬هذه الشهادات ال تخضع إىل أي‬
‫أساس علمي ومل يشارك فيها املؤرخون اليشء الذي أفقدها املصداقية وبدت كأنها‬
‫موجهة وال تعدوا أن تكون لتصفية حسابات سياسية ضد النظام البورقيبي ككل‪.‬‬
‫كام أن هذه الهيئة غابت عليها معطيات تاريخية ومعلومات كثرية معلومة لدى‬
‫املؤرخني‪ ،‬يف الوقت الذي انطلقت فيه هيئة الحقيقة والكرامة من فرضية خاطئة‬
‫تقوم عىل أن التاريخ مزيف‪.‬‬
‫كام أن مطالبة الهيئة املؤرخني باعتامد تلك الشهادات إلعادة كتابة التاريخ «كالم‬
‫ال معنى له « فالجامعة التونس ّية التي يعود تاريخها إىل أكرث من ‪ 60‬سنة‪ ،‬لها من‬
‫االنتاج املعريف و التاريخي العلمي عن الفرتة البورقيبية مبقاربة نقدية مل تطلع عليها‬
‫الهيئة‪ .‬إضافة إىل ما تزخر به مؤسسات ومراكز دراسات مثل األرشيف الوطني‬
‫واملعهد العايل لتاريخ تونس الحديث واملعارص ومؤسسة التميمي للبحث العلمي‬
‫واملعلومات‪ ،‬من وثائق وكتب ومقاالت وأطروحات وشهادات مسجلة‪ ،‬وهي متوفرة‬
‫إىل من أراد اإلطالع عليها‪.‬‬
‫تحسن أداء املؤرخني التونسيني‪ ،‬من شأنه أن يجعل السياس ّيني‬
‫والرأي عندي أن ّ‬
‫يفكرون كثريا قبل أن يلجؤوا إىل تأويل التاريخ وفق أهوائهم‬
‫السياسية وإغراق األحداث التاريخية يف ثنايا اإليديولوجيا‬
‫وفقدانها للقيمة العلمية واملعرفية وبالتايل عدم االستفادة‬
‫منها الستخالص العرب والدروس وهو ما أدى إىل زيادة‬
‫اإلحساس باإلحباط الشديد جراء ما نعيشه من أحداث حاليا‬
‫ومن فوىض تدمريية مل يعرفها تاريخنا من قبل‪ .‬لذلك العتقاد‬
‫قوي لد ّي أن التاريخ كعلم وفكر عقالين ميكن أن ينهض من‬
‫دون انتظار تنمية اقتصادية واجتامعية قد تأيت أو ال تأيت‪.‬‬
‫صدر لكم مؤخرا عن دار األطرش للنشر وتوزيع‬
‫الكتاب المختص بتونس‪ .‬كتاب بعنوان ‪ :‬الدولة‬
‫والجباية والمجتمع بتونس‪ .‬هل لك أن تحدثنا عنه؟‬
‫يتناول هذا العمل املع ّمق والذي غاص يف أرشيفات الدولة‪،‬‬
‫اإلدارية و الجبائ ّية‪ ،‬األساليب والطرق لتعبئة املوارد املال ّية‬
‫لخزينة الدولة‪ ،‬باعتامد مقاربة تبحث يف طبيعة الدولة‬
‫التونس ّية الحديثة‪ ،‬وكيف تطورت ومتكنت من إرساء قواعد‬
‫وآليات الهيمنة عىل املجال‪ .‬هذه الدولة مل تكن ريع ّية وال خراج ّية وال عسكريّة‪،‬‬
‫بل كانت مزيجا من كل هذا تراوحت فيها العتّاق ُة و ّتصارعت مع التحديث خالل‬
‫القرنني الثامن والتاسع عرش وخاصة مع االستقرار السيايس يف الذي ميز عهد عيل‬
‫فصارت أخالطا من كل‬
‫باي (‪ )1759-1782‬ويف عهد ابنه ح ّمودة باشا (‪ّ )1782-1814‬‬
‫االقتصاديون عليها دولة إتاوات‬
‫الصفات‪ ،‬التي أطلق الدارسون واملؤرخون و ّ‬
‫هذه ّ‬
‫‪ tributaire Etat‬بالتأكيد‪.‬‬
‫وتتطلع هذه الدراسة التي وردت يف ‪ 500‬صفحة‪ ،‬من خالل تناول موضوع الدولة‬
‫والجباية واملجتمع‪ ،‬إىل البحث يف التاريخ االقتصادي واالجتامعي بالبالد التونسية‪،‬‬
‫ويقتيض ذلك التسلح مبنهجية تقوم عىل تعدد األدوار‪ ،‬حيث أن التطور الذي حصل‬
‫يف عالقة الحكم املركزي بدواخل البالد أفىض إىل إرساء سلطة محلية تدين بوجودها‬
‫إىل عدة عوامل منها أهمية ظاهرة التواصل واالندماج بني مكونات املجتمع ضمن‬
‫اسرتاتيجية السلطة املركزية الرامية إىل االستفادة من الفاعلني املحليني لتحقيق‬

‫االستقرار الداخيل والوصول إىل الرثوات العين ّية واستخالص الجباية بطريقة سلسة‬
‫ودون االلتجاء دامئا إىل العنف‪ ،‬يقابلها اسرتاتجية الفاعلني املحليني والذين هدفهم‬
‫االستفادة من االرتباط باملركز لتحقيق الجاه والنفوذ الذي ميكنهم من االرتقاء‬
‫االجتامعي‪ .‬وقد عمدنا يف أغلب األحيان إىل املقارنة بالنظم الجبائيّة واالدارية‬
‫باملجاالت األخرى أو بالدول األوروبية خالل نفس الفرتة‪.‬‬
‫إضافة إىل أن العمل محاولة لفهم عالقة الدولة بالتشكيالت االجتامعيّة من خالل‬
‫خد ّمة املخ ّزن وجمع الضرّ ائب واألتا َوى‪ .‬ضمن معضلة الجباية والنفقات الكبرية‬
‫واملتزايدة‪ ،‬حيث امتألت خزائن الدولة بفضل أعوان انبثقت عنهم رشيحة من وكالء‬
‫الدولة صار أغلبها من أهل املال و الحظوة االجتامع ّية‪.‬‬
‫وميثل هذا البحث رسالة موثقة و مضّ مونة لكل من يخلط بني الدولة والحاكميّة يف‬
‫مؤسسة دامئة ثابتّة متط ّورة تتميز بال ّعلوية واحتكار ال ّعنف ومركزيّة‬
‫تونس‪ .‬فالدولة ّ‬
‫يحسن ق ّراءته‪.‬‬
‫التأطري الضرّ يبي وجذور ذلك ضّ اربة يف التاريخ‪ ...‬ملن ّ‬
‫أيّ دور ترونه للمثقف‪ ،‬وللمؤرخ خاصة‪ ،‬في مجتمع ارتفعت فيه‬
‫نسبة األميّة وتراجعت فيه المطالعة ونيل فيه من القيم والمراجع‬
‫االعتباريّة ؟‬
‫من املعروف أن استعامل مصطلح « مثقف « يف اللغة العربية تأخر حتى بداية‬
‫القرن العرشين‪ ،‬فأول مرة وردت كلمة « ثقافة « يف اللغة العربية الحديثة كانت‬
‫مع سالمة موىس‪ ،‬بحسب كالمه‪ ،‬حيث ذكر أنه أول من استعملها يف ترجمة لكلمة‬
‫‪ ، Culture‬وأول كتاب عن املثقف العريب كان ملحمد حسنني هيكل‪ ،‬أزمة املثقفني‪،‬‬
‫صدر سنة ‪.1961‬‬
‫وبعد التعرف عىل فكر أنطونيو غراميش‪ ،‬يف ستينات القرن املايض‪ ،‬وترجمة أعامل‬
‫جون بول سارتر‪ ،‬فمن خالل أعامل هؤالء املفكرين كثريا ما تناوال دور املثقف‬
‫االجتامعي والسيايس‪ ،‬اتّسع استخدام هذا املصطلح يف العربية‪ ،‬وإن كانت الكتابات‬
‫املبارشة عن املثقف ودوره‪ ،‬مل تتجذر إال يف تسعينيات القرن العرشين‪ .‬ومن أبرز‬
‫الكتاب العرب الذين حاولوا الغوص يف تعريفات للمثقف‪ ،‬غري الغرامشية والسارترية‪،‬‬
‫كان إدوار سعيد يف كتابه صور املثقف‪ ،‬حيث توقف عند تعريفات أخرى ميكن من‬
‫خالل القول أن تعريف املثقف إجراء نظريا سهال‪ ،‬بل هو عملية تتخذ موضو ّعا لها‬
‫حقال متغريا‪ ،‬وحرك ّيا‪ ،‬خاصا باألفكار واإليديولوجيات التي ترتبط بصفة غري مبارشة‬
‫ومقنعة مبصالح موضوعية اقتصادية ومادية‪.‬‬
‫لذلك ميكن أن نقول أن املثقف تفرض عليه مجموعة من التحوالت يف األدوار‬
‫املعرفية‪ ،‬والقراءة للمشاهد واملعطيات اآلنية‪ ،‬حيث أصبح الواقع ينفلت أمام تعقد‬
‫الظواهر‪ ،‬وتدفق الصورة‪ ،‬وكرثة النشطاء واملدونني‪ ،‬واملحللني والخرباء واملختصني‪،‬‬
‫هؤالء من يعملون عىل تكريس ثقافة جديدة يف عامل اليوم‪ .‬واملؤرخ مثقف وال ميكن‬
‫عزله عن هذه التحوالت الرسيعة اليوم‪ ،‬التي من تجليتها تراجع األساليب القدمية‬
‫للوصول إىل املعلومة وضعف اإلقبال عىل الكتاب والصحافة املكتوبة‪ ،‬واإلقبال أكرث‬
‫عىل املواقع اإللكرتونية‪.‬‬
‫وهذا ما يجعله غري قادر عىل مواكبة العوملة ومسايرة أبعادها‪ ،‬ومراقبة الشأن العام‬
‫للمجتمعات‪ ،‬ونقل التحليل والصورة إىل املشاهد دون السقوط يف اإليديولوجية‬
‫الواحدة‪ .‬حيث تفرض عليه اإلحداث أن يغري من بوصلة التحليل حتى يستقيم‬
‫واملنطق الجديد يف نقل املعلومات‪ ،‬واإلملام أكرث بالواقع ‪ .‬فيجد املثقف نفسه اليوم‬
‫أشبه باملحارص‪ ،‬وليس السبب يف ذلك محارصة األنظمة له‪ ،‬وال األصولية والفكر‬
‫الرجعي‪ ،‬وإمنا سبب الحصار هو نرجسية املثقف‪ ،‬وتعامله مع نفسه عىل نحو نخبوي‬
‫ُمتعايل‪ ،‬أي لديه اعتقاد بأنه ميثل عقل األمة أو ضمري املجتمع أو حارس الوعي‪.‬‬
‫كام أن اختفاء املثقف اليوم عن األحداث‪ ،‬ترك املجال للناشط السيايس واالجتامعي‪،‬‬
‫والحقوقي واملدون‪ ،‬فأصبح كائنا يبحث عن ذاته يف ركام األحداث املاضية‪ ،‬أو يضفي‬
‫عىل ذاته العذرية يف املامرسة واللمسة السحرية يف البيان والكلمة من خالل النقد‬
‫والتجاوز للعوملة وما خلفته من تسطيح للفكر والعقول‪ .‬وهي أحد أحد تجليات‬
‫الواقع املأزوم‪ ،‬واملثقف غري مسؤول عن ذلك‪.‬‬
‫ما هي المواصفات التي يراها األستاذ البرهومي‪ ،‬ضرورية للمثقف‬
‫والمؤرّخ اليوم؟‬
‫إن املؤرخ واملثقف هام يف عداد الشخصيات القليلة الباقية املجهزة ليك تقاوم‪،‬‬
‫وليك تحارب كل التهميش واالبتذال الذي نعاين منه اليوم‪ ،‬والذي أصبح ظاهرة‬
‫عامة تحارصنا يف كل مكان‪ .‬وعليه عرض أفكار حية حقا وجديدة قابلة إىل الحياة‬
‫واالستمرار‪ ،‬والخروج من القوالب الجامدة وبالتايل تكرار خطاب ومامرسة قدمية‬
‫عقيمة سوف تؤدي إىل تاليش الصورة الناصعة للمثقف العضوي واملفكر املبدع‬
‫املنحاز إىل مشاغل وهموم شعبه‪ .‬وبالتايل ميكن الحديث وقتها عن نهاية املثقف!‬
‫كام أن املثقف اليوم مطالب مبواكبة التطور الرقمي والتقني حتى يتسنى له القيام‬
‫بدوره عىل أحسن وجه‪ .‬فاملثقف اآلن يجب أن يعي بأنه يف عرص الوسائط وسيط‬
‫بني الناس واملعلومة‪ ،‬يسهم يف خلق وسط فكري أو عامل مفهومي أو مناخ تواصيل‬
‫من شأنه أن يزيد يف تطوير إمكانيات املجتمع للتواصل والتبادل والتعارف‪ ،‬مبعنى‬
‫آخر يجب عىل املثقف أن يفهم أنه ليس الطرف الوحيد املسؤول عىل إنارة وتوجيه‬
‫العقول‪ ،‬فمجرد صعود الناشط السيايس والحقوقي‪ ،‬كانت نهاية املثقف التقليدي‬
‫وظهور املثقف امل ُعومل‪.‬‬

‫الخميس ‪ 12‬نوفمرب ‪ - 2020‬املوافق لـ ‪ 26‬ربيع األول ‪ 1442‬هـ ‪ -‬العدد ‪89‬‬

‫‪10‬‬

‫د‪ .‬منصف ونّاس الهدوء الذي يرتك صخبا‬
‫د محمد عبد العظيم‬

‫اليوم ‪ 2020 /11 / 4‬صعقنا بنبأ نزعت فيه أرواحنا إىل‬
‫التكذيب‪ ،‬نعي من فارقنا دون إنذار وال انتظار‪ ،‬من مل‬
‫نسمع منه صوت أمل ومل تبد لنا منه عالمات هرم‪...‬رحيل‬
‫من سكن ممن التقاه مسكن الروح‪ ،‬من يف مواقفه منصفا‬
‫وبحضوره ونّاسا (مؤنسا)‪ .‬إنه فعال منصف وونّاس‪....‬‬
‫كان املنصف املدرس امليسرّ والباحث رجل العلم الرصني‪،‬‬
‫واملثقف امللتزم املناضل النقايب والسيايس الذي ال يلني وال يحيد‪ .‬امتد مجال اهتاممه‬
‫ومناط همه من املؤسسة إىل القطر فالوطن األكرب ثم الكوين اإلنساين‪ ...‬وهو يف كل‬
‫ذلك لينّ العريكة يأىب الصدام وميقت اإلقصاء والص ّد له ومنه‪...‬ال يفقد هدوءه وال‬
‫يبخل باالبتسامة واملالطفه مهام اشت ّد االختالف واستقر الخالف‪...‬‬
‫ــ منصف املدرس الباحث‪:‬‬
‫يشهد الجميع لألستاذ ونّاس بشدة االنضباط وااللتزام بحصص التدريس حيث يالقيه‬
‫طلبته برتحاب ورغبة ملا يف مادة درسه من عمق يوصله إليهم يسريا وهو يبتسم‪ ،‬ال‬
‫تعميم وال إشكال وال محاولة إحراج؛ بل تيسري وتبسيط ألشد املسائل التباسا‪ .‬ترافقه‬
‫ابتسامة دامئة ال تعرف االنقطاع‪...‬ابتسامة تزداد تواصال ورسوخا يوم االمتحان تشجيعا‬
‫للممتحنني مهام كان تخصصهم‪ .‬فهو يالقيهم جميعا مبرح ويف محفظته حبات حلوى‬
‫ميدهم بها حني يبدو دبيب الضجر والتعب إىل نفوسهم‪ .‬فيبتسمون ويتجدد العزم‬
‫وتتفكك العقد ‪...‬وتبقى حركاته تلك نوادر يتبادلونها دون توقف‪...‬‬
‫وال شك يف أنه كان يف دروسه تلك مستندا ومرشدا إىل أبحاث دقيقة عميقة‪ .‬كانت‬
‫ماده مؤلفات وكتب تم نرشها والقت العناية واالستحسان‪ ،‬ملا اتسمت به من عمق‬
‫يف البحث وثراء يف املراجع وصلة بالواقع‪ ،‬يف مسائل هي إىل ذات اإلنسان املعني‬
‫أقرب وأشد التصاقا‪ .‬مجالها مكونات الشخصية وخصوصياتها ثم فعل الثقافة واملثقف‬
‫فيها‪...‬ومل يكن اإلنسان املعني بالدرس عنده من فئة محددة مخصوصة‪ ،‬وال من حيز‬
‫جغرايف ضيق بل هو اإلنسان العريب وقد اختلفت منازله االجتامعية وتنوعت واتسع‬
‫مجال وجوده ليتجاوز القطر إىل الوطن الكبري أو جزء منه يف املرحلة األوىل‪ .‬فال‬
‫شك يف أ ّن ونّاس ذا االنتامء اإليديولوجي العريب الرصيح كان يطمح ويسعى إىل سرب‬
‫غور الشخصية العربية ليقف عىل عنارص التامثل واالتحاد فيها‪ .‬وقد اختار أن يكون‬

‫منطلقه القطر الذي هو فيه ـ تونس ـ ثم أقطار املغرب العريب تباعا‪ .‬فكانت مؤلفاته‬
‫يف الشخصية التونسية والليبية واملغربية‪...‬‬
‫ولكن توقف به الزمن‪ .‬أما همه العلمي املعريف الثاين فكان الحفر بعمق وسداد رأي‬
‫يف فعل الثقافة ودور املثقف يف محيطه ومجتمعه‪ .‬وكان يف كل ذلك مؤمنا بأ ّن الثقافة‬
‫األس املتني لكل مجتمع وأن املسؤول األول عن صالبة ذاك األساس هو املثقف‬
‫هي ّ‬
‫الجدير بحمل تلك الرسالة‪ .‬وقد اختار هوـ كام تشهد سريته ـ أن يكون هو ذاته أحد‬
‫عنارص ذاك الصنف الفاعل املؤثر‪ ...‬فهو مل يكن ممن انزوى يف قاعات الدرس ومكاتب‬
‫البحث ومكتبات النبش قارئا وكاتبا ومدرسا فقط‪ .‬وإمنا اختار أن يكون بني الناس فال‬
‫يرتدد قط يف االستجابة لنداء أي منرب علمي وإعالمي ـ داخل القطر أو خارجه ـ ليصدع‬
‫برأيه ويوصل رسالته‪...‬‬
‫ـ منصف ونّاس املناضل‪.‬‬
‫ال ب ّد من التأكيد أوال أن املنصف ونّاس مل يسع يوما ألن يوسم بهذا الوسم‪ .‬فالرجل مل‬
‫يكن ممن تغريهم األلقاب‪ ،‬حتى أنه كان عند سامعها يرد بابتسامته الغريبة الساخرة‪.‬‬
‫وليس ألحد أن يزعم أ ّن الرجل كان معنيا باملناصب واأللقاب أو السعي إليها‪ .‬فال والء‬
‫له إال ملا آمن به من مبادئ التزم بها وظل يسعى لنرشها واإلقناع بها بأيرس الطرق‬
‫وألطفها‪ .‬لذا مل يسجل أحد عليه التقرب من أهل السلطة واملتنفذين طيلة حياته‪ .‬فقد‬
‫ظل دامئا بني القواعد والجموع وضمن الهياكل واملؤسسات االجتامعية‪.‬‬
‫فقد كان أوال مناضال نقابيا وضمن الهياكل الوسطى‪ .‬فكان تقريبا دامئا أحد عنارص‬
‫نقابة الكلية؛ بل إنه توىل مرة كتابتها العامة‪ ،‬وإن استغل البعض هدوءه ومساملته‬
‫لالنقالب عليه‪...‬وكان فيها متدخال مقنعا ونشطا فاعال يشارك يف كل الحركات النضالية‬
‫ويؤطرها‪...‬‬
‫ويف املستوى النضال السيايس‪ ،‬كان وناس أيضا ممن تب ّنوا الفكر القومي العريب منذ‬
‫شبابه‪ .‬فلم يغب أبدا عن أي تحرك نضايل فكريا كان أو عمليا‪ .‬وكانت بوصلته دامئا‬
‫مصلحة القطر ومصريه الذي ال يراهام خارج اإلطار القومي أو عىل األقل يف املستوى‬
‫املغاريب‪ .‬فقد كان يحرض التجمعات ويشارك يف املسريات ويؤسس الهياكل واملؤسسات‬
‫‪ ...‬كان ضمن حراك سنة ‪ 2011‬ثم عضوا بهيئة تحقيق أهداف الثورة‪ .‬فهو يف كل‬
‫املواقع املناضل الوطني ذو األفق القومي دون تعصب لحزب أو طرح دون اآلخر‪ .‬إنه‬
‫من القلة الذين كرسوا الحواجز بني الهياكل القومية العربية‪ .‬فلم يرض باالنتامء إىل‬
‫حزب دون اآلخر أو التقوقع ضمن طرح دون سواه‪ .‬لذا كنا نالقيه يف كل تحرك من‬

‫العالقة بني النّقابيني والفنّانني واملث ّقفني‬
‫عادل بوعالق‬

‫األوساط ال ّنقابيَّ ِة عن ِ‬
‫ِ‬
‫املكاسبِ االجتامعيَّ ِة‬
‫غالبا ما نتح ّدثُ يف‬
‫مكاسب تبقَى ُم َه َّد َد ًة يف ِظلِّ‬
‫واملهنيَّ ِة للعماّ لِ‪ ،‬والتي هي‬
‫ٌ‬
‫التّح ّو ِ‬
‫الت االقتصاديّ ِة املحل ّي ِة والعامل ّي ِة وميكن لِ َه ِذ ِه التّحولاّ ِت‬
‫ِ‬
‫املؤس ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫و‬
‫ل‬
‫املا‬
‫ة‬
‫ن‬
‫ُرو‬
‫مل‬
‫ا‬
‫ة‬
‫ي‬
‫إمكان‬
‫ي‬
‫ألصحابِ‬
‫سات يف تطبيقِ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َّ‬
‫أن تُ ْع ِط َ‬
‫االتفاقيَّات‪ِ.‬‬
‫يُنظر إىل القوى العاملة غالبا من زاوية املردوديّة املهنيّة وتطرح بالتّايل محاور‬
‫ال ّنضال يف الغالب داخل إطار العمل وما يرتتّب عنه من حقوق وحامية اجتامع ّية‬
‫الحق‬
‫مهن ّية‪ ،‬هذه الحقوق املرتبطة أساسا باملنافع والخدمات الواردة عموما ضمن ّ‬
‫يف الضامن االجتامعي باعتباره من بني الحقوق األساسيّة لإلنسان ويف املادة ‪ 25‬من‬
‫الحق يف مستوى معييش‬
‫اإلعالن العاملي لحقوق اإلنسان يشار إىل أ ّن « لكلّ شخص ّ‬
‫الصحة وال ّرفاه ّية له وألرسته مبا يتض ّمنه من التغذية وامللبس واملسكن‬
‫كاف لتأمني ّ‬
‫والعناية الطّب ّية ومبا يف ذلك من الخدمات االجتامع ّية الالّزمة‪.‬‬
‫تندرج هذه الحقوق ضمن الحقوق االجتامعية واالقتصاديّة لق ّوة عاملة يُنظر إليها‬
‫غالبا داخل منظومة الشغل والتشغيل فنحيطها مبطالب يف مجملها تُطرح من زاوية‬
‫رشع ينظر‬
‫الحق االجتامعي وترتك جانبا الحق الطّبيعي للذّات العاملة‪ .‬مام يجعل امل ّ‬
‫طبيعي يجعلنا ذوات مبدعة يف‬
‫حق‬
‫إىل العمل باعتباره حقّا اجتامعيا وهو يف األصل ّ‬
‫ّ‬
‫تعاطي العمل وال إكراه فيه‪ .‬وهذا ما يطرح أمامنا ال ّرغبة يف مامرسة الحياة‪.‬‬
‫ينتيش بالجَماَ ِل والف ِّن تذ ُّوقًا‬
‫أال يَ ِح ُّق للعا ِم ِل أن يُبْد َع وهو يُ ْقبِلُ عىل الحيَا ِة؟ وأن َ‬
‫ومامرسةً؟‬
‫َ‬
‫قايب أن يال ِم َس اإلبدا َع والجاملَ عرب عالقَ ٍة مع ال َف َّنانِ ُاملثَق َِّف؟‬
‫ن‬
‫ال‬
‫عىل‬
‫هل‬
‫ّ ِّ‬
‫قد يُغرق الفنا ُن واملثق ُّف النقا َيب يف ما يتخبّط فيه من هموم يوميّة ج ّراء االستغالل‬
‫املؤسسة وشكلها ال ّرمزي‬
‫واإلكراهات يف العمل فيعيش املأساة م ّرتني بشكلها املادي يف ّ‬
‫عرب التّكثيف اإلبداعي من خالل أعامل الف ّنانني واملثقّفني‪.‬‬
‫الف ّنان كام املثقّف هو منتج للقيمة وهذه القيمة يعطيها املجتمع كلّ الرشع ّية عندما‬
‫تتنقّل داخل ال ّنسيج املجتمعي ليقع تثمينها واعتبارها قيمة جامليّة مضافة لها تأثري‬
‫واضح من خالل ردود فعل متلقّيها‪.‬‬
‫السياس ّية عرب التّاريخ الحديث خاصة طوال القرن‬
‫لقد ناضلت القوى االجتامع ّية و ّ‬
‫الحق يف اإلبداع ومامرسة الف ّن واستهالك املنتوج الثقايف‬
‫العرشين من أجل املساواة يف ّ‬
‫باعتبار أ ّن الف ّن والثقّافة لهام ذات االعتبار والقيمة التي نوليها إىل التّعليم‪.‬‬
‫حق النقايب يف مامرسة واستهالك الفن؟‬
‫هل العالقة بني ال ّنقابيني والف ّنانني واملثقّفني تلبّي ّ‬

‫لقد شهدنا يف السنوات األخرية تغيرّ ا واضحا يف ال ّنظرة إىل الف ّن عندما أُقحم يف‬
‫منظومة العرض والطّلب وأصبحنا نواكب سلعنة مفرطة لإلبداع واإلنتاج الفني‬
‫والثقايف‪ .‬وانترشت مامرسة الف ّن بشكل واضح يف املجتمع أل ّن معايري الجامل قد تغيرّ ت‬
‫وتح ّررت من التّصنيفات القدمية والتي هي تصنيفات طبقيّة فيها شبه احتكار ملعايري‬
‫الجامل والذّوق فكان الف ّن مامرسة واستهالكا يع ّد امتيازا طبق ّيا لذلك كان حكرا‬
‫عىل فئة دون أخرى‪ .‬كام نشهد اليوم محاوالت لتحرير الف ّن والثقافة من احتكار‬
‫السياسيّة له‪ .‬فحقيقة الف ّن هو ذاك الذي يفلت من سكون وهدوء‬
‫الدّولة والسلطة ّ‬
‫ّ‬
‫الصالونات إذ هو ينبثق من عذابات املثقّفني واملبدعني وقلقهم الدّائم‪ .‬هو ابداع يعبرّ‬
‫بالرضورة عن حصيلة تفكري استفزاز ّي يحرج الطّرف املقابل‪ .‬هو ف ّن مربك الستقرار‬
‫منظومة االستبداد ال ّناعم‪ ،‬وبالتايل ميكن أن يكون الف ّن مقياسا لدرجة شعور املبدع‬
‫واملثقّف بحيف السلطة وإفراطها يف بسط سلطتها عرب أساليب القمع ال ّرمزي من‬
‫خالل محتويات سياستها الثقافيّة‪1.‬‬
‫ميكن لل ّنقايب أن يدرك من خالل املثقّف والف ّنان حقيق َة وض ِع ِه وذلك بالوصو ِل إىل‬
‫رش َها ع َرب أجهزتِ َها الثّقاف َّي ِة وإقنا َع‬
‫ف ْهمِ ما تخفيه ّ‬
‫الصور ُة املن ّم َق ُة الّتي تحاولُ ّ‬
‫السلطة ن َ‬
‫نوات األخ َري ِة ع َرب الشّ اشَ ةِ‬
‫الس ِ‬
‫ً‬
‫ُ‬
‫رش ّ‬
‫خاصة يف ّ‬
‫املستهلِ ِك بها‪ ،‬هذه الصور ُة الوهميّة الّتي تنت ُ‬
‫أو يف املش َه ِد الث ّقافيِ ِّ واإلعالَ ِم ِّي الي ْو َم يأيت ُ‬
‫املثقف والف ّنا ُن الواعي واملتج ّذ ُر يف همومِ‬
‫ِ‬
‫الفئات امل ُ َف َّق َر ِة واملسلُوبَ ِة إلرادتِ َها ليكو َن فا ِعالً يف التّح ُّر ِر ول ْو جامل ًّيا ل ُي ِن َري ال َّرأ َي ب ُِص ْنعِ‬
‫رؤيَ ٍة تَ ْحلِيل َّي ٍة جماَ لِ َّي ٍة متج ّذ َر ٍة و ُمتَجا ِو َز ٍة يف آنٍ لوا ِقعِ فيه من االستبدا ِد ما تطفُو‬
‫صو َرتُ ُه وفي ِه َما َخ ِف َي َعنِ اإل ْد َر ِاك‪.‬‬
‫لكن تبقَى القي َم ُة الحقيقيّ ُة لِعالقَ ِة ال َّنقابيِ بالف َّنانِ واملُثَق َِّف فيِ إب َرا ِز ال ِقي َم ِة الْ َحقيقيَّ ِة‬
‫للإِ ن َْسانِ فيِ ح ِّد ذاتِ ِه والَّتي تُح ِّد ُد َها فيِ األَ ْص ِل القي َم ُة الجوهريَّ ُة للطَّبي َع ِة‪ .‬فَجو َه ُر‬
‫االنسانِ أ ْن يكو َن يف انس َجامٍ َمع قيم ِت ِه األساس َّي ِة َو ْهي تك ُم ُن يف االنس َجامِ مع الطّبي َع ِة‪2‬‬
‫َ‬
‫بأن يُ َ‬
‫األص ِل إىل اإلكْ َرا ِه‪ .‬وهذَا‬
‫درك أ ّوالً أ ّن فعلَ ُه يف الحيا ِة ُهو فعلٌ‬
‫طبيعي ال يَخضَ ُع يف ْ‬
‫ٌّ‬
‫األصلِ‪ .‬ورغب ُة تجا ُوبِ ال ّنقا ِبيِّ َني مع الف َّنانِ َني وامل ُث ّق ِف َني تَ ْنب ُع‬
‫ج ْو َه ُر َما يُ َعبرَّ ُ َع ْن ُه الف ُّن يف ْ‬
‫األص ِل ِم ْن حقيق ِة إدراكِ ِه ْم ولو بِشَ ْك ٍل ُج ْزئيِ ِّ لل َح ِّق الطّبي ِع ِّي فيِ مُماَ َرس ِة ال َح َيا ِة إبدَا ًعا‬
‫يف ْ‬
‫َح ْيثُ تَتَماَ َهى ذواتُ ُهم َمع الطّبيع ِة وبفع ِل ذلك تكو ُن حركتُ ُه ْم يف ال َح َيا ِة أكثرَ َ ح ِّريَّ ًة‬
‫وليست خار َج ًة عن اإلرا َد ِة‪.‬‬
‫وأع َم َق باعتبا ِر ع ْف ُويَّ ِت َها بمِ َا ِه َي غري ُمل َز َم ٍة‬
‫ْ‬
‫‪Goldman Lucien, La création culturelle dans la société moderne, 1‬‬
‫‪.Editions Denoël, Paris 1971, P97‬‬
‫‪Gourévitch Pavel, L’Homme et la nature, Edition l’agence de presse 2‬‬
‫‪.Novesti, Moscou 1989, P 8‬‬

‫أجل القضايا العربية بل اإلنسانية عامة‪...‬فهو يرى قضية شعب فلسطني قضيته األم‬
‫والوحدة العربية سبيل انعتاق األمة األوحد‪ .‬وكان ممن فطنوا باكرا لحقيقة الثورة‬
‫املغدورة عند انكشاف أمرها يف سورية‪ .‬فكان من مؤسيس تنسيقية دعم سورية ملا‬
‫كان معتنقو «الربيع» يكفّرون النظام هناك ويدعمون قوى التخريب واإلرهاب‪...‬‬
‫أما دوره يف مجال التوعية وبث الفكر فتشهد به املنابر الفكرية واإلعالمية التي‬
‫كان ال يرد لها دعوة‪ .‬فيكون الفاعل املؤثر فيها دون أن يفقد هدوءه ورصانته‪ .‬مل‬
‫يكن فيها صداميا مستفزا بل محلال مقنعا‪ ،‬أل ّن غايته مل تكن لفت االنتباه لذاته بل‬
‫إيصال فكرته ملحاوره ومتلقيه‪ .‬ومل يكن يوما هدفه الربوز لجني الثامر‪ ،‬بل إيصال‬
‫لفكر إلنارة األفكار‪ .‬فالهدوء عند الرجل أصيل غري مصطنع والقناعة مبدأ وخدمة‬
‫اآلخر مسؤولية‪...‬‬
‫ـ وناس اإلنسان‪.‬‬
‫ال شك أ ّن سلوك الرجل وقد وصفناه يف مجاالت تحركه‪ ،‬ليس إال انعكاسا لقيم ومبادئ‬
‫وسامت أخالقية شكلت مالمح شخصيته‪ .‬فهو ممن مل نسمع لهم يوما صوتا مرتفعا‬
‫أو موقفا منفعال‪ .‬بل كان دائم اللطف والهدوء والسيطرة عىل النفس حتى يف أعرس‬
‫املواقف وأشدها حدّة‪ .‬فهو ال يتخلّف عن تحرك ذي بعد إنساين دون اعتبار من يوجه‬
‫إليه‪ .‬وونّاس هو املبادر دامئا بالتحية والسالم ملن يالقيه وعىل محياه ابتسامة ال تكاد‬
‫تخفي‪ .‬وهو عند املحادثة جيد االستامع مطيله‪ ،‬حتى يبدو كأنه الجاهل املتعلم‪ .‬بل‬
‫إنه حني يتكلم يكون كالمه يف الغالب تساؤال حتى يتصور من ال يعرف الرجل أنه ين ّم‬
‫عن جهل مبا يقال‪ ،‬خاصة أنه يقرنه يف الغالب مبالمح تن ّم عن االستغراب والتعجب‪.‬‬
‫وليس ذلك يف الحقيقة إال تواضعا واعرتافا بحق اآلخر يف إبداء رأيه بل تشجيعه عليه‪.‬‬
‫لقد كان املنصف يف كلمة رجال قويا صلبا صاحب مبدأ بل مبادئ‪ ،‬عميق النظر دقيق‬
‫الفكرة‪...‬لكن يف صورة طفل لني لطيف‪...‬لكن أثره يف النفس يدب إليها دبيبا فيسكن‬
‫فيها عاملا ومعلام ومناضال‪ ،‬لذا نراه هدوأ يرتك الصخب‪...‬‬

‫الطبيعي والذي طرحه توماس هوبس (‪)Thomas Hobbes‬عند وضْ ِع ِه لل َع ْق ِد‬
‫القانو ُن‬
‫ُّ‬
‫االجتامعي هو جمل ُة الحقوقِ الّتي يتمتَّ ُع بها الفر ُد بحكْمِ انتامئِ ِه إىل اإلنسان َّي ِة ول ْي َس‬
‫ِّ‬
‫الطبيعي‬
‫يعيش في ِه وهي حقوقٌ غ ُري قابلَ ٍة لل ُم َزايَد ِة باعتبا ِر ْأصلِ َها‬
‫املجتمعِ الّ ِذي ُ‬
‫ِّ‬
‫َّبيعي‬
‫وليْ َس االجتام ِع ِّي‪ .‬فهناك س ْع ٌي دائ ٌم إىل َوضْ ع معاي َري يك ال يتأثَّ َر القانو ُن الط ُّ‬
‫بالتّقلُّ َب ِ‬
‫تعس َف الْ ُحكمِ ال َبشرَ ِّي‪.‬‬
‫ات التَّاريخ َّي ِة وتُ ِج ُّن ُب ُّ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫يف‬
‫العاملُ‬
‫ه‬
‫ب‬
‫ر‬
‫ع‬
‫ش‬
‫ي‬
‫ن‬
‫أ‬
‫ن‬
‫ك‬
‫الذي‬
‫رت‬
‫االغ‬
‫عىل‬
‫ن‬
‫الف‬
‫ل‬
‫خال‬
‫من‬
‫ْ‬
‫ابِ‬
‫املص َنعِ‬
‫ُ‬
‫ِّ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫يمُ‬
‫نحن نعبرّ ُ‬
‫َ َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫املعييش‪ .‬فااللتزا ُم يف الف ِّن‬
‫ويل َم ُس ُه املامر ُِس لل َع َمل َ‬
‫تحت ضَ غْط َوإك َرا َهات الواقعِ‬
‫ِّ‬
‫يك ُم ُن فيِ التّعبريِ عن القطي َع ِة التي يعيشُ َها اإلنسا ُن مع عفويَّ ِة ال ِف ْع ِل يف الحيا ِة‪ ،‬ه ِذ ِه‬
‫هي ولي َد ُة التّح ُّوال َِت االقتصا ِديَّ ِة واالجتام ِع َّي ِة الَّ ِتي يتح َّولُ العملُ مبوج ِب َها‬
‫القطيع ُة َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫اإلنسانِ ال َعا ِم ِل إىل ما َّد ٍة‬
‫ل‬
‫ِي‬
‫و‬
‫تح‬
‫ت‬
‫ع‬
‫ر‬
‫ا‬
‫س‬
‫م‬
‫ث‬
‫ي‬
‫ع‬
‫اجتام‬
‫ق‬
‫ح‬
‫إىل‬
‫طبيعي‬
‫حق‬
‫ْ‬
‫فيِ‬
‫ٍّ‬
‫ِم ْن ٍّ‬
‫َ‬
‫ٍّ ّ َ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ٍّ‬
‫ِ‬
‫ٍ‬
‫ْ‬
‫استهالكيَّة قد تنتهِي ُصلُوحيَّتُ َها لدَى أ ْربَابِ ال َع َملِ‪.‬‬
‫السلطَ ِة املبت َذلَ ِة‬
‫لقد ساهم تقسي ُم ومكن َن ُة الْعم ِل اليدو ِّي كام الذّه ِن ِّي يف استف َحا ِل ُّ‬
‫ِ‬
‫بتقليص العم ِل وال ّنظَ ِر إل ْي ِه عىل أنّ ُه طاقَ ٌة ث ّم ِو َح َد ُة ٍ‬
‫قياس وأخ ًريا يُ ْنظَ ُر إىل العم ِل‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫الشء الّذي ميثّلُ‬
‫ع‬
‫يضي‬
‫العاملَ‬
‫جعلَ‬
‫م‬
‫ه‬
‫ت‬
‫ذا‬
‫د‬
‫ح‬
‫يف‬
‫ه‬
‫ت‬
‫ف‬
‫َ‬
‫ل‬
‫تك‬
‫ر‬
‫باعتبا‬
‫إحساس ُه بقيمة يّ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ماَّ‬
‫َ‬
‫بعض املِ َهنِ تندث ُر كام ان َج َّر عىل ذلك أ ّن محتوياتِ‬
‫موضو َع الع َملِ‪ ،‬وهذا ما جعلَ َ‬
‫الص َناعيَّ ُة‬
‫املؤس َساتُ ِّ‬
‫عي يف أغلبِ بلدانِ العا ِمل تخضَ ُع إىل َما تطلُبُ ُه َّ‬
‫التَّعلِيمِ ال َجا ِم ِّ‬
‫ِ‬
‫الجامعات الكنديّ ِة الّذي يقول « عىل‬
‫واملال َّي ُة واالقتصا ِديَّ ُة يف تَصرْ ِي ٍح لع ِمي ِد أح ِد‬
‫املؤس َس ِ‬
‫األدم َغ ِة أن تُالئِ َم حاج َّي ِ‬
‫ات االقتصا ِديَّ ِة «‪ 3‬هل ال ب ّد من تحدي ِد وك ْب ِح العق ِل‬
‫ات ّ‬
‫ِ‬
‫وقِ‬
‫الس ؟‬
‫الب ِ‬
‫رش ِّي ليكو َن يف ُحدو ِد ما يلبِّي حاجيَّات ّ‬
‫كام َسا َه َم ْت التح ّوالتُ االقتصاديّ ُة األخ َري ُة يف صنعِ فردانِيَّ ٍة متو ّحشَ ٍة تستبْ ِط ُن َ‬
‫الخوف‬
‫وما يرتت ُّب ع ْن ُه من ُع ْن ٍف‪ ،‬رغ َم أ َّن املجمو َع َة يف أصلِ َها ال وجو َد ل َها خا ِر َج األفرا ِد ف ُه ْم‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫املحيط ب ِه ْم‪.‬‬
‫الذي َن يك ّونونَ َها ويشكّلو َن‬
‫عالقات بي َنهم وب َني الحالِمِ‬
‫إ ّن ال ّنفو َذ اليو َم يقو ُم عالو ًة عىل ال ُع ْن ِف امل َاد ِِّي عىل ُع ْن ٍف َر ْم ِز ٍّي‪ 4‬عىل ش ْك ِل ثَقافةٍ‬
‫يَت ُّم فرضُ َها من ِ‬
‫طرف ج َه ٍة متسلِّطَ ٍة َ‬
‫وذلك برتْ ِسي ِخ نمَ و َذ ٍج ثقا ٍّيف يوا ِف ُق يف محت َوا ُه نمَ َ َط‬
‫ع ْي ِش ِفئَ ٍة ُمه ْي ِم َن ٍة اقتصاديًّا ولها مرجع َّياتُ َها الثّقا ِف َّي ُة والجامل َّي ُة الَّ ِتي تحاوِلُ ط ْر َحها عىل‬
‫ِ‬
‫أساس أنّ َها األص ِل يف تش ّك ِل مالم ِح املجت َمعِ‪ .‬والوظيف ُة الحقيق ّي ُة للف َّنانِ واملثق َِّف هي‬
‫ذات الوق ِْت هي وظي َف ٌة تَ َناظُ ِريَّ ٌة مختل َف ٌة َع ْن وظي َف ِة الْ َف ْردِ‬
‫ملْ ُء الوظي َف ِة الجامعيّ ِة ويف ِ‬
‫لتت َح َّولَ الفكر ُة يف اإلبْدَا ِع إىل ُحلُمٍ جَماَ ِع ٍّي‪.‬‬
‫‪.Deneault Alain, La Médiocratie, Editions Lux, Québec 2015, P 22 3‬‬
‫‪ 4‬ميكن العودة إىل‪ :‬بورديو بيري‪ ،‬العنف ال ّرمزي‪ ،‬ترجمة نظري جاهل‪ ،‬املركز الثقايف‬
‫العريب‪ ،‬ط ‪ ،1‬الدار البيضاء ‪.1994‬‬

‫‪11‬‬

‫الخميس ‪ 12‬نوفمرب ‪ - 2020‬املوافق لـ ‪ 26‬ربيع األول ‪ 1442‬هـ ‪ -‬العدد ‪89‬‬

‫ورقات من معتقل رجيم معتوق‬

‫غريبي بن منى‬
‫ورقات من رجيم معتوق‪ ،‬ركن جديد نفتحه يف منارات لنلقي‬
‫بعض الضوء عىل جزء من تاريخ الحركة الطالب ّية التي تختزل‬
‫متأصال يف سبيل الحريّة والعدالة االجتامع ّية‪،‬‬
‫تجربة جيل ورصاعا ّ‬
‫وهي إىل ذلك تجارب إنسانية مثّلت عالمة بارزة يف تاريخ تونس‬
‫املعارص‪ ،‬وأ ّول ضيوفنا يف هذا الركن هو املج ّند السيايس يف‬
‫الثامنينات الس ّيد غريبي بن منى الذي يحدّث فيقول‪:‬‬
‫البدايات تنبئ عن املآالت‬
‫ال أعرف هل أقول للفقر بارك الله فيك أم أقول له الله يخزيك؛‬
‫ألنه كان سببا يف صنع شخصيني التي أنا عليها ايل اليوم؛ ولدت‬
‫يف عائلة وفرية العدد وفقرية‪ ،‬ولدت يف الستينات؛ أطلقت ع ّيل أمي اسم « غريبي»‬
‫الصالحني يف ريفنا الفقري (تاكلسة)‪ ....‬قرأت يف مدرسة ابتدائية‬
‫تربكا بأحد األولياء ّ‬
‫تبعد عن منزلنا قرابة خمسة كيلومرتات وكنت ورغم صعوبة الطريق أسلكها يوميا‬
‫ذهابا وايابا؛ ست سنوات قضيتها هناك ألتحصل عىل شهادة السيزيام وأدخل املعهد‬
‫الثانوي بسليامن وهناك تد ّرجت يف سلّم املعرفة وال ّدراسة حتى تحصلت عىل‬
‫شهادة البكالوريا شعبة اآلداب‪ ....‬مروري باملدرسة االبتدائية كان له بعض التأثري‬
‫يف شخصيّتي‪ .‬فأنا‪ ،‬ذاك الصغري املحروم من اللباس املحرتم واالكل الذي يُشبع؛ انا‬
‫املحروم من اللعب؛ انا ذاك الصغري الذي يقضيّ يومه بني املدرسة واملرعى والفالحة؛‬
‫أدرس أو أرعى غنم أمي أو تجدين يف حقل الوالد أزرع وأحرث‬
‫كنت تجدين إما ُ‬
‫وأسفي بعض الخرض التي كانت مدخول العائلة‪ .‬منت ّيف بعض النقمة وبعض الثورة‬
‫الداخلية ورفض للوضع املهني الذي كنت أعيشه‪ .‬الفقر جعلني أؤمن بالعدالة‬
‫االجتامعية وأكره الربجوازية‬
‫استم ّر حايل يف املعهد عىل ما كانت عليه‪ ،‬ورعي وفالحة؛ مل توفر يل العائلة حتى‬
‫القليل ولبثت ذاك التلميذ املحتاج؛ ذاك التلميذ الذي تنقصه عديد االشباء مقارنة‬
‫بزمالئه‪ ،‬وتفاقم داخيل الشعور بالغنب والضّ يم‪ .‬الفقر جعلني أكره الربجوازيّة والحيف‬
‫االجتامعي وأؤمن مببادئ العدالة االجتامعيّة‪ ،‬واسمي جعلني أثور عىل الخرافة‬
‫واألسطورة وتغييب العقل‪ ،‬نعم اسمي‪ ،‬اسمي غريبي مل يكن يعني يل شيئا طيلة‬
‫دراستي باالبتدايئ فهو اسم متداول يف قريتنا الصغرية الن ذاك الويل الصالح معروف‬
‫فقط عندنا وليس له إشعاع خارجا‪ ...‬أما طيلة فرتة دراستي بالثانوي يف مدينة سليامن‬
‫فقد تعرضت لسخرية كبرية جدا بسبب هذا االسم؛ فأول يوم يف الرتسيم باملعهد‬
‫ضحكت كثريا تلك املوظفة يف املعهد وقالت يل برصيح العبارة هذا لقب فاين االسم؟‬
‫عديد االساتذة مل يعجبهم اسمي ومل يفهموا من أين اتيت به؛ زماليئ التالميذ يقولون‬
‫يل «ما هذا االسم الذي تحمل؟ منني جبتو؟» هذا وتر أعصايب كثريا أنا الوحيد يف‬
‫هذا املعهد الذي يحمل هذا االسم؛ تعرضت لعديد االسئلة وعانيت من السخرية‬
‫اليومية‪ ...‬اين وليت وجهي اال ويالحقني السؤال عن اسمي أنا أقول غريبي وهم‬
‫يقولون هذا لقب فأين اسمك وتواصل معي هذا الوضع أينام مررت سواء يف االدارة‬
‫أو القسم أو املعهد وكان هذا سببا كبريا يف نقمتي عىل االولياء الصالحني وكنت‬
‫أذهب إىل أ ّمي وأسألها دامئا ملاذا يا أ ّمي؟ فكانت تقول» احشم اسكت انا سميتك‬
‫عىل اسم سيدي غريبي بن عبيد ذاك الويل الصالح الذي لواله ملا كنت تعيش‪ »...‬هذه‬
‫العملية أثارت ف ّيكرها شديدا وشديدا جدا لكل هذه العادات والتقاليد املتخلفة‬
‫والبائدة؛ كرهت هذا الويل الصالح‪ ...‬ومن خالله كل األولياء الصالحني واعتربتهم‬
‫طالحني أ ّمي كانت تدافع عن اسمي بدفاعها الخرايف عن أسطورة ذاك البيت والذي‬
‫بداخله قرب سيدي غريبي بن عبيد وأنا كم كرهت هذا الرجل‪ ....‬اعتربت هذا تخلفا‬
‫وأسطورة حمقاء ومن خالله كرهت األسطورة والخيال والعادات والتقاليد وقررت‬
‫الثورة عىل املوروث املخيايل الشعبي يف قريتي وعند أهيل‪ ,‬هكذا أصبحت أرفض‬
‫وأقول «ال» لكل تلك املفاهيم‪.....‬‬
‫السنة ال ّرابعة ثانوي (نطام قديم) شهدت أ ّول تحرك تلمذي ال أعرف‬
‫حني بلغت ّ‬
‫أسبابه؛ كل ما أتذكّره أنّني انطلقت مع الذين يكربونني سنا يف الهتاف ورفع‬
‫الشعارات املناوئة للنظام‪ ،‬وجدت نفيس يف مقدّمة التالميذ الثائرين‪ ،‬بل كنت أ ّول من‬
‫أطلق الحجارة يف اتجاه شبابيك املعهد‪ .‬بعد يوم أو يومني تم استدعاء الوالد ليوقّع‬
‫التزاما أمام مدير املعهد حتى ال أك ّرر فعلتي‪ ...‬منذ ذلك التاريخ أصبح بعض التالميذ‬
‫يعتربونني ثوريّا ومناضال ومعارضا؛ حتي أ ّن زمييل يف القسم فوزي بن مراد (رحمه‬
‫الله) أطلق ع ّيل اسم عيل بن غذاهم والذي أصبح اسام ثانيا يل عند الكثريين‪ ..‬ويف‬
‫الحقيقة‪ ،‬فقد أعجبت بهذا الجو الجديد وهذه الشخصية التي بدأت تتكون داخيل‬
‫وهذه الكلامت الرنانة (مناضل؛ معارض؛ زعيم؛ عيل بن غذاهم؛ ثوري) وواصلت‬
‫دراستي هناك بنفس الحامسة وأكرث فكنت دامئا يف مقدمة التحركات التلمذية ومتت‬
‫معاقبتي بالطرد عديد املرات حتي جوان ‪ 1985‬تاريخ حصويل عىل شهادة البكالوريا‬
‫وانتقايل اىل تجربة أخرى وحياة أخرى داخل أسوار كلية الحقوق بسوسة‬
‫يف ذلك الصيف بدأت جحافل املناضلني اليساريني من جهتي والجهات املجاورة تتصل‬
‫بكل ناجح يف «الباك» لتمده ببعض املناشري والكتب والبحوث وال ّدراسات فكان‬
‫نصيبي كبري من هذه وتلك‪ .‬كان يأيت إىل منزلنا‪ ،‬يوميّا‪ ،‬أحد الطلبة أو األساتذة‬
‫ليتحدث معي وميدين مبا تيرس من تلك الوثائق وكنت ألتهم ما أحصل عليه بكل‬
‫شغف وخاصة كتابات ماركس وليننب وبعض البحوث من مجلة أطروحات وبعض‬
‫نصوص جامعة « العامل التونيس» ومنظمة برسبكتيف « وكل ما نرشه اليسار‬
‫التونيس آنذاك‪ ....‬ذهبت إىل الكلية وأنا مح ّمل بأفكار ماركس ولينني وثورية روزا‬
‫يومي األ ّول يف الجامعة حتى أعبرّ ‪ ،‬كام قيل‬
‫لوكسمبورغ ونيش غيفارا‪ .‬كنت أنتظر َ‬

‫يل‪ ،‬بكل حرية وأفعل كل ما أريد داخل أسوار الجامعة‪ :‬فقد سبق وأن ذهبت يوما‪،‬‬
‫وأنا تلميذ اىل كلية الحقوق بتونس ورأيت بأ ّم عيني كيف كان الطلبة يف اجتامع عام‬
‫يشتمون النظام ويسبون «بورڨيبة» ويتكلّمون بصوت عال فوق «حجرة سقراط»‬
‫ويقولون كل ما ال يقال خارجا‪ ...‬قلت يف نفيس ذاك اليوم أنا أيضا سأخطب وأهتف‬
‫وأرفع شعارات معادية لهذا النظام يوم أدخل الجامعة‪ ....‬لذلك كنت أنتظر بكل‬
‫شوق اليوم الذي ستطأ أقدامي الكلية سأقول أنا هنا؛ أنا معارض؛ أنا مناضل؛ أنا أقول‬
‫ال للنظام القائم‪ ...‬وكان يل ما أردت‪ .‬لكن‪ ،‬دفعت الثمن غاليا‪.‬‬
‫خالل الشهرين األ ّولني يل هناك تم استدعايئ ملجلس التأديب برئاسة العميد‪،‬آنذاك‪،‬‬
‫السيد البشري التكاري ليتم رفتي من الكلية ملدة شهرين ومن املبيت الجامعي لنفس‬
‫املدّة أيضا بعدها بشهر فقط وخالل احياء ذكرى ‪3‬جانفي وبعد تجمع طاليب عام‬
‫واثناء مسرية وسط مدينة سوسة يتم القبض ع ّيل من طرف قوات االمن ليقع الزج‬
‫السجن واتهامي باالعتداء عىل موظف ‪(-‬عمدة الجهة اين تقع الكلية) وبعد‬
‫يب يف ّ‬
‫ايقاف ملدة شهرين بالسجن تتم محاكمتي ويحكم ضدي حكام بسنتني مع تأجيل‬
‫التنفيذ‪ ،‬ويف السنة املوالية وبعد نشاطات‪ ،‬نقابية وسياسية‪ ،‬يتم ايقايف عديد املرات‬
‫من طرف أمن النظام ليتم يف األخري اعتقايل يوم ‪ 5‬ماي ‪ 87‬يف مدينة سوسة ومن‬
‫الغد يقع تحوييل مكبل اليدين اىل مقر وزارة الداخلية لتبدأ رحلة أخرى من حيايت‪.‬‬
‫يف قبضة البوليس‬
‫كنت يوم ‪ 4‬ماي من سنة ‪ 1987‬والذي يقابل‪ 6‬من شهر رمضان؛ مختبئا يف منزل‬
‫أحد الرفاق (عز الدّين األمني‪ ،‬أستاذ التعليم الثانوي حينها) هروبا من البوليس يف‬
‫مدينة بني خالد؛ وخطر ببايل أن أعود اىل مدينة سوسة حيث أدرس بكلية الحقوق‬
‫رغم تحذيرات بعض الرفاق واالهل بعدم املجازفة‪ .‬تدبرت شيئا من املال من الرفيقة‬
‫سندة مسعود التي تقطن تلك املدينة ومن الرفيق عزالدين األمني وركبت سيارة‬
‫أجرة الصباح اىل مدينة ڨرمباليا حتى امتكن من ركوب القطار يف اتجاه سوسة‪.‬‬
‫دخلت املحطة واقتطعت تذكرة إىل القلعة الصغرى‪ .‬قلت يف نفيس يجب أالّ انزل يف‬
‫سوسة لعل البوليس يكون موجودا يف محطة القطار‪ .‬جلست عىل كريس القطار الذي‬
‫انطلق مع الساعة الواحدة أو بعدها بقليل فتحت الجريدة التي اشرتيتها للمطالعة‬
‫وتقصري الوقت وحتى ميكنني استعاملها يف تغطية الوجه إذا رأيت عون أمن أو ما‬
‫شابه‪ .....‬قرأت بعض مقاالت‪ ..‬ث ّم ط ّوح يب التفكري‪ ،‬ورسحت يف املدة ايل قضيتها بني‬
‫تاكلسة وبني خالد وأنا محارص بالبوليس الذي كان يأيت اىل منزل الوالد يوميا بحثا‬
‫عني‪ .‬قفزت أمامي صور أ ّمي وهي تبيك وتقول يل «وليدي يزي فك عليك باش‬
‫تتمرمد ومترمدنا معاك» وصوت الوالد وهو يقول يل «واصل واصل وما تخافش منهم‬
‫ماهمش رجال أكا جامعة الحرس ايل يجوا كل اليوم يلوجوا عليك‪ .‬أ ّما رد بالك وتحمل‬
‫مسؤوليتك‪ »...‬صور عديدة متر أمامي‪ ...‬الحرس الذي يدخل دارنا البسيطة ويقلبها‬
‫بحثا عىل املناشري أو ما شابه ويأخذ كل الكتب ايل يلقاها‪ ..‬كتب ماركس ولينني‬
‫وبعض الكراسات السباسية وااليديولوجية‪ ...‬م ّرت يب صور رفيقي سايس الزيادي ايل‬
‫سمعت أنهم ر ّحلوه إىل «رجيم معتوڨ» صحبة بعض الرفاق‪ ...‬صورة عمك داود‬
‫ذاك الفالح البشوش ( والد رفيقي وأخي سايس) حني صادفني يوم سبت يف السوق‬
‫االسبوعيّة ببني خالد وقال يل « آش تعمل يا وحيد يا حلوف انت تحوس وتدور يف‬
‫االسواق وخوك (سايس) يف الجيش يف رجيم معتوڨ توة هكة معقول ؟ أيا برى اخلط‬
‫عليه وونسو غادي‪ ..‬هههه»‪ ..‬قلت له «يا عم داود راهو سايس موش وحدو غادي‬
‫برشا طلبة معاه مونسينوا وما تخافش عليه‪ ».‬قال يل «ال ال‪ .‬أنا ما نتهنى كان بيك‬
‫وأنتم ميل صغار دميا مع بعضكَم كيام التوامة أيا اسرتجل واخلط عليه هيا فيسع‪.....‬‬
‫« وختم كالمه قائال‪« :‬أيا رد بالك عىل روحك وراين نفذلك‪ .‬أ ّما كان شدوك وهزوك‬
‫غادي سلم عليه برشا‪ »...‬تذكرت رفاقي يف سوسة حني قالوا يل برى «اهرب وماعادش‬
‫ترجع لسوسة راهو باش يشدوك وإذا شدوك راك باش متيش للجيش‪ »..‬ترى؟ ماذا‬
‫أفعل؟ هل أذهب إىل سوسة أم أعود أدراجي؟ القطار يسري ومييض؛ ع ّيل أيضا أن‬
‫أميض الب ّد أن أذهب أيضا إىل سوسة ألع ّد لالمتحانات القادمة مل يبق إالّ شهر ‪ ...‬ع ّيل‬
‫أن أنتبه لنفيس وأعود إىل دراستي‪.‬‬
‫بعد ساعة ونص وصل القطار إىل مدينة القلعة الصغرى نزلت يف املحطة‪ ،‬غادرتها‬
‫وركبت سيارة أجرة إىل سوسة‪ ،‬قبل أن أصل إىل املحطة وتحديدا أمام املبيت‬

‫الجامعي «الحجرة املقلوبة» نزلت ودلفت برسعة إىل املبيت‪.‬‬
‫التقيت بعض الرفاق واألصدقاء‪ ،‬تعشينا‪ ،‬حكينا سهرنا‪ ،‬وراجعنا ما تيرس من الدروس‬
‫ث ّم مننا‪ .‬يف الصباح كان لزاما ع ّيل أن أخرج من املبيت وألتقي بعض أصدقايئ الطّلبة‬
‫آلخذ منهم الدروس التي فاتتني‪ .‬تردّدت كثريا ث ّم ق ّررت الخروج مقنعا نفيس أنّه من‬
‫الصعب أن أجد «بوليسا» يجوب الشوارع يف صباحا‪.‬‬
‫ّ‬
‫صباح يوم الثالثاء ‪ 5‬ماي‪ ،‬حوايل الساعة التاسعة صباحا تقدّمت أربع خطوات‬
‫أمام املبيت الجامعي‪ ،‬وعىل حني غ ّرة‪ ،‬يقفز من سيارة عادية عونان‪ ،‬أشهر أحدهام‬
‫مسدّسا يف وجهي وأمرين أن أقف‪ ...‬وقفت‪ ،‬أدخالين عنوة يف الس ّيارة‪ ،‬ويف ظرف عرش‬
‫دقائق وجدت نفيس ضيفا مبجال يف منطقة الرشطة‪ ،‬قضيت ليلتي األوىل يف ضيافتهم‪،‬‬
‫ال أسئلة وال تحقيق وال يشء‪ ....‬قالوا يل «غدا حسابك»‪.‬‬
‫يف الغد ‪ 6‬ماي‪ ،‬الساعة السابعة صباحا‪ ،‬وضعوين يف س ّيارة «شاماد» رفقة ثالثة‬
‫بوليسية (باعتبار السائق) يدي بني فكيّ صفد مشدود يف الجانب اآلخر يف يد عون‬
‫يجلس بجانبي‪ .‬طوال الطريق من سوسة إىل تونس واألعوان يتحدّثون ويتامزحون‬
‫ويضحكون‪ ...‬وأنا ساكت‪( .‬يتبع‪)...‬‬

‫حكايات أمازيغية جربيّة*‬
‫صدر مؤ ّخرا للباحث األمازيغي التّونيس‬
‫فتحي بن مع ّمر كتاب جديد وطريف‬
‫من حيث املحتوى والشّ كل واملضمون‬
‫واألسلوب‪ .‬الكتاب بعنوان‪:‬‬
‫َاس َسـڨْ َج ْربَة ‪/ /‬‬
‫تِ ْنف ْ‬
‫صادر عن مركز ال ّدراسات والبحوث حول‬
‫اإلباضية بباريس ودار «منوال لل ّنرش»‬
‫بتونس يف أزيد من مائة وخمسني صفحة‪.‬‬
‫يحتوي الكتاب بعد التنويه ولفت ال ّنظر‬
‫إىل ال ّرموز املستعملة عىل مقدّمة رشح‬
‫فيها الباحث دوافع تأليفه للكتاب ث ّم عىل‬
‫مالحظات أوليّة حول خصائص الحكاية األمازيغية يف جربة ويف تونس‪.‬‬
‫والكتاب يتض ّمن عرش حكايات أمازيغية كتبت باللّغة األمازيغية مرسومة‬
‫بالحروف العرب ّية ومرفقة برتجمة إىل العرب ّية‪ .‬فكان الكتاب صفحة بصفحة‪:‬‬
‫صفحة عىل اليمني باللغة األمازيغية وصفحة عىل اليسار باللغة العربية‪ .‬وقد‬
‫اعتمد فيها الباحث طريقة ترقيم الفقرات حتّى يسهل عىل القارئ والباحث‬
‫قصة متى اقتىض‬
‫خاصة أمر املراوحة بني ال ّنص األصيل والرتجمة‪ .‬وقد شُ فعت كلّ ّ‬
‫ّ‬
‫األمر بهوامش خاصة بال ّنص األمازيغي وردت تحت عنون «إدياسن» وأخرى‬
‫خاصة لل ّنص العريب وردت تحت عنوان «هوامش» وكانت الهوامش ذات طبيعة‬
‫ّ‬
‫لغوية أو حضارية قدّم فيها الباحث مالحظات مه ّمة للباحث وللقارئ العادي‪.‬‬
‫والكتاب يقدم أل ّول م ّرة يف تونس مد ّونة قصص أمازيغية بهذا الحجم وبهذه‬
‫الطريقة واألهمية‪.‬‬
‫باإلضافة إىل هذا فالكتاب مض ّمن فيه ملف صويت ميكن أل ّي قارئ أن يستمع‬
‫فيه إىل القصص بصوت امل ّؤلف وهو يطالعها باألمازيغية وذلك مبج ّربة املسح‬
‫الضويئ لرمز االستجابة السرّ يع املوجود عىل غالف الكتاب للدخول إىل امللف‬
‫عىل اليوتوب‪.‬‬
‫هذا ويع ّد الكتاب إضافة مه ّمة جدا للمكتبة األمازيغية التونسية ومد ّونة ها ّمة‬
‫للقراء والباحثني‪.‬‬
‫مالحظة ‪ :‬جميل أن تتعدد الروافد الثقافية يف واقعنا فهي إثراء وتأصيل ‪...‬هي‬
‫من أصدائنا املنسية امل ٌغيبة‪...‬الخوف عىل الهوية يف واقع متغري يحرتم االختالف‪...‬‬
‫هويتنا هي نحن يف نظرتنا ملاضينا وحارضنا ويف تطلعنا إىل املستقبل ‪ -...‬منارات‪-‬‬

‫‪12‬‬

‫الخميس ‪ 12‬نوفمرب ‪ - 2020‬املوافق لـ ‪ 26‬ربيع األول ‪ 1442‬هـ ‪ -‬العدد ‪89‬‬

‫نف ُري ال ّذاكرة‪:‬‬

‫ح ّيز جديد يف «منارات» سيكون مميزا ومختلفا بنبشه يف مجاالت املهمش واملنيس ‪...‬تراثنا املادي والالمادي القريب منه أو البعيد‪...‬‬
‫ما اتصل بشؤون الفكر والفن أو بشؤون السياسة واالجتامع‪...‬قضايا املختلف أو املؤتلف‪ ،‬مدارات جديدة بقلم شاهني السايف‪...‬‬
‫***‬

‫حرْبُ أكتوبر وجدَ ُل السياسيّ والعسكريّ‪ :‬السادات والشاذلي أنموذجا (املُ َف َ‬
‫ارَقاتُ) ½‬
‫السايف‬
‫شاهني ّ‬
‫مقدّمة عا ّمة‪:‬‬
‫حرب أكتوبر ‪ 1973‬أسالت الكثري من الحرب ودارت‬
‫يف فلكها جملة من األعامل الفن ّية السنيامئ ّية منها‬
‫والدرام ّية‪ .‬ال ميكن أن نجادل مطلقا يف أهم ّية هذا‬
‫الحدث الذي عاشت عىل وقعه ّكل البالد العرب ّية ال‬
‫فقط مرص وسور ّية باعتبارهام متثالن جبهتي الحرب‬
‫نكف عن البحث يف‬
‫الفعل ّي َت نْيِ‪ ،‬ولكن من املفيد أالّ ّ‬
‫هذا الحدث الذي ميثّل أه ّم انتصار عسكر ّي عر ّيب‬
‫عىل العد ّو الصهيوين لنفهم كيف حصل‪ ،‬وهل كان باإلمكان –عسكريّا‪ -‬أفضل مماّ‬
‫سيايس‪ .‬كانت هزمية ‪ 1967‬النكراء التي تكبدتها الجيوش‬
‫كان‪ ،‬وهل تُ ّوج بانتصار‬
‫ّ‬
‫العرب ّية صدمة حقيق ّية للجامهري التي ُو ِعدتْ بالنرص املبني وتحرير فلسطني فتج ّرعت‬
‫مرارات الخيبة والخذالن‪ ،‬وصدمة لهذه الجيوش نفسها التي وقفت عىل حقيقة التف ّوق‬
‫العسكري الصهيوين من جهة وقلّة الخربة والكفاءة للقادة العسكريني العرب من جهة‬
‫السيادة‬
‫ثانية‪ ،‬فكان من الطبيعي أن تحصل هذه الهزمية التي أدّت إىل اتساع رقعة ّ‬
‫وربا‬
‫الصهيون ّية عىل األرض العرب ّية (غز ّة وسيناء‪ ،‬القدس والضفة الغرب ّية‪ ،‬الجوالن) مّ‬
‫كان من الرضور ّي أن تحصل ح ّتى يعي أهل السياسة‪ ،‬والحاكمون منهم عىل وجه‬
‫التحديد‪ ،‬أ ّن أمر الجيوش ينبغي أن يوكل إىل الجيوش نفسها‪ ،‬إىل أهل الذكر منها‪،‬‬
‫بحيث ال تكون قيادتها عىل أساس القرابة والصداقة والوالءات للحكّام وإمنا عىل أساس‬
‫الكفاءة والخربة القتال ّية والقدرة عىل ص ّد هجامت العد ّو يف مرحلة أوىل ث ّم التحضري‬
‫للحرب القادمة السرتداد األرض السليبة يف مرحلة ثانية‪.‬‬
‫من هو سعد الدّين الشاذلي؟‬
‫يف ظلّ هذا الجو املشحون باملشاعر التي تختلط فيها املرارة بالرغبة يف الثأر‪،‬‬
‫ظهر الضابط املرصي الفريق سعد الديّن الشاذيل الذي شارك يف كلّ حروب‬
‫مرص ضد العد ّو الصهيوين (حرب ‪ 1948‬والعدوان الثاليث ‪ 1956‬وحرب‬
‫‪ 1967‬وحرب االستنزاف ث ّم حرب أكتوبر ‪ )1973‬كام شارك يف حرب اليمن‬
‫يف الستينات وكان قائدا للبعثة املرصيّة العسكريّة ضمن القوات األمم ّية يف‬
‫الكونغو وكان غادرها مع جنده بُعيْد االنقالب عىل باتريس لوممبا‪ .‬انتسب‬
‫الشاذيل وهو ضابط صغري إىل حركة الضباط األحرار‪ ،‬وبعد نجاح ثورتهم يف‬
‫السياسة كام استهوت غريه‬
‫اإلطاحة بنظام امللك فاروق يف ‪ 1952‬ملْ ت َْستَ ْه ِو ِه ّ‬
‫من بعض ض ّباط هذه الحركة‪ ،‬ولك ّنه ملْ يسقطها من دائرة اهتاممه وأ ْوالَ َها‬
‫ما تستحقه من عناي ٍة ضمن رؤية اسرتاتيجيّة شاملة تربط املجهود الحريب‬
‫بالسياسات العا ّمة للبالد وتربط هذه السياسات مبا يدور يف العامل وقتها من‬
‫السياسة‪.‬‬
‫تناقضات فكانت له‪ ،‬يف هذا السياق‪ ،‬آراء ومواقف يف ّ‬
‫تنص األعراف‬
‫كام‬
‫تب‪،‬‬
‫استم ّر الشاذيل يف حياته العسكريّة متد ّرجا يف ال ّر‬
‫ّ‬
‫العسكريّة ودون أي تدخّل‪ ،‬فكانت له بصمته يف الجيش حيث أسهم يف‬
‫الخاصة‪ ،‬ث ّم قام‬
‫تأسيس سالح املظالت املرصي‪ ،‬وهو أخطر رضب من القوات ّ‬
‫الخاصة وأوكلت إليه‬
‫بتجربة دمج قوات املظالت مع الصاعقة ضمن القوات ّ‬
‫مهمة قيادتها وقد عرفت باسم «مجموعة الشاذيل» التي شاركت يف حرب‬
‫‪ 1967‬وكانت آخر مجموعة من الجند تعرب الجرس من الضفة الرشقيّة لقناة‬
‫السويس إىل الضفة الغرب ّية بعد أن صدرت األوامر باالنسحاب‪ ،‬ومن الطرائف‬
‫أ ّن االتصاالت انقطعت بالقيادة فلم يصله أمر االنسحاب فتق ّدم رشقا إىل‬
‫عمق فلسطني املحتلّة يف الوقت الذي كانت فيه باقي القوات املرصيّة تعود‬
‫القهقرى غربا‪ ،‬ومتركز مع ق ّواته يف منطقة جبليّة حصينة وظلّ يومني يف‬
‫مناوشات مع العد ّو حتّى متكنت القيادة من االتصال به وأمرته باالنسحاب‪،‬‬
‫وخالل حرب االستنزاف عهدت إليه قيادة منطقة البحر األحمر واستطاع‬
‫بدهائه وخربته أن يوقف اخرتاقات العد ّو املتكررة لتلك املنطقة‪.‬‬
‫ُرق َِّي الشاذيل إىل خطّة رئيس أركان الجيش املرصي سنة ‪ 1971‬وكُل َّف باجرتاح‬
‫خطّة عسكريّة للعبور إىل الضفة الرشق ّية من القناة وتحرير سيناء‪ .‬يف أثناء كلّ‬

‫تلك املها ّم الجسيمة التي أوكلت إليه فأ ّداها باحرتاف ّية ونجاعة كان الشاذيل‬
‫يعمل جاهدا عىل تنويع معارفه يف شتّى املجاالت والعلوم إضافة إىل اطالعه‬
‫الواسع عىل كلّ جديد يف العلوم الحرب ّية وما يتّصل بها‪ ،‬ولعلّ هذا ما جعل‬
‫من مذكّراته عن حرب أكتوبر («مذكرات حرب أكتوبر»)(‪ )1‬مرجعا مهماّ من‬
‫املفيد جدا العودة إليه حتى نفهم ما الذي حصل بالضبط يف هذه الحرب‬
‫وكيف حصل وبأي مثن وإىل أين انتهى‪ ،‬وهي إىل جانب ذلك تكشف لنا عن‬
‫جملة من املُفَا َرق َِات التي تدعونا بإلحا ٍح إىل أن نقف عندها‪.‬‬
‫بانقالب‪:‬‬
‫بكتاب ال‬
‫المفارقة األولى‪ :‬الردّ‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫قبل أن نعكف عىل قراءة هذه املذكرات‪ ،‬أو لنقل منت هذه املذكرات‪ ،‬ربمّ ا‬
‫قصة هذه املذكّرات نفسها‪ ،‬عىل شاكلة‬
‫من املفيد ج ّدا أن نستعرض جانبا من ّ‬
‫ما يعرف يف نظريّة األدب عند جريار جينيت –إن جازت املقارنة‪ -‬بقراءة‬
‫النص املوازي الخارجي (‪)épitexte‬‬
‫النص املوازي (‪ ،)paratexte‬وتحديدا ّ‬
‫ّ‬
‫قصة هذه املذكرات فيها‬
‫نفسه‪.‬‬
‫النص‬
‫اءة‬
‫ر‬
‫ق‬
‫إىل‬
‫السبيل‬
‫إنارة‬
‫يف‬
‫يسهم‬
‫الذي‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ما فيها مماّ يتطلّب الوقوف عنده‪ ،‬فكتاب «البحث عن الذات»(‪ )2‬الذي‬
‫أصدره الرئيس املرص ّي آنذاك أنور السادات‪ ،‬وما جاء فيه عن حرب أكتوبر‬
‫من قول ملْ يرقْ للفريق الشاذيل كان دافعا إىل كتابة هذه املذكّرات‪ ،‬ناهيك‬
‫أ ّن السادات يف كتابه قد أىت عىل ذكر الشاذيل‪ ،‬ويف أكرث من موضع‪ ،‬مبا ييسء‬
‫إليه‪ .‬نحن أمام كتاب جاء يف الر ّد عىل كتاب آخر‪ ،‬أمام سجال بني رجل سياسة‬
‫ورجل عسكر ّي‪ ،‬فالسادات رجل سياسة يف املقام األ ّول‪ ،‬وهو إن كان له ٍ‬
‫ماض‬
‫عسكر ّي فقد أنهاه برتبة يوزبايش (نقيب)‪ ،‬وهي رتبة صغرية للضباط‪ ،‬وتف ّرغ‬
‫للسياسة بعد ثورة ‪ 1952‬وانقطعت صلته بالجيش –كمامرسة‪ -‬وتوقفت‬
‫معارفه العسكريّة عند ذلك الحد من تلك الرتبة‪ .‬أما الشاذيل فهو رجل‬
‫عسكر ّي يف املقام األ ّول ولنئ اقتضت الظروف أن يخوض غامر السياسة بحكم‬
‫الخطط واملناصب التي تقلدها يف الجيش ويف وزارة الخارج ّية أو انتسابه إىل‬
‫املعارضة املرصيّة يف املهجر خالل فرتة حكم السادات ثم خليفته مبارك‪ ،‬فإنه‬
‫ٍ‬
‫محرتف عالِمٍ يف مجال ِه لك ّنه ال يساوم عىل األوطان وال يؤمن‬
‫يظلّ رجل حربٍ‬
‫بالسالم مع العد ّو‪.‬‬
‫سجال بني رجلني‪ ،‬رجل سياسة عريب‪ ،‬أو لنقل حاكم عريب‪ ،‬احرتف املناورة‬
‫والضحك عىل الذقون والتالعب بالكلامت‪ ،‬ورجل عسكر ّي خرب الحرب وخربته‬
‫وال يعرف من املناورة غري «املناورة بالقوات» خالل املعارك وال يحذق الضحك‬
‫عىل الذقون ألنه يف الحرب قاتل للمقاتل وال يستعمل من الكلامت غري ما‬
‫يعبرّ به عن الفكرة بدقّة‪ .‬سجال أثاره رجل السياسة بفصل من كتابه(‪ )3‬فر ّد‬
‫عليه رجل الحرب بكتاب كامل‪ ،‬وهذه من املفارقات‪ ،‬فقد جرت العادة أن ير ّد‬
‫السيايس عىل العسكر ّي بكتابٍ يف البلدان التي تحكمها طغم عسكريّة وصلت‬
‫ّ‬
‫س ّدة الحكم بانقالبٍ ‪ ،‬فإذا بالعسكر ّي ير ّد عىل السيايس بكتاب ال بانقالب‪.‬‬
‫إنه فصل واحد من كتاب‪ ،‬أو لنقل إنها فقرة واحدة منه ولعلّها جملة واحدة‪،‬‬
‫جملة تجعلنا نتساءل حقيقة عن دوافع هذا الر ّد‪ :‬هل هو الثأر للرشف‬
‫العسكري؟ وهنا من املفيد ج ّدا أن نحاول متثّل األمور كام يتمثّلها رجل‬
‫خاص له نواميسه وأعرافه وهو يختلف متاما‬
‫عسكر ّي‪ ،‬وعامل العسكر عامل ّ‬
‫عن الحياة املدن ّية العاديّة وتروى عن الثأر للرشف العسكر ّي‪ ،‬عىل م ّر التاريخ‪،‬‬
‫–خاصة يف صفوف القادة والض ّباط‪-‬‬
‫قصص كثرية عن الدعوات إىل ال ّنزال ّ‬
‫تستعمل فيه األسلحة ويباح فيه القتل‪ ،‬ولك ّن السالح الوحيد املستعمل يف‬
‫هذه الحالة هو «القلم» ولعلّ ذلك ميثل مفارقة أخرى من املفارقات الكثرية‬
‫التي سنجدها يف طريقنا ونحن نتقصىّ خطوات هذا السجال‪.‬‬
‫هل ال ّدافع هو البحث عن الحقيقة؟ وهذا ما قاله الشاذيل بوضوح يف أكرث‬
‫من موضع يف كتابه‪ .‬هل هو الثأر للرشف العسكر ّي والبحث عن الحقيقة‬
‫يف آن معا؟‬
‫جملة واحدة قال فيها السادات‪« :‬يف يوم ‪ 19‬أكتوبر عاد الشاذيل منها ًرا»(‪،)4‬‬
‫وكانت جملة موجعة حقّا‪ .‬جملة حاول فيها من ال يعرف عن املعارك الحرب ّية‬
‫غري القليل تقزيم رجل عسكر ّي خبري بهذه املعارك وال يهابها‪ ،‬رجل وصفته‬
‫هجومي‪ ،‬مقدام‪..‬‬
‫وسائل اإلعالم العامل ّية يف تلك الفرتة أنه «مظليّ قو ّي‪ ،‬عنيد‬
‫ّ‬
‫إلخ‪ .)5(»..‬نفى الشاذيل ما أورده السادات قائال‪« :‬إ ّن هذا كذب رخيص»(‪،)6‬‬

‫بل إنه قال أكرث من ذلك حني وصف السادات بـ»الرجل املريض يرى يف غريه‬
‫يحس هو به‪ ،‬فيتّهم كل من يختلف معه يف الرأي أنه انْ َها َر»(‪ .)7‬قد تكون‬
‫ما ّ‬
‫هذه الجملة هي مفتاح هذا السجال‪ ،‬أي مف ّجرته‪ ،‬ولكننا‪ ،‬إن ص ّح زعمنا‬
‫هذا –وقد ال يص ّح‪ -‬ال يسعنا إال أن نشكر السادات عليها‪ ،‬ألنها يف هذه الحالة‬
‫قد دغدغت القلم الذي خ ّط صحائف غاية يف الرشاقة والدقّة واملنهج ّية‬
‫والوضوح عن حربٍ نكتشف أنّنا ملْ ْ‬
‫نعرف عنها الكثري وكم زعمنا أننا نعرفها‪.‬‬
‫المفارقة الثانية‪ :‬رشاقة العسكريّ في الردّ على‬
‫السياسيّ‪:‬‬
‫ير ّد الشاذيل عىل السادات يف مذكراته م ّرة بأسلوب مبارش‪ ،‬أي أن يذكره‬
‫ويذكر مزاعمه ثم يسفّهها‪ ،‬وم ّرات بشكل غري مبارش‪ ،‬أي أن يذكر ما يراه‬
‫حقائق جديرة بالقول تدحض مزاعم السادات دون ذكره أو ذكرها فال يفطن‬
‫إىل هذا الر ّد غري من اطلّع عىل كتاب «البحث عن الذات» موضوع الر ّد‪.‬‬
‫من األمثلة عىل ذلك أ ّن السادات يف حديثه عن التخطيط لحرب العبور قد‬
‫استعمل عبارات تفتقر إىل الدقّة‪ ،‬أو بصورة أدقّ ‪ ،‬عبارات عامئة قابلة لشتّى‬
‫التأويالت ولعلّه قاص ٌد ذلك‪ ،‬ومن التأويالت املحتملة أنه هو نفسه‪ ،‬السادات‪،‬‬
‫صاحب الخطّة كأ ْن يقول‪« :‬ومبج ّرد وصويل إىل اإلسكندرية بدأت اإلعداد‬
‫للمعركة»(‪ )8‬أو أن يقول‪« :‬حينام بدأت أفكّر يف وضع التخطيط االسرتاتيجي‬
‫للمعركة كان أمامي عدة أشياء أولها األساس االسرتاتيجي الذي أبني عليه‬
‫الخطّة»(‪ ،)9‬ومن التأويالت أيضا أ ّن اللواء أحمد إسامعيل‪ ،‬وزير الحربيّة الذي‬
‫ال يعيص للسادات أمرا –كام يقول عنه الشاذيل‪ -‬هو واضع هذه الخطة‪ ،‬إذ‬
‫يقول السادات‪« :‬جاءين الجرنال أحمد إسامعيل يف ‪ 30‬نوفمرب سنة ‪1972‬‬
‫(‪ )......‬ليبلغني أ ّن الخطّة الدفاع ّية أصبحت كاملة وأنه بصدد إعداد تجهيزات‬
‫الهجوم»(‪ )10‬ث ّم يخلص السادات إىل القول «إ ّن خطّة حرب أكتوبر ‪ 1973‬قد‬
‫وضعتها الق ّوات املسلّحة بأجمعها عىل كل املستويات»(‪.)11‬‬
‫ما قاله السادات هو يف واقع األمر بعض من مكر الساسة ودهائهم حني‬
‫يقولون كالما يظهر عكس ما يبطن‪ ،‬فزعمه أ ّن القوات املسلحة كلّها قد‬
‫–بغض النظر عن مدى سالمة هذا الزعم يف‬
‫أسهمت يف وضع خطّة الحرب ّ‬
‫العرف العسكر ّي‪ -‬هو كلمة حق أريد بها باطل‪ ،‬وهو يوضع يف خانة املامرسة‬
‫السياسيّة املخاتلة ال يف خانة قول الحقائق حول الوقائع‪ ،‬ولعلّه أراد أن يرضب‬
‫عصفورين بحجر واحد‪ :‬من جهة‪ ،‬مغازلة الجيش‪ ،‬ومن جهة ثانية‪ ،‬اإلمعان‬
‫يف تبخيس دور الشاذيل الذي سيجد‪ ،‬بال ريبٍ ‪ ،‬حرجا يف القول إ ّن نسبة خطّة‬

‫‪13‬‬
‫الحرب إىل الجيش‪ ،‬هكذا وبكل هذا التعميم التعوميي‪ ،‬أمر باطل‪ ،‬والحال أنّه ملْ يعد‬
‫ٍ‬
‫بخاف عىل أحد أ ّن الشاذيل هو من أوكلت إليه مهمة وضع خطّة لحرب العبور‪ .‬كان‬
‫السيايس‪ ،‬فأذهل القارئ وهو يتح ّدث عن الخطّة‬
‫هو‬
‫ّه‬
‫ن‬
‫كأ‬
‫ه‪،‬‬
‫د‬
‫ر‬
‫يف‬
‫هادئا‬
‫الشاذيل‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫بكل تلك الثقة ومبنتهى ال ّدقة‪ ،‬دون ثرثرة‪ ،‬ث ّم يق ّدم أل ّول م ّرة االسم الذي أطلق‬
‫عليها «خطّة املآذن العالية» مب ّينا متايزها عن خطط أخرى وضعت للحرب وملْ تكن‬
‫واقع ّية أبدا عىل غرار خطّة «غرانيت‪ ،»2‬فربهن بذكا ٍء‪ ،‬وببساطة ودون ضجيج‪ ،‬أنه‬
‫هو صاحب هذه الخطّة التي أصبح اسمها لحظة االكتامل خطّة «بدر»(‪.)12‬‬
‫قال السادات ر ّدا عىل القذايف –كام جاء يف كتابه‪ -‬حني طَ َر َح عليه موضوع الوحدة بني‬
‫مرص وليبيا‪« :‬الق ّوات املسلّحة يجب أن تكون محرتفة وأالّ تتدخّل يف السياسة»(‪،)13‬‬
‫وهو تلميح يالمس الترصيح حول تقييم تجربة املشري عبد الحكيم عامر‪ .‬كالم جميل‬
‫وهو –وال ريب‪ -‬ميثّل نقطة اتفاق بني السادات والشّ اذيل‪ ،‬ولكن يف الحقيقة يغفل‬
‫السادات عن أمر آخر ال يقلّ أهم ّية وهو أ ّن رجل السياسة أيضا يجب أالّ يتدخّل‬
‫يخص رجل الحرب وحده دون سواه‪.‬‬
‫فيام ّ‬
‫يبدو «ترسيم الحدود» بني السيايس والعسكر ّي يف إدارة شؤون ال ّدولة أكرث وضوحا‬
‫عند الشاذيل‪ ،‬والواضح أ ّن عدم الوضوح خصيصة فيام يقوله السادات لألسباب التي‬
‫ذكرناها آنفا‪ .‬رجل السياسة هو من يختار الحرب وهو من يح ّدد موعد انطالقها‬
‫ونهايتها وهو من يرسم أهدافها دون تدخّل من العسكر‪،‬‬
‫والعسكر يع ّدون الع ّدة لخوض الحرب‪ ،‬أي الجانب‬
‫يص من الحرب‪ ،‬دون تدخّل من‬
‫القتا ّيل‬
‫التقني ّ‬
‫التخص ّ‬
‫ّ‬
‫الساسة‪ .‬كان الشاذيل أكرث حكمة وتبصرّ ا‪ ،‬بل إ ّن فكره‬
‫ّ‬
‫كان أكرث تق ّدما وكا َن نقديّا يف موضوع الفصل بني رجل‬
‫السياسة ورجل الحرب يف إدارة شؤون الدولة‪ ،‬ويف هذا‬
‫السياق ندرج نقده الالذع لخطّة «قائد عام القوات‬
‫املسلحة» التي تسند إىل «وزير الحرب ّية»(‪ ،)14‬أي أنه‬
‫سيايس نصف عسكر ّي‪ ،‬وهو يتدخل يف الشأن‬
‫نصف‬
‫ّ‬
‫العسكري متاما كام يتدخّل –نظريّا عىل األقل‪ -‬يف الشأن‬
‫السيايس‪.‬‬
‫هكذا أصبحت القوات املسلحة برأسني‪ :‬رأس عسكر ّي‬
‫رصف وهو الشاذيل رئيس أركان الجيش‪ ،‬ورأس عسكر ّي‬
‫سيايس وهو أحمد إسامعيل القائد العام للجيوش ووزير‬
‫ّ‬
‫الحرب ّية يف آن معا‪ .‬برصاحة الصورة مضحكة ولكن هذا‬
‫قصة الخالف الشخيص القديم بني‬
‫ما حصل‪ .‬بعيدا عن ّ‬
‫الشاذيل وإسامعيل من أيام الكونغو وما قد يلمح ذلك‬
‫–وهذا ما قاله الشاذيل رصاحة‪ -‬إىل أ ّن اختيار السادات إلسامعيل ملْ يكن بريئا وأنه‬
‫من الدهاء السيايس ما يجعله يعني يف خطّة القائد العام للقوات املسلحة (إسامعيل)‬
‫من هو عىل ٍ‬
‫خالف مع رئيس أركان الجيش (الشاذيل) حتّى يلعب دور الحكم بينهام‬
‫ويبقى دامئا عىل صلة بكل كبرية وصغرية يف الجيش باعتباره الرئيس والقائد األعىل‬
‫سيايس رصف (السادات)‪ .‬بعيدا‬
‫للقوات املسلّحة‪ ،‬فيكون للجيش رأس ثالث‪ ،‬رأس ّ‬
‫السيايس والعسكر ّي قد كانت‬
‫القصة –عىل أهم ّيتها‪ -‬فإ ّن هذا التداخل بني‬
‫عن هذه ّ‬
‫ّ‬
‫له انعكاسات عىل ال ّنجاعة القتال ّية للجيش وقد كاد يؤ ّدي به إىل ما ال يحمد عقباه‪.‬‬
‫المفارقة الثالثة‪ :‬اضطهادُ السياسيّ للعسكريّ بسبب‬
‫كتاب‪:‬‬
‫ٍ‬
‫حني هرول السادات إىل السالم مع العد ّو‪ ،‬وقال ال حرب بعد اليوم‪ ،‬استقال الشاذيل‬
‫من منصبه كسفري يف الربتغال‪ ،‬وعقد ندوة صحف ّية أدان فيها ما أقدم عليه السادات‬
‫واعتربه خيانة عظمى‪ ،‬وقد اتضح أن خالفه العسكر ّي الحا ّد مع السادات أثناء‬
‫سيايس‬
‫الحرب –كام سنبينّ يف الجزء الثاين من هذا املقال‪ -‬مل يكن غري متهيد لخالف ّ‬
‫عظيم‪ ،‬ث ّم انتقل إىل الجزائر وأقام فيها وكانت له إسهامات يف املعارضة املرصية يف‬
‫املهجر‪ ،‬وألّف الكتب‪ ،‬ومن بينها هذا الكتاب (مذكرات حرب أكتوبر) الذي منع‬
‫السادات‪ ،‬وهذي مفارقة أخرى‪ ،‬فقد جرت العادة‬
‫سيايس‪ ،‬بقرا ٍر من ّ‬
‫يف مرص بقرار ّ‬
‫أن مينع حكام الطّغم العسكريّة كتب السياسني واملفكرين والفالسفة واألدباء‪ ،‬فإذا‬
‫اطي مين ُع كتابا ألّفه عسكر ٌّي يف الر ّد عىل‬
‫بالسيايس الذي يزعم أنه حاكم دميقر ّ‬
‫ِ‬
‫الضعيف يف الفكر‬
‫كتابه‪ ،‬مينعه عوض التّعقيب عليه‪ ،‬واملن ُع حج ُّة املغرو ِر وسال ُح‬
‫البت يف أمر هذا الخالف الفكر ّي العسكر ّي‬
‫واملعرفة‪ ،‬ث ّم ُسخّر القضاء العسكر ّي يف ّ‬
‫السيايس بني السادات والشاذيل‪ ،‬ف َح َك َم ْت عليه‪ ،‬غياب ّيا‪ ،‬محكم ٌة عسكريّ ٌة بثالث‬
‫ّ‬
‫سنوات سجنا بتهمة إفشاء أرسار عسكريّة‪ ،‬وقد بينّ ‪ ،‬وهو الخبري مبثل هذه األمور‪،‬‬
‫رس عسكري‪.‬‬
‫رس العسكر ّي متح ّرك وليس جامدا‪ ،‬وأ ّن كتابه قد جاء خل ًوا من أي ّ‬
‫أ ّن ال ّ‬
‫ملْ ِ‬
‫يكتف السادات بذلك‪ ،‬بل تخطّا ُه إىل فع ِل ما قد تأنف من فعله بعض النظم‬
‫القمع ّية‪ ،‬والواضح أ ّن مذكرات الشاذيل قد أوجعته كثريا‪ ،‬فعمل عىل محو ذكره من‬
‫تاريخ الحرب‪ ،‬وكانت بداية العسف قبل صدور الكتاب بكثري‪ ،‬وتحديدا بُع ْيد إقالته‬
‫من منصبه كرئيس لهيأة األركان يف ديسمرب ‪– 1973‬مسفّها قول السادات إن إقالته‬
‫كانت يف أكتوبر من نفس السنة‪ )15(-‬إذ تع ّمد السادات عدم دعوته إىل الحفل‬
‫التكرميي الذي ُو ّسم فيه أبطال الحرب من ض ّب ٍاط وجنو ٍد ومنحوا «نجمة سيناء»‪.‬‬

‫الخميس ‪ 12‬نوفمرب ‪ - 2020‬املوافق لـ ‪ 26‬ربيع األول ‪ 1442‬هـ ‪ -‬العدد ‪89‬‬

‫أ ّما بعد صدور الكتاب فقد وصل به الجنون إىل ح ّد األمر مبسح صورته من الصور‬
‫التذكاريّة التي التقطت لهيأة األركان أثناء الحرب يف مشهد يذكّرنا مبا فعله ستالني‬
‫بصور تروتسيك‪.‬‬
‫يبدو أ ّن جنون السادات مل يكن ليقف عند ح ّد‪ ،‬فاملالحظ مثال أ ّن األعامل الفن ّية‬
‫السبعينات إىل‬
‫املرصيّة العديدة ‪-‬يف السنيام والدراما‪ -‬التي تناولت حرب أكتوبر‪ ،‬من ّ‬
‫اليوم‪ ،‬ال نعرث فيها عىل ذكر للشّ اذيل‪ ،‬لدوا ٍع سياس ّية ال لدوا ٍع فن ّية‪ ،‬فحتّى املشاهد‬
‫التي تص ّور هيأة األركان ال وجود له فيها كام هو الحال يف فيلم «أيام السادات» الذي‬
‫ٍ‬
‫(جسده الفنان الكبري الراحل‬
‫نعرث فيه عىل مشهد قصري‬
‫مضحك يظهر فيه السادات ّ‬
‫أحمد زيك) ببدلته العسكريّة محاطا بضباط هيأة األركان فيسألهم «تفتكرو الثغرة‬
‫دي تقلق؟» فيصيحون مبارشة وبصوت واحد‪« :‬ال يا أفند ْم‪ ..‬ال يا أفند ْم» وينتهي‬
‫قصة سنأيت إىل تفاصيلها يف الجزء الثاين من هذا املقال‪ ،‬ويف‬
‫املشهد‪ ،‬ولتلك الثغرة ّ‬
‫العموم جاءت أحداث هذا الفيلم مطابقة إىل ح ّد بعيد ملا أورده السادات يف كتابه‬
‫«البحث عن الذات»‪.‬‬
‫ورث مبارك عن السادات كلّ يشء‪ ،‬مبا يف ذلك كرهه للشاذيل‪ ،‬ولعلّها رهبة «الضّ ابط‬
‫الط ّيار» من «الضابط املظليّ » فإذا اخرتق خطوطه الخلف ّية د ّمر طائرته قبل أن تقلع‪،‬‬
‫الخاص‪ .‬عاد الشاذيل إىل مرص يف فرتة حكم مبارك‪ ،‬يف مستهل‬
‫وللعسكر منطقهم ّ‬
‫التسعينات‪ ،‬وألقي عليه القبض لحظة وصوله إىل مطار‬
‫القاهرة وأودع السجن مبوجب الحكم القضايئ الذي‬
‫أصدرته املحكمة العسكريّة يف فرتة حكم السادات‪ ،‬ث ّم‬
‫أفرج عنه بعد قضاء نصف امل ّدة‪ ،‬وهذي مفارقة أخرى‪،‬‬
‫مفارقة فريدة‪ :‬عسكر ٌّي يسجن بسبب كتاب ألّفه يف‬
‫سيايس!‬
‫الر ّد عىل ّ‬
‫خاتمة الجزء األول من المقال‪:‬‬
‫يختلف الرجالن اختالفا جذريّا يف نظرتهام لألمور‪،‬‬
‫ففي حني ينتقد السادات السوفييت وميعن يف تبخيس‬
‫دورهم‪ ،‬يوضح الشاذيل باتزان وبكامل الدقّة‪ ،‬باألرقام‬
‫واملعطيات‪ ،‬أنّهم مل يبخلوا عىل املرصيني بيشء‪ ،‬أي‬
‫جاد الفقري مبا عنده‪ ،‬فقط تلك الغلظة يف طباعهم التي‬
‫ال تحتمل أحيانا ولكن لكل شعب ثقافته‪ .‬يختلفان‬
‫يف أبسط األمور‪ ،‬فالشاذيل‪ ،‬وهو يف غمرة انتشائه مبا‬
‫تق ّدمه القوات من تضحيات‪ ،‬ال يرت ّدد يف ذكر بعض‬
‫الشوائب يف الجيش‪ ،‬مبا يف ذلك املحرج منها‪ ،‬مثال‬
‫صف لحظة انطالق الحرب‪ ،‬وهو بحكم درايته بالعلوم‬
‫تح ّدث عن تخاذل ضابط ّ‬
‫العسكريّة يعترب أن هذا األمر ممكن الحدوث وهو عاد ّي جدا طاملا أنه مل يصل إىل‬
‫ح ّد العصيان‪ ،‬وإن كل الجيوش يف العامل‪ ،‬وعىل م ّر التاريخ‪ ،‬عرفت مثل هذه الظواهر‪،‬‬
‫ولكنه بحنكته العسكريّة‪ ،‬وربمّ ا السياس ّية كذلك‪ ،‬أرجأ محاكمته إىل ما بعد الحرب‬
‫فال يستهلّها بإعدام جند ّي فيقول العد ّو إنهم يجربون العساكر عىل القتال‪ ،‬ولك ّن‬
‫السادات ال يجرس عىل اإلشارة إىل مثل هذه الشوائب‪ ،‬وهو بأسلوبه األد ّيب –الجميل‬
‫أحيانا لألمانة‪ -‬يغازل القوات املسلحة بذكر بطوالتها وأمجادها وتضحياتها‪ ،‬كان‬
‫نقي من الشوائب‪ ،‬وهذا ما ال وجود له يف عامل اإلنسان‪،‬‬
‫يتح ّدث عن جيش طاهر ّ‬
‫كأنه يقول إ ّن هذا الجيش –ويا للعجب!‪ -‬صنو املالئكة لو ال وجود الشيطان الوحيد‬
‫فيه‪ :‬سعد الدين الشاذيل‪.‬‬
‫يتبع‪-‬‬‫_____الهوامش______‬
‫‪ 1‬الشاذيل (سعد الدين)‪ ،‬مذكرات حرب أكتوبر‪ ،‬دار بحوث الرشق األوسط‬‫األمريك ّية‪ ،‬ط ‪ ،4‬سان فرانسيسكو‪2003 ،‬‬
‫‪ 2‬السادات (أنور)‪ ،‬البحث عن الذات‪ ،‬املكتب املرصي الحديث‪ ،‬ط ‪ ،3‬القاهرة‪،‬‬‫‪1979‬‬
‫‪ 3‬الفصل التاسع وعنوانه حرب أكتوبر‪ ،‬ص‪245‬‬‫‪ 4‬السادات‪ ،‬مذكور‪ ،‬ص‪273‬‬‫‪ 5‬الشاذيل‪ ،‬مذكور‪ ،‬ص‪276‬‬‫‪ 6‬السابق‪ ،‬ص‪295‬‬‫‪ 7‬السابق‪ ،‬ص‪332‬‬‫‪ 8‬السادات‪ ،‬مذكور‪ ،‬ص‪245‬‬‫‪ 9‬السابق‪ ،‬ص‪256‬‬‫‪ 10‬السابق‪ ،‬ص‪249‬‬‫‪ 11‬السابق‪ ،‬ص‪249‬‬‫‪ 12‬الشاذيل‪ ،‬مذكور‪ ،‬من ص‪ 3‬إىل ص‪17‬‬‫‪ 13‬السادات‪ ،‬مذكور‪ ،‬ص‪246‬‬‫‪ 14‬الشاذيل‪ ،‬مذكور‪ ،‬من ص‪ 378‬إىل ص‪381‬‬‫‪ 15-‬السابق‪ ،‬ص‪316/317‬‬

‫اللقا ُء األخ ْري‬

‫فتحي النرصي*‬
‫إىل كامل الزغباين‬
‫ُص ْدفَ ًة التق ْينا‬
‫وكنت‪ ،‬كدأْيب‪ ،‬عىل ع َج ٍل‬
‫ُ‬
‫فاخت َزلْنا بلَف ٍْظ يس ْري‬
‫تفاصيلنا‪،‬‬
‫وا ّدخ ْرنا إىل موعد ملْ يُ َس َّم‬
‫فُضولَ الكالمِ الكث ْري‪.‬‬
‫كنت أفعلُ‬
‫أتُرى ُ‬
‫كنت أعل ُم‬
‫لو ُ‬
‫ْ‬
‫أ ّن اللقاء الذي مل نُ َهيّئْ ُه‬
‫حي املرو ْج‬
‫يف صيدل ّية ّ‬
‫سيكو ُن األخ ْري؟‬
‫كنت أ ْمسكتُ ُه‬
‫ربمّ ا ُ‬
‫كنت عانقتُ ُه‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ر ْغ َم أنْف ال ُكفي ْد‬
‫وسألت عن القلبِ ما حال ُه‬
‫ُ‬
‫كيف شادي‬
‫َ‬
‫وما شأ ُن شُ ْهدي‬
‫َس ِم ِّي الشهي ْد‬
‫ربمّ ا ر ّد ُم ْبتَسام‬
‫أو ب َدا غري مكرتثٍ‬
‫وانبرَ َى سائالً‪:‬‬
‫كيف حالُ القصيد؟‬
‫ربمّ ا‪...‬‬
‫إنمّ ا كانت االحتامالتُ أخْرى‬
‫بحي املروج‬
‫غدا َة التقيْنا ّ‬
‫وباغتني صوتُ ُه عابثًا‬
‫فأنِ ْس ُت ِببُ ّح ِت ِه‬
‫وابتسام ِت ِهالجانب ّي ِة‬
‫ت ْه َزأُ م ْن َخلَ ٍل يف الوجو ْد‪.‬‬
‫وكنـت عىل ع َج ٍل‬
‫ُ‬
‫أو عىل َو َج ٍل‬
‫فاكتَ َف ْينا ِب َن ْز ِر الكال ْم‬
‫والسالمِ البعي ْد‬
‫وافرتقْنا إىل أ َج ٍل‬
‫غري أ ّن غ ًدا ليس يوما أكي ْد‬
‫فَلْ َي ُك ْن‬
‫ْ‬
‫فالذي مل أقُلْ ُه‬
‫وما ملْ يَقُلْ‬
‫كائ ٌن يف َدواخلنا ال يَبي ْد‬
‫فنح ُن عىل ع ْهدنا‬
‫لَ ْم نَ َزلْ يف انتظار الحياة‬
‫إىل أ ّن يُ ِطلّ الصبا ُح الجدي ْد‬
‫اعتذار متأخر‪ :‬أيام الفجعة أو الصدمة برحيل كامل وصلني هذا النص‬
‫املوصول باملناسبة األليمة‪...‬يف زحمة اإلعداد للعدد الخاص بالفقيد انفرط‬
‫العقد وسقطت احدى حباته بل أكرثها شجنا وصدقا‪...‬ها نحن نلحق‬
‫النص مع االعتذار ألحبتنا للحارض منهم وللغائب‪»...‬منارات»‬

‫‪14‬‬

‫الخميس ‪ 12‬نوفمرب ‪ - 2020‬املوافق لـ ‪ 26‬ربيع األول ‪ 1442‬هـ ‪ -‬العدد ‪89‬‬

‫البشير الجلجلي األستاذ الباحث والناقد‬

‫أسعى أن أثوّر الواقع مع الحفاظ على بعض ّ‬
‫الثوابت‬
‫ ضيفنا هذا العدد من الكتاب الذين متيزوا بالرثاء والتعدد‪ ،‬بني اإلبداع ونقده تراكمت‬‫بحوثه األكادم ّية ودراساته ومتابعاته ‪...‬يضاف إىل ذلك حراكه الثقايف املميز برؤية‬
‫انتقائية تحيل عىل عقل نقدي وموقف وجودي ‪ -...‬منارات‪-‬‬
‫‪1‬البشير الجلجلي األستاذ الباحث والناقد‪ ،‬لست متابعا فحسب‬‫للشأن الثقافي بل أنت من الفاعلين فيه‪ ،‬في جمعية أقالم‬
‫األدبية‪ ،‬ومختبر السّرديات والدراسات البينية بمنوبة ونادي القصة‬
‫وغيرها‪...‬ما لذي تراه مستجدا في المشهد الثقافي العام‬
‫وماهي نواقصه أو معيقاته ؟‬
‫الثقافة ليست كتابة وكتابا أو مرسحا أو سينام أو مهرجانات وغريها من‬
‫القطاعات الثقاف ّية فحسب ‪ ،‬الثقافة هي فعل مييش بني ال ّناس‪...‬فلو مل يؤثر‬
‫املثقف يف البائع و اإلنسان البسيط الذي مل يقرأ يف حياته إال كتب املدرسة‪،‬‬
‫عليه أن يراجع نفسه وثقافته‪ .‬نحن ال نكتب ألنفسنا ‪ ،‬بل نسعى لنك ّون‬
‫صورة واقع ّية يف مجتمعنا‪...‬وهذا ال يت ّم إالّ متى ح ّولنا الثقافة إىل فعل ‪...‬ومتى‬
‫نسجنا منها صناعة ثقيلة يصبح الكاتب مبقتضاها محرتفا كالعب كرة القدم‬
‫الورقي‪ .‬أليست الكتابة‬
‫له مشجعون وعشاق وله من يرفض أسلوبه يف اللعب ّ‬
‫لعب ومراوغات تفوق مراوغات مييس ورونالدو وحتى مارادونا‪ ...‬وآن األوان‬
‫لتأسيس املجلس األعىل للثقافة لبناء االحرتاف الحقيقي‪.‬أ ّما ثقافة االنتظار‬
‫والتسويف وبؤس املثقّف فال تلزمني‪.‬‬
‫ذكرتم محطّات هامة يف مسرييت الثّقافية‪...‬أهمها جمع ّية أقالم األدبية التي‬
‫خلقت مهرجانات ساهمت يف الحراك الثقايف يف تونس والوطن العريب‪ ،‬أهمها‬
‫املهرجان العريب البشري التلمودي الذي ك ّرم يف من كرم يف دوراته املتعددة‬
‫القاص الفلسطيني زياد خداش‬
‫الشاعرة زبيدة بشري و الشاعر سوف عبيد و ّ‬
‫و الكاتب العراقي مازن لطيف و الشاعرة الفلسطينية هند جودت و األديبة‬
‫رشيدة الشارين و األديبة مها عزوز و الروائ ّية فتح ّية الهاشمي والكاتب أحمد‬
‫م ّمو والكاتب النارص التومي والشاعر «أبو أمني البجاوي» والكاتب امللتزم‬
‫مح ّمد الجابيل والفيلسوف سليم دولة والشاعر محمد الصغري أوالد أحمد ‪.‬وهي‬
‫أ ّول جهة ثقافية يف تونس تك ّرمه وغريهم كثري‪ .‬ولقد تخرج منها(الجمع ّية)‬
‫أغلب املبدعينب الش ّبان الذين يتص ّدرون اليوم دور الثقافة كمسؤولني واملشهد‬
‫الثقايف عموما وفاز أغلبهم بجوائز كربى يف تونس وخارجها شعرا وقصة‬
‫وقصة طفل ونقدا‪...‬فقد كانوا يخضعون لورشات وتكوين‬
‫ّ‬
‫السنة مبقتضاه نقيم املهرجان يف شهر ماي من‬
‫مدار‬
‫عىل‬
‫ّ‬
‫كل سنة‪ .‬وتواصلت إداريت للمهرجان حتى غضبت الدولة‬
‫وفضلت رفع يدها عن متويله فتوقف بعد تكريم أوالد‬
‫قصة الطفل والشعر وال ّنقد‪.‬‬
‫أحمد وضاعت املواهب يف ّ‬
‫ثم جاء دور مخترب السرّ ديات والدراسات البين ّية الذي‬
‫انتمينا إليه منذ تأسيسه إىل اليوم وهو للباحثني األكادميني‬
‫الذين يحفرون يف ال ّنظرية الرسديّة ويالحقونها يف مضانها‬
‫حتى تُذلل لهم فيضيفون إليها من رحيق أرواحهم الكثري‪.‬‬
‫فأسست مع الروائية فتح ّية‬
‫ولك ّنني رأيت ذلك غري كاف‬
‫ُ‬
‫الهاشمي و د‪ .‬نور الدين أحمد بنخود رشاكة بني ال ّرابطة‬
‫العرب ّية للفنون واإلبداع وجمع ّية أقالم األدب ّية وبني مخترب‬
‫السرّ ديات «ملتقى الر ّواية التّونسية» بكلية اآلداب والفنون‬
‫واإلنسان ّيات‪ ،‬عليّ أصالح بني األكادميي واإلبداعي‪...‬فكانت‬
‫الدورة األوىل «ال ّرواية التّونسية والفنون» تكرميا لل ّروايئ‬
‫املقيم بفرنسا ( أبو بكر الع ّيادي) يوم ‪ 6‬نوفمرب‪ ، 2019‬طارحني عديد األسئلة‪،‬‬
‫أه ّمها‪ :‬وكيف استحالت العالقة بني الرواية التّونس ّية والفن إىل عالقة عنكبوت ّية‬
‫ولّدت ُساللة رسدية جديدة ساهمت يف تحديثها من ناح ّية ‪ ،‬ويف وصلها بعوامل‬
‫التجريب من ناح ّية أخرى؟‬
‫وتواصل املرشوع يف الدورة الثانية التي اخرتنا لها موضوعا ح ّيا « ال ّرواية‬
‫التّونس ّية زمن األزمات» و ُحدد املوعد بيومي ‪ 16‬و‪ 17‬ديسمرب ‪ 2020‬بالكلية‬
‫نفسها تكرميا لألديبة املقيمة بقرونوبل حياة ال ّرايس‪ .‬طارحني سؤاال مل ّحا‪ :‬ما‬
‫هي وجوه انفتاح ال ّرواية التونسية عىل ما عاشه التونسيون والعرب بشكل عام‪،‬‬
‫أو ما عاشته اإلنسانية من رصاعات وأزمات؟‬
‫القصة‬
‫ثم سألتم عن أعرق ناد يف تونس ‪ ،‬النادي الثقايف أبو القاسم الشابيّ ‪ -‬نادي ّ‬
‫‪ ،‬ومشاركتنا يف الهيئة املديرة له (‪ ، )2020-2023‬علّنا نواصل ما بدأه املؤسسون‬
‫( منذ الشيخ مح ّمد املطوي إىل أحمد م ّمو) ذلك الجيل الذّهبي الذي حمل‬
‫عىل عاتقه أمانة الفعل الثقايف ‪ .‬وآن األوان أن يتح ّمل الشباب مسؤولياته يف‬
‫مواقع القرار بعدما ساهمنا منذ عرشين سنة أو يزيد يف إشعال شمعات نادي‬
‫القصة‪...‬وقد بدا للهيئة املديرة املتك ّونة من أكادميني و أساتذة ومبدعني من‬
‫ّ‬
‫الجيلني ( سمري بن عيل‪ -‬أحمد م ّمو ‪-‬أحمد القاسمي – رضا بن صالح – هيام‬

‫الفرشييش‪ -‬البشري الجلجيل)‪ ...‬رضورة تحيينه بتطوير خطّة العمل يف ال ّنادي و‬
‫أساليبة بتطوير امللتقى واملجلة واللقاءات األسبوعيّة والشهرية‪ .‬ومل ِ‬
‫نأت لنله َو‬
‫أو نعبثَ ‪ .‬فقد سبق وك ّنا فاعلني خارجه ومازلنا سنفعل داخله‪.‬‬
‫‪2‬أنت من الباحثين الجادين‪ ،‬أصحاب رؤية ودراية بفنون السرد‪...‬‬‫اخترت في مصنفك األخير البحث في العجائبي أو التعجيب في‬
‫نصوص ابراهيم الكوني ‪ ...‬وأنت المطلع على الرواية في تونس‬
‫كيف تقيم ما بلغته عموما ‪...‬؟‬
‫الكتاب بعنوان « العجائبي يف أعامل إبراهيم الكوين ال ّروائ ّية( بحث يف رسديّة‬
‫التعجيب) «وهو صادر عن منشورات سوتيميديا سبتمرب‪ . 2020‬العنوان‬
‫إشكالية اهتممنا بها يف سياق التمحيص يف مدى إعالن ال ّرواية العرب ّية ج ّدتها‬
‫العجائبي الذي رأيناه عنرصا بؤرويا تكوينيا أساسيا هيمن عىل مجمل‬
‫من خالل‬
‫ّ‬
‫املدونة‪ .‬وهذا الشاغل العام لهذا الكتاب يتطابق إىل ح ّد كبري مع سياق النظر‬
‫يف تطور الرواية العربيّة الحديثة التي م ّرت بعديد املراحل وجربت إمكانات‬
‫مختلفة لتطوير رسودها متخذة الوجهة التجريبية التي انبنت عليها بعض‬
‫متون األعامل الروائية العربية وقد تحوطّها العجائبي وصوال إىل الرواية الليبية‬
‫ والتي اتخذناها أمنوذجا‪ -‬والتي متيز بها إبراهيم الكوين‪ ،‬املنقّب يف الضّ مري‬‫الجمعي للطّوارق‪.‬‬
‫وكتايب « العجائبي‪ »...‬كذلك اتّخذ يف املدخل مناذج من ال ّرواية التّونسية ذات‬
‫املنزع العجائبي وحللها لنفهم مشاريعها و مكانتها‪ ،‬كـ»ال ّنخاس» لصالح الدين‬
‫بوجاه ‪ ،‬و»التّبيان يف وقائع الغربة واألشجان» لـ»فرج الحوار» و» املعجزة»‬
‫لـ « محمود طرشونة و»متاس» لـ»عروسية النالويت» و»دار الباشا « لـ»حسن‬
‫نرص» وغريها ‪...‬ذلك أن ال ّرواية يف تونس لهثت وراء التجريب فضاعت خيوطها‬
‫يف األشواك وعلقت هناك ‪...‬فالهي تق ّدمت نحو النجاة وال األشواك ح ّرفت‬
‫مسريتها‪ ،‬فبقيت يف منزلة بني املنزلتني عىل رأي املعتزلة‪...‬و الرأي عندي أ ّن‬
‫ال ّرواية التّونسية بقيت حبيسة األشكال والتقليد إىل بداية األلفية الثالثة‬
‫‪...‬فمنذ بدايتها سلك اتجاه مذهب املسعدي يف « ح ّدث أبو هريرة قال‪»...‬‬
‫لغة وأسلوبا استفادة من الترّ اث حتى ح ّولوه إىل ُوراث‪...‬واتجه الثاين إىل‬
‫الواقعية بعد البشري خريف و» الدقلة يف عراجينها»‪...‬فجلسوا فوق الواقع‬
‫حتى كتموا أنفاسه‪. ...‬أمل يحذّر جربان يف «دمعة و‬
‫الرومنطيقي من الواقع وينصحه‬
‫ابتسامة» الكائن‬
‫ّ‬
‫بالحلم بقوله» قلْ ومن ال يرصف األيّام عىل مرسح‬
‫األحالم كان عبد األيام»‪...‬وأمل يحذّر «سيمغموند‬
‫فرويد « كذلك يف كتابه « الحلم وتأويله» من أحالم‬
‫ال ّنوم وانرصاف حلم البرشيّة لتأويلها بقوله « ما‬
‫كان للبرشيّة أن تح ّمل نفسها مشقّة تأويل أحالمها‬
‫يف العرص القابل للوصف بأنّه عرص ما قبل العلم»‬
‫‪...‬ودعا إىل حلم الواقع ال ّنابض من الالّوعي‪ ...‬حلم‬
‫اليقظة‪ ...‬ولكن رواية التّسعينيات وبداية األلفية‬
‫إىل اليوم شهدت قفزة نوعيّة بعدما انفتح كتّابها‬
‫عىل مدارس أخرى غري املدرسة الفرنسية والروسية‪،‬‬
‫السحرية‬
‫فبانت رواية أمريكا الالتينية بواقعيتها ّ‬
‫وعاملها امله ّوش وال ّرواية الرتكية واليابان ّية واآلسياويّة‬
‫عامة وال ّرواية الجديدة والجديدة الجديدة يف‬
‫الغرب يف جديلة جديدة ترسم الواقع بقلم ال ّرصاص ليمحوه الخيال لحظة‬
‫اصتدامهام‪...‬فنالت ال ّرواية التّونسية التقدير العريب والجوائز وتُرجمت إىل‬
‫لغات أجنبية زادت يف بريقها‪...‬ونأمل أن تخط َو ال ّرواية التّونسية خطوات‬
‫الساحة العربيّة ‪...‬وهو طموحنا الذي من أجله أسست‬
‫أخرى مبقتضاها نتص ّدر ّ‬
‫ورشكايئ ملتقى الرواية التونسية وزرعته يف الجامعة التّونسية لنقفز خطوات‬
‫عمالقة إىل األمام ال نكوص بعدها‪.‬‬
‫‪3‬نادي القصة تلك المنارة العريقة أنتم اآلن مع – عدد من‬‫النيرين‪ -‬تشرفون على النادي وتخلقون أفق انتظار كبير لدى‬
‫عموم الكتاب وخاصة أهل القص وأحباء النادي ‪...‬ما لجديد‬
‫المرتقب في خطتكم القادمة‪ ،‬خاصة من جهة تطوير النادي‬
‫والمراكمة على جهود السابقين ؟‬
‫يقول جربان يف عواصفه «ليس من يكتب بالحرب كمن يكتب بدم القلب»‪...‬‬
‫فاإلنسان مجبول عىل الشوق إىل املعارف والعلوم‪....‬قصد االنتهاء إىل غاية‬
‫كامله وهي «سعادته التّامة « عىل قول ابن مسكويه ‪ ،‬فكام يشتاق اإلنسان‬
‫أ ّول ما يشتاق إىل الغذاء يف حليب أ ّمه علّة وجوده ‪ ،‬يشتاق فيام يشتاق إليه‬

‫ذلك إىل املعارف ‪ .‬فيغذّي النفس بالعلوم و اآلداب فينتهي إىل الفضائل يف‬
‫تحصيلها‪...‬وهو ديدين مذ تع ّرفت إىل «عنز قيسون « للعبقري محمد العرويس‬
‫القصة ‪....‬فكانت مغامرة القراءة لعبة اكتشاف وتح ّد مع‬
‫املطوي مؤسس نادي ّ‬
‫أمينة املكتبة وهي تحاول أ ْن تجاريني يف التهام الكتب‪...‬فإذا بسنبلة الكتابة‬
‫تنبش أرض مطالعايت لتنبثق يف كتابايت لألطفال ونرشها و أنا طفل ‪ ...‬فكيف‬
‫يل وأنا كهل أن أعبث مبمتلكات املجموعة الوطنية وارثها‪...‬كام ا ّدعى بعضهم‬
‫القصة الجدد‪...‬مل ننم بعد انتخابنا باإلجامع عىل رأس نادي‬
‫عىل سكّان نادي ّ‬
‫القصة يليق بسكاّنه ويصلُح‬
‫القصة منذ شهرين حتى جيّبنا قميصا جديدا لنادي ّ‬
‫ّ‬
‫السنو ّي يف مستوى الورشات األسبوعية‬
‫الربنامج‬
‫اده‪...‬فضبطنا‬
‫و‬
‫لر‬
‫خياليا‬
‫مقاما‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫واللّقاءات الدورية األسبوعية بإدخال عنرص الشبات ليقرأ إنتاجه ويستفيد‬
‫من خرباتنا‪...‬وضبطنا قامئة ضيوف نادي مطارحات ملوسم كامل‪...‬وتحدثنا يف‬
‫الخطوط العريضة للملتقى السنوي وضيف الشرّ ف املك ّرم وتجادلنا يف قيمة‬
‫القصة‬
‫القصة العريق لننتهي إىل ذاكرة نادي ّ‬
‫الجائزة وشكلها مبا يليق بنادي ّ‬
‫«مجلة القصص» التي مل تبنت لنفسها رغم صدورها منذ الستينيات شكل املجلة‬
‫الذي يُر ّوج يف الداخل والخارج‪...‬وآن األوان أن تتط ّور شكال ومضمونا بجعل‬
‫قسم املحارضات محكّام وقد اخرتنا أكادميني مرموقني لإلرشاف عليه من تونس‬
‫واملغرب واألردن والجزائر‪ ،...‬أما القسم اإلبداعي والرتجمة واملختارات فأوكل‬
‫لهيئة التحرير‪...‬وهي خطوط عريضة ستفصل فيها يف أوىل جلسات نادي‬
‫مطارحات بعد فتح األنشطة بالتخلّص من الس ّيدة»ك» ‪...‬والهيئة منفتحة عىل‬
‫كل املقرتحات وترحب بالهيئة املتخليّة لنساهم معا يف إعادة بناء الرصح الثقايف‬
‫الذي ندين له بالكثري‪.‬‬
‫‪4‬ما دور النّاقد وهو يواجه النصوص واألفكار؟‬‫بصفتي ناقدا أسعى أن أث ّور الواقع مع الحفاظ عىل بعض الثّوابت ـ فالنقد‬
‫باب ال ّنقد ال يُرشع‬
‫ليس مك ّمال لألدب وإال اكتفى مبُ ّ‬
‫حسناته‪ .‬وال ّرأي عندي أ ّن َ‬
‫عىل نافذة األدب ونحن نستنسخ ال ّنظريات الغربيّة دون دراية‪...‬وهذا إقصاء‬
‫للذ ِ‬
‫ص)وحجب ملا يجعلنا نسهم به يف التّاميز الثقايف عىل عبارة الناقد‬
‫ّات(ال ّن‬
‫ٌ‬
‫محمد لطفي اليوسفي يف كتابه «البيانات»‪ .‬فالنقد مل يتخلّص بع ُد من أوهامه‬
‫وتبعيته لآلخر‪...‬لذلك أهدف ناقدا و باحثا إىل استنطاق ال ّنصوص بوسائلها‬
‫ال بعكّاز غريها وهو ما أكّده الناقد اإليطايل «أمربتو إيكو» يف كتابه «حدود‬
‫الخاص ِة»‪.‬‬
‫نص أديب ّ بوصفه مقيساً لتآويل ِه ّ‬
‫التّأويل» بقوله»ال بُ َّد أ ْن ينظر إىل كلّ ّ‬
‫فمهمته ليس رشح النصوص وإال وقع يف «ال ّندم الفكري» عىل عبارة عبد‬
‫الفتاح كليطو يف كتابه األخري‪...‬بل يرنو إىل بناء الفكر‪ .‬فامدة (نقد) يف ( لسان‬
‫العرب)‪»:‬ال ّنق ُد متيي ُز ال ّدراهم ليخرج منها ال ّزيف» وكذا فعل ال ّناقد الذي مييّز‬
‫بني األقنوم من األدب والفكر واملزيّف منهام‪...‬وهي – لعمري – مه ّمة رشيفة‬
‫صعبة ال يقدرها إالّ صاحب علم وخلق‪ .‬وإال انترش الزيف يف األدب كام الزيف‬
‫يف العملة وهو مؤذن بخراب البالد والعباد‪.‬‬
‫‪5‬ما هي مشاريعك المستقبليّة؟‬‫العلمي جعلني أدخل مغامرة تنظيم الدورة الثانية‬
‫هذا السعي النقدي و ّ‬
‫منسقا عاما و‬
‫مبنوبة‪،‬‬
‫اإلنسانيات‬
‫و‬
‫الفنون‬
‫و‬
‫اآلداب‬
‫للرواية التونسية بكلية‬
‫ّ‬
‫مرشفا عىل موادها العلميّة‪.‬لذلك اخرتت لها عنوانا حيّا» ال ّرواية التّونسية زمن‬
‫األزمات» يومي ‪ 16‬و ‪ 17‬ديسمرب‪.2020‬‬
‫ويل كتاب آخر يصدر بداية ديسمرب ‪2020‬تحت عنوان» هكذا تكلمت السيدة‬
‫«ك» لغات العامل ( يوم ّيات الكورونا يف تونس والعامل) «عن دار سوتيميديا‬
‫‪.‬وهو بصدد الترّ جمة إىل األنجليزية من طرف د‪.‬إميان محمود املليتي و إىل‬
‫الفرنسية من قبل الباحثة بكلية منوبة األستاذة وفاء األمني ‪...‬لتتكلم السيدة‬
‫«ك « أهم لغات العامل ‪....‬وقد حفرنا يف االبعاد الفلسفيّة والنفسيّة واالجتامعيّة‬
‫القص ولذعة ال ّنقد‪.‬‬
‫واالقتصاديّة لجائحة الكورونا بأسلوب ساخر يجمع بني لذّة ّ‬
‫ومشاريع أخرى نعلمكم بها يف إبانها ‪...‬دام الخيال واصال بيننا‪...‬وشكرا ملنارات‪...‬‬

‫‪15‬‬

‫الخميس ‪ 12‬نوفمرب ‪ - 2020‬املوافق لـ ‪ 26‬ربيع األول ‪ 1442‬هـ ‪ -‬العدد ‪89‬‬

‫في الزحام الثقافي‬

‫‪ ...‬هل جاءك حديث املث ّقف املوازي؟‬

‫حكمة الصمت‬

‫رياض خليف‬
‫‪1‬‬
‫يقرتب هذا املصطلح من مفهوم مثقف‬
‫السلطة لك ّنه ال يعنيه متاما‪ ...‬فهذا األخري‬
‫رغم احرتازنا عىل مواقفه وسخريتنا منه‬
‫قد يكون له باع ومقدرة وخربة ثقافيّة‬
‫وقد يكتسب تاريخا إبداع ّيا ‪.‬فليس‬
‫كل مثقفي السلطة ممن يكتسبون‬
‫هذه الصفة تلفيقا ووساما جزاء املديح‬
‫‪.‬فمنهم الكثري من املتألّقني م ّمن تركوا بصامت إبداعية وهو ما يجب أن‬
‫نعرتف به ‪ .‬وهذا ما يفتقر إليه هذا املثقف املوازي الذي يظل حضوره‬
‫وإشعاعه رهني تواصل مهام مسؤول سيايس أو ثقايف معينّ ‪.‬مدير دار ثقافة‬
‫أو مندوب أو وزير أو غري ذلك من أصحاب النفوذ‪...‬فهو صنيعة من النوع‬
‫الثالث‪))3eme choix...‬‬
‫فبعد عزل هذا األخري يصبح عادة نكرة‪...‬فهو املثقف املتاع‪»...‬متاع فالن‬
‫« عىل حد قول الجمهور فإذا كان مثقف السلطة مثقف زمن سيايس‬
‫كامل فاملثقف املوازي هو مثقف أجزاء وعنارص من السلطة‪...‬هو مثقف‬
‫موال لهذا أو ذاك‪...‬هو مثقف اصطناعي صنعوه ملحاربة املثقفني الفعليني‬
‫والسيطرة عىل املشهد الثقايف ‪...‬‬
‫‪2‬‬
‫املثقّف املوازي قي األصل ليس صنيعة حكّام ما بعد الثّورة ‪...‬فهم ورثوه‬
‫فقط وصنعوا مثقفيهم املوازين وأقاموهم عىل أنقاض مثقّفي الزمن‬
‫السابق الذي قفز بعضهم إىل الصفوف السلطويّة الجديدة ‪ .‬فمن املهم‬
‫القول أن هذا النموذج ال يقترص فقط عىل السلطة الحالية بل ينبع من‬
‫أعامق القرى واملدن التّونسيّة املختلفة يف الزمن السابق اذ استطاع بعض‬
‫الدهاة من املسريين الثقافيني إغراق الساحة بأصوات وهمية موالية لهم‬
‫تشكل من حولهم جوقة واسعة تستطيع مضاددة املثقفني الحقيقيني‬
‫املختلفني والرافضني الذين ميلكون تصورات مختلفة و تعويض غيابهم‬
‫وتسهيل تغييبهم‪... .‬فهؤالء هم الذين ميلؤون كل التظاهرات ويس ّدون‬
‫الفراغات و يزينون الصفوف األوىل و يد ّوي تصفيقهم وهتافهم يف لحظات‬
‫معلومة و مدروسة‪ .‬و تأـتي تغطياتهم و مقاالتهم مباركة مهلّلة‪...‬‬
‫ليس لدى هؤالء فشل فكل التظاهرات ناجحة وموفقة‪...‬‬
‫وليس هناك بؤس فالحارضون مستبرشون و مبتهجون‪...‬‬
‫وليس هناك رداءة فام قدم هادف و ممتع و رائد‪...‬‬
‫ومن وراء ذلك تلوح صورة املدير أو املندوب أو كلّ من له عالقة بال ّدفع‬
‫واقرار الجزية الثّقاف ّية عىل ح ّد تعبري أحد األصدقاء‪:‬باعث فعل ثقايف‬
‫ومحبوب الجهة‬
‫وصديق املبدعني و مهندس الفعل الثقايف‪...‬‬
‫‪3‬‬
‫صنع بعضهم مثقفني ومبدعني وهميني سدا للفراغ املحيط بهم و لنفور‬
‫املثقفني‬
‫و املبدعني الحقيقيني منهم فجاؤوا بأصحابهم وصاحباتهم و الذين تؤمن‬
‫جوانبهم وتدوم طاعتهم و زرعوهم يف الجسم الثقايف بال مواهب وبال‬
‫قدرات‪...‬‬
‫وهكذا أصبح بعضهم يسد الفراغات و اشت ّد عوده فصار يعبرّ عن صوت‬
‫املثقفني املساند والداعم واملنتيش‪...‬‬
‫حني يحت ّج املبدعون الحقيقيون أو يعربون عن رفضهم أو يقاطعون مهزلة‬
‫ما يتسلل هؤالء و يكذبونهم ويسفهون أفكارهم مبقاالت أو ترصيحات‬
‫أو غري ذلك وكم تعج أركان االنطباعات التي كان يكتبها البعض تقييام‬
‫لتظاهرات ثقافية بهذا‪...‬كانت تلك االنطباعات لجام لكل منتقد وطمسا‬
‫لكل حقيقة ال يريدونها‪... .‬هكذا كانوا أما اآلن فهؤالء املوازين يرسحون‬
‫مع الذباب الفيسبويك صباحا مساء ويصنعون ثقافة الوهم‪ .‬ميدحون‬
‫ويجمجمون ويطلقون التحاليل و التعاليق‪.‬‬
‫‪4‬‬
‫بعد الثورة بزغ نوع آخر من املثقّفني املوازين أش ّد ضبابية و غرابة وأكرث‬

‫وداد لحبيب‬

‫رشاسة‪...‬‬
‫هؤالء اقتحموا الساحة الثقافية بجمعيات تصنف ثقافية وبأنشطة مختلفة‬
‫بعضها تكويني والبعض اآلخر ترفيهي و تناسلت مهرجانات وتظاهرات‬
‫ثقافية شبيهة بتظاهرات قدمية وعتيقة مضايقة لها ورغبة يف إسقاطها‬
‫واالنقضاض عليها و افتكاكها من أصحابها‪.‬‬
‫بزغ نوع آخر من املثقفني واملبدعني ممن ال اعرتاف كبري بإبداعهم وأدبيتهم‬
‫إالّ مجاملة يف الغالب‪...‬أصدروا أعامال كثرية و أقاموا تظاهرات مختلفة‪...‬و‬
‫ت ّم تكريسهم يف املشهد أدباء و محلّلني و مبدعني يف حني أ ّن بعضهم عىل‬
‫نص واحد مكتمل‪.‬‬
‫كرثة جعجعته ال يستطيع كتابة ّ‬
‫إنها صناعة املثقّف املوازي فالسلطة الجديدة تريد أن تصنع مشهدها‬
‫وميأل مثقّفون موالون لها الفضاءات اإلعالم ّية والثّقاف ّية و يجتاحون املنابر‬
‫الفكريّة والسياسيّة‪...‬‬
‫‪5‬‬
‫ليس املثقف املوازي أكرث من زينة للمشهد‪ .‬شبيه بالورد البالستييك‪.‬يحذق‬
‫التصفيق العميق والتعبري عن الشكر واالمتنان ملنظم التظاهرة و لراعيها‬
‫وملن وضعها تحت سامي إرشافه‪.‬‬
‫فهو مساند للثقافة السائدة ومدافعا عنها يضعونه سدا منيعا أمام األصوات‬
‫الثقافية الرافضة للمامرسات‬
‫و املحتجة عىل الرداءة والحاملة بغد أجمل‪.‬‬
‫وكم عاىن املثقفون من هؤالء املثقفني الذين صنعهم البعض لرضب البعض‬
‫اآلخر ولرتجيح الكفّة‪...‬‬
‫ومازال حكّام اليوم الغاضبني من املثقّفني السابقني لحكمهم ويتعاملون‬
‫معهم غىل سبيل قضاء الحاجة يأملون أن ير ّجح هؤالء املوازين كفّتها يف‬
‫عامل الفكر واإلبداع‪...‬‬
‫‪6‬‬
‫بعد هذه األزمنة من الفعل املوازي الذي انخرط فيه كثريون ممن ارتدوا‬
‫قناع الثقافة واإلبداع لقمع املثقفني وتكميم األفواه وسد الفراغات‬
‫يصبح بعضهم مصلحا ثقافيا ومتبنيا لخطاب ثقايف إصالحي وزاعام البحث‬
‫عن البديل ‪...‬‬
‫هكذا بال خجل يتق ّدم أصحاب املشاريع الثقافية املوازية املشهد‪ ...‬يرفعون‬
‫رايات تطوير الفعل الثّقايف وال ّدفاع عن املثقّفني‪...‬‬
‫ما أتعس أن نقرأ لهؤالء وهم يفضفضون دفاعا عن الحرية والثورة وغن‬
‫تونس الجميلة‪...‬‬

‫تتالىش األضداد‬
‫لتتّحد‪...‬‬
‫‪ ...‬ويستحيل الكون أفقا‬
‫خيطا من لهيب املعنى‬
‫من فنتازيا األحالم املتم ّردة‬
‫ال ال ُبعد يستحيل قربا وال الهجر يكتفي‬
‫تستحي املسافات تنزوي يف ُركن من الذاكرة‬
‫الرشوق والغروب لحظة ارتواء تغ ّن ٌج واكتامل وأنا الفراشة‬
‫‪ ...‬أعلّق يف مشنقتي بوح اللّغة للحروب وحكمة الصمت يف تعاريج الكلامت‬
‫أداعب ألسنة الظّالم‪...‬‬
‫منها انبعاث القصيد‬
‫وأميض أنا‪...‬‬
‫جناحي‬
‫أرتّق‬
‫ّ‬
‫أمتسك بالفجر من ثقوب املغيب‬
‫ّ‬
‫الجسد لوحة تتساقط ألوانها‬
‫وحدها الذاكرة تحنو‬
‫الصباح تعيد البدايات‬
‫كقهوة ّ‬
‫الصور توغل يف رشايني األفق‬
‫وحدها ال ّريح تُعربد يف ّ‬
‫الصارخ‬
‫يف صمتنا ّ‬
‫يف بساتيننا املح ّرمة‬
‫جسد العودة ويورق املدى‬
‫لتُ ّ‬
‫كطفل بال هويّة كشمعة تُداري ضياءها تقف يف استحياء عىل ظلّها كُتب ‪:‬‬
‫« نا ٌي وقل ٌم‪...‬ودل ٌو يَ ْرشَ ح بأنني الحكايات»‬

‫غري عاداتنا‬
‫على ِ‬

‫عادل بوعقة‬
‫نحب الحيا َة‬
‫فنحن ُّ‬
‫ونعشق بعض تفاصيلها املهمله‪...‬‬
‫نحب الحيا َة‬
‫ّ‬
‫ولكننا نستع ّد‬
‫ون ْبتاع أكفاننا‬
‫الس ُح ْب‬
‫اض‬
‫ي‬
‫ب‬
‫ُّ‬
‫فنحن ّ‬
‫نحب َ‬
‫و نرسل بعض القصائد لألصدقاء لتحيا‬
‫إذا ما افرتقنا وغاب الجس ْد‪..‬‬
‫نع ّد الوصايا‪...‬‬
‫اللعب‪..‬‬
‫حروف‬
‫لنا‬
‫ز‬
‫غ‬
‫قد‬
‫ألبنائنا‪ ...‬لهم‬
‫ْ‬
‫نحب الحياة لتبقى القصيدة بعد‬
‫ّ‬
‫عب‪...‬‬
‫ت‬
‫ال‬
‫‪ ..‬غيابِ ّ ْ‬

‫‪16‬‬

‫الخميس ‪ 12‬نوفمرب ‪ - 2020‬املوافق لـ ‪ 26‬ربيع األول ‪ 1442‬هـ ‪ -‬العدد ‪89‬‬

‫دارات‬

‫إص‬

‫مكتبة منارات ‪ :‬بقلم سعدية بن سالم‬

‫السياسة‪ ،‬وهو كتاب جامعي‪ ،‬أطّرت كتابته اإلعالميّة والناشطة السياسيّة هيفاء زنكنة وباحت فيه مجموعة من سجينات السياسة يف تونس السبعينات مبا صمنت عنه طويال‪ ،‬ييل ذلك نطّلع معا عىل‬
‫تحتفي املكتبة هذا الشهر بأعامل ثالثة متن ّوعة االختصاص‪ ،‬وهي عىل التوايل‪ :‬بنات ّ‬
‫القاصة «فاطمة عسييل» التي تهب املكتبة الرسديّة مجموعة‬
‫خاص بها‪ ،‬هي ّ‬
‫قاصة تكتب ضمن سجلّ ّ‬
‫خاصا به ويؤ ّمن لنفسه كتابة ال تشبه غريه‪ ،‬وأخريا نقدّم ّنصا بكرا يؤشرّ مليالد ّ‬
‫رواية جمة الدرع‪ ،‬يوميات حلوفة يف قاع البرئ للكاتب والناقد «مح ّمد خريّف» الذي يخ ّط له مسارا ّ‬
‫قصصية بعنوان «صداع»‪ .‬فجولة رائقة بني مختاراتنا لهذا الشّ هر‪.‬‬

‫بنات السياسية‪ :‬كتابة تؤ ّرخ لجيل‬
‫كتاب صدر يف طبعته األوىل‪ ،‬تونس ‪،2020‬‬
‫يؤ ّرخ لفرتة من تاريخ تونس املعارصـ‬
‫يؤ ّرخ لجيل االستقالل الفع ّيل األول‪ ،‬ذلك‬
‫الجيل الذي ولد بداية االستقالل أو قبل‬
‫ذلك بسنوات قليلة ودرس يف مدارس‬
‫االستقالل الوليد‪ ،‬وكان مثرة تلك املدرسة‬
‫املرشوع‪ ،‬جيل من ال ّنساء املتشبّع بالقيم‬
‫يجد نفسه يف مواجهة السلطة مطالبا‬
‫باستكامل رشوط الرتقي‪ ،‬استكامل الحريّة‬
‫فال معنى ملرشوع اإلنسان الجديد دون‬
‫حريّة يف التعبري والتنظّم والفعل‪.‬‬
‫الساسة‬
‫حلم الشباب ذاك‪ ،‬اصطدم بعجز ّ‬
‫يف تلك الفرتة عن قبول ترك املجال للجيل‬
‫النموذجي الذي صنعه وش ّجع فيه ملكة‬
‫الصدام وكانت‬
‫التفكري واالستقالليّة‪ .‬فكان ّ‬
‫السجون تستقبل الشابات مثلام تستقبل‬
‫الشباب‪.‬‬
‫تأريخا لتلك الفرتة تكتب مجموعة‬
‫من الشابات عىل ال ّدوام ذكرياته ّن يف‬
‫فرتة عصيبة ومفصليّة من تاريخ البالد‬
‫الحديث‪ ،‬ويُ ِعدن قراءة املايض ورس ِده‬
‫بعيدا عن انفعال ّية اللّحظة‪ .‬اجتمعت يف‬
‫الكتاب نُخبة من خرية ما أنجبت تونس‪.‬‬

‫وهؤالء الفتيات‪ ،‬عىل الدوام‪ ،‬باعتبار ورود‬
‫أسامئه ّن ه ّن‪ :‬ليىل متيم بلييل‪ ،‬آمال بن‬
‫عبا‪ ،‬دليلة محفوظ الجديدي‪ ،‬زينب بن‬
‫سعيد الشارين‪ ،‬ساسية الروييس بن حسن‬
‫وعايشة قلّوز بن منصور‪ .‬اجتمعن يف‬
‫ورشة للكتابة بإدارة وتأطري الصحاف ّية‬
‫هيفاء زنكنة وإرشاف زينب فرحات التي‬
‫فتحت فضاء «التياترو» لورشة الكتابة‬
‫والحوار ث ّم تولّت نرش الكتاب‪ ،‬رسديّة‬
‫مناضالت برسبكتيف ‪ -‬العامل التونيس‬
‫يف السبعينات عن دار زنوبيا للف ّن‬
‫واإلبداع‪.2020‬‬
‫مقسمة‬
‫يتألّف الكتاب من ‪231‬صفحة ّ‬
‫إىل تجارب سبع لِبنات السياسة هي عىل‬
‫التوايل‪ :‬خلفيّة تاريخيّة لليىل متيم بلييل‬
‫وتجربة حياة آلمال بن عبا ونارودنايا‬
‫لدليلة محفوظ جديدي وألنتيغون أبعاد‬
‫عديدة لزينب بن سعيد الشارين وبحثا‬
‫عن ساسية لساسية الروييس بن حسن‬
‫وسجينة سياسية رقم ‪ 362‬لعائشة قلوز‬
‫بن منصور ث ّم تعود ليىل متيم بلييل من‬
‫جديد لتختم تجربة «البنات» بكوبا لن‬

‫تذهبي إىل كوبا‪.‬‬
‫تض ّمن الكتاب أيضا مقدّمة النارشة «زينب‬
‫فرحات» ومقدّمة للمرشفة عىل العمل‬
‫الناشطة السياسيّة «هيفاء زنكنة»‪« :‬ملاذا‬
‫نكتب اآلن» وهي التي ختمت العمل‬
‫ليخصص‬
‫بـ‪« :‬أيّها القلب ماذا ترى؟» ّ‬
‫جزء أخري من الكتاب للتذكر باملحاكامت‬
‫حق املعتقالت ث ّم‬
‫الصادرة يف ّ‬
‫واألحكام ّ‬
‫ملسة وفاء من بني ما جاء فيها‪« :‬من خالل‬
‫هذا التكريم‪ ،‬نو ّد أن نعرب عن امتناننا‬
‫العميق للجنة الدّفاع املك ّونة من عدد‬
‫كبري من املحامني األحرار الذين ساندوا‬
‫ورافقوا ودعموا رفيقاتنا ورفاقنا اآلخرين‬
‫ونخص‬
‫التعسف ّية‪ّ ...‬‬
‫يف هذه املحاكامت ّ‬
‫بالذّكر األستاذة‪ :‬مح ّمد بال ّنارص‪ ،‬مح ّمد‬
‫الرافعي‪ ،‬منصور الشفّي‪ ،‬مح ّمد شقرون‪،‬‬
‫عماّ ر الجديدي‪ ،‬توفيق بودربالة‪ ،‬حبيب‬
‫العمري‪ ،‬جامل الدين بيدة وسايس بن‬
‫حليمة‪.‬‬
‫بنات السياسة‪ ،‬اسم اختارته املجموعة‬
‫ليكون دليال عىل مرحلة‪ ،‬تبدو‪ ،‬رغم ما‬
‫اعرتاها من أحداث موجعة‪ ،‬ثريّة وحرك ّية‬
‫حيّة تحتاج األجيال الجديدة أن تطّلع‬

‫عليها لتدرك أ ّي طريق م ّهدت لها وأ ّي‬
‫أمثان دفعت يف سبيل أن تنعم بحارضها‪،‬‬
‫وأ ّي أمانة عليها املحافظة عليها‪.‬‬
‫تذكر ال ّنارشة يف آخر تقدميها ما يكشف‬
‫رس العنوان فتقول‪»« :‬بنات السياسة»‬
‫ّ‬
‫هكذا كانت تنادي حارسات سجن ال ّنساء‬

‫لمحمد خر ّيف‪.‬‬
‫جمة الدرع رواية ّ‬
‫ّ‬
‫عنوانها الكامل «ج ّمة الدّرع‪ ،‬من يوميات حلوفة‬
‫يف قاع البرئ»‪ ،‬صادرة ضمن سلسلة آفاق عن دار‬
‫آفاق برسبكتيف للنرش بتونس يف طبعتها األوىل‬
‫‪ ،2019‬وهي تتألّف من‪ 103‬صفحة باعتبار مقدّمة‬
‫الصفحتني‬
‫األستاذ حسن عجمي والتي متت ّد بني ّ‬
‫الخامسة والعارشة‪.‬‬
‫قسم مح ّمد خريّف روايته إىل مجموعة من‬
‫ّ‬
‫األيّام هي يوميات «الحلوفة» أو «برئ الحلوفة»‬
‫واستم ّرت اليوميات يف زمنها العام بني االثنني ‪16‬‬
‫أكتوبر ‪ 2000‬والجمعة ‪ 21‬ديسمرب ‪ ،2001‬وهي‬
‫يف زمنها الخاص املنطوق تسعة أيّام منتقاة من‬
‫امتداد هذا ال ّزمن‪ ،‬تقلّ إذا أخرجنا «حلوفة العيد»‬
‫من الع ّد وهي التي اتخذت لها عنوانا يختلف يف‬
‫منطق منطوقه عن البق ّية وتزيد إذا أضفنا الفصل‬
‫األ ّول املجمل الذي تدثّر بالعنوان الفرعي لينتظم‬
‫تحته‪« :‬من يوميات حلوفة يف قاع البرئ»‪ .‬أ ّما بقيّة‬
‫الفصول فهي عىل التوايل‪ :‬االثنني ‪ 16‬أكتوبر ‪،2000‬‬
‫األربعاء‪ 18‬أكتوبر ‪ ،2000‬األحد بال تأريخ‪ ،‬األحد ال‬
‫السبت‪ ،‬السبت ‪ 14‬أفريل ‪ ،2001‬االثنني ‪ 28‬ماي‬
‫ّ‬
‫‪ 2001‬بني التاسعة والعارشة‪« ،‬حلّوفة العيد»‪،‬‬

‫‪ 11‬سبتمرب ‪ 2001‬ث ّم صباح الجمعة ‪21‬ديسمرب‬
‫‪ .2001‬بني التقييد يف التاريخ والعموم ّية تنساب‬
‫أحداث الرواية وفيّة ألسلوب مح ّمد خريّف الذي‬
‫ال يشبه غريه والذي يضعه األستاذ حسن عجمي‪،‬‬
‫الذي قدّم للرواية‪ ،‬ضمن الكتابة سوبر مستقبل ّية‬
‫فجاء يف تقدميه‪« :‬السوبر مستقبل ّية فلسفة ذات‬
‫النص‬
‫تطبيقات عديدة ومتنوعة منها تطبيقاتها عىل ّ‬
‫األديب‪ ...‬تعترب السوبر مستقبليّة أ ّن املعاين تتشكّل‬
‫يف املستقبل عىل ضوء قراراتنا االجتامع ّية ما يجعل‬
‫املعاين ظواهر مستقبل ّية استمراريّة البحث عن‬
‫تحديدها‪ ...‬عىل ضوء هذه االعتبارات الفلسفيّة من‬
‫املمكن قراءة رواية مح ّمد خريّف «ج ّمة الدّرع»‪.‬‬
‫(صص‪.)5-7‬‬
‫وج ّمة الدّرع لحظة بني يقظة ونوم‪ ،‬تتمطّط لتصبح‬
‫كونا من زمن‪ّ :‬‬
‫عيني ال أكاد أن أفتحهام وأنا‬
‫«أحك ّ‬
‫بني نومني‪ -‬ولست ال ّراوي إالّ من باب التمويه‪-‬‬
‫أسمع امرأة تسأل امرأة أخرى مثلها لك ّنها تبدو من‬
‫أهل الفقه والخربة يف أمور تفسري االحالم‪ ،‬وأظ ّنها‬
‫تخاطبها بواسطة الهاتف الج ّوال من مكان ما عن‬
‫طريق التلفاز وال اعرف اسم القناة الفضائيّة عن‬

‫نفسه الرواية ولكنه يروي ويجلس عىل‬
‫عتبة خياله ليعود كلّ ليلة إىل مراتع الصبا‬
‫الهيا‪« :‬أراود حلمك‪ ،‬ترافقينني كلّ ليلة‬
‫إىل مرتعنا لنلهو عىل حصري الشمس بأزرق‬
‫النوافذ‪ ،‬وأجلس عىل عتبة خيايل ال أقتفي‬
‫أثرك‪ .‬أقفز معك عىل الركام ألطلّ عىل ما‬
‫يبقى من غنج الطّفولة وأرسار الهندسة‪.‬‬
‫أسأل نفيس أثناء الحلم عن أسباب العودة‬
‫إىل مشاهد من خراب ودمار وال أنتيش‬
‫بالبكاء عىل األطالل‪(».‬ص‪.)13‬‬

‫داللة الحلوفة يف حلم اليقظة» (ص‪ .)103‬هي كون‬
‫الخاصة وينتقي‬
‫من فعل روا ّيئ ينتقي أمكنته وأزمنته ّ‬
‫راويه مثلام ينتقي شخص ّياته‪ .‬راويه الذي ينفي عن‬

‫إذن‪ ،‬هي قبل أن تكون رحلة يف املستقبل‪،‬‬
‫خاصة‪ ،‬هي رحلة يف املايض‪ ،‬عودة‬
‫بتقنياتها ّ‬
‫إىل لحظات متباعدة من زمن الخلق إىل‬
‫ما تاله أو سبقه ربمّ ا‪ .‬هي رحلة يف تخبّط‬
‫الذات بني صدقها ونفاقها‪ ،‬بني طهارتها‬
‫ونجاستها‪ ،‬هي بوح تعجز اليقظة أن تقوله‬
‫فيأيت بينها والحلم يف ما يشبه الهلوسات‬
‫ولكنها هلوسات عىل درجة من الوعي وال ّرغبة يف‬
‫املخاتلة‪ ،‬نظام ومعنى وبوحا‪« :‬أنافق وال أكتب اآلن‬

‫صداع لفاطمة عسيلي مجموعة قصص ّية‬
‫ّ‬
‫هي مجموعة قصصيّة صغرية‪،‬‬
‫تتك ّون من عرش قصص‪ ،‬وهي‬
‫للقاصة‬
‫التّجربة األوىل يف ال ّنرش ّ‬
‫فاطمة عسييل‪ .‬صدرت املجموعة‬
‫يف طبعتها األوىل عن دار ديار‬
‫للنرش والتوزيع‪ ،‬تونس ‪.2020‬‬
‫وتوزّعت عىل ‪ 62‬صفحة‪ .‬أخذت‬
‫قصة‬
‫املجموعة عنوانها جزئيا من ّ‬
‫قصة تحيل‬
‫«حبّة صداع»‪ ،‬وهي ّ‬

‫بطريقة ما عىل املؤلّفة نفسها‬
‫الصيدلة‬
‫التي تأيت الكتابة من ّ‬
‫لتحمل معها عوامل أخرى ترثي‬
‫بها عامل الكتابة الواسع وتكتب‬
‫خاصة بها‪.‬‬
‫لنفسها بَصمة ّ‬
‫تستجيب نصوص فاطمة عسييل‬
‫القصة القصرية‬
‫إىل مقتضيات ّ‬
‫بنيويّا‪ ،‬وال تغرب يف لغتها وال‬
‫تتعسف بل هي تنتقي من‬
‫ّ‬

‫اللّفظ ما يسهل فهمه ومن‬
‫املعجم ما يتناسب مع املواضيع‬
‫التي تطرحها‪.‬‬
‫الساردة أن تستهلّ‬
‫حرصت ّ‬
‫أغلب ِق ِ‬
‫صصها بجمل اسم ّية‬
‫تصف وتؤطّر وتحقّق املشهدية‬
‫فافتتحت بقايا طفولة بـ»فراغ بني‬
‫أضلعه‪ ،‬بني خاليا جسمه ال ّنحيل‪،‬‬

‫مبنوبة‪ ،‬املناضالت السجينات‪ ،‬احرتاما له ّن‪،‬‬
‫وحرصا عىل التفريق بينهن وسجينات‬
‫الحق العام» (ص‪.)10‬‬
‫ّ‬
‫توثّق «هيفاء زنكنة» أجواء ورشة الكتابة‬
‫واألسئلة التي طرحت قبل الفعل وأثناءه‪،‬‬
‫الصمت‬
‫ملاذا يكتنب؟ ملاذا اآلن؟ ملاذا هذا ّ‬

‫تحت أظافره» (ص‪ .)9‬وافتتحت‬
‫«القيامة» بقولها‪« :‬ثالثة أيّام‬
‫هي املسافة التي تفصلها عنه‪.‬‬
‫كان مييش وسط ثالمثائة شخص‬
‫منذ أربعة آالف سنة حامال بيده‬
‫بندق ّية‪( »...‬ص‪ )21‬وتستهلّ‬
‫قصة فسيفساء بـ»الفراغات بني‬
‫ّ‬
‫األصابع ليست موجودة حتى‬
‫متألها يد أخرى‪ ،‬هي موجودة‬

‫حتّى نح ّرك أصابعنا‪ ،‬يك نكتب‬
‫ونرسم ونعزف ألحانا ونصنع من‬
‫الطني حياة‪( ».‬ص‪.)59‬‬
‫فاطمة عسييل‪ ،‬صوت آخر يف‬
‫القصة يأيت عىل مهل يحمل‬
‫ّ‬
‫الخاص وس ّجله‬
‫مرشوعه‬
‫ّ‬
‫املعجمي واملرجعي ليرثي املشهد‬
‫السرّ دي‪.‬‬

‫الطويل منذ السبعينات إىل اآلن؟ ث ّم‬
‫ملن يكتنب وقد تغيرّ الزمن؟ ث ّم تجيب‬
‫بالقول‪« :‬ما أو ّد التأكيد عليه هو أ ّن حثّ‬
‫وتشجيع املناضلة السياسيّة املح ّررة من‬
‫سجون األنظمة العرب ّية االستبداديّة كام‬
‫املرأة الفلسطينية املح ّررة من سجون‬
‫الصهيوين عىل كتابة تجربتها‬
‫االعتقال ّ‬
‫بنفسها مبفرداتها ورؤيتها وأحاسيسها‪...‬‬
‫إنّها تعويذة للشفاء من املايض وللتّح ّرر‬
‫من الكوابيس‪ ،‬إنّها تعويذتها أيضا‪ ،‬ض ّد‬
‫النسيان»‬
‫السياسة»‪ ،‬استعادة ملغامرة‬
‫رسد «بنات ّ‬
‫اختياريّة من نخبة جامع ّية وجدت نفسها‬
‫رص عىل‬
‫يف مواجهة مبارشة مع سلطة ت ّ‬
‫الحكم الواحد وترفض أ ّي مظهر من‬
‫رصت‬
‫مظاهر التح ّرر والحريّة‪ ،‬نخبة أ ّ‬
‫أن تسمع صوتها فكان مصريها املالحقة‬
‫واالعتقال والتعذيب‪ .‬استعادات رسدية‬
‫ألحداث رسخت يف الذاكرة ونجحت‬
‫املؤطّرة يف تحويلها إىل حكايات ممتعة‬
‫لقارئها وربمّ ا أيضا لساردها‪ ،‬حكايات ال‬
‫ميكن تفضيل إحداها عىل األخرى وال منلك‬
‫إالّ أن نحثّ عىل االطالع عليها‪.‬‬

‫كالما مفيدا‪ ،‬أتق ّيد بجلبة ق ّراء األلف ّية‪ ،‬ترتاح ليسعد‬
‫قاتلك يا أيب وهو بريء من تهمتي‪ .‬وهل أع ّزي‬
‫نفيس بلحدك فأنبت عشبا من دود وتراب‪ ،‬وهل‬
‫أركع للدّود فكيف أجاهر بشذوذي؟ (‪.)18‬‬
‫يخاتل ال ّراوي‪ ،‬يجمع أكرث من سجلّ يف ذات‬
‫املوضع‪ ،‬يشتّت املعنى عن قصد وكأنّه يدعو املتلقّي‬
‫إىل الحفر عىل املعنى وعدم االكتفاء مبا ظهر عىل‬
‫السطح منه‪ ،‬دالالت تتكاثف وتسري يف مسارات‬
‫ّ‬
‫شتّى منذ العنوان‪ ،‬ج ّمة الدّرع‪ ،‬التي تحيل عىل‬
‫نبات الدّرع يف ملتئم سنابله يف مكان ما‪ ،‬وقد تحيل‬
‫عىل مكان يحمل االسم يف املطلق‪ ،‬غري أ ّن ذكر البرئ‬
‫منذ العنوان يومئ إىل ج ّمة أخرى‪ ،‬ج ّمة ماء البرئ‬
‫وقد تراجع ك ّمه‪ ،‬ومل يبق يف قعره غري ال ّنزر القليل‪.‬‬
‫بني هذا وذاك‪ ،‬وخيال بني نوم ويقظة ميوقع «مح ّمد‬
‫خريّف» ّنصه ويدعو قارئه إليه‪ ،‬دون أن ينبّهه أن‬
‫السقوط يف رشك ال ّراوي وغواية عامله‬
‫يتز ّود مبا يقيه ّ‬
‫وعامل «حلوفة جدّه املحمحمة» ويفرض عىل متلقّيه‬
‫دهشة ال تنقطع من أ ّول السرّ د إىل آخره‪.‬‬


Aperçu du document manarat-novembre-2020.pdf - page 1/16
 
manarat-novembre-2020.pdf - page 3/16
manarat-novembre-2020.pdf - page 4/16
manarat-novembre-2020.pdf - page 5/16
manarat-novembre-2020.pdf - page 6/16
 




Télécharger le fichier (PDF)


manarat-novembre-2020.pdf (PDF, 11.5 Mo)

Télécharger
Formats alternatifs: ZIP



Documents similaires


l imagination creatrice
castoriadis politique et philosophie discussion iii
agence vu visa pour l image 2014
maher attar cv 2018 web
laurine vaudet cv
cp k cook agence vu fevrier 2014

Sur le même sujet..