العربية بين البعد اللغوي والبعد الاجتماعي .pdf



Nom original: العربية بين البعد اللغوي والبعد الاجتماعي.pdfAuteur: Mostefa

Ce document au format PDF 1.5 a été généré par Microsoft® Word 2013, et a été envoyé sur fichier-pdf.fr le 26/01/2019 à 22:26, depuis l'adresse IP 154.121.x.x. La présente page de téléchargement du fichier a été vue 2208 fois.
Taille du document: 1.4 Mo (208 pages).
Confidentialité: fichier public


Aperçu du document


‫د‪ .‬مصطفى حركات‬
‫العربية بين البعد اللغوي والبعد االجتماعي‬

‫‪1‬‬

2

‫د‪.‬مصطفى حركات‬

‫العربية‬
‫بين البعد اللغوي والبعد االجتماعي‬

‫دار اآلفاق‬
‫‪3‬‬

‫المؤلف‪ :‬د‪.‬مصطفى حركات‬
‫الكتاب ‪ :‬العربية بين البعد اللغوي والبعد االجتماعي‬
‫ترجمة العنوان‬
‫‪Mostefa Harkat‬‬

‫‪L’arabe entre langage et société‬‬

‫جميع الحقوق محفوظة للمؤلف‬
‫ردمك‪:‬‬

‫‪ISBN: 978-9961-57-374-7‬‬

‫اإليداع القانوين‪:‬‬

‫السداسي األول ‪Dépôt légal : 2017‬‬

‫‪4‬‬

‫صدر للمؤلف‬
‫‪‬‬

‫‪‬‬
‫‪‬‬
‫‪‬‬
‫‪‬‬
‫‪‬‬
‫‪‬‬
‫‪‬‬
‫‪‬‬
‫‪‬‬
‫‪‬‬

‫{اللسانيات الرياضية والعروض العريب} رسالة دكتوراه الدرجة الثالثة‪،‬‬
‫جامعة باريس ‪.7‬‬
‫{النموذج اخلليلي وسط النظريات} رسالة دكتوراه دولة‪ ،‬جامعة باريس ‪.7‬‬
‫كتاب العروض‪ ،‬اجلزائر دار اآلفاق‪1985 ،‬‬
‫أوزان الشعر‪ ،‬اجلزائر دار اآلفاق‪.‬‬
‫الشعر احلر أسسه وقواعده‪ ،‬اجلزائر‪ ،‬دار اآلفاق‪.‬‬
‫اللسانيات العامة وقضايا العربية‪ ،‬اجلزائر‪ ،‬دار اآلفاق‪.‬‬
‫الكتابة والقراءة وقضايا اخلط العريب‪ ،‬اجلزائر‪ ،‬دار اآلفاق‪.‬‬
‫اآلفاق‪2002 ،‬‬

‫نظرييت يف تقطيع الشعر‪ ،‬اجلزائر دار‬
‫نظرية الوزن‪ ،‬اجلزائر دار اآلفاق‪2005 ،‬‬
‫نظرية اإليقاع‪ ،‬اجلزائر دار اآلفاق‪.‬‬
‫اهلادي إىل أوزان الشعر الشعيب‪ ،‬اجلزائر دار اآلفاق‪.‬‬

‫‪ ‬املعجم احلديث للوزن واإليقاع‪ ،‬اجلزائر دار اآلفاق‪،‬‬
‫‪ ‬نظرية القافية‪ ،‬اجلزائر دار اآلفاق‪2016 ،‬‬
‫كل هذه الكتب مطبوعة يف دار اآلفاق باجلزائر‪.‬‬

‫‪2008‬‬

‫أوزان الشعر‪ ،‬الشعر احلر أسسه وقواعده‪ ،‬الصوتيات والفونولوجيا‪ ،‬اللسانيات العامة‬
‫وقضايا العربية‪ ،‬الكتابة والقراءة وقضايا اخلط العريب مطبوعة يف لبنان ومصر‪.‬‬

‫‪5‬‬

: ‫صدر للمؤلف باللغة الفرنسية‬
Métrique arabe et linguistique mathématique, thèse de doctorat
de troisième cycle, université de paris 7, 1979, sous la direction
d’Antoine Culioli et Jacques Roubaud.
Le modèle khalilien au centre des théories, thèse de doctorat
d’Etat, Université de Paris 7, 1984, sous la direction d’Antoine
Culioli et Jacques Roubaud.
Métrique arabe, structure et transformation, Paris 1985, Mezura,
centre de poétique comparée, INALCO
Wazn, métrique arabe, Alger,2002.
Le temps du vers, in Mélanges, pp.224-234, Paris, Mezura 43,
INALCO.
Al Hadi, métrique de la poésie populaire maghrébine, Dar el Afaq
2008.
Dictionnaire comparé des théories du vers, arabe-français, Alger,
Dar el Afaq 2008.

6

‫محتويات الكتاب‬
‫املقدمة ‪9 ..................................................................‬‬

‫المحـ ـ ـ ـ ـ ــور األول مفاهيم عامة‬
‫املبحث ‪ 1‬اللغة بني الفرد واجملتمع‪17 .........................................‬‬
‫املبحث ‪ 2‬اللغة والتنظري‪24 .................................................‬‬
‫املبحث ‪ 3‬اللغة بني الثبات والتغري‪34 ........................................‬‬
‫املبحث ‪ 4‬اللغة واملكان‪41 ..................................................‬‬
‫مبحث ‪ 5‬العربية وأهلها‪46 .................................................‬‬
‫املبحث ‪ 6‬العربية والتنوع اللغوي‪54 ..........................................‬‬
‫املبحث ‪ 7‬العربية واالزدواجية اللغوية‪73 .......................................‬‬

‫المح ـ ـ ـ ـ ـ ـور الثاني الدراسة التقابلية‬

‫املبحث ‪ 1‬خصائص الفصحى‪90 ............................................‬‬
‫املبحث ‪ 2‬قضية اإلعراب‪110 ...............................................‬‬
‫املبحث ‪ 3‬النظام املقطعي بني الفصيح والعامي‪131 ............................‬‬
‫املبحث ‪ 4‬الصرف والتنوع اللغوي‪147........................................‬‬
‫املبحث ‪ 5‬األدوات النحوية‪166..............................................‬‬
‫املبحث ‪ 6‬علم الرتاكيب‪182 ................................................‬‬
‫املبحث ‪ 7‬مستقبل العربية‪200 ...............................................‬‬

‫‪7‬‬

8

‫المقدمة‬
‫‪.1‬اللغة ال ميكن فصلها عن اإلنسان كفرد أو كعنصر من مجاعة‪ .‬كما أنه ال‬
‫ميكن جتاهل العوامل اليت تساهم يف تكوينها كعناصر الزمن واملكان والدين والثقافة‪.‬‬
‫ولكن اللغة قبل كل شيء تؤدي وظيفة أساسية هي التبليغ‪ ،‬والتبليغ ال يستطيع أن‬
‫يتم إال إذا كان هناك قانون متفق عليه ِّ‬
‫ميكن من الفهم واإلفهام‪.‬‬
‫ومن هنا‪ ،‬فإننا ال نشاطر رأي من يعتقد أن اللسانيات احلقيقية هي اللسانيات‬
‫االجتماعية‪ ،‬وذلك أن كل الدراسات اللسانية االجتماعية ال تستطيع وصف‬
‫األوضاع إال بواسطة النظريات اللغوية مهما كانت بساطتها‪.‬‬
‫‪.2‬واللغة إذا كانت نظاما تواصليا فهي أيضا موضوع لإليديولوجيات املختلفة‪،‬‬
‫موضوع لتقارب األفراد والشعوب‪ ،‬وأحيانا موضوع للتباعد والنفور‪ ،‬بل قل موضوع‬
‫للحب والكراهية‪.‬‬
‫ولذا فإن على الباحثني أن يدرسوا اللغة من مجيع هذه اجلوانب‪ ،‬بعيدا عن كل‬
‫عاطفة‪ ،‬بعيدا عن التمجيد أو االحتقار‪ .‬ولكن من يستطيع أن يكون موضوعيا يف‬
‫هذا امليدان وهو فرد واقع حتت تأثري هذه اللغة ؟‬

‫‪9‬‬

‫‪.3‬القضايا اليت ختص اللغة ناجتة عموما عن التجاور اللغوي‪ .‬فقد يكون‬
‫الصراع بني العامية والفصحى‪ ،‬وبني هلجة وأخرى‪ ،‬وبني لغة أهل البلد ولغة أجنبية‪.‬‬
‫والصراع يتجسد يف االختيار‪ ،‬اختيار نظام لغوي بدال من نظام آخر‪ .‬وذلك لتلبية‬
‫حاجيات الفرد أو اجملتمع‪.‬‬
‫بالنسبة للعربية هناك صراع قدمي بني العامية والفصحى قد يرجع اليوم إىل‬
‫الواجهة‪ .‬ولكن هذا الصراع مفتعل والعربية هلا اليوم هذا الوجه املزدوج الذي جيعل‬
‫أهلها متمسكني به‪ .‬فال أحد يف العامل العريب يستطيع أن يتخلى عن هلجته وال أحد‬
‫يستطيع أن يتخلى عن الفصحى اليت هي وعاء جذوره وثقافته‪ ،‬ووسيلة طيّعة وفية‬

‫للتعبري عن احلداثة‪.‬‬
‫مث إن التقارب بني اللهجات العربية وبني العامية والفصحى نراه اليوم يسري‬
‫خبطى حثيثة وذلك حتت تأثري التعليم والتثقيف واإلعالم‪ ،‬حبيث إنه ميكننا التنبؤ‬
‫بوضع تكون فيه العربية شبيهة بلغات أخرى ذات ازدواجية ضعيفة‪.‬‬

‫‪.4‬أما عالقة العربية باللغات األجنبية كالفرنسية أو اإلجنليزية‪ ،‬فرأْيُنا أن‬
‫استخدام هذه اللغات الكتساب العلوم هو شيء طبيعي ال بل هو أساس‪ .‬واإلنسان‬
‫املثقف اليوم يف حاجة ملعرفة املزيد من اللغات‪ .‬ولكن أن تصري لغةٌ من هذه اللغات‪،‬‬
‫لغتنا الثقافية ولغة تعاملنا اليومي‪ ،‬وأن توضع العربية يف سلة املهمالت وينحصر‬
‫دورها يف السوق واملقهى أو يف اجملال األديب وحده‪ ،‬فهذا ما ال ميكن أن يتقبله أي‬
‫شخص عاقل‪.‬‬
‫‪.5‬دراستنا هذه واقعة أساسا يف امليدان اللغوي‪ ،‬وقد أردنا ألغراض التبسيط‬
‫وضع املفاهيم يف متناول الكثري‪ .‬بعض املفاهيم اللسانية االجتماعية متداول‪ ،‬وبعض‬
‫القواعد النحوية وارد يف الكتب‪ .‬فع ْلنا هذا لغرض تعليمي‪ ،‬ولكن هذا مل مينعنا من‬
‫‪10‬‬

‫هنج منهج خاص بنا‪ ،‬والقيام بالدراسة املعمقة‪ ،‬وابتكار املبادئ‪ ،‬وإزاحة القناع عما‬
‫خفي من األسرار‪ ،‬ووصف ما مل يوصف‪ ،‬وتصحيح وجهات النظر‪ .‬وذلك دون أن‬
‫نكون قد مسحنا كل ما يلزم مسحه من املفاهيم ألن كل باب من األبواب اليت‬
‫تطرقنا إليها يف حاجة إىل كتاب كامل لِب ِّل صدى العطشان إىل القضايا اللغوية يف‬

‫هذا امليدان‪.‬‬

‫‪.6‬دراستنا ختص هذا الكائن املتلخص يف الثنائية {فصحى‪ ،‬عامية}‪ .‬وقد‬
‫يقول قائل‪ :‬أي عامية تقصد‪ ،‬فالعامية العربية عاميات؟ قناعتنا هي أن كل هذه‬
‫العاميات تشرتك يف جماالت عديدة‪ ،‬وذلك أن هذه األنظمة مل تتأثر كثريا باللغات‬
‫احمللية وال حىت باللغات األجنبية‪ ،‬وأقصد هنا التأثر البنوي وليس التأثر باملفردات‬
‫واستريادها بالتعريب أو حىت بالتهجني‪ .‬فهوية اللغة تكمن يف بنيتها أكثر مما تكمن‬
‫يف كلماهتا‪.‬‬
‫والتغري الذي حدث بالنسبة للعامية جاء نتيجة حتوالت داخلية‪ .‬فكل‬
‫العاميات أمهلت اإلعراب‪ ،‬واملثىن‪ ،‬ونون النسوة‪ ،‬والبناء للمجهول‪ ،‬ويف كل العاميات‬
‫اجتمعت كل أشكال اسم املوصول يف اللفظ {اللي}‪ ،‬وكل العاميات أبقت على‬
‫النظام الفونولوجي الفصيح بكل حروفه وحركاته وذلك رغم اختالف التأديات‪ .‬وكل‬
‫العاميات بنت كلماهتا على الثالثي والرباعي واخلماسي واستعملت السامل واألجوف‬
‫واملهموز واملقصور واملضعف واسم الفاعل واسم املفعول‪ .‬وكلها فضلت {راح} على‬
‫{ذهب} و{شاف} على {رأى} ‪ .‬هذه املالحظات تقودنا إىل البحث عن‬
‫االختالف واالئتالف بني الفصحى والعامية من جهة‪ ،‬وبني أنواع العاميات من جهة‬
‫أخرى‪.‬‬

‫‪11‬‬

‫‪.7‬مل أرد أن يكون عملي حمصورا يف العامية اجلزائرية وإن اعتمدت كثريا على‬
‫أمثلة من هلجتنا‪ ،‬وذلك أين أردته نقطة انطالق للباحثني يف مجيع األقطار العربية‪.‬‬
‫متمنيا أن تكون هذه البحوث دافعا للتعرف على هذه اللهجات وحتسني التواصل‬
‫بني األشقاء‪.‬‬
‫‪.8‬بالنسبة للدراسة اللسانية مل أرد اعتماد وحو حديث بنوي أو توزيعي أو‬
‫حتويلي‪ ،‬وذلك لثالثة أسباب‪.‬‬
‫السبب األول نابع من قناعة شخصية وهي أين واثق من أن جل ما جاء به‬
‫وحاتنا ما زال قادرا على وصف لغتنا مبا فيه الكفاية‪.‬‬
‫والسبب الثاين هو أن العاميات لقرهبا من الفصحى قابلة للوصف والتحليل‬
‫بواسطة أدوات الذين درسوا الفصحى‪.‬‬
‫أما السبب الثالث فهو تربوي‪ ،‬وذلك أن طالبنا إذا استطاعوا ممارسة لغتهم‬
‫بواسطة وحو األولني‪ ،‬فهم غري قادرين على تطبيق أي نظرية من النظريات احلديثة‬
‫على لغتهم‪ .‬خذ أي مجلة مهما كانت بساطتها‪ ،‬واطلب من أحدهم أن يأتيك مثال‬
‫ببنيتها السطحية وبنيتها العميقة أو أن حيللها حسب أي مدرسة من املدارس‪ .‬فإنك‬
‫تراه حائرا غري فاهم وكأنك طلبت إليه حل معادلة من الدرجة التاسعة ! وذلك أن‬
‫تدريس اللسانيات يف العامل العريب هو اآلن من ميدان الثقافة العامة وليس من ميدان‬
‫املمارسة‪.‬‬
‫‪.9‬دراسة العامية والبحث عن قواعدها ال يعين تقعيدها‪ .‬وهذا التقعيد غري‬
‫نقعد؟‬
‫ممكن يف رأينا وذلك أن عامياتنا تتغري يف كل حني‪ .‬مث أي عامية ّ‬

‫‪12‬‬

‫هل نقعد عامية األجداد اليت جتهل مفردات السياسة واالقتصاد والتاريخ‬
‫نقعد العامية اليت غزاها الدخيل‬
‫واجلغرافيا وعلوم الطبيعة واجليولوجيا والفلك؟ هل ِّ‬
‫حىت هت ّجنت إىل حد فقدان هويتها؟‬
‫هل نفرض مثال على الناطقني أن يستعملوا صيغة اجلمع للمعدود حبجة‬
‫منطقية مزعومة كما قال أحدهم‪ ،‬وهم الذين يستعملون بالسليقة اجلمع حىت العشرة‬
‫إذ يقولون {تسعة رجال} واملفرد بعد العشرة إذ يقولون بعفوية { إحداعش رجل‪،‬‬
‫تسعون رجل}؟ هل نكبح ملكتهم ؟ الذي اقرتح هذا ووجد فيه دليال على قدم‬
‫اللغة العربية أو تعقيدها أو حىت فسادها ‪ ،‬جيهل أن منطق اللغة ليس منطق‬
‫الرياضيات‪.‬‬
‫الذين يريدون اعتماد العامية هم أمام موقفني‪:‬‬
‫أوهلما أن يبقوا على اللهجة القدمية اليت أصبحت فقرية‪ ،‬وأن يعتمدوا على لغة‬
‫غربية سائدة كاإلجنليزية‪ ،‬سيتخاطبون هبا‪ ،‬ويف ّكرون هبا وائدين يف املهد اللغة اليت‬
‫يزعمون حبها‪.‬‬
‫يطوروا هذه العامية‪ .‬وهذا لن يتم إال خبلق فصحى ترافقها‬
‫ثاين املوقفني هو أن ّ‬
‫وتعرب عن الثقافة احلديثة‪ .‬فلماذا هذا العناء والفصحى أمامهم تساير متطلبات‬
‫العصر؟ إطاللة سريعة على الكتب واإلعالم وكالم الناس ترينا أن لغتنا الفصحى‬
‫ليست أفقر من اللغات األخرى وذلك رغم كون قضايا املصطلح والتعليم واحلوسبة‬
‫اللغوية ما زالت مطروحة‪.‬‬

‫ال أريد أن أضع هذا الكتاب مكان النقاش العقيم‪ ،‬وإمنا ابتغيت فقط رفع‬
‫بعض الشبهات اليت قد تأيت من مسرع يف احلكم على اآلراء والنوايا دون االطالع‬
‫عليها أو من متشدد ال يلني تفكريه رغم احلجج املقنعة‪.‬‬
‫‪13‬‬

‫كم كتبت كتبا مل تنل احلظ الالئق هبا من قبل القراء‪ ،‬وهيئات التعليم والبحث‬
‫واجملامع‪ .‬أمتىن هلذا املؤلف اجلديد أال يلحق هذا الركب‪ ،‬وأن يقتدي به الطالب‬
‫والباحثون ‪ ،‬فيثروا أبوابه باألمثلة والبحث واإلحصاء‪.‬‬
‫مالحظة‪ :‬حىت ال أظلم كتيب والقراء فإنين أستثين {كتاب العروض} الذي‬
‫علم كل من جلس أو مل جيلس يف قاعة الدرس رفقيت‪ ،‬موازين شعرنا‪ ،‬وأصبح يقرض‬
‫الشعر برباعة وأحيانا بعبقرية‪ .‬وأنا فخور هبؤالء أميا فخر‪.‬‬
‫ويف هناية املطاف شكري هلل تعاىل الذي منحين القدرة الكافية على السري يف‬
‫دروب البحث الوعرة‪.‬‬
‫د‪.‬مصطفى حركات‬

‫‪14‬‬

‫المح ـ ـ ـ ـ ـ ـور األول‬
‫مفاهيم عامة‬
‫املبحث ‪ 1‬اللغة بني الفرد واجملتمع‪17 ........................................‬‬
‫املبحث ‪ 2‬اللغة والتنظري‪24 .................................................‬‬
‫املبحث ‪ 3‬اللغة بني الثبات والتغري‪........................................‬‬
‫املبحث ‪ 4‬اللغة واملكان‪.................................................‬‬
‫املبحث ‪ 5‬العربية وأهلها‪.................................................‬‬
‫املبحث ‪ 6‬العربية والتنوع اللغوي‪..........................................‬‬

‫‪34‬‬
‫‪41‬‬
‫‪46‬‬
‫‪54‬‬

‫املبحث ‪ 7‬العربية واالزدواجية اللغوية‪73 ......................................‬‬

‫‪15‬‬

16

‫المبحث ‪1‬‬
‫اللغة بين الفرد والمجتمع‬
‫‪.1‬اللغة والكالم‬
‫‪.1‬برزت علوم اللغة احلديثة أو اللسانيات يف بداية القرن املاضي حتت راية‬
‫يعرف أصحاهبا البنية تعريفا دقيقا مثلما فعل علماء الرياضيات‪،‬‬
‫البنيوية‪ ،‬ومل ّ‬
‫واستعملوا أحيانا مرادفا هلا كالنظام ‪ système‬وذلك دون حتديد هلذا املفهوم‪.‬‬
‫ولكن ضمنيا تتلخص فكرة النظام يف اهتمام اللسانيني مبا جيرى داخل اللغة‬
‫في زمان معين مصنفني وحداهتا‪ ،‬ومربزين العالقات بني العناصر وطرائق تركيبها‪،‬‬
‫والقواعد اليت بواسطتها ينتج الكالم المقبول ‪ ،‬أي الذي يستعمله الناطقون خالل‬

‫ختاطبهم‪.‬‬

‫‪ .2‬وهذا الطرح الذي قد يظهر جديدا مبتكرا هو يف احلقيقة وارد يف‬
‫املمارسات القدمية ‪ ،‬فالنحاة العرب درسوا لغتهم على هذا األساس ‪ :‬درسوها بصفة‬
‫آنية‪ .‬وحددوا أصواهتا وصنفوها‪ ،‬وأبرزوا طرائق تركيب احلروف واحلركات‪ ،‬وأثر‬
‫بعضها يف بعضها اآلخر‪ ،‬وجزؤوا الكلمات إىل حروف وأمساء وأفعال‪ .‬وبيّنوا كيف‬
‫‪17‬‬

‫تكون هذه الكلمات اجلمل اليت جاء هبا األسالف‪ ،‬واليت تستعمل يف عصرهم أو‬
‫ّ‬
‫قد تستعمل‪ ،‬أي اليت تستسيغها اآلذان وتتقبلها السليقة والعقول‪.‬‬
‫والعروضيون فعلوا مثل هذا‪ ،‬فحددوا العناصر اليت هلا داللة من ناحية الوزن‪،‬‬
‫وهي السواكن واملتحركات‪ ،‬ونظروا إىل الصفات اليت تتجاور فيها هذه الوحدات‪،‬‬
‫ومسّوا كلمات العروض تفاعيل ومجلها أبياتا‪ ،‬وحددوا البحور النموذجية وربطوها‬
‫بالواقع‪ ،‬وذلك باستعمال الزحافات والعلل‪ ،‬وفعل البالغيون ما فعل النحاة‬
‫والعروضيون‪ ،‬فعرفوا وصنفوا ونظّروا حماولني االبتعاد عن الذاتية‪.‬‬
‫‪ .3‬خالل كل دراسة لغوية تربز يف النص اللغوي وحدات ليست هلا نفس‬
‫الوظائف‪ .‬يف اجلملة ‪{ :‬الكالم هو اللفظ املركب املفيد بالوضع‪ ،‬وأقسامه ثالثة ‪:‬‬
‫وحرف} جند كلمات اصطالحية مثل‪{ :‬كالم‪ ،‬لفظ‪ ،‬مفيد‪ ،‬مركب}‪،‬‬
‫وفعل‬
‫ٌ‬
‫ٌ‬
‫اسم ٌ‬
‫وكلمات عادية غري اصطالحية‪ ،‬كأدوات التعريف والضمائر‪.‬‬
‫فالكلمات االصطالحية هلا إىل جانب مدلوهلا املعتاد مدلول خاص بالنظرية‬

‫اليت ترد فيها‪ ،‬فال نظرية وال علم بدون مصطلح‪ ،‬والكلمات العادية وظيفتها التبليغ‬
‫وإمتام اجلمل‪ ،‬وجعلها مقبولة سليمة‪ .‬وذلك ألن اللغوي يدرس اللغة بواسطة اللغة‬
‫وال يستطيع أن يدرسها بوسيلة أخرى‪.‬‬
‫ولكن يف مجلة مثل‪{ :‬كالمنا لفظ مفيد كاستقم} ‪ ،‬العبارة {استقم} ال‬
‫تنتمي إىل املصطلح وال للعناصر اليت تساعد على ضبط اجلمل‪ ،‬فهي مثال‪ ،‬وذلك‬
‫مثل اجلملة املشهورة ‪{:‬ضرب زيد عمرا} ‪.‬‬
‫واألمثلة اليت جندها يف كتب النحو واللسانيات هي من ميدان الواقع اللغوي‬
‫أو من ميدان االستعمال فهي كالم‪.‬‬

‫‪18‬‬

‫‪ .4‬باملعىن اللساين احلديث الكالم‬

‫‪la parole‬‬

‫ال يعين فقط املنطوق‪ ،‬فقد‬

‫يكون مكتوبا‪ ،‬وقد يكون مقننا بطريقة من الطرائق كالتسجيل الصويت‪ .‬الكالم هو‬
‫ما أجنز أو كان قابال لإلجناز مثل‪ُ :‬معلقة عنرتة‪ ،‬ومقصورة ابن دريد‪ ،‬وكتاب احليوان‬
‫للجاحظ‪ ،‬ونشرة األخبار يف التلفاز‪ ،‬وما قيل يقال يف املقاهي‪ ،‬وما كتب يف‬
‫الفايسبوك‪ .‬الكالم غير منته‪ ،‬وهو يربز إىل الوجود كلما نطق شخص بشيء أو‬
‫كتب شيئا‪ ،‬وتظهر هنا خاصية هامة للكالم وهي أنه فردي‪.‬‬

‫نعم قد تنتج مجاعة معينة الكالم‪ ،‬كأن حترر املناشري وتسن القوانني ولكن‬

‫عمل هذه اجلماعة ما هو إال جمموعة عمل األفراد‪ ،‬ويبقى أن الكالم يف األساس‬
‫فردي‪.‬‬
‫‪.2‬اللغة والنظام‬
‫‪ .1‬التمييز بني اللغة والكالم بواسطة صفاهتما املتقابلة يقود إىل املبدأين ‪:‬‬
‫اللغة تختلف عن الكالم‬

‫اللغة تساوي النظام‬

‫ويف هذا االختصار انصراف عما نتصوره من مفهوم اللغة‪ .‬فاللغة بالنسبة‬
‫للجميع ال تستطيع أن ختتلف عن الكالم وال عن نظام القواعد الذي يتحكم فيه‪.‬‬
‫وعليه فمن األفضل أن نضع املعادلة‪:‬‬
‫اللغة = النظام ‪ +‬الكالم‪.‬‬

‫وهبذا تصبح األمور واضحة يف األذهان‪ .‬فالنظام اللغوي هو ما حتدده‬
‫اجلماعة والكالم هو ما يتلفظ به الفرد أو يكتبه أو ينتجه بأي طريقة من الطرائق‬
‫وذلك يف إطار نظام لغوي معني‪.‬‬

‫‪19‬‬

‫‪. 2‬قولنا بأن النظام اللغوي مجاعي يعين أن اجلماعة هي اليت تضع هذه‬
‫القواعد‪ .‬ولكن اجلماعة ال حتدد هذه القاعد بصفة توافقية ‪ ،‬صرحية ‪ ،‬خالل اجتماع‬
‫عام ‪ ،‬أو خالل تشاور بني ممثليها ‪ ،‬أو خالل استفتاء ‪ ،‬وإمنا تفعل هذا بصفة ال‬
‫شعورية‪.‬‬
‫عندما أصبح الناطقون بالعربية يستعملون يف كالمهم العفوي األداة {اللّي}‬
‫بدال من اسم املوصول الفصيح {الذي} فإهنم مل جيروا أي استشارة بينهم‪ ،‬ومن‬
‫احمليط إىل اخلليج ‪ ،‬دون أن تدري كل مجاعة ما تفعل األخرى‪ ،‬أجروا هذا التغيري‬
‫نفسه يف عامياهتم‪ .‬وبالنسبة للكلمات‪ ،‬فإننا نالحظ كل يوم ألفاظا جديدة تربز إىل‬
‫الوجود دون أن ندري من اخرتعها‪ ،‬وكيف اخرتعها‪ ،‬وملاذا استساغها الناس فقرروا‬
‫استعماهلا‪.‬‬
‫‪ . 3‬قضية الذين حيددون النظام اللغوي بصفة مجاعية الشعورية تطرح علينا‬
‫قضية عالقتهم مبن حيددون النظام اللغوي بصفة فردية‪ ،‬واعية‪ ،‬علمية‪ :‬أي النحاة‪.‬‬
‫قواعد اللغة يف أذهان الكثري من شأن النحاة وحدهم‪ .‬وهذا غري صحيح‪.‬‬
‫فالنظرية اللغوية قد تتغري‪ ،‬والنحاة قد خيتلفون‪ ،‬ولكن النظام اللغوي يبقى على حاله‪.‬‬
‫والعرب ال ترفع الفاعل وال تنصب املفعول ألن النحاة قرروا هذا‪ ،‬ولكنهم يتصرفون‬
‫هكذا سليقة‪.‬‬
‫‪ .4‬بإمكاننا أن نقول إن النظام هو نظرية اللغة ويظهر لنا من خالل هذا‬
‫أننا أمام نظريتني‪:‬‬
‫أ‪.‬نظرية النحاة الذين حيددون عناصر هذا النظام حربا على ورق‪ .‬وميكننا أن‬
‫ننعته بالنظام الصريح‪.‬‬

‫‪20‬‬

‫ب‪.‬نظرية الناطقني الذين يضعون هذه القواعد بصفة المادية‪ .‬وميكن أن‬
‫ننعت ما نتج عن هذا التنظري بالنظام الخفي‪.‬‬

‫والقضية اليت تطرح على اجلميع هي عالقة النظام الصريح بالنظام اخلفي‪ .‬قد‬

‫تكون مهمة النحوي محاكاة النظام الخفي ‪ ،‬ولكن كيف ميكن هلذا النحوي أن‬
‫يتأكد من أنه سايره أو ابتعد عنه‪ ،‬إما بالتعقيد املصطنع وإما بالتبسيط الذي خيفي‬
‫احلقائق‪.‬‬
‫‪.5‬قضية حتديد الناطقني هلذا النظام وفهمه‪ ،‬ومسايرته يف احلديث‪ ،‬جتعلنا‬
‫نتكلم عن الكفاءة اللغوية والقدرة‪ .‬ومها وجهان متكامالن يشبهان الثنائية‬

‫{كالم‪،‬نظام}‪.‬‬

‫‪.3‬التبليغ والتواصل‬
‫‪.1‬وظيفة الكالم األساسية هي التبليغ‪ :‬تبليغ األفكار واألحاسيس‬
‫والرغبات‪ .‬والتبليغ ال ميكن أن حيدث إال إذا كان ضمن نظام تواصلي معين له‬
‫أصوله وقواعده‪.‬‬
‫والتواصل يكون بني مرسل ومرسل إليه‪ ،‬أو ناطق وسامع‪ ،‬أو كاتب وقارئ‪.‬‬

‫فاملرسل يقنن أفكاره بواسطة قانون أو شفرة هي اللغة‪ ،‬ويبعث رسالته بواسطة قناة‬
‫هي اهلواء عند التواصل باألصوات‪ ،‬فيتلقاها املرسل إليه‪ ،‬وحيل رموزها؛ أي يفهمها‪.‬‬
‫واللغة هلا وظائف عدة كالوظيفة التعبيرية اليت تظهر جليا عندما يكلم‬
‫اإلنسان نفسه‪ ،‬ووظيفة جمالية تربز يف األدب‪ ،‬وأحيانا يف الكالم العادي حيث‬
‫يتالعب الناس أحيانا باأللفاظ ويستعملون التشبيه واالستعارة والتلميح‪.‬‬

‫‪21‬‬

‫ولكن اللسانيني ركزوا على التواصل وعمموا املفهوم اخلاص باللغات املعتادة‬
‫إىل كل نظام يتواصل به البشر أو حىت احليوان‪ ،‬ومنه جاء تعريف اللغة اآليت ‪:‬‬
‫تعريف ‪ :1‬اللغة نظام وظيفته األساسية متكني التواصل‪.‬‬
‫‪ .2‬أقل شيء ميكن أن نعرفه يف نظام ما‪ ،‬هو وحداته‪ .‬ونظام التواصل وحدته‬
‫األساسية هي الدليل أو اإلاشارة اللغوية‬

‫‪le signe linguistique‬‬

‫وهذا الدليل‬

‫مكون من دال ومدلول أي شكل ومعىن‪ ،‬حبيث أن تعريف اللغة يصبح كما يلي‪:‬‬
‫تعريف ‪ :2‬اللغة هي نظام من األدلة‪.‬‬
‫‪.4‬تعريف اللغة‬
‫‪.1‬تعريف اللغة كنظام من األدلة ينطبق على أي نظام تواصلي كلغة‬
‫اإلشارات ولغة احليوانات واللغات الرقمية‪ .‬فهو إذن تعريف خيص اللغة مبفهومها‬
‫العام ‪ ،langage‬ولكن ما هو الشأن بالنسبة للغة البشرية ‪ langue‬كالعربية والصينية‬
‫والروسية واإلجنليزية ؟‬
‫‪ .2‬يرى اللساين أندري مارتيني أن خصوصيات اللغة البشرية تكمن يف‬
‫طبيعتها الصوتية‪ ،‬وفي بنيتها الثنائية أو ما مساه بالتمفصل الثنائي‬

‫‪la double‬‬

‫‪.articulation‬‬

‫يف أسفل البنيان جند األصوات اليت ال داللة هلا‪ ،‬ويف مستوى أعلى جند‬
‫الوحدات الدالة‪ .‬كل اللغات البشرية يف العامل‪ ،‬ومهما كانت أمهيتها‪ ،‬ومهما كانت‬
‫حتضر الناطقني هبا‪ ،‬مبنية هبذه الطريقة‪.‬‬
‫درجة ّ‬

‫‪22‬‬

‫ِ‬
‫كون‬
‫وهذا النوع من البناء اقتصادي جدا‪ ،‬فم ْن عدد حمدود من األصوات ن ّ‬
‫مئات الكلمات‪ ،‬ومن هذه الكلمات نكون عددا ال منتهيا من اجلمل‪.‬‬
‫وكما نرى فإن هذا النوع من التعريف للغة مبين على النظر إىل اللغة كنظام‬
‫دون اهتمام كبري بطبيعتها االجتماعية‪.‬‬
‫‪ .3‬من اللسانيني من يركز يف تعريفه للغة على اجلانب االجتماعي والثقايف ‪.‬‬
‫يف باب مشهور من كتابه {اللسانيات} يقول سبري ‪ Sapir‬ما مفاده ‪ :‬إننا نتكلم‬
‫بصفة طبيعية كما منشي أو حىت أحيانا كما نتنفس‪ ،‬وخييل لنا أن ال فرق هناك بني‬
‫املشي والكالم‪ ،‬إال أن قليال من التمعن يرينا الفروق األساسية بني املشي والكالم‪،‬‬
‫فاإلنسان جمهز بالوراثة البيولوجية للمشي وعضالته وأعصابه تؤهله لذلك ‪ ،‬وقد ينشأ‬
‫الفرد وحيدا‪ ،‬بعيدا عن غريه من البشر‪ ،‬ولكن هذا لن مينعه من املشي‪ .‬ومن جهة‬
‫أخرى فإن طريقة املشي قد ختتلف من شخص آلخر بسبب السن أو ممارسة‬
‫الرياضة‪ ،‬ولكن هذا االختالف ليس أساسيا‪ ،‬وال مميزا لثقافة دون أخرى‪.‬‬
‫األمر ليس كذلك بالنسبة للكالم ‪ ،‬فالشخص الذي ينشأ وحده أو بني‬
‫احليوانات لن يتكلم ‪ ،‬والذي يأيت من إفريقيا فإن عاش وترىب بني الصينيني تكلم‬
‫الصينية ‪ ،‬وبني العرب تكلم العربية ‪ ،‬وبني األمريكان نطق بلهجتهم‪.‬‬
‫إذن اللغة اجتماعية قبل كل شيء‪ ،‬وهي جزء من ثقافة األقوام‪.‬‬
‫‪.4‬كلمة أخرية عن تعريف ابن جين الشهري‪ :‬اللغة هي أصوات يعبر بها‬
‫أقوام عن أغراضهم‪ ،‬ففي هذا التعريف جند بعض العناصر األساسية اليت تصف‬

‫اللغة ‪ :‬الطبيعة الصوتية للغة‪ ،‬الطبيعة اجلماعية‪ ،‬والوظيفة التبليغية والتعبريية‪.‬‬

‫‪23‬‬

‫المبحث ‪2‬‬
‫اللغة والتنظير‬
‫‪.1‬نمذجة اللغة‬
‫‪. 1‬تنظري اللغة هو حتديد النماذج اليت تصفها أو حتدد قواعد استعماهلا‪ .‬وقد‬
‫رأينا أن املنظر األول هو الناطق‪ .‬ولكننا ال منلك ما جيعلنا نفهم اآلليات اليت‬
‫يستعملها‪ .‬أما اخلبري يف التنظري أي النحوي أو اللساين فعمله معروض أمامنا‬
‫وباستطاعتنا فهمه ونقده‪.‬‬
‫أول مشكل يتعرض له الباحث قبل أي تنظري هو تحديد اللغة واعتبارها‬
‫نظاما‪ .‬والنظام ال يستطيع أن يكون إال مغلقا‪.‬‬
‫ولكن ما معىن أن النظام مغلق؟‬

‫عرف لنا النظام بدقة وإن حبثت عن هذه املفردة يف كتب‬
‫ال أحد كما قلنا ّ‬
‫اللسانيات ملا وجدت ما يوجهك لفهم هذا املصطلح‪ .‬ورغم هذا سنعطي تعريفا‬
‫هلذه اخلاصية اليت بإمكاننا تسميتها انغالقا‪.‬‬
‫تعريف ‪ :‬النظام المغلق هو الذي نعرف ما ينتمي إليه وما ال ينتمي‪.‬‬
‫‪24‬‬

‫على مستوى الكلمات فاملعرفة ختص املستعمل واملهمل من كالم الناطقني‪،‬‬
‫وعلى مستوى الرتاكيب فاملعرفة ختص ما يصح من مجل وما ال يصح‪.‬‬
‫اعتبار اللغة نظاما مغلقا اعتبار مثالي‪ ،‬فاللغة تتغري عرب الزمن‪ ،‬وتتأثر باللغات‬

‫األخرى وختتلف من مكان آلخر‪ ،‬ورمبا حىت من شخص آلخر‪ ،‬ولكن اعتبار اللغة‬
‫محددة بحيث يعرف ما ينتمي إليها وما ال ينتمي تبسيط واختزال الزم‪.‬‬

‫العلوم كلها يف حاجة للتبسيط واالختزال‪ .‬فالرياضي يفرتض أن جمموعة األعداد‬
‫اليت يدرسها معروفة جيدا حىت وإن كان تعريفها الصوري ليس باهلني‪ .‬كما أنه‬

‫يفرتض يف اهلندسة مثالية يف األشكال قد ال توجد يف الطبيعة‪ .‬والفيزيائي يفعل‬
‫الشيء نفسه مث يقرب ما نظّره من الواقع املعروض عليه‪.‬‬
‫‪.2‬يف النحو مثال تصنيف الكلمات إىل أمساء وأفعال وحروف تبسيط ال ينظر‬
‫إىل الواقع‪ .‬فنحن نعرف أن الكثري من الوحدات قد تشرتك يف مسات االسم والفعل‬
‫أو احلرف واالسم أو الفعل واحلرف‪.‬‬
‫ويف الصرف ينطلق النحوي دائما من الشكل املثايل الذي هو السامل‪.‬‬
‫وعلى املستوى الصويت فإن خمارج احلروف ليست ستة عشر أو ما يقارب هذا‬
‫العدد وإمنا لكل حرف خمرج‪ .‬ال ‪ ،‬بل لكل حرف عدة خمارج‪ ،‬وذلك حسب الناطق‬
‫وحسب السياق الذي يرد فيه هذا احلرف ‪ ،‬فالكاف يف كي [‪ ]ki‬أي املتبوعة‬
‫بالكسرة خمرجها خيتلف عن خمرج الكاف املتبوعة بالضمة [‪.]ku‬‬
‫‪.3‬يف العروض ‪ ،‬التفاعيل ليست عشرا على مستوى الواقع‪ .‬فـ{فاعلن} هي‬
‫يف االستعمال {فاعلن وفعِلن وفِ ْعلن} و{مستفعلن} هي‪{ :‬مستفعلن ومتـ ْفعلن‬
‫وم ْست ْفعِ ْل}‪.‬‬
‫ومتعلن ُ‬
‫ومستعلن ُ‬
‫ْ‬
‫‪25‬‬

‫أما مناذج القصائد اليت يُعتقد أهنا البحور الستة عشر فإهنا يف احلقيقة‬
‫األضرب الثمانية والستون‪ .‬وقد برهنا أن إقراهنا بالقافية جيعل مناذج الشعر العريب تعد‬
‫باملئات‪.‬‬
‫على مستوى القافية أرجع املنظرون أصنافها إىل تسعة أمناط‪ ،‬وقد بينا أن‬
‫ُ‬
‫عدد األصناف هو يف احلقيقة أربعة ومخسون {انظر نظرية القافية}‪.‬‬
‫‪.4‬أما الكتابة اليت هي أولى النظريات اللغوية فإهنا اختصرت هي أيضا‬

‫احلروف اخلطية بل‪ ،‬وبصفة أدق‪ ،‬اختصرت العالقة بني الرمز اخلطي والصوت‪،‬‬

‫فالكتابة العربية مثال وحدت بني الراء املفخمة واملرققة ‪ ،‬ومل متيز بني أنواع التأديات‬
‫للحرف الواحد ومل تفرق بني الـ ُممال من احلركات وغري املمال‪.‬‬
‫‪.5‬وعند تشومسكي كانت اخلطوات األوىل مبنية على اعتبار خطية الكالم‬
‫مسايرة خلطية التحليل‪ ،‬وقد بينا يف أحباث قدمية أن مجال أساسية يف العربية مثل‬
‫{ضرب زيد عمرا} حيث املركب الفعلي فيها هو {ضرب عمرا} ال ميكن أبدا‬
‫حتليلها حسب النمط ‪{ :‬مركب امسي ‪ +‬مركب فعلي} أو {مركب فعلي ‪ +‬مركب‬
‫امسي}‪ ،‬وقد استدرك تشومسكي هذه النقائص باللجوء إىل التحويل‪.‬‬
‫‪.6‬افرتاض النموذجية يف موضوع الدراسة هو شيء طبيعي جدا وإذا مل نفهم‬
‫ذلك فإننا نقع يف انتقادات للمنظرين تنتمي إىل السفسطة‪.‬‬
‫من السفسطات الشهرية احلملة اليت شنها بعض املستشرقني وأتباعهم ضد‬
‫اخلليل وذلك باهتامه استعمال أوزان أصوهلا غري مستعملة‪ ،‬كوزن اهلزج الذي افرتضه‬
‫مسدسا وهو مربع يف االستعمال ‪ ،‬وبناء الوافر على الوزن ‪:‬‬

‫‪26‬‬

‫مفاعلنت مفاعلنت مفاعلنت‬

‫مفاعلنت مفاعلنت مفاعلنت‬

‫هو يف زعمهم خمالف لالستعمال‪.‬‬
‫كما أن بعضهم عاب عليه استعمال األسباب واألوتاد رغم أن هلذه‬
‫الوحدات قوة تفسريية ال ميكن االستغناء عنها‪ .‬وللعلم فإن هذه الوحدات هي‬
‫أساس العروض اليوناين وتفعيالته احلقيقية { انظر املعجم احلديث للوزن واإليقاع}‪.‬‬
‫‪.2‬وصف اللغة‬
‫‪. 1‬قد يقول قائل ‪ :‬وملاذا التنظري يف اللغة ؟ أال يكفي وصفها؟ أال نستطيع‬
‫وصفها دون هذه النمذجة؟‬
‫اجلواب عن هذا السؤال واضح ‪ :‬ال وصف من دون حد أدنى من التنظير‪.‬‬
‫فالوصف يقتضي معرفة ما نصف‪ .‬وحتديد ما نصف هو بداية التنظري‪.‬‬

‫لنتأمل ا ألديب الذي يصف مثال الطبيعة يف بعض أعماله‪ .‬فهذا األديب قد‬

‫خطى خطوة أوىل يف التنظري إذ هو جييب عن السؤال ‪ :‬ما هي الطبيعة ؟ وهو سؤال‬
‫يظهر بسيطا ولكن اإلجابة عنه ليست بالسهلة‪ .‬بعد أن حدد أديبنا ضمنيا مفهوم‬
‫الطبيعة نراه يتكلم من دون شك عن السماء والسحاب واألرض واألشجار والزهور‬
‫واجلبال والسهول واجلداول‪ .‬فهو يتوغل يف التنظري بتحديد مكونات هذه الطبيعة‪.‬‬
‫وهو ال يدري أنه جيزئ مكونات هذه الطبيعة حسب التجزيء الذي أجرته لغته‪.‬‬
‫واللسانيون قد أظهروا لنا بوضوح أن كل لغة جتزئ املدلوالت بطريقتها اخلاصة‪.‬‬
‫فالحد األدنى في الوصف هو معرفة ما نصف‪ .‬ثم تحديد مكونات‬
‫الموصوف‪.‬‬

‫‪27‬‬

‫‪.2‬أول تنظري يف العروض بعد تعريفه‪ ،‬ولو ضمنيا‪ ،‬هو تصنيف احلروف إىل‬
‫احذف هذا التنظري وستجد نفسك‬
‫سواكن ومتحركات أو مقاطع طويلة وقصرية‪.‬‬
‫ْ‬
‫أمام واقع لن تستطيع أن تصف منه شيئا‪.‬‬
‫يف الصوتيات أول تنظري هو حتديد املادة املدروسة مث الفرز بني احلروف‬
‫واحلركات واعتبار األصوات وحدات منفصلة ‪ unités discrètes‬يف علم الفونيمات‬
‫على األقل‪ .‬مع أن الواقع يشهد باتصال واستمرارية املادة الصوتية عند التلفظ‪.‬‬
‫احذف هذا املبدأ وستجد نفسك يف ضبابية تامة ال متكنك من أي دراسة‪.‬‬
‫‪.3‬تنظير الناطقين‬
‫‪.1‬وحن أمام نمذجة الزمة لدراسة أي علم وأي باب من أبواب اللغة‪ .‬ولكن‬

‫هل هذه النمذجة هي فقط حكر على العلماء واملختصني؟‬

‫‪.2‬يف مقال مشهور يقول إدوارد سبري ‪ Sapir‬بأن كل ناطق للغة من اللغات‬
‫حيمل نظاما صوتيا مثاليا خيالف الواقع اللغوي الفيزيائي‪ .‬هذا النظام مبين على‬
‫الوظيفة التمييزية لألصوات أي على تصنيف املنطوق حسب الفونيمات‪.‬‬

‫وميكن تعميم هذا الطرح على ميادين كثرية أخرى‪ .‬فشعراء امللحون عندنا يف‬
‫اجلنوب يبنون قصائدهم على عدد ثابت للمقاطع هو عشرة يتوسطهم موقع متزايد‬
‫الطول {انظر اهلادي إىل أوزان الشعر الشعيب} وهم ال يعرفون شيئا عن املقاطع‪ .‬ال‬
‫عن طوهلا وال عن قصرها‪ .‬فهم نظّروا ومنْذجوا بطريقة ضمنية‪.‬‬
‫إذن وحن أمام منذجتني ‪ :‬منذجة الناطق ومنذجة املنظر‪.‬‬

‫‪28‬‬

‫والفرق بينهما هو أن منذجة املنظر قد تظهر راقية ومنذجة الناطق الساذج‬
‫بسيطة‪ .‬ولكننا لن خنطئ كثريا إذا قلنا بأن نمذجة الناطق البسيط ال تخطئ‬

‫ومنذجة املنظر غري معصومة عن اخلطإ‪.‬‬

‫وذلك ألن نمذجة الناطق هي السليقة اليت هي أساس كل كالم مقبول‬
‫تركيبا وداللة‪ ،‬ومنذجة املنظر هي ثمرة تفكير مجرد قد يبىن على أسس خاطئة‬

‫سببها أحيانا قلة معرفة الواقع املدروس وأحيانا التشبث بفرضيات ال تصلح يف كل‬
‫املواقع‪.‬‬
‫‪.4‬اللسانيات والعلوم األخرى‬
‫‪ . 1‬ال تستطيع اللسانيات أن تبقى جربا يدرس فقط الوحدات اليت حيددها‬
‫والعالقات اليت تربط بينها‪ ،‬وذلك ألن هذا العلم متعلق باإلنسان فردا ومجاعة‪.‬‬
‫وكان من املنتظر بعد أن نشأت العلوم اليت تدرس اإلنسان من الداخل؛ أي‬
‫علوم النفس‪ ،‬والعلوم اليت تدرسه كعنصر من مجاعة أي علوم االجتماع ‪ ،‬كان من‬
‫املنتظر أن يكون للسانيات انفتاح يف اجتاه العلوم اليت هلا عالقة هبذا اإلنسان‪ .‬فجاء‬

‫االنفتاح يف االجتاهني‪ .‬اللسانيون استعملوا أو وجهوا علمهم وحو العلوم اإلنسانية‬
‫األخرى وعلماء النفس وعلماء االجتماع درسوا اللغة وناطقيها كجزء أساس من‬
‫موادهم‪.‬‬
‫‪ .2‬يف احلقيقة إن اللسانيني قد استعملوا ضمنيا خالل ممارساهتم مفاهيم‬
‫نفسية أو اجتماعية‪ .‬فالتواصل الذي هو أساس اللسانيات احلديثة له قدم يف علم‬

‫النفس وأخرى يف علم االجتماع‪.‬‬

‫‪29‬‬

‫فعلى سبيل املثال ‪ ،‬الصوتيات اليت هي علم فيزيائي يف األصل تصبح لغوية‬
‫أو فونولوجية عندما تكون مبنية على التواصل‪ .‬لكل صوت مسات عدة ولكن‬
‫البعض منها فقط يدخل يف متييزه عن غريه‪ .‬هذه الصفات املميزة كالتفخيم يف الطاء‬
‫أو اجلهر يف الذال أو الغنة يف امليم هي اليت خيتارها اللساين دون سواها عند دراسته‬
‫فونولوجيا لغة ما‪ .‬وهذه الصفات مرتبطة بنفسية الناطق الذي كما قلنا يتخيل نظاما‬
‫مثاليا لألصوات اليت ينطق هبا‪.‬‬
‫ومن جهة أخرى‪ ،‬فإن اجلماعات اليت تشرتك يف لغة ما‪ ،‬قد متلك تأديات‬
‫ألصوات خاصة هبا تسمى تأديات هلجية‪ ،‬وذلك كالقاف اليت ينطق هبا يف العامل‬
‫العريب بطرائق خمتلفة حسب اجلهات‪ .‬هذه التأديات كأهنا بصمة جلماعة ما تريد هبا‬
‫التميّز عن غريها‪ ،‬وهي يف نفس الوقت ال متس بالنظام الفونولوجي مما يدل على‬
‫متسك هذه اجلماعة جبماعة كربى تنتمي إليها‪ .‬هذا املوقف قد يهم اللغوي وعامل‬
‫االجتماع معا‪.‬‬
‫‪.3‬االقتصاد اللغوي الذي هو من الظواهر اليت قد يستعملها اللساين يف تربير‬
‫االختيارات هو أيضا مفهوم نفسي متعلق بالفرد‪.‬‬
‫والثنائية {تواصل‪ ،‬اقتصاد} تشرح الكثري من االختيارات يف لغتنا‪ .‬فاالقتصاد‬
‫وجه العامية للتخلي عن حركات اإلعراب وذلك أحيانا على حساب التواصل‪ .‬بينما‬
‫ّ‬
‫نيت على إعراب حيدد الوظائف أو على األقل يؤكد عليها‪ .‬ويف هذا اجتاه‬
‫الفصحى بُ ْ‬
‫وحو التبليغ‪.‬‬
‫‪.4‬يف العروض وظيفة الوزن مرتبطة باجلماليات وأيضا باحلفظ‪ .‬فاحلفظ هو‬
‫الذي يشرح لنا ميل بعض العلماء إىل تأليف القصائد التعليمية كألفية ابن معطي‬
‫‪30‬‬

‫وألفية ابن مالك يف النحو‪ ،‬والجزرية يف التجويد‪ ،‬وابن عااشر يف الفقه‪ ،‬والخزرجية‬
‫يف العروض‪ .‬واحلفظ من املفاهيم النفسية األساسية يف اللغة‪.‬‬
‫القصائد التعليمية موجودة يف كثري من الثقافات‪ .‬اهلنود واليونانيون والروس‬
‫ميلكون يف سجلهم الشعري هذا النوع من القصائد التعليمية اليت كانت حتفظ‪.‬‬
‫واهتمام األجناس املختلفة هبذا املشرتك األديب قد يقود علماء االجتماع أو‬
‫االنرتبولوجيا إىل دراسة هذا النوع من الظواهر‪.‬‬
‫‪ .5‬حاليا ‪ ،‬وخصوصا بعد نشأة اإلعالم اآليل وتطوره ‪ ،‬كثرت البحوث يف‬
‫عالقة علوم اللغة بالرياضيات‪ .‬وظن الكثري أن الرياضيات ستحل قضايا اللغة وستبين‬
‫مناذج جتعل احلاسوب يقوم مقام االنسان يف أداء مهام كثرية كالرتمجة اآللية وتصحيح‬
‫النصوص وحىت تأليفها‪ .‬ولكن النتائج مل تكن على مستوى التوقعات‪ .‬وذلك أن ما‬
‫مسي بالذكاء االصطناعي مبين فقط على احملاكاة‪ .‬إال أن أشياء كثرية أجنزت يف‬
‫ميادين حمدودة كالتعرف على الكالم أو الربط بني املكتوب واملنطوق أو البحث‬
‫التوثيقي‪ .‬مما جيعل اليوم استعماالت احلاسوب يف اللغة شيئا ضروريا‪.‬‬
‫‪.6‬اللغوي‪ ،‬ومنذ العصور األوىل‪ ،‬يتساءل عن الدوافع اليت قادت الناطقني إىل‬
‫استعمال صوت دون آخر أو كلمة بدل أخرى أو تركيبا معينا‪ .‬هذه االختيارات ال‬
‫يعقل أن تكون كلها اعتباطية‪ .‬وشرحها قد يصعب االهتداء إليه‪ .‬ولكن شرح النظام‬
‫بالنظام واللغة باللغة شيء حمدود إن مل يكن ممكنا‪ .‬فاللغوي يف كثري من األحيان‬
‫يلجأ إىل مفاهيم نفسية أو مجاعية لتربير االختيارات‪ .‬والسؤال املطروح هو ‪ :‬هل‬
‫هذه املفاهيم تبقى خارجة عن النظام أم أنه ميكن إدراجها فيه ؟‬

‫‪31‬‬

‫‪.5‬اللسانيات بين القديم والجديد‬
‫‪.1‬الغربيون عندما يتكلمون عن علماء اللغة العرب ينعتوهنم بالنحويني‪.‬‬
‫وعلماءنا حبثوا يف كل ميادين اللغة من صوتيات وصرف ووحو وبالغة وعروض‬
‫ومعجمية ‪ ،‬وذلك مبنهجية ال ختتلف كثريا عن املنهجية املتبعة حاليا‪ .‬وحبوثهم اليت‬
‫استمرت مدة قرون كانت حبوثا معمقة جديرة باإلعجاب واالحرتام‪ .‬ولذا فإهنم أهل‬
‫بأن يُنعتوا باللسانيين‪ .‬ويف أحباثنا قد نستعمل دون متييز علم اللغة واللسانيات أو‬
‫اللغويني واللسانيني‪ .‬وذلك بالنسبة للقدمي واجلديد‪.‬‬
‫‪.2‬هناك اعتقاد سائد عند بعض الناس وهو أن اجلديد من العلوم يلغي حتما‬
‫قدميها‪ ،‬وأن ما جاء به األولون سيرتك املكان ملا اخرتعه املتأخرون‪.‬‬
‫ال شيء أقرب إىل اخلطإ من هذا االعتقاد‪ ،‬فالعلوم كاحلائط الذي يُشيد‪ .‬بعد‬

‫بناء األساس يشرع املشاركون يف العمل‪ ،‬كل فرد يضع حج ُرهُ‪ .‬واخلط الذي هو يف‬
‫األعلى ال يقوم إال باالستناد على سابقه‪ .‬فنحن نتعامل مع كل مكونات احلائط ما‬
‫ج ّد منها وما قدم‪.‬‬
‫‪.3‬الرياضيات مثال جتعلنا نفهم طبيعة العلوم‪ ،‬وطبيعة ممارساهتا‪ .‬عشرات‬
‫النظريات تربز كل سنة‪ ،‬ولكن ما زال األطفال والطلبة‪ ،‬واملهندسون‪ ،‬والذين يبعثون‬
‫الصواريخ يف اجتاه األقمار‪ ،‬يؤمنون بفيثاغورس‪ ،‬وطاليس‪ ،‬واخلوارزمي‪ ،‬وحساب‬
‫املثلثات الذي نبغ فيه العرب‪ ،‬ومازالوا يستعملون التفاضل والتكامل‪.‬‬
‫‪ .4‬ويف النحو مازلنا نستعمل مفاهيم االسم والفعل والفاعل‪ ،‬وحن يف الوطن‬
‫العريب ولكن أيضا عند اإلنكليز والفرنسيون وغريهم‪ ،‬وذلك رغم بروز املدارس‬
‫‪32‬‬

‫ِ‬
‫ثت تغيريات يف بعض الربامج فهي‬
‫احلديثة كالبنيوية‪ ،‬والوظيفية‪ ،‬والتوزيعية‪ .‬وإن أحد ْ‬

‫طفيفة ال تكاد تذكر‪ .‬وال أظن أننا يف يوم من األيام سنستغين عن كل املفاهيم‬
‫األساسية اليت جاء هبا القدماء‪ .‬نعم سنثري حبثهم‪ ،‬نعم سنصحح بعض أخطائهم‬
‫إن وقعت‪ ،‬نعم سننري ما كان غامضا يف أذهاهنم‪ ،‬ولكننا لن منحو من الوجود‬
‫أعماهلم‪ ،‬ال بل لن نستطيع جعل أعماهلم جمرد تراث‪ ،‬وسنستعملها رفقة ما يردنا من‬
‫جديد موثوق فيه‪.‬‬
‫‪.5‬ومن جهة أخرى فإن البحث اللساين اليوم ما زال غري مكتمل‪ ،‬وإن ثبتت‬
‫بعض املفاهيم واألسس‪ ،‬فالكثري من التساؤالت ما زالت تطرح‪ .‬وقد قيل إن‬
‫الوصف اللغوي الذي يراد حصر البنيوية فيه قد بلغ ذروته‪ .‬ولكن األعمال اليت تنجز‬
‫كل يوم ترينا أن وصف اللغات وحىت اليت كتب فيها الكثري ما زال مثمرا‪ .‬وما هو‬
‫اليوم جدير باالهتمام ليس البحث النظري يف حد ذاته ‪ ،‬وإمنا اجملال التطبيقي الذي‬
‫يشغل عشرات الباحثني‪.‬‬
‫‪ . 6‬البحث اللساين العريب ما زال متأخرا‪ .‬ويرجع هذا إىل قلة فهمنا ملا أجنز من‬
‫أعمال حديثة‪ .‬فالكتب عندنا تعج بالكالم عن الباحثني الغربيني ووصف اجتاهاهتم‬
‫ولكن أصحاب هذه الكتب غري قادرين على تطبيق هذه النظريات على لغتهم‪ .‬ال ‪،‬‬
‫بل على بعض اجملاالت منها‪ .‬فكيف يف هذه احلاالت وحلم بإصالح وحونا ؟‬
‫وعلى الذي يريد أن يُنعت باللساين أال ينسى أن كل علماء هذه املادة مل‬
‫يكتفوا بوضع أسس نظرية ملادهتم‪ .‬بل إهنم حبثوا على مستوى الواقع امللموس ويف‬
‫جماالت عديدة‪ .‬هذه املمارسة الفعلية هي وحدها الكفيلة باالجتاه وحو التنظري‪.‬‬

‫‪33‬‬

‫المبحث ‪3‬‬
‫اللغة بين الثبات والتغير‬
‫‪.1‬ظاهرة التغير والثبات‬
‫‪.1‬اللغة تتغير يوميا ‪ .‬هذا ما يظهر لنا عندما نفاجأ على مستوى املسموع‬
‫بعبارة غريبة شاعت عند بعض الناس أو على مستوى املكتوب بكلمة فرضها علينا‬
‫العلم احلديث‪ .‬وأحيانا نسمع الشبان يستعملون لغة جديدة ال نكاد نفهمها‪ .‬وإذا‬
‫التفتنا إىل املاضي واطلعنا على ما جاء به األولون ‪ ،‬وخصوصا يف امليدان األديب‪،‬‬
‫فإنه خييل لنا أهنم كانوا يستعملون لغة غري لغتنا احلديثة‪ .‬ولكن يف الوقت نفسه‬
‫نشعر بأن اللغة ما زالت كما كانت‪ ،‬وأن شيئا أساسيا‪ ،‬جوهريا‪ ،‬بقي راسخا فيها ال‬
‫يتغري‪.‬‬
‫هذا الشعور بالثبات والتغري جيعلنا نطرح على أنفسنا السؤال اآليت ‪ :‬ما الذي‬
‫يتغير في اللغة وما الذي يبقى ثابتا ؟‬

‫اجلواب عن هذا السؤال مهم جدا‪ .‬خصوصا ووحن يف زمان نستعمل فيه‬

‫مصطلح اللغة بصفة غري مضبوطة‪ .‬ومنيز بني االستعماالت املختلفة للغة الواحدة‬
‫باعتبارها مناذج متغايرة‪.‬‬
‫‪34‬‬

‫‪ .2‬الغريب والمأنوس في النصوص القديمة‬
‫‪.1‬إذا تأملنا هذه األبيات من قصيدة النابغة املشهورة ‪:‬‬
‫يا دار مية بالعلياء فالسن ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــد‬
‫وقفت فيها أصي ًال كي أسائله ـ ــا‬

‫إال األواري أليًا ما أبيِّـنهـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــا‬

‫أقـوت وطال عليها سالف األبد‬

‫عيت جوابا وما بالربع من أح ــد‬

‫والنـُّؤي كالحوض بالمظلومة الجلد‬

‫لوجدنا أنفسنا أمام كلمات غريبة حتول بيننا وبني فهم النص‪ .‬ولكن موقفنا أمام‬
‫هذا النص ليس موقف الذ ي جيهل متاما اللغة العربية‪ .‬وذلك أننا نصادف كلمات‬
‫مأنوسة نستعملها يف لغتنا املكتوبة أو حىت يف عاميتنا‪.‬‬
‫‪.2‬من بني الكلمات املأنوسة جند‪:‬‬
‫حروف اجلر مثل ‪ :‬بـ ـ ـِ ‪ ،‬يف‪ ،‬على‪ ،‬من‪.‬‬
‫حروف العطف مثل ‪ :‬الواو والفاء‪.‬‬
‫حروف النداء مثل ‪ :‬يا‪.‬‬
‫حروف التشبيه كالكاف‪.‬‬
‫وهناك حروف أخرى يف القصيدة ميكن للقارئ أن يربزها‪.‬‬
‫حروف املعاين إذن ال تتغري يف اللغة واستعملت عرب العصور وما زالت تستعمل‬
‫حىت اليوم‪.‬‬
‫‪.3‬هناك أيضا أدوات هي وحدات دالة قد ال تصنف ضمن احلروف كأداة‬

‫التعريف أو نون التنوين أو حركات اإلعراب أو عالمات التأنيث أو املثىن أو اجلمع‪.‬‬
‫هذه الوحدات هي أيضا من الوحدات الثابتة يف اللغة‪.‬‬
‫‪35‬‬

‫‪.4‬إىل جانب هذه األدوات واحلروف ‪ ،‬جند وحدات نسبت أحيانا إىل األمساء‬
‫أو األفعال وذلك مثل الضمائر سواء كانت متصلة أو منفصلة‪ ،‬وأمساء اإلشارة‪،‬‬
‫واألمساء املوصولة‪ ،‬وأمساء االستفهام‪ ،‬وأمساء الكناية‪ .‬ومن األفعال الثابتة يف اللغة‬
‫األفعال الناقصة وكل عامل له أثر يف األمساء أو األفعال‪.‬‬
‫‪.3‬الوحدات المعجمية والوحدات النحوية‬
‫‪ .1‬اللسانيون يقسمون كلمات اللغة أو بصفة أدق وحداهتا الدالة إىل وحدات‬
‫معجمية ووحدات وحوية‪.‬‬
‫‪ .2‬بصفة عامة الوحدات النحوية هي اليت حتدد العالقات بني الوحدات‬

‫املعجمية أو تربز وظائفها ‪ ،‬وحروف املعاين يف التصنيف العريب هي أبرز هذه‬
‫تكون قائمة محدودة مغلقة‬
‫الوحدات‪ .‬وللوحدات النحوية صفات كثرية أبرزها أهنا ّ‬

‫أي أنه ال ميكن حذف أي عنصر منها أو إضافة أي عنصر هلا‪.‬‬
‫الوحدات النحوية هي إذن العناصر الثابتة في اللغة‪.‬‬

‫‪.3‬أما الوحدات المعجمية فهي اليت حتمل معىن حييل على شيء خارج اللغة‬

‫وذلك كاألمساء واألفعال‪.‬‬
‫تكون قائمة مفتوحة أي أن بعضها يزول استعماله وبعضها يدخل اللغة‪.‬‬
‫وهي ّ‬
‫‪.4‬خصائص الوحدات الدالة‬

‫‪ .1‬إذا تأملنا األبيات األوىل من قصيدة النابغة {يا دار مية} ورتبنا وحداهتا‬
‫حسب الورود فإننا نرى أن أداة التعريف تتصدر القائمة متبوعة بالضمائر املتصلة مث‬
‫‪36‬‬

‫حبروف اجلر وحروف العطف‪ .‬أما الكلمات املعجمية مثل ‪{ :‬دار‪ ،‬مية‪ ،‬علياء‪،‬‬
‫ُصيل ‪ ،‬أسائل‪ ،‬عي ‪ ،‬جواب‪ ،‬الربْع‬
‫سن ــد‪ ،‬أقوى ‪ ،‬طال ‪ ،‬سالف ‪ ،‬أبد ‪ ،‬وقف ‪ ،‬أ ْ‬
‫‪،‬أح ــد‪ }.‬فإهنا مل ترد إال مرة واحدة يف النص‪.‬‬
‫من ناحية الطول فمن الواضح أن أقصر الوحدات هي اليت تتصدر قائمة‬
‫الورود‪ .‬وما كان أكثر قصرا جند أداة التعريف ونون النكرة وعالمات اإلعراب‪.‬‬
‫ومنه فإن ‪:‬‬
‫أ‪.‬الوحدات النحوية حمصورة العدد وأكثر تداوال من الوحدات املعجمية‪.‬‬
‫ب‪ .‬الوحدات النحوية متتاز بالقصر ويرجع هذا لكوهنا أكثر ورودا ولكون‬

‫الناطق ميال لالختصار‪.‬‬

‫جـ‪.‬الوحدات املعجمية كثرية العدد‪ ،‬صعبة احلصر‪ .‬ونسبة ورودها يف النصوص‬
‫ضعيفة إذا قيست بنسبة ورود الوحدات النحوية‪.‬‬
‫د‪ .‬الوحدات املعجمية أطول من الوحدات النحوية سواء من ناحية عدد‬

‫احلروف واحلركات أو عدد املقاطع‪.‬‬

‫‪ . 2‬اخلواص اليت ذكرناها ال تقتصر على النصوص األدبية وإمنا كل نص لغوي‬
‫له هذه البنية اإلحصائية وذلك يف كل لغات العامل‪ .‬كما أن اللسانيني الحظوا أن‬
‫ما يرتدد من كلمات هو عدد قليل حبيث أن جمموعة صغرية من املفردات تغطي‬

‫‪90‬‬

‫يف املئة من املفردات املستعملة يف اللغة‪ .‬وهذا يقودنا إىل التمييز بني كلمات اللغة‬
‫اليت هي تقريبا غري متناهية كما الحظ ذلك اللساين بلومفيلد واملفردات اليت‬

‫يستعملها الفرد أو يفهمها وهي تكون معجمه الشخصي‪.‬‬

‫‪37‬‬

‫‪.5‬الكلمات األساسية في اللغة‬
‫‪.1‬اللسانيون يقولون إن كل لغة تقسم املفاهيم حسب طريقتها الشخصية‬
‫ويستدلون على زعمهم هذا بقوس قزح الذي حتدد ألوانه اللغات بطرائق خاصة‪ .‬كما‬
‫يستدلون بالعالقات العائلية يف اللغات املختلفة‪ .‬فاجلد واجلدة واحلفيد والعم واخلال‬
‫يف العربية مفردات ليست هلا دوما مقابالت يف اللغات األخرى‪ .‬ففي الفرنسية مثال‬
‫يعربون عن اجلد بقوهلم {األب الكبري}‪ .‬وهم يستعملون مصطلحا واحدا للداللة‬
‫على العم أو اخلال دون متييز بينهما‪.‬‬

‫ولكن هذا التقسيم للمعاين واملفاهيم وتسمية األشياء مرتبط بالحاجة‬
‫والضرورة‪ .‬فالذي يُسمى يف اللغة هو ما يحتاج إليه مستعملو هذه اللغة‪ .‬لذا جند‬
‫يف األدب اجلاهلي العديد من املفردات اليت ختص البادية واجلمل والناقة واخليل‬

‫والنجوم اليت هتدي الساري ليال‪ .‬وقد قل استعمال هذه املصطلحات عندما تغري‬
‫النمط املعيشي للمسلمني‪.‬‬
‫‪ . 2‬رغم التحول االجتماعي للناطقني بلغة معينة ‪ ،‬فإهنم مل يغريوا كل وحداهتا‬
‫املعجمية وإمنا بقيت بعض املفردات غري النحوية ثابتة وهذه الوحدات ميكن تصنيف‬
‫أمهها كما يلي ‪:‬‬
‫أ‪ .‬الكلمات املرتبطة بالعد‪ .‬سواء كان العدد أصليا كما يقول الرياضيون‪،‬‬
‫وذلك مثل الواحد واالثنني والثالثة واألربعة والعشرة واملائة واأللف‪ .‬أو كان العدد‬
‫ترتيبيا مثل األول والثاين والثالث والرابع‪.‬‬
‫ب‪ .‬الكلمات املرتبطة باجلسم مثل الوجه والعني والفم واألنف واألسنان‬

‫والكتف والذراع واليد واألصابع والساق والرجل‪.‬‬
‫‪38‬‬

‫جـ ‪ .‬الكلمات املرتبطة بالطبيعة واحمليط العام كالسماء والشمس واألرض والقمر‬
‫والنجوم والشجر والدار والبيت والغرفة‪.‬‬
‫د‪ .‬الكلمات املرتبة باألحاسيس كاحلب والصداقة والتعب والراحة‪.‬‬
‫إىل غري ذلك من الكلمات األساسية يف اللغة واليت مل تؤثر فيها حتوالت‬
‫العصر‪.‬‬
‫‪ . 3‬إذا كان مقياس هوية اللغة هو من جهة وحداهتا النحوية ومن جهة أخرى‬
‫الوحدات املعجمية األساسية فإن تغري اللغة فد يكون أحيانا كبريا حبيث أن وضعا‬
‫من أوضاع اللغة جيعلنا وحتار يف قضية انتساب وضع لغوي جديد إلى الوضع‬
‫القديم‪.‬‬

‫هذا ما حدث بالنسبة للعربية عندما برزت العامية إىل الوجود‪ .‬فالعامية حافظت‬

‫على الكثري من الوحدات النحوية الفصيحة مثل أداة التعريف وبعض حروف اجلر‬
‫والعطف ومعظم الضمائر ولكنها أمهلت حركات اإلعراب وهي مرفيمات أساسية‬
‫يف الفصحى‪ .‬وأمهلت املثىن واحلروف اليت تعرب عنه وغريت طرائق النفي واالستفهام‬
‫والتوكيد‪.‬‬
‫ومن جهة أخرى فإن العامية حافظت على املفردات األساسية الفصيحة مما‬
‫يقرهبا منها‪.‬‬
‫كل هذا جيعلنا ال نستطيع اعتبار العامية مطابقة للفصحى أو اعتبار العامية‬
‫غريبة عن الفصحى‪.‬‬
‫‪.4‬اللسانيون يضعون مقياسا للتقارب بني اللغات هو الفهم‪ .‬ولكن هذا‬
‫املقياس هل هو كاف؟ وذلك ألن الفهم درجات‪ .‬ولذا فإنه علينا أن نضع مفهوما‬
‫جديدا هو مفهوم التقارب بين اللغات‪.‬‬
‫‪39‬‬

‫‪ .5‬التقارب بني األنظمة اللغوية ال نستطيع أن وحدده فقط بسمات خارجة‬
‫عن النظام نفسه سواء كانت هذه السمات نفسية كالتفاهم أو اجتماعية ثقافية‪ .‬بل‬
‫يلزم اللجوء إىل دراسة المشترك والمختلف بني النظامني على مستوياهتا املختلفة‪،‬‬
‫وتقنينه‪.‬‬

‫‪40‬‬

‫المبحث ‪4‬‬
‫اللغة والمكان‬
‫‪.1‬التقسيم اللغوي والتقسيم الجغرافي‬

‫‪.1‬ما دامت وظيفة اللغة األساسية هي التواصل بني اجلماعات‪ ،‬واجلماعات‬
‫تقطن أماكن معينة من األرض‪ ،‬فإن اللغة مرتبطة بالمكان‪ .‬ففي هذا املكان ينطق‬
‫هبا الناس ويعربون بواسطتها عن أغراضهم كما قيل‪ ،‬ويتعلموهنا بصفة تلقائية أو يف‬
‫املدارس‪ ،‬ويستعملوهنا يف اإلدارة والتسيري‪.‬‬
‫وارتباط اللغة باملكان جعل اللغويني يهتمون بتوزيع اللغات يف األقطار املختلفة‬
‫فوضعوا خرائط تقسم األرض إىل لغات خمتلفة‪ ،‬وقارنوا بني هذه اخلرائط اللغوية‬
‫واخلرائط املبنية على التقسيم السياسي املعروف‪.‬‬
‫‪.2‬ولكن هذه املقارنة أظهرت تباينا كبريا بني التقسيمني‪ .‬استعمل اللغويون‬
‫مصطلح إيزوكلوس ‪ isoglosse‬وهو مصطلح قلدوا به أهل اجلغرافيا الذين يستعملون‬
‫كلميت إيزوترم ‪ isotherm‬أي احلدود اليت تربط بني املناطق اليت هلا نفس درجة‬
‫احلرارة يف زمان معني وكلمة إيزوبار ‪ isobar‬أي احلدود اليت تربط بني مناطق مشرتكة‬
‫يف الضغط اجلوي‪.‬‬

‫‪41‬‬

‫واإليزوكلوس أو خطوط التماثل اللغوي هذه ال تتطابق يف معظمها مع حدود‬
‫البلدان واملقارنة بني التقسيمني بينت وضعيات خمتلفة نذكر منها ‪:‬‬
‫أ‪.‬يف البلد الواحد توجد لغة واحدة يستعملها اجلميع وهو وضع مثايل نادر‪.‬‬
‫ب ‪.‬البلد الواحد جمزأ إىل مناطق لغوية خمتلفة‪ .‬وهو الوضع األكثر شيوعا‪ .‬ومثال‬
‫ذلك بلجيكا وسويسرا وكندا‪.‬‬
‫جـ ‪.‬اللغة الواحدة مشرتكة بني العديد من الدول وهو وضع شائع أيضا‪ .‬ومثال‬
‫ذلك االجنليزية والفرنسية‪.‬‬
‫دـ‪.‬اللغة الواحدة مشرتكة بني أجزاء من بلدان خمتلفة وذلك كالفرنسية اليت ينطق‬

‫هبا يف اجلزء الفرنكوفوين من بلجيكا ومثيله يف سويسرا‪.‬‬

‫ه‪ .‬توجد يف البلد الواحد مناطق يتكلم فيها الناس أكثر من لغة‪ .‬وذلك مثل‬
‫إسبانيا‪.‬‬
‫و ‪.‬توجد يف البلد الواحد لغة وطنية موحدة وهلجات عديدة‪ .‬ومثل ذلك فرنسا‬

‫حيث اللهجات اليت ال عالقة هلا باللغة السائدة ‪ ،‬موجودة يف مناطق عدة‪ ،‬يف جزيرة‬
‫كورسيكا ‪ ،‬وبلد الباسك يف اجلنوب الغريب ‪ ،‬وبلد األلزاس يف الشمال الشرقي‪.‬‬
‫هذه فقط بعض األوضاع وهناك أوضاع أخرى تتدخل فيها عوامل أخرى‬
‫كالتاريخ والدين والعقيدة واملناخ وطبيعة األرض‪.‬‬
‫‪.2‬مواقع االختالف اللغوي‬
‫‪.1‬إذا مسينا لغة مجموعة االستعماالت اليت تتمثل يف معجم حمدد وتراكيب‬

‫متداولة ونطق بارز‪ ،‬فإن اللغة هبذا املعىن الضيق ختتلف من شخص آلخر‪ .‬فلكل منا‬
‫طرائقه يف التعبري سواء بالنسبة للمكتوب أو املنطوق‪ .‬وهي نابعة عن نشأته وثقافته‬
‫وطبعه‪ .‬وقد مسى اللغويون هذه اللغة الفردية باإليديولكت ‪. idiolecte‬‬
‫‪42‬‬

‫وحىت هذه اللغة الفردية فإنه باإلمكان جتزيئها إىل لغات‪ .‬وذلك أننا ال نستعمل‬
‫نفس الكلمات وال نفس الرتاكيب عندما نكون يف السوق أو مع مجاعة من املثقفني‬
‫أو يف حوار يف التلفاز أو يف حماضرة أكادميية‪.‬‬
‫‪.2‬ويظ ِهر هذا أن حتديد جغرافيا للغات قد يكون تابعا للمفهوم الذي نعطيه‬
‫للغة وللمجال الذي يدرسه الباحث‪ .‬أهو الفرد أم العائلة ؟ أم مجاعة من املثقفني أو‬
‫احلرفيني؟ أم حيا أو مدينة وضواحيها ؟ أم ناحية من بلد ؟ أم بلدا بأكمله ؟ أم‬
‫جمموعة من البلدان؟‬
‫‪.3‬إحصاء اللغات‬

‫‪.1‬بعض اإلحصائيات حتدد ‪ 6800‬لغة يف العامل موزعة على ‪ 220‬بلدا أو دولة‪.‬‬
‫مما يعطينا معدال يساوي ‪ 30‬لغة يف كل بلد‪ .‬ولكن بعض البلدان ال حتتوي إال على‬
‫لغة واحدة مثل كوبا وكوريا الشمالية أو اجلنوبية وإسالندا‪ .‬بينما بعض البلدان حتتوي‬
‫على عشرات اللغات بل على املئات‪ .‬وذلك مثل اهلند وغينيا اجلديدة‪.‬‬
‫‪.2‬هذه بعض اإلحصائيات املتداولة‪:‬غينيا اجلديدة ‪ 830‬لغة‪ ،‬إندونيسيا ‪722‬‬
‫لغة‪ ،‬نيجرييا ‪ 521‬لغة‪ ،‬اهلند ‪ 445‬لغة‪ ،‬الواليات املتحدة ‪ 364‬لغة‪ ،‬املكسيك ‪297‬‬
‫لغة‪ ،‬الصني ‪ 296‬لغة‪ ،‬الكامرون ‪ 279‬لغة‪ ،‬الكونغو كينشاسا ‪ 217‬لغة‪ ،‬أسرتاليا‬
‫لغة‪ ،‬الربازيل ‪ 193‬لغة‪ ،‬ماليزيا ‪ 145‬لغة‪ ،‬روسيا ‪ 145‬لغة‪.‬‬
‫إال أن هذه األرقام ال تأخذ بعني االعتبار الفروق بني اللغات واللهجات وال‬
‫‪207‬‬

‫مساحة البلد وال كثافة السكان وال عدد الناطقني بلغة من اللغات‪.‬‬
‫‪.4‬اللغات المكتوبة‬

‫‪.1‬تصنف اللغات إىل لغات متلك كتابة ولغات ال تعرف جمال املكتوب‪.‬‬

‫‪43‬‬

‫اللغات اليت هلا أجبدية ال يتعدى عددها‬

‫‪200‬‬

‫لغة‪ .‬وهذه اللغات يف معظمها‬

‫لغات ذات ثقافة عريقة وهي رمسية يف البلدان اليت تستعملها‪ .‬بينما تعد باقي اللغات‬
‫األخرى لغات منطوقة فقط‪ ،‬وتنعت باللهجات‪.‬‬
‫‪.2‬من الناحية الداللية كلمة لغة هلا مسة رفيعة بينما يف كلمة لهجة نوع من‬
‫التقليل بل االحتقار‪ .‬ولذا فإن بعض اللسانيني يستعملون كلمة تنوع لغوي‬

‫‪variété‬‬

‫‪ linguistique‬لتفادي هذا التمييز بني نظامني للتواصل ال مييز بينهما من ناحية‬
‫البنية أو الوظيفة شيء‪.‬‬
‫‪.4‬اللغات الرسمية‬
‫‪.1‬اللغات الرمسية يف العامل عددها‬

‫‪31‬‬

‫‪ .‬بعض البلدان متلك لغة رمسية واحدة‬

‫وبعض البلدان متلك أكثر من لغة رمسية‪ .‬كما أن الكثري من البلدان تشرتك يف لغة‬
‫رمسية واحدة‪.‬‬
‫‪.2‬األمم املتحدة ال تعرتف إال ببعض اللغات مثل اإلجنليزية والفرنسية‬
‫واإلسباني ة والروسية والصينية‪ .‬ومن بني هذه اللغات العربية اليت اكتست بذلك أمهية‬
‫كانت يف حاجة إليها‪.‬‬
‫‪.5‬اللغات وعدد السكان‬
‫‪. 1‬أمهية اللغات مرتبطة أيضا بعدد الناطقني هبا‪ .‬وقد رتبها البعض حسب هذا‬
‫العدد كما يلي ‪:‬‬

‫‪44‬‬

‫أوال ‪ :‬اللغة الرمسية والغالبة يف الصني وهي املاندران بالرغم من وجود لغات‬
‫صينية أخرى وهذه اللغة متثل ما نسبته مثانني باملائة من سكان أهل الصني‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬اللغة اإلجنليزيّة وهي اللغة العاملية اليت يتحدث هبا الكثري من الناس‬
‫ويتعلموهنا‪ ،‬وهي اللغة الرمسية يف الواليات املتحدة األمريكية‪ ،‬وبريطانيا‪ ،‬وأسرتاليا‪،‬‬
‫وكندا‪ ،‬وزميبابوي‪ ،‬ونيوزلندا‪ ،‬وجنوب إفريقيا‪.‬‬
‫ثالثا‪:‬اللغة اإلسبانيّة وهي لغة رمسية يف أكثر من أربع وعشرين دولة‪.‬‬

‫رابعا ‪:‬اللغة اهلنديّة واألرديّة ‪ ،‬فاألردية هي لغة دولة باكستان الرمسيّة‪ ،‬واهلنديّة‬
‫لغة اهلند الرمسيّة‪.‬‬

‫خامسا ‪ :‬اللغة العربيّة وهي لغة رمسية يف ثالث وعشرين دولة ‪ ،‬بغض النظر‬
‫عن اختالف هلجاهتا‪.‬‬
‫سادسا ‪ :‬اللغة الروسيّة ويستعملها ما يزيد عن مئيت مليون متكلم‪.‬‬

‫سابعا‪:‬اللغة البنغاليّة وهي يف هذه الرتبة نظرا لكثافة السكان البنغاليني‪.‬‬

‫ثامنا ‪ :‬اللغة الربتغالية وهي لغة أهل الربتغال والربازيل‪.‬‬
‫تاسعا‪ :‬اللغة اإلندونيسية املسماة بلغة {املاليو}‬

‫وتأيت بعد هذا اللغة الفرنسية واألملانيّة ‪ ،‬واللغة اليابانيّة‪.‬‬
‫إال أن الرتتيب حسب عدد السكان ال يعكس دوما أمهية اللغات‪ .‬وإمنا يدخل‬
‫يف حتديد هذه األمهية عدد من املقاييس تكون أحيانا متضاربة وتتغري مع التغري‬
‫السياسي للعامل‪ ،‬وبروز تقنيات جديدة للتواصل‪.‬‬

‫‪45‬‬

‫مبحث ‪5‬‬
‫العربية وأهلها‬

‫‪.1‬اللغة والهوية الثقافية‬
‫‪. 1‬قضية اهلوية االجتماعية والثقافية تطرح اليوم بصفة حادة على مجيع‬
‫األصعدة‪ ،‬وهي تعاجل يف أغلب األحيان بصفة انفعالية‪ ،‬ساذجة‪ُ ،‬متزج فيها مفاهيم‬

‫الدين والعرق والعادات واللغة والوطن والبلد واملنشأ واجلنسية‪ ،‬طامسة كل رؤيا جلية‬
‫للقضية‪ .‬مما جيعلنا يف حاجة إىل دراسات توضح األمور ومتيز بني اخلطإ والصواب‪.‬‬
‫وهذه الدراسات قد تكون اجتماعية أو أنثروبوجلية أو نفسية أو تارخيية أو لسانية‪.‬‬
‫لكل من هذه املقاربات ميزاهتا‪ .‬أما املقاربة اللسانية فأمهيتها تربز يف جماالت‬
‫عدة كمجال التكيف االجتماعي ‪ la socialisation‬ألن اللغة هي اليت ختلق الرابط‬
‫االجتماعي‪ ،‬وتتجلى يف جمال املفاهيم وذلك أننا نفكر أساسا بأدوات اللغة‪ ،‬ويف‬
‫جمال القيم اليت تتجسد يف الكالم والنصوص املوروثة‪.‬‬
‫‪.2‬حتديد اهلوية خاضع ملن يحكم على االنتماء‪ .‬فاحلكم قد يكون داخليا‬
‫أي نابعا من الفرد نفسه أو من اجلماعة ذاهتا‪ .‬وقد يكون احلكم خارجيا آتيا من‬
‫‪46‬‬

‫أفراد ال ينتمون إىل اجلماعة‪ .‬واحلكم اخلارجي خيتلف حسب عوامل كثرية‪ .‬ويظهر‬
‫هذا جليا يف األحكام الصادرة يف الغرب على مهاجرينا‪ .‬فهم تارة مسلمون إذا نظر‬
‫إىل دينهم‪ ،‬وتارة عرب إذا نظر إىل لغتهم أو عرقهم املزعوم‪ ،‬وتارة مغاربة إذا نظر إىل‬
‫أوطاهنم‪ ،‬وتارة فرنسيون من أصل مغاريب إذا نظر إىل جنسياهتم‪.‬‬
‫واالرتباك نفسه كان حيوم حول تسمية سكان اجلزائر خالل احلقبة‬
‫االستعمارية‪ .‬فاملستعمرون كانوا أوربيني ‪ Européens‬أو أرجال سودا ‪Pieds noirs‬‬
‫وأهل البلد األصليني كانوا إما أهايل ‪ Indigènes‬مع داللة حتقريية واضحة‪ ،‬وإما‬
‫عربا‪ ،‬وإما مسلمني‪ ،‬أو مسلمني فرنسيني إن أريد دجمهم‪ .‬أما وحن فإننا كنا نسميهم‬
‫{رواما} وهو مجع {رومي} أو بعبارة شعبية {قْـور} مجع {قاوري}‬
‫{نصار} أو ْ‬
‫باستعمال قاف اجلنوب‪.‬‬
‫وبالنسبة للفتوحات اإلسالمية فإننا ننعتها هبذه العبارة‪ ،‬والفرنسيون يقولون‬
‫‪ l’invasion arabe‬أي الغزو العريب‪ .‬واإلسبان واإليطاليون يستعملون عبارات‬
‫أخرى‪ .‬ومن املهم أن نبحث عن التسميات اخلاصة باملسلمني يف معظم اللغات يف‬
‫زمان تواجدهم يف جزء من أوروبا‪ .‬فهذه التسميات ذات داللة‪ ،‬وهي تعكس‬
‫مشاعرهم وحونا‪.‬‬
‫ويف أوطاننا اليوم من يريد حتديد هويتنا حسب أهوائه وتكوينه ومنشئه‪ .‬وهذا‬
‫الحكم الخارجي لالنتماء الثقافي قد يتنافى في كثير من األحيان مع الحكم‬
‫الداخلي‪.‬‬
‫‪.3‬من الواضح أن اهلوية الثقافية هي يف نفس الوقت فردية وجماعية‪ .‬وشعور‬
‫الفرد باالنتماء إىل اجلماعة قد يكون مثاليا أو واقعيا‪ .‬كما أن االنتماء يف عصر‬
‫العوملة قد يكون متعددا‪ .‬فاملوسيقى الكالسكية مثال جتمع بني حمبيها من الغربيني‬
‫‪47‬‬

‫واليابانيني والصينيني‪ .‬والرسم جيمع بني كل فناين العامل‪ .‬كما أن اللغة تفصل وتصل‬
‫بني من تعدد تكوينهم اللغوي‪.‬‬
‫‪.2‬مكونات الهوية الثقافية‬
‫‪.1‬عندما نتذكر قصيدة حافظ ابراهيم الشهرية اليت مطلعها‪:‬‬
‫رجعت لنفسي فاتهمت حصاتي‬

‫وناديت قومي فاحتسبت حياتي‬

‫قد يطرح علينا السؤال ‪ :‬من هم أهل هذه اللغة اليت تسمى العربية ؟‬
‫للجواب عن سؤال بسيط ومعقد كهذا‪ ،‬علينا أن نبحث عن السمات‬
‫األساسية املشرتكة بني أهل الضاد‪ .‬هذه السمات عديدة وهي ختص كل اجلماعات‬
‫البشرية‪ .‬وميكن اختصارها يف التاريخ ‪ ،‬واملكان ‪ ،‬والسياسة‪ ،‬والعرق ‪ ،‬والدين ‪،‬‬
‫والعادات ‪ ،‬واللغة‪.‬‬
‫‪.2‬من ناحية المكان فأهل الضاد يسكنون بلدانا متتد من احمليط إىل اخلليج‪.‬‬
‫ومن الناحية السياسية فدوهلم تنتمي إىل جمموعة معرتف هبا دوليا تسمى جامعة‬

‫الدول العربية‪.‬‬

‫‪.3‬من ناحية العرق هذه الصفة إن طرحت يوما ما يف التاريخ اإلسالمي ‪،‬‬
‫فهي اليوم ال تطرح بتاتا‪ .‬وذلك لسبب تارخيي‪ -‬دميوغرايف وهو أن العرب بعد انتشار‬
‫اإلسالم اختلطوا مع أجناس أخرى وذابوا يف اجلماهري احمليطة هبم‪ .‬وملا امتلك البعض‬
‫لغتهم عدوا أنفسهم عربا مثلهم‪ .‬والسبب اآلخر هو أن نظرة سريعة على سكان‬
‫هذا العامل العريب‪ ،‬ترينا تنوعا كبريا يف األوصاف اجلسدية ينفي متاما الوحدة العرقية‪.‬‬
‫‪48‬‬

‫فاليوم مل يصبح أحد يدري يف هذا العامل العريب الكبري أن أجداده برابرة أمازيغ أو‬
‫فراعنة أو آشوريون أو أحيانا أتراك أو فرس‪.‬‬
‫هذا التمايز بني اللغة والعرق ال خيص العامل العريب وحده بل هو وارد يف‬
‫العديد من البلدان والشعوب‪ .‬فالفرنسيون ال يعرفون من هم أجدادهم وال االجنليز‬
‫أما ا ألمريكان فهم اليوم خليط من األجناس توحدهم اللغة والرتاب‪ .‬واللسانيني‬
‫وبالضبط األنرتوبولوجيني منهم ينفون كل تطابق بني العرق واللغة‪.‬‬
‫‪.4‬السمة الثالثة هي ارتباط اهلوية بالدين‪ .‬ولكن املعادلة {عريب = مسلم}‬
‫ليست دوما حمققة وذلك أن الفرس واألتراك مثال مسلمون وليسوا عربا‪ .‬وألنه يوجد‬
‫أيضا يف العامل العريب مسيحيون ال ميكن أن نشك يف عروبتهم‪ .‬فهم يتكلمون لغة‬
‫الضاد مثل املسلمني وقد خدموا أدهبا مبدعني فيه‪ ،‬وأجنزوا يف جماالهتا أحباثا تعرب‬
‫عن حبهم هلا‪.‬‬
‫إال أن البعد الديين‪ ،‬وخصوصا يف بلدان املغرب واخلليج‪ ،‬له عالقة وطيدة‬
‫باللغة‪ .‬الكثري من املواطنني يشعرون بأن انتماءهم العريب مرتبط بانتمائهم الديين‪،‬‬
‫وأن لغتهم ال ميكن فصلها عن لغة القرآن‪ ،‬وال غرابة يف ذلك فاللغة العربية مل تدخل‬
‫هذه األقطار الشاسعة إال عن طريق الفتوحات اإلسالمية‪ ،‬والشعوب اليت متلكت‬
‫العربية متلكتها عن طريق اعتناق الدين اإلسالمي‪ .‬ومهما يكن من أمر‪ ،‬ومهما يكن‬
‫انتماؤنا العقائدي أو السياسي‪ ،‬فإنه ال ميكن إزالة البعد الديين عن اللغة من أذهان‬
‫الكثري‪.‬‬
‫‪.5‬كل العناصر اليت حتيط مبفهوم االنتماء الثقايف العريب تظهر رغم أمهيتها‬
‫غري مميزة متييزا قاطعا كاملقياس اللغوي الذي يبقى أساسيا يف حتديد هذه اهلوية‪.‬‬

‫‪49‬‬

‫‪.3‬الهوية اللغوية‬
‫‪.1‬اهلوية اللغوية يشرتط يف صاحبها أن يتكلم اللغة اليت متنحه هذه اهلوية‪.‬‬
‫ولكن األملاين األصل مثال‪ ،‬إن تعلم العربية وأجادها‪ ،‬فهو يبقى أملانيا‪ .‬فهذا يعىن أن‬
‫الشرط اخلاص مبعرفة اللغة متعلق بطريقة اكتساهبا‪.‬‬
‫‪.2‬واكتساب اللغة يقع يف زمن من األزمنة ‪ ،‬ويف بيئة من البيئات اليت يعيش‬
‫فيها الفرد‪ .‬ومن الواضح أن اهلوية اللغوية تقتضي أن تكون اللغة مكتسبة يف الطفولة‬
‫أي أن تكون لغة األمومة‪.‬‬
‫‪.3‬وهنا تطرح علينا قضية {لغة األم} من اجلانب االجتماعي واللساين‪ .‬من‬
‫الناحية االجتماعية فلغة األم ال ميكن حصرها يف األم وحدها‪ ،‬فقد يتكلم الوالدان‬
‫لغتني خمتلفتني‪ ،‬مما جيعلنا نرجع هذه اللغة إىل لغة العائلة‪ ،‬أو حىت لغة الجوار‪.‬‬
‫فبعض العائالت ألسباب تعليمية‪ ،‬أو إيديولوجية يتكلم أفرادها لغة أجنبية إال أن‬
‫الطفل يف الشارع جيد نفسه يف حميط جيربه على الكالم باللغة اليت كان يتكلم هبا‬
‫أجداده‪.‬‬
‫أما من ناحية طبيعة لغة األمومة يف عاملنا العريب فاألمر بديهي‪ ،‬وإن مل يفكر‬
‫فيه الكثري‪ ،‬فلغة األم هي العامية المحلية‪ .‬وهنا تطرح قضية تواجد العامية‬

‫والفصحى عند الفرد العريب ويف اجملتمع‪.‬‬

‫الحظ أن املغرتبني يف البلدان الغربية قد يتكلم أبناؤهم لغة أهل البلد وجيهلون‬
‫لغة أجدادهم غري أن العوامل الثقافية األخرى تتدخل يف حتديد اهلوية‪.‬‬

‫‪50‬‬


Aperçu du document العربية بين البعد اللغوي والبعد الاجتماعي.pdf - page 1/208
 
العربية بين البعد اللغوي والبعد الاجتماعي.pdf - page 3/208
العربية بين البعد اللغوي والبعد الاجتماعي.pdf - page 4/208
العربية بين البعد اللغوي والبعد الاجتماعي.pdf - page 5/208
العربية بين البعد اللغوي والبعد الاجتماعي.pdf - page 6/208
 




Télécharger le fichier (PDF)





Documents similaires


alqafyat v 15 j 2016
la langue berbere recueil de textes de s chaker
boulifa
boulifa 1
timmuz a 11
ibn khaldoun linguistique moderne neggad salim

Sur le même sujet..




🚀  Page générée en 0.15s