أوهام الخليفةج02سبتمبر 2016 .pdf



Nom original: أوهام الخليفةج02سبتمبر 2016.pdfAuteur: client

Ce document au format PDF 1.5 a été généré par Microsoft® Office Word 2007, et a été envoyé sur fichier-pdf.fr le 26/01/2019 à 20:00, depuis l'adresse IP 154.121.x.x. La présente page de téléchargement du fichier a été vue 572 fois.
Taille du document: 1.1 Mo (172 pages).
Confidentialité: fichier public


Aperçu du document


‫مصطفى حركات‬

‫أوهام اخلليفة‬
‫رواية‬

‫‪ 6‬سبتمرب ‪6102‬‬

‫دار اآلفاق‬
‫‪1‬‬

‫مجيع احلقوق حمفوظة للمؤلف‬
‫ردمك‬
‫اإليداع القانوي‬

‫‪2‬‬

‫مقدمة‬
‫األعمال األدبية ال حتتاج غالبا إىل مقدمة‪ .‬فهي تشرح نفسها‬
‫بنفسها‪ .‬إال أن التمهيد‪ ،‬وأحياان التنظري‪ ،‬قد يكون يف بعض احلاالت‬
‫الزما‪ .‬فنحن اليوم ال نتخيل سرايلية دون البيان الذي كتبه أندري‬
‫بروتون‪ ،‬وال نتخيل الرواية الفرنسية اجلديدة دون الدراسات النظرية‬
‫لنااتيل ساروت وروب غرييي‪ .‬واإلميان بلزوم الفهم والوضوح‪ ،‬يرينا أن‬
‫التنوير الذي يربز نوااي الكاتب ليس بضائر‪ .‬خصوصا يف زمان‬
‫الغموض وقلة التواصل بني املؤلف والقارئ‪.‬‬
‫كنت يف صغري أعشق القصة والرواية‪ ،‬وكان حلمي أن أصبح‬
‫روائيا‪ .‬ويشهد لذلك احلب ثالثة كتب اقتنيتها وأان تلميذ يف املرحلة‬
‫املتوسطة‪ .‬هذه الكتب اليت ما زالت يف حوزيت هي‪ :‬منجد الطالب‪،‬‬
‫ومعجم املرتادفات واملتجانسات‪ ،‬وفن القصة‪.‬‬
‫إال أن الصدف شاءت أن ألتقي ابمليدان العلمي‪ ،‬ولكن ميويل‬
‫األدبية مل هتزم‪ .‬قصيت مع البحث واإلبداع سأرويها ذات يوم‪ ،‬إن شاء‬
‫هللا‪ ،‬وذلك يف فضاء يتسع هلا‪.‬‬
‫‪3‬‬

‫نشاطي الفكري حاليا موزع بني العمل األديب والبحث العلمي‪.‬‬
‫وذلك بصفة منظمة تراعي الزمن‪ ،‬واألحداث‪ ،‬واحلاجيات الشخصية‬
‫واجلماعية‪.‬‬
‫أتليف كتاب علمي يتطلب مين‪ ،‬بعد نضج لألفكار قد يدوم‬
‫بضع سنوات‪ ،‬فرتة طويلة للتحرير‪ ،‬فرتة من اجلد والتعب أخرج منها‬
‫مرهقا‪ .‬فأشعر إذ ذاك ابحلاجة إىل الراحة‪ .‬والراحة متثلها عندي‬
‫الكتابة األدبية اليت أفرغ فيها شحنة من العواطف واألحاسيس كبتت‬
‫طوال مدة البحث‪ .‬ولكن هذه الراحة نسبية فقط‪ .‬فالتأليف األديب‬
‫إن كانت فيه متعة ال يستهان هبا‪ ،‬فهو أيضا مصحوب مبشقة يعرفها‬
‫جيدا كل من مارس الكتابة بصفة جدية‪.‬‬
‫وهكذا‪ ،‬فإن البنية الزمنية لنشاطي الثقايف‪ ،‬بنية تناوبية ‪ :‬جماالن‬
‫متعاقبان‪ ،‬يف أحدمها حظ للفكر وحده‪ ،‬ويف اآلخر حظ للخيال‬
‫واألحاسيس‪.‬‬
‫بعض الفاعلني يف امليدان الثقايف يتطفلون على ميادين خارج‬
‫ختصصهم‪ .‬جيري هذا عندان بكثرة‪ .‬وقد جيري أيضا يف الغرب‪.‬‬
‫فاللسانيون مثال قد اشتكوا من بعض املفكرين الذين خاضوا ميادين‬
‫اللغة دون السالح املعريف‪ ،‬مغطني هذا النقص ابلتنميق اللفظي‬
‫والتالعب ابلكلمات‪ .‬وما جرى ابلنسبة لعلوم اللسان جرى ابلنسبة‬
‫لالقتصاد والتاريخ وعلم االجتماع‪ .‬والتلفاز يرينا يوميا هذه النقاشات‬
‫‪4‬‬

‫العقيمة اليت يعرض فيها املتدخلون أفكارا مرجتلة ال ختلو من اخلطإ‬
‫والغموض‪.‬‬
‫والعمل اإلبداعي يقتضي أيضا نوعا من املعرفة‪ .‬معرفة ال أتيت‬
‫حتما من النشاط الذهين والعلمي‪ ،‬وإمنا من املوهبة واملمارسة‬
‫واالطالع على إجنازات الغري‪.‬‬
‫ولوجي يف عامل القصة ليس وليد اليوم‪ .‬فقد كتبت ونشرت‬
‫ابللغتني القصة والرواية‪ ،‬واطلعت على أعمال الروائيني على اختالف‬
‫أجناسهم‪.‬‬
‫وعن اللغة اليت يستعملها األديب فقد ال تكون ذات أمهية كما‬
‫يعتقد الكثريون‪ ،‬إال أين أرى من خالل جتربيت‪ ،‬أن من يستعمل لغة‬
‫أجنبية هو كالضيف الذي يبقى خجوال‪ ،‬متأداب‪ ،‬ال يريد إزعاج‬
‫مضيفه‪.‬‬
‫اللغة مجاعية‪ ،‬والشعور ابمللكية غريزي عند كل الناطقني هبا‪ .‬فهي‬
‫شبيهة ابملنزل الذي يستطيع مالكه أن يتصرف فيه‪ .‬والكتاب هم‬
‫كاملهندسني ‪ :‬يصممون املباين‪ ،‬ويركبون أجزاءها‪ ،‬وحيولون فيها ما‬
‫يستدعي التحويل‪ ،‬ويزينون داخلها وخارجها عند احلاجة‪ .‬ذلك يعين‬
‫أهنم‪ ،‬بنشاطهم الكالمي أي مبمارساهتم‪ ،‬بعض صناع اللغة‪ .‬ورمبا أهم‬
‫صناعها‪.‬‬

‫‪5‬‬

‫موضوع هذه الرواية كان يف خلدي منذ سنوات‪ .‬منذ النكسة‬
‫اليت هزت العامل العريب‪ .‬وها هي األفكار والصور أتخذ اليوم طريقها‬
‫إىل اإلجناز حتت أتثري ما جيري من أحداث‪.‬‬
‫يل اعتقاد انبع من الالمعقول وليس من املنطق‪ ،‬وهو أن الكتابة‬
‫هلا أثر يف اآليت‪ .‬ولذا‪ ،‬فإين دوما‪ ،‬ورغم الصعوابت‪ ،‬أخ للتفاؤل‪.‬‬
‫عسى أن يكون اعتقادي غري خاطئ‪.‬‬
‫مصطفى حركات‬

‫‪6‬‬

‫اجلزء األول‬

‫‪7‬‬

‫بيضاء‬

‫‪8‬‬

‫‪1‬‬
‫الوهم واحلقيقة‬
‫كااان خ اامس مخاايس ماان ذي احلجااة ماان تلااك الساانة آخاار أايم‬
‫الق اارن‪ .‬وعن اادما يوش ااك الق اارن أن ينته ااي وريت ق اارن جدي ااد‪ ،‬تنق اابض‬
‫النفوس وتزور املخيالت صاور مرعباة جتساد املخااوف والشاكوك‪ .‬ومان‬
‫غريااب الصاادف أن ذلااك اليااوم كااان أيضااا بدايااة الربيااع‪ ،‬ربيااع عبااوس‬
‫ينذر ابلعنف واحملن‪.‬‬
‫واخلليفااة الااذي كاناات تتجااه ااوه األنظااار‪ ،‬منتظاارة منااه إصااالح‬
‫الفساد‪ ،‬ولام الشمل‪ ،‬وإزالة البؤس والطغيان‪ ،‬كان واقفا يف ذلك الياوم‬
‫علااى مشااارف القصاار الااذي يعلااو املدينااة‪ ،‬وهااو ينظاار إىل األفااق البعيااد‬
‫ح ااائرا‪ ،‬مض ااطراب‪ .‬وك ااان جنب ااه ع ااامل الفل ااك اب اان املنظ ااار يراق ااب حرك ااة‬
‫الشاامس وهااي تقاارتب ماان البحاار الااذي تلااثم زرقت اه الداكنااة زرقااة املاااء‬
‫الشافافة‪ .‬وعنادما التقاى قار الشامس باط األفاق املساتقيم‪ ،‬قاال ابان‬
‫املنظار ‪:‬‬
‫─ إهنا غابت‪.‬‬
‫فاستغرب اخلليفة كالمه وسأل ‪:‬‬
‫─ كيف ذلك وهي ما زالت أمامنا ساطعة ؟‬
‫‪9‬‬

‫فشرح العامل فكرته ‪:‬‬
‫─ اي أمااري املااؤمنني‪ ،‬عناادما نضااع عااودا ماان احلطااب يف املاااء فإننااا‬
‫نراه وكأنه ينكسر‪.‬‬
‫قال اخلليفة ‪:‬‬
‫─ نعم‪.‬‬
‫─ ولكنه مل ينكسر‪.‬‬
‫─ هذا صحيح‪.‬‬
‫─ يف احلقيقاة إن الضاوء هاو الااذي انكسار عناد انسايابه يف املاااء‪.‬‬
‫كااذلك الشااأن ابلنساابة للنجااوم ‪ ،‬فضااوءها عنااد التقائااه ابهل اواء ينكساار‬
‫ويظهرها لنا يف مكان غري مكاهنا الفعلاي‪ .‬إن لألجساام الفلكياة مواقاع‬
‫حقيقية ومواقع كاذبة‪.‬‬
‫─ هذا القر الذي أراه أمامي هو إذن وهم‪.‬‬
‫─ نعم اي موالي‪ .‬الشمس احلقيقية هي اآلن وراء األفق‪.‬‬
‫يق ااال إن ك ااالم اب اان املنظ ااار أث اار كث ا اريا يف اخلليف ااة ال ااذي أص اابح‬
‫يتساءل عن حقيقة البشر‪ .‬فأقواهلم وتصرفاهتم وحياهتم هلا مظهار ومهاي‬
‫وآخر حقيقي‪ .‬وال نعرف من هذا املظهر إال ما ابن‪.‬‬
‫وقادته أفكاره إىل التساؤل عن معىن احلياة نفسها ‪ ،‬وعن ماضايه‬
‫الذي غاب مثل الشمس املرتبعة على خط األفق‪ .‬مل تبق منه إال صاور‬
‫ومهيااة سايدوهنا املؤرخااون ‪ ،‬ويتناوهلااا هااو ابحلنااني متمنيااا أن يكااون زمااان‬
‫أحداث احلياة دوراي مثل حركة األفالك ‪ ،‬فرتجع أايم الشاباب بوهجهاا‬
‫وابتساااماهتا وتاازول احملاان واهلمااوم‪ .‬ولك ان هيهااات أن يكااون هلااذا الاازمن‬
‫‪10‬‬

‫رجوع ! فهو يسري على خط واحد مأساوي‪ .‬يقهران‪ .‬حيطمنا‪ .‬رويدا ‪،‬‬
‫رويدا‪ .‬كالريح الدؤوبة اليت تفين كل ما شيد اإلنسان‪.‬‬
‫وتتوق ااف القص ااة هن ااا قل اايال ‪ :‬ض ااباب م اان الش ااك أح اااط هب ااا !‬
‫والااوهم امتاازج فيهااا ابحلقيقااة‪ .‬القااارئ احل اذ يتس ااءل عاان هااذا اخلليفااة‬
‫الغريب‪ .‬هل هو الذي جياري امساه علاى األلسان كلماا تاذكران جماد هاذه‬
‫األمة؟ أم أنه خليفة ومهي مل يعرفه التاريخ؟‬
‫الراوي بدون شك ال يفهم شيئا يف التااريخ وهاو ياؤول األحاداث‬
‫كم ااا يش اااء‪ ،‬وي ااذكر شخص اايات ال وج ااود هل ااا إال يف يلت ااه‪ ،‬ويص ااف‬
‫مدان ال يعرف شيئا عن شعاهبا‪.‬‬
‫إال أن الراوي يظهر للسامع أنه ليس من اجلهل أبمور التاريخ‬
‫كما يظنه‪ .‬فيشري إىل بعض اخللفاء الذين أشرقت يف زماهنم حضارة‬
‫األمة ويقول أبنه يقصد خليفة ال يريد ذكر امسه‪ .‬وعلى السامع أن‬
‫يتخيل من يشاء‪ .‬أما هو‪ ،‬فإنه عرفه معرفة الصديق لصديقه‪.‬‬
‫وكيف عرفه ؟‬
‫إنه يزوره يف املنام ويف أحالم اليقظة‪ .‬كما يزور العديد من الاذين‬
‫م ا ااا زال يع ا ااي ج ا اازء م ا اان كي ا اااهنم ب ا ااني أحض ا ااان م ا اااض جمي ا ااد‪ .‬فه ا اام‬
‫يستحض اارون اخلليف ااة ويس ااألونه ع اان إجن ااازات األما ااة ‪ ،‬ع اان حض ااارهتا‬
‫الب ا اااهرة ‪ ،‬ع ا اان منزل ا ااة العلم ا اااء واألدابء يف ا تم ا ااع‪ .‬واخلليف ا ااة جيي ا ااب‪،‬‬
‫ويصااف‪ ،‬ويساالي‪ .‬مث بع اد هااذا كلااه يسااأل باادوره عاان أح اوال األمااة يف‬
‫هااذا الزمااان‪ .‬فيتهاارب احلااامل ماان اإلجابااة خجااال وال يتجارأ علااى كشااف‬
‫القناع عن حقائق هذا القرن املرير‪.‬‬
‫‪11‬‬

‫‪2‬‬
‫اخلليفة واليمامة‬
‫نزل اخلليفة إيل البستان وثقل الادنيا قاد سالط علاى كاهلاه‪ .‬كاان‬
‫يف ش ا اابابه يتحم ا اال الص ا ااعاب بعزمي ا ااة فوالذي ا ااة ‪ ،‬ولكن ا ااه أص ا اابح الي ا ااوم‬
‫كالسيف املثلول‪ ،‬ال خييف أحدا‪ ،‬وال يبعد أي مكاروه عان القرياب أو‬
‫البعيد‪ .‬أايم الغفلة أحبطت مهته وجعلته واهنا‪ ،‬ضعيفا‪.‬‬
‫خادمه اخلا واقف ينتظر أوامره‪.‬‬
‫─ هل أضيء البستان اي موالي ؟‬
‫─ ال أريد نورا اي سامل‪ .‬تستطيع االنصراف ‪.‬‬
‫ويذهب اخلادم كما جاء شبيها ابلظل الذي يتالشى يف الظالم‪.‬‬
‫اخلليفة ال يريد ضوءا‪ .‬ملعان النجوم اليت بدأت ختارت صافحة الساماء‪،‬‬
‫الواحدة تلو األخرى‪ ،‬تكفي إلشعاره أبنه ما زال حيا‪ .‬أما الطياور الايت‬
‫كانت ترافق جلوسه بتغريدها ورقصاهتا من غصن إىل آخر فإهنا كفت‬
‫عن الغناء واحلركة‪ ،‬وخلدت إىل أعشاشها‪.‬‬
‫وبينم ا ااا ه ا ااو ج ا ااالس عل ا ااى أريكت ا ااه املفض ا االة‪ ،‬غارق ا ااا يف أفك ا اااره‬
‫السااوداء‪ ،‬وإذا بااثالث نغمااات قصاارية تنطلااق ماان علااو شااجرة شااا ة ‪:‬‬
‫محامة تغرد وكأهنا تريد التنبيه إىل وجودها‪.‬‬
‫‪12‬‬

‫رف ااع اخلليف ااة بص ااره يف اجتاهه ااا وق ااال‪ :‬أن اات رار ااة رفيق ااة اهلم ااوم‪،‬‬
‫تشعرين مبا يدور يف خلدي‪ ،‬انزيل‪.‬‬
‫بسا ااطت احلماما ااة جناحيها ااا ونزلا اات‪ .‬فوقعا اات علا ااى مقربا ااة من ا اه‬
‫وظلت تنظر إليه بعينيها الصغريتني‪ .‬فقال هلاا‪ :‬اقارتيب‪ .‬وأخاذ مان جيباه‬
‫حفنة من القمح رماها علي األرض مث أضاف ‪ :‬إنه قمح جاء من بلد‬
‫بعيد‪ ،‬أمتىن أن يروقك طعمه‪.‬‬
‫التقطا ات احلمام ااة احل ااب ذاهب ااة‪ ،‬راجع ااة‪ .‬مث قال اات ‪ :‬إن األم ااور‬
‫ليست على ما يرام حسبما أرى‪.‬‬
‫فأجاهبااا اخلليفااة ‪ :‬وكيااف تكااون عل اى مااا ي ارام اي رارااة‪ .‬وكاال مااا‬
‫بنيت حتطم سدى ‪ ،‬وقوى الشباب اهنارت؟‬
‫مل تكف احلمامة عن التقااط حاب القماح ‪ :‬ساد اجلاوع هاو مههاا‬
‫الرئيسي اآلن‪.‬‬
‫وملااا نفاد القمااح التفتاات ااو اخلليفااة ونظاارت إليااه مليااا قائلااة ‪ :‬ال‬
‫أريد أن أتدخل يف شؤون موالي ولكن كم عمره؟‬
‫قال ‪ :‬تعديت األربعني‪.‬‬
‫فتعجبت وقالت ‪ :‬إنه اخللود‪.‬‬
‫قال ‪ :‬إن سائر البشر يتمنون الوصول إيل املائة‪.‬‬
‫فكررت احلمامة قوهلا ‪ :‬إنه اخللود‪.‬‬
‫قال ‪ :‬وأنت كم عمرك ؟‬
‫قالت ‪ :‬إننا معشر الطيور ال نعد احلياة ابلسنني ولكن ابألايم‪.‬‬
‫سأل ‪ :‬هل أنت عجوز؟‬
‫قالت ‪ :‬ال تشتمين اي موالي !‬
‫‪13‬‬

‫فضحك اخلليفة ألول مرة‪ ،‬وشاركته احلمامة االبتهاج بتغريد مارح‬
‫مث قالت‪ :‬أضيف من عمرك يوم‪.‬‬
‫تعجب اخلليفة من كالمها وقال مستفسرا ‪ :‬وكيف ذلك؟‬
‫قالت ‪ :‬اي موالي ال تنظر إىل األايم بعني النقصان‪ .‬كال ياوم ميار‬
‫ليس يوما مضى وضاع‪ ،‬وإمنا احلياة أيضا أوقات سرور‪ .‬فأنت أعطيت‬
‫ماان ساااعات اللااذة مااا ال ياعاد‪ .‬حرميااك باه أمجاال نساااء العااامل‪ ،‬واألدابء‬
‫ماادحوك بكااالم أنقااى ماان الاادر‪ ،‬واملغنااون جعلااوك تطاارب ح ا مت از‬
‫ثيابك النفيسة أمام املإل‪ .‬فامحد هللا على هذه النعمة‪.‬‬
‫قال اخلليفة ‪ :‬اي رارة كل هذا زال وكل ما ريت زائل‪ .‬وأان عنادما‬
‫أنظا اار إيل أايم السا ااعادة فا ااإنين أراها ااا كا ااالوهم الا ااذي انا اادثر‪ .‬مث إن أايم‬
‫الط اارب والله ااو ال اايت تكلم اات عنه ااا ليس اات أمج اال م ااا عش اات‪ .‬ولك اان‬
‫أمجلهاا مااا كااان يف البناااء والتشااييد وإساعاد الناااس‪ .‬نعاام إين طرباات مثاال‬
‫كثري من األمراء عند التقاائي ابلفان واجلماال ولكاين طربات أكثار زماان‬
‫الصااحو واليقظااة‪ .‬يف العش ارين كااان صااهيل اخلياال ودوي حوافرهااا عنااد‬
‫الفتوحااات أمجاال وقعااا يف أذين ماان نقارات العااود ودقااات الطباول‪ ،‬ولااذة‬
‫النصاار كاناات أعمااق ماان لااذة اجلسااد‪ .‬ويف الثالثااني كااان صااوت مطرقااة‬
‫احل ا ااداد وه ا ااي تق ا ااع عل ا ااى الس ا ااندان‪ ،‬وأغ ا اااين الفالح ا ااني يف احلق ا ااول‪،‬‬
‫واملالحني يف املراكب‪ ،‬أطارب ألذين مان أصاوات الغاواين‪ .‬وكنات أشاعر‬
‫أن عاار العمااال يواكااب عرقااي وكاادهم يرافااق جهاادي يف بناااء الدولااة‬
‫وإرض اااء أهله ااا‪ .‬ولك ان احل ااداد والنج ااار وامل ازارع وامل ااالح س ااحبوا الي ااوم‬
‫ثقتهم مين‪ ،‬وأرى هذه الدولة اليت سامهت يف تشييدها تنذر ابالهنيار‪.‬‬
‫‪14‬‬

‫اقرتبت احلمامة عند ذلاك مناه وقالات ‪ :‬أنات كاالوردة الايت تنبات‬
‫وس ااط العش ااب الضا ااار‪ .‬لقا ااد اس ااتنمت إىل األش ا ارار وه ااا أن اات اليا ااوم‬
‫تستيقظ حماطا مبكائدهم‪.‬‬
‫مث غااردت م ارتني وقالاات ‪ :‬لنااتكلم ع ان األم اور الاايت تساالي‪ .‬هاال‬
‫أحببت اي موالي ؟‬
‫فابتس ا اام اخلليف ا ااة وتعج ا ااب م ا اان وقاحته ا ااا مث ق ا ااال ‪ :‬وأن ا اات ه ا اال‬
‫أحببت؟‬
‫قالاات ‪ :‬كثااريا‪ .‬أمااا أناات فأظنااك أحبباات آالف امل ارات‪ .‬ولكاان‬
‫هل ميكن توزيع احلب على كل اجلواري اليت متلكها !‬
‫فقااال اخلليفااة ‪ :‬هناااك الصااداقة واحملبااة‪ ،‬أمااا احلااب احلقيقااي فهااو‬
‫واحد‪.‬‬
‫فسألت ‪ :‬ومن هي؟‬
‫ضحك اخلليفة ومل جيبها‪.‬‬
‫قالت‪ :‬إهنا تلك الفتاة اليت امسها وداد‪.‬‬
‫قال ‪ :‬رمبا‪.‬‬
‫قالت ‪ :‬إهنا تكلفك كثريا‪.‬‬
‫قال ‪ :‬وداد؟ ال‪ .‬إهنا ال حتب املال وال اجلواهر‪.‬‬
‫قالت ‪ :‬أعين أهنا تكلفك الكثاري مان اللبااس الثماني‪ .‬ألناك متاز‬
‫أغلى ثيابك عندما يهزك الطرب‪ ،‬والطرب يهزك كلما مسعتها تغين‪.‬‬
‫فضحك اخلليفة وقال ‪ :‬اي رارة إنك وهللا خففت من مهومي‪.‬‬

‫‪15‬‬

‫ويف ه ا ااذه احل ا ااني ولول ا اات بوما ا اة اختف ا اات ب ا ااني أغص ا ااان ش ا ااجرة‪.‬‬
‫فارتعشات احلمامااة ماان الفاازع وانتقلاات إىل كتااف اخلليفااة الااذي داعبهااا‬
‫بكفه سائال ‪ :‬أنت خائفة؟‬
‫قالاات ‪ :‬نعاام‪ .‬إهنااا أتيت هنااا منااذ أساابوع‪ .‬وتاازرع الرعااب فينااا اان‬
‫معشر الطيور الضعفاء‪.‬‬
‫فقال ‪ :‬اطمئين وال ختايف‪.‬‬
‫قالاات ‪ :‬الوضااع غريااب اي مااوالي ‪.‬كيااف أن أمااري امل اؤمنني الااذي‬
‫ال تغاارب الشاامس عاان أراضاايه والااذي ختشاااه جيااو العااامل‪ ،‬كيااف ال‬
‫يستطيع أن يوفر احلماية لطائر صغري ضعيف مثلي؟‬
‫قااال ‪ :‬تعااايل معااي إىل القصاار وانمااي هناااك‪ .‬عنااد طل اوع النه اار‬
‫اذهيب إىل شغلك‪ .‬أو ابقي آمنة يف قفص أخصصه لك‪.‬‬
‫أطلقاات احلمامااة نغمااة ساااخرة وقالاات ‪ :‬شااكرا علااى مودتااك اي‬
‫أمري املؤمنني ولكن حري ا اتاي أغلى من أمن أي قفص‪ .‬سأانم يف القصار‬
‫هذه الليلة ومع بزوغ الفجر سأرجع إىل الشمس‪ .‬إن نورها يهزم البوم‪.‬‬
‫قال ‪ :‬تعايل‪.‬‬
‫وقادها إىل مكان آمن أتوي إليه ح طلوع النهار‪.‬‬

‫‪16‬‬

‫‪3‬‬
‫أين الشباب ؟‬
‫قضااى اخلليفااة ليلااة مض اطربة واسااتيقظ مااع الفجاار‪ ،‬فتوضااأ وصاالى‬
‫ودعا هللا أن يفرج عنه كربه‪ ،‬مث خلع ثياب الناوم واساتعد الرتاداء لبااس‬
‫الصاابح‪ .‬فنااادى رفيقتااه وداد الاايت كاناات تن اام يف غرفااة جماااورة‪ ،‬فهب ات‬
‫لتوها واجتهت وه‪.‬‬
‫وداد كاناات يف العش ارين ماان عمرهااا ملااا رآه اا أول ماارة‪ .‬كاناات يف‬
‫عااز شااباهبا وأوج مجاهلااا‪ .‬لااو وصاافها األدابء لقااالوا إن وجههااا قماار يف‬
‫ليلا ااة التما ااام‪ ،‬وقا اادها غص ا ان ابن‪ ،‬وعيناها ااا سا ااهام فتاكا ااة‪ ،‬وثغرها ااا در‬
‫منظوم‪ ،‬وريقها أحلى من العسل‪.‬‬
‫ولك اان ال ااذي جع اال اخلليف ااة حييطه ااا ابهتمام ااه ل اايس ه ااذا اجلم ااال‬
‫الااذي حتتااار الكلمااات يف التعبااري عنااه وإمنااا الطمأنينااة الاايت نزلاات قلبااه‬
‫عن اادما اق اارتب منه ااا‪ ،‬طمأنين ااة غريب ااة تش اابه ه اادوء الطبيع ااة بع ااد م اارور‬
‫عاصفة هوجاء‪.‬‬
‫رآهااا ونساايها فاارتة طويلااة‪ .‬وذات ليلااة وقااد حاص ارته اهلمااوم ومن اع‬
‫النااوم عاان جفنيااه‪ ،‬تااذكر تلااك الطمأنينااة الاايت غمرتااه عنااد رؤيااة الفتاااة‬
‫‪17‬‬

‫فناداه ااا‪ .‬ج اااءت واخلج اال ابد علا اي وجنتيه ااا‪ .‬مل تتا ازين ومل تتطي ااب ومل‬
‫حتاااول جلااب اهتمامااه كمااا تفعاال الغ اواين عناادما يزرن اه‪ .‬كاناات نظراهتااا‬
‫منكسرة يف اجتاه األرض افة أن تلتقاي بنظراتاه‪ .‬وكاان اخلليفاة إذ ذاك‬
‫يف الثالثااني ماان عمااره‪ ،‬طوياال القامااة ع اريض املنكبااني‪ ،‬وضاااح اجلبااني‪،‬‬
‫وسيما‪ ،‬قواي‪ ،‬تثري طلعته اهليبة واإلعجاب‪.‬‬
‫وحا ا اادث شا ا اايء مل يكا ا اان يف احلسا ا اابان ‪ :‬امحا ا اار وجها ا ااه ‪ ،‬وغما ا ااره‬
‫اضطراب يشبه اخلجل‪ .‬فاساتغرب أماره‪ .‬كياف خيجال أماام فتااة صاغرية‬
‫رجل مثله؟ رجل هتابه امللوك وختشاه األبطال‪.‬‬
‫استحى أن ميد يده وها واكتفى ابلقول معتذرا ‪:‬‬
‫─ أيقظتك من نومك‪.‬‬
‫فأجابت ‪:‬‬
‫─ اي موالي ما أهون النوم عندما خيلو من االحالم‪.‬‬
‫فسأل اخلليفة ‪:‬‬
‫─ أال حتلمني بشيء ؟‬
‫قالت بعد تردد ‪:‬‬
‫─ أحلم ابحلرية اي موالي‪.‬‬
‫فانتاب احلزن اخلليفة وقاال يف نفساه ‪ :‬إين أحارر النااس يف الظااهر‬
‫وأسااتعبدهم يف احلقيقااة‪ .‬مث نظاار إىل الفتاااة وهااي كااالوردة الاايت يهااددها‬
‫الذبول‪ ،‬وقال ‪:‬‬
‫─ أن ا اات ح ا اارة م ا اان اآلن‪ .‬تس ا ااتطيعني ال ا ااذهاب حي ا ااث تش ا ااائني‪،‬‬
‫انصريف‪.‬‬
‫ولكنها مل تنصرف‪.‬‬
‫‪18‬‬

‫─ ما ابلك واقفة ال تغتنمني هذه الفرصة ؟‬
‫─ وأين أذهب اي موالي ؟‬
‫─ اجلسي‪.‬‬
‫جلست بعيدا منه‪ .‬قال ‪:‬‬
‫─ اقرتيب‪.‬‬
‫ومل ااا اقرتب اات ش ااعر ب اادفء يغما اره وابض ااطراب يه ااز كيان ااه‪ .‬وكأن ااه‬
‫مراهق خال ألول مرة بفتاة أحالمه‪.‬‬
‫قالت ‪:‬‬
‫─ أشكر موالي‪.‬‬
‫─ اتركي صيغة الغائب ملقام آخر‪.‬‬
‫─ كيف أحوالك اي صديقي؟‬
‫اس ا ااتعذب كلم ا ااة صا ا ااديقي يف فمه ا ااا‪ .‬كلما ا ااة مل يتج ا ا ارأ أحا ا ااد أن‬
‫يساتعملها عناد اطبتاه إال هاذه الفتاااة السااذجة الايت قادهتاا براءهتااا إىل‬
‫هذا النوع من االنزال ‪ .‬فضحك‪.‬‬
‫امحر وجه الفتاة‪ .‬فسكتت برهة مث قالت ‪:‬‬
‫─ إنك مهموم‪.‬‬
‫ورما ات بنظراهت ااا الدافئ ااة‪ ،‬الص اارحية‪ ،‬ص ااوبه‪ .‬فع اااد اخلج اال الغري ااب‬
‫ليحتضا اان اخلليفا ااة وشا ااعر أبن ها ااذا الكا ااائن الصا ااغري يتوغا اال با اابطء يف‬
‫أعماقه‪.‬‬
‫قال ‪:‬‬
‫─ هي شؤون الدولة‪.‬‬
‫─ ال أعرف شيئا عن مهوم األمراء وال أعرف كيف أزيلها‪.‬‬
‫‪19‬‬

‫فتبسم وسأهلا‪:‬‬
‫─ هل أنت جائعة ؟‬
‫─ نعم اي موالي‪.‬‬
‫─ أمل تتعشي ؟‬
‫─ منعين من األكل ثقل الوحدة‪.‬‬
‫ف اأمر اخلليفااة إبحضااار الطعااام‪ .‬وجاايء يف احلااني بكاال مااا تشااتهيه‬
‫األنفااس‪ .‬فلاام تنتظاار الفتاااة أن يااؤذن هلااا ابألكاال واهنمكاات يف التهااام‬
‫الطعام بنهم احملرومني‪ .‬فتعجب من ذلك وقال ‪:‬‬
‫─ أراك جائعة‪ .‬ال أظنكم حمرومني يف القصر من الطعام الطيب‪.‬‬
‫─ اي موالي ‪ ،‬ال يزول احلرمان فجأة ورمبا يبقى طوال العمر‪.‬‬
‫وبعد األكل سأهلا عن احلياة يف القصر‪.‬‬
‫أجابت أبهنا الفتنة الدائمة يف احلرمي ‪ :‬الغارية باني النسااء ‪ ،‬الاتهكم‬
‫واملكائد‪.‬‬
‫مث سكتت قليال شااعرة أبن اخلليفاة يراقاب مالحمهاا ‪ ،‬وقالات دون‬
‫أن ترفع بصرها وه ‪:‬‬
‫─ وأناات اي مااوالي كي اف أحوالااك مااع أعوانااك ؟ واألم اراء الااذين‬
‫حياولون اخلروج عن الطاعة ؟ واجلي الذي كثر فيه االجانب ؟‬
‫انده من جرأة الفتاة وسأهلا ‪:‬‬
‫─ كيف اطلعت على كل هذه األمور ؟‬
‫قالت ‪:‬‬
‫─ يف احلرمي كل شيء يعرف‪.‬‬
‫تنهد قليال مث قال ‪:‬‬
‫‪20‬‬

‫─ عندما تتوسع الدولة تتعقد االمور‪.‬‬
‫─ ال ترتك لغريك زمام املبادرة وال تثق يف أحد ثقة عمياء‪.‬‬
‫─ صدقت اي وداد‪.‬‬
‫مث وج ا ااد نفس ا ااه يتن ا اااق معه ا ااا يف قض ا ااااي احلك ا اام وه ا ااي تعطي ا ااه‬
‫النصائح‪.‬‬
‫وتعجااب ماان هااذا الوضااع ‪ :‬إنااه طلااب ماان هااذه الفتاااة ا اايء ماان‬
‫أجل اللهو والسلوان‪ ،‬وها هو يبوح هلا أبسرار الدولة ويسامع منهاا مان‬
‫سداد الرأي ما مل يسمعه من املستشارين احملنكني‪.‬‬
‫وملا انتصف الليل قالت الفتاة ‪:‬‬
‫─ اي أمري املؤمنني اعذرين‪ .‬إن أمور الدولة أتعبتك‪ .‬وأان عاوض أن‬
‫أسليك زدت رمبا من مهومك‪ .‬أتريد أن تسمع بعض األحلان ؟‬
‫─ وهل جتيدين الغناء مثلما جتيدين السياسة ؟‬
‫─ سأحاول أن أكون يف مستوى من يطرب أمري املؤمنني‪.‬‬
‫مث ج اااءت عل ااة ع ااود كأهن ااا ص اانعت م اان أجله ااا‪ ،‬وا ن اات وه ااا‬
‫بلطااف كاااألم احلنااون الاايت ترضااع ابنهااا‪ ،‬وأخرجاات ماان أواترهااا أنغامااا‬
‫كأهنا صيحات انبعة من أعما شخص يتأمل اترة‪ ،‬ويفرح اترة أخرى‪،‬‬
‫وغن اات بص ااوت ش ااجي ال يش اابه أصا اوات غريه ااا‪ ،‬وه ااي كأهن ااا تع ااي‬
‫الكلمات وال تكتفي بنطقها‪.‬‬
‫وطرب اخلليفة كما مل يطرب‪ .‬وملا مضى من الليل جلاه‪ ،‬اساتأذنت‬
‫وداد يف االنصراف فسأهلا ‪:‬‬
‫─ إىل أين ؟‬
‫─ أرى موالي تعبا ‪ ،‬وعنده غدا مهام كثرية‪.‬‬
‫‪21‬‬

‫─ لن تغادري هذه الغرفة قبل طلوع الفجر‪.‬‬
‫فجاءت معه الفرا ووجدها بكرا‪ .‬فازداد تعلقه هبا‪ ،‬وانم والغبطاة‬
‫متأل قلبه‪.‬‬
‫ملا فتح عينيه يف الصباح رأى صوب عينيه وجه الفتاة ابمسا‪.‬‬
‫─ كان موالي مضطراب يف نومه‪.‬‬
‫وفهاام أهنااا مل تاانم‪ ،‬وابتاات تراقااب مالحمااه‪ ،‬وتاادعو هللا أن يفاارج عنااه‬
‫كربه وأن ميحو كل الكوابيس اليت كانت حتيط به‪ .‬فقال مازحا ‪:‬‬
‫─ صرت حامية أحالمي اي وداد !‬
‫وشعر بعاطفة جارفة تغمره‪.‬‬
‫مرت األايم ووصلت وداد من العمر الثالثني‪ .‬وزال عنها من سناء‬
‫الشااباب قسااط‪ ،‬ولكنهااا اكتس ابت مجاااال آخاار‪ ،‬مجااال النضااج والرزانااة‬
‫واحلكمة‪.‬‬
‫وها هي اآلن تدخل الغرفة عندما انداها اخلليفاة‪ ،‬وتقاف ماذعورة‪.‬‬
‫فتح اات فمه ااا وك ااأن كالم اا أراد االنط ااال من ااه ولكنه ااا تراجع اات ع اان‬
‫إصداره‪ .‬مث انطفأ بريق عينيها فجأة‪.‬‬
‫تعجب اخلليفة من دهشة رفيقته وسأهلا ‪:‬‬
‫─ ما بك اي وداد؟‬
‫فتمتمت بلهجة املفزوع ‪:‬‬
‫─ ال شيء‪.‬‬
‫ومل يقتنع جواهبا فقال ‪:‬‬

‫‪22‬‬

‫─ ابس اام احملب ااة ال اايت تربطن ااا من ااذ س اانوات أطل ااب من ااك أن تق ااويل‬
‫احلقيقة‪.‬‬
‫قالت بعد تردد ‪:‬‬
‫─ انتظرين اي موالي قليال‪.‬‬
‫مث خرجت متجهة و غرفتها‪ ،‬ورجعت مبرآة صغرية متمتمة ‪:‬‬
‫─ انظر بنفسك اي موالي‪.‬‬
‫ما زال اخلليفة‪ ،‬وهو يف األربعاني مان عماره‪ ،‬مجيال الطلعاة‪ ،‬معتادل‬
‫القامة‪ ،‬قوي العضالت‪ ،‬متناسق املالمح‪ ،‬مل ترتسم التجاعياد يف وجهاه‬
‫الوضاح‪ .‬أما شاعره فإناه كاان انعماا‪ ،‬فامحاا كليال داكان مل ياربز فياه جنام‬
‫واحد‪.‬‬
‫ولكن هذه املرآة القاسية اليت وضعها صوب عينياه حطمات فجاأة‬
‫الصورة املرسومة يف ذهنه ‪ :‬صورة الرجل الذي تنكسر سهام الزمن قبل‬
‫أن تصله‪.‬‬
‫هذه املرآة تقول لاه ‪ :‬إن رأساك اشاتعل شايبا باني عشاية وضاحاها‬
‫وأصبحت شيخا هرما‪.‬‬
‫وخياال إليااه أن الرفيقااة الاايت حتولاات الدهشااة املرسااومة علااى مالحمهااا‬
‫حزان‪ ،‬تغين يف سار الانفس تلاك األغنياة الايت رددهاا كال املطاربني ‪ :‬أيان‬
‫الشباب وأية سلكا ؟‬
‫وماان جديااد‪ ،‬تااذكر قااول الفلكااي اب ان املنظااار‪ .‬إن للنجااوم مواقااع‬
‫ظاهرة ومواقع حقيقية‪ .‬فالصورة الكاذبة هاي الايت كانات داخال نفساه‪.‬‬
‫واحلقيقة هاي ماا تباوح باه هاذه املارآة اآلن‪ .‬فرماهاا بعيادا عناه كأناه يرياد‬
‫بذلك حمو آاثر الزمان وتقلباته‪.‬‬
‫‪23‬‬

‫أما وداد فإهنا حتلت ابلصرب واحلكمة وقالت ‪:‬‬
‫─ اي مااوالي إن املظاااهر ليساات كاال شاايء‪ ،‬وأناات مااا زلاات كمااا‬
‫كنت بصادقك وإخالصاك وشاجاعتك‪ .‬أماا الشايب الاذي نازل ضايفا‬
‫على شعرك بغتة فمن السهل إزالته‪.‬‬
‫ولكاان كااالم وداد مل يغااري شاايئا ماان اضااطراب اخلليفااة الااذي أنشااد‬
‫هذين البيتني ‪:‬‬
‫خضيب قليب لقد شااب‬
‫وورائي منا ااه ما طا ا اااب‬

‫خضبت شعري فقلت هلاا‬
‫فأم ا ا اامي ال ا امر من عمري‬

‫عنااد مساعهااا هااذين البيتااني تزايااد حاازن الفتاااة ولكنهااا مل تستساالم‬
‫للمشاعر السلبية وقالت ‪:‬‬
‫─ اي أمااري املااؤمنني مااا زال أمامااك ماان طيااب احلياااة مااا ال ينض اب‬
‫ماااؤه‪ .‬فأناات يف األربعااني ماان عماارك فقااط‪ .‬ولساات يف ساان زهااري الااذي‬
‫قال‪:‬‬
‫مثانني حوالا ال أاب لك يسأم‬

‫سئمت تكاليف احلياة ومن يع‬

‫ولكن اخلليفة مل ينقشع سحاب كربه‪ ،‬فقال ‪:‬‬
‫─ اي وداد‪ ،‬إين اليااوم يف األربعااني أحاازن وأتعااس ماان زهااري وهااو يف‬
‫الثمانني‪.‬‬
‫وأطل ا اات الش ا اامس فج ا ااأة خل ا ااف أش ا ااجار البس ا ااتان وأانرت ش ا ااعر‬
‫اخلليفة دون متلق‪ .‬لقد انتهى قرن وجاء قرن جديد‪.‬‬

‫‪24‬‬

‫‪3‬‬
‫بداية القرن‬
‫يقول الراوي إن اخلليفة عندما تعقدت قضااي الدولة وصاعب علياه‬
‫حلهااا‪ ،‬وأنااذرت األوضاااع ابالنفجااار‪ ،‬طلااب ماان وزراءه أن حيض اروا يف‬
‫أق اارب اآلج ااال رؤس اااء القبائ اال وأعياهن اا م اان املن اااطق ال اايت ب اادأت فيه ااا‬
‫االضطراابت‪.‬‬
‫قياال إهن اام جاااؤوا يف الي ااوم اخل ااامس ماان ذل ااك الشااهر‪ .‬وك ااان يوم اا‬
‫قامت ااا‪ ،‬هبا ات في ااه ري ااح حاص اابة‪ ،‬ج اااءت بغب ااار داك اان غط ااى الس ااماء‬
‫وتسلل إىل البيوت ابعثا يف النفوس قلقا شاديدا‪ .‬وزعام بعاض املاؤرخني‬
‫أهنام جاااؤوا ممتطااني البغااال‪ ،‬البسااني أزايء بساايطة‪ ،‬وكاناات عااادة الااذين‬
‫يتواف اادون عل ااى القص اار أن يص االوا ف ااو جي اااد أص اايلة‪ ،‬مرت اادين أفخ اار‬
‫اللباس‪ ،‬وجوههم تعلوها ابتسامات الفخر والغرور‪.‬‬
‫وقيل إن الوزير أدخلهم قاعة االستقبال الفاخرة املخصصة للملوك‬
‫والسافراء‪ .‬وأحضار هلاام أطباقاا ماان املاأكوالت علااى شا األناواع وبقاادر‬
‫غري حمدود‪ .‬ومن أهال التااريخ مان رأى يف تصارف الاوزير مك اارا ودهااءا‪،‬‬
‫الغرض منه إاثرة غضب القبائل وأتجيج األوضاع‪.‬‬

‫‪25‬‬

‫ومل ااا دخ اال املتواف اادون ه ااذه القاع ااة ال اايت ك ااانوا جيهل ااون عنه ااا ك اال‬
‫شاايء‪ ،‬اسااتولت علاايهم الدهشااة عنااد رؤيااة الفسيفساااء فااو اجلاادران‪،‬‬
‫والس ااجادات الفارس ااية املبس ااوطة عل ااى األرض‪ ،‬وأواين الفض ااة اهلندي ااة‪،‬‬
‫والقناديل السحرية وكأهنا مشوس مزركشة جاءت من خرافاات القاصاني‬
‫يف األس اوا ‪ .‬ورأوا اخلليف ااة جالس ااا عل ااى كرس ااي م اان ال ااذهب اخل ااالص‬
‫مرتا ااداي أفخا اام املالبا ااس ومتوجا ااا بتا اااج مرصا ااع أبحجا ااار كرميا ااة تسا ااطع‬
‫كاألقمار‪.‬‬
‫سلم األعيان على اخلليفة كما تقتضايه األعاراف وجلساوا وجاوههم‬
‫شاااحبة خيفااون بصااعوبة الغضااب الااذي سااكنهم‪ .‬واسااتأذن أحاادهم يف‬
‫الكالم فقال بعد التحية والثناء ‪:‬‬
‫─ كنااا نتمااىن أن نصاال هنااا حاااملني إىل أمااري املااؤمنني‪ ،‬حفظااه هللا‬
‫وساادد خطاااه‪ ،‬أخبااارا سااارة تطمئنااه علااى أح اوال الاابالد‪ .‬ولكاان هااذه‬
‫البالد ليست بري‪ .‬اجلفاف عم األراضاي مناذ سانتني‪ ،‬والقماح غااب‪،‬‬
‫واألم ا اراء يف األمص ا ااار أصا اابحوا طغ ا اااة‪ .‬أثقل ا اوا الفالح ا اني بض ا ارائب ال‬
‫يق اادرون عل ا اى دفعها ااا‪ ،‬وصا ااادروا األراض ااي اخلصا اابة‪ ،‬وجوع ا اوا العبا اااد‪.‬‬
‫ا اعة على األبواب والغضب عارم‪ .‬وجئنا نشاكو مان األوضااع املزرياة‬
‫لشعب آمن ركمة موالان اخلليفة وحبه للمساكني والضعفاء‪.‬‬
‫وتكل اام آخ اار بلهج ااة ال ختف ااي أس اافه وخيبت ااه‪ .‬مث اثل ااث وراب ااع‪ .‬ومل‬
‫يق اااطع اخلليف ااة ح ااديث أح ااد ب اال بق ااي يس ااتمع لش ااكواهم بن ااوع م اان‬
‫الدهشة واحلرج‪.‬‬
‫وكانت أبصار احلاضرين ‪ ،‬وهاي تا ا اتجول يف أ ااء القاعاة الشارفية‪،‬‬
‫تاازن كاال شاايء مثااني فيهااا ‪ :‬تزنااه ابلقمااح الااذي غاااب‪ ،‬ابلطعااام الااذي‬
‫‪26‬‬

‫يساد اجلااوع‪ ،‬ابلثااوب الاذي يساارت العااورة‪ ،‬ابحلطاب الااذي تقااي انره ماان‬
‫لسااعات الااربد‪ ،‬ابلطااني الااذي تبااىن بااه األكاواخ‪ ،‬وبكاال مااا هااو ضااروري‬
‫حلياة املواطن البسيط‪.‬‬
‫أصغى اخلليفة إىل كال الشاكاوى‪ ،‬وقبال أن يفاض ا لاس وعادهم‬
‫إبزالا ااة الظلا اام عا اان الرعا ااااي وحتسا ااني أوضا اااع احملتا اااجني وإرجا اااع األما اان‬
‫والطمأنينة للقلوب‪.‬‬
‫وذه ااب أعض اااء الوف ااد غ ااري راض ااني ك اال الرض ااا عا ان ه ااذا اللق اااء‪.‬‬
‫الوع ااود كث اارت م اان ط اارف املس ااؤولني‪ ،‬ومل يا اف أح ااد بوع ااد م اان ه ااذه‬
‫الوع ااود‪ .‬وه ااا ه ااو اخلليف ااة يتقب اال ش ااكواهم وي ااتفهم قض اااايهم‪ .‬ولكن ااه‬
‫اكتفى مبنحهم كالما مجيال دون أي مبادرة حقيقية‪.‬‬
‫ويف الليل طار النوم عن عيين اخلليفاة ومل يساتطع أن يازيح مان ابلاه‬
‫صورة زائريه الاذين أذهلهام ثاراء القصار‪ .‬كانات األبصاار الغاضابة كأهناا‬
‫تس ااائله ‪ :‬ك اام يس اااوي عرش ااك ال ااذهيب م اان حب ااة قم ااح ؟ ك اام جائع ااا‬
‫تطعمه حجرة كرمية واحدة من األحجار اليت تزين اتجك ؟‬
‫وب اادأ يع اد ويق ااوم ق ااائال يف نفس ااه ‪ :‬يس اااوي ه ااذا الت اااج رمب ااا أل ااف‬
‫قنطار من القمح‪ .‬وهو يطعم رمبا مئة ألف مسكني‪.‬‬
‫إنااه ال يعاارف شاايئا عاان قيمااة األشااياء الاايت توجااد يف قصااره وعاان‬
‫قيمة القصر نفسه والبساتني الايت حتايط باه‪ .‬وعان ثرائاه‪ ،‬وثاراء اململكاة‪،‬‬
‫وثراء كبار املسؤولني‪ ،‬وعن نصيب البسطاء من ثروة البالد‪.‬‬
‫ومل يك ان قااادرا علااى إيقاااز وزيااره أو ناادمي ماان الناادمان كمااا كااان‬
‫يفعاال يف املاضااي‪ .‬إنااه مل يتجااول منااذ أمااد بعيااد يف ساار الليااايل احلالكااة‬
‫‪27‬‬

‫بااني أزقااة املدينااة ليطلااع علااى مااا جيااري يف اململكااة ويساامع ماان أهلهااا‬
‫أخبارا تسر وحتزن‪ ،‬ترضي وتغضب‪.‬‬
‫البسطاء ا‬
‫اكتفا ااى ابنتظا ااار النا ااوم متمنيا ااا الغا ااو يف حلا اام يزيا اال عنا ااه مها ااوم‬
‫احلاض اار‪ .‬حل اام ه ااادئ مجي اال‪ .‬ولك اان ه اال األثا ارايء أمج اال أحالم ااا م اان‬
‫الفقراء؟‬
‫وبعااد مضااي شااطر طوياال ماان اللياال‪ ،‬دخاال يف عااامل غريااب ف ارض‬
‫عليه فرضا‪ .‬وهل لم مبا نشاء؟‬

‫‪28‬‬

‫‪4‬‬
‫القمح والتاج‬
‫يقاول الااراوي إن اخلليفااة رأى نفسااه يف املناام وهااو يسااري يف ضااباب‬
‫صبح انشئ مل تغادره كال النجاوم ومل تزيناه زقزقاة العصاافري‪ ،‬وأماماه فتااة‬
‫غريبة تقوده إىل حيث ال يدري‪.‬‬
‫خليفاة يتباع فتااة ؟ إنااه ميلاك مئاات اجلاواري كلهان كاألقماار‪ .‬هااذا‬
‫الوضع يثري الدهشة‪ .‬ولكان بطلناا مل يكان يادرك يف حلماه متاام اإلدراك‬
‫أنه اخلليفة الذي ال تغيب الشامس عان أراضاي مملكتاه‪ .‬رمباا كاان يظان‬
‫أنه شخص كسائر الناس‪ ،‬خصوصا وأن احللم ألبسه ثياب البسطاء‪.‬‬
‫الفتاااة تسااري أحياااان باابطء كأهنااا تريااد أن تتمتااع برؤيااة الطبيعااة ماان‬
‫حوهلا وأحياان تسرع اخلطو كأهنا تريد تقليد الريح‪ .‬وهو يتبعها دون أن‬
‫يدري أين مقصدها‪.‬‬
‫وطلع اات الش امس يرافقه ااا تغري ااد حمتش اام ل اابعض الطي ااور الض ااائعة‪،‬‬
‫وابتسامات شاحبة لبعض الزهاور اليتيماة املختفياة يف الاوداين اجلافاة أو‬
‫بني الصخور امللساء‪ .‬األرض قاحلة‪ ،‬والسماء الزرقاء أصابحت شابيهة‬
‫ابملارأة العاااقر‪ .‬وعلااى حافاة الطرقااات جلااس املتساولون ابملئااات ينتظاارون‬
‫شخصا ومهيا يضع يف األيدي املمدودة رغيفا‪.‬‬
‫‪29‬‬

‫ومن املدن البعيدة يتعاىل ضجيج‪ .‬مجوع يطالبون بسقوط احلكام‪.‬‬
‫ويااربز ماان الغاايم فرسااان غااالز ماادججون ابلسااالح يقااودهم شااخص‬
‫أمسر بدين يف يده سوط يضرب به املارة‪ .‬فيتقبلون الضرب وال يلاوذون‬
‫ابلفرار‪.‬‬
‫الفتاااة أمامااه مل تتوقااف عاان السااري‪ .‬ختاارج ماان مدينااة لااتلج أخاارى‪،‬‬
‫ويتك اارر يف ه ااذه امل اادن والق اارى مش ااهد املتس ا اولني والغاض اابني وعن ا اف‬
‫احلكااام‪ .‬ويف السااماء طيااور جائعااة تبحااث باادون جاادوى عاان حبااات‬
‫زرع تقتات هبا‪ .‬واألشجار عارية مشتاقة إىل الرباعم واألورا ‪.‬‬
‫بعد السري الطويل‪ ،‬خيل للخليفة أنه قطع مسافة سنة من السافر‪،‬‬
‫ووصاال إىل احلادود الاايت تنتهااي فيهااا اململكااة الاايت يعااي فيهااا‪ .‬هنااا هناار‬
‫صغري حتفه أشجار يكللها النوار‪ ،‬وهناك عشب تزينه شقائق النعماان‪،‬‬
‫ووراءه زرع يبح ااث ع اان دفء الش اامس لينض ااج‪ .‬زال القحا اط‪ ،‬انته ااى‬
‫عقم األرض وجفاء السماء !‬
‫وفج ااأة تغي ااب الش اامس وراء ح اااجز ض ااخم‪ .‬فريف ااع اخلليف ااة بص ااره‬
‫ويرى جدارا يسري من شر البالد إىل غرهبا‪ ،‬جدارا كأنه بين أبياد غاري‬
‫بشرية‪ .‬كل شيء فيه عظيم ‪ :‬أحجاره ضخمة كأهنا أجزاء من جباال‪،‬‬
‫عل ااوه بق اادر عل ااو الس ااحاب‪ ،‬ح اادوده ال تس ااتطيع قياس اها األبص ااار أو‬
‫آالت املهندسني‪.‬‬
‫وحتت اجلدار وقفت الفتاة وأدارت وجهها وه‪ .‬من خالل شكل‬
‫عينيهاا وفمهاا وساواد شااعرها و افاة جسادها ‪ ،‬فهاام اخلليفاة أهناا صااينية‬
‫العاار ‪ .‬إهنااا ترتاادي فسااتاان ماان احلرياار زاهااي اللااون ص اورت عليااه أزهااار‬
‫متن اااثرة ف ااو ج اادول رق ا ارا ‪ ،‬وه ااو مش اادود يف وس ااطه عل ااى مس ااتوى‬
‫‪30‬‬

‫اخلصاار األهيااف ر ازام مطاارز ابلفضااة‪ ،‬وينشااق عنااد السااري مااربزا ساااقني‬
‫عاجيتني تلمعان كالبلور‪.‬‬
‫ها هي تبتسم جامعة كفيها يف حتية تقليدية‪ ،‬وتقول بلهجة غريبة‪،‬‬
‫مشرية إىل اجلدار اخلرايف ‪ :‬ذونكووء كيانك !‬
‫ويتج ااه نظ اار اخلليف ااة م اان جدي ااد إىل ه ااذا الس ا اور العجي ااب وه ااو‬
‫ص اااعد‪ ،‬انزل‪ ،‬حس ااب م ااا تقتض اايه تض اااريس املوق ااع‪ .‬إن ااه مك ااون م اان‬
‫حيطان متوازية يعلوها سطح وقف فوقه جنود ذاهبني راجعاني‪ ،‬مطلاني‬
‫ماان حااني إىل آخاار ااو األساافل‪ ،‬كااأهنم يبحثااون عاان عاادو اختفااى بااني‬
‫أش ااجار الغ اااب الا ااذي حياذي ااه‪ .‬مث يغي ااب اجلن ااود داخا اال ب ااروج مراقب ااة‬
‫شيدت يف مواقع عدة‪ .‬وهي عالية‪ ،‬شا ة كأهنا قالع حمصنة‪.‬‬
‫تردد الفتاة مشرية إىل السور ‪ :‬ذونكووء كيانك !‬
‫فيقول اخلليفة ‪ :‬اعذريين سيديت ولكين ال أفهم لغتكم‪.‬‬
‫قتبتسم وتقول ‪ :‬ذونكووء تعين الصني‪ .‬أما كيانك فتعين السور‪.‬‬
‫فيقول مندهشا ‪ :‬أين تعلمت لغتنا ؟‬
‫تبتس ا اام الفت ا اااة وتق ا ااول ‪ :‬يف الص ا ااني هن ا ااتم كثا ا اريا ابللغ ا ااات‪ .‬وه ا ااذا‬
‫االهتما ااام الزم ألن ل ا ادينا عش ا ارات ما اان اللهجا ااات‪ .‬والتجا ااار عنا اادان‪،‬‬
‫واملثقفون‪ ،‬يعرفون لغتكم الراقية‪ .‬ولكنين ال أجيدها‪.‬‬
‫يقول ‪ :‬ال‪ ،‬ابلعكس‪ .‬إنك حتسدين على فصاحتك‪.‬‬
‫ويرجع نظر اخلليفة إىل السور والتعجب ال يغادره‪.‬‬
‫فتقااول الفتاااة ‪ :‬عنااد الساور تنتهااي الصااني‪ .‬أتاادري كاام طولااه ؟ إنااه‬
‫يقارب طول مملكتك‪ .‬فهو يعارب اجلباال وخيارت الصاحراء وجيتااز املاروج‬
‫ويقطااع األهنااار‪ .‬أمااا ارتفاعااه فإنااه يفااو طااول عشاارة أشااخا وعرضااه‬
‫‪31‬‬

‫يساااوي ارتفاعااه‪ .‬وهااو لاايس ساورا فقااط وإمنااا جمم اع دفاااعي مكااون ماان‬
‫احليطان اليت تظهر لاك وأباراج املراقباة واملمارات السارية وثكناات اجلناود‬
‫وحمط ااات اإلن ااذار‪ .‬وه ااو ينقس اام إىل تس ااع من اااطق لك اال منطق ااة رئ اايس‬
‫إلدارهتااا ومس اؤول عاان البناااء والرتماايم وقائااد عسااكري رماار جنااودا بل ا‬
‫عددهم ألف ألف جندي‪.‬‬
‫يقااول ‪ :‬هااذا تنظايم بااديع ال أسااتغربه ماان أهاال بلاادك‪ .‬لقااد عااودوان‬
‫على العجائب‪ .‬ولكن م بين ؟‬
‫تقااول ‪ :‬بااين السااور منااذ أكثاار ماان ألااف عااام ماان قب ال تشااني شااي‬
‫هوانا وشااارك فيااه أكثاار ماان ثالمثائااة ألااف عاماال‪ .‬وواصاالت أساارة هااان‬
‫األعمال مث أسرة صيواي وهي األسرة اليت أنتمي إليها‪.‬‬
‫يقول اخلليفة بنوع من الدهشة واألسف ‪ :‬إين مسعات عناه الكثاري‪.‬‬
‫وكم حلمت ابخرتاقه والغو يف أعما عمق الصني‪.‬‬
‫تضحك الفتاة من كالمه وسذاجته قائلة ‪ :‬الصني ال تقهر‪.‬‬
‫جييااب هااو ‪ :‬أعاارف هااذا جياادا‪ .‬ولكاان اي ساايديت وصاالت جيوشاانا‬
‫إىل الصني ذات يوم‪.‬‬
‫مث يسأهلا ‪ :‬هل تعرفني قتيبة الباهلي ؟‬
‫تقول ‪ :‬أهو ممن اقرتبوا من أراضينا ؟‬
‫يقول ‪ :‬نعم‪ .‬عا قتيبة يف القرن األول اهلجاري‪ .‬وملاا فاتح كاشاغر‬
‫اتصل مبلك الصني وكانت له معه قصة طريفة ‪.‬‬
‫وحكى هلا هاذه القصاة الايت تاداولتها الكتاب فضاحكت وساألته ‪:‬‬
‫هل تصد هذا ؟‬
‫‪32‬‬

‫مث أشااارت بي ااد خفيف ااة إىل الس ااور‪ .‬فتجمااع يف احل ااني فوق اه جن ااود‬
‫ماادججون ابلسااالح‪ ،‬كلهاام حديااد ح ا أنااه ال ياارى ماان وجااوههم إال‬
‫بريق أبصار يفة‪.‬‬
‫ردد اخلليفة ‪ :‬نعم إن الصني ال تقهر‪.‬‬
‫فضحكت الفتاة راضية عن جوابه مث قالت مقدمة نفساها ‪ :‬امساي‬
‫صيواي‪ .‬وأنت اخلليفة‪ .‬جئت بك لرتى بعض احلقائق أبم عينيك‪.‬‬
‫وعلات ككاال ماارة وجههااا ابتسااامة متأدبااة‪ .‬ابتسااامة أهاال جلاادهتا‪.‬‬
‫تل ااك ال اايت يعتق ااد األغبي اااء أهن اا عب ااارة ع اان ن ااوع م اان الس ااذاجة‪ .‬تف اارس‬
‫اخلليفااة يف مالحمهااا ‪ :‬إهنااا صااغرية‪ ،‬يفااة ‪ ،‬مااا زالاات هب اا بقااااي طفولااة‬
‫مرحة‪.‬‬
‫وسأل ‪ :‬وأنت ما هي مهمتك اي صيواي ؟‬
‫قالا ات ‪ :‬أان ابنا اة اإلمرباط ااور وحارس ااة الس ااور العظ اايم‪ .‬أان ص اايواي‬
‫احلارسة‪.‬‬
‫قال مندهشا ‪ :‬حارسة السور ؟ كم سنك ؟‬
‫أجابت ‪ :‬أقرتب من العشرين‪.‬‬
‫سأل ‪ :‬حترسني هذا السور وأنت يف هذه السن ؟‬
‫قالاات ‪ :‬احلراسااة ال تكااون دومااا ابلقااوة وإمنااا هااي أيضااا ابحلكم اة‪.‬‬
‫فاحلكمة هي اليت جعلتنا نتفادى بط التتار‪ .‬مث إن الغزاة ليسوا دوماا‬
‫غزاة سالح‪ .‬فهم أحياان غزاة أفكار‪ ،‬وغزاة لذة مثلكم‪.‬‬
‫قاال ‪ :‬صاادقت اي صاايواي احلارساة العظيمااة‪ ،‬ولكااين أريااد أن أرى‬
‫الصني اليوم وما آلت إليه‪.‬‬
‫‪33‬‬

‫وك ااان اخلليف ااة يكلمه ااا م اان بعي ااد كأن ااه خيش ااى منه ااا ش اايئا‪ .‬كأن ااه‬
‫خيش ااى أن تص االه أنفاس ااها العط اارة‪ ،‬وأنغ ااام نبض ااات قلبه ااا الش ااجية ‪.‬‬
‫فيقوده هذا التلذذ و اليقظة وولوج عامل احلقائق القاسية‪.‬‬
‫وها هاي تقاول مشاتكية مان هاذا البعاد ‪ :‬ملااذا تكلماين وأنات علاى‬
‫مسافة بضع رماح اي موالي ؟ الصني ليست عدوة لك‪ .‬اقرتب مين !‬
‫فيبتسم ويقول مغازال ‪ :‬أخشى مجالك الفتان اي صيواي !‬
‫فتض ااحك الفت اااة وتق ااول متهكم ااة ‪ :‬م ااا زل اات تغ ااازل ك اااملراهق اي‬
‫موالي ! أال تكفيك نساء حرميك اللوايت حيصني ابملئات ؟‬
‫وال يقرتب اخلليفة منهاا ولكنهاا هاي الايت تقارتب‪ ،‬وأتخاذ ياده باني‬
‫يديها اللطيفتني‪ .‬كل شيء فيها رقيق‪ ،‬خفياف ‪ :‬خصارها الاذي يكااد‬
‫يتالشااى ماان الدقااة‪ ،‬ساااقاها العاجيتااان‪ ،‬كتفاهااا‪ ،‬ووجههااا الااذي ميكاان‬
‫احتضانه بكف واحدة‪ .‬ولكان هاذه الرقاة ال تتعاارض ماع أنوثاة سااكنة‬
‫يف أعماقها‪.‬‬
‫ها هي تقول ‪ :‬هيا بنا إىل عامل آخر‪.‬‬
‫وتق ااوده ااو ش ااجرة كان اات أغص اااهنا الكثيف ااة املتهدل ااة ح ا ا أدمي‬
‫األرض‪ ،‬ختفي ممرا سراي‪.‬‬
‫يتبعها اخلليفة وهاو حيباو داخال املمار ‪ ،‬وكأناه حياوان تقاوده األنثاى‬
‫حيث ترغب‪.‬‬
‫وفج ا ااأة يظه ا اار الض ا ااوء يف هناي ا ااة النف ا ااق وتقف ا ااز الفت ا اااة ا ااو أرض‬
‫أجدادها‪ ،‬وتبقى واقفة تنتظر اخلليفة والريح تداعب شعرها‪.‬‬
‫وملااا أطاال ماان طاارف النفااق ص ااحت ‪ :‬كس اياوماي! كس اياوماي!‬
‫ويدها ممتدة و حقل زراعي ال هناية له‪.‬‬
‫‪34‬‬

‫مث شرحت ‪ :‬كسياوماي هو القمح‪.‬‬
‫القمااح ! القمااح ! إنااه عااال يكاااد يغمرمهااا‪ .‬إنااه يف كاال مكااان‪ ،‬ال‬
‫جبااال حتاده وال وداين‪ .‬ال يشااوب شاايء لوناه الوهاااج إال زرقااة السااماء‬
‫اليت تعلوه‪.‬‬
‫وها ااا ها ااي صا اايواي تالحا ااظ زها اارة ضا ااائعة ما اان شا ااقائق النعما ااان‪.‬‬
‫فتقتلعها من اجلذور وكأن الزهرة شيء قذر شوه صفاء املنظار‪ ،‬وتقاول‪:‬‬
‫األزهار ليس هلا مكان هنا‪ ،‬إهنا رمز للذة‪.‬‬
‫مل ياار اخلليقااة قمحااا هبااذه الصاافة يف حياتااه‪ ،‬وهااذاين احللاام جعلااه‬
‫يعتقد أن هذا القمح اصاطناعي وأناه مان ذهاب‪ ،‬فيقاول ‪ :‬إن امرباطاور‬
‫الصني غين‪.‬‬
‫تسخر منه الفتاة قائلة ‪ :‬إن الشعب هو الغين‪.‬‬
‫يقول ‪ :‬ولكن كيف ميكان لكال هاذا الاذهب أن يعام هاذه األرض‬
‫الشاسعة؟‬
‫جتيب ااه الفت اااة وكأهن ااا تش اارح درس ااا لتلمي ااذ ال يفه اام ‪ :‬إن ااه نب ااات اي‬
‫موالي‪.‬‬
‫مث أتخ ااذ س اانبلة وهت ااديها ل ااه‪ ،‬مض اايفة ‪ :‬إهنا اا نب ااات ح ااي وليسا ات‬
‫مجادا‪.‬‬
‫وينتش اال اخلليفا ااة حبا ااات م اان السا اانبلة‪ ،‬حب ا اات ضا ااخمة كفاكه ااة‬
‫انضجة‪ ،‬مث يضعها يف فمه ويتذوقها فيجد طعمها ال يضاهيه طعم‪.‬‬
‫ويقول ‪ :‬إهنا ألذ من كل فواكه الدنيا‪.‬‬
‫مث يلتهم بلهفة غريبة حبات أخرى قائال ‪ :‬هل كانت السنة طيبة؟‬
‫‪35‬‬

‫فتجيااب الفت اااة ‪ :‬ك اال الس اانوات طيبااة‪ ،‬خص اابة‪ ،‬عن ادان ‪ .‬وعن اادما‬
‫تنقطع األمطار أنيت ابملاء من األهنار ونساقي األرض‪ ،‬ولكان الصاينيني‬
‫ال حيبااون كث اريا القمااح‪ .‬هاام يفضاالون األرز‪ .‬القمااح يباااع غالبااا للبلاادان‬
‫ا اورة‪.‬‬
‫يقا ااول اخلليفا ااة ‪ :‬سا ااريت لش ا اراء القما ااح ما اان عنا اادكم‪ ،‬ما اارت علينا ااا‬
‫سنوات من اجلفاف كانت السبب يف ا اعة‪.‬‬
‫تقول الفتاة ‪ :‬أعرف هذا‪ .‬وجئت ملساعدتك‪.‬‬
‫ويبقااى االثنااان متااأملني هااذا العمااال الااذهيب النااائم والااذي يارتع‬
‫ظهااره ماان حااني آلخاار حتاات لااذة الاريح حا متاار عاان باعاد قافلااة مكونااة‬
‫من مجال وأحصنة وبغال‪ ،‬يقودها أشخا راجلون‪.‬‬
‫فيقول اخلليفة متأسفا ‪ :‬سيدوسون هذا القمح اجلميل‪.‬‬
‫وتضحك الفتاة من جهله ‪ :‬إهنم يسريون يف طريق معبد‪.‬‬
‫يسأل ‪ :‬طريق احلرير؟‬
‫تقول بدون أن تكف عن الضحك‪ :‬ال اي موالي‪ .‬طريق القمح!‬
‫وها ا اا ه ا ااي القافل ا ااة تتوق ا ااف ويتجم ا ااع مئ ا ااات األش ا ااخا يغن ا ااون‬
‫ويرقصون حتت دقات الطبول ونغمات املزامري‪.‬‬
‫تقول الفتاة ‪ :‬إهنم عمال الصني‪.‬‬
‫وينتش اار يف الت ااو الفالح ااون ميين ااا ومش اااال‪ .‬ويف ه ااذا الوق اات تتع اااىل‬
‫أص اوات غريب اة آتيااة ماان مشااار األرض ومغارهبااا‪ .‬صاايحات‪ ،‬وغناااء‪،‬‬
‫وآالت عزف‪ ،‬تنضم إىل ضجيج أهل القافلة‪.‬‬
‫فتقااول صاايواي ‪ :‬فالحااو الصااني يتاارزرون ‪.‬الكثاارة تنشاائ القااوة‪ .‬آن‬
‫وقت احلصاد‪.‬‬
‫‪36‬‬

‫وال مت ا اار إال بضا ا اع ثا ا اوان حا ا ا يغ ا اازو ه ا ااؤالء الفالح ا ااون الس ا ااهل‪،‬‬
‫ويشرعون يف العمل بفة مذهلة‪ .‬هذا يقطاع السانابل ابملنجال‪ ،‬واآلخار‬
‫جيمعهااا حزمااات حزمااات‪ ،‬مث يض ارهبا علااى األرض‪ ،‬والثالااث يدوسااها‬
‫برجليه أو عالت خاصة‪.‬‬
‫لنااذهب‪ ،‬تقااول صاايواي‪ ،‬إن الااذي يعماال ال حيااب أن يقااف أمامااه‬
‫شخص بطال يتفرج عليه‪.‬‬
‫وتتج ا ااه الفت ا ااة ا ااو املم ا اار الس ا ااري‪ .‬واخلليف ا ااة وراءه ا ااا معجب ا ااا هب ا ااا‬
‫وبوطنها‪.‬‬
‫عند خروجهماا مان اجلهاة األخارى للممار تقاول الفتااة ‪ :‬ان اآلن‬
‫يف مملكتك ‪ ،‬مملكة اللذات‪.‬‬
‫وك ااأن النس اايم أراد أن يش اااطرها ال ارأي فب اادأ يه ااب عط اارا‪ ،‬خفي اف اا‪،‬‬

‫يداعب النبات فينحين‪ ،‬واألجسام فتهزها رغبة خفية‪ ،‬جاحمة‪.‬‬
‫وتقاارتب صاايواي ماان اخلليفااة كأهنااا تريااد أن تثباات هااي باادورها أهنااا‬
‫يف بااالد املتعااة‪ ،‬وياادرك ه او أن شااعره اباايض فجااأة ابألمااس فيقااول يف‬
‫نفسه اندما‪ :‬اي ليتين خضبته ح أخفي الشيب الذي انقض علي‪.‬‬
‫مث يهمس وهو يتأمال الفتااة الرشايقة الايت ماا زالات يف ربياع العمار‪:‬‬
‫شييب قبيح املنظر‪.‬‬
‫وتتعجااب هااي ماان كالمااه قائلااة ‪ :‬شاايبك ؟ إن شااعرك فاااحم كليلااة‬
‫بدون جنوم‪.‬‬
‫شعره الفاحم ؟ هل رجع إليه شبابه فجأة ؟ ليس روزته مرآة لريى‬
‫ماا آل إليااه هااذا الغااالف اجلساادي الااذي حيااوي الااروح وياذبل مااع ماارور‬
‫‪37‬‬

‫الاازمن‪ .‬إنااه ال يسااتطيع ق اراءة مالمااح وجه اه‪ ،‬إال يف عيااين صاايواي ويف‬
‫كلماهت ااا‪ .‬ه ااا ها اي تنظ اار إلي ااه إبعج اااب وتض ااع ذراعيه ااا ح ااول كتفي ااه‬
‫العريضتني وتقول‪ :‬إنك قوي مثل الفيل اهلندي‪.‬‬
‫ويشعر هو بلذة ربيعية جتري يف شرايينه كأن كل شيء يتجادد فياه‬
‫فيأخذها من خصرها ويرفعها يف اجتاه السماء فتعلاو وكأهناا تكااد تطاري‬
‫مث تسقط ضاحكة وهي تقول ‪ :‬إنك فرس‪.‬‬
‫فيقول مستغراب ‪ :‬فرس ؟‬
‫تقول ‪ :‬أال تعرف تقسيمنا للزمن ؟‬
‫يقول ‪ :‬ال‪.‬‬
‫تقااول ‪ :‬إننااا نقساام الاازمن مااثلكم إىل ساانوات ولكننااا نعطااي لكاال‬
‫سنة امسا‪ .‬وهي ألقاب حيواانت عددها اثنا عشر‪.‬‬
‫مث تعدد له هذه احليواانت وحتكي لاه اخلرافاة الايت قاادت أهلهاا إىل‬
‫اختيار هذا التقومي الزمين‪.‬‬
‫ويتعجب هو من اعتقادات الشعوب وميلهم للخرافات‪.‬‬
‫تقول الفتاة ‪ :‬ن اآلن يف سنة الفارس‪ .‬والفارس موساوم ابلشاهامة‬
‫وحيب األسفار‪.‬‬
‫يقول حمزوان ‪ :‬مع األسف إنين ال أسافر اليوم إال يف اهلموم‪.‬‬
‫تضيف صيواي ‪ :‬رمبا أنات مان موالياد بارج النمار‪ .‬النمار موصاوف‬
‫ابلشجاعة واإلقدام والشراسة أمام األعداء‪.‬‬
‫يقول بناربة مان األساى ‪ :‬كاان ذلاك زماان الشاباب‪ .‬أماا اآلن فاإين‬
‫أقرب إىل األرنب من النمر‪.‬‬
‫ويفكر يف الواقع وخيشى أن يستيقظ يف القصر‪.‬‬
‫‪38‬‬

‫ولكن اخلليفة مل يستيقظ مان ساباته‪ .‬وهاا هاو احللام يساتمر حاامال‬
‫معه أحدااث أغرب من اليت مضت‪.‬‬
‫من بعيد يظهر غبار كثيف يقرتب بسرعة‪ .‬وتربز إىل الوجاود بغاال‬
‫قوي ااة‪ ،‬جت اار بص ااعوبة ميا ازاان عمالق ااا يض اااهي حجم ااه حج اام ب اارج ابب اال‬
‫الشهري‪ .‬وأمام امليزان الذي وضع فو آلة ذات عجالت كبارية‪ ،‬مئاات‬
‫من الفالحني حفاة‪ ،‬عراة‪ ،‬يزيلون عن الطرياق احلاواجز الايت تعرقال ساري‬
‫اآللة‪.‬‬
‫يوض ااع املي ازان العم ااال حت اات الس اور ويص اايح الفالح ااون الس اامر‪:‬‬
‫أصدقاؤان الصينيون ن هنا ننتظر القمح !‬
‫وخيا ارج الص ااينيون م اان مم ا ارات حف اارت حت اات الس ااور وه اام كالنم اال‬
‫النش ايط‪ ،‬حيملااون مئااات األكياااس ماان القمااح مث يضااعوهنا فااو الكفااة‬
‫اليمىن للميزان‪.‬‬
‫ومل يفهم اخلليفة مغزى العملية الغريبة فيسأل صايواي ‪ :‬مااذا يفعال‬
‫هؤالء الفالحون ؟‬
‫تقول ‪ :‬أمل تدرك ما وضع فو الكفة اليسرى ؟‬
‫يقول ‪ :‬إنه شيء صغري يلمع ‪ ،‬ولكين ال أراه جيدا‪.‬‬
‫تقول ‪ :‬إنه اتجك‪.‬‬
‫ميعاان النظاار يف كفااة امليازان اليساارى ويقااول مسااتغراب ‪ :‬صااحيح‪ .‬إنااه‬
‫اتجي‪ .‬ولكن ماذا يفعلون به؟‬
‫تقول الفتاة ‪ :‬إهنم يزنونه ابلقمح‪.‬‬
‫‪39‬‬

‫فيتعجااب ماان ه اذا املشااهد ويقااول ‪ :‬وكيااف مل ت ارجح الكفااة ؟ إنااه‬
‫رغم مثنه خفيف الوزن‪.‬‬
‫تقول ‪ :‬خفيف يف الظاهر فقط‪ .‬إن كل هاذا القماح مل يساتطع أن‬
‫يرجح الكفة لصاحله‪.‬‬
‫يسأل ‪ :‬ومن هم هؤالء الناس الذين أتوا هبذا امليزان الغريب؟‬
‫تقا ااول صا اايواي ‪ :‬إهنا اام رؤس ا ااء القبائا اال‪ .‬والفالحا ااون ها اام فالحا ااو‬
‫وطنك‪ ،‬جاؤوا ليزنوا اتجك‪.‬‬
‫ويتف ا ا اارس اخلليف ا ا ااة يف الزائا ا ا ارين وي ا ا اادرك أن رؤس ا ا اااء القبائ ا ا اال ه ا ا اام‬
‫األش ااخا ال ااذين اس ااتدعاهم إىل القص اار‪ .‬فيخش ااى أن تق ااع أبص ااارهم‬
‫عليااه وخيتفااي بااني األشااجار وقلبااه مملااوء ابحلاازن‪ .‬وتشااد صاايواي بيااده‬
‫وكأهنا تريد مواساته‪.‬‬
‫متا ار الس اااعات والص ااينيون يرتاوح ااون ب ااني حق ااوهلم وامليا ازان‪ .‬رت ااون‬
‫باادون انقطاااع ودون ملاال أبكياااس القماح ويضااعوهنا فااو الكفااة اليمااىن‬
‫دون أن تتغري املوازين بقدر أمنلة‪.‬‬
‫تغياب الشامس ويصابح الساهل الشاساع خاليااا مان القماح‪ ،‬شاابيها‬
‫بساحة معركة انتهت‪ .‬فتاأيت الطياور ابملئاات لتلاتقط ماا بقاي مان احلاب‬
‫فو االرض‪.‬‬
‫ويصيح الصينيون يف اجتاه الزوار ‪ :‬إخواننا مل يبق شيء يف احلقل !‬
‫وجييااب الفالحااون الساامر ‪ :‬إن هااذا التاااج ملعااون فهااو أثقاال ماان‬
‫قمح كل الصني‪ ،‬ما احلل اي إخواننا ؟‬
‫‪40‬‬

‫يقول الصينيون ‪ :‬اتركوا امليازان هناا‪ .‬وارجعاوا يف السانة املقبلاة‪ ،‬لعال‬
‫احلصاد اآليت يكون كافيا‪.‬‬
‫ويرجااع الفالحااون الساامر ماان حيااث أت اوا وهاام غاضاابون‪ ،‬بعضااهم‬
‫يص اايح ‪ :‬ليس ااقط الت اااج ! وبعض ااهم‪ ،‬وق ااد أهنك ااه اجل ااوع والتع ااب ح ا‬
‫صار غري قاادر علاى الساخط واالحتجااج ‪ ،‬يتماتم يف السار كلماات ال‬
‫تسمع‪.‬‬
‫يف طريق الرجوع يكتفاي الفالحاون السامر أبكال بعاض األعشااب‬
‫لسد رمقهم‪.‬‬
‫أما صايواي حارساة الساور فإهناا بقيات حاائرة ‪ :‬إن قماح الصاني مل‬
‫يكف لرتجيح كفة امليزان‪.‬‬
‫يقول اخلليفة ‪ :‬اي صيواي إن شعيب جائع فماذا أفعل ؟‬
‫تقااول هااي ‪ :‬بااع اتجااك إىل ملااك الصااني وساايعطيك القمااح الااذي‬
‫تريد‪.‬‬
‫وتنطف اائ األص ا اوات والص ااور‪ ،‬ويرج ااع اخلليف ااة إىل فراش ااه ومهوم ااه‪.‬‬
‫يس ااائل نفس ااه ع اان مع ااىن الت اااج وامليا ازان‪ .‬ه اال يش ااري الت اااج إىل مملكت ااه‬
‫الواسعة اليت إن مر سحاب هبا ال بد أن ميطر يف شرب من أراضيها؟ أم‬
‫أنه يشاري إىل غطرساة احلكاام وهاو أوهلام؟ أم أهناا ذنوباه الايت ال تعاد وال‬
‫حتصى؟‬

‫‪41‬‬

‫‪5‬‬
‫ألوان احلياة‬
‫عندما استيقظ اخلليفة كان اليأس طاغيا عليه ولكنه رث يف‬
‫أعماقه عن بقااي من شجاعة خانته‪ ،‬شجاعة اهنزمت بسهولة أمام‬
‫كيد املسريين وخداع املتملقني‪ .‬وأاته من بعيد صوت يقول ‪ :‬أفق من‬
‫سباتك وخذ األمور رزم وقوة‪.‬‬
‫وما أن غرد أول عصفور ح هنض واغتسل وصلى ودعا‪ .‬مث‬
‫طلب من حاجبه الويف استدعاء بعض املستشارين ممن يثق هبم‪ .‬ومل‬
‫تصل الشمس كبد السماء ح أقبلوا‪ ،‬فأدخلوا قاعة سرية يف جناح‬
‫العلماء خصصت للكتب الثمينة‪ ،‬قاعة خيلد إليها اخلليفة من حني‬
‫آلخر قصد التأمل والدعاء‪.‬‬
‫وبعد أن اكتمل عدد املدعوين دخل اخلليفة عليهم مرتداي أبسط‬
‫املالبس‪ ،‬وعلى حمياه بسمة ختفي قلقا عميقا‪ .‬ودون مقدمات طويلة‬
‫قال بنربة جادة ‪:‬‬
‫─ إن األوضاع يف البالد ليست مرحية‪ .‬ولكنكم تعرفون أنين وسط‬
‫التملق واألكاذيب وطمس احلقائق‪ .‬فال يصلين من األنباء إال ما‬

‫‪42‬‬

‫يريده الوزير وأعوانه‪ .‬لقد غفوت طويال فهل إبمكانكم مساعديت على‬
‫الصحوة ؟‬
‫وساد احلرج اجلميع فاستطرد قائال ‪:‬‬
‫─ أراكم خائفني‪ .‬نعم إين أعلم خشيتكم من بعض أعواين‪ .‬ولكن‬
‫اليوم سيأخذ كل فرد من أفراد هذه الدولة مسؤوليته‪ .‬تكلموا بكل‬
‫حرية‪ ،‬وسأحر شخصيا على أمنكم وسالمتكم‪.‬‬
‫اراتح احلاضرون بعض االرتياح‪ ،‬ولكن مل يتجرأ أحد على الكالم‪.‬‬
‫فقال ‪:‬‬
‫─ قد جاءين أن القمح غاب والناس جياع‪.‬‬
‫─ إنه اجلفاف ‪ ،‬قال اثبت ابن األثري صاحب كتاب النبات‬
‫والزراعة‪ .‬مل تعرف البالد جفافا كهذا‪.‬‬
‫─ أعلم هذا ولكن القمح يوجد يف أقطار جماورة كالصني‪.‬‬
‫─ نعم اي أمري املؤمنني‪.‬‬
‫─ والصينيون الذين يفضلون أكل األرز يبيعونه لغريهم‪.‬‬
‫─ نعم اي أمري املؤمنني‪.‬‬
‫─ ملاذا ال نشرتيه ؟‬
‫─ سكتوا مجيعا ‪ ،‬واستأذن يف الكالم أبو صامد القروي وهو أحد‬
‫املطلعني على حساابت الدولة‪ ،‬فقال ‪:‬‬
‫─ اي موالي إن دار املال كانت يف زماهنا تؤدي كل واجباهتا على‬
‫أحسن وجه‪ .‬ولكنها اليوم ال تلعب الدور الذي أنشئت من أجله‪.‬‬
‫─ وكيف عرفت هذا اي أاب صامد؟‬
‫‪43‬‬

‫─ اي موالي‪ ،‬إن الكثري من املوظفني مثل القضاة مل تدفع هلم‬
‫رواتبهم منذ شهور‪ .‬كما أن اجلنود أصبحوا رخذون مستحقاهتم‬
‫مباشرة من التجار والفالحني‪ .‬وهذا دليل على أن اخلزينة فرغت أو‬
‫أن أمواهلا ذهبت يف اجتاهات جمهولة‪.‬‬
‫─ وكيف تفرغ اخلزانة واملداخيل اليت أتيت من الضرائب كثرية ؟‬
‫─ املوارد قلت كثريا اي موالي‪ .‬فاألمراء والوالة مترد معظمهم‪،‬‬
‫واستقل الكثري منهم عن احلكم املركزي‪ ،‬ورفضوا تسليم األموال‬
‫املستحقة‪.‬‬
‫─ فلنأدهبم ‪ ،‬قال اخلليفة والغضب يعلو وجهه‪.‬‬
‫عم احلرج عندئذ اجلميع ‪ ،‬وغضت األبصار من كثرة اخلجل‪.‬‬
‫وبقي األمر هكذا ح استأذن القائد عبد اجلبار يف الكالم ‪:‬‬
‫─ كيف ميكن أتديبهم واجلنود بعضهم أظهر والءه لألمراء‬
‫والبعض اآلخر‪ ،‬مثل عسكر الفيلق الرتكي املقيم يف الريف‪ ،‬مترد‪ .‬ومل‬
‫يبق من يساند موالان إال حرس القصر وبعض جنود املدينة‪.‬‬
‫أحدث هذا الكالم صدمة عند اخلليفة‪ .‬أراد أن يقول ‪ :‬كيف‬
‫يكون هذا وأان موجود؟ أراد أن يعرب عن غضبه وأسفه‪ ،‬ولكنه اكتفى‬
‫إبشارة من يده طالبا من اجلميع االنصراف‪.‬‬
‫نزل اخلليفة إىل البستان وأراد أن يسري بني األشجار واألزهار كي‬
‫يفرج عن نفسه هذا الكرب اجلديد‪ ،‬ولكنه أحس بتعب شديد يغمره‪.‬‬
‫فجلس فو إحدى األرائك يتأمل هدوء الربكة متمنيا أن يدخل قلبه‬
‫شيء من هذا اهلدوء ولو بضع حلظات‪ .‬وبينما هو جالس واهلم يغمره‬
‫‪44‬‬

‫فإذا بتغريد طائر يصل مسامعه‪ ،‬وفهم أن رارة حتاول االقرتاب منه‪.‬‬
‫انداها‪ ،‬فنزلت وجاءت تلقط احلب جانبه‪.‬‬
‫خاطبها ‪ :‬أتدرين ما حدث اي رارة؟ إنين أزحت من احلكم دون‬
‫أن أدري‪ .‬ملا كنت يف العشرين مل أكن غبيا إىل هذا احلد‪ .‬كنت أكثر‬
‫فطنة وأشد دهاء‪ .‬يقولون إن احلكمة أتيت مع الزمن‪ ،‬ولكنين خالفت‬
‫هذه القاعدة وأبعدتين األاننية عن شعيب‪ .‬أين يل اآلن من حمبته وهو‬
‫جائع‪ ،‬مقهور‪ ،‬حتت رمحة األمراء وبط اجلنود؟‬
‫ولكن احلمامة مل تص إىل حديثه ومل جتبه‪ .‬وفهم أنه ضيع قدرته‬
‫على التواصل مع هذه املخلوقة الربيئة‪ .‬فهي اآلن غري مهتمة بلغوه‬
‫البائس‪.‬‬
‫ومرت ساعات من الزمن وهو جالس وحيدا‪ ،‬مهموما‪ ،‬ال يريد أن‬
‫يدنو منه أحد‪ ،‬وال أن يكلمه من يدعي مودته‪ .‬ح جترأت وداد‬
‫على االقرتاب منه‪ .‬جاءت بطى حثيثة‪ ،‬خفيفة‪ .‬وجلست حذوه‬
‫ملتزمة الصمت مدة طويلة مث قالت هامسة ‪:‬‬
‫─ موالي كفاك حزان ‪.‬‬
‫─ القضية ليست قضية حزن ‪.‬‬
‫─ اي موالي ‪ ،‬إن لكل مشكلة حال ‪ ،‬وأان واثقة من أنك‬
‫ستنتصر على الصعاب‪ .‬خفف من مهومك ‪ ،‬إنك يف حاجة إىل كل‬
‫قواك لتحقق النصر النهائي‪ .‬انس مهومك اآلن ومتتع ابلربيع فهو‬
‫الشباب الثاين كما قال الشاعر‪ .‬أال أتتيك نسائمه ؟ أال يصلك‬
‫‪45‬‬

‫شذى األزهار اليت تفتحت فاختلط أريج البنفسج بعطر الورد والرحيان‬
‫واليامسني‪.‬‬
‫─ إين ال أشتم شيئا ‪.‬‬
‫─ انظر حولك اي موالي‪ .‬البستان حتت وهج األصيل يشع نواره‪.‬‬
‫واألشجار لبست أغصاهنا أهبى احللل‪ .‬وحول الربكة الطيور اليت‬
‫جاءت من كل أقطار الدنيا تتبخرت أمام انظريك‪ .‬وبعد قليل ستطل‬
‫النجوم وتتغامز قاصدة تسليتك‪.‬‬
‫─ إين ال أرى شيئا من هذا اي وداد‪ .‬خييل إيل أن حواسي هربت‬
‫مين‪.‬‬
‫وتذكر حديثه مع ابن املنظار الفلكي وما قاله عن الصور احلقيقية‬
‫والصور الكاذبة للنجوم فقال ‪:‬‬
‫─ اي وداد إن الربيع الذي تتكلمني عنه هو ربيع البساتني‬
‫واألثرايء‪ .‬أما الفقراء فربيعهم قح وجماعة‪.‬‬
‫مل تنهزم وداد‪ ،‬وقالت ‪:‬‬
‫─ سأشفيك بربيع أحلاين‪.‬‬
‫مث غابت حلظات لرتجع وآلة الطرب بني يديها‪ .‬جلست أمام‬
‫اخلليفة حترك أواتر العود أبانمل ماهرة وجتعله ينطق أبحلان املرح‬
‫واالطمئنان‪ .‬فكفت األطيار عن زقزقتها‪ ،‬وتراقص البط فو املاء‬
‫برشاقة‪ ،‬وهز الطرب أورا األشجار وعيون األزهار‪ ،‬وأتثر احمليط كله‬
‫بغنائها إال قلب اخلليفة الذي بقي مغلقا أمام هذه الدعوة إىل‬
‫السرور‪.‬‬
‫وملا رأت وداد وجه اخلليفة يزداد عبوسا كفت عن الغناء وقالت‪:‬‬
‫‪46‬‬

‫─ أمل تعجبك أحلاين اي رفيقي ؟‬
‫أجاهبا بغلظة مل تعهدها فيه ‪:‬‬
‫─ ال‪.‬‬
‫فقالت بنربة احلزن ‪:‬‬
‫─ وأان ؟ أال أعجبك ؟ هل إين أصبحت عجوزا ؟‬
‫─ اي سيديت‪ ،‬ال جتربيين على أن أقول لك إن احملبة‪ ،‬ح احملبة‪،‬‬
‫غابت عن قليب‪.‬‬
‫وأحلت وداد يف املواساة واملالطفة ح أدت حماوالهتا إىل عكس‬
‫ما كانت ترتجاه‪ .‬غضب اخلليفة غضبا شديدا وهنض من مكانه‬
‫صارخا ‪:‬‬
‫─ إن الدولة تنهار أمام عيين‪ ،‬وغدا سيصبح هذا الوطن رمادا‪،‬‬
‫وأنت تتكلمني عن الربيع وشذى األزهار وزقزقة الطيور‪ ،‬مث تنشدين‬
‫هذه األبيات التافهة‪ ،‬السخيفة‪.‬‬
‫وامتدت يده و العود فأخذه منها بعنف‪ ،‬ورماه على جذع‬
‫شجرة كانت عن ميينه قائال ‪:‬‬
‫─ كل هذا بسببه وسبب اللهو واالبتعاد عن املسؤولية‪.‬‬
‫جزعت وداد من غضب اخلليفة املفاجئ‪ ،‬وذهبت و العود‬
‫الساقط على األرض وقد انشق ظهره‪ ،‬وانكسر زنده‪ ،‬وبقيت أواتره‬
‫متشبثة مبفاتيحه تئن وكأهنا تعرب عن أسى عميق‪ .‬وشعرت أبن جزءا‬
‫كامال من حياهتا حتطم كما حتطم هذا العود‪ ،‬وقالت ختاطبه ‪ :‬غدا‬
‫سنرميك مع النفاايت‪ .‬اعذرين ‪ .‬ولكن موالان اهتمك أبشياء خطرية‬
‫‪47‬‬

‫ورأى فيك سببا من أسباب تدهور احلكم‪ .‬ولكن هل متتع الفرد‬
‫مبلذات الدنيا يتناقض مع أداءه لواجباته ؟‬
‫أخذت اآللة يف يد وانتقل بصرها و اخلليفة تريد معاتبته برفق‪.‬‬
‫معاتبة احملب حلبيبه‪ ،‬ولكن منظره راعها‪ .‬رأته كالنسر الذي يعلو‬
‫فريسته‪ ،‬رأته جاحظ العينني‪ ،‬معقوف األنف‪ ،‬منعقد اجلبهة ‪.‬مرعبا‬
‫ودميما يف نفس الوقت‪ .‬وألول مرة يف حياهتا خافت منه‪ .‬وحتول‬
‫حبها إىل رهبة‪ ،‬وصار اجنذاهبا إىل طلعته نفورا منه‪ .‬فبدأت ترتع‬
‫بكل فرائسها وأجهشت ابلبكاء‪.‬‬
‫يف شبابه كان سريع االنفعال‪ .‬وكانت هي مطواعة‪ ،‬تداريه ح‬
‫يهدأ‪ .‬وكان غضبه ينهزم دائما يف السرير حيث متتزج اللذة ابلرتاضي‪.‬‬
‫كانت وهي تبكي تنتظر منه أن يقول‪ :‬ساحميين‪ ،‬أن رخذها من‬
‫يدها‪ ،‬أن يقبلها‪ ،‬أن يقودها إىل مضجع اللذات حيث تصفو مساء‬
‫املودة ولكنه مل يفعل‪.‬‬
‫ونظرت إليه من جديد فرأت أن غضبه اهنزم‪ .‬ولكنه مل ينهزم حتت‬
‫وطأة احملبة وإمنا حتت رماح الكربة‪ .‬تقوس ظهره كالشيخ العجوز‪،‬‬
‫وامتقع وجهه‪ ،‬وغابت من عينيه شرارة الذكاء والفطنة‪ ،‬وهليب العز‬
‫واألنفة‪ .‬وانتاب وداد إذ ذاك شعور اثن بعد إحساسها ابخلوف ‪:‬‬
‫شعور ابلشفقة‪.‬‬
‫أمري املؤمنني الذي ختافه األبطال صار يثري الشفقة ! ما أقساك اي‬
‫أايم ! تسخرين منا دون حياء‪.‬‬
‫بقي وامجا ولكن وداد كانت بعد اإلهانة اليت تعرضت هلا غري‬
‫قادرة على الشعور بعاطفة إجيابية وه‪ ،‬فقامت قائلة ‪:‬‬
‫‪48‬‬

‫─ فراشك ينتظرك ‪ ،‬اي موالي‪.‬‬
‫ومل تلتحق هي هبذا الفرا ‪ ،‬بل انزوت يف اجلناح الذي تقيم فيه‬
‫وبقيت تنظر‪ ،‬من خالل انفذة تطل على البحر‪ ،‬قر الشمس وهو‬
‫يلثم خط األفق‪ .‬فقالت ‪ :‬إنك غبت مثل األايم اليت مضت‪ ،‬مثل‬
‫احملبة اليت تالشت‪ ،‬ومل يبق منك ومنها إال أوهام‪.‬‬
‫وعم الظالم الكون فاستسلمت بدورها للحزن والكربة‪.‬‬

‫‪49‬‬

‫‪6‬‬
‫الدواء‬
‫اخلليفة مريض واألطباء يتوافدون على القصر وال أحد يستطيع‬
‫تشخيص دائه ح جاء احلكيم ابن هناء إمام األطباء‪ .‬كان اخلليفة‬
‫انئما على سرير من ذهب مغطى بلحاف من حرير وحوله مجع من‬
‫العلماء واملقربني‪ .‬فسلم ابن هناء على اخلليفة‪ .‬وابتسم هذا األخري‬
‫ابتسامة شاحبة قائال ‪:‬‬
‫─ هي تقلبات الدهر كما ترى اي إمام احلكماء‪.‬‬
‫فقال ابن هناء ‪:‬‬
‫─ سيأتيك الشفاء إبذن هللا‪.‬‬
‫قال اخلليفة ‪:‬‬
‫─ أين الشفاء والداء ليس يف جسدي ؟ األمة كلها مريضة‪.‬‬
‫مد الطبيب يده و معصم اخلليفة وجس نبضه‪ .‬فهدأت مالمح‬
‫اخلليفة وأغمض عينيه مث انم‪ .‬القدماء كانوا يقولون إن الطب علم‬
‫وبركة‪ .‬ويد ابن هناء هي أطيب األيدي‪ .‬كم من مريض حتسنت‬
‫أحواله فقط عندما المسته أانمل هذا احلكيم املباركة‪.‬‬
‫‪50‬‬


Aperçu du document أوهام الخليفةج02سبتمبر 2016.pdf - page 1/172
 
أوهام الخليفةج02سبتمبر 2016.pdf - page 3/172
أوهام الخليفةج02سبتمبر 2016.pdf - page 4/172
أوهام الخليفةج02سبتمبر 2016.pdf - page 5/172
أوهام الخليفةج02سبتمبر 2016.pdf - page 6/172
 




Télécharger le fichier (PDF)





Documents similaires


fichier pdf sans nom
fichier pdf sans nom 1
news otre idf 18 fevrier 2016
news otre idf 11 mars 2016
cm 14042016
news otre idf 15 avril 2016

Sur le même sujet..




🚀  Page générée en 0.065s